المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ الغفيص


السليماني
08-28-2023, 06:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

أمابعد

فهذه فوائد من شرح الشيخ يوسف الغفيص حفظه الله جمعتها من شرح رسالة العبودية

لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأسكنه الفردوس .

--------------------------------


1- الاصطلاح ليس حاكماًعلى الشرائع ولامنشئاً لها .

2-الاحتجاج بالقدر ليس شبهة عقلية بل هي وساوس شيطانية لبعض المشركين ومن شابههم .


3- لايوجد في الشريعة باطن محض أو ظاهر محض فكل باطن له ظاهر وكل ظاهر يتضمن باطناًومامن باطن الايتضمن ويستلزم ظاهراً ويقتضيه نوع اقتضاء .

4-الفقر صفة للعبد دائماً والغنى وصف ذات لله عزوجل .

5- أقسام الناس عند الاسباب :

أ- من إذا سقط السبب يدعو الله وحده وعند استقامة السبب -ولو ظاهرا- يشرك بالله - المشركون .

ب- من حاله تقصير من المسلمين يستدعي الفقر والدعاء عند الضعف والشيب وهي حالة مأمور بها ولكن لابد ان تكون صفة دائمة كماهي حال الانبياء

كماقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أفلا أكون عبداً شكورا ).


6- العبد فقير الى الله دائما في حالين : أ ) التكوين . ب ) التشريع .

7- فقه مراتب العبودية مهم جداً وقد يتوهم البعض بأنه أمر واضح ولكن التحقيق لايعرفه الا القليل .

يتبع إن شاء الله ...

السليماني
09-10-2023, 12:54 PM
(2)

8) عني شيخ الإسلام رحمه الله بدفع الشبهات عن طريقة السلف وهي مستتمة قبله .

9) هدي الصحابة هدي تابع وهم أصحاب العلم والفقه والفصاحة بمقتضى العقل والأدلة المستفيضة في الكتاب والسنة .

10) الوعد بالرضوان :أعظم مقامات الثناء أن يرضى الله عن العبد وهو أبلغ من الوعد بالجنة وأتم لإنه يتضمنها ولابد .

11) ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) وهذا خبر عن الصحابة رضي الله عنهم ومقتضى ( دليل ) العقل والشرع والدين والعلم أن الله لايرضى إلا عمن حقق العلم والعمل

فهم محققون للعلم والعمل وهذه تزكية مطلقة من الله عزوجل لهم .

وهذا يعرض على أصول الشريعة فهو لايفيد العصمة عن الخطأ او خطأ الاجتهاد ولايفيد التصحيح لآراء آحادهم ولكنه يصحح إجماعهم فهم أزكى هذه الأمة .


12) في الأصول العلمية المتصلة بالأصول العملية :

ليس ثمة أصول علمية محضة
أو أصول عملية محضة
- مامن أصل علمي إلا وهو متصل بالأصول العملية
ومامن أصل عملي إلا وهو متصل بالأصول العلمية .

-ليس في الدين أصل علمي مجرد عن العمل .

13) السبب الكلي في خطأ طوائف المرجئة :

التوهم بأن هناك أصول عملية محضة

قالوا كيف تكون الأعمال إيماناً وهو من عمل الجوارح ؟

وفاتهم أنه لايوجد في الشريعة عمل محض بمعنى أن الصلاة والطواف بالبيت وغيرها ليست أعمالاً مجردة بل من أركانها القيام والركوع وفيها الفروض والواجبات

فإن من أركانها الأمور العلمية

الطواف بالبيت لو نقص عن سبعة ماصح طوافه وإذا لم يصح طوافه لم يصح ركن العمرة أو ركن الحج في طواف الإفاضة .

لو لم يرد نية الطواف كمن يبحث عن طفل ضاع لم يقع طوافه .

-ليس في الشريعة عمل مجرد لإن كل الأعمال العبادية أصلها نية التقرب لله وقاعدتها الإخلاص لله
ومايدخلها من المحبة والخوف وغير ذلك .

ولذلك علم عند جميع المسلمين أن صلاة المنافقين باطلة مع أنها في الشكل العلمي المجرد لاتختلف عن صلاة المؤمنين وربما تابعوا الرسول صلى الله عليه في الصلاة .

ماوجه بطلانها : افتقدت الأصول العلمية ليس فيها الركن الثاني العمل لابد معه من العلم والإخلاص والإيمان وماإلى ذلك .

14)عني الشيخ رحمه الله في ذلك السابع بتحرير هذه الطريقة الفاضلة وهي طريقة أئمة السلف ومافيها من الخير والسعة والنور والاتباع

وهي أوسع الطرق من جهة العدل والرحمة والفضل والعلم والتحقيق .

-أئمة العلم هم من أصحاب هذه الطريقة من أئمة الحديث والفقه والسلوك .

-أعظم الأسماء في طريقة السلف الأسماء الشرعية تسميتهم ب( المسلمين المؤمنين المتقين ... الخ )

15) ( ماكان ابراهيم يهوديا ولانصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلماً )

اليهودية والنصرانية أسماء مخترعة فردها الله للاسم الشرعي الذي رضيه .

- وهناك أسماء أحدثها الناس واصطلح عليها الناس فجعل الله الأسماء الذي سمى بها عبادة ( هم سماكم المسلمين من قبل ... )

فالأسماء الشرعية الشريفة كاسم الإيمان والتقوى هي التي يجب على المسلم أن يلزمها ويتقتدي بأثرها وماتتضمنه من المعاني .

16) اسم السلف هو المتقدم كما تقتضيه اللغة وخاصتهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واتباعهم فهي طريقة قائمة إلى قيام الساعة .

17) من شرف هذه الطريقة : أنه يقتدي بها من يخالفها في بعض موادها.

السليماني
10-10-2023, 08:07 PM
(3)

18)كل سبب من الأسباب العلمية والعملية يقتضي اجتماع المسلمين على الكتاب والسنة فهو سبب مشروع ومايخالفه سبب مذموم .

19) شرع الله الدين لجميع الأنبياء وجعل له ركنين عظيمين :

أ - إقامة الدين . ب- أن لايحصل فيه التفرق .

فإن التفرق في الدين ضلال .

( أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه )

والمحقق والعارف لعلم الكتاب والسنة وطريقة الأنبياء وهدي المرسلين -عليهم الصلاة والسلام -يدرك أن هذين الأصلين العظيمين من الأصول المتلازمة .


ومن نقص علمه وفقهه أو نقص اجتهاده أو نقصت إرادته توهم التمانع بين هذين الوجهين

فلم يدرك القصد إلى تحقيق الدين إلا بمادة التفرق

أو لم يدرك إلى القصد إلى مادة الاجتماع إلا بترك شي من إقامة الدين .


وهذا عرض لبعض الطوائف ولبعض الأعيان وهو فوات التحقيق للجمع بين الأصلين الشريفين

الذي ذكرهما الله شريعة لجميع أئمة الرسل


( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ )


ثم ذكر أئمة الرسل وهم ابراهيم وموسى وعيسى

ثم ذكر ذلك للنبي نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة وهو خاتمهم وسيدهم عليه والصلاة والسلام .

20) يقع لبعض الأعيان وبعض الطوائف مادة من التمانع تارة

او الاضطراب في تحقيق الجمع بين هذين الأصلين ويكون سبب ذلك :

أ ) لنقص العلم والفقه في الدين تارة .

ب) نقص مقام الإرادة تارة .

ج) وربما صار أحياناً إلى نقص العقل تارة ( فبعض التصرفات من بعض الذين يعنون بتحقيق مقام الدين تجد أنه أشبه مايكون بالفوات العقلي - نقص الحكمة - مراعاة مقاصد الشريعة -تمييزأحكام الشريعة في قواعدالمصالح والمفاسد .)

21) العلم بمسائل أصول الدين يتصل بمسائل فروع الدين .

فمن أراد في مسائل أصول الدين ويبحث في مقام أقامه الدين وترك التفرق لابد أن يكون فقيها في علم قواعد الشريعة والمصالح والمفاسد ومايتعلق بذلك حتى يميز الانكار في موضعه ودرجة الإنكار في موضعه والذم بحسب اقتضاء السبب الشرعي فيه والحمد بحسب اقتضاء السب الشرعي فيه .

وقام بذلك بعد القرون الثلاثة المفضلة أئمة الدين من الأئمة الأربعة وغيرهم

وأخص من قام بذلك في القرون المتأخرة من انتسب للمذهب الحنبلي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .


22) أعظم الطرق في درء الشبهات والفتن العلمية حسن التقرير للأحكام والحقائق الصحيحة .

لإن من استبان له النور اكتفى به عما خالفه .

والشبهات مادتها ليست متناهية فكل قوم ينتحلون شبهة تختلف عن الآخرين

لكن الحق واحد وقد استقر وأكمله الله ( اليوم أكملت لكم دينكم )

فالعناية ببيان أدلة الشريعة وكمال الدين وماتقتضيه من الأحكام والمقاصد هي أخص الطرق لدفع الشبهات .

وربما اقتضى المقام التفصيل في الرد على بعض الشبهات وورد في القرآن الرد على بعض أهل الباطل ( وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه ... )

ذكر وسمي وذكر جوابه كما قصة ابراهيم في سورة الأنعام .

لكن الذي استبان به جمهور الحق هو تقرير الحق من جهة الحقائق المبتدأة الصادقة .


23) من أعظم أسباب المخالفة لمقامات العبودية هو الجهل بحقائقها .

السليماني
11-12-2023, 05:58 AM
(4)

24) تعريف الشيخ للعبادة بذكر أنواع العبادات ليس فواتاٌ في النظم البلاغي كمايقال بل هو التحقيق البلاغي المناسب لملاقاة مقاصد الشريعة

فذكر الله عن الأنبياء فقال في إسماعيل ( إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً ) فذكر توحيده وذكر خلقه

(نعم العبد أنه أواب ) تذكرمقامات العبودية التفصيلية .

وذكر في السنة كما في حديث وفْدُ عبدِ القَيسِ علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، قالَ : آمرُكُم بثلاثٍ، وأنهاكُم عن أربعٍ، آمرُكُم: بالإيمانِ باللَّهِ، وَهَل تَدرونَ ما الإيمانُ باللَّهِ؟، قالوا: اللَّهُ ورسولُهُ أعلَمُ، قالَ: شَهادةُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وأن تُعطوا منَ المغانِمِ الخُمُسَ )


والشاهد هنا في هذه الرواية وفي آيات القرآن والكتاب المبين وغيره ( بيان الأسماء الشرعية بحقائقها الشرعية وهذه أتم الطرق في العلم وأتم الطرق في تحقيق العمل )

وكثيرمن اهل الاصطلاح والنظر توهم أن الطرق المنطقية النظرية أضبط فيما يسمى الحد الجامع المانع والأمر ليس كذلك

ولهذا تجد أن الأسماء التي يستعمل فيها الحد على طريقة اهل المنطق تجد أن الحد المعين لاسم من الأسماء(الإيمان -الشرع -العلم)

تجد أن الحد نفسه تضمن جملة من الأسماء إما صريحاً أو يأتي مصدراً أو يأتي فعلاً لابد له من مصدر واسم
فتحتاج هذه الأسماء إلى تعاريف فيتصل الدور .
بخلاف الأسماء الشرعية فهي جامعة مانعة .

ولهذا تعريف المصنف العبادة بهذا تجده جامع عند أهل العلم والتحقيق
وهو جامع عند أهل النظر والمعارف
وهو جامع عند أهل الأحوال والسلوك
وهو جامع باعتبار آخر عند الخاصة في العلم والعامة .


ومثله لو عرفت العبادة بتعريف مقارب لتعريف الشيخ بأن قلت ( العبادة اسم جامع لكل ماشرعه الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة )


فإذا ذكرالفعل (شرع ) نبهت إلى مقتضى الدليل وإذا قلت ( أحب ) تعلم أن ماشرعه الله فهو يحبه وكلا المعنيين بينهما تلازم .

(25) كل عبادة أحبها الله فإن الله بين أمرها لعبادة أتم البيان ليعبدوه بها .

26) التنوع في السياقات فقد تذكر الأصول مرتبة كما في حديث ابن عمر ( بني الإسلام على خمس ...)

الحديث وتارة يأتي اسم بين اسمين في بعض السياقات (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ )


توسط اسم الإعراض عن اللغو بين الصلاة والزكاة وتجد هذا في كثير من التراتيب الشرعية

وهذا من أوجه الاختصاص الذي لايستطيعه العرب ولاأصحاب الحروف ولاأصحاب المعاني أن يجمعوا المعاني على هذه الطريقة المحققة



قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا )

لإن هذا من علم الله والبشر عاجزون وقاصرون عن إصابة علم الله أو محاكاته أو الاتيان بشي مثله ( ليس كمثله شئ )

27) ذكر الأعمال القلبية ( الباطنة ) من المحبة والخوف والخشية والتوكل :

كل عمل قلبي له اتصال بالأعمال الظاهرة .

28) أصل دين الأنبياء واحد وهو الإيمان بالله ونحقيق العبودية لله تعالى وحده .

29) جميع الأعمال إنما شرعت لتحقيق العبودية والتوحيد لله عزوجل

ومن فقه الصحابة قول أبي أيوب ( فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك ) .

30) ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )

فالعبد إذا فقه حقيقة العبودية صارت حالة العبودية لازمة في كافة أمره وهذه حال الأنبياء وأهل الاقتداء من أعيان الصحابة .

ام هُمام
11-13-2023, 06:38 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
بارك الله فيكم

السليماني
11-29-2023, 01:42 PM
وفيكم

جزاكم الله خيرا ...

السليماني
12-25-2023, 06:43 PM
( 5)

31) من كمال الشريعة أن الأسباب العادية -إذا ابتغي بها وجه الله - وهي أسباب الخير تكون قربة عند الله .

كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ ) رواه البخاري


قال معاذ رضي الله عنه : (أما أنا فأنام وأقوم فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) رواه البخاري .

32) ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأسباب الكبرى لدخول الجنة وبين أن بعض الأسباب العادية أو الأخلاقية - التي قدلايعتبر بها كثيرمن الناس - تكون سبباً في دخول الجنة


كمافي الحديث ( عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " أَنَّ رَجُلًا مَاتَ ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا كُنْتَ تَعْمَلُ ؟ - قَالَ : فَإِمَّا ذَكَرَ وَإِمَّا ذُكِّرَ - فَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ ، فَكُنْتُ أُنْظِرُ الْمُعْسِرَ ، وَأَتَجَوَّزُ فِي السِّكَّةِ - أَوْ فِي النَّقْدِ - فَغُفِرَ لَهُ "رواه مسلم .

لإن مقامه في الحقيقة الشرعية إذا ابتغى بهاالإحسان فقصد مقاماً شرعه الله بصريح الأمر-وهذا هو الفقه-

حقق بفعله القصد إلى أمر صريح في أمر الله

لإن الله أمر بالإحسان قال تعالى ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... الآيه )أمر صريح بتسمية الأمر بالإحسان


واتصل اسم الإحسان باسم بالعدل - وهوركن الأخلاق وقاعدتها وأصل الأخلاق-

فلذلك فقه هذه المقامات بالفهم التام والفاضل لمقاصد الشريعة .


33)لماقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( الإيمان بضع وسبعون شعبه فأعلاها قول لاله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ...الحديث )


فبين الفرق بين الدرجتين حتى لايكون مقام الشمول مفوتاً فهم مراتب الديانة .


لإن بعض الناس أحياناً يبالغ في بعض الأجزاء الأخلاقية - مع تفريط بين في الأصول الواجبةمن الأعمال والأحكام - بحجة أهمية مقام الأخلاق وهذا خلل فلايصح أن يكون الإصابة لبعض المقامات الأخلاقية ستاراً يتغافل به عن تحقيق مقامات أعظم منها في الدين .


وهذا الأدنى قد يكون سبباًموجباً لرحمة الله ودخول الجنة كما في الحديث (مَرَّ رجلٌ بغُصْنِ شجرةٍ على ظَهْرِ طريقٍ ، فقال : والله لَأُنَحِّيَنَّ هذا عن المسلمينَ ، لا يُؤْذِيهِم ، فأُدْخِلَ الجنةَ ) رواه البخاري ومسلم .


فقه العبودية هو في فقه القرآن وفقه السنة وهي هدي الرسول صلى الله عليه وسلم .


34) وصف الله ملائكة وأنبياءه بقوله (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ) لايستكبرون يعني أنهم يعبدون الله رغباً ورهباً ومحبة وإجلالاً وتعظيماً


لَا يَسْتَحْسِرُونَ لايفترون ولايقصرون عن عبادة الله بل هم مقيمون على عبادة وهي صفة المرسلين


وهو معنى القنوت الذي ذكره الله عن إبراهيم ( إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله ...) الآيه أي مقيماً على عبادته .


ومن الفقه في هذه الآيات أن من تحقيق ترك الإستكبار ومايداخل النفس من المنازع وإن لم يكن من الاستكبار الذي وصف به الكفار- ولكنه من المنازع - فإن الإقامة على العبادة هي من الأوصاف الشاهدة بصدق العبادة وكونها وقعت إخلاصاً لله .


ولهذا كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم- ديمةً -كماقالت عائشة رضي الله عنها

وهذا من سعة فقهها في فهم مقاصد العبودية وهذا هدي الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام .


يذكر الله تعالى - ترك الاستكبار في فعل الملائكة مع ملازمة العبادة -لإن هذا هو تحقيق ترك الاستكبار أو الأسباب المنازعة التي هي من مادة الاستكبار .


ولهذا يقال -كنتيجة - الاقبال على طاعة الله ودعائه هو تحقيق ترك الاستكبار عن عبادته .


لايلازم مقام الإدامه إلامؤمن - ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان ( اسْتقيموا و لن تُحصوا ، و اعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصلاةُ ، و لا يحافظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ ) رواه أحمد


35) المنافقون يصلون تارة ويتركون تارة فإذاقامت أسباب مصالحهم الدنيوية صلواوأظهروا الصلاة وإذا ظنوا فواتها تركوا وهكذا في سائر شعائر الإسلام .


36) (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ.) رواه مسلم


وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص ( قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟

وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها؟ وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ ... ) الحديث رواه مسلم


وهذه العبادات نافية لمادة الشر والمعصية في النفس

الأعمال الصالحة هي الأعمال المصححه للقلوب

- وهذا لوتتبع لماتمكن متتبع أن يستتم تحصيله لسعة مافي الكتاب والسنة من ذلك ولكن هذه إشارة إلى بعض مقاماته .


ويطابقه قول الله تعالى (إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) والحج ينهى عن الفحشاء والمنكر وكذلك الصدقة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه ( والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ ...) رواه مسلم


أي : برهان على تحقيق الإيمان وصدق الإيمان .

السليماني
01-28-2024, 09:03 PM
37) عباد الله الذين صدقوا الله ليس للشيطان عليهم نصيب( إلا عبادك منهم المخلصين )
-لماقضي الأمر (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ...)

-عند ابتداء الأمر ( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) ليس بيده إلا التزيين فقط


38)التزيين المزيف وهو - نقل للشي عن حقيقته الصحيحة المقتضية لتركه إلى صفة وهمية تحرك بعض النفوس إليه -

ومثال ذلك ( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ )

أما الشي الحسن والزين بذاته فلايحتاج إلى تزيين

وهو - قلب الحقائق الفاسدة إلى وهميات حسنة تتزين في نفوس بعض النفوس المتعلقة بأوهام الشيطان -


39)سبب الشيطان قاصر بل أبلغ سبب قاصر هو سبب الشيطان في مقابل السبب الأعظم وهو النور الذي جعله الله في نبوة الأنبياء ولامقارنة بينهما البته قال تعالى ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا )

- كل سبب من أسباب الباطل الحسية والمعنوية قابلت الأسباب الشرعية الحسية أو المعنوية العلمية صارت أسباباً قاصرة فيما يقابلها -

كماحتى في السحر - مع أن السحرة يجتالون كثيراً من الناس وهذا معروف في الأمم والخوف من السحرة وتلاعبهم وأثرهم

ولكن لماجاء السبب الشرعي الذي قضى به الله أمراً كونياً وهو قوله جل وعلا ( ولايفلح الساحر حيث أتى )

لإن ذلك السحر الذي جاء في قصة فرعون وجنوده قابله الله تعالى ذلك الأمر الإلهي لما أمر عبده ونبيه موسى أن يلقي عصاه

- قال تعالى (فإذا هي حية تسعى ) ماصار هناك مقابل بين الأمرين

-يخيل إليهم من سحرهم -جانباً وهمياً

-فإذا هي حية تسعى - حقيقة .

40) السحر له حقيقة ولكنها قاصرة وليست الحقيقة المطلقة التي يوهم بها السحرة .

انتهت فوائد الشريط الأول ...

أبو طلحة
02-06-2024, 07:18 PM
جزاك الله خيرا

السليماني
03-03-2024, 06:30 AM
بارك الله فيك ...

السليماني
09-30-2024, 05:26 PM
(7)


41) المحبة نتيجة لماشرع الله فإن الله يحب من عباده أن يتقربوا إليه بماشرع بل لايصح منهم أن يعبدوه إلا بماشرع .

ولذلك من أصل دين الإسلام إن لايعبد الله إلا بماشرع


كما في الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم ( من أحدث في أمرنا ماليس منه فهو رد )وقال صلى الله عليه وسلم ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ).

42) من فقه المصنف أنه بين أن الأسماء الشرعية -التي ذكرها الله في كتابه - تذكر :

أ- تارة باسم الفاعل . ب- أو تارة بصيغة المصدر باعتبارها فعلاً .
ج- تارة باسم الفعل نفسه .

فإن هذه الأسماء كالعبادةوالتقوى والإيمان والإسلام والإحسان والقانتين والصادقين والمتصدقين - التي ذكرها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأوجهها المختلفة .
فإنها أسماء جامعة لمعنى الدين ويكون الخلاف بينها تنوع بهذا الاعتبار .

43)ومعنى أن الأسماء الشرعية جامعة باقتضاء المطابقة لبعض مقاماته

والتضمن لبعض مقاماته واللزوم لبعض مقاماته .

بل بعضها يكون مركباً من المطابقة المطلقة أو مركباً من دلالته من المطابقة والتضمن .

44) إذا دُخِل في الأسماء المفصلة على آحاد الأفعال صار شمولها باعتبار اللزوم على هذا التقدير وهذا من كمال هذه الأسماء الشرعية .

45) الأسماء الشريعة جامعة للدين إما بالمطابقة المطلقة كاسم الإيمان فإنه مطابق لكل ماشرع الله

فإنه كل ماشرع الله كما هو مذهب السلف وجاءمتواتراً في الكتاب والسنة أن -الإيمان قول وعمل واعتقاد أو قول وعمل كما هي عبارة أكثر السلف أي

( قول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح )

والإيمان جميع الأعمال الشرعية تسمى إيماناً

فلذلك دلالته على الشريعة دلالة مُطابِقَة

كل ماشرع فهو إيمان ويسمى آحاده إيماناً كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيح

( الإيمان بضع وسبعون شعبة ) فهي خصال الإيمان وشعب الإيمان فهذا من كمال الأسماء الشرعية .


46)الأسماء الشرعية هي الأسماء المحمودة أن يكون البيان والحق مبيناً بالأسماء الشرعية لها دلالاتها من حيث التشريع

فكل اسم يتضمن دلالة إما دلالة عامة أو دلالة خاصة .


-الدلالات الخاصة إما تتضمن تارة أو تستلزم غيرها من المعاني- فصارت هذه الأسماء مقتضية للدين وجامعة له

وإن كان بعضها -من جهة البيان - أجمع من بعض باعتبار السياق تارة إو إطلاق الاسم في اللغة تارة أخرى من جهة الخصوص والعموم أو التقييد والإطلاق-

سواء كان التقييد بالألفاظ أو التقييد بالصفات- وهما نوعان مختلفان .


47)تتدبر هذه المعاني عند التحقيق وهي كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا ماجعل الله اسم العبادة واحداً

تارة تذكرباسم العبادة وتارة باسم الحمد

وتارة باسم القنوت وتارة باسم الإيمان

وتارة باسم الإسلام
وتارة بمفصل الأفعال كالطواف بالبيت ( وطهر بيتي للطائفين )
وتراة باسم الراكعين والساجدين كقوله( والركع السجود ) الى غير ذلك
ولهذا أمر الله بالإيمان (ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله...)
وأمر بمفصل الأفعال ( ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم )

والخطاب في هذا المقام -التفصيل أو مقام العموم والإجمال -كلاهما مماشرع الله به البيان للدين
فهذا هو أتم البيان وأصدق البيان .


ولهذا لإن الدين لم يأت بهذه الأسماء على سبيل التضاد أو الاختلاف .

وأما التضاد فبإجماع المسلمين فليست متضادة .


48)وأما الذي وقع فيه التوهم- في الأسماء الشرعية - أنها كما يقال في المنطق أنها من باب الخلافين -الأسماء الخلافيه -
وربما أجروا ذلك على تجريد اللغة تارة أو تجريد المنطق تارة أخرى .


-الأسماء الشرعية لاتؤخذ بتجريد اللغة ولايتجريد المنطق من باب أولى .

49) الدين يسمى ماكان حقاً وماكان باطلاً ( لكم دينكم ولي دين ) .

50) لما قال العلماء أن أصل العبادة ( الذل )

لاعلى سبيل قصراقتضاء الأصل لهذا المدلول .

لإن العبادة جامعة للخضوع ومايقتضيه مقام الخوف ومايقتضيه مقام الرجاء ومايقتضيه مقام المحبة .

لهذا صارت الأوجه الثلاثة ( المحبة -الخوف -الرجاء ) من جوامع مقاصد العبودية

فتجد عامة الصفات العبادية ترجع إما إلى صفة المحبة

وإما ترجع إلى صفة الخوف

وإما ترجع إلى صفة الرجاء

فهذه الصفات الثلاث جامعة وعامة الصفات ترجع إليها وتقتضيها هذه الصفات الثلاث .


51) العبادة ليست الذل وحده لإن الذل الذي لايصاحبه محبة ولاعلم فليس من العبادة التي شرعها الله -ليست الذل المنفك عن محبة الله -

كذل الضعفاء لكبرائهم وذل العبد المملوك لسيده هذا ذل عبودية البشر .

العبد المسلم يعبد الله محبة ويعبده خوفاً ورجاء ومقام الذل لله داخل في هذه المقاصد ولكن الاسم الشرعي يكون باسم الإخبات تارة وتارة باسم الخشوع وتارة باسم القنوت وهذه الأسماء أزكى .


لإنه إذا كان خشوعا ً فيصاحبه العلم فأصدق الناس خشوعاً أصدقهم علماً ولهذا قال الله
( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ)

لذلك جعل الله من أخص صفات المؤمنين الخشوع في الصلاة

لإن الخشوع من أخص مايدل على تحقيق العلم الإلهي في نفس العبد وفقهه في دين ومعرفته الصحيحة لربه سبحانه وتعالى .


الشريط الثاني

السليماني
10-22-2024, 08:25 AM
(8)

52) الأسماء الشرعية للعبادة من بيان القرآن بعضه ببعض ليس تفسيراً منغلقاً بل تجتمع هذه الدلالات بالعلم بكتاب الله سبحانه وتعالى وفي تدبره .

53) هذه الأسماء الشرعية تسمى ببيانها الشرعي ولاتنقل إلى أسماء معروفة في لغة العرب ولم ينطق بها القرآن أو الحديث سواء كانت بصيغة الفعل أو المصدر أو اسم الفعل لإن بيانها بهذه الأسماء إغلاق وقصر وليس بياناً ونشراً للمعنى .


54) مامن كلمة استدعيت من اللغة ولو من فصيحها إلا والكلمة التي جاء بها القرآن أبلغ منها في هذا المقام ولابد ولاشك بخلاف توصيف الأفعال كالصلاة والصيام .


55) تعرف الأسماء الشرعية (-كالتقوى والإيمان والعبادة - بالأسماء الشرعية والمفردات

فكلما كان الاسم معبراً عنه بالكلمات الشرعية فهذا أبلغ في العلم والفقه .

فإذاقلت في اسم (الإيمان : اسم لما شرع الله ) فكلمة شرع سياق شرعي قال تعالى

( شرع لكم من الدين ماوصى به نوحاً ) وهكذا في عموم كلمات الشريعة في هذا الباب .

56) مراتب المحبة ذكرها أهل السلوك والأحوال فيقال ( متيم ) بلغ من الحب درجة التذلل لمحبوبه .

هذه المراتب ليست على إطلاقها وليس مايذكره أرباب الأحوال والنظريات في هذا

وإنما يذكرها المصنف في مقامات توصيف كلام أهل الأحوال في ذلك .

57) بين المصنف -رحمه الله- أن الله تعالى لايليق بحقه بعض هذه الأسماء -أن يكون العبد مع ربه ببعض هذه الألفاظ ليس ملاقياً للصحيح البته .

58) سمى العبد المملوك عبداً باعتباروقوع مادة الذل لكن العبودية لله تعالى مغايرة لهذا المعنى .

59) (بل يجب أَن يكون الله أحب إِلَى العَبْد من كل شَيْء وَأَن يكون الله عِنْده أعظم من كل شَيْء بل لَا يسْتَحق الْمحبَّة والخضوع التَّام إِلَّا الله وكل مَا أحب لغير الله فمحبته فَاسِدَة وَمَا عظم بِغَيْر أَمر الله فتعظيمه بَاطِل )

وهذا المعنى يقرره بعض أهل السلوك والتصوف وإن كان بعض الصوفية يبالغ فيه وهو مايسمى -الفناء-

والفناء أوجه عند أرباب السلوك والتصوف

منه مايكون محموداً في جملته من جهة معناه وإن لم يكن الاسم قد ورد به شئ

ومنه مايكون مذموماً من جهة معناه ولكنه لايوصل إلى درجة المفارقة لمقامات الأصول الكلية أو الكبرى في الدين .

ومنه مايكون درجة غالية بالغة الشطط والانفكاك عن مقاصد العبادة في الشريعة .


60) أقسام الفناء عند أرباب الأحوال ثلاثة :

أ) فناء عن إرادة السوى وهذاالذي يقول المحققون من الناظرين في كلام أهل التصوف

وهم من أرباب السنن والآثار -كشيخ الإسلام ابن تيمية وهذا من عدله وإنصافه وسعة علمه ونظره -

هذا فناء محمود وإن كان الاسم ليس مماورد وإنما يعبر عنه بالعبادة والإيمان والتقوى والإخلاص .

لكن معناه- الفناء- عن ماسوى الله باعتبار الإرادة فلايريد العبد إلاماأراده الله فلذلك مانهى الله عنه ولم يرده من عباده يتركها ابتغاء رضوان الله فتكون إرادة العبد على هذا القصد من تحقيق أمر الله تعالى والانتهاء عن نهيه فهذا معنى من أصل دين الأنبياء وإن لم يكن الاسم الملاقي له بل الاسم الذي سمي في الشريعة هو اسمه وهو جملة أسماء كماسبق .


ب) فناء عن شهود السوى .

وهذا فيه تغليب لمقام الربوبية على مقام العبودية حتى ربما اسقط صاحبه وسالكه بعض مقامات الأمر أو قصر فيها أو في تحقيقها شهوداً لمقام الربوبية

وهذا من المخالفة باعتبار ومن ضعف الفقه في الدين باعتبار وهذا قدر متلازم

فكلما وقعت المخالفة كلما وقع نقص العلم - اذا وقعت المخالفة نقص العلم وأصاب العبد مادة من الجهل .

وإذا استحكمت المخالفة والخطيئة بالعبد فقد استحكم به الجهل -قدر متلازم

من بلغ التحقيق في العمل فقد بلغ التحقيق في العلم ولابد ولذا فأئمة العلم هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام .

وهذا الفناء يذكره كثير من الصوفية وهم قاصدون فيه لتحقيق مقام الربوبية لله والرضاء بقضاء الله وقدره وهذا المقام في أصله من مقامات الإيمان الكبرى

ولكن هذا التمانع الذي لم ينضبط لهم فقهه هو نقص في العلم ونقص في تحقيق الأمر والنهي وهم في هذا العارض المقارن للأحوال درجات .

وبقدر مايفوتهم من التحقيق في هذا المقام إلاأنهم يصيبون مقامات من التحقيق الصحيح أيضاً فتكون حالهم مختلطة بين الحالين وهذا هوالذي يقارن كثيراً من أهل الأحوال .

وقد يقارن بعض أهل الأحوال هذا المقام هذا المقام مع المقام الذي قبله وهذا بحسب قربهم من السنن والآثار وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وفقههم لكتاب الله سبحانه وتعالى .

لهذا من كان متتبعاً للسنن كالجنيد بن محمد رحمه الله وغيره من اصحاب التصوف الذين انتظم قصدهم لاتباع السنة والجماعة واتباع الهدي سلموا من عامة هذا الآثار الناقصة .

السليماني
11-06-2024, 07:57 PM
(9)

(61)

(ج)الفناء عن وجود السِوَى :

وهذا الفناء ليس من مادة الشريعة ولامما اشتبه فهمه من الشريعه .

فالأول هو من مادة الشريعة

والثاني مما اشتبه في فقه الشريعه على بعض البصراء والمكاشفين وأرباب الأحوال والعارفين.
وإن كان بعضهم يغلو فيه فيصيب مقامات من مقامات البدع الظاهرة بأثره لماخالط نفسه ىمن الجهل بحقائق الإلهية والربوبية وأنها متلازمة أو متضمنة لبعضها وليس بينها هذا التمانع الذي يطرأ على بعض النفوس فلايعرف مقام العبادة إلا بتقصير في مقام الأمر والنهي .

والثالث ليس من مادة الشريعة -الفناء عن وجود السوى - بل هو معنى منقول وأصله فلسفة قديمة قبل المسيح بن مريم عليه السلام .

بل كان أساطين الفلسفة العارفين كان لهم ردود معروفة وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن أرسطوطاليس له ردود في فلسفته على هذه الطريقة .

وهذه الفلسفة -نظرية وحدة الوجود - لم يتقلدها جمهورنظار المتصوفة من المسلمين وإن وقع فيها بعضهم او صار كثير من العامة يطلقون ألفاظاً منها لكن هي من حيث حقيقتها شأن شاذ ووقع فيه من وقع من غلاة الصوفية .

لكن ليس كل من تكلم بحرفها لزم أن يكون يكون معتقداً لها بل قد يكون نقلها تقليداً لمن نقلها عنه او من قلد حروفه لكنه لم يوافقه او لم يعرف مقصوده منها .

وهذا ليس تهويناً من شأن نقل حروفه فإن حروفها بدعة .

وما من أحد تقلد اسمها إلا وأصابه من فسادها ومادتها ومعناها فلايسلم من فسادها لفظاً او فسادها معنى .


المقصود أن ليس كل من عرض هذا الاسم أو مايشابهه أو ماهو من مصطلحه في كلامه أدين بتمام حقيقة هذا الفلسفة


لإنها في الحقيقة فلسفة منقولة ليست مما اشتبه على علماء المسلمين أو بصرائهم او على عباد المسلمين كبعض مقامات التصوف دخلها جهل واشتباه -حتى لوقيل أنها بدعة -

ولكن نظرية وحدة الوجود نظرية فلسفية منقوله ليست من مادة علم علماء المسلمين أو عبادهم .

ولذلك تقلدها على حقيقتها فلاسفة الصوفية .

ومن أخص من نظَرلها ابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص

وابن عربي في الفتوحات المكية لايصرح بهذه الطريقة ولايلتزم بها

وإنما تقلدها تقلداً بيناً في كتابه فصوص الحكم وغيره

لكن جماهير الصوفية وكبراء الصوفية لم يلتزموا على منظقها الفلسفي فهي حتى فلسفها فيها قجد من التراتيب والتركيب وغيره
وحينما يفرق هذا التفريق حتى لايؤخذ أحد بحكمها لإن حكمها شديد .

وإن كانت بعض حروفها أو مايشابهها تعرض

ولهذا قال بعض فضلاءهؤلاء حروفاً أشبهت تلك الحروف كقول صاحب المنازل :

ما وحد الواحد من واحد***إذ كل من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته ***عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده ***ونعت من ينعته لأحد

وهذا ليس تصريحاً بالقطع بهذه الكلمة فضلاً عن معناها ولكنه مشتبه في الحروف فحرفه بعض الصوفيه إلى هذه الطريقة وهذا بهتان على صاحب المنازل -أعني أبااسماعيل الأنصاري الهروي رحمه الله -


هذا ليس من قوله ولامن رأيه ومذهبه - القل بوحدة الوجود -

وإنما الذي يقع في مفصل المعاني في كلام صاحب المنازل هو مادة من الفناء الثاني

أو الفناء الأول -الصواب أن يسمى بالأسماء الشرعية - فيها تحقيق وهو قصد وجه الله تعالى

ويقع في كلام صاحب المنازل ماهو من الفناء الثاني الذي فيه الخطأ والبدعة

لكنه لايصل إلى النظرية الفلسفية التي ينظر لها ويرسمها مثل صاحب الفصوص او من تقلد طريقته بعده أو قبله .

ولهذا أصحابها فلاسفة ليسوا مجرد متصوفه كابن عرب صاحب الفصوص ويقاربه العفيف التلمساني وابن الفارض وهم متصوفة باعبتار .

62) أخص مايتدبره العبد من القرآن -قبل دلالات المسائل على الفروع والأحكام- هو تدبر فقه العبودية من القرآن الذي هو أبلغ مايكون ولايستطيع البشرأن يأتوا من هذا المعنى الذي في كتاب الله

لامن جهة الحروف كما هو بدهي
ولامن جهة المعاني وتمامها

فإن القرآن لايستطيعه الخلق ولو اجتمعوا لالفظاً ولامعنى .


63) هذه الأوصاف المفصلة في القرآن-كالرضا -ولو أنهم رضوا ماأتاهم الله - التي أشيرإليها تأتي بحسب المقتضي
بحسب مايقتضيه المقام من السياق .

64) الحسب هو الله وحده لإن هذا مما يختص الله به . ( حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين )
- اي حسبك وحسب من اتبعك الله -

65) يذكر العبد في القرآن على معنى المخلوق لله المستسلم لأمره الكوني الذي لاينفك عن امر الله وعن قضائه وقدره .

قال تعالى (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا )

(وكلهم آتيه يوم القيامه فرداً) -بيان لانفكاك بعضهم عن بعض وأن بعضهم لايستطيع نفع بعض إلابماأذن الله به -

حتى في حال حياتهم هم على هذه الصفة .

(وتقطع بهم الأسباب ) الفردية تتحق وينفك بعضهم عن بعض .

أما العبودية الخاصة ( سبحان الذي أسرى بعبده ) إضافة العبودية والطاعة والاستجابة .

66) ما سمى الله هذه المعرفة علماً ( يعرفونه كما يعرفون أبنائهم )

لكن اسم العلم إذا اطلق فهو علم الاستجابة .

السليماني
11-16-2024, 09:10 PM
(10)

67) إقرار الكفار بتوحيد الربوبية مع شركهم في توحيد الألوهية

بين شيخ الإسلام الأحوال التي عرضت لطوائف من أهل المعرفة والتصوف في سلوكهم في مسائل العبادة والتحقيق وماقصدوا إليه في تحقيق الحقيقة الشرعية في مقام العبودية .

وأن هذا القصد يصاحبه الكثير من مقامات الجهل ومنه هذا التوهم أن تحقيق المعرفة والإرادة إنما يكون بشهود هذه المعرفة المختصة بربوبية الله تعالى .

68)الإيمان بربوبية الله تعالى من أصول الإيمان ولاإيمان لعبد لايؤمن بهذه الحقيقة بأن الله رب العالمين وأنه على كل شئ قدير وأن الله بكل شئ عليم وأنه الخالق وماسواه مخلوق وأن بيده ملكوت كل شئ وأنه المالك لكل شئ وغير ذلك من حقائق الربوبية التي يتضمنها فعل الله عزوجل ويتضمنها أمره الكوني ويتضمنها قضاؤه وقدره .

وهذه حقيقة شرعية كبرى بل هي من أعظم الحقائق الشرعية ولكن الحقائق الشرعية حقائق متصلة ببعضها يتضمن بعضها بعضا ويستلزم بعضها بعضا .

ومحل المؤاخذة ممن سلك طريقا مغلوطة أنهم قصروا الحقيقة الدينية على هذا المعنى
فهذا الوقوف عند هذه الحقيقة كما يسميها المصنف وهي -الاقتصار على هذا الشهود أو تغليبه -أو الجهل أو النقص في مقام الحقيقة الشرعية وهي حقيقة الأمر والنهي والتشريع والتعبد لله ويسمى عبادة الله وألوهية .

69)من قصر في مقام الأمر والنهي تغليبا لمقام الربوبية فقد وقع في مقام من الخلل والضلال بحسب مايصيبه في هذا المقام .
فقد يكون من أهل الغلو في هذه الطريقة تارة وقد يكون من أهل الاقتصاد تارة وقد يكون متوسطأ بين الحالين .

وهل يوجد أحد من أهل الاقتصاد ؟

نعم إذاوقع في ذلك على أوجه عارضه ولم يكن ذلك منهجا مطردا له وهذا وقع فيه بعض مقتصدة الصوفية في بعض المسائل والمقامات .
وإذا نظرت إلى مشرعهم ومنهجهم وجدت أنهم ليسوا على هذه الطريقة في عموم حالهم .

ولكن يصيبهم منها مايصيبهم أعني عدم تحقيق الجمع بين مقام الربوبية ومقام الشرعية -وهذا هو الدين الذي جاء به الأنبياء – عبادة الله بماأمر وشرع في كتابه وماجاء به رسوله صلى الله عليه وسلم وكل الأنبياء على ذلك قال تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ...)


70)عبادة الله بماشرع من أوجه العبادات التي فصلت في كتب الرسل وفي نبواتهم عليهم السلام .

فمن شهد الجمع بين الشرع والقدر فهو المصيب لطريقة المرسلين وهم في ذلك درجات في تحقيقهم كما تفاضل إيمان الصحابة رضي الله عنهم كإيمان أبي بكر وعمر وعثمان حتى الخلفاء الأربعة ليسوا درجة واحدة فضلا عن بقية الصحابة رضي الله عنهم .

وهذا الفضل قديكون تسمية كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الخلفاء الأربعة وتارة -وهو الغالب -أنه من علم الله الذي لم يطلع البشر عليه – اختص الله بعلمه فمعرفة تعيين الإيمان بالفضل عند الله تعالى ولهذا كان من طريقة أهل السنة أنهم لايشهدون لأحد بجنة أو نار أو عذاب إلا ماجاء به الخبر كالعشرة وغيرهم من الأحكام المستقرة .

وقد بعث الله الرسل بتحقيق الجمع بين الشرع والقدر وقد تضمن هذا المقام في أعظم سورة في القرآن وهي سورة الفاتحة فكلها في تحقيق الجمع بين الشرع والقدر .

وجميع هذه السورة العظيمة في تقرير هذه الحقيقة العظيمة -الجمع بين الشرع والقدر -أو الجمع بين الشرع والربوبية أو الجمع بين الربوبية والألوهية وكلها ألفاظ متقاربة .


فهذه السورة العظيمة -الفاتحة -كلها في تحقيق هذا الأصل العظيم وهو الإيمان بربوبية الله مع إخلاص العبادة والطاعة لله وحده لاشريك له .

-وهذا جماع دين الإسلام -

ولهذا أبان الله في نهاية السورة طريقة من ضل عن هذه الطريقة وهم المغضوب عليهم والضالين .


71)لما اشتغل كثير من أهل المعرفة والعبادة والنظرمن الصوفية بالنظر إلى هذه المسائل والقصد إلى تحصيلها أصابهم هذا الخلل في التقصير في مقام الأمر والنهي على درجات تارة غلواً وتارة غير ذلك .

يقابلهم طوائف من أهل الكلام والنظر الذين غلو في مقام الأمر والنهي وفاتهم كثير من التحقيق في مقام الربوبية كما هو شأن كثير من المعتزلة بل عامة المعتزلة على هذه الطريقة حيث لم يجعلوا أعمال العباد قد شاءها الله وخلقها عندهم .

وفي الأمر والنهي مادة غالية حيث جعلوا مرتكب الكبيرة -الترك لمقام من الأمر أو الواقع في مقام من النهي - جعلوه خالداً مخلداً في نار جهنم وجعلوه قد عدم الإيمان بهذا الترك أو بالفعل فأهل هذه الطريقة عندهم المنزلة بين المنزلتين .
فأصل هذه الطريقة غلو في مقام الأمر والنهي وتقصير في مقام الربوبية .

وأولئك عندهم غلو في مقام الربوبية حيث لم يشهدوا حقيقة الشرع على وجهها الذي شرعه الله .


72)أشار المصنف إلى من أسقط الأمر والنهي وأباح ماحرم الله ويؤثر هذا المسلك من شأن الغلو المستحكم الذي لم يقع لعامتهم وجمهورهم وإنما نقل عن بعض الأعيان في بعض المقامات وإن كان كثير من الحروف التي يقولونها لها تأويل وبعضها قد يكون على من تسمية قائله من باب تعارض الحقائق عندهم .

73)أهل التصوف بالغوا في شهود المعرفة -الربوبية - وهذا تلبس به جمهور الصوفية وقصروا في باب تحقيق الاتباع في مقام الأمر والنهي والتمسك بالسنن والآثار .

- وهذا الشهود له درجات من جهة اختصاصه .

74) الأصول المجتمعة في الشريعة من غلا في شئ منها لزم في حاله التقصير في الأصل الآخر .


الشريط الثالث

السليماني
11-16-2024, 09:14 PM
(11)

74) لماغلت المعتزلة في مقام الأمر والنهي قصروا في مقام الربوبية

لماغلت الصوفية في مقام الربوبية قصروا في مقام الأمر والنهي

لأن الوسطية التي شرعها الله لا تكون إلا بجمع قواعد الدين

وبيان أن هذا الاجتماع لقواعد الدين وشرائعه يصدق بعضه بعضاً ولاينافي بعضه بعضا.


75)(من ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الحقيقة الكونية كان قوله من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله ).

هذه من الشبهات التي أثارها بعض الغلاة زعموا أن الخضر فعل ما فعل وأن بعض فعله من حيث الأصل يكون منهياً عنه مثل قتل الغلام وهذا مما جاء له اختصاص كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (الغلامُ الذي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَومَ طُبِعَ كافِرًا و لو عاشَ لَأَرْهَقَ أبَويْهِ طُغيانًا و كَفَرَا) رواه مسلم

فهذا بين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاً من حقيقة الحال وإن كان الكفر-من حيث - ليس مبيحاً للقتل على كل تقدير فقد يقتضي ذلك الفعل الذي فعله الخضر انما هو مما أمر الله به وله اختصاص .
ولهذا تجد موسى عليه السلام نازعه في فعله .

فادعى بعض أهل التصوف أن طريقة الخضر هي طريقة العارفين من هذا الوجه وأنه اسقط بعض مقامات الأمر والنهي بشهوده الحقيقة في الربوبية وهذا تكلف باطل متناقض .

ولاسيما أن أفعال الخضر متعلقة بالمكلفين كأمره مع صاحب الجدار وأصحاب السفينة والغلام فهذا كله يمنع فضلاً أن الأصل الشرعي يمنع هذه الطريقة من أصلها.


76)(العبد هو العابد هو الذي يعبد الله وحده لاشريك له ويوالي أوليائه ويعادي أعدائه بخلاف من يقر بربوبيته ولايعبده أو يعبد غيره معه )

ذكر المصنف لمسألة الربوبية لايقصد بأن هذا المقام ليس مقامات الدين الكبرى بل هو أصل من أصول الدين وقف عنده المشركون

بل لم يقفوا عند هذا الأصل تحقيقاً فإذا قيل أن مشركي العرب عارفون بهذا الأصل فهو باعتبار جملته وليسوا محققين لمسألة الربوبية .


77)لايوجد أحد لا يؤمن بالألوهية والعبادة يقال أنه حقق الربوبية -عنده معرفة وإقرار - وفرق بين المعرفة وبين مقام التحقيق .تجد في افعال المشركين مناقضة في مقام الربوبية والألوهية كثيراً من أوجه الشرك التي هم فيها مناقضون لمقام الربوبية كما أنهم مناقضون لمقام الألوهية .

ولكن عندهم إقرار ويعرفون بأن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض كما ذكر الله في كتابه .

وهذا المقام درجته بالغة لإن بعض الذين ينظرون لكلام السلف والعلماء قد يتوهم في أمر الربوبية توهماً أنه مما استقر وأنه ليس فيه فقه وأنه لا يتعبد الله به وهذا مما يعرض لبعض السالكين في ذلك .

ولهذا تجد الغلو من جهة المقاصد لبعض السالكين وهذا خلل وسقط في فهم طريقة الأنبياء والسلف .

78)عبادة الله في ربوبيته كما أنه يعبد بإلهيته ولذلك يعظم الله بأسماء الله وصفاته .

لا يتصور عبادته سبحانه وتعالى إلا لمن أقر بربوبيته وكلما كان العبد أعرف بالله رباً وخالقاً

صار أصدق في الاستجابة لأمره ونهيه وأفقه في أمره ونهيه .


79)من الأسباب التي أتي بها المشركون هو نقص التحقيق لمقام الربوبية وإن كانت لهم أسباب أخرى في استدعاء ما هم عليه من الشرك في نفوسهم .
الفرق بين الأمر الشرعي والحقائق الكونية باعتبار أنه مزلة قدم أنهم سلكوا في هذه المسائل - وهو مقام عظيم - على غير آثار هدي الأنبياء .

80)الإشارة إلى بعض أهل السلوك عند ذكر المشركين ليس المقصود أن أصحاب هذه الطرق على نفس الدرجة التي عليها المشركون بتاتاً .
لكن بعض الصوفية من أهل العلم والعبادة وهم في ذلك درجات ولذلك يذكر الشيخ صوفية أهل الحديث وممن كانوا على الطريقة الصحيحة من جهة المرادات وأصل الإتباع .
ذكر الفناء وأنه على أوجه وذكر أن الفناء عن إرادة السوى هو مذهب مقتصدة الصوفية وفضلائهم وخالفهم باستعمال الاسم الشرعي .

-الآثار الباطلة إنما تأتي بنوع مشابهة لطرق قوم من المشركين تارة

او من المحدث المطلق تارة ولذلك بعض البدع فيها مادة من المشابهة .

فإن التشبه والمشابهة يكون في الأمور العادية فهو يقع في الأمور العبادية من باب أولى .

81) قول الشيخ عبد القادر ( نازعت أقدار الحق بالحق للحق )

من فاضل طريقة شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يأخذ المخالف له -في بعض الأصول والمسائل -باصطلاحه ولفظه مع أنك تجد في الاصطلاحات والتراكيب ما ليس محكماً تارة أويكون محدثاً تارة أخرى وتجد أنه يحسن الاعتذار لهم باعتبار المقاصد الذي قصدوه من الكلام .

و الشيخ عبد القادر وهو صوفي نسب إليه تصوف كثير ومبتدع ليس من طريقته ولاقوله وهذا أمر يجب معرفته وهو أنه ليس كل مانسب لأعيان العباد كالجنيد وعبدالقادر وسهل بن عبد الله والفضيل وغيرهم ليس كل مايضاف إليهم يكون صحيحاً .


-الحقائق لاتعرف بالأعيان -أعيان الناس - وإنما تعرف بميزانها الشرعي وهو القرآن والسنة فقد بين الله الدين بياناً كاملاً محكماً .


فإذا وقع في كلام هؤلاء كالجنيد والشيخ عبدالقادر من الكلام الصحيح حتى لوكانت حروفه من حروف الصوفية تجد أن طريقة شيخ الإسلام يأخذ الأمور بمعانيها ومقاصدها حتى لوكانت الحروف غير محكمة

وقد تكون هذه الحروف محدثة مبتدعة تارة فيأخذ الأمر على المعاني ويبين ما وقع في الألفاظ من النقص .

-يقاربون أي يشابهون -من التشبه - كلام المشركين وقد يكون غالياً أو دون ذلك من مقامات التشبه المختلفة .

82)مقام الجمع الشرع والقدر .

المشيئة من قدر الله تعالى -ماشاء الله كان ومالم يشأ لم يكن -

ولهذا قال المشركون ( لوشاء الله ما أشركنا ) لم تقع على أصل علمي عندهم بل هي من الحجة الداحضة ومن الكذب الصريح ولهذا لما كانت مقولة على قصد الإعراض عن الحق ولاستكبار عن اتباعه

سماها الله كذباً ( كذلك كذب الذين من قبلهم )

فهي طريقة في التكذيب مبنية على الكبر والفساد ولم تقع عن شبهة لإن مسألة القدر مع الأمر والنهي لاترد عليه الحجة الموجبه لتركه إنما ترد عليه الشبهات التييزينها الشيطان تزيينا قاصراً

أو يستعملها بعض العباد في تركه لدين الله أصلاً أو لبعض مقامات الدين على سبيل الانفكاك عن الأمر والنهي استكباراً أو ظلماً لنفسه .

