مشاهدة النسخة كاملة : مقاصد السور في القرآن الكريم
ام هُمام
12-31-2017, 07:19 PM
:1:
مقاصد السور
د. محمد عبد العزيز الخضيري
سلسلة محاضرات ألقيت بجامع القاضي بالرياض
رمضان 1436هـ
سورة الفاتحة
خير ما نتحدث به في هذه المجالس هو الحديث عن كتاب الله خصوصا في هذا الشهر الكريم الذي هو شهر القرآن (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) لن نتحدث عن تفسير الآيات مفصلا ولكن نتحدث عن كل سورة نبين ما فيها من قضايا عامة والأمور الكلية وما تختص به كل سورة من موضوع تتحدث عنه. وهذه القضية تفيدنا كثيرا في فهم معاني الآيات وتختصر لنا كثيرا من المسافات وتفسر لنا كيف ينتقل القرآن من قضية إلى قضية إذا علمنا ما هي القضية المحورية والهدف الذي تسعى هذه السورة لتحقيقه. ولنبدأ مع سورة الفاتحة هذه السورة الكريمة العظيمة التي هي أعظم سور القرآن.
سورة الفاتحة مكونة من سبع آيات بإجماع المسلمين (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) وهي سورة الفاتحة وبهذا فسّر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية.
هذه السورة مكية النزول وهي واجبة القرآءة في الصلاة ونحن نستمع إليها في اليوم والليلة أكثر من 17 مرة إما أن نقرأها وإما أن نستمع إليها. هذه السورة ورد في فضلها أحاديث كثيرة وأيضًا لها أسماء كثيرة جدا تزيد على العشرة منها سورة الفاتحة وأم الكتاب وأم القرآن وسورة الصلاة والشافية والرقية وغيرها مما ذكره أهل العلم من أسمائها.
لكن بم تتميز هذه السورة؟ هذه السورة تتميز بأنها قواعد كلية تلخص الدين كله من أوله إلى آخره وينبغي لكل واحد منا أن يعلم أنه لا يخرج عن هذه السورة شيء مما أراده الله سبحانه وتعالى من عباده، وقد تقول هذه مبالغة في شأن هذه السورة لكنها الحقيقة فكل ما جاء بعد هذه السورة من كتاب الله هو تفسير لها وبيان لمعناها وما تركت هذه السورة من أمر الدين والدنيا شيئا إلا ذكرته لكن لم تذكره تفصيزلا وتدقيقا وإنما ذكرته إجمالا ولأجل ذلك أُمرنا أن نتلوها في اليوم والليلة مرات كثيرة ونستمع إليها باستمرار لنجعلها منهج حياة.و
:2:
ام هُمام
12-31-2017, 07:23 PM
هذه السورة فيها أولًا توحيد الله عز وجلّ بأنواعه الثلاثة: توحيد الألوهية (الحمد لله) و (إياك نعبد) وتوحيد الربوبية (رب العالمين) و (إياك نستعين) وتوحيد الأسماء والصفات (الرحمن الرحيم) (مالك يوم الدين).
الإيمان باليوم الآخر: وأكثر ما يقترن مع الإيمان بالله وتوحيده هو الإيمان باليوم الآخر في قوله (مالك يوم الدين) فالدين هو الجزاء والحساب وهو يوم القيامة.
الأمر الثالث: حمد الله وشكره والثناء عليه وهذا هو أعظم ما تقرب به العباد إلى ربهم سبحانه وتعالى فأنت إذا أثنيت على الله وذكرته بأسمائه وصفاته وتلوت أسماءه بلسانك متذكرًا معانيها بقلبك فإنك أدّيت أفضل ما يؤديه الإنسان مع ربه سبحانه وتعالى والدليل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أؤنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله. فذكر الله خير من الصدقة وخير من الجهاد وخير من سائر الأعمال ولذلك ما أمر الله بشيء فطلب الاستكثار منه غير الذكر جاء في عشرة مواطن في كتاب الله (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) (اذكروا الله كثيرا) ما جاءت (كثيرا) إلا مع الذكر ليتبين أن أفضل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه هو ذكره جعلني الله وإياكم من الذاكرين.
الدين ملخّص في قول الله عز وجلّ (إياك نعبد وإياك نستعين) كل الدين، الصلاة من إياك نعبد والزكاة من إياك نعبد والصوم من إياك نعبد والحج من إياك نعبد والذكر من إياك نعبد. والبيع والشراء والجهاد في سبيل الله والنكاح والقضاء والحدود وغيرها من (إياك نستعين) كلنا بحاجة أن نستعين بالله عز وجلّ في بيعنا وشرائنا وسعينا في الدنيا وزواجنا وتربيتنا لأولادنا في جميع حوائجنا في ليلنا ونهارنا في سرّنا وعلانيتنا فبهذا ما خرج شيء عن هذه الآية حتى قال العلماء: هي أجمع آية في القرآن بل إن الشرائع والكتب السماوية المنزلة على الأنبياء مجموعة في قول الله عز وجلّ (إياك نعبد وإياك نستعين) فأنت تقول لله معترفًا: لا أعبد أحدا سواك ولا أستعين بأحد إلا بك فأنت وحدك المعين وأنا عبدك الضعيف أتقرّ[ إليك بالعبادات وأحتاج إلى عونك يا ربي على قضاء حوائجي كلها وأولها وأعظمها وأجلّها عبادتي لك ولذلك تعترف لله بقولك (إياك نعبد وإياك نستعين)
ام هُمام
01-01-2018, 04:35 PM
وإذا نظرت إلى سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف وغيرها وجدت أنها تدور ما بين العبادة والإستعانة، انظروا الآية (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ) كل هذه من العبادات والعقائد (إياك نعبد). (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) هذه من إياك نستعين، وما بعدها كله من هذه الشاكلة. فالدين والدنيا مجموعة في قولك (إياك نعبد وإياك نستعين). إذا قدمت المسجد تريد أن تصلي لا بد أن تدور بين هاتين الجملتين: أنت خارج لتصلي (إياك نعبد) تحتاج أن تُعان حتى تصلي (إياك نستعين، نحن نعيش أيام صيام، هذه (إياك نعبد) نحتاج إلى أن يعيننا الله على الصيام (إياك نستعين) حتى أمور الدنيا المجردة أنت بحاجة فيها إلى إياك نستعين وتقدر أن تجعلها إياك نعبد إذا نويت بها التقرب إلى الله عز وجلّ صارت من (إياك نعبد) وإذا استعنت بالله على قضائها صارت إياك نستعين. هذه خلاصة الدين والدنيا والحياة كلها في هاتين الجملتين العظيمتين التي يعترف كل عبد من خلالهما بأن الله وحده هو المتفرد بالعبادة والمتفرد بالعون.
ولما اعترف العبد لربه بأنه هو المعين وحده كأنه يلمّح إلى أن يسأل الله أهم مسألة يستعين بالله على عونه إياها، فكأنه يقول: يا رب أعني فيقول له ربه وماذا تريد يا عبدي أن أعينك عليه؟ يقول: اهدنا الصراط المستقيم. هذا أهم سؤال يسأله الإنسان ربه أن يهديه الصراط المستقيم. الصراط المستقيم هو الإسلام، القرآن، الإلتزام بمنهج محمد صلى الله عليه وسلم فأنت تسأل الله أن يهديك إليه في صغار الأمور وكبارها في ظاهرها وباطنها فيما استجد وما كان قديما فيما ينجلي للناس وما يخفى عليهم فيما تحب وما تكره في العبادات والمعاملات في كل الأحوال بل في كل نفس من أنفاس عمرك أنت بحاجة إلى الصراط المستقيم وهذا هو سر كوننا نردد هذا الدعاء في اليوم والليلة مرات كثيرة، أنت بحاجة للهداية للصراط المستقيم في التعامل مع زوجتك في المسير في طريقك في بيعك وشرائك في قيادة سيارتك في ذكرك لربك في قرآءتك للقرآن عندما تكبر للصلاة في دقائق الحياة وتفاصيلها التي تعلمها والتي لم تتعلمها بعد.
ام هُمام
01-02-2018, 04:35 PM
وإذا سألت الله عز وجلّ الصراط المستقيم يحضر لك أقسام الناس بالنسبة لهذه الصراط فهم ثلاثة: المنعم عليهم وهم الذين التزموا هذا الصراط والمغضوب عليهم وهم الذين عرفوا هذا الصراط لكنهم ما سلكوا طريقه والضالون وهم الذين ضلوا عن هذا الصراط. وما في القرآن من أصناف الناس إلا هذه الثلاثة إما أن يكونوا من المنعم عليهم وإما أن يكونوا من المغضوب عليهم وإما أن يكونوا من الضالين. ولذلك قال سفيان بن عيينة: من ضلّ من علمائنا ففيه شبه باليهود ومن ضلّ من عبّادنا ففيه شبه بالنصارى. وفي أول سورة البقرة أول ما قال (هدى للمتقين) قسّم الناس إلى ثلاثة أقسام:
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾) اهدنا الصراط المستقيم
ثم جاء إلى الصنف الثاني (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾) هؤلاء من الضالين
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾) هؤلاء من المغضوب عليهم لأنهم يعرفون الحق ويتنكبون الصراط المستقيم.
ثم تأمل السورة مرة أخر لتجد أنها انقسمت إلى قسمين قسم لله وقسم للعبد فأما النصف الأول ثلاث آيات ونصف فهي خالصة لله والنصف الثاني ثلاث آيات ونصف خالصة للعبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾ إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ثلاث آيات ونصف هذه لله (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أطلب العون منك يا الله، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾) ثلاث آيات ونصف للعبد.
ام هُمام
01-03-2018, 06:44 PM
وهذه السورة علمتنا كيف ندعو ربنا لا تقل مباشرة يا رب اغفر لي بل قدّم بين يدي دعائك حمدا وثناء لله عز وجلّ واعترافًا بحالك (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿٥﴾) ثم اعترف لله عز وجلّ بأنك عبده وأنك لا يمكن أن تترفع على هذه العبودية وأنك تطلب العون منه وأنك مفتقر إليه وإلى ما عنده ثم قل مسألتك ستُجاب ولن يردّ عنها الباب ولن يكون بينها وبين الله حجاب.
السورة سورة التربية تعلمك على الشكر من أول لحظة (الحمد لله) تشكر الله على كل نعمه وتثني عليه بكل ما له من أسماء وصفات ومحامد سبحانه وتعالى.
تربي السورة على الرحمة لما ذكرت صفة الرحمة لله لم تذكر عبر اسم واحد من أسمائه بل ذكرت عبر اسمين وأنت تقرأ الفاتحة تردد صفة الرحمة أربع مرات (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾) لتعلم أن دينك رحمة وحياتك لن تستقيم إلا بالرحمة وأنك لن تنال رحمة الله حتى تكون أرحم الناس بالناس وأن الله عز وجلّ لولا أن رحمته سبقت غضبه لعذبنا جميعا.
هذه إطلالة على سورة الفاتحة نفعنا الله بها وجعلنا الله من أهل القرآن أهل الله وخاصته.
ام هُمام
01-04-2018, 05:39 PM
السورة الثانية من سور القرآن هي سورة البقرة وهي أكثر سور القرآن آيات وما فيها من الأحكام والمقاطع كثيرة جدا حتى ليظن من يقرؤها أنها سورة منوعة وأنه لا يوجد رابط لهذا التنوع الكبير الموجود في هذه السورة الكريمة. ولكني سألخص لكم حقيقة هذه السورة وما ترمي إليه. سورة البقرة هي سورة الاستجابة والطاعة تريد من العباد وتريد من الناس أن يستجيبوا لله وأن يأخذوا أحكام الله بجدّ وقوة، هذه خلاصة هذه السورة.
افتتحت هذه السورة بذكر أقسام الناس في الاستجابة لله عز وجلّ وطاعته. قال الله عز وجلّ (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾) ثم ذكرت من هم هؤلاء المتقون (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾) ثم ذكرت من لم يستجيبوا أساسًا وهم الكفار وأعلنوا ذلك صراحة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾) ثم ذكرت صنفًا ثالثًا وهم الذين أظهروا الاستجابة وأبطنوا الكفر وهم المنافقون (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾) وأطالت في أوصافهم لأن أمرهم يخفى على كثير من الناس فهم لا يُعرفون بأسمائهم ولا بأشكالهم وألوانهم وإنما يعرفون بسيماهم وأوصافهم.
لما تقرر هذا في هذه المقدمة الجميلة المختصرة ذكر بعد ذلك ثلاثة نماذج في غاية الوضوح لتحقيق هذا الأمر:
ام هُمام
01-06-2018, 05:42 PM
النموذج الأول قصة آدم عليه الصلاة والسلام لما خلقه الله وأسجد له ملائكته وكرّمه بهذه الكرامة العظيمة ثم أسكنه جنته وأغرى به إبليس يوسوس له ويزيّن المعصية فعصى فلما عصى أهبطه الله من الجنة. فانتبه! هذه الأوامر المذكورة في هذه السورة لك إن أخذت بها سعدت ونلت أعلى المراتب وإن تخلّفت نالك ما نال أباك.
القصة الثانية ليست قصة لفرد وإنما قصة لأمّة حتى لا يظن أحد أن هذا خاص بالأفراد دون الأمم. قصة بني إسرائيل افتتحت بقول الله عز وجلّ (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿٤١﴾ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤٢﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾) إلى آخر ما هنالك. فذكر الله في قصة بني إسرائيل أنه آتاهم الكتاب وكلّفهم وأنعم عليهم بالنعم الكثيرة ولكنهم قابلوا ذلك بالعضيان والتمرد الاختلاف على الأنبياء وكثرة التشقيق ومحاولة التخلّف عن طاعة الله عز وجلّ (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٦١﴾)
ام هُمام
01-07-2018, 05:23 PM
ثم جاءت قضية بني إسرائيل في قصة أكثر وضوحا وهي قصة البقرة التي سميت بها هذه السورة كرمز لهذا المعنى العظيم الذي لخّصنا به السورة وهي الاستجابة لله ورسوله والطاعة التامة والتسليم المطلق (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) يقولون لنبي لرسول من أولي العزم أتتخذنا هزوا! أتهزأ بنا يا موسى؟! (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٦٧﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴿٦٨﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا) عجلوا لا تتأخرون ولكنهم مستمرون لم يستجيبوا عندهم عادة في التأبي والتملص من الأحكام كحال كثير من المسلمين في هذا الزمان تقول له قال النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: هذا فرض أو واجب؟ تقول له واجب، يقول: هل هو واجب مؤكد يكفر الإنسان إذا تركه؟ يعني كبيرة أو صغيرة؟تقول صغيرة، يقول إذن يمكن إذا صلى الواحد صلاة يكفّر عنه! بهذه الطريقة نحن نتعامل مع النصوص كحال بني إسرائيل (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿٧٠﴾ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴿٧١﴾) يا بني إسرائيل احذروا أنتم الآن على شفا هلكة، أنتم بهذه الطريقة تتملصون من أحكام الله وتتوارون عن طاعة الله لا يليق بكم ذلك. النهاية أن الله عز وجلّ كان قد فضلهم على العالمين فسلبهم التفضيل وجعل منهم أمة قردة وخنازير وضرب عليهم الذة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله.
ام هُمام
01-08-2018, 05:32 PM
إذن المثال الأول لشخص وهو أبونا آدم والمثال الثاني لأمة وهم بني إسرائيل والمثال الثالث لإبراهيم عليه السلام. بدأت قصة بني إسرئيل بقول الله تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾) وختمت بنفس البداية (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿١٢٢﴾) فلما انتهى من قصتهم في ثمانين آية تقريبًا قال (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) ماذا فعل إبراهيم بالكلمات التي ابتلاه بها؟ (فَأَتَمَّهُنَّ) افعلوا مثل أبيكم. (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) طمع إبرهيم عليه الصلاة والسلام قال ما دمت ستجعلني إمامًا فاجعل ذريتي كذلك يا رب (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) قال الله (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) حتى أمة محمد متى تخلفت عن إتمام الكلمات ولم تقم بها ولم تستجب لله ولا لرسوله فإنهم لا ينال عهد الله الظالمين. ونفّذ إبراهيم ما أُمر به بكل قوة وصدق، هذا نموذج لمن أطاع الله عز وجلّ وأخذ أمره بقوة وجدّ.
بعدما انتهى من تقرير هذه النماذج الثلاث وإيضاح النماذج بين أيدينا بدأ بنا نحن وأمرنا بأوامره سبحانه وتعالى فبدأ بالتوحيد في قوله (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٣﴾ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٦٤﴾) إلى آخر تلك الآيات يقرر فيها عقيدة التوحيد.
ام هُمام
01-09-2018, 05:06 PM
وبعد أن انتهى من التوحيد بدأ بالشرائع في قوله عز وجلّ (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾) هنا جملة الشرائع، هذه الآية جامعة لكل ما يريده الله من عباده وذكر فيها من أركان الإسلام الخمسة: الصلاة والزكاة. بقي الصيام والحج جاء بعدها (يا أيها كتب عليكم الصيام تتقون) وبعدها (وأتموا الحج الهدي) فرتبت أركان الإسلام في هذه السورة كترتيبها في حديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس: التوحيد (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٣﴾) ثم (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾) (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)
وبعد أن انتهى من قضايا أركان الإسلام انتقل إلى القضايا الاجتماعية وهي أحكام النكاح والطلاق والعدد والحيض وما يتصل بها مما يحتاجه الناس في حياتهم الاجتماعية.
ام هُمام
01-10-2018, 05:25 PM
وبعد أن انتهى من الحياة الاجتماعية انتقل إلى القضايا المالية وبدأها بقول الله عز وجلّ (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦١﴾) ورغّب الناس في الصدقة في آيات لم يُرى مثلهن في القرآن ولما انتهى من الترغيب في الصدقة ذكر ضديدها الربا (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٧٥﴾) ولما قرر هاتين القضيتين الصدقة وضدها وهو الربا ذكر أحكام البيوع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٨٢﴾) إلى آخر آية الدَيْن.
ام هُمام
01-11-2018, 08:22 PM
وبهذا أصبحت هذه السورة هي كلية الشريعة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: التوحيد، أركان الإيمان، الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد كلها موجودة في السورة (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿١٩١﴾) (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٢٤٣﴾ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٤٤﴾)، قضايا الأسرة والحياة الاجتماعية، القضايا الاقتصادية، أحكام القصاص وما يتصل بها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٨﴾) الوصايا وما يتصل بها (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿١٨٠﴾)
ام هُمام
01-12-2018, 07:01 PM
بيّن لك في هذه السورة كل شيء وما الواجب عليك فاسمع وأطع وسلّم أمرك لله وإياك أن تتخلف عما أوجب الله عليك أو تحاول أن تتملص من أحكام الله عز وجلّ فإنك إن تملصت صار مصيرك مصير أبيك آدم أو مصيركم بني إسرئيل الذين فضلهم الله على العالمين فتملصوا فسلبهم الله ذلك التفضيل وضرب عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب الله. إن استجبتم وأطعتم صار مصيركم مصير إبراهيم إمام الحنفاء وأبو الأنبياء وخليل الرحمن وأحد أولي العزم من الرسل والذي يؤكد هذا أن آخر السورة قال الله عز وجلّ مبينًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد استجابوا وآمنوا وأطاعوا وامتثلوا أمر الله (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) لكن يا رب أحيانًا تزلّ بنا القدم (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) قال الله من رحمته بنا (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) لا يكلفك الله شيئا لا تطيقه ما لا تطيقه من أوامر الله فإنه الله عز وجلّ يسقطه عنك (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾).
تقرأ سورة البقرة فتظن أنك في كل لحظة تأتي إلى قضية لا تتصل بالقضية الأخرى ولكن عندما تنظر إليها هذه النظرة الكلية العامة ستجد أنها سورة قد رُتبت ترتيبًا بديعًا ونظمت نظمًا عجيبًا وأحكمت آياتها إحكامًا في غاية الإتقان وهذا شيء يسير من فيوضها وأنوارها وإلا فالمجال يطول لو أردنا أن نسبح فيما احتوته هذه السورة من البدائع والعجائب والعبر العظات والدروس والحِكَم.
ام هُمام
01-13-2018, 05:39 PM
سورة آل عمران
حديثنا حول سورة آل عمران هذه السورة العظيمة الكريمة التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم مع سورة البقرة بالزهراوين قال :اقرأوا الزهراوين فإنهما يأتيا يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صوافّ تحاجان عن صاحبهما والأحاديث الواردة في فضلها صحيحة وكثيرة ومرغّبة للإنسان في أن يستمسك بها ويعتني بها ويحرص على تلاوتها وحفظها. هذه السورة الكريمة فيها قضايا كثيرة جدًا لكن أبرز هذه القضايا هي قضية التوحيد والذي يدلل على ذلك أنها افتتحت بالتوحيد قال الله عز وجلّ (الم ﴿١﴾ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾) فافتتحها الله عز وجلّ بكلمة التوحيد وهي قوله (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وهذه الكلمة لم ترد في سورة مثلما وردت في سورة آل عمران فقد جاءت في خمس مواطن بينما في سورة النساء جاءت في موطن واحد (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴿٨٧﴾). في سورة آل عمران جاءت في خمس مواضع:
(اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)
وفي نفس السياق في الصفحة الأولى يقول الله عز وجلّ (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦﴾)
ثم جاءت في آية أخرى مرتين (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٨﴾)
وجاءت مرة خامسة في قوله جلّ وعلا (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦٢﴾)
هذه الآيات كلها في التوحيد الخالص، هذا واحد من الشواهد على أن هذه السورة سورة التوحيد.
ام هُمام
01-14-2018, 05:07 PM
أما الشاهد الثاني فهو ورود كلمة الاسلام، لم ترد في القرآن في سورة بمثل العدد الذي وردت فيه في هذه السورة الكريمة (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٩﴾ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿٢٠﴾) وقال سبحانه وتعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٥٢﴾) (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٨٥﴾) وغيرها من المواطن التي وردت في هذه السورة ويراد بالاسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك. ومما يدلل على أن هذه السورة سورة التوحيد وأنها اعتنت بهذا الأمر عناية بالغة أنها سميت سورة آل عمران فما دلالة آل عمران على التوحيد؟ نقول هذه السورة في أكثر من مائة آية جاءت في حوار النصارى ومناقشتهم في القضية الكبرى التي أخلّوا فيها بإسلامهم وهي قضية تأليه عيسى أو ادعاء أنه ابن لله عز وجلّ فالله عز وجلّ لما أنزل هذه السورة نص فيها على هذه الأسرة الكريمة وهي أسرة آل عمران ليقول لك إن عيسى ينتمي إلى سلالة بشرية معروفة كما تعرف سائر السلالات البشرية والأُسر الإنسانية المبثوثة في هذه الأرض فهناك أسرة يقال لها آل عمران منهم عيسى هذا الذي أنتم ادعيتم أنه ابن الله فهو من سلالة بشرية معروفة. فهو يرمز باسم السورة فلم يسمّها سورة الحيّ أو أُحد أو أيّ اسم آخر وسماها آل عمران للرد على النصارى بأن عيسى الذي تدعونه إلها أو ابنا لإله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا هو بشر كسائر البشر (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٥٩﴾) فإن كنتم تستغربون من عيسى وترون أنه ظاهرة مختلفة عن سائر البشر فأبونا آدم أشد غرابة لأن آدم لم يكن له أبوان وعيسى كان له أم من دون أب.
ام هُمام
01-15-2018, 05:04 PM
ومما يؤكد أن هذه السورة سورة التوحيد معنى بلاغي في غاية الدقة وهو ما يسمى في البلاغة عند علماء البلاغة والبيان رد العجز على الصدر بمعنى أن المتحدث يبدأ بكلام يشير فيه إلى ما يريد أن يتحدث عنه ثم يختم كلامه بالعَوْد على الموضوع الأساس الذي بدأ به حديثه فيسمون هذا رد عجز الكلام على صدره أي أوله والقرآن كله بُني على هذه القاعدة البلاغية. فإذا نظرت إلى السبع الطوال أو السبع سور الأولى التي افتتح بها القرآن والسبع القصار التي ختم بها القرآن تجدها هكذا مثال: سورة الفاتحة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾) فجاء اسم الله والرب ومالك وآخر سورة في القرآن (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾
إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾) الأسماء الثلاثة الموجودة في سورة الفاتحة أعيدت في سورة الناس. سورة البقرة ذكر فيها قضية السحر والحسد بشكل واضح ولذلك من أعظم ما يُرقى به المسحور والمحسود سورة البقرة يقابلها سورة الفلق (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿٤﴾ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾). إذا نظرت إلى سورة آل عمران (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾) يقابلها في آخر القرآن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾)
ام هُمام
01-16-2018, 05:14 PM
مواضيع السورة
هذه السورة فيها موضوعان أساسيان: الموضوع الأول هو قضية الحوار مع النصارى وقد نزلت آياتها الأولى في مناظرة النصارى ومجادلتهم ومحاجتهم عندما جاء وفد نصارى نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه السورة ليقيم الحجة عليهم في أعظم أمر أخلّوا فيه وهو قضية تأليه عيسى عليه الصلاة والسلام وادّعاء أنه إله أو ابن إله تعالى الله عما يشركون فجاءت هذه السورة لتفن هذا تمام عيسى من البشر وتحكي قصته من البداية (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾) ثم تأتي بالقصة وكيف جاءت مريم وكيف تفرّغت مريم للعبادة ثم إن الله عز وجلّ كفلها زكريا ثم إن الله عز وجلّ جعل لها هذه الآية العجيبة وهي أن يخلق عيسى في جوفها من غير أب. ثم يقوم عيسى بدوره الذي أناطه الله به وهو القيام بالتوحيد وأنه عبد لله عز وجلّ كما في قوله جلّ وعلا لما قال لبني إسرائيل مبينا حقيقته (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٥٠﴾ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٥١﴾) ثم بدأت الآيات تناقشهم وتحاورهم إلى أن وصل الحوار إلى مرحلة المباهلة وهي أن تدعو خصمك الذي لم يقبل بحجتك وتقول أنا متأكد أن حجتي بالغة وأنها قد مامت عليك وأن الذي يمنعك من قبولها هو الكبر وعدم الرضوخ للحق وإلا فبأيّ حق تدّعي لبشر أنه إله تعالَ تدعو عليّ وأدعو عليك، قال الله عز وجلّ (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴿٦١﴾) أدعو أنا على نفسي بأني إن كنت كاذبًا في ما ادّعيته في حق عيسى أن يجعل الله عليّ لعنته وأنتم تقولون ذلك ثم نفذ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بنفسه فدعا فاطمة وعليا والحسن والحسين وقال للنصارى الذين جاؤوه من نجران: اخرجوا نبتهل فاجتمعوا وقالوا والله إنا نخشى أن تصيبنا هذه المباهلة بباقعة فلا تبقى منا نفس منفوسة بل ارضوا بمصالحة محمد وادفعوا له الجزية وهذا يدل على أنهم كانوا يعلمون أن الحق كان معه وأن الآيات التي أنزلها الله من سورة آل عمران قد أبلغت في الحجة وقطعت دابر أي شبهة لديهم ولذلك قال الله لهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٦٤﴾) تجلّت هذه القضية بهذا الوضوح وهو قضية التوحيد في أكثر من مائة آية.
ام هُمام
01-17-2018, 05:15 PM
عد هذا كله لما بيّن الله عظمة التوحيد وأهميته وأقام الحجة عليه بدأ يذكر مستلزمات هذا التوحيد ومن أهمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاء والبراء والجهاد في سبيل الله، إذا كنت موحدًا لله حقًا فإنك ستقوم لله عز وجلّ بأمره بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتوالي وتعادي في الله وتجاهد في سبيل الله وهذا ما جاء بعد ذكر التوحيد فبعدما ذكر الله هذه القضايا قال للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٠٢﴾ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠٣﴾ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٤﴾) ثم قال (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿١١٠﴾) ثم بعدما انتهى من هذا ذكر قضية الولاء والبراء في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) لا تتخذوا أعدائي الذين يشركون بي بطانة تجعلونهم وزراء ومستشارين عندكم فإن هذا يتعارض مع أصل التوحيد، الولاء والبراء فرع عن التوحيد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) يودون عنتكم والمشقة التي تنزل عليكم قال الله عز وجلّ (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١١٨﴾ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١١٩﴾)
ام هُمام
01-18-2018, 05:53 PM
هذا الأمر الثاني. والأمر الثالث الجهاد وجاءت صورة الجهاد في غزوة أحد قال الله عز وجلّ (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٢١﴾) الجهاد لا يستقيم إلا على عامود التوحيد، هو ذروة سنام الإسلام لكن قبله ذروة السنام يقوم على أشياء أهمها وأعظمها وأجلّها التوحيد لأنه لا جهاد إلا بتوحيد والجهاد كله من أجل التوحيد وإراقة الدماء وقتل النفوس إنما يكون لأجل هذه الكلمة لا إله إلا الله ولا يمكن أن يبذل الإنسان نفسه ويهجم في ميدان المعركة وفي ساحة الوغى إلا وقد امتلأ قلبه بالتوحيد ولذلك جاءت هذه السورة لتعبر عن هذا المعنى وهو قصة غزوة أحد التي قال الله عز وجلّ (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٢٣﴾) ثم ذكرت بما حصل في بدر ثم قال الله عز وجلّ (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) أي في أُحد (فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿١٤١﴾ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٢﴾ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿١٤٣﴾ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) لا يجوز لكم أن تعلّقوا دينكم بوجود النبي صلى الله عليه وسلم فالرسول قد بلّإ الرسالة وأدّآ الأمانة، أنتم تتعلقون بالله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴿١٤٤﴾). ثم يضرب الله عز وجلّ لهم مثلا ممن سبقهم من الأمم التي ثبتت وصبرت على دينها مع شدة ما أصابها من اللأواء قال (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٦﴾ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿١٤٧﴾ فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤٨﴾).
ام هُمام
01-19-2018, 06:45 PM
ثم يعود ليعقد صلة بين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في جهادهم فلا يتشبهوا بالكافرين ولا يطيعوهم ولا يسمعوا لهم لأن هؤلاء الكافرين لا يبتغون لنا إلا العنت والمشقة والذل والهزيمة والخيبة والخسران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴿١٤٩﴾ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴿١٥٠﴾) تعلّقوا بالله. ثم تستمر الآيات على هذا المنوال إلى أن قال الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١٥٦﴾) وما تزال الآيات على هذا المنوال تجري وتأتي بأنواع من الدروس والعبر المتصلة بقضية الجهاد وما ينبغي للمسلمين أن يكونوا عليه من الآداب وإذا هزموا أن يعرفوا من أين جاءتهم الهزيمة (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٦٥﴾)
عادت السورة مرة أخرى إلى التوحيد (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿١٨١﴾) ثم قال بعدها (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴿١٨٧﴾) وهو رد على أهل الكتاب في كتمانهم العهد والميثاق الذي أخذه الله عليهم، ثم ذكر دلائل التوحيد بقوله (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٨٩﴾ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٠﴾
ام هُمام
01-20-2018, 05:53 PM
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٩١﴾) ويذكر صفات هؤلاء المؤمنين المتعلقون بالله عز وجلّ الذين يدعون الله ويتوسلون إليه بإيمانهم وتوحيدهم (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴿١٩٣﴾) ثم يذكر الله سبحانه وتعالى ماذا أعطاهم فيقول الله (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴿١٩٥﴾) ثم يقول الله لنا في موضوع جاء في أول السورة وهو أن لا نغتر بالذين كفروا ولا بأموالهم ولا بما آتاهم الله من زينة الحياة الدنيا، جاءت في أول السورة وفي أوسطها وفي آخرها في قوله (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿١٩٦﴾) أكثر ما يغري الناس بحياة الكفار هو هذه السعة والبسطة في الرزق والمال والرغد في العيش والتنظيم في الحياة هذا يفتن الناس فالله يقول احذروا أن تدعوا هذا التوحيد والاستمساك بالدين والأمر بالمعروف والولاء لله والبراء لله والجهاد في سبيل الله اغترارا بما عند الكفار من نعيم الدنيا (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿١٩٦﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٩٧﴾) ثم يغريك بالجنة (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴿١٩٨﴾) ثم يقول مبيّنًا حقيقة عظيمة ومُنصِفة أن أهل الكتاب ليسوا على شاكلة واحدة بل منهم من رضي بالإسلام دينًا ووحّد الله عز وجلّ قال (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٩٩﴾). ثم ختمت هذه السورة بهذا الأمر العظيم الذي يلزم كل مؤمن حتى يلقى الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾)، وبهذا انتهت هذه السورة الكريمة المكونة من مئتي آية وقد نزلت كلها في المدينة.
ام هُمام
01-21-2018, 04:40 PM
سورة النساء
نتحدث عن سورة النساء هذه السورة العظيمة التي هي ثاني أطول سورة في القرآن الكريم. هذه السورة سورة مدنية وموضوعاتها التي عالجتها هي موضوعات القرآن الذي نزل بالمدينة أحكام الأسرة والأحكام الشرعية المختلفة والتعامل مع اليهود والمنافقين وما إلى ذلك مما هو سارٍ في القرآن المدني.
هذه السورة الكريمة ذكر ابن مسعود أن فيها خمس آيات، يقول: ” إِنَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، لَخَمْسَ آيَاتٍ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ثم ذكرهنّ وهي قول الله عز وجلّ (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴿٣١﴾)، وَقوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾) (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿١١٦﴾) وَقول الله عز وجلّ (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)) وقول الله عز وجلّ (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)) وقول الله عز وجلّ (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١١٠﴾)
ونلاحظ أن ابن مسعود وجد أن هذه الآيات كلها آيات رجاء وفضل من الله سبحانه وتعالى على عباده فالمؤمن يفرح بمثل هذا الرجاء الذي يُنثر في السورة فكلما جاءت أحكام فيها شدة وقوة وتأكيد على حقوق العباد يذكر الله فضله على عباده وأنه يغفر لهم إذا اجتنبوا كبائر الذنوب وإن اجتنبوا الشرك ونحو ذلك.
ام هُمام
01-22-2018, 05:57 PM
هذه السورة عند التأمل نجد أنها عنيت أشد العناية بالحقوق، ما هي الحقوق؟ هي جميع ما يلزم وما يُستحق: حقوق الله عز وجلّ سواء في توحيده أو في التزام شرعه أو حقوق العباد. ولما كانت في ذكر الحقوق ذكر الله عز وجلّ فيها وابتدأ بحقوق الضعفاء لأنها هي الحقوق التي يتخطاها الناس ويعتدون عليها فبدأ بهم لتعظيم شأنهم وتقديم أمرهم بل سميت هذه السورة سورة النساء لأن النساء عند العرب لم يكن لهن حق حتى إن المرأة من شدة هوانها عليهم كانوا يرثونها كما يورث سائر المتاع فإذا مات الرجل جاء أكبر أبنائه ووضع كساء على امرأة أبيه ثم صار له الخيار فيها إن شاء نكحها وإن شاء عضلها وإن شاء زوجها من يشاء وأخذ مهرها من شدة هوان النساء على العرب. وكان الرجل إذا مات لم يورثوا امرأة ولا صغيرا فجاءت هذه السورة لتنتصر لهؤلاء الضعفاء ولتؤكد على حقوقهم. يقول الله عز وجلّ في أول هذه السورة (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) هنا تذكير بحق الله وبحق الرحم (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) البداية هذه تدل على وجوب رعاية هذه الحقوق وأن الله رقيب على عباده في أدائهم. الحق الأول (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾) إثما عظيما (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) كثير من الناس يقول ما صلة الأيتام هؤلاء بالنساء والتعدد؟ كان الرجل تكون عنده اليتيمة بنت أخيه أو بنت أخته أو بنت عمه فيربيها فإذا ناهزت الإحتلام تزوجها وأنقص في مهرها بحجة أنه كان ينفق عليها فالله يقول له اتق الله، عامل هذه اليتيمة كما تعامل سائر النساء من بنات الناس، يقول له الله: إن خفت أن لا تقسط في حق هذه اليتيمة ولا تعدل ولا تؤدي إليها حقها الذي أوجبه الله لها فما ضيّق الله عليك، قد وسّع الله عليه فانكح غيرها (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا)
ام هُمام
01-23-2018, 05:39 PM
وحتى في قضية التعدد يؤكد على الحق وأنه لا بد أن يعدل الإنسان بين هؤلاء الزوجات اللواتي أباح الله له أن يجمع بينهن. ثم يذكر حق النساء في الصداق فيقول (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) عن طيب نفس وليس عن منّة أو خبث (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) لا تعتدوا على هذه المهور التي آتيتموهن فإنه حق لهن لا يحل لكم منه شيئ إلا ما طابت به أنفسهن. ثم ذكر حق الضعفاء (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) من حق السفيه الضعيف الذي لا يحسن التصرف بالمال أن تحفظ له ماله وتمسكه عنه فلا يبدده ويبذره (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴿٥﴾) ثم ذكر حق اليتامى في أموالهم (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) يعني لا تعطوا اليتيم ماله حتى تختبروه وتنظروا هل هو رشيد أم لا. ثم انتقل إلى حق النساء وحق الصغار في الإرث الذي كانت العرب تحرمهم منه فقال الله (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ) ما قال لكم نصيب يدخل فيه الرجال والنساء لكنه نصّ على الرجال ثم نصّ على النساء وقال (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) حتى لو ما ورثتم من أبيكم إلا عشرة ريالات اقسموا لهؤلاء الضعفاء من النساء والتامى حقهم (نَصِيبًا مَفْرُوضًا) تأكيد على هذا الحق. ونحن نقسم هذا المال قد يكون جالس بيننا قريب أو مسكين أو يتيم، له حق، حق جلوسه معنا لا بد أن نعتبره (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) لأن النفوس تتعلق بهذه الأشياء فلا يجوز أن نهمل هذه التعلّقات ثم يؤكد على حق اليتامى بقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴿١٠﴾) ثم يشرع في قسمة الإرث، لماذا يقسم ربنا الإرث؟ لماذا لم يقل فاقسموه بينكم بالعدل ثم يتولى النبي صلى الله عليه وسلم هذا؟ لعلمه سبحانه وتعالى أن النفوس أشح ما تكون في أمر الأموال ولذلك ما رضي أن يقسمها أحد سواه فإذا مات الميت يقسم المال بالطريقة التالية: قال الله عز وجلّ (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ) بدأ بحق النساء، ويستمر في قسمة هذه الأموال حتى لما جاء إلى ذكر الأزواج قسم للزوج وقسم للزوجة (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) وقال (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ) لما انتهى من هذا كله وقسم وبيّن الحقوق توعد على مخالفة هذا بأنه محادة لله وتعدي لحدود الله فقال الله عز وجلّ (تلك حدود الله العظيم ومن يعص الله مهين)
ام هُمام
01-24-2018, 05:06 PM
ثم تستمر الآيات في ذكر أحكام متفرقة إلى أن يعود مرة أخرى إلى حق هؤلاء الضعيفات فيقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) كما كانت العرب تفعل مع المرأة عندما يموت زوجها يرثونها كما يرثون سائر المتاع (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) أن تمنعوهن من النكاح (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ويؤكد على حقهن في العشرة (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) ثم يبين أيضًا حقهن في المهر (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿٢٠﴾) والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن أحق الشروط ما استحللتم به الفروج” يعني يجب الوفاء بكل شرط اشترطته المرأة عليك إلا أن تعفو هي عن حقها. وما تزال الآيات تذكر هذه الحقوق وتؤكد عليها وتستمر الآيات في ذكر ذلك كله إلى أن يقول الله سبحانه وتعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) لما ذكر الحقوق كاد الرجال أن يقولوا إذن النساء لا سلطان لنا عليهن قال الله (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) فالرجل في جنسه وخلقته وما آتاه الله عز وجلّ أفضل من المرأة ليس فضيلة فرد على فرد وإنما فضيلة جنس على جنس ولذلك جعل الله القوامة بيده لأنه أقدر على القيام بها، قال (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ).
ام هُمام
01-25-2018, 06:01 PM
ثم ذكر تلك المرأة التي تخرج عن طاعة الزوج (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) ويختم الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) إن كان لك علو على المرأة كنت أكبر منها وأقوى وتستطيع أن تسيطر عليها فاعلم أن لك ربًا هو أعلى منك وأكبر، تذكر عظمته وعلوه فاتقِ الله في هذه الضعيفة التي ولاك الله أمرها. ثم قال (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴿٣٥﴾) ثم تأتي آيات الحقوق العشرة (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) الحق الأول أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، الحق الثاني (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، الثالث (وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ)، الرابع (وَالْيَتَامَى)، الخامس (وَالْمَسَاكِينِ)،السادس (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) السابع (الجار الجنب) الثامن (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)، الجار ذي القربى الجار الذي هو من رحمك والجار الجنب الجار الذي ليس قريبًا لك والصاحب بالجنب كل من صحبك في عمل من صحبك في زمالة سفر أو ابتعاث أو غيرها فله حق بهذه الصحبة التي كانت بينكما حتى قال بعض العلماء إن الزوجة من الصاحب بالجنب التاسع (وَابْنِ السَّبِيلِ)، العاشر (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ملك اليمين له حق فارعَ حقه واتق الله أن تعتدي عليه أو تنقص من حقه شيئا ويدخل في ملك اليمين العبيد والإماء ويدخل فيه حتى الحيوانات التي ملكك الله شأنها فلا يجوز لك أن تسيء إليها أو تنقص من عيشها ورزقها.
ام هُمام
01-26-2018, 05:20 PM
ثم تنتقل الآيات بعد ذلك إلى ذكر أداء الأمانة التي هي من أعظم الحقوق فيقول الله عز وجلّ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٥٨﴾). ثم تذكر حق الله في الطاعة وحق الرسول صلى الله عليه وسلم في الطاعة وحق أولي الأمر أما حق الله فقد قال الله فيه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) وأعاد الفعل لبيان أن طاعة الرسول مستقلة، يطاع الرسول ليس لأن الله عز وجلّ أمر بشيء والرسول جاء ليؤكد عليه، لا، بل لأن الرسول ذاته قد أمر به بغض النظر هل هذا الأمر جاء في القرآن أو جاء في غير القرآن لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى. ولما جاء إلى طاعة ولاة الأمر لم يفردهم بفعل مستقل ما قال وأطيعوا أولي الأمر لأن طاعتهم لا بد أن تكون موافقة لما جاء عن الله وعن رسوله فإذا أمروا بما أمر الله به ورسوله أطعناهم وإذا أمروا بشيء لم يأمر به الله ورسوله لم نطعهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الطاعة في المعروف. فذكر هؤلاء الذين يطاعون الثلاثة، من هم أولو الأمر؟ العلماء والأمراء، هذا هو الصحيح في أولي الأمر والدليل على أن العلماء يدخلون في أولي الأمر قوله في نفس السورة (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أولي الأمر في هذه الآية هم العلماء ولما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأكّد عليها تحدث عن أولئك الذين ينحرفون عن طاعة الله وعن عدم تحكيم كتاب الله بقوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿٦٠﴾) وقال مؤكدًا حق الرسول في الحكم (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿٦٥﴾) ولما ذكر هذه الطاعة رغّب فيها بقوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴿٦٩﴾ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴿٧٠﴾)
ام هُمام
01-28-2018, 06:39 PM
نسأل الله أن نكون مع هذه الكوكبة التي هي خيار عباد الله على الإطلاق من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: الرسل، الصديقون، الشهداء الصالحون وما بعد هؤلاء هلكى. ولما ذكر طاعة الله ورسوله أكد على موضوع الجهاد لأنه من طاعة الله ورسوله وأيضًا من طاعة أولي الأمر والعجيب أنه لما ذكر الجهاد ذكر أن من أسباب وبواعث الجهاد نصرة الضعفاء والقيام بحقهم فقال سبحانه وتعالى (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٧٤﴾ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴿٧٥﴾) معنى الآية: لماذا لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين،؟ فالمستضعفون في بورما وفي أرتيريا ووفي إفريقيا الوسطى وفي غيرها من بلاد المسلمين لهم حق علينا، ليس فقط في المال بل في القتال يجب أن ننصرهم. لما سمع المعتصم بأن امرأة اعتدي عليها في عمورية في بلاد الروم وقالت وامعتصماه التفت من قصره وقال لها قد أجبناك وسيّر جيشا أوله هناك وآخره عنده فحاصر عمروية وأحرقها استجابة لنداء امرأة وحصل ذلك في المدينة عندما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع فقد اعتدي على امرأة جاء رجل إلى امرأة من المسلمين فربط اسفل ثوبها بأعلاه فلما قامت انكشفت سوءتها فصاحت فغار لها رجل من المسلمين فقام إلى اليهودي فقتله ذلك المسلم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل فحاصرهم وأجلاهم من المدينة. ثم تستمر الآيات تذكر الحقوق وتؤكد عليها إلى أن جاءت إلى حق المسلم الذي يأتي إليك ليستشفع قال الله عز وجلّ (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) اشفعوا ولا تتركوا إخوانكم إذا جاؤوا إليكم يطلبون منكم الشفاعة وتدعونهم، وإذا لقيت مسلمًا من حقه أن تسلم عليه وإذا سلم عليك من حقه أن ترد السلام (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴿٨٦﴾). ثم يذكر حق النفس وأن نفس المؤمن عظيمة عند الله، قال (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)
ام هُمام
01-29-2018, 05:12 PM
إلا على وجه الخطأ فقط ثم يذكر دية هذه النفس وحقها عند الله وأنه يجب على من قتلها شيئين: الدية والكفارة التي هي عتق رقبة فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين حق لله في ذهاب هذه النفس المؤمنة أما قتلها عمدًا قال الله فيها هذه الآية الرهيبة (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴿٩٣﴾) هل هناك أكثر من هذا الوعيد في حق من يعتدي على هذه النفوس البريئة المؤمنة حتى ولو التبس عليك أن هذه النفس قد تكون ليست مؤمنة فإياك إياك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) فتبينوا حتى في ميدان المعركة تبينوا لئلا تقع سيوفكم على من يتوقع أن يكون مسلمًا (فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) لو مر بكم إنسان قال السلام عليكم تشكون أنه كافر فلا يجوز لكم أن تعاملوه بهذا الشك الذي وقع في نفوسكم بل يجب عليكم أن تتبينوا منه. وهذه يقال إنها نزلت في حق أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه عندما كان في المعركة كان في المشركين رجل لا يدع للمسلمين شاذة ولا فاذة إلا أتبعها بسيفه وأثخن في المسلمين قال أسامة فلحقته فلما رفعت السيف وأهويت عليه قال أشهد أن لا إله إلا الله فقتلته وشك أسامة في الذي فعل فجاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره وما توقع أن ردة الفعل عند النبي كانت قوية جدا قال يا اسامة أقتتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟! قال يا رسول الله إنما كان يتقي بها، قال: أشققت عن قلبه يا أسامة؟ أقتلته بعد أن قال قال لا إله إلا الله؟ يا أسامة كيف تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة قال فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يرددها حتى تمنيت أني اسلمت يومئذ ولذلك لما وقعت الفتنة في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه حصلت إشكالات بين الصحابة وبين أناس آخرين كان أسامة ممن اعتزل الفتنة تماما ولم يدخل في شيء منها من ذلك الدرس النبوي البليغ يخشى أن يهوي سيفه على من قال لا إله إلا الله. سلوا الله أن لا نلقى الله بقطرة من دم مسلم تراها من أعظم الجرائم “ما يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما”.
ام هُمام
01-30-2018, 06:02 PM
وما تزال الآيات تتحدث عن هذه الحقوق إلى أن يأتي إلى قول الله عز وجلّ (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) ورجع إلى أول السورة (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴿١٢٧﴾) ثم يذكر أن بعض النساء قد ترى من زوجها انصرافا عنها فيبين أن هناك مجال للصلح وأنه لا ينبغي أن يحصل بسبب ذلك ظلم (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٢٨﴾). ثم يذكر أن العدل بين النساء واجب لكن فيما يستطيعه الناس لا في غير ما يستطيعونه (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) فالحب ليس بيد الإنسان أن يحب من يشاء ويكره من يشاء فهذا لا يؤاخذك الله إن أحببت واحدة ولم تحب الأخرى لكن يؤاخذك الله في القسط والعدل معها في النفقة والقسم والأمور التي تكون في وسعك وطاقتك.
ام هُمام
01-31-2018, 08:20 PM
ولما ذكر هذه الحقوق ذكر حق الشهادة التي هي من أعظم الحقوق يقول الله فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) ولو كانت هذه الشهادة على نفسك تصادمت أنت وواحد في الطريق وتعرف من نفسك أنك أنت المخطئ فنزلت لكن إذا اعترفت مع أن الظاهر لرجل المرور أنه ممكن تخفف المصيبة أو تقلبها على خصمك، لو اعترفت لزمك ثلاثين ألف ريال ماذا تفعل؟ قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) لا تشهد لأحد لفقره أو حتى لغناه بل اشهد لله وقم بحق الشهادة صادقا بغض النظر عن القرابات وبغض النظر عن المصالح وبغض النظر عن أي اعتبارات أخرى إلا أن تقوم بالشهادة لله عز وجلّ.
ام هُمام
02-01-2018, 06:47 PM
وتستمر الآيات بهذا المنوال ويذكر الله ما فعل اليهود بالحقوق قال الله عز وجلّ (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ) (وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) (وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ) إلى أن تختم السورة بقول الله عز وجلّ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) الكلالة هو الرجل الذي يموت لا والد له ولا ولد وإنما تكلله النسب ليس له إلا إخوة وبنو عمّ فهذا يسمى كلالة ففي هذه الحالة التي لا يكون للإنسان فيها لا والد ولا ولد لا أصل ولا فرع كيف يكون الإرث؟ (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) ويؤكد هنا على حق المرأة في هذا الإرث ولو كان كثيرا (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ) (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) عندما تنظر هذه النظرة الإجمالية للسورة وتعيد قرآءتها تنظر كيف اعتنت هذه السورة بالحقوق حق الله وحق عباده اعتبارا بالضعفاء والنساء وغيرهم فإنك ستقرأ السورة بشكل آخر وتفهم منها معاني قد لا تكون فكرت بها قبل ذلك.
ام هُمام
02-02-2018, 06:33 PM
سورة المائدة
حديثنا حول سورة المائدة، هذه السورة الكريمة هي سورة العقود كما سماها بعض العلماء وذلك أنها افتتحت بهذا المعنى العظيم قال الله عز وجلّ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فمدار هذه السورة كلها من أولها إلى آخرها على الوفاء بالعقود سواء من ذلك ما اتصل بتوحيد الله عز وجلّ فالتوحيد أعظم عقد بين العبد وبين ربه جلّ وعلا، وهذه الكلمة التي ينطقها كل واحد منا فيقول (أشهد أن لا إله إلا الله) هي أعظم عقد تعقده في حياتك كلها وأعظم صفقة تكون بين اثنين هي هذه الصفقة أن تعلن بأنك لا تعبد ولا تستسلم ولا تتحاكم ولا تحكّم إلا الله سبحانه وتعالى، لا تؤمن بأحد ربًا ولا مشرّعًا ولا إلهًا إلا الله سبحانه وتعالى وتلتزم بذلك. ولذلك المشركون لما دعاهم النبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقولوا (لا إله إلا الله) يقولوا هذه الكلمة أبوا، لو كانت كلمة لا معنى تحتها ولا عقد فيها لقالوها ولكن يعلمون أنهم إذا قالوها يجب عليهم أن يلتزموا بكل ما فيها لذلك رفضوا وأبوا (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ ص) فأعظم العقود هو عقد التوحيد. ثم شرائع الإسلام كلها عقود: الصلاة عقد، أركان الإسلام عقود، البيع والشراء عقد، حفظ النفوس عقد، حفظ الأموال عقد، التحاكم إلى شرع الله عقد يجب الوفاء به والحرص عليه والقيام به وتأديته، كل هذه جاءت في هذه السورة الكريمة مع التأكيد على أن الله قد أخذ علينا العهد والميثاق أن نوفي بهذه العقود ونقوم بها حق القيام ولذلك قال هنا (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)
ام هُمام
02-03-2018, 05:58 PM
ثم بدأ بشيء لا يتوقعه الناس قال (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) فالله أحل لنا بهيمة الأنعام فلا يجوز لأحد أن يفتري على الله الكذب ويحرّم شيئا لم يحرمه الله لأن هذا يخالف العقد الذي بينك وبين الله، أنه لا يحق لأحد أن يحلل أو يحرم إلا الله بمقتضى قولك (لا إله إلا الله) فأنت إذا قلت لا إله إلا الله قد رضيت بأن الحكم كله لله (إن الحكم إلا لله) ولا يجوز لأحد كائنا من كان أن يكون مشرّعا مع الله عز وجلّ. قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) كل ذلك لأنه إخلال بالعقد الذي بينك وبين ربك. ثم بيّ، الله ما هي المحرّمات لأن المشركين قد توسعوا في هذا الباب كما جاء في سورة الأنعام (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا) [الأنعام: 136] وصاروا يفترون على الله الكذب وهنا في سورة المائدة (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) هذه الأشياء التي افتريتموها على الله ما جعلها الله وما أذِن لكم بأن تجعلوها فلا يحل لكم أن تفتروا الله الكذب ولذلك قال هنا (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) هذه هي المحرّمات فإياكم أن تفتروا على الله الكذب فتحرّموا شيئا لم يحرّمه الله. ولما ذكر هذه المحرمات بيّن ما يحلّ لنا من الأطعمة والأنكحة فقال سبحانه (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) كل الطيبات حلال لنا بدءًا من الماء وانتهاءً بآخر فاكهة نسمع بها في هذه الحياة ما دامت من الطيبات التي لا تضر فإنها حلّ لنا بمقتضى قوله (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ). ثم ذكر المنكوحات فقال (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ). ثم ذكر الطهارة فهي عقد أيضا يجب عليك أن تستلزم بها في الحر والبرد، في العسر واليسر، في المنشط والمكره ومنه غسل الجنابة.
ام هُمام
02-04-2018, 07:12 PM
بعدما انتهى من هذه المقدمات اليسيرة التي تمثل نماذج لهذه العقود التي بين العبد وبين ربه اسمعوا ماذا قال الله لتتأكدوا أن هذه السورة سورة العقود والعهود والمواثيق قال الله عز وجلّ لأمّتنا (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٧﴾) قد اعترفتم بأن بينكم وبين ربكم عهدًا وميثاقًا فإياكم أن تخلّوا بهذا العهد والميثاق وقد قلتم معترفين (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) فنحن نطالبكم بمقتضى هذا الاعتراف بالسمع والطاعة وذكر الله عقيدًا عظيمًا جاء في سورة النساء وجاء هنا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) هذا من العقود العظيمة التي تهتز عندها النفوس الضعيفة (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) حتى من تبغضون من أعدائكم لا تتخلفوا عن العدل والشهادة بالقسط والحق ولو مثقال ذرة. لو جاءك مسلم ويهودي يشتكيان في أرض، اليهودي له قطعة مقدارها مئة متر والمسلم عنده قطعة مقدارها مليوم متر وقد أخذ المسلم من اليهودي مترًا واحدًا فلا تمالئ هذا المسلم وتقول هذا يهويد يستحق أن أظلمه، لا، العدل قيمة مطلقة واجبة في كل حال لكل أحد.
ام هُمام
02-05-2018, 07:04 PM
ثم انتقل ربنا سبحانه وتعالى إلى العهد الذي أُخذ على بني إسرائيل، انتهى من أمة محمد، قال (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) لتأكيد ذلك العهد (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ) إذا قمتم بهذا العهد (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) فماذا فعل اليهود؟ نقضوا العهد، قال الله عز وجلّ (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) نسوا شيئًا من الشرع الذي أوحي إليهم وأُنزل عليهم ولا تزال يا محمد (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) يخونون وينكثون العهد (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) وهذا من عدل القرآن، هناك جماعة من اليهود لم يحصل منهم شيء قال الله (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
ام هُمام
02-06-2018, 06:02 PM
انتهى من اليهود بدأ بالنصارى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) تركوا شيئا مما شرع عليهم (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) من أسباب العداوة والبغضاء في الأمة أن يدعوا شيئا من العهد الذي ينتهم وبين ربهم سبحانه وتعالى، قال الله عز وجلّ (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ثم دعاهم جميعا إلى الإيمان بهذا النبي حتى تستقيم أحوالهم يقول لهم (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٦﴾)
ام هُمام
02-07-2018, 07:08 PM
ثم ذكرت هذه السورة العظيمة قصة لموسى عليه الصلاة والسلام تبين كيف أن بني إسرائيل كانوا لا يوفون بالعهود ويخذلون أنبياءهم في أحلك الظروف وأشد المواطن (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٠﴾ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) موسى يعرض عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يكون لهم ملك ويكون لهم دولة ويكون لهم شأن (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴿٢١﴾) فقال بنو إسرائيل (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿٢٢﴾) نحن نريد بلدًا على طبق من ذهب وليس عندنا استعداد أن نجاهد ونقاتل وتسيل منا الدماء! نحن أطعناك واتبعناك من دون بلاء ومشاكل، نريد دينًا من غير ثمن، نريد جنة من غير تعب كحال كثير من المسلمين تقول له هذا الطريق الذي تسلكه والدين لذي أخذته من ربك فيه مشقة شديدة وفيه بلاء (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ العنكبوت).
ام هُمام
02-08-2018, 05:25 PM
قال الله عز وجلّ مبينًا أنهم ليسوا كلهم كذلك (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٣﴾) (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴿٢٤﴾) افتحها لنا يا موسى وإذا انتهيت أنت وربك من فتحها بلّغنا نأتي! هنا غضب موسى عليهم غضبا شديدا ودعا عليهم (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٥﴾ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) أربعون سنة! (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) هذه عقوبة في غاية الغرابة هم أعرضوا عن الدخول فجعل الله عقوبتهم بأن لا يدخلوا وأن يتيهوا في الأرض فتاهوا في أرض سيناء يخرجون من الصباح يدورون في هذه الصحراء القاحلة ثم يعودون في الليل إلى المكان الذي خرجوا منه أربعون عامًاّ لو قيل لك أنك ستتوه في مدينة أربع ساعات لضاق صدرك ولو قيل إنها أربعة أيام فيمكن أن تتمنى الموت! تخيل أنك تبحث عن صاحبك في مدينة أربعة أيام قد تموت من شدة الغيظ والقهر، أحدنا إذا بحث عن بيت أربعة دقائق ملّ ورجع! هؤلاء بقوا أربعين عامًا عقوبة لهم من الله ومات موسى وهارون في أرض التيه، وأرض التيه وهي الأرض التي أنزل عليهم فيها المن والسلوى كما جاء في سورة البقرة وغيرها.
ام هُمام
02-09-2018, 08:17 PM
ثم ذكر الله عقدًا آخر من العقود العظيمة وهو عقد النفس المحرّمة (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٢٧﴾ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ) كانت هذه أول نفس تُزهق من بني آدم ولذلك كل من قتل بعد هذه النفس فعلى القاتل الأول شيء من وزرها لأنه أول من سنّ القتل في بني آدم ولذلك قال الله عز وجلّ (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)
ام هُمام
02-10-2018, 06:09 PM
ثم انتقل بعد ذلك إلى ذكر أولئك الذين يخلّون بالعقد الاجتماعي والسلم الاجتماعي وهو عقد عظيم بين المسلمين أن لا تخرج عليهم بسيفك ولا تقاتلهم ولا تقطع طرقهم قال الله عز وجلّ (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٣٣﴾)
ثم ذكر الذين يعتدون على أموال الناس من غير قطع طريق فقال الله عز وجلّ (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٣٨﴾ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٩﴾)
ام هُمام
02-11-2018, 08:03 PM
ثم انتقل إلى أهل الكتاب مرة أخرى ليذكرهم بالعهود والمواثيق التي أخذت عليهم وكيف أنهم لم يقوموا بها حتى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فكان موقفهم موقف الكائب الكاتم للحق الذي يستمع للكذب ويأكل السحت قال الله عز وجلّ واصفًا إياهم (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٤١﴾ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ)
ام هُمام
02-12-2018, 08:03 PM
ثم قال الله مبينًا كيف جاءهم الخلل (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) فالربانيون والأحبار جُعل حفظ التوراة عندهم ولم يحفظها الله لهم ولذلك دخلها التحريف. ثم قال الله عز وجلّ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٤٤﴾) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٤٥﴾) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٤٧﴾) هذا لبيان أن الحُكم بما أنزل الله عقد من أعظم العقود وأنه يترتب عليه الكفر والحكم الظلم وبالفسق بحسب الأحوال المذكورة عند أهل العلم.
ام هُمام
02-13-2018, 07:38 PM
ثم ما زالت السورة تتحدث عن هذه العقود والعهود والمواثيق ومواقف الأمم وخصوصًا أهل الكتاب فيها إلى أن قال جلّ وعلا مبينًا عقوبة بني إسرائيل (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٧٨﴾). ثم عاد إلى القضية الأولى في أول السورة في تحريم ما أحلّ الله فقال الله جلّ وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿٨٧﴾ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾). ثم ذكر عقدًا من العقود التي يعقدها الإنسان على نفسه (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) قال (عقدتم) ما قال كسبت لأن السورة سورة العقود (بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) أي بما حلفتم عليه مؤكدين إياه كأن تقول: والله لا آكل كذا، والله لا أذهب إلى كذا، والله لا أجلس عند فلان، هذا يسمى يمين معقودة أو مكسوبة أو يمين الحنث. ولما ذكرها الله عز وجلّ ذكر قبلها اليمين اللاغية وهي اليمين التي لم يعقد صاحبها عليها مثل قول الإنسان في الكلام: لا والله، بلى والله، هذه لا يريد صاحبها منها اليمين ولذلك عفا الله عنها ولم يؤاخذنا بلفظ القسم وذكر كفارتها وقال في آخرها (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) احفظوها لأنها عقد فأنت إذا قلت والله لا أفعل كذا أو لأفعلنّ كذا وجب عليك إما أن تفي وإما أن تكفّر عن اليمين لو حنثت فيها. ثم ذكر شيئا من أمر العقود في الطعام والشراب والأمور الأخرى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠﴾)
ام هُمام
02-14-2018, 09:07 PM
ثم ذكر أيضًا قضية أخرى في ابتلاء الله لعباده وحفظهم لعقد عظيم من عقوده يقول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) وكان هذا في صلح الحديبية عندما خرج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم ابتلاهم الله بأن جعل الصيد ينبث في الأرض حتى إن الرجل ليصيد بيده، يصيد الأرنب بيده من كثرة ما جاءت الأرانب والجرابيع والظباء وغيرها مما هو معروف في جزيرة العرب ونفوس العرب تتشوق للصيد ابتلاهم الله، لماذا؟ قال الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) وكم من الأمور يتيحها الله لك وييسرها لك ولا يكون بينك وبينها إلا أن تحرّك أحيانًا اصبعك (بالريموت مثلا وأنت جالس أمام الشاشة تشاهد) ما وضع هذا بين يديك وما يسره لك إلا ليعلم مقدار خوفك من ربك وهل ترقبه في الغيبة أو لا.
ام هُمام
02-15-2018, 08:18 PM
ثم ذكر الله عز وجلّ شيئًا هذه العقود إلى أن جاء لقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) وهي الوصية في السفر إذا كان الإنسان مسافرا وأراد أن يوصي، هذه محل للعبث فالله عز وجلّ وضع لها ضوابط وجعلها عقدًا من لعقود الموثقة التي لا يحل لأحد أن يعبث بها (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) من المسلمين (أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) من غير المسلمين (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا) تأكيدًا للعقد (مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ ﴿١٠٦﴾ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) لو اكتشف أهل الميت أن هذين قد لعبا بالوصية فإن من حقكما أن يشهدا عليهما عند الحاكم فيبطلا ما نقلاه من وصية الميت لكن يأتون بالقرينة التي تدل على أنهما قد عبثا بهذه الوصية.
ام هُمام
02-16-2018, 06:54 PM
ثم ختمت السورة بذكر العقد العظيم وهو عقد التوحيد عبر قصة عيسى وعبر قصة المائدة (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿١١٠﴾) إذن عيسى عبد لله عز وجلّ وقد حعل الله عز وجلّ له حواريين، هؤلاء الحواريون قال الله فيهم (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾) هذا السؤال لا يليق بكم، قال الله عز وجلّ عنهم (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿١١٣﴾) (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١٤﴾ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿١١٥﴾)
ام هُمام
02-17-2018, 07:34 PM
احذروا إن أنزلتها عليكم أن تكفروا فإني بعد ذلك أعذبكم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين لأن الله قد أخذ عليكم العهد والميثاق ولأنكم رأيتم آية الله التي طلبتموها منه. ثم قال الله مذكّرًا بالعقد الأعظم عقد التوحيد (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يسأله أمام الملأ في موقف القيامة (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فيقول عيسى بشدة وغيرة على التوحيد (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿١١٦﴾ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١١٧﴾ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١١٨﴾) لا إله إلا الله! هذه من غيرة عيسى عليه السلام على التوحيد، والله ما سأله ليستبين منه وإنما ليقيم الحجة على من عبدوه من دون الله، ولذلك أطال عيسى في الجواب كان يمكنه أن يقول لا، ما قلت لهم يا ربي، ولكنه فصل في الجواب ووضح حتى يقطع شبهة كل من عنده شبهة لأن عيسى قد أعلن التوحيد ودعا إلى التوحيد وخلّفهم على التوحيد. قال الله عز وجلّ مبينا أن هذه العقود وأهمها عقد التوحيد لا ينفع معها إلا الصدق (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١٩﴾). والملاحظ من سياق هذه السورة الكريمة أن فيها قربًا مع سورة النساء، تلك في الحقوق وهذه في العقود، كما أن سورة البقرة وآل عمران في تأسيس الدين الأولى في مناقشة اليهود والثانية في مناقشة النصارى وكما أن السورتين القادمتين متشابهان سورة الأنعام وسورة الأعراف كلاهما في حِجاج المشركين ومجادلتهم وقطع شبهاتهم وأيضًا والأنفال والتوبة متشابهتان.
ام هُمام
02-18-2018, 08:17 PM
سورة الأنعام
سورة الأنعام، هذه السورة الكريمة العظيمة سورة مكية بل ذكر المفسرون رحمة الله تعالى عليهم أنها نزلت في الليل جملة واحدة وهذا من الأمور الشائعة عند المفسرين رحمهم الله تعالى وفيه ملحظان عظيمان:
الأول أن هذه السورة تتحدث في صلب العقيدة، تدعو إلى التوحيد وتجادل المشركين وتبين تصرفاتهم وأفعالهم وتناقشهم على كل المستويات وإذا كان الأمر كذلك فإن مثل هذا لا يمكن أن ينزل تدريجيًا بل ينزل جملة واحدة لأنه حقٌ واحد بخلاف قضية الأحكام التي هي انتقال بالناس وبالنفوس من مرحلة إلى مرحلة، ولذلك نجد سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة تنزل في فترات متعددة. سورة البقرة نزلت أوائلها في أول هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وآخر آية في القرآن نزلت فيها (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٢٨١﴾ البقرة) فامتد نزول هذه السورة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن ودّع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحياة. أما هذه السورة سورة الأنعام فلأنها في صلب العقيدة ونقاش المشركين وفضحهم وبيان خلل عقولهم ومحاجتهم ومجادلتهم في كل الميادين التي جادلوا فيها والمقترحات التي اقترحوها وذكر مخازيهم وتصرفاتهم وأفعالهم فإنها جاءت جملة واحدة.
ام هُمام
02-19-2018, 07:35 PM
وفي الليل ليكون أدعى للتفكر في معانيها وحججها وفي طريقة إقناعها لأن الحجاج الموجود في هذه السورة يحتاج إلى عمق في التفكير وعمق في النظر أكثر مما هو موجو في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة التي امتلأت بذكر الأحكام والتكاليف وأيضًا حتى الأخبار التي يمكن للإنسان أن يفهمها من حين ما تصل إلى ذهنه وتطرق سمعه.
نتأمل في هذه السورة كيف أنها جاءت لتؤكد هذه المعاني العظيمة وتحقق هذه الغايات الشريفة والنبيلة والعالية والتي من أجلها بعث الأنبياء وأنزلت الكتب وقام سوق الجنة والنار وحصل الخلاف بين الموحدين والمشركين.
يقول الله عز وجلّ مستفتحًا هذه السورة بقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ) والسور التي افتتحت بالحمد خمس: الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر وتجد أن هذه السورة التي افتتحت بالحمد فيها عناية بالتوحيد وفيها عناية بذكر صفات الرب سبحانه وتعالى ورد على المشركين، كل هذه السورة الخمس تجتمع في هذه الغاية.
ام هُمام
02-20-2018, 08:19 PM
قال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾) أي يشركون (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿٢﴾) أي ترتابون فيما جاءكم من الحق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿٣﴾). ثم يبين كيف يراوغون في قبول الحق (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿٤﴾) وكل السورة مضى على هذه القضية كيف أن الحق يأتيهم واضحًا وضوح الشمس في رابعة النهار ولكنهم يحيدون عنه فلا يقبلونه ويحاولون أن يقترحوا ويأتوا بما يدفعون هذا الحق عنهم (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) لو نزل كتاب من السماء وهم يرون عند نزوله في قرطاس من السماء فلمسوه ورأوا أنه لا يشبه شيئا مما في الدنيا لكان أول شيء يقولونه لك يا محمد (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) سحرنا محمد! هذه أول واحدة من طرائقهم في الانحراف عن الحق ففضحهم الله فيه وجاء بحجتهم أو بطريقتهم في رد الحق قبل أن يفعلوها. ثم قال (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ ﴿٨﴾) اقترحوا لِم يأتي رجل مثلنا لماذا لا يأتي ملك هو الذي يأتي بهذه الرسالة؟ لماذا ربنا يختار واحدًا منا ويصطفيه من بيننا؟ ألا يمكن أن يأتي بملك حتى يكون حجة الله على عباده؟ قال الله مبينًا أن الملائكة ما تنزل إلا بالعذاب (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ) ثم قال لهم على سبيل الرد لشبهتهم (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ﴿٩﴾) لأنكم لا تطيقون التعامل مع الملك فسيكون الحال أننا سنجعل هذا الملك بصورة رجل وإذا جعلناه بصورة رجل قلتم ليس بملك فدرنا في دوامة من الرد والاعتراض عدم الإيمان. الحقيقة أن الحق واضح ولا يحتاج إلى هذه المماحكات وهذا الميل عن قبول الحق، إذا كان لكم اعتراض على الحق فقولوه، أنا جئتكم بأن أقول لكم هذا هو الله ربكم فاعبدوه وأنا أدعوكم إلى سبيل قاصد لا أدعوكم إلى نفسي ولا أطلب شيئا من الدنيا ولا أريد أن أحقق بما أدعوكم به شيئا من المآرب التي يدعو الناس إليها ويجتمعون عليها ولذلك قال الله عز وجلّ مهددًا إياهم (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿١٠﴾ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١١﴾).
ام هُمام
02-21-2018, 07:18 PM
ثم تأتي الآيات على مثل هذا المنوال في ذكر شبهات هؤلاء الكفار وردها، يقول الله عز وجلّ مبينا ماذا سيحصل لهم في الآخرة (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٢١﴾ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿٢٣﴾) يقول الله عز وجلّ (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٢٤﴾) الذي كانوا يفترونه ويدعونه آلهة من دون الله ذهبت عنهم فلم تجدي عنهم يوم القيامة شيئا. يقول الله عز وجلّ عنهم (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٥﴾ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ) ينهون عنه أتباعهم وأولادهم ومن وراءهم (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) هم يصدون أنفسهم عنه ويعرضون عن قبوله (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).
ام هُمام
02-22-2018, 08:40 PM
ثم تستمر الآيات في ذكر الشبهات التي يطرحونها على النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يلقن الله عز وجلّ نبيه الردّ عليهم (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٠﴾) هل عندكم أحد تدعونه غير الله في وقت الشدة والكرب؟! قال الله عز وجلّ (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴿٤١﴾) ثم يهددهم الله عز وجلّ بأنواع من التهديدات ثم تعود الآيات مرة أخرى ليقول الله عز وجلّ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿٥٦﴾) كل هذا الذي تفعلونه من عبادة غير الله هو اتباع للهوى (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) الذي تطلبونه مني وتستعجلونه به من طلب العذاب ليس عندي هذا إلى الله عز وجلّ لا أملكه ولا أستطيع أن آتي به (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ).
ام هُمام
02-23-2018, 07:05 PM
ثم يذكر في أثناء ذلك عظمة الرب سبحانه وتعالى وأنه هو المستحق بالعبادة دون سواه (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٥٩﴾ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴿٦٢﴾) ثم يستنطقهم ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٣﴾ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾) أي ننوّعها لهم نأتي مرة بذكر القيامة مرة بذكر الكرب وما يأتيهم مرة بذكر حججهم ودمغها ومرة بذكر القصص والأمثال.
ام هُمام
02-24-2018, 08:56 PM
وتستمر الآيات على هذا المنوال إلى أن يضع الله عز وجلّ بين ايدينا نموذجا للحجاج والخصومة التي وقعت بين ابراهيم عليه الصلاة والسلام الذي يدّعي هؤلاء المشركون أنهم ينتمون إليه (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ) وليس لغير لأبيه، أقرب الناس إليه (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٧٤﴾ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) نقل الله إبراهيم من علم اليقين إلى عين اليقين فرأى ملكوت السموات والأرض ورأى كيف يحيي الله الموتى قال (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) من أجل أن يكون عند إبراهيم القوة في محاجة قومه، قوم إبراهيم كانوا يعبدون الأصنام ويعبدون الكواكب على صنفين من الطريقة: عبادة الأصنام وعبادة الكواكب، وقيل إنهم كانوا يعبدون الكواكب ويصورون على أسمائها أصنامًا في الأرض أيا كان فهم مشكرون، فجادل الذين يعبدون الأوثان في سورة الأنبياء وجادل هنا الذين يعبدون الكواكب لكن الجدل الإبراهيمي جدل عجيب جدًا بطريقة وأسلوب عند المناظرين يسمى أسلوب التنزل مع الخصم، وقف معهم وقال لهؤلاء الذين يعبدون هذه الكواكب لما رأى كوكبا (قَالَ هَذَا رَبِّي) لا يقصد بذلك أنه يثبت له الربوبية لكنه يقول: أنا سأتنزل معكم على أن هذا هو الرب (فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ) إذا كان هذا يأتي ويذهب معنى ذلك أن هناك من يتصرف فيه وأنه يحضر مرة ويغيب مرة هذا لا يستحق أن يعبد (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴿٧٧﴾
ام هُمام
02-25-2018, 07:41 PM
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً) جاءت الشمس فغطّت على كل الكواكب وعلى القمر وذهب كل شيء (قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٧٨﴾ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٧٩﴾) فماذا فعل قومه؟ (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) هذا يؤكد أن هذه السورة هي سورة الحِجاج مع المشركين، وحاجه قومه يقولوا له يا إبراهيم نحن نخاف عليك أن تصيبك هذه الآلهة بسوء أن تستأصلك يا إبراهيم ارحم نفسك! (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) أنا لا أخاف من آلهتكم هذه إلا أن ينزل الله شيئا من عنده ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) كيف أنتم تهددوني بهذه الآلهة والأوْلى بكم أن تخافوا من شرككم مع الله غيره فهذا أحق بالخوف مني أنا لأن هذا إله حق وهذه آلهة مزعومة. قال الله عز وجلّ (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨١﴾ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) أي بشرك (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) قال الله عز وجلّ (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) هذا الأسلوب نحن أوحينا إلى إبراهيم أن يفعله مع قومه حتى يقنعهم أن لا يعبدوا هذه الآلهة وأن لا يشركوا مع الله سواه. ثم قال الله مبينا أن كل الأنبياء على هذه الشاكلة وقد ذُكر في هذه السورة جملة من الأنبياء لم يذكروا في أي سورة مجموعين أخرى قال الله عز وجلّ (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٤﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٨٥﴾ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٨٦﴾ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٨٧﴾ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٨٨﴾) احتجّ عليهم بأن الأنبياء جميعًا كانوا على هذه الشاكلة.
ام هُمام
02-26-2018, 06:42 PM
ثم تسير الآيات بذكر هذه الحقائق ودمغ الشرك وأهله واستئصاله من أساسه يقول الله عز وجلّ مبينًا عظمته (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٩٥﴾ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٩٦﴾ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٩٧﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) يذكر آياته في الكون التي تدل على وحدانيته. بعدها يعقّب فيقول (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٠٠﴾ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٠١﴾ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٠٢﴾ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٠٣﴾) إلى أن يذكر بعد ذلك بعض عادات العرب فيما توصلوا إليه وأن هذه إحدى افرازات الشرك توصل الإنسان إلى حضيض السفاهة قال الله عز وجلّ (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) ما عندهم إلا الظنون (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿١١٦﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿١١٧﴾). قال الله (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) كانوا لا يأكلون مما ذكر اسم الله عليه ويأكلون الميتة (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴿١١٩﴾ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴿١٢٠﴾ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)
ام هُمام
02-27-2018, 08:36 PM
قد يقول قائل هذه أحكام فقهية ما الذي جاء بها في هذه القصة وفي هذه السورة؟ المجيء بها ليس على سبيل الأحكام الفقهية إنما لذكر العقائد، الأكل مما ذكر اسم الله، تحليل ما حرّم الله، تحريم ما أحلّ الله هذه قضايا اعتقادية وليست قضايا فقهية فرعية ولذك قال الله عز وجلّ (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٤﴾) يقترحون أن يكونوا رسلا وأن الله يبعث إليهم ويوحي إليهم كما يوحي إليك يا محمد! ثم يقول الله عز وجلّ (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٢٩﴾) ويقول جلّ وعلا (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿١٣٦﴾). ثم قال (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ)انظروا ماذا يفعل الشرك بأصحابه والآن إذا نظرتم إلى أميركا في هذه الأيام أباحوا زواج المثليين! بإمكانك الآن أن تتقدم لخطبة رجل! أيّ حضيض وصلت إليه البشرية بسبب الشرك، وإلا من يتصور رجل يتزوج من رجل وامرأة تتزوج من امرأة؟! حتى البهائم ما تفعل ذلك ولا تقرّه ولا رأينا في البهائم ذكر ينزو على ذكر! قال الله عز وجلّ (و وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا) يحرّمون ظهور الأنعام فلا تُركب (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٨﴾
ام هُمام
02-28-2018, 07:37 PM
وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا) ما خرج من بطون هذه الأنعام خالص للذكور (وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ) إذا كان ما أخرج من بطنها ميتة فهم فيه شركاء، من أين لكم هذا؟ قال الله عز وجلّ (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿١٣٩﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٤٠﴾) وما تزال الآيات تذكر من قبائحهم وأفعالهم الشيء العجيب إلى أن تتوقف عند ذكر قواعد هذا الدين الذي اجتمع عليها الرسل جميعًا ليس فيها أحكام فرعية بقدر ما فيها من أصول عظيمة اجتمعت عليها الشرائع كلها وهي الوصايا العشر في سورة الأنعام (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ليس هو الذي تفعلونه من تحريم أشياء أنتم تفترونها على الله، لا، (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) أول شيء (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فلا تعقوا الوالدين (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) لا تقتلوا أولادكم من فقر فالرزق بأيدينا، قال الله عز وجلّ (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) لأنه اشتهر في العرب أنهم كانوا يسطون على أموال اليتامى فلا يدعون لليتيم شيئًا (
ام هُمام
03-01-2018, 07:14 PM
(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) كان من الأشياء المشهورة عند العرب التطفيف في المكاييل والموازين ولذلك نزلت سورة (ويل للمطففين). (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٥٣﴾) دارت السورة كلها على مجادلة هؤلاء المشركين فلم تنصرف عنهم لحظة واحدة ولذلك استحقت أن تنزل في الليل ليكون مكانا للتفكر في هذه الحجج وطريقة نقض الشرم ومخاصمة ومجادلة هؤلاء المشركين وتنزل جملة واحدة لأنه حق واحد لا تقبل التجزؤ، ليس هناك دعوة توحيد تبدأ بتحريم كل الأصنام إلا صنم ثم ذلك الصنم تحرمه بعد ذلك ثم تدعو إلى عبادة الله، لا، هذا لا يقبل المقاسمة ولا أنصاف الحلول ولذلك نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال له المشركون يا محمد اعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة ما رأيك بهذا الحل الوسط؟ فأنزل الله (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿٤﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾ الكافرون) مفاصلة. ولذلك ختمت هذه السورة بالتذكير بإبراهيم مرة أخرى قال الله عز وجلّ (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) قيمًا أي مستقيمًا، حنيفًا أي مائلًا عن الشرك إلى التوحيد قصدا وما كان ابراهيم من المشركين (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٦٣﴾ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿١٦٤﴾ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٦٥﴾) كما افتتحت السورة ببدء الخلق ختمت بنهاية الخلق فانظر إلى هذا الإنسجام العظيم بين أولها وآخرها وهذه الموضوعية العجيبة في هذه السورة الكريمة التي هي أصل من اصول التوحيد ومحاجة المشركين ودفع خصومة هؤلاء المرتابين نسأل الله أن يجعلنا من أهل التوحيد الخالص وأن يميتنا عليه وأن نلقى الله سبحانه وتعالى عليه.
ام هُمام
03-02-2018, 07:22 PM
سورة الأعراف هذه السورة الكريمة التي تؤسس للعقيدة في نفس المسلم. هذه السورة هي زاوية أخرى في إقرار هذه العقيدة غير الزاوية التي طرحتها سورة الأنعام. فسورة الأنعام جاءت لتستأصل الشرك عبر الجدال والمناقشة وإبطال جميع مزاعم المشركين، أما سورة الأعراف فقد جاءت لإقرار التوحيد ومنابذة الشرك وبيان أهمية الاعتقاد من خلال العرض التاريخي فهي سورة تستعرض تاريخ البشرية كلها منذ أن خلق الله آدم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولذلك نجد أنه في أول السورة يقول ربنا سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴿١١﴾ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾) تُذكر قضية إبليس وكبره فإنه أبى أن يسجد وكيف أن الله سبحانه وتعالى طرده وأبعده، من هنا بدأ الضلال. ثم كيف أن إبليس أثّر على أبينا آدم ووسوس له حتى أخرجه من الجنة عندما زيّن له الأكل من الشجرة، من هنا بدأت الغواية لبني آدم واستمرت السورة تتحدث عن هذا الأمر إلى أن ذكرت الزاوية الأخرى للتاريخ، ذاك تاريخ متقدم في الأزل وهذا تاريخ سيأتي، ذاك التاريخ الأول لا نعرفه لولا أن القرآن حدثنا عنه وأيضًا ذلك التاريخ الذي سيأتي لا نعرفه لولا أن القرآن حدثنا عنه. يقول الله عز وجلّ في أول السورة بدأ بأول التاريخ وآخر التاريخ فقال جلّ وعلا (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴿٣٧﴾)
ام هُمام
03-03-2018, 06:08 PM
يناقشهم في أمر الشرك في أول مدارج القيامة ثم يبدأ الحوار (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٨﴾ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿٣٩﴾). ثم يذكر مصير هؤلاء وهؤلاء في النار حتى يأتي إلى ذكر الفريقين وهما في النار ويذكر أن الناس سينقسمون في الجزاء إلى قسمين لا ثالث لهم، القسم الأول أهل اليمين الذين أطاعوا الله عز وجلّ واتبعوا المرسلين والقسم الثاني وهم أهل الشمال وهم الذين أعرضوا عن دعوة المرسلين ولم يؤمنوا بالله رب العالمين وذكر في هذه السورة أنه سينصب سور بين جهنم وبين الجنة وهذا السور يسمى الأعراف وأنه سيبقى عليه رجال كما قال سبحانه وتعالى (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴿٤٦﴾) أي يطمعون في دخولها ومآلهم أنهم سيؤولون إلى الجنة لكنهم قوم حصلت منهم سيئات منعت من دخولهم الجنة فيُجعلون على هذا السور حتى يقضي الله عز وجلّ فيهم (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٤٨﴾ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٤٩﴾).
ام هُمام
03-04-2018, 06:35 PM
إذن بدأ بالتاريخ الأول وثنّى بالتاريخ النهائي ثم بدأ بالتاريخ البشري الذي وقع على أرض الواقع على هذه البسيطة فبدأ بأبينا نوح عليه السلام أبو البشرية الثاني قال الله عز وجلّ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥٩﴾) انظروا إلى هذا العرض اليسير الهادئ لهذه العقيدة بكل وضوح وبأدلة لا تقبل الرد (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) هل عندكم إله غير هذا الإله الذي خلقكم وأوجدكم من العدم؟ كيف تعبدون أحدا سواه؟! ثم يخوفهم (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) فكيف يكون الرد؟ لا يمكن أن يكون رد المشركين موضوعيًا، كان يمكن أن يقولوا لا، تعال يا نوح أنت ما عرفت الحقيقة، هذه الآلهة التي نعبدها آلهة ألا تراها تخلق، ألا تراها ترزق؟ يسكتون عن هذا كله ويلجأون إلى السباب والشتم والقذف (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٦٠﴾ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) كان يمكن أن يقول نوح في تلك اللحظة: أنا الضالّ؟! بل أنتم الضالون لا، (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦١﴾ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٢﴾) نوح فقط؟ لا، وإنما هود أيضًا (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٦٥﴾ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٦٦﴾ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ) كان المتوقع أن هودًا يقول: أنتم السفهاء، لا، ترفَّع عن الكلمات السافلة التي لا تليق بالأنبياء ذووي الأخلاق العالي الرفيعة. ثم جاءت قصة صالح عليه السلام ثم جاءت قصة لوط ثم جاءت قصة شعيب ولما انتهت قصة شعيب عقّب الله عز وجلّ عليها بتعقيبات عظيمة تحتاج إلى وقفات طويلة لكن المقام لا يسمح بذلك.
ام هُمام
03-05-2018, 07:30 PM
ثم بدأن قصة موسى وقصة موسى جاءت على فصلين: الأول ذكر قصة موسى مع فرعون، كيف قابل فرعون دعوة موسى بكل صلف واستكبار وأن موسى قد أقام الحجة على فرعون وجعل الله له هذه الآية العجيبة العظيمة اليد والعصى وأنه قد جُمع الناس يوم الزينة جمعًا عظيمًا وجاء فرعون بالسحرة الكثيرين جدًا من أجل أن ينصروا هذه المبادئ السافلة التي كان ينادي بها ويدعو لها وحصلت الغلبة لموسى وآمن السحرة وأُسقط في يد فرعون، ماذا كانت النتيجة؟ هل قال فرعون الحمد لله الذي هدانا للحق وعرفنا أن موسى قد جاء بالبينات من الله، لا، قال (قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿١٢٣﴾ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٢٤﴾ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ﴿١٢٥﴾) الحقيقة أن إيمان السحرة هو ترغيب لأولئك الذين استنكفوا عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في أن يؤمنوا بها وهم أهل مكة، افعلوا ما فعل هؤلاء، قد بانت لكم الحجة وظهرت لكم الآية فكيف تستنكفون عن الإيمان؟! ومع أن هؤلاء السحرة قد لقوا حتفهم في نفس اليوم الذي آمنوا فيه فقُتلوا جميعًا عن بكرة أبيهم ولم يبقِ فرعون منهم أحدا إلا أنهم ثبتوا على إيمانهم (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٢٨﴾)
ام هُمام
03-06-2018, 07:02 PM
ثم تنتقل السورة إلى بني إسرائيل وتبين كيف أن الله عز وجلّ أورثهم الأرض قال الله جلّ وعلا (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴿١٣٧﴾) من هنا بدأ الفصل الثاني من قصة موسى وهي قصة موسى مع بني إسرائيل كيف أن الله أنقذهم وتفضل عليهم وفضّلهم على العالمين ولكنهم ما فهموا التوحيدالذي جاءت به الرسل، أول موقف حصل منهم بعد أن نجوا من فرعون (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿١٣٨﴾ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٣٩﴾) وحصلت بين موسى وبين قومه أمورا كثيرة من بينها أن قومه وقعوا في الشرك وعبدوا العجل، قال الله عز وجلّ (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴿١٤٨﴾) ولكنهم تابوا وأراد الله سبحانه وتعالى بهم خيرًا فتاب عليهم (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿١٤٩﴾). وما زالت الآيات تتحدث عن بني إسرائيل إلى أن عادت مرة أخرى لتبين من أين يأتي الشرك؟ الشرك يأتي من إبليس. لاحظوا أن هذه القصص قد أوضحت حقيقة دعوة الأنبياء وأنهم جاؤوا لتقرير التوحيد ومنابذة الشرك ودعوة الناس إلى الله سبحانه وتعالى. هذه السورة وهي تقرر هذه الحقائق من خلال هذه القصص: قصة الخليقة منذ بدئها وقصة الخليقة بعد انتهاء الدنيا وقصة الأمم مع أنبيائهم كيف أن الله عز وجلّ يرسل لهم أنبيا يدعونهم إلى حق واضح ولكنهم يقابلون هذا الحق بصلف واستكبار فتحل بهم عقوبة الله فانتبهوا أيها المشركون، انتبهوا يا أهل مكة أن يحل بكم ما حل بأولئك الأقوام.
ام هُمام
03-07-2018, 07:05 PM
نلاحظ في هذه المسيرة كلها أن السورة تركز على أسباب الضلال، ما هي الأسباب التي توقع الإنسان في الإنحراف ولو عدنا إلى أول السورة لوجدنا أن السورة تكاد تكون جمعت كل أسباب الإنحراف التي تكون سببًا لخروج الإنسان عن الجادة.
أول سبب من اسباب الإنحراف الكبر وهذا في قصة إبليس (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا) هذا كبر! ولذلك هذه السورة مختصة بمعالجة الكبر وذمّ المتكبرين وبيان جزائهم وأنه أعظم أسباب انحراف الخلق عن الحق. نؤكد ذلك أن هذه السورة أول سورة فيها سجدة والسجود يعني القضاء على الكبر وآخرها يقول الله عز وجلّ فيه (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) لا تكونوا كإبليس استكبر فأضلّه الله (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) السجود ضد الكبر. ولذلك إذا سجد ابن آدم انخذل إبليس يبكي ويقول يا ويله ابن آدم أمر بالسجود فسجد وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار! هذا السبب الأول.
ام هُمام
03-08-2018, 07:05 PM
السبب الثاني من أسباب الضلال الشيطان وهذا وقع فيه أبونا آدم، فاحذروا من الشيطان فقصة الشيطان هي أول قصة ذُكرت في القرآن وهي آخر قضية ذكرت في القرآن، أول قصة ذكرت في القرآن (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30] ثم جاءت قصة أبينا آدم مع إبليس (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤﴾ البقرة) هذه قصة الشيطان، وما زال الشيطان بأبينا آدم حتى أوقعه في الزلّة التي بسببها أُهبط من الجنّة. وآخر سورة في القرآن (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿٦﴾) فلنحذر من الشيطان فهذا من أعظم أسباب الإنحراف، ولذلك يقول تعالى (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا).
ام هُمام
03-09-2018, 05:26 PM
أيضًا من أسباب الإنحراف متابعة الآباء (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) هذان سببان: الأول تقليد الآباء واتباعهم والثاني الافتراء على الله، (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) أين أمركم الله؟ في التوراة؟ في الإنجيل؟ في القرآن؟ من الذي قال لكم أن الله أمركم بالشكر أو أمركم بالفاحشة (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾) ولذلك يؤكد على الافتراء على الله بقوله (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٣﴾)
ومن أسباب الشرك مسايرة البيئة والمشي مع الناس كيف وجدت الناس يفعلون أفعل مثلهم، لا، كُن صاحب عقل وصاحب نظر وتقوى لله متى بان لك الحق اتّبعه وهذا يبينه الله في قوله (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٨﴾ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) نحن أمرناكم وأنتم أطعتم، لو شئتم ما أطعتم ولا ما صرتم معنا في النار (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) هذا سبب عظيم من أسباب الضلال.
ام هُمام
03-10-2018, 05:21 PM
وتستمر الآيات تذكر أسباب الضلال إلى أن تأتي إلى سبب عظيم من أسباب الضلال وهو حب الدنيا وهذا ذُكر في قصة بني إسرائيل أنهم أحبوا الدنيا فجعل الله حبهم للدنيا سببًا من أسباب ضلالهم قال الله عز وجلّ (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا) جعل الله السمك يأتي يوم السبت فوق ظهر الماء شرّعًا من شدة البلاء ليبتليهم الله عز وجلّ، فماذا فعلوا؟ احتالوا على الله، نصبوا الشباك يوم الجمعة وأخذوها ملآى بالسمك يوم الأحد وقالوا ما صدنا يوم السبت اليوم الذي حُرّم عليهم أن يصطادوا فيه فأنزل الله بهم عقوبته البالغة قال الله عز وجلّ مبينًأ ما حصل لهم (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٥﴾ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿١٦٦﴾). وانظر إلى حب الدنيا كيف يوقع الناس في الهلاك قال الله عز وجلّ (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) هذا في حق الحُكام الذين يحيفون في الحكم ويجورون على الخلق بسبب شيء من الدنيا يأخذونه من أحد الخصمين، قال الله عز وجلّ (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).
ام هُمام
03-11-2018, 06:27 PM
وذكر الله نموذجًا أيضًا للذين أحبوا الدنيا فقالوا على الله يغير علم وحكموا بغير الحق وأضلوا الخلق وهذا في صنف العلماء، قال الله عز وجلّ (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) اتبع الدنيا التي يهواها، قال الله عز وجلّ (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) مثّله بالكلب لأن الكلب في حالة الركض والجري يلهث وفي حالة البقاء جالسًا يلهث من شدة تعلقه باللهاث فكذلك هذا الذي آثر الدنيا تجده يلهث عليها، إن قال بالحق وإن قال بالبطل يريد الدنيا حتى لو قال كلمة الحق يريد الدنيا وإن لم يقل الحق يأتي بالدنيا فإنه يقول الباطل ولا مانع عنده، ولذلك قال الله عز وجلّ مهددًا ومتوعدًا كل أحد من هؤلاء الذين الذين يتبعون هذا الباطل وينحرفون عن الحق (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿١٧٩﴾).
ام هُمام
03-12-2018, 05:24 PM
فهذه السورة متخصصة في ذكر أسباب الغواية والإنحراف عن الحق وختمت بهذا السبب قال الله عز وجلّ (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿١٨٩﴾) إلى هذه المرحلة وهما على التوحيد (فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا) جاءهما إبليس فقال سمياه عبد الحارث ولا تسمياه عبد الله فأطاعا إبليس قال (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١٩٠﴾ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿١٩١﴾ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴿١٩٢﴾ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴿١٩٣﴾)
ثم تلخص هذه السورة العظيمة ما هو المخرج من الشرك وما هو المخرج والمنقذ من أسباب الضلالة والغواية، المخرج من هذا كله باتباع هذا الكتاب والأخذ به وعدم ترك شيء منه والاعتصام بحبل الله الذي جعله الله بين عباده ولذلك جاء التذكير بأمر هذا الكتاب في أول السورة وفي آخرها، ففي أولها قال الله عز وجلّ (المص ﴿١﴾ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾) وفي آخرها قال الله عز وجلّ (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴿٢٠١﴾ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴿٢٠٢﴾ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٢٠٣﴾ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾) فهو يرشدنا إلى المخرج من هذه الفتن كلها ومن هذا الضلال وأسباب الإنحراف كلها للعود إلى القرآن، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل القرآن حقًا وصدقًا وأن يجعلنا ممن ينال بركة هذا القرآن واتباعه في الدنيا وشفاعته في الآخرة.
ام هُمام
03-13-2018, 06:11 PM
سورة الأنفال والتوبة
نتحدث عن سورتين كريمتين قرينتين وهما سورة الأنفال والتوبة وهاتان السورتان الكريمتان العظيمتان قد اختصتا بموضوع الجهاد ولعلكم تذكرون أني أشرت في إحدى اللقاءات الماضية إلى أن سورة البقرة وآل عمران سورتا تأسيس وتأصيل وأما سورة النساء والمائدة فهما سورتا تتميم وتكميل وأما سورة الأنعام والأعراف فهما سورتا خصومة وجدال وأما سورة الأنفال والتوبة فهما سورتا مواجهة وجهاد كأنها مرتبة بهذه الطريقة: تأصيل ثم تكميل ثم خصومة وجدال ونقاش وحوار ثم بعد ذلك المنازلة والمفاصلة والمواجهة والجهاد.