فلاتخرج هذه الشبهات عن هذه الأوجه الثلاثة -الشبهات التي تستعمل لإسقاط ما هو من الأمر والنهي بمقام القدر أو إسقاط أصل الأمر والنهي -كفعل المشركين الذين أسقطوا التوحيد بالقدر بما قالوه ( لوشاء الله ما أشركنا )

83)وقد يعرض ذلك لبعض من هو مقر بأصل الأمر والنهي فيسقط بعض مقامات الأمر والنهي فيكون في ذلك نوع مشابهة للمشركين من هذا الوجه .

وقد يكون من السبب الثالث وهو التزيين القاصر الذي يزين به الشيطان لبعض النفوس .

ويقصد بالتزيين القاصر لإن من يقع في هذه الحالة لا يطرد ذلك في عامة شأنه وإنما يكون ذلك في محل الشرع فقط مع أن القدر لا يختص بالشرع وإنما هو في كل شأن المكلف .

ولهذا لا يوقعه الشيطان في نفس أحد في كسبه للمال او ابتغائه للولد أو للأمور الكونية فلم تقع وسوسة الشيطان لأحد في ذلك -إن كان قد كتب له قدراً الولد فإنه سيأتيه الولد ولو لم يتزوج .

لإن الشيطان إنما يوسوس بترك الشريعة -بترك مقام الأمر والنهي -

وهو تزيين قاصر مما يدفع هذه الشبهة التي يزينها الشيطان أنك إذا استعملتها في نظائر مماثل لها في الحكم بان فسادها وانقطاعها .

فمن جعل القدر السابق وأن الله كتب أهل الجنة والنار -وهذا حق - كما ثبت في الصحيح (ا مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا وقدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، ومَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ) رواه البخاري

من جعل ذلك مسقطاً للعمل فليجعل ترك النكاح والزواج مسقطاً السعي في ابتغاء الولد .

لإن العبرة بالقدر على هذه الطريقة التي يزينها الشيطان


84)وهؤلاء جهلوا حقيقة القدر فضلاً عما يقتضيه مقام الشرع

لإن القدر إنما هو قدر الله في الحال والمآل

وليس قدر الله مختصاً بالمآل دون الحال
فالأسباب متعلقة بقدر الله وهي من قضاء الله وقدره لإن كل فعل فعله المكلف فهو من قضاء الله وقدره .

فلايتصور وقع المسبب دون وقوع السبب على ما مضى في التكليف

ولهذا من كفر بالله سبحانه وتعالى وكذب المرسلين -ترك مقام الأمر والنهي وعارضه - فهذا لم يكتبه الله في الجنة .

السليماني
11-16-2024, 09:17 PM
12)


85) الإيمان بقضاء الله وقدره والصبر على موجبه من الفقر والمرض والخوف وغيره .

وحديث احتجاج آدم وموسى عليهم الصلاة والسلام
-الصبر على المصائب والرضا بها من تمام الإيمان بالله عزوجل .

- الإيمان بقدر الله سبحانه في عباده سواء تعلق بالجن أو الإنس أو غيرهم من خلق الله .

86)ثمة مقامان يقع فيهما الاشتباه :
1) مقام الأمر والنهي .
2) مقام المصائب .
وتعلم أن القدر يتعلق بكل تصرف من تصرفات الإنسان من الوقائع والتصرفات والأمور الاختبارية وغير الاختيارية من تصرفه أو ما يقع له من غير قصد .
سواء كان في باب الأمر والنهي أو الطاعة والمعصية أو باب المصيبة يتعلق بها القدر بإجماع الأئمة المعتبرين - الصحابة ومن على طريقتهم -بكل أحوال العباد وغيرهم من خلق الله .

والبحث في بني آدم والجن-أهل التكليف - فكل فعل يفعله من أمر طاعة الله من صلاته وحجه وبره وصدقته وغير ذلك بقدر الله وأعماله العادية من أكله وشربه وغير ذلك بقدر الله .

87)ومايقع من معصية الله بقدر الله - أي بعلم الله وكتابته ومشيئة الله وإرادة الله - وليس بمعنى محبة الله

فالله عزوجل لا يرضى لعباده الكفر ( إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)
ويكره منهم الفسوق والعصيان (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)

88)كل أفعال العبد من خير أو شر ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)


(فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ )جعل الله إرادة الهداية منه وجعل الفعل الذي يصير للعبد بقضاء الله وقدره ( يشرح صدره ) بيان الله وتيسير الله


كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له)

(وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)تقدير من الله
يرد الله وهو المريد وحده لإن الأنبياء فضلاً عمن دونهم ليس لهم هذه الإرادة

(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ )

إذا عرف هذا المعنى الكلي -أن أفعال العبد يتعلق بها القدر فهي بعلم الله ومشيئته وإرادته وغير ذلك من الأصول الشرعية المعروفة بأصل الفطرة ودليل العقل أيضاً .

فالعبد يقع في حالة الطاعة والمعصية ويقع في حالة المصيبة -ليس اختياراً للعبد -
لإن الأصل أن العبد يتقي المصائب وإن كان بعض الأفعال يريدها -أو يفعلها - وتسمى مصيبة .

89) المصيبة هي -ما انفك عن إرادة العبد -
-فهذا لانفكاكها عن اختيار العبد ومشيئته ناسب عند وقوعه أن يذكر عنده مقام القدر .
سواء كانت المصيبة نشأت عن سبب من الأسباب العادية أو حتى نشأت عن سبب من المعصية التي تاب منها العبد لإن المصيبة -على هذا المقصود- لااختيار للعبد فيها وإن كان قد فرط في الأسباب التي وقعت بموجبها المصيبة .
لكنه إذا ذَكر مقام المصيبة استصحب عندها مقام القدر فلايعد هذا من الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع فليس هو الاحتجاج بالقدر على المعاصي .
لإن المعصية شيء والمصيبة التي تلحق العبد إما بسبب عادي أو بسبب المعصية شيء آخر .
-الأصل في المصائب انفكاكها عن اختيار الإنسان وإرادته .

90)-أفعال العبد وإرادته تتعلق بأسبابها في بعض المقامات .
- قد تكون المصيبة مقطوعة عن سبب العبد وإرادته حتى مقام السبب فضلاً عن مقام المسبب .
-المسبب الذي فعل مختص عن العبد .

91)السبب يقارن المصائب تارة وينفك عنها تارة أخرى
ولهذا قد تقع مصيبة بجائحة كما يقول الفقهاء - الجوائح السماوية -
وسماها النبي صلى الله عليه وسلم جائحة كما (ورَجُلٌ أصابَتْهُ جائِحَةٌ اجْتاحَتْ مالَهُ )
ليست من سبب العبد فقد يكون غير مفرط -حرز المال وحفظه لكن جاء غرق فأغرق المال -المنقوص في حفظه والمال المحفوظ في العادة الآدمية -فتسمى هذه مصيبة مقطوعة عن سبب العبد .

السليماني
11-16-2024, 09:20 PM
(13)

92) قد تكون المصيبة بسبب العبد كأن تقع مصيبة بسبب تفريطه كمن أهمل طفلاً ففوجئ بأنه غرق

إذا رجع للأسباب وجد أنه مفرط أو مقصر فإذا تحقق عليه التفريط وجبت عليه الكفارة وهي الصيام .

إذا دفن ولده وعزي فقال ( قدر الله وماشاء فعل ) على سبيل أن المصيبة بقدر الله

هل هذا من الاحتجاج بالقدر على التفريط ؟ لا

لكن لو أنكر التفريط وتجاهله وقال إنه غير مفرط فأراد أن يدفع التفريط عن نفسه احتجاجاً بالقدر قيل هذا الاستعمال بهذا الوجه لا يصح .

93) التفريط ( ترك ما يجب فعله ) والتعدي ( فعل ما يجب تركه )

فلما ترك بعض ما أمر به أو فعل بعض ما نهي عنه لم يصح للعبد أن يحتج بالقدر على ما ترك من أمر الله أو فعل ما نهى الله عنه

إذا التفت إلى نتيجة الفعل -وهي المصيبة - المتمثلة بوفاة الطفل -فقال إن وفاته بقضاء الله وقدره - فهذا استصحاب للإيمان بالقضاء والقدر صحيح .

ولكن هذا الاستصحاب لا يغلق به أسباب التوبة من التفريط

ولايغلق به أسباب الكفارة المشروعة بحسب تشريع الشريعة

فيكون المشروع في حقه التوبة عن تفريطه أو تعديه

ويكون عليه الكفارة إذا تحقق شرطها أو وصفها .


94)لكن المصيبة من حيث وقوعها كمسبب يقال أنها بقدر الله ولهذا ما حصل في حديث آدم وموسى هل كان سؤال موسى لآدم عن المعصية أو المصيبة ؟

آدم عليه السلام أخبر الله في القرآن عن معصيته فقال تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى )

ومعصية آدم عليه السلام أكله من الشجرة كما هو صريح القرآن وصحيح السنة .

والمصيبة هي خروجه من الجنة -دار الخلد إلى دار الابتلاء - وهذه مصيبة .

موسى أعظم وأعلم من أن يلوم آدم بأن يسأله عن أمر المعصية ليحتج بها على القدر

لإنه بين في كتب الرسل جميعاً فلاحجة لأحد عن ترك طاعة الله بقدر الله بل هذه حجج المشركين

( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ)


بل قال موسى (أنْتَ الذي أخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الجَنَّةِ بذَنْبِكَ وأَشْقَيْتَهُمْ ) ولم يقل لماذا عصيت ؟

فالسؤال عن المصيبة لا على المعصية .


آدم احتج بالقدر على المصيبة ولم يحتج على المعصية ولو احتج بالقدر على المعصية لمابادر بالتوبة

( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وأخبر الله أنه اجتباه وهداه ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)

95)إذا وقع للعبد مصيبة فاحتج بقدر الله قيل احتجاجه مشروع وهذه سنن الأنبياء وهذا تسليم لقضاء الله وقدره .

-ولكن يلتفت لهذه المصيبة :

إن كان بسبب من تقصير العبد شرع مع مقام القدر وجوب التوبة وترك التفريط والتعدي وغير ذلك .

إن كانت مقطوعة عن سبب العبد فعلى مقام الاحتجاج بالقدر -وهو التسليم بالقدر-

وهذا يسميه بعض الناظرين احتجاجاً والحقيقة أنه ليس احتجاجاً -فليس فيه إثبات او نفي -

فكثير من المصائب خارجة عن مقدور الإنسان من حيث السبب فضلاً عن المسبب - الذي هو وصف عام للمصائب من حيث الانفكاك -


وعليه فهذا تسليم ورضا بقدر الله وهذا من رحمة الشريعة وفضل رب العالمين على عباده أن المصائب التي يصبرون عليها تطمئن نفوسهم أنها بقضاء الله وقدره - وأن الله لا يقضي لعبده إلا خيراً

( عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له.)


96)فمن عرف الله حق معرفته سلم لأمر الله وقضائه وقدره .

ومن عرف الله حق معرفته استسلم لأمر الله الشرعي وانتهى عما نهى الله عنه .

فهما مقامان شريفان يصدق بعضهما بعضاً

مقام الشرع وهو الاستجابة لأمر الله والانتهاء عن نهيه

مقام الربوبية والإيمان بقضاء الله وقدره .

السليماني
11-16-2024, 09:22 PM
(14)

97) الاحتجاج بالقدر على المعصية لم يقل به مسلم ولاعاقل :

أما المسلم فلما بان من شريعة الإسلام أن القدر ليس حجة للعبد على المعصية .

ولاعاقل فماوجه قوله ولاعاقل ؟

لإن القدر لايصلح حجة على وقوع الأخطاء ولو كان القدر حجة للعبد في المعصية لكان حجة للإنسان في تقصيره مع بني آدم -من باب أولى -.

98) لم يقع بين العقلاء مسلمهم وغير مسلمهم أن أحداً رضي بقول الآخر في الظلم أو البغي أو السرقة بأن يقول لللمسروق او المظلوم هذا بقدر الله ! هل هذا يكون عذراً أو حجة ؟

لايتبادر تصديقه عند أحد ولاتقع فيه شبهة لأحد .

وحتى الإنسان مع نفسه فلم يحفظ أن عاقلاً ولامجنوناً جلس في بيته وقال سيأتي رزقي ولو لم أسع فيه أو إن كان الله كتب لي الولد فسيجد الأولاد في بيته ولو لم يتزوج -لم يذكر عن أحد -

99) الاحتجاج بالقدر على المعصية -ليس كما يتوهمه البعض - أنه من المشكلات التي تحتاج إلى كثير من الجواب والتحرير ودفع الشبهة -ليس من الأمر المشكل أصلاً -.

إنما هو تزيين وتوهيم يلقيه الشيطان في انفس بعض الناس بما عندها من نقص الإيمان ومن الاستعداد لهذه الأوهام الشيطانية .
يزين لهم الشيطان الاحتجاج بالقدر على ترك طاعة الله او فعل معصيته .

مع أن العاقل لوتأمل -أن كل شي بقدر - فلماذا لايعكس النظر ؟؟

ويقول : الطاعة فعلهاوليس تركها بكون بقدر الله فيعكس الأمر على الشيطان ووسواسه .

لماذا لايطرد الأمر دفعاً للوسواس فالولد بقدر ولو قال للناس أنه سيجد الولد ولو لم يتزوج وسيجد البيت ولو لم يبنه ولن يأكل وسيجد الشبع وهذا لم يقل به أحد ولم يقع في بني آدم من يقول ذلك .


لإن هذا مما يمتنع في الإرادات والتصورات والتصديقات أن يتخذ أو يستعمل فإذا بان لك ذلك

إذا وقعت هذه الشبهة الشيطانية لبض الناس كوسواس من الشيطان -وهي ليست شبهة علمية - فلاتحتاج إلى عقد فصول ومناقشات علمية بل هي شبهة واهية يلقيها الشيطان في نفوس بعض الناس .

100) لم يقل بالاحتاج بالقدر على المعصية أحد من أهل العلم والنظر البته .
حتى إذا ذكرت بعض مذاهب أهل الإرادات والأقوال أنهم يحتجون بالقدر

فهذا على معنى الإلزام في كثير من موارده أو على معنى دون الإلزام

ولكنه ليس مطابقاً للتوهيم الشيطاني فيكون ثبوت الفرق مقدراً على الوجهين أو على أحدهما ولابد

السليماني
11-16-2024, 09:29 PM
15)

101) قدر الله لا يحيط به إلا الله

وخلق الله لا يحيط به إلا الله

علم الله لا يحيط به إلا الله .


وهنالك أمور كثيرة تقدر على هذا الوجه مماهو متصل بأحوال بني آدم ولكنهم قاصرون عن الإحاطة بها .


بل فما من أمر هو في مقدور بني آدم إلا وهم قاصرون عن الإحاطة به .


102) ولهذا غاية ما يستعمله بنو آدم ليس هو القدرة على الأشياء وإنما هو اتخاذ أسبابها والأسباب قاصرة في ذاتها

فضلاً عن كونها بمحض أمر الله تتعطل من جهة الأثر

أو يقع الأمر مقطوعاً عن السبب .

103)ولهذا كان خلق الله تعالى لا يقع بالأسباب مع أنه خالق الأسباب والمسببات .

لا يقع بوجود الأسباب أو بتوسط الأسباب ولابد

بل يقع خلقه بمحض أمره مقطوعاً عن السبب

كما في قوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر )

ولهذا كان خلق الناس -وهم من خلق الله - بسبب الأبوين ولكن لما جاء أمر الله ولاراد لأمره وقضائه

( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ )

كان عيسى عليه الصلاة والسلام من أم بلا أب مع أنها في قانون العادة والسنة التي مضت في الوجود البشري يعد متعذراً اَولايقع -لكنه ليس ممتنع عقلاً -


هذا ممتنع في نظام عادي خلقه الله -فالله عزوجل خالق كل شي -

عصا موسى كانت قطعة من الشجر ثم بمحض أمر الله صارت حية تسعى .

104)الخلق لا يحيطون بأمر الله ولابقدر الله ولابقضاء الله .

لذلك من حقيقة الإيمان بالقدر - أن لا يوصف قدر الله بما العباد قاصرون عن إدراكه -

لإن بعض الناس يفسر القدر وكأنه عليم بكل مقامات قدر الله وقضائه

والله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بكل أمره القدري وقضائه سبحانه في عباده وفي خلقه .

ولهذا يميز بين ما يقع من الجوائح كعقوبات

وبين ما يقع منها كبلاء يبتلي به الله العباد جل وعلا.

السليماني
01-07-2025, 07:25 AM
(16)

105) قوله تعالى ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) ( إنه من يتق ويصبر ) وقوله ( وإن تصبروا وتتقوا )

كل هذه الأدلة التي ذكرها الشيخ رحمه الله بينه في تحقيق الجمع بين مقام الشرع ومقام القدر .

التقوى تحقيق الأمر والنهي وتحقيق الاتباع وتحقيق الاستجابة .

الصبر من مقامات القدر .


106) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموالاة أولياء الله ومعادة أعداء الله ...

الايات التي ساقها الشيخ رحمه الله بينة أن مقام القدر بين وهذه حقيقة علمية شرعية :

فهي مقام حق ومقام بين واضح

فهي مقام حق لإنه من أصول الإيمان

107)واللبس يقع في الثاني الذي اشتبه على بعض الناظرين فيه بأنه مقام فيه إغلاق .

هنا مقامان : مقام البيان - مقام الصدق

فأما صدقه فهو من أصول الإيمان


أما الذي يشتبه على بعض الناظرين من أهل الأحوال والإرادات أو بالطرق النظرية أو العلمية من النظار أو آحاد المكلفين ولم لم ينتسب إلى طريقة في التعبد أو إلى منهج من النظر



فهو مايتعلق بالبيان وتحقق البيان في نفس الأمر وفي إدراك المكلف فيشتبه بأن فيه إغلاقاً والأمر ليس كذلك .


وإذا أريد بالإغلاق :

الإغلاق من حيث عدم الإحاطة بعلم الله تعالى فهذا إغلاق تام لايفتحه التأمل ولاطرق أهل الأحوال والإرادات ولاطرق النظر والفصول والمنطق وغير ذلك من الطرق النظرية .


108)ماقصر عن إحاطة العباد فإنه مغلق عنهم كعلم الغيب الذي اختص الله به وكمقاصد وحكمة الرب في خلقه فهذه الحكم لايحيط بها العباد إلى غير ذلك من الوجوه .


-أما ماشرع الله للمكلفين ليؤمنوا به ويكون من أصول دينهم وعبادتهم لربهم التي قال النبي نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر ) فهذا المقام المشروع من علم القدر بَيِّن .

ومافوق ذلك مما أغلق فهو مغلق عن العباد مع ثبوته في نفس الأمر لإن العباد لايحيطون بذلك .

وهذا العلم البين علم محرر في الكتاب والسنة وليس من العلوم المشتبهه .

السليماني
01-07-2025, 07:27 AM
(17)

109) لما تكلم الناس في القدر دخل على كثير من النظار وعلى كثير من أهل الأحوال والإرادات والطوائف دعوى الاشتباه فيه فصاروا يقصدون إلى التكلف في تحرير مسائله .


110)ونتج عن هذا التكلف نوعان من المسائل :

أ) النوع الأول : ضلالات قيلت في القدر ليست منه بل هي خطأ فيه كالقول بأن الله لم يرد أفعال العبادولم يشأها أو قول من قابل ذلك بأن الله جبر العباد أو أن مشيئة العباد معطلة عن الحقيقة وهم كاسبون وليسوا مختارين كمايقول أصحاب نظرية الكسب .

أو لزم عن ذلك مسائل في مقام الأحوال والإرادات عند من يقول بالفناء عن شهود السوى وعن وجود السوى كأقوال الوجودية الفلسفية أو مادون ذلك .

-فهذه الطرق نشأت عن عدم معرفة هذه الحقيقة الشرعية العظيمة وهي أن القدر بين -واضح -

( ماشرع الإيمان به )

فهو بَيِّن في الكتاب والسنة

بين في مدارك العقل

بين في مدارك الفطرة .

-فلما نُقِصَ هذا المقام عن الاتباع ودخل عليه مواد تخالف ذلك أو طرق أوجبت ذلك على وجه من التفريط عند أربابها وسالكيها

وقد يغلون في ذلك كماغلا أصحاب نظرية وحدة الوجود إلى مقامات فاسدة مضادة لأصل الدين وقاعدته في القدر وغيره وقعت هذه الانحرافات .

ب) النوع الثاني : الذي ينافي هذا البيان

أن لايكون بأقوال ضالة أو منحرفة عماجاءت به الرسالة من الحقائق الشرعية والعقلية والفطرية في مقام القدر التي زلت بها بعض الطوائف .

-من مقام العدل وتحرير المسائل أن يقال لايوجد طائفة من طوائف أهل القبلة ضلت في القدر ضلالاً عاماً
فمامن طائفة إلا وعندها من مقامات الإيمان بالقدر معروفة ثابتة لكنهم يضلون في مسائل دون مسائل .

فلم يطبق الضلال على طائفة من الطوائف البته .

وهذا من رحمة الله بعباده وفضل الشريعة ونورها .

-وأن من أصاب من نورها أصاب ماأصاب من الحق .

المقصود أن المعاني البينة في الشريعة الفصيحة في حكمها وخبرها وقضائها صار بعض الناظرين في القدر يعبر عن هذه المعاني الصحيحة على وجهها الصحيح ولكن بعبارات مغلقة أو عبارات متكلفة أو مجملة يدخلها الاشتباه .

كتعبير أهل الإخلاص عن إخلاصهم وصبرهم في طاعة الله بعبارة - الفناء عن إرادة السوى -

وهذا تعبير متكلف ولو عبروا بما جاءت به النصوص من الاخلاص لله ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚوَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )

ولم يأت في نصوص النبوة والكتب المنزلة -الفناء - بوجه من الوجوه بل صار اسماً مشتركاً يستعمله أرباب وحدة الوجود ويستعمله من يحتج بمقام الربوبية على مقامات من تحقيق العبودية

ويذكره أصحاب التحقيق والإخلاص وهم فضلاء في إخلاصهم وتحقيقهم وموافقتهم للكتاب والسنة .

ولكنهم استعملوا عن هذه الحقيقة الشرعية القدرية اسماً مشركاً محدثاً فلايكون استعمالهم فاضلاً من هذا الوجه وهذا نقص ولكنه ليس كالنقص الأول .

112)وهناك درجة من الثاني أن تحصل المعاني الصحيحة بألفاظ صحيحة تستعمل في ذكرها ولكن يخبر محصلها أن ماحصله من المعاني في القدر بأنه حصل له ذلك بكثير من النظروالتحصيل الذي صار له فيه وجه من الاختصاص وكأنه انتزعها تحصيلاً وولدها كما تحصل مسائل الاجتهاد في دقائق أوجه الاستنباط

فهذا إذا قيل في دقائق أوجه الاستنباط ناسبه هذا المقام .

أما في أصول القدر وحقائق الشريعة التي أوجبها وفرضها على جميع العباد فلايصح لأحد أن يدعي أنه حصلها بوجه من العناء في تحصيلها- إشارة - بل هي من البينات والهدى .

وإن كان الناس يتفاضلون في العلم بها وهذا أمر بين .

فكما أنك تقول : صلاة الظهر أربع ركعات -فبهذا الاعتبار جميع المسلمين يعرفون هذا القدر -

ولكن صلاتهم وعلمهم بفضل الصلاة وقدر الصلاة وماإلى ذلك هذه درجات يتفاضل فيها أهل العلم .

وقل مثل ذلك في سائر العبادات .

ولكن لو قال قائل أنه لم يحصل عدد الركعات وعدد الصلوات ومواقيت الصلاة إلا بوجه من التحقيق البالغ

لقيل هذا ليس كذلك .

113)بل لما ضاقت مدراكه أو اشتبه أمره أو غشى بصره ظن أن البين لايحصل إلا بوجه من العناء فهذا يرجع إلى وجه من غشاوة البصر .

وإلا فإن نور الشريعة في الأصول الشرعية بينة .

ولكن هذا البيان لاينافي تفاضل العلماء عن غيرهم او تفاضل العباد فيما بينهم في تحقيق العلم بالله وعبادته .

-هذا التفاضل في العلم والفعل مطرد في جميع أوجه الشريعة بلا استثناء .

ولهذا لم تكن صلاة آحاد الناس كصلاة أبي بكر نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

مع أن المسلمون يصلون الظهر كما يصليها أبوبكر أو من هو خير منه وهو رسول الله نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

لكن مقام التحقيق ومقام العلم التفاضل فيه بين .

-لكن لايصح لأحد أن يقول أن تحصيل الأحكام الشريعة البينة يحتاج إلى فقه واستباط واسع
الاستنباط في دقائق الأحكام .

إذا كان هذا مدركاً في فروع الشريعة ففي أصولها من باب أولى .

السليماني
03-17-2025, 09:38 AM
(18)



114)ولهذا قد تبين أن مقامات النقص تقع على ثلاثة أوجه :

1) تارة في عدم تحقق البيان حتى تدخل مسائل أو تسقط مسائل على وجه الخطأ والاجتهاد الواقع في غير محله إلى غير ذلك وعن هذا وقعت في كثير من المسائل عند كثير من طوائف النظار كالقائلين أن الله لم يرد أفعال العباد أو القائلين بمقام من الجبر أو ماسموه بغير ذلك كمقام الكسب مما لاحقيقة لفعل العبد عندهم ولامشيئة له عندهم أو مقامات أخرى من الغلط في مقام أهل السلوك والإرادات وهذا مقام هو الأشد ضرراً -خطأ -وإشكالاً .


2) أن يعبر عن المقامات الصحيحة بعبارات مجلمة مشتركة وهذا الاشتراك يصاحبه توهم أن هذه المسائل فيها انغلاق ولهذا استدعيت لها المصطلحات المحدثة لتحررها والواقع أنها أغلقتها ولم تحررها كلفظ الفناء مثلاً أو كإغلاق اسم القدر في صلة العبد بالكسب وهذا إغلاق قاصر

لإن الله تعالى قال (لها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) قال ( مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ )


فذكر كسب العبد وإرادة العبد وقال في محل آخر ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )

فذكر المقام مشيئة العبد وهلم جرا.

-فإذا أخذت من هذه المقامات اسماً واحداً وقصرت الاستعمال عليه صار خطأ ولابد .

وغاية أدنى أحواله أن يكون خطأً في الألفاظ .

-ومثل هذا في الألفاظ الشرعية -كلمات الكتاب والسنة - إذا أقيم على لفظ واحد وترك غيره استلزم هذا الغلط في اللفظ والمعنى كما هو الحال في نظرية الكسب .


وهؤلاء اخطأوا في ذلك ولهم مقامات صواب في ذلك .

أما الغلاة الذين أنكروا علم الله فليسوا من أهل القبلة أصلاً .

وهذه ليست من مقالات المسلمين ولاشبهة فيها لأحد من المسلمين حتى مبتدعهم .

وكذلك غيرهم من الغلاة الذين أنكروا العلوم من الدين بالضرورة وهذا من أصول الفطرة .

ولم يعرف ان أحداً انضبط عنه هذا القول مع أن أصحاب المقالات ينسبونها لبعض الأعيان وهذا علمه عند الله لإن إضافتها لأحد من الأعيان يترتب عليه أحكام بالغة .


أما نفي المشيئة فهي من مقالات المعتزلة والقدرية ودخلت على بعض رجال الحديث -قدرية الرواة -كما قال الإمام أحمد ( لوتركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة )


المراد بأكثر -أنها شاعت بينهم وهي أوجه من الاشتباه وهؤلاء ليسوا مطابقين لقدرية المعتزلة والنظار والمتكلمين وغيرهم بل يختلفون عنهم في الدلائل والمسائل ويشتركون معهم في بعض المسائل .

3) أن تكون المعاني صحيحة والعبارة صحيحة والنقص جاء من توهم كاتبه أو قائله بانه لم يحصل هذه المعاني إلا بوجه من الكُلفة أو التحرير أو التحقيق وهي أوجه من أصول الشريعة .

وهذا لاينافي تفاضل أهل العلم والإيمان في عبادة الله ومعرفته وتحقيقهم الإيمان بالقدر فلاتنافي بين المقامين .

فهم متفاضلون حتى الرسل ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)

ولهذا إيمان المسلمين متفاضل وبهذا عرف امتياز أبي بكر وعمر وعثمان علي رضي الله عنهم بما هو معروف ومستقر .

114)قدر الله بين فمامن معنى من البيان إلا وفيه قدر من الحقائق الشرعية بعد ذلك يعرف بها ويشير إليها العارفون والعالمون والعباد وهذا في كل أمور الشريعة في مقام القدر وغيره .

فمن تدبرفي هذا المقام فيما ذكر الله فذكر في معانيه من الحقائق المناسبة الصحيحة لمقام الشريعة ومراد الله بها فهذه الحقائق التي يشير إليها العلماء والعارفين او بعض الأئمة المهتدين والبصراء في هذه المسائل فهذه الدقائق إذا امتازوا بذكرها أو تحقيقها وهذا امتياز صحيح وهذا من فضل أهل العلم على غيرهم .


فإن قيل ألا يتنافي هذا مع ماقيل من قبل ؟

قيل هذا إنما هو في كمالها وتحقيقها وأوجه تأتي العبد في استجابته لله وطرق تحقيق معرفة الله وإزالة أثر شبهات الشيطان وتحقيق أثر العلم والإيمان فهذا يتفاضل العلماء في رسمه وفي بيانه وفيه تحقيق واستنباط .

ولكن الغلط أن يصار إلى أصول القدر المحكمة ومسائله الواجبة الظاهرة فتعرف بوجه من العناء ومن الاستنباط وفرق بين المقامين .

وهذه تجدها في كلام المحققين من أهل السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ولكن لايسمي ذلك ذلك في الأصول البينة .

لإن الأصول البينة إبقاؤها على بيانها هو تحقيق الإيمان .

-ولهذا يعرف في علوم النظر أن العلم الضروري لايصح تحويله إلى علم نظري يستدل عليه بالطرق النظرية التي هي في الجملة من الظني وليست من القطعي .

العلم الضروري يناسبه الأدلة الضرورية المفيدة بصدقه ووجوبه .

ولهذا مثلا كان استعمال المتكلمين لدليل التمانع في إثبات ربوبية الله جل وعلا ووحدانيته وفردانيته في ربوبيته وإن كان الدليل صحيح من حيث هو لكنه ليس الدليل الأكمل وليس هو على رتبة دليل القرآن الذي قال الله فيه

( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ )

فهذا البيان في القرآن لايجازي المتكلمون نظمه ولايصلون إلى رسمه ولا إلى تمام معانيه لإن هذا من عند الله جل وعلا وصناعتهم قاصرة لإنهم بشر فضلاً عما مالوا به عن آثار الاتباع عن هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

وبهذا يعرف هذا المقام من مقامات القدر وماهي المسائل التي تحقق فيه والمسائل البينة التي تبقى على بيانها وهذا من سنن النبي وهديه عليه الصلاة والسلام أبقى البينات على مابينها الله عزوجل رحمة بالعباد وتيسيرا لهم وصدقا في قلوبهم

ولهذا صار الصحابة عباداً وصالحين بل هم أئمة العبادة والعلم والصلاح مع أنهم لم يستعلموا في طريقة الربوبية الطرق الكلامية التي سموها بدليل التمانع أو بغيرها عند علماء النظر .

وهي ليست بالضرورة تكون فاسدة لكنها قاصرة .

وبعضها قد لايكون فسادها في ذاتها بل بما توهم من استلزامها

وبعضها قد يكون يدخله الفساد من وجه في ذاته .

ولكن جملة الأدلة المستعملة عندهم في أصول الربوبية دون هذا الوجه بل هي صحيحة في جملتها لكنها قاصرة عن رتبة دليل الشريعة ووصفه .

وبهذا نعرف شرف هذه المسألة -أعني مسالة القدر - وأنها من أصول العلم البين المحكم في كلام الله ورسوله .

ولهذا لم يشتبه فيها شي حتى عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا وقدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ومَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ) سأل من سئل (قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفَلَا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ)

وهذا السؤال إذا نظرت إليه لاينازع البيان الذي ذكر لإن هذا سائل واحد أو حتى لوكانوا عدداً فإن أئمة الصحابة الكبار كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأمثال هؤلاء كمعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وكبار الصحابة من الفقهاء لم يسألوا هذا السؤال

وإنما عرض لبعض الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السؤال .

ومع ذلك كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس جواباً يدل على أنه من المغلق ولكنه جواب يدل على أن السائل لو تأمل الأمر شيئاً ماوقع له هذا الإشكال حيث كان جوابه عليه الصلاة والسلام

(اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له )


وهذا الجواب هل أنشأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً لم يكن معلوماً من قبل في الكتاب والسنة ؟؟

أم هو جواب مذكور من قبل ؟؟

هو جواب مذكور من قبل .

وهذا يدلك على أن هذا العلم علم بين .

-وهكذا جميع مسائل أصول الدين من أعظم أسباب الخطأ التي وقعت فيه الطوائف وضلت فيهم في مقالات موهومة توهم كثير من الناظرين أن هذه مسائل مغلقة والحق أنها مسائل بينة كمسائل الصفات والإيمان والربوبية والتوحيد -هذه كلها مسائل بينة -ظاهرة في كتاب الله .

ولهذا أسلم العرب والعجم وصلح إسلام الناس وهم لم يتعلموا هذه الطرق .

إلا بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم وحتى بعد ذلك العصر تعلمها من تعلمها

وجمهور المسلمين من العلماء وغير العلماء لم يعرفوها

بل صاروا يختصون عن العلماء باسم- بعلماء الكلام-

-وإن كان دخل في هذا العلم من هو من أهل العلم والفقه والعبادة والتقوى والصلاح والفضل في الدين وممن له مقام صدق عند السابقين واللاحقين من بعض فضلاء الفقهاء وعلماء الأصول وعلماء التفسير والنساك والعباد الذين تداخل عندهم هذا مع هذا أو انفكوا بأحد هذين الطريقين .

الشاهد :أن هذا من العلم الذي ينبغي بيانه وحفظه ولهذا جاءت كلمة الشيخ عبد القادررحمه الله التي ذكرها المصنف عنه ومدح شيخ الإسلام جواب الشيخ عبد القادر والمدح وقع على حقيقة المعنى الي وصل إليه الشيخ عبد القادر رحمه الله وهو من النساك والعباد ومن فضلاء الصالحين والعارفين وإن كان الشيخ كغيره من الصوفية نسب إليه أمور هم براء منها .

كما نسب للجنيد بن محمد أمور هو برئ منها فكذلك الشيخ عبد القادر

وهذا لايلزم منه التصحيح لكل مادة طريقته وشأنه

-كل أحد يوزن علمه واجتهاده وبصره ومكاشفته- بحسب الاصطلاحات التي يعبرعنها -توزن بالكتاب والسنة .

وليس ثمة إلا هذا الميزان إلى قيام الساعة -هذا هو الميزان العدل - الذي قال الله فيه ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )

(ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) خير في الأخلاق والعدل وهو أحسن تأويلاً في العلم -حتى لاتختلط الحقائق العلمية .

هو خير: أخلاقاً وعدلاً .

وأحسن تأويلاً :علماً وإرادة وأتباعاً

-وكلمة الشيخ بعد القادر ( وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر رحمه الله فيما ذكر عنه، فبين أن كثيراً من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فإني انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق )
هذه كلمة ذكرها النقلة عنه وإلا ليس له كتاب سماها .

أمسكوا : هذا المعنى الذي صار عند الشيخ عبدالقادر هذا الإمساك

إما أن يكون الإمساك فيما يشرع فيه الإمساك أو الإمساك لعدم تحقق العلم فهذا ليس من الأمور المطردة .

وأماقوله ( انفتحت لي فيه روزنة) روزنة -نافذة- وهذا المعنى من حيث الرسم ليس حميداً لإن القدر مشرعة بينة .
فيما شرع من الإيمان فيه كما تقول الإيمان باليوم الآخر

وأما علمه وتفاصيله وتأويله فهذا لايعلمه إلا الله .

( هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ) الحقائق الغيبية بينة في اختصاص الله بعلم بالغيب فهذا الغيب مغلق عن البشر .

المصنف استحسن كلمة الشيخ عبدالقادر وهو كذلك كما قال شيخ الإسلام رحمه الله .

لإن الشيخ عبدالقادر وهو من الصوفية حقق هذا المعنى الذي اشتبه على كثير من الصوفية بقوله ( فنازعت أقدار الحق بالحق للحق )

مامعنى هذا ؟

يعني أن مايقع من المصائب يردها بالحق -أي بالقدر فيحتج بالقدر على المصائب -وليس على المعاصي

بالحق : بالقدر نفسه .

للحق : أي احتساباً وصبراً وعبادة لله سبحانه وتعالى .

هذا معنى من المعاني التي تشملها كلمة الشيخ رحمه الله .

وهي بهذا التوجيه عبارة صحيحة .

ولهذا استحسنها شيخ الاسلام في كثير من كتبه .

لكن إذا قيل لك هل هذه العبارة بهذا النظم هي من العبارات البينة لجميع المسلمين

أو الجملة المحكمة البينة هي الجمل المأخوذة من أحرف الكتاب والسنة أو فوق ذلك من تلاوة الآية على عموم المسلمين وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ؟

قيل لاشك أن الثالث هو البيان الحق .

الذي قال الله فيه ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )

لكن هذه العبارة من الشيخ صحيحة في دلالاتها على هذا المعنى .ا.هــ كلام الشيخ

نهاية الشريط الرابع .

السليماني
03-17-2025, 09:40 AM
(19)

(116)

قال المصنف رحمه الله ( فمن شهد الحقيقة الكونية دون الدينية سوى بين هذه الأجناس المختلفة .... ) الخ كلامه

الشرح :

بين المصنف رحمه الله في سياق هذه الرسالة أن الحقيقة الكونية وشهودها على ماجاءت به الرسل من الإيمان بربوبية الله وتدبيره وبملكه وبسلطانه وبقدر الله وقضائه وجعله وأمره الكوني إلى غير ذلك من الأصول الشرعية التي جاءت بها الرسل واقتضتها الفطرة ودليل العقل وفصلتها الكتب التي أنزلها الله على الرسل عليهم الصلاة والسلام .

فكل هذا من قواعد التوحيد وأصوله لكنه لايكون متمماً أو موجباًَ أو محققاً لما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام وحده حتى يكون الدين لله وحده لاشريك له .

فإن الله بعث رسله وأنبيائه بعبادة الله وإخلاص الدين له وأرسل الله جل وعلا الرسل مبشرين ومنذرين يدعون لعبادة الله تعالى مبينيين هذه العبادة بأوصافها وشعائرها وغير ذلك مما جاءت به الشريعة .

وعن هذا كتب الفقهاء رحمهم الله أحكام العبادات وفصلوها وبينوا ماكن مجمعاً عليه محكماً ومادخل عليه مادة من الاختلاف في فهم أدلة الشريعة على هذا القدر .

وأما الطرق التي سلكت غير هذا السبيل فمنها طرق بالغة الضلال ومن ذلك طريقة أهل وحدة الوجود القائلين بأن الوجود واحد

وهؤلاء يجعلون الوجود وجوداً واحداً بشرط الإطلاق ويجعلونه مطلقاً

أي أن الله سبحانه وتعالى وجوده هو وجود العبد ولايفرقون بين هذا الوجود وهذا الوجود .

وهذه النظرية التي تكلم عنها هؤلاء ذكر المصنف أجوبة ودفوعات وردوداً وبين أنها ليست من مقالات أهل الملل .

وإنما هي فلسفة قديمة نقلها من نقلها من هؤلاء المتفلسفة إلى المسلمين وسموا بها بعض الأوجه من السلوك والتصوف

وفي الحق أن السلوك العبادي والتصوف برئ من مثل هذه الطرق التي هي بالغة في الضلال والزيغ والانفكاك عما بعث الله به الرسل ومااقتضته العقول ودلائل العقول

ومااقتضته الفطرة من هذه الفلسفة الضالة التي سماها من سماها -وحدة الوجود - وهي نظرية بالغة الشروبالغة الانفكاك عن دليل العقل والنقل وأصلها من مقالات قدماء المتفلسفة المتصوفة .


وقد ذكر بعض متقدمي الفلاسفة كأرسطوطاليس ردوداً وجواباً عن هذه النظرية الفلسفية المائلة عن دلائل العقول وبراهين العقل والنقل بل وبراهين الفطرة ولهذا كان مخالفوها ليسوا أتباع الرسل فقط

بل حتى الفلاسفة الذين لايقولون بماجاءت به الرسل -بل يقولون بجمل من دلائل العقل ومقاصد الفطرة تجد أن هؤلاء يخالفون في ذلك .

وقد ذكر المصنف وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه وقع له النظر في كلام لأرسطوطاليس يدفع ويرد به على هذه النظرية .

مما يعلم أنها لم ينشأها ابن عربي وأمثاله ممن تكلم بهذه الفلسفة مع أنه حاول أن يخففها ويقربها لكن هذا التخفيف لم يأت بشئ يقتضي منها وجهاً صحيحاً أو وجهاً معقولاً يلاقي ماجاءت به الرسل .

بل هي مادة مستحكمة في الضلال والترك وهي مخالفة لما بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام بأحرفها ومراميزها وقد شرحها في كتابه فصوص الحكم وهذا الكتا ب لابن عربي وله كتاب آخر وهو الفتوحات المكية وإن كان كلامه دون مما في الفصوص وأقرب إلى الشريعة .

وهي ليست لعامة الصوفية بل ولاأكثرهم ولالكثير منهم

وإنما نزع إليها أعيان ممن انتسبوا إلى التصوف وهو في حقيقة الحال متفلسفة نقلة لهذه الفلسفة التي حاولوا أن يقربوها للشريعة لكنها لاتقرب لإن مادتها مستحكمة في الخطاً والضلالة .

كما حاول الفلاسفة النظريون من أصحاب و أرباب الدليل العقلي أن يقربوا الفلسفة العقلية لدين المسلمين ولم يحكموا ذلك ولم يستطيعوه لإن هذه مبنى الحق -دين الإسلام - وتلك فلسفات باطلة ليست على دبن الرسل عليهم الصلاة والسلام فضلاً عن أن كون متصلة برسالة النبي صلى الله عليه وسلم

وإلا فإن هذا المسلك حاوله من حاوله ولهذا كتب أبوالوليد بن رشد رسالة في ذلك سماها -فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال - وإن كان أبو الوليد بن رشد أقرب من حيث العقل والنقل للموافقة مما يذكره ابن عربي وأمثاله .


لإن في تلك الفلسفة العقلية بعض المواد المشتركة بين العقل والنقل مما جاء النقل باعتباره وتصحيحه .

ولهذا لم يكن عند التحقيق دليل العقل ملاقياً لدين النقل أو مقابلاً له وإنما تضمن في كتاب الله الأدلة الشرعية في القرآن كثيراً من الأدلة العقلية .

ولذلك لما سموا أن أرسطو هو من بنى علم المنطق اعترض عليهم باعتراض مشهور بأن المنطق الصحيح - وجملة منه يذكرها أرسطو ومن عرب منطقه - وهذا مما مدرك عند أرباب العلم بالأدلة العقلية وتحقيقها في نفوس المخاطبين :

وإن كان قدر منه قد يكون من تحصليهم

فما يختصون به من المعاني لايكون من الصحيح

ومايختصون به من الألفاظ فها من باب الاصطلاح

والاصطلاح ليس حاكماً على المعاني أو منشئاً لها .

إنما يتعلق بطريقة ابن عربي وابن سبعين وأمثالهم فهي طريقة غالية وسموها تصوفاً وهي طريقة غالية بعيدة عن شأن جماهير الصوفية

وإن كان ينسب هذا القول لكثير من الصوفية فهذا نسبتهم إليه ليست محققة .

إنما أصحابها هم أعيان معروفون وهم فلاسفة في نفس الأمر

ومن أخصهم صاحب الفصوص ولو أنه اقتصر على ماذكر في الفتوحات المكية لكان عليه أغلاط بينة وبدع ظاهرة

لكنها دون تلك الضلالة التي وقع فيها في فصوص الحكم .


-------------

الشريط الخامس من شرح رسالة العبودية للشيخ يوسف الغفيص .

السليماني
03-17-2025, 09:42 AM
(20)

(117) الفرق بين طريقة ابن سينا وابن عربي :

قال المصنف رحمه الله ( أما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم الذين هم أهل الكتاب ..... )

يبين المصنف أن هذه النظرية الفلسفية -وهي نظرية وحدة الوجود - نظرية مناقضة لمابعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام وبما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى .

ولذلك تكلم المصنف في كتبه المطوله عن نظريتين قيلتا في مسائل التوحيد وأصول الدين

وهي القول بأن الله هو الموجود المطلق بشرط الإطلاق

وعن القول بأن الله الموجود المطلق لابشرط .

وهاتان نظريتان فلسفيتان :

الأولى من فلسفة أرباب افلسفة العقلية ورائدها في ذلك ومن نحل عنه هذه الطريقة وولدت إلى فلسفة الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا وأمثاله هو أرسطوا طاليس .

وتكلم بها في تاريخ المسلمين جماعة ومن أخصهم الحسين بن علي بن سينا لما قال بأن الخالق هو الموجود المطلق بشرط الإطلاق - يعني الأوصاف الثبوتية .

ويقابل ذلك من جهة ذكر المصنف لها الفلسفة التي اتخذت منزعاً مختلفاً عن فلسفة أرسطو وهي التي سماها المصنف - أعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - بأهل الحلول والاتحاد - وإن كان يفرق بين الحلولية والاتحادية

لكنهم يقولون بأن الخالق هو الموجود المطلق لابشرط - هم أصحاب نظرية وحدة الوجود .


فصار بين الجملتين فرق بين


الذين يقولون بأنه الموجود المطلق بشرط الإطلاق هذه طريقة ابن سينا وأمثاله .


والذين يقولون بأنه الموجود المطلق لابشرط فهذه طريقة ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني ويقاربها ابن الفارض في كثير من كلامه .

السليماني
04-04-2025, 07:16 PM
(21)

قال الشيخ رحمه الله

(ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق، فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به، رافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات،

دافعين بذلك ما قد يخاف من آثار ذلك، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل، ويدفع به الجوع المستقبل

وكذلك إذا آن أوان البرد دفعه باللباس،

وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه، كما قالوا للنبي -نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة-:

« يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقي بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: هي من قدر الله ».

وفي الحديث: « إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض »

فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله، العابدين لله، وكل ذلك من العبادة. )


118) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الشريعة التي بعث الله بها الرسل ولهذا قال لما بعث الله محمداً نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر )

وإن كان هذا الاسم في الشريعة في قوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ... )

هذا اسم عام يدخل فيه التعليم والبيان ونشر العلم وبيانه إلى غير ذلك كله داخل في المعروفوخلافه أومايقابله هو المنكر .

والمعروف اسم شرعي هو معروف بالشريعة ومعروف بالفطرة وجمهوره معروف بمقتضى دلائل العقول المجملة تارة أوالمفصلة تارة أخرى .

وإذا ذكرت المجمل تعلق به كل معروف وصار كل معروف يقتضيه دليل العقل من حيث الإجمال .

119) هذان الحديثان تكلم فيهما والثاني إعلاله ظاهرو لايثبت والأول تكلم فيه وحسنه طائفة وقووه لكن المعنى الذي فيه متضمن في أدلة الشريعة بمعنى أن الدعاء من قدر الله وأن الله سبحانه وتعالى كتب في قضائه وقدره وماكتبه من مقادير العباد متعلق بالحال والمآل .


فإذا قلت الحال : جميع أفعال العباد ولذلك صار لهذه المسألة قدر كبير عند السلف وعن هذا صنف الإمام البخاري رحمه الله ( خلق أفعال العباد )

باعتبار أن كل أفعال العباد كصلاتهم وصيامهم وحجهم وبرهم ومعروفهم ومايقابل ذلك من ضد ذلك ككفرهم بالله او شركهم أو ظلمهم أو عدوانهم على أنفسهم أو غيرهم أو ظلمهم لأنفسهم من ترك ماأوجب الله عليهم فإن كل أفعال العباد هي من قدر الله تعالى وقضائه .


وإذا قلت بأن أفعال العباد من قضاء الله و قدره فإن هذا لايلزم منه باتفاق أهل العلم أن تكون ممايحبه الله ويرضاه فقد يفعل العبد الفعل ويكون مما يحبه الله كالصلاة والصيام ونحو ذلك مماشرعه الله .

فيقال هم مماشرع الله بأمره وهم مماقدره الله بفعل العبد له .

وقد يفعل العبد الفعل ولايكون ذلك مماشرع الله فيكون مماقضاه الله وقدره وقوعاً كسرقة العبد أو ظلمه أو عدوانه أو قتله للنفس بغير حق أو غير ذلك من أسباب المعصية والشر الخاص أو العام

ولايكون ذلك بالإجماع مماشرع الله أو يحبه الله بل يكون ذلك قدراً قضاه الله سبحانه وتعالى بمعنى أنه علمه وقدره وشائه ولوشاء الله تعالى لم يكن فإن الله لايعجره شئ في الأرض ولافي السماء .)

الشريط الخامس -18.26 -

السليماني
04-05-2025, 09:05 PM
(22)


قال الشيخ رحمه الله (وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية وهي ربوبية الله .... )


120) الشرح :

الذين يغلبون مقام الربوبية ويقصرون في مقام الألوهية والعبادة هذا من أوجه الجهل العامة والمطبقة التي دخلت على كثير من المتكلمين تارة أو على أرباب الأحوال والسلوك تارة

فترى في المتكلمين من يقول بالجبر وأصلها نظرية باطلة أيضاً وليست من نظريات المسلمين

بل هي نظرية في جوهرها الفلسفي منقولة وليست مماتولد في نظر ناظر من نظار المسلمين أو متكلميهم

ولهذا أول من تكلم بها لم يكن له علم معروف وإنما ممن له نزعة معروفة في الميل للفلسفات المنقولة المترجمة والمولدة إلى تاريخ المسلمين وهو مايسمى بنظرية ( الجبر ) التي قال بها جهم بن صفوان وجماعة من قدماء النظار .
ثم تخففت هذه النظرية باستعمال بعض المتكلمين المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة وكثير من مادتها وإن تحاشوا ألفاظها ولكنهم وقعوا في كثير من مادتها
وإن كانوا فرقوا بينها وبين ماهم عليهم بجملة من أوجه الفروقات في المعاني كما فرقوا في جملة ذلك من جهة الألفاظ .
ولكن يبقى أن جوهر هذه المادة لم ينفكوا عنه

وإلا أصلها من الفلسفات القديمة كما ذكر ذلك الرازي وجماعة من النظار والمتكلمين .
ويقع في ذلك من يعظم مقام الربوبية من الصوفية ولكنه لايحقق مقام العبودية ومقام الأمر والنهي فهذا من الغلو يشترك فيه أهل الكلام مع أهل التصوف وإن كانوا لايتصانعون على منهج واحد لكن بينهم اشتراك من هذا الوجه .

ويقابلهم في المتكلمين من يغلو في باب الأمر والنهي ويقصر في تحقيق مقام الربوبية كطريقة المعتزلة الذين قالوا إن الله لم يرد ولم يشأ أفعال العباد

وإن كانوا يقولون إن الله علم ماكان وماسيكون وعلم أفعال العباد فهذا مماتقر به المعتزلة وجميع أهل القبلة .

إنما نازعوا في خلق أفعال العباد ومشيئة الله لها وإرادته لها ورأوا أنهم بذلك محققون لعدل الله سبحانه وتعالى ولهذا سموا كلامهم في هذا الباب بالعدل كما في أصولهم الخمسة جعلوا منها العدل .

كماقال القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني عندما دخل على أحد السلاطين قال بعد أن سلم وفيه رجل من متكلمة المثبتة الذين يقولون بالكسب وهو الاستاذ أبو إسحاق الإسفراييني

قال القاضي عبد الجبارالمعتزلي : ( سبحان من تنزه عن الفحشاء )

فأجاب عليه أبو إسحاق الاسفراييني ( سبحان من لايكون في ملكه إلا مايشاء )

فإنك إذا قلت بإن الله لم يرد أفعال العباد كأنك قلت بأنه يكون في ملكه مالايريده

والله سبحانه وتعالى بالعقل والفطرة والأدلة المستفيضة لايعجره شئ في الأرض ولافي السماء .

ولو أن هؤلاء وهؤلاء ممن غلا في باب الأمر والنهي أو غلا في مقام القدر انفك عن مادة الغلو

لإن مادة الغلو في الحقائق الشرعية سبب كثير من الفساد بل مادة كثير من أصل الانحراف عن دين المرسلين هي من هذه المادة .

ولهذا قال الله جل وعلا لأهل الكتاب
( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ...) الآية

فمادخل الغلو في أمر إلا أفسده ولهذا قال النبي نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة كمافي الصحيح وغيره
( هلك المتنطعون ) وجاء عن ابن مسعود قالها ثلاثاً .

وإلا فإن مقام الأمر والنهي موافق لمقام القدر ولهذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعثوا بتحقيق هذين المقامين

( مقام الجمع بين الشرع والقدر )

الإيمان بقضاء الله سبحانه وتقديره مع الإيمان بأمره ونهيه سبحانه وتعالى ووعده ووعيده والإيمان بحكمته في قضاءه وقدره فإن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة التي لايحيط العباد بها .