ام هُمام
03-14-2018, 05:34 PM
فجاءت سورة الأنفال وهي نزلت في إثر غزوة بدر حتى إنها تسمى سورة الأنفال وسورة غزوة بدر وتسمى سورة الجهاد. وتسمى الأنفال من جهة الغنائم، الأنفال هي الغنائم، لأن الصحابة رضوان الله عليهم لما انتهت الغزوة اختلفوا في هذا المال الذي وجدوه من أموال الكفار ولم يكن لهم به من عهد ماذا يفعلون به؟ فقال الذين قاتلوا نحن أولى به وقال الكبار من الصحابة الذين مكثوا في مواقعهم وصاروا فيئة للمسلمين يفيئون إليهم ونحن أيضًا لنا حق فيه فلولا أنا ثبتنا لأمكن أن يرتد العدو عليكم فلا تجدون أحدًا تفيؤن إليه فاختلفوا فأنزل الله عز وجلّ في بداية هذه السورة الكريمة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) وهذه بداية غريبة كيف يبدأ بقضية عرضية مرت على المؤمنين مرورا عابرا؟! لا، ليس الأمر كما تتوقع. أشير إلى قضية الأنفال والخلاف حولها ليبين أن قضية القتال عندنا والجهاد في سبيل الله ليست قضية منازلة مع الخصوم قبل أن تكون تربية للنفوس، فالنفوس التي ما تربّت لا يمكن أن تجاهد ولا يمكن أن تفلح في ميدان المعركة ولا يمكن أن تنتصر ولذلك جاء في هذه السورة بعامتها بآداب الجهاد وأسباب النصر فلو تأملت السورة من أولها إلى آخرها لوجدتها تدور حول هذين المحورين: آداب الجهاد وأسباب النصر. اقرأوا (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ليست لكم أمرها وقسمتها إلى الله ورسوله، ما الذي يجب عليكم؟ (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) من هم المؤمنون؟
ام هُمام
03-15-2018, 05:15 PM
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) هؤلاء هم الذين يستحقون اسم الإيمان ويحق لهم أن يجاهدوا وسيُنصروا إذا جاهدوا بإذن الله وليسوا أولئك الذين قلوبهم رقيقة وضعيفة ومتشبثة بالدنيا قاتلوا ساعة أو ساعتين وإذا حصلوا شيئًا من لعاعة الدنيا اختلفوا حولها وتقاتلوا فيما بينهم. ولعلكم تلاحظون أنه في كثير من المعارك التي قامت في العصر الأخير ينتصر فيها أهل الإسلام ثم بعد انتصارهم تبدأ المعارك فيما بينهم، ما السبب؟ هل هؤلاء الذين يذهبون إلى الجهاد إذا ذكر الله وجلت قلوبهم؟ إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا؟ على ربهم يتوكلون؟ يقيمون الصلاة؟ مما رزقناهم ينفقون؟ يستحقون هذا الوصف (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾)؟ لا، نعم هم يقاتلون باسم الله ويريدون الغيرة على الدين ويفعلون كل ما يفعلونه لأجل الله ولكن هذه النفوس لم تتربى ولذلك يظهر عليها آثار الأثرة وحب الدنيا من حين ما تضع الحرب أوزارها فيعود الجهاد نكسة على المسلمين. ولعلكم لاحظتم في كثير من المواقع التي حصل فيها جهاد بين المسلمين وبين أعدائهم أن المسلمين يكسبون المعركة مع العدو لكن في نهاية المطاف ترتد آثار هذه الحرب على المسلمين فينقسموا فيما بينهم ويتقاتلوا ثم يأتي العدو ليستولي عليهم مرة أخرى.
ام هُمام
03-16-2018, 02:54 PM
انظروا إلى هذه الآداب: يقول الله عز وجلّ في أدب من آداب الجهاد (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴿٥﴾ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴿٦﴾ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) تريدون الفريق أو الطائفة التي ليست ذات شوكة وهم عير قريش، القافلة التي كانت بقيادة أبي سفيان تودون أنها لكم لكن الله يود ويريد شيئا آخر (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴿٧﴾ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴿٨﴾) ويذكر أدبًا من آداب الجهاد (إ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) وهذا أدب من آداب الجهاد الاستغاثة بالله كاستغاثة الغريق واللجوء إليه والانطراح بين يديه حتى ننال نصره لكن أن ندخل المعركة ونحن واثقون أن النصر حليفنا لا يمكن أن يأتي النصر هنا ولو جاء نصرٌ فلن نهنأ به!
ام هُمام
03-17-2018, 06:04 PM
أدبًا آخر من آداب الجهاد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴿١٥﴾ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٦﴾) تحريم الفرار عندما يلتقي الصفّان وجعل هذا من أعظم الآثام بل هو من السبع الموبقات لما يحدث بسببه من الوهن والإرجاف في صفوف المؤمنين.
من آداب القتال اعتقاد أن النصر من عند الله وأنا نحن أسباب فقط، ليس بيدنا نصر ولا قوة ولا غلبة وإنما الأمر كله بيد الله قال الله (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٧﴾).
ام هُمام
03-18-2018, 07:11 PM
ويبين لنا أيضًا أن من أعظم أسباب النصر طاعة الله وطاعة رسوله فيقول (يا ايها أطيعوا تسمعون) ويقول مؤكدًا هذا الأمر (أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٤﴾ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) لا تحتقروا ذنبًا تحدثه طائفة منكم فإن هذا قد يبوء عليكم جميعًا بالخسران كما حصل في غزوة أحد، من هم الذين عصوا؟ ثلة من المؤمنين كانوا على الجبل فعصوا أميرهم فجاء الأثر على جميع المؤمنين وحصلت النكسة في غزوة أحد فإياكم!
واحذروا أن تخونوا الله ورسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٧﴾ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٢٨﴾)
ام هُمام
03-19-2018, 05:02 PM
وتستمر السورة على هذا المنوال في ذكر آداب الجهاد إلى أن تصل إلى قول الله عز وجلّ في الآية 45 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هذا السبب الثالث من أسباب النصر (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا) الأدب الخامس (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦﴾ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٤٧﴾) واحذروا في حربكم وجهادكم لعدوكم أن تسمعوا للشيطان وتخضعوا لوسوسته (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٤٨﴾).
ثم تستمر هذه الآيات مبيّنة أهمية الإعداد للجهاد فيقول الله عز وجلّ فيها (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) وهذا في الآية 60 ويقول جلّ وعلا مبينًا أهمية الألفة بين المؤمنين وأنه لا يمكن لنا أن ننتصر على أعدائنا إذا كنا نحن مختلفين،
ام هُمام
03-20-2018, 06:23 PM
ألم يقل في أول السورة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) عاد إليها مرة أخرى فقال (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٦٣﴾ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٤﴾) كافيك الله فهو الذي يتولى نصرك وهو الذي بيده كفايتك وإعانتك فلا تعتمد قوتك ولا على أصحابك فالكفاية كلها والمدد والعون من عند الله عز وجلّ وأنت مهمتك أيها النبي أن تحرض المؤمنين على القتال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) ثم ذكر في حقهم شيئًا فقال إن الواجب على المؤمنين أن يثبتوا لعشرة أمثالهم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾) وهذا في أول الإسلام ثم لما علم الله عز وجلّ أن في المؤمنين ضعفًا أراد أن يخفف عنهم فقال (الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) معناه إذا كان عدد العدو ضعفكم وجب عليكم أن تثبتوا فإذا زادوا عن الضعف لم يجب عليكم أن تقاتلوهم وجاز لكم أن تنسحبوا من المعركة. في المرة الأولى قال وجب عليكم أن تثبتوا لعشروة أمثالكم،
ام هُمام
03-21-2018, 05:08 PM
إذا كان عددكم ألفًأ وعدوكم عشرة آلآف وجب عليكم الثبات، إذا كان عدوكم 12 ألف وأنتم ألف لم يجب عليكم الثبات، هذا في أول الإسلام ثم خفف عنا ولله الحمد والمنة فألزمنا الله أن نثبت لضعفينا فقط فإذا كانوا أكثر من ذلك جاز لنا أن ننسحب ونستعد لنلاقيهم وقد كان عددًا قريبًا من عددهم أو يساوي نصف عددهم..
قال الله عز وجلّ مبينًا أمرًا من أمور الجهاد (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٦٧﴾) وهذا أدب من آداب الجهاد وهو أنه لا يجوز للمؤمنين أن يتخذوا أسرى حتى يثخنوا في الأرض ويكون لهم علو فيها أما قبل ذلك فيجب أن يفاصلوا أعدائهم ويكونوا أصحاب قوة وتمكن من رقاب الأعداء وأن لا يرغبوا فيما عند الأسرى من المال حتى لا يأخذوا الفداء.
ثم ختمت السورة بذكر قضية الولاء والبراء وأن الجهاد مبناه على الولاء والبراء لأن الذين يقاتَلون هم المشركون لأنهم ليسوا أولياء لنا والذين يقاتلون هم المؤمنون وهؤلاء هم الذين يجب أن تكون ولايتنا لهم وأن تكون نصرتنا التامة لهم وأما الذين آمنوا ولم يهاجروا فما لهم علينا من الولاية من شيء، قال الله عز وجلّ (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) إن طلبوا منكم النصرة وجب عليكم أن تنصروهم إلا إذا كان قتال هؤلاء مع قوم بينهم وبينكم ميثاق فلا تنصروهم لأنهم قد أخلّوا بشيء من الدين فتركوا الهجرة فلا يستحقون النصر الكامل.
ام هُمام
03-22-2018, 07:14 PM
سورة برآءة
هذه السورة أيضًا موضوعها الجهاد في سبيل الله لكنها تتحدث عن الجهاد من زاوية غير الزاوية التي تتحدث عنها سورة الأنفال. سورة الأنفال نزلت في أعقاب غزوة بدر في السنة الثانية وسورة برآءة نزلت في أعقاب غزوة تبوك في السنة التاسعة، هذه في أول الهجرة وهذه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعام وبضعة أشهر.
هذه السورة نزلت بعد أن تمكنت دولة النبي صلى الله عليه وسلم ومكّن له من جزيرة العرب وفتحت مكة فالخطاب فيها مختلف، الخطاب قوي وصارم مع أعداء الإسلام وظاهر في الدلالة على وجوب اتخاذ أسباب القوة حتى يخضع الكفار للإسلام ولذلك هذه السورة أشد سورة في القرآن من حيث قوة الآيات مع الخصوم وأسماؤها بلغت فيما أحصيت 18 اسمًا وهذا لا يوجد لأي سورة من القرآن إلا لها: برآءة، التوبة، الفاضحة، المبعثِرة، البَحوث، المقشقشة، الحافِرة، المنقِّرة، كلها تدور حول البراءة من المشركين وفضح المنافقين والتشقيق عن قلوبهم وإبراز صفاتهم ومكنونات نفوسهم وإغراء المؤمنون بهم ولذلك افتتحت بغير بسملة لأنها نزلت بالشدة ونزلت بالسيف والسيف لا يتناسب مع الرحمة الموجودة في قول الله عز وجلّ (بسم الله الرحمن الرحيم) لذلك بدأت بقول الله عز وجلّ (بَرَاءَةٌ) فإذا قرات أن تقرأ سورة التوبة تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾)، كيف تقول: بسم الله الرحمن الرحيم (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ)؟! الرحمن الرحيم لا يتناسب مع هذا! لا بد أن ننظر إلى المناسبة بين أسماء الله وصفاته والأحكام التي تتلى فيها تلك الأسماء ولذلك جاءت هذه السورة بالشدة والغلظة على الكفار وعلى أهل الكتاب وعلى المنافقين، هذه الأصناف الثلاثة ذكرت في هذه السورة بشكل موسع وبإغراء شديد لأهل الإيمان عليهم.
ام هُمام
03-23-2018, 07:41 PM
بدأ بالمشركين فقال (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿٢﴾ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٤﴾ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) التي وضعها الله عز وجلّ لكي تكون فسحة للمشركين الموجودين في جزيرة العرب، أربعة أشهر بدأت من يوم النحر في العام العاشر واستمرت أربعة أشهر بعدها لا يسمح ببقاء مشرك في جزيرة العرب (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥﴾) تلاحظون أنه مع شدّة هذه الأحكام إلا أن التوبة تبرز لنا في كل موطن، ذكرت التوبة في هذه السورة 17 مرة لم تُذكر ولم تجتمع في سورة في القرآن إلا في هذه السورة، في هذه الصفحة يقول الله (فإن تبتم، فإن تابوا فخلوا سبيلهم). ثم يبين لنا لماذا لا نهادن هؤلاء ونعاملهم بالحسنى (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٧﴾ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) كيف أنتم ترفقون بهم؟! هم لا يرفقون بكم ولا يرقبون فيكم إلّا ولا ذمة ولذلك عليكم بهم إذا تمكنتم منهم.
ام هُمام
03-24-2018, 06:30 PM
بعد ما انتهى من ذكر المشركين عاد إلى الجهاد مرة أخرى في سياق عجيب ليبين فضائله. يقول الله عز وجلّ معاتبًا هؤلاء المشركين الذين يقولون أنهم أهل الحرم فكيف يدّعي محمد أنه خيرٌ منا؟ (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾) ثم يذكر فضائل الجهاد:
(الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ)
(وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)
(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ)
(وَرِضْوَانٍ)
(وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ)
(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)
هذه الفضائل ما اجتمعت في سورة وفي مكان مثلما اجتمعت في هذا المكان.
ام هُمام
03-25-2018, 06:30 PM
ثم يؤكد على أمر الولاء والبراء الذي هو سبب الجهاد فيقول الله عز وجلّ: انتبهوا لا تأخذكم رأفة بهؤلاء الكفار بحجة أنهم أقارب لكم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ) لا توالوهم ما داموا قد استحبوا الكفر على الإيمان. ثم قال مهددًا (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٤﴾) ثم يبين سبحانه وتعالى أن النصر من عنده وأننا قد نُخذَل بسبب إعجابنا بعددنا أو عدّتنا قال (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴿٢٥﴾).
بعدما انتهى من قتال المشركين انتقل إلى قتال أهل الكتاب، قال في الآية 29 (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ذاك قتال المشركين وهذا قتال أهل الكتاب. (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) الجزية ما ذكرت في حق المشركين، ما لهم عندنا إلا السيف، إما أن يسلموا أو السيف، أما أهل الكتاب فلأن لهم شبهة كتاب جعل الله لهم مناصًا بالجزية: أسلِموا، قالوا: لن نسلم، نقول لهم ادفعوا الجزية وستكونون تحت حمايتنا وفي دولتنا ندافع عنكم ولكم حقوق معينة يحفظها المسلمون لكم، قالوا: ما ندفع الجزية، قلنا: ما لكم بعد ذلك إلا السيف. ثم يغري الله المسلمين بأهل الكتاب لماذا نقاتلهم؟ لأنهم قوم كفار مشركون (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) ولذلك يجب علينا قتالهم وجهادهم وأن النصر بإذن الله سيكون حليفنا لأنهم (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٣٢﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٣٣﴾) ويبين ربنا لنا أن هؤلاء من أهل الكتاب فيهم أحبار ورهبان لكنهم كذابون أكالون للمال بالباطل قال الله عز وجلّ (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ) ويقول (كثيرا) حتى لا يظلم البقية (لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) هذا في حق أهل الكتاب لأنهم كانوا يأخذون الأموال من النصارى ومن اليهود ويكنزونها وهم معروفون بهذا وإلى اليوم.
ام هُمام
03-26-2018, 07:21 PM
بعد ما انتهى من هذا انتقل إلى حضّ المؤمنين على الجهاد في سبيل الله في الآية 28 وأنهم إذا استُنفروا للقتال كما استنفروا في غزوة تبوك فإن عليهم أن ينفروا وهذه أول آية في هذه السورة تتحدث عن غزوة تبوك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ) لاحظوا (اثاقلتم) حتى طريقة اختيار الكلمة جاءت مناسبة جدًا لتصوير الحال الذي كان عليها المسلمون عندما أُمروا بالجهاد. أمروا بالجهاد في غزوة تبوك لغزو عدو قوي وهم الروم وهذا تخافه النفس مثل لو قيل لنا الآن ستقاتلون الصين أو أميركا لن يكون حالنا كما لو قيل ستقاتلون دولة من الدول الصغيرة سيصيبنا شيء من الخوف والرهبة. ثانيًا المكان بعيد، من المدينة إلى بلاد الشام قريب من ألف كيلومتر. ثالثًا: فرض على المسلمين في شدة الحر وطيب الثمار، الثمار بدأ يرطّب والحياة تتيسر والناس تريد الأظلة والسكون والدعم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول انفروا فهنا بدأ بعض الناس تراوده نفسه في عدم الطاعة والله عز وجلّ يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ إِلَّا تَنْصُرُوهُ) إن لم تنصروا محمدًا فقد نصره الله، الله سينصره وأنتم لا دور لكم بالنصر لكن الله ابتلاكم بطاعته. ثم يحثهم على النفير دائمًا فيقول (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ) لو كان شيئا يسيرًا ما عارضوا، لا، هنا جاء البلاغ لما كان شيئًا بعيدا، وشيئا قويًا وعزيزًا على أنفسكم قال الله عز وجلّ (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) جاء أناس استأذنوا من النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لهم فعاتبه الله جاء العتاب بطريقة في غاية العجب، قدّم العفو على العتب تقول لأي إنسان تعاتبه: يا فلان فعلت كذا وكذا لكن الله يسامحك، وهنا لكرامة النبي على ربه وخشية الرب أن ينفلق صدر محمد صلى الله عليه وسلم من شدة الوحشة للعتاب قال له (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) فقدّم العفو على العتب (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) استعجل النبي صلى الله عليه وسلم من رحمته وشفقته وعذره للناس فعذر من اعتذر منهم ولكن الله قال له: لو صبرت لأخبرتك من هو الصادق من الكاذب ممن اعتذر منك يا محمد ولم يرحل معك إلى الجهاد ولم يستجب لاستنفارك.
ام هُمام
03-27-2018, 05:49 PM
ثم بيّن أن الناس صنفان في قبول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للنفير إلى غزوة تبوك: أما المؤمنون فهم لا يستأذنون (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿٤٤﴾) من الذي يستأذن؟ (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿٤٥﴾) هؤلاء هم الذين يأتونك ويقولون يا محمد إئذن لنا لدينا أشغال وبيوتنا عورة ونخاف على أولادنا وأنا معي عارض بسيط ويبدأ يعتذر لأجل أن يتملص هؤلاء هم الذين يستأذنونك ويتخلفون عن الجهاد. ولما ذكر استئذانهم بدأ بفضيحتهم الفضيحة الكبرى، أكبر فضيحة في التاريخ للمنافقين جاءت من بداية هذه الآية (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٤٦﴾ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) الله خّذلهم حتى لا يخرجوا فيكم فيثبطوكم (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ) كانوا يحتالون عليك ويمكرون بك (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) ثم قال (ومنهم) وبدأ يعدد: ومنهم، ومنهم، ومنهم.. قرابة ثمانية أوجه في هذه السورة كلها فضائح في هؤلاء المنافقين بما لم يجتمع مثله في القرآن كله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي) كما روي عن أحدهم قال يا محمد إني أخشى أن أذهب معك لبلاد الروم فأفتتن ببناتهم، بنات بني الأصفر فاعذرني أنا أريد السلامة لديني. قال الله عز وجلّ (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ). ثم قال الله عز وجلّ (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٥٣﴾ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٥٤﴾ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٥٥﴾) يقول فاضحًا إياهم (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴿٥٦﴾).
ام هُمام
03-28-2018, 06:36 PM
ثم يبين أن منهم من يلمز النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصددقات وقسمتها (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴿٥٨﴾) ثم يذكر صنفًا آخر (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) يعني يسمع لكل من يكلمه ولا يسمع منا نحن أصحاب الرأي والجاه والمنزلة. ثم قال الله عز وجلّ (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ﴿٦٣﴾) ثم يكشف عن خفايا نفوسهم (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ﴿٦٤﴾). ثم تسترسل الآيات إلى أن يأتي إلى قول الله عز وجلّ في الآية 73 (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) بالسيف سواء منهم مشركي العرب أو أهل الكتاب (وَالْمُنَافِقِينَ) هؤلاء الذين أصفهم لك يجب أن تجاهدهم، كيف يكون جهاد المنافقين؟ إن كانوا مستقلين عن أهل الإسلام في دولة أو جماعة أو طائفة وجب قتالهم كسائر الكفار وأما إن كانوا داخل الصف الإسلامي فقتالهم يكون بفضحهم وكشف مخططاتهم وذكر خبايا نفوسهم وتلاوة الآيات التي تفضحهم وكشف ما ينوونه ويعزمون عليه وبيان صفاتهم المذكورة في القرآن فهذا أعظم جهاد في حقهم ومنه الرد على الليبراليين والعلمانيين فهذا من أعظم الجهاد لأنه لا ينبري له إلا العلماء والعالمين بحالهم. (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٧٥﴾) إلى آخر ما ذكر من صفاتهم.
ام هُمام
03-29-2018, 05:56 PM
بعد ذلك في الآية 90 بيّن الله من هو الذي يُعذر بترك الجهاد فقال سبحانه وتعالى (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٩٠﴾ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴿٩٢﴾) فهؤلاء معذورون يا محمد. ثم يبين الله من هم الذين لا يُعذرون قال (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٩٣﴾ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ) مع الخوالف أي مع النساء، إذا رجعتم من الجهاد اعتذروا تمنينا نكون معكم لكنكم تعلمون ما لدينا من العذر! (قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) ويقول كاشفًا عما في نفوسهم (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٩٥﴾ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٩٦﴾) ثم يبين أن أشد المنافقين نفاقًا هم الأعراب فيقول (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) ولما ذكر منهم هؤلاء قد يُظنّ أن الأعراب كلهم على هذه الشاكلة، قال الله: لا، قال (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩٩﴾) وأيضًا ممن يدخلهم الله في رحمته (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) هؤلاء ممن سيدخلهم الله في رحمته (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) نسأل الله أن نكون منهم،
ام هُمام
03-30-2018, 05:06 PM
السابقون الأولون قد فاتوا لكن نحن لنا حظ إن اتبعناهم بإحسان (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ثم يبين أن حول المدينة وحولكم أيها المؤمنون منافقون فقال (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) جاؤوا إليك يا محمد وقالوا نحن تخلفنا عن الجهاد وما كان لنا من عذر ونحن اليوم جئنا نعتذر ونعترف نسألك يا محمد أن تدعو الله أن يتوب علينا قال الله عز وجلّ في حقهم (وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٠٢﴾) وعسى من الله واجبة ولذلك قال الله في آخر الصفحة (وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٠٦﴾) وهم هؤلاء الذين اعتذروا وهم من أهل الإيمان. وذكر صنفًا من أهل النفاق عندهم مؤامرة خبيثة جدًا، يبنون مسجدًا ما يريدون به أن يكون معبدًا يُعبد به الله وإنما يريدون أن يكون مكانًا للمؤآمرات ضد المؤمنين فالله عز وجلّ حذّر النبي من أن يذهب إلى مسجدهم أو أن يصلي فيه أو يشهد ذلك المسجد (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٠٧﴾ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) ولا تذهب إليه ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم من يذهب إلى مسجد ضرار فيحرّقه فحرق هذا المسجد لتذهب بذبك منشآت النفاق، المنشآت التي يضعها المنافقون لأنفسهم ليتآمروا على المسلمين داخل الصف المسلم في الدولة المسلمة.
ام هُمام
03-31-2018, 06:34 PM
ثم ذكر الله بعد ذلك عاقبة المجاهدين أن الله عز وجلّ يرغبهم بالجهاد ليحصولوا على الجنة (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) أعظم صفقة وقعت في العالم المشتري هو الله والبائع هو المؤمن والسلعة نفس المؤمن والجزاء الجنة (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ) من لم يحصل على هذه الشهادة، ما حاله؟ يُحرم؟ قال الله عز وجلّ هناك ضنف من المؤمنين لم يحصلوا على الشهادة ولكن حصلوا على شيء آخر (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾)
بعدما انتهى من هذا عاد مرة أخرى ليذكّر بأمر الولاء والبراء الذي ظهر كثيرا في هاتين السورتين الكريمتين سورة الأنفال وسورة براءة ويذكّر بأن الجهاد صورة من صور البرآءة من هؤلاء المشركين وأننا لا نتلاقى معهم في شيء لأننا نوحد الله وهم مشركون بالله ولذلك قال الله (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿١١٣﴾)
ام هُمام
04-01-2018, 04:50 PM
ثم تأتي السورة بالبشارة لأولئك الذين أرجئ أمرهم جاؤوا يعتذرون ويعترفون بذنبوهم وسبب تخلفهم عن الجهاد ويصدقون في كلامهم (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١١٧﴾) هذا الصنف الأول ممن تاب الله عليهم والصنف الثاني (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وهم الذين تخلفوا ثم جاؤوا لرسول الله وأبلغوه الحقيقة ولم يكذبوا، تاب على الثلاثة (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١١٨﴾) تكرار كلمة التوبة في هذه السورة الشديد القوية المقشقشة الحافرة المبعثرة الكاشفة سورة العذاب يأتي التذكير بالتوبة لئلا يقطع الله بين عباده وبين رجائه والفوز برحمته. ولما ذكر حال هؤلاء الصادقين الذين صدقوا مع رسول الله رغّبنا نحن أن نكون مع الصادقين فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴿١١٩﴾) الذين يصدقون ولو كان في الصدق ضرر عليهم لكن في الصدق في الباطن هو قربة من الله.
ثم عاد مرة أخرى كما بدأ في أول السورة ذكر فضائل الجهاد وذكر في آخر السورة فضائل الجهاد على طريقة القرآن في المثاني يذكر الشي ثم يعيده مرة أخرى لأن طبيعة النفس الإنسانية تنسى وتغفل قال الله عز وجلّ (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) لماذا لا يرغبون بأنفسهم عن نفسه؟ لأنهم سيحصل لهم من الأجور ما لا يحصلونه في غير الجهاد (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ) إذا خرجوا معك (لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) من حين ما يخرج المجاهد من أول ما يغادر باب بيته يبدأ عداد الحسنات حتى لو يجلس يعمل شاي أو قهوة ليشرب تكتب له حسنات عند الله، يصعد جبلا يكتب له، ينزل واديًا يكتب له يستريح يكتب له عداد الحسنات مستمر حتى يرجع إلى بيته مرة أخرى أو ينال ما كتب الله له من الشهادة. قال الله عز وجلّ (وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢١﴾)
ام هُمام
04-02-2018, 06:04 PM
وهذا الحثّ قد يجعل كل المؤمنين ينفرون في الجهاد سبيل الله فلا يبقى أحد، قال الله لا، انتبهوا، أنا حثثتكم على الجهاد وأمرتكم به وبيّنت لكم فضيلته لكن لا يسعكم جميعًا أن تخرجوا إليه لأنكم لو خرجت إليه جميعًا لتعطلت المصالح وغزيت البلدان وحصل ضرر ببقية أهل الإسلام (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) تبقى طائفة تتفقه في الدين تتعلم تحمي البلاد حتى إذا رجع المجاهدون فقهوا إخوانهم وعلموهم دينهم.
ولما ذكر قتال أهل الكتاب في هذه السورة قد يظن أن هذا القتال لمن كان داخل جزيرة العرب، قال الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) يعني الروم وغيرهم من أهل الكتاب، يلونكم، ليسوا داخل جزيرة العرب (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) ولذلك لما نزلت هذه الآيات شرع النبي صلى الله عليه وسلم في تجهيز جيش أسامة بن زيد ومات عليه الصلاة والسلام ولم ينطلق جيش أسامة فكان أول قرار اتخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه تسيير جيش أسامة لأنه لواء عقده رسول الله لا يمكن أن يُحل وخرج أسامة رضي الله عنه إنفاذا لهذه الآية.
ام هُمام
04-03-2018, 07:23 PM
انتهى من الجهاد وذكره بدأ يبين أن هذا القرآن الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من يزداد به إيمانًأ ومنهم من ينقص. أود أن تتأملوا أن كل سورتين تشكل قضية واحدة، البقرة وآل عمران، النساء والمائدة، الأنعام والأعراف، الأنفال والتوبة، ارجعوا إلى الأنفال ستجدون (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) هذا في أول الأنفال وفي آخر التوبة (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿١٢٥﴾ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٢٦﴾ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ) هؤلاء المنافقون (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) قال الله عز وجلّ مبيًنا كيف أن هذه السورة الشديدة الغليظة على هؤلاء جاءت مع رسول رحيم رفيق فاتبعوه لتدركوا الرحمة من جميع وجوهها (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) عزيز عليه عنتكم ومشقتكم (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١٢٨﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإيمان (فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)
هذه إطلالة على هاتين السورتين نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لفهمها وكم تمنيت لو جعلنا هذه الإطلالة قبل أن نستمع إلى الآيات لأننا عندما نفهم جو السورة العام ونستمع إليها سنتلذذ بها أكثر.
ام هُمام
04-04-2018, 05:05 PM
سورة هود
هذه إطلالة على هذه السورة الكريمة نفهم من خلالها عن ماذا تتحدث هذه السورة وما هو الشيء الذي تهدف إليه وماذا تريد أن توصله إلى قلب محمد صلى الله عليه وسلم وإلى قلوبنا من بعده؟. هذه السورة اسمها سورة هود وليس لها اسم آخر إلا هذا الاسم بخلاف سورة التوبة التي ذكرنا لها قرابة ثمانية عشر اسما ذكرها العلماء في كتبهم.
وسورة هود هي إحدى سور (الر) وهي (الر) يونس و(الر) هود و(الر) يوسف و(الر) إبراهيم و(الر) الحجر، خمس سور ذوات (الر) كلها مقرونة بأسماء الأنبياء إلا سورة الحجر فهي باسم أمة بُعث لها نبي.
هذه السورة الكريمة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبدو من حديث السورة العام في وقت شدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اشتد عليه الكرب وضايقه المشركون وشعر عليه الصلاة والسلام بضيق شديد من إبائهم واستكبارهم وعنادهم بل وتهديدهم له وإعراضهم عن دعوته وخوفه عليه الصلاة والسلام من أن ينزل بهم عذاب الله كما نزل بمن كان قبلهم ولذلك قال الله عز وجلّ مصورا لنا هذه الحالة التي كان عليها صلى الله عليه وسلم (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٢﴾) ما لك يا محمد إلا أن تبلّغهم وتنذرهم، ينزل بهم عذاب أو لا ينزل بهم، يؤمنون أو لا يؤمنون، يطلبون منك ويقترحون عليك أشياء أنت لا تلتفت إلى شيء من ذلك لا تترك شيئا مما أوحي إليك، اثبت على دينك ولذلك هذه السورة يمكن أن نسميها سورة الثبات أو التثبيت أراد الله سبحانه وتعالى أن يثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بها ويقول له يا محمد انظر إلى إخوانك الأنبياء حلّ بهم من النكال والبلاء والإعراض والكبر الشيء الكثير ومع ذلك لم يدعوا شيئا من الدعوة التي دعوا إليها فكن مثلهم يا محمد واصبر على الدعوة وهذا الحق الذي آتيتك إياه.
ام هُمام
04-05-2018, 08:17 PM
فهذه السورة مدارها على الصبر على لأواء الدعوة والثبات على دين الله عز وجلّ وعدم طاعة المشركين فيما يقترحونه عليك من كونهم يطلبون منك أن تتنازل عن بعض الدعوة وأن لا تشتد أو تطلب منهم أشياء هم لا يحبونها أو لا يهوونها. مما يؤكد أن هذا هو المعنى التي تدور حولها السورة يقول الله عز وجلّ (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴿١٠﴾ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١١﴾) ما قُدمت صبروا على عملوا الصالحات إلا في هذا الموطن لبيان أن الصبر هو المطلوب الأعظم وهو الركن الركين الذي يحتاجه النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته.
ثم قصت السورة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قصص الأنبياء من قبله ففي الآية 25 يقول الله عز وجلّ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٢٥﴾) إذن أنت يا محمد نذير مبين كما كان أخوك نوحا نذير مبين (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿٢٦﴾) فقابل هؤلاء دعوة نوح (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) حتى أتباعك هم من سقط الناس، ما نظروا إلى جوهر الدعوة وإنما نظروا إلى أشياء أخرى وقاسوا بها الدعوة (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾) نحن خير منكم مالا وأهلا وعشيرة فبأي شيء تميزتم؟ إذن الدعوة لا تُتبع عندهم من أجل مصمونها الحق ولكن لأجل الأتباع والزخرف والمال وغير ذلك، هذا ما يقولونه لنوح عليه السلام.
ام هُمام
04-06-2018, 06:14 PM
ثم تسترسل السورة في ذكر تفاصيل قصة نوح عليه السلام لم تذكر في موطن آخر من كتاب الله عز وجلّ إلى أن وصل نوح إلى المرحلة التي علم بها أنهم لا يؤمنون لذلك قال الله له في الاية 36 (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴿٣٧﴾ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿٣٨﴾ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿٣٩﴾) ثم نزل البلاء وعمّ الطوفان ثم جاء بلاء جديد لنوح فانتبه يا محمد قد يكون البلاء الذي ينزل بك كالبلاء الذي ينزل بنوح فاصبر واثبت قد يكون البلاء في داخل بيتك ولذلك (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴿٤٢﴾ قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴿٤٣﴾) وندم نوح أشد الندامة على أن ابنه غرق مع الغارقين (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿٤٥﴾ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٤٦﴾) إني أحذّرك أن تكون من هؤلاء الجاهلين هذا ليس من أهلك لأن الذي فصل بينك وبينه الدين وهو ليس على ملّتك وأنت يا محمد قد يكون عمك من الكفار قد يكون قريك من الكفار فلا تأخذك فيه لومة لائم ولا تطلب من الله الشفاعة فيه.
ام هُمام
04-07-2018, 08:06 PM
قال الله عز وجلّ بعد أن انتهت قصة نوح التي فيها الرسالة العظيمة ثبات نوح 950 سنة لكن الله لم يتركه أنزل الله العذاب بقومه وأنجاه ومن معه (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤٨﴾) ما هي الفائدة من قصة نوح؟ (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٩﴾) اثبت على دينك لا تتأخر لا تتوانى لا يصيبنك شيء من اليأس لا تترك شيئا مما أوحي إليك لأجل إملاءات هؤلاء الكفار هذا أخوك نوح صبر وثبت فنصره الله عز وجلّ بثلاث كلمات (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) فنصره الله
ثم جاءت قصة هود (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) وبه سميت السورة لأن هذه القصة لهود لم ترد بهذا التفصيل في سورة أخرى ومن عجائبها أن هودا دعا قومه بما دعا به الأنبياء (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴿٥٠﴾ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٥١﴾ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴿٥٢﴾) يا محمد قد قالوا له كلاما قد تسمعه من قومك (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٥٣﴾ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ) بعض آلهتنا قد أصابتك بشيء من الجنون فقال هود بثبات وقوة (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴿٥٥﴾) يقول لقومه هو واحد وقومه قد عرفوا أن الله قد زادهم بسطة في الجسم فهم من العمالقة ومع ذلك يقول لهم هود بكل ثبات وقوة (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ) اجتمعوا عليّ من أجل أن تكيدوني فلن تحصلوا شيئا ولن تصلوا مني إلى شيء! من يستطيع أن يتحدى قوم معروفون بالقوة والبطش وذكر الله ما أوتوا من القوة وما آمن معه إلا قليل (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٦﴾) أنزل الله بهم بأسه وعذّبهم العذاب الشديد (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٥٨﴾ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿٥٩﴾) (تلك عاد) إشارة إليهم أنها قريبة منكم أيها المخاطبون وهم أهل مكة (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿٥٩﴾ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴿٦٠﴾)
ام هُمام
04-08-2018, 06:32 PM
ثم انتقل إلى مشهد آخر مع نبي آخر وبدأ الآن يقترب قليلا من جو مكة بدأ بقوم نوح ثم انتقل إلى عاد في جزيرة العرب ثم إلى ثمود وهم أقرب في وادي القرى شمال المدينة النبوية (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) هذه دعوة الأنبياء بماذا قابلوه؟ (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) كما نأمل أنك إنسان طيب محترم صاحب سمعة تقود المجتمع وإذا بك تأتي بهذا الكلام والخزعبلات والأشياء المنكرة، سببت الآلهة وفعلت وفعلت.. (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿٦٢﴾) (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أنتم في شك وأنا على بينة (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴿٦٣﴾) ثم جاءهم بآية من أعجب الآيات ناقة تولد من صخرة ولها ولد ومن مزاياها أنها تستقي من الماء يوما وتسقيهم من لبنها يوما وهذا من الأعاجيب، ناقة تولد من صخرة! وجعلها الله لهم فتنة حيث نهاهم صالح أن يمسوها بسوء (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴿٦٤﴾ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴿٦٥﴾ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴿٦٦﴾) يا محمد اثبت فالله معك فلئن عصاك هؤلاء وآذوك فاعلم أن الله معك ولن يتركك وسينصرك كما نصر صالحا وهودا ونوحا وسائر الأنبياء من قبلك.
ام هُمام
04-09-2018, 04:37 PM
ثم انتقلت السورة إلى أمر آخر فيه بيان لسرعة فرج الله وأنه لا يأس من روح الله. أأنت يا محمد ضاق صدرك مما فعله قومك؟ (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴿٦٩﴾ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴿٧٠﴾ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴿٧١﴾ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) انظر يا محمد كيف يأتي الله بالفرج من حيث لا يتوقع الإنسان فإبراهيم قد بلغ من الكبر ما بلغ وامرأته عاقر لا تلد وقد بلغت من الكبر قرابة المئة حتى هي مع إيمانها كونها زوجة نبي تعجبت من الخبر الذي جاء على لسان الملائكة فبشرناها بإسحق ومن ورائه يعقوب وسماه في هذه السورة يعقوب ليبين كثرة عقبه فهو أبو بني إسرائيل جميعا ما قال وراء اسحق اسرائيل وهو اسمه الثانية لبيان أن عقبه سيملأ الأرض وسيكون من وراء يعقوب أنبياء كثر لا يحصيهم إلا الله عز وجلّ (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٧٢﴾) ماذا تقول إن قيل لك عجوز في المائة والآن حملت؟! تقول تكلم بالشيء المعقول! هذا عند الناس أما عند الله الذي يقول للشيء كم فيكون وأنت يا محمد الله عز وجلّ قادر على أن يقلب الأمور كلها فتصبح جزيرة العرب رهن إشارتك وتدخل في دين الله أفواجا اليوم أنت مطارد ومؤذى لكن سينبثق الفجر ويأتيك الفرج اسمع قصة أبيك إبراهيم (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴿٧٣﴾ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴿٧٤﴾) ظن أنهم سيعذبون قرى قوم لوط المؤتفكات كلها بمن فيها لوط قال أرأيتم لو كان فيها كذا وكذا أومنتم معذبيها؟ قالوا لا، قال فإن فيه لوطا قالوا أما لوطا فلن نصل إليه بسوء قال الله عز وجلّ (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴿٧٥﴾ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴿٧٦﴾)
ام هُمام
04-10-2018, 07:02 PM
ثم ذكر قصة لوط وفيها أطبق البلاء على لوط من كل جانب قال الله عز وجلّ (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) وفي أول السورة قال (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) إن كان ضاق صدرك فقد ضاق صدر لوط من قبلك ولكن الله جاء له بالفرج من حيث لا تحتسب يا محمد ومن حيث لا يحتسب لوط (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴿٧٧﴾ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴿٧٨﴾) صور نفسك مكان لوط ويأتيه ضيوف ويأتي قومه الأنذال يقولون نريد أن نفعل بهم الفاحشة فيقول لهم لوط من شدة الحرج هؤلاء بناتي أزوجكم بناتي ودعوا هذا الأمر واستحيوا (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴿٧٩﴾ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴿٨٠﴾) (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴿٨١﴾) ثم نزل بهم العذاب
ثم جاء بعد ذلك قصة شعيب خطيب الأنبياء وذكر الله كيف دعاهم واستهزأوا به إلى أن قالوا (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴿٨٤﴾ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٨٥﴾ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴿٨٦﴾ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴿٨٧﴾) حتى أموالنا تريد أن تحد تصرفاتنا فيها؟! إنك لأنت الحليم الرشيد يسخرون منه ويستهزئون به (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿٨٨﴾) ثم ذكر الله عز وجلّ كيف ناقشهم وحاورهم ثم أنزل الله بهم عذابه.
ام هُمام
04-11-2018, 04:28 PM
ثم ذكر بعد ذلك قصة فرعون كيف عذبه الله عز وجلّ واشتد عليه ثم قال (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴿١٠٠﴾) منها ما هو قائم تراه الآن ومنها ما هو قد ذهب وباد فلا يرى منه شيئ الآن (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴿١٠١﴾ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴿١٠٢﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿١٠٣﴾)
ثم بعد هذا تبدأ السورة تعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم أوامر يستعين بها على حاله ويزداد بها ثباتا فيقول الله عز وجلّ في آخر السورة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا) استقيموا اثبتوا على الدين وإياكم أن تنحرفوا أو تتركوا شيئا من دينكم لأجل إملاءات هؤلاء الكفار استقم واثبت على هذا الدين كما أُمرت ولا تطغوا إنه بما تعلمون بصير ولا تميلوا إلى الذين ظلموا (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) فإن هذا مما يثبتك يا محمد (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) وأيضا قم بالدعوة في قومك وأمرهم بالمعروف وانههم عن المنكر فإن هذا مما يستدفع به البلاء (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿١١٦﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿١١٧﴾)
لماذا قُصّت علينا هذه القصص ولماذا حكي للنبي هذا كله؟ قال الله عز وجلّ (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ) السورة (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٠﴾ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴿١٢١﴾ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴿١٢٢﴾ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٢٣﴾) لا تنشغل بشيء آخر آمنوا أو لم يؤمنوا هذا ليس إليك الأمر كله إلى الله وهذا هو المطلوب منا جميعا.
ام هُمام
04-12-2018, 04:29 PM
سورة يوسف
هذه إطلالة على هذه السورة الكريمة سورة يوسف، وسورة يوسف من السور المئين وهي السور التي تتجاوز آياتها مئة آية وهو نوع من أنواع مقاطع القرآن فالقرآن مكوّن من السبع الطوال والمئين والمثاني والمفصّل وقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم مكان التوراة السبع الطوال ومكان الزبور المئين ومكان الانجيل المثاني وفُضّل بالمفصّل وهذا المفصل مقسم على ثلاثة أقسام: طوال المفصّل وأوساط المفصّل وقصار المفصّل وهي التي تبدأ من سورة الضحى إلى سورة الناس.
سورة يوسف ليس لها اسم آخر إلا هذا الاسم وقد افتتحت بالحروف المقطعة التي افتتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم. هذه السورة الكريمة جاءت لتكمل ما بدأته سورة هود، وذلك أن سورة هود جاءت لتقول للنبي صلى الله عليه وسلم: اثبت واصبر فإن العاقبة لك، وإن الله معك لن يضيعك كما كان مع من قبلك من الأنبياء، هذا ما جاءت به سورة هود. في سورة يوسف جاءت لتقول له: اعلم أن عاقبة الصبر حميدة ورائعة وممتعة وحسنة في الدنيا وفي الآخرة. انظر إلى أخيك يوسف وإلى أخيك يعقوب ماذا حصل لهما من البلاء، بلاء يفتت الصخر ويفري الأكباد صبرا وصابرا ورابطا وثبتا ولزما أمر الله واتقيا الله عز وجلّ في صبرهما فكانت العاقبة لهم. انظر يوسف من الجُبّ إلى سرير الملك، من قاع البئر إلى أن يكون المتصرف الأوجد والأكبر في مالية مصر كلها المتنفّذ العجيب، علمًا أنه ليس على دينهم ومع ذلك ملّكه الله عز وجلّ وآتاه هذا التمكين الغريب بطريقة عجيبة لا يستطيع أحد أن يتصور كيف وصل إليها يوسف. لو أراد البشر أن يضعوا خطة لكي يصل يوسف بهذه الطريقة إلى ما وصل إليه ما استطاعوا.
ام هُمام
04-13-2018, 02:37 PM
فأنت يا محمد اثبت على دينك واصبر على أمر الله واتق الله في دعوتك وسيكون لك مثل ما كان لأخيك يوسف من قبل، سيجعل الله لك من عاقبة الصبر شيئا عجيبًا. ولذلك نصرح بهذه الفائدة في قول الله عز وجلّ (قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٩٠﴾). وتؤكد السورة على أنك وأنت تصبر يجب أن تستحضر تقوى الله والإحسان إلى عباد الله ولا يجوز لك أبدًا وأنت في ضغط الألم وشدرة المصاب وإحاطة البلاء بك لا يجوز لك أبدًا أن تدع التقوى والإحسان في عبادة الله وإلى عباد الله. انظر إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام، يأتي أبناؤه ويكيدون لأخيهم يوسف فيؤذون بذلك أباهم أشد الأذى ويقطعون رحمهم ويمكرون بهذا الطفل الصغير ثم يضعونه في هذا المكان العجيب في قاع الجب ثم يبيعونه فيصير بعد الحرية عبدًا وبعد أن كان في بلد فيه أبوه وإخوانه في مكان بعيد نائي، تنقطع أخباره ويذهب كل ذلك، هل سمعتم أن يعقوب مزق ثيابه أو ذهب للمصحات النفسية أو أمسك أبناءه واحدًا واحدًا ولعنهم وشتمهم وقال اهجروني واتركوني وابعدوا عني فأنا بريء منكم وأنتم بريئون مني لا أساكنكم في دار ولا أجلس معكم في أرض؟ علم أن الذي حملهم على ذلك الحسد وما للحسد من دواء إلا الصبر ولذلك قال (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) الصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى معه، ما يشتكي، أب محروق على ابن من أحب أبنائه إليه، أجمل خلق الله على الإطلاق، أوتي شطر الحسن، مثل هذا يعتبر من أعظم متاع الدنيا ويؤخذ هذا الابن على غرة وبحيلة ومن أقرب الناس إليه أبناؤه الذي كان ينبغي أن يبروه ويحسنوا إليه ومع ذلك يقول (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) ثم ينتقل يوسف عليه السلام إلى العبودية ويباع ويشترى يذهب إلى بلد غير بلده وأرض غير أرضه لغة غير لغته ودين غير دينه ويبقى عبدًا ويأتيه البلاء من جانب آخر من جانب الشهوة، شاب وسيم جميل في غاية الحسن والرقة والجمال وعند امرأة لا دين بها وثنية فبدأت تطالع في هذا الشاب ليل نهار، تمكر مكرها وتحبل حبائلها من أجل توقعه في فتنتها ويصبر ويثبت ويتقي الله ما قال أنا غريب أنا عبد لا ملامة عليّ أنا مسكين مضطهد أنا يباح لي ما لا يباح لغيري وتنتهي فصول القصة في أنه يسلم من كيدها في الوقوع في حبائلها لكنه لا يسلم من شرها فتودي به إلى السجن ويقول بكل صبر وثبات (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٣٣﴾) ويدخل السجن.
ام هُمام
04-14-2018, 04:35 PM
ما قال أنا مظلوم، لا أكلم أحدًا، هذه أرض لعنة، وأرض بؤس وبلاء، أنا هنا معذور في أيّ تصرف أتصرفه وفي أيّ فعل أفعله، لا، يدخل إلى السجن ويحسن إلى الخلق، يبشر هذا ويواسي هذا ويخدم هذا حتى اطمأن إليه فتيان فجاءا إليه (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٦﴾) ما ترك الإحسان وهو في السجن، من المحسنين في عبادة الله ومن المحسنين إلى خلق الله قيل أنه كان يطعم السجناء ويواسيهم ويبشرهم ويسليهم سبحان الله! ما قال أنا مسكين مظلوم، أنا مضطهد، ليس عندي استعداد أن أتكلم مع أحد ويبدأ طول الوقت يشتم ويسب، لآ، يبدأ حياة جديدة وكأنه ما خُلق إلا للسجن!، وما يترك مهمته العظمى وهي الدعوة إلى الله عز وجلّ لما سأله الفتيان عن رؤياهما (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٣٧﴾) ولم يأوّل الرؤيا من أجل أن يثبتا عنده ويستمعا إلى كلامه (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) جاء بالدعوة بطريقة لطيفة جدًا وجميلة ومحببة للنفوس وينتهي المطاف إلى أن يخبرهما بتأويله الرؤيا ولا أحد يدري كيف كانت هذه الرؤيا سببًا في الإفراج عن يوسف لأن الذي يدبر الأمور هو الله. يرى الملك في المناك رؤيا فيسأل الناس عنها، رؤيا غريبة (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴿٤٣﴾) فقالوا كلهم جميعًا (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ) فقال الناجي من الغلامين (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾) هناك واحد في السجن يأوّل تأويلًا عجيبًا وهو الذي أوّل رؤياي حتى وصلت أن أكون خادمًا للملك وجاء إلى يوسف فيسوف عليه الصلاة والسلام أوّلها تأويلًا عجيبًا أوّلها لأمة بقيت في تأويله خمسة عشر عامًا وهي ترى أثر التأويل المبهر. ثم الملك من شدة انبهاره بهذا التأويل قال (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) أنا دخلت السجن بتهمة فلا أخرج قبل أن تبرّأ ساحتي لأني لو خرجت يقال خرج بعفو، كان مجرمًا سابقًا ثم عفا عنه الملك، لا، أنا لا أخرج حتى تثبت برآءتي أو أبقى في سجني وعند ذلك رجع الملك إلى أولئك النسوة وحصل الحديث معه وثبتت على الملأ براءة يوسف عليه السلام قال الله عز وجلّ (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦﴾)
ام هُمام
04-15-2018, 05:57 PM
جاء الفصل الذي يليه وهو مجيء إخوة يوسف، كيف تدار وتحبك القصة لكي نصل إلى هذه النتيجة العجيبة (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٥٨﴾) لم يدور في خلدهم أن يلقوا يوسف الذي رموه يومًا من الأيام في بئر لا يدرون ما حصل له بعدها، أكيد أنه مات! يقال إن بين فراق يعقوب ويوسف ولقائهما أربعين عامَا وبعض المفسرين يقول ثمانين عامًا، فماذا يتوقع بعد ذلك؟! استمرت فصول القصة عندما التقى بإخوته وحصل ما حصل، حصلت له تهمة من إخوته (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) فصبر يوسف (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) الصبر الذي كان عند يوسف لم يكن صبر إنسان مضطر إلى الصبر، لآ، صبر في حال الضرورة وفي حال الاختيار، في حال الإكرام وفي حال التمكن (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ). ثم رجعوا إلى أبيهم وحصل ما حصل لهذا الأب المكلوم الذي فقد يوسف ثم من بعده فقد أخا يوسف وشقيقه ولما جاؤوا إليه يخبرونه قال (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا) يا محمد إن ادلهمت بك الخطوب واشتدت عليك وتكالبت عليك الأمور فاعلم أن فرج الله في تلك اللحظة أقرب إليك من حبل الوريد لا تياس من روح الله. يقال إن سورة يوسف نزلت في عام الحزن مات فيه عند النبي صلى الله عليه وسلم شخصان مهمان زوجه خديجة وعمه أبو طالب واشتد عليه أذى المشركين فأنزل الله هذه السورة لتسليه وتفرج عنه وتبين له أن الفرج قريب منه، ولذلك قال العلماء سورة يوسف ما قرأها محزون إلا سُرّي عنه، محزون بوفاة صديق، بمرض، بذهاب مال، بأي شيء يصيبك ويحيط بك، اقرأها لن تخرج منها إلا وأنت منفرج الأسارير، فرحًا، مطمئنًا لوعد الله وأن بعد العسر يسرا.
ام هُمام
04-16-2018, 04:35 PM
ثم يقول (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٧﴾) وهنا جاؤوا وانكشفت القصة وبان الأمر وقال لهم يوسف (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴿٨٩﴾ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٩٠﴾) هذه هي الحكمة، هذا هو الرابط، هذا هو المحور لهذه السورة الكريمة: عاقبة الصبر (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴿٩١﴾ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) لن أثرب عليكم بشيء فاطمئنوا ولن أعاتبكم على شيء وبالفعل وفى بوعده فإنه لما جمع الله له إخوته وأبويه ورفعمها على العرش وخروا له سجدًا قال (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) ما قال من بعد أن باعني إخوتي ورموني في الجبّ لأنه قطع على نفسه أن لا يثرب عليهم وأن لا يذكر ما فعلوه لأحد وهذا من صبره صبر على الخُلُق وهو يعلم أنه محق وهم يعلمون أنهم مبطلون وأنهم آذوه وظلموه لكنه يترفع ذلك كله. ثم من بعد هذا الصبر الشكر قال (رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴿١٠١﴾).
ثم تختم هذه السورة ببيان أن هذه القصة ما جاءت للتسلية وإنما جاءت للعبرة والعظة وإن كل آية فيها وكل كلمة فيها تحتها عبرة حتى أحصى بعض العلماء المعاصرين أكثر من ألف درس يؤخذ من هذه القصة العظيمة والذي فيها أكثر من ذلك. يقول لي أحد المشايخ المعاصرين فسّرت سورة يوسف مئة مرة ما أذكر أني مرة فسّرتها إلا خرجت بفوائد لم تكن انفتحت لي في المرة التي قبلها. يقول الله عز وجلّ (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١١١﴾).
نسأل الله أن ينفعنا بهذه السورة.
ام هُمام
04-17-2018, 05:32 PM
سورة الرعد – إبراهيم – الحجر
إطلالة على ثلاث سور من سور القرآن الكريم بعد سورة يوسف وهي سورة الرعد وسورة إبراهيم وسورة الحجر. هذه السور الثلاث كلها تتكلم حول تأسيس الاعتقاد لكن لكل واحدة منها خصيصة تتميز بها عما سواها لكن هذه السور الثلاث تؤسس للعقيدة وتناقش المشركين وتهددهم في إشراكهم وتنذرهم بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
أما سورة الرعد فإن في سورة يوسف جاء في آخرها قول الله عز وجلّ (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾ يوسف) فذكر الله أن هؤلاء المشركين تمر بهم آيات كثيرة من آيات الله الدالّة على وحدانيته وعلى أنه هو الإله المستحق للعبودية ومع ذلك يعرضون عنها ولا يُعملوا عقولهم فيها. وتفضيل هذه الآيات جاء في سورة الرعد، يقول الله عز وجلّ في سورة الرعد بعد قوله (المر) وهذه الافتتاحية (المر) لا توجد إلا في سورة الرعد أما (الر) فهي موجودة في سورة يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر. (المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١﴾) ثم بدأت بالآيات التي اشار الله إليها مجملة في آخر سورة يوسف فقال (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ) لماذا؟ (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) لا ينظرون إلى السموات والأرض مجرد نظرة عابرة بل ينظرون إليها بتفكر وتدبر يهديهم إلى خالقها وإلى توحيده وعبادته دون أحد سواه.
بعدما انتهت من هذا ذكرت السورة كثيرًا من إشكالات المشركين والردّ عليها فذكرت أنهم يتعجبون من قضية الإيمان باليوم الآخر (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أنبعث بعد موتنا؟ ويردّ عليهم القرآن.
ام هُمام
04-18-2018, 07:37 PM
وأيضًا يقول الذين كفروا (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) لماذا لا يأتينا بآية نراها يصعد في السماء، يحوّل الأرض ذهبًا، الآية التي نختارها نحن؟ يقول الله عز وجلّ لنبيه لا تنشغل باقتراحاتهم وإنما أنت منذر ولكل قوم هاد (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ).
ثم تفيض الآيات في ذكر صفات الرب وأفعاله وقدرته وعلمه وإحاطته بعباده (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى) كل أنثى في العالم سواء من بني آدم أو الشياطين أو الجن أو من الحيوانات البرية أو البحرية أو الهوائية. ثم يثني على نفسه (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿٩﴾) إلى أن يقول مبينًا أنه هو الذي يُدعى بحق (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴿١٤﴾) أرأيتم لو أن إنسانًا وقف عند بئر وفعل بيديه هكذا هل يأتي الماء من البئر ويقع في يديه؟ لا، ولو يجلس مائة عام! فكذلك الذي يفعل بيديه هكذا عند الصدقة، نفس العملية لن يأتيه إجابة ولن يغير من واقعه شيء.
ثم تتحدث الآيات عن مناقشة المشركين (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ۩﴿١٥﴾ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا) بعدما قرر هذا كله بيّن أن الناس ينقسمون إلى قسمين: قسم يستجيبون لهذه الدعوة دعوة الحق وقسم لا يستجيبون لها (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٨﴾).
ام هُمام
04-19-2018, 05:20 PM
ثم يذكر الله الفرق بين المؤمنين والكافرين وأن الفرق يظهر في تصرفاتهم وأفعالهم وهذا حق لأن الإنسان إذا آمن بالله وخاف من لقائه وخاف سوء الحساب فإن تصرفاته لا يمكن أن تكون كحال أولئك الذين لا يؤمنون بالله ولا يخافون لقاءه ولا يرجون لقاءه (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿١٩﴾) من هم أولو الألباب يا ربنا؟ وصفهم الله بثماني صفات:
الذين يوفون بعهد الله، الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، يخشون ربهم، يخافون سوء الحساب، صبروا ابتغاء وجه ربهم، أقاموا الصلاة، أنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية، يدرأون بالسيئة الحسنة. (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴿٢٠﴾ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ﴿٢١﴾ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٢﴾)
ثم يذكر من يقابلهم وهم (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿٢٥﴾)
ثم تعود الآيات مرة أخرى إلى النقاش في قضية الاعتقاد لكن فيما مضى كانت في قضية التوحيد والإيمان باليوم الآخر واقتراح المشركين للآيات والآن في ذكر القرآن وهو من أسس الاعتقاد قال الله عز وجلّ مبينا عظمة هذا القرآن (وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) لكان هذا القرآن لعظمته وبالغ تأثيره.
ام هُمام
04-20-2018, 07:12 PM
ثم بين الله لرسوله أنك قد بينت لهم الحق فاستهزئ بك كما استهزئ بمن قبلك فلا تقلق ولا تخف
ثم تعود مرة أخرى لذكر الرب وتعظيمه وصفاته (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) يعني وهو الله (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ) أعطونا أسماءهم إذا كان لله شركاء، من هم الذين شاركوا الله في خلق الكون؟! (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) ثم يذكر عقوبتهم في الآخرة (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴿٣٤﴾)
ثم تسترسل الآيات في نفس هذه القضايا، قضايا عقدية ومناقشات حادة مه هؤلاء الكفار وتفنيد لكل أباطيلهم وشبههم، من أباطيلهم أن الرسول يتزوج وعنده ئرية والمفروض أن لا يكون عنده (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) كل الرسل كانوا كذلك، وهذه الآية التي يستدل بها على استحباب الزواج وطلب الذرية لأن الأنبياء كانوا كذلك.
ختمت السورة بقول الله عز وجلّ (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا) هذه دعواهم فالله عز وجلّ يقول لنبيه لا تأبه بهم (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) ارجعوا إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى لتروا أنهم قد بشّروا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه الذي هو عليه حتى في مكانه لأنه موجود في العهد القديم أنه يُبعث نبي للأميين في جبال فاران أي جبال مكة ووصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل وصفًا لا يمكن أن ينطبق على أحد سواه. فقال الله عز وجلّ ارجعوا إلى أهل الكتاب وانظروا هل في كتبهم التبشير بمحمد وذكر صفاته أم لا؟
ام هُمام
04-21-2018, 04:00 PM
آخر كلمة جاءت في سورة الرعد (الكتاب) تستفتح سورة إبراهيم الأمر بالكتاب فيقول الله عز وجلّ (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) لماذا أنزلته يا رب؟ (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ظلمات الشرك والكفر والشك إلى نور التوحيد والإيمان واليقين
وهذه السورة فيها قضية الإخراج من الظلمات إلى النور بارزة جدا ولذلك استفتح بها، قال الله تعالى لموسى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٥﴾) السورة تفصح عن النور الذي جاءت به الأنبياء وهو نور التوحيد والإيمان وعن ضده ظلمة الشرك والزيغ – نسأل الله سبحانه وتعالى العافية والسلامة منها – وتستخدم في ذلك عددًا من الأساليب منها:
ذكر دعوة الأنبياء السابقين
شبهات هؤلاء الكفار والرد عليها
جزاء الكافرين في الدنيا ماذا فعل الله بهم وجزاؤهم في الآخرة وماذا سيفعل الله بهم
بيان أن كلمة التوحيد كلمة راسخة وأنها هي التي تنفع صاحبها في الدنيا والآخرة
تذكير بنعم الله فالله أنعم عليكم وكل ما أنتم فيه من خير فمن الله فكيف تقابلون الله بأن تجعلوا لله شريكا؟! ولذلك يقول الله لموسى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) أي بنعمه عليهم (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ). ويأتي فيها أيضًا (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴿٧﴾) (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٨﴾)
ثم يذكرهم الله بالتاريخ الماضي (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿٩﴾۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أتشكّون في الله الذي خلق السموات والأرض؟! سبحان الله!
ام هُمام
04-22-2018, 07:00 PM
ثم تستمر الآيات إلى أن تأتي إلى مشهد القيامة قال الله عز وجلّ (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) يأتي الضعفاء والأتباع فيقولون للمتبوعين (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) قال المتبوعون (قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) خاتمتنا إلى هذه النار. وما انتهى الأمر عند هؤلاء المتبوعين يذهب هؤلاء الأتباع إلى إبليس فيزحمونه: يا ابليس أنت كنت في الدنيا تقول لنا وتزين فما هو المخرج الآن ونحن أمام نار شديدة؟ فيقوم إبليس خطيبا في أهل النار، هذه خطبة إبليس، يقوم بأفصح لسان (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) بعد فصل القضاء (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) لم أضع في رقبة كل واحد منكم حبلًا وجررته إلى النار، كل ما في الأمر قلتم لكم تعالوا فأتيتم! (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) أي بمنقذكم (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) أي بمنقذيّ، ويعلن (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ثم يبين الله مصير المؤمنين وسبب ذلك المصير أنهم اعتمدوا على التوحيد (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً) وهي كلمة التوحيد (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وهي النخلة (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٥﴾) هذا هو مثل التوحيد صاحبه راسخ مستيقن والخير يأتي منه باستمرار، تجده يتصدق، يصل، يأمر بالمعروف، ينه عن المنكر، لا يقول إلا خيرا، من هذا الأصل الراسخ في الأرض كالنخلة تماما. (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ) كلمة الكفر (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) شجرة الحنظل (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) ليس لها رسوخ في الأرض تأتي الريح تجتثها لأنها ليست راسخة، ليست مبنية على اعتقاد ولذلك بسهولة تكون إلى النار نسأل الله السلامة والعافية..
ام هُمام
04-23-2018, 06:19 PM
ثم يذكّر الله بنعمه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴿٢٨﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴿٢٩﴾ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴿٣٠﴾ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴿٣١﴾) ويذكّر بنعمه سبحانه وتعالى على عباده فيقول جلّ من قائل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) هذا هو الحقيق بأن يُعبد وليست هذه الأصنام التي لم تصنع ولم تفعل شيئا لذلك يقول الله عز وجلّ مذكّرا عباده (وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴿٣٤﴾) وموسى يقول (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
ثم يذكر الله قصة إبراهيم، أنتم أيها المشركون نقيم عليكم الحجة من خلال قصة أنتم تعرفونها تمامًا وهي إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴿٣٥﴾) هذه كانت دعوة إبراهيم فكيف جعلتم الأصنام تحيط بالكعبة؟! (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٦﴾) فإذا كان إمام الحنفاءء يخاف من الشرك فهل نحن نأمن على أنفسنا من الشرك؟! قد وقع في قلوبنا أننا لا يمكن أن نعبد الأصنام ولا يمكن أن نشرك بالله غيره لكن الحقيقة أنه من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا وأنه لا يأمن أحد على نفسه من الزيغ في باب الشرك والتوحيد ولذلك إبراهيم يقول (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴿٣٥﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٦﴾) ثم يدعو ربه بدعوات جميلات عجيبات استجابها الله عز وجلّ له وجعلها في ذريته ثم يهدد الله الكفار بقوله (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴿٤٢﴾) لا تستعجل عليهم يا محمد فالعذاب قادم وهو شيء لا يطاق ولا يقادر قدره إلا الله جلّ وعلا.
ام هُمام
04-24-2018, 06:10 PM
ثم تختم السورة بخاتمة تدل على مجمل ما فيها من الدعوة إلى التوحيد (هَذَا) أي ما تقدم في السورة (بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ولما ختمت هذه السورة بالنذارة جاءت سورة الحجر كلها نذارة وتهديد ووعيد للكفار واختير اسمها من اسم أمة أُعدمت بالكامل إلا نبيها ومن آمن معه وهم قليل. قال الله عز وجلّ (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ ﴿١﴾ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿٢﴾) سيأتي عليهم يوم يتمنون فيه أن لو كانوا مسلمين ولكن قد فات عليهم هذا الأمر! قال الله (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴿٤﴾ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴿٥﴾) هذا كله تهديد. ثم يذكّر الله العباد بنعمه عليهم فيقول (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴿١٦﴾ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿١٧﴾ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴿١٨﴾ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴿١٩﴾ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴿٢٠﴾ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) ثم يذكّرهم بأصل الخلق كيف خلقهم الله عز وجلّ وأمرهم بأن يعبدوه ولكن إبليس لما أُمر بالسجود أبى أن يسجد (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴿٢٨﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٢٩﴾ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٣٠﴾ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴿٣١﴾ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴿٣٢﴾ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴿٣٣﴾ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿٣٥﴾ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿٣٦﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿٣٧﴾ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴿٣٨﴾
ام هُمام
04-25-2018, 05:41 PM
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٣٩﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾) قال الربّ (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴿٤١﴾ إِنَّ عِبَادِي) الذين يعبدونني ويخلصون لي (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿٤٢﴾ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤٣﴾) الملاحظ أن الوعيد في السورة يأتي قبل الوعد، لما ذكر جزاء هؤلاء الكفار قال الله عز وجلّ بعدها (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٤٥﴾ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ ﴿٤٦﴾) إلى أن جاء إلى قصة لوط وكيف عذّبهم الله عز وجلّ ثم انتقل إلى قصة أصحاب الأيكة ثم من بعدها إلى أصحاب الحجر هذه ثلاث أمم ذكرت متوالية وكيف استأصلها الله عز وجلّ وعذّبها، قال الله عز وجلّ (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ ﴿٨٢﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴿٨٣﴾ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٤﴾)
ثم جاءت هناك أوامر وتوجيهات للنبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة هؤلاء الذين يكذبون بآيات الله عز وجلّ فيقول الله (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٨﴾ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ﴿٨٩﴾) إذا طلبوا منك آيات أو تأتي بمعجزات لا تجبهم إلى شيء فإن مهمتك تنتهي عند النذارة ولذلك قال الله له (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) أي بالذي نأمرك به (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾) فلا تطعهم في شيء مما يقترحونه عليك (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿٩٥﴾ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴿٩٧﴾) فماذا تفعل إذا قالوا لك كلامًا يسوؤك ويحزنك؟ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴿٩٨﴾) فإن هذا بإذن الله يسليك ويرفع عنك أذى قومك (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿٩٩﴾) أي الموت. نسأل الله أن ينفعنا بالقرآن وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
ام هُمام
04-26-2018, 05:49 PM
سورة النحل
سورة النحل، وهذه السورة الكريمة سميت بالنحل إشارة إلى نعمة عظيمة من نعم الله على عباده وأثر من آثار قدرته يُستدل به على توحيده سبحانه وتعالى، فمن الذي سخّر هذه النحلة وهي حشرة لطيفة لتعمل بجدّ وذكاء وطرق عجيبة لكي تنتج هذا العسل الذي جعله الله عز وجلّ لذة وغذاء وحلوى وسلوى وشفاء للناس؟ ألا تعتبرون! من الذي سخّر هذه النحلة كي تجري في أودية طويلة جدا ثم تعود إلى مكانها ومن الذي يهديها؟ هل هناك أحد سوى الله؟ ما الذي يجعلكم تعبدون مع الله أحد سواه؟!
السورة جاءت لترسيخ العقيدة من خلال التذكير بنعم الله تعالى على عباده ولذلك سماها كثير من السلف سورة النعم. وهي سورة جاءت لترسخ الاعتقاد في قلوب المؤمنين تدعوهم إلى الله وإلى توحيده والخوف منه وإفراده بالعبادة والإيمان باليوم الآخر وخشية لقاء الله سبحانه وتعالى والدعوة إلى الإيمان بهذا الكتاب وبهذا النبي وبيان اتحاد منهج الرسل وأنهم جميعًا جاؤوا بدعوة واحدة (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٦﴾). هذه السورة مناسبة للسورة التي قبلها فإن السورة التي قبلها أيضا جاءت للدعوة إلى عبادة الله وتوحيده لكن ذكر فيها التهديد والوعيد وبيان عقوبة الله للمكذبين في الدنيا والآخرة وختمت سورة الحجر بقول الله (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿٩٩﴾ الحجر) واليقين الموت فكانت مقدمة سورة النحل (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) مناسبة لخاتمة سورة الحجر لأن هذه في ذكر الآخرة كما أن تلك في ذكر الآخرة.
ام هُمام
04-27-2018, 04:57 PM
(أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١﴾ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ) أي بالوحي (مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) ماذا يراد منهم؟ (أ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) ثم بيّن قدرته ونعمته على عباده (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣﴾) ثم بدأ بالنعم.
أول ما بدأ بالنعم الأصلية التي لا يمكن تصور الحياة من دونها (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٤﴾) يجادل الله ويجادل رسل الله ويأبى عن الإيمان ويجادل بغير علم بل بجهل مركّب يأتي بالعظم ويفته أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول يا محمد هل يستطيع ربك أن يعيد هذا حيّا بعد أن صار رميمًا؟! ولذلك قال في سورة يس (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ يس) عجيب! تثبتون أن الذي خلق الإنسان هو الله وخلقه من عدم وتنفون عنه القدرة في أن يعيده مرة أخرى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ) [الروم: 27] وهذا من خصومة الإنسان فالإنسان فيه طبيعة اللدد والجدل والخصومة من غير حاجة إلى ذلك بينما الحق واضح أبلج لا يمكن أن يقابل بمثل هذه التفاهات.
(وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا) الله سبحانه وتعالى خلقها لنا وسخّرها لنا من أجل أن نعرف فضل الله علينا ونسخّر هذه النعم في طاعة ربنا (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿٦﴾ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٧﴾) وبعدما ذكر الأنعام التي هي الماعز والبقر والإبل ذكر ما سواها مما سُخّر للإنسان فقال (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨﴾ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩﴾).
ام هُمام
04-28-2018, 03:08 PM
بعد ما انتهى من نعمة الأنعام انتقل إلى نعمة المطر الذي لا يمكن أن تتصور الحياة من دونه فهو نعمة أصلية عظيمة ولذلك قال (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿١٠﴾ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١﴾) يستدلون بهذه النعم على الله وعلى أنه هو وحده الذي يجب أن يُعبد دون سواه (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٢﴾ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٤﴾ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) الجبال نعمة من نعم الله لو كانت غير موجودة لأصبحنا في أرض تهتز بنا طيلة الوقت لا نستطيع أن نعمُر ولا نستطيع أن نمشي ولا نستطيع أن نسير عليها ولا أن نصنع فيها شيئا لأنها تميد وتهتز فجعل الله فيها هذه الجبال فترسّيها فلا نشعر بشيء، الأرض كرة سابحة في الفضاء انظروا إلى ثباتها ولو أذن الله عز وجلّ لها أن تهتز تسقط بيوتها على رؤوس أهلها فيموتون عن بكرة أبيهم. (وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥﴾ وَعَلَامَاتٍ) جعلها الله في كل شيء، تجد جبلا أسود، أرض بيضاء، هذه علامات (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ). ثم يأتي بالاستدلال بهذا كله على شيء واحد (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٧﴾ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٨﴾ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿١٩﴾ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿٢٠﴾ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٢١﴾) وتستمر الآيات في ذكر قضايا الاعتقاد التي قُدّم لها بهذه المقدمة العظيمة وهي ذكر نعم الله على العباد. استمرت الآيات في هذا إلى أن جاء التهديد في نهاية الثُمن الثاني قال الله عز وجلّ (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٤٣﴾ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٤﴾ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٤٥﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴿٤٦﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) على تنقّص شيئا فشيئا (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)
ام هُمام
04-29-2018, 04:15 PM
ثم تعود مرة ثانية إلى التذكير بالنعم قال الله عز وجلّ (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) ولكنكم مع الأسف لا توحّدون إلا في حال الشدة قال (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴿٥٣﴾ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٥٥﴾) ثم يذكّرهم الله بشيء من افترائهم عليه (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا) يقولون هذا لآلهتنا وهذا لربنا (مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴿٥٦﴾ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ) يقولون الملائكة بنات الله (سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) هم يكرهون البنات ومع ذلك يجعلونهنّ لله (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٥٨﴾ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ) ومع ذلك يدّعون أن الملائكة بنات الله تعالى الله عنما يقولون علوا كبيرا! قال الله عز وجلّ (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ﴿٦٢﴾)
ثم تستمر الآيات وتعود مرة أخرى إلى النعم وهذه السورة كلها سورة النعم من أولها لآخرها (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٦٥﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ) هذا اللبن الذي يخرج أبيض صافيًا نقيًا لذيذًا يخرج من بين فرث ودم، كل العالم ما كانوا يعلمون أن هذا اللبن الأبيض الصافي النقي الطيب يخرج من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، ألا تستدلون بهذا على فضل الله عليكم وعلى نعمته وعلى قدرته فتعبدونه وحده دون من سواه! كيف تقابلون الله بمثل هذا وهو يسخّر لكم مثل هذا التسخير؟! قال العلماء لا يمكن أن يشرق الإنسان باللبن لأن الله قال (لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) قد تجد الإنسان يشرق بالماء لكنه لا يشرق باللبن. قال (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) تتخذون من ثمر النخيل والأعناب ما يكون به السكر أي الخمر كما كانت العرب تفعل وهذه أول آية أشير فيها إلى الخمر ولكن لما أشار إليها جعلها قسيمة للرزق الحسن (سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) فدلّ على أنها ليس من الرزق الحسن (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).
ام هُمام
04-30-2018, 02:41 PM
(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾) ثلاثة مواقع تتخذ النحل منها النحل بيوتها إما في الجبال وإما في الشجر وإما في العروش التي يصنع الناس لها وأعلى وأزكى وأطيب العسل ما كان جبليًا ثم ما كان شجريًا ثم ما كان عرشيًا جاءت مرتبة على ترتيب الآية. قال الله عز وجلّ (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) يقولون النحلة قد تمشي 6 كيلومتر مبتعدة عن بيتها ثم تعود إليه لا تخطئه ولو كان في المكان مئة ألف بيت للنحل ما رجعت إلا إلى بيتها، من الذي يهديها؟ من الذي يدلّها؟ من الذي هداها لكي تفعل هذا الفعل وتُخرج هذا العسل الصافي الحلو الرائع الشفاء. قال الله عز وجلّ (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٧٠﴾ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٧١﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ).
ثم ذكر الله عز وجلّ مثلين لهؤلاء الذين يشركون مع الله غيره فقال (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾) هذا مثل لله ولهذه الأصنام فالأصنام لا تتصرف ولا تصنع شيئا ولا تنفع ولا تدفع ولا ترفع ولا تضر والله عز وجلّ يخلق ويدبر ويأمر وينهى ويفعل كل شيء فكيف تسوون الله القادر على كل شيء المنعم المتفضل بهذه الأصنام التي لا تصنع شيئا؟! (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٦﴾).
ام هُمام
05-01-2018, 05:55 PM
ثم يعود مرة ثانية إلى النعم فيقول (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٨﴾) ثم يعود أيضًا إلى النعم (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٧٩﴾) ثم يذكر أيضًا أشياء من النعم (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴿٨٠﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ) أي ألبسة (تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) حاجة الإنسان للباس في الوقاية من الحرّ أكثر أو في الوقاية من البرد أكثر؟ البرد، فلماذا قال (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يقل سرابيل تقيكم البرد علما أن حاجة الإنسان للوقاية من البرد أشد وأعظم؟ ذكر البرد لما كان أصليًا ذكره مع النعم الأصلية في أول السورة (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) وهنا يذكر النعم المكمّلة فهنا ذكر الحر ولم يذكر البرد لأنه تقدم في أول السورة (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) فذكر الدفء وليس هنا حاجة أن يذكره في هذا الموطن. (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿٨١﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٨٢﴾ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٣﴾). وتستمر الآيات في ذكر النعم وفي عتاب هؤلاء على كفرهم بنعم الله عز وجلّ إلى أن تصل إلى قول الله عز وجلّ في الآية 112 (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾) ما من أمة أنعم الله عليها فلم تستعمل نعمة الله في طاعته إلا بدّل الله عز وجلّ تلك النعمة عليها عذابًا وبؤسًا وبلاء آية من آيات الله وقانون من قوانين الكون وسنّة من سنن الله التي لا تتخلف لذلك قال الله عز وجلّ (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١١٤﴾) وحذّرنا من أن نقول على الله بغير علم (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ).
ام هُمام
05-02-2018, 05:50 PM
ثم لما ذكر إبراهيم مذكرا إياهم بأصل العقيدة وأصل الملة، قال: هذا إبراهيم الذي تنتسبون إليه يا مشركي مكة (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) جامعًا لخصال الخير (قَانِتًا لِلَّهِ) وليس لغيره (حَنِيفًا) مائلًا عن الشرك (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ما أشرك مع الله غيره ولا لحظة واحدة من حياته ومن صفاته: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) وجاءت هذه الصفة في هذه السورة لأن هذه السورة جاءت في شكر النعم (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٢١﴾ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٢٢﴾ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٣﴾) قبل قليل (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) للتأكيد أن إبراهيم لم يشرك ولا لحظة حتى قبل النبوة (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ) [الأنبياء: 51] من قبل أن نوحي إليه فإبراهيم لم يتلوث بشيء من الشرك في ذرة من ذرات عمره عليه الصلاة والسلام ولذلك فاستحق مرتبة الخُلّة من الرحمن.
ثم قال (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) جاءت (ادع) أن يا محمد تذكير العباد بالنعم ودعوتهم من خلال النعم إلى التوحيد يعتبر نوعًا من أنواع الحكمة فاسلك هذا الطريق الذي سلكناه في إقناع قومك بالتوحيد وردّهم إلى الله عز وجلّ ولذلك يا محمد إذا قرأت هذه السورة فاعلم أنها دعوة من الله لعباده بالحكمة فاسلك أنت الطريق ذاته (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) من سورة هود ونحن في موضوع الصبر، كل سورة تؤكد وتبين أهمية الصبر لأن هذه السور نزلت في وقت اشتد فيه البلاء على محمد صلى الله عليه وسلم لكن إياك أن يكون صبرك تجلّدًا أو لإظهار القوة أو لئلا يشمت بك الأعداء، لا، اِجعله لله واجعله من الله أيضًا استعن بالله في ثباتك على الصبر (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴿١٢٨﴾).
ام هُمام
05-03-2018, 05:56 PM
سورة الإسراء والكهف
حديثنا عن سورة الإسراء وسورة الكهف، أما سورة الإسراء فهي السورة السابعة عشرة من حيث ترتيب السور وهذه السورة تسمى سورة الإسراء لأن الله قال فيها (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾)، وتسمى سورة بني إسرائيل كما قال ابن مسعود: بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول وهنّ من تلادي. يعني من السور الجليلات العظيمات ومن تلادي أي من محفوظاتي القديمة كأنه يشير إلى أنها مما نزل مبكرًا في العهد المكي.
هذه السورة افتتحت بقوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) وهذا افتتاحية بالتسبيح التي شاركتها فيها سبع سور من القرآن، سورة الإسراء (سبحان) وسورة الحديد (سبّح لله) وسورة الحشر (سبّح لله) وسورة الصف (سبّح لله) وسورة الجمعة (يسبح لله) وسورة التغابن (يسبح لله) وسورة الأعلى (سبح اسم ربك الأعلى) فهي سبع سور افتتحت في القرآن بلفظ التسبيح مرة بالمصدر (سبحان) ومرة بالفعل الماضي في سورة الحديد والحشر والصفّ ومرة بالفعل المضارع في سورة الجمعة والتغابن ومرة بفعل الأمر في سورة الأعلى. فالله عز وجلّ افتتحت خمسًا من السور بالحمد وسبعًا من السور بالتسبيح والعجيب أن صيغة التسبيح في هذه السورة جاءت سابقة لصيغة الحمد في سورة الكهف. في هذه السورة (سُبْحَانَ الَّذِي) وفي سورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي) والعادة أننا نبدأ فنقول سبحان الله والحمد نبدأ بالتسبيح قبل الحمد وهذه السورة كذلك بل في آخرها ما هو أعجب حيث قال الله عز وجلّ (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴿١١١﴾) (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾ الكهف) فآخر سورة الإسراء (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) وأول سورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا)
ام هُمام
05-04-2018, 05:48 PM
في سورة النحل كان الحديث عن نعم الله عز وجلّ المتعددة على عباده من الليل والنهار والشمس والقمر والبحار والثمار وغيرها من نعم الله على عباده، وفي هذه السورة تركيز على العقيدة الإسلامية وترسيخ لها وتأكيد على نعمة الله علينا بالقرآن ولذلك جاء في أول هذه السورة قول الله عز وجلّ (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴿٩﴾ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٠﴾) فالسورة كلها تتحدث عن ترسيخ وتأسيس العقيدة وتؤكد على نعمة الله على عباده بإنزال القرآن وهدايتهم إليه.
وما زالت السورة تتحدث عن مختلف القضايا حتى جاءت إلى آيات الوصايا والتي تبدأ من قول الله عز وجلّ (لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ﴿٢٢﴾) بدأت بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك لأن أمر التوحيد والنهي عن الشرك أعظم شيء يكون فليس قبله شيء لا يؤمر الناس بأيّ عمل قبل التوحيد ولا ينهون عن شيء قبل النهي عن الشرك (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٦﴾ النحل)، ثم ثنّى بالتوحيد فقال (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ثم ذكر حق الوالدين (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴿٢٣﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴿٢٤﴾) ثم بعد ذلك أكد على حق القرابة (وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) وهذا الحق مذكور في سورة النحل (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٩٠﴾ النحل)
ام هُمام
05-05-2018, 07:23 PM
وهنا أكّد عليه ثم نهى عن التبذير (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿٢٦﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) ثم أمر بالقسط والعدل في الإنفاق (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴿٢٩﴾) لا تفعل هذا ولا هذا ولكن بين ذلك قواما، ثم نهى عن قتل الأولاد خشية الفقر ثم نهى عن قربان الزنا ولم يقل لا تزنوا لأن النهي عن قربان الزنا هو النهي الصحيح بمعنى أن الإنسان لا يصل إلى الزنا حتى يمر بمقدماته فمن مقدماته مثلًا الخلوة بالمرأة الأجنبية أو النظر إليها أو الذهاب إلى أماكن الريَب، الله ما نهانا عن الزنا نهانا عن ما هو مقدمة للزنا فإذا انتهينا عن هذه المقدمة سيكون انتهاؤنا عن الزنا أمرًا طبيعيًا ولذلك قال (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴿٣٢﴾). ثم نهانا عن قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق ثم نهانا عن أكل مال اليتيم ثم أمرنا بالوفاء بالكيل ثم نهانا عن أن نقفو ما ليس لنا به علم يعني أن نتكلم عن شيء ليس عندنا علم به يبين لنا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ثم نهانا أن نمشي في الأرض مرحًا ثم قال بعد ذلك (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ولذلك يسمي العلماء هذه الآيات آيات الحكمة في سورة الإسراء من أخذ بها فهو الحكيم فعلًا والعجيب أنه ختم هذه الآيات بمثل ما ابتدأ به تلك الآيات، قال في أول الآيات (لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ﴿٢٢﴾) وفي آخرها قال (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴿٣٩﴾) مما يؤكد على أن بداية الحكمة ونهايتها وأساسها ومحورها الأعظم وعمودها الأقوى هو التوحيد فمن وحّد فقد دخل في ميدان الحكمة ومن لم يوحد فهو أهبل مسكين، سفيه، لا عقل عنده، كيف أعظم قضية وأوضح قضية وأظهر قضية في الكون تخفى عليك؟ لا تحتاج إلى أيّ دليل من شدة ظهورها
ام هُمام
05-06-2018, 05:04 PM
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ثم عاد إلى القرآن، قال في بداية السورة (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) كأنه يقول أنزلت عليك القرآن يهديك لأقوم طريق ومنه آيات الحكمة وهنا يقول (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا) صرّفنا يعني نوّعنا لك ولوّنا لك في تعليمك وتربيتك والوحي إليك مرة بالمثل، مرة بالأمر، مرة بالنهي، مرة بالقصة، ومرة بالخبر، مرة بالتاريخ، مرة بالغيب، مرة بالجزاء ومرة بالوعد ومرة بالوعيد، تصريف، كل هذه من أجل أن تسير على هذه الجادة وتسلك هذا الطريق ولذلك قال الله عز وجلّ (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴿٤٥﴾) يبين من هم الذين حجبوا عن القرآن (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴿٤٦﴾) وما تزال الآيات تمشي على هذا المنوال إلى أن يصل إلى قول الله عز وجلّفي آيات هذه السورة مبينًا كيف أن الله كرّم بني آدم وأن الذي ينبغي منهم أن يشكروا كما حصل مع نوح عليه السلام في أول السورة (وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴿٢﴾ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿٣﴾) وأنتم يا بني آدم قد كرّمكم الله وحملكم في البر والبحر ورزقكم من الطيبات وفضلكم على كثير ممن خلق الله تفضيلا، إذن الواجب عليكم أن تشكروا الله.
ام هُمام
05-07-2018, 05:14 PM
ولما ذكر الوحي وذكر القرآن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يزيغ عن منهج القرآن أو يستمع لإملاءات هؤلاء المشركين في جرّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يتنازل عن شيء من مبادئ وعقائد هذا الكتاب العظيم (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴿٧٣﴾ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴿٧٤﴾ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴿٧٥﴾) ثم ذكر الله أمر القرآن بقوله (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴿٧٨﴾) قرآن الفجر أي صلاة الفجر لكن سمّاها قرآنًا لأن القرآن فيها مقصود ولذلك تستحب إطالة الصلاة فيها بالقرآن وما كان صلى الله عليه وسلم يطيل في شيء من الفرائض ويطيل في القرآءة كما يفعل في الفجر أخذًا من هذه الآية (مَشْهُودًا) أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ) أي بالقرآن (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) زيادة على أمتك فإن قيام الليل واجب على النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف أمته فإنه مستحب في حقها. قال الله عز وجلّ (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) فالمنازل العالية في الدار الآخرة تنال بكثرة تلاوة القرآن في الليل. (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴿٨٠﴾ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ) الحق هو هذا القرآن (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴿٨٢﴾) إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين.
ام هُمام
05-08-2018, 05:48 PM
ثم يعود مرة أخرى إلى القرآن فيقول (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴿٨٨﴾) والعجيب أن أمة العرب فيها غيرة وفيها أنفة لا تقبل التحدي ومع ذلك تحداهم القرآن أن يأتوا بسورة من مثله وعشر سور وحديث مثله فقال (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴿٨٨﴾) ظهيرًا ومعينًا ومشاركًا ومقويًا (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) نوّعنا لهم من كل وجوه الكلام وطرق الإبانة من أجل أن يفقهوا، قال (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا).
وما تزال الآيات تستمر على هذا المنوال إلى أن تختم بقول الله عز وجلّ (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿١٠٥﴾) ثم يخبر الله عن حقيقة عظيمة جدا لمن أراد أن ينتفع بالقرآن (وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ﴿١٠٦﴾) ما أنزله الله جملة واحدة من أجل أن يُفقه ويُفهم ويُحمل على المواقع التي نزل عليها ويُقرن بالأحداث الذي نزل ملابسًا لها وكذلك أنتم إذا أردتم أن تفهموه خذوه شيئا فشيئا مثل ما تأخذ الطعام، هل هناك إنسان يأخذ الوجبة الكاملة ويدخلها في جوفه دفعة واحدة؟ كذلك نحن، نقسم الطعام في اليوم والليلة ثلاث وجبات والوجبة نقطعها ونجعلها لقمًا صغيرة كذلك آيات القرآن ما تؤخذ جملة واحدة ينبغي على الإنسان أن يتفهمها ويقرأها بتؤدة ويرتل القرآن ترتيلا أي يقرؤه بتمهل حتى ينتفع به ولذلك قال الله عز وجلّ (قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) هذا فيه ثناء على أهل العلم وأن أهل العلم هم المنتفعين بالقرآن فإذا كنت من المنتفعين بالقرآن فأنت من أهل العلم (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿١٠٧﴾ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ﴿١٠٨﴾ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴿١٠٩﴾)
ثم قال (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) إذا تلوت القرآن في الليل فلا تجاهر جهرا تؤذي به من حولك ولا تخافت مخافتة بحيث يصيبك الوسن والوهن ولكن عليك بقرآءة بين ذلك. (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿١١٠﴾ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) الحمد لله على ماذا؟ الحمد لله على فضله ونعمه على اتصافه بالصفات الجليلة والحمد لله على نعمة القرآن وهذه الآية تسمى آية العزّ في القرآن (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴿١١١﴾).
هذه سورة الإسراء ختمت بقوله (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) وافتتحت سورة الكهف بقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾)
ام هُمام
05-09-2018, 08:36 PM
سورة الكهف أيضًا تؤكد على العقيدة وعلى التوحيد بشكل كبير بدليل أنها افتتحت بأمر التوحيد افتتحت بقوله (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴿٤﴾) واخنتمت بالتوحيد في قوله عز وجلّ (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴿١١٠﴾) وحذّرت هذه السورة من الوقوع في شيء من الفتن، والفتن كثيرة:
فتنة الدنيا (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿٧﴾)
فتنة المجتمع الذي يسوقك سوقًا إلى الكفر والشرك، اقرأ قصة أصحاب الكهف لتجد كيف هدى الله هؤلاء الفتية قال الله عز وجلّ (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴿١٣﴾ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴿١٤﴾ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿١٥﴾) ولما رأوا أن قومهم سيمكرون بهم ويؤذوهم فرّوا بدينهم ناجين بأبدانهم وظنوا أنهم سيذهبون بعيدًا لاذوا في كهف قريب من المدينة ليرتاحوا فيه ثم يواصلوا المسير فناموا فيه ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعا وهذه نومة عجيبة! كيف ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعا لا يأكلون ولا يشربون والأبدان باقية تتنفس وتحيا! كيف حصل هذا؟! هذه آية عجيبة من آيات الله عز وجلّ لكنها ليست بأعجب من خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم وخلقكم أنتم أيها الناس فما الذي يعجّبكم أيها المشركون؟! ولذلك عاتبهم الله عز وجلّ بقوله (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ﴿٩﴾) تظنون أن هذا عجب! هناك ما هو أعجب، أنتم. الشمس، القمر، الليل، النهار، الشجر، الحجر، هذه أعجب فلماذا استغربتم هذا على الله؟!
الفتنة الثالثة: فتنة الجلساء، جلساء الإنسان، قد يصرفونه عن الحق قال الله عز وجلّ (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ليس قلبك فقط، حتى عينيك لا تلتفت بها إلى أهل الدنيا تريد زينة الحياة الدنيا (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)
ام هُمام
05-10-2018, 06:10 PM
الفتنة الرابعة: فتنة الدنيا والمال والبنين وقد ضرب الله لنا مثلا بهذا الرجل (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾) أشرك بالله وكذّب بلقاء الله من أجل ما آتاه الله من الدنيا وجعل الله له من ينصحه ويذكّره وهو صاحبه الذي يقول له (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾) ثم نزل البلاء بهذه الجنة فمحاها وبقي الرجل بلا شيء لا مآل ولا ولد ولا مزرعة!
ثم أكد الله فتنة الدنيا بقوله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) الدنيا كلها فتنة تتزين ثم تزول. قبل أمس كنا شبابًا وكنا نرى أنفسنا سنعمّر والآن نرى أنفسنا والدنيا تولّي عنا والقوة تذهب عنا شيئًا فشيئا، قد ذهبت عمن قبلنا وستذهب عنا وعمن بعدها فلا يغتر بها إلا مسكين ضعيف العقل!
ثم ذكر بعدها فتنة الشيطان فقال (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴿٥٠﴾)
ثم ذكر بعدها فتنة عجيبة جدًا وهي فتنة العلم في قصة موسى مع الخضر، فموسى عليه السلام قام في بني إسرائيل خطيبًا فقال له رجل من بني إسرائيل: يا نبي الله من أعلم الناس؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، عاتب الله موسى أن يا موسى هل أخبرتك فيما أوحيت إليك أنك أعلم الناس؟ لماذا قلت أنا؟ المفروض أن تقول الله أعلم حتى ينزل عليك مني شيء يدلك على أنك أعلم الناس. إن لي عبدًا في مجمع البحرين عنده علم من علمي لم أعلمكه فارحل إليه، اِذهب لتجد رجلًا عنده علم ليس عندك يا موسى لتعرف أني ما جعلت العلم كله عندك. فأطاع موسى ربه ورحل في طلب العلم وهذه أول رحلة في العالم في طلب العلم ورحل موسى ومعه فتاه حتى لقوا الخضر وعرف موسى أن الخضر قد آتاه الله شيئًا من علم الغيب لم يؤته موسى، ظهرت هذه في قصة موسى مع الخضر.
ام هُمام
05-11-2018, 03:20 PM
ثم ذكر من بعد ذلك فتنة عظيمة جدًا لكنها ليست لكل البشر وإنما لبعض البشر ولذلك أخّرها وهي فتنة الملك في قصة ذي القرنين (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٨٣﴾) ذكر الله ذو القرنين، رجل عجيب، ملك المشرق والمغرب ولكنه كان قائمًا بالإصلاح في الأرض ونشر العدل والخير بين الخلق ولذلك ما يأتي إلى أمة إلا ويصلح فيها ويرفع أهل التوحيد ويذل أهل الشرك والكفران ومشى حتى وصل إلى قوم لا يكادون يفقهون قولًا وقال لهم: ما عندكم؟ قالوا عندنا يأجوج ومأجوج يؤذوننا دائمًا يأتوننا من هذا المنفذ فيبيدون خضراءنا ويفسدون أرضنا ونريدك أن تقيم بيننا وبينهم سدًا يمنعهم منا ومستعدون أن ندفع لك أجرة على إقامتك لهذا السد فقال لهم ذو القرنين الذي مكنه الله عز وجلّ وآتاه من كل شيء سببا (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) أنا لست جمّاعًا للأموال ولست طالبًا لشيء من الدنيا (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿٩٥﴾ آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) الصدفان هما جهتا الجبل المتقابلتين (قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) أي نحاسا يجمع الحديد ويثبته ويقويه حتى يكون كأنه كتلة واحدة لا يستطيع أحدًا أن يخرقه، وهذه فيها الدلالة على أن كل من مكّنه الله ينبغي أن يفعل فعل ذي القرنين وما يلزم أن يكون ملكًا في المشرق والمغرب، حتى إمام المسجد ينبغي أن يستعمل الإمامة، الموظف، رئيس الشركة، مدير المدرسة، يستعمل ما آتاه الله من القوة والتمكين في الإصلاح وفي نفع الخلف وأن لا يتخذ على ذلك شيئًا من الأجر يطلبه من الناس.
ثم ختمت السورة ببيان فضل الله عز وجلّ لمن نجا من هذه الفتن (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿١٠٧﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴿١٠٨﴾ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴿١٠٩﴾)
ثم ختمت بما يذكّر بأعظم قضية وهي قضية التوحيد (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴿١١٠﴾).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع لنا بين العمل الصالح وأن لا نشرك بعبادة ربنا أحدا.
ام هُمام
05-12-2018, 06:41 PM
سورة مريم وطه
هذا تعريف يسير بسورة مريم. في سورة الكهف بيّنا أن هذه السورة اشتملت على قصص عجيبة ومن ضمن هذه القصص العجيبة قصة أصحاب الكهف وقصة موسى مع الخضر واستمرت هذه القصص العجيبة أيضًا في سورة حيث ذكر الله عز وجلّ قصة رزق الله عز وجلّ لزكريا بابنه يحيى كيف أن الله جاء له بيحيى بعد عقم طويل وأن الله سبحانه وتعالى أكرمه فأجاب دعاءه. ومن القصص العجيبة فيها قصة مريم حيث إن الله عز وجلّ بمنّه وكرمه رزقها عيسى من غير زوج ثم رفع عنها بلاء التهمة والفرية التي يمكن أن تُفترى عليها بأن أنطق عيسى عليه السلام وهو صبي في المهد.