ولهذا جاء في الصحيح عن النبي نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة ( والشر ليس إليك )


وكماقال الصالحون من الجن المؤمنين ( وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا )

فلم يضيفوا الشر إلى الله تعالى كما ذكر الله تعالى عنهم في القرآن لإن الشر ليس إليه كما هي أصول دين الرسل .


وإنما الشر فعل العبد وظلمه وعدوانه

وأما الله سبحانه وتعالى فإن الشر لايضاف إليه . )

( د . 24)

السليماني
04-12-2025, 10:05 PM
( 23)

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

( فغلاتهم يجْعَلُونَ ذَلِك مُطلقًا عَاما فيحتجون بِالْقدرِ فِي كل مَا يخالفون فِيهِ الشَّرِيعَة.وَقَول هَؤُلَاءِ شَرّ من قَول الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَهُوَ من جنس قَول الْمُشْركين الَّذين قَالُوا {لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء) وَقَالُوا[٢٠ الزخرف] {لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم} .
!وَهَؤُلَاء من أعظم أهل الأَرْض تناقضا بل كل من احْتج بِالْقدرِ فَإِنَّهُ متناقض فَإِنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يُقَرّ كل آدَمِيّ على مَا يفعل فَلَا بُد إِذا ظلمه ظَالِم أَو ظلم النَّاس ظَالِم وسعى فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وَأخذ يسفك دِمَاء النَّاس ويستحل الْفروج وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَنَحْو ذَلِك من أَنْوَاع الضَّرَر الَّتِي لَا قِوام للنَّاس بهَا أَن يدْفع هَذَا القدَر وَأَن يُعَاقب الظَّالِم بِمَا يكف عدوانه وعدوان أَمْثَاله فَيُقَال لَهُ: إِن كَانَ الْقدر حجَّة فدع كل أحد يفعل مَا يَشَاء بك وبغيرك وَإِن لم يكن حجَّة بَطل أصل قَوْلك: [إِن الْقدرحجَّة.
وَأَصْحَاب هَذَا القَوْل الَّذين يحتجون بِالْحَقِيقَةِ الكونية لَايطردون هَذَا القَوْل وَلَا يلتزمونه وَإِنَّمَا هم يتبعُون آراءهم وأهواءهم كَمَا قَالَ فيهم بعض الْعلمَاء: أَنْت عِنْد الطَّاعَة قدَري وَعند الْمعْصِيَة جَبْري أيُّ مَذْهَب وَافق هَوَاك تمذهبت بِهِ .)


( 121)
الشرح :
-هذه العبارة ( شَرّ من قَول الْيَهُود وَالنَّصَارَى ) يستعلمها المصنف في كثير من تراتيبه لأحكام المقالات فلايحكم بهذا السياق وحده إذا ورد عند المصنف في موارد المعاني المختلفة والمتنوعة
فهذا لايراد به التسوية أو التفضيل المطلق وإنما يراد من وجه من الوجوه .

لإن في دين أهل الكتاب من البقية التي خالفتها تلك الفلسفات .

- أصل تلك المعاني التي يشير إلى فسادها هي من الفلسفات الضالة التي دخلت على تاريخ المسلمين وليست من مادة نظر علمائهم أو حتى نظارهم أو حتى متكلميهم ولهذا كان عامة متكلمة المسلمين ينكرون ذلك .

- كماورد عن الغزالي وغيره ممن بين فساد الفلسفة ورد عليها كما في كتابه ( تهافت الفلاسفة )

وهذا قاله في مادون ذلك من الحقائق العقلية فضلاً عما يذكره المصنفون بماتعلق بضلالات قوم فوق ذلك .

( تناقض المحتج بالقدر )

-لايوجد أحد من عقلاء بني آدم أو من مجانينهم يحتج بالقدر على حقيقة الاحتجاج بالقدر .

- معنى حقيقة الاحتجاج بالقدر :

حينما تقول أن قدر الله تعالى متعلق بجميع مايكون فإذا نظرنا للعبد قلت أن قدر الله متعلق بجميع أفعال العبد

فمامن فعل يفعله أو يكون له ولامسبب يكون له ولاسبب يقوم به إلا هو من قدر الله .

فإذا كان كذلك : فإذا ترك ماهو من الشرع محتجاً بالقدر أو وقع في ظلم أو معصية أو فساد فاحتج بالقدر على معصيته أن الله قدرها وكتبها

قيل : هذا لايطرد عنده ولاعند غيره من العقلاء لإنك أذا جئته في بقية أمره لم نجد أنه يستعمل مقام القدر فلو أن شخصاً قتل ابناً له

فإن القتل - وإن كان محرماً ومجرماً - لكنه وقع بقدر الله فلو شاء الله لم يقع

فهل ترى أن أحداً من بنى آدم من المسلمين أو غيرهم يقبل عدواناً عليه أو على أهله أو ماله أو عرضه بحجة أن المعتدي وقع عداونه بقضاء الله ومشيئة

هل سمعت أن أحداً يقبل بمثل هذا ؟

- لايتصور في العقل أن أحداً يقبله ولاحتى المجانين من بني آدم سواء كان مسلماً أو غير مسلم .

-هذا يدلك أن مقام الاحتجاج بالقدر مقام ساقط

وطرده يبين سقطه .

فمن يحتج بالقدر على معصية الله أو ترك شي مما أمر الله به فيقال له : لاتذهب لعملك لإنه إن كان كتب الله لك الرزق فسيأتيك ولاأحد يقبل بهذا .

- من أين جاء الخلل ؟

من توهم أن القدر هو المآل دون الحال .

- الحق الذي تقتضيه الفطرة ودليل العقل فضلاً عن المستفيض المتواتر المجمع عليه في دليل الشرع أن القدر متعلق بكل شئ

( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) فلايعزب عن علم الله تعالى مثقال ذرة لافي الأرض ولافي السماء .

- ماشاء العباد شيئاً في أحوالهم العامة أوالخاصة في البر أو غيره إلا والله سبحانه مهيمن على خلقه بمشيئته العامة ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )

( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ )

ولهذا لم يحتج بالقدر على الإطلاق والإطباق أحد من بني آدم لامن المسلمين ولامن غيرهم لامن عقلائهم ولامن مجانينهم .

لإن هذا فرط مناقضة للعقل لم يستعمله حتى المجنون لإن فيه بقية من عقل وإنما ذهل أو جن أو تخبطه شيطان .

- المقصود أن اسقاط الاحتجاج بالقدر على معصية الله يكفي في إسقاطه طرده فإذا طردته بان بأنه لايستقيم على أي وجه .

-حقيقة الاحتجاج بالقدر أنه ليس حجة عقلية بل هو تزيين محض من الشيطان

مثل مازين لبعض الناس ذلك الأمر الفاسد هو قتل الأولاد ولكن لما كان قتل الأولاد فساد ظاهر مادياً أعرضت عنه النفوس إلا من شذ .

-لما كان موضوع القدر من المواضيع العلمية في النفوس والعقول صار الشيطان يستعمل فيه مع بعض من ضعفت نفسه وداخله وسواس من الشيطان فربما ابتلاه بهذه القضية حتى اشتبهت عليه .

-مع أنها في الحقيقة ليست من المشتبهات التي تحتاج إلى أوجه لدفع الشبهة فيها .

- لإنها أصلا لاشبهة فيها تقوى إلى درجة الإشكال الذي يحتاج دفع وإنما هي قضية وهمية شيطانية .

-لهذا لم يكن الاحتجاج بالقدر مذهباً نظرياً لأحد من أهل العلم والنظر لامن هذه الأمة ولامن غيرها .

-حتى المشركون لم يقولوا ماقالوه على جهة الترتيب العلمي وإنما قالوه مكابرة ولهذا سماه الله تكذيباً (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا)

-----------------

الشرط الخامس ( د 34 )

السليماني
04-21-2025, 12:05 AM
(24)

قال الشيخ رحمه الله :

(بل كل من احتج بالقدر فهو متناقض ...)

- نقول إذا طرد انكشف أنه وهم من الشيطان وليس أنه قضية نظرية تحتاج إلى أجوبة مفصلة ومحاورة

فالإتيان عليه من أساسه كما قال الله تعالى لإن الحق يأتي لإزالة أصول الباطل .

-دائماً الباطل لايلاقي الحق بوجه من الوجوه .

( ويقال لم احتج بالقدر إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل مايشاء بك أو بغيرك ...)

وهذا لايقوله أحد من بني آدم لامن المسلمين أو غيرهم ولامن العقلاء ولا المجانين

بل مبدأ المدافعة وتمييز العدل من الظلم وتمييز الصحيح من الخطأ كامن في نفوس الناس وفطرهم فيما يحتاجون إليه في شؤونهم الخاصة .

- ذكر أصحاب هذه المقالة لإنهم متناقضون ( الذين يحتجون بالحقيقة الكونية أي يحتجون بالقدر )

فهم لايطردون هذا القول ولايلتزمونه فلم يطرده أحد من بني آدم

فلما صار طرده ممتنعاً علم أن أصله ممتنع لإن الحكم على الكل يرجع بالحكم على الجزء .

- من يرى ارتفاع الأمر والنهي عمن شهد الحقيقة الكونية( أن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات )

قول غلاة انتسبوا للتصوف وهم شذاذ في هذه المادة الذين أسقطوا بعض مقامات الشريعة عن أنفسهم بأنهم من خاصة الخاصة

وأن لهم عبادة سراً بينهم وبين الله ليست كعبادات المسلمين كالصلاة وقيام الليل والصيام المشروع .

فلهم عبادات من السر الذي لم يتحدث به الرسول صلى الله عليه وسلم ولاذكره القرآن

وربما يدعون أن القرآن ذكره فيأخذون ذلك في جمل من سياق الآيات مثل قوله تعالى( فاخلع نعليك ) فيقولون خلع النعلين سر من العبادة

ويجعلون لها أوصافاً مخترعة من عند أنفسهم

فهذا خطاً في تفسير الآية من أصله وخطأ في ترتيب العبادات من أصله

لإن العبادات لايرتبها إلا الشارع ( شرع لكم من الدين ماوصى به نوحاً ..) الآية

( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ...) الآية

فالأنبياء يتبعون ماأمرهم الله به والتشريع هو حق لله سبحانه وتعالى لاشريك له .

- قد يوهمون العامة بشبهات اختصوا بها من أحوالهم وضلالهم وبطلانهم ويدعون أن طريقتهم هي ما كان عليه الخضر وهذه طريقة باطلة

فإن الخضر كان متبعاً لما أنزل الله سبحانه وتعالى ولم يكن نبياً

وموسى عليه السلام رسول الله وصارت بينهم المصاحبة المذكورة في سورة الكهف وهو أفضل عند الله من الخضر وفي حكم الله وهو من أئمة الرسل وأولي العزم

ولهذا لماذكر الشفاعة في مقامهما الأعظم جاء الناس لآدم ثم لنوح ثم لإبراهيم ثم لموسى كليم الله

ثم جاء لعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ثم لمحمد صلى الله عليه وسلم

ولم يذكر الخضر في هذا المقام فهو من المسلمين المتبعين للأنبياء وجعل الله له فضلاً في العلم وفضلاً في الرحمة -وهذا غاية أمره -فهو رجل من الصالحين آتاه الله علماً رحمه فقه بها دين الله الذي أتبعه من اتبعه من الأنبياء .

لكن مقام موسى عليه الصلاة والسلام في العلم والفضل أبلغ من مقام الخضر بإجماع العلماء .

- الخضر لم يفعل ما فعل لإنه سقط عنه التكليف عن اجتهاد أو سلوك أو حال فقد اخبر الله عنه ( ما فعلته عن أمري )

ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الغلام الذي قتل الخضر طبع كافرأ .

- إذا أبطلت هذه الطرق المبتدعة في الإسلام فهذا لا يعني أن تحقيق الولاية مما لايتفاضل العباد فيه

بل العباد متفاضلون في تحقيق العلم بالله وفي تحقيق عبوديته وفي الاستجابة لأمره

ولهذا كان أئمتهم من الصحابة بعد الأنبياء وكالحواريون أتباع عيسى بن مريم وأمثال هؤلاء

قد آتاهم الفقه في الدين والصدق في العبادة وتحقيق العلم بالله وربوبيته وبإلهيته وأسمائه وصفاته وهذه مقامات يتفاضل بها العباد تفاضلاً بالغاً لايحيط به إلا الله تعالى .

ولهذا ماكان الصديق رضي الله عنه كان على مقام من العلم بالله ومعرفة حق الله وخضوع قلبه وخشوعه لله وهذه الأعمال لا يحيط بها الناس

ولهذا قال طائفة من السلف وورد عن الحسن البصري ( ما سبقهم أبوبكر بكثرة صيام ولاصلاة ...)

التفضيل ليس للأمر العبادي الظاهر -وإن كان هذا مما يفضل به- لإن ليس في الشريعة الأمر الظاهر المجرد

ولكن كان له من مقام من أحوال النفوس والقلب فقد خضع وأخبت قلبه لله

فالصديق هو أعظم هذه الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم خضوعاً وخشوعاً لله

-ابطال هذه الطرق المبتدعة المتكلفة التي أوجدت تمانعاً بين حقائق الشريعة من حقائق الربوبية وحقائق الألوهية حتى نقصت أحد المقامين بوجه من النقص باسم دليل العقل تارة وباسم الأحوال والتصوف تارة

فهذه الطرق الباطلة لا تغلق مقام الحقيقة الشرعية والفضل الذي فضل الله به أوليائه على غيرهم

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بمايؤتي العبد من العلم والإيمان واليقين والصدق والبر التي لا يحيط بها إلا الله

وجاءت الشريعة بأن هذه الأمة متفاضلة حتى الرسل متفاضلون ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) وإن كان نهينا عن الاشتغال بالتفضيل

فقد فضلهم الله بمقامات ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول في مقام الشفاعة ( ثم يفتح الله علي بمحامد شيئاً ) فهذا أحد مقامات العبودية وهو تحقيق الثناء على الله

ويفتح على العبد في مقام الصلاة والاستغفار ويفتح في مقام التذلل لله عزوجل وغيره .

( نهاية الشريط الخامس )

السليماني
04-30-2025, 10:56 PM
(25) قال الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله :

(وقد يقولون - يعني هؤلاء الذين يسقطون التكاليف عن طائفة دون طائفة - من شهد الإرادة سقط عنه التكليف ويزعم أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة)

- بين الشيخ رحمه الله أوجهاً كثيرة من السقط والخلل في طرق السلوك والعبادة التي دخلت على كثير من المسلمين وإن كانت هذه الأوجه والخلل على درجات .

- النظر في كلام الشيخ سواء في هذه الرسالة أو غيرها يجب أن يضبط سياق كلامه على مقصوده وعلى ما يقتضيه سياق الكلام بعامة .

-يتكلم عن الصوفية والتصوف هو منهج اتخذ في العبادة وظهر قديماً في تاريخ المسلمين في عصر التابعين ثم صار يضاف إليه كثير من المنتسبين للزهد والعبادة

ونسب إليه من ليس منتسباً إليه ونسب إليه من انتسب إليه وتسمى به ولكنه لايختص به .

ونسب إليه من انتسب إليه وتمسك باستمساكه وصار هو الهجيراء التي يقولها ويرددها ويرى مشكاة الشريعة منها .

هذه ثلاث درجات من حيث الانتساب :

1) نسب للتصوف من لم يسم نفسه صوفياً فتجدهم في كتب الصوفية يسمون الفضيل بن عياض أو سهل التستري او من هو أشهر في الفقه والعلم كالحسن البصري

ونحو هؤلاء صوفية وهؤلاء ما سمو أنفسهم بالتصوف البتة ولا ينسبون إليه لإن لا يؤتي زيادة .

- ولهذا لما تكلموا في سببه لم يجدوا سبباً زائداً عن الأسباب الشرعية إذا ما قُدر سببه معنى مناسب للشريعة أما إذا قُدر سببه من المعاني التي لاتلائم الشريعة فهذا يقتضي فيه خلاف ذلك .

حتى لو قدر أنه من الصفاء - كما يقدر كثير من الصوفية والناظرين في التصوف -ومن الزكاء

فالكلمات التي جاءت في كتاب الله أبلغ في تحقيق هذا المعنى وهو تزكية النفس وهو أبلغ من صفائها لا يدل على الملاء بخلاف التزكية فهي تدل على الملاء بالخير .

ولهذا شرع الله التزكية ( قد أفلح من زكاها ) ( ولكن الله يزكي من شاء )

فالتزكية شعيرة من شعائر الإسلام وهدي من هدي المرسلين ولما دعا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام - هذا الأمة قال ( ويزكيهم ) التزكية هي الاسم الأشرف وهوأبلغ في المعنى والدلالة من اسم الصفاء .

-فضلاً عن كون التصوف لا ينتسب إلى الصفاء بموجب قواعد اللغة ولاحتى بموجب أسباب الشريعة .

-إذا قدرله المعنى الفاضل -الصفاء - قيل ما جاء في أسماء الشريعة كالتزكية والتقوى والصلاح

((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))؛ متفق عليه

فهذه الأسماء أبلغ في الدلالات وفي تحقيق المقصود وفي القرب من الله وفي ولاية الله وفي اصطفاء الله إلى غير ذلك .

بخلاف غير هذا الاسم فماعرف حتى في قدماء الأمم من أتباع الأنبياء لافي موسى ولاعيسى عليهم الصلاة والسلام ولافي أتباع عيسى من الحواريين رضي الله عنهم

فماعرف فيهم هذا الاسم .

-وإن كان بعض الناظرين ولاسيما من المستشرقين أو بعض الباحثين من غيرهم يجعلون لذلك أصلاً سابقاً ولو قدر أن هذا الأصل كان كذلك لم يكن في شريعتنا كذلك .

- الأسماء الشرعية دائماً أبلغ من الأسماء الجائزة فمن باب أولى الأسماء المتردد في صحتها فمن باب أولى في الأسماء المشكلة والمؤاخذة .

السليماني
05-06-2025, 10:42 PM
(26)

- كلمات الشريعة دائماً في أسمائها وكلماتها أبلغ وهذا برهانه قطعي في الدين والعقل لإنها هي الأسماء التي ذكرها الله سبحانه وتعالى ( ومن أصدق من الله قيلاً )

وذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لاينطق عن الهوى وأوتي جوامع الكلم .

- بعض الأسماء وأن جاز لكن جوازه لايزيد عن كونه جائزاً ولايوجد فيه من البلاغة والاقتضاء والديانة والدلالة مافي الأسماء والكلمات الشرعية .

- القسم الأول هم الذين نسبوا في بعض كتب الصوفية ولم ينتسبوا وليس الإشكال في النسبة !

الإشكال حين ينسب مثلاً الحسن البصري للتصوف أو الفضيل ولايقف الأمر عند ذلك بل تذكر عنهم كلمات كثيرة مقطوعة عن الأسانيد فهي ليست على معيار الأسانيد المعروفة في علم الحديث ورواية الإسانيد الموصولة التي يعتبر بمثلها .

فتجد كثيراً من الكتب تملأ بكلمات تنسب لابراهيم النخعي او للحسن أو لسهل بن عبد الله أو الفضيل وهي كلمات بعضها محل مؤاخذة فهذا لايكون له برهان .

(2) القسم الثاني من المتصوفة : قوم انتسبوا للتصوف وأجازوا هذا الاسم لما صاحب حالهم من الاجتهاد في تسويغ هذا الاسم وجوازه لكنهم لم يختصوا به على سبيل الانقطاع عن أسماء الشريعة والتسمي به أو الإظهار به أو الاختصاص عن جمهور المسلمين .

وهؤلاء خلق ومنهم الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله والجنيد بن محمد رحمه الله فهؤلاء ينتسبون للتصوف ولكنهم لايختصون بهذا الاسم عن غيره من الأسماء ويعظمون الأسماء الشرعية أعظم من تعظيمهم لهذا الاسم ولايباينون جمهور المسلمين بهذا الاسم وهؤلاء مقتصدة الصوفية .

(3) وهناك نوع ثالث ينتسبون للتصوف ويبالغون في الاختصاص به وفي التحيز به والتسمي به .

فيتحيزون به عن جمهور المسلمين ويجعلون أهل الطاعة وأهل الولاية والعلم أو خلاصة المسلمين فيمن كان أتى طريقتهم .

- وهؤلاء لما كان طريقهم ليس محكماً على قواعد الشريعة وتركوا ماشرع الله -سبحانه وتعالى- من اجتماع المسلمين واعتصام المؤمنين بحبل الله جميعاً وأن لايتفرقوا شيعاً فأصابهم نقص في اتباعهم واقتدائهم -وإن كانوا لم يقعوا في أصل المفارقة لإنهم من أهل القبلة والإسلام ولاشك .


فصاروا شيعاً وطوائف بسبب نقص اتباعهم واقتدائهم .

- كل من نقص في قواعد الاتباع وتحيز بخاصته وبطائفته عن قواعد الاتباع الشرعية صار ذلك موجباً لتفرقه

ولهذا صارت الصوفية ليست وجهاً واحداً بل صاروا درجات شتى .

-مثل ذلك حصل في طوائف المتكلمين لما اختصوا بهذا الاسم وامتازوا به جمهور المسلمين صار على هذه الحال من التفرق .

-لم يدخل ذلك التفرق على أصحاب السنة وأصحاب الهدي الذي اقتدوا بهدي الصحابة -رضي الله عنهم -

وغالب مايقع في هؤلاء - أتباع السنة والجماعة - أن يقع في بعضهم قدر من الزيادة في القول أو الخطأ في القول أو الغلو في تقرير بعض المسائل فهذا يعرض لبعض الأعيان ولاسيما في المتأخرين وهي حال عارضة .

- لكنك إذا جئت الى السواد الأعظم لاتجدهم مشارب فالصحابة رضي الله عنهم وهم أصل هذه الطريقة - طريقة السنة والجماعة - الذين شرع الله اتباعهم

( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) لاتجد أنهم متفرقون بل هم معتصمون بحبل الله وإن كانوا يختلفون في فروع الدين لكنهم في أصوله وقواعد الاتباع ومنهج الاستدلال هم على مادة واحدة .
وهذا شأن القرون الثلاثة الفاضلة الذين اقتدوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم .

- وإن كان في هذه القرون من شذ عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد ظهرت الخوارج في خلافة علي ابن ابي طالب وظهرت القدرية في أواخر عصر الصحابة بعد عصر الخلفاء الراشدين وظهر بعد ذلك جمل وألوان من البدع وظهر التصوف .

- التصوف ليس درجة واحدة لامن حيث الانتساب ولامن حيث الحقائق والأحوال والمعاني التي تذكر في كلام الصوفية

لإن الله تعالى أوجب العدل والقسط ( إن الله يأمر بالعدل ) فلايصح أن يذكر التصوف على أنه على وجه واحد من الغلو .

- بالمقابل لايصح أن يذكر التصوف على أنه على وجه واحد من الاقتصاد فقد وقع في التصوف غلو ووقع اقتصاد .

- لايعني كون المتصوف مقتصداً أن يكون صواباً ولابد ولكن يعني أنه لم يكن مبايناً لأصول السنة والجماعة

ولهذا يذكر المصنف في كلامه رحمه الله مقتصدة الصوفية أو فضلاء الصوفية أو صوفية أهل الحديث في بعض السياقات التي يذكرها طائفة من أهل العلم

ولايقصدون بها الموافقة المطلقة .

- إنما المقصود أنهم ليسوا من أهل الغلو وليسوا مباينين للأصول وهذا يضاف لمقتصدة الصوفية الفضلاء كالحارث بن أسد المحاسبي وأمثاله ولهذا كان للإمام أحمد مؤاخذة عليه وكان له بعض الثناء عليه لإن الحارث صاحب التصانيف في التصوف كان من العباد والصالحين ويرجى أن يكون من أولياء الله سبحانه وتعالى ولكنه أخطأ في مقامات التصوف أو غيره .

السليماني
05-20-2025, 09:52 PM
(27)

- لما كتب الصوفية بعد ذلك كصوفية الحنابلة وهم على مادة التصوف كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب (منازل السائرين ) الذي شرحه طائفة من الصوفية ومن غيرهم ومن الشروح الفاضلة عليه الشرح الذي كتبه العلامة ابن القيم رحمه الله المسمى ( مدارج السالكين ) .

لكن أبا إسماعيل رحمه الله متصوف وينتسب إلى التصوف صراحة لكنه ليس من غلاة الصوفية بل هو من متوسطي الصوفية وعنده تعظيم بالغ للسنة والآثار وعنده تعظيم لقواعد أهل السنة والجماعة لكن يفوته ما يفوته - وماقد يفوته ما يكون من الحروف ومايكون من المعاني وقد يكون غلطه فيهما .

وهذه جملة لابد من فقهها ولاسيما في مادة التصوف لانهم لايكتبون بمعيار النظر أو بمعيار المنطق

أو نحو ذلك وإنما يكتبون بأحرف الصوفية تارة وبمزاميرها تارة أخرى .

فلما كانوا يكتبون بأحرف الصوفية وبجملها وبكلماتها وبمزاميرها تارة وبالاصطلاحات التي صنعها من صنعها من أعيان الصوفية

صارت هذه المزامير أو المصطلحات أو الكلمات يتأول كل متصوف تحتها ماانتهى إليه نظرة في التصوف والشريعة .

فربما كان ما تحت هذا الاسم عند هذا المتصوف ماهو من مفارقة أصول الشريعة

وربما كان ما تحت هذا الاسم -وهو نفس الاسم الأول الذي استعمله من استعمله استعمالاً غالياً

وربما كان فيه مخالفة ولكنها ليست مفارقة للأصول -وإن كان فيها ترك لما يجب شرعاً .

وقد يقع تحت هذا الاسم المخترع أو تحت هذه المزامير المخترعة من مزامير الصوفية مايكون في الجملة من الكلام الصحيح


لكنه سمي بأسماء محدثة كا يذكرون الفناء والاصطلام والوجد والأحوال ويذكرون جملاً واسعة سواء كانت كلمات مفردة أو أسماء مفردة أو كانت من الجمل المركبة .

والخطأ الذي يقع في بعض من ينظر في كلامهم أو يريد أن يقتدي ببعض فضلائهم في بعض المقامات :


أنه لايفرق بين درجات الصوفية فربما حكم على الأدنى بحكم الأعلى أو بالعكس .

فإذا انتصب من يريد الدفاع عن السنة - ولم يكن من أهل العلم والتحقيق - ربما أخذ سواد الصوفية بقول غاليتهم .

وإذا انتصب للقول من يدعي الرفق أو يدعى الإنصاف - وليس من أهل العلم بالقواعد الشرعية وقواعد الإنصاف والأخلاق - وإنما يتكلم بكلام يلقيه ولايفقه ماتحته من الحقائق راح يتأول الأخطاء البينة والمقاصد البينة في الكلمات وماصرح به من صرح من الضلالات عند غلاة الصوفية فيتأولها على أوجه مناسبة فيكون هذا منافياً للحقيقة

كما أن الأول قد نافى الحقيقة العلمية فضلاً عن أحكام العقل وعن العدل الشرعي .

-لذلك الكلمات التي تقولها الصوفية سواء كانت مفردة أو مركبة إنما تفسر في كل كتاب أو في كل سياق أو في كل طائفة بحسب مايقتضيه سياق هذه الكلمة من كلام المتكلم بها .

- فقد تكلم محي الدين ابن عربي صاحب الفتوحات المكية وصاحب فصوص الحكم بحروف قد تكلم بها أبو إسماعيل الأنصاري الهروي وتكلم بها أبو حامد الغزالي ونسب منها للجنيد بن محمد وللحارث المحاسبي ومع ذلك تجد هذه الجملة عند ابن عربي تقع على مقصود يختلف عن المقصود الذي يقوله ابو أسماعيل الأنصاري أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو مايقوله أبو حامد الغزالي .

فضلاً عمن هم فوق ذلك ممن نسب إلى التصوف وهو لم ينتسب له كالفضيل بن عياض وسهل بن عبد الله وأمثالهم .

- ولهذا يجهل بعض الناظرين والباحثين فيقول الفناء عن الصوفية تعريفه كذا ثم يعرفه بتعريف واحد .

وربما أخذه من كتب التعريفات أو من تعيف بعض الصوفية فلايكون حجة على بقيتهم

لإن هذا ممايتصور شرعاً وعقلاً لوكانت الطريقة طريقة واحدة !

أنما كانت مشارع وكانت مناهج وكانت طرقاً وكانت أوجهاً فهذا يتحرى فيه القصد .

فإن قيل فإن هذا مما يعسر جمعه ؟؟؟

قيل : لم يكلف الله خلقه أن يجمعوا مقالات الخلق وأن يحكموا عليها واحدة واحدة بل إنما كلف وشرع لعباده أن يعبدوه ولايشركوا به شيئاً

ولهذا قال الشاعر من قبل :

ألا كل شئ ماخلا الالله باطل

فكل ماخالف الشريعة فهو باطل .

هذه حكمة علمية وحكمة شرعية وحكمة عقلية فإنك لاتشتغل بما يناقض الحكمة الصحيحة لأنه أوجه لاتناهي لها

ولهذا البدع من صفتها أنها متأخرة حادثة بعد أن لم تكن ولهذا قد يقع من البدع مالم يقع في قرون قد سلفت

وكثير من البدع لم تقع في عصر الصحابة وكثير من البدع لم تقع في القرون الثلاثة الفاضلة ومازال يعرض للناس أو لبعضهم من البدع

بخلاف السنن فإنها محكمة بينة تامة بتتميم الله سبحانه وإكمال الله لدينه ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي )

السليماني
06-02-2025, 07:43 PM
(28)

المقصود هنا أن الله تعالى شرع العدل والبيان ولهذا من أوصاف أهل العلم أنهم قائمون بالعدل والبيان

فلايغلب مقام البيان على مقام ترك العدل بل هما متلازمان

بل من نقص أو ترك مقام العدل فقد نقص عند التحقيق مقام البيان ولابد ولايتصور تحقيق البيان إلا بتحقيق العدل .

وأما من أراد أن يعلو بالبيان حتى يحذر من البدع والضلالات فهذا يخالف الشريعة من وجه إذا غلا في حكمه في المقالات أو على الآيات

لإن الغلو في القول في الدين كله لا يصح .

وبالمقابل من نقص مقاماً في البيان فخفف فيما حرمته الشريعة أو نهت عنه أو خفف في محدثات تنافي سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

فإن هذه الطرق تنافي سنن الأنبياء كلهم .

ولهذا لما دخلت مادة منها على بين إسرائيل قال سبحانه وتعالى ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم )

ورد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل

ولم تكن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ولاشرائع الأنبياء من قبله انقطاع في وجه واحد من العبادة أو في بعض الأوجه من العبادة

عن بقية العبادات التي شرعها الله تعالى .

المقصود أن التصوف في انتسابه وفي حروفه وفي كلماته وفي معانيه هو جملة مشارب وأوجه متعددة منه الغالي ومنه المتوسط ومنه المقتصد .

وإذا قيل المقتصد قيل حتى المقتصد ليس هو مما يندب إليه ويؤمر به

وإنما يندب ويؤمر بماشرع الله من الأسماء الشرعية والحقائق الشرعية .

وما يحققونه في بعض المقامات فهو في حقيقته من مادة الشريعة وإن سماه من سماه تصوفاً .

فما يصيبون به من الحق وتحقيق معاني المحبة لله أو بيان الخوف من الله أو بيان رجاء الله مما قاله مقتصدة المتصوفة فإن قال : هذا من علم الشريعة ومايكون من الصواب في ذلك والتحقيق في ذلك .

قيل : هذا هو في حقيقته من علم الشريعة وليس من مادة التصوف ولهذا لا يختص به الصوفية عن غيرهم ممن لم ينتسب للتصوف .

وأما أذا كان ما يقصد هنا ما يختص به أهل طائفة فلايوجد طائفة تختص بدليل عقلي أو دليل شرعي أو حكمة شرعية أو حكمة عقلية

إلا وتكون هذه الحكمة إذا وافقت وجهاً صحيحاً إلا ويكون أصلها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وإذا كانت من مادة الأحكام العقلية ظهر بأن الكتاب والسنة فيما يتعلق بالأحكام العقلية المستعملة في أدلة التشريع أو مسائله ذكرا ما يدل على ذلك ما هو أبلغ وأعظم

كالبراهين والأمثلة المضروبة في كتاب الله التي خاطبت العقول في بيان ربوبية الله سبحانه وتعالى وتحقيق توحيده والإيمان بشرعه وقدره .

السليماني
06-18-2025, 04:26 PM
(29)

قال الشيخ رحمه الله :

( ولا ريب أنّ المشركين الذين كذّبوا الرّسل يتردّدون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين إمّا أن يبتدعوا وإمّا أن يحتجوا بالقدر وإمّا أن يجمعوا بين الأمرين كما قال تعالى عن المشركين {واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}

وكما قال تعالى عنهم {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء}) ا.هــــ كلامه .

الشرح :

الاحتجاج بالقدر على ترك طاعة الله أو ماهو من معصيته استعمال استعمله قوم من المشركين ولم يستعمله عامة المشركين فضلاً عن أهل الإسلام

وإنما قال به قوم من أهل الشرك في حالة عرضت لهم لذلك قال الله تعالى ( كذلك كذب الذين من قبلهم )

ولاتجد مشركي العرب - مع أنهم ذكروا هذا القول - قد قام في عقولهم هذا الموجب على اللزوم أو مااستطاعوا أن ينفكوا عنه .

ولهذا إذا صار الواحد منهم إلى الإسلام ليس لإنه قد حاوره أحد او جادله أو حاور عقله وزال عن نفسه تلك الشبهة

بل هي شبهة أرادوا ان يكفوا بها مايلاقونه من الإغلاق عليهم لما جاءت أنوار الشريعة بينة تشبثوا بمثل هذه الكلمات

وهي من جنس قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر وأنه مجنون

مع أنهم يعلمون أنه أبرأ الخلق من ذلك كله وأنه أفضل من لقوا وأصدق من لقوا وأمين ذلك البلد الذي كانوا فيه وهو أمين الناس أجمعين عليه الصلاة والسلام .

فلم يخلق الله سبحانه وتعالى بشراً كرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمانته وصدقه وزكاته

وغير ذلك وأخلاقه الفاضلة عليه الصلاة والسلام التي جبله الله عليها وشرعها الله له وللمسلمين

ولهذا قال الله فيه ( وإنك لعلى خلق عظيم ) صلى الله عليه وسلم .

السليماني
07-15-2025, 06:20 PM
(30)

قال الشيخ رحمه الله

( وَقد ذَكَرَ عَن الْمُشْركين مَا ابتدعوه من الدَّين الَّذِي فِيهِ تَحْلِيل الْحَرَام وَعبادَة الله بِمَا لم يشرع الله فِي مثل قَوْله تَعَالَى [١٣٨ الْأَنْعَام] : {وَقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر لَا يطْعمهَا إِلَّا من نشَاء بزعمهم وأنعام حرمت ظُهُورهَا وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ} إِلَى آخر السُّورَة وَكَذَلِكَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف [٢٧-٣٣] : {يَا بني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة} إِلَى قَوْله: {وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ * قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد} إِلَى قَوْله: {وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين * قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق} إِلَى قَوْله: {قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وأن تشركوا بالله مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ}) ا.هـــ كلام شيخ الإسلام .

الشرح :

ولذلك تجد أن خطاب التشريع في القرآن هو :

1) خطاب خبري تشريعي .

2) خطاب عقلي في نفس الأمر .

وهو خطاب عقلي باعتبار الكلمات المفردة ودلالات الجمل المركبة ودلالات السياق التام .

وانظر هذا وتدبر في مثل قول الله ( قل إنما حرم ربي ) فأضاف التحريم إلى الله الذي يحكم بالتحريم هو الله سبحانه وتعالى

وذكر مقام الربوبية هنا لإنه بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى .

-( قل إنما حرم ربي الفواحش ) فصار هذا الاسم بذاته يدل على الترك لإنه فاحش والفاحش هو الظاهر شديد الظهور .

ولهذا في الغبن يقول الفقهاء في المعاملات ( إذا كان الغبن فاحشاً ثبت فيه خيار الغبن ) أي زاد عليه زيادة بينة أو نقص عليه نقصاً بيناً .

-(قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن ) الاثم ماحك في نفسك والمحرمات في الشريعة منها الظاهر ومنها الباطن .

-( والإثم ) مجرد هذا الاسم يدل على فساده أنه إثم , وكماقال النبي صلى الله عليه وسلم للنواس بن سمعان ( الاثم ماحاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس )

-(وَالْإِثْم وَالْبَغي ) واسم البغي يدل على ترك هذه المادة لإنها بغي .

ولهذا لما بين الله ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) فصار هذا الاسم العام جامعاً لكل أوجه المعروف فكل العبادات والتشريعات داخلة في اسم المعروف وكل المحرمات والمنهيات داخلة في اسم المنكر .

-(وَالْبَغي بِغَيْر الْحق ) وقوله ( بِغَيْر الْحق ) ليس لإن ثمة وجهاً من البغي يكون بحق وإنما هو تأكيد لفساد مادة البغي وأنها دائماً تكون ملاقية ومقابلة لمادة الحق

كماقال الله ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ) .

- (وأن تشركوا بالله ) الذي له الدين الخالص سبحانه وتعالى فسمى الله عملهم شركاً .

-( مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا ) وكذلك كل الشرك لم ينزل الله به سلطاناً ولاشك مثل ماجاء في قوله ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) وكل الأوثان رجس وشر .

وكذلك الشرك كله شر وكله لم ينزل الله به سلطاناً لاسلطاناً شرعياً ولاسلطاناً عقلياً بل هو بغي وعداون .

ولذلك أظلم الظلم الشرك بالله وأبلغ العدل وأعظمه هو توحيد الله سبحانه وتعالى لكن قوله ( مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا) هو بيان لحقيقة الحال الملازمة

فلما كانت الصفات هنا صفات ملازمة ذكرت على هذا الوجه في البغي والشرك .

فالبغي يلازمه أنه بغير حق ولابد وأنه يقابل الحق وأنه عدوان صريح لاشبهة فيه لإنه يقابل الحق في النفوس الفاضلة المؤمنة .

وكذلك الشرك فهو عري من السلطان ومن الحجة ولهذا لم يبكن لأمة مشركة حجة على الله سبحانه وتعالى بل لله الحجة البالغة على خلقه .

ولهذا صارت رسالة الأنبياء حجة قائمة على الناس بما أنزل الله عليهم وبما أوحى إليهم سبحانه وتعالى .

والله سبحانه وتعالى بعث الرسل كما بين في كتابه (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ ) وسلطان ( بَعْدَ الرُّسُلِ)

ولله الحجة البالغة على خلقه بمابين لهم وبما فطرهم عليه وبماأنزل وشرع وبعث من أنبيائه ورسله ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ) .

- ( وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ ) وقوله سبحانه ( مَا لَا تعلمُونَ ) يدل على هذا المعنى الشرعي العقلي في فساد القول على الله بغيرعلم .

ولذلك من القول على الله بغير علم التحليل والترحيم بغير علم ولهذا قال الله تعالى ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ )
وقوله (ِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ) معناه أن هذا الكلام ليس له قاعدة وإنما هو إجراء يجريه اللسان بغير برهان
وإنما هو وصف لسان ليس له قاعدة ولابرهان .

ولذلك كل اعتداء على أحكام الشريعة أو قول في الشريعة بغير علم فهو مما يصفه اللسان وهو شر من ذلك القول الذي قال الله فيهم ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ )

مع ان الشعر فيه حكمة ومصلحة وعلم وحفظت به كثير من مادة اللغة بماجاء في شعر الشعراء ومن غريب اللغة ونحو ذلك

وإلا فلغة العرب بينة لكتاب الله وهو جامعها لكن جاءت في بعض غرائب اللغة وما إلى ذلك مماكان في لهجات أو كلام بعض قبائل العرب .

فالمقصود أن الشعر كان عمر يسميه ديوان العرب وسمع النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر ما سمع وأقر حسان وجملة من شعراء الصحابة على ذلك ويعلم مقام الشعر


وأن الشريعة ما أنكرته وإن كانت جعلت له احكاماً .

فإذا كان السياق جاء في وصف الشعر في القرآن فكيف بمن يقول على الله هؤلاء هم الذين كذبوا على ربهم

الذين يقولون على الله بغير علم هذه صفة الكذابين والأفاكين الذين بين الله أمرهم في كتابه من أجناس المشركين وهم أجناس كثيرون قال الله فيهم

( َلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ).

السليماني
07-29-2025, 02:58 PM
(31)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

( وَقد ذَكَرَ عَن الْمُشْركين مَا ابتدعوه من الدَّين الَّذِي فِيهِ تَحْلِيل الْحَرَام وَعبادَة الله بِمَا لم يشرع الله فِي مثل قَوْله تَعَالَى [١٣٨ الْأَنْعَام] : {وَقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر لَا يطْعمهَا إِلَّا من نشَاء بزعمهم وأنعام حرمت ظُهُورهَا وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ} إِلَى آخر السُّورَة وَكَذَلِكَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف [٢٧-٣٣] : {يَا بني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة} إِلَى قَوْله: {وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ * قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد} إِلَى قَوْله: {وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين * قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق} إِلَى قَوْله: {قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ} .

وَهَؤُلَاء قد يسمّون مَا أحدثوه من الْبدع حَقِيقَة كَمَا يسمّون مَا يشْهدُونَ من الْقدر حَقِيقَة وَطَرِيق الْحَقِيقَة عِنْدهم هُوَ السلوك الَّذِي لَا يتَقَيَّد صَاحبه بِأَمْر الشَّارِع وَنَهْيه وَلَكِن بِمَايرَاهُ ويذوقه ويجده فِي قلبه مَعَ مَا فِيهِ من غَفلَة عَن الله جلّ وَعلا وَنَحْو ذَلِك.

وَهَؤُلَاء لَا يحتجون بِالْقدرِ مُطلقًا بل عمدتهم اتِّبَاع آرائهم وأهوائهم وجعلُهم مَا يرونه وَمَا يهوَونه حَقِيقَة ويأمرون باتباعها دون اتِّبَاع أَمر الله وَرَسُوله نَظِير بدع أهل الْكَلَام من الْجَهْمِية وَغَيرهم الَّذين يجْعَلُونَ مَا ابتدعوه من الْأَقْوَال الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون مَا دلّت علية السمعيات ثمَّ الْكتاب وَالسّنة إِمَّا أَن يحرفوا القَوْل فيهمَا عَن موَاضعه وَإِمَّا أَن يعرضُوا عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يتدبرونه وَلَا يعقلونه بل يَقُولُونَ: نفوض مَعْنَاهُ إِلَى الله مَعَ اعْتِقَادهم نقيض مَدْلُوله وَإِذا حُقّق على هَؤُلَاءِ مَا يزعمونه من العقليات الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وُجدت جهليات واعتقادات فَاسِدَة.

وَكَذَلِكَ أُولَئِكَ إِذا حقق عَلَيْهِم مَا يزعمونه من حقائق أَوْلِيَاء الله الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وجدت من الْأَهْوَاء الَّتِي يتبعهَا أَعدَاء الله لَا أولياؤه.)

الشرح :

- في سياق كلام الإمام ابن تيمية -رحمه الله -في رسالته العبودية بين أصل الانحراف عن دين الرسل -عليهم الصلاة والسلام - إنما هو بالبدع والضلالات التي أحدثت في دين الرسل- عليهم الصلاة والسلام - إلى أن انصرف من انصرف بها عن أصل الدين أو ضل من ضل بها عما هو واجب عليه في دينه .

-لما كانت هذه البدع تعرض لكثير من الناس في أمور العبادة ويظنون بهذه البدع أنها من التحقيق وهي منافية لذلك علماً وإرادة بين المصنف رحمه الله في ذلك مايتعلق بوجوب تحقيق الاتباع للكتاب والسنة وأن هذا التحقيق يكون في باب العلم ويكون في باب الإرادة وأن كل من ضل أو وقع في بدعة مخالفة لماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فمخالفتة هذه تنشأ إما عن :

1) مقام العلم
2) وإما عن مقام الإرادة .

وقد يتلازم المقامان بل قد يقع ذلك لكثير من الناس إما بوجه ظاهر وإما بوجه خفي .

-كما يقع لمن يقع في ذلك فيما هو من الهوى الخفي الذي لا يظنه صاحبه منافياً لهدي الشريعة أو لداعي الشريعة .

-ولذلك كان عماد الدين الذي بعث الله به جميع الرسل هو تحقيق الإخلاص لله سبحانه وتعالى فمن حقق الإخلاص لله وحده حقق العلم والإرادة .

فإن الإخلاص يتضمن : الاتباع للحق والاتباع الصادق والاقتداء بهدي الرسل عليهم الصلاة والسلام .

وليس الاخلاص يتعلق بمحض الإرادة المنفكة عن العلم والاتباع بل الإخلاص الذي هو الاسم الشرعي الذي أمر الله سبحانه وتعالى به

وبين أن الدين الذي قال الله جل وعلا ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )

فإخلاص الدين يتضمن العلم والإرادة .

وليس الإرادة المحضة المنفكة عن العلم المبنية على الجهل والهوى الظاهر أو الخفي .

والجهل إذا أطبق لحقه الهوى وصار دركات في حق المكلف .

- ولهذا صار لعلم الشريعة من المقام في دين الرسل جميعاً وفي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفيما أنزل الله في كتابه صار للعلم من المقام ما ليس لغيره

ولهذا صار أفضل العبادات بعد الفرائض هو : العلم الذي بعث الله به الرسل وهو علم الشريعة العلم بالله سبحانه وتعالى وبماشرع سبحانه لعباده

وإذا تبين ذلك بان بأن كل من وقع في بدعة :

-إما في باب العلم كما هو شأن أصحاب الكلام أو أصحاب النظر الذين مالوا ببدعتهم وما أحدثوه عن طريق الصحابة -رضي الله عنهم - وعن الهدي الذي كان عليه السلف الصالحون -رضي الله تعالى عنهم - فأولئك لما مالوا عن هذه الطريقة وقعوا في البدع والضلالات في باب العلم بما أحدثوه من علم مخترع زاحم علم الشريعة .

- وقد يقع الضلال كما هو عند أهل الأحوال في باب الإرادات وباب الإرادات لا ينفك عن باب العلم وباب العلم لا ينفك عن باب الإرادات .

وهما مقامان متلازمان ولابد

ولذلك عند التحقيق يقع التقصير في هذا وهذا .

وإن كان أحدهما يكون في حال هذا المكلف أو ذاك أظهر وإلا فإن هذا الباب وذاك بينهما تلازم .

-ولهذا كان تحقيق العلم وتحقيق الإرادة هو جماع دين الرسل -عليهم الصلاة والسلام -

1) تحقيق العلم بالاتباع .

2) تحقيق الإرادة بإخلاص الدين لله وحده لا شريك له .

فهذه البدع التي عرضت لبعض الصوفية أو لبعض المتكلمين وتقع في كلامهم إما في باب علم الكلام أو النظر وهي فرع عن هذا الباب الكلي .

-ومن الوهم الذي يعرض لأولئك أنهم يسمون هذه البدع بأسماء فاضلة في الشريعة أو في العقل أو في المدارك العلمية فيوهم لأفاضل هذه الأسماء فضل المعاني التي تكون تحتها وليس الأمر كذلك .

-فلما سمت المعتزلة مقالتها في القدر عدلاً لم يكن ذلك عدلاً عند الحقيقة

ولماسمت المعتزلة مقالتها في الصفات توحيداً لم يكن هذا هو تحقيق التوحيد الذي بعث الله به الرسل

بل وقع الخلل والمخالفة ما هو معروف عند أهل العلم .

-ومثله في أصحاب الأحوال والإرادات من الصوفية لما سموا ما سموه من الآراء المبتدعة في التصوف سموا ذلك تحقيقاً أو عبودية أو شهوداً لمقام الربوبية أو شهوداً لمقام العبودية وما إلى ذلك من الأسماء .

- الأسماء وحدها ليست موجبة لثبوت الحقائق في نفس الأمر ولكن ربما تُخدع بعض النفوس بظهور الأسماء الفاضلة الصحيحة في العقل أوفي الشرع ولكن المعاني معتبرة بحقائقها .

- ولذلك الذي يجب على المكلف هو تحقيق الاتباع وماوقعت بدعة في أمة من الأمم إلا بترك الاتباع لما أنزله الله

لإن البدع هي المقابلة للسنن وعن هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( من عمل عملًا ليس عليه أمرِنا فهو رَدٌّ )

ومع أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر الاجتهاد الفاضل كما في حديث عمرو بن العاص الثابت في الصحيحين وغيرهما قال ( إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ)

فهذا في الاجتهاد المشروع وهو من جنس اجتهاد الفقهاء -رحمهم الله - كاجتهاد أبي حنيفة ومالك والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه في مسائل فقه الشريعة من أحكام العبادات ومفصلها أو أحكام المعاملات ومفصلها التي يتفقون فيها تارة ويختلفون فيها تارة فهذا الاجتهاد المحمود .

وأما السنن التي بُعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم فهي محكمة ولذلك ما خالفها يكون بدعة مردودة وليس من الاجتهاد الذي حمدته الشريعة .

السليماني
08-05-2025, 10:14 PM
(32)

قال الشيخ رحمه الله :

( وأصل ضلال من ضل هُوَ بِتَقْدِيم قِيَاسه على النَّص الْمنزل من عِنْد الله وَتَقْدِيم اتِّبَاع الْهوى على اتِّبَاع أَمر الله )

الشرح :

-أصل الضلال والانحراف هو بالقياس الباطل وهذا الخلل في أصل العلم يكون بالأقيسة الباطلة

وفي باب الإرادات باتباع مقام من الهوى في مقام الإرادات .

-ولذلك ثمة مقامان محكمان في الشريعة وهما :

1) مقام العلم . 2) مقام الإرادة .

لابد أن يكون العلم على هدي الرسل عليهم الصلاة والسلام

لابد أن يكون المسلم على هدي نبيه صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

ولابد أن تتحقق الإرادة خالصة لله سبحانه وتعالى ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) فهذا تحقيق مقام الإرادة .

وتحقيق مقام العلم في قول الله تعالى (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ).

فهذه البصيرة وتلك الإرادة التي اصطفى بها الرسل عليهم الصلاة والسلام وحققوا عبوديتهم لله سبحانه بما جعلهم الله عليه من النبوة والرسالة والعصمة عن التقصير والانحراف في هذين الأصلين الشريفين اللذين هما قوام جميع العبادات .

- فمامن عبادة إلا ومن شرطها وأصلها أن تكون خالصة لله وحده .

-ومامن عبادة إلا ومن شرطها وأصلها أن تكون على السنة .

فإن خرجت العبادة عن السنة أو خرجت عن الإخلاص لم تكن العبادة التي شرعها الله ويحبها .

السليماني
08-06-2025, 03:31 PM
(33)

قال الشيخ رحمه الله :

( فَإِن الذَّوْق والوجد وَنَحْو ذَلِك هُوَ بِحَسب مَا يُحِبهُ العَبْد ويهواه فَكل محب لَهُ ذوق وَوجد بِحَسب محبته وهواه فَأهل الْإِيمَان لَهُم من الذَّوْق والوجد مثل مَا بيّنه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم )

الشرح :

-هذه الأسماء وجدت في كلام الصوفية وقد يعبرون عنها عن معان صحيحة لأنك تعلم أن التصوف ليس طبقة واحدة أو درجة واحدة .

- فقد يعبر بها عن معنى صحيح تقره الشريعة كما عبر بعضهم عن الفناء بماهو من المعنى الصحيح كما سبق في كلام شيخ الإسلام وغيره .

-وقد يعبر عنها بما هو من المعاني الباطلة المنافية لما هو من أصل الشريعة نوع منافاة .

- وقد يعبر عنها بما هو من المعاني الباطلة المنافية لما هو من أصل الشريعة .

وهذا بحسب أحوال الصوفية ما بين مقتصدة ما بين غلاة ومادون ذلك من هؤلاء .

ولكن على كل تقدير حتى إذا عبر بهذه الأسماء عما هو من المعاني الصحيحة فإنه يقال :

إن تلك المعاني الصحيحة السنة والهدي فيها والقصد - بل الواجب - أن يعبر بها بالأسماء المحكمة المفصلة وبالأسماء الشرعية بعيداً عن الأسماء المحدثة المجملة التي صار استعمالها على أدنى أحواله موجباً للبس والإيهام .

ولذك في أسماء الشريعة غنية كاسم الإخلاص والتوحيد والإيمان ومحبة الله لعبده ومحبة العبد لربه وما إلى ذلك من الأسماء الشرعية

( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) وفي قول الله سبحانه وتعالى ( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ )

وفي هذه الأسماء وأمثالها من أسماء الإيمان والدين هي الأسماء المشروعة في عبادة المسلم .

- وقد ذكر الله الأسماء الشرعية كالخوف والرجاء والإخبات والخشوع فهذه الأسماء البالغة في العلم والتحقيق .

- وأما اسم الوجد والذوق وما إلى ذلك والتتيم فهذه أسماء فيها قدر واسع من التكلف من وجه

وفيها قدر واسع من اللبس بل لبس الحق بالباطل من من وجه آخر .

- وهكذا كل من عدل عن أسماء الشريعة في الشرعيات وقع في أسماء قاصرة أو باطلة .