سورة مريم هي السورة الوحيدة التي سميت فيها سورة باسم امرأة فهي سورة مريم. وهذا الاسم يوحي بأن السورة فيها شيء مما تتصف به النساء وهو الرحمة ولذلك تكرر ذكر الرحمة في هذه السورة ومشتقاته واسم الرحمن قريبا من 16 مرة وافتتحت بقول الله عز وجلّ (كهيعص ﴿١﴾ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴿٢﴾) فقال بعض العلماء أن هذه السورة يبين الله فيها كيف يدرك الإنسان رحمة الله على عبيده الذين اختصوا بالعبادة والذين حققوا العبودية لله رب العالمين. فهو يقول هنا (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) ما قال زكريا وإنما قال عبده زكريا ليبين لك أن من اتصف بالعبودية فهو حقيق بنزول الرحمة عليه، فهذا زكريا كان عابدا لله عز وجلّ وهو من أنبياء الله لما رأى ما يحدث لمريم وهي في المحراب أن الله يرزقها رزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٧﴾ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٨﴾ آل عمران)
ام هُمام
05-13-2018, 06:45 PM
فزكريا تنبّه لعظمة القدرة الإلهية والرحمة الربانية فدعا الله عز وجلّ قائلًا كما قال الله (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴿٣﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴿٤﴾ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴿٥﴾ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ) ما سأل ولدًا فقط وإنما ولدًا صالحًا زاكيًا وحاملًا للنبوة. قال الله عز وجلّ (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴿٧﴾) ولما أُجيب استغرب زكريا الإجابة بطبعه البشري (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴿٨﴾) كيف سيحدث هذا الغلام؟! فالله عز وجلّ بيّن له أن هذا الأمر هيّن عليه قال (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴿٩﴾) إذا كنت خلقتك من العدم ومن لا شيء فلأن أوجِد لك ابنًا أيسر بكثير من هذا الذي كان معك أنت. ثم ذكر الله عز وجلّ أن الابن سار على شاكلة أبيه كما قال الله عز وجلّ (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴿١٢﴾ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا) رحمة (وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ﴿١٣﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ) والبر من الرحمة (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) وهذا ضد الرحمة.
ام هُمام
05-14-2018, 05:54 PM
ثم ذكر الله مريم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿١٦﴾ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿١٧﴾) وهو جبريل عليه السلام (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴿١٨﴾) ما قالت بالله كأنها تتوسل برحمة الله في أن يعصمها الله من أن يأتيها أحد في الحرام (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴿١٩﴾) واستمرت قصتها حتى أنقذها الله عز وجلّ بإنطاق ابنها وهذا من رحمة الله عز وجلّ بها لأن الله قال لها (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴿٢٦﴾) لا تتكلمي مع أحد لأن الله سيتولى بنفسه الدفاع عنك (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿٢٧﴾ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿٢٨﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿٢٩﴾ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي) وهذا من الرحمة (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿٣٢﴾ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿٣٣﴾).
ام هُمام
05-15-2018, 05:44 PM
ثم انتقلت إلى قصة إبراهيم وبيّنت كيف أن الله عز وجلّ رحمه بقيامه بأمر الله ودعا إلى الله عز وجلّ وكان أول من وجه إليه الدعوة أباه وكان مما قال له (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿٤٥﴾) وبيّن الله أن الأب كان قاسيًا شديدًا وليس في قلبه شيء من الرحمة (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿٤٦﴾) فيقول له إبراهيم (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴿٤٨﴾ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) رحمه الله، كيف كانت الرحمة؟ وهب له اسحق ومن بعد اسحق يعقوب وكلًا منهما جعله الله نبيًا وجعل الله النبوة من بعد إبراهيم في ذرية إبراهيم وحده، ما نبي بعث بعد إبراهيم إلا وهو من ذرية إبراهيم بسبب أن إبراهيم ثبت على التوحيد ودعا إليه وهجر وهاجر من قومه بسبب التوحيد فالله عز وجلّ أخلفه بأن جعل ذريته فيهم الأنبياء.
وذكر موسى عليه السلام كيف أن الله عز وجلّ رحمه بأن جعل معه أخاه هارون نبيا. واستمرت السورة تذكر ألوانًا من رحمة الله لأولئك الخاصين من عباد الله عز وجلّ ولما انتهت منهم قال الله عز وجلّ (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩﴿٥٨﴾)
ام هُمام
05-16-2018, 06:04 PM
ثم ذكرت أولئك الذين لم يتعرضوا لرحمة الله بسبب كفرهم وسوء أعمالهم (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾)
ثم ذكرت المستجيبين لأمر الله من عموم المؤمنين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴿٦٠﴾ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴿٦١﴾)
واستمرت السورة تتحدث عن أولئك المعرضين وحججهم وشدة إعراضهم إلى أن وصلت إلى قول الله عز وجلّ (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿٨٨﴾ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴿٩١﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾)
ثم خُتمت بقول الله (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴿٩٦﴾) فإذا أردتم أن يجعل الله لكم محبة في السماء وفي الأرض فعليكم بالإيمان والعمل الصالح.
ام هُمام
05-17-2018, 04:02 PM
سورة طه
ثم ننتقل بعد ذلك إلى سورة طه التي ذكرت أهم ما يجعل الإنسان شقيًا في الدنيا وأهم ما يرفع عنه الشقاء في الدنيا. فأعظم ما يجعلك شقيًا في الدنيا إعراضك عن الله وعن وجيه وعن كتابه وهذا ذُكر في آخر السورة (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿١٢٤﴾ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿١٢٥﴾ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴿١٢٦﴾ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴿١٢٧﴾) فالشقاء والنكد والضرّ والبلاء في النفس وفي مفهوم هذه الحياة يكون لأولئك الذين أعرضوا عن منهج الله وعن كتابه ووحيه ولذلك افتتحت السورة بقوله (طه ﴿١﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ﴿٢﴾) القرآن ما نزل عليك يا محمد ليشقيك بل ليسعدك وليرسم لك منهجًا واضحا تعرف به لماذا خُلقت؟ من هو خالقك؟ ما الذي يجب عليك؟ إلى أيّ شيء أنت قادم؟ ما الذي ينتظرك؟ ما هو جزاء المؤمنين؟ ما هو جزاء الكافرين؟ (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴿٣﴾ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ﴿٤﴾ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾) إلى آخر هذه المقدمات.
ثم ذكرت قصة موسى عليه الصلاة والسلام، ذكرت قصتين: الأولى قصة موسى وبينت كيف أن موسى أوحى الله له بهذا الوحي العظيم وبيّن أنه يجب عليه أن يقوم بالدعوة إلى ما هداه الله إليه من النبوة ومن الوحي وأن عليه أن يكون رفيقًا في عرض دعوته حتى على أشد الناس شقاء وأعظمهم إعراضًا قال الله عز وجلّ (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴿٤٢﴾) لا تقصّرا في كثرة الذكر وقال لهما قبل ذلك لما دعا موسى (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥﴾ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴿٢٦﴾ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴿٢٧﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿٢٨﴾ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴿٢٩﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿٣٠﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿٣١﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿٣٢﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴿٣٣﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿٣٤﴾) فالتعلّق بالله وذكره والصلة بكتابه هو الذي يحجب الإنسان بإذن الله عز وجلّ عن الشقاء حتى لو نزل عليه البلاء لا يصيبه الشقاء.
ام هُمام
05-18-2018, 05:19 PM
هنا يقول الله عز وجلّ لموسى عليه الصلاة والسلام (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴿٤٢﴾ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴿٤٤﴾) يبيّن له ربه كيف يقدّم هذا الخير لعباد الله حتى طريقة تقديم الدعوة لهؤلاء الناس تكون برفق ورحمة ولين ولا تكون بشدة ولا بعنف ولا بسوء ولا بغلظة وقدّم الدعوة (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴿٤٧﴾). ثم حصل أن فرعون اشتد في معارضة ومناكدة موسى عليه السلام (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ﴿٥٧﴾ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ﴿٥٨﴾) وحصل الاجتماع وصارت المناظرة التي أظهر الله فيها نبيه موسى إظهارًا عجيبًا حتى إن الذي كانوا يقومون بالسحر هم الذين آمنوا في ذلك اليوم (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴿٧٠﴾ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴿٧١﴾ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٧٢﴾ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿٧٣﴾) يريد أن يعذبهم فلما امتلأت قلوبهم بالإيمان ما نظروا إلى تهديده ولا إلى وعيده أي نظرة ولا بالوا بها لأن قلوبهم امتلأت بالإيمان الذي إذا وقر في القلوب لم يبالي الإنسان ما وقع على الأبدان من البلاء ولن يؤثر فيها شيئا (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٧٢﴾ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿٧٣﴾ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿٧٤﴾ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ﴿٧٥﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴿٧٦﴾) وأنا كلما جئت إلى قصة هؤلاء السحرة تعجبت كيف يؤثِر الله عز وجلّ هؤلاء بالإيمان ويختصهم به فهم في أول النهار كانوا أولياء لعدو الله وفي آخر النهار يصبحون شهداء، أصبحوا أشقياء وأمسوا بررة أتقياء وماتوا شهداء، في يوم واحد نزلت عليهم الهداية امتلأت قلوبهم بالإيمان، ثبتوا عليه مع أن العادة أن الإنسان يترقى في الإيمان شيئا فشيئا لكن هذا فضل الله وهذه رحمته إذا أرادها بعبد من عباده فإنه لا راد لفضل الله نسأل الله أن يدركنا بفضله ورحمته.
ام هُمام
05-19-2018, 05:10 PM
وتستمر السورة على هذا المنوال إلى أن تصل إلى قول الله عز وجلّ (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ﴿٩٩﴾ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ﴿١٠٠﴾) يذكر الإعراض عن هذا الكتاب الذي جاء ليكون رحمة وسعادة، فضلًا وخيرًا على عباد الله.
تأتي القصة الثانية وهي قصة أبينا آدم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ﴿١١٦﴾ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴿١١٧﴾) كلمة الشقاء حاضرة في هذه السورة قال (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ﴿١١٨﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ﴿١١٩﴾) حتى لما يذكر ماذا في الجنة هو خلاف الشقاء فيها الراحة واللذة والطرب والروح والسعادة (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴿١٢٠﴾) إذن من أعظم اسباب الشقاء الشيطان فاحذروا منه يا أبناء آدم فإن الذي أخرج أباكم من الجنة هو هذا الشيطان وهو لا يريد بكم خيرًا وإنما يريد بكم شقاء. (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) حتى وإن صارت حياته مرفّهة تجده ينتحر لأن ما عنده ذكر يستنير به ولا عنده علم يعرف به الحق ويعرف به ما هو قادم عليه ولماذا جاء (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿١٢٥﴾ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا) أي القرآن (فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴿١٢٦﴾ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ) هذا شقاء الدنيا (وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى).
ام هُمام
05-20-2018, 04:10 PM
ثم تأتي توجيهات تعين الإنسان على مكابدة ألوان شقاء الدنيا يقول الله عز وجلّ (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴿١٣٠﴾ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لا يغرّنك ما هم فيه من متاع الدنيا الزائل فإن هذا لا يمكن أن تكون به السعادة لا الدنيوة ولا الأخروية (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٣١﴾ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴿١٣٢﴾).
وأن من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا وسيحشر يوم القيامة أعمى، وقد ختمت سورة طه بقول الله عز وجلّ (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴿١٣٤﴾) يبين الله لهم أنه لو أهلكهم ولم يرسل إليهم رسولا لقالوا محتجين (رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) قال الله عز وجلّ (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا) أي فانتظروا عذاب الله عز وجلّ لأن الحجة قد قامت عليكم (فَسَتَعْلَمُونَ) إذا بُعثتم (مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) من هو الذي مشى على الصراط المستقيم ومن هو المهتدي أهو أنتم حيث تعبدون غير الله وتأبون قبول هذه الدعوة التي جاءت مع هؤلاء الأنبياء أو أنهم أولئك الأنبياء الذين يدعونكم إلى توحيد الله.
ام هُمام
05-21-2018, 04:12 PM
سورة الأنبياء
من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا وسيحشر يوم القيامة أعمى، وقد ختمت سورة طه بقول الله عز وجلّ (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴿١٣٤﴾) يبين الله لهم أنه لو أهلكهم ولم يرسل إليهم رسولا لقالوا محتجين (رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) قال الله عز وجلّ (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا) أي فانتظروا عذاب الله عز وجلّ لأن الحجة قد قامت عليكم (فَسَتَعْلَمُونَ) إذا بُعثتم (مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) من هو الذي مشى على الصراط المستقيم ومن هو المهتدي أهو أنتم حيث تعبدون غير الله وتأبون قبول هذه الدعوة التي جاءت مع هؤلاء الأنبياء أو أنهم أولئك الأنبياء الذين يدعونكم إلى توحيد الله. ولما ذكر بالآخرة والقيامة والبعث والجزاء ناسب أن يبدأ بها في أول سورة الأنبياء فيقول (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿١﴾) فالمناسبة بين آخر سورة طه وأول سورة الأنبياء ظاهرة.
سورة الأنبياء سورة مكية وسميت سورة الأنبياء لأنه ذكر فيها خبر ستة عشر نبيًا منهم أولو العزم من الرسل محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضلهم وموسى وإبراهيم ونوح وعيسى، أنا ذكرتهم على ترتيب السورة فبدأت بذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر موسى ثم إبراهيم ثم نوح ثم عيسى وذُكر مع هؤلاء الأنبياء أنبياء آخرون سيأتي ذكر قصتهم أو المرور عليها في هذه السورة.
ام هُمام
05-22-2018, 04:09 PM
تتحدث سورة الأنبياء حديث السورة المكية حول تأسيس العقيدة والدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك وأيضًا مناقشة المشركين في شبهاتهم ومجادلتهم في حججهم التي يحتجون بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان أن دعوة الأنبياء واحدة وأن كل ما دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم هذا الرسول الخاتم الذي جاءكم أيها المشركون قد جاء به إخوانه من قبله وأنه لا فرق بين دعوة هؤلاء الأنبياء في اصول الدعوة وفي أصول العقيدة لأن العقيدة لا تتغير. وبيّ، الله عز وجلّ في هذه السورة أن هؤلاء الأنبياء الذين قاموا بهذه الدعوة لم يدعهم ربهم بل أعطاهم وأكرمهم ومكّنهم وصارت لهم الغلبة وصاروا هم أصحاب الشأن وآل الأمر إلى أن تعاقب هذه الأمم التي بعث فيها هؤلاء الأنبياء فيهلكها الله عز وجلّ كما سيأتي خبرها في هذه السورة. فانتبهوا يا أهل مكة هؤلاء الأنبياء إن استهنتم بهموإن رأيتموهم ضعافًا وإن رأيتموهم بشرًا كسائر البشر لكن الله معهم لن يدعهم ولن يخليكم تتمكنون منهم وسيدعون إلى الله على بصيرة وسيقيمون شأن التوحيد وستكون العاقبة لهم فاختاروا ما شئتم ولذلك قال الله عز وجلّ هنا في بداية السورة (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) جديد كالقرآن (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) غير مبالين (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) كيف بشر مثلنا يكون نبيًا؟! لا بد أن يكون النبي من غير البشر، هكذا يفترضون. ثم رد الله عليهم بقوله (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) كل الرسل الذين سبقوك هم من البشر وهم من الرجال دون النساء(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
ام هُمام
05-23-2018, 04:04 PM
اسألوا أهل الكتاب النصارى واليهود كانوا موجودين في جزيرة العرب، اسألوهم هل في كتبهم أن أمة سبقت بعث لهم نبي من غير البشر؟ ولذلك قال الله عز وجلّ (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ﴿٨﴾) ما جعلناهم أجسادًا لا تطعم بل هم بشر مثلكم يأكون ويشربون ويحصل منهم ما يحصل من البشر ويموتون ولذلك جاء قول الله عز وجلّ (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴿٣٤﴾) فماذا تستغربون على محمد؟ لماذا لم تؤمنوا به صلى الله عليه وسلم؟ الأنبياء قبله وأنتم تعرفونهم وتؤمنون ببعضهم، ألستم تؤمنون بإبراهيم وإسماعيل تعتقدون أن لهم النبوة ولهم الفضل وكانوا من البشر وهذا من ذريتهم فما الذي استغربتموه على محمد صلى الله عليه وسلم؟! ثم هددهم الله بقوله (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ ﴿١١﴾) وذكر الله حال أولئك الذين يعذبهم الله عز وجلّ.
ثم ذكر دلائل التوحيد ودخل في نقاش مع المشركين في قضايا متعددة ولما انتهى من هذه القضايا كلها بدأ يذكر سيرة الأنبياء وأنهم جاؤوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وأن العاقبة صارت لهم وأن الله كان يحتفي بهم ويكرمهم ويرعاهم وينصرهم وهم في معيته لا يخذل واحدًا منهم.فبدأ أولا بموسى وهارون وعلى وجه الاختصار لأن قصتهما جاءت مطولة في سورة طه بل سورة طه تقريبا كلها في قصة موسى مع فرعون قال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴿٤٩﴾)
ام هُمام
05-24-2018, 04:12 PM
هذه هي صفتهم وصفة من جاء كتابهم يدعو إليه ثم جاء مذكرًا فقال (وهذا) أي الكتاب الذي أنزل على محمد (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٥٠﴾) ألستم تعتقدون أن اليهود أهل كتاب وأن كتابهم نزل من السماء فهذا الذي أنزل على محمد كالذي أنزل على أخيه موسى عليه الصلاة والسلام. ثم انتقل إلى قصة إبراهيم ولما جاء إلى قصة إبراهيم توسع فيها وسرّ ذلك أن العرب يعتقدون أن لهم صلة بإبراهيم بل يعتقدون أنهم على ملة إبراهيم وليسوا كذلك لأنهم بدلوا الدين وأحدثوا الشرك ولذلك أول آية ذكر الله فيها قصة إبراهيم قال فيها (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ﴿٥١﴾) فلم يشرك أبدا حتى قبل النبوة لم يشرك علما أنه عاش في بيئة جاهلية مشركة هو لم يتلبس بشيء (ولم يكن من المشركين (ولم يك من المشركين) وسماه الله حنيفا لأنه لم يتلبس بشيء من الشرك حتى قبل النبوة (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ) إما من قبل النبوة أو من قبلكم أنتم أيها المشركون (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) ثم ذكر قصته (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴿٥٢﴾ قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴿٥٣﴾ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٥٤﴾ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ﴿٥٥﴾) هذا يدل على أنهم ما كانوا مستيقنين مما هم فيه، الشرك الذي عندهم ليس لهم عليه أدلة فهم يسألون إبرهيم هل أنت جاد بما جئت به من الحق؟ أم هي مجرد ظنون؟! قال (قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿٥٦﴾) ثم قال كلمة سمعها بعضهم (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ﴿٥٧﴾) وفعلًا ذهبوا لعيد من أعيادهم فعدا على بيت الأصنام فدخل وفعل فعلا عجيبا كسر الأصنام إلا الصنم الكبير أبقاه لأنه أراد أن يحدث عندهم نوعًا من التساؤلات التي توصلهم إلى الحقيقة
ام هُمام
05-25-2018, 05:25 PM
(فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴿٥٨﴾) قالوا أنه جعل الفأس في عنق كبيرهم فلما رجعوا من عيدهم دخلوا بيت الأصنام فوجدوا الأصنام كلها مهشّمة والكبير منتصب والفأس على رقبته مباشرة (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٥٩﴾) إذا كانت آلهة ما يفترض أن تسألوا هذا السؤال! (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴿٦٠﴾) هذا يدل على أنه كان غير معروف في المجتمع (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴿٦١﴾) نؤدبه أمام الناس (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿٦٢﴾ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴿٦٣﴾) إذن ما فعله كبيرهم! أراد أن يستفزهم ليُخرج منهم الإجابة. هم لما دخلوا على بيت الأصنام وجدوا الكبير معه الفأس والأصنام كلها محطمة تساءلوا كالتالي: أحدهم يقول الكبير انتقم من إخوانه الصغار وأبادهم، وآخر قال الكبير لا يفهم ولا يتحرك ولا يسمع ولا يرى، هذه الإجابة بحد ذاتها كافية لإقناهم أن هذا لا ينفع أن يكون إلهًا، آخر يقول – أنا أتصور المشهد وأعبر ما يحدث – إنسان مجرم جاء ودخل وحطم آلهتنا التي نعبدها فيقول صاحبه: لم لم ينتقم أبوهم الكبير هذا من هذا الإنسان الذي حطم الأصنام الباقية؟! لماذا لا يخبرنا الآن ويتكلم معنا ويقول لنا من الذي اعتدى على آلهتكم؟ وآخر يقول هذا الكبير لا يفهم شيئا ولا يعلم شيئا ولا يسمع ولا يستطيع أن ينفع نفسه أو يضرها ولا يستطيع أن ينفع غيره أو يضره. وهذه التساؤلات هي الرسالة التي كان إبراهيم يريد إيصالها والدليل على أنها وصلت قول لله تعالى (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿٦٢﴾ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴿٦٣﴾) كأنه يريدهم أن يقولوا: لا تسألوهم، هؤلاء ما عندهم شيء (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٦٤﴾)
ام هُمام
05-26-2018, 04:02 PM
أنتم تعبدون أصناما لا تنفع ولا تدفع ولا تصنع شيئا فكيف تعبدونها؟! قال الله عز وجلّ (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) الآن جاء دور العناد نريد تأديب الذي حطم الأصنام وصنع هذا بآلهتنا سواء اقتنعنا أم لم نقتنع (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴿٦٥﴾) لما قالوا هذه الكلمة وقد قامت عليهم الحجة وعرف إبراهيم أنهم الآن مكابرين صرخ بهم بقوة وصرّح بالدعوة (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴿٦٦﴾ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾) هنا على عادة كل الأمم الموجودة في العالم لا تقابل الحق بالحجة وإنما تقابل الحق بالقوة، تبطش وتغدر وتحرق، تسجن، وتعذّب ولكنها لا تقول تعال الدليل الذي أثرته جوابه كذا عندنا أدلة نحن متكئون عليها من أجل دعم ما نحن عليه، ما يستطيعون لأن الحق أبلج والباطل لجلج. (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴿٦٨﴾) وجمعوا حطبًا كثيرًا لمدة طويلة حتى أنهم لما أضرموا النار لو مرّ طير من علو في السماء سقط من شدة الحر يريدون أن يجعلوا هذا أدبا لإبراهيم ولمن يفكر أن يمشي على شاكلته أو يقتنع بفكرته، ولم يستطيعوا إلقاء إبراهيم في النار من شدة حرها فجلبوا المنجنيق ورموه بالمنجنيق لأنها نار شديدة كيف تلقي إنسان في وسط النار، هم يريدون أن يلقى في وسطها. فألقي فيها فقال حسبنا الهه ونعم الوكيل وهنا جاءت الرسالة من الله عز وجلّ لتبين كيف عناية الله بأنبيائه ورسله وأن الله لا يتركهم ولا يمكن أن يخلي هؤلاء يؤذونهم (قُلْنَا يَا نَارُ) نداء لكل نار في العالم (كُونِي بَرْدًا) يقال لما قال كوني بردا بردت كل نار في العالم ولو سكت عندها لقتلت إبراهيم من بردها لكن قال الله بعدها (وَسَلَامًا) فسلم إبراهيم (عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فعادت كل نار لاشتعالها لأن المقصود كانت النار التي على إبراهيم دون غيرها، النار تحرق بأمر الله ولو لم يأذن الله لها أن تشتعل ما اشتعلت! (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴿٧٠﴾) اسمعوا يا أهل مكة!
ام هُمام
05-27-2018, 03:38 PM
ثم ذكر بعد ذلك قصة لوط كيف أن الله سبحانه وتعالى نصره على قومه أيضًا مع أنه لم يؤمن معه من قومه أحد، وآمن به بناته دون زودته. ثم ذكر قصة نوح كيف أكرمه الله واستجاب له قال نوح (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴿١٠﴾ القمر) ثلاث كلمات (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴿١١﴾ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿١٢﴾ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾ القمر) (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٧٧﴾). ثم ذكر الله قصة داوود وسليمان كيف أن الله عز وجلّ قد جعل عندهما من العلم والملك والقوة ومكنهما ما لم يمكّن لأحد حتى أن سليمان كان بيده أمر الإنس والجن الذين لم يملكهم أحد من البشر ملكهم سليمان كما قال الله عز وجلّ (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ﴿٨١﴾ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴿٨٢﴾) كانوا يغوصون في المحيطات ويستخرجون اللؤلؤ والمرجان والدر واليواقيت ويأتون بها إليه وهذا ما حصل لأحد غيره، وسخر له الريح، الآن إذا أرادوا أن ينقلوا جيشا من مكان إلى مكان يحتاجون إلى أسطول من الطائرات، سليمان كان هو وجنوده يصلون إلى نصف مليون إنسان يجلسون على بساط الريح فيذهب بهم غدوها شهر ورواحها شهر يذهب بهم مسيرة شهر في أول النهار ويرجع بهم مسيرة شهر في آخر النهار جيش كامل بكل ما فيه من عتاد وقوة يذهب إلى أي بلد في العالم يفتحه ويحرره ثم يرجع في نفس اليوم، هذا ما حصل وهذه إجابة من الله لدعاء سليمان (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي) [ص: 35] فوهبه الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرض له الشيطان في الصلاة وأمس به ووأراد أن يربطه حتى يراه الصحابة تذكر دعوة أخيه سليمان (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي) فأطلقه.
ام هُمام
05-28-2018, 04:35 PM
ثم ذكر الله قصة أيوب وأن أيوب ابتلي بلاء شديدا في ماله ثم ولده ثم بدنه مزقه البلاء تمزيقا وخرّقه تخريقا فما ترك لم شيئا من الدنيا إلا أن الله رحمه بزوجته ونفر منه كل من حوله، أقرب الناس نفروا منه إلا هذه الزوجة التي سخّرها الله له ومن أدب أيوب لم يقل رب إني أشكو إليك فارفع ما بي من البلاء وإنما قال (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿٨٣﴾) ما قال ارفعه (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴿٨٤﴾) ليبين الله أنه استحق هذه المنزلة بكثرة عبادته وإخلاصه لربه. ثم أشار الله عز وجلّ إلى قصة اسماعيل وإدريس وذا الكفل ثم ذكر ذا النون كيف أن الله ما خذله لما ألقي في البحر وصار في بطن الحوت (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٨٧﴾ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٨﴾) فمن كان مؤمنًا صادقًا فإنه إذا نادى ربه سبحانه وتعالى لن يتركه.
ثم ذكر الله قصة زكريا (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴿٨٩﴾ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) كانت لا تلد فأصبحت صالحة للولادة.
ثم ذكر الله حال الأنبياء جميعا فقال (إِنَّهُمْ) أي هؤلاء الأنبياء المذكورون موسى وهارون وابراهيم ونوح وسليمان وداوود وأيوب وإسماعيل وادريس وذا الكفل وذا النون (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) هذه هي صفتهم ولذلك الله عز وجلّ لا يتركهم ولا يخذلهم ولا يمكّن لكافر من رقابهم. ثم ختم بقصة مريم وابنها (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿٩١﴾ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴿٩٢﴾) معنى أمتكم أمة واحدة أي طريقتكم ودينكم دين واحد فكل هؤلاء الأنبياء مجتمعون على رسالة واحدة لا يختلفون عليها. ثم ذكر الله عز أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وهو مكتوب عند الله وبيّن أن كل قرية تظلم فإنها تهلك إلى أن ختمت هذه السورة العظيمة ببعض القضايا المهمة مثل قوله عز وجلّ (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴿١٠٥﴾) فانتبهوا يا أهل مكة العاقبة ستكون لرسول الله شئتم أم أبيتم (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴿١٠٦﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾).
ام هُمام
05-29-2018, 04:12 PM
سورة الحج والمؤمنون
حديثنا في هذا المجلس حول سورتي الحج والمؤمنون، أما سورة الحج فهي السورة الوحيدة في القرآن التي سميت بركن من أركان الإسلام ولا يكاد يُعرف لهذه السورة اسم غير هذا الاسم. وهذه السورة مليئة بالعجائب كما يقول علماء علوم القرآن فهي سورة أشبه سورة من السور المدنية بالسور المكية، هي سورة مدنية أشبه ما تكون بالسور المكية وقد اختلف فيها هل هي مدنية أو مكية. وهذه السورة يها ليلي ونهاري وسفريّ وحضري وهذا لا يكاد يوجد في كثير من سور القرآن. وهي سورة إذا قرأتها أشكل عليك أمرها هل هي من السور المكية أو من السور المدنية بسبب ما طرحته من قضايا وموضوعات فهي تؤصل للعقيدة وتؤسس للتوحيد وتدعو إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وتنافح عن دين الرسل عليهم الصلاة والسلام وفي الوقت ذاته يأتي فيها تفاضيل الحج والهدي والذبائح لله عز وجلّ وذكر الجهاد في سبيل الله ومن عجائب هذه السورة الكريمة أنه اجتمع فيها سجودان وهذا لم يحدث في سورة أخرى غيرها بل قال العلماء إن السجود الثاني فيها هو آخر سجود نزل في القرآن الكريم، تأمل أول سجود هو قول الله عز وجلّ (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴿١٩﴾ العلق) وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يوم لم يكن معه أحد من أهل الإيمان وآخر خطاب بالسجود في آخر هذه السورة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٧٧﴾ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ).
ام هُمام
05-30-2018, 05:45 PM
هذه السورة الكريمة افتتحت بافتتاحية أيضًا عجيبة وهي قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ولم يشاركها في هذه الافتتاحية إلا سورة النساء ومن العجائب في هذا أن سورة النساء قال الله فيها (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾ النساء) فأشارت إلى بداية الدنيا وهذه السورة افتتحت ببداية الآخرة وتلك في النصف الأول من القرآن وهذه في النصف الثاني من القرآن. قال الله في هذه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) هنا سؤال: ما مناسبة الحج للقيامة؟ فنقول ما هناك عبادة تقرّب لك القيامة مثل الحج. مشهد القيامة تراه بصورة مصغرة وأنت في عرفة وعندما ينزل الناس إلى مزدلفة وعندما يستيقظ الناس في الصباح ثم ينصرفون إلى منى هذا المشهد لو رأيته من علو لرأيت مشهدًا مصغرًا ليوم القيامة ولذلك جاء الحديث هنا عن يوم القيامة يصور لك حال الناس في ذلك اليوم. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴿٢﴾) فهو يوم مهول، يوم عظيم، يوم فيه من الرعب والهول شيء لا يقادر قدره حتى إن المرأة مع شدة حنانها وتعلقها برضيعها تفلته في ذلك اليوم منصرفة عنه غير مبالية به، وهذا يؤكد أن هذا المشهد ليس هو مشهد قيام الساعة الي يكون بعد البعث وإنما قيام الساعة الذي قبل صعق الناس أو قبل فناء العالم، المشهد هذا هو في آخر الدنيا وليس بعد بعث الناس من قبورهم لأن القيامة تطلق على هذا وتطلق على ذاك. ولاحظوا التعبير (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ)
ام هُمام
05-31-2018, 05:45 PM
ما الفرق بين المرضع والمضرعة؟ المرضع هي التي اتصفت بالإرضاع هي الآن في حال تصلح فيه أن تكون مرضع، أما المرضعة فهي المرأة التي أرضعت بالفعل، قد ألقمت ثديها صبيها وهذا أشد في كونها قد انشغلت عنه وألقته من شدة الهول الذي نزل عليها. (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) إذن هناك علاقة بين الحج وبين يوم القيامة وهناك علاقة أيضًا بين الحج والجهاد فليس هناك عبادة تشبه الحج مثل الجهاد ولذلك نلاحظ أن الجهاد اقترن بالحج في هذه السورة واقترن بالحج في سورة البقرة قال الله عز وجلّ (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿١٩٠﴾ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿١٩١﴾ البقرة) ثم قال بعدها (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196] جاءت بعد ذكر الجهاد لأن الحج أقرب شيء إلى الجهاد ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة هل على النساء من جهاد يا رسول الله؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة.
هذه السورة الكريمة تحدثت عن خلق الإنسان ودلائل البعث وموقف المكذبين بشكل عام ومجادلتهم وبيان موقفهم من الحق وانقسام الناس في هذه القضية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴿٣﴾) (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴿٨﴾) (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١١﴾ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ).
ام هُمام
06-01-2018, 06:20 PM
وتحدثت أيضًا عن التوحيد الذي يعتبر الحج معلمًا ظاهرًا من معالمه وتطبيقًا واضحًا من تطبيقاته الجليّة ولذلك في أول آية من آيات الحج يقول الله فيها (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196] فيقرنه بالإخلاص وفي آية فرضية الحج في سورة آل عمران يقول الله فيها (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: 97] بدأ بالإخلاص قبل أي شيء آخر وهنا جاء التركيز على أمر الإخلاص وعلى أمر إفراد الله بالعبادة في هذه السورة بشكل ظاهر وبيّن.
وابتدأ أمر الحج بقول الله عز وجلّ (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) يأتوك راجلين على أقدامهم وعلى كل ضامر أي بعير قد ضمر من الهزال من طول السفر (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٢٩﴾) ثم قال الله (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾) ثم ضرب مثلًا للشرك (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴿٣١﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿٣٢﴾). ثم يقول الله عز وجلّ (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ)
ام هُمام
06-02-2018, 04:15 PM
وإياكم أن تذكروا عليها غير اسم الله (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٣٦﴾ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا) لن يصل إلى الله لا لحمها ولا دمها (وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) الذي يصله سبحانه وتعالى منكم تقواكم لله عز وجلّ (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) ثم قال مبيّنًا أنه الآن سيقدم مقدمة في وجوب الجهاد وهذه أول آية في الجهاد (أُذِنَ) مما يدل على أن الجهاد كان محرّمًا (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) هذه أول آية شُرع فيها الجهاد في الإسلام (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).
ثم استمرت السورة في ذكر قضايا هؤلاء المشركين ومجادلتهم وتهديدهم حتى وصلت في آخرها إلى قول الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴿٧٧﴾) والملاحظ أنه يعبّر عن بعض أركان الإسلام ببعض أركانه، ما قال يا أيها الذين آمنوا صلّوا بل قال اركعوا واسجدوا للدلالة على أن هذا الذي عُبّر به عن الكل أنه ركن في تلك العبادة فالركوع من أركان الصلاة والسجود من أركان الصلاة ولا يتصور صلاة بلا ركوع ولا سجود فاستدل العلماء بهذا على ركنية الركوع والسجود. وقال هنا (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) كل خير يكون نافعًا لعباد الله ويراد به وجه الله افعلوه، لأجل ماذا يا ربنا؟ لعلكم تفلحون أي تفوزوا بالمطلوب وتظفروا بالمرغوب، وجاءت هذه مجملة وفصّلت في سورة المؤمنون التي افتتحها الله بقوله (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾).
ام هُمام
06-03-2018, 03:49 PM
وسورة المؤمنون سورة مكية تتحدث عن المؤمنين وعن الإيمان ودلائله والمكذبين به وعاقبتهم وتختم بمثل ما افتتحت به (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿١١٧﴾)، بدأت بـ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾) وختمت (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). من هم هؤلاء المؤمنون يا ربنا؟ وصفهم بست صفات.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾) وقد قيل أن كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلّى رفع بصره إلى السماء فأنزل الله عليه هذه الآية فخفض بصره في صلاته ولم يرفعه لأن خفض البصر في الصلاة والنظر إلى موضع السجود دلالة على الخشوع والذل بين يدي الرب سبحانه وتعالى فلا يليق بالإنسان إذا دخل في صلاته أن يلتفت ببصره يمينًأ ويسارًا وأما رفع البصر إلى السماء فمحرّم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوشك أن تخطف أبصار الذين يرفعون أبصارهم في السماء.
الصفة الثانية (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾) اللغو هو كل ما لا فائدة فيه وكثير مما يتحدث به الناس هو من اللغو قال الله عز وجلّ (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) النساء)
ام هُمام
06-04-2018, 03:31 PM
الصفة الثالثة (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾) ولاحظ أنه فصل بين الصلاة والزكاة بقوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾) نستفيد من هذا أن الخشوع في الصلاة لا يتهيأ للإنسان إلا إذا أعرض عن اللغو ولا تكاد تجد إنسانًا ثرثارًا يتحدث في كل قضية وفي كل شأن ولا يدع شاردة ولا واردة إلا لاكها بلسانه لا تتوقع أن يطرق الخشوع قلبه! قال الله عز وجلّ (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) هذه الصفة الثالثة يعني يؤدون الزكاة الواجبة
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾) يحفظون فروجهم سواء كان ذ لك الحفظ من جهة الشهوة فلا يضعونها إلا حيث أمر الله أو يحفظونها من جهة الستر فلا يطلعون عليها أحدا، قال الله عز وجلّ (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾) لا يستعملون فروجهم إلا مع هذين الصنفين (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾)
(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾) هذه الصفة الخامسة
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾) هذه هي الصفة السادسة
ماذا لهم يا ربنا؟
ام هُمام
06-05-2018, 05:27 PM
في أول الأمر قال (قد أفلح) وفي الآخر بيّ، نوع الفلاح الذي سيكون لهم (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾).فإن قلت: كيف يرثون الفردوس؟ هل كان لأحد من قبلهم ثم يرثونه هم؟ فيقال: إن الله عز وجلّ خلق الجنة وهي ليست لهم أصلاً وإنما يورثهم إياها بفضله، هذا أولًا، ثانيًا وخلق الله الجنة وجعل لكل أحد منزلا فمن كفر حُرم من منزله فورثه المؤمن فصار هناك إرث فكأنهم يأخذون شيئا قد كان مقدرًا لغيرهم قد حرموا منه لأنهم لم يؤدوا ثمنه أو قيمته التي يستحقون بها ذلك الجزاء.
ثم تحدثت السورة على قدرة الله وفضله على عباده سواء كانت هذه القدرة في النفس أو كانت في المخلوقات (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴿١٨﴾ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿١٩﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) يذكّرنا الله بقدرته ونعمته علينا (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٢١﴾ وَعَلَيْهَا) على هذه الأنعام (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٢٢﴾) ولما ذكر الفلك ناسب أن يذكر قصة نوح لأن قصة نوح أقرب قصة إلى موضوع الفلك فأول من صنع الفلك وعلّم البشرية صناعة السفن هو نوح وقصته هي قصة الإيمان التي جاءت في سورة المؤمنون عندما قال الله عز وجلّ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٢٣﴾)
ام هُمام
06-06-2018, 04:21 PM
هذا هو الإيمان وذكر الله عز وجلّ موقفهم وجزاءهم وماذا حصل لهم ثم انتقل بعذ ذلك إلى قصة هود وقومه علما أنه لم يصرّح بالقوم ولا بالنبي لكن من يقارن القصة بالأخرى الواردة في السور الثانية يعلم أن المراد بها قصة هو ثم ختمها بقوله (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ ﴿٤٢﴾) أممًا كثيرة (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴿٤٣﴾) ما في أمة تتعدى أجلها ولا تستأخر عنه (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) وهذا ضد الإيمان (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ونحن في سورة المؤمنون. (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٤٥﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ﴿٤٦﴾ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴿٤٧﴾ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ﴿٤٨﴾) ثم بيّن الله أن هذا الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم قد أوتيه النبيون من قبله (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿٤٩﴾ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴿٥٠﴾)
ثم أكّد على نفس القضية التي وردت في سورة الأنبياء (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿٥٢﴾) ملتكم ودينكم يا أهل الإسلام في كل الأمم ملة واحدة فالذي دعا إليه نوح وإبراهيم وموسى وعيسى واحد لا يختلف كلهم يدعون إلى عقيدة واحدة لا تتغير (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿٥٢﴾ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٥٣﴾) كلٌ يأتي بدين من عنده ويشرك مع الله غيره.
ام هُمام
06-07-2018, 04:41 PM
ثم قال الله عز وجلّ مبيّنًا صفات المؤمنين مرة أخرى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٦٢﴾). ثم تسترسل السورة إلى أن تأتي في الأخير ماذا يجب على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو قومه إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر ونبذ الشرك يقول الله له (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿٩٦﴾ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴿٩٨﴾) يحضرني هؤلاء الشياطين (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٠٠﴾) ثم ذكر موقفهم في يوم الجزاء والحساب وكيف أنهم يندمون أشدّ الندم على ما بدر منهم في الدنيا وبهذا تختم هذه السورة الكريمة العظيمة.
ام هُمام
06-08-2018, 04:44 PM
سورة النور هي السورة الرابعة والعشرون في ترتيب المصحف الشريف، وعدد آياتها أربع وستون آية، وهي سورة مدنية بالإجماع. تسميتها اسم هذه السورة (النور)، ولم يثبت لها اسم غيره. وسُمِّيت بسورة (النور)؛ لقوله تعالى فيها: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور من الآية:35]. قال الشيخ أبو زهرة رحمه الله: "وإنها لو سُمِّيَت سورة (الأسرة) لكانت جديرة بهذا الاسم". وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: "وإذا استقرأنا موضوع المُسمَّى، أو المعنون له بسورة (النور) نجد النور شائعًا في كل أعطافها -لا أقول آياتها ولا أقول كلماتها- ولكن النور شائع في كل حروفها، لماذا؟ قالوا: لأن النور من الألفاظ التي يدل عليها نطقها، ويُعرِّفها أكثر من أي تعريف آخر، فالناس تعرف النور بمجرَّد نطق هذه الكلمة، والنور لا يُعْرَف إلا بحقيقة ما يؤديه، وهو ما تتضح به المرئيات، وتتجلى به الكائنات، فلولا هذا النور ما كُنَّا نرى شيئًا". ونقل الشيخ القاسمي عن المهائمي رحمهم الله قوله: "سُمِّيَت به لاشتمالها على ما أمكن من بيان النور الإلهي، بالتمثيل المفيد كمال المعرفة الممكنة لنوع الإنسان، مع مقدِّماتها، وهي أعظم مقاصد القرآن". فضائلها روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها -وذكرت الإفك- قالت: "جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكشف عن وجهه، وقال: «أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور من الآية:11]».
ام هُمام
06-10-2018, 05:31 PM
وروى الطبري بسنده، قال: "استعمل علي بن أبي طالب ابنَ عباس رضي الله عنهم على الحج، قال: فخطب الناس خطبة، لو سمعها التُّرك والروم لأسلموا، ثم قرأ سورة النور، فجعل يُفسِّرها". وفي رواية: "والله لو سمعتها التُّرك لأسلموا". وروى الطبراني في (الأوسط) عن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه، قال: "لمَّا قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وآوتهم الأنصار رضي الله عنهم، رمتهم العرب عن قوسٍ واحدة، فنزلت: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور من الآية:55]". قال الهيثمي: "رجاله ثقات". وروى البيهقي وغيره عن مجاهد مرفوعًا، قال: "علِّموا رجالكم سورة المائدة، وعلِّموا نسائكم سورة النور". وفي (تفسير القرطبي) أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة: "علِّموا نساءكم سورة النور". وقد قال بعض العلماء في آيات الإفك: "إنها أرجى ما في القرآن؛ لأن الله عظم شأن الإفك، وتوعَّد عليه غاية الوعيد، وجعله منافيًا للإيمان، ثم أمر بالعطف على بعض من وقع فيه، ووصفهم بالقرابة والمسكنة والهجرة، وندب إلى الإنفاق والعفو عنهم والصفح". مقاصدها المحور العام الذي تدور حوله سورة النور هو محور التربية، قال القرطبي: "مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر". وقال ابن الزبير: "مقصودها مدلول اسمها المودع قلبها، المراد منه: أنه تعالى شامل العلم، اللازم منه تمام القدرة، اللازم منه إثبات الأمور على غاية الحكمة، اللازم منه تأكيد الشرف للنبي صلى الله عليه وسلم،
ام هُمام
06-11-2018, 02:49 PM
اللازم منه شرف من اختاره سبحانه لصحبته، على منازل قربهم منه، واختصاصهم به، اللازم منه غاية النزاهة والشرف والطهارة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي مات صلى الله عليه وسلم وهو عنها راضٍ، ثم ماتت هي رضي الله عنها صالحة مُحسِنة، وهذا هو المقصود بالذات، ولكن إثباته محتاج إلى تلك المقدمات". وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: "وسورة النور جاءت لتحمل نور المعنويات.. نور القيم، نور التعامل، نور الأخلاق، نور الإدارة والتصرُّف، وما دام أن الله تعالى وضع لنا هذا النور فلا يصح للبشر أن يضعوا لأنفسهم قوانين أخرى؛ لأنه كما قال سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور من الآية:40]، فلو لم تكن هذه الشمس ما استطاع أحد أن يصنع لنفسه نورًا أبدًا. فالحق تبارك وتعالى يريد لخليفته في أرضه أن يكون طاهرًا شريفًا كريمًا عزيزًا؛ لذلك وضع له من القوانين ما يكفل له هذه الغاية، وأول هذه القوانين وأهمها قانون التقاء الرجل والمرأة التقاء سليمًا في وضح النهار؛ لينتج عن هذا اللقاء نسل طاهر جدير بخلافة الله في أرضه". ويمكن تلخيص مقاصد سورة النور وفق التالي: ● بيان أن هذه السورة -وهذا شأن القرآن كله- وما تضمَّنته من أحكام ومبادئ إنما هي من عند الله سبحانه، فهو سبحانه أعلم بما يصلح عباده وما يفسدهم، وأن ما يختاره سبحانه لعباده فرض عليهم التزامه والعمل به؛ لأن فيه تحقيق مصلحتهم الدنيوية، ونيل سعادتهم الأخروية، ولا يمكن تحقيق هذه وتلك إلا بما شرعه الله سبحانه. ●
ام هُمام
06-12-2018, 02:51 PM
تجريم عقوبتي الزنى والقذف، وبيان حدِّ كل منهما؛ لما لهاتين الجريمتين من خطر -أي خطر- على أمن المجتمع وسلامة الأسرة. ● تبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها مما رُمِيَت به من إفك وزور، وأنها رضي الله عنها كانت طاهرة عفيفة، لا يشك في هذا إلا كل أفَّاك أثيم. وقد قرَّرت السورة في هذا السياق قاعدة مهمة، وهي أن الأصل حُسْن الظن بالمسلم، ولا يُعْدَل عن هذا الأصل إلا بيقين. ● التحذير من إشاعة الفاحشة في المجتمع؛ إذ إن انتشار الفاحشة في المجتمع من أهم عوامل هدمه وانهياره، وانتشار الفاحشة في المجتمع يعني خرابه ودماره، وشيوع الفضيلة فيه يعني بناءه واستقراره. ● تحدَّثت السورة عن وسائل الوقاية من الجريمة، وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية؛ وذلك ببيان آداب البيوت والاستئذان على أهلها، والأمر بغض البصر والنهي عن إبداء الزينة للمحارم، والحث على إنكاح الفتيان والفتيات غير المتزوجات، ولو كانوا فقراء، فإن الله سبحانه يُغنيهم من فضله، فهو الغني الحميد، والنهي عن البغاء ووسائله. ● التحذير من اتباع خطوات الشيطان، وبيان أن اتباع خطواته تفضي إلى سوء وعاقبة وخيمة، حيث إن الشيطان لا يترك الإنسان وشأنه، بل يستجره من سوءٍ إلى سوء، ومن ذنبٍ إلى آخر.. إلى أن يودي به في نار جهنم، ثم يقول له: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ} [الحشر من الآية:16]. ● تأديب أهل البيت الواحد بأدب الاستئذان على الأسرة نفسها في الدخول إلى الحجرات المخصصة للرجل وزوجه، فدخول الأولاد على أبويهما في أوقات الفجر والظهيرة وبعد العشاء يستوجب إذن الوالدين. وأيضًا: فإن الأطفال البالغين يجب عليهم الاستئذان ككل آحاد الأسرة، لا في أوقات العورات فحسب. وتبين السورة كذلك أحكام كبار السن من النساء، اللائي لم يعد للرجال طمع في الزواج منهن، أنه ليس {عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور من الآية:60]. ●
ام هُمام
06-13-2018, 03:37 PM
ألمحت السورة الكريمة إلى أن صلاح المجتمع يبتدئ من بيوت العبادة؛ ورأس العبادة الصلاة، فهي طهارة القلوب، والمجتمع الصالح ما قام إلا على طهارة النفوس، فذكر سبحانه وتعالى المساجد ومكانتها، ومنزلة عمَّارها وروادها والمعلقة قلوبهم بها. ● وجَّهت السورة الأنظار إلى خلقه سبحانه وتعالى، وخضوع الوجود له عز وجل، فكل ما الوجود خاضع لأمره، وسائر وَفْق مشيئته، كل ذلك بانتظام وبقدر وبحكمة. ● بيَّنت السورة مجافاة المنافقين -وهم موجدون في كل عصر ومصر- للأدب الواجب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعة والتحاكم، وصوَّرت أدب المؤمنين الخالِص وطاعتهم. ● وَعْده سبحانه عباده المؤمنين حق الإيمان المُطبِّقين لشرعه، الاستخلاف في الأرض، والتمكين في الدين، والنصر على الكافرين. ● تحدَّثت السورة عن آداب الضيافة في محيط البيوت بين الأقارب والأصدقاء، وآداب الجماعة المسلمة كلها كأسرة واحدة، مع رسولها ومربيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ● ختم السورة بإعلان ملكية الله لما في السماوات والأرض، وعِلمه بواقع الناس، وما تنطوي عليه حناياهم، ورجعتهم إليه، وحسابهم على ما يعلمه من أمرهم. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
ام هُمام
06-15-2018, 05:17 PM
سورة الفرقان هي السورة الخامسة والعشرون بحسب ترتيب المصحف العثماني، وهي سورة مكية بالإجماع، وعدد آياتها سبع وسبعون آية. تسميتها اسمها سورة الفرقان، وليس لها اسم غيره؛ وهذا الاسم مأخوذ من قوله سبحانه في أول آية من هذه السورة: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان من الآية:1]، و(الفرقان) مصدر فرق بين الشيئين، إذا فصل بينهما، وسمي به القرآن؛ لفصله بين الحق والباطل. أو لأنه لم ينزل جملة واحدة، ولكن مفروقاً، مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال. قال البقاعي: "وتسميتها بالفرقان، واضح الدلالة على ذلك، فإن الكتاب ما نزل إلا للتفرقة بين الملتبسات، وتمييز الحق من الباطل، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال من الآية:42]، فلا يكون لأحد على الله حجة، ولله الحجة البالغة". مقاصد السورة قال القرطبي: "مقصود هذه السورة ذِكْرُ موضع عِظَم القرآن، وذِكْرُ مطاعن الكفار في النبوة والرد على مقالاتهم، فمن جملتها قولهم: إن القرآن افتراه محمد، وإنه ليس من عند الله". يشير القرطبي بقوله هذا إلى أن {القرآن} ذُكِرَ في هذه السورة لفظاً أو إشارة في عدة مواضع. وقال الرازي: "اعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة، وأحوال القيامة، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين، ولما كان إثبات الصانع، وإثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدماً على الكل، لا جرم افتتح الله هذه السورة بذلك، فقال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ}. يشير الرازي بقوله هذا إلى آيات التوحيد، والتنزيه التي تضمنتها هذه السورة.
ام هُمام
06-16-2018, 05:46 PM
أما ابن عاشور فقد قال: "اشتملت هذه السورة على الابتداء بتمجيد الله تعالى، وإنشاء الثناء عليه، ووصفه بصفات الإلهية والوحدانية فيها، وأدمج في ذلك التنويه بالقرآن، وجلال منزله، وما فيه من الهدى، وتعريض بالامتنان على الناس بهديه، وإرشاده إلى اتقاء المهالك، والتنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم. وأقيمت هذه السورة على ثلاث دعائم: الأولى: إثبات أن القرآن منزل من عند الله، والتنويه بالرسول المنزل عليه صلى الله عليه وسلم، ودلائل صدقه، ورفعة شأنه عن أن تكون له حظوظ الدنيا، وأنه على طريقة غيره من الرسل، ومن ذلك تلقي قومه دعوته بالتكذيب. الدعامة الثانية: إثبات البعث والجزاء، والإنذار بالجزاء في الآخرة، والتبشير بالثواب فيها للصالحين، وإنذار المشركين بسوء حظهم يومئذ، وتكون لهم الندامة على تكذيبهم الرسول وعلى إشراكهم واتباع أئمة كفرهم. الدعامة الثالثة: الاستدلال على وحدانية الله، وتفرده بالخلق، وتنزيهه عن أن يكون له ولد، أو شريك، وإبطال إلهية الأصنام، وإبطال ما زعموه من بنوة الملائكة لله تعالى. وافتتحت آيات كل دعامة من هذه الثلاث بجملة {تَبَارَكَ الَّذِي}. ولخص سيد قطب رحمه الله مقاصد هذه السورة في موضوعات أربعة رئيسة، هي: أولها: تسبيح الله وحمده على تنـزيل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون للعالمين نذيراً. وتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض، المدبر للكون بحكمة وتقدير، ونفي الولد والشريك. ثانيها: بيان تطاول المكذبين بلقاء الله على الله، وتصوير مشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة
ام هُمام
06-18-2018, 01:32 PM
ثالثها: عرض بعض المشاهد الكونية؛ تبياناً لمظاهر الإبداع في خلقه سبحانه وتكوينه، كمشهد الظل، وتعاقب الليل والنهار، والرياح المبشرة بالماء المحيي، وخلق البشر من الماء، وجعل الأنساب والمصاهرة بينهم. ومع هذا فإن الكافرين بالله يعبدون من دونه ما لا ينفعهم ولا يضرهم، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم، ويتطاولون إذا دعوا إلى عبادته سبحانه. رابعها: وصف عباد الرحمن الذين يسجدون لله سبحانه ويعبدونه، وبيان مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة. وأن باب التوبة مفتوح لمن يرغب في أن يسلك طريقة عباد الرحمن. وتصوير جزاءهم على صبرهم على تكاليف الإيمان ومتطلبات العبادة. ومن المقاصد التي اشتملت عليها السورة غير ما تقدم المقاصد التالية: - بيان أنه سبحانه نزل القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم منجماً على مراحل وفترات تثبيتاً للقلوب، وتلاوته حق تلاوته، وحفظه في الصدور. - عالمية الرسالة المحمدية، وأنها للناس كافة، وليست للعرب خاصة، قال الطيبي: مدار هذه السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الناس كافة، ينذرهم ما بين أيديهم وما خلفهم؛ ولهذا جعل براعة استهلالها قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]. - بيان أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم التبشير بما عند الله من الفوز والنجاح والفلاح لمن اتبع سبل الرشاد، والإنذار بما عنده من العقاب لمن أعرض عن شرعه. - الموازنة الأخروية بين نعيم المتقين في جنات النعيم، وعذاب الكافرين في نار الجحيم.
ام هُمام
06-23-2018, 09:01 PM
خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الدعاة بالتحلي بالصبر والمصابرة، ومجاهدة الكافرين بحجج القرآن البالغة، والأمر بالتوكل على الله، فهو سبحانه: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال من الآية:40]. - ذِكْر مصارع المكذبين من الأمم السابقة، كقوم موسى، ونوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، وما بين ذلك من قرون، وعرض نهايتهم التعيسة في سلسلة من مشاهد القيامة. - بيان صفات عباد الرحمن المتقين، وأن من صفاتهم التي استحقوا بها هذا الوصف أنهم يمشون في الأرض هوناً من غير تكبر ولا خيلاء ولا استعلاء على الناس، وأنهم يقومون من الليل طاعة له سبحانه، وأنه مقتصدون في أمرهم كله، وأنهم لا يقربون الفواحش ما ظهر منها وما بطن. - خُتمت آيات هذه السورة بالحديث عن هوان البشرية على الله سبحانه، لولا القلوب الضارعة الطائعة المستجيبة، العارفة بالله في هذا القطيع الشارد الضال من المكذبين والجاحدين
ام هُمام
06-24-2018, 05:31 PM
سورة الشعراء هي السورة السابعة والأربعون بحسب ترتيب نزول السور، وهي السورة السادسة والعشرون بحسب ترتيب المصحف العثماني. نزلت بعد سورة الواقعة، وقبل سورة النمل، وآياتها سبع وعشرون ومائتا آية. وهي مكية في قول أكثر أهل العلم. نزلت فيما يرجح إثر طلب المشركين أن يأتيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخوارق. تسميتها: اسم السورة الأشهر (الشعراء)، قال المهايمي: "سميت هذه السورة بها؛ لاختصاصها بتمييز الرسل عن الشعراء؛ لأن الشاعر إن كان كاذباً، فهو رئيس الغواة، لا يتصور منه الهداية، وإن كان صادقاً، لا يتصور منه الافتراء على الله تعالى"، يشير إلى أن ذكر الشعراء فيها، لبيان أنهم في معزل عن الرسالة وتبرئة مقام الرسول صلوات الله عليه. وقال الفيروزآبادي: "سميت سورة الشعراء؛ لاختتامها بذكرهم في قوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224]. وتسمى أيضاً سورة (الظلة)؛ لقوله تعالى فيها: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:189]. وذكر ابن كثير أنه وقع في تفسير مالك المروي عنه، تسميتها: "الجامعة". فضلها: روى الإمام أحمد، وأبو يعلى في مسنديهما، عن معقل ابن يسار رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين، والحواميم من ألواح موسى» الحديث، والشاهد قوله: «والطواسين»، والمراد سور (الشعراء، والنمل، والقصص)، حيث بدأت سورتا الشعراء والقصص بقوله سبحانه: {طسم}، وبدأت سورة النمل بقوله عز وجل: {طس}. وذكر القرطبي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أُعطيتُ مكانَ التوراةِ السبعَ الطوال، ومكانَ الزبورِ المئينَ، ومكان الإنجيلَ المثانِي، وفُضّلتُ بالمُفَصّلِ» (السلسلة الصحيحة:1480). مقصودها: مقصود سورة الشعراء على الجملة:
ام هُمام
06-25-2018, 05:33 PM
إثبات توحيد الله سبحانه. والخوف من الآخرة، والتصديق بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والتخويف من عاقبة التكذيب، إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين، وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين. أما مقصود السورة على التفصيل فجاء وفق التالي: - التنويه بالقرآن الكريم، والتعريض بعجز المشركين عن معارضته، والرد على مطاعنهم في القرآن، وأنه منزه عن أن يكون شعراً، ومن أقوال الشياطين. - تواجه السورة تكذيب مشركي قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واستهزاءهم بالنُّذر، وإعراضهم عن آيات الله، واستعجالهم بالعذاب الذي توعدهم به، مع التقول على الوحي والقرآن والادعاء بأنه سحر أو شعر، تتنزل به الشياطين! - تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقيه من إعراض قومه عن التوحيد الذي دعاهم إليه القرآن. - تهديد المشركين بسبب موقفهم من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعرضهم لغضب الله تعالى، وضرب المثل لهم بما حل بالأمم المكذبة رسلها، والمعرضة عن آيات الله. - طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين، وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين، كما ثبت من قبلهم من المؤمنين. - تضمنت السورة مناظرة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون الملعون، زعيم الطغاة وسيدهم، وذكر السحرة، ومكرهم وخداعهم في الابتداء، وإيمانهم وانقيادهم في الانتهاء.
ام هُمام
06-26-2018, 04:50 PM
هدفت السورة إلى تأكيد أن آيات الوحدانية، وصدق الرسل عديدة كافية لمن يطلب الحق، وأن أكثر المشركين لا يؤمنون، وأن الله عزيز قادر على أن ينزل بهم العذاب، وأنه رحيم برسله، ناصرهم على أعدائهم لا محال. - تضمنت السورة جملة من قصص الأقوام السابقة، وغلب على قصصها كما غلب على السورة كلها جوُّ الإنذار والتكذيب، والعذاب الذي يتبع التكذيب، وجاء ختام كل قصة بقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الشعراء:8-9]. قال الزمخشري: "كل قصة من القصص المذكورة في هذه السورة كتنزيل برأسه. وفيها من الاعتبار ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تختم بما اختتمت به صاحبتها؛ ولأن في التكرير تقريراً للمعاني في الأنفس، وتثبيتاً لها في الصدور. وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، وأبعد من النسيان؛ ولأن هذه القصص طُرقت بها آذان وَقْرٌ عن الإنصات للحق، وقلوب غُلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير، لعل ذلك يفتح أُذناً، أو يفتق ذهناً". - أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته، وأنه عليه الصلاة والسلام ما عليه إلا البلاغ. - خُتمت السورة بوعيد الظالمين، وبيان أن عاقبتهم عاقبة وخيمة، وأن ظلمهم شامل، يشمل ظلم أنفسهم بكفرهم بالله وآياته، وشامل أيضاً ظلم الآخرين، وذلك بالاعتداء على حقوق الناس.
ام هُمام
07-05-2018, 05:34 PM
سورة النمل هي السورة السابعة والعشرون بحسب ترتيب المصحف العثماني، وهي السورة الثامنة والأربعون بحسب ترتيب النزول، نزلت بعد سورة الشعراء، وقبل سورة القصص، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وهي سورة مكية بالإجماع، نص على ذلك كثير من المفسرين. وعدد آياتها ثلاث وتسعون آية. تسميتها أشهر أسمائها سورة النمل، وكذلك سُميت في (صحيح البخاري)، و(جامع الترمذي)، وتسمى أيضاً سورة سليمان، وهذان الاسمان اقتصر عليهما السيوطي في (الإتقان) وغيره. وذكر ابن العربي في (أحكام القرآن) أنها تسمى سورة الهدهد؛ ووجه الأسماء الثلاثة أن لفظ (النمل) ولفظ (الهدهد) لم يُذكرا في سورة من القرآن غيرها. قال المهايمي: "سميت بها؛ لاشتمالها على مقالتها -أي مقالة النمل لقومها- الدالة على علم الحيوان بنزاهة الأنبياء وأتباعهم، عن ارتكاب المكاره عمداً، وهو مما يوجب الثقة بهم، وهو من أعظم مقاصد القرآن". وقد قيل: سميت النمل؛ لأن قصة سليمان مع النمل أخذت حيزاً كبيراً منها. وأما تسميتها سورة سليمان؛ فلأن ما ذُكر فيها من مُلك سليمان مفصلاً، لم يُذكر مثله في غيرها. مقاصدها مقصود السورة الرئيس -كسائر السور المكية-
الزرنخي
07-06-2018, 07:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مشكورة اختي الفاضلة ام همام الله يعطيك العافية وجعله الله في موازين حسناتك
:2:
ام هُمام
07-06-2018, 12:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مشكورة اختي الفاضلة ام همام الله يعطيك العافية وجعله الله في موازين حسناتك
:2:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا على مروركم ودعائكم الطيب
ام هُمام
07-06-2018, 05:10 PM
هو العقيدة: الإيمان بالله، وعبادته وحده، والإيمان بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب، والإيمان بالوحي، وأن الغيب كله لله، لا يعلمه سواه، والإيمان بأن الله هو الخالق الرازق واهب النعم، وتوجيه القلب إلى شكر أنعم الله على البشر، والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم يأتي القصص لتثبيت هذه المعاني، وتصوير عاقبة المكذبين بها، وعاقبة المؤمنين. وتسلط السورة الضوء على العلم، حيث تبرز صفة العلم في جو السورة، تظللها في سياقها كله من المطلع إلى الختام، ويمضي سياق السورة كله في هذا الظل؛ علم الله المطلق بالظاهر والباطن، وعلمه بالغيب خاصة. وآياته الكونية التي يكشفها للناس. ومن مقصود السورة وصف القرآن الكريم بالكفاية لهداية الخلق أجمعين، بالفصل بين الصراط المستقيم، وطريق الحائرين، والجمع لأصول الدين، لإحاطة علم منزله بالخفي والمبين، وبشارة المؤمنين، ونذارة الكافرين بيوم اجتماع الأولين والآخرين، وكل ذلك يرجع إلى العلم المستلزم للحكمة. ومن مقاصدها أيضاً: الاعتبار بملك أعظم ملك أوتيه نبي، وهو مُلك داود، وملك سليمان عليهما السلام، وما بلغه من العلم بأحوال الطير، وما بلغ إليه ملكه من عظمة الحضارة. ومنها: الإشارة إلى ملك عظيم من العرب، وهو ملك سبأ، وفي ذلك إيماء إلى أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم رسالة تقارنها سياسة الأمة، ثم يعقبها ملك، وهو خلافة النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها: محاجة المشركين في بطلان دينهم وتزييف آلهتهم وإبطال أخبار كهانهم وعرافيهم، وسدنة آلهتهم.
ام هُمام
07-07-2018, 03:26 PM
وإثبات البعث وما يتقدمه من أهوال القيامة وأشراطها. ومنها: موادعة المشركين وإنباؤهم بأن شأن الرسول صلى الله عليه وسلم الاستمرار على إبلاغ القرآن، وإنذارهم بأن آيات الصدق سيشاهدونها، والله مطلع على أعمالهم. ومنها: بيان فضله سبحانه على عباده بإجابة دعوة المضطر إذا دعاه، وكشفه السوء عنه، وجعل الإنسان خليفة في الأرض. وتذكيره سبحانه عباده بهدايته لهم في ظلمات البر والبحر، وإرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته. ومنها: تذكيره سبحانه بذاته العلية؛ إذ يبدأ الخلق ثم يعيده، وبرزقه سبحانه وتعالى من السماء والأرض. ومنها: تنبيهه سبحانه عباده أنه لا يعلم من في السماء والأرض الغيب غيره، وأن أكثر العباد غافلون عن الحقائق الإيمانية التي جاءتهم بها الرسل، وعن الحقائق الكونية التي بثها سبحانه في هذا الكون، وأنهم يتداركون جهلهم عندما يبعثون، ويعلمون ما لم يكونوا علموه من قبل بالعِيان، لا بالأفهام. ومنها: أمره سبحانه وتعالى عباده أن يسيروا في الأرض؛ ليعلموا مكانهم فيها، والعبر من أهلها، إذ طغوا، وأكثروا فيها الفساد. ومنها: تذكير العباد بعلامة من علامات قيام الساعة، وهي خروج دابة من الأرض، التي تُظْهِر حقيقة المؤمن من الكافر. ومنها: بيانه سبحانه بالإشارة الواضحة حال الناس يوم الحشر، يوم الهول العظيم يوم البعث، وحالهم يوم الحساب والثواب والعقاب، وحالهم وهم يقدمون على العذاب. ويأتي ختام السورة بأمر العباد بعبادة الله وحده، الذي بيده الأمر كله، والأمر بحمده سبحانه على ما أعطاهم من نعم لا تُعدُّ ولا تحصى، وإنذار العباد بأنه سبحانه سيريهم آياته القاهرة والباهرة، فيعرفونها، ويومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً، وأنه سبحانه وتعالى ليس بغافل عما يعمل عباده، بل يعلم كل صغيرة وكبيرة، فيجازي كلاً بما عمل، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ام هُمام
07-08-2018, 06:04 PM
إطلالة على هذه السورة الكريمة سورة القصص. وهذه السورة سورة القصص هي الأخيرة من سور الطواسين والطواسين هي ثلاث سور الشعراء والنمل والقصص وقد ذكر المفسرون أنها نزلت متوالية يعني الشعراء ثم النمل ثم القصص. وفي سورة القصص واضح جدًا أن فيها بيان نصرة الله للمستضعفين ومكر الله بالمتكبرين وكيف أن الله عز وجلّ يديل هؤلاء المستضعفين إذا كانوا من المؤمنين على أولئك المستكبرين إذا كانوا من الكافرين. في أولها (طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٤﴾) بهذا العمل الذي عمله كان من المفسدين في الأرض. ما الذي دعا فرعون إلى التذبيح؟ يقال إن كاهنًا قال له إنه سيخرج من أمة بني إسرائيل المقيمة عندكم والذين كانوا يستعملون في السخرة والأعمال التي يحتاجها القبط في مصر سيخرج من بينهم رجل يكون ذهاب ملكك على يديه فأمر فرعون بأن يقتل الأبناء، ما يأتي ابن إلا ويقتل، فاستحرّ القتل في بني إسرائيل فاشتكى القبط قالوا إذا قتلتهم من ليل الخدمة فيما بعد فتدبر الأمر مع وزرائه واهتدى أن يقتل في سنة ويبقي في سنة فكان هارون ممن ولد في السنة التي يبقي فيها الأولاد وكان موسى ولد في السنة التي يذبح فيها الأولاد ولذلك خشيت أم موسى على موسى خشية عظيمة خصوصًا وأن الله عز وجلّ جعل لموسى مزية (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) [طه: 39] ما رآه أحد إلا أحبه فكانت أمه قد تعلقت تعلق الأم بوليدها إضافة إلى محبة زائدة جعلها الله عز وجلّ لموسى لم يجعلها لغيره فكانت تخفيه من الذباحين وكان من حيلها في إخفائه أنها جعلته في تابوت وجعلته في اليم
ام هُمام
07-09-2018, 06:33 PM
فإذا جاء الذباحون يبحثون عن الصبيان الذين ولدوا وضعته في التابوت ومدته في اليمّ من خلف البيت وكانت تفعل هذا مرارًا حتى إذا جاءت إحدى المرات انطلق التابوت في البحر وانفلت من الحبل ويذهب للبيت الذي كان يبحث عنه ليقتله، إذا جاء أمر الله لا راد له لا غالب لأمره ولا معقّب لحكمه، يريد الله أن ينقض ملكك سينقضه، فيأتي موسى يتهادى في تابوته حتى وصل إلى قصر فرعون وكان قصر فرعون على شفير النيل فأخذته الجواري ونظروا فإذا طفل في تابوت فجاؤوا به إلى امرأة فرعون فألقى الله محبته في قلبها فقالت إني أريد أن أتخذه ابنا ولذلك قال الله عز وجلّ (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) ويقال أنه قال أما لك فنعم وأما لي فلا، (لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) انظر كيف إذا أراد الله أمرا وقدّره هيأ له أسبابًا لا تدخل ضمن تصورات البشر، كيف هذا الابن الصغير ينفلت ويذهب إلى العدو الذي كان يذبح الناس كلهم لأجله وكأن الله عز وجلّ يقول له: لن يربى هذا الإبن إلا في بيتك وتحت عينك ومن مالك ثم يكون هلاكك على يده، طبعًا هذا قول في قصة الذبح هل هي بسبب كاهن، قيل بسبب رؤيا وقيل أنه سمع بها من بني إسرائيل عن إبراهيم عليه السلام مما نقلوه من صحف إبراهيم أن بني إسرائيل سيكون لهم هذا الأمر إذا ذهبوا إلى مصر، والله أعلم ما السبب الذي دعا فرعون لذبح الناس بهذه الطريقة لكنه طغى وبغى وفعل شيئا لم يفعله أحد قبله وهو ذبح الأطفال الصغار بحجة أنه يخشى منهم إذا كبروا. فالله عز وجلّ يقول معقبا (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴿٦﴾) الله أكبر! كأن هذه رسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستضعف بمكة يا محمد أنت الآن في حال من الضعف والضيق والاضطهاد والقلة والذلة لكن التمكين قادم ويؤكد هذا المعنى أنه في آخر السورة قال (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) قوله لرادك إلى معاد قال المفسرون لرادك إلى مكة التي خرجت منها كما أن الله مكن لموسى سيحصل أن الله يمكن لك حتى إن هؤلاء الذين سيخرجونك ستعود إليهم فاتحا قويا منتصرا فاثبت على دينك ولا يغرنك هؤلاء ويدعونك إلى شيء مما يريدونه منك. وقصة موسى في هذه السورة جاءت بشيء لم تأتي به أي سورة أخرى من مشاهد قصة موسى عليه السلام فقضية ماذا فعلت أمه وكيف وصل إلى بيت فرعون وكيف رجع إلى بيت أم موسى هذه لم ترد إلا في هذه القصة،
ام هُمام
07-10-2018, 05:21 PM
وردت إشارة يسيرة لها في سورة طه وهنا جاءت التفاصيل ومن عجائب هذه التفاصيل أن الله قال (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) لا تتخوفي من أمر المستقبل ولا تحزني على أمر فائت، لا تقلقي فإنه في معية الله (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) سنرده إليك ونجعله رسولا (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴿٨﴾) وليسوا مخطيئن لأن المخطئ من يفعل الذنب عن غير قصد. (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠﴾ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) فارغا أي قد خلا من كل شيء إلا من ذكر موسى ما تفكر في شيء في هذه الدنيا كلها إلا في موسى: ماذا حصل له؟ اين هو؟ ماذا صنع الله به؟ قال الله عز وجلّ (إن كادت) من شدة تعلقها وتفكيرها به (لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠﴾ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) قالت لأخته تتبعي أثره (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) أي عن بعد (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) هم لا يرون أنها تبحث عنه. ومن عجيب صنع الله أنه حرّم عليه المراضع جاؤوا له بالمراضع وهو يبكي يريد الحليب قالوا اعرضوه على الناس ذهبوا به إلى السوق من عنده مرضع فليأت بها جاء الناس يريدون القرب من فرعون وخدمته، عشرين من المراضع أغلق الله فمه عنهن جميعا (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) فجاءت أخت موسى فقالت (فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) قالوا ما يدريك عن هذا؟ قالت إنهم يرغبون في خدمة الملك، فتخلصت منهم بحيلة فقالوا هات هذه المرضع فنادت أمها فجاءت فلما لقمته ثديها أخذ يرضع فقالوا انتقلي معنا إلى قصر فرعون فقالت عندي صبيان وزوج لا أستطيع أن أترك بيتي فلو أنكم جعلتم الصبي عندي لرعيته لكم وقمت بحقه وهذا من حق الملك علينا فقالوا يبقى عندك ويجري الأجر لك وأنت في بيتك. قبل ساعات كانت في أشد الخوف وما تدري ماذا سيكون مصير ابنها وفي هذه اللحظة أمان،
ام هُمام
07-11-2018, 06:30 PM
ابنها عندها ورزق وجاه، الآن هي مرضعة ابن الملك كل من عنده مشكلة جاءها وقال يا فلانة توسطي لنا عند فرعون يصنعون لنا كذا. انظر تدبير المرأة أنها وضعته في تابوت تمده قليلا وترده وترضعه وهي خائفة عليها وتدبير الله مختلف تماما ينطلق إلى الخوف الذي يظن أنه هلاك يعود سالما ناجيا غانما مباركا على أهله وقد حصل له الأمن ولأهله المال والجاه، أيّ تدبير هذا؟! هذا ما يكون إلا عند الله سبحانه وتعالى جل في علاه. قال الله عز وجلّ (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤﴾) اكتمل. قال الله (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ) هو أصلا يعيش في بيت فرعون وكان بيت فرعون على عادة الملوك في ناحية المدينة فدخل موسى وهو صاحب الجاه والمنزلة يتمشى في الشوارع فوجد رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من القبط (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) موسى كان قويًا جلدًا أضف إلى ما في قلبه من العداوة والبغض لهؤلاء القبط الذين كانوا كفارا بالله عز وجلّ (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦﴾) استغفر في نفس اللحظة وهذا ما يجب على الإنسان إذا وقع في الذنب والمعصية أن لا يؤجل الاستغفار إلى وقت آخر. (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴿١٧﴾) لن أعين مجرمًا وهذا العهد أُكد في آخر السورة لكن على لسان النبي صلى الله عليه وسلم (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ﴿٨٦﴾ القصص) لا تكن معينا لهم. (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) لأنه قتل قبطيا (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) الذي استعان به بالأمس استعان يقول يا موسى هذا آخر يريد أن يؤذيني (قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) قال القبطي يا موسى أتريد أن تقتلني أو قال الإسرائيلي الذي لما جاء موسى وهو غاضب عليه يقول ما لك أنت تريد أن تفتح علينا باب شر ظن الإسرائيلي أنه سيقتله كما قتلت القبطي بالأمس فهو الذي أفشى الشر وكشف المستور (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٩﴾) بعد ذلك علم موسى أن القوم يخططون لقتله فخرج فارًّا من غير أن يكون مستعدا إلى جزيرة العرب فخرج من مصر ومشى وصل رأس العقبة سيناء إلى أرض مدين وهي منطقة حقل وما حولها وفيها بعث النبي شعيب وكان متقدما جدا وليس في عهد موسى عليه السلام. (عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) انظروا الاستعانة بالله أول ما خرج قال (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ولما توجه تلقاء مدين قال (عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ).
ام هُمام
07-12-2018, 05:33 PM
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ) جماعة من الناس (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ) تذودان أغنامهما لئلا تختلط بأغنام الناس قال ما شأنكما تنحيتما بعيدا؟ (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) حتى يذهب الناس والرعاة لأنه لا طاقة لنا بمزاحمتهما كوننا ضعيفتين وكوننا امرأتين (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) الذي حملنا على أن نتولى هذه المهمة أن أبانا شيخ كبير وإلا فالأصل أننا لا نقوم بهذا الدور الذي يقوم به الرجال. ومن دون مقدمات قدم موسى الخير لهما مباشرة (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) وسأل الله ولم يسأل الفتاتين (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) فجاءت الإجابة من الله مباشرة (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) كأنها من شدة الاستحياء قد ركبت عليه. (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) هذه المنطقة لا تقع تحت حكم فرعون. (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦﴾) يقال أنه قيل لها كيف عرفت أنه القوي الأمين؟ قالت أما قوته فكونه كشف غطاء البئر وحده وسقى لهما وأما أمانته فلما ذهبت إليه وأردت أن أدله على البيت قال امشِ ورائي ولا تمشي أمامي فإني رجل عبراني لا أنظر إلى أدبار النساء فكانت تدله على بيت أهلها بالصوت (لف يمين، لف يسار) وما تقدمت عليه من أجل أن تدله على البيت، هو الآن في حال معذور لو لم يفعل شيئا من ذلك لكن هذه هي التقوى التي تلازم الإنسان وتصاحبه في كل أحواله. قال (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) يقول هذا الشيخ الكبير، من هو هذا الشيخ؟ كثير من الناس يقول هذا شعيب ، هذا غير صحيح ولا يمكن لأن شعيب متقدم جدا، شعيب جاء بعد لوط بعد إبراهيم عليه السلام والآن زمن موسى يعني بعد مئات السنين، لا يمكن أن يكون شعيب، إنما هو رجل صالح في مدين والذي جعل الناس يقولون أنه شعيب أنه من مدين لكن ليس كل صالح في مدين هو شعيب! مدين فيها أناس آخرين صالحين
ام هُمام
07-13-2018, 04:15 PM
ولو كان شعيب لصرّح الله به لأن هذا شرف له وشرف لموسى أن يكون صهرا لنبي ولم يذكر أن موسى تزوج ابنة نبي وإنما تزوج ابنة هذا الرجل الصالح الذي قال ابن عباس أن اسمه يثرون وقيل يثرى ولم يروى أنه شعيب إلا عن الحسن ثم اشتهر عند المتأخرين والصحيح أنه ليس شعيبا ولا ينبغي أن يكون شعيبا. المهر ثمان سنوات قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧﴾) البعض قد يقول هذا مهر غالي يشتغل ثماني عشر سنوات فقط لأجل أن يتزوج ابنته! هذا ليس زواجًا فقط، هذا سكن، كفالة كاملة وموسى في خفارة شعيب وذمته فهو لا يستطيع البقاء في مدين وهو غريب عنهم، فقد يؤسر وقد يُسترق ولكن كونه في حمى هذا الرجل الصالح جعل هذا المهر أضف إلى ذلك أن النساء ترتفع مهورهن وتنخفض بحسب كثرتهن وقلتهن بحسب العرض والطلب، إذا قل عددهن ارتفعت مهورهن وإذا كثر النساء صار الناس يريدون تزويج بناتهن بأي ثمن. (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴿٢٨﴾ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ) لا يليق بموسى إلا أن يقضي عشر سنوات لأنه كامل الأخلاق عظيم المروءة فلا يليق به إلا الفعل الطيب والإحسان الذي يحبه الله من عباده المحسنين.
ام هُمام
07-14-2018, 05:03 PM
ثم جاءت قصة تكليف موسى بالرسالة وما وراء ذلك إلى آخر السورة حيث ذكر الله فيها قصة أخرى في نفس الموضوع العلو في الأرض وذهاب هؤلاء المستكبرين (إِنَّ قَارُونَ) أولئك من القبط وقارون من بي إسرائيل ليس من القبط، وقارون آتاه الله مالًا عظيما حتى ذكر الله (وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) لو هناك عصبة من الرجال أصحاب قوة يثقل عليهم حمل مفاتيح خزائن قارون، المفاتيح فقط حملها يثقل على العصبة أولو القوة من كثرة ماله. هذا المال الكثير أصابه بالطغيان والجبروت حتى إنه قال (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) هذا بذكائي وتخطيطي وحسن تدبري (أ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿٧٨﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٧٩﴾) يا أيها المسلمون المستضعفون في مكة لا يغرنّكم ما عليه الكفار من ملك ونعيم وتمكن وملك وسلطان فالله عز وجلّ قريبا ما يعذبهم ويسلبهم النعمة قال الله عز وجلّ (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴿٨٠﴾ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴿٨١﴾ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٢﴾ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٨٣﴾). السورة تدور حول تمكين المستضعفين من المؤمنين وإهلاك المستكبرين حتى ولو كانت أصولهم إسلامية يهلكهم الله، هذا ما تدور حوله سورة القصص ولذلك هي سورة عظيمة ومعبرة عن هذا المعنى بوضوح.
ام هُمام
07-15-2018, 03:48 PM
سورة العنكبوت
ننتقل إلى سورة العنكبوت. سورة العنكبوت سميت بذلك لأن الله عز وجلّ ذكر فيها هذه الحشرة وهي العنكبوت وافتتحت بقوله (الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾) هذه الافتتاحية مغايرة لافتتاحيات كل السور الـ 29 التي افتتحها الله بالحروف المقطعة، الغالب أنه إذا افتتحت سورة بالحروف المقطعة أن يُذكر بعدها القرآن (الم ذلك الكتاب) (ص والقرآن ذي الذكر) هنا ما جاء ذكر القرآن لا في هذه السورة ولا في سورة الروم فهما مستثنيتان من السور الـ 29 التي افتتحت بالحروف المقطعة من سور القرآن.
تتحدث هذه السورة أن هذا الدين بعقائده وشرائعه لا يأخذه إنسان إلا ولا بد أن يبتلى لينظر الله من هو الصادق في أخذه ومن هو الكاذب وأن المسألة ليست هينة لن يكون تمكين إلا بصبر ولا يكون صبر إلا أن يكون ببلاء. قال الله عز وجلّ (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾) وذكر الله عز وجلّ أن (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) يرى أن العذاب الذي يأتيه أو الطرد والإبعاد أو الهجرة من بلده أو أخذ ماله أو حبسه مثل عذاب الله لذلك مستعد أن يضحي بهذا الدين قال الله عز وجلّ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴿١٠﴾ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴿١١﴾).
ام هُمام
07-16-2018, 07:52 PM
ثم ذكر قصة نوح وقصة إبراهيم وقصة لوط ثم عرّج على بعض الأمم التي ذكرت كيف أن الله ابتلاهم وفتنهم، في قصة نوح (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٤﴾) وهو صابر يدعو ويجاهد ويرابط، اصبر أنت يا عبد الله، مهما صبرت لن تبلغ عشر معشار ما حصل لنوح من الأذى والشدّة وطول الزمان.
ثم ختمت السورة ببيان أن من صبر وصابر فإن الله لا بد أن يمكّنه ويهديه قال الله عز وجلّ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿٥٨﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٥٩﴾) ثم في آخر السورة قال الله عز وجلّ (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩﴾) فعلينا أن نجاهد ونثبت ونصبر ليهدينا الله عز وجلّ الطريق الأقوم والسبيل الهادي وإن الله لمع المحسنين.
ام هُمام
07-18-2018, 11:31 AM
سورة الروم
سورة الروم مناسبة تمام المناسبة لختام سورة العنكبوت، فإنه في سورة العنكبوت ختمت بقوله جلّ وعلا (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩﴾) فالله سبحانه وتعالى يهدي من جاهد في سبيله وحرص على إقامة الحق. وفي أول هذه السورة بين الله جلّ وعلا أن الروم ستُغلب ثم من بعد ذلك ستغلِب وكان المؤمنون يتمنون أن تغلب الروم الفرس لأن الروم أهل كتاب والفرس وثنيون ليس عندهم كتاب وأهل الإيمان يفرّقون بين الناس ولو كانوا كفارا لأن من كان عنده بعض الحق خير ممن ليس عنده شيء من الحق، ولذلك قال الله عز وجلّ (الم ﴿١﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ) البضع يكون من الثلاث إلى التسع (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٥﴾) لما غلب الفرس الروم فرح المشركون بمكة وأظهروا العلو على المؤمنين فأنزل الله هذه الآيات وكان المشركون يستغربون كيف أن القرآن يتنبأ بنصر الروم، فنصر الله عز وجلّ الروم وكان في ذلك دلالة على مصداقية هذا الكتاب. والسورة كلها تتحدث عما تتحدث به السور المكية من الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالبعث وأن من استمسك بالله عز وجلّ نصره الله جلّ وعلا، هذا حديث هذه السورة العظيمة من أولها إلى آخرها.
ام هُمام
07-19-2018, 05:24 PM
سورة لقمان
ثم بعد ذلك تأتي سورة لقمان وهذه السورة هي سورة مكية وهي أيضًا مفتتحة بـ(الم) والسور المفتتحة بـ (الم) ست سور هي سورة البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة وتسمى عند العلماء باللواميم. وهذه السورة ظاهر فيها أنها تؤكد على أمر الحكمة فقد جاءت بالحكمة وافتتحت بقول الله عز وجلّ (الم ﴿١﴾ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾) وذكرت بعد ذلك أفعال الحكيم كونه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وأنه لا يشتري لهو الحديث ليُضلّ عن سبيل الله بير علم ولا يولي عن آيات الله مستكبرا كأن لم يسمعها. ثم ذكرت نموذجا للحكمة في لقمان هذا الرجل الصالح الذي لم يكن نبيا وكان رجلا نوبيا في عهد داوود عليه السلام آتاه الله الحكمة فكان ينطق بها ويفعلها. والحكيم كما يقول العلماء هو الرجل الذي يصيب في القول والفعل فهو الحكيم وليست الحكمة مقصورة على الإتيان بالشيء المناسب في الوقت المناسب أو وضع الشيء موضعه بل حتى في عمل الإنسان وفي اعتقاده وفي كلامه كل ذلك داخل في ميدان الحكمة. ذكر الله تعالى نموذجًا عظيمًا للحكمة في لقمان قال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) وهذا يدل على أن الحكمة من الله يؤتيها من يشاء من عباده وعلى الإنسان أن يسأل الله عز وجلّ أن يؤتيه الحكمة. ثم بيّن اقتران الحكمة بأمر وهو الشكر فالشاكر هو الذي يرزق الحكمة قال الل عز وجلّ (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿١٢﴾) وذكر الله عز وجلّ أن لقمان من حكمته وعظ ابنه (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) أول ما يبدأ به وتعرف به حكمة الإنسان أن يكون إنسانًا موحدًا لله جلّ وعلا وأن لا يضع عبادته وعبوديته لغير الله جلّ وعلا. ثم ذكر الله تعالى بعد ذلك الوصية بالوالدين (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿١٤﴾). ثم قال لقمان (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿١٦﴾) هذا من الحكمة وهو أن تعرف الله عز وجلّ حق المعرفة وتعلم أنه مطلع عليك، عالم بك لا تخفى عليه من شؤونك خافية ومن امتلأ قلبه بهذا صار أكثر الناس استقامة على الطريق إذا راقب الله في كل تصرفاته وأعماله.
ام هُمام
07-20-2018, 02:18 PM
بعد ما انتهى من تأسيس الاعتقاد في النهي عن الشرك والذكير بما يجب لله من الحق بدأ بالأوامر والنواهي (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) لاحظ الحكمة في ترتيبها: أمره بالصلاة ثم أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم أمره بالصبر على ما أصابه أنه قلّ أن يأمر إنسان بالمعروف أو ينهى عن المنكر إلا ولا بد أن يصيبه شيء من الأذى الذي يكون من الناس (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي من الأمور التي يعزم عليه لأنها عظيمة القدر عند الله عز وجلّ. وبعدما انتهى من الواجبات انتقل للآداب والأخلاق (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿١٨﴾) لا تصعر خدكـ تصعير الخد هي إمالته على وجه الكبر (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) تمشي مشية الفرح البطر الذي لا يتذكر الآخرة ولا يخاف من الله عز وجلّ لا يتواضع لعباد الله (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) امشِ مشيا قصدا لا السريع الذي يعاب على الإنسان ويخل بوقاره ولا البطيء الذي يدل على تماوته (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) لا ترفع صوتك فوق الحاجة (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) هذه هي خلاصة ما جاء في هذه القصة قصة لقمان الحكيم وما أوصى به ابنه فهي نموذج من نماذج الحكمة التي تُحتذى. وسارت السورة في بقيتها في الدلالة على الله عز وجلّ وتوحيده وبيان حقه جلّ وعلا الذي يعتبر هو أساس الحكمة وأصلها. وختمت بقوله جلّ وعلا (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿٣٤﴾) هذه الخمسة هي مفاتح الغيب المذكورة في سورة الأنعام (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)) قال النبي صلى الله عليه وسلم مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا هذه الاية في سورة لقمان.
ام هُمام
07-21-2018, 05:05 PM
سورة السجدة
بعد ذلك سورة السجدة وتسمى سورة السجدة لأن فيها سجدة وتسمى الم السجدة لتكون مخالفة لسورة فصلت التي تسمى حم السجدة، وتسمى الم تنزيل لأنه لا يوجد في القرآن (الم تنزيل) إلا هي وتسمى أيضًا سورة المضاجع لقول الله عز وجلّ (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿١٦﴾) وأيضًا يسميها بعض العلماء السورة المنجية لحديث ورد في كونها من أسباب نجاة الإنسان من عذاب الله عز وجلّ
وهذه السورة تتميز في أنها تُقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة يقرأها الإمام مع سورة الإنسان. والحكمة في قرآءتها يوم الجمعة أن فيها تذكير ببداية خلق الإنسان وببعثه، وكلامهما مما حدث في يوم الجمعة، آدم خلق يوم الجمعة نفخت فيه الروح يوم الجمعة والبعث أو يوم الساعة سيكون يوم الجمعة ولذلك تُقرأ هاتان السورتان لأن فيهما تذكير ببداية خلق الإنسان وبداية بعثه ففي سورة الإنسان (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) هذه بداية خلق الإنسان (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٢﴾ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ﴿٤﴾ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾) وهذه فيها ذكر الآخرة أو البعث بعد الموت.
ام هُمام
07-22-2018, 05:53 PM
والسورة تتحدث عما تتحدث عنه السور المكية من التعريف بالله جلّ وعلا وبيان توحيده والإيمان باليوم الآخر والفرق بين العاملين والمستنكفين عن طاعة الله جلّ وعلا يقول الله عز وجلّ في حق أولئك (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾) ثم يذكر الصنف الآخر وهو الذين استجابوا وآمنوا (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿١٥﴾) ثم وصفهم بقوله (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) مع شدة حاجتها للمضاجع فإنها تتجافى عنها أي تتباعد طلبًا لما عند الله جلّ وعلا (خَوْفًا وَطَمَعًا) يخافون شيئا ويطمعون في شيء آخر، الذي يخافون منه هو النار والذي يطمعون فيه هو الجنة، ما أقامهم في ظلمة الليل وجعلهم يبتعدون عن فرشهم ومحل شهواتهم إلا هذا الأمر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أولئك الذين قال الله فيهم (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿١٦﴾). ماذا لهم يا ربنا؟ جزاء مفرح جدا قال (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) كما أنهم تركوا قرة العين بالنوم والتلذذ بما في الفراش فإن الله سبحانه وتعالى يجعل لهم قرة العين يوم القيامة. فقرّة العين ستكون لأولئك الذين تركوا قرّة العين لمن أجل الله جزاء من جنس العمل، (مَا أُخْفِيَ لَهُمْ) ما أحد يعلم وما أحد يستطيع أن يتصور ماذا أعد الله لهؤلاء الذين تركوا شهواتهم وملذاتهم وراحة أبدانهم من أجل ربهم يدعونه خوفا وطمعا أسال الله أن يجعلنا كذلك.
ام هُمام
07-23-2018, 05:18 PM
(جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) كما تركوا قرة العين نعطيهم قرة العين تقر عيونهم بشيء لا يتصورونه ولا يتوقعونه ولا يدور في خلد أحد مهما بلغ من سعة الخيال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. لو تجلس أنت ومائة من أصحابك المفكرين لتحاولوا أن تتخيلوا كيف سيكون النعيم في الجنة فإن كل خيال لو جُمع لا يمكن أن يبلغ شيئا مما فيها لأن الذي في الجنة فوق الخيال، الأمر في الجزاء أعظم بكثير مما يتوقعه الإنسان ولذلك عبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التعبير البليغ الذي يرويه عن ربه جلّ وعلا: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
قال الله عز وجلّ (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴿١٨﴾ أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى) المآل والمقام والمقر (نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) بسبب أعمالهم التي أسلفوها في الدنيا (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ) قال العلماء العذاب الأدنى يراد به عذاب القبر (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢١﴾) أو العذاب الذي سيكون لهم في الدنيا من الجوع والضر والبلاء.
ام هُمام
07-24-2018, 05:00 PM
سورة الأحزاب
ثم بعد ذلك تأتي سورة الأحزاب وقدد افتتحت بقول الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) هذه السورة كانت طويلة جدا حتى قال أبي بن كعب: كانت لتعدل سورة البقرة بينما هي الآن في ثلاث وسبعين آية وتسمى سورة الأحزاب وهذا اسمها المشهور والسبب أن الله عز وجلّ ذكر فيها قصة الأحزاب لما قال الله عز وجلّ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٩﴾) وقال الله عز وجلّ (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿٢٢﴾).
هذه السورة افتتحت بقوله (يا أيها النبي) والسور التي افتتحت بقوله (يا أيها النبي) الأحزاب والطلاق والتحريم، ثلاث سور ولذلك بعض الناس يسمي هذه السورة سورة النبي لأن هذه السورة اختصت بذكر حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يذكر في سورة أخرى في القرآن. يقول الله عز وجلّ له (يا أيها النبي) افتتح السورة بخطابه عليه الصلاة والسلام (يا أيها النبي) ثم يقول (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) وهذه نزلت في حق النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان مدّعيا لزيد أو متبنيًا لزيد ابنًأ له على عادة العرب في الجاهلية. ثم قال سبحانه وتعالى (النبي أولى بالمؤمنين وأزواجه( حق أزواجه (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا). ثم ذكر الله عز وجلّ بعد ذلك أولي العزم من الرسل وهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى قال (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴿٧﴾) وما جمع أولي العزم من الرسل إلا في هذه السورة وفي سورة الشورى. قال (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٨﴾) هذه الآية مما يخيف، في يوم القيامة سيُسأل الصادق عن صدقه، لن يسأل المكذب أو الكافر أو المشرك حتى الصادق يُسأل عن صدقه والمظلوم يُسأل عن مظلمته،
ام هُمام
07-25-2018, 06:23 PM
(وإذا المؤؤدة سئلت بأي ذنب قتلت) يؤتى بالمؤودة هذه الطفلة الصغيرة التي دفنت وهي حية فتُسأل حتى المؤودة تُسأل لماذا وئدت؟ فتقول سل من وأدني، فإذا كان الصادق والمظلوم سيُسأل فما بالك بالظالم والمعتدي والأفّاك والأثيم والكافر من باب أولى، حتى النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل: هل بلّغت؟ يقول نعم يا رب قد بلغت، يقول من يشهد له؟ فتشهد له أمته نشهد يا ربنا أن هذا النبي قد بلّغنا ويشهد له إخوانه الأنبياء، لن يسلم أحد من السؤال.
ثم ذكر غزوة الأحزاب وكيف أن الله عز وجلّ نصر نبيه نصرا عجيبا عندما تكالب عليه الأحزاب وأطافوا به وكادوا أن يهلكوه هو وأصحابه طافوا به من كل جانب فنصره الله عز وجلّ بجند واحد من جنده وهو الريح ولذلك قال مذكّرًا بهذه النعمة على رسوله ومبينًا عظمة هذا الرسول عنده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٩﴾ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴿١٠﴾) تدور الأبصار في محاجرها من شدة الخوف وارتفعت القلوب حتى وصلت إلى حناجركم من شدة ما أصابها من الهلع (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴿١١﴾) واستمرت السورة تذكر هذه القصة العظيمة وهي غزوة الأحزاب إلى أن ذكر الله عز وجلّ قوله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴿٢١﴾ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿٢٢﴾)
ام هُمام
07-26-2018, 05:01 PM
ثم قال الله عز وجلّ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿٢٣﴾) من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه يعني أبانوا لله عن صدق إيمانهم كانوا عاهدوا الله على السمع والطاعة والبذل وعلى نصرة نبيهم صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء فصدقوا ومنهم طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه الذي بايع وأسلم إسلامًا حسنًا ولما جاءت غزوة أحد وقف كالدرع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحميه بجسده وهذا شيء لا يكاد يصبر عليه أحد حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم من سرّه أن ينظر إلى رجل قد صدق ما عاهد الله عليه فقضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله، لأنه وقف موقفا لا يستطيع أن يصبر عليه، أن تقف فتُقتل أفضل من أن تقف بصدرك عاريًا ليكون درعًا للنبي صلى الله عليه وسلم والسهام تنغرس فيه من يمين ويسار وهو ثابت لا يتحرك ولا يتزلزل. (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) ما غيروا شيئا مما عاهدوا الله عليه.