- وهكذا كل من عدل عن دليل الشريعة وبراهينها في العقليات إما ببرهان يوجده وقع في إما دليل قاصر يتوهمه برهاناً وهو ليس كذلك
أو في دليل باطل فإن الله سبحانه وتعالى أتم الدين مسائل وأدلة فالدين كامل في دلائله ومسائله

وليس الكمال في مسائله دون دلائله بل دلائله ومسائله كاملة .

- لكن هذا فقه في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يعرفه من يعرفه من أهل العلم والتحقيق .

- ولهذا لما نظر الناظرون في أدلة الشريعة بينوا وفصلوا أدلتها بما سموه في علم أصول الفقه مما هو محقق من أدلة الشريعة وأصولها الكلية

وهما الأصلان الكليان :

1- الكتاب 2- والسنة .

فهذا من علم التحقيق في الجملة وإن كان يقع في كلام بعض أهل الأصول ما يكون محل نظر

فهذا يقع في كلام آحادهم لكن ما استقرت عليه جمل الأصوليين فإن مبني على التحقيق .

- المقصود أن الأسماء الشرعية في الشرعيات تامة

وإنما قد يحتاج الناس إلى الأسماء الاصطلاحية فيما لم تجعل الشريعة فيه الأسماء محل توصيف من الشريعة وهذا باب وذاك باب آخر .

السليماني
08-11-2025, 04:47 PM
(34)

قال الشيخ رحمه الله :

( فَأهل الْإِيمَان لَهُم من الذَّوْق والوجد مثل مَا بيّنه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله فِي الحَدِيث الصَّحِيح: " ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَمن كَانَ يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَمن كَانَ يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار "
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " ذاق طعم الْإِيمَان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا " )

الشرح :

هذا حديث أنس رضي الله عنه وهو حديث متفق على صحته ( ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان )

والمقصود بحلاوته ما يقع في قلب المسلم من المحبة واليقين


وأثر الإيمان في قلبه وهي حلاوة معنوية لكنها متحققة الوقوع في قلوب المؤمنين .ا.هــ

-----------------

قال الشيخ ( وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " ذاق طعم الْإِيمَان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا "

الشرح :

وتجد أن هذه الصفات الثلاث ( ثَلَاث من كن فِيهِ ) جماعها ترك الهوى


ولذلك كلها مبنية على ترك الهوى ( من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا )

فلايدخل في الهوى الذي قال الله فيه ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ )

السليماني
08-18-2025, 10:02 AM
(35)

قال الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله :

( وَأما أهل الْكفْر والبدع والشهوات فَكل بِحَسبِهِ قيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: مَا بَال أهل الْأَهْوَاء لَهُم محبَّة شَدِيدَة لأهوائهم؟
فَقَالَ: أنسيت قَوْله تَعَالَى {وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم} أَو نَحْو هَذَا من الْكَلَام.

فعبّاد الْأَصْنَام يحبونَ آلِهَتهم كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله} ا.هــ كلامه .

الشرح :

-ولهذا لم يكن الانتصار للرأي المحض من الكمال في العقل ولافي الشرع وإنما يكون الانتصار للمحكم مما جاء في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

ولهذا لمابنى العلماء المحققون -رحمهم الله - مسائل الاجتهاد مع أنها مبنية في أدلتها على أدلة الشريعة لكن لما صاحب هذا الاستدلال مادة الاجتهاد وأثر اجتهاد المكلف من المجتهدين

بمعنى : أنه صاحبها شي من مدارك النظر الذي يقع فيه الخطأ والصواب لم يكن لهم تعصب في ذلك بل نهو عن التعصب في هذا .

فإذا كان التعصب في الفقهيات التي هي مبنية على الشريعة اذا اختُلف فيها بعض المجتهدين يكون مذموماً

فمن باب أولى الآراء التي هي عارية عن هذه الأصول والمصادر في إثبات أحكامها .

لأنك تعلم أن المسائل الفقهية ما من فقيه من أئمة الفقهاء أو من أصحابهم المحققين إلا وتعود مسألته ويعود حكمه إلى استدلال معتبر في الشريعة

ومع ذلك لم يكن التعصب فيها محموداً باسم الشريعة لما يخالطها من مادة الاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ والصواب .

فإذا كان هذا متحققاً ذُم التعصب في مثل هذا النوع من المسائل علمت أن التعصب في الرأي الذي يقصر عن هذا الأثر وعن هذا المبنى وعن هذا الاعتبار يكون من باب أولى .

والتعصب للرأي كلما تجرد كان أبعد عن الحكمة العقلية والحكمة الشرعية

وعن هذا قال الله تعالى عن الذين ضلوا من بني إسرائيل ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) فهذا هو التعصب الباطل .

وأما ما كان محكماً فيتمسك به وسماه الله استمساكاً ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ )

-كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله}

وقد يتوهم أن التعصب يدل على العلم وهو أبعد ما يكون عن ذلك وكل من كان أجهل كان تعصبه لرأيه أكثر

وإنما يكون التعصب في الانتصار للمحكمات والمقصود بالتعصب الاستمساك وليس التعصب بمعنى يكون منافياً لذلك والله سماه استمساكاً .

- وَقَالَ {فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله}

وهذا أسلوب قصر في اللغة والله سبحانه وتعالى هو المحيط بالعباد

وحينما تقرر هذه المسائل لا تقرر من حيث الأعيان أو الحكم على الأعيان لكن تقرر من حيث أحكام المسائل الشرعية


وأما الأعيان من الناس الذين يقعون في هذه البدع أو غيرها فهؤلاء حكمهم إلى الله سبحانه وتعالى من حيث هذه الأوصاف التي هي مرتبطة بالقلوب

ولايحيط بما في الصدور ويعلمها إلا الله وحده لكن ربنا -جل ذِكره - بين في أحكام العلم قوله جل وعلا ( فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم )

إذا هما مقامان :

1) إما مقام الاستجابة .

2) وإما مقام اتباع الهوى .

والاستجابة قد تكون موافقة تارة وقد تكون مخالفة للحقيقة الشرعية في نفس الأمر تارة بحسب المحل واحتماله للاجتهاد من عدمه .


-وَقَالَ {إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى}

ولذلك يسمي الله سبحانه وتعالى ما يكون عليه من خالف دين الرسل إما هو الظن وما تهوى الأنفس .

وانت ترى أن الظن هو ينافي العلم وما تهوى الأنفس ينافي مقام الإخلاص وهما مقامان منهما يؤتى العبد :

1) إما النقص في العلم .

2) وإما النقص في الإرادة .

وإن كان عند التحقيق يقع التلازم في الجملة بينهما .

السليماني
08-23-2025, 09:59 PM
(36)

قال الشيخ رحمه الله :

( وَلِهَذَا يمِيل هَؤُلَاءِ ويغرمون بِسَمَاع الشّعْر والأصوات الَّتِي تهيج الْمحبَّة الْمُطلقَة الَّتِي لَا تخْتَص بِأَهْل الْإِيمَان بل يشْتَرك فِيهَا محب الرَّحْمَن ومحب الْأَوْثَان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان وَهَؤُلَاء الَّذين يتبعُون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الْأمة.) ا.هـــ

الشرح :

ولذلك التنبيه الذي ذكر الإمام ابن تيمية -رحمه الله - من التحقيق في طريقة الخطاب فإن الخطاب من الناظر أو الباحث يجب أن يعتبر موضوع الخطاب ومناسبة الخطاب ومحل الخطاب ويكون درجة الأثر من جهة اختيار الألفاظ مبنية على ما يناسب المقام .

فإذا تكلم في محكمات الشريعة والدين أتى بما يناسب هذا المقام من الكلام والقول بخلاف إذا كان دون ذلك .

- ولذلك ليس من الحكمة الشرعية فيما كان من الرأي أو من الاجتهاد المتردد فيه أو ما إلى ذلك أن تختار له الألفاظ التي تناسب المحكمات .

فبعض الناس قد يكون في خطابه أو كتابته من الحرص على تأكيد ما وصل إليه اجتهاداً أو رأياً ضد ما قصر عن الاجتهاد بالعبارات التي تناسب المحكمات .

فهذا يقع فيه وهم لبعض من ينظر في كلامه ممن قصر عقلهم أو قصر علمهم .

ولكن في الحقيقة أن كل مقام له ما يناسبه من الخطاب واللغة ولايزاد في الكلام تأكيداً .

-ولذلك لما وضع علماء المنطق وقدماؤهم الأقيسة والصناعات التي يكون بها الخطاب قسموها إلى درجات

وجعلوا الغالب على القول الذي يقوله جمهور الناس هو القول الخطابي الذي يناسب الضمائر العامة

بخلاف ما يكون على سبيل تصحيح المدارك وماإلى ذلك فله في ذلك خطاب فوقه وهو مايسمونه بالقياس الجدلي

وثمة ما هو فوقه وهو ما يسمونه القياس البرهاني المعرف بالحقائق المحكمة .

وهذا التقسيم وإن كان من حيث الموضوع قد يخالفون فيه لكنه من حيث المعنى الكلي هو تقسيم له وجه من المناسبة والتصحيح .

-بمعنى أن درجات الخطاب مختلفة

فإذا تكلم المتكلم أو كتب الكاتب أو عبر المعبر عن مسألة فينبغي أن يعتبر موضوعها ودرجتها من العلم ودرجتها من الأحكام ثم يختار لهذه المسألة الألفاظ التي تناسبها

ولايختار الألفاظ التي تغلقها والتي تؤكد صحة رأيه وإغلاق رأي غيره أو يضيف عليها من الألقاب والأوصاف ما يدل على إحكام كتابته أو إحكام رأيه أو إحكام كلامه

فهذا من قلة العقل وعدم تحقيق العلم بل وعدم تحقيق الدين إذا كان هذا في مسائل الديانة

لإنه يحمل لبسأ بوجه من الوجوه وهو إغلاق النظر واستعطاف القلوب العامية لقبول هذا الخطاب الذي قد يكون الحق على خلافه

بل غالب من يعبر في مثل هذا لا تجد أن التحقيق يوافقه والصواب يقارنه .

ولهذا كان عقلاء وحكماء الفقهاء -رحمهم الله - والعقل بمعنى الحكمة والتمام العقلي

كان حكماء الفقهاء رحمهم الله وبصراؤهم يجتنبون ويتقون ذلك في الاجتهاد فضلاً عن الرأي الذي دون ذلك .

فأنت ترى الإمام أحمد في كثير من المسائل إنما يعبر بالعبارات المقاربة فإذا سئل عن الإباحة قال ( أرجو أن يكون لابأس به ) ( أخشى ذلك )

لا تجد أن عبارات القطع غالبة عليه في موارد الاجتهاد ومثله الإمام مالك أو كلام متقدمي العلماء ترى أن عبارات هؤلاء ...

وهذا من تحقيق الورع في الدين لإنهم يتكلمون في الدين والقطع إنما يناسب القطعيات

فإذا بينت أصول الدين وقواعد الدين فقل بالكلمة الفصل الصريحة البينة القاطعة المفيدة للعلم المطلق والحكمة المطلقة .

- وأما إذا تكلم المتكلم في الاجتهاديات أو ما دونها من الرأي فهذه تعبر عنها بالعبارة التي تناسبها .

وأما تداعي العبارات واختيار الألفاظ المغلِقة لاجتهاد المخالفين وقد يكون المخالف هم سواد الفقهاء أو جمهور الفقهاء أو ما إلى ذلك

فهذا في الغالب ينشأ عن إشكال في مدارك العقل من صاحبه ومدارك العلم والتحقيق عنده

لإنه إما أن يكون محيطاً بالحقائق العلمية فتجنبها وهذا لَبس

أو لا يكون محيطاً فيكون هذا سببه في عدم الإحاطة نقص المدارك إليه أو سوء الفهم في إحاطته أو قصور في البحث عنده

ولاينفك من حيث المنطق عن هذه الأسباب وجميع هذه الأسباب إذا اعتبرتها وجدتها أسباباً ليست شريفة .

السليماني
08-31-2025, 07:27 PM
(37)

قال الشيخ رحمه الله :

( وَهَؤُلَاء الَّذين يتبعُون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الْأمة فالمخالف لما بعث الله بِهِ رَسُوله من عِبَادَته وَحده وطاعته وَطَاعَة رَسُوله لَا يكون مُتبعا لدين شَرعه الله أبدا كَمَا قَالَ تَعَالَى {ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ * إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ}. ا.هـــ

الشرح :

- ولاترى أن الله ذكر الهوى في مقام إلا ذكره -سبحانه وتعالى - منافياً للعلم لتعلم أن الهوى لايتصل بمحض الإرادة فحسب بل يتصل بالإرادة ويتصل بالعلم ومنه هذه الآية ( ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ )

فأولئك إنما هم براء من العلم وهذا من أخص أسباب الهوى الذي انتابهم .

-ولهذا الجهل هو أكبر باعث على الهوى والجهل في حقيقته ليس فحسب هو الجهل بالمدارك بل الجهل بالمدارك نوع من الجهل

ولهذا كل من عصى الله سبحانه وتعالى فهو جاهل فضلاً عمن خالف ببدعة أحدثها فهو أولى من يوصف بالجهل .

- أما الدليل على أن كل من عصى الله فهو جاهل من هذا الوجه - أي بمعصيته - فهو قول الله جل وعلا ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )

وقد أجمع العلماء قاطبة على أن عصى وهو يعلم المعصية فتاب فتوبته صحيحة مع أن الآية تقول (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ )

فالجهل هنا هو الجهل بحق الله سبحانه وتعالى ولهذا قال أبو العالية : (سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ) فهذا هو الجهل الذي ذم الله سبحانه وتعالى أهله ولهذا ولو كان عارفاً فهو جاهل .

- والعلم أشرف من مجرد الإدراك بل العلم أثر في القلب وأثر في السلوك ولهذا صارت العبادة في دين الرسل جميعاً مبنية على العلم ومامن عبادة إلا وأصلها وقاعدتها العلم وكل عبادة خلت عن العلم فليست عبادة .

- ولهذا يبين لك بهذا وهم الغلاة من المرجئة بل جماهير المرجئة الذين قالوا إن الأعمال -مايسمونه - الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإيمان مع اتفاقهم أن العلم من الإيمان

مع أنه لا عبادة إلا وهي مبنية على العلم وماهيتها منه وإذا قُدر انفكاك العلم منها لم تكن العبادة التي شرعها الله سبحانه وتعالى .

السليماني
09-02-2025, 10:50 AM
(38)

قال الشيخ رحمه الله :

( فالمخالف لما بعث الله بِهِ رَسُوله من عِبَادَته وَحده وطاعته وَطَاعَة رَسُوله لَا يكون مُتبعا لدين شَرعه الله أبدا كَمَا قَالَ تَعَالَى

{ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ * إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ}

بل يكون مُتبعا لهواه بِغَيْر هدى من الله قَالَ تَعَالَى {أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدَّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله} .

وهم فِي ذَلِك تَارَة يكونُونَ على بِدعَة يسمونها حَقِيقَة يقدمونها على مَا شَرعه الله وَتارَة يحتجون بِالْقدرِ الكوني على الشَّرِيعَة كَمَا أخبر الله بِهِ عَن الْمُشْركين كَمَا تقدم.)

الشرح :

-ما يذكره المصنف في كتبه وتراه في هذه الرسالة من أنه إذا ناظر أو بين بعض القول أو بين القول في بعض البدع التي ظهرت إما في مسائل النظر والعلم وإما في مسائل الأحوال والإرادة ربما استدل في بيان خطأ هذه الطريقة أو بطلانها ببعض الآيات التي وردت في كتاب الله في ذكر المشركين أو ذكر من خالف أصل دين المرسلين .

فهذا ليس مقصود منه في كلام الشيخ- رحمه الله - أن أولئك البدع من أهل القبلة من المسلمين تكون حالهم مطابقة لحال أولئك المخالفين لأصل دين الرسل .

وإنما يبين -رحمه الله - بما يذكره من آيات الكتاب وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بيان أصول الضلال

لأن أصول الضلال ليست في اتباع الرسل بل فيمن كذب الرسل فهم أرباب أصول الضلال وهم من كذب المرسلين

وليس من آمن بالمرسلين وخالفهم نوع مخالفة .

لكن هؤلاء عندهم من الخطأ والانحراف والبدع وماهو من الضلال بقدر لكن الذين بنوا أصول الضلال هم من كذب المرسلين وخالف أصول دين المرسلين .

وأنت تعلم أن الله -سبحانه وتعالى - نهى عباده المسلمين من مشاكلة ومشابهة المشركين سواء في مقام الأخلاق والسلوك وفي مقام العلم والنظر ونحو ذلك من باب أولى

وهذا داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهومنهم ).

السليماني
09-09-2025, 07:34 AM
(39)

قال الشيخ رحمه الله :

( وَمن هَؤُلَاءِ طَائِفَة هم أعلاهم عِنْدهم قدرا وَهُوَ مستمسكون بِمَا اخْتَارُوا بهواهم من الدَّين فِي أَدَاء الْفَرَائِض الْمَشْهُورَة وَاجْتنَاب الْمُحرمَات الْمَشْهُورَة لَكِن يضلون بترك مَا أمروا بِهِ من الْأَسْبَاب الَّتِي هِيَ عبَادَة ظانين أَن الْعَارِف إِذا شهد الْقدر أعرض عَن ذَلِك مثل من يَجْعَل التَّوَكُّل مِنْهُم أَولدُّعَاء مِنْهُم وَنَحْو ذَلِك من مقامات الْعَامَّة دون الْخَاصَّة بِنَاء على أَن من شهد الْقدر علم أَن مَا قدر سَيكون فَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك وَهَذَا ضلال مُبين.
َإِن الله قدر الْأَشْيَاء بأسبابها كَمَا قدر السَّعَادَة والشقاوة بأسبابهما كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " إِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ وَخلق للنار أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ " وكما قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أخْبرهُم بِأَن الله كتب الْمَقَادِير فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب؟ فَقَالَ: " لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فسييسر لعمل أهل السَّعَادَة وَأما من كَانَ من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ".
َكل مَا أَمر الله بِهِ عباده من الْأَسْبَاب فَهُوَ عبَادَة والتوكل مقرون بِالْعبَادَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى [١٢٣ هود] : {فاعبده وتوكل عَلَيْهِ} وَفِي قَوْله [٣٠ الرَّعْد] : {قل هُوَ رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب} وَقَول شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام [٨٨ هود] : {عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب} .

وَمِنْهُم طَائِفَة قد تتْرك المستحبات من الْأَعْمَال دون الْوَاجِبَات فتنقص بِقدر ذَلِك.

وَمِنْهُم طَائِفَة يغترون بِمَا يحصل لَهُم من خرق عَادَة - مثل مكاشفة أَو استجابة دَعْوَة مُخَالفَة للْعَادَة وَنَحْو ذَلِك - فيشتغل أحدهم بِهَذِهِ الْأُمُور عَمَّا أَمر بِهِ من الْعِبَادَة وَالشُّكْر وَنَحْو ذَلِك.

فَهَذِهِ الْأُمُور وَنَحْوهَا كثيرا مَا تعرض لأهل السلوك والتوجه وَإِنَّمَا ينجو العَبْد مِنْهَا بملازمة أَمر الله الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله فِي كل وَقت كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ: كَانَ من مضى من سلفنا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَام بِالسنةِ نجاة. وَذَلِكَ أَن السّنة كَمَا قَالَ مَالك رَحمَه الله: مثل سفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق.

وَالْعِبَادَة وَالطَّاعَة والاستقامة وَلُزُوم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْمَاء مقصودها وَاحِد وَلها أصلان:

أَحدهمَا أَن لَا يعبد إِلَّا الله.

وَالثَّانِي أَلا يعبده إِلَّا بِمَا أَمر وَشرع لَا يعبده بِغَيْر ذَلِك من الْأَهْوَاء والظنون والبدع قَالَ تَعَالَى [١١٠ الْكَهْف] : {فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا} وَقَالَ تَعَالَى [١١٢ الْبَقَرَة] : {بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ} وَقَالَ تَعَالَى [١٢٥ النِّسَاء] : {وَمن أحسن دينا مِمَّن أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} .

فَالْعَمَل الصَّالح هُوَ الْإِحْسَان وَهُوَ فعل الْحَسَنَات والحسنات هِيَ مَا أحبه الله وَرَسُوله وَهُوَ مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَو اسْتَجَابَ.

فَمَا كَانَ من الْبدع فِي الدَّين الَّتِي لَيست فِي الْكتاب، وَلَا فِي صَحِيح السّنة، فَإِنَّهَا - وَإِن قَالَهَا من قَالَهَا، وَعمل بهَا من عمل - لَيست مَشْرُوعَة؛ فَإِن الله لَا يُحِبهَا وَلَا رَسُوله، فَلَا تكون من الْحَسَنَات وَلَا من الْعَمَل الصَّالح. كَمَا أَن من يعْمل مَا لَا يجوز، كالفواحش وَالظُّلم لَيْسَ من الْحَسَنَات وَلَا من الْعَمَل الصَّالح.

وَأما قَوْله [١١٠ الْكَهْف] : {وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا} وَقَوله [١١٢ الْبَقَرَة] {أسلم وَجهه لله} فَهُوَ إخلاص الدَّين لله وَحده وَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي كُله صَالحا واجعله لوجهك خَالِصا وَلَا تجْعَل لأحد فِيهِ شَيْئا.

----------------------------------------------------------------

الشرح :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( َمن هَؤُلَاءِ طَائِفَة هم أعلاهم عِنْدهم قدرا وَهُوَ مستمسكون بِمَا اخْتَارُوا بهواهم من الدَّين فِي أَدَاء الْفَرَائِض الْمَشْهُورَة وَاجْتنَاب الْمُحرمَات الْمَشْهُورَة لَكِن يضلون بترك مَا أمروا بِهِ من الْأَسْبَاب الَّتِي هِيَ عبَادَة ....) إلى آخر ما قرئ وسمعتم من قراءة الشيخ وفقه الله .

-المصنف رحمه الله يبين الدرجات التي عليها الصوفية في هذه المسائل وقد بين طريقة الغلاة من قبل وبعد ذلك بين طريقة من هم متوسطون في هذه الحال .

وبين ذلك هذه الطريقة التي أصحابها يستمسكون بالدين أي الفرائض ويترك المحرمات ولكن غلطهم فيما ذكره المصنف من جهة تركهم للأسباب .

وهم على وجه من التوهم الذي هم غالطون فيه مخالفون للشرع والعقل أيضاً .

- من حيث التوهم بأن السبب اقتضاؤه ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى واليقين وما إلى ذلك وهذا الوهم الذي يعرض لهؤلاء أسقطوا به الأسباب أو استصحاب الأسباب وهم في ذلك مخالفون للشريعة لأن الأسباب على وجهين :

1) إما أسباب شرعية كأن تقول الأعمال الصالحة هي سبب لدخول الجنة وهذه الأسباب لا يصح تعطيلها .

2) وإما أسباب قدرية كونية فهذه الأسباب قضى الله سبحانه وتعالى أمرها وجعلها سنة في كونه ومضى بها قدر الله سبحانه وتعالى ومع ذلك فهذه الأسباب الكونية لتختص وحدها ولايصاحبها التأثير من جهة انفكاكها عن أمر الله سبحانه وتعالى وما إلى ذلك .

- ولذلكم فإن الأسباب تنزل بما نزلتها الشريعة من الصفة والقدر والناس بهذا كما يذكر المحققون من أهل العلم على طرفين ووسط :

1) منهم الغلاة في الأسباب .( الإفراط بها )

2) ومنهم الغلاة في ترك الأسباب وتعطيلها .( التفريط فيها )

3) أهل العدل والاعتدال وأهل القسط والشريعة الذين هم على علم بمقتضى الشرع ودلائله وما جعلت الشريعة في ذلك .

- وتجد أن هؤلاء الذين أشار لهم المصنف قد يتركون مقامات من الدعاء اعتباراً بما مضى به القدر وهذا وهم

فإن قدر الله سبحانه وتعالى متعلق بجميع حال المكلف فما من فعل من أفعال المكلف إلا وهو متعلق بها قدر الله

ولايفعل الإنسان شيئاً لا خيراً ولاشراً إلا وقد مضى به القضاء والقدر من الله سبحانه وتعالى علماً ومشيئة وتدبيراً وما إلى ذلك من مقامات القدر

وإن كان الله سبحانه وتعالى حرم أوجه الشر أو أوجه الفساد والمعصية وهذا متعلق آخر .

- وبين بعد ذلك رحمه الله ما جاء في نصوص الشريعة كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم )

فهذا يتوهم من يتوهم- بعض أهل البدع الذين سلكوا تلك الطريقة - من تعطيل الأسباب الشرعية أو ماهوا منها يستعملون هذه الأدلة ويتوهمون أنها موافقة لمقصودهم وهي مناقضة لمقصودهم

فإن النبي صلى الله عليه وسلم هنا يخبر عن أمر الرب وقضائه - عن أمر الله الكوني - والله سبحانه وتعالى - قضى للجنة خلقاً وهم في أصلاب آبائهم وعلم الله سبحانه وتعالى أمرهم

ذلكم لأن من أصول القدر بل أخص أصوله الجامعة هو العلم ولذك كان الإمام أحمد وأمثاله يقول ( ناظروهم بالعلم فإن أنكروه كفروا وأن أقروا به خصموا )

فهو أصل جامع أي أن الله كتب أهل الجنة وكتب أهل النار لعلم الله سبحانه وتعالى وإحاطته بما سيكون من أحوال عباده .

وليس أن الأعمال التي يفعلها العباد من التوحيد والصالحات أو من الشرك والموبقات أنها لم تجعل أسباباً لثواب الله وعقابه أو لرضاه أو غضبه

فهذا مناقض لجميع دين الأنبياء

فإن يعلم أن الدين والاستجابة والتوحيد والطاعة توجب رضا الله وأن الكفر والشرك يوجب غضب الله سبحانه وتعالى .

- وبعد ذلك بين المصنف طائفة أخرى بقوله ( وَمِنْهُم طَائِفَة قد تتْرك المستحبات من الْأَعْمَال دون الْوَاجِبَات فتنقص بِقدر ذَلِك.) وهم المفرطون في المستحبات على دعوى التوكل على ما قضى الله وقدره أو على دعوى شهود مقام الربوبية والتسليم المطلق لأمر الله .

فكل هذه المادة هي في أصلها كما سبق مادة واحدة ولكنهم اتخذوها على درجات وكلها مادة باطلة مخالفة للشريعة فإن أصدق الخلق وهو النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيق مقام العبودية أتى صلى الله عليه وسلم وحفظ ما شرع الله سبحانه وتعالى من الواجب والمستحب ولهذا كان أكمل الخلق في عبادته لله جل وعلا .

- ثم بين المصنف أن الأسماء الشرعية متفقة فقال ( وَالْعِبَادَة وَالطَّاعَة والاستقامة وَلُزُوم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْمَاء مقصودها وَاحِد )

والخلاف بينهما :

1) أما ان يكون خلافاً لفظياً تارة . 2) وإما يكون خلاف تنوع تارة أخرى .

بحسب تفسيرها فقد تفسر بما يقتضي كونها من الخلاف اللفظي وقد تفسر بما يقتضي كونها من خلاف التنوع لكن لا يصح بحال أن تفسر بما يقتضي كأنها من خلاف التضاد .

- ولذلك أذا فسرت بما هو من الخلاف اللفظي صارت مطابقة وإذا فسرت بما هو من خلاف التنوع صارت من المعاني التي يصدق بعضها بعضاً

ولاتفسر بحال بما هو من خلاف التضاد وهذا مطرد في الأسماء الشرعية .

- إلا أن بعض أهل البدع قد يأخذ اسماً من الأسماء الشرعية ويحمله على ماهو من خلاف التضاد ويكون استعماله وأخذه منازع في أصله

كما أخذت المعتزلة العدل - وهو من الأسماء الشرعية - فجعلته دالاً في أصولها على مسألة خلق أفعال العباد وأن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يردها ولم يشأها إلى غير ذلك من الأصول القدرية في كلام المعتزلة سموا هذا باسم جامع في أصولهم وهو اسم العدل .

وإذا نظرت العدل على معنى الشريعة أو نظرت القدر على معنى الشريعة فهو مخالف لأصول المعتزلة لفظاً ومعنى .

فلما كان كذلك عُلم بأن استعمالهم لهذا الاسم الشرعي مما ينازعون في أصله فضلاً عن نتائجه .

السليماني
09-11-2025, 10:17 AM
(40)

قال الشيخ رحمه الله :

( وَلها أصلان:

أَحدهمَا أَن لَا يعبد إِلَّا الله.

وَالثَّانِي أَلا يعبده إِلَّا بِمَا أَمر وَشرع لَا يعبده بِغَيْر ذَلِك من الْأَهْوَاء والظنون والبدع )

-------------------

الشرح :

-أي العبادة أو العبودية لها أصلان شريفان :

الأصل الأول : (أَن لَا يعبد إِلَّا الله ) وهو الإخلاص .

الأصل الثاني : أن يعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع ( لا بغير ذَلِك من الْأَهْوَاء ) فكل ما يقابل ما شرع الله فهو بدعة

كل ما يقابل المشروع فهو المبتدع والمحدث في الدين .

-لكن المشروع منه ما يكون محكماً في مشروعيته ومنه ما يدخله مادة من الاجتهاد المعتبر وهو الذي مدح صاحبه كما في حديث عمرو بن العاص المتفق عليه ( إذا حكَم الحاكمُ فاجتَهَد ثمَّ أصاب فله أجرانِ وإذا حكَم فاجتَهَد ثمَّ أخطأ فله أجرٌ)

فهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الاجتهاد المعتبر وهو الاجتهاد حيث لا يوجد الدليل الموجب الصريح أو البين وإنما يكون في المسألة مادة من الاستنباط وهذه الأوجه من الاستنباط هي التي وقع فيها اجتهاد الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم كاجتهاد الأئمة الأربعة والمدارس الفقهية في فروع الشريعة

وأما في أصول الشريعة فهذه ليست من ذلك البتة .

-ولهذا كان السلف رحمهم الله يسمون من يخالف الأصول من أهل البدع ولايسمون من يخالفهم من أصناف الفقهاء فلاتجدنهم يسمي بعضهم بعضاً بذلك أو يسمي أقوالهم بذلك يل يجعلون أقوالهم من أقوال أهل العلم وينقلها أهل العراق عن أهل المدينة وينقل أهل الشام عن أهل مصر وما إلى ذلك

كلها أقوال معتبرة مادامت أنها للأصول التي حُفظت عن السلف رحمهم الله من كبار أئمة الفقهاء والاجتهاد كالاجتهاد الذي مضى في أصول الأئمة الأربعة في فروض الشريعة .

- ولهذا لم ينصب خلاف بينهم في أصول الدين لإن أصول الدين متفقة ليست محلاً لذلك .

- المقصود أن المصنف بين الأصلين الجامعين في العبادة وتحقيقها وهو :

الأصل الأول ( أَن لَا يعبد إِلَّا الله ) وهو الاخلاص لله

والأصل الثاني : أن يعبد الله بماشرع .

-والأصل الأول متعلق بالعلم والقصد والأصل الثاني متعلق بالعلم والفعل .

والعبادة في ركنها مركبة منهما ولذلك لا تكون العبادة بجهل البتة حتى أبلغ المسلمين عامية عنده ولابد قدر من العلم فإنه إذا عرف أن صلاة الظهر أربع ركعات وصلاها كذلك وصلى العصر على صفتها فهذا وجه من العلم ولابد وإذا يعرف ما يكون بعد تكبيرة الإحرام فهذا وجه من العلم

فلايتصور أن العبادة تخفى على الجاهل المطلق لكن هم في العلم درجات .

-وأن لا يعبد الله إلا بماشرع وهذا يغلق باب البدع وهو باب كثرت الشبهات عند المتأخرين وكثرة الشبهات لم تأت من جهة مناقضة للأصل وإنما من جهة التوهم في المقصود بالمشروع وغير المشروع فتوهم كثير من المتأخرين وبعض العامة بعض البدع توهموها من باب المشروعات .


- ومن سبب ذلك ما يتكلم به بعض المبطلين في القول الذي يزينون بعض البدع فهذا التزيين على وجه من الغلو أو التعصب أو ما إلى ذلك من الأسباب يُفوت على عموم المسلمين مقام العلم والتحقيق والنور والهدى وإلا فقواعد الشريعة واضحة .

- ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم لم يقع عندهم بدع وحتى الذين أسلموا بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم وهم حدثاء العهد وربما رجعوا إلى باديتهم وما إلى ذلك لم يكن يظهر فيهم البدع وذلك أنهم مستمسكون بالأصل والدين يسر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن هذا الدين يسر ) كما جاء في صحيح البخاري وغيره

وما جعل الله فيه حرجاً كما قال الله تعالى ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )

هذا يبين لك أن الشبهات التي صارت سبباً لكثير من البدع في الأقوال والأعمال والتصورات سببها هو هذه المادة من عدم تحقيق الإخلاص لله سبحانه وتعالى

وعدم تحقيق الاتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فإن الهدي بين وقواعد العلم بينة ولهذا لم تشتبه على الصحابة رضي الله عنهم .

السليماني
09-13-2025, 02:25 PM
(41)

قال الشيخ رحمه الله :

(قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى [٧ هود، ٢ الْملك] : {ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا} قَالَ: أخلصه وأصوبه قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.)

-------------


الشرح :

-هذا من تحقيق دلالة الآية وعلى كل تقدير فماذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله معروف عن سائر السلف وهذا أصل محكم مستقر في القرآن

( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) فبين الله فيه الإخلاص بالأمر وقوله ( وَمَا أُمِرُوا ) هذا يبين أن الدين أمر وتشريع ( وَمَا أُمِرُوا) هذا يجمع أصل الأمر .

- وبين بعد ذلك أن جميع ما أمروا به لابد أن يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )

فهذه الآية جمعت الأصلين وغيرها كثير لا يحصى في القرآن تبين حقيقة التوحيد وهو العلم بالله وإخلاص الدين له سبحانه وتعالى والاتباع لماشرع الله جل وعلا

ومايضاد ذلك من البدع والمحدثات التي اشتغل بها بعض المسلمين وتركوا عنها أو بها أو فاتهم بسببها كثير من السنن التي كان عليها السلف الأول .

- ولهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على السنة وعلى الاتباع وأن يعرف أن عبادة الله لا تكون إلا بماشرع الله جل وعلا

وماشرعه الله بين في القرآن وفي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا اشتبه عليه أمر فيقتدي بأئمة العلم فهل هذا مما أقره أئمة العلم أو لم يقروه ؟

وأئمة العلم هم الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك طريقهم واتبعهم بإحسان من أئمة التابعين كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي والإمام أحمد .

-أما الأقوال المتأخرة والعارضة التي ليس لها سلف في كلام أئمة الإسلام أو في كلام الصحابة رضي الله عنهم فلايمكن أن تكون هذه هي المناط في تحقيق ما شرع الله لعباده .

قوله ( وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.)

- والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة .

السليماني
09-30-2025, 07:02 PM
(42)

قال الشيخ رحمه الله :

( وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى [٧ هود، ٢ الْملك] : {ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا} قَالَ: أخلصه وأصوبه قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.

فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ جَمِيع مَا يُحِبهُ الله دَاخِلا فِي اسْم الْعِبَادَة فلماذا عطف عَلَيْهَا غَيرهَا كَقَوْلِه فِي فَاتِحَة الْكتا{إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} وَقَوله لنَبيه [١٢٣ هود] : {فاعبده وتوكل عَلَيْهِ} وَقَول نوح [٣ نوح] : {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وَكَذَلِكَ قَول غَيره من الرُّسُل؟

قيل: هَذَا لَهُ نَظَائِر كَمَا فِي قَوْله [٤٥ العنكبوت] : {إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} والفحشاء من الْمُنكر وَكَذَلِكَ قَوْله [٩٠ النَّحْل] : {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي} وإيتاء ذِي الْقُرْبَى هُوَ من الْعدْل وَالْإِحْسَان كَمَا أَن الْفَحْشَاء وَالْبَغي من الْمُنكر وَكَذَلِكَ قَوْله [١٧٠ الْأَعْرَاف] : {وَالَّذين يمسّكون بِالْكتاب وَأَقَامُوا الصَّلَاة} وَإِقَامَة الصَّلَاة من أعظم التَّمَسُّك بِالْكتاب وَكَذَلِكَ قَوْله عَن أنبيائه [٩٠ الْأَنْبِيَاء] : {إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات ويدعوننا رغبا ورهبا} ودعاؤهم رغبا ورهبا من الْخيرَات وأمثال ذَلِك فِي الْقُرْآن كثير.

وَهَذَا الْبَاب يكون تَارَة مَعَ كَون أَحدهمَا بعض الآخر فيعطف عَلَيْهِ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذكر لكَونه مَطْلُوبا بِالْمَعْنَى الْعَام وَالْمعْنَى الْخَاص.)

---------------------------------------------

الشرح :

-هذا الأثر الذي قاله الفضيل بن عياض رحمه الله وهو من العباد والصالحين وأهل العلم المعتبرين وله كلمات مأثورة وإن كان قد زيد عليه في النقل كثيراً في كتب الصوفية فنسب إليه مقالات ليست من قوله .

- ويعلم من حاله رحمه الله أنه إمام على السنة والهدي الذي عليه الصحابة رضي الله عنهم .

-ولكن هنا قاعدة شرعية تسلك وهي مسألة الإثبات وثبوت النقل عن فلان من العلماء أو العباد أو غيرهم فيقال العبرة بما جاء به دليل الشريعة
فالعبرة والمستند والذي بحتج به دليل الشريعة من كلام الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

وهذا يقصد به الإشارة إلى أن له كلمات ليست وفق ما جاء في الكتاب والسنة ولكن قد نسب إليه وإلى غيره من العباد وأهل الأحوال والسلوك مقالات في بعض كتب الصوفية مخالفة لما جاء في كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

وهذه لا تثبت ولكن لو أن أحداً تكلف إثباتها أو ادعى أنها ثابتة فإن لدينا قاعدة سابقة لهذه القاعدة العلمية التي تتحدث عن الإثبات والنفي والإسناد والانقطاع والاتصال وهي قاعدة ميزان الشريعة وهو الكتاب والسنة وكل أحد فهو محكوم بالكتاب والسنة .

وعليه فالعبرة بما جاء في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

- وهذا يعطي طالب العلم المتبع للسنة منهجاً وهو أن باب السلوك والأحوال والتعبد لله سبحانه وتعالى يعتبر بكلمات الكتاب والسنة ففي كتاب الله من الوعظ وبيان الحق ومنهج الحق والشريعة التامة والهدي التام في عبادة الله سبحانه وتعالى والنسك له جلا وعلا مالا يقدر قدره في نظر الباحثين والبصراء وأهل الأحوال وأهل السلوك ولايحيط به أحد منهم .

- كل من حقق وجهاً صحيحاً من فاضل القول في باب السلوك والأحوال من العبّاد والصالحين وأرباب السلوك فهؤلاء إنما أصابهم هذا النور من نور القرآن أي بما اهتدوا به من آيات كتاب الله التي فيها ذكر العبودية وأوجه تحقيق العبادة لله والاستعانة به والتوكل عليه والاخبات لوجهه الكريم والخشوع له وغير ذلك .

- وهذه السعة المتضمنة في كتاب الله مقَصر في تحقيقها وأنت ترى علماء الفقه رحمهم الله التمسوا الأحكام وفقهوا الأحكام مما سماه بعض أهل العلم من المتأخرين بآيات الأحكام مع أن هذه التسمية فيها نظر ولايوجد في القرآن آيات تخص بأنها هي آيات الأحكام وحدها بمعنى أن غيرها ليسي داخلاً في آيات الأحكام

لأن طريقة دلالة القرآن على الأحكام واسعة ولكن من قصر نظره لا يرى في آيات الأحكام إلاماصرح بذكر الحكم المعين مثل قوله تعالى ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا )
ومثل قوله تعالى (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... الآية )

فهذه لاشك أنها آيات أحكام ولكن البحث ليس في هذا البحث في قصر الأحكام على نوع من الآيات تسمى آيات الأحكام .

ومثله في الأحاديث فيقال أحاديث الأحكام وهذا اذا استعمل على معنى الصريح في الحكم ولايقصد به الإغلاق ولايؤول إلى حال من الإغلاق
فإن القصد ينتفي ولكن الحال لا تنتفي فاتقاء القصد سهل ولكن اتقاء الحال ليس كذلك .

-ولذلك لم يعرف عند الصحابة - رضي الله عنهم - هذا التخصيص وترى أن سياق القرآن ينافي هذا التخصيص؛ ولهذا ليس هنالك سور جمعت فقط الأحكام، وسور أخرى جمعت القول في اليوم الآخر، وسور أخرى جمعت قصص الرسل، وسور أخرى جمعت المعاملات، وسور جمعت العبادات على أوجه من الاختصاص ، بل ترى في سياق كتاب الله من ذكر الأحكام على وجه هو من كمال كتاب الله وبلاغته وإعجازه؛ لأنه من عند رب العالمين - سبحانه وتعالى-.

-فهذا التمام الذي تراه بكتاب الله ينبغي أن يقدر قدره وأن تميز الآيات المصرحة بالحكم على قدر من ترتيب العلم فقط، لا على جهة التخصيص؛ لأن هذا يؤول إلى قطع بعض الأوجه من الاستدلال الصحيح من القرآن عن مقتضى الأحكام.

-ولذلك الفقيه يرى في كثير، بل في عامة آيات القرآن يرى فيها أوجها من الحكم، وهذا يختلف باختلاف نفس المجتهدين وعارضة العلم التي لديهم في فقه القرآن وعلمهم باللغة وقواعد الشريعة، إلى غير ذلك.

-فالمقصود أن هذا التخصيص الذي قال به بعض العلماء، ثم صارت البحوث المعاصرة تتجه له وتقيده أكثر، وصار بعضهم يقول: هذه آيات الأحكام، ويخصصون آيات معينة لما رأوا بعض الحفاظ في السنة قد جمعوا أحاديث كبلوغ المرام وغيرها، فهذه في جملة من الأحكام، لكن ليست على سبيل جمع الأحكام أجمع.

-لذلك؛ من فقه السلف كالإمام البخاري رحمه الله، أنه ربما أورد في صريح الأحكام، كالزكاة أو الصيام أو المعاملات التي هي في أبواب الفقه المعروفة عند الفقهاء، تجد أنه يورد فيها من الروايات المخرجة عنده في الصحيح ما أصله في السير أو المغازي أو ما إلى ذلك؛ لأن الأحكام هنا لها نظام واسع من الفقه.

-وأنت تعرف في أدلة الشريعة الأصولية سعة طرق الاستدلال وسعة الأدلة، ولا سيما في هذا الباب وهو باب فروع الشريعة والأحكام العملية
وعليه، فمثل هذا التخصيص وإن استحسن لدى البعض شكله من حيث الترتيب، لكنه لا ينتظم

-وفوق ذلك من بالغ وصار يسمي لآيات الأحكام في كل باب من الآيات، فيقول: الآيات المتعلقة بالعبادات بأحكام مباني الإسلام الأربعة، وهي الصلاة والصيام والحج والزكاة، فيقول: آيات العبادات الأربع كذا، ويسمي عددا، وآيات المعاملات المادية كذا، ويسمي عددا، وآيات الحقوق أو الأحكام السلطانية هي كذا، ويسمي عددا، وآيات ذلك الباب من الأبواب التي يصفها، ويسمي عددا.

فهذه طريقة وهمية لا تصح ولا تليق بنبوة نبي، فضلا عن كتاب الله ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ لأن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أوتي جوامع الكلم

وقوله عليه الصلاة والسلام فيه من النور والهدى وسعة الدلالة على الأحكام ما لا يمكن ضبطه بتقدير باحث أو نحو ذلك؛

ولهذا تفاوت العلماء في فقه هذه الشريعة كتابا وسنة.

وفوق ذلك يقال في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله -سبحانه وتعالى-

فالمقصود أن كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا ينطق عن الهوى - عليه الصلاة والسلام - يصان عن مثل هذه التصانيف والتراتيب الضيقة التي تضيق الفقه في القرآن.

ولذلك صار بعض يقول: ويعلم المشاهد آيات الأحكام !

ما هي آيات الأحكام؟ من قال إن هذه الآية تدل على الحكم وهذه الآية تدل على الحكم ؟ ألست ترى أن الأحكام ترتبط بالقواعد وبالمقاصد وبالأصول وبعلوم شتى كلها ترتبط بأحكام المعاملات والعبادات.

-ولذلك؛ علم التشريع لما كتبه علماء المسلمين ارتبط بعدة علوم، ما ارتبط بالفقه وحده، ارتبط بالفقه، وارتبط بعلم أصول الفقه، وعلم مقاصد الشريعة، وعلم القواعد الفقهية، وعلم التخريج الفقهي، وله اتصال بعلوم أخرى مراعاة في أحوال المجتهد، أو يراعيها المجتهد في اجتهاده في أحوال المكلفين.

-فإذا كان كذلك، فكتاب الله واسع من جهة الاستدلال، وإنما العبرة بأن يكون هذا الاستدلال على وفق القواعد المعتبرة في العلم التي حفظت عن سلف هذه الأمة وكتبت فيها صنف في علوم الشريعة وقواعد الاستدلال فيها.

المقصود هنا في باب الأحوال: أن هذا الباب من علم الشريعة توسع فيه وفي تحقيقه، وحسن تحقيقه في الجملة بكثرة ما كتب في علم الفقه وفي علوم الشريعة المتصلة بعلم الفقه، كعلم الأصول الذي هو مقدمته، وكذلك علم القواعد... إلى آخره

-ولكن إذا جئت في باب التعبد والسلوك والأحوال، وجدت في هذه الكتب المعنية بذلك كثرة الكلمات المروية عن العلماء أو عن آحاد العباد، والاستئناس بهذه الكلمات الصالحة من كلمات الصالحين والاستشهاد بها حسن في ذاته.

ولكن إذا زادت وصار أكثر ما يسمعه السالك في هذا الباب هي تلك الكلمات، وكأنها معيار التعبد، ويكون فقهه وعلمه بما تضمنه كتاب الله - سبحانه وتعالى - قاصرا وناقصاَ فهذا من فوات الفقه الصحيح.

ولهذا؛ لما غلب على كثير من الناظرين في السلوك والتعبد تلك الكلمات، وصارت أشبه ما تكون بالمعيار عندهم؛ ضعف نظام تعبدهم وطريقة تعبدهم، وقصرت عن طريقة التحقيق البالغة الشرعية التي كان عليها الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - الذين فقهوا عبادتهم لربهم سبحانه وتعالى - من كتاب الله .

فخير ما يؤخذ منه التعبد منهجا وسلوكا، وطريقة وتصفية للنفس وتزكية لها، وترتيباً لمدارك النفس ... وما إلى ذلك، خير ذلك وأصدقه كما هو بدهي: هو القرآن.

-ولذلك ينبغي للمسلم أن يلزم كتاب الله في حال سيره إلى الله وسلوكه إلى الله سبحانه وتعالى، متعبدا وبه بإخلاص الدين، وبمحبة الله، وبتحقيق الخشوع له، وباتقاء غضبه وسخطه سبحانه وتعالى، والإقبال على ما يرضي وجهه الكريم -جل وعلا، ويستأنس بكلمات الصالحين والعباد والبصراء في التعبد، فإن لهم كلمات فيها من النور والخير الشيء الكثير .

-ولكن لا ينبغي أن يغلب ذلك، بل غالب حال المسلم يكون مستنيرا بالنص، ويكون ما يتبعه من ذلك هو من بيانه وتفسيره، وما يسبق به أولئك البصراء والعباد والصالحون من نور القرآن، وإلا فكتاب الله فيه الكفاية وفيه التمام، ولكن المسلم يحتاج إلى أهل الاقتداء من أولئك الصالحين والعباد الصادقين الذين استفاض عند الأمة صلاحهم -ويحسبونها هكذا والله حسيب عباده- لكن لهم من مقامات الديانة والعلم والتحقيق كلمات نافعة، وإشارات بالغة في التعبد.

فهذه يستأنس بها، وهي من شواهد الإيمان الذي يلقيه الله - سبحانه وتعالى - في قلوب عباده الصالحين.

-فالمقصود أن هذه الكلمة للفضيل من فاضل الكلمات، لكن بين في كتاب الله هذا المعنى: أن العمل يُراد أن يكون خالصا وأن يكون صوابا، والإخلاص هو مقام الإرادة الأول، والصواب هو مقام الاتباع الأول .

-ثم أورد المصنف - رحمه الله - ما يقع من العطف في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: ٥]، مع أن الاستعانة من عبادة الله وبين أن هذا معروف في القرآن، وهو كذلك، وهو معروف في لغة العرب، وهو ما يعرف بعطف الخاص على العام.

وقد يقع ذلك على سبيل التنوع كما في الوجه الآخر الذي أشار إليه، فإذا اجتمع الاسمان اختص كل واحد منهما تنوعًا بوجه دون الآخر، كقول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ ،


فالفقير درجة والمسكين هنا درجة وأما إذا ذكر المسكين وحده في سياق دخل فيه الفقير كقوله جل وعلا ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ )

فيدخل في ذلك من كان فقيراً من باب أولى .

السليماني
10-04-2025, 08:25 PM
(43)

قال الشيخ رحمه الله :

(وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، فلا يكون من هذا الباب. والتحقيق أن هذا ليس لازما،

قال تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا الله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ [البقرة: ۹۸]،

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخذنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذنا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: ٧).

وذكر الخاص مع العام يكون ثباتًا متنوعًا تارة لكونه له خاصية ليست السائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى).

-لأنهم أولي العزم من الرسل

(وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (۲) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ )

الشرح :

-كون بيانا وتفسيرا للعموم

(فقوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البَقَرَة: ٣] يتناول الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال، فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) [البَقَرَة: ٤]. وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، وبالإخبار بالغيب وهو بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾

ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ [العنكبوت: ٤٥]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾

وتلاوة الكتاب هي اتباعه كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]

قال: يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويؤمنون بمتشابهة ويعملون بمحكمه.

فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خصها المذكورة لمزيتها، وكذلك قال الموسى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]

وإقامة الصلاة لذكره من أجل عبادته.

وكذلك قوله تعالى: (اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) [الأحزاب: ٧٠]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة [المائدة: ٣٥]،

وقوله: (اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: ١١٩].


فإن هذه الأمور هي أيضًا من تمام تقوى الله، وكذلك قوله: ﴿فَاعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: ۱۲۳]

فإن التوكل والاستعانة هي من عبادة الله، لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها، فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة؛ إذ هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته إذا كان هذا، فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته الله، وواقع العبد تحقيقا للعبودية وواقع كماله وعلته درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، أو أن يخرج عنها أكمل؛ فهو من أجهل الخلق وأضلهم،


قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عباد مكرمون (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ ، ٢٧] إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ۲۸]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (۸۸) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِداً) [مريم: ۸۸، ۸۹]

إلى قوله : (إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (۹۳) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدهم عَداً (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: ۹۳ - ٩٥]،

وقال تعالى في المسيح :( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف: ٥٩]،


وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (۱۹) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ) [الأنبياء: ۱۹ ، ۲۰]،

وقال تعالى:( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا اللَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٧٢]

إلى قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهُ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: ۱۷۳]).

الشرح :

إذا هذه الآيات التي ساقها المصنف رحمه الله - في هذا المقام، وبين ما في عطف الخاص على العام من مقاصد الشريعة، وهذا كثير في القرآن، ويكون فيه من أوجه الدلالات

كدلالته على امتياز هذا الخاص الذي عطف على العام.

أو يكون فيه من البيان للعام... إلى غير ذلك

و من تحقيق المصنف - رحمه الله - أن هذه الآيات التي يستشهد بها في رسالته يمضيها على وجهه الذي وردت به، بمعنى لا يشرع في توجيه أو بيان معناها بالدلالات القاصرة عن كمالها.

وهذا ليبين أن التعبد لله - سبحانه وتعالى - يكون بما في القرآن وبهدي القرآن.

وبعض الأوجه من التفسير الذي يفسر بها القرآن لا تكون مناسبة لهذا المقام، بمعنى أن بعض الناس صار عنده رغبة في أن كل ما يسمعه من الكتاب أو السنة يحتاج عنده إلى تفسير، وأن هذا التفسير هو بواب الدخول إلى قلبه، وهذا خطأ.

الأصل أن كلام الله - سبحانه وتعالى - وكلام الرسول - عليه الصلاة والسلام - محل إدراك للمكلفين، صحيح أن هناك من أوجه الاستدلال على بعض الأحكام أو الفقه بعض الأدلة ما يحتاج إلى البصيرة ويحتاج إلى التقريب ويحتاج إلى البيان بالجمل المبينة والمفسرة ... إلى آخره، هذا له مادته ولكن ليس على سبيل الاطراد.

الأصل أن الآية يكون أثرها مباشرًا إذا كان للمسلم في سياقها؛ لأن سياق القرآن لا يمكن المفسر مهما علا وقع، حتى الصحابة - رضي الله عنهم، أن يأتوا على طريقة القرآن في تفسيره.

ولذلك:

1 - المفسر إما أن يفسر اللفظ بمرادف، فهو وإن ذكر مرادفا من حيث اللغة، لكنه لا يستطيع أن يجد في اللغة مرادفا من حيث السياق، فيقصر تفسيره ولا بد من هذا الوجه، ويصير لو قدر خلافه من تحصيل حاصل.

2 - وإما أن يفسر بالمبين من النوع أو الآحاد من الدلالة، فيكون هذا قاصرا عما تضمنه الآية من الشمول والعموم.

ولذلك مثل هذا يستعمل إذا قام سبب لبيان حكمه أو تقريب دلالة والناس فيه درجات من جهة العلم تتعلق درجة واحدة،

وذلك مقام له اعتبار، وهو اختلاف درجات المكلفين في الإدراك بالعلم، تتعلق أعني المكلفين - تتعلق درجة واحدة

وثانياً باعتبار مقام الآيات ودلالة الآية على أحكام الشريعة، وكذلك هذا المقام له اعتباره.

لكن يكفي إلى هذا المقام وإلى هذا المقام ما يزاد على ذلك ليصل نور القرآن إلى قلوب الناس.

الآن تجد الكثير من المواعظ والخطب والمحاضرات وما إلى ذلك، تسعين بنسبة أو ثمانين بنسبة كلام للمتكلم، وتجد النصوص من القرآن أو السنة قليلة مقارنة بغلبة هذا الكلام، هذه بهذه الطريقة لم يكن معروفاً عند السلف - رحمه الله -، لم يكن وعظهم وطريقتهم بهذه الطريقة.

-ينبغي أن يكثر على الناس سماع الكلام الأعظم، وهو كلام الله - سبحانه وتعالى - وكلام الرسول - عليه الصلاة والسلام، ويبين بين ذلك بين الآيات والأحاديث، كما هي طريقة المصنف وهو ما كتب هذه الرسالة للعلماء، هي ليست متناً في علم أصول الفقه، أو رسالة في مشكل المسائل الفقهية أو ما إلى ذلك، هي رسالة في العبودية، والأصل أنه يخاطب بها العموم من الناس من المكلفين ومع ذلك تجد من سرده للآيات، ويجعل التعليق عليها يسيرا بقدر ما يستدعيه المقام.

وله مشابه في ذلك لما كتب العقيدة الواسطية أو الرسالة الواسطية، تجد أنه في صدرها ذكر كثيرًا من آيات القرآن، ثم بعد ذلك جملة من الأحاديث الصحاح، ثم فرع بعد ذلك.

-وإذا نظرت في كتب السلف - رحمه الله - ومن روى عن السلف كلامهم فالأمر كذلك، وكتب الحديث. بل كان بعض الأئمة - كالإمام أحمد - يتقي أن يعلق على الأحاديث، كان بعض الأئمة كالإمام أحمد يتقي أن يكتب على الأحاديث شيئًا، والإمام مالك في موطئه كتب كثيرًا ثم اختصر ما كتب.

هذا على كل حال - كما قلت - مرتبط بدرجات العلم ودرجات المكلفين وأحوال المكلفين والعلم إذا كان بيبين ما في القرآن والسنة فهو خير.

لكن المقصود هنا الذي فات على كثير من الناس: شغفهم بكلام الناس من حيث لا يشعرون فصارت كثير من الكلمات والمواعظ والمحاضرات يغلب فيها كلام المتكلم،

وحتى طرق التفسير، كما أشرت سابقا، القرآن نزل بينا، وسمعه العامة، وسمعه من ليس من أهل العلم من المشركين ولا من أهل الدين، فأمنوا به،

وما كفر به إلى لا من كابر وعاند، وإلا فلم يكن أحد يسمع هذا القرآن ويجد عليه مطعنا أو مأخذاً غير أنه لا يدرك ولا يفهم.

فلذلك ينبغي لأهل العلم أن يوصوا الناس، وينبغي للمسلم أن يلزم القرآن؛ لأن القرآن فيه النور، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام.

السليماني
10-14-2025, 06:44 PM
(44)

قال الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله وأسكنه الفردوس :

( وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)

وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (۳۷) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) [فصلت: ۳۷، ۳۸]،


وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعَ وَخِيفَةً)

إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾

وهذا ونحوه مما فيه وصف أكابِر المخلوقات بالعبادة وذم من خرج عن ذلك متعدد في القرآن، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك).

---------------------

الشرح :

-أي أن الله - سبحانه وتعالى - جميع الخلق قد ذلوا له طوعًا أو كرها، وهم عباده، كما قال الله - جل وعلا-: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: (۹۳)، وكقوله جل وعلا-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٤].


-----------------

قال الشيخ رحمه الله :


(فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهُ وَاجْتَنبوا الطَّاغُوت)
وقال تعالى لبني إسرائيل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) [البقرة: ٤١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَقُونَ﴾

قال: (وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إلا ليعبدون ) [الذاريات : ٥٦]، وقال تعالى: (قل إنى أمرتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مخلصا له الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم. قل الله أَعْبُدُ مخلصا له ديني فَاعْبُدوا مَا شِئْتُمْ [الزمر: ١١-١٥]، وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله

-------------------

الشرح :

-في هذه الرسالة - رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية - جاء في ذكر الله - جل ذكره : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا ليعبدون ) وقبلها جملة آيات وبعدها جملة آياته

كقول الله جل وعلا-: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبد الله مخلصا له الدين) وما إلى ذلك من الآيات التي ذكرها الله في كتابه، وهي مستفيضة في كلام الله - جل وعلا-أو ذكر ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنته،


وهذا يبين به أعظم الأصول التي خلق الله الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتحقيق هذا الأصل الشريف وهو عبادة الله وإخلاص الدين له وحده لا شريك له ومعرفة الله - سبحانه وتعالى - حق معرفته،



-فإن توحيد الله - جل وعلا - هو معرفة الله وعبادة الله وإخلاص الدين الله وحده لا شريك له، وهذا المقام الشريف يسمى بجملة أسماء:

(1) فتارة يسمى بالاسم العام له المتضمن لسائر شعائره: كاسم الإيمان، واسم التقوى، واسم الإسلام، واسم العبادة ويسمى أصحابه بهذا على ذكر اسم الفاعل في حقهم كالمؤمنين والمسلمين والعابدين،

كما في قول الله - جل وعلا-:( التَّائبُونَ الْعَابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) .

(۲) وقد يُذكر ببعض مقاماته الشريفة: كالركوع والسجود وكالحمد.

فتارة يذكر باسمه العام، وتارة يذكر ببعض مقاماته الشريفة.

وهذا يسمى الإيمان، ويسمى الإسلام، ويُسمى الإحسان، فكل ذلك داخل في عبادة الله - جل وعلا.

(۳) ويسمى التوحيد كما سماه الصحابة، وأصل ذلك وارد في ذكر كلام الله - جل وعلا - لقوله سبحانه وتعالى: ﴿قل هُوَ اللهُ أحد ) وسمى الصحابة هذا الاسم وهو التوحيد كما قال جابر - رضي الله عنه - كما في الصحيح وغيره في قصة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم : (فأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد )

-فهذه الأسماء الشرعية: الأسماء الشرعية التي يقصد إلى تحقيقها وإلى التمسك بها ويتسمى بها هي الأسماء التي ذكرها الله ورسوله كاسم الإسلام، ويُسمى صاحبها مسلماً، ويُسمى أصحابها مسلمين، ويسمى مؤمناً، ويسمى أصحابها المؤمنين، كما سمى الله عباده بذلك، وكما خاطبهم بذلك، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ ) إلى غير ذلك.

-وأما الأسماء المحدثة: وفوقها الأسماء المبتدعة، فهذه يجب على المسلمين أن يُعرضوا عنها، وأن يكتفوا بالأسماء الشرعية التي سماها الله - جل وعلا - وسماهم بها، كما قال ربنا جل ذكره :( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ .

وفي قول الله - جل وعلا : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ لأنهم مكلفون، وإن كان التكليف لا يختص بالجن والإنس، وما من خلق خلقه الله - وإن كانوا ليسوا من المكلفين - إلا وهم يسبحون بحمد الله، كما قال الله جل وعلا:

(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا غَفُورًا ﴾.

فهذا المقام هو مقام العبودية، وهو معرفة الله وإخلاص الدين الله وحده لا شريك له، هو المقام الذي بعث به الرسول وبعث به الرسل كما قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت ﴾ وهو مقام الإيمان والتوحيد.

-ولكن قد يحتاج العلماء لما كثرت الشبه أو ضعف الإدراك لدى بعض المكلفين فيستعمل طرقاً من البيان العلمي، فصار بعضهم يقسم التوحيد عند ذكره إلى قسمين، فيقول:

التوحيد الطلبي أو الإرادي

ويجعل القسم الثاني: التوحيد العلمي أو التوحيد الخبري.

وصار بعضهم يقول : التوحيد ثلاثة:

. توحيد الربوبية

وتوحيد الألوهية

وتوحيد الأسماء والصفات.

-فهذه التقاسيم وأمثالها ليس متعبداً بها، ولا يجب استعمالها من حيث الوجوب الشرعي كالتقاسيم، وإنما الذي يجب أخذه ومعرفته والعمل به هو توحيد الله الذي شرعه الله في كتابه، وهذه التقاسيم مبينة لما أنزله الله وبعث به رسوله، لكنها - من حيث هي تقاسيم هي تراتب علمية، فهي ليست واجبة،

ولكنها ليست بدعة محدثة، ليست واجبة كتقاسيم ولكنها ليست بدعة محدثة.

فمن ادعى الشبهة عليها يقوله بأن هذه لم ترد في القرآن ولا في السنة، فيقال له: إن هذه التقاسيم هي من البيان العلمي وليست مما يتعبد به كتقسيم،

ولذلك من آمن بالله ولم يستعمل هذا التقسيم أو حقق توحيد الله ولم يستعمل هذا التقسيم، فهذا لا نقول فقط أن إيمانه صحيح، بل نقول أن هذا هو الأصل،

وما أحتيج إلى هذه التقاسيم والاصطلاحات والتراتيب إلا لما ضعفت الفصاحة العربية وضعف الإدراك وما إلى ذلك،

وإلا إذا جئت للصحابة - رضي الله عنهم - ما وجدت عندهم هذه التقاسيم، لكن بالمقابل - لا يعني هذا أن هذه التقاسيم من البدع.

-هذه تقاسيم على سبيل التراتيب العلمية وليست من باب البدع؛ لأنها - أعني هذه التقاسيم حينما يقولون التوحيد العلمي والتوحيد الطلبي أو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية - هذه معاني وكلمات وحروف بينة وصحيحة في الشريعة،


فالربوبية هو ربوبية الله - سبحانه وتعالى، فإذا قلت توحيد الربوبية، هذه الكلمة المضافة، التوحيد اسم معتبر في الشريعة، وربوبية الله - جل وعلا - اسم شرعي،

فالله هو رب العالمين، فيما في الاسم بدعة، ومثله إذا قلت توحيد العبادة أو توحيد الألوهية، فكذلك اسم الألوهية اسم شرعي، فإن الله هو رب العالمين وهو الذي أمر بعبادته،

(واعْبُدُوا اللَّهُ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غيره ﴾

هذه دعوة الرسل، فهو استعمال شرعي، فالكلمات كلمات صحيحة، كلمات شرعية.

لكن لماذا بعضهم سماها ثلاثة أوجه؟ وبعضهم سمى ذلك على وجهين أو قال إنه نوعان والآخر قال إنه ثلاثة أنواع أو ثلاثة أوجه ؟

هذه من باب التراتيب العلمية؛ لأن هذا المقام قد يزاد فيه وينقص، فبعض الناس قد يتكلف في بيئة ما ألفوا هذه التقاسيم وكأنها ما تعبد بها ضرورة، وهذا ليس ضرورياً، وإنما العلم الضروري هو العلم بمعانيها سواء عبر عنها بأنها ثلاثة أقسام أو بأنها قسمان، فهذا كله واسع،


أو قيل بأن التوحيد هو توحيد الله، وهو عبادة الله، وهو إخلاص الدين الله، وهو معرفة الله، وهو تحقيق أسماء الله وصفاته، فهذا أيضاً كلام صحيح، والعلماء تنوع سياقهم في ذلك، فمنهم من يستعمل طريقة التقاسيم، ومن من يستعمل طريقة الجمع في الكلمات والمعاني، وكل هذا صحيح، فلا يتعصب لوجه من هذه التقاسيم.

ولكن بالمقابل - من زعم أن هذا من البدع وأن هذا من المحدثات، فهذا لا يستعمله في العادة وفي الوقوع إلا أهل البدع، يعني من يتكلمون بأن هذا التقسيم بدعة هم في الحقيقة أصحاب البدعة الذين إذا نظرت في حالهم وجدت أنهم واقعون في البدع الشرعية - التي هي بدع في حكم الشريعة ، إما البدع في التصورات وإما البدع في الأعمال.

-ولذلك اتفق العلماء على أن هذه التقاسيم - أعني التقاسيم التي تقال - هي من باب الاصطلاح والتراتيب العلمية، وهي أيضاً من حيث الحروف - كما ترى - حروفها حروف صحيحة، ككلمة الربوبية والألوهية والأسماء والصفات بل هي حروف شرعية،

فإنها اسم الربوبية: أي أن الله رب العالمين، هذا قد أخبر عنه في القرآن بأوجه من السياق،

وكذلك الألوهية، وكذلك الأسماء الله سبحانه وتعالى، وأفعال الله وصفات الله - جل وعلا، هذا قد تنوع ثبوت سياقه في القرآن والحديث.

وإنها قسم بعض العلماء بهذه الطريقة ليميزوا مراتب التوحيد، وليميزوا ما وقع فيه الجهل أغلب من غيره،

فإنك إذا نظرت إلى مقام الربوبية وإلى مقام الألوهية، فإن بين هذين المقامين من الفرق من جهة أحوال المكلفين،


-ولهذا ضلال المشركين وجحدهم وشركهم في الألوهية أظهر منه في الربوبية، وهم - أعني جمهور المشركين - يقرون بجملة الربوبية وإن كانوا ليسوا محققين لها،


وإلا فقد أخبر الله عن مشركي العرب وغيرهم بأنهم يقرون أن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض إلى غير ذلك،


ولكن هذا لا يعني أنهم محققون لمعرفة الله أو لربوبية الله، فهم أيضاً يقع لهم الشرك في ذلك وإن كان شركهم المستطير هو شرك في العبودية،


وهم واقعون في هذه الأنواع من الشرك، ولكن هذا الإقرار إقرار مذكور في القرآن، والعرب كان في ذلك على درجات أيضاً - في درجات الإقرار بالربوبية .

ولذلك يصح أن يقال إن الربوبية قد أقر به العرب في جاهليتها،


والمقصود بالإقرار هنا الإقرار بجملته وليس هو التحقيق له أو العلم به على ميزان الشريعة التي جاء، لما نزل القرآن وبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم ، فهذا مقام، وما كانت عليه العرب مقام آخر .

السليماني
10-23-2025, 10:48 AM
(45)

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

(وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله كقول نوح ومن بعده: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ )

الشرح :


-وهذا علم بهذا أن كل رسول بعثه الله افتتح دعوته بالدعوة إلى توحيد الله علم أن أول الواجبات على المكلفين هو التوحيد وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فالتوحيد هو أول الواجبات، وهكذا كل نبي بعث، أول ما أوجب الله عليه وعلى من يدعوهم هو التوحيد، وهذا صريح في كتاب الله وفي قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

-وبه يعلم أن طرائق المتكلمين التي تكلمت في أول واجب على المكلف هي طرائق مبتدعة، كقول جماهير المعتزلة بأن أول واجب على المكلف هو النظر، وقول بعض المعتزلة كأبي هاشم الجبائي بأن أول واجب على المكلف هو الشك.

-وكقول جمهور متكلمة الصفاتية من أصحاب أبي الحسن وغيرهم بأن أول واجب هو المعرفة، وكقول بعض أصحاب أبي الحسن بأن أول واجب هو القصد إلى النظر، وكقول بعضهم بأن أول واجب هو أول جزء من النظر.

-وقد كان بعض النظار كالرازي وغيره يقولون بأن الخلاف بين هذه الأقوال والمقالات هو خلاف لفظي، وهذا من جهة التحقيق له وقوع،

أعني أن هذه الأقوال ترجع في جملتها إلى هذا المعنى، ولهذا كان أبو هاشم الجبائي لما قال بإنه الشك، إنها اعتبر بأن النظر إنما يرد على المحل الذي لا يُصادف حكماً، فإذا سبق الحكم من جهة الفطرة أو دليل العقل أو ما إلى ذلك وجب أن يتخذ لذلك ما يرفعه،

ومن هنا قصد إلى القول بالشك على هذا التقدير، وإلا لم يكن أبو هاشم أو غيره من النظار يقولون بالشك على معنى الشك الذي يتبادر مطلقاً وهو الدعوة إلى الشك الذي يقود إلى الإلحاد، ليس المقصود عند أبي هاشم، مع أن قوله خطأ وبدعة وضلال، لم ينكره أصحاب السنة وحدهم، بل أنكره حتى أصحابه من المعتزلة عليه،

-إلا أن الله أوجب علينا العدل في بيان ما يقوله الناس أو يتخذونه، فهو يريد هذا المعنى ولا يريد الشك الذي يوجب الإلحاد، أي الشك في كل ما يقتضيه الإيمان بالله، ليس المراد هذا ولكنه أعني قوله - إذا فهم على هذا التقدير فإنه من الأوجه الناقضة المقالة جمهور أصحابه من حيث أن مقالة جمهور أصحابه من المعتزلة بأن أول واجب هو النظر، يُعد من تحصيل الحاصل كما يقولون

وتحصيل الحاصل ممتنع إلا على تقدير صحة مقالة أبي هاشم، فلما كانوا يقولون بأن مقالته باطلة - أعني أصحابه - علم أن قولهم باطل ولابد،

فطريقة أبي هاشم أشبه ما تكون بالطرق العقلية اللازمة منها عن الطرق الشرعية.

---------------

قال الشيخ رحمه الله :

( وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله كقول نوح ومن بعده عليهم السلام: اعْبُدُوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرُهُ ﴾

وفي المسند عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له))

الشرح :

هذا الحديث - حديث عبد الله بن عمر :( بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له)

وبهذا يعلم أن ما شرعه الله من الجهاد فالمقصود منه أن يستقيم الناس وأن يتحقق للناس العبادة، فهذا هو أعظم المقاصد،

وأعظم مقاصد الشرائع هو تحقيق العبودية الله - سبحانه وتعالى .

السليماني
11-01-2025, 08:04 PM
(46)

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

( وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات الذي زينها الشيطان قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري )

وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات، قال الشيطان: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيتي لأزينَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ .

الشرح :

-هذا من فضل الله على عباده، أن الله يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت كما أخبر الله في كتابه،( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ )

وأن من ضل فإنما ضل بظلمه لنفسه.

بل لما قام الظلم واستحكم في نفسه، وعن هذا جاء اسم فاعل في الآية، قال ( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)

والله - سبحانه وتعالى يصطفي من عباده من يصطفي، وهذا الاصطفاء من الله سبحانه وتعالى - هم فيه - أعني عباده هم فيه على درجات،

وكل ذلك من الله فضل، كما أن عقوبته على من كفر به هي من الله عدل، ولا يظلم ربك أحداً.

قال ابن تيمية رحمه الله :

(وقال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ وقال في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾

الشرح :

-صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباد الله المخلصين، أي بتوحيدهم وإيمانهم وما جعل الله له من العاقبة - وهي عاقبة النبوة - فجعله الله نبياً ورسولاً.

قال ابن تيمية رحمه الله :

( وقال: سُبْحَانَ اللهُ عَمَّا يَصِفُونَ إِلا عِبَادَ اللهُ الْمُخْلَصِينَ )

الشرح :

-لذلك هذه المعاني الكلية تستصحب في تفسير القرآن، كما سبق في المجلس في الفقه في فروع الشريعة، ففي هذا من باب أولى، ولا تجرد السياقات عن هذه القواعد التي هي أوصاف شرعية مؤثرة .

كما أنك تقول في المثال الأدنى وليس في المثال الملائم أو المساوي، كما أنك تقول في المثال الأدنى:

إن الوقائع القضائية لا تفك عن الأحوال المقارنة لها وتجرد عنها، فكذلك هنا في الأمور الشرعية من باب أولى.

ولذلك لما جاء قول الله - جل وعلا: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾

تكلم بعض المفسرين أو كثير منهم، ونقلوا في ذلك آثاراً عن بعض الصحابة - جمهورها لا يصح - من جهة أن يوسف - عليه الصلاة والسلام وقع منه الهم أو إلى ما ذلك، ثم صاروا يقولون وهذا الهم هو الهم الأول وهو الهم الذي غفره الله لعباده وهو الذي قال عنه النبي :

((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به،))

قالوا: فهو الهم المغفور، إلى غير ذلك.

وهذا النظر غريب، لأنه ليس النظر في سياق عادي، هذا لم يأتي خبراً في سياق رجل من الناس، هذا جاء في سياق أمر نبي من الأنبياء، صحيح أن هذا كان قبل نبوته، ولكن الله جل وعلا - اصطفى أولئك القوم - وهم رسل الله وأنبياء الله -

فلا يمكن أن أحداً منهم يقع في مثل هذا الهم المنافي في أخلاقه للشريعة التي يجعلها الله - سبحانه وتعالى - لهم.

ولهذا بين طائفة من محققي العلماء من المفسرين ومن علماء اللغة بأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يقع منه الهم أصلاً، ليس الشأن أنه يغفر أو لا يغفر، أو أنه الهم المغفور أو ليس المغفور، هذا محل معروف،


لكن لا يقال بأن النبي في هذا المقام - وهو مقام الأخلاق - عرض منه أدنى درجة، هذا الأنبياء أشرف من ذلك، حتى قبل نبوتهم لا يقع ذلك منهم،

لذلك صار بعض المحققين من العلماء وبينوا امتناع ذلك، والآية التي تليها تقول:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾

فإذا امتنع وقوعه في الهم؛ لأنه رأى برهان ربه، فهذا هو معناها.

وبعضهم أورد اعتراضاً على هذا من جهة اللغة، ولكن التحقيق من جهة اللغة، أن هذا معروف عند العرب، وصار بعض علماء النحو إذا لم يكن هذا هو المشهور فى كلام العرب، قال بأن هذا يخالف شرط اللغة، ثم هذا الشرط إنما بناه- أي كونه شرطاً - على المشهور في كلام العرب،

مع أن الشرط هنا من جنس الشرط الشرعي، بل أدنى منه.

فإن الشرط الشرعي الذي يذكره الفقهاء منه ما يكون ثابتاً بنص، ومنه ما يكون ثابتا بوجه من الاجتهاد، كما إذا قال بعض الفقهاء بأن هذا العقد قد خالف الشرط، مع أنه قد يكون مخالفاً للشرط بوجه من الاجتهاد، أي أن هذا الشرط وكونه من شروط صحة هذا العقد، هذا محل اختلاف أو محل اجتهاد

فكذلك اللغة، يجتهد من يجتهد، فيقول : ولكن هذا السياق أو هذا الورود من جهة اللغة من شرطه كذا وكذا، فلا يصلح أن تفسر الآية به، فيتوهم الباحث وكأن هذا الشرط نزل به قرآن أو نزل به نص أو استحكم عند العرب في كلامها وأطبقت عليه في شعرها وقولها، وهذا ليس كذلك.

وإنما هو قدر من الاستقراء، استقرأه بعض علماء اللغة ثم من هذا الاستقراء الذي استقرأوه ومن تلك القواعد التي قعدوها،

صاروا يقولون بأن هذا يشترط كذا ولا يشترط كذا، وإذا نظرت في كلام العرب وشعرها، وجدت أنه ليس من باب الشرط وإنما من باب المشهور ويأتي غيره.

ولا سيما أن الإحاطة بلسان العرب إحاطة متوهمة، فلا أحد يحيط بما قالته العرب من شعرها ونثرها وما إلى ذلك، فهذا،

ولذلك هناك مذهب معروف الطائفة من النحاة بل من كبار أئمة النحاة يصححون هذه الطريقة في تفسير هذه الآية وأنها لا تخالف قواعد العربية ولا سياق كلام العرب الذين نزل القرآن بكلامهم،

ولكن البعض أغلق ذلك، وإنما أغلق اجتهاداً، والاجتهاد لا يغلق ولا يُغلق به،

وهذا القول - حتى لو قدر جدلاً بأنه ليس المشهور في كلام العرب - فإنه هو الأليق في تفسير هذه الآية لما سبق من معاني الشريعة.

وهنا تكون المعاني مبينة وجه الاختيار في كلام العرب، وكله كلام معتبر، وإن كان بعض النحاة ليضبطوا قواعد علم النحو صاروا يتحرون لصناعة تلك القواعد، ولا سيما زمن الصناعة أي -زمن صناعة قواعد النحو - صاروا حتى تستقر لهم القواعد يتقون ما ليس مشهوراً أو قد يسمونه شاذاً أو قد يسمونه يسمع ولا يقاس عليه وما إلى ذلك؛ لتستقرلهم الصنعة والقواعد،


وهذا صار فيه من بعض الملخصين عن متقدمي النحاة ولا سيما من المصريين - صار فيه غلو، حتى صار يضاف إلى مذهب البصريين الزيادة في ذلك وإلى ترك ما ورد القرآن به في قراءات متواترة، ويجعلون ذلك مخالفاً لما وجب في استعمال العرب، وهذا من الجهل، فإن ما ورد به قراءة متواترة لا يمكن أن يقال بأن هذا خالف ما وجب في كلام العرب، هذا من التناقض ولا بد؛ لأنك إذا نظرته وجدته متناقضاً من جهة العقل فضلاً عن اللغة.

والمقصود هنا : أن تفسير القرآن بل وتفسير الأحكام والقول في الأحكام يجب أن تستصحب فيه هذه المقدمات من قواعد ومقاصد وما إلى ذلك، حتى يكون التفسير للنص ملاقياً لها، وأما أخذ الكلمة المفردة من النص أو أخذ السياق الواحد ويقطع عن قواعده وعن جملة السياق وعن مقاصد الشريعة في هذا الباب وفي كليات القواعد، فهذا هو علامة الجهل الذي لا يدرك صاحبه أنه جهل ويتوهم أنه محقق.

فيأتي في سياق آية أو في سياق حرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُقلب هذا الحرف على أوجه متكلفة مع أن هذا يخالف التحصيل من جهة القواعد،


ثم يقول بأن النص يقدم على غيره، وكأن غيره هذا ليس من النص، وكأنه لا يعرف بأن القاعدة هي حكم نص مستفيض القواعد هي: حكم نص مستفيض،

هذا نص وذاك نص مستفيض، لكن النص المستفيض قد سلم من الاجتهاد وهذا لم يسلم من الاجتهاد في تحصيل حكمه.

السليماني
11-19-2025, 06:51 PM
(47)

قال الشيخ رحمه الله تعالى:

«وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (۹۹) إِنَّمَا سُلْطَاتُهُ عَلَى اللَّهِ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (۱۰۰))

وبالعبودية نعت كل من اصطفى من خلقه في قوله( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧))

وَقَالَ: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ بِمَا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾
وَقَالَ : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (۱۰))
وَقَالَ : ( عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهُ )
وَقَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ ومثل هَذَا كَثير متعدد فِي الْقُرْآن .

فصل:

إذا كان ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما.) ا.هــ كلام الشيخ رحمه الله .

الشرح :



-هذه الآيات التي ساقها المصنف رحمه الله - وهذا من فقهه ؛ فإنه ضمن هذه الرسالة الفاضلة في بيان مقام العبودية لله -جل وعلا-


فضمنها جملة واسعة من آيات الكتاب وأحاديث النبي صل الله عليه وسلم -


وهذه هي العبودية وهذا هو علمها؛ لأن علمها هو الكتاب والسنة، وتؤخذ مما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .



-وآيات ذكر العبودية وما تتضمنه العبودية من الشرائع والعبادات والمعاني الكلية والمعاني الخاصة والمطلقة والمقيدة تقع في كتاب الله أوجها متنوعة في بيان حال السالكين، وحال البصيرة، وحال العبادة.

فيذكر فيها مقام العلم، ويُذكر فيها مقام الإخلاص، ويُذكر فيها مقام الإرادات، وأوجه التعبدات الظاهرة والباطنة،

مع أنه ليس في الشريعة باطن محض ولا ظاهر محض،

فما من ظاهر إلا وهو يتضمن باطنا، وما من باطن إلا وهو يتضمن ويستلزم ظاهرا ويقتضيه نوع اقتضاء.

كله في مقام العبودية والشريعة التي جعلها الله سبحانه وتعالى - دينا لعباده أجمعين، وهو إخلاص الدين الله وحده لا شريك له.

وهذه الآيات في هذا السياق بين بها مقاما من مقامات فقه العبودية وهو أنه:

من شرف مقامها أن الله وصف بها خاصة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام - الذين سماهم الله في كتابه إلى خيرهم؛ وهو رسول الله محمد سماه الله بذلك في مقام الاطفاء والامتنان والاجتباء وذلك في قول الله جل ذكره

( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾


فوصفه هنا بمقام العبودية كما وصف إخوانه من الرسل والأنبياء بمقام العبودية،

وذلك المقام من أشرف المقامات بل هو أشرف مقام يضاف إلى جملة العباد وعموم العباد.

ومقام النبوة هو من مقامات عبودية الله سبحانه وتعالى، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام - هم المصطفون بعبادة الله وحده لا شريك له،

وهم أعلى الخلق مرتبة في عبادة الله الملائكة والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - فأولئك (لا يعْصُونَ اللهُ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ (۲۰))

والأنبياء والرسل عصمهم الله عن معصيته، وهداهم لطاعته، والإقامة على عبادته .

(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَثَمَانِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)) .

-قال رحمه الله تعالى «إذا كان ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما وَهُوَ تفاضلهم في حَقِيقَة الْإِيمان وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، وهذا كانت ربوبية الرب لهم فيها عموم وخصوص ودروب، وَقال ( كَانَ الشرك في هذه الأمة "أَخْفى من دبِّيب النمل".)

الشرح :

-هذا جاء في الشرك أخفى في هذه الأمة من دبِّيب النمل جاء هذا في آثار رويت مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم -قواها طائفة من الحفاظ،

وبعضهم أعلها بجملتها، وفيها ما هو معلول جزماً ولكن منهم من قوى أوجهاً منها، ومنهم من أعلّ جملتها.

السليماني
11-28-2025, 06:14 PM
(48)

قال الشيخ الإمام رحمه الله :

( وفي " الصحيح " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رَضِي وإن منع سخط )

فَسَماه النبي صلى الله عليه وسلم - عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة وذكر ما فيه دعاء وخبرًا وَهُوَ قَوْله: «تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)

والنقش إخراج الشوكة من الرجل والمنقاش ما يخرج به الشوكة، وَهَذِهِ حَالَ من إِذا أَصَابَهُ شَر لم يخرج منه ولم يفلح كونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وَهَذِهِ حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بِأَنَّهُ إِذا أعطي رَضِي وَإِن منع سخط

كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله .)) ا.هــ

الشرح :

هذا الصنف في العبودية التي ذكرت في الحديث وهو عبد الدينار وعبد الدرهم وهو الذي يشتري بآيات الله أو بدين الله أو بالحقوق ثمناً قليلا

إما بالأيمان الكاذبة أو بشهادة الزور أو غير ذلك.

--------------------------

قال الشيخ رحمه الله (وَهَكَذَا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة - ونحو ذلك من أهواء نفسه - إن حصل لَهُ رَضِي وَإن لم يحصل له سخط فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وَهُوَ رَقِيق لَهُ إِذْ الرق والعبودية في الحقيقة هُوَ رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فَهُوَ عَبدِهِ، وَهَذَا يُقَال: العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع.

وَقَالَ الشَّاعِر : أطعتُ مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا

ويقال: الطمع غل في العنق قيد في الرجل، فإذا زَالَ الغل من الْعُنُقِ زَالَ الْقَيْد من الرجل.

ويروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أنه قال: "الطمع فقر واليأس غنى وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عَنهُ)

وَهَذَا أَمر يجده الإنسان من نفسه فإن الأمر الذي يأس مِنْهُ لَا يَطْلُبُهُ، وَلَا يَطْمَع فِيهِ، وَلَا يَبْقى قلبهِ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَلَا إِلى من يفعله، وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه فَإن قلبه يتعلَّق بِهِ، فَصارَ فَقِيرًا إِلَى حُصُوله وَإِلى من يظن أنه سَبَب في حصوله وَهَذَا فِي المال والجاه والصور وغير ذلك،

قَالَ الخليل صلى الله عليه وسلم -: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوالَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (۱۷)) .ا.هـــــ

الشرح :

-المقصود بهذا المقام ليس إبطال الأسباب، وقد سبق أن ذكر المصنف أن الأسباب معتبرة في الشريعة، الأسباب التي جعلت أسبابا، قدرها الله أسبابا أو أمر بها قد تكون أسبابا كونية. أو أسباباً شرعية.

ولكن الالتفات إلى الأسباب أو التعلق بآثار الأسباب وما إلى ذلك هذا من نقص تحقيق العبودية؛


لأن من مقامات العبودية: الإيمان بقضاء الله وقدره، وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى - في الأعمال الصالحة،

وأن تكون الأعمال الصالحة أو عبادة الله هي الأصل الجامع الحال المؤمن، وتكون حياته حظاً يُستعان به على عبادته لربه.

-----------------------

قال الشيخ رحمه الله :قال: «فَالْعَبْدُ لَا بُد لَهُ مِن رِزْقِ وَهُوَ مُحتاج إلى ذلك فإذا طلب رزقه من الله صار عبدًا للهِ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَإِذَا طلبه من تمخْلُوقَ صَار عبدا لذلك المَخْلُوقَ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَت مَسْأَلَة المخلوق محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة وفي النهى عَنْهَا أَحاديث كثيرة في " الصحاح " و "السنن" و "المسانيد " كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لا تزال المسأَلة بأحدكم حَتَّى يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَة وَلَيْسَ في وجهه مزعه لحم )

الشرح :

هذه الأحاديث التي فيها ذم المسألة ، أو ذم أهلها ، إنما هي في المسألة التي تكون تكثرا ، أو عن أسباب مخالفة لمقتضى الشريعة،


وأما من سأل لفقره وعجزه ، واستعان بغيره من المسلمين ما يعينه على لوازم أمره ، وحاجة نفسه ، وحاجة من يعول،

فهذه المسألة ليست مذمومة وقد فعلها الصحابة رضوان الله عليهم، وفعلت بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم ، وأقر النبي للحاجة عليها.

وأثنى الله سبحانه وتعالى - على من يحسن إلى هؤلاء .

فمثل قوله: «لا تزال المسألة بأحدكم والحديث في الصحيح وغيره، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ))

فهذا ليس فيمن يسأل وهو مضطر في سؤاله، فإن الناس فقراء، والغنى الذي يُصيب بعض الناس هو غنى نسبي،


وإلا جميع الخلق فقراء إلى الله، وهذا الرزق الذي بيد الأغنياء هو من فضل الله عليهم.

ولهذا ينبغي الشكر، ولهذا فرضت الزكاة مع أن الزكاة في فريضتها قد تتضمن أن الفقير يسأل الغني الزكاة، وهذا من حق الفقير أن يسأل الغني الزكاة، والمسكين يسأل الزكاة،


وإن كانت المروءة والخير الأعلى أن الغني يبادر ، لكن لو أنه سأل فالمسألة هنا ليست المسألة المذمومة.

إنما المسألة المذمومة هي مسألة التكثر ، أو مسألة التي يُصاحبها إسقاط للأسباب التي شرع الأخذ بها مع قدرته على العمل ونحو ذلك ،


فهؤلاء أو هذه الصور وأمثالها هي التي فيها مسألة مذمومة، وأما الإنسان المقطوع العاجز إما لمرض أو لكبر أو لغير ذلك من الأسباب، وهو لا يريد هذه المسألة وليست من رغبته، ولكنه اضطر الجائحة اجتاحته أو فاقة أصابته ونحو ذلك،


فهؤلاء موقرون في الشريعة، ومحترمون في الشريعة، ليسوا مذمومين لهذه العوارض التي صادفتهم أولاقتهم .

-------------------
قال الشيخ رحمه الله :(وقوله: من سأل الناس وله مَا يُغْنِيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوشا في وجهه

وقوله: ولا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع ))

الشرح :


-أي إذا رأيت هذه الآثار التي ساقها المصنف وجدت أنها مقيدة من سأل الناس وله ما يُغنيه... هذا قيد،

وقد يقول قائل : إن الحديث الأول لا تزال المسألة بأحدكم .... ليس فيه قيد.

فنقول: هذا فهم خطأ، بل فيه قيد، فإن الشريعة نصوصها المفصلة تقيد بفقه قواعدها، وهذا من أخص طرق التقييد والتفصيل للشريعة.

-------------------

قال الشيخ ( وقوله: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع».

الشرح :

-فضلا عن كون الفعل لا تزال يدل على الاستمرار، لا تزال يدل على أن هذا صار حالا له قد أقام عليها، وهذا في الغالب المطلق لا يكون إلا عن تقصير؛

لأن الإقامة على تلك الحال من المسألة مع أن الإنسان تنقلب حاله، ومن أقام على المسألة فهذا في الغالب مظنة التقصير، وإن كان لا يستلزم التقصير على كل تقدير .


-----------------------------------

قال الشيخ رحمه الله :

(وفيه أيضا: «لأن يَأْخُذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل النَّاسِ أَعْطُوهُ أَو مِنعُوهُ، وَقَالَ: «مَا أَتَاكَ من هَذَا المال وأنت غير سائل وَلَا مُشرف فخله وَمَا لَا فَلا تبعه نفسك )) فكره أخذه مَعَ سُؤال اللسان واستشراف القلب،

وقال في الحديث الصحيح: «من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».

الشرح :

وهذه كلها أحاديث صحيحة، الحديث ((ما أتاك من هذا المال،)) وكذلك ما ذكره المصنف.

السليماني
12-07-2025, 08:06 AM
(49)

قال الشيخ رحمه الله

(وأوصى خواص أصْحَابه ألا يسألوا الناس شَيْئًا وَفي "المسند": " أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول الأحد: ناولني إياه ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شَيْئًا، وفي "صحيح مسلم " وَغَيره عَن عَوْف بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم - بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: «أن لا يسألوا الناس شَيْئًا)

فَكَانَ بعض أُولَئِكَ النفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني إياه )

الشرح :

-كلما اتقيت المسألة فهو أفضل، لكن أيضًا لا يكون للإنسان ترك المسألة لما جرت العادة بالتعاون فيه، فهناك مسائل على خلاف العادة، وهناك مسائل على وفق العادة.

والعادة محكمة؛ لأن البعض قد يغلق على نفسه، أو يشق على نفسه، مما لا يعد من المسألة المذمومة، فهذه المسألة فيها اعتدال وتوسط على كل حال.

-وما لاقي بعض السلف من الحال الخاصة هذا لا يلزم أن يكون منهجا عاما لكل أحد، وإلا لو اتخذ منهجا مضطرداً لضاقت على الناس بعض الأمور التي هم محتاجون إليها أو من ورائهم ومن يعولونهم يحتاجون إليها.

-----------------
فال الشيح رحمه الله

(قال: وقد دلت النصوص على الْأَمْرِ بِمَسْأَلَة الخَالِقِ وَالنَّهْي عَن مَسْأَلَة الْمَخْلُوقِ فِي غَير مَوضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (۷) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (۸)) [الشَّرْح : ٧].)

الشرح :

-ولكن هذا مقامات مسألة الخالق ومسألة المخلوق هذه مقامات، فهناك مقامات من المسألة لا تصح إلا الله، وهناك مقامات يسأل الله سبحانه وتعالى ما يليق به،

وقد يسأل المخلوق ما هو بيده ، ولا يكون مما يختص بالخالق، فالمخلوق لا يسأل الرزق؛ لأن الله وحده هو الرزاق،

لكن قد يسأل مخلوق مخلوقا آخر أن يُعطيه مالا معينا، أو درهما معينا، أو عقارا معيناً أو طعاما معينا فهذا من مقدوره،

لكن أن يسأله رزقا سواء كان حيا أو ميتا فهذا مما لا يليق إلا بالله .

---------------

قال الشيخ رحمه الله

( وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (۷) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (۸)) [الشرح : ٧] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاسْتَمِن بِالله وَمِنه قول الخليل: (فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ) [العنكبوت: ١٧] ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر كانه قَالَ: لَا تَبْتَغُوا الرزق إِلَّا عِندَ اللهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّبِينَ فَضْلِهِ) [النساء: (٣٢)، والإنسان لابد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه ودفع ما يضره وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله فله أن يسأل وإليه يشتكي كما قَالَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السلام : (إِنَّمَا أَشْكُو بَنِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ الْيُوسُف ٨٦) الله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل وقد قيل: إن الهجر الجميل: هو هجر يلا أذى، والصفح الجميل : صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل : صبر بغير شكوى إلى المخلوق.)

الشرح :

-هذا المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تقرير هذه الرسالة رسالة العبودية، وقوله رحمه الله: "وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق"؛ الأمر بمسألة الخالق هذا قد استقرت دلالة النصوص عليه، فهو من المحكمات؛

(وقال ربكم ادعوني استجب لكم) الله أمر بدعائه، وأمر بمسألته

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ [البقرة: ١٨٦]


فأجاب سبحانه وتعالى دعوة من دعاء من المشركين إذا دعوا ربهم مخلصين له الدين فأنجاهم سبحانه وتعالى - ابتلاء منه لهم، وآية منه سبحانه وتعالى -وبرهانا على ربوبيته - جل وعلا، والله سبحانه وتعالى - أمر بدعائه ومسألته.


-وأما مسألة المخلوق : فمن حيث الجملة والجنس الأصل فيها الذم، لكنك تعلم أنه لا بد للمخلوق لقصوره من أن يسأل مخلوقا،

ولكن المقصود بالمسألة هنا التي هي من موارد المباحات الأمر الذي تكون بها الحركة وتمام الحركة وما إلى ذلك كأن يطلب هذا أو يحمل هذا أو ما إلى ذلك؛

وليست من المقصود في الأصل، بمعنى ليست بما يتعلق به الذم، فإن هذا مما لا تصلح أحوال الناس وأحوال بني آدم إلا به، وإن كانت لا يتوسع فيها .

-وعن هذا جاء عن جماعة من السلف رحمهم الله - أنهم كانوا ربها سقط سوط أحدهم فلا يطلب من يأخذ له هذا السوط، أو يعطيه هذا السوط، لم ؟

لأن السوط من اليسير الذي يحمله بنفسه.

-لكن ما كان لابد له من مساعدة غيره فهذا كانوا يبذلونه؛ لأن تحقق المصالح لا تكون إلا بمثله، فليس في الشريعة تشريع ينهى عن المسألة بكل تقديراتها.

-وأما المثال الذي روي عن بعض السلف في مسألة السوط يسقط من أحدهم، فهذا نقل عن بعض الصحابة أو عن بعض التابعين،

فهذا لا يقصد به الإغلاق المطلق، وإنما لأن هذا المثال هو كذلك ، بمعنى أنه من خاصة الإنسان.

-ولذلك موسى عليه السلام - لما سأله الله (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (۱۷)) [طه: ۱۷] ما قال هي عصا، وإنما قال: (هي عصاي ) [طه: ۱۸]

فهذه من خاصة الإنسان، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يحمل عصاه أو نعله إلا هو.

لكن فيما يتعلق بمسألة الإنسان في تحقيق المعنى الذي تقوم به مصالحهم في البناء وفي العلم وفي الإعانة فهذا لابد للناس منه، وإلا لتعطلت مصالح العباد،

فهذا لا يدخل في هذا القدر، هذا وجه، حتى لا يعمم ويظن أنه لما ذكر عن بعض السلف كما في مسألة السوط دل على أن غيره من باب أولى على كل تقدير، لا، هو السوط؛ لأنه من خاصة الإنسان،

لكن إذا أراد الإنسان أن يحمل هذه الخشبة مثلا بثقلها لا بد أن يطلب من غيره أن يعينه.

هل هذا داخل في مادة الذم ؟

الجواب: هذا ليس داخلا في مادة الذم

-لأنه إما أن الإنسان يحملها وحده وهذا ممتنع حساً .

-وإما أنه لا يحمل ما لا يستطيع وهذا معناه عجز، وتأخر عن العمل.

-وإما أنه يستعين بغيره وهذا هو الذي تتحقق به المصلحة له ولغيره. هذا وجه.

الوجه الثاني: وهو يبلغ في الدلالة والمعنى، ماذا يقصد بالمسألة ؟ والباعث على الأمر؟ وما هو المعنى الذي يقوم في نفس الإنسان إذا سأل غيره،

هل هو على المعنى الذي يكون على قدر السبب البشري القاصر ؟ أو أنه يفرط في نظره إلى هذا الغير أو إلى سبب هذا الغير ؟

وكما أن الإنسان يغلو في الأسباب - أنت تعلم أن الشريعة أقرت الأسباب والأخذ بالأسباب،

-ولكن إذا غلا الإنسان في السبب أو في أثر السبب صار مخالفًا للشريعة - وهنا كذلك يُقال إذا سأل إنسان إنساناً آخر؛ نظر إلى هذه المسألة من وجهين

-هل هي مما يحتمله السؤال ؟

-أو مما يختص به الإنسان؟

فإن كان مما يحتمله السؤال كما سبق الإبانة لبعض أنواعه، وليس لجميع أنواعه، فقد أتى على وجه مناسب،

لكن بقي أن يتحقق من الوجه الآخر حتى لو صح له الأول،

ما هو الوجه الآخر ؟

أنه إذا سأل إنسان إنسان آخر ولو فيه يصح فيه السؤال ، ينبغي أن لا يكون هذا السؤال متجاوزًا في قدر السبب الذي جعل له،

وهذا متفق وظاهر في مسائل الأسباب، يقع فيها إفراط ويقع فيها تفريط.


وكما أن الشريعة ذمت إغلاق السبب وتركه توكلا على القدر؛ لأن هذا الإغلاق للسبب توكلا على القدر هو فهم وجهل لمسألة القدر؛

لأن السبب من حيث هو مقدر، ومن حيث هو فعل الإنسان، هو من قدر الله، فالله هو الذي قدر الأسباب وقدر المسببات،

فكل سبب أتاه الإنسان فهو بقضاء الله وقدره .

-إذا المقصود أن مسألة المخلوق؛ الأصل فيها الذم، ولكن إذا قبل الأصل فيها الذم ، ليس معنى هذا أن ثمة مراد في الشريعة لإغلاقها على كل تقدير؛

لأن من رام إغلاقها على كل تقدير وقع في العجز، ولو تواطئ الناس على إغلاقها على كل تقدير ما قامت حالهم وصلحت دنياهم و شئونهم،

د فهي لابد فيها من هذا المقام.

-ومن تعالى عن هذه الدرجة العادية ، التي هي محل إباحة في الشريعة، من تعالى عنها على زعم التوكل ، وألا يسأل إلا الله فقد أخطأ في فهم مسألة الله، وإنها الإنسان لا يسأل إلا الله فيها هو من أمر الله - سبحانه، والأمر كله لله ، له الأمر من قبل و من بعد.

-ولكن ما كان في شأن بني آدم المحض كحمل متاع الإنسان، إذا كان متاعاً ثقيلاً لا يستطيع أن يحمله، فإذا استعان بآخر من الناس ليحمله على رحله ، أو ليحمله معه على ظهره ، أو على دابته أو نحو ذلك ، لم يقل إن هذه الاستعانة من الاستعانة المذمومة أو هذه المسألة من المسألة المذمومة.

-وإنما المذموم؛ الالتفات للمخلوقين في أي مسألة حتى لو هذه.


الالتفات للمخلوق لأن المخلوق سبب، والالتفات للأسباب منافي لتحقيق التوحيد.

-وكذلك ما كان اختصاصا للإنسان فهذا من مروءته ومن صدق تحقيقه لتعبده الله ألا يلتفت فيه إلى الناس ، حتى لا يقع في هذا المورد مما هو من إغلاق الأسباب؛ لأن إغلاق الأسباب ليس مشروعًا بل مخالف للشريعة، والالتفات للأسباب مخالف للشريعة.


ومسألة الناس هي في هذا السياق؛ إذا وقعت في محلها المناسب، وعلى المقصود المناسب صارت مسألة خارجة عن الذم

أما إذا اختل المحل أو اختل المقصود صارت داخلة في مادة الذم التي قال فيها المصنف: وذم مسألة المخلوقين.

-ولهذا شرعت الشريعة طلب الرزق من الله،( فَابْتَغُوا عِندَ الله الرزق ) [العنكبوت: ١٧]

وكما أشار المصنف قدم الظرف ليدل على أن الرزق من عند الله وحده، فالله هو الرزاق،

وحتى الأموال التي بيد الكفار هي من رزق الله ، خلافا لبعض أهل البدع كطوائف من المعتزلة وغيرهم، الذين قالوا : رزق الله هو ما يكون للمؤمنين.

فالجواب : لا هذا من الأمر القدري فهو رزق من الله؛ لأن الأمر كله الله سبحانه وتعالى.

ومع أن الله قال: (فَابْتَغُوا عِندَ الله الرِّزْق) [العنكبوت: ۱۷] إلا أن الله سبحانه - أباح لعباده البيع والشراء، مع أنهم يبتغون في بيعهم وشراءهم وتجارتهم يبتغون الرزق

فهل هذا منافي ويبتغونه فيما بينه ؟ لكن هذا الابتغاء فيما بينهم ليس هو الابتغاء الذي أمر الله به وهو حقه سبحانه في قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ الله الرِّزْقَ ﴾ [العنكبوت: ١٧]

فهذا ابتغاء وذاك ابتغاء ولكن هذا الابتغاء هو من حق الله،

وهذا الابتغاء الثاني - إن جاز تسميته أو التعاطي أو المعاطاة أو البيع أو الشراء أو المبادلة التجارية، أو التجارة، كل هذه الأسماء - هي من مناسب المخلوق.

-وهذا هي ليست مبنية على الجزم ، لا قدرًا يعلمه الإنسان، لأن القدر لا يعلمه إلا الله، لا يعلم ما سيكون إلا الله -سبحانه وتعالى.

ولو كان الإنسان يعلم بعلمه بالقدر النتائج؛ ما باع إنسان إلا وهو يعلم أنه رابح إلى غير ذلك، لكن هذا لا يكون.

-فالقدر بأن هذا ربح أو خسارة ، هذا في علم الله، ليس في علم البشر، لاشك أنه في علم الله وفي قضاء الله وفي قدر الله أن هذا رابح وهذا خاسر، معلوم.

لكن هذا من القدر الذي لا يعلمه الناس، وإنما يتبين له الأمور فيما بعد.

-والله سبحانه وتعالى - شرع لهم هذه الأعمال، أو أباح لهم هذه الأعمال، وهي من شرع الله المباح؛ ومن شرع الله ومن أحكام الله التي أباحها وشرعها لعباده.

-فإذا كان كذلك علمنا أن ابتغاء الرزق عند الله لا يتنافى مع بذل الأسباب؛ لأن هذه الأسباب أسباب قاصرة لا يجزم بوقوع الرزق بموجبها، ولهذا تقع في التجارة الخسارة، وهي قائمة على ذلك بل لو لم تقم على ذلك لدخلت في أوجه من الظلم لبعض الناس

ولذلك نهت الشريعة عن ضمان الربح في بعض الصور التي تكون مبنية على الاجتهاد وبذل الجهد كعقد المضاربة مثلاً.

فلو أن المضارب ضمن لرب المال الربح؛ قال: اعطني مائة ألف، وأضمن لك ربحا أضارب بها في تجارة ما، وأضمن لك ربحا في السنة قدره كذا وكذا، فقبل بأن هذا العقد عقد باطل، بل قد يكون رابحًا في تمام سنته، وقد يكون خاسرا، وقد يكون لا رابحا ولا خاسرا مثلا.

----------------

قال الشيخ «وهذا قرى على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره أنين المريض وَيَقُولُ: إِنَّه شكوى فما أن أحمد حَتَّى مات. وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل فَإِن يَعْقُوب قَالَ : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) [يُوسُفَ : ٨٣]، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَني وَحُزْنِي إِلَى الله [يُوسُفَ : ٨٦].)

الشرح :

-كما أشرنا هي فرق بين مقامات يعني مسائل القصود البواعث هي المؤثرة

فرسول الله - عليه الصلاة والسلام قال في حديث ابن مسعود: إني أوعك لكن لما قال: إني أوعك؛ ونظرنا إلى السياق،

فقال له ابن مسعود: يا رسول الله إنك لتوعك كما يوعك رجلان منا، فقال: «نعم، ذلك لأن لي الأجر مرتين)

فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ذلك على سبيل الشكوى، وإنما على سبيل بيان أمر شرعي في أحكام الشريعة وما إلى ذلك.

فإذا العبرة في مثل هذه الأخبار التي تقع ، مما يعرض في أمر الناس ، إما في مرض، أو في بيع، أو في شراء، أو في حصول مصلحة، أو في وقوع مفسدة هذا ليس كله من باب الشكوى لغير الله.

-ولذلك يعقوب عليه الصلاة والسلام قال لبنيه ما قال وراجعهم في أمرهم، وعاتبهم في بعض فعلهم، ولم يكن هذا من باب الشكوى لغير الله ؛

فهذا كما قلت هو معتبر بأمرين:

-معرفة المحل المناسب.

-وفوقه وأجل منه فقها وعلما ما يتعلق بالقصد والباعث.

وإذا تحقق هذا وهذا؛ وقع على الوجه الشرعي المناسب.

السليماني
12-25-2025, 09:18 AM
(50)

قال الشيخ الإمام رحمه الله : وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقرا في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل قمر بهله الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. وَمِن دُعَاء مُوسَى: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ويك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ".

وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ... "...

الشرح :

-لاشك أن من أعظم مقامات العبودية؛ هو تعلق العبد بربه سبحانه وتعالى ، وبمسألته، وبالفقر إليه، وبالتذلل بين يديه وبأن يجعل أمره كله الله، وإلى الله سبحانه وتعالى، فيجعل عبادته الله، ويجعل أمره الله.

وحتى الأمر العادي يجعله الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله بيده ملكوت كل شيء،


وهذا قول الخليل إبراهيم عليه السلام - فيما ذكره الله جل وعلا - (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (۸۱) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (۸۲)) [الشعراء: ۷۸]

فهنا ترى في سياق ذكر الخليل عليه الصلاة والسلام - ذكر المعاني العبادية المحضة، وذكر المعاني العادية.

وكل ذلك وكله وجعله إلى الله سبحانه وتعالى، فجعل هدايته من الله، وجعل عبادته الله، كما جعل رزقه وطعامه وشرابه ومرضه وشفاءه بأمر الله وقضاءه،

قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰)) [الشعراء: ۸۰] .

والمرض بقدر الله، لكن لما كان ضعفًا في الإنسان ، لم يضف ذلك إلى الله سبحانه وتعالى - قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشفين (۸۰)) [الشعراء: ۸۰]،


لكن لما كان الخلق كمالا وفضلا من الله على عبده - أما المرض فهو نقص في العبد وإن كان بقدر الله، وبأمر الله الكوني -

وأما الخلق فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸)) [الشعراء: ۷۸]، والطعام( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹)) [الشعراء: ۷۹]،

لكن لما كان المرض هو عارض من النقص ينتاب البشر ما أضيف إلى الله سبحانه وتعالى - مع أنه بأمر الله جل وعلا.

-ولذلك من شهد هذه الحقيقة شهد العبودية في كل شأنه حتى في أكله وشربه، ولذلك كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يقول:

«إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا؛)

لأن هذا أمر عادي، فمن حقق هذا المقام العادي فهو أحرى بتحقيق ما فوقه، ولذلك صار موجبا لرضا الله، ورضا الله أكبر المقامات وأشرفها، وأنت ترى أنه جعل هنا في فعل من فعل الإنسان وهو طعامه وشرابه، ولكن الموجب لرضا الله هو مقام الحمد له سبحانه ، ومقام الشكر له سبحانه .

-فمن استم مقام الشكر ومقام الحمد حمد الله في شأنه كله، وهذا هو مقتضى الإيمان بالشرع من جهة كهذا الحديث؛ (إن اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها )

وهو مقتضى الإيمان بالقدر من جهة كقول النبي - عليه الصلاة والسلام في الصحيح وغيره( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ).

-ولهذا مقام الحمد هو من أخص مقامات العبودية، وافتتحت أجل السور، وأعظم السور في كتاب الله وهي السبع المثاني، سورة الفاتحة ابتدأت بحمد الله سبحانه

-( الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (۲)) [الفاتحة: ٢] بعد البسملة.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كلامه وخطبه عليه الصلاة والسلام - بهذا المقام : بالحمد لله رب العالمين إن الحمد لله، فالحمد من أخص مقامات العبودية،


وسمى الله سبحانه - قومًا فقال:( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ) [التوبة : ١١٢]

فجعل المقام الأول مقام التوبة؛ لأن التوبة هي مقدمة وهي تسليم النفس من جرائرها وموبقاتها وآثامها وسخائمها ونقصها ولهذا شرعها الله لجميع المؤمنين.

ولما خوطبوا بها خوطبوا بها بصيغة العموم المؤكدة، وإلا الخطاب كثير العموم في القرآن، بل هو الأصل في خطاب الإيمان، لكن هنا جاء العموم مؤكدًا ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهُ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [النور: ۳۱) فجاء التأكيد بذكر "جميعا"

ولذلك اجتمع في هذه الآية (وَتُوبُوا إِلَى الله جميعا ﴾ [النور: ۳۱)؛ اجتمع فيها عدد من مقتضيات العموم.

فذكر الله مقام التائبون، وبعده العابدون، وإنها قدمت التوبة باعتبارها مصححة للحال، حتى يدخل العبد على طهارة، ولهذا كثر مشروعية الاستغفار بين يدي العبادة وبعدها

(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ...) [التوبة: ١١٢] بعد هذا المقام المجمل العام المطلق وهو مقام العبادة - لأنه مقام جامع لكل ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة العبادة كما هي معروفة في الشريعة - ذكر المقام أو الوصف بقوله: (الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ) [التوبة : ١١٢]

فهذا الثالث؛ فيه ذكر لأخص مقامات العبودية، وأن أخص مقامات العبودية هو مقام الحمد.

-والحمد فقه وعلم ونور وبصيرة في قلب العبد، والصلاة من حمد الله، والصيام من حمد الله، والحج من حمد الله، فمن وجد في هذه العبادات مقام الحمد ، فقد حقق هذه العبادات على وجهها المنيف.

-وعن هذا كان أخص ما يتفاضل به الأولياء ليس هي كثرة النوافل كما يتوهم، ليس أخص ما يتفاضل به في ولاية الله كثرة النوافل وإن كان مقامها معتبرا في الشريعة،

ولكن أخص ما يتفاضل به الأولياء في ولايتهم هو تحقيقهم لمقام العبودية على وجهه الأكمل والأتم الذي يُرضي الله.

وهذا فقه كلمة الحسن البصري - وهو من سادات الفقهاء والعلماء كما أنه من البصراء في العبادة وفي فقه العبادة وسلوكها؛ لأن العبادة لها فقه، وكما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام وفقهها وتحريرها وأوجهها، يتفاضل العباد في فقه العبادة، وليست العبادة كثرة محضة، وإن كان العمل محمودا بكثرته إذا كان صالحا بمعنى تكراره

، لهذا أثني إلى التكرار الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لم بينهما والتكرار الذي يوافق ويلاقي الشريعة محمود.

لكن فوق هذا المعنى معنى يخفى على بعض الناس فيظن أن المفاضلة أو التحقيق هو في العدد فحسب ، وهذا ليس كذلك، ولكنه في المقام الأخص.

وعن هذا كما قلت هذا هو - فقه كلمة الحسن البصري رحمه الله - لما قال: " ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة"؛ فإنك تعلم أن أبا بكر الصديق هو أفضل هذه الأمة لصريح الأدلة الدالة على ذلك في الكتاب والسنة على فضل أبي بكر -رضي الله عنه ، وهذا متواتر في السنة للرسول عليه الصلاة والسلام - وفي كلام الرسول من الأوجه الكثيرة الدالة على فضل أبي بكر، وها متفق عليه بين الصحابة رضي الله عنهم .

وتعلم أن أبا بكر لم يكن السبب المقدم هو مسألة الكثرة، وإن كان هذا لا يعني أن أبا بكر رضي الله عنه - لم يكن كثير التبتل، فهو من أئمة التبتل والعبادة، ولا يجوز الإنسان أصلا أن يقول كان يصلي كذا أو يصلي كذالأن صلاته فيها بينه وبين الله،


ما كان الصحابة يُظهرون أعمالهم أو يسمون للناس أعمالهم، وإنما كانوا يستخفون فيما شرع فيه الاستخفاء من العبادة.

الشاهد هنا: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه - حقق مقام الفعل، وحقق مقام العلم، والعمل القلبي وهذا هو فقه الإيمان،


ألسنا نقول بأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل واعتقاد؟، ويقولون هو : قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح كما هي الجملة التي جاءت عند أكثر أئمة السلف، قول وعمل،

وقال بعضهم قول وعمل واعتقاد، لكن جمهور السلف الذين نقل عنهم بالإيمان كلام لما ظهرت البدع، قالوا: الإيمان قول وعمل.

قد يقول قائل : أين الاعتقاد؟

نقول: قول؛ أرادوا قول القلب وقول اللسان، وعمل أرادوا عمل القلب وعمل الجوارح.

-فمن غلب عليه مقام العمل في الجوارح، ولم يُدرك عمل القلب فاته من الإيمان ما فاته، وهذا الذي يعرض لكثير من العامة وبعض المتعبدة، أنهم يعتبرون مقام الولاية أو العبودية بكثرة الأعمال، وهذا مقام في أصله شريف، لكنه أحد المقامات، ولا يصيب التحقيق صاحبه إلا إذا عرف المقصود من هذه الأعمال، فوجد مقام أو حقق مقام الحمد في صلاته ومقام الحمد في صيامه، ومقام الحمد في صدقته وفي بذله.

-ولذلك تجد أن الشريعة إذا شرعت أمرًا حتى في باب النفقات تغلق هذا الباب عما ينافي مقام الحمد لله (ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى ) [البقرة: ٢٦٢]

لأنه إن خالطه من أو خالطه أذى ولو بحركة أو تصرف فإن هذا ينافي مقام الحمد الله سبحانه .

وإنها المتصدق حقا هو الذي يتصدق وهو يعلم ويرى ويجد أن هذه الصدقة هي من فضل الله عليه، فمن عرف لهذه العبادات حقها وجد أثارها الشرعية

وقامت فيه أثارها الشرعية التي قال فيها الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام كقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشعري: «الصلاة نور».

لكن هل هذا النور درجته في كل الناس وفي كل المصلين سواء ؟ الجواب: ليس كذلك.

الصلاة نور والصدقة برهان؟ هل هذا البرهان يكون لسائر المتصدقين بدرجة واحدة ؟ الجواب: لا.

وهكذا في مقامات العبادات، فالعبودية لها فقه، ولها علم، ولها قواعد، والشريعة جاءت بهذا العلم، ويقواعد العبادة، ومحبة الله، والتعلق بالله، والاستعانة بالله، فليست الشريعة أحكاما فيها الواجب وفيها المستحب فقط.

الشريعة فيها التشريعات ، لكن فيها مقام العبودية، وكما فيها الأحكام التي تخاطب العقول فيها الأحكام التي تخاطب النفوس، ولهذا هذا من ركن الشريعة ومقامها.

ولهذا العمل إذا خلا منه لم يكن عملا صالحا، إذا خلا من عمل القلب فعمل الجوارح المحض ليس عملاً صالحا، إذا لم لا يسمى فعله عبادة، أليس كذلك؟

يُصاحبه تصديق ولا عمل في القلب لم يكن هذا من الأعمال الصالحة، ولذلك الذي يفعل الفعل العبادي على وجه عادي

فالذي يبحث عن مفقود له أو عن صاحب له بين الطائفين، وهو لا يريد بذلك الطواف بالبيت، وإنما يريد أن يجد صاحبه، لا يسمى فعله هذا ماذا ؟ طوافا ولا يسقط به ركن في حج أو عمرة.

-وكذلك الذي يفعله لغير وجه الله؛ فأنت تعلم أن المنافقين يصلون، ولكن صلاتهم هذه ليست عبادة ، مع أنها في ظاهرها يأتون بظاهر الصلاة مع الرسول - عليه الصلاة والسلام- والمسلمين، لكن الله - سبحانه - سماهم منافقين، لأنهم ظاهر لا باطن لهم في الإيمان، وإنما باطنهم الضلال وعدم الإيمان بالله - سبحانه وتعالى.

-فالمقصود أن هذا علم منيف شريف، وقد اعتنى به جملة من علماء المسلمين، ولكن كما نعلم أن علم الفقه مثلا فيه محققون، وفيه مقلدون، فكذلك هذا العلم فيه محققون، وفيه مقلدون، وفيه متوهمون .

كبعض من خاض في هذا العلم بطرق مبتدعة أو متكلفة،


ويُقابلهم في ذلك من أراد، - وهذا هو الذي يخاف على بعض القاصدين للسنة، ويحسن أن يتقوه

- فإن بعض القاصدين للسنة والاتباع يريد أن يُغلق بعض الطرق كطرق التصوف مثلا أو ما هو منها فيقع في مادة من الجفاء في فقه العبادة لجهله وقلة علمه وفقه بفقه العبودية ،

فيتوهم أن مثل هذه المعاني هي من معاني التصوف وهي ليست كذلك.

-وتأمل في سياق الدلالات، إذا كان الآن في باب الأمر والنهي نأخذ من الأمر والنهي في تشريع الأحكام بحسب دلالات الخطاب التي رتبت في علم أصول الفقه المعرفة أحكام الشريعة، هنالك دلالة النص، وهناك دلالة الظاهر، وما دون ذلك، ، والمنطوق، والمفهوم، ومفهوم الموافقة، والمخالفة إلى آخره من أنواع الدلالات، أو العام، أو الخاص، أو المطلق، والمقيد إلى آخره.

كذلك في الفقه العبادي المعني هنا بهذه الرسالة دلالات الأسماء والأفعال التي ذكرت في القرآن، مثل:

الخاشعين؛ كلمة الخاشعين التي جاءت اسم فاعل، أو يأتي بصيغة الفعل مثل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لذكر الله )(الحديد : ۱۷] ما قال هنا أن تستجيب، أو أعطاهم الأمر الذي يقع في الأمر التشريعي المحض،

هنا جاء الفعل فعلا قلبيا له فقهه، وله معناه الخاص( الم يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ) [الحديد: ١٧ ] لم يقل : أن يسمعوا وإنما قال: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهُ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) [الحديد: ١٧].

هنا الخشوع، الإخبات، ما معنى الإخبات؟ وما الفرق بين الإخبات وبين الخشوع ؟

الحمد الحامدون، ما معنى الحمد؟ مقام الحامدين ما هو ؟

لأن هذه ذكرها الله مقامات حتى للرسل( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتا ﴾ [النحل : ۱۲۰]؛ ما معنى مقام القنوت الله ؟

وكما تتفقه وتتدبر القرآن في معرفة أحكام الأمر والنهي ، يجب من باب أولى أن نتدبر القرآن في فهم مقامات العبودية، ماهو المعنى الذي ذكره ؟ أو ما فقه هذه الآية؟

إذا كنت تقف عند قوله - جل ذكره - : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]لنفقه منها حكم الفطر في السفر وحال المريض وأنه يقضي إلى غير ذلك، وهذا من علم القرآن وشريعة الإسلام، فالعلم فيه ركن من أركان الإسلام.

لكن كذلك الآيات التي فيها مقام العبودية لله لها فقه، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِنَا لله حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (۱۲۰) شَاكِرًا لأنعمه ﴾ [النحل : ۱۲۰ - ۱۲۱]

ما هو مقام القنوت الذي وصف به إبراهيم؟ وما هو مقام الشكر الذي وصف به إبراهيم ؟

في ذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام - (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) [مريم: ٥٤] ، مقام صادق الوعد .

(وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: (۷۳)، وفي مثل قول الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)[الأنبياء: ٩٠).

آيات فقه العبودية مع الأسف هنالك تقصير كثير في فقهها، وهذا من الجهل الذي مر في القرون المتأخرة حتى استطار، ولما كان كذلك أصبحت المراجعة فيه صعبة، وقد يفوت إقناعها حتى على بعض من له مقام في العلم.

ولهذا إذا أقبل الطالب على طلب العلم أول ما يتبادر إليه في طلب العلم أن يعرف الأحكام الحلال، وأن هذه المسألة فيها خلاف بين أبي حنيفة ومالك، وهذا البيع صحيح في مذهب أحمد باطل في مذهب الشافعي، وأن بيع العربون من مفردات المذهب، وهذا لاشك أنه من علم الشريعة.

لكن تجد أنه في جانب علم العبودية وفقهها ما هو من العلم الذي يتبصر فيه، وإذا أقبل الإنسان فيه على مقام أقبل على مقام العدد. ما معنى أقبل على مقام العدد ؟

أقبل على مقام العدد بأنه يحافظ على عدد من الركعات، وعدد من الصيام النوافل؛ فيجد أن نفسه قد حققت هذا المقام؛ لأنه لا يكتفي بصوم رمضان، وإنما يصوم من النافلة ما يصوم كثلاثة أيام من كل شهر، أو الإثنين، أو ما إلى ذلك، مما ورد فيه فضل إما مجمع عليه، أو على رأي طائفة كأيام البيض وتخصيصها إلى غير ذلك، أو يحافظ على سنن من الصلاة أو قدر من ذلك.

لاشك أن هذه عبودية الله، لكن هل تحديد مقام العبودية بها وحدها أو هذا المقام له علم وله فقه ؟

-فكما تقبل على مقام العدد، فيجب أن تقبل على مقام العلم، وعلى مقام الخشوع، وعلى مقام الإخبات الله، وعلى مقام الاستعانة بالله.

ولا سيما أن الاستعانة يتوهم أحيانًا أنها في الأمر الكوني ، وليست في الأمر العبادي؛ كقضاء الحاجات، وهذا ليس صحيحا بل الاستعانة بالله تكون في الأمر الكوني، وتكون في الأمر العبادي، فإن الذي هداك للصلاة وفعلها وللصيام وفعله هو الذي رزقك، وهو الذي نجاك، وهو الذي حفظك إلى غير ذلك.

ولهذا قال الله في أعظم سورة في كتابه - ومهما نظر الناظرون والعلماء والفقهاء والبصراء والمكاشفون في فقه هذه السورة الشريفة؛ سورة الفاتحة، فإنهم لن يأتوا على تمام مقتضياتها، ودلالاتها، وإشاراتها الشريفة في العلم والعبودية وما إلى ذلك

- فأنت ترى أن الله يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: ٥] فهنالك اقتران بين مقام العبودية ومقام الاستعانة، هذا مقام الكثرة أو مقام العدد قد يفوت معهم،


بمعنى : بعض الناس يقبل على مسألة العدد، ولكنه لا يشهد مقام الاستعانة، ويكون عبد من عباد الله دونه في العدد،

ولكنه أعظم مقام عند الله - سبحانه وتعالى-، لم؟ لأنه على مقام من تحقيق الاستعانة بالله - سبحانه وتعالى.

-ولهذا كما تعلم في الشريعة أن العمل مقصود ، فعند علماء السنة العمل ركن في الإيمان؛ لأنه أصلا لا يوجد عمل مجرد ويكون إيمانا، فالعمل إذا تجرد لم يمكن أن يكون إيمانًا.

-ولهذا قول المرجئة خطأ في العقل والنقل، لما يقولون الإيمان هو التصديق، ثم يقولون: والعمل ليس من الإيمان، هذا خطأ في العقل مخالف لدليل العقل قبل أن يكون مخالفًا لدليل الشرع، فهذا مخالف للعقل والنقل؛ لأنه لا يوجد في نفس الأمر عمل مجرد ومعية مجردة مستقلة تسمى شريعة وعبادة يقبلها الله - سبحانه وتعالى.

-والشاهد: أن هذا العلم علم كثير وبالغ ودقيق، وقد خاض فيه خلق من الباحثين والبصراء والمكاشفين وكلهم من علماء الإسلام، يرومون تحقيق هذا المقام لكن فاتهم، أو فات طائفة منهم قدرًا من تحقيقه،


وهذا الفوات من أخص أسبابه عدم العلم بالسنة، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وعدم العلم بفقه القرآن في هذا المقام، هذا يعرض وهذا يعرض،


الأول يعرض لبعض المتصوفة، والثاني يعرض لبعض المنتسبين للسنة ممن لم يفقه هذا المقام على وجهه ولا سيما إذا كان قليل المادة العلمية في فقه هذا الباب ومحاذرًا للبدعة، فربما صارت محاذرته هذه تباعده عن موارد من المعاني الصحيحة توهما أنها قد تقوده إلى وجه من التصوف.

فالتصوف منهج ضل فيه من ضل، وزل فيه من زل، وأخطأ فيه من أخطأ، ونسب لبعض العباد والصالحين وهم منهم براء لم ينتسبوا إليه، وقال به بعض الصالحين والعباد وتسموا به، فيكون هذا القدر مراجعا في شأنهم.

وإن كان الغالب على حالهم أنها حال صحيحة، وعبادة مستقيمة، وهؤلاء من يسميهم المصنف أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - (صوفية أهل الحديث)، أو يسميهم في بعض المقامات (مقتصدة الصوفية)، أو (فضلاء الصوفية).

فيهم من زاد عن ذلك، وفيهم من غلا وضل ضلالاً مبيناً كغلاة الصوفية أهل وحدة الوجود ونحوها كصاحب الفصوص، والعفيف التلمساني، وابن الفارض، وابن سبعين وأمثال هؤلاء، فهؤلاء غلاة معرفون، وتصوفهم فلسفة ليس تعبدا مجتهدا في تحصيله بالطرق الشرعية ، والطرق النفسية البسيطة، وإنما هي طرق نفسية مركبة ومبنية على فلسفة.

فوحدة الوجود نظرية فلسفية قديمة، وتكلم عنها كثير من الفلاسفة المعارضين لها؛ كأرسطو طاليس من الفلاسفة العقليين المناوئين لهذه الفلسفة، لما صار بعض أهل الأقاليم في غير اليونان يقولون بهذه الفلسفة، وصار السائد إذ ذاك في اليونان هي الفلسفة العقلية، ولاسيما لما تيممت بأرسطو طاليس صاحب التعاليم المعروفة.

وكان قبله جانب من الروحانيات والميل إليها في الفلسفة التي كان عليها أفلاطون من قبله، ولم تكن الفلسفة عند أفلاطون بمثل المعنى التي تقول فلسفة وحدة الوجود ، التي لم تكن من صنع اليونان أصلا، وإنما من صنع أقاليم بعيدة عن بلادهم، ولكن كان فلاسفتهم وبالذات من هم من أهل الأقيسة العقلية كأرسطو لهم رد معروف عليها.

والمقصود هنا؛ أن علم العبادة علم له قواعد، وبعض العلماء الفضلاء - رحمهم الله - عنوا بهذا العلم، ومن أخص من عني به المصنف - رحمه الله - أعني شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو من المحققين في ترتيب هذا العلم، وله فيه جملة رسائل منها

هذه الرسالة ( رسالة العبودية )، ومنها رسالة في مجموع فتاواه موجودة تسمى ( التحفة العراقية ) وله رسائل أخرى، وهو من أخص المحققين لفقه هذا العلم، ولغيره من العلماء من قبله ومن بعده لاشك.

ولابن القيم رحمه الله - كذلك عرض أوسع في هذا العلم، وإن كان فقهه له ليس بدرجة فقه شيخ الإسلام له.

وهذا كما قلت؛ كما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام الفقهية يتفاضلون في هذا العلم كذلك، وليس التفاضل - بعض الناس من سذاجته يظن أن التفاضل في التطبيق، وأنه علم بدهي،

وإنما التفاضل - في الإقبال عليه أو عدم الإقبال عليه، هذا جهل فهو علم بالله سبحانه وتعالى، وكيف أن العلم يُورث الخشية لله

كما قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ العلماء) [فاطر: ۲۸]

وكيف ترى نور الشريعة كما قال النبي: الصلاة نور»، وكيف ترى البرهان في الصدقة ؟ كيف تكون الصدقة برهانا ؟

ولذلك حفظتها الشريعة عن مقامات الرياء، وجعلت الأصل فيها الإخفاء؛ ولأن حاجة البشر تقتضي أو مصلحة الفقراء أو أوجه الخير قد تقتضي إظهارا، فالشريعة من كمالها ما جعلت المعيار للنفاق هو الإظهار.

فأنت ترى أن الصلاة وهي أخص العبادات بعد التوحيد تُصلى فروضها ظاهرة، ويجتمع الناس عليها في المساجد، يرى بعضهم صلاة بعض، والجماعة مشروعة بإجماع العلماء وإن اختلفوا في حكمها التكليفي من حيث الدرجة، فهذه المقامات واسعة في العبودية وفي الحقائق الإلهية،

وكيف شرع النسك كما قال الله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهُ ) [الحج: ٣٤] فكيف يتحقق هذا المقام في المناسك التي هي شعائر الله ؟

ولذلك حتى فيما يفعلونه ويأكلونه في سياق نسكهم، وهو المهدي هم إنما يفعلونه تقوى الله قبل أن يكون طعاما لهم، ولذلك أمر الله بإطعام الجائع القانع والمعتر، وقد قال سبحانه:( لَن يَنَالَ الله لحومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى منكم )[الحج: ۳۷] فهذه مقامات الإخلاص ومقامات العبودية مقامات شريفة.

وقد خاض فيها من سلف الإشارة إليهم من أنواع العلماء، وإن كان بعض الخائضين قد يعرض له شيء من المخالفة، لكن إذا عرض له شيء من المخالفة لا يلزم أن تكون جميع حاله مخالفة؛ كالحارث بن أسد المحاسبي - رحمه الله، فهو من أهل العلم بهذا الفقه، وإن كان له كلام يترك، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ينتقي من كلامه وأحواله شيئًا،

ولكنه يستحسن له بعض الأحوال، وهذا من علم الإمام أحمد وإنصافه وورعه وفقهه، وإن كان الحارث بن أسد له كلام في موارد الإلهيات والصفات تابع فيه طريقة ابن كلاب، هذا مقام مختلف أي لا يوافق عليه لكنه في مادة أو في باب آخر.

وكالجنيد بن محمد مثلا، ومن المتأخرين كأبي حامد الغزالي، فإن أبا حامد ممن عني بهذا العلم حتى أقبل عليه كثيرا، وإن كان - أعني أبا حامد - قد اضطربت حاله فيه، وقد أشار إلى اضطراب حاله - رحمه الله - في كتابه الذي سماه (المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال) وهي رسالة معروفة لأبي حامد، ذكر فيها أحواله التي مر بها.

ولما كان لم يجد في طريقة المتكلمين التي نشأ فيها ما هو من الموصل للحقائق العبادية، والحقائق هذا العلم الشريف الذي نشير إليه؛ لأن علم الكلام علم محدث، انصرف إلى ما سماء بهذه الطريقة ، وإن كان تصوّفه ليس طارئا عليه ، لكنه تقلب في أوجه التصوف كثيرا، فصار مرة يقول من كلام الصوفية ما يوافق مقتصديهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق متوسطيهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق كلام من شذ منهم.

ولذلك صار في كتبه مقامات ودرجات، وبعض رسائل أبي حامد بالغة الخطأ، كبعض الرسائل التي كتبها في التصوف كمشكاة الأنوار، وجواهر القرآن فهذه فيها تصوف بعيد عن أثر السنة.

وفي كلام أبي حامد ولاسيما في كتابه ( إحياء علوم الدين )كلام حسن مقتصد في السلوك، وإن كان فيه أغلاط، ولكن الغالب على هذا الكتاب أن المادة فيه مادة مناسبة، أكثره مادة مناسبة لكن فيه أغلاط بل أغلاط شديدة،

ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لما سئل عن كتاب ( إحياء علوم الدين ) ،

قال ابن تيمية: "أما الإحياء فغاليه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة مادة من تزهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة، ومادة فلسفية".

هذه ثلاث مواد خالطت كتاب الإحياء لأبي حامد، فله فيه مقامات حسنة، وفيه مقامات لا يتابع عليها بل غلط فيها غلطا بينا.

أما الأحاديث الموضوعة فلأنه لم يكن مقبلا إقبالا واسعا على دراسة علم الحديث ولا سبها من جهة الرواية، وقد ذكر هو هذا عن نفسه في بعض كلامه،

وإن كان هذا لا يعني جهل أبي حامد بالسنة، لكنه ليس من المقبلين على علم الرواية كالحفاظ الذين لهم عناية واسعة بعلم الرواية،

وإلا هو فقيه كبير من كبار الفقهاء ولاسيما في مذهب الإمام الشافعي، وأصولي متين ولاسيما في مذهب الشافعية وفي نظام علم الأصول ونظرياته، كتب فيه كتبا من أخصها كتاب(المستصفى)، وله علوم أخرى.

وكذلك مادة من تزهات الصوفية لأنه أتى على بعض كلام الصوفية المنحرف وعلى طائفة من أوهامهم فدرج عليها أبوحامد وتأول لها، وصحح لها مشارع، وهو بديع في صناعة المشارع للطرق التي يتكلم عنها.

وله مادة ثالثة كما يشير شيخ الإسلام ابن تيمية، قال:- ومادة فلسفية- مع أنك تعلم أن أبا حامد من أخص من رد على الفلسفة، وله في ذلك كتب ومن أخصها كتاب (التهافت)،

ولكن أبا حامد لما درس الفلسفة وأقبل عليها وقرأ كتب الحسين بن عبد الله بن سينا بالذات تأثر بفلسفة ابن سينا مع أنه يطعن عليه كثيرا، ويختلف معه كثيرا،

لكن لما كان ابن سينا إشراقيا في فلسفته، فيضيا في فلسفته، عرفانيا في فلسفته وهذه تناسب مزاج أبي حامد من حيث الطريقة، تأثر بفلسفة ابن سينا ولا سيما في كتابه المطول كتاب (الشفاء).

-ولهذا قيل بأن أبا حامد أمرضَه الشفاء أي كتاب (الشفاء) لابن سينا، ولكن لا يعني هذا أنه موافق لابن سينا، أو أنه قريب من مذهبه في التصوف أو في الفلسفة، هو ليس كذلك، وابن سينا مسافة بعيدة عن أبي حامد؛ أبو حامد له علم في الشريعة، وإجلال لها، وله مقامات في التحقيق معروفة وغير ذلك،

-أما ابن سينا فهو فيلسوف كما يُعرف بعيد عن هذا المناط وعن هذه الرتبة، وله ضلالات بالغة في مسائل العبادة والإلهيات كتبها في كتبه الفلسفية التي عرف طائفة منها،وفقد طائفة منها، ومنها كتاب (الإشارات) و (التنبيهات) وكتاب (التعليقات) وغيرها،

فليس هناك مقارنة بين الرجلين البتة، ولكن المقصود أن كتاب( إحياء علوم الدين) فيه مقامات حسنة، وفيه ضلالات أخطأ فيها أبو حامد، عفا الله عنا وعنه.

النتيجة من هذا:

أن هذا العلم خاض فيه خلق، ولكن من حسن ما يُوصى به من الرسائل العلمية هي رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - ولا سيما ( التحفة العراقية)، ورسالة (العبودية).

وابن القيم كذلك له بعض المقامات، وإن كانت درجة التحقيق عند شيخ الإسلام أبلغ.

أيضًا من العارفين في هذا المقام والفضلاء فيه الحافظ ابن رجب الحنبلي، وهو محقق بالغ التحقيق في مثل هذه المسائل.

ولا بن الجوزي كلام، ولكن ينتاب كلام ابن الجوزي ما ينتابه، ولأبي حامد كلام ولكن انتاب كلام أبي حامد ما ينتابه، ولكن حينما يقال : ينتابه، فمن كان على درجة من العلم والتحقيق استفاد من ذلك .

كما أنك تقول: كتاب (المحلي) لابن حزم في الفقه ينتابه ما ينتابه؛ لأنه سلك فيه المسلك الظاهري المعروف الذي خالف في قواعده الجماهير، ولكن في كتاب (المحلي) جملة واسعة من التحقيقات العلمية والإشارات في الاستدلال حتى ولو لم تأخذ القول كاملا فإنك تستفيد منه أوجها من طرق الاستدلال أو الآثار التي يُعنى ابن حزم بجمعها أو بتوجيهها أو ما إلى ذلك.

فهذا لا يغلق ولكن لا يحسن للمبتدئ أن يبتدئ بكلام أبي محمد بن حزم، فكذلك في السلوك لا يحسن بالمبتدئ أن يبتدئ بكلام قد دخله ما دخله، لكن إذا صار الإنسان على مقام من رفيع العلم، وفهم السنة، وقواعد الاتباع لمنهج وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام - أصاب من كلام هؤلاء العلماء الذين هم مقتصدون


- بخلاف الغلاة؛ فالغلاة شأنهم بعيد، ولا حاجة للنظر في كتبهم البتة غلاة الصوفية أو ما إلى ذلك؛ لأنهم لا يختصون بشيء من المعاني الحسنة، بل ما عندهم معنى حسن اختصوا به،

فالمعاني الحسنة قد ذكرت في كتب أهل العلم من قبلهم، وحققت على درجة أرفع يذكرونها، فضلا عما في كتبهم من الأخطاء المخالفة للإجماع، فهذا من التوسط لأخذ الأمور.

السليماني
01-03-2026, 11:28 AM
(51)

قال ابن تيميه رحمه الله
( وفي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعا بِهِ النبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما فَعَلَ بِهِ أَهْلُ الطَّائفِ مَا فَعَلُوا

(اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوتي وقلَةٌ حِيلتي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ أَنتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنتَ رَبِّي اللَّهُمَّ إِلَى مَنْ تَكِلْني إلى بَعِيدٍ يَتَجَهُمُنِي أَمْ إلى عدو ملكته أمري، إِنْ لَمْ يَكُن بِكَ غَضَبْ عَلَى فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنْ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الظُّلْمات وَصَلَح عَلَيْهِ أمرُ الدُّنيا وَالآخِرَةِ أَن يَنزِلَ بي سَخَطِكَ، أَوْ يَحِلُّ عَلَى غَضَبُكَ لَكَ الْعُتبى حَتَّى تَرْضَى فَلا حول ولا قوة إلا بك وفي بَعْضِ الرَّوَايَاتِ وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، )

وَكُلَّمَا قَوِيَ طَمَعُ الْعَبْدِ فِي فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَرَجَالِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَدَفْعِ ضَرُورَةِ فقوَيَتْ عُبُودِيته لَهُ وَحُرِّيتهُ مما سِوَاهُ، فَكَمَا أَنْ طَمَعَهُ فِي الْمَخْلُوقِ يُوجِبُ عُبُودِيَّتهُ لَهُ فَيَأْسُهُ مِنْهُ يُوجِبُ غنى قَلْبهِ عَنْهُ كَمَا قِيلَ : -اسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ وَأَفْضِلُ عَلَى مَنْ شِئْتَ تكُنْ أَمِيرَهُ، وَاخْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ -فَكَذَلِكَ طمَعُ الْعَبْدِ فِي رَبِّهِ وَرَجَاؤُهُ لَهُ يُوجِبُ عُبُودِيتهُ لَهُ.)

الشرح :

-ذكر المصنف - رحمه الله - هذا المعنى، وهو من شريف المعاني في طمع العبد وتعلقه بالله - سبحانه وتعالى-، وأن العبد كلما تعلق بالله - سبحانه وتعالى - وطمع قلبه في أمر الله وفي فضل الله، وفي عطاء الله - سبحانه وتعالى - بان وتحقق في قلب العبد فقره إلى ربه سبحانه وتعالى.

وهذا التعلق لا تزاحمه الأسباب بل هو واجب ومن مقامات العبادة، ومقامات الإيمان.

-والنفوس القاصرة في علمها وفقهها وعبوديتها لا تشهد هذا المقام مع قيام الأسباب، وإنما تُجمِله مع قيام الأسباب، وهذا من قلة العلم وقلة فقه العبادة،

فإن هذا المقام ينبغي أن يكون لازما للعابد في عبادته، وللعارف في معرفته، وللناسك في سيره إلى الله - سبحانه وتعالى .

-ووجود الأسباب لا يُقصِّره، وأما الذي لا يحركه مقام التعلق بالله، إلا ضعف الأسباب بين يديه، فهذه ليست حالا فاضلة، وإنما الحال الفاضلة والتي كان عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم يدعون الله رغبا ورهبا، ويدعونه في سائر أحوالهم.

ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم من الليل حتى قالت له عائشة - رضي الله عنه -: "تتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ " فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا».

فالنفوس القاصرة في علمها وفي فقهها ومعرفتها بحقيقة مقام العبودية، يقوى عندها هذا المقام في حال ضعف الأسباب، وإن كان تعلقها بالله في حال ضعف الأسباب هو تعلق ممدوح، لكن القصور هنا أو النقص فيه وفي المقام هنا، هو أنه إذا كانت الأسباب قائمة ضعف تعلقه بالله سبحانه وتعالى، فهذا الضعف الذي دخل عليه،

هذا من التوهم، ومن إعطاء الأسباب ما ليس من صفتها.

فعلى كل حال هذا معنى يعرض للنفوس وفيه تفاوت كثير، ولكن الجهل فيه كثير أيضًا.

وأنت ترى حال المشركين؛ أنهم إذا سقطت الأسباب عندهم،( دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) لأن الأسباب هنا تكون أسبابا ضعيفة أو ساقطة،

ولكنهم إذا نجوا (فَلَما نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) فما يقع لبعض نفوس المسلمين ليست هي الحال التي تكون للمشركين، ولكن تُنكر حال المشركين ليميز المقال.

والذي يقع من بعض المسلمين هو التقصير، فلا يشهد تحقيق هذا المقام مع قيام الأسباب؛ توهما منه أن السبب يكون مرجحا لمقام،

ومن عرف الله وما أوجبه الله من مقامات عبوديته، عرف أن هذا المقام وهو مقام الاستعانة بالله - جل وعلا والتعلق به -سبحانه وتعالى - لا تعطله الأسباب، ولا تنقصه الأسباب.

وإن كان هذا أي تأثر هذا المقام بالأسباب واستدعاءه إذا ضعف السبب - استدعاءه إذا ضعف السبب: هذا من حيث هو صحيح، لكن الذي ليس صحيحًا هو التقصير فيه إذا قام السبب،

وإلا استدعاءه إذا ضعف السبب هذا استدعاء صحيح، والأنبياء في حال الضر دعوا ربهم سبحانه وتعالى ولذلك قال الله عن عبده يونس عليه الصلاة والسلام (فَنَادَى فى الظلمات أن لا إله إلا أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ ﴾

-لكن ما الفرق بين حال يونس عليه الصلاة والسلام - وبين الحال التي ذم الله فيها ( فإذا ركبوا في الْفُلْكِ دَعوا الله مخلصين له الدين فلما نَجَاهُم إلى البر إذا هم يشركون)


أن أولئك مع قيام الأسباب معرضين عن هذا التعلق، وعن هذا الإخلاص بخلاف يونس عليه الصلاة والسلام فإنه في حال قيام الأسباب كان متعلقا بهذا المقام، وكان لازما له، ومحققا له

والدليل على أنه كان لازما له، ما هو ؟

الدليل على أنه كان لازما له: أن الله جل وعلا - قال في كتابه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) أليس قوله سبحانه - فيما ذكره عن عبده ورسوله يونس عليه الصلاة والسلام-: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أنت سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) هذا الذكر من التسبيح، أليس داخلا في عموم التسبيح؟

قوله: (لا إله إلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) هذا من مقام التسبيح، أليس كذلك؟

لكن هل هذا المقام عرض ليونس، وفعله في هذا المقام العارض ؟ أم كان حالا لازمة له؟

-كانت حالا لازمة له، و الدليل عليه (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) اسم فاعل، فهي حال قائمة، بخلاف أولئك المشركين وهم ليسوا كذلك،

بل كان المشركون إذا قامت الأسباب ونجاهم الله كانوا على نقيض ذلك، فإن نقيض الإخلاص هو الشِرك.

-المسلم الذي دون ذلك، دون مقام التحقيق لا يقع منه النقيض، ولكن يقع منه التقصير، وصارت المقامات ثلاث:

1 - مقام استعمال النقيض مع قيام الأسباب، وهذه أبطل المقامات وهي مقامات المشركين، والنقيض هنا يراد به الشرك (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ .

والتوحيد والإخلاص نقيضه الشرك، فهذه الحال من التناقض هي الحال الباطلة التي عليها المشركون.

2-والحال الأولى في الرتبة والشرف والتحقيق: هي حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - التي قال فيها رسول الله:( أفلا أكون عبداً شكورا )

وقال الله فيها عن عبده يونس عليه الصلاة والسلام: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) فكانت حالا لازمة له.

وأتى بهذه الحال في مقامه هذه بقوله : (لا إله إلا أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).

3-وبين هذين المقامين من المقام الفاضل الواجب، والمقام الباطل المتروك يقع لبعض المسلمين وهو مقام ليس هو بحال المشركين، لكن قد فاته طريقة المحققين من العابدين، وهم أنبياء الله - عليهم الصلاة والسلام-

وهذه الحال كثيرة في الناس : فانهم لا يتعلقون بحق الله - جل وعلا - وبدعائه وبالاستعانة وبالتسليم، فنجد أن مقام التسليم ومقام الدعاء ومقام الاستعانة ضعيف عنده، لما؟

لأنه جعل هذه المقام إنما يستدعى بحسب الأسباب؛ فكلما قويت الأسباب، توهم أنه لا يستدعي هذا المقام، أو كانت حاله كذلك.

-ويتوهم أن هذا التعلق إنما يكون في حال الضرورة فحسب، وصحيح أن حال الضرورة لها اختصاص، أليس كذلك؟ حال الضرورة لها اختصاص من التعلق، لكن هذا اختصاص من التعلق لا يعني النقص والتقصير في الحال الأخرى، لم ؟

لأنه في الحقيقة العبادية والحقيقة الكونية: الإنسان لا يزال في حالة ضرورة، ولا يزال في حالة فقر إلى الله.

-بمعنى : أن الاستغناء توهم، فإن حال الإنسان في كل أمره فقير إلى الله، كما قال الله - جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء ) فهذه حال لازمة للإنسان.

قد يقول قائل أو يجادل مجادل: أليس إذا كان في حال الفقر وفي حال الحاجة وفي حال الضرورة، يقول: وهل الإنسان تأتي عليه أحوال لا يكون في حال الحاجة ؟ أو في حال الضرورة؟

ولكن قد تكون بعض آثار الضرورة ومشاهدة بعض آثار الضرورة، توهم أن هذا هو الضرورة وما لم يكن كذلك ليس ضرورة، كالمرض مثلا، أو كالفقر مثلا في المال، فهذه آثار الضرورة.

لكن هل الإنسان الذي هو صحيح في جسده، غني في ماله، هل يستطيع أن يحفظ نفسه ؟

لا، ولذلك قال الله - تعالى -: ﴿ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ الإنسان ليس لديه ملكة الغنى، والغنى هو غنى شكلي إضافي،

وإلا الحال الفقر في حقه ، والخالق هو الغني ، والعبد هو الفقير .

الإنسان يمكن أن يكون غنيا عن غيره، وقد يكون فقيرًا يأخذ زكاة صاحبه أو قريبه، ثم يصيبه غنى ، وربما صار أغنى من ذاك الذي كان يعطيه زكاة، هذه في الأحوال البشرية والعلاقة البشرية.

لكن في حال العبد مع الله - جل وعلا - هو لا يتصور أصلا يعني الذي يقول : أليس في حال الضرورة يكون كذا وكذا؟ هذا تصور وهمي؛ لأنه ما في حالة إلا وهي حالة فقر، فلا يمر بالإنسان مع الله حالة يكون مستغنيا فيها عن الله.

فهو في كل أمره منذ ولادته إلى وفاته، هو فقير إلى الله، فالتوهم هذا توهم كاذب.

لكن إذا ظهرت الآثار فلا شك أن ظهور الآثار يستدعي مقاما من العبودية بحسب هذا المناسب؛ حتى لا يفهم الكلام فهما متضادا.

كما أن عدم ظهور الآثار، يستدعي مقاما من العبودية مناسبا، يعني كنتيجة أصبح التقصير في مقام التحقيق ليس واردا، ولكنه إذا ظهرت الآثار - آثار الضرورة صار يناسب هذه الآثار من مقام العبادة مناسب،

وإذا لم تظهر آثار الضرورة، صار يناسب هذا المقام من مقام العبادة مناسب، وهو الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله( أفلا أكون عبدًا شكورا»

فهذا المقام يناسب مقام عدم قيام الآثار.

ذاك المقام الذي ليونس - عليه الصلاة والسلام - هو المناسب لمقام الآثار.

ولهذا ما حفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام مرضه كانت عبادته أبلغ ، صحيح أنه في مرضه - عليه الصلاة السلام - رقاه جبريل، ورقته عائشة، والإنسان في مرضه يسأل ربه، كما قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )

ودعا الأنبياء ربهم بما عرض لهم من الأسباب، ربي( أني مسني الضر ) وزكريا إذ نادى ربه هذه أحوال من الدعاء صحيحة

لكن هل كان الأنبياء في الأحوال الأخرى يقع عندهم التقصير في هذا المتعلق من مقامات العبودية؟

كلا، وحاشاهم عن ذلك، وإنما هذا يقع للنفوس الجاهلة التي تجعل المقام الأول هو مقام الأسباب، وإن كانت كثير من هذه النفوس أكثرها لا تسمي ذلك مقاماً، وإنما هي أحوال .

ففي حقيقة العبادة ومقامها الشريف، يكون العابد على درجة من التعلق بالله - جل وعلا - بحسب المقامات، فإن لكل مقام ما يناسبه.

ولهذا صارت مقامات العارفين والعابدين متنوعة، كما ذكر الله - جل وعلا - تنوعها في القرآن في مواضع من كتابه.

فما سميت مقاماتهم مقام واحد، بل كل مقام يدل على صفة، وعلى معنى، ومن المقامات المسماة في القرآن ما جاء في قوله -سبحانه وتعالى : (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ حُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

وبقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانتا اللَّهُ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وفي مثل قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ)


وفي مثل قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ﴾ إلى آخره، فهذه المقامات.

-أما من جعل معياره الأسباب، وبقدر قوة الأسباب تضعف مقامات العبودية والاستعانة، والتعلق بالله بأوجه مقامات العبادة، وإذا ضعفت الأسباب استدعى مقامات العبودية، ويظن أنه على حالي من الكمال، فهذه حال ناقصة ظاهرة النقص، وليست هي حال الأنبياء.

وإن كانت الحال الباطلة هي حال المشركين الذين إذا سقطت الأسباب أو نقصت استدعوا مقام الإخلاص، ولكن إذا استقامت الأسباب ولو ظاهرا لهم، وقعوا في نقيض ذلك؛

( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعوا الله مخلصينَ لَهُ الدِّين) فصار المحرك للدين هو الأسباب (فلما نجاهم إلى البر) فظهر لهم استقامة السبب، (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ فهذه حال المشركين.

ولكن يعرض لبعض المسلمين ما ليس من حال المشركين، ولكنها من حال التقصير

-وهذا التقصير من أخص أسبابه: الجهل بمقامات العبودية، وحقيقة العبادة الله - سبحانه وتعالى- ولهذا يعرض ما هو من هذا المقام لبعض من له علم في الأمة.

من له علم: يعني أن العلم المجرد ليس هو علم الاستجابة،

علم الاستجابة: العلم الذي يوجب العمل.

-هو الإشكال في هذه المسائل: أن الناس صاروا يتعلمون الفقه ، وقصروا الفقه في الدين على فقه الأحكام، وما كان هكذا الأمر في كتاب الله لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نزال نقرأه إلى هذا اليوم بحمد الله، لا ترى أن هذا هو الفقه في كتاب الله ولا كان الفقه في هدي رسول الله، ولا كان الفقه في هدي الصحابة.

صحيح أنه مقام من الفقه، هو من أخص مقامات الفقه، لكن الفقه مقامات، وكما تفقه الأحكام، فيُعرف الحلال والحرام، وهذا من علم الشريعة والديانة المحفوظ المعروف.

-كذلك فقه تحقيق العبودية لله - سبحانه وتعالى - هذا لا بد أيضًا للمسلم ولطالب العلم خاصة أن يكون على معرفة ونقله فيه، ويتوهم بالغ التوهم من يظن أن هذه المسائل مسائل ظاهرة، أو مسائل مدركة، والحق أنها ليست كذلك، هي ظاهرة باعتبار أدلتها، وهذا الوصف تقوله في جميع الدين: أن الدين باعتبار دليله ظاهر.


لكن باعتبار التحقيق ومعرفة المناطات المؤثرة والمفصحة في أحوال العابدين والسالكين إلى الله - سبحانه وتعالى - هذا مقام يقع فيه تقصير ويقع فيه جهل ويقع فيه اضطراب من جنس التقصير والجهل والاضطراب في فهم الآراء الفقهية في مسائل فروع الشريعة.

وكما أنه في فقه الشريعة هنالك العلماء المحققون في مسائل الفقه، ففي هذا المقام من فقه العبودية كذلك.

السليماني
01-10-2026, 02:14 PM
(52)

قال الإمام ابن تيميه رحمه الله :

(فَكَذَلِكَ طَمَعُ الْعَبْدِ فِي رَبِّهِ وَرَجَاؤُهُ لَهُ يُوجِبُ عُبُودِيَّتَهُ لَهُ وَإِعْرَاضَ قَلْبِهِ عَنْ الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَالرَّجَاءِ لَهُ يُوجِبُ انْصِرَافَ قَلْبِهِ عَنْ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ فَلَا سِيمَا مَنْ كَانَ يَرْجُو المَخْلُوقَ وَلَا يَرْجُو الْخَالِقَ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ قَلْبُهُ مُعْتَمِداً إِمَّا عَلَى رِئَاسَتِهِ وَجُنُودِهِ وَأَتْبَاعِهِ ومماليكه؛ وَإِمَّا عَلَى أَهْلِهِ وَأَصْدِقَائِهِ؛ وَإِمَّا عَلَى أَمْوَالِهِ وَذَخَائِرِهِ، وَإِمَّا عَلَى سَادَاتِهِ وَكُبَرَائه، كَمَالِكِهِ وَمَلِكِهِ وَشَيْخِهِ ومخدومه وَغَيْرِهِمْ.


الشرح :
هذه كلها داخلة في اسم الأسباب؛ وهي الأسباب المنفصلة ومهما اجتمعت الأسباب فإنها لا ترفع الصفة التي خلق الإنسان عليها من فقره إلى ربه، ولذلك لما أفصح قارون بأثر السبب، وأن السبب عنده رفع الصفة التي خلق الخلق عليها من الفقر إلى الله،

وقال: «إنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) [ سورة القصص : 78)، فرفع صفة الفقر عنه، لم يخسف الله به الأنه ذو مال ، - فقد يكون ذو المال من أخص المؤمنين، وقد أتى الله عبده ورسوله ونبيه داود المال، وصار ملكا، (وَلَقَدْ أَتينا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) [سبأ: 10]

وفي سادات المؤمنين وكبار الصحابة من هم من الأغنياء، فما خسف بقارون لأنه ذو مال،
[/align]
-وقد يكون العبد كافرًا فاجرا مكذبا بدين المرسلين وهو من أقل الناس مالا ، وأدناهم فقرا، فقارون ما خُسف به لأنه ذو مال - وإنما خُسف به لأنه جعل السبب رافعا للصفة، فلما جعل السبب رافعا للصفة وهي صفة الفقر - فتكبر على الله وعلى دين الله - سبحانه وتعالى -

وفقر العبد إلى الله في التكوين وفي التشريع (أَنتُمُ الْفُقَرَاهُ إِلَى اللَّه) [فاطر: 15]

ولهذا الإنسان لا يستطيع أن يضع شرعًا له، وإذا كان هذا بديها في عبادته مع ربه، فهو حتى في معاملته مع غيره من بني آدم، فما يقدر من تشريع هنا إلا ويقع فيه من النقص والمخاطرة والقصور إلى غير ذلك.

ولذلك قال الله - جل وعلا-: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (78)) [سورة القصص: 78] وكان جزاءه عند الله -جل وعلا : ما ذكره الله بقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) [القصص: (81]

وصفة العذاب التي أصابته هي مبينة لبطلان اختصاص السبب بمعنى أنه لم يأته السبب من عدو.

ربما يقال: أنه لما قال هذا القول ما استصحب في عقله بعض الأبعاد، المنازع للسبب.

فما قدر الله أن هلاكه يكون بعدو يجتاح أمره، وإنما بمحض أمر الله المقطوع عن السبب، من جهة فعل فاعل، يسلطه الله عليه.

:1:
وإنما قال الله: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) [القصص: 81]


كل من رفع الصفة، وأوجب السبب، وجاءه عذاب من الله سبحانه وتعالى - أي قدر الله أن يعذبه،


وقد يرفع الصفة، ويجعل السبب موجبا، ويملي له الله - سبحانه وتعالى فإن ربنا جل وعلا - حكيم عليم، عذب قوما وأملى الآخرين.

وقال سبحانه : (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثمآ ﴾ [آل عمران: 178] ولكن من ذكر الله عذابه كقارون أو كفرعون، هم رفعوا صفة السبب في حق الله - سبحانه وتعالى - عليهم، وتركهم الإيمان بالله، والإخلاص له سبحانه وتعالى والإقرار بحقه في التدبير والملك والتأثير،


ورفع هذه الصفة التي تنازع مقام التوحيد في أصله، وترفع مقام التوحيد عند من استحكم عنده ، رفع هذه الصفة

كما كان من أمر قارون وفرعون الذي أغرقه الله هو وجنوده.

قال الشيخ رحمه الله

(وَإِمَّا عَلَى سَادَاتِهِ وَكُبرائه كمالكه وَمَلكِهِ، وَشَيْخِهِ ومخدومه وَغَيْرِهِمْ مِنْ هُوَ قَدْ مَاتَ أَوْ يَمُوتُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 58]


، وَكُلُّ مَنْ عَلَّقَ قَلْبُهُ بِالْخُلُوقَاتِ أَنْ يَنصُرُوهُ أَوْ يَرْزُقُوهُ أَوْ أَنْ يَهْدُوهُ خَضَعَ قَلْبُه لهم، وصار فيهم من العبودية بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرا لهم مديرا هم متصرفا بهم، بل العاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر،

فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له؛ يبقى قلبه أسيرا لها، تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنها زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها، وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها،


فإن حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب -

الذي هو ملك الجسم - رقيقاً، مستعبداً، متيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب، و وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.)

الشرح :

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله - وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه، أو أن يرزقوه ... إلخ،


ثم تكلم المصنف -رحمه الله - عن التعلق بالمخلوقين، وذكر التعلق من قبل الرجل بالمرأة ونحو ذلك، وهذا التعلق كما تعلم على نوعين:

هنالك تعلق فطري، وتعلق طبيعي، وتعلق مباح، بل قد يكون تعلقا مشروعا كتعلق الولد بوالده محبة وبرا، ونحو ذلك، فمثل هذه الأوجه من التعلقات هي تعلقات عادية، وتعلقات فطرية، وتعلقات مباحة، قد تكون من التعلق المشروع، لكن هذا يجب أن يكون بالقدر الذي تقتضيه الفطرة، وتقتضيه العادة الصحيحة، وتقتضيه الشريعة.

فإذا كان الاتصال أو التعلق أو المصاحبة على هذه الرتب من جهة حال الفطرة، ومن جهة حال العادة الصحيحة، ومن جهة موافقة الشريعة؛ فهذا هو التعلق والمحبة الصحيحة.

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام - محبا لزوجاته، ولأصحابه، ولأمته، ولبناته، ولآل بيته، وهكذا في سائر المؤمنين، بل هذا أمر مطرد في عموم الناس أجمعين.

وأما إذا زاد هذا التعلق، وصار فاحشا خارجا عن نظام الفطرة، وقانون العادة الصحيحة، وترتيب الشريعة القيمة؛


فهذه الأحوال إذا حصل فيها الخلل إما في درجتة أو رتبة الفطرة، أو رتبة العادة، أو في رتبة الشريعة؛ صار مما ينافي مقام العبودية.

لأنه إما أن يكون إفراطاً مشغلا عن حق الله سبحانه وتعالى، ومزاحها لما أوجب الله سبحانه وتعالى - من حقه.

وإما أن يكون تفريطاً فيكون منافيا لما شرع الله سبحانه وتعالى - من الحقوق الواجبة أو المشروعة بين الناس، ولا سيما بين درجاتهم التي لها اختصاص إما في قرابة أو دين كقوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، ونحو ذلك من الأوجه.

إذا ليس كل تعلق يكون مذموما، واسم التعلق : اسم ورتبة مشتركة بين التعلق الممدوح والتعلق المذموم.

وأما أن يتوهم أن من تحقيق العبودية قطع العلائق مع الناس أجمعين الذي تكون نتيجته وحقيقته التفريط فيها أوجب الله من صلة الأرحام، ورعاية الحقوق، وحفظ الأولاد، وبر الوالدين، والإحسان إلى الناس ونحو ذلك،

فهذا الانقطاع فيه تكلف، وليس هو من العبادة، بل هو مما ينافي مقام العبادة.

فإن الله جل وعلا الذي شرع لنا أن نخلص الدين له، وقال في كتابه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ) [ البيئة: 5]


، هو الذي شرع لنا أن نصل الأرحام، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللهُ ﴾ [محمد : 22-23)


، فجعل أهل القطيعة لصلة الرحم من الذين غضب الله عليهم ولعنهم، ولذلك قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، كما أن صلة الرحم من الواجبات وأعظم القربات،


ومثله في الوالدين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]، فالرب حقه العبادة، والمخلوق حقه الإحسان، وأخص المخلوقين في حق الإحسان هم الوالد والولد من جهة الوالد، الوالد من جهة ما يكون له.

أما الأنبياء عليه الصلاة والسلام؛ فحقهم أعظم من حق الوالدين، ومن حق الولد، وهو إيمان المكلف بهم، ومحبتهم، ونصرتهم، وتوفيرهم إلى غير ذلك من حقوق الرسل والأنبياء التي هي أعظم الحقوق بعد حق الله سبحانه وتعالى.

المقصود أن هذه الآية قال الله فيها : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: 23]،


فاسم التعلق، أو رتبة التعلق هي رتبة مشتركة، ولكن صار في كثير من كلام العارفين يقصدون بالتعلق الذي هو الإطباق، وإذا كان التعلق على معنى الإطباق والانصراف؛ فلا شك أن هذا يكون منافيا للشريعة،


ومن هنا أشار المصنف إلى المثل في مسألة أنه يكون أسيرًا وما إلى ذلك، وإنما يقال إنما صار أسيرًا في قلبه إذا استتمت هذا التعلق بغير الله سبحانه وتعالى.

ولهذا لم يكن هذا من الحكمة العقلية، ولا من الشريعة، ولا من مقتضى الفطرة الصحيحة، وإنما تكون الذي شرعه الله على الدرجة المعتدلة.

السليماني
02-10-2026, 08:01 AM
(53)

قال الشيخ رحمه الله

( وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر، أو استرقه فاجر بغير حق، لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله، وحق مواليه فله أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر، فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يضره ذلك.)

الشرح :

هذا جاء في الصحيحين أن له أجرين، في حديث أبي موسى: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين»، وذكر منهم: «عبد مملوك أدى حق الله عليه، وحق سيده؛ فله أجران.

قال الشيخ رحمه الله

((ولو أكره على التكلم بالكفر، فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يضره ذلك . لقول الله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهُ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنَّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ وأما من استعبد قلبه فصار عبدا لغير الله، فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس.))

الشرح :

لم يرد المصنف رحمه الله - أن يغلق هذه الصلة بين المخلوقين، لأنها أنواع، كما سبق، منها المشروعات ومنها الواجبات بقدرها الشرعي المعتدل، وإنما أراد - رحمه الله - أن ينبه إلى أن القلب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)) وأن القلب - يجب أن يصان عما يزاحم مقام الفراغ والتعلق

أي : فراغ القلب بألا يكون القلب مشغولا، فتطبق عليه محبة الدنيا، أو محبة الولد، أو محبة الوالد، أو محبة العمل، أو محبة أي محبة من المحبات على هذا الإطباق الذي ينسيه ما ينسيه من حق الله وذكره.


ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام على ما هو عليه من مقام الصلة في قرابته، ومع أزواجه وبناته، وآل بيته وأصحابه، وأمته، ومع من يأتيه، وكان رحيما رفقا رفيقا كما جاء في حديث مالك بن الحويرث وغيره، ولكنه مع ذلك كان قلبه عامرا بذكر الله سبحانه وتعالى.

وكذلك إبراهيم مع نظر نفسه إلى أبيه حتى إنه يسأل ربه نجاة أبيه، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في (صحيحه) في قول النبي صلى الله عليه وسلم: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، فيقول إبراهيم يا رب ألم تعدنى ألا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخرى من أبي الأبعد وهناك آزر يأتي إلى ابنه إبراهيم، وإلى خليل الله إبراهيم، فيقول اليوم لا أعصيك)، أي إنه يتبع، ولكن قد فات الأمر، فيقول إبراهيم: « يا رب ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون، وأي خري أخرى من أبي الأبعد»،

فيقال انظر إلى ما بين يديك، فيقلب الله صورته ذيخًا، ولا يكون على صورة الآدمي.

الشاهد أن هذه النفس من بر إبراهيم، من صدقه، ومن إخلاصه في شأن أبيه، وهذا صدق يناسب الإنسان ليكون صادقاً معه، كقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: ١١٩]،

أي من الصادقين مع الله، ومن الصادقين مع الخلق، فالصدق يضاف إليه مقام الخالق عبادة، وهو معاملة بين الناس، فيقال صدق وكذب.

الشاهد هنا أن أولئك الرسل والأنبياء هم على هذه الدرجة من فاضل الصلة والعلاقة، وكذلك نبينا مع عمه أبي طالب أنه كان مشركا، لكن نفس الرسول عليه الصلاة والسلام، وما هو عليه من الرحمة حرص على دعوته كثيرا، ودعا ربه أن يهديه، وقال الله سبحانه وتعالى - له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) .

فإن الغنى غنى النفس، وهذا جاء في هذا الحديث، وهو حديث متفق على صحته في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس،))

وكذلك الفقر، وكذلك المحبة، وكذلك الحرية إلى غير ذلك من الأسماء.

السليماني
02-15-2026, 06:52 PM
(54)

قال رحمه الله تعالى:

( و هذا -لعمر الله - إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة - امرأة أو صبيا - فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب وهؤلاء من أعظم الناس عذابا، وأقلهم ثوابا، فإن العاشق الصورة إذا بقي قلبه متعلقا بها مستعبدا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد )

الشرح :

قد يقول قائل: ما صلة هذا بمقام العبودية ؟

المصنف هنا يشير إلى بعض المناهج الغالية في مسائل السلوك، لأن بعض أصحاب الفلسفات العرفانية جعلوا هذا طريقاً للتصورات الصحيحة، ولتحقيق الصفاء، ولتحقيق العرفان، وهذا يقرره بعض من لهم مسالك في مسألة العرفان والتعبد على طرق فلسفية مبتدعة،


كما يقرر مثل هذه الطرق ليس بأعيان أمثلتها، وإنما بمنهجها الكلي، ليس بأعيان أمثلتها التي يضربها المصنف كعشق امرأة، أو صبي،

ليس كذلك حتى يكون القول فيه على درجة الإنصاف والأمانة العلمية، وإنها بالمنهج،


وهو ما يتعلق بالمنهج الذي سلكه بعض متفلسفة العرفانيين كالحسين بن عبد الله بن سينا، وأمثاله، ويقع ذلك في كلام بعض فلاسفة الصوفية، لكنه ليس مسلكا غالباً.

قال رحمه الله ( ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه ممن فعل ذنباً ثم يتوب

منه، ويزول أثره من قلبه وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين كما قيل:

سكران سكر هوى وسكر مدامة **** ومتى إفاقة من به سكران )

(سكران)؛ أي هما تثنية، سكران التثنية سكران، ليس سكران بمعنى الوصف.

مثل بيتان، ونوعان، ومقامان

(وقيل:

سكران سكر هوى وسكر مدامة .. ومتى إفاقة من به سكران

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في حين

ومن أعظم أسباب هذا البلاء: إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا الذ ولا أطيب )

الشرح :

لكن هذا مقام يجب فيه الموازنة كما سبق، لأنه ليس المقصود بالشريعة أن من أقبل على حق الله، وزهد في الدنيا وما والاها فإنه يقصر فيها وجب، وهذا يقع لبعض ..... هذا يقع الحال الأخرى كما أن المصنف أشار إلى التعلق وإلى ما يكون عليه من المقاصد، وهو التعلق الذي كما أشرنا إليه فحش عن الفطرة، أي زاد عن الفطرة، أو زاد عن العادة الصحيحة، أو زاد عن ترتيب الشريعة،

فيقال ذلك من علا في تصفية حقه مع الله سبحانه وتعالى - على مقام من الجهل، فقصر فيها شرع الله من الصلة والعلاقة الصحيحة فيما بين الخلق،

فتجد أنه ذو جفاء لقرابته، وأنه قليل الصلة، وإذا وجدته وجدته مقبلاً في تعبده، وفي مسجده، وفي كثرة إقباله على الصيام، وعلى الصلاة، وعلى الذكر،

ولكن قد تجد أنه مع رحمه ذا قطيعة.

فهذه حال تقع لبعض الجهال، ويظنون أن هذا من باب الإعراض عن الناس، وأن الصلة بالناس يأتي عليها القيل والقال والكلام، وربما الغبية، فيتعللون بهذا الكلام، وينقطعون، فيكون في رحمه ذا قطيعة، وليس فاضل الصلة، ويكون ربهما مع بعض خاصته ذا جفاء،


ولربما صار له وجه من الجفاء حتى مع أهله، أو زوجه، أو ولده، أو ربما مع والده، أو والدته،

والجفاء أنواع، ليس الجفاء في سوء الكلمة، أو ثقل الكلمة، ولربما من الجفاء تخفيف المجالسة، والجلوس على قدر يسير مع الوالد أو الأم أو الأب أو غير ذلك،


فمثل هذه الأوجه من التخفف التي هي وجه من الجفاء، ويتوهم من يتوهم بذلك مقبل على طاعته، وعلى تعبده، وعلى تدينه، وأنه متعلق بالله.

ولهذا إذا دعي لاجتماع رحمه؛ لم يجب، وإذا دعي إلى زيارتهم لم يجب، وما إلى ذلك باعتبار أن ذلك سيقطع عنه ما يقطع من عبادته أو لزومها،

أو يقول أنا في هذا المسجد، أو لا بد أن أصلي في هذا المسجد؛ هذا كله من التكلف، ومن الجهل .

لأن الواجبات الشرعية لا يزاحم بعضها بعضا، والمسلم يأتي على هدي الشريعة.

و صحيح أن الأحوال تحتاج إلى مدارة، وإلى ضبط، وإلا قد الإنسان يزيد في هذه الأمور والعلاقات إلى شيء ليس واجبا، ولا مشروعا،

ولربما أنه يكون مما ينافي المشروع أيضًا كبعض المجالسات التي ليس فيها خير.

لكن المقصود بالتنبيه هنا ليس هذا، وإنما هو مقام المشروعات، إما مشروعًا واجبًا كصلة الأرحام، أو مشروعا مستحبا مما يكون فوق ذلك، ولكنه داخل في المستحبات.

لأن بعض الفضلاء ربما تكون حاله ثقيلة في الوصول إلى قرابته، ويكون إذا دعي إلى زواج، أو إلى غيره؛ هذا يكون منافيا،

وأحيانًا تكون بعض الأسباب التي يظن البعض أنها شرعية، وهي ليست شرعية، وقد تكون هنالك أسباب شرعية تمنع

فيكون الإثم على من تسبب بهذه الأسباب التي منعت بعض القرابة أن يصلوا البعض الآخر، هذا يقع أحيانًا من بعض الناس في بعض الأحوال والصلات بين قرابات الناس.

والشاهد في ذلك على كل حال أن الصلة بين الرحم وبين القرابة؛ هذا من الحقوق التي هي مشروعة في أصلها، ودرجاتها معروفة في الشريعة.

السليماني
02-23-2026, 11:49 AM
(55)

قال الشيخ رحمه الله


«والإنسان لا يترك محبوبا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفًا من مكروه، فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر

قال - تعالى - في حق يوسف عليه السلام: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ )

-----------------

الشرح :

الله صرف عن عبده ورسوله ونبيه يوسف عليه الصلاة والسلام - السوء والفحشاء،

وهذا القول منه جل وعلا-دليل على أن الله صرف عنه السوء والفحشاء في مقام الإرادة، ومقام الفعل، وليس في مقام الفعل فقط، بل حتى في مقام الإرادة،


ولهذا جاء قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) [يوسف: ٢٤)،

فالمرأة في هذه القصة وقع منها الهمّ وأما نبي الله فما وقع منه الهمّ، بل إنه صرف عنه السوء، لم يقع منه الهمّ،


لأن الآية فيها: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهُمْ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ )

فصار هذا مانعا من وقوع الهم عليه، ومن وقوع الهم بها منه، وهذا هو الراجح لغة وشرعا.

وقال بعض أهل التفسير، وبعض الفضلاء من أهل التفسير ممن كتبوا في تفسير الآثار، وما يسمى بالتفسير بالمأثور بأن الهم وقع من يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم صرف بعد وقوع الهم، ثم صاروا يجيبون عن هذا بأن هذا الهم هو درجة دون العزم، وأنها هي الدرجة التي غفرت للمكلفين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا هم العبد بحسنة، فلم يعلمها؛ كتبت له حسنة، وإذا هم بسيئة، فلم يعلمها لم تكتب شيئًا»، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا»، قالوا هذا حديث نفس، وهو الحديث الذي جاء في الصحيحين وغيرهما أنه معفو عنه.

وهذا الجواب ضعيف غريب، لأن القول هنا في نبي، وفي رسول من رسل الله - عليهم الصلاة والسلام-، وهذا الهم وإن غفره الله؛ هل هو مقام محمود ؟

أو هو مقام مذموم من حيث هو ؟

الهمّ بالمحرم في أصله مقام مذموم، وصحيح أن الله من رحمته بعباده، وفضله عليهم تجاوز لأمة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها)) لكن أصل الحديث فيما هو من المعصية تحديث النفس بذلك هو في أصله ليس حالا كاملة.

ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام - لا يحدث نفسه بذلك، ولكن من رحمة الله بالمكلفين أن من حدث نفسه، فهذا الهمّ الأول الذي ليس هو العزم، ولا عمل القلب، فضلا عن عمل الجوارح قد غفر، هذا لا شك، وليس البحث الآن هل غفر ليوسف، أو لم يغفر له، هذا ليس بحثاً في آحاد المكلفين.

هذا بحث في قصة نبي مصطفى من عند الله سبحانه، فالأنبياء معصومون عن حديث النفس الكاذب، أي حديث النفس بالمعاصي، الأنبياء لا يحدثون أنفسهم بمعصية الله،


وإن كان هذه الدرجة من الحديث كما جاء في الحديث الآخر:( إن الله تجاوز لأمتي إذا هم العبد بحسنة، فلم يعملها؛ كتبت له حسنة، وإذا هم بسيئة، فلم يعملها؛ لم تكتب سيئة».

ليس البحث في السورة، وفي قصة يوسف عليه الصلاة والسلام - أكتب عليه أم لم يكتب، هذا ظاهر،

لكن البحث هل وقع منه الهمّ أم لم يقع ؟

الصحيح أنه لم يقع منه الهمّ، فضلا عما فوقه، لأن بعض الآثار التي نسبت لبعض الصحابة ولا تصح ذكرت فوق ذلك من ..... فوق درجة الهمّ، هذا كله خطأ،

والصحيح أن نبي الله عليه الصلاة والسلام - ما وقع في الهمّ أصلا، وما حدث نفسه بمعصية الله في أمر هذه المرأة.

وهذا قاعدة مطردة في جميع الأنبياء؛ ما حدثوا أنفسهم في معصية الله فضلا عن أن يعصوه سبحانه وتعالى، أو أن يتقحم الإثم الذي حرمه عليهم الموبقات ونحو ذلك.

الشاهد هنا أن هذا هو المقتضى الشرعي، وكذلك هو المقتضى اللغوي، وإن كان بعض من تكلم في هذه المسألة أغلقها من حيث اللغة، وقال إن هذا لا يأتي على وجه اللغة، والصحيح أنه يأتي، وفي الصحيح أنه يأتي، وفي شعر العرب، وكلام العرب في ذلك شيء معروف، وقرر ذلك كبار أئمة الكوفيين من علماء النحو، وطائفة من البصريين.

صحيح أن هذا من حيث الترتيب على خلاف القاعدة التي يسميها البصريون، أو كثير من البصريين من النحاة، ثم يجعلون ما خرج عنها خرج عن القياس، فهذا لا معنى له، لأنا على يقين بأن كل ما ورد به القرآن فهو من فصيح اللغة، وعمودها، وقانونها، ونظامها الأول، وليس فيه ما يكون على خلاف ذلك،

ومن اصطلح من النحاة على تسمية ما خالف قاعدته شاذا أو خلاف القياس؛ فهذا خطأ.

وهذه الطريقة تنسب تارة للبصريين من النحاة، وهي ليست قاعدة مطردة، ولا مذهبا منتظما، ولكن المقصود هنا أنه جاء في شعر العرب، وفي كلام أئمة النحو الكبار من أئمة الكوفة خاصة، وكذلك بعض البصريين ما يوافق هذا المعنى في تفسير الآية، لأن بعضهم، أعني بعض المفسرين من أهل العلم الذين ليسوا من أساطين العلم باللغة جعلوا ما قرره بعض النحاة في هذه الآية، جعلوه مانعا من القول أن يوسف لم يقع من الهم، وهذا ليس صحيحًا.

بل الراجح هنا أن هذا هو مقتضى اللغة على القول الراجح من طرق أهل اللغة، وهو مقتضى الشريعة، ولا سيما أن هذا في أمر أخلاقي،


وصار بعضهم يقارن ذلك بأمر آدم الذي أكل من الشجرة أنه عصى ربه كما هو صريح في القرآن، فهذا مقام مختلف،

فحال آدم إذا ذاك لم يكن نبيا وهو في الجنة، ولم يكن له نبوة، وآدم تكلم في نبوته بكلام معروف عند أهل العلم،

لكن يعلم أنه عندما كان في الجنة لم يكن من الأنبياء، هذا بالإجماع، إنما الكلام في نبوته بعد ذلك.

ثم إن هذا الذي صار من آدم - عليه السلام - إنما هو أكل من الشجرة، ليس في أمر يتنافى مع الأخلاق المنتظمة، بخلاف الزنا فإنه سماه الله سبحانه وتعالى، ومادته فحشا:


﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢]،

فهذا المعنى يفرق به، أي إن مادة المعصية هنا حتى ولو كانت طبعا بالإجماع أن يوسف لم يقع منه المعصية، وإنما وقع قالوا الهم.

وبعضهم فيما رووا من آثار في التفاسير، وهذه يذكرها تارة ابن جرير، وبعض الفضلاء، والعلماء الكبار في التفسير، لكن هذا ابن جرير في منهجه - رحمه الله - لم يقصد هنا التحقيق في كل آثار ذكرها، وإنما يذكر هذا المعنى، وحتى إذا رجع ابن جرير؛ فهو اجتهاد العالم، وغيره من أهل التفسير، أو جماعة أخرى من أهل التفسير رجحوا خلاف ذلك.

فإغلاق المسائل بأن هذا رجحه، أو قال به فلان من أهل العلم، هذا ليس منهجا معتدلا، لأن هذه المسألة أو غيرها من المسائل إذا نظرت إليها بعقل وحكمة؛ وجدت أن غيره من أهل العلم والتحقيق والتفسير قد قالوا بخلاف قوله، والأمور لا تغلق بهذه الطريقة،


إنما مقتضى الشريعة فيما يظهر، وتحقيق اللغة، وأما أن ذلك لا يصح لغة؛ فهذا وهم على اللغة.

وسبب هذا الوهم أن بعض البصريين من كبار أئمة البصرة في النحو يقررون قواعد، ويجعلون ما خالفها مخالفة القياس، أو يسمونه شادا، فيصير البعض إذا أراد التفسير حكم، أو استصحب في إمضاء فهم المعنى القاعدة البصرية، والتي تكون عند التحقيق ليست لجميع أهل البصرة، لأنه لما يقال مذهب البصريين، ومذهب الكوفين؛ هذا ترى فيه تجوز .

ما انتظم للبصريين مذهب كانتظام المذاهب الفقهية، ولهذا المذاهب الفقهية تضاف الفقيه واحد، فيقال مذهب مالك، ومذهب أبي حنيفة، أليس كذلك؟ ومع ذلك .... ومذهب الشافعي، وأحمد، ومع ذلك كثرة الخلاف بين الأصحاب في تحرير المذهب الواحد.

أما البصريون؛ فليس مذهبا لواحد رجع البصريون إليه، صحيح أنه قال من أئمة البصريين، فيسمون كبارًا من أئمة البصريين، أو يسمون كبارًا من أئمة الكوفيين، لكن هم جملة.

ولهذا القواعد التي تميز طريقة البصريين أو عن الكوفيين، فهي قواعد كلية في الغالب، وأما الضوابط؛ فهي لا تنتظم، ولذلك إذا جئت لما دونها مثل هذه المسألة ونحوها؛ تجد أن هذا في الغاية يكون قولا في أكثر البصريين، لا يكون مذهباً مستقرا الجميع البصريين.

وبولغ أيضًا في مسألة البصريين والكوفيين في التدريس، وصار يظن أن مدرسة البصريين هي المدرسة الراجحة، وهي المدرسة المنضبطة، وهي المدرسة التي راعت الفصاحة في نظم الكلام وإعرابه، وأن مدرسة الكوفيين دون ذلك، وهذا خطأ.

بل كثير من أهل العلم بالشريعة هم من الكوفيين، أكثر منهم في البصريين، كثير من العلماء الذين كانوا في ذلك الزمان في زمن مدرسة البصريين والكوفيين هم أميل إلى مدرسة الكوفيين منهم إلى مدرسة البصريين، وفي مدرسة الكوفيين الكبار من القراء على طريقة الكوفيين.

وإن كانت طريقة البصريين لا شك فيها تحقيق، وليس المقصود الترجيح هنا، لأن الترجيح فرع عن تصور التميز أصلا والتميز فيه نظر في أصله، هو الامتياز، فيه نظر في أصله، ولكن هناك، كما قلت، جملة من التميز في القواعد الأولى، لكن إذا جئنا في المذهب الفقهي؛ لاتجد التمييز يمتد حتى للفروع، ففي كل فرع يقول هذا مذهب الإمام أحمد، وهذا مذهب مالك مثلا، ووافقه أبو حنيفة إلى آخره، ليس البحث فقط في القواعد، ولهذا كما في علم أصول الفقه، هنا علم أصول الفقه على طريقة الشافعية، والحنفية، والمالكية يشتركون ويختلفون.

وهنالك كتب الفقه التي فيها الفروع، أليس كذلك؟


في النحو ما في هذه الدرجة من التوارد على أحاد المسائل التي يتميز بها منهج البصريين عن منهج الكوفيين، فهذا لا يرفع أصل الامتياز، لكن يقال أنه ليس برتبة الامتياز الفقهي، مع أننا تعلم، ونرى في كتب الأصول والفقه، أنه حتى الامتياز الفقهي فيه تداخل، ليس ذلك الامتياز الذي هو على نظام واحد بمعنى أقوال الإمام أحمد أقوال واحدة ومنتظمة،

ولكن الخلاف داخل المذهب الحنبلي،

وكلمة المذهب في أصلها كلمة اصطلاحية لا تعني بالضرورة أقوال الإمام التي نص عليها، أو حفظت عنه، وهذا معنى معروف.

على كل حال المقصود هنا التنبيه على مسألة مهمة في دراسة التفسير :

وهي أنه قد يؤتى إلى قول من الأقوال..... لأن القرآن نزل بلسان العرب، ولا شك أنه لابد أن يُفسر القرآن على وفق قواعد لغة العرب، وهذا أمر مقدمة مسلمة ومنضبطة ومحكمة، لكن ما هي لغة العرب؟ وما الذي يجوز في لغة العرب؟

أحيانًا بعض المفسرين ينتصر لطريقة لغوية في مسألة في حقيقتها هي من خلاف أهل اللغة، علماء أهل اللغة والنحو، ثم يقول (وهذا خلاف اللغة)، أو لا يصح لغة، والمقصود أنه لا يصح عند من؟


عند بعض النحويين، وليس عند جميع النحويين، أو النحاة، أو أهل اللغة.

ثم الذين يقولون إنه لا يصح؛ إذا قعدوا قاعدة لا يريدون بذلك أنه إذا ورد ما يخالفها؛ كان خطأ صريحا على اللغة، وهذا منهج يجب أن يكون معلوما، لأن بعض علماء البصرة الذين راعوا المشهور وجعلوه هو الفصيح، فكلمة الفصيح عند جملة من البصريين هو جملة من اللغة، فيجعلون هذا الفصيح،


فيتوهم بعض الباحثين أنهم إذا ذكروا الفصيح هنا يكون ما يقابله على خلاف اللغة، وهذا وهم في تفسير الفصاحة في مصطلح أولئك من متقدمي علماء البصرة من النحاة.

ولذلك أولئك البصريون الذين يقولون أن هذا فصيح اللغة، أو هذا هو الواجب، ربما جعلوه واجباء أي في طريقة إتيان اللغة، وليس المقصود أن اللغة لم يرد فيها ما يخالفه، لأنهم؛ أعني أولئك النحاة علماء اللغة على علم بشعر العرب في الأمور المشهورة،

يعني أحيانا يقولون إن هذا هو الواجب، أو إن هذا هو الفصيح، وفي الشعر العربي الشائع، ليس في الشعر العربي الخفي .

بعض الأشعار الخفية التي ربما يقال بلغتهم، ولم تبلغ بعضهم، لا، في الشعر العربي الشائع مثل شعر المعلقات، فالمعلقات شعر شائع، قطعا علماء البصرة يعرفون المعلقات، فتجد أنه قد يأتي في شعر العرب الشائع ما يخالف قاعدتهم، فهل هم يقصدون لما قالوا يجب أن يستعمل كذا وكذا، ولا يجوز كذا وكذا)،


هل قصدوا أنه إن ورد بيت في شعر العرب الجاهلي مثلا، سيحكمون عليه بأنه كان خطأ لغويا كخطأ الإنسان الذي جاء بعد الفصاحة إذا تكلم فنصب الفاعل، ورفع المفعول . هل المقصود هذا ؟

لا، ولكن يقولون هو خلاف الفصاحة، وخلاف ما يجب اعتبار انتظام الكلام، ولذلك يجيبون على الثاني، وربما قالوا خلاف القياس، وربما قالوا إنه شاد، لكن ما يقولون إنه خطأ .


مثل ما تقول لمن جعل الفاعل منصوبا؛ تقول أخطأ، أليس كذلك؟ هذا لا شك أخطأ، بمعنى لا يتصور أن عربيا فصيحا في كلامه، ولذلك ما وجد في شعر الجاهليين أنهم نصبوا الفاعل، أليس كذلك؟

هذا هو الخطأ بمعنى لا يقبل الاحتمال، لكن ذلك يسمونه خلاف القياس، وربما قالوا شاذ.

فهذه العبارات مثل كلمة شاذ، فالفصيح يظن أن ما يقابله هو الخطأ، لا، ما يقابله هو ليس فصيحا، والشاذ يقابله الغالب، ولكن هم يعلمون أنه ورد، وربما جاء ذلك في القرآن، ولكن لا يسمون ذلك في كتاب الله على ما يسمونه في شعر العرب.

الشاهد في هذا أن هذا المسلك لبعض البصريين عليه موردان :

المورد الأول: في فهم حقيقة مصطلحاتهم، إذا قالوا هذا خلاف المشهور، أو خلاف الفصيح، أو ما إلى ذلك، فيتوهم البعض من كلمة خلاف الفصيح أنه خطأ لغة، وهذا ليس صحيحًا، العربي في جاهليته مثلا لا ينطق الكلمة التي ليس فصيحة.

ولذلك فيها هو أكثر احتمالا للخطأ فيه: الإعراب الإعراب أكثر احتمالا للخطأ، اليس كذلك ؟

لأن الإعراب فيها مادة من الإعمال العقلي، ولذلك لما ذبلت الفصاحة؛ صار الذين يتعلمون الإعراب وهو علم النحو، مهما أتقنوا علم النحو وحفظوا قواعده، يستعلمون المدارك العقلية لالتقاط نظام الكلام، ولربما فات العارف بعلم النحو، وهذا مشاهد، ربما تجد إنسانا يتحدث وهو من العارفين بعلم النحو، ثم فجأة يعرض له أن ينصب فاعلاً ، أو أن يرفع منصوبا، أو ينصب مرفوعاً.

هذا ليس خطأ بسب بالجهل، هذا سببه عارض من الذهول الذهني، لأن ربما ركز على المعنى الموضوعي، وتخفف، أو مع طول الاتصال في الكلام، وتأخر الخبر أو تقدم الخبر تأتي مثل هذا.

إذن الإعراب بطبيعته إعمال، لكن في وقت الجاهليين ما كانوا يحتاجون هذا لانتظام السماع، فإذا كان لم يُعرف عن أحد من الجاهليين الخطأ في الإعراب،


فمن باب أولى أنه لا يخطئ في الكلمة المجردة السماعية، أو في التركيب المجرد، وعليه فهذا إذا عبر عنه بأنه ليس .... يفهم على درجته.

طبعا كقاعدة فيما يظهر، وهذه يستعملها بعض الكبار والمحققين من متأخري النحاة كابن مالك أن ما ورد به القرآن لا يصح أن يقال أنه على خلاف ما وجب،

فمن قرر قاعدة نحوية أو لغوية، وجاء في كتاب الله في بعض موارد القراءة، أو في بعض القراءات المحفوظة ما يخالف ذلك،

لا يصح أن يوصف بأن هذا على خلاف ما وجب، هذا لا يصح


لأن القرآن هو أول الفصاحة، وهو أول اللغة وهو نظام اللغة، وجميع ما قالت العرب من شعر وخطب لا يبلغ أدنى درجة تقدر أو تصور مما جاء في كلام الله -سبحانه وتعالى - الذي جعله الله وأنزله قرآنا عربياً.

ولكن إذا قالوا يجب - أعني بعض علماء البصرة ، وهم يعرفون ما جاء في شعر العرب، بل جاء في كتاب الله ما يخالفه؛ فهذا الوجوب عندهم،

وإن كنا نقول إن طريقتهم فيه خطأ والراجح أنه لا يصح وصف ما جاء في القرآن على خلاف بعض طريقتهم بأنه وجب، فإنهم أيضًا متأدبون، أعني أولئك البصريون، فإنهم متأدبون مع القرآن، لا يصفون ذلك بأنه وقع على خلاف اللغة بتاتا،


وإنما يقصدون هنا ( بما وجب ) في الأصل، ثم يجعلون هذا لأنهم نظرهم للغة - البعض ينظر في بعض العلوم - بقواعد العلوم الأخرى.

فالفقه لما تقول هذا محرم، وهذا واجب، أو مالك يرى كذا، وأحمد يرى كذا، هو قول واحد في التعبد أو في التطبيق،


لكن في اللغة؛ اللغة تصور، فحينما يقولون ( يجب ) ليس هو بنفس الطريقة التي يكون يقابلها القول المنافي،

ولذلك الفقهاء مثلا في أصول الفقه يقولون ( الأحكام التكليفية خمسة)، أليس كذلك ؟

. فإذا قلت أنه واجب؛ فهذا يعني أنه ليس مستحبا، بل إنه فوق المستحب.

وإذا قلت أنه مستحب؛ فهذا يعني أنه ليس بالرتبة الأعلى، وهو الوجوب، وهكذا.

هنا في اللغة ليس المعيار هو نفس المعيار الذي تستعمل به الفقه، فإذا قالوا (يجب)؛ لا يقصدون بأن ما خالفه يكون الخطأ، لا، هم يعرفون أنه يقع في شأن العرب على خلافه، ولم يحكموا على شأن العرب، فضلا وتعالى كتاب الله عما جاء في القراءات، أو يجعلوا ذلك معيارا لرد، أو الحكم بشذوذ قراءة، هذا منهج يجب فهمه.

إذاً وقع أوجه من اللبس في مسألة البصريين والكوفيين، وقليل من يحرر هذه المسألة، ويعرف تراتيبها، وصار يتوهم أن هنالك انتظام مذهبي اسمه مذهب البصريين، وأن هنالك انتظاما مذهبيا اسمه مذهب الكوفيين، لا هي مسالك يغلب على هؤلاء بعض القواعد، وهؤلاء بعض القواعد، لكن لم تنتظم بالاسم الذي يقال في المذهب الفقهي مع أن المذهب الفقهي بطبيعته دون الانتظام التجريدي الذي يقال في التصورات المجردة.

إذا كان كذلك؛ فالطريقة التي يرتضيها بعض محققي علماء اللغة كابن مالك أن كل ما جاء به القرآن لا يصح أن يقال إن ( ما وجب ) على خلافه،

ومن ذلك مثلا ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء : 1]، فإنه قرى:

(وَاتَّقُوا اللَّهُ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )

وقرئ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهُ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيلًا)، فكلاهما قراءتان سبعيتان.

والمشهور عند أكثر البصريين أنهم يقولون إن العطف على ضمير الخفض لابد معه من إعادة الخافض الذي هو حرف الجر، فهذا هو الذي جعله جمهور البصريين جعلوه هو القاعدة، فقالوا (يجب)، وعلى طريقة كثير من النحويين ليس واجبا، مع أنه جاء في شعر العرب ما يخالفه، وجاء في هذه القراءة ما يخالفه.

ولهذا قال ابن مالك - رحمه الله - في [ ألفيته ]:

وعود خافض لدى عطف على... ضمير خفض لازما قد جعل

(لازما قد جُعل)؛ أي عند كثير من البصريين، أو أكثر البصريين، ويقول بعض المتأخرين بأن هذا هو مذهب البصريين، ( وعود خافض)؛ خافض الذي هو حرف الجر ،


لدى عطف على ضمير خفض)؛ أي ضمير جر، (لازما قد جعل)؛ قال ابن مالك مشيرًا إلى منهجه، ليس في هذه المسألة فقط، بل كأنه منهج قد اطرد عنده - رحمه الله - في [كافيته]،

وفي[الألفية]، قال: وليس عندي لازما إذ قد أتى ...في النشر والنظم الصحيح مثبتا

يقول جاء في كلام العرب نثرا ونظمها، وجاء فوق ذلك في كتاب الله، ومنه في قول العرب ما جاء في قول الشاعر :

فاليوم قررت تهجونا وتشتمنا **** فاذهب فما بك والأيامِ من عجب

(فما بك والأيامِ)؛ فصار العطف على ضمير الخفض، ولم يلزم كعادة الخافض.

وعليه فيكون مصطلح الفصيح هنا من المصطلحات التي تفسر بدرجة، لأنك إن قلت إنه بمعنى الخطأ، وهو قد جاء في شعر امرئ القيس، أو في شعر النابغة الذبياني، أو نحو هؤلاء، فهذا ليس متصورا، وإلا لورد الخطأ على اللغة بجملتها، وما انتظم الاحتجاج.

وفي بعض العصور مثلا في شعر جرير بن عطية احتجوا به، وإذا جئت من شعر الفرزدق؛ بعض العلماء، علماء اللغة تخففوا من الاحتجاج بشعر الفرزدق، مع أنهم قد تعاصروا، أليس كذلك، وبينهم الشعر المعروف والمعارضات المعروفة الفرزدق شاعر، وعارف بموارد كلام العرب،


لكن وقع في بعض كلامه ما يدل على فوات بعض فصاحته، لأنه فاته في بعض الكلام والشعر ما يتفق مع قواعد اللغة، فصار بعض اللغويين يتخفف من شعر الفرزدق.

الشاهد في ذلك أن مصطلحات النحاة يجب أن تفهم، وكنتيجة مهمة في هذا الاستطراد في فهم القرآن، وتفسير القرآن، أحيانًا البعض ممن ليس عالما باللغة، أو متذوقا لها، وعارفا بمسالكها من المفسرين - رحمهم الله، وإنما أخذوا جملة من علم اللغة، لأن هذا يختلف؛ فإذا جئنا للشافعي رحمه الله؛ فهو عالم في اللغة، وإذا جئنا بعض المفسرين؛ فهم مفسرون ولكنهم علماء في اللغة سواء صح منهجهم من حيث الاعتقاد، أو لم يصح أحيانًا،


وقد يكون مراعى أو مؤاخذا في منهجه العقدي كالزمخشري مثلا، هو معتزلي مثلاً، لكنه عالم في اللغة.

وبعضهم بالغ البحث في اللغة، قد لا يُعرف بأنه عالم لغوي، فالزمخشري بطبيعته عالم لغوي، وهو مفسر، وهو معتزلي تنقى اعتزالاته كما نعرف في كشافه،

لكن إذا جئنا مثلا الرازي صاحب [ مفاتيح الغيب] المتكلم المعروف، فهذا واسع البحث في اللغة، وخاصة في مذاهب علماء اللغة،

ولهذا يقع في تقرير الرازي للمذاهب اللغوية، لأنه - أعني أبا عبد الله الرازي، بطبيعته رجل واسع البحث، يعد من العلماء الموسوعيين في طريقة البحث حتى في علم الكلام.

ولذلك ابن تيمية رحمه الله - في بعض كلام له يقول: (وأما أبو عبد الله بن الخطيب)، يقول شيخ الإسلام ( في أمور علم الكلام في الإلهيات)

ليس في هذه المسألة في الإلهيات يقول : ( وأما أبو عبد الله بن الخطيب، فإنها هو بحث وجدل ) رجل بطبيعته باحث .

ولذلك كتب الرازي إذا قارنتها بكتب أصحابه من المتكلمين، كتب أصحابه فيها اختصار، يعني لو نظرت في كتب الجويني، والغزالي، بطبيعتها فيها تحرير، لكن ليس فيها تطويل،

لكن الرازي له كتب بالمجلدات، ويتوسع في البحوث العلمية، والمناظرات، والمناقشات.

فهو عنده مذهب عنده ملكة الاستقراء والبحث قوية في تحصيل مذاهب الطوائف أو ما إلى ذلك، كثير الاستقراء، ولذلك إذا بحث في تفسيره في اللغة يختلف عن الزمخشري، الزمخشري ليس كثير الإيراد للمذاهب، ولكنه أبلغ علماً باللغة من الرازي ولا شك،


والزمخشري اللغة فيها انطباع عنده، ولهذا لديه إدراك لذوق اللغة وانطباعها وبلاغتها على ما عنده من الاعتزال والبدع التي خالطها في تفسيره، أو خلط تفسيره بها.

وأما الرازي؛ فهو دونه في هذا المسلك، ولكنه أوسع مسلكا في الجانب الاستقرائي البحثي، ولهذا يتتبع، وإن كان تتبعه لشعر العرب ليس كالزمخشري، لأن الزمخشري إنما انطبعت اللغة، ولا تنطبع لمن يقرأ مذاهب النحاة، اللغة ، هذا يجمع، ويحفظ قوانين اللغة التي نظمت،

لكن الزمخشري كان واسع النظر في كلام العرب، في شعر العرب، وبلاغتها، وبيانها أكثر مما هو متوسع في استقراء الآراء النحوية من هذا الاعتبار.

والرازي العكس، الرازي ليس كثير التذوق، أو النظر في شعر العرب، واستقراء أوصافهم، أو تصويرهم في شعرهم، أو ما إلى ذلك، كالدرجة، طبعا لا نقول ليس المقصود النفي، المقصود هنا المقارنة بين الرجلين؛ بين الزمخشري، وبين الرازي.

الزمخشري أكثر انطباعًا في اللغة، اللغة لديه انطباع، ولديه معيار فيها، بخلاف الرازي؛ فهو أوسع في البحث والاستقراء، وتعيين الآراء لعلماء النحو، وماذا كانوا يقولون، رجل واسع البحث والاستقراء، وإذا قرأت في تفسيره؛ بان لك ذلك كثير البحث الرازي كثير البحث في تفسيره.

-------------------

قال الشيخ رحمه الله «فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها».

الشرح :


(الله يصرف عن عبده؛ إنما المقصود في قوله سبحانه: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ﴾

في يوسف عليه الصلاة والسلام، أن الله صرف عنه السوء في الإرادات، والفحشاء في الأفعال، فلم يقع منه ذلك، لا إرادة ولا هماً، فضلا عن الفعل،

وهذا هو اللائق بمقام الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.

السليماني
03-15-2026, 11:34 PM
(56)

قال شيخ الإسلام رحمه الله

(فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه الله، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية الله والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه؛ انقهر له هواه بلاعلاج قال الله - تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ) [العنكبوت: 45]

فإن الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله سبحانه وتعالى، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه، فإن ذكر الله عبادة الله وعبادة القلب الله مقصودة لذاتها،

وأما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التبع والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك،

فإنها تفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (۹) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (۱۰)) [الشمس : ٩-١٠]

وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)) [الأعلى: ١٤ - ٥٥]،


وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾ [النور: ٣٠]،


وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا)

فجعل سبحانه - غض البصر وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور، من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك ) ا.هــ كلام الشيخ رحمه الله

الشرح :

هذا التقرير لكلام الشيخ - رحمه الله- وذلك عند قول الله وعلا:( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) [يوسف: ٢٤] ، بين الشيخ - رحمه الله - في قوله: (ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج).

القلب خلقه الله سبحانه وتعالى على حال من الفضل، ومن الشرف في خلقه، ولهذا كان الأصل فيه هو القبول للحق، وهو الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى - العباد عليها، ولكن ما من محل إلا وهو لابد له من ملاء ، فالقلب إن لم يملأ بالحق امتلأ بالباطل، ومن الباطل فراغه، والفراغ وجه من الباطل،


لأن الفراغ لابد أن يحصل عنه من الآثار الفاسدة ولذلك المسائل العدمية التي لا تقابل الحقائق الصحيحة هي وجه من النقص التي يعرض لبعض النفوس .

وهذا إذا تكاثر أثره في القلب أورده الشر ولا بد، بخلاف إذا كانت مادة الفراغ يسيرة أو قليلة، فإن هذه لا تكون غالبة على الحال الغالبة، بل تكون الحال الغالية هي المؤثرة، وهي الفاعلة للمحل، ولكن إذا كان الفراغ غالبا، صار ذلك مؤثراً ولهذا بنيت الشريعة على العبادة التي تكون لازمة لحال الإنسان، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليقين ) [الحجر: ٩٩]،

وكما قال الله وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَعَيَايَ وَمَانِي اللهُ رَبِّ العالمين ) [الأنعام: ١٦٢]،

ولهذا بنيت أحكام الشريعة وقواعدها على هذا المعنى.

وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات)) فصارت النية هي التي تجعل للعمل صفة من الشريعة، ولو كان العمل عاديا، أو كان من من أحاد المباحات، فيتصل بالشريعة بموجب هذه النية التي شرعها الله -سبحانه وتعالى - لعباده، وهي من مقامات عبادته، وإخلاص الدين له، ومقامات ابتغاء وجه سبحانه وتعالى.

فهه المعنى من الفقه الذي كان عليه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم - من أن حياتهم كانت على هذه الصفة،هو المشروع في كتاب الله، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا كانت العبادات جاذبة لهذا المعنى من جهة اتصالها، ومن كونها دافعة للشر عن القلب، ومن كونها موجبة لمزيد من الطاعات، فإن الطاعات العالية توجب الطاعات التي دونها، ولهذا المحافظة على الفريضة تحقق من معاني العبودية ما ذكره الله بقوله: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: ٤٥]

فإنها؛ أي الصلاة إذا صلحت صلح العمل، لأنها محرك إلى فعل الخيرات، وإلى ترك المنكرات، وإلى طاعة الله سبحانه وتعالى.

فهذا هو المعنى في قوله - رحمه الله: (فإن الصلاة فيها دفع للمكروه) إلخ، وإذا غلبت هذه المادة في القلب؛ انقهر الهوى بقوتها وبغلبتها، وصار ما يعرض في القلب من الشر هو اللحم الذين قال الله فيه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ [النجم:2]، فهذا يعرض ويعرض الهم، وتعرض الخطرات، فهذا يعرض حتى للصالحين، بخلاف الأنبياء المعصومين؛ فإن الله برأ قلوبهم من مادة الشر، وجعلهم أئمة هدى في عامة وجميع أمرهم .

ثم بعد ذلك بين رحمه الله - ما يكون في حال القلب من أن المواد التي تداخله هي كالمواد التي تداخل الزرع، وهي تفسده بحسب قوتها، بخلاف المداخل اليسير ليس يكون له ذلك الأثر، وقال الله تعالى: (قد أفلح من زكاها (۹) وقد خاب من دساها (١٠)) (الشمس ٩-١٠)


التزكية من حيث الدلالة اللغوية تدل على رفعة الشيء، وصونه، وما إل ذلك، فتضمن هذا الوصف أن الأصل في الإنسان هوالفطرة على الخبر، بخلاف الشر، فإنه غريب على الفطرة وغواية.

وهذا المعنى متحقق في النفوس، ولهذا تجد أن النفوس، حتى نفوس غير المسلمين، إلا في حالات شاذة، وتكون هذه الحالات الشاذة أيضًا متكلفة في الغالب، لكن في المعاني الفطرية الشرعية تجد أنها لا يُفاخر بالمعاني المنافية للفطرة كحالة عامة، قد يقع من أحاد من الناس، أو جملة من الناس، أو من الناس؛ هذا شيء

ولذلك العفاف مثلا بجملته محل احتفاء، وإن كانت درجة العفاف ما هي ؟ هذه تختلف باختلاف دين الناس، وباختلاف أيضًا أحوال متعددة لهم، لكن إذا جئت للقدر الذي يتفق على أنه ليس عفافًا بين بني آدم؛ تجد أن هذا القدر، وهذه النسبة يتقيها الناس حتى لو اختلف دينهم، إلا في حالات شاذة.

وهذا موجود في تاريخ الأمم، وما إلى ذلك، ومثله مثلا فيما ينافي الفطرة حتى في الأطعمة، أو ما ينافي الفطرة في الأشربة يكون لهذا الأمر قدره، إلا أن تتبدل أحوال بتشريع موهم، أو ما إلى ذلك، ولذلك مثلا العرب في جاهليتها تشرب الخمر مثلا، لكن ماکانت الخمر تتخذ على سبيل المفاخرة بها في مجالسهم مثلا.

ولهذا لم تكن في نواديهم التي يجرونها، يمضون بها شؤونهم، ويجرون بها عقولهم، ويفصلون فيها بقضاياهم، وهي النوادي التي ذكرت في القرآن، مثل قول الله:( فَلْيَدْعُ نَادِيه ) [العلق : ۱۷]، هذه المجالس التي يتنادى بها كبارهم، فتسمى ناديهم وتسمى حلقتهم، تسمى حلقة، وتسمى ناديًا، هذه ما كانوا يديرون فيها الخمر، وإنما الخمر كان لها مجالس لها اختصاص مثلا، لماذا ؟ مع أنهم قوم مشركون، ولكن هذا المعنى من جذوة الفطرة يبقى مفرقا بين الأشياء.

ولهذا النبي لما أوتي بإناء من الخمر، وإناء من لبن في مسراء و معراجه لما جاء بيت المقدس، قال: «فأوتيت بإنائين، بأحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي خذ أيهما شئت، فاخترت اللبن كما جاء في الصحيحين وغيرهما، قال: «قال لي جبريل : أهديت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر؛ غوت، قال: «أهديت الفطرة»، وفي رواية «أصبت الفطرة».

وهنا سميت الخمر غواية، وسمي اللبن فطرة، إنما هو فطرة لأنه مباح، ليس لمعنى ديني في اللبن، لا، هو مباح، هو فطرة بمعنى أن شرب اللبن، وشرب الماء، وشرب العسل ؛ هذا فطرة، بمعنى أنه على قاعدة الإباحة، وقاعدة الفطرة، بخلاف المحرمات فهي على خلاف الفطرة.

والمقصود أن هذا المعنى موجود في الأمم، ولا يُعامل في بعض الحالات التي تطرأ أحيانًا على بعض المجتمعات، ولها أسباب، لكن الأصل في التاريخ البشري أنهم يراعون القدر، وكما قلنا لما نقول مثلا العفاف معنى مشترك بين البشر في الأرض، ولكن يختلف البشر في تفسيره ودرجاته، من تجد أنها مراعاة مع اختلاف الديانات، أو مع اختلاف ......

طبعا لا يضبط هذا العرف البشري، لابد من الشريعة، الشرائع هذا التي تضبط ذلك، وهي التي تحكمه، ولكن المقصود ما هو ؟


المقصود التنبيه على أن التشريع الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام - يلاقي الفطرة، ولهذا تجد إما أنه يتفق مع ما عليه غير المسلمين وإذا اختلف فلا تجد أن الاختلاف هنا يكون اختلافًا من الأصل، وهذا المعنى الدقيق إذا فهمته بان لك شرف الشريعة الإسلامية، وأنها على درجة الكمال الذي أكمله الله سبحانه وتعالى.

فالخمر مثلا عند العرب في جاهليتها تشرب، أليس كذلك؟ والشريعة حرمتها، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخمر والمبيرُ والأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ ) [المائدة: ٩٠]

وأجمع أهل العلم قاطبة على أن الخمر رجس، لكن اختلفوا هل هي الرجس الحسي، أو المعنوي، أما أنها رجس؛ فهذا أمر صريح في القرآن، رجس لأنها تؤثر على العقول، ولهذا الخمر هي المسكر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر : (كل مسكر خر، وكل خمر حرام) فالخمر هي ما أسكر.

وأما بعض الفقهاء رحمهم الله - الذين قالوا الخمر هي كان من من التمر، أو كان من من العنب، أو كان من كذا، - وبعضهم زاد عن ذلك وقال ( ويقاس عليها كان ما من كذا من طعام آخر) كما هي طريقة بعض الفقهاء من أهل الكوفة أو غيرهم الذين يمثلون في قواعدهم للقياس، بعض الأحناف يمثلون للقياس بالخمر، هذا خطأ

لأن النبي عليه الصلاة والسلام - قال: (كل مسكر خمر) النصوص ليس فيها تسمية شيء من الطعام، والخمر لي مرتبطة بعين طعام، سواء كانت صنع من العنب، أو الشعير، أو التمر، أو التفاح، أو أي نوع من الأنواع، أو ركبت من أكثر من نوع، أو أدخل فيها المواد المصنعة، وركبت من هذا ومن هذا إلى آخره; فهي العبرة بكونها مسكرة.

فإذا أسكرت سميت الخمر، فإذا لم تكن مسكرة؛ هي ليست الخمر - فالماهية ماهية الإسكار، هي الماهية الموجدة للإثم والرافعة له، أما المادة أن أصلها من العنب، أو أصلها من التمر، أو من الشعير، أو غيره; هذا الأصل بذاته ليس الأصل، وغيره مقيس عليه، هذا توهم لبعض الفقهاء.

والقرآن إنما فيه تسمية الخمر :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمُبَسِرُ وَالأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ) [المائدة: ٠٠)، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر ) [البقرة : ۱۹]

، ما في القرآن تسمية طعام دون طعام، ولا في نصوص النبوة، في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي في حديثه يخالفه، كقوله في الصحيح وغيره: (كل مسكر خمر)

فالمسكر هو يسميه الشارع خمرا، وإذا كان النبي سماه خمراء فلا معنى لحاجته لدليل القياس هنا، بل نقول كل مسكر ثابت تحريمه بدليل النص، وليس بدليل القياس.

والمقصود أن العرب كانت تشرب الخمر في جاهليتها، ولكنها مع ذلك ما كانت تتباهى به في نواديها، وإنما كانوا يتباهون بجزالة شعرهم، وجزالة خطبهم، وبعض معانيهم ويتباهون ويظهرون كرمهم وما إلى ذلك، صحيح أنهم ما كانوا يتقون شرب الخمر، لكن فرق بين الشيء الذي يكون على أحوال، وبين الشيء الذي يكون مما يشاد به،


ولذلك ما كان يشاد بأحدهم بأنه كثير الشرب مثلا، أو كثير الإهداء لها، أو ما إلى ذلك، لكن كانوا يتباهون بكثرة ما يأتونه من الشعر، أو من الخطب، أو حتى من الكرم في الإنفاق، أو سخاء اليد، أو ما إلى ذلك.

ولهذا تجد في شعرهم ما يدل على هذه المعاني، وأنهم إذا دخلوا في محكمات الأمور، ودراسة موضوعاتهم، ما أدخلوا الخمر في هذا السياق، فهذه البقية عندهم نسميها جذوة الفطرة، بقية الفطرة،

ولهذا مثلا تجد في معلقة "طرفة بن العبد" الشاعر الجاهلي لما يقول:

وإن تبغني في حلقة القوم تلقني ***وإن تلتمسي في الحوانيت تصطد

لما ذكر له؛ ذكر مجلسين المجلس الأول : حلقة القوم، ويريد أن يبدي أنه ذو شأن، يقول

أنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الَّذِي تَعْرِفُونَهُ *** خَشَاشُ كَرَأْسِ الحَيَّةِ الوَقْدِ

ثم يقول:

وإن تَعْنِي فِي حَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقِنِي *** وَإِنْ تَلْتَمِسْنِي فِي الْحَوَانِيتِ تَصْطَدِ

لاحظ الفرق بين المجلسين؛ مجلس الخمر، ومجلس النادي مجلس إدارة الرأي، لما ذكر مجلس إدارة الرأي والشورى وتداول الموضوعات القبلية وغيرها، قال إن تبغني ما قال إن تلتمسني)، قال (وَإِن تَبِعَنِي فِي خَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقِنِي) هنا قال (إن تبغني)؛ يعني إذا ذهبت بحثت عني؛ مجرد أنك تنظر في حلقة القوم ستجدني بارزًا و ظاهرا،

(في حَلْقَةِ القَوْمِ تلفني)؛ يعني لا يحتاج أنك تكثر السؤال، من يوم تدخل حلقة القوم؛ مستجد طرفة بن العبد.

ولما ذكر مجلس الخمر، ماذا قال ؟ قال ( وَإِنْ تَلْتَمِسني)، والالتماس يكون ماذا؟ الشيء الذي فيه خفية، يحتاج إلى بحث يقال (تحسس)، كما قال الله تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ ) [يوسف: ۸۷]، ويقال (التمس)، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «الشمس ولو خاتما من حديد)

يعني واضح أن حالك ليست ظاهرة بهذا الشيء، ما هو بيدك، لكن لعلك تجد ذلك، قال ( وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد ) الصيد .... ولذلك سمي الصيد صيدا لأنه فيه خفاء، وفيه انغلاق، وفيه إلى آخر، وقد يخطأ أليس كذلك ؟

قد يصيب الصياد صيده، وقد يكثر إخطاؤه، بل كثير الإخطاء، لماذا لما ذكر مجلس الخمر قال ذلك ؟

هذه جذوة، من بقية الفطرة عندهم.

ولهذا الدين جاء على وفق العقل، وعلى وفق الفطرة، لكن العقل لا يشرع، لكن ليس في شرع الله ما يخالف العقول، أو يخالف الفطرة، ومثله حتى في قصائد بقية الشعراء، حتى الذين يكانوا يظهرون الخمر كامرئ القيس الذي يذكر الخمر أكثر من طرفة بن العبد، وإنما يرونها لذة عارضة، لكن لا يجعلونها قواما في شأنهم.

هذا لا ينافي مدحهم للخمر، حتى طرفة بن العبد يقول:

ولولا ثلاث هن من همة الفني***وجدك لم أجزع متى قام عودي

وذكر منها الخمر، فهذا الجانب الذي هذا اللهو في الحياة، أو لهو الحياة، أو متعة الحياة عندهم، هذا جانب، لكن أصل التقدير للمعنى واضح.

السليماني
04-11-2026, 06:02 PM
(57)


قال شيخ الإسلام رحمه الله

(وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد ميع لهم.

والتحقيق: أن كلاهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، وإذا كان تعاونها على العلو في الأرض بغير الحق؛ كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين -الذي استعبده و استرقه - يستعبده الآخر».)

الشرح :

هذا من فاضل إشارات المصنف، وهو يشير - رحمه الله - إلى أن الهوى الذي ذمه الله في كتابه إلى أنه أوجه، وإلى أنه أنواع،

وبعض الناس سواه في رئاسة وبعض الناس سواه في مال، وبعض الناس سواه في وجه آخر من وجوه الدنيا، أو التعلق بها إلى غير ذلك،

فحيث غلب هذا الأمر، فإن هذا الأمر على وجهين:

إما أن يكون في أمر مباح.

. أو أمر محرم.

يعني إما أن النفس والهوى يتعلق بما أصله الإباحة، وإما أن يتعلق بما أصله التحريم،

فإذا تعلق بما أصله التحريم؛ اجتمع الفسادان على الناس، فساد الفعل المحرم، وفساد التعلق،


وربما كان فساد التعلق أظهر، ولهذا الشريعة كفّت أسباب التعلق، ومن أسباب التعلق الإجهار والمجاهرة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافاة إلا المجاهرون»،

كل ذلك إغلاق لبعد، وشرعت التوبة، وما إلى ذلك.

والوجه الثاني أن يكون التعلق بما أصله الإباحة، كالمال مثلا، فالأصل في المال الإباحة، ولكن إذا تم التعلق بها صار عدوا، ولهذا يُذكر المال

في ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾

( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

فيأتي المال ويكون عدوا، متى يكون المال عدوا؟ إذا صرف عن طاعة الله، إذا ترك العبادة الواجبة، ترك الصلاة مثلا لأن متعلق بالمال، وهذا أيضًا مما يتوهم فيه البعض، يظن أن المال المذموم الذي هو عدو، أو التعلق إنما يكون لمن كثر ماله، إذا شافوا من كثر ماله سموه ماذا؟ متعلقا بالمال، وهذا ليس شرطاً، لأن كثرة المال وقلته ليست بالضرورة تعود إلى هذا الأمر، فقد يكون كثير المال، وهو ليس متعلقا به، وإنما سبق له رزق، ويسر له رزق، وفتح له رزق.

وقد يكون بعض الناس قليل المال، وهو كثير التعلق بالمال، أليس كذلك، ؟

ولهذا كان من من الصحابة رضي الله عنهم - من التجار و الأغنياء وهم من من أئمة الصالحين، و كان خير الصحابة رضي الله عنهم، وهو أبو بكر الصديق يعرف بأنه من تجار المسلمين في بعض تجارات المدينة إذ ذاك وتجارات مكة، وفوقه من أبي بكر كانت تجارة يغلب عليها أنها متوسطة، لكن كان هنالك مثل عبد الرحمن بن عوف، و كان هنالك الزبير بن العوام - رضي الله عنه، هؤلاء بلغت تجارتهم شأوا كبيرًا، وقبلهم عثمان بن عفان، مع أن هؤلاء إذا نظرت إليهم جميهم من العشرة المبشرين بالجنة.

فيغلب أو يكثر أن كثرة المال توجب كثرة العمل والبحث وما إلى ذلك، هذا يقع، لكن فرق بين كثرة العمل، وبين التعلق، فالتعلق أمر قلبي، ليس بالضرورة أنه العمل، بعض الأوجه الكاشفة له، وعلى كل حال المقصود أن التعلق قد يكون بما أصله المحرم، وقد يكون التعلق بما أصله المباح.

فإذا كان أصله محرمًا، أي الأصل فيه التحريم اجتمع الفسادان فساد الفعل للمحرم، وفساد التعلق به، فالتعلق في الغالب يكون شرا من الفعل من حيث هو أحاد، وهذا المذکور الهوى، هنا يسمى هوى، بخلاف الفعل الواحد، فهذا عارض لصفة الإنسان.

وأما ما كان أصله مباحًا؛ فإذا تعلق به، فهذا التعلق مذموم في الشريعة، كان و الأصل فيه الإباحة

والمقصود بالتعلق هنا؟ التعلق الذي يصرف عن الطاعة، أو يزاحم الطاعة، أو بعبارة أخرى (إذا زاحم حق العبد)؛ العبد له حق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقاً) والله شرع الحقوق؛ حقوق الوالدين، وحقوق ذوي الحقوق، هذا أمر معروف، حق الله وحق بين الناس.

فإذا زاحمت الحقوق البشرية أو حقوق العباد إذا زاحم فعلها ما هو من طاعة الله، أو ما هو حق الله صار التعلق من هذا الوجه مذموما، ولهذا التعلق هنا المذموم ليس هو المحبة،

وكما سبق معنا في محبة النبي لبناته، ومحبة النبي لأزواجه، ومحبة النبي لقرابته، ومحبة النبي لأصحابه، ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام - لأمته،

إلى غير ذلك من الوجوه، وهذا ليس هو التعلق الذي يذم.

وأما من فهم أن صلاح القلب إنما يكون بإرخاص هذه الحقوق، أو هذه المتعلقات التي جبل الإنسان على محبتها، وما إلى ذلك كالولد، والوالد، والقريب إلى آخره; فهذا جهل بالأحكام، وليست هذه الطريقة الشرعية التي شرعها الله، فإن الله شرع المحبة بين المؤمنين، أليس كذلك ؟

شرع المحبة بين المؤمنين، وشرع التواد بين المؤمنين، فليس كل محبة هي التعلق المذموم،

من تجاوز ذلك واتقاه من اتقاه فهذا الاتقاء من الجهل، هو ليس تحقيق العبودية كما شرعها الله سبحانه وتعالى.

السليماني
04-19-2026, 07:52 PM
(58)

قال رحمه الله تعالى :

(وهكذا أيضًا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها: ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك،
فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده، يستعمله في حاجته، بمنزلة حماره الذي يركبه وببساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته، من غير أن يستعبده فيكون هلوعًا، (َإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21))
ومنها مالايحتاج العبد إليه فهذا لاينبغي أن يعلق قلبه به فإذا تعلق قلبه به صار مستعبداً له وربما صار معتمداً على غير الله فلايبقى معه حقيقة العبادة لله ولاحقيقة التوكل على الله
بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله - صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة)، وهذا هو عبد هذه الأمور، فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإذا منعه إياها سخط وإنها عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله.))

الشرح :

هذا الحديث في قول النبي وهو حديث من الأحاديث الثابتة الصحيحة، وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار)) هذا الوصف الذي جاء في حقه أنه قال عليه الصلاة والسلام: (تعس)، ولم يذكرهنا الحكم المتعلق بمحض الآخرة، وإنما تعس بمعنى أنه حتى في حالته الدنيوية لا يكون سعيدًا، لأن هذه الشرائع التي شرعها الله هي سعادة في الدنيا والآخرة، وهذه المحرمات التي حرمها الله على العباد، أو أمرهم بترك أسبابها، أو ما إلى ذلك، إتيانها؛ أي إتيان هذه المحرمات هو شقاء في الدنيا والآخرة.


بمعنى لا يتوهم أن ثمة انفصال بين الدنيا وبين الآخرة، ما يوجب السعادة في الآخرة في الحقيقة يوجب السعادة في الدنيا، وما يوجب التعاسة في الدنيا هو أسباب الشقاوة في الآخرة، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى - أن الإيمان والعمل الصالح هو الذي تتحقق به الحياة الطبية : ( فَلَنُحْيِيَنَّهُ... حَيَاةً طيبة ) [النحل : ٩٧]

، أهل التقوى، وأهل الإيمان هم أهل الحياة الطيبة.

لكن ربما النفس تستمع، ويعرض لها من أوجه الاستمتاع، لكن إذا جئت النفس على جميع حالها؛ أمرها ليس كذلك، ولهذا من جوامع كلم الرسول عليه الصلاة والسلام - هنا:

(( تعس عبد الدينار»، أي أنه في حاله ليس سعيدا، وهذا أمر مشاهد، أن من استعبده المال، من كان ذا مال، واستعبده هذا المال، ومعنى استعبده هذا المال أنه أشغله عن حق الله وأشغله عن حق نفسه، وأشغله عن حق أهله، وأشغله عن حق قرابته، وصار المال هو لازم حاله، وهو تفكيره، وهو حركته إلى آخره؛ هذا لا يكون سعيدا، ويتعذر أن يشعر بالسعادة، أي السعادة التي تألفها النفوس .

ولهذا البخل كان مذموما، فليس من الإنصاف البخل والإمساك، ليس محمود، والشريعة نديت وجاءت شرائعها محركة للبذل، أليس كذلك؟

قال الله - تعالى - كما في الحديث القدسي: ((يا ابن آدم! انفق؛ انفق عليك، )) فالشريعة جاءت بتحريك اليد، ويبذل اليد، واليد العليا خير من اليد السفلى، فالبذل الأصل فيه المشروعية، ((ولا خَيْرَ فِي كَثِيرْ مِنْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاح بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهُ فَسَوْفَ نُؤْتِهِ أَجْرًا عظيما ﴾ [النساء : ١١٤] .

بخلاف الإمساك، فإن هذا من أوصاف المشركين: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق )

فالإمساك ليس وصفا محمودا، صحيح أنه نهي عن الإسراف، لكن فرق بين البذل والإنفاق أمور مشروعة، بخلاف الإمساك والإقتار، والتقتير،

وكذلك ما يقابله من الإسراف لأن هذاوهاذا، هذان المتقابلان على خلاف الفطرة والاعتدال .

السليماني
05-18-2026, 01:30 PM
(59)

قال: «وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله - تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: (من أحب الله وأبغض الله، وأعطى الله، ومنع الله، فقد استكمل الإيمان).

الشرح :

وهذا من كمال الشريعة أنها في جميع شرائعها عدل ووسطية، في عباداتها، وفي حقوقها، وفي حقوق العباد، وفي المعاني التي هي من طبيعة البشر، ولهذا شرعت في هذا المال حتى من أكثر ما يؤثر على الناس الأموال، والأموال لها أخلاق، ومما قصر فيه كثير من الناس الدراسة لعلم أخلاق المال، وبعضهم يعتني مثلا بأحكام المال من حيث الأحكام التي يقال هذا عقد صحيح، وهذا ليس صحيحًا، إلى آخره.

ولكن الشريعة فيها أحكام المال، وفيها أخلاق المال، فإذا جئت مثلا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، هذا من أحكام المال، أليس كذلك؟ وإن كان كل حكم هو خُلق باعتبار، لكن في الوصف الأول له أنه حكم(( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، يعني هذا ليس واجبًا بالأثر الأخلاقي ابتداء، ولهذا هو حكم منشأ في الشريعة وهو وفق الأخلاق ولا شك .

ولهذا اختلف فيه الفقهاء لو كان الذى يجب إدراكه بالأخلاق ضرورة؛ ما كان محل خلاف، ولهذا الفقهاء أجمعوا على تحريم الغش، ليس لأنه جاء فيه حديث: «من غش؛ فليس منا»، بل لأن الغش منكر أخلاقي ثابت كذلك، وهذا الإجماع ليس متفرعًا عن هذه الرواية وحدها، بل عندك جملة من أدلة الشريعة التي .... لأنه وجه من الظلم إلى آخره، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا )) هذا حكم في المعاملة، ثم قال: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)).

فإن ((صدقا وبينا )) هذا حكم أخلاقي، وهذا الحكم، كما تعلم، له آثار فقهية، بصلة صحة العقد، وفسخ العقد، ورد السلعة، وما إلى ذلك، لكن النبي عليه الصلاة والسلام - لما ذكر الأثر الأغلب والأعظم، وهو الأثر المتفرع عن الخلق: ((فإن صدقا وبينا»، ما جاءت العبارة بما يدل على أن العقد يصح، ولا ما يصح صح بيعها، ولا وجب بيعهما، ما قال الشارع هنا (وجب بيعهما ) مثلا، وإنما قال: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما».

ويكون هذا الوصف يُرتب عليه الأحكام المعلقة بالجانب، أو بالصفة الفقهية المجردة من جهة الصحة، والفساد، والبطلان، والرد، والفسخ، وما إلى ذلك.

لكن أنت تتأمل هنا في فيه حكم أخلاقي، وفيه حكم مالي، ((البيعان بالخيار»، خيار المجلس هذا الذي أقر به، أو قال به جمهور العلماء، لكن(( فإن صدقا وبينا؛ بورك لهما في بيعهما )) ما تحتمل أن هذه الجملة يكون فيها خلاف بين الفقهاء أن الصدق واجب، وأن البيان واجب في المعاملات.

وەذا نظام الشريعة أنها تذكر الأحكام وأخلاق هذه الأحكام، ومن تأمل ذلك في نصوص الكتاب والسنة؛ وجد ذلك مستفيضا، فالشريعة قررت العدل في المال، فالبخل مذموم، وكذلك ما يقابله مذموم - وهذا كما قلت مثل الخمر عند العرب، صحيح أن العرب بالغت في أمر البخل، حتى ربما تضر من يكون بخيلا يتضرر غيره، يعني يمضون الأثر المتعدي، فإن طال الضرر لولده، فشؤم بخل هذا المعين، وهذا الشريعة لا تقول به الشريعة لا تأتي بهذا التعدي بالأثر.

العرب لا عندها في البخل مذهب شديد وتجعل البخيل متروكاً وعليه يتحاشون الزواج منه يتقون الزواج منه ومن بناته، ومولياته، لأن لهم مذهب متشدد كثيرًا في أمر البخل، لأن البخل الحقيقي ليس اختياريا، وقوة في النفس، قد يكون له أسباب محركة، لكن في الغالب إنه ليس إراديا محضا، يعني لا تستطيعه الإرادة.

ولهذا قد يتكلم من يكون بخيلا بكلام من من أجود الكلام، وهو مقتنع فيه في فضل الإنفاق والكرم، لكنه ليس كذلك، ولهذا فيما كان لازما جعلته الشريعة واجبا، لأنه لو بقيت تشريعات المال كلها على الندب في قوم؛ لا يفيد فيهم الندب ولهذا الزكاة وجبت فريضة.

ويذكرون أن أحد العرب الذين شاع بخلهم، بقيت بناته لم تتزوج لبخله، فأشير عليه بأن يمدح بالكرم ليغسل هذا الأثر، وأن يتقوى على نفسه، وأن يقهر على نفسه، وأن يجري فعلا يُعد عند العرب لا يجريه إلا كرماؤهم، فتحامل على نفسه، وفعل ذلك مع الشاعر الأعشى من مشاهير شعراء العرب، وتعرض للأعشى، وكان الأعشى معروفًا، وهو من أهل اليمامة، لكن كان معروفًا أنه له ترحال، فتعرض للأعشى لما كاد يمربقومه، وبر له، واستقبله، وذبح له، وبالغ في إكرامه،

فقال فيه الأعشى بعض الأبيات، و كان يلقب بالمحلق، فقال الأعشى في شعره:

العمري لقد لاحت عيون كثيرة .*** إلى ضوء نار بالفلاء تحرق

تبيت المقرورین يصطليانها *** وبات على النار الندى والمحلق

فبالغ في مدحه بالكرم، كأنه يقول أن الكرم كائن، يفترض في هذا المثال في الشعر والوصف أن الكرم عبارة عن كائن حي، وأن المحلق شابين هذه النار و جالسين فقط ينتظرون قدوم طارق الطريق والضيفان، وما إلى ذلك، وأنه ما صبر على هذا الأمر إلا اثنين من من الكائنات الحية، من هم؟


الكرم نفسه والمحلق، يعني المبالغة فاستدعى الكرم، وجعله حيا، قال (تبيت)، وقال (وبات على النار)، من الذي بات ؟ ما قال المحلق وعبده مثلا، أو وصاحبه وما إلى ذلك، لا، قال: (وبات على النار الندى); أي الكرم جالس ينتظر ذهب ليله كله ينتظر ، و (بات) مثل ما قال المتنبي لما أراد أن يمدح كافور

الإخشيدي في شعره، وإن كان جعل في قصيدته عودًا، قال أبو الطيب المتنبي:

قطعت المرور والشناخيب دونه ***وجبت هجيرًا يترك الماء صابيا

(وجبت هجيرًا) يعني قطعت ، يقول يا كافور إني مشيت من الشام إلى مصر في النهار الشديد الحر، في شدة الحر، (جبت) بمعنى قطعت، (( وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر : ٩]، أي قطعوا، قال (وجبت هجيرًا)؛ كثير الذين يمشون بالظهر، لكن أبو الطيب قال لا، الهجير الذي مشيت فيه أنا يختلف، هذا الهجير لو الماء مشى فيه، الماء تحول إلى
كائن حي، ويمشي فيه؛ لتوقف الماء، وقال أريد ماء.

يقول (وجبت هجيرًا يترك الماء); الماء سيكون عطشانا، الذي هو مصدر الإرواء، يقول (وجبت هجيرًا يترك الماء صابيا)

وبالمقابل الكرم الذي كانت تتمدح به العرب، ترى كرم من نوع معين، وأما الإنسان الذي كرمه عشوائي مطلقاً هذا حتى العرب ما كانت في الجاهلية تسميه كرما، تسميه غواية، أو فسادًا، أو ما إلى ذلك.

ولهذا مثلا جاء في شعر طرفة بن العبد لما قال :

أرى قَبرَ نَحَامٍ بَخيل بمالهِ * كَفَيرِ غَوِيٌّ بِالجهالة مُفْسِدِ

يتكلم عن المال، وأن المال لا يبقى، فضرب المثل هنا، وذكر الحالتين المتقابلتين؛ حالة البخيل شديد البخل، وحالة المسرف، ما قال الكريم،

قال (أرى قبر نَحَامٍ بَخيل بماله) ، ما قال (وقبر كريم)، وإنمال وقبر (غوي بالبطالة مُفسِد).

أرى قَبرَ نَحام بخيل بماله * كَفَّيرِ غَوِيٌّ بِالبطالة مُفْسِدِ

يعني هو الذي يجعل ماله فيما يناسب، وما لا يناسب.

أرى قَبرَ نَحَامٍ بَخيل بماله *** كَفَّيرِ غَوِيٌّ بِالبطالة مُفْسِدِ

تَرَى جُنُونَينِ مِن تُرَابٍ عَلَيْهِما *** صَفَائِحُ صُمٌّ مِن صَحِيحٍ مُنَقْدِ

الشاهد في ذلك أن هذه المعاني التي تقولها العرب سواء في جاهليتها سواء في الخمر، أو في المال، في تصاريف العمل معه يدلك على أن ما جاءت به الشريعة على وفق قواعد الفطرة.

إذا قلنا إن العرب في مثل هذا إذا أشاروا إلى كذا في الخمر؛ فهي جذوة الفطرة، فهي جذوة، لكن فعلهم بشرب الخمر وفعلهم بمدح الخمر في كثير من أمرهم، هذا على خلاف الفطرة، ولهذا فيهم جذوة الفطرة، وليس فيهم تمام أو ظهور الفطرة،

يوجد في نفوسهم جدوة الفطرة في مثل هذه الأمور الأخلاقية .

السليماني
06-12-2026, 09:11 PM
(60)

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله :

( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) فهذا وافق ربه فيها يحبه وما يكرهه، ف كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».


الشرح :

محبة الله هي عبادة بذاتها، وقال الله في كتابه: ﴿ قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله) وبعض الذين تكلموا في مسائل السلوك جعلوا المحبة أثرا، فقالوا إن المحبة دليلها وبرهانها الطاعة، وصحيح أن الطاعة دليل، لكن هذا يعود على المسألة الدور كما يقال، لأن الطاعة هي طاعة الله، وطاعة الله هي طاعته بما شرع، ومما شرع الله المحبة أي محبة الله سبحانه وتعالى وإذا ترك العبد بعض الفعل من العبادات الفعلية؛ لا يقال إنه ترك جميع الأفعال، أليس كذلك ؟

فمن قصر في فعل؛ لا يقال إنه قصر في جميع الأفعال، ومن فعل معصية ما، ولو من نوع واحد، فضلا عن كونها من جنس واحد، فضلا عن كونها من أجناس مختلفة، حتى في النوع الواحد مع ضيقه لا يق بالأنه فعل جميع المعاصي من هذا النوع !

أليس كذلك؟

كالغيبة مثلا، والنميمة، وما إلى ذلك التي تقرن في ذكرها، والسخرية من الإنسان، المعاني التي هي أشبه ما تكون بالأمور الاجتماعية، الخطأ من الأخلاق الاجتماعية، الخطأ التي هي الغيبة والنميمة، وما في مادتها.

فهذا النوع، هل من فعل الغيبة يجب أن يكون فعل النميمة؟ لا يلزم، أليس كذلك؟

من باب أولى إذا استعملت جنس المعاصي الظاهرة، أو جنس معاصي الأقوال، لا يلزم أن من فعل معصية قولية يكون فعل جنس المعاصي القولية، من باب أولى إذا اختلفت ماذا؟ الأجناس،

تقول المعاصي الظاهرة من جنس الظاهرة، وجنس الباطنة مثلًا، (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَة ) صحيح أنه ما من معصية إلا وتؤثر في تحريك النفس إلى المعاصي الأخرى، هذا معنى آخر، لكن تتكلم عن الفعل؛ هل السارق يلزم أن يكون هو الزاني ? هل يعاقب أو يؤاخذ بأن السارق يكون مؤاخذا بكبيرتين السرقة والزنا ؟

لا، صحيح أن إتيان الكبيرة يحرك، ويخفف الكبيرة الأخرى على النفوس، ويجرئها عليها، لكنها ليست هي تماما، لا في النوع، ولا في الجنس الواحد فضلا عن الأجناس المختلفة.

فإذا كان كذلك، فبعض الذين قرروا مسألة المحبة الله، قررت على وجهين:

عند بعض الصوفية جعل المحبة وصفًا من جنس محبة المخلوقات، وهو الجمال والتعلق بالمعاني المجردة التي ليس فيها تحقيق العبودية، كمحبة الوالد لابنه، أو لولده، أو تجد أن هنالك تعلقا مفتوحا بغض النظر عن كون هذا الولد له مصلحة على أبيه، أو له نفع، أو أدى حقوقاً، أو لم يؤد حقوقًا قد يكون طفلا، أليس كذلك؟ ومع ذلك تجد تعلق الأب به تعلقا، أومحبة الله له محبة بالغة، ومحبة عارمة، هذه فطرة.

ليست المحبة فرع عن الحق في الولد أو المصلحة، قد لا يكون، قد يكون أصلا طفلا كما تعرف، ليس الآن محل أنه يفعل البر، أو لا يفعل البر، أو يفعل خلافه وهو العقوق، فمحبة الله ليست كمحبة المخلوق، المحبة التي شرعها الله لنا في محبات العباد الله سبحانه وتعالى - ليس كمحبتهم لولدهم ووالدهم، بل هي محبة عبادية كاملة، لا تليق بمخلوق أصلا.


فهذا النوع من المحبة أخطأ في فهمه بعض الصوفية، فجردوه تجريدا، ولم يجعلوا العبادة تابعة له، ولهذا تركوا كثيرا من الأمر، أو قصروا فيه باسم تعلقهم بمسألة المحبة، وانصرافهم لها، وتجد أن الشرعيات التي شرعها الله فيها تقصير كثير، وفيها غفلة كثيرة، أو فيها مخالفات كثيرة، لم يلت إليها بهذا الشكل من الصورة التي يسمونها المحبة، وهي محبة صورية، وإذا قبل إنها صورية؛ لا يلزم أنها صورية من كل وجه.

. وبالمقابل بعض من أراد الميل عن هذا النوع من طريقة بعض الصوفية اتخذ المحبة أثرا، وجعل الأصل هو الاستجابة للأمر، وأن هذا هو المحبة فقط، أن تفعل الفعل، هذا هو المحبة، وهذا مسلك كثير الإجمال والتداخل، ويعود بالدور كما قلنا سابقا.

لأنك إذا قلت الطاعة المحبة، (من صدق في محب؛ فليطع ) يقول هذا صحيح، لكن لا تغلق فهذه شعيرة بذاتها،

محبة الله هي: شعيرة بذاتها، ومن عصى الله بعض المعصية لا يقال أنه كاذب في محبته، لأنه أصلا من عدم المحبة الله ؟ هذا لا إيمان له، ما من مسلم إلا وعنده من محبة الله بقدر إيمانه، أليس كذلك؟

هي فريضة لا يتصور عدمها مع وجود الإيمان والإسلام، فما من مسلم إلا وهو يحب الله سبحانه وتعالى - مهما كانت معاصيه، لكن لاشك أن محبة النبي عليه الصلاة والسلام - لربه سبحانه وتعالى - ليس كمحبة جملة الناس.

ومحبة أبي بكر، ومحبة الصحابة عندهم تحقيق فمثل ما نقول هم محققون في مسألة الإيمان، وكما يتفاضل الناس في تحقيق الصلاة، وفي تحقيق الأفعال، يتفاضلون في تحقيق المحبة، وفي تحقيق آثارها، وفي تحقيق مقتضياتها، المقصود أن المحبة نفسها المقصود أنها هي شعيرة وعبادة.

ولذلك أثرها أن يذوق طعم الإيمان;(( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان )) هذا الأثر، ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»؛

هذه عبادة، هذه شعيرة مثل شعيرة الصلاة، ومثل شعيرة صلة الرحم، فكيف نجعل صلة الرحم عبادة، ولا نجعل محبة الله بذاتها عبادة؟ هي عبادة بذاتها، ويدخلها التفاضل بين المؤمنين، مثل تفاضلهم بالصلاة،

ومثل تفاضلهم في صلتهم لرحمهم، ومثل تفاضلهم في برهم لوالديهم، وغير ذلك من الأعمال .

فهي عبادة مشروعة وليست أثرا لعبادة، منهم من غلا في المحبة، فجعلها صورية من جنس محبة والتعلق المقطوع عن الأحكام والتشريعات والاستجابة، ولذلك كما ضربنا مثلا بالأب يحب ولده أو طفله مع أن طفله لا استجابة له، ولا أمر له، ولا نهي له، الأب لا يستجيب لأمر ابنه لأنه يعرف ليس له أمر، وليس له عقل قد انتظم واستتم، ليس مميزا، لا يزال طفلا، وأيضا ليس له أثر على أبيه.

فتجريد المحبة بمثل هذه الطريقة هذا تجريد ليس هو الوجه الشرعي الذي عطل به بعض الصوفية الأمر والنهي باسم أنهم اتخذوا مقام المحبة، لا فالمحبة شعيرة، محبة الله، وخوف الله، ورجاء الله، هذه عبادات، ونعلم أن الإيمان قول وعمل، وهذه من أصول الأعمال الشرعية، محبة الله، وخوف الله، ورجاء الله هذه من أصول الأعمال الشرعية، هذه الطريقة من طرق بعض الصوفية، حتى الذين التفتوا للمحبة حتى عطلوا بها الأعمال، أو عطلوا بها الأعمال القلبية الأخرى.

كتعطيل أثر الخوف من الله، أو أثر الرجاء، وهذه الطرق عرضت لبعض الأمم، ولهذا نهي في كتاب الله عن القنوط من رحمة الله، وعن الأمن من مكر الله، ولم يوصف به إلا القوم الخاسرون، وقوم ضالون، وقوم خالفوا نهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن الدين نزل كاملا، لا يتخذ نوع منه لا، يصح أن تتخذ بعض الشرائع، وتغلق بها بقية الشرائع، ولهذا نهي عن الرهبانية، كله تحتاج المادة، وهذا نظام، من نظام الشريعة، نهي عن الرهبانية ونهي عن التبتل،

وجعلت الرهبانية بدعة في دين الرسل ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ﴾ .

المقصود هنا أن المحبة شعيرة، فهذه طريقة من طرق الصوفية ليست لجميع الصوفية، ولكن لبعض الصوفية الذين جعلوا المحبة هي الشعيرة التي يدار عليها، - طبعا هذا لابد أنه يكون خطأ في فهم المحبة، يعني ليس كنتيجة - لهذا أنك تقول حققوا المحبة، وتركوا غيرها، يتصور هذا، في التشريع لا يتصور أنه يحقق المحبة، وهو معطل للخوف والرجاء مثلا، من تحقيق المحبة تحقيق عبادة الخوف والرجاء، وكذلك العبادات الأخرى .

فمن أراد لزوم المحبة، وقصر في غيرها؛ يلزمه ضرورة مخالفة التشريع، حتى من حيث الأحوال لما تكلم في السلوك والأحوال، هذا نقول خطأ لكن حتى من حيث السلوك والأحوال هل ستكون النتيجة أنه يحقق المحبة، وتكون محبته تامة لكنه في الأعمال الأخرى ناقص أو مقصر أو .... لا ، حتى لا يتصور تمام المحبة مع التقصير في إيش؟

في الواجبات الأخرى التي هي على نفس المقام من حيث الوجوب .

فهذه طريقة لبعض الصوفية قابلها بعض من أراد التباعد عن هذا المسلك، وتكلم عن مسألة المعاصي، وعن شر المعاصي، ولم يجعل للمحبة إلا حقيقة ترك المعصية، وكأن المحبة صارت هنا بهذه الطريقة التي يشير إليها بعض من كتب في السلوك ممن حاول الابتعاد عن طريقة الصوفية، فجعل المحبة في طريقته هنا جعلها أثرًا،

فتلك الطريقة الصوفية الغالية جعلت المحبة شعيرة لا أثر لها، وهذا ليس صفة شرائع الإسلام، فشرائع الإسلام شرائع لها آثارها، آثار الخير، فالشريعة والشعيرة توجب وتحرك النفس للشعيرة الأخرى، ولذلك قال الله - تعالى - عن شعيرة الصلاة ماذا؟

( إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهُ أَكْبَرُ ﴾ ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّيْرِ وَالصَّلاةِ)


هذه آثارها، فشرائع الإسلام، وشعائر الإسلام لها آثار

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

في المناسك قال الله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ تَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ الشعائر هذه حقائق في القلوب والنفوس لها آثار، والحسنة تتبعها الحسنة إلى غير ذلك.

فهذا النهج الذي سلكه بعض الصوفية جعلها شعيرة مقطوعة الآثار، وصارت محبة صورية، وهذه موجودة في بعض الفلسفات قبل الإسلام، عندهم محبة الإله، حب الخالق محبة أشبه ما تكون في الفلسفات العرفانية والإشراقية الموجودة في بعض الأمم من الهنود وغير الهنود، وطبعا يغلب في بعض الأمم تعدد الآله،

لكن حتى الذين يميلون منهم إلى الوحدانية يقفون عند مسألة شهود المحبة كجمال، محبة جمالية وما إلى ذلك، فهذا النوع من المحبة ليس هو المحبة التي شرعها الله، أن تكون شعيرة لا أثر لها، أو تعطل بها الشرائع الأخرى.

ويقابل ذلك : المسلك الذي استعمله بعض المائلين للسنة، ولكنهم لم يحققوا طريقة القرآن وهدي الصحابة وطريقة السلف في فهمهم لأعمال القلوب، فيجعلون المحبة - وهذا يفعله كثير من الواعظين، أو بعبارة أدق بعض الواعظين الذين هم بعيدون - يخشون التصوف ومادته، والبدعة مادتها، ثم لا يجعل للمحبة إلا أثرا، والصحيح أن المحبة شعيرة المحبة شعيرة من الشعائر، وهي بذاتها عبادة من العبادات.

مثل ما نظر البعض، وسبق معنا في كلام الشاطبي في (الموافقات) وإن كان كتابا في قواعد التشريع والأصول والمقاصد، لكنه تكلم عن العلم،

وقال إن العلم وسيلة لعلم الشريعة وسيلة للعمل، التعبير بأن العلم وسيلة هذا خطأ، فالعلم بذاته غاية، العلم بذاته عبادة، العلم بالله، الدين قائم على العلم، ومعرفة الله هي عبادة بذاتها.

أحيانًا بعض الأساليب ألفت، وهي ما يسمى بالمقدمات المسلمة، تكون مسلمة بالإلف؛ بالإلف أحيانًا الاجتماعي، أو الإلف العلمي البسيط، الإلف الاجتماعي؛ هذا يُعرف أنه ليس قانون علمي.

ألإلف مثل بعض الإلف الاجتماعي مثل بعض الذين عند القبور يفعلون عندها البدع، وأسباب الشرك، هذا إلف اجتماعي أحيانًا، في بعض حالات أو البيئات، لكن أحيانًا حتى بعضهم الذين لهم عناية بالعلم هناك إلف علمي لبعض الكلمات، تصبح كأنها أصبحت قاعدة (العلم وسيلة للعمل) وبعض الناس يرى أن هذه الآن قاعدة، ويقرر ....

هذا خطأ أصلا، أيش العلم الذي وسيلة للعمل العمل غاية، والعلم غاية، بل هما في الحقيقة ماهية واحدة، هل يتصور عمل من دون علم الإن المعاي المسلمين لما يجي ويصلي الظهر أربع ركعات بكذا سجود، وكذا ركوع إلى آخر، ويركع بصفة كذا؛ هذا عنده علم، هذا ما حقق عملا فقط، هذا حقق عملا، وحقق علماً يعرف أن الصلاة هذا وقتها وهذا قدرها، وهذه صفتها.

فلا يتصور انفكاك العمل عن العلم، ما يعلم ما يمكن يعمل الآن لو قلت لشخص (قم)؛ قام، لأنه يعلم معنى قم، لو قلت له (اقعد)؛ قعد، لو أتيته بمصطلح أو بكلمة من لغة أخرى خاطبته بها، ما يقول، ولا يقعد، و.... لأنه ما علم المقصود، فقضية أن العلم ماهية منفكة، والعمل ماهية منفكة؛ هذا وهم ذهني أصلا.

صحيح أن الله سبحانه وتعالى أوجب على العباد أن يعملوا بما علموا ، لكن هذا لا يجعلنا نحول العلم إلى كلمة وسيلة، لأن الوسيلة دائما أضعف ، وليس مقصودة لذاتها، الله يقول: ﴿وَاللَّهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بها )) شرع لنا معرفتها، وشرع لنا دعاءه سبحانه وتعالى - بها.

وكما قلت أن العبادة مبنية على العلم والعمل، لا يوجد عبادة هي علم محض لا عمل فيه، لا يوجد هذا ولهذا إذا تجرد العلم تجردا تاما؛ لا يكون عبادة الله، ولا يسمى العلم المطلق، بل هذا من جنس المعرفة التي كانت لبعض أهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ وقوله عن المشركين((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾

هذه المعرفة المجردة ليست هي العلم الذي قال الله فيه ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾

فالعلم هو الذي يوجد الإيمان، هذا التلازم، وهذا فيه عقيدة أهل السنة في فهمهم لمسألة الإيمان، ولهذا توهم المرجئة، وقالوا كيف العمل الظاهر يسمى إيمانًا ؟ الإيمان التصديق، وين العمل الظاهر الذي ما فيه تصديق؟

ما فيه أصلا عمل ما فيه تصديق، كما ذكرنا في كثير من الدروس لو أن شخصا يدور بالكعبة يبحث عن مفقود له شخص معتمر ويقوم يطوف، فقد طفلا، فصار يدور بين الطائفين يبحث عن هذا الطفل المفقود.

فهو الآن ما نوى الشروع في الطواف، هل نقول والله ما دام أخذ ثلاث مرات من الحجر إلى الحجر، ولقيت طفلا، وربما سبع مرات، ثم لقاه في الثامنة مثلا، نقول والله أنت كملت سبع ؟ هذا لم يقم بركن العمرة أو بركن حج، أو حتى بمشروع

مع أن الصورة الظاهرة للذي مايعرف يظن أنه طائف ومستعجل وهو في الحقيقة ماقصد الطواف .

فلا يوجد في الشريعة العمل المجرد، فأصلا كل عمل واجب فيه الإخلاص لله، و كل عبادة لابد فيها من العلم والتصديق والإخلاص، وما إلى ذلك.

الشاهد في ذلك أن بعض من تجافى طريقة الصوفية التي جعلتها شعيرة على خلاف قاعدة الشريعة في الشعائر، لأن قاعدة الشريعة في الشعائر هي ما ذكر في قول الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ﴾ .

المذكورة في قول الله:(( لَنْ يَنَالَ اللهُ خُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ )) فهذا منهج باطل.

ولكن المقابل الذي لا يجعل للمحبة حقيقة شرعية بذاتها، وإنما يسميها أثرا أو وسيلة أو ما إلى ذلك، هذا خطأ في فهم هذه الشعيرة فالمحبة شعيرة بذاتها، ولها آثار مثل ما الصلاة لها آثار ألم يقل الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والمنكر ) هذه قاعدة، ومحبة الله تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن وقع في معصية لا تكون محبته باطلة، مثل من وقع في معصية هل تكون صلاته باطلة، لا ما تكون باطلة، ولكن هل تكون على الدرجة الرفيعة في التحقيق، أوهي ناقصة ؟ نقول هي ناقصة ؟

ولهذا ذكر الله أن الإيمان يزيد وينقص، أو يزيد في القرآن، ولم يصرح بذكر النقص، ولكن كما قال الإمام مالك لما سئل عن نقص الإيمان، قال يا هذا أليس هو يزيد في كتاب الله ؟) يعني ألم يذكر الله في كتابه أن الإيمان يزيد، مثل قوله: ﴿وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى )) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) قال (أليس هو يزيد في كتاب الله؟) فكما يزيد؛ ينقص،

يعني هذا حكم ضروري أن ما قبل الزيادة قبل النقص .

ماهوالإيمان الذي يزيد وينقص وأجمع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الأصل خالفوا به؟ هذا هو الفقه، هذا معنى فقه كلام السلف، وفقه عقيدة السلف، أنك تفقه معنى يزيد وينقص ما تأتي تقول العلم وسيلة، معرفة الله لا تكون وسيلة.

لكن أحيانا تأتي بعض الطرق الغالية، فتجرد بعض المعاني، فيرغب بعض المتأخرين الذين لم يحققوا رسوحا بالغا في هذه المعارف، وحسن ابتداء مبني على تفاصيل العلم، وليس على الإرادة والمحبة للسلف فقط، فيقصر ويكون هذا التباعد عن البدع يأتي بأقوال غريبة أو ناقصة، فلما وجدوا بعض أهل البدع يقول في مسائل أول الواجبات في كلام المعتزلة يقول أول واجب النظر)، وجملة يقولون (أول واجب من أهل الكلام يقولون أول واجب المعرفة)، فلما وجدواکلمة (المعرفة)، كلمة (النظر)، (القصد إلى النظر)، (أول جزء من النظر؛ هذه كلمات المتكلمين، البعض يريد أن يتكلم ليحقق مسألة العبادات الظاهرة، فيتباعد عن هذا، ويقول لا ، أو النظر أو العلم هو وسيلة للعبادة.

لا، هو عبادة، والصلاة عبادة، والحمد الله الله سمى الصلاة شعيرة، يعني وصفها بأنها عبادة، ووصف الصيام بأنه عبادة، والحج بأنه عبادة، وكذلك محبة الله عبادة، وخوف الله عبادة، وهكذا، فهذه كلها شعائر ظاهرة، أو شعائر باطنة.

هذا المسلك مسلك خطأ، وقع فيه بعض من كتب في السلوك ممن تباعد عن التصوف، ولم يفقهوا به مذهب السلف على وجهه، ويقع فيه أحيانًا بعض الوعاظ الذين يختصرون مسألة المحبة، ويختصرون مسألة المعاني التي شرعها الله عظيمة من العبادات كمحبة الله ورجائه وخوفه، وما إلى ذلك.

لكن نشوف حتى في الخوف، كثير من الناس يدور خوفه على الجنة والنار، الخوف من النار، وفي الرجاء يدور على رجاء النعيم ولا شك أن الخوف من النار خوفٌ مشروع، ورجاء الجنة رجاء مشروع، لكن كونه يكون محور عبادة الخوف والرجاء؛ هذا مقام قاصر ، لأن الخوف الخوف من سخط الله، الخوف من غضب الله .

الرجاء أعظمه رجاء الله المقام الذي أعطاه الله وتفضل به على خاصة المؤمنين ( رضي الله عنهم ورضوا عنه )
وبعدها ذكر الثواب الآخر الذي الجنة،(( والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﴾ ، أول مقامات الخبر في السياق قوله الله إنها يقدم في هذا المقام ما هو الأشرف، والفضل الأعظم، ما هو ؟

قال(( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ))، هذا لا شك من فضل الله عليه، لكن أول مقام هو مقام الرضا.

فالعبادات يجب أن تفقه على الوجه الشرعي، والعبودية فقه عظيم، ودقيق، وكما أخطأ فيه الصوفية؛ أخطأ فيه بعض المتأخرين على أوجه يريدون التباعد عن هذه البدعة، فيقعون أحيانًا في بعض الكلام الذي يقوله لينفكوا به عن بدعة التصوف، يبالغون في مسألة، فلا يقعون على وفق الشريعة، وهذا المعنى طبعا لم يعرض للمتقدمين من الأئمة، ولكنه يعرض لبعض المتأخرين.

وهذا له نظائر مثل ما في صفات الله، لما كـثر عند المتكلمين، وتأثر به بعض الفقهاء، صار بعض الفقهاء ليتقيه يبالغ في الإثبات، طبعا المبالغة لا تصل إلى حد التشبيه، لكن فيه زيادة بالإثبات، وهذا المعنى ذكره شيخ الإسلام مثلا في الصفات عن بعض الحنابلة مثلا ، طريقة ابن عقيل مائلة إلى التأويل في الجملة.

لكن جاء بعض من تباعد عن التأويل واستنكار التأويل، فبالغ، أو صار عنده زيادة في الإثبات، ولهذا ذكره ابن تيمية عن مثل أبي عبد الله بن ابي حامد من الحنابلة أن عنده زيادة في الإثبات، وفيما هو موضوعات كثيرة.

وأحيانًا درجة الإنكار للخطأ تزيد مثل مسلك أبي إسماعيل الهروي الأنصاري صاحب [منازل السائرين] لما كان كثير التباعد عن بدع متكلمة الصفاتية، بالغ في ذمهم، وفي ذم بدعتهم لدرجة أنه وقع في التكفير في بعض المسائل، على خلاف ما كان معروفًا عند السلف، ولذلك قال ابن تيمية بأن طريقته في هذا مخالفة لما عليه الأئمة كأحمد وأمثاله، فأحيانا المسائل المتقابلة، وفي الغالب أن هذا يقع من عدم التحقيق والعلم.

وتُفهم الآيات أحيانًا على غير وجهها، فبعضهم يجعل المحبة أثرا، ولا ينصبها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام والإيمان يستدل أو يتوهم الفهم الخطأ في قول الله - تعالى - ((قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهُ فَاتبعوني يُحْبِبْكُم الله ) فيتوهم من هذه الآية أن المحبة أنها أثر، وليست هي شعيرة لها آثارها.

وهذا التوهم كتوهم من توهم في قول الله - تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ كما جاء عن جملة من الصحابة ومنهم أبوبكر أنكم تقرأون آية تضعونها في غير موضعها، فهذا كذلك من يقرأ قول الله -تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله)) يجعل هذا أن المحبة أثر، وليست شعيرة قائمة بذاتها، يُعبد بها الله سبحانه وتعالى، فالله يعبد كما يُعبد بالصلاة، يُعبد بالمحبة.

طبعا الصلاة هي من محبة الله، الصلاة يعني المحبة تدخل على سائر العبادات، فالحج ضمنت فيه المحبة، والصوم ضمنت فيه المحبة، هذا الفهم الشرعي للمحبة، ليس كفهم الفلسفة للمحبة أنها المحبة الجمالية المجردة، ولهذا في الصيام في الحديث القدسي قال: «يدع طعامه وشرابه، وشهوته من أجلي»، و قال الله «الصوم لي، وأنا أجزي به، لأن العبد يفعله محبة الله، واستجابة له...

والمقصود على كل حال هذا مقام من مقامات المسائل، وهذه الرسالة لمن تأملها رسالة جامعة في إشارات هذه الحقيقة الشرعية العظيمة، وهي عبادة الله بمحبته سبحانه وتعالى، لأنه وقع فيها إفراط أو تفريط.

السليماني
06-13-2026, 05:05 PM
(61)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

( وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من الله ورسوله أحب إليه مما سوهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقله الله منه كمايكره أن يلقى في النار))

فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه، فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ))

الشرح :

قال المصنف رحمه الله: "وفي الصحيح الحديث متفق على صحته، ولكن تعلم أن العلماء - رحمهم الله - يقصدون بمثل هذا التنبيه على أن الحديث من المخرج في الصحيح، وليس هذا من الفوات على المصنف، فهو من أهل العلم بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - علماً مستفيضاً واسعاً عرف به - رحمه الله -.

قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان )

وهذا حديث أنس، قال فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاء بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف، وجاء بلفظ:


((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما،

وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار))

فهذا حديث عظيم، وهو من جوامع أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم، وقد أوتي -عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيح وغيره قد أوتي جوامع الكلم،


فهذا حديث عظيم القدر، وفيه بين النبي - صلى الله عليه وسلم - الأسباب الشرعية التي يحصل بها تحقيق الإيمان

وأعظمها وأجلها: محبة الله - سبحانه وتعالى، فإن قيل : فالإخلاص ؟

قيل: ما من محبة الله - سبحانه - إلا ويصاحبها الإخلاص، ومن تحققت محبته تحقق إخلاصه، كما قال الله - جل وعلا :

((قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْيِيكُمُ الله)) فهذا مما لا ينبغي أن يلتبس على الناظر بآيات الكتاب وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم،


فإذا ذكر الله في مقام وجهاً من مقامات العبودية أو سمى مقاماً من مقاماتها، لم يدل هذا السياق في القرآن أو في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على عدم دخول غيره، بل إن غيره من المقامات إما أن يدخل فيه تضمناً، وإما أن يدخل فيه لزوماً،


فإن محبة الله سبحانه وتعالى وكذلك محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي متضمنة ومستلزمة لسائر أوجه العبادة والطاعة ولسائر أوجه الإيمان من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.

((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما))

ولهذا عرف بهذا الحديث أن محبة الله من أخص مقامات العبودية له، ولهذا يعبد الله - وعلا - محبة له، وهذا هو التحقيق المقام العبودية، وليست العبادة على سبيل المعاوضة والنظر في ما سمي من الثواب والجزاء في الآخرة، فتنقطع نفس المكلف عند هذه الدرجة،


فإن هذا النظر - وإن كان استصحابه صحيحاً وشرعياً - ولكنه لا يصح أن يكون هو منتهى مقصود العابدين ونظر العارفين،

وإنها عبادة الله هي حق الله سبحانه وتعالى - تجب له، ويُعبد ربنا - سبحانه وتعالى من عابديه ومنا حامديه ومن مسبحيه ومن ذاكريه ومن المصلين ومن الساجدين ومن القائمين المؤمنين بالله يعبدون ربهم بهذا الدين العظيم،

يعبدون الله بأنه وعلا - مستحق للعبادة، وما آتاهم من النعم وما وعدهم به من الثواب فهذا فضل من الله ورحمة.

قال: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله)

وهو تحقيق المحبة بين المؤمنين بأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه،

وجاء في الحديث الآخر وهو حديث أنس أيضاً، قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه،))

وهذا من جهة جملة المقصودات فيما يحب المرء لنفسه، ولهذا فإن دين الإسلام دين عظيم من جهة مقاصد النفوس وأصلها الأمانة التي ذكرها الله في قوله:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾

وينازع هذه الأمانة مقامان:

1)مقام الظلم تارة.

2) ومقام الجهل تارة.

ولهذا الظلم والجهل هي جماع الشر، وما من خطأ يقع في بني آدم إلا وهو متفرع عن أحدهما، أي عن الجهل أو الظلم، أو

مركب منهما.

والأخطاء الكلية الكبرى هي مركبة منهما ولابد، كالشرك بالله، ولها سماه الله - سبحانه وتعالى ، سمى أهله بسقوط هذا المقام:

مقام العلم ومقام العدل، وسمي الشرك في كتاب الله ظلماً،

كما قال لله تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمانُ ابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بني لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

في قصة لقمان - رضي الله تعالى عنه .