بعد ما انتهى من هذا جاء إلى حق النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه، ما هو حقه على أزواجه؟ قال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿٢٨﴾) من كانت منكن تريد السعة في الرزق وبيت حسن وأشياء جميلة فهذه لا يمكن أن تبقى معي لأني أنا ما جئت لعمارة الدنيا أنا أمتعها متاعا حسنا وأسرحها سراحًا جميلا (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾)
ام هُمام
07-27-2018, 03:10 PM
ثم لما انتهى من هذا جاء إلى قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴿٣٦﴾) حقه في السمع والطاعة ثم جاء إلى أمر الله للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينتفي من متبناه انتفاء عمليًا ليس فقط أن يقول للناس هذا زيد ابن حارثة وليس ابن محمد، هذه المرأة التي طلقها زيد تزوجها يا محمد حتى يبطل التبني ولا يقال أن هذا كان والدًا لفلان، انتهى وكأنه أجنبي عنه تمامًأ وهذا كان شديدًا على الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك سمع وأطاع (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) أخفى في نفسه أن الله تعالى أخبره أنه ستكون زوجا لها فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يريد أن يخبر أحدا بذلك ويتمنى أن ينسخ الله هذا الأمر (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) الزواج تم في السماء لذلك دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم من غير عقد ولا وليّ وما على النبي إلا أن يسمع ويطيع.
ثم قال الله عز وجلّ (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٤٠﴾) ثم قال الله عز وجلّ بعد ذلك مبينًا ماذا له من الزوجات (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٥٠﴾) وما له على زوجاته حتى القسم ليس واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم من حقه على زوجاته أنه لا يجب عليه لهن حق بالقسم لذلك قال الله تعالى له (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) يعني إن شئت أن تضم هذه إليك فتجعل لهذه ليلة وهذه ما تجعل لها ليلة من حقك حتى لا يضيق صدرك بالعدل بينهن ولكن النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الله عز وجلّ خيره وأباح له ما يشاء كان يقسم بينهن بالسوية.
ام هُمام
07-28-2018, 05:07 PM
ثم ذكر الله من حقوقه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) غير ناظرين نضجه، لا تدخلوا مبكرين ادخلوا عندما يقال لكم تفضلوا، بيت النبي صلى الله عليه وسلم كله مترين في ثلاثة والصحابة يرغبون في الجلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا دخلوا ضاق عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أهله البيت فنهاهم الله تعالى أن يدخلوا إلا أن يؤذن لهم إلى طعام غير ناظرين نضحه (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) لا يستطيع أن يقول لكم قوموا (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)
ثم جاء إلى زوجاته ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) كل السورة تدور حول حق النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن أذاه. قال (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) قال رجل من الصحابة: لئن مات النبي صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة فأنزل الله قوله (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) لا يليق بكم أن تخلفوه على زوجاته (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)
ثم انتقلت إلى بيان مقام عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن الله ربكم يصلي ويسلّم عليه (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) وبعدما ذكر أنه يصلي عليه قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) لكم أن تأتسوا بربكم فما أمرنا بذلك قبل أن يفعله ربنا سبحانه وتعالى قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). ثم قال (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴿٥٧﴾) ولما ذكر أذى النبي ذكر أذى المؤمنين فقال (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿٥٨﴾) وهذه الآية فيها تحريم الأذى بكل صوره وأنواعه حتى الذي يؤذي الناس برائحة جسده في المسجد داخل في هذه الآية لا يجوز أن تؤذي المؤمنين بأية صورة من الأذى.
ام هُمام
07-29-2018, 05:48 PM
ثم قال الله عز وجلّ له بعد ذلك، جاءت الآية وهي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴿٦٩﴾) نهاهم الله جميعا عن أذى نبيه كما فعل بنو إسرائيل عندما آذوا موسى، كانوا يقولون إن موسى آذر يعني عظيم الخصية بسبب مرض يصيب الرجال فأراد الله عز وجلّ أن يبين لهم، لماذا كانوا يقولون له ذلك؟ كان بنو إسرائيل يغتسلون وإذا سبحوا يسبحون سويا عراة أما موسى فلم يكن يفعل ذلك بل إذا أراد أن يقضي الحاجة أبعد، فكانوا يقولون ما ان يحمله على ذلك إلا أنه آذر أي عظيم الخصية، فأراد الله أن يبين لهم أن الأمر ليس كذلك، ذهب موسى ليقضي الحاجة فوضع ثيابه فأخذ حجر ثوبه فيقول ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى أقبل على بني إسرائيل وهو يلحق الثوب فرأوه وإذا به مثلهم فبين الله لهم أنه لم يفعل هذا الفعل من أجل عيب في خلقته ولكن لأنه كان يريد أن يستتر لأن هذا هو الأكمل وهذه هي الفطرة فالله تعالى ينهى المؤمنين ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴿٦٩﴾)
ثم ختتمت السورة بمثل ما افتتحت به لكن افتتحت بقوله (يا ايها النبي ) وختمت بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾) لا تتكلموا بكلمة إلا وهي موافقة للحق (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧١﴾).
ثم قال الله عز وجلّ الآية الشديدة على أهل الإيمان (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ)الأمانة هي الدين (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٧٣﴾).
ام هُمام
07-30-2018, 06:24 PM
سورة سبأ
سورة سبأ هذه السورة الكريمة من السور المكية التي نزلت بمكة اتفاقًا وافتتحت بقول الله عز وجلّ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١﴾) وقد بّينا مرارًا أن السور التي افتتحت بالحمد خمس: سورة الفاتحة وسورة الأنعام وسورة الكهف وسورة سبأ وسورة فاطر. وافتتاحها بالحمد هو أحد الصيغ التي افتتحت بها سور القرآن وهو صيغة الثناء على الله عز وجلّ فمنه الحمد ومنه التسبيح في سبع سور جاءت وذكرناها في مجلس ماضي. وافتتاحها بالحمد مناسبة لختام سورة الأحزاب لأن الله قال (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٧٣﴾) – (الحمد لله) فالحمد كله لله في حكمه وأمره وخبره ووحيه وفي خلقه وتدبيره فهو الذي فصل بين الخلائق جعل هؤلاء مشركين وهؤلاء منافقين وهؤلاء مؤمنين صادقين وأعطى كُلًا جزاءه بحكمة وعدل تام.
موضوعات سورة سبأ هي موضوعات السور المكية تناقش قضية اليوم الآخر والإيمان برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان بالقرآن وأنه من عند الله وما سيحصل بين الكفار من حوارات في نار جهنم متخذة أسلوبا جديدا في بيان هذه الأمور وعاقبتها وهو أسلوب شكر الله على نعمه، فالسورة افتتحت (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١﴾ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي) قَسَم، قل يا محمد (بلى) ستأتي الساعة (وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) لماذا؟ (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾) وتستمر الآيات في ذكر العقائد المهمة والعظيمة التي يحتاجها الخلق ومن أعظمها وأجلّها قضية الإيمان باليوم الآخر لأنها مفرق طريق إذا آمنت باليوم الآخر صلحت أحوالك واستقمت وإذا لم تؤمن باليوم الآخر أصبحت وحشًا في صورة إنسان لأنك تريد أن تنهش وأن تأكل بقدر ما تستطيع بغض النظر عما سيحدث لأنك تعتقد أنك ميت وستفنى وأن هذه هي دار اللذة والشهوة والحياة الحقيقية عندك أما إذا آمنت بالآخرة وعلمت أن الدنيا ممر وأنها ظل زائل وأنها قصيرة جدًا بالنسبة لما ستعيشه غدا ستتغير كل أعمالك وتصرفاتك ولن يحدث عندك شيء من ذلك.
ام هُمام
07-31-2018, 04:12 PM
اتخذت السورة أسلوبًا جديدًا في الإقناع بهذه العقائد، ذكر من أنعم الله عليهم فشكروا ومن أنعم الله عليهم فكفروا وهذا الأسلوب في المقابلة أسلوب تميزت به السورة، يقول الله مبينا عبيدا من عباده أوتوا من الدنيا ومن سعتها شيئا مهولا فشكروا واتخذوه سلمًا إلى الآخرة قال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) كانت الجبال ترجّع مع داوود إذا قرأ الزبور وحتى الطير ترجّع معه وهذه آية عجيبة لداوود عليه السلام (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) كان داوود عليه السلام يفعل بالحديد ما يشاء بيده من دون نار مما جعله الله له من القوة والشأن وأن هذه المخلوقات لله يضع مفاتيحها والقدرة على التصرف فيها بيد من يشاء من عباده. (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) اعمل دروعًا سابغات واجعل كل حلقة مثل الحلقة الأخرى تدخل فيها بحيث يتكون هذا الدرع الحديدي الذي يلبسه المقاتل وداود أول من صنع الدروع في العالم فصناعة الدروع يعود الفضل فيها إلى هذا النبي الكريم المجاهد في سبيل الله. ما هو المقابل لهذه النعم التي اسبغها الله تعالى عليك يا داوود؟ (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١﴾) أي سأحاسبكم على كل نعمة أنعمت بها عليكم بأن تقابلوها بالعمل فا هو العمل؟ اعملوا صالحا وهكذا كل نعمة ينعمها الله عليك لا بد أن تقابلها بعمل فإن لم تقابلها بعمل فقد كفرت شكرها فلا تتأسف إذا سلبها الله منك وإذا شكرتها فترقب المزيد (ولئن شكرتم لأزيدنكم) ويأتي بها بصيغة القسم أي: والله لأزيدنكم. هذا في جانب داوود وأما سليمان قال الله عز وجلّ (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) أي أنها تسير في الصباح مسيرة شهر، المسيرة التي تسيرها الإنسان في شهر، الريح تحمل سليمان وجنوده في الصباح فتذهب بهم إلى مكان يسير إليه السائرون مسيرة شهر وفي المساء مسيرة شهر فكانت تنقل سليمان من بلاد الشام إلى اليمن في الصباح وتعود بهم في المساء،
ام هُمام
08-01-2018, 05:14 PM
تنقل بمئات الألوف يجلسون على هذا البساط من الريح فتنقلهم بجنوده وأسلحتهم وأمتعتهم وبأنواع ما أوتي سليمان من الجنود الطير الحيوانات الإنس والجن فأوتي ملكا لم يؤته أحدا من العالمين قال في دعائه (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) ص) فلم يؤتي الله هذا الملك لأحد بعد سليمان. (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) النحاس يتصرف فيه كيف يشاء (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) حتى الجن سخّروا له (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) ص) يأمر الشياطين أحضروا لي اللؤلؤ والمرجان من المحيط يحضروا له ما يشاء مما يشاء من بواطن البحر، أيّ آية أعظم وأيّ ملك أشد وأعظم من هذا الملك الذي أوتيه سليمان، بأيّ شيء قابل سليمان نعمة الله عليه؟ هل قال أرأيتم إلى ملكنا العريض، انظروا إلى قوتنا ماذا صنعنا لكم؟ لا، كل هذا ينسب فيه الفضل إلى الله تعالى هذا هو الشكر أن تنسب الشكر إلى الله ثانيًا أن تسخرها في طاعة الله إن لم تفعل هاتين فما شكرت نعمة الله.
(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) قدور عنده مثل الجابية التي تملأ بالماء عنده قدر مثله يطعم مائة ألف من قدر واحد (اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا) فسمى عملهم شكرًا منها استدل العلماء على أن الشكر يكون بالعمل (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) السورة مدارها على هذا أن يا عبادي أتيتكم بشرائع وعقائد سهلة يسيرة وأتيتكم بحجج ودلائل وبراهين وأنزلت عليكم كتب وأرسلت إليكم رسل دعوتكم إلى الحق بلين ورحمة ومع ذلك أنعمت عليكم أعطيتكم وكل هذا قابلتموه بالجحود والكفران. قال الله عز وجلّ (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) الشياطين كانوا يعملون في بناء مدينة كاملة لفهم بها وكانوا مجهدين في العمل وكان عادة سليمان أن يطيل في صلاته ويتكئ على عصاه فكانت الجن ترقب سليمان من زمن فيظنونه يصلي وهو مات حتى إن الدويبة التي تأكل الخشب عدت على العصا أكلت العصا فما شعر الناس إلا وسليمان يخرّ ميتا مما يدل على أنه مات منذ زمن وهم لا يعلمون فالله استدل بهذا أن الجن ما عندهم من علم الله شيء قال (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴿١٤﴾) أنتم أيها المشركون تعظمون من شأن هذه الشياطين وتفعلون ما ذكره الله عنهم في سورة الجن (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴿٦﴾) وتخافون منهم خوفا شديدا وتظنون أن عندهم من الإمكانات والقدرات ما ليس عند غيرهم، لا، تراهم خلق ضعيف من خلق الله عز وجلّ ليس بأيديهم شيء، وإلا كيف لبثوا في العذاب المهين وسليمان ميت كان يفترض أن يتوقفوا من أول لحظة مات فيها سليمان.
ام هُمام
08-02-2018, 06:28 PM
انتهت صفحة الشاكرين، الآن خذوا صفحة أخرى صفحة الكافرين أنعم الله عليهم فقابلوا نعمة الله بالكفران والجحود والملل، حتى نعمة الله ضجروا منها، (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ) أمة كانت في اليمن (فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ) على شفير الوادي (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) هذا المطلوب (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) حتى لو عصيتم ثم أقبلتم غفر الله لكم (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) كان عندهم سد يقال له سد مأرب وهذا السد كان مليئا بالماء فالله عز وجلّ نقضه عليهم بحكمه وعدله جزاء لهم على مفرهم فجاء على جنانهم فأعدمها وأهلكها كلها قال (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) أشجار لا تغني ولا تثمر، الجنات والغابات بدلت كلها بالأصل والسدر المليء بالشوك والأشجار التي لا تنفع (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا) ليس جزاء بدون مقدمات وأسباب (بما كفروا) (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) ثم يقول الله تعالى مبينا نعمته عليهم (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ) قرى الشام، كان الرجل من أهل سبأ يخرج راجلا في ظل الأشجار ويأكل الثمار إلى أن يصل إلى الشام، تصوروا مسافة أكثر من ألفي كيلومتر من اليمن إلى أن يصل إلى القرى التي باركنا فيها وهي الشام يمشي الإنسان في ظل الشجر ويأكل من الثمر لا يحمل زادا ولا يركب بعيرا، (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ) حتى السير فيها مقدر له محطات يستطيع الإنسان أن يعرف متى يصل الأرض المباركة، وكل ليلة يعرف أين يصل حتى يصل إلى بلاد الشام وهذه من النعم العظيمة التي أنعمها الله عليهم، (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ) لا يخافون شيئا (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) يريدون سفرا فيه تعب وتصيبنا المشقة من شدة مللهم من نعمة الله عليهم وعدم تصورهم للمشقة التي ستحدث لهم لو أزال الله عنهم النعمة. (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) خرج هؤلاء اليمنيون من بلادهم فانتشروا في جزيرة العرب حتى وصلوا حدود فارس وحدود الروم وكثير من قبائل العرب ما خرجت إلا بعد ما حصل في سد مأرب (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) آية عظيمة.
ام هُمام
08-03-2018, 04:07 PM
ثم تعود السورة مرة أخرى إلى ذكر العقائد التي يجب الإيمان بها منها بيان توحيد الله عز وجلّ (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴿٢٢﴾ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٢٣﴾۞ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٢٤﴾ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٥﴾ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴿٢٦﴾ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٧﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٩﴾) يوم القيامة أو العذاب (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٩﴾ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ﴿٣٠﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ) يذكر الله عقائدهم ومواقفهم مما جاءهم من كتاب الله ومن رسل الله كيف مفروا بها ثم يذكر الله عز وجلّ ما يحدث بينهم من حوارات حينما يتبرأ الأتباع من المتبوعين كل واحد يلقي اللائمة على الآخر (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴿٣٤﴾) غالب الذين يقفون موقفًا معاديا لدعوات الرسل هم المترفون لأن الشيطان يوحي إليهم أن اتباع الرسل سيزيل هذا الذي بين أيديهم، يقفون منها موقفا ولأن النعم على الإنسان الضعيف
ام هُمام
08-04-2018, 04:18 PM
يكسبه الطغيان فلا يستمع إلى الحق لأنه قد وجد كل ما يحتاجه في هذه الحياة، عنده المال عنده زوجة، قصر فاره وأولاد وعشيرة وقوة فهو ليس بحاجة إلى أحد ولا إلى الله يصيبه شدة الطغيان (أن رآه استغنى) رأى نفسه استغنى وإذا لم يرى نفسه لم يطغى، ترى العابد شديد الثراء ولا يطغي يعيش عيشة بسيطة ويرى المال أمانة في يده لم يصبه الطغيان لأنه لا يرى نفسه قد استغنى يرى أن هذا من فضل الله عليه وأنه ابتلاه به وأنه يرى ماذا يصنع بهذا المال ولذلك لا يطغى فالعاصم من الطغيان هو أن لا ترى هذا المال منك ولك وإنما هو من الله سبحانه وتعالى.
(وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿٣٥﴾ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٦﴾) لا تقيسوا محبة الله وإنعامه على عباده بما ينزل عليهم من الرزق فالله يبسط الرزق لمن يشاء من مؤمن وكافر وبرّ وفاجر ويضيق على المؤمن وعلى الكافر لأن الدنيا ليست محل جزاء ولذلك يعطي الله الكافر ويحرم الله المؤمن ويعطي المؤمن ويحرم الكافر بحكمة من عنده لكن ليست مقياسا أو دليلا على محبة الله أو إيثاره بعضهم على بعض (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ ﴿٣٧﴾ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿٣٨﴾)
ام هُمام
08-05-2018, 04:24 PM
ثم قال الله آية عجيبة (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٦﴾) يضيق له، كيف يضيق له؟ يضيق عليه لمصلحته لأنه لو وسع له في الرزق لطغى وبغى فالتضييق الذي تراه على بعض العباد لمصلحته لأنه لو وسع له في الرزق لكفر وأعرض عن دين الله ولصد عن دين الله لكن الله من رحمته يبتليه بالفقر (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٣٩﴾) هذا وعد الله. وقد نظرت في حوادث كثيرة جدا مرت بي تدل على أن الله يخلف بعشرة أضعاف، إذا أخرج الإنسان المال طيبة بها نفسه موقنا بما عند الله من الأجر والثواب والخَلَف يأتيه الخلف عشر مرات وزيادة، حصلت قصص يخرج الإنسان ألفا فتأتيه عشرة آلآف، يخرج عشرة آلآف فيأتية مائة ألف، يخرج مائة ألف فيأتيه مليون، الخلف يتم ولو بضعف واحد، ثبت الأجر فكيف والله يكرمك بأكثر مما توقعت وأكثر مما فعلت؟!.
تعود الآيات إلى ذكر بعض عقائد هؤلاء وشركهم (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٤٠﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾) وتستمر إلى أن قال اللهم لنبيه صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء المشركين إنما أعظكم بواحدة فقط من أعظم الأسباب التي تفتح للإنسان آفاق الخير والوصول للحق: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) أحيانا العقل الجمعي يسوق الإنسان سوقا إلى الضلال ما تستطيع أن تفكر ما دمت في مجموع الناس الذين يعتقدون عقيدة معنة مثل مشركي مكة هذه الأصنام تدفع وترفع وتجلب لنا الخير فأنت في ظل هذا الفكر السائد لا تستطيع أن تخرج عن هذا الإطار قل لهم يا محمد (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) قوموا إما اثنين أو واحد تريدون الحق ثم تتفكروا بهذا الذي يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) تقوموا إما اثنين أو واحد، تفكروا في محمد هل هو مجنون كما يقول المشركون؟ هذا الرجل الذي كان مشهورًا بينكم بالصادق والأمين؟ أعقل شباب مكة، أكرم شباب مكة، أطيب شاب عرفته أرض مكة هل يمكن أن يصدق عليه شيء من وصف الجنون الذي يتهم به من قبل الصحافة ووسائل الإعلام المكية؟ لا يمكن، فكر وحدك ستجد أن التفكير وحده يدلك على الحق فلو ما استطعت فأنت وصاحب لك اجلسا وهذا ليس فقط في هذه وإنما في كل المسائل التي تلاحظ أن هناك من يغريك لكي تفكر بطريقة مخالفة للواقع مباينة للهدى ولذلك قال الله عز وجلّ مبينًا برآءة النبي صلى الله عليه وسلم مما يوصم به، هل لما ادّعى النبوة طلب شيئا مما يطلبه الناس إذا ادّعوا شيئا؟؟ طلب ملك، طلب مال؟! أبدا، هو يقول لكم هذا هو الهدى قل لهم يا محمد (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) ما طلبت منكم شيئا (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وكل الأنبياء صرّحوا بهذا (قل لا أسألكم عليه مالا) (ما أسألكم عليه أجرا) القضية أنهم ليسوا طلاب دنيا ولا يطلبون من وراء دعوتهم شيئا فما الذي تنكرونه عليهم؟ إلى أن تختم هذه السورة العظيمة.
ام هُمام
08-07-2018, 06:18 PM
سورة فاطر هي السورة الخامسة والثلاثون بحسب ترتيب المصحف العثماني، وهي السورة الثالثة والأربعون بحسب ترتيب النزول. نزلت بعد سورة الفرقان، وقبل سورة مريم. وهي مكية إجماعاً، وعدد آياتها خمس وأربعون آية.
تسميتها
سميت (سورة فاطر) في كثير من المصاحف وفي كثير من التفاسير. وسميت في "صحيح البخاري" وفي "جامع الترمذي" وفي كثير من المصاحف والتفاسير (سورة الملائكة) لا غير. وقد ذكر لها كلا الاسمين السيوطي في "إتقانه".
ووجه تسميتها (سورة فاطر) أن هذا الوصف وقع في طالعة السورة، ولم يقع في أول سورة غيرها. ووجه تسميتها (سورة الملائكة) أنه ذكر في أولها صفة الملائكة، ولم يقع في سورة أخرى. قال القاسمي: "سميت بذلك لما جاء فيها من خلق الملائكة، وجعلهم ذوي أجنحة متنوعة في العدد، الدال على عجيب صنعه تعالى وباهر قدرته".
ومما ورد في بعض آياتها ما رواه أبو يعلى -بإسناد قال المنذري: صحيح- والحاكم -وقال: صحيح على شرط مسلم- عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا أوى الرجل إلى فراشه، ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: اختم بخير، ويقول الشيطان: اختم بشر، فإن ذكر الله ثم نام، بات الملك يكلؤه -يحفظه-، فإذا استيقظ قال الملك: افتح بخير، وقال الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد لله الذي رد علي نفسي، ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي {يمسك السماوات والأرض أن تزولا} (فاطر:41) إلى آخر الآية، الحمد لله الذي {يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} (الحج:65) -وزاد الحاكم: الحمد لله الذي يحيي {الموتى وهو على كل شيء قدير} (الروم:50)- فإن وقع عن سريره فمات، دخل الجنة).
ام هُمام
08-08-2018, 06:32 PM
مقصودها
قال المهايمي: "هذه السورة ختام السور المفتتحة بـ {الحمد}، التي فُصلت فيها النعم الأربع، التي هي مجامع النعم؛ لأن نِعَم الله تعالى قسمان: عاجلة وآجلة. والعاجلة وجود وبقاء، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى".
وقال البقاعي: "ولاسم السورة (فاطر) أتم مناسبة لمقصودها؛ لأنه لا شيء يعدل ما في الجنة من تجدد الخلق؛ فإنه لا يؤكل منها شيء إلا عاد كما كان في الحال. ولا يراد شيء إلا وُجد في أسرع وقت. فهي دار الإبداع والاختراع بالحقيقة. وكذا النار {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} (النساء:56)".
وقال سيد قطب رحمه الله: "قِوام هذه السورة توجيه القلب إلى الله، وإيقاظه لرؤية آلائه، واستشعار رحمته وفضله، وتملِّي بدائع صنعه في خلقه، وامتلاء الحس بهذه البدائع، وفيضه بالتسبيح والحمد والابتهال".
وعلى الجملة، فقد اشتملت السورة على المقاصد التالية:
- إثبات تفرد الله تعالى بالإلهية، فافتتحت بما يدل على أنه مستحق الحمد على ما أبدع من الكائنات، الدال إبداعها على تفرده تعالى بالإلهية.
- إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وأنه جاء به الرسل من قبله.
- إثبات البعث والدار الآخرة.
ام هُمام
08-09-2018, 08:40 PM
- إثبات البعث والدار الآخرة.
- تذكير الناس بإنعام الله عليهم بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، وما يعبد المشركون من دونه لا يغنون عنهم شيئاً، وقد عبدهم الذين من قبلهم، فلم يغنوا عنهم من الله شيئاً.
- تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه من صد لدعوته ورفض لرسالته.
- كشف نوايا قريش في الإعراض عن اتباع الإسلام؛ لأنهم احتفظوا بعزتهم.
- إنذار قريش -ومن كان على شاكلتها- أن يحل بهم ما حل بالأمم المكذبة قبلهم.
- الثناء على الذين تلقوا دعوة الإسلام بالتصديق وبضد حال المكذبين.
- تذكير الذين أعرضوا عن دعوة الإسلام بأنهم كانوا يودون أن يرسل الله إليهم رسولاً، فلما جاءهم رسول تكبروا واستنكفوا واستكبروا وعتوا عتواً كبيراً.
- بينت السورة أنه لا مفر للذين أعرضوا عن دعوة الإسلام من حلول العذاب عليهم، فقد شاهدوا آثار الأمم المكذبين من قبلهم، وأن لا يغتروا بإمهال الله إياهم؛ فإن الله لا يخلف وعده.
- التحذير من غرور الشيطان، والتذكير بعداوته لنوع الإنسان.
- بيان موقف الخلق من القرآن؛ فمنهم ظالم لنفسه باتباع هواه، وارتكاب الذنوب والمعاصي، ومنهم مقتصد في عبادة ربه، ومنهم سابق بالخيرات مسارع لنيل الدرجات.
- المنة على العباد بحفظ السماء والأرض عن تخلخل الأركان والزوال، فهو سبحانه المتحكم بأمرهما والمسير لشأنهما.
- عقوبة الذين يمكرون في الدنيا المكر بهم في الآخرة؛ إذ الجزاء من جنس العمل.
- الإخبار بأنه سبحانه لو عامل عباده بالعدل، لم يَسْلَم من عذابه أحد من الإنس والجان، لكنه سبحانه وتعالى عاملهم بإحسانه وفضله.
ام هُمام
08-10-2018, 05:24 PM
سورة يس
السورة الأولى هي سورة يس: وهذه السورة الكريمة تسمى في المشهور سورة يس، بعضهم يسميها قلب القرآن اعتمادًا على حديث “إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن سورة يس” وهذا الحديث ضعيف، وقد ورد في سورة يس أحاديث كثيرة غالبها ضعيف، ومن الأحاديث التي اختلف في صحتها قول النبي صلى الله عليه وسلم ” اقرأوا على موتاكم سورة يس “والمقصود اقرأوا على المحتَضرين سورة يس لأنها تكون سببًا في تخفيف سكرات الموت على المحتضَر، وأما باقي الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة فهي من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، ويشيع بين الناس في العالم الإسلامي تعظيم هذه السورة وإفرادها بالقراءة في كل ليلة وهذا ليس عليه أثارة من علم معتبر. وتسمى أيضًا سورة حبيب النجار، سماها بعض المفسرين بهذا الاسم نظرًا للقصة التي وردت في هذه السورة في قول الله عز وجل (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) وهو حبيب النجار. افتتحت هذه السورة بالحروف المقطعة وهي قوله (يس) ويس يظنها كثير من الناس اسمًا للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا غير صحيح، بل (يس) مثل (ق) و (ص) و (ألم) فهي من الحروف المقطعة والسور التي افتتحت بالحروف المقطعة 29 سورة، وهذه واحدة منها. وهذه السورة تتحدث عن ما تتحدث عنه السور المكية من تأسيس العقيدة الإسلامية مع التركيز على الإيمان باليوم الآخر كما هو الشأن في سورة سبأ وفاطر،
ام هُمام
08-11-2018, 05:11 PM
، فتتحدث عن الإيمان باليوم الآخر بشكل مكثّف، ولذلك يقول الله عز وجل في هذه السورة في أولها (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) فذكر أنهم قد تحجّرت عقولهم فهم لا يؤمنون بالدلائل الكثيرة لليوم الآخر مع وضوحها وظهورها، ولما ذكر هنا (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ذكر في آخر السورة قصة ذلك الرجل وهو النضر بن الحارث في قوله (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا) جاء بعظْم وفتّه أمام النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا محمد أيحيي ربك هذا بعد أن كان رميما؟؟ يعني حدّثنا بما نعقل!! يقول للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل يبعثك الله ثم يطرحك في النار، يقولها له، وقد فعلًا مات على الكفر.
ام هُمام
08-12-2018, 04:23 PM
، فتتحدث عن الإيمان باليوم الآخر بشكل مكثّف، ولذلك يقول الله عز وجل في هذه السورة في أولها (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) فذكر أنهم قد تحجّرت عقولهم فهم لا يؤمنون بالدلائل الكثيرة لليوم الآخر مع وضوحها وظهورها، ولما ذكر هنا (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ذكر في آخر السورة قصة ذلك الرجل وهو النضر بن الحارث في قوله (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا) جاء بعظْم وفتّه أمام النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا محمد أيحيي ربك هذا بعد أن كان رميما؟؟ يعني حدّثنا بما نعقل!! يقول للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل يبعثك الله ثم يطرحك في النار، يقولها له، وقد فعلًا مات على الكفر.
ام هُمام
08-13-2018, 06:15 PM
ثم ذكر الله بعد ذلك قصة أصحاب القرية، ما هي هذه القرية ؟؟هذه أنطاكيا بإجماع المفسرين، يقولون أن أنطاكيا هذه بعث الله لها ثلاثة من الرسل. قال الله عز وجل (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) يعني أيّدناهما برسول ثالث (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) أي قدركم وما كتبه الله عليكم معكم (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ)أي أتقولون هذا بسبب أنكم ذكرتم؟ (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) ثم ذكر الله قصة حبيب النجار الذي جاء مؤيدًا لهؤلاء الرسل الثلاثة وداعيًا قومه إلى الإيمان بهم فقال (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) لاحظوا المواصفات: جاء هو داعيًا إلى الله عز وجل، ما جاء الناس إليه أو مروا به بل ذهب قاصدًا لأنه يريد ما عند الله، مع أن قومه كانوا كفارا ويُخشى من ضررهم. قال (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) وقدم الجار والمجرور (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) على كلمة رجل، لبيان أنه جاء من مكان بعيد ولإعلاء هذه الصفة من حال هذا الرجل. في قصة موسى في سورة القصص قبل البارحة قرأناها قال (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) فتلك قدّم الرجل وهنا قدّم (من أقصى المدينة) لماذا؟ لأن المراد من هنا الرفع من شأن من يأتي من مكان بعيد أو يسعى سعيا شديدا من أجل أن ينقذ الناس فهذا الرجل قد فعل فعلًا عجيبًا،
ام هُمام
08-14-2018, 05:07 PM
وهو أنه جاء من مكان بعيد إلى قومه لينذرهم، فالله عز وجل قدّم الصفة التي ينبغي أن تُراعى وهو كونه يأتي من مكان بعيد لينذر قومه، ثم وصفه الله بقوله (يَسْعَى) بمعنى يأتي بهمّ وقصدٍ وإقبال شديد. (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)) ثم مات هذا الرجل، وقيل له بعد موته (ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) يتمنى أن قومه يرون ما هو الجزاء الذي حصل عليه بعد موته. قال الله عز وجل(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) أي أهلكهم الله عز وجل. ابن كثير رحمه الله يقول إن كانت أنطاكيا هذه هي التي نزل فيها العذاب فإننا لا نعلم أن فيها شيئًا من أثار العذاب أبدا، فإما أن يكون عذابا لا أثر له على الأرض وإما أن تكون أنطاكيا غير أنطاكيا التي نعرفها وهي التي تقع في شمال بلاد الشام.
ام هُمام
08-15-2018, 04:52 PM
ثم ذكر الله بعض الحجج لليوم الآخر قال (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا) دلائل قدرة الله عز وجل إلى أن قال (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ). ثم يأتي إلى النقاش في اليوم الآخر (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) قال الله عز وجل (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) أي يختصمون حذفت التاء وهذه عملية معروفة عند أهل الصرف، (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ) أي القبور (إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) يأتون مسرعين (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) تذكرون ما جاءكم به المرسلون في أول السورة؟ (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) في المرة الأولى (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) بسبب العذاب وهنا صيحة واحدة (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) قد جاؤوا ولكن الى ماذا جاءوا؟ إلى العذاب!!( فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
ام هُمام
08-16-2018, 08:35 PM
ثم ذكر الصنفين (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) أهل الجنة في الجنة مشغولين، ولكن هل هم مشغولين بمكابدة العمل والبحث عن الرزق وإلا بماذا؟؟ مشغولين باللذائذ، الواحد ما عنده وقت من كثرة ما هو منهمك في اللذائذ، يعني هذا هو التعبير الذي يُراد أن نفهمه، من كثرة لذائذ الجنة هو مشغول بها، حور، وأبكار وأشجار وظلال وعيون وأزهار وورود وجلساء ونعيم لا يمكن أن يوصف ولا يقدر قدره ولا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى، فاستعدوا ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة، هذه السلعة العظيمة التي أعدها الله وهذه الفرصة الثمينة لن تنالوها بالراحة وطول النوم وبالتنعم والتلذذ وبالشهوات والأهواء، ما فيها إلا تعب، فإما أن تقدّم والإ فلن تُقدَّم، إما أن تدفع المهر وإلا فلا تتقدم، ومن يطلب الحسناء لن يغله المهر، لا ينظر إلى كم سيدفع! (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ) ليسوا وحدهم (فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) الرب نفسه يسلم عليهم من كرامتهم على الله.
ام هُمام
08-17-2018, 02:36 PM
ثم (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) تتحدث الآيات عن يوم القيامة وعن مشاهدها إلى أن تصل في آخرها إلى قوله (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) اسمعوا كيف يحتج الله على إحياء الموتى فيقول (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) ما قال قل يحييها الله، لا، يأتي بدليل فيقول (الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) هو القادر على أن يعيدها مرة أخرى، فإذا كنتم تثبتون له المرة الأولى فما الذي يمنعكم من أن تثبتوا له المرة الثانية؟! قال (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ألستم تعلمون أنه يعلم؟ وأنه يعلم كل شيء؟ سر الخلق والإيجاد هو العلم والقدرة، فإذا اجتمعتا كان الخلق، وإذا كان الرب عنده العلم وعنده القدرة ما الذي يمنع أن يخلقنا ثم يعيدنا ثم يبيدنا ثم يعيدنا ثم يبيدنا، ما الذي يمنع؟! لأن القدرة والعلم موجودان. قال (لَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا) يعني يخرج الشيء من ضده، ففي نوع من الشجر يسمى المرخ والعِفار كانت العرب تضرب إحداهما على الآخر فيخرج النار، الشجر أخضر يعني رطب بارد، تخرج منه نار حارة يابسة فأخرج الضدّ من ضده، كذلك أنتم تكونون موتى فيجعلكم أحياء ويخرج الحي من الميت والميت من الحي، ما الذي تستغربونه على الله؟! قال (فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) ثم يحتج بحجة رابعة وهي خلق السماوات والأرض يا أيها العرب يا أيها المشركون، من الذي خلق السماوات والأرض؟ إجابة واحدة ومتفق عليها هي الله، الآن ما أعجب عقولكم وما أشد سفاهتكم! تثبتون أن الله خلق السماوات والأرض وتجادلون رسول الله في خلقكم أنتم أو في إعادة خلقكم بعد موتكم؟! أين عقولكم؟!
ام هُمام
08-18-2018, 05:02 PM
قال (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ) قبل قليل جاء بالعلم والآن جاء بالقدرة، هما دليلا الخلق أوالإعادة، قال (بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) ثم قال (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) يعني الذي يخلق بكثرة لا منتهى لها، أيعجزه أن يعيد خلقكم مرة أخرى؟! يعني ربنا في الثانية الواحدة يخلق ما لا يمكن أن يُقادر أو يعلم. قرأ الإمام أمس قول الله عز وجل (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ) انظروا لو تحولت كل أشجار الأرض أقلاما (وَالْبَحْرُ) هذا الذي عندنا الذي يساوي 75% من اليابسة (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) يعني مثله سبع مرات (مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) ما هي كلمات الله؟ هي أوامره ونواهيه وقوله للأشياء كوني فتكون وخلقه وتدبيره لأمر العالم لأن الله يدبر كل هذا سبحانه وتعالى، فهو في كل ثانية يخلق ما لا يمكن أن يطيق العقل تصور الرقم فيه، يعني لو قلنا ما هو أعظم رقم موجود عندنا الآن؟ دعنا نقول تريليون تريليون، هذا شيء لا يكاد يُذكر مما يخلقه الله في الثانية الواحدة، لا يكاد يُذكر ولا شيء، قال (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) هذه سورة يس .
ام هُمام
08-19-2018, 04:05 PM
سورة الصافات :
وهي أيضا تركز على الإيمان باليوم الآخر وعلى قضايا العقيدة بشكل عام، لكن تبرز شيئا مهمًا وهو سبيل الخلاص من عذاب الله عز وجل، ولذلك يأتي في كل آية أو في كل مقطع من مقاطعها قوله سبحانه وتعالى (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) هذا واضح جدًا في السورة، فالسورة افتتحت بقول الله تعالى (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) هذا قسم بالملائكة وتسمى هذه السورة سورة الملائكة وهي الصافات، وأقسم الله بها وبيّن أنها من خلقه وأن نسبتها إليه -أي نسبة الولد إليه وأنهن بنات الله – أنها منكرة جدًا، ولذلك جاء التأكيد في آخر السورة على أن ما تدّعيه العرب من أنهن بنات الله، أنه منكر من القول وزور. استمرت السورة تتحدث عن قضايا العقيدة وقضية الإيمان باليوم الآخر بشكل ظاهر، ولولا ضيق الوقت لوقفنا عند كل مقطع من مقاطعها لكن ذكرت فيها قصة نوح وبيّن الله عز وجل فيها فقال (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ) كيف خلُص نوح من العذاب بأي شيء؟ ثم قال (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) حتى ذكر نجاته، كيف نجا؟ نجا بالتوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر. ثم ذكر قصة إسماعيل الذبيح مع أبيه وبيّن كيف أن الله سبحانه وتعالى نجاه وفداه بذبح عظيم، قال (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) هذا هو سبيل الخلاص أن تحسن في عبادتك لله عز وجل (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ).
ام هُمام
08-20-2018, 08:29 PM
ثم ذكر قصة إسحاق ثم قصة موسى وهارون ثم من بعد ذلك قصة إلياس عليه السلام وعلى نبينا ثم قصة لوط كيف أن الله سبحانه وتعالى نجاه من هؤلاء القوم ثم قصة يونس وهي قصة عجيبة في الخلاص أيضًا كيف أن الله نجّا الأمة كلها لما عادت إلى الله، قال (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) هذا هو سر الخلاص من العقوبة التي حلت بيونس (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) هذا بالنسبة له هو، بالنسبة إلى أمته التي نجت من العذاب قال (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) هذا سر الخلاص من عذاب الله في الدنيا.
ثم ذكر الله عز وجل ما ختمت به السورة من التأكيد على ما نزلت فيه السورة، لكن أحب أن أنبه إلى آية وهي قول الله عز وجل (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) والجنّة هل هم الجنّ؟ هل هناك أحد من العرب جعل بين الله عز وجل وبين الجن نسبا؟ إذا فالجِّنة هنا هي الملائكة، السورة أصلا هنا في الملائكة وتسمى سورة الملائكة (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) وهنا قال (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ) لماذا سميت جنة لأنها مُجتنة أي خفية مثل الجن، هي خفية لا ترى، قال (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) أي الملائكة (إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا) لا زالوا يتحدثون! (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ)أي مشركو مكة (لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) فالسورة كلها تتحدث عن سبيل الخلاص من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة.
ام هُمام
08-21-2018, 06:49 PM
سورة ص
نختم بسورة ص وقد افتتحت بالحروف المقطعة وعُظِّم فيها أمر القرآن بقوله (وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ) هذه السورة العظيمة أنا أسميها سورة الخصومات لأن الله ذكر فيها أربع خصومات:
الخصومة الأولى خصومة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) يعني انظروا كيف يكذب محمد عليكم، يقول أن الآلهة التي تعبد هي آله واحد فقط، والثلاثمائة وستون؟؟؟ ماذا نفعل بهم؟ هؤلاء كلهم آلهة! (أجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) إن هذا الذي يقوله محمد (لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ) ما سمعنا أحد قال الكلام الذي قاله محمد صلى الله عليه وسلم (إنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) هذه الخصومة الأولى.
والخصومة الثانية هي خصومة الخصمين اللذين دخلا على داود عليه الصلاة والسلام وهو يتعبد في محرابه (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) تسوروا عليه المحراب يستفتونه، (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) ما هي الفتنة التي حصلت لداود؟ حَكَم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر وهذه فتنة، لأنه لا يجوز للقاضي أن يحكم لأحد الطرفين حتى يسمع من الطرف الآخر. (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) يعني هذه التي حصلت له فتنة من الله، ماذا فعل؟ ما قال واحدة وتكّفر بعمرة أو غيرها، لا، استغفر به في نفس اللحظة التي اكتشف فيها أنه خالف أمر الله (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ) ثم أعطاه الله توجيهًا فقال (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
ام هُمام
08-22-2018, 08:38 PM
ثم ذكر الله الخصومة الثالثة بين المشركين في قوله (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ) هذه الآن خصومة بين أهل النار (قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ) أي في الدنيا (أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا) أي سخرنا بهم (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ) أي القرآن (نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ).
ثم ذكر الله الخصومة الرابعة وهي خصومة الملأ الأعلى، أشار إليها إشارة فسّرتها السُنّة (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ).
ثم ذكر الله الخصومة الخامسة بين إبليس وبين الله عز وجل عندما قال الله له (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ) ما الذي منعه؟ الكِبْر (اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) قال الله له (يا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) الله خلقه بيده تكريمًا (أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) أنا خير منه أنا أسجد لواحد أقل مني؟! لا يمكن! (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) كذب عدو الله! هذا الدليل ليس دالّا على أنه خير منه (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) المُخلصين عاد إلى سورة الصافات، سبحان الله! السور فيها حلقات تربط بينها ربطًا شديدًا بطريقة غاية في العجب، لاحظوا مثلا في سورة فاطر ذكرت قضية الشيطان، في سورة يس ذكرت قضية الشيطان، وقضية الإيمان باليوم الآخر وهكذا في هذه السور. قال (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ ) نعوذ بالله من هذه الحال(مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ) أي القرآن (إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ).
ام هُمام
08-23-2018, 09:28 PM
سورة الزمر
هي سورة التوحيد والإخلاص من أولها إلى آخرها جاءت داعبة إلى التوحيد، آمرة بإخلاص الدين لله عز وجل، وهذه السورة افتتحت بمدح الكتاب وكأنها تتمة لسورة ص، لأنه في آخر سورة ص قال الله تعالى (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)- ( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) فكأنها تتمة لها، والعلاقة بينهما أنه في سورة ص كان هناك حوار مع الكفار في اتخاذهم أربابًا وآلهة من دون الله عز وجل، وكان هناك نوع من إبطال هذه العبادة لهذه الآلهة، وفي هذه السورة بيان للمعبود الحق وهو الله سبحانه وتعالى. وقد افتتحت بقوله (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) بالحق الثابت الذي لا مرية فيه ولا شك، وختمت بخاتمة تدل على إرادة هذا الحق وأن من اتبع الحق في الدنيا كان من أهل الحق في الآخرة، قال الله عز وجل (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي قضي بينهم بالعدل والقسط الذي لا ظلم فيه ولا حيف. ثم قال الله عز وجل (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) الخالص من الشرك، والخالص من اتخاذ الآلهة والأرباب (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) أي يقولون عن آلهتهم أننا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والعجيب أن هذه العبارة التي حكاها الله عن أهل الشرك قد وجدها بعض المشايخ مكتوبة عند أحد القبور التي يطاف بها، مكتوب (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) هذه كلمة أهل الشرك في آلهتهم التي اتخذوها من دون الله عز وجل تأتي لتكتبها على قبر؟! فالمشركون ما عبدوا آلهتهم إلا بهذه الحجة وهم يريدون من آلهتهم أن تقربهم إلى الله زلفى، وهؤلاء الذين يعبدون هؤلاء المقبورين هذه حجتهم فاتفقوا وان اختلفت أسماؤهم. ثم الله سبحانه وتعالى يبين أنه منزّه عن الصاحبة والولد وعن الأنداد والنظراء والشركاء (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) ثم يذكر الأدلة على وحدانيته بأنه هو الذي سخّر الشمس والقمر ويكّور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وهو الذي خلقنا من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها.
ام هُمام
08-24-2018, 03:08 PM
ثم تستمر الآيات في هذا الميدان وهذا المضمار وهي تدعو إلى التوحيد وتبين فضائله إلى أن يأتي في قول الله عز وجل في الآية الحادية عشر (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) وهذا يؤكد ما ورد في أول السورة (ألا لله الدين الخالص) يعني أن هذه السورة جاءت لتأكيد التوحيد ولتعظيم أمر إخلاص العبادة لله جل وعلا (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) الموحدين (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) ثم يذكر جزاءهم ويذكر جزاء من يقابلهم ممن أفردوا الله بالعبادة (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) أي لم يعبدوا مع الله أحدا سواه لا نبيًا مرسلًا ولا ملكًا مقرّبًا ولا قبرَ ولي ولا شيئًأ مما يعظَّم مما هو يتخذ طاغوتًا يُعبد من دون الله عز وجل (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ) من هم عبادك يا رب؟ (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) ثم تستمر الآيات في هذا الميدان تناقش هؤلاء المشركين وتضرب لهم الأمثال إلى أن يأتي في مقطعها الأخير قوله سبحانه وتعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) دعوة رفيقة حانية من ربنا سبحانه وتعالى بأن لا يقنط أحدٌ من أي عمل عمله سواء كان الشرك أو ما دونه، لا تقنط، إذا أقبلت على الله أقبل الله عليك بتوبته ورحمته وبدّل سيئاتك حسنات ومحا ذنوبك وبدأت صفحة جديدة مع الله عز وجل، حتى إن الرجل الذي يُسلم قبل يوم واحد من وفاته قد يكون خيرًا ممن أسلم قبله بسنين لما يعطيه الله من الكرامة والفضل! فالله يدعونا هذه الدعوة الرفيقة الحانية (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)
ام هُمام
08-25-2018, 05:06 PM
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) ثم تستمر الآيات إلى أن يأتي في قضية التوحيد والشرك تطبيقها على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول الله له (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ ) حاشاه من ذلك عليه الصلاة والسلام ولكن هذا على سبيل الفرض والتنزّل (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ). ثم ذكر الله أنه سيُنفخ في الصور نفختان، النفخة الأولى نفخة الصعق والنفخة الثانية نفخة القيام من القبور وبعد ذلك توفّى كل نفس ما عملت، ثم يساق الذين كفروا إلى جهنم زمرًا ويساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا، نسأل الله أن يجعلنا جميعًا من أهل الجنة .
ام هُمام
08-26-2018, 05:40 PM
سورة غافر
ثم تأتي بعد ذلك سورة غافر وتسمى سورة غافر لأنه جاء في أولها قوله (غَافِرِ الذَّنْبِ) وتسمى سورة المؤمن لأنه ذكر فيها قصة مؤمن آل فرعون – سنذكرها بعد قليل- وهي سورة مكية وفيها جدال المشركين، وبيان الحوار معهم في جوانب متعددة وبطرق مختلفة، ففيها حوارات قوية لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دون الله آلهة، وحوارات لأولئك المتجبرين المتكبرين المتآمرين على الدعوة وعلى ما جاء به الأنبياء عليهم الصلوات والسلام. افتتحت بقوله (حم) وهذه أول الحواميم، الحواميم سبع سورة غافر وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف تسمى الحواميم أو ذوات حاميم أو آل حاميم، هذه كلها أسماء لها وورد في الأحاديث أن الحواميم ديباج القرآن، كان ابن مسعود رضي الله عنه يفرح جدا بقراءة الحواميم لما فيها من ذكر الدعوة إلى التوحيد وذكر تعظيم الكتاب الكريم وبيان ما فيه من الخير لهذه الأمة.
قال الله عز وجل (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) لاحظوا أوصاف الرب سبحانه وتعالى (الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ) أي قابل التوبة (شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ). ثم يقول الله عز وجل مبينًا موضوع هذه السورة وهو الجدل مع الكفار
ام هُمام
08-27-2018, 05:07 PM
(مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) لأن آيات الله أوضح من أن يجادل فيها أحد، ولكن الذين كفروا لأنهم ما قدروا الله حق قدره ولأنهم ورثوا دينهم من آبائهم ولأنهم يقلدون على عمى وبغير بصيرة، ولأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يجادلون في آيات الله. قال (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) لا يغرنك يا محمد ما عندهم من الملك والظهور والدولة والمدنية والحضارة، كل ذلك متاع زائل لا يُعرف به حق من باطل، يعني لا يقاس الحق والباطل بوجود الدنيا أو تمكّن الناس من الحضارة أو غير ذلك. ثم تستمر الآيات في ذكر هذه المضامين إلى أن تأتي إلى قصة مؤمن آل فرعون، فرعون الخبيث لما شعر أنه أمام حجج واضحة وأدلة وبراهين ساطعة جاء بها موسى، تسع آيات يؤمن على مثلها البشر بل حتى الحجر من ظهورها وبيانها للحق وبيانها لأن موسى رسول من عند الله لا يمكن أن يكذب على الله، أراد فرعون أن يقتل موسى ـ لكن قتل موسى إذا قتله بمفرده وحصلت مشكلة قد يعود الناس عليه باللائمة، فجاء واستشارهم في البرلمان الفرعوني (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) اسمعوا ماذا يقول الخبيث (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) الآن فرعون خائف من موسى أن يبدل الدين! ما هو الدين الذي عندك؟! ألم تقل لهم (ما علمت لكم من آله غيري) (أنا ربكم الأعلى)-قاتلك الله-قال (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) وهذا يدلك على أن هؤلاء الطواغيت شغلهم هو اللعب بالألفاظ، يعبثون بعقول الناس حول الألفاظ، الوحدة الوطنية، الإرهاب، الأصولية، التشدد، التطرف، ولذلك يقول هنا (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) موسى هذا المسكين مع بني إسرائيل ضعفاء فيهم كثير من الذلّ والضعفة هم الذين يخاف أن يظهروا في الأرض الفساد!، موسى ماذا فعل؟ سلم أمره لله بأنه ومن معه من المؤمنين ضعفاء قال (إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) هنا جاء دور رجل كان موجودًا في صفوف الملأ من قوم فرعون يكتم إيمانه، عبّر عنه القرآن بقوله (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ )
ام هُمام
08-28-2018, 05:05 PM
يعني تقتلونه بسبب أنه يقول ربي الله؟! هذه ليست حجة في قتل إنسان من المجتمع وهذا الرجل الذي يقول ربي الله جاء بأدلة واضحة (وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) وأنتم لم تأتوا بدليل واحد على الذي تدعونه، هو الآن يقول ربي الله صحيح، ولكنه جاء بأدلة، أين أدلتكم أنتم؟! ردوا واحدًا من أدلته، كل ما في الأمر تُهَم معلبة يضرب بها هؤلاء الدعاة (أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَاد). قال (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) لن يضر الكذب إلا موسى (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) هذا الآن يهددكم بعذاب ينزل عليكم من عند الله. قال الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) هنا فرعون ضعف وانخذل، قال (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى) أنا هذا رأيي الذي أرى أنه هو السديد تجاه هذا الذي جاءنا يريد أن يفرق جماعتنا ويدعونا إلى دين غير دين آبائنا (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ). هنا المؤمن لما رأى ضعف فرعون تقدم خطوة أكثر جرأة (وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ) يعني يوم القيامة الذي يكثر فيه النداء (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) ثم تقدم خطوة وذكّرهم بالتاريخ، تاريخ المصريين (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ) هذا في تاريخكم أنتم (مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ) ما آمنتم به لكن كنتم شاكّين (حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ). هنا فرعون شعر أنه قد أُلقِم حجرًا وأنه جاء من أفسد عليه خطته، وأن هذا الذي أفسد عليه خطته الآن جاء بأدلة أو حشد أدلة كثيرة باتجاه استسلام الناس لموسى عليه الصلاة والسلام، وكل هذا وهو لم يُظهر أنه آمن، يعني بخفاء وذكاء، ماذا فعل فرعون الطاغية؟ هذا المتكبر العنيد، بدأ يحتال (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ)
ام هُمام
08-29-2018, 05:38 PM
يعني أنت الآن صحيح أقنعتنا بأن موسى صاحب دعوة صحيحة، حسنا نحن نريد أن نتأكد بأدلة مادية، نريد نرى ربه، انظر الآن انتقلت المعركة انتقالا عجيبا، وهذا يدل على أن المؤمن قد حقق هدفه بمستوى عال جدا ولذلك أشاد به القرآن، لأنه نقل القضية الآن من كون موسى يخطط لقتله إلى أن الناس يفحصون أدلته، وصارت الدعوة الآن داخل قبة البرلمان الفرعوني، ففرعون من خبثه قال حسنًا من أجل أن نتأكد من إله موسى نريد أن نبني بناء عالي جدا نصل به إلى أسباب السماء يعني طرق السماء وأبوابها حتى ننظر، فان وجدنا آلهًا آمنا به، طبعًا هذا المشروع يحتاج إلى كم؟؟ عشرين أو ثلاثين سنة، بناء برج مثل برج العرب أو غيرها من هذه الأبراج العالية، هو يريد إفشال مخطط المؤمن، لأن دعوة المؤمن كانت قوية وواضحة وصريحة وجاءت على مخطط فرعون واستأصلته من الأساس. الذي لا يفهم القصة لا يدرك ما الذي حصل فيها، كيف تغيرت وانقلبت إلى أن فرعون الآن أصبح يبحث عن أي خيط للنجاة (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ) أصدر أمرا إلى هامان وزيره الكافر مثله (ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) ثم يقول (وَإِنِّي) يعطي النتيجة المبكرة (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) قال الله عز وجل (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) أي في هلاك وخسار. هنا المؤمن جهر بإيمانه لأن فرعون استنفذ كل الأوراق التي معه وأبان عن فشله الكبير، ولذلك قال (وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ) أي حقًّا (أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ) أي ما تدعونني إليه من الآلهة ليس له دعوة مجابة لا في الدنيا ولا في الآخرة (وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) ويقال أنهم هددوه فقال (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) أي في القبر وهذا من أظهر أدلة أهل السنة في القرآن على عذاب القبر.
ام هُمام
08-30-2018, 09:25 PM
قال (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) ولما ذكر هذه المحاجّة في الدنيا ذكر محاجّة الظالمين في الآخرة (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) وتستمر السورة في ذكر ماذا سيكون مآل من استمسكوا بالحق واتبعوا الرسل قال الله لنبيه (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ) اصبر على الحق الذي أوتيت فإنه مرٌّ وفيه حرارة لكن عاقبته حلوة وسعيدة (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ).
وتستمر السورة على هذا المنوال في محاورة هؤلاء المشركين إلى أن تأتي إلى ختامها وهو قول الله عز وجل (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) كالحال الآن الحاصل، يفرحون بما عندهم من صنع الطائرات والقنابل والأدوات الطبية والأشياء العجيبة (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) هذا الإيمان الذي يكون في اللحظات الأخيرة بعد رؤية العذاب لا ينفع الإنسان لأنه بعد معاينة العذاب وانكشاف الغيب، ما ينفع الإيمان إلا إذا كان غيبًا أما إذا كان مشاهدة فلا يصلح (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).
ام هُمام
08-31-2018, 04:48 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد فمعنا في هذه الليلة سورة فصلت وبقية الحواميم، وقد بيّنا فيما مضى أن الحواميم السبع تبدأ بسورة غافر (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) والسورة الثانية هي سورة فصلت .
وسورة فصلت تتحدث عن القرآن وعظمته والإيمان به وأثره وأدلته وحجيته وأنه هو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى العالم، وهذه السورة تسمى سورة فصلت وتسمى أيضا سورة المصابيح لقول الله عز وجل (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا) وتسمى أيضا سورة الأقوات لقول الله عز وجل(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) وتسمى كثيرا عند العلماء سورة حم السجدة، لأنه لا يوجد في الحواميم سجدة إلا بها، والمشهور من أسمائها هو هذا الاسم الموجود في المصحف وهو سورة فصلت حيث قال الله عز وجل (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) أي هذا الكتاب تنزيل من الرحمن الرحيم، وكلمة (تنزيل) دالة على نزول القرآن منجّمَا ومقطّعًا يعني شيئًا إثر شيء، ولم ينزل مثل ما أنزلت الكتب السابقة جملة واحدة، (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ) يعني أنزلناه عليه مقطّعًا منجمًا من أجل أن يكون في ذلك تثبيتا لفؤادك، فلا شك أن الإنسان كل ما نزل عليه شيء ثبت وأيضًا كل ما صارت هناك حادثة أو قضية جاء القرآن لمعالجتها كان ذلك أدعى للثبات والاستقامة والصبر على ما ينال النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين. قال الله عز وجل (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا) جعله الله بهذه اللغة التي هي أشرف اللغات وأدلها على المقاصد، ما في لغة تعبر عن المقاصد مثل تعبير اللغة العربية عن المقاصد، وهذا بتتبع عدد من الباحثين، حيث نظروا في لغات العالم، ووجدوا أن ما هناك لغة تعبر عن المقاصد والأشياء مثل تعبير اللغة العربية، فالعربية لها صلة بالمعاني حتى الألفاظ فيها مرتبطة بالمعاني، وليست ألفاظًا مجردة يراد منها تمييز اسم عن اسم أو شيء عن شيء، وإنما تجد أن الكلمة مدلول عليها بألفاظ فعلًا مطابقة للمعنى مثل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) انظروا كيف الكلمة تصور لك التثاقل الذي يحدث عند الناس عندما يُدعَون إلى الجهاد، هي نفس الكلمة تخرج ثقيلة. انظر مثلا إلى سورة الناس، لأنها سورة تتحدث عن وسوسة الشيطان تجد أن حرف السين فيها قد اقترن وكثر حتى تشعرك بهذه الوسوسة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) لماذا كثر هذا الحرف؟ ولماذا اختيرت هذه الكلمات التي فيها هذا الحرف؟؟ لإيجاد هذا الشعور بهذه الوسوسة التي تسري من ابن آدم وتجري في عروقه مجرى الدم. فالعربية فيها أسرار غاية في الغرابة ولأننا نحن أعرضنا عنها ولم ندرسها ما يحصل لنا هذا الشعور ولا نعرف هذه الدلالات التي عرفها العلماء الكبار أو عرفها حتى العرب.
ام هُمام
09-01-2018, 04:06 PM
اسمعوا المشركون لما حاولوا مع النبي صلى الله عليه وسلم محاولات كثيرة لثنيه عن الدعوة، كان من ضمن المحاولات إرسال عتبة بن ربيعة – كان من رجالات مكة المعتبرين الكبار أصحاب العقول الراجحة- فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال يا محمد : ما أعلم أحد جاء على قومه بشيء مثل ما جئت به على قومك، فرّقت جماعتهم وشتمت آباءهم وسببت آلهتهم وفعلت بهم فلا أعلم أحدًا أشأم منك على قومك ! فإن كان هذا الذي تريده هو الملك ملّكناك، وإن كنت تعاني من الشهوة زوّجناك عشرًا من أجمل نساء العرب وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تكون به أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد كذا فعلنا كذا، يعني علمنا ما مشكلتك، ما الذي يدعوك لتفعل ما أنت فاعله، نحن كنا مجتمعين وكنا على وحدة واحدة وكان لنا دين واحد، نعبد هذه الآلهة والأصنام، جئت أنت لتغير هذا كله! كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه وينصت على عادته في احترام المتحدثين فلما انتهى قال أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: اسمع ثم قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)) واستمر النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ إلى أن قال (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) قام عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال ناشدتك الله والرحم يا محمد، ناشدتك الله والرحم، ناشدتك الله والرحم، ثم قام وقال يا قوم إني أرى أن تدعوا هذا الرجل فإن فاز وظفر بالمطلوب فشرفه شرف لكم، وإن خسر كفتكم العرب شأنه، قالوا والله لقد رجعت لنا يا أبا الوليد بغير الوجه الذي ذهبت به، لقد سحرك محمد. انظروا فقط صفحة واحدة من كتاب الله فعلت هذا الفعل العجيب في هذا الرجل المتمرّد العاتي. الحاصل أن السورة كلها تدل على هذا الكتاب العظيم وتدعو إليه وتشير فيما تشير إليه إلى قضية الاستقامة والثبات على هذا الكتاب قال الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) إلى نهايتها، انظر مثلًا ذكر الكتاب (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) يعني فاصبر يا محمد (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) تستمر الآيات على هذا المنوال لتثبت أن هذا القران إنما جاء هداية للبشرية وحجّة على الخلق أجمعين.
ام هُمام
09-02-2018, 06:27 PM
بعد ذلك ننتقل إلى سورة الشورى
وهذه السورة أيضا من الحواميم وفيها زيادة على قول حم وهو قوله (عسق) وهذه السورة تتحدث ليس عن القرآن وحده وإنما عن الوحي جملة وعن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال الله فيها (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ثم قال مبينًا هذا القران بعد أن بيّن هذا الاعتقاد (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) هذه مواقف الخلق من كتاب الله عندما ينزل عليهم. ثم تستمر هذه السورة في ذكر الدلائل وذكر الإيمان بالبعث وما يتصل به ومناقشة المشركين إلى أن تأتي في المقاطع الأخيرة منها حيث يبين الله عز وجل صفات المؤمنين الذين آمنوا بهذا الكتاب قال الله عز وجل (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) فذكر تسع صفات للمؤمنين ومن بينها قوله (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) وجُعل هذا اسمًا للسورة إعلاء لمكانة الشورى في الإسلام وليس المقصود بالشورى هو شورى الإمام مع رعيته أو وزرائه، هذا لون من ألوان الشورى ولكن الشورى في الإسلام أعم من ذلك هي منهج من مناهج الحياة التي لا تستقيم الحياة إلا بها، شورى المدير مع موظفيه، الأستاذ مع طلابه، الزوج مع زوجته، الأب مع أبنائه وبناته، إمام المسجد مع جماعة المسجد، الشورى منهج لأن الله قال (وأمرهم) أمرهم كلهم (شورى بينهم) دائمًا يتشاورون لا يستبد أحد منهم بشيء وقال في سورة آل عمران (وشاورهم في الأمر) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كمّله الله عقلا وحكمة وفضلا أمره أن يشاور من هم دونه وهم أصحابه عليه الصلاة والسلام ولكن لأن هذا الذي هو الذي يستدر طاعتهم، فالطاعة ما تُجلب بالقوة وإنما تُجلب بالمشورة فأنت إذا شاورت الناس جعلتهم يطيعونك ويساعدونك على إنجاح الأمر الذي شاورتهم فيه، أما إذا قلت لهم اذهبوا إلى هنا ولو كان هذا الأمر يعني صحيحًا وعاقبته رشد فإنهم لا يعينونك إذا كان ذلك الأمر عن غير اختيار منهم ولا قبول منهم. السورة استمرت وختمت بمثل ما ابتدئت به قال الله عز وجل (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) هناك قال (قرآنًا عربيا) وهنا يقول (روحًأ من أمرنا) فسمى الله القرآن روحًا للدلالة علة انه لنا كالأرواح لأبداننا وانه لا تستقيم حياتنا بدون القران كما لا تستقيم الأبدان من غير أرواح. قال (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) نسال الله أن ينير حياتنا وقلوبنا بهذا الكتاب وقبورنا وإيماننا به يوم القيامة
ام هُمام
09-03-2018, 04:08 PM
ثم ننتقل بعد ذلك الى سورة الزخرف
وهذه السورة من الحواميم وافتتحت بقول الله عز وجل (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) أي هذا الكتاب الذي بين أيديكم موجود في اللوح المحفوظ ومشرّف وفي مكانة عالية عظيمة. ثم ذكر الله عز وجل كثيرًا من الدلائل الدالة على وحدانيته وناقش هؤلاء المشركين في شركهم وأبرز شيئًا لم تبرزه السورة الماضية وهو انخداع الناس بالدنيا وأن الدنيا تصرفهم عن الإيمان بالآخرة ولذلك سميت سورة الزخرف، والزخرف هو الذهب الذي يخلب مرآه الأبصار ولذلك قال الله عز وجل (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي على الكفر (لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا) أي ذهبًا (وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) وتضرب السورة مثال لمن انخدعوا بالدنيا بفرعون الذي قال الله فيه (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) أي أنزل علينا العذاب، لما نزلت عليهم الآيات أرادوا أن يزيل موسى هذه الآيات وتعهدوا له بالإيمان وهذه الآيات هي: القمل والضفادع والدم وغيرها قال الله عز وجل (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ) انظروا الى الغرور بالدنيا (قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) يبين لهم أن ملكه خير من موسى انخدع بالدنيا والزخرف (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) هلّا كان موسى كذلك؟؟ عنده أسورة من ذهب وعنده قصور فارهة وعنده دنيا فارهة ولكن ما عنده شيء إذن لا يستحق أن يُتبع وهذه نظرة فرعون القاصرة إلى الأمر قال الله عز وجل فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آَسَفُونَا) أي أغضبونا (انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) العجيب أنه فخر على موسى بأن الأنهار تجري من تحته فأجرى الله الماء من فوقه وعذبه بما افتخر به. واستمرت السورة تتحدث عن هذا إلى أن ذكرت المقارنة بين أهل الإيمان وغيرهم في الجزاء قال الله عز وجل (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ) الحبور ليس هنا وإنما في الآخرة. (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ)
ام هُمام
09-04-2018, 10:47 PM
هذه سورة الزخرف ولذلك قال لا يغرّنكم ذهب الدنيا، فالذهب المعتبر والذي فيه الفخر هو ذهب الآخرة، عندما يطاف عليكم في الجنة (بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) اطلب ما شئت في الجنة حتى ينقضي بك الطلب ثم تُذكَّر اُذكُر كذا واذكر كذا حتى تطلب وتقول يا رب رضيت، من هو آخر من يدخل الجنة؟؟؟ هو آخر واحد يخرج من النار فيخرج وقد احترق فيغمس في نهر يقال له نهر الحياة فينبت كما تنبت الحِبة في حميّ السيل فإذا نبت حمد الله وقال لقد أنعم الله على بشيء لم ينعم به على أحد من خلقه، يظن نفسه أفضل إنسان في العالم لأنه نجا من الموت، فيبدي له الله عز وجلّ شجرة من بعيد شجرة جميلة جدًا وفيها ظل وارف وعندها ماء فيقول يا رب يا رب أسالك أن تدنيني من هذه الشجرة فأستظل من ظلها وأشرب من مائها، فيقول يا عبدي أرأيت إن أجبتك أخشى أن تسألني مسالة أخرى، قال لا والله يا رب لا أسالك غير هذا فيدنيه الله منها فيشرب من مائها ويستظل بظلها، ثم تبدوا له شجرة أحسن منها فيقول يا رب أدنني من تلك فأستظل بظلها واشرب من مائها، فيقول ألم آخذ عليك العهد أن لا تسألني غير ما سألتني، فيقول يا ربي لا أطيق فيدنيه الله منها فإذا دنا منها رأى باب الجنة ورأى الناس فيها من النعيم، فيقول يا رب أدنني من باب الجنة فيقول له الله عز وجل ألم آخذ عليك العهد والميثاق أن لا تسألني غير ما سألتني ؟؟فيقول يا ربي لا أطيق فيدنيه الله من باب الجنة فإذا أدناه الله ورأى هذه الجنة المهولة العجيبة لا يصدّق يعني يكاد عقله يطيش من الهول الذي فوق طاقة الإنسان، هنا يأتيه شيء لا يتصوره، ما هو؟؟ يقول له ربه يا عبدي ادخل الجنة فيقول أتهزأ بي وأنت رب العالمين قد امتلأت بأهلها يا رب؟؟؟ فيقول الله عز وجل ادخل الجنة فان لك مثل مُلك ملِك من ملوك الدنيا ومثله ومثله ومثله ومثله ومثله وعشرة أمثالها. آخر واحد في العالم يدخل الجنة له مثل ملك خمسين ملك من ملوك الدنيا طبعا من ملوك الدنيا، سليمان الذي ملك بين المشرق والمغرب يعني مثل ملك الكرة الأرضية خمسين مرة هذا آخر واحد ثم يقول الله عز وجل وإن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذّت عينك أو كما قال الحديث ما يصدق يكاد يموت من شدة الفرح نسأل الله أن يورثنا الجنة. يقول الله عز وجل (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) ثم يأتي بالمقابل (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) يصيحون صياحًا شديدًا في النار يا مالك وخازن النار (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) لا نريد شيئا إلا أن يقضي علينا يقال إنه يجيبهم بعد أربعين ألف عام يقول (إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ.!!!! ( لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) إلى آخر السورة، بعد ما بين ما للقرآن من منزلة وما فيه من عظمة وما فيه من أدلة وحجج بيّن متى نزل هذا القرآن فقال (حم والكتاب المبين).
ام هُمام
09-05-2018, 04:00 PM
سورة الدخان
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) وهي ليلة القدر (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ) أي يفصل (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم) وتستمر هذه السورة بمثل ما جرت به السور الماضية لا تكاد تختلف عنها كثيرا.
ثم ننتقل بعد ذلك الى سورة الجاثية
وتسمى سورة الجاثية لقول الله عز وجل (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) الجثو هو النزول على الركب من شدة الهول الذي يراه الناس في يوم القيامة وتسمى أيضا سورة الدهر وسورة الشريعة وهي تستدل على الوحي والتوحيد بدلائل كثيرة جدا إلى أن تصل إلى نهايتها في قوله سبحانه وتعالى (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد.
ام هُمام
09-09-2018, 06:34 PM
سورة الأحقاف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، معنا في هذه الليلة سورة الأحقاف، هذه السورة من الحواميم وهي آخرها وموضوعها هو موضوع سور الحواميم: الحديث عن التوحيد ومناقشة المشركين والإيمان بالبعث والحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان برسالته، هذا ما جاءت السورة لتحقيقه، ثم ضربت لذلك أمثالًا فجاءت بقصة هود وهم أهل الأحقاف والأحقاف جمع حُقف والحُقْف هو الجبل من الرمل، ولعل منطقتهم هي منطقة الربع الخالي هذه التي هي بحر من الرمال فهم كانوا يسكنون في هذه المنطقة التي تسمى منطقة الاحقاف، فالله عز وجل جعل لنا فيها آية وهي أنّ من كذّب واستكبر كانت عقوبته عظيمة وقد يعجلها الله له في الدنيا بأن يُنزل عليهم عقوبة قاصمة في الحياة الدنيا وقد يؤخر الله ذلك كله فتكون عقوبته مجتمعة في يوم القيامة.
افتتحت هذه السورة بقول الله عز وجل (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ كسائر الحواميم (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) لا يلتفتون ولا ينتبهون ولا يؤمنون ولا يستجيبون ثم ذكر الله عز وجل مناقشة مع هؤلاء الكفار (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) هؤلاء الذين تزعمون أنهم آلهة ماذا رأيتم من مخلوقاتهم في الأرض هل رأيتم شيئا؟؟ قال الله عز وجل (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) هل هم شركاء لله أيضًا في السماوات شاركوه في خلق السماوات أو شيء منها (ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أعطوني كتابًا نطق بهذا أو شيئًا من علم دلّ على هذا (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ هذا ثم قال الله (وَمَنْ أَضَلُّ أي لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله
ام هُمام
09-10-2018, 07:59 PM
من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون) واستمرت الآيات تناقش هؤلاء الكفار في شركهم وكفرهم بالله عز وجل إلى أن وصل إلى قوله (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) حمله وفطامه من الرضاع يقع في ثلاثين شهرًا يعني لو حسبناها تطلع سنتين وستة أشهر، ولكن الحمل تسعة أشهر وليس ستة! هذه إشارة إلى أدنى الحمل يعني أدنى ما يكون به الحمل ستة أشهر فهي سنتان وستة أشهر تصبح ثلاثون شهرًا وقال في أية أخرى في سورة لقمان قال الله عز وجلّ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير) لما ذكر هذا بيّن من هو هذا الشخص البارّ الذي وصّاه الله بوالديه فقام بحقهما قال (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ) وهو الثلاثين أو الثالثة والثلاثين (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) حتى والديه النعمة التي على والديه هي نعمة عليه وبذلك يشكر النعمة التي لله عليه ولله على والديه لأن كل نعمة من الله على والديك لا بد أن تأتيك قال (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) تصل فيه إلى الرضا يا رب (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) لذلك هذا الدعاء من أجمع الدعاء في القرآن فاحرصوا على أن تدعوا الله به (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قال الله (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) قد تقول ما مناسبة مجيء هذا المقطع في وسط الحديث عن الشرك وأهله؟ والذي يظهر لي – والله أعلم – أن المناسبة هي الفكرة أن الإنسان إذا أُنعم عليه شكر، فالعبد لما أنعم الله عليه يجب أن يشكر الله بأن يوحّده ويفرده بالعبادة كما أنه يشكر نعمة والديه بالبرّ بهما والإحسان إليهما يرى فضلهما عليه فالذي يشكر والديه ويحسن إليهما ينبغي أن يكون مثله الذي يشكر ربه ويثني عليه ويردّ الإحسان إليه سبحانه وتعالى
ام هُمام
09-11-2018, 07:40 PM
فيفرده بالعبادة ولذلك جاء بالمقابل فقال (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿١٧﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴿١٨﴾) ثم ذكر الله قصة الأحقاف التي هي قصة قوم هود (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٢١﴾ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٢﴾) ثم أنزل الله بهم عقوبته ثم هدّد المشركين فقال (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) يعني أيّ فضل لكم عليه؟ هم أقوى منكم وأكثر تمكنا فما نفعتهم قوتهم بل نزل بهم العذاب فما الذي يفضلكم عليهم؟؟ أنتم كذبتم كما كذبوا فانتظروا العذاب من الله. ثم ذكر الله نموذج لقوم آخرين سمعوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فامنوا به وهم الجنّ (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ) ماذا فعلوا؟؟؟ لم يعرضوا (قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ) هذا يدل على إنهم كانوا يهودًا (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيم 30 يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) يعني صاروا دعاة بمجرد سماعهم للقرآن من رسول الله لأن الحجة بلغتهم. قال الله عز وجل (وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
ثم ختمت السورة بأمر النبي صلى الله عليه بالصبر(فَاصْبِرْ) يا محمد (كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) أي إخوانك أهل العزائم العظيمة والقوة البالغة وهم إبراهيم ونوح وموسى وعيسى (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلَاغٌ) أي هذا بلاغ (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) من هم القوم الفاسقون؟ افتح الصفحة التالية بسم الله الرحمن الرحيم (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿١﴾ محمد) وهذه هي المناسبة بين سورة الأحقاف وسورة محمد، مناسبة بالغة.
ام هُمام
09-12-2018, 04:04 PM
سورة محمد
سورة محمد تسمى بثلاثة أسماء الاسم الأول محمد وهو أشهر الأسماء والاسم الثاني هو القتال وهو اسم مشهور وهو مأخوذ من قول الله عز وجل في السورة (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ) وتسمى أيضًا “سورة الذين كفروا” وهذا الاسم غير مشهور لها.
هذه السورة تتحدث عن الصراع بين المؤمنين والكافرين أو بين المؤمنين وأعدائهم سواء كانوا من الكفار أو كانوا من المنافقين لأنها جاءت بالحديث عن هؤلاء وهم الكفار وجاءت بالحديث عن المنافقين وفضحتهم شر فضيحة في أولها بذكر الفرق بين الطائفتين (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿١﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) ذكر اسم محمد في القران أربع مرات: في سورة آل عمران والأحزاب والفتح ومحمد ولعل هذا الموطن أولها ورودًا في القرآن الكريم ولذلك سميت هذه السورة سورة محمد وكل السور الأربع مدنية وليست مكية.
قال (ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) ثم ذكر أحكام القتال (فإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) واستمر في هذه ثم بيّن بعد ذلك جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين فقال في جزاء المؤمنين (أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) ما معنى مثل الجنة؟؟ مثل بمعنى صفة، صفة الجنة التي وعد المتقون. تأتي كلمة مثل بهذا المعنى كثيرًا في القرآن (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أي صفة الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار وليس نهر، غير آسن يعني غير متغير (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ ) قال صفتهم يمكن أن تكون مثل صفة هؤلاء الكفار؟! (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) لا يمكن! شتان بين الفريقين!!
ام هُمام
09-13-2018, 04:39 PM
ثم انتقل إلى الفريق الثاني من الصادين أو المعرضين وهم المنافقون قال ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ) يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون يقولون والله ما ندري بماذا يتكلم
محمد !!!! لا ندري ماذا يقول! (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴿١٦﴾ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴿١٧﴾)
ثم استمرت الآيات تتحدث عن هذا إلى أن جاءت في قوله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) يذمّ الله من لا يتدبر القرآن ، تدبر القرآن من الواجبات وليس من النوافل لأنك لا تنتفع بالقرآن إلا بالتدبر فيجب على الإنسان أن يعد نفسه للتدبر ، كيف تتدبر ؟؟ تقرأ وأنت حاضر القلب (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) أحضِر قلبك هذا هو التدبر. لكن هل هذا يعطيك صلاحية انك تتكلم بما فهمت أو بما استوعبت لا؟! لا بد أن ترجع به إلى أهل العلم. لكن أن تقرأ وآنت حاضر القلب هذا ضروري جدًا بل هو واجب لأن الله قال هنا على سبيل الذمّ (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) كأن الذي لا يتدبر القرآن قلبه مقفل.
ام هُمام
09-14-2018, 06:53 PM
وختمت هذه السورة بأمر المؤمنين بالنفقة في الجهاد لأن عمود الجهاد هو الإنفاق، ولذلك في تسع مواطن في القرآن يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس لماذا ؟؟؟ لأنه لا يقوم الجهاد أصلًا إلا بالمال، ولأن المال يستطيعه أكثر الناس بخلاف الجهاد بالنفس لا يستطيعه إلا القلة من الخلائق ولأن المجاهدون أنفسهم إذا لم يجدوا من إخوانهم دعمًا ومساندة فإنهم قد لا يستطيعون مقاومة أعدائهم ولذلك قال الله في آخر آية (هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ۖ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) لا يبخل على الله، أنت تبخل على نفسك، تراك إذا نقلت هذا المال تنفقه في سبيل الله أنت تضعه في رصيدك فقط يعني لا يذهب إلى غيرك ولما تضعه في رصيدك هنالك جهة تنميه لك حتى تكون درهم واحد عند الله بسبعمائة درهم جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بناقة مخطومة يعني عليها خطامها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن لك بها عند الله سبعمائة ناقة مخطومة. قال (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) قاتلنا ماذا ننتظر؟؟؟ الفتح من الله.
ام هُمام
09-15-2018, 04:18 PM
سورة الفتح
من قاتل فتح الله عليه علمًا بأن بين السورة الأولى والسورة الثانية قرابة أربع أو خمس سنين في النزول، سورة محمد من أوائل ما نزل في المدينة بينما سورة الفتح نزلت بعد صلح الحديبية في السنة الخامسة وتسمى سورة الفتح وهذه السورة أنزلها الله بعد صلح الحديبية وسمى الله الصلح فتحًا لأنه كان هو مقدمة الفتح الحقيقية خلافًا لما كان الصحابة يتوقعونه بأن الصلح ذلًا وهزيمة ، لا، كان هو الفتح لذلك لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحبّ إلي مما طلعت عليه الشمس (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) فالله عز وجل أنزل هذه السورة لتبشير المؤمنين وتثبيتهم ومناقشة أولئك الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعراب، دعاهم رسول الله لمشاركته عندما أراد الذهاب للعمرة فأبوا أو تخلفوا ففضحهم الله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا) فالله عز وجل بيّن أن الذي منعهم هو عدم وجود الإيمان في قلوبهم.
ثم ذكر الله رضاه عن أولئك الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة والتي تسمى بيعة الرضوان.
ام هُمام
09-16-2018, 05:26 PM
وختمت هذه السورة بقول الله عز وجل (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) وعمر ناقش النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها فإنه لما خرج من المدينة قال: إني رأيت أني أعتمر أنا وأنتم فلما رجعوا ولم يعتمروا قال يا رسول الله أين الرؤيا؟ قال هل أخبرتك أننا نعتمر هذا العام؟ لا، هذا العام لا تصلح العمرة، الله منعنا منها لحكمة يعلمها ليتحقق لنا بها شيء أعظم مما أردناه نحن لأنفسنا، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الصلح الذي سماه الله عز وجل فتحًا ثم عاد السنة التي بعدها وهي عمرة القضية أو القضاء واعتمر عليه الصلاة والسلام ثم بعدها بعام رجع وفتح مكة، كان سبب فتح مكة هو صلح الحديبية. قال الله عز وجل ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا)
ثم ختمت السورة بقوله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)المؤمن سبحان الله ينّور الله وجهه بسبب سجوده له، نعم وليست السيمة المقصود بها هذه الرقعة التي تكون في جباه بعض الناس، لا، ليست هذه المقصودة ولكن المقصود هو هذا النور المنبعث من الوجوه بسبب نور القلوب وإيمانها بعلام الغيوب سبحانه وتعالى، وأنا رأيت هذا في البلاد التي زرتها خصوصًا في إفريقيا ترى رجلين أخوين من أم وأب سوادهما واحد وشكلهما واحد أحدهما تقول هذا مسلم والآخر تقول هذا كافر من دون أن تعلم هل هذا مسلم أو كافر! وقد رأيت ذلك مرارًا سبحان الله والله من دون أن يخبرنا أحد، نقول هذا مسلم فيقول نعم، فمن أين عرفنا؟؟ من هذا النور الذين ينبعث يبعثه الله عز وجل علامة وسيمة في وجوه المصلين وانتم تلاحظون أن بعض المسلمين الذين لا يصلون يكون في وجوههم قتر وظلمة شديدة جدًا حتى كل من يراهم يقول فلان ولو كان جميلًا في وجهه قتامة لا تدري ما سببها، سببها قلة صلته بالله عز وجل ولذلك قال (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) أي وصفهم، مثل بمعنى وصفهم، وفي الإنجيل (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أي صغاره وأفراخه (فَآزَرَهُ ) آزر الأصل نخلة وبجوارها فراخها لما نتج الفراخ وقامت آزرت الأصل وقوّته (فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وهذا مثل للمؤمنين في الإنجيل وهو أنهم يبدأون ضعافًا وقلة فما يزالون يكثرون ويقوون حتى يصبحوا أشداء (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم جميعًأ منهم اللهم انك عفو تحب العفو فاعفو عنا اللهم تقبل منا واجعلنا ممن يوفق لقيام ليلة القدر .
ام هُمام
09-18-2018, 06:11 PM
معنا في هذا المجلس سورة الحجرات، وهذه السورة الكريمة تتحدث عن أداب المجتمع المسلم، وعن ما يربط المجتمع بعضه ببعض، وعن أهم الأسباب التي يحصل بها التفرق والاختلاف، وقد جاءت بأداب منوعة منها:
أداب متعلقة بحق الله وأداب متعلقة بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأداب متعلقة بحقوق المؤمنين، أما ما كان في حق الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾) فنهاهم عن التقدم وأمرهم بالتقوى، ما هو التقدم بين يدي الله ؟ هو أن تقترح أشياء، لماذا لم يحرّم الله هذا؟ لماذا لم يأمر الله بهذا؟ لو أن الله فرض علينا كذا؟ لو أن الله شرع كذا، هذا هو التقدم بين يدي الله، كأنك تقترح على الله وكأن الله لا يعلم وليس عنده الحكمة البالغة.
أما الآداب المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم فنلاحظ أنها أداب في غاية الرفعة والذوق وذلك لأن هذه السورة متأخرة جدا في النزول، نزلت في عام الوفود الذي هو العام التاسع للهجرة النبوية فجاءت هذه السورة لترفع من أخلاق المؤمنين وتهذبهم تهذيبًا رائعًا فقال الله عز وجل للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) لا يجوز لأحد أن يرتفع صوته على صوت رسول الله لأن هذا لا يليق مع الكبار (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضك لبعض أن تحبط أعمالكم ) هذا سبب من أسباب حبوط العمل.
ام هُمام
09-19-2018, 06:30 PM
ثم ذكر الله الذين يغضون أصواتهم قال (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)
ثم ذكر الأدب الثاني وهو مناداة النبي صلى الله عليه وسلم في غرفته أو حجرته مع أهله (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) فلا يليق بك أن تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناديه كأنك تنادي أحدا من أولادك، هذا ما يليق مع الكبار ولا يليق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أعظم إنسان وأشرف مخلوق ينبغي لك أن تحترمه وتتأدب معه، وإذا كان هذا في حقه فهو أيضًا في حق من حملوا رسالته وهم العلماء، لا ينبغي لنا أيضًا أن نخاطبهم كما نخاطب سائر الناس ولا ينبغي لنا أن نناديهم من وراء بيوتهم لأنهم إذا دخلوا بيوتهم فهم لا يدخلونها إلا من أجل أن يقضوا حوائجهم ويرتاحوا فيها وقد وهبوا الأمة سائر أوقاتهم.
ثم انتقل بعد ذلك إلى الآداب مع المؤمنين فبدأ بالأدب الأول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ) فينبغي على المسلم أن يحذر من قبول أخبار الفساق، سواء كان هذا الفاسق شخصًا أو كانت جهة، شركة إعلامية أو قناة فضائية أو غيرها، إذا جاءك الفاسق بنبأ أي خبر مهم، فلا يجوز لك أن تقبل هذا الخبر حتى تتبين، لأن هذا مما يوقع في العداوة ويقع في البلاء ويكون سببًا للتقاطع وللحروب والمشاكل.
ثم ذكر الله عز وجل الأدب الثاني وهو (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) ماذا عليكم؟ (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) يجب علينا عند حصول خصومة بين المؤمنين ولو كانت بين رجلين أن نصلح بينهما ولذلك قال بعدها (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) لا بد من العدل دون حيف مع أحد الطرفين (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٠﴾)
ام هُمام
09-20-2018, 05:03 PM
الأدب الثالث (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) النهي عن السخرية لأن السخرية توغل الصدور وتسبب الأمل النفسي الشديد، وأنت عندما تسخر هل عندك بطاقة من الله أنك أنت في الفردوس الأعلى وهذا في الدرك الأسفل؟! إذا فلماذا تسخر؟! قد تسخر من شخص أو تحتقره تمامًا لأي سبب من الأسباب لكن هذا الرجل قد عبر ووضِع له مقعد في الجنة وأنت إلى الآن ما عملت عملًا تصل به إلى الجنة، فبأيّ حق تسخر؟! ولذلك قال (لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) قد تسخر من إنسان يعمل عملا في نظر الناس أنه وضيع أو غير ذلك، ما تدري أن هذا الرجل الذي تسخر منه قد وصل إلى مرتبة عالية عند الله عز وجل أنت لا تعلمها ولم تطلع عليها، ذم ذكر الرجال وذكر النساء بوجه مخصوص لكثرة ما يجري بينهن من السخرية.
ثم ذكر الأدب الرابع وهو قوله (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي لا يعِب بعضكم بعضًا، تعيب أخاك في خلقته أو في مشيته أو في صوته أو أي أمر من أموره.
ثم الأدب الخامس (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ) أي لا تعطي أخاك لقبا لا يحبه، يا الدبّ، بأيّ حق؟؟ هذا اللقب لا يحبه، لا يجوز لك أن تفعل ذلك معه، بل يجب عليك إما أن تلقبه إما لقبًا حسنًا أو لا تلقبه بشيء وتناديه باسمه، وأحب شيء إلى الله أن تناديه بأحب الأسماء إليه، يا أبا فلان أو الشيء الذي هو يرغب أن يسمّى به أو يكنى به، قال الله عز وجل (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) مما يدل على أن هذه كلها من باب المعاصي وأنه تلزم فيها التوبة (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، كم هذه؟؟ إن جاءكم فاسق، أصلحوا،لا يسخر، لا تلمزوا، لا تنابزوا هذه خمسة
ام هُمام
09-21-2018, 06:34 PM
الأدب السادس (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) لا تظن بأخيك ظنًّا سيئا من غير دليل ولا بينة، فنهانا الله عن الظنون بإخواننا.
الأدب السابع (وَلَا تَجَسَّسُوا) والغالب أن الذي يظن ظنا سيئا يحمله الظن السيئ إلى التجسس فنهانا الله عن التجسس.
ثم نهانا الله عن الغيبة لأن العادة أن الذي يتجسس يطّلع على شيء من عورة أخيه فيذكر ذلك لغيره فيغتابه ولذلك جاءت هذه الثلاثة مرتب بعضها على بعض قال الله عز وجل (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).
ثم قال الله مبينا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) قسمكم الله شعوب وقبائل ليس من أجل أن تتفاخروا أو يشعر أحد أن عنصره أو جنسه أو عرقه أو بلده خير من البلد الآخر، لا، لا، كل هذه القسمة في الأرض أو الأعراق أو الألوان هي من أجل التعارف، حتى يقال هذا مصري وهذا عراقي وهذا أمريكي وهذا أوروبي، فقط من أجل المعرفة فلا تستعملوها لغير هذا السبب، لا تستعملها من أجل الفخر ولا العلو في الأرض.
ثم قال الله (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) لاحظوا من أول السورة إلى الآن كل الآداب متصلة بماذا؟؟؟ باللسان! (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي -إن الذين ينادونك – إن جاءكم فاسق بنبأ- لا يسخر قوم من قوم – لا تلمزوا أنفسكم – لا تنابزوا بالألقاب) غالبها متصل باللسان ولذلك هنا جاء بعيب آخر من عيوب اللسان وهو الدعاوى، أن يدّعي الإنسان شيئا ليس من حقه (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).
ام هُمام
09-22-2018, 04:42 PM
ننتقل بعد ذلك الىسورة ق
وهذه السورة هي أول المفصّل فالقرآن يقسم إلى أربع مقاطع أو أربع أنواع: السبع الطوال وهي من سورة البقرة إلى التوية، والمئون وهي التي تبلغ آياتها مئة فأكثر، والمثاني وهي ما دون المئين، المفصّل وتبدأ من سورة ق الى الناس، وهو ثلاثة أقسام: طوال المفصل من ق الى نهاية سورة المرسلات، وأوساط المفصل من سورة عمّ إلى نهاية سورة الليل، وقصار المفصل من سورة الضحى إلى سورة الناس. لماذا نتعلم هذه؟ نتعلمها لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر في طوال المفصل، وفي الظهر والعصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل، لذلك لا بد أن نتعلمها .
سورة ق تتحدث عن قضايا العقيدة وبالأخص قضية البعث بعد الموت والجزاء والحساب وان كانت تحدثت عن التوحيد وتحدثت عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، وافتتحت بالقرآن واختتمت به، قال الله فيها (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ) وختمت بقوله (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) وهذا من باب التناسب بين فاتحة السورة وخاتمتها. هذه السورة فيها التذكير بأن الله قادر على البعث من بعد الموت وفيها التخويف من مصائر الأمم الماضية وفيها التذكير بالموت وأنه آت لا محالة (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿١٩﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴿٢٠﴾ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿٢١﴾ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿٢٢﴾ )
ام هُمام
09-23-2018, 07:36 PM
ومن عجائب هذه السورة وتمام مناسبتها لسورة الحجرات أن الله قال فيها (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾) لماذا ؟؟ لأن سورة الحجرات كلها في الألفاظ، من أول شيء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) إلى آخر شيء (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) ولذلك هنا قال (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ) حتى لو كان حرف واحد (إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)فإن قلت هل كل ما أتكلم به يُكتب؟؟؟ نعم يكتب! حتى حرّ وبرد واه وأف وأح كلها تكتب، لكنك لا تُجازى إلا على ما فيه خير أو شر، فإذا جئت يوم القيامة ووضع الكتاب بين يديك مدّ البصر وبدأت تتصفحه (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسبيا) تهوّلت انه ما من لفظ خرج من فمك إلا وقد قُيد، ولذلك المجرمون ماذا يقولون؟ ( يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ) لكن لا تجازى إلا على ما يكون به الجزاء من خير أو شر، وأما كلمة أح وأخ وبرد فإنك لا تجازى ولكن تراها، تُحسب! ولذلك تتندم على أنك ما وضعت بدلها: سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر.
ام هُمام
09-24-2018, 07:28 PM
ثم ننتقل بعد ذلك إلى آخر سورة وهيسورة الذاريات:
هذه السورة أيضا موضوعها هو موضوع السور المكية من مناقشة المشركين في أمر البعث وأنه حق قادم لا محالة وهي تتجه بنا إلى أن نتجه إلى الله من خلال عبوديته فتأمرنا بذلك ولذلك ذكر الله فيها أربعة أقسام قال (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) وهي الرياح (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ﴿٢﴾) وهي السحب (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) وهي السفن (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) وهي الملائكة (إنما توعدون لصادق وان الدين ) أي الجزاء والحساب (لواقع). (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ) أي ذات الجمال والقوة (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) أيها المشركون في أمر البعث وأمر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أرشدهم إلى ما ينبغي لهم أن يفعلوه فقال الله عز وجل (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ) من الجزاء الحسن (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) ماذا كانوا محسنين؟ بأي شيء؟ ( كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قليل من الليل الذي يهجعونه (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) الاستغفار بالأسحار (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) سؤال: وردت هذه الآية في سورة المعارج لكن قال في تلك سورة المعارج (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) وهنا (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) ما الفرق بينهما؟ هذه صدقة وتلك زكاة لأن تلك جاءت في مورد الواجبات أما هذه في مورد النوافل (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ)-ما قال معلوم- لو كانت حق معلوم لكانت الزكاة، لا، (حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) لأن هذه كلها نوافل. (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴿٢٠﴾ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾) العجيب أن هذه السورة تؤكد على أمر الرزق، ولاحظوا أن الرياح والسفن والسُحُب مما يكون بها الرزق، وهنا قال (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴿٢٣﴾).
ام هُمام
09-25-2018, 05:01 PM
ثم جاء بقصة إبراهيم مع ضيفه، وهي قصة عجيبة تحتاج إلى وقفات طويلة لكن هذا ليس محلها ويمر بنا إن شاء الله قوله (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴿٣٤﴾ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٣٥﴾ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٦﴾) لماذا قال في الأولى (للمؤمنين) وقال في الثانية (المسلمين)؟ بعض الناس يقول لأن كل واحدة تنوب عن الأخرى، لا، من هم الذين أخرجوا من قوم لوط؟ ما أُخرج إلا المؤمن -لوط وبناته- (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قرية لوط أو قرى قوم لوط وهي المؤتفكات، ما فيها غير بيت واحد! ليس مؤمن وإنما مسلم ـ لماذا؟؟ لأن معهم امرأة لوط وهي ليست من المؤمنين، هي مسلمة في الظاهر كافرة في الباطن، ولذلك يقول (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لما وصف البيت وصفه بأنه مسلما لما جاء إلى الإخراج والتمييز ذكر أن الذين أخرجوا هم المؤمنون وهذه التي كانت في الظاهر مسلمة وفي الباطن كافرة بقيت مع قومه فهلكت مع الغابرين.
ام هُمام
09-26-2018, 06:31 PM
ومن أعظم آيات السورة قول الله عز وجل (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) الفرار يكون من الله إلى الله وما في أحد يُفرّ منه إليه إلا هو ما لك مآل ولا مصير إلا إليه سبحانه، ففروا يا عباد الله إلى الله (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ). ثم بينت حكمة الخلق في قوله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ما خلقنا للهو ولا للسياحة واللعب ولا للضرب في الأرض ولا لطلب الأرزاق، هذه أشياء نتبلّغ بها لكن الحقيقة أنا خلقنا لأجل هذا الذي اجتمعنا عليه، من كرم ربنا أنه أباح لنا أشياء لكن لا يجوز أن نتخذ هذه الأشياء أساسًا ونقلب المعادلة كما قال في سورة القصص (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ) يعني كل ما أتاك الله ابتغ فيه الدار الآخرة، ثم ذكّر العبد قال: انتبه لا أقصد كله تجعله للآخرة وإنما ضع شيئا للدنيا (ولا تنس نصيبك من الدنيا) أن تراعيه نحن الآن ابتغينا في كل ما أوتينا من الدنيا ونقول لبعضنا تذكر الآخرة ولو بشيء يسير، تصدق ولو بريال المفترض العكس يعني تصدق بكل مالك إلا بما تتبلّغ به في الدنيا قال الله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) موضوع الرزق، في ضيافة إبراهيم، (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإيمان والعمل الصالح وصلى الله على نبينا محمد.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir