مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة البقرة -د.محمد راتب النابلسي -
امانى يسرى محمد
09-04-2025, 08:38 PM
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=http://www.albetaqa.site/data/alwaraqa/15teb/1teb01/p-teb033c.jpg&key=da1edacb86c64ccd30607e9f53e7d0d33fd727e971b9c5 9c78558af42d204183 (http://www.albetaqa.site/data/alwaraqa/15teb/1teb01/p-teb033c.jpg)
قبل أن نبدأ في شرح هذه السورة لا بد أن نسأل هذا السؤال:
لماذا سميت سورة البقرة، مع أن البقرة ليست حيواناً مألوفاً في الجزيرة العربية ؟
الحقيقة أن هذه البقرة التي سُمِّيَت بها السورة الأولى في القرآن الكريم بعد الفاتحة، هذه البقرة لها قصة
كان هناك رجل غني جداً من بني إسرائيل، كان ثرياً جداً، ولم يكن له أولاد، فقتله ابن أخيه، وألقى الجثة بعيداً على مشارف قريةٍ بعيدة، واتُّهِمَ أهل هذه البلدة بقتل هذا الرجل، ونَشِبَ خلافٌ بين القرية الأولى والقرية الثانية، إلى أن جاء أولياء القتيل ليسألوا موسى عليه السلام عَن الذي قتل هذا الرجل، فربنا عزَّ وجل في الآية الثالثة والسبعين من هذه السورة الكريمة ذكر قصة هذه البقرة، فقال:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) )سورة البقرة
الأمر الإلهي أن يذبح بنو إسرائيل أيَّةَ بقرة، فإذا أخذوا أحد أعضائها، وضربوا به هذا القتيل يحيى، ويقف، ويقول: فلان قتلني، أي كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُثْبِت لبني إسرائيل الحياة بعد الموت ؛ نقف قليلاً لننتقل إلى موضوع اليوم الآخر.
الحقيقة الكبرى أنه بعد الإيمان بالله ـ وهـو الرُكن الأول ـ أن تؤمن بالـيوم الآخر، لأن الحياة الدنيا من دون إيمانٍ باليوم الآخر غابة يأكل القوي فيها الضعيف، يستغلُّ الغني الفقير، وهذا مـا يجري في العالم اليوم، هو عالم لا يؤمن باليوم الآخر، فالقوي هو الذي يسحقُ الضعيف، والغني هو الذي يستغلُّ الفقير، والأقوى هو الذي يعتدي على الأضعف.
لم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر:
الأحداث كلُّها تشير إلى أنه لن تقوم حياةٌ إلا أن تؤمن باليوم الآخر، وكل ما يقال من كلامٍ لا معنى له ؛ ضمير يقِظ، وازع داخلي، هذا كلُّه إن لم يُدَعَّم بالإيمان باليوم الآخر لا جدوى منه، ولم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر ؛ فربنا سبحانه وتعالى من خلال قصة البقرة أراد أن يبيِّن لبني إسرائيل أن هذا الذي تراه ميتاً سوف يُحْييِه الله يوم القيامة لينال جزاء عمله، فماذا فعل بنو إسرائيل ؟
هذا الأمر لم يتلقَّوه بالقبول، ولم يستقبلوه بالرضا، ولم يستقبلوه بالانصياع، بل استقبلوه بالتشكيك والسخرية:
( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) )
نبيٌ كريم يستهزئ ؟! يمزح !!
( قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (68) )
هنا..
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) )
وانتهى الأمر.
النعم، لا بدَّ أن تفارقها بالموت، وقد تفارقُكَ قبل الموت ؛ أما الآخرة فحياةٌ أبديةٌ سرمدية، حياةٌ لا نغص فيها، ولا شيخوخة فيها، ولا حُزْنَ فيها، ولا قلق فيها، ولا برد، ولا حر، ولا مرض، ولا فقر، ولا غنى، ولا قهر.
( لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) )
(سورة الصافات)
وقال:
( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) )
( سورة المطففين)
الإيمان باليوم الآخر يأتي بعد الإيمان بالله تماماً، ولو تتبعت الآيات التي تذكر الإيمان لوجدت أن أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر ؛ والحياة الدنيا من دون إيمان باليوم الآخر غابة ؛ يأكل القوي الضعيف، يستغل الغني الفقير، شعوبٌ تُقْهَر، شعوبٌ تموت من الجوع، وشعوبٌ تُطعِم كلابها من اللحم ما لا تأكله شعوب بأكملها في جنوبي آسيا، هناك محلات، وهناك رَفاه لكلابهم يفوق رفاه بعض الشعوب ؛ حياةٌ القوي فيها هو المسيطر، والضعيف مسحوق، هذه حياةٌ دُنيا من دون يوم آخر، انظر إلى مجتمع إيماني صغير، أفراده مؤمنون باليوم الآخر، تجد الإنسان يأخذ ما له ويدع ما ليس له
(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) )سورة البقرة
( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ )
لو رسم الإنسان هدفاً، فالأهداف متحركة، والأهداف متبدِّلة، والأهداف غير ثابتة، والأهداف مِزاجية أحياناً ؛ هؤلاء البشر أمامكم منذُ آلاف السنين ؛ انغمس أناسٌ في الشهوات إلى قِمم رؤوسهم، وقدَّس أناسٌ العقل، فكان العقل سبب دمارهم، قدس أناسٌ العادات والتقاليد فكانت العادات والتقاليد سبب تخلفهم، أناسٌ قَدَّسوا المادة، أناسٌ قدَّسوا الروح، أناسٌ قهروا النفس، رسمت الشعوب والأمم أهدافاً لذواتها، وكانت الأهداف غير صحيحة ؛ ادَّعت شعوبٌ أنها الشعب المختار في الأرض، فأرادت أن تَقْهر بقية الشعوب، فدُمِّرت وانتهت، الآن هدف الشعوب الغربية المُتعة بأي طريق، وبأية وسيلة ؛ قضت المتعة عليها، وإذا كانت هذه الدول تقوم فهي تقوم على أدمغة الآخرين، لا على أدمغة أبنائها.
قل إن الهدى هدى الله، في الأرض هدى واحد، طريق مستقيم واحد، نور واحد.
( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ 30[ سورة البقرة: 257 ]
( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ )
[ سورة الأنعام: 153 ]
الباطل يتعدد و الهدى واحد :
الباطل يتعدد، النور واحد، والصراط المستقيم واحد، والهدى واحد، وماذا بعد الحق إلا الضلال، لذلك من كلمة الهدى دلالة تقودك إلى مطلوبك، لا بدّ من جهة تقدم الهدى وهي الله سبحانه وتعالى، ولا بدّ من جهة يقدم لها الهدى وهي الإنسان، ولكن الله عز وجل الذي يهدي والإنسان الذي يهتدي لا بدّ من أن يكون أمام الإنسان مطلب كبير هنا الوقفة: ما المطلب الكبير الذي نسعى إليه؟
قد يتراءى للإنسان الغافل أن المال شيء ثمين يسعى إليه بكل طاقته، في خريف العمر يكتشف أن المال ليس بهذا الحجم الكبير، ليس كل شيء إنما هو شيء، أما على شفير القبر يكتشف الرجل أن المال ليس بشيء، كل شيء هو طاعة الله عز وجل، كل شيء هو العمل الصالح المقرب إليه، قد يتراءى للإنسان الغافل في فترة من حياته أن اللذائذ ما كان منها مباحاً وما كان غير مباح هي كل شيء، فإذا تقدم به العمر رآها شيئاً وليست كل شيء، فإذا وقف على شفى القبر رآها ليست بشيء وأن طاعة الله عز وجل وأن العمل الصالح هو كل شيء.
لا بدَّ أن تستهدي الله بالهدف الذي تسعى إليه وبالطريق الموصل إلى هذا الهدف :
من هي الجهة المؤهَّلة التي ترسم لهذا الهدف طريقاً ؟
الله جلَّ جلاله، كلمة (هُدًى) دقق، إنسان وصل إلى مدينة ولا بدَّ أن يلتقي بشركة، ولا يعرف أين هذه الشركة، إذاً هو يحتاج إلى دليل، يحتاج إلى هادي، هو مهتدٍ، ويحتاج إلى هادٍ، والهدف الشركة والطريق ؛ كلمة هُدى تعني: الهدف والطريق والهادي والمهتدي، المهتدي أنت، الهادي، والهدف، والطريق من عند الله عزَّ وجل، فكل إنسان استهدى الله بتحديد الهدف، واستهدى الله بتحديد الطريق نجح، وأفلح، وفاز، ونجا، خلافاً للإنسان الذي وضع هدفاً من عنده
(( يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
آياتٌ من القرآن متعلِّقة بالهدى :
( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) )
هل هناك ثمرة بعد هذه الثمرة ؟
(فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (38) )
مِن المستقبل كله
(وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) )
على الماضي كله
( فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) )
وقال:
( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى )( سورة طه )
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، اِجمع الآيتين، من يتبع هدى الله عزَّ وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
لذلك قد تجد إنساناً ذكياً لكن لن يكون الإنسان عاقلاً إلا إذا اهتدى بهدي الله:
(( كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2))
أنواع الهداية:
قال العلماء:
هناك هداية دلالة، وهناك هداية توفيق، وهناك هداية مصلحة
1ـ هداية المصالح:
الإحساس بالجوع هداية إلى المصلحة، لو أن الإنسان يجوع دون أن يشعر بالجوع لمات، يوجد عند الإنسان جهاز توازن لو اختل توازنه يستعيد توازنه، فالحفاظ على التوازن هذه مصلحة ؛ عينا الإنسان، وأذناه، وأنفه، وحواسه كلها تهديه إلى ما حوله، أنت موصول مع المحيط الخارجي بهذه الحواس.
2ـ هداية الدلالة:
أنزل ربنا عزَّ وجل هذا القرآن على نبيه ليدلُّنا على ذاته، ليدلنا على هدفنا، ليدلنا على طريقنا، ليدلنا على منهجنا، اِفعل ولا تفعل، هذه هداية ثانية، هداية الدلالة.
3ـ هداية التوفيق:
( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13))( سورة الكهف)
إذا قبلت الهدى أيها الإنسان هُديت هدايةً ثالثة، هُديت توفيقاً، الله يوفقك، تستوعب الحق، يعينك على طاعته، يعينك على العمل الصالح، يجمعك مع أهل الحق، يشرح صدرك للإسلام، هذه كلها هداية توفيق، فأنت بين هداية المصلحة وبين هداية الدلالة، وبين هداية التوفيق، ثلاثة هدايات ؛ هداية مصلحة، هداية دلالة، هداية توفيق، تتوَّج هذه الهدايات أنك تهتدي إلى الجنة،
يدخل المؤمنون الجنة بفضل الله عزَّ وجل.
معنى قوله تعالى:
( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)( سورة الكهف)
هذا الهُدى هداية التوفيق:
(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى (17) (سورة فصلت )
هذا هو الاختيار:
( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى (76) ( سورة مريم )
أيضاً هداية التوفيق
بعض الأحاديث الشريفة التي تتعلَّق بسورة البقرة
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ))
[أحمد عن ابن بريدة عن أبيه]
وفي حديثٍ آخر:
(( تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ ))
[أحمد عن ابن بريدة عن أبيه]
و في حديثٍ ثالث:
(( وعَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَقَالَ: قَرَأْتَ سُورَتَيْنِ فِيهِمَا اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ))
[الدارمي عَنْ مَسْرُوق بنٍ عَبْدِ اللَّهِ]
(( كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ في أعيننا ))
[رواه أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ِ]
جدَّ: أي عظُّم في أعيننا.
(( مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَاءَتَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقُولانِ رَبَّنَا لا سَبِيلَ عَلَيْهِ ))
[الدارمي عَنْ كَعْبٍ ]
(( ما خيَّب الله امرأ قام في جوف الليل فافتتح سورة البقرة وآل عمران ))
(لطبراني عن ابن مسعودٍ )
أخرج الإمام مسلم وأحمد والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:((لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ))[مسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة]
(( أفضل القرآن سورة البقرة وأعظم آيةٍ فيها آية الكرسيّ وإن الشيطان ليفر من بيتٍ تُقْرأ فيه سورة البقرة ))
[الحارث عن الحسن مرسلاً]
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفِّقنا إلى متابعة فهم هذه السورة والعمل بها
عالم الغيب
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) سورة البقرة)
ما هو عالم الغيب ؟
الغيب كل شيءٍ غاب عن حواسِّنا وعن مدركاتنا
الإنسان فهو مُكَرَّم أعطاه الله قوةً إدراكية تزيد عن حواسه الخمس وعن مدركاته الحسِّية ؛ أعطاه الله عقلاً، بالعقل تؤمن بالغيب
تمشي في طريق ترابي تجد أثر عجلتين، تقول: مرَّت من هنا سيارة، ولعلها صغيرة لقلة المسافة بين العجلتين، ولعلها كبيرة، ولعلها شاحنة كبيرة، أنت لم تر السيارة، ولكن رأيت آثارها، فعن طريق العقل أيقنتَ بأن هناك سيارةً مرت
الله جلَّ جلاله لا تدركه الأبصار، الله جلَّ جلاله غَيبٌ عنك، لكن الكون كله من آثاره، فعن طريق العقل إذا أعملته تتعرف على الله عزَّ وجل بهذه المخلوقات هذا عالم الغيب أول خصيصة للإنسان المؤمن أنه يؤمن بالغيب، يؤمن بالله ولا يرى الله، يؤمن بعظمة الله من خلال عظمة خلقه، يؤمن بتسيير الله من التسيير الذي يراه بعينه، يؤمن بالمسيِّر من التسيير، يؤمن بالحكيم من الحكمة، يؤمن بالمنظِّم من النظام، يؤمن بالخالق من الخَلْق، يؤمن بالمُبْدِع من الإبداع ؛ إن أكبر قضية في حياة المؤمن أن الله أعطاه عقلاً، والكون كلُّه أثر من آثار الله عزَّ وجل، فهذا العقل إذا وَجَّهْتَه إلى هذه الآثار دلّك على المؤثر.
القضية بسيطة جداً، أنت أمام جدار، وراء الجدار دخان، والقاعدة " لا دخان بلا نار " فإذا ذهبت إلى خلف الجدار رأيت النار بعينك، " ليس مع العين أين "، لا نريد دليلاً ؛ أما إذا ابتعدت عن الجدار ورأيت الدخان، الآن يحكم عقلك من أثر النار على وجود النار، تقول: لا دخان بلا نار، ما دام هناك دخان إذاً يوجد نار، مع أنَّك لم ترَ النار، هذا أحد أنواع الغيوب، غيبٌ له آثار، شيءٌ غاب عنك وله آثار، فوسيلة إدراكه العقل ؛ يمكن أن نسمي هذا الغيب: بالغيب الشهودي، الغيب الذي له في عالم الشهود آثار.
وفي كل شيءٌ له آيةٌ تدل على أنَّه واحدٌ
أنواع الغيب:
الغيب الأول، غيبٌ له آثار أداته العقل.
الغيب الثاني غيب الأخبار غيبٌ ليس له آثار، أداته الأخبار فقط، والخبر أساسه أن يكون صادقاً، فإذا كان الخبر صادقاً هذه معرفة من نوع ثالث، إما أن ترى بعينك، وإما أن تستدل بعقلك، وإما أن تُصْغي بأذنك، فأخبرنا الله عزَّ وجل أن هناك ملائكة، هذا نوع ثالث، أخبرنا أن هناك عالماً هو عالم الجِن، أخبرنا أن هناك يوماً آخر، أخبرنا أن في هذا اليوم نار جهنم، وجنة عرضها السماوات والأرض، كل هذه الغيوب التي لا أثر لها، والتي لا يستطيع العقل أن يصل إليها أخبرنا الله عنها.
فالغيب الثالث غيب إخباري، الغيب الثاني غيب استدلالي، وهناك غيبٌ استأثر الله به لا يعلمه أحدٌ إلا الله.
( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ (27)
( سورة الجن )
فإذا أخبرنا النبي عن شيءٍ في المستقبل فهو من إعلام الله له لا من علمه الذاتي.
من رحمة الله بالإنسان أنه ترك له علامات لكل شيء :
( يؤمنون بالغيب )
شيء غاب عنك، لكنك تعرف آثاره،
لا يرى الطبيب الجراثيم، يقول لك المريض: عندي ارتفاع حرارة، و قيئ، و إسهال، يقول لك الطبيب: معك الجرثوم الفلاني في الأمعاء ؛ قال الله عزَّ وجل:
(وَعَلَامَاتٍ (16))( سورة النحل )
من رحمته بنا ترك ربنا عزَّ وجل علامات، أعطانا علامات، علامات للنباتات، علامات للأمراض، علامات للجراثيم، علامات لكل شيء..
( وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) )( سورة النحل )
ما قيمة الإيمان بالغيب ؟
آمنت أن لهذا الكون خالقاً، آمنت أن لهذا الكون مسيَّراً، آمنت أن هذا الخالق عظيم،
ما قيمة هذا الإيمان إن لم تتصل به ؟
أنا أكاد أموت عطشاً، وعلمت أن هناك ماءً عذباً بارداً سائغاً، ما قيمة هذا الإيمان إن لم أتحرك إليِّه ؟ الإيمان النظري لا قيمة له إطلاقاً،
" العلم ما عُمل به فإن لم يُعمل به كان الجهل أولى ".
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) سورة البقرة)
يقيّم الإنسان من أعماله فقط، أعماله تؤَكِّدُ مكانته، لذلك تجد إنساناً يؤمن بشيء علانيةً، ولكن أفعاله لا تؤكد ذلك، ليس في فعل المنافق فعلٌ واحد، يؤكد أنه مؤمن بالجنة، هو لا يعمل لها.. وليس في فعل المنافق فعلٌ واحدٌ يخاف من مؤمن يؤكد أنه بالنار، لأنه لا يتقيها.. هؤلاء الذين ينغمسون إلى قمة رؤوسهم في المال الحرام أين هي الجنة والنار في حياتهم ؟ والله لو أن الإنسان آمن أن هناك ناراً سيدخلها إلى أبد الآبدين لعدَّ إلى المليون قبل أن يأكل درهماً حراماً، ولو آمن أن هناك حساباً عسيراً..
( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) (سورة الحجر)
( فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ( سورة المدثر)
أنواع النفاق:
هنـاك من النفاق ما هو ضعفٌ في الإيمان، أو ضعفٌ أمام الشهوات، هذا المنافق الذي انطلق من ضعفٍ في اليقين، وضعفٍ في الإرادة، لعل الله سبحانه وتعالى يُعالجه فيأخذ بيده إلى الإيمان، وهناك حالاتٌ كثيرة ممن عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام كانوا منافقين فتاب الله عليهم، ولكن النفاق الذي يُنْتَفع به لمكاسب دنيوية ـ حينما ينتفع الإنسان بالكفر، وحينما يتخذ الكفر وسيلةً لمكاسب مادية، هذا الكافر يصبح مع الكافرين (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) )
والمنافق الذي أصله كافر كفراً اعتقادياً، وكفراً سلوكياً، وهو مع المؤمنين في ظاهره، هذا أيضاً لا ينتفع بأية موعظةٍ يتلقَّاها..
النفاق أخطر شيءٍ في حياة المؤمنين :
يبتلي الله عزَّ وجل المؤمنين ابتلاءاتٍ متعددة، يبتليهم فيمنحهم القوة، ويبتليهم فيضعفهم، المؤمنون مبتلَوْنَ حينما يظهرهم الله على أعدائهم، ومبتلون حينما يستضعفون، فإذا كان الابتلاء استضعافاً كَثُرَ الكفار، لأنهم لا يخافون أحداً..
وإذا كان البلاء قوةً كثر المنافقين، و في مكة المكرَّمة لم يكن هناك منافقون، لأن الإنسان يكفر جهاراً، ويتَّهم النبي جهاراً، ويقول: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه أَفَّاك، وينام مطمئناً في بيته، ولا يناله أحد بأذى، لأن المؤمنين ضِعاف، يكثر الكافرون مع ضعف المؤمنين، أما في المدينة فقد أصبح للمؤمنين شَوْكَة، وهم قوة، لذلك كثر المنافقين، المنافق كافر لكنه رأى من مصلحته أن يَنْضَمَّ إلى المؤمنين صـورةً وأن يتعاون مع الكافرين حقيقةً، لذلك أخطر شيءٍ في حياة المؤمنين النفاق، المؤمن كما قلت قبل قليل واضح، والكافر واضح، المؤمن انسجم مع الحقيقة، ومع نفسه، وكان مصدر عطاءٍ للخلق، والكافر انسجم مع نفسه فقط، لا مع الحقيقة، شره محدود، لأن هويّته معلنة، المؤمن جريء آمن بالحق، وضحَّى، وقبض الثمن، والكافر جريء، ردَّ الحق وكسب بعض المكاسب المؤقَّتة، ودفع ثمنًا باهظاً، لكن المنافق متلوِّن لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء.
( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15))( سورة البقرة)
يتبع
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=http://files2.fatakat.com/2011/3/12992804471259.gif&key=14c8e1c0d69df56b39292f7d3c095e107dc5900b96578a 516d0ed0aec6d782e3
امانى يسرى محمد
09-04-2025, 08:54 PM
حبّ الدنيا رأس كل خطيئة
(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10))سورة البقرة
( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)
حب الدنيا مرض، حب الدنيا يعمي ويصِم، حب الدنيا رأس كل خطيئة، لكن ليس من حب الدنيا أن يكون لك بيت تشتريه بمالك الحلال، ليس هذا من حب الدنيا، وأن تحب أن تقترن بامرأةٍ صالحة، ليس هذا من حب الدنيا، و أن تحب أن يكون لك دخلٌ حلال، ليس هذا من حب الدنيا، حب الدنيا ما حملك على العدوان، وعلى أخذ ما ليس لك، على أن تعتدي على أموال الآخرين، وعلى أعراضهم، وأن تنافس الناس على الدنيا، وأن تحطِّمَهُم من أجل مصلحتك، هذا هو حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة..
(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (10)
من مرض إلى مرض، كان بالنظر فأطلق البصر، إطلاق البصر نقله إلى الحديث اللطيف مع الجنس الآخر، نقله الحديث إلى لقاء، واللقاء انتهى به إلى الزنا، والزنا انتهى به إلى السجن، ثم إلى مرض الإيدز، بدأ من نظرة.. هكذا سمعت أن سائقاً ركبت معه امرأة.. سألها: إلى أين ؟ قالت له: إلى حيث تشاء، فهِم، وعدَّ هذا مغنماً كبيراً، وبعد أن انتهى أعطته رسالةً، وظرفاً فيه مال، فتح الظرف.. وجد خمسة آلاف دولار.. ورسالة مكتوب فيها: مرحباً بك في نادي الإيدز، نقلت له المرض، ذهب ليصرف المبلغ، فإذا هو مزور، فأودِع في السجن.
( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ )
المرض حبُّ المال، من أجل حب المال نفعل كل شيء، لذلك يغيرون خلق الله عزّ وجل، هل من الممكن أن تضع مادة في بعض المواد الغذائية، وهي مادة كيميائية محضة لا يقبلها الجسم لتُبَيِّض هذا المنتج فيزداد سعره ؟
حب المال جعلهم يفسدون هذا المنتج..
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) البقرة
هذا الماء غير فاسد، لأنه لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، كيف نفسده ؟
إذا غيَّرنا لونه، أو طعمه، أو رائحته، وإفساد الشيء إخراجه عن صفاته الأساسية، إفساد الفتاة إخراجُها عن العِفَّة والحياء، إفساد الموظَّف إخراجه عن خدمة المواطنين، إفساد القاضي إخراجه عن العدل، إفساد الطبيب إخراجه عن النصح للمريض، إفساد المُحامي أن يكذب على موكِّليه، إفساد المدرِّس أن يعطي المعلومات الصغيرة في وقتٍ مديد، أي لم يعلمهم شيئاً، أخذ مبلغاً من المال ولم يُعلِّم شيئاً، فكل حرفة، وكل شخصية، وكل هوية لها طريقٌ قويم، ولها طريقٌ فاسد، فالمنافق يريد شهوات الدنيا فيفسد المرأة بإغرائها أن تُسْفِر، وأن تعرض مفاتنها للناس في الطريق، يُغْري إنساناً أن يأخذ المال الحرام....
( قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)
طبعاً يصلحون جيوبَهم، يصلحون معيشتهم وحدهم، ويبحثون عن مصالحهم الضَيِّقة
يرى الصلاح في الفساد، يرى ربحه هو الصلاح ولو على حساب كل شيء..
(أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) )
أعظم أنواع الفساد
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)
أعظم أنواع الفساد أن تُفْسِد العقيدة، أن تفسد دين الإنسان،
أن تُعَلِّقَهُ بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان
أن تُعَلِّقَهُ بحديثٍ موضوع، أن تعلقه بحديثٍ ضعيف، أن تعلقه بتأويلٍ غير صحيحٍ لآيات الله، أن تأتيه بقصص لا أصل لها في الدين، أن تأتيه بِقِيَم رفضها الإسلام
البعض يمارس مصلحة مبنية على المعصية، يقول لك: هذه مصلحة رائجة الآن، يبدِّل مصلحته فوراً إلى مصلحة أو إلى حرفة أساسها إفساد الشباب،
يقول لك: هذه أربح، يقول لك: أليس العمل عبادة ؟
تكون حرفته غلط كلها، فساد كلها، يعُدّ العمل عبادةً !!
فقضية الفساد صفةٌ جامعةٌ مانعةٌ للمنافق
يرى الصلاح بكسب المال، يرى الصلاح بتحقيق المتعة، يقول لك: أنا أستخدم في العمل فتيات لأنهن أكثر إيناساً، وأقل مَؤونَةً، وأكثر طواعيةً، وأحفظ سراً، يرى ميزات عمله فقط، والناحية الثانية يُغْفِلُها، وهي هذا الشاب الذي ينتظر عملاً ليتزوج، لقد أصبح الطريق مسدوداً أمامه.
طبعاً لا يشعر، هو في أعماقه يشعر أنه فاسد،
ولكن لا يشعر أن هذا العمل له آثار قد لا تَخْطُر في باله.
فرضاً من باب الجدل، لو أن إنساناً أفسد فتاة، يشعر أنه أفسدها، وأخرجها عن طبيعتها، وعن قوامها الذي أراده الله لها، خلقها الله لتكون زوجة طاهرة تنجب أولاداً، فَلِذة أكبادها، فلما أفسدها أخرجها عن طبيعتها، وجعلها تمتهن الانحراف، هو لا يشعر أنه بعد مئة عام قد يأتي من نسلها مئة ألف، مئة ألف فتاةٍ فاسدة، كلهن في صحيفة هذا الذي أفسد الأولى، هذا معنى قوله تعالى:
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ( سورة يس)
لو اطلع الإنسان على الآثار الوبيلة التي يتركها عمله لارتعدت فرائصه، كل هذا محاسبٌ عليه، يسُنُّ الإنسان أحيان سنةً سيئةً فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، الذي اخترع البارود، شعر بجريمته بعد أن اخترع البارود، فرصَدَ كل أمواله كجائزة سنوية لمن يُقَدِّم أعظم بحثٍ يعود على الإنسانية بالخير.
الحديث عن الفساد حديث طويل، فالهدف عند المنحرفين أن تفسد من أجل أن تربح، الإفساد من أجل أن تربح المال، أو أن تنغمس في الشهوة، الهدف إما ربح مال، والمال مادة الشهوات، أو تحقيق لذَّة دنيا سافلة، فإما أن يتمتَّع، وإما أن يكسب المال، من أجل هذين الهدفين يفعل كل شيء، ويفسد كل شيء، ويحرِف كل شيء، ويزوِّر كل شيء.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)
يركبون رؤوسهم، يتعنَّتون.
قصص من العالم عن انتشار الفساد بما كسبت أيدي الناس:
لكن الله سبحانه وتعالى قوله الحق:
( أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) )
من هو السفيه ؟
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ)
من هو السفيه ؟
هو الذي يُضَيِّع النفيس ويأخذ الخسيس، فإذا أتلف إنسان ماله فرضاً، أو أنفق ماله إنفاقاً غير معقول نسميه سفيهاً، والسفيه يُحْجَرُ عليه، فأيهما أثمن ؟
والآن كلام دقيق، من هو السفيه الحقيقي ؟
إذا رأيت إنساناً يمسك مئة ألف ليرة عدَّها أمامك، ثم جاء بعود ثقاب فأحرقها أمامك، ثم ألقى الرماد في سلة المهملات، ألا تعتقد أنه مجنون، أو أنه سفيه ؟
مئة بالمئة،مثل هذا الإنسان الذي يُحْرِق مئة ألف يُحْجَر على تصرفاته لأنه سفيه
فإذا ضيَّع الوقت أمامك ألا تعده أشد سفاهةً ؟
بالتأكيد
أخطر شيء أن تُمضي سهرة إلى الساعة الواحدة ؟
لمتابعة مسلسل، شيء سخيف، بمتابعة قصة فارغة، بمتابعة حديث فارغ، بلعب النرد، هذا الذي يقتل وقته، أنت وقت، أنت بضعة أيام فقط، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منك، أثمن شيء تملكه هو الوقت، طبعاً أثمن من المال بما لا يُقَدَّر، ماذا يفعل الإنسان بالمال عندما تنتهي حياته ؟
فلو ترك ألف مليون، انتهت حياته، الوقت هو وعاء كل شيء فإذا أُلْغي هذا الوعاء انتهى كل شيء، مركبٌ في أعماق كل منا أن الوقت أثمن من المال، فالذي يتلف ماله يُعَدُّ سفيهاً، والذي يُضَيِّع وقته يعد أشد سفاهةً.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ )
قيمة الإنسان في آخر الزمان
بقيمة متاعه فقط لا بإيمانه ولا بأخلاقه :
لعلهم يتوهمون أن الفقراء هم السُفهاء، فالسفهاء في رأيهم تعني الفقراء لأن مقاييسهم ماديَّة محضة، يُقَدِّرون الإنسان بحجم ماله، بنوع بيته، بمساحة بيته، بموقع بيته، بنوع مركبته، بالرقم الذي على خلف المركبة، فحجم الإنسان عند هؤلاء السفهاء بحجم متاعه، وقيمة الإنسان في آخر الزمان بقيمة متاعه فقط، لا بإيمانه، ولا بأخلاقه.
كان الأحنف بن قيس إذا غضب غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب، مع أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل، ضَيِّق المَنْكِبَين، ومع ذلك كان إذا غَضِب غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيما غَضِبْ، فقيمة الإنسان بإيمانه، وأخلاقه، وعمله.
(أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ )
غاص إنسان في البحر، وتَجَشَّم المشاق، ورأى اللآلئ أمامه
فتركها وأخذ الأصداف ألا يُعَدُّ سفيهاً ؟
فهذا الذي يأتي إلى الدنيا، ويخرج منها، وما فعل شيئاً، إلا أنه أكل، وشرب، ونام، واستمتع فقط كالبهائم.
( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً )
حينما ترى الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه
فأحذره
(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) سورة البقرة)
هذه سُنَّة الله في خلقه، أنت إنسان مخيَّر، ولا بدَّ أن تأخذ أبعادك كلَّها، ولا بدَّ أن يسمح لك أن تصل إلى نهاية الطريق، إلى هنا حدود الفساد، إلى هنا حدود الانحراف، لا بدَّ من أن يُرْخ لك الحبل، لذلك حينما ترى الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، هناك قصد، إذا وجدت النعم، ووجدت القوة، ووجد المال، ووجدت الوسامة، وهناك انحراف، وكفر، فهذا الإنسان يحتاج إلى ضربةٍ واحدة:
( إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) ( سورة يس)
عندما يُعَالج ربنا عزّ وجل الإنسان بالتدريج هذه نعمةٌ عظمى، عندما يتابعه ويُحاسبه على ذنوبه ذنباً ذَنباً , وخطيئةً خطيئةً، هذه نعمةٌ كبرى، عندما يغلط يخطأ المؤمن فيأتي العقاب فوراً هذه نعمةٌ ما بعدها نعمة، أي أن الله سبحانه وتعالى يتابعك، ويربِّيك، أما حينما يتابع الإنسان كل المعاصي، والانحرافات، والله عزّ وجل لا يعالجُهُ، فإن هذه علامة خطيرة جداً، أنه سوف يقْصم قَصْماً.
كل إنسان تحت ألطاف الله عزّ وجل:
قال تعالى:
( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) )
يُمَدُّ له، يُرْخى له الحبل، لكن دقق الإنسان في قبضة الله، في أية لحظة تنقلب حياته إلى جحيم، بأي لحظة ينقلب أمنه إلى خوف، خوف مدمِّر، ينقلب غناه إلى فقرٍ شديد في أية لحظة، وفي أية لحظة تنقلب قوته إلى ضعفٍ شديد، الله هو القوي يقوي الإنسان وفي أية لحظةٍ يضعفه، الله هو الغني يغني إنساناً وفي أية لحظةٍ يفقره، الله عزّ وجل يُمِدُّ إنساناً وفي أية لحظة يأخذ منه، الإنسان تحت ألطاف الله عزّ وجل
معنى
( يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ )
يحتقر عملهم، يحتقر سخافتهم، أحياناً الإنسان بسذاجةٍ، بضيق أفقٍ، بجهلٍ فاضح يظُنُّ أنه إذا خدع الناس فهو ذكي، أنه إذا خدعهم، وأقنعهم بشيء، وهو على خلاف ذلك فهذه حِنْكة ما بعدها حنكة، هذا حَمقٌ ما بعده حمق، علاقتك بالله وحده، وأنت عند الله مكشوف، وهؤلاء الذين تَخْدَعُهم وتوهمهم لا يملكون لك ضراً ولا نفعاً، ولا حياةً ولا نشوراً، تخدع إنساناً ضعيفاً، تصوروا إنساناً عمره أربعون سنة، وأمامه طفل عمره خمس سنوات مثلاً وهو يحاول أن يقنعه أنه غني، فإذا أقنعتَه أو لم تُقنعه ماذا يفعل هذا الطفل أمامك ؟ شيء لا يُصدَّق، فكل إنسان ينسى الله، ينسى أن الله يكشفه، ينسى أن الله مُطَّلعٌ على سرائره ويخدع الناس، إذا توهَّم أنه حاذقٌ ومُحَنَّك فهو أحمق، لأن هذا الذي تخدعه لا يملك لك نفعاً، ولا ضراً، ولا حياةً، ولا نشوراً، ولا رزقاً، ولا أمناً.
تجارة المؤمن رابحة أما تجارة الكافر فخاسرة
﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ (16) ﴾
عملية تجارية، حياتك سنوات محدودة،
إذا قلنا لشخص:
تمتع بمئة مليون خلال سنة، وسوف تدخل إلى السجن لتمضي عشر سنوات مع التعذيب، هل يقبل هذا ؟
لا أحد يقبل، فلو تمتع سنة، وعشر سنوات تعذيب، فإنه لا يقبل
كيف إذا كانت الدنيا من الآخرة ليست بشيء ؟
لا أحد ينتبه أبداً إذا كان رقم واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر وكل ميلي متر صفر، ما هذا الرقم ؟ هذا الرقم إذا قيس باللانهاية قيمته صفر، تصور الرقم واحد بالأرض، وأمامه مئة وستة خمسون مليون أصفار، كل ميليمتر صفر، فكيف إلى المشتري ؟
كل ميلي متر صفر، هذا الرقم إذا قيس باللانهاية الآخرة قيمته صفر، فهؤلاء الناس من أجل عشر سنوات معدودات؛ فسق، وفجور، وانحراف، وأكل مال حرام، ويدع ساعة الموت خارج كل حساباته،
يأتي الموت فجأةً فإذا الإنسان في قبضة الله عزّ وجل.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ﴾سورة البقرة
فما ربحت تجارتهم، كأن الله سبحانه وتعالى يجعل علاقتك به نوعاً من التجارة تقدم له شيئاً ويعطيك أشياء:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾[ سورة البقرة: 245 ]
أيّ عمل صالح في الأرض هو إقراض لله عز وجل :
أيّ عمل صالح في الأرض هو إقراض لله عز وجل، وسوف تكافأ عليه يوم القيامة
فلأنّ أهل مكة كانوا تجاراً فالله سبحانه وتعالى يخاطبهم على قدر عقولهم، أي أيها المؤمن إذا تاجرت مع الله تربح ربحاً مجزياً، وإن أردت الدنيا وضيعت الآخرة، إن اشتريت الضلالة بالهدى تشتري العذاب بالمغفرة، إن اشتريت الدنيا وبعت الآخرة اخترت الخسيس وتركت النفيس، فربنا عز وجل يقول:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾[ سورة التوبة: 38 ]
هذا الذي آثر الدنيا على الآخرة.. آثر القليل على الكثير.. وآثر الخسيس على النفيس.. وآثر الذي يفنى على الذي يبقى.. وآثر دنيا محدودة مشغولة بالمتاعب على جنة كلها مسرات وسعادة، فالإنسان كلما رجح عقله ازداد حبه لله عز وجل
أرجحكم عقلاً أشدكم حباً لله.
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾سورة البقرة 17
معان متعددة لآية
(استوقد ناراً)
1ـ المعنى الأول أن المنافق يريد من النار أن تضيء له حياته ليكون سعيداً:
أراد المنافق من النار ضوءها طبعاً، قد تُريد النار من أجل الدفء، وقد تُريدها من أجل طهو الطعام، وقد تُريدها من أجل النور. هنا أراد الله عزَّ وجل أن يبيِّن لنا أن المنافق يريد من النار أن تضيء له حياته، أن تكون حياته سعيدة، فيها بهجة، فيها عِز، فيها فخامة، فيها رفاه، وكم من بيتٍ فخمٍ لم يسكنه صاحبه، وكم من مركبةٍ فارهةٍ ركبها أياماً معدودة، ثم فاجأه ملك الموت، هذا الذي يجعل كل مكتسباته محصورة في الدنيا، يقامر ويغامر.
المؤمن له مستقبل، والمؤمن يأتيه ملك الموت، ولكن يأتيه ملك الموت وله عند الله رصيدٌ كبير، قدَّم ماله أمامه فسهُل عليه اللحاق به، رصيده عند الله كبير، استقامته، وطلبه للعلم، وعمله الصالح، ونفعه للمسلمين، صدقه، وأمانته، وتربية أولاده، هذه كلها أرصدة هائلة مودَعَةٌ له في الآخرة، فإذا فاجأه الموت يقول له: مرحباً، الموت تحفة المؤمن، الموت عرس المؤمن، لا تكن أيها الأخ الكريم كالذي وضع كل إمكاناته في الدنيا، هذه الإمكانات العالية في الدنيا تُنهيها جلطة، تنهيها سكتةٌ قلبيةٌ مفاجئة، تنهيها خثرةٌ دماغية، ينهيها نمو الخلايا العشوائي، أما الذي له عند الله رصيدٌ كبير من العمل الصالح، ومن الانضباط الشرعي، ومن الدعوة إلى الله، لو جاءه الموت، الموت تحفته، الموت عُرسه.
2ـ المعنى الثاني رفض المنافقين لدعوة النبي التي كانت ستوصلهم للسعادة في الدنيا والآخرة:
المعنى الثاني في هذه الآية أن اليهود كانوا يتحدَّوْنَ المنافقين قبل مجيء الرسالة النبوية بقولهم: آن أوان مجيء نبيٍ نؤمن به، فالمنافقون كان عليهم أن يؤمنوا بهذا النبي ليتحدّوا اليهود الذين بشروهم بهذا النبي، فلما جاء النبي الذي كانوا ينتظرونه، وكانوا يبحثون عنه، كي يردوا على كيد اليهود، وكي يقفوا أمامهم نداً لند، كذَّبوا به، فهم استوقدوا ناراً، فلما أضاءت ما حولهم أذهب الله نورهم الذي كان من الممكن أن يُرْشِدهم إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة برفضهم لدعوة هذا النبي.
3ـ المعنى الثالث أنهم كفار حقيقة لكن مصالحهم تعلقت بالمؤمنين فأظهروا ما لا يبطنون:
المنافق يظهر عكس ما يُبطن
هؤلاء المنافقين هم في الحقيقة كُفَّار، ولكن مصالحهم تعلَّقت بالمؤمنين، فأعلنوا إسلامهم، وأخفوا كفرهم، وهم أرادوا الدنيا فقط، هؤلاء انتفعوا بكفرهم، ولكنهم يختلفون عن الكافرين بأن لهم مصالح مع المؤمنين، فأظهروا ما لا يُبطنون، وأعلنوا ما لا يُسِرُّون، والدليل على ذلك:
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾
لا يسأل ، لأن الأمر لا يعنيه إطلاقاً ، ولا ينطق بالحق ، هو لا ينطق بالحق من باب أولى ، وهو لا يسأل ، لأن لسانه لا يستخدمه إلا للدنيا ، للغيبة والنميمة ، للحديث عن النساء ، للحديث عن مظاهر الدنيا .
. لا يرى الحقائق ، لا يرى الآيات الدالة على عظمة الله ، لا يرى أفعال الله عزَّ وجل التي تهتز لها القلوب .
كيف يرجعون وهم على ما هم عليه من الصمم ، من الخَرَس ، من العَمَى ؟!!
{ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (19) } .
ينخلع قلبه لذكر الموت ، هناك أُناسٌ يكرهون القرآن ، لماذا ؟
لأنه يُتلى في مناسبات الحُزن ، كأن القرآن يذكِّرهم بالموت
هناك أناسٌ يكرهون بعض النباتات لأنها توضع على القبور ، يكرهون كل شيءٍ يذكِّرهم بالآخرة من شدة تعلُّقهم بالدنيا ، حتى أنك لا ترى في بعض البلدان جنازة إطلاقاً ، من المستشفى بسيارة إسعاف إلى المقبرة لا ترى فيها نعياً على الجدران
بلادٌ كثيرة إسلامية النعي فيها ممنوع ، الجنائز ممنوعة ، لا ترى الموت على الإطلاق
{ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (19) } .
يحب ألا يسمع الكلام الذي يُزعجه ، يضع إصبعه في أُذنه ، وهذا واقع ، تتحدث حديثاً عن الآخرة تجده يتثاءب ، اعتذر لأن عنده موعد ، اجعل الحديث عن الدنيا تجده جلس معك حتى الساعة الواحدة ، ولم يقل لك : عندي موعد ، ما دام الحديث عن الدنيا هو مصغٍ إليه ، كتلة نشاط وحيوية ، حدثه عن الآخرة تجده تململ وتثاءب وتأفف واعتذر . يظنون إذا تجاهلوا ذكر الموت ، وإذا تجاهلوا الدار الآخرة ، أنهم لا تصيبهم الآخرة ولا يموتون
{ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا (20) } .
إذا نجح ابنه بتفوق فإنه يحب الجامع الذي فيه ابنه ، وشيخ ابنه ، ويقول له : يا بني خذ أخاك معك إلى الجامع ، وإذا رسب ابنه عزا كل أخطاء ابنه للشيخ والجامع ، الجامع ليس له علاقة بالموضوع ، ابنك هو المقصِّر ، لا يوجد عنده حل موضوعي ، إنه يميل مع مصالحه .
امانى يسرى محمد
09-04-2025, 08:56 PM
إحذر الشرك الخفي
قال تعالى:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾ سورة البقرة
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا)
لا أحد يقول طبعاً: إن هناك إلهاً آخر خلَق، أما أنت حينما تخضع لإنسان فقد جعلته نداً لله، ذكرت مرةً: أنه ـ دققوا في هذا الكلام ـ من أطاع مخلوقاً وعصى خالقه، فهو لم يقل: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه في الأساس أطاع الأقوى في نظره، جعله نداً لله، هناك أشخاص يجعلون فتنة الناس كعذاب الله، مثلاً إذا هدده إنسان قوي فإنه يعصي الله، يشرب خمر لكي يتخلَّص من شره، أنت جعلت عذابه كعذاب الله،من لم يُقِم الإسلام في بيته إرضاءً لأهله ولأولاده فهو ما قال: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن إرضاء أهله وأولاده أغلى عنده من إرضاء الله عزَّ وجل، مَن غَشَّ المسلمين ما قال: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن هذا المال الحرام الذي يكسبه من غِشِّ المسلمين أغلى عنده من طاعة الله.
هؤلاء لم يخلقوكم، ولم يرزقوكم، ولا يملكون نفعكم ولا ضرَّكُم، ومع ذلك تتخذونهم أنداداً ؟!
وهذه مشكلة كبيرة في العالم الإسلامي، الناس يعبدُ بعضهم بعضاً، يقول الله عزّ وجل:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾( سورة البقرة: آية " 165 " )
أن تتخذ نِداً لله أي أن تُحِبَّه كحب الله، وأن تخافه كما تخاف الله، وأن ترجوه كما ترجو الله، وأن تُعَلِّق عليه الأمل كما تُعلق الأمل على الله عزَّ وجل.
﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (165)﴾
أي ظلموا أنفسهم حينما أحبوا أندادهم كحب الله.
الذي ينبغي أن يُحَب هو الله وحده لأنه أصل الكمال:
الله أصل العطاء والجمال
الذي ينبغي أن يُحَب هو الله وحده لأنه أصل الكمال، وأصل النوال والعطاء،
وأصل الجمال، الذي ينبغي أن تحبَّه وحده هو الله.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾
وقال:
﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾
( سورة الزمر: آية " 8 " )
أي قد يمرض ابن الرجل مرضاً شديداً، فيأخذه إلى طبيب، يلهم هذا الطبيب بتوفيق الله أن يشخص المرض ويحدده، ويُلهم وصف الدواء المناسب فيشفى هذا الابن، ونسي الأب الله وعزا الشفاء إلى الطبيب، تُوكِّل محامياً فأكرمك الله عزّ وجل بأن ألهمه المذكرة الدقيقة وألهم القاضي أن ينصفك فأنصفك، تعزو نجاح الدعوى إلى هذا المحامي وذاك القاضي، لذلك قال تعالى:
﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) ﴾( سورة الزمر)
الشرك الخفي هو أن ترى مع الله أحداً:
وقال:
﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)﴾( سورة يونس)
لتكن هذه الآية مناراً يهديك، فلا تنزلق في مهاوي الشرك ويحبط ـ لا سمح الله ـ عملك، إنها:
﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾
وبعد ؛ فإن الإنسان إذا نسب الأمور إلى قوَّته، أو إلى حكمته، أو إلى علمه، أو إلى قوة الآخرين وعلم الآخرين فقد أشرك، إذاً الحذر الحَذر ولا ينبغي أن ترى مع الله أحداً، هذه الآية أيها الأخوة من الآيات الدقيقة التي تبيِّن أن الشرك الخفي هو أن ترى مع الله أحداً، أن تتخذ من دون الله أنداداً تحبُّهم كما ينبغي أن تحبَّ الله عزّ وجل.
الفرق بين العبيد والعباد
قال تعالى:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (23) ﴾سورة البقرة
إذاً حينما تتعبد لله حقاً ترتقي إلى أرقى مرتبةٍ في الكون وهي أن تكون عبداً لله، لكن الناس كلهم عبيدٌ لله قولاً واحداً، عبيدٌ لله جميعاً كافرهم ومؤمنهم
معنى العبودية: أن تكون مفتقراً إلى إمداد الله، من منا يقول: أنا لست عبداً ؟إذا لم تكن عبداً أغلق أنفك، فهل تستطيع ؟ أنت مفتقر إلى هذا النَفَس، فإذا مُنع عنك الهواء ثلاث دقائق تموت، لست عبداً ؟ دع الماء أياماً معدودة يوماً أو يومين يموت الإنسان، لست عبداً ؟ دع الطعام، وجودك مفتقر إلى ما حولك، إلى هواء، إلى ماء، إلى طعام، إلى زوجة، إلى مأوى، إلى رزق، إلى مال تشتري به الطعام، إذاً أنت عبد، هذا العبد المقهور ليس هو المقصود، هذا عبد القَهْرِ، جمعه عَبيد:
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) ﴾
( سورة فصلت: آية " 46 " )
لكن المقصود عَبْدَ الشكرِ، جمعه عِباد:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً (63) ﴾
(سورة الفرقان: آية " 63 ")
وقال:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ (53) ﴾
( سورة الزمر: آية " 53 " )
العباد هم الذين عرفوا الله، واختاروا طاعته، وآثروا قربه، وعملوا لبلوغ جنَّته، ففرِّق بين العبيد والعباد، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عبدٌ، عبدٌ لله، لكنه عبدٌ أتاه بمحض إرادته، هو عبد الشُكْرِ، لا عبد القهرِ، الملحد عبد لله، بدليل أن وجوده مفتقرٌ للهواء والشراب والطعام، هو عبد ولكنَّه عبدٌ مقهور، العبد المؤمن تعَرَّف إلى الله باختياره، وأطاعه باختياره، فهو عبد الشكر
خلق الله في البعوضة
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) }
(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء ))
( من الجامع الصغير: عن " سهل بن سعد " )
تعارف الناس على أن البعوضة لا قيمة لها ، حشرةٌ حقيرة ، يضربها الإنسان ويقتلها يبدو أن هذه الحشرة هيَّنةٌ على الناس ، لكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن الشيء كلما صَغُر كلما احتاج إلى صنعةٍ بارعة ، فقد تجد مذياعاً كبيراً فلا يثير دهشتك ، أما إن رأيته صغيراً فإنه يستأثر باهتمامك ، وأما إن رأيت ساعةً فيها مِذياع فإنك تزداد اهتماماً وانتباهاً ، وتدرك أن فيها دقة صُنع . أطلعني أخٌ كريم على جهاز كمبيوتر بحجم كف اليد فيه كل البرامج التي توضع في الكبير ، وفيه اتصال دولي ، وفيه إنترنت ـ شيء لا يُصدق ـ بحجمٍ صغير ، فكلَّما صغرت الآلة كان وراءها صنعةٌ بارعة
البعوضة لها ثلاثة قلوب ، قلبٌ مركزي وقلبٌ لكل جناح ، هذا القلب يُمِدُّ الجناح بطاقةٍ تجعله يرِفُّ أربعة آلاف رفةٍ في الثانية ، هذه البعوضة عندها جهاز رادار ، ففي ظُلمة الليل ينام طفلان على سريرهما تتجه البعوضة إلى الطفل مباشرةً دون أن تتجه إلى وسادة أو إلى ركن في الغرفة ، الآن لديها جهاز رادار يكشف لها الكائن الحي فإذا وصلت إليه حلَّلت دمه ، هناك دمٌ لا يُناسبها ، قد ينام أخوان على سرير واحد ، يفيق أحدهما ، وقد أُصيب بمئات لدغات البعوض ، والثاني سليم ، إذاً عندها جهاز تحليل دم ، تأخذ الدم الذي يناسبها ، وتدع الذي لا يناسبها ، والبعوضة من أجل أن تأخذ هذا الدم لا بد أن تميَّعه لأن الكرية الحمراء أوسع من خرطوم البعوضة ، فلا بد من أن تميع الدم حتى يجري في خرطومها ، فإذا لدغت البعوضة هذا الطفل استيقظ وقتلها فلا بدّ أن تخدره ، متى يشعر الإنسان بلدغ البعوضة ؟ بعد أن تطير ، يضربها من دون فائدة لأنها تكون قد طارت ، فهذه البعوضة الصغيرة فيها جهاز رادار ، وجهاز تحليل ، وجهاز تمييع ، وجهاز تخدير ، ولها جناحان يرفَّان أربعة آلاف رفَّة في الثانية ، ولها ثلاثة قلوب ؛ قلبٌ مركَّزي ، وقلبٌ لكل جناح ، وبإمكان البعوضة أن تقف على سطحٍ أملس
{ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ (26) }
من هو الذي يستخف بهذه البعوضة التي هي من آيات الله الدالة على عظمته ؟
إنه الفاسق :
﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
هناك علاقة رائعة بين السلوك وبين الاعتقاد ، الفاسق لا يعتقد والمؤمن يعتقد ، الفاسق يسخر والمؤمن يُعَظِّم ، معنى ذلك أن الإنسان حينما يفسُق يصبح منطقه تبريرياً تسويغياً ، منطقه مقيداً بشهواته ، لذلك إياك أن تناقش منتفعاً لأنه لا يقنع معك ، فهو يدافع عن المكاسب التي حَصَّلها ، هذا الذي ينتفع من الكفر لا يمكن أن يتخلَّى عن الكفر لأنه ينتفع منه ، منتفع ، المنتفع لا يُناقَش ، والغبي لا يُناقَش ، والقوي المغتر بقوته لا يُناقَش
امانى يسرى محمد
09-04-2025, 08:58 PM
عدة معانى للآية التالية :
﴿ {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. (27) ﴾سورة البقرة
لهذه الآية معانٍ كثيرة،
بعض معانيها أن الله سبحانه وتعالى أخذ من بني آدم في عالم الذَرْ عهداً على أن يطيعوه حينما قال لهم:﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى (172) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 172 " )
هذا عهد، فالذي يأتي إلى الدنيا، ويتعرَّف إلى الله، ويستقيم على أمره هذا أوفى بما عاهد عليه الله، والذي يأتي إلى الدنيا، وتستهويه الشهوات، ويضع منهج الله وراء ظهره هذا نقض عهده مع الله، يقول سيدنا علي كلمة : " والله إني لأذكر ذلك العهد " هذا معنى من معانٍ كثيرة.
المعنى الثاني: أن عهد الله هو أمره ونهيه الذي جاء في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ونَقْضُ هذا العهد عدم العمل به، فالذي لا يعمل بالقرآن والسنة يَنْقُضُ عهد الله، هؤلاء الفاسقون لماذا سموا فاسقين لأنهم:
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ...(27) ﴾
نقض العهد هو عدم العمل بالكتاب والسنة:
عهد الله إلينا أن نأكل المال الحلال، عهد الله إلينا أن نَقْصُرُ طرفنا على زوجاتنا وعلى محارمنا، عَهْدَ الله إلينا أن نكون صادقين، عهد الله إلينا أن نكون أُمناء، عهد الله إلينا أن نؤدِّي الأمانات إلى أهلها، عهد الله إلينا ألا نظلم بني البشر، ألا نكذب، ألا نأخذ ما ليس لنا، أن نكون أمناء، لذلك بعث الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة ليقوِّم أخلاقها، .
{ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) }
لهذه الآية معانٍ كثيرة ، من دَلَّ على كسبٍ حرام قطع هذا المكتسب عن الله ، أي إنسان دعا إلى معصية ، رَوَّج لمعصية ، دعا إلى دنيا مُغرية ، رَغَّب الناس بشيءٍ لا يرضي الله ، دعا الناس إلى شراء جهاز حتى يكون على مستوى العصر ، وحتى يَطِّلع على ما في العالم من أحداث ، كما يتوهم كل إنسان يدعو إلى شيء يقطع عن الله هو قاطع ، وأكبر كلمة وأكبر جريمة يرتكبها الإنسان أن يكون قاطعاً عن الله
شراء مجلة غير منضبطة مشكلة ، شاب يطَّلع على صور الفنانات في أوضاع مغرية في مجلة مشكلة ، وهذه المجلة ومثيلاتها ينبغي ألا تدخل هذا البيت ، هناك من يشتري هذه المجلاَّت ويضعها في عيادته من أجل أن يستمتع المرضى قبل الدخول إلى غرفة المعاينة ، هذا يقطع ما أمر الله به أن يوصل .
خطر الإفساد في الأرض
{ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) }سورة البقرة
إيَّاك أن تكون أداة قطعٍ ، بل كن أداة وصلٍ ، لذلك : ليس منا من فَرَّق . حتى بعض المؤسسات مثلاً تعلق أنها تريد موظفاً يعمل لديها غير متزوج ، أو غير مصحوب بزوجته ، في دول الخليج أحياناً يطلبون موظفاً من دون زوجة ، زوجته أقرب الناس إليه ، ليس في الإمكان أن يعيش بعيداً عنها ، وليس في إمكانها أن تعيش بعيدةً عنه ، لا نقبلك بزوجة ، يبقى سنةً بأكملها في مكان ، وزوجته في بلد آخر ، هؤلاء يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، هؤلاء الذين يفرِّقون شمل الأسرة هؤلاء ليسوا على حق ، يأمرك القرآن والسنَّة أن تجمع شمل الأسرة ، هذه الآية واسعة جداً لا تنتهي
{ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) } سورة البقرة
سأل أحدهم أخته عندما جاءها مولود : ماذا قدَّم لكِ زوجكِ بمناسبة الولادة ؟
قالت له : لم يقدِّم لي شيئاً ، فأجابها متسائلاً : أمعقول هذا ؟ أليس لكِ قيمة عنده ؟
والله يليق بكِ شخص غيره أرقى منه ، ألقى بذلك قنبلة ومشى ، جاء زوجها ظهراً إلى البيت فوجدها غاضبة فتشاجرا ، وتلاسنا ، واصطدما ، فطلقها ،
من أين بدأت المشكلة ؟
من كلمة قالها الأخ ،
مثلاً قد يسأل أحدهم : هذا البيت كيف يتسع لكم ؟ إنه يتسع لنا ، ليس لك أنت علاقة ، إنه يحب أن يُعَكِّر صفو الأسرة ، هو شيطان ، داخل فيه شيطان ، وهذا هو الفساد
{ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) }
يفسدون العلاقات ، يفسدون الأخلاق ، يفسدون براءة الصِغار ، هناك أعمال فنية مستوردة تُعْرَض على الصغار فيها كل شيء من الفسق والفجور والعلاقات الغرامية ، طفل عمره ثلاث سنوات أو أربع سنوات يشرب مع دمه هذه العلاقات الشائنة عن طريق أفلام نستوردها ، هذه لا تجوز ، لا بدَّ من أعمال تناسب الصغار المؤمنين ، كل عمل يُبعدك عن الله عزَّ وجل هذا قطعٌ لما أمر الله به أن يوصل
النهي عن التباهي بحظوظ الدنيا
(وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
قطع ما أمر الله به أن يوصل والفساد في الأرض هذا من خصائص هذا العصر، مصدره أحياناً التباهي، النساء دائماً يحببن أن يستكثرن أمام صديقاتهن، هذا أيضاً فساد في الأرض، أكرمك الله بزوج حالته المادية جيدة، هل من المفروض أن تحدِّثي جيرانك عن طعامكم، وعن نزهاتكم، وعن فرشكم، وعن بيتكم ؟
داخل فيها شيطان، عملية تحطيم، أنا كذا، زوجي كذا، دخله كذا، قمنا بنزهة بالمكان الفلاني، بالفندق الفلاني، حفل عُرسنا كان بالمكان الفلان، هذا الحديث الفارغ الذي يملأ القلب حسرةً، ويملأ الناس ضغينةً وحقداً، ما مبرراته ؟
أليس يحمل في طياته خلافاً بين الأزواج قد ينتهي إلى الطلاق وتشريد الأولاد، إنه يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
المؤمن يذكر الله عزَّ وجل فيشكره، إذا أكرمك الله عزَّ وجل فاشكره دون أن تكسر قلب الآخرين، لئلا تقع في الفساد، هناك فساد بالكلمة، فساد بالأجواء، فساد بالمياه، فساد بالبيئة، فساد بالثمرات، فساد بالنباتات، الفساد واسع جداً، وهو إخراج الشيء عن طبيعته، والمؤمن لا يفسد إطلاقاً، إنما يصلح بين خلق الله عزَّ وجل.
﴿ ...وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾سورة البقرة
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
كل إنسان يصَغِّر دنيا الناس عندهم، يكَرِّهه ببيته، يكرهه بزوجته، يكرهه بأولاده، يكرهه بمهنته، بحرفته، يستعلي عليه، هذا يفسد في الأرض، أفسد العلاقات، أفسد القرابات، أفسد الأعمال، فالفساد أيضاً واسع شره ونتائجه.
الفساد واسع جداً وهو إخراج الشيء عن طبيعته:
كلمة تنطق بها من سخط الله تهوي بها في جهنم سبعين خريفاً،
كلمة استعلاء أحياناً تجرح الإنسان:
جراح السنان له التئام وليس لجراح اللسان التئام
يتكلم بعضهم أحياناً كلاماً جارحاً، يحفر عميقاً في نفس سامعه، حمله على الكلام مكرٌ أو خبثٌ أو جهل، فلماذا ؟ أما كان الأجدر به أن يراقب الله فيما يقول ؟!!
فاحذر أن ينزلق لسانك وتقطع عندئذٍ ما أمر الله به أن يوصل.
يتبع
موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
امانى يسرى محمد
09-04-2025, 09:00 PM
الدنيا ساعة اجعلها طاعة
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)سورة البقرة ﴾
الدنيا ساعة، الزمن يمضي سريعاً، الإنسان زمن، الإنسان بضعة أيام كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، والإنسان العاقل يَعُدُّ عمره عداً تنازلياً يقول: كم بقي لي من عمري ؟ كيف مضى الذي مضى ؟ مضى الذي مضى كلمح البصر، فإذا مضى ثُلثا العمر فالثلث الباقي يمضي كلمح البصر أيضاً، الإنسان فجأةً أمام حسابٍ دقيق، وجزاءٍ دقيق، وعقابٍ دقيق.
قال علماء التفسير:
﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً (28) ﴾
أي كنتم في حالة العدم، الموت الأول موت العدم:
﴿ فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾
جاء بكم إلى الدنيا، ثم أماتكم بعد انتهاء الحياة، ثم يحييكم يوم القيامة لتلقوا نتائج أعمالكم، إذاً أولاً موت العدم، ثم إحياء الدخول في الدنيا، ثم موت الخروج من الدنيا، ثم إحياء يوم القيامة للحساب والعقاب والجزاء.
منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، وهذه هي النعم الكبرى.
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) ﴾( سورة الإنسان )
منحك نعمة الحياة، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهُدى والرشاد.
أنت بين قَوْسين قوس الحياة وقوس الممات، الله عزَّ وجل هو المتحَكِّم بالحياة، واهب الحياة، الله عزَّ وجل هو المميت، هو الذي ينهي حياة الإنسان، فإذا كانت البداية من خلق الله والنهاية من خلق الله لم لا تكون الحياة لله ؟
" الدنيا ساعة اجعلها طاعة "
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾
استفهام تعجُّبي، استفهام إنكاري، استفهام توبيخي:
﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾
والله الموت وحده أكبر درس، كل شيء تملكه تفقده بثانية، يكون للميت درج خاصّ فيه، بعض التحف، يُفتح هذا الدرج وتؤخذ مقتنياته يؤخذ مفتاح سيّارته، لا يوجد شيء في حياته حريص عليه إلا ويفقده بعد موته، يُصبح جثةً هامدةً، يكون معه مئات الملايين، الخام أسمر وليس مقصوراً لأنه يحرم استعمال المقصور،
القبر ؛ لا يوجد قبر خمس نجوم، ولا نجمة، وقد كان نقش خاتم عمر " كفى بالموت واعظاً يا عمر"، هذا الحدث الذي لا بدَّ منه، العاقل، والذكي، والموفَّق الذي يُعِد لهذه الساعة التي لا بدَّ منها، هذا الحدث ـ حدث الموت ـ ينبغي أن لا تفاجأ به، ينبغي أن تسعى ليلاً نهاراً إعداداً له، لأن القبر سيكون روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران ؛ فآل فرعون:﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً (46)﴾( سورة غافر: آية " 46 ")
منذ ستة آلاف سنة:
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾( سورة غافر: آية " 46 " )
امانى يسرى محمد
09-04-2025, 09:06 PM
معان متعددة لكلمة (خليفة)
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)سورة البقرة ﴾
جعل الله عزَّ وجل هذا الإنسان المخلوق الأول، جعله خليفةً له، معانٍ كثيرة جداً.
1ـ المعنى الأول لكلمة (خليفة) أي يأتي بعضهم وراء بعض ليتعظوا:
أي أن سيدنا آدم حينما كان في الجنة لم يخرج منها بسبب ذنبه، لا، فسيدنا آدم مخلوق في الأصل للأرض، والدليل هذه الآية،
لكن الله جعل هذا الدرس البليغ له ولذريته من بعده،
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
لكن الله شاءت حكمته أن يعطي سيدنا آدم درساً بليغاً في عداوة الشيطان، أما مصير الإنسان فهو إلى الأرض، هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية، جعله خليفة أي قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن، جيلاً بعد جيل، كما قال الله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ (165) ﴾( سورة الأنعام: آية " 165 " )
وقال:﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) ﴾( سورة الزخرف )
وقال:﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ (59) ﴾( سورة الأعراف: آية " 169 " )
توضح هذه الآيات معنى كلمة الخليفة، وهو الله عزَّ وجل شاءت حكمته أن يأتي الناس إلى الدنيا تِباعاً، وأن يغادروها تباعاً ليتَّعظ بعضهم ببعض
2ـ المعنى الثاني لكلمة (خليفة) أي لكرامة الإنسان عند الله أعطاه بعض صفاته:
المعنى الثاني: أن الله لكرامة الإنسان عنده أعطاه بعض صفاته، الله عزَّ وجل فرد، وجعل الإنسان فرداً، ليس في الأرض كلها إنسان يشبهُك، أنت فرد نسيج وحدك، بلازما الدم تنفرد بها، رائحة الجلد تنفرد بها، قزحية العين تنفرد بها، الزمرة النسيجية تنفرد بها، نبرة الصوت تنفرد بها، بصمة اليد تنفرد بها، لكرامتك عنده جعلك فرداً لا مثيل لك، ولا مشابه لك، هكذا شاءت حكمة الله، لكرامتك عنده سمح لك أن تُشَرِّع، أعطاك نصوصاً ظنية الدلالة، ولك أن تجتهد، لكرامتك عنده سمح لك أن تُبْدِع عن طريق المورِّثات والتهجين، فالإنسان الآن يبدع في النباتات، وفي الحيوانات، وفي الزراعة، لكرامتك عنده سمح لك أن تحكم، جعلك خليفةً في الأرض لتقيم العدل، وتردع الظالم، وتكافئ المحسن، مَكَّنَك في الأرض، في الشخص القوي بيده مصير الأشخاص الآخرين، هذا خليفة الله في الأرض.
﴿ يَا داود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (26) ﴾(سورة ص)
الأنبياء والأولياء والعُلماء والدعاة هؤلاء خلفاء الله في أرضه ليقيموا أمر الدين، والملوك والأقوياء خلفاء الله في أرضه ليقيموا أمر الدنيا، فالله عزَّ وجل أعطى الإنسان قوة، الإنسان لديه قدرة أن يحرك جيشاً، يعلن حرباً، يفجِّر قنبلة مثلاً، سمح الله للإنسان أن يكون قوياً، فكلمة جعله خليفته في الأرض، المعنى الأول: يأتي بعضهم وراء بعض، والمعنى الثاني: لكرامة الإنسان عند الله أعطاه بعض صفاته، وهناك حديث يحتاج إلى شرح طويل:
(( خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ على صُورَتِهِ ))[ رواه حيى بن جعفر عن أبي هريرة ]
لكرامة الإنسان عند الله عزَّ وجل.
3ـ المعنى الثالث لكلمة (خليفة) أي أن الإنسان مُمَكَّن أمره نافذ ومعه سلطة:
إذا كان لك أولاد، أنت تزوّجت أمهم وأنجبت هؤلاء، جعل أمرهم بيدك، طعامهم وشرابهم بيدك، تربيتهم بيدك،توجيهَهُم بيدك، أنت خليفة الله في أسرتك، أنت معلِّم أنت خليفة الله في صَفَّك، مدير مدرسة أنت خليفة الله في هذه المدرسة، أنت مدير تربية فأنت خليفة الله في هذه المحافظة، وزير تربية في القطر، كل إنسان ممكَّن؛ هذا بالتربية، هذا بالصحة، هذا بالاقتصاد، هذا بالأوقاف، فالإنسان مُمَكَّن معه صلاحية، أمره نافذ، معه سلطة، هذا معنى ثالث.
كيف عرفت الملائكة أن البشر سيفسدون في الأرض ؟
﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)سورة البقرة ﴾
طبعاً تردد هذا السؤال مرَّات عديدة،
كيف عرفت الملائكة أن الإنسان سيفسُد وسيسفك الدماء ؟
تجيب الآية عن ذلك:
﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ (27) ﴾
أي من قبل الإنسان:
﴿ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) ﴾( سورة الحجر: آية " 27 " )
عالم الجن ارتكبوا الموبقات، وسفكوا الدماء، وفسدوا في الأرض، فالملائكة قاسوا على الجن، لأن الله عزَّ وجل أعطى الأمانة للإنس والجن معاً:
﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ (33) ﴾( سورة الأنعام: آية " 130 " )
وقال:﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) ﴾( سورة الرحمن )
وقال:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾( سورة الذاريات )
الصنفان اللذان قَبِلا حَملَ الأمانة هما صنف البشر وصنف الجن، وهما مكلَّفان، وكل جنس له طبيعة خاصَّة، فالبشر من طين والجان من نار، لذلك قالت الملائكة:
﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
أي إذا أنشأنا جامعة ضخمة جداً، وقسم من طلابها وليكن ربع الجامعة لم يدرسوا، ولم يتعلموا، وأهملوا واجباتهم هل نلغي الجامعة ؟ لا، لأنه يوجد طلاب في المقابل نالوا شهادات عُليا، وقدَّموا لأمتهم خدمات كبيرة جداً، فلو فرضنا أنه يوجد قسم فاسد هل نلغي الجامعة ؟ إننا لا نلغيها:
سيكون هناك أنبياء كبار، وأولياء، ومؤمنون، ومجاهدون، ومجتمعات راقية جداً:
﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
هل الكمال في الجامعة أساساً أن ينجح جميع الطلاَّب كلَّهم بتفوق ؟ لا، الكمال في الجامعة أن تأتي النتائج وَفْق المقدِّمات، عندما ينجح المجتهد ويرسب الكسول هذا كمال في الجامعة، الكمال في خلق الإنسان أن تأتي الآخرة متوافقة مع الدنيا فقط.
جاء في بعض التفاسير:
﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
أي أن الله تعالى يقول:
(( إنني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف ما لا تعلمون مع كل المفاسد التي ذكرتموها، سأجعل فيهم الأنبياء، أُرسِل فيهم الرُسل سيكون فيهم الصدّيقون، والشهداء، والصالحون، والعبَّاد، والزهَّاد، والأولياء، والأبرار، والمقرَّبون، والعلماء العاملون، والخاشعون، والمحبَّون لي، والمتبعّون لرسلي، وقد ثبت في الصحيح: أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون آتيناهم وهم يصلّون.. فقد ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
" يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
هؤلاء في المسجد هنا، لماذا أنتم هنا ؟ لا يوجد طعام ولا يوجد شراب، ولا تكريم ولا رواتب آخر الشهر، أنتم أتيتم لمعرفة الله، أتيتم لوجه الله، إذاً:
﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
يوجد عباد مؤمنون، صادقون، مخلصون، محبِّون، ورعون، مقبلون، محسنون، متفوِّقون، العبرة أن تأتي النتائج وَفْقَ المقدمات فقط:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾( سورة الجاثية)
الامتثال لله وللرسول صلى الله عليه وسلم
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ (34) سورة البقرة﴾
مادام الله أمر، انتهى الأمر، علة أي أمرٍ أنه أمر.
يحدث أحياناً أن إنساناً تغلق أمامه كل الطرق المشروعة، يفتح له باب واسع، لكن فيه شبهة، الكسب غير مشروع، هذا امتحان صعب، فحينما تقول: أنا لا أعصِ الله وليكن ما يكن، امتحنك الله ونجحت، يخضعك الآن لقانون العناية الإلهية المباشرة، فيكسبك شيئين ؛ يكسبك أجر العابدين، ثم يكشف لك عن الحكمة فتكون من العلماء، تجمع بين العبودية والعلم، إذا كشف لك حكمة الأمر قبل أن تفعله ضعف فيه عنصر العبودية لله، أما إذا أقبلت عليه دون أن تفهم حكمته طاعةً لله عزَّ وجل، فلما أقبلت عليه ونفذته، كافأك الله فكشف حكمة هذا الأمر، إذا كشف لك الحكمة بعد التنفيذ جمعت بين الشيئين ؛ بين العبودية لله، وبين علم العلماء، صرت عابداً عالماً بآن واحد
تتضح أحياناً حكمة الأمر الإلهي بشكلٍ جلي، وأحياناً تختفي حكمته، كلما اتضحت حكمة الأمر الإلهي ضعف فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل
﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (102)﴾( سورة الصافات: آية " 102 " )
هو لا يذبح مجرماً !! بل نبياً:
ابنه:
﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) ﴾( سورة الصافات: 102)
هذا الأمر غير واضح على الإطلاق، صعب فهمه، تذبح ابنك النبي،،امتثل ابراهيم لأمر الله، وسارع إلى طاعته فلما وجده الله قد امتثل لأمره دون كسل واعتراض كشف الله هذا البلاء، ... فكلما اختفت حكمة الأمر ارتفع فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل،
أنت حينما يأمرك الله أمراً إنما تطيع أمر الله، قال لك: قَبِّل الحجر الأسود ـ حجر لا ينفع ولا يضر ـ تقبله تنفيذاً لأمر الله، قال لك: ارجم هذا الحجر، ترجمه تنفيذاً لأمر الله، ولكن لو قال لك أبوك: أطع الله، صلِّ يا بني وصليت، هل تنفذ أمر أبيك ؟ لا أبداً إنك تنفذ أمر الله عزَّ وجل، أي إنسان يدعو إلى الله لا يُنَفَّذُ أمره الشخصي، إنما يُنَفَّذ أمر الله الذي نقله لك عن كلام الله، وعن سنة رسول الله، وحينما قال الله عزَّ وجل:
﴿ أطيعوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (59) ﴾( سورة النساء )
أي أنت مُلْزَم أن تطيع رسول الله من دون نظرٍ لمقياسٍ آخر، كأن يقول لك: يا أخي أنا أطيع الحديث بعد أن أتحقق وأجد له أصلاً في القرآن، لا، ليس لك هذا، أنت مكلفٌ أن تطيع رسول الله استقلالاً، بنص أمر الله عزَّ وجل:
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾(سورة الحشر: آية " 7 " )
لأنَّه معصوم ولأنه لا ينطق عن الهوى.
قول لا أدري نصف العلم
﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا(32)﴾
قال الإمام الشافعي: " كلّما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي " ،
والإنسان المتعلّم أو طالب العلم الشرعي يجب أن يكون متواضعاً جداً وأن يُجْري على لسانه كلمة لا أدري، لا أدري نصف العلم،
جاء وفد من المغرب إلى المشرق معهم أسئلة عديدة جداً، فالتقوا الإمام مالك ـ إمام دار الهجرة ـ عرضوا عليه مجموعة أسئلة فأجاب عن ثلثها، وأما الأسئلة الباقية فقال عنها: لا أدري،
قالوا: يا الله الإمام مالك إمام دار الهجرة لا يدري ؟!
قال لهم: قولوا لأهل المغرب الإمام مالك لا يدري.
عوّد نفسك أن تقول عن شيء لا تعلمه: واللهِ لا أعلم، إن قلت: لا أعلم فأنت عالم، أما هذا الذي يعلم كل شيء فهو لا يعلم شيئاً إنه كذَّاب، عَوِّد تلاميذك، عود أخوانك كلمة لا أعلم طبيعية جداً، وأنت في مكانك العلي لا تستحي أن تقول: لا أعلم، لأنك إذا قلت ما لا تعلم فقد اقترفت إثماً مبيناً، وردت المعاصي في كتاب الله بشكل تصاعدي ؛ الفحشاء، والمنكر، والإثم، والعدوان، والشرك، والكفر، وأعلى معصية هي:
﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾( سورة البقرة )
النبي عليه الصلاة والسلام على علوّ قدره وعِظَم شأنه لا يعلم إلا أن يُعلِّمه الله:
يقول الإمام الغزالي: " العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ".
وَطِّن نفسك إذا سئلت عن آية ما معناها أن تقول: والله لا أدري أراجعها إن شاء الله، ما معنى هذا الحديث ؟ والله لا أدري أراجعه إن شاء الله، فأنت عالم، هذه الموضوعية، وهذا التواضع العلمي، أما أن تجيب عن كل شيء بسرعة، وبلا تريّث، وبلا تَرَوّي فهذا من الجهل، ومن القول على الله ما لا تعلم !
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا (32) ﴾
كن طبيعياً، سؤال فقهي، والله سأُراجعه، فتوى، دعني أُفكِّر فيها، هل تعلم ما معنى هذه الآية ؟
لا والله لا أعلم، لا أعلم أنت عالم، أما كلَّما سئِلت أجبت إجابة طائشة، فمعنى ذلك أنك لا تعلم، عوّد نفسك أن تقول:
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا (32) ﴾
(( أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي البلاد شر ؟
فقال: لا أدري، فلما أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا جبريل، أي البلاد شر ؟
قال: لا أدري حتى أسأل ربي تبارك وتعالى، فانطلق جبريل، فمكث ما شاء الله ثم جاء، فقال: يا محمد، إنك سألتني أي البلاد شر، قلت: لا أدري، وإني سألت ربي تبارك وتعالى، فقلت: أي البلاد شر ؟ فقال: أسواقها.))
[الحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى والإمام أحمد عن جبير بن مطعم]
خيرها مساجدها، ففيها علم، ومعرفة، ووجهة إلى الله عزَّ وجل، وشرُّها أسواقها
خطورة الكبر
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ (34) }
ليس متاحاً للملائكة أن يعصوا ، الملائكة غير مكلفين ، المَلَك غير مكلف ، المَلَك مسيَّر ، اسجد يسجد ،
لا يوجد بين المخلوقات كلها إلا نوعان مخيَّران+ ؛ الإنس والجن ،
الإنس يتلقَّى الأمر ، يطيع ، أو يعصي ، أو يرد ، ثلاثة مواقف ، إذا أطاع فهو طائع ، إن لم يطع فهو عاصٍ ، إن احتقر الأمر ورده فهو كافر ، مطيع ، عاصٍ ، كافر ، قال لك : صلِّ ، الذي صلى مطيع ، والذي لم يصلِّ تهاوناً وتكاسلاً ـ الله يتوب علينا ، والله أنا مقصر ، إن شاء الله سوف أصلي ـ هذا عاصٍ ، أما لماذا الصلاة ؟ فهذا كافر ،
فرقٌ بين أن تطيع الله ، وبين أن تعصيه ، و بين أن ترد أمره ، هذا متاحٌ فقط للإنس والجن
{ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ (34) }
قد يقول قائل : الملائكة سجدوا ، وإبليس مستثنى منهم ، هل المعنى أنه مَلَك ؟
لا الاستثناء نوعان ؛ هناك استثناء متصل ، واستثناء منقطع ، إذا قلنا : دَخَلَ الطلاب إلا خالداً ، هذا استثناء متصل ، خالد طالب ، أما إذا قلنا : دخل الطلاب إلا المدرس ، هذا استثناء منقطع المدرس ليس من جنس الطُلاَّب ، لكن دخول الصف يشمل الجميع ، الطلاب والمدرس ، فهذا الاستثناء لا يعني أن إبليس مَلَك ، لا أبداً ! إبليس كان من الجن ، ولو كان مَلَكَاً لما عصى أبداً ، لما عصى ، لأنه مسيّر لا يستطيع أن يعصي
{ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ (34) }
معصية الكبر عند الله كبيرةٌ جداً : الكبر أن ترفض الحق ، ألا تقبله ، ألا تعبأ بالصلاة ، ألا تعبأ بالزكاة ، ألا تعبأ بالحج ، أن ترى نفسك فوق الشرع ، معصية الاستكبار كبيرة جداً ، إبليس استكبر
هناك ألف معصية سببها الغَلَبَة، يُغلَب الإنسان، وفي معصية سببها الكبر، معصية الكبر عند الله كبيرةٌ جداً:
﴿ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) ﴾( سورة النساء )
الاستكبار في الطاعة مشكلة، لذلك ما الكبر ؟
قال:
(( الكبر بطر الحق وغمط الناس.)[مسلم عن عبد الله بن مسعود]
الكبر أن ترفض الحق، ألا تقبله، ألا تعبأ بالصلاة، ألا تعبأ بالزكاة، ألا تعبأ بالحج، أن ترى نفسك فوق الشرع
لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل:
((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[أحمد عن أبي هريرة]
ذنوب الَغَلَبة يسهل التوبة منها أما ذنوب الكبر فيصعب التوبة منها:
اعتقد اعتقاداً جازماً أن عندك يومياً عشرات الدروس من بدر وحنين، في كل قضية تعزو هذا الفضل إليك هذه حنين ـ تخلي ـ تعزو هذا الفضل إلى الله هذه بدر ـ تولي ـ أنت بين التخلي والتولي، وإذا كان أصحاب النبي وهم على ما هم عليه من رفعة الشأن، تخلى الله عنهم في حنين ـ مؤقتاً طبعاً ـ تأديباً لهم، فمن نحن ؟
إذاً:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) ﴾
ذنوب الَغَلَبة يسهل التوبة منها، أما ذنوب الكبر يصعب التوبة منها،
المعاصي بسبب الكبر يصعب التوبة منها، المعاصي بسبب الغَلَبَة والضعف يسهل التوبة منها، انتهت العملية
أدلة من القرآن الكريم تُظهر أن الجنة في الآية التالية ليست جنة الآخرة:
هناك الآن تجربة عملية:
﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35)سورة البقرة ﴾
الأرجح، والأقوى، والأكثر رجحاً أن هذه الجنة ليست جنة الآخرة، لأن جنة الآخرة:
﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) ﴾( سورة الحجر )
في آياتٍ كثيرة سَمَّى الله البساتين جنة:
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ (17)﴾( سورة القلم: آية " 17 " )
وقال:
﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ (35) ﴾( سورة الكهف: آية " 35 " )
آيات ثلاثة في القرآن وصفت جنات الأرض بالجنة، فالله هَيَّأ له مكاناً فيه كل حاجاته، فيه كل متطلباته.
﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ (35) ﴾
قال الله عزَّ وجل: اسكن، وهذا فعل أمر، لم يقل: اسكني، علماً أن المقصود أنت وزوجك وذلك حسب التغليب لأن كل أمر موجهٌ إلى الذكور هو حكماً موجهٌ إلى الإناث.
آدم مخلوق في الأصل للأرض وهذا درس عملى
هذه جنةٌ في الأرض جُعلت لآدم عليه السلام ولزوجته، ليكون الدرس العملي فيها، قد يقول قائل:
لولا أن آدم لم يأكل من هذه الثمرة لما خرجنا من الجنة، كلا، والدليل قوله تعالى:
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾( سورة البقرة: آية " 30 " )
آدم مخلوق في الأصل للأرض هذا درس عملي، تَعْرِض على الإنسان أحياناً قضية نظرية يقبلها، فإذا جاء التطبيق العملي لم يتحملها، ولذا يجب أن يحاول الإنسان أن يجرب كل شيء قبل أن يوافق عليه، قد تفتقر الموافقة النظرية إلى الخبرة العملية، فأروع شيء أن هناك موافقة نظرية وهناك خبرة عملية، الآن درس عملي من الله عزَّ وجل:
﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) ﴾
كل حاجاته فيها ؛ الطعام، والشراب، والمأوى، كل شيء يتمنَّاه أمامه، هناك إشارات، هو الآن في الجنة في طور التكليف، ما هو التكليف ؟ قال:
﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) ﴾
مسموح أن يأكل مليار نوع.
من لوازم التكليف الأمر والنهي:
قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ (35) ﴾
لا يوجد تكليف من دون نهي، لم يعد تكليفاً، أي قرار لا يوجد فيه منع لم يعد هذا قراراً، قانون السير: ممنوع أن تقف في المكان الفلاني، ممنوع أن تقود مركبة من دون شهادة، لولا المنع لما كان تكليف، ولما كان هناك أمر، ولم يعد للأمر أي معنى، فمن لوازم التكليف الأمر والنهي، لكن من رحمة الله:
﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) ﴾
عُدَّ لي كم شراباً يمكنك شربه ؟ يمكن أن يبلغوا ألفاً، كم فاكهة تستطيع أن تأكلها؟ كم طعاماً مسموح لك أن تأكل ؟
الخمر والخنزير محرمان فقط، المباح والحلال يفوق المنهي عنه بآلاف، بل بمئات ألوف المرات:
﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ (35) ﴾
من لوازم العبودية وجود أمر ونهي لديك، وأنت مخير، قال:
﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا (36) ﴾
الشيطان كذب طبعاً على آدم، قال له:
﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى(120) ( سورة طه )
علّم الله عزَّ وجل آدم وذريته من بعده درساً لا ينسى.
الحياة مبنية على الكدح
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) سورة البقرة
{ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ (36) }
ما دام المرء بالمعاصي والآثام ترك الصلاة ، ما دام ماله حراماً ، ما دام يرتاد الملاهي ، تجده مرتاحاً ولا يوجد عنده مشكلة ، عندما يلتزم بجامع يقول له الشيطان قد يكون هذا القرآن ليس من عند الله ، بل هو كلام محمد ؟ متى بدأ الشيطان يوسوس لهذا الإنسان ؟ بعد أن التزم ، وطريق الفجور لا يوجد فيه شيطان ، الطريق سالك ونازل ، وبعد أن التزم المرء قعد الشيطان على طريق الصلاح
{ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) }
هذه كلمة ﴿ إلى حين ﴾ إذا فهمها الإنسان ترتعد مفاصِلُه ، ﴿إلى حين﴾ ، عدة سنوات ، اعمل ما شئت لا بد من الموت ، إذا شيَّع الواحد جنازة ، ووقف على القبر ، وضع هذا الميت في القبر ، هذه الحادثة الرهيبة كلنا سوف نصل إليها ، كلنا ، مهما كان حجمك المالي ، مهما كان بيتك فخماً ، مهما كان لك هيمنة على الناس ، مهما كان لك أذواق رفيعة جداً في الاستمتاع ، مهما كنت أنيقاً عندك أذواق عالية ، مهما كان رصيدك كبيراً ، هذه اللحظة لا بد منها ، لذلك العاقل هو الذي يعد لهذه اللحظة التي لا بد منها عدتها
أي أنك بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، هذا الإنسان، ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا (36)
اهبطوا من هذه الحالة العالية، إذا كان الشخص مرتاحاً لا يوجد عنده ولا مشكلة اطلب تعطى:﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (31)(سورة النحل )
هكذا الجنة، نزل إلى مستوى متعب، هناك كدح وسعي، يقول لك احدهم : بعد ثلاثين سنة سكنت في بيت مساحته مئة متر تحت الأرض في القبو، ما هذه الحياة ؟
تعمل عملاً يهد الجبال، لتشتري بيتاً صغيراً، إلى أن يتزوج ويكون له زوجة يقول لك: أصبح عمري أربعين سنة ولم أتمكن من الزواج بعد، هكذا الحياة، الحياة مبنية على الكدح.
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ (6) ﴾( سورة الانشقاق: آية " 6 " )
الجنة ليست هكذا لأنها على الطلب، اطلب تُعطَ، تقول: أعطوني وأنت ماكث ؟ كله جاهز.﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (31﴾( سورة النحل)
في الدنيا سعي، في الدنيا عمل، وفي الآخرة أخذٌ.
{ وَقُلْنَا اهْبِطُوا (36) }
انتهت الآن الحالة المريحة ، انتهى الدرس ، اهبطوا ، مثل تقريبي : عندك طلاب أريتهم مزرعة جميلة ، تجعلهم يسبحون ، تطعمهم أكلاً لذيذاً ، تجدهم يحبونها ، الآن الذهاب إلى المزرعة للعمل والاجتهاد ، أول مرة يهمك أن تجعلهم يطمعون ، تريهم ما هي الجنة ، فهذه يسمونها تربية عالية جداً ، هذه الجنة ، وأنتم مخلوقون لهذه الجنة ، الآن اهبطوا منها ، الآن الجنة بالعمل فاعملوا واشتغلوا ، أعطاك نموذجاً عالياً جداً .
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(37)سورة البقرة
﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾
هناك ذنبٌ بينك وبين الله، وهناك ذنبٌ بينك وبين العباد، فالذنب الأول يغفر والثاني لا يترك،
أما الذنب الذي لا يُغْفَر هو الشرك بالله عزَّ وجل، الشرك بالله ذنبٌ لا يغفر وما كان بينك وبين العباد ذنبٌ يغفر بشرط الأداء والمسامحة، وما كان بينك وبين الله يُغفر بطلب المغفرة،
ذنبٌ يغفر، ذنبٌ لا يترك، ذنبٌ لا يغفر.
{ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }
معنى توَّاب صيغة مبالغة ، وصِيَغ المبالغة مع أسماء الله الحسنى تعني أنه يتوب على الإنسان من أكبر ذنبٍ اقترفه ، ويتوب عليه من آلاف الذنوب ، فهنا مبالغة كَماً ونوعاً ،
مهما كان الذنب في نظرك كبيراً يتوب الله عزَّ وجل عليك منه ، أي ذنبٍ مهما بدا لك كبيراً
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53) ﴾( سورة الزمر: الآية " 53 " )
وفي الحديث القدسي:
(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))[ حديث قدسي ]
وقال:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) ﴾( سورة الحجر )
التوبة تكون من الذنب الكبير ومن الذنوب الكثيرة لأن الله توَّاب.
ملخص الدين كله معرفةٌ واستقامةٌ وسعادة في الدنيا والآخرة:
بل إن الله عزَّ وجل يقول :
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾( سورة النساء)
هذه إرادة الله عزَّ وجل، بل إن الله عزَّ وجل يحمل الإنسان على التوبة، قال الله تعالى:
﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ (187) ﴾(سورة البقرة: الآية " 187" )
أي قبل توبتهم، تابوا فتاب الله عليهم، أما:
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (118) ﴾( سورة التوبة: الآية " 118 " )
أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة،
علمنا الله عزَّ وجل من هذا الدرس أن الإنسان خلق للجنة، ولكن لهذه الجنة ثمنٌ، ثمنها طاعة الله في الدنيا، وطاعة الله عزَّ وجل لا تقع إلا إذا عرف الإنسان الله عزَّ وجل، وحينما يعرفه ويطيعه يسعده في الدنيا والآخرة هذا ملخص الدين كله، أي معرفةٌ واستقامةٌ وسعادة في الدنيا والآخرة.
ما معنى التوبة من الله إذا جاءت بعد توبة العبد ؟
أي أنه قبل التوبة ،
(( تابوا فتاب الله عليهم ))
إذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد فمعناها أنه قبل هذه التوبة .
لذلك ، إذا قال العبد : يا رب وهو راكع ، قال الله له : لبيك يا عبدي ، فإذا قال : يا رب وهو ساجد ، قال الله له : لبيك يا عبدي ، فإذا قال : يا رب وهو عاصٍ ، قال الله : لبيك ، ثم لبيك ، ثم لبيك .
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
أركان التوبة
الندم على الذنب ....هذا الألم النفسي إلى ماذا يفضي ؟
يفضي إلى ثلاثة مواقف ، موقف متعلق بالماضي ، موقف متعلق بالحاضر ، موقف متعلق بالمستقبل ، أما الموقف المتعلق بالماضي فهو الإصلاح ، تكلم بكلمة ، يستسمح مِن الذي قالها فيه ، له دخل حرام يوقف هذا الدخل ، ويجعل ما مضى صدقة ، فأيُّ ذنب وقع في الماضي فلا بد من إصلاحه ، إذا كان متعلقاً بحقوق العباد ، إذاً : الإصلاح ، تابوا وآمنوا ، وعملوا الصالحات :
﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾( سورة الأعراف )
بعد التوبة ، والعمل الصالح ، وإصلاح الخطأ الذي ارتكب :
﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
هذه واحدة ، هذا موقف متعلق بالماضي ، الإصلاح ،
أما الموقف المتعلق بالحاضر فهو الإقلاع الفوري عن الذنب ،
أما الموقف المتعلق بالمستقبل أن يعقد العزيمة على ألا يعود إلى هذا الذنب ،
هذه أركان التوبة .
الفرق بين حالة آدم في الجنة وحالته في الدنيا :
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾
الهبوط نزول مستوى، كان الإنسان بحالة راقية صار بحالة متعبة، تجد الإنسان يصل إلى ثلاثين سنة حتى يتزوج، هذا يكون سبَّاقاً إلى الزواج، حتى يستقر إلى أن يجد له بيتاً، مأوى، زوجة، أولاداً، ثلاثين عاماً فما بعد، يحتاج إلى سنوات وسنوات حتى يستطيع أن يتحرك حركة معقولة، فهؤلاء الذين كسبوا المال حصَّلوه بجهدٍ جهيد، فلمَّا حصَّلوه ما بقي لهم كثير ولا قليل حتى يغادروا الدنيا، فالدنيا دار تعب، إن هذه الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام:(( إن هذه الدنيا دار التواء وليست بدار استواء، إنها منزل ترحٍ لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
صار هناك هبوط، يجب أن يسعى ويكد لتحصيل الطعام، بعد أن كان مبذولاً بأعداد لا تنتهي، بإمكانك أن تأكل مليون تفَّاحة، مليار، كلَّما توجَّهت أشعَّةٌ من نفسك إلى هذه التفَّاحة أخذت كل ما فيها من طعمٍ طيّب، دون أن تدخلها إلى جوفك فتتعبك، أما في الدنيا يوجد طريق ثاني، لا بد من أن تأكلها، فإذا أكلتها أصبحت عبئاً عليك، الذي يؤثر الطعام الطيّب يحتاج إلى جهود جبَّارة كي يُخَفِّض وزنه، فالدنيا متعبة، كل شيء يحتاج إلى سعي وإلى كد، فكسب المال صعب، إن كسبه حراماً سقط من عين الله، وإن أراد أن يكسبه حلالاً بذل جهداً كبيراً جداً، فهبط المستوى، كان للإكرام صار للعمل والسعي والكد، كان لهم ما يشاؤون صار ليس لهم إلا ما يفعلون، كان في إكرام صار في جهد، كان في مسامحة صار في محاسبة، أي أن الوضع في الدنيا اختلف اختلافاً كبيراً، لذلك المؤمن حينما يأتيه ملك الموت ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرَحِم إلى سعة الدنيا.
على كلٍ الحالة التي كان بها آدم حالة مريحة جداً ومثالية جداً، ليس فيها نصب، ولا تعب، ولا خوف، ولا قلق، ولا مرض، ولا هم، ولا حَزَن، ولا زوجة دون الوسط تزعج زوجها، لا يوجد قلق مخيف من مرض، من آلام، من أمراض وبيلة، عُضالة، لا يوجد فقر، ولا سجن، لا يوجد شيء مزعج إطلاقاً ؛ أما في الدنيا فهناك مسؤوليَّة، وهناك كسب للمال، وهناك جوع، والجوع وراء كل عمل الإنسان، إنه مفتقرٌ إلى الطعام كي يستمر وجوده، وتحصيل الطعام مفتقر إلى عملٍ يكسب به ثمن الطعام، لذلك الأنبياء قال الله عنهم:
﴿ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾( سورة الفرقان: الآية " 20 " )
أي أنهم مفتقرون مرَّتين ؛
مرَّةً إلى تناول الطعام لبقاء وجودهم، ومرَّةً إلى كسب المال لشراء الطعام
إذا كنت صادق تبحث عن الشيء الذي له عند الله شأن كبير لا تفرح بالدنيا، إنها عرض زائل، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل، ويكفي أن الموت ينهي كل شيء، ينهي غنى الغني وفقر الفقير، قوة القوي وضعف الضعيف، ذكاء الذكي، وغباء الغبي، نسب النسيب، وتواضع الذي ليس له نسب، كله ينتهي بالموت، لكن ماالذي يبقى ؟
العمل الصالح.
العمل الصالح وحده هو الذي ينفعك، بل إن مقياس الغنى هو غنى العمل الصالح، قال:
﴿ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾
بالدنيا، ولكن يحب الفرحين بفضل الله عز وجل، آتاك الله إيمان واستقامة وأعمال صالحة كبيرة جداً، آتاك أولاد أبرار سعيت في تربيتهم، آتاك زوجة صالحة، هذه كلها من جنس العمال الصالحة، أو لأنها تعينك على عمل صالح، ألم يقل الله عز وجل:
﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾
الشعور بالطمأنينة
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) سورة البقرة﴾
راحة البال لا يعرفها إلا من فقدها، فالذي يسير وراء شهوته المحرمة يعاني عذاباً وجحيماً لا يطاق:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (*)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (*)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾( سورة طه 124-126)
إن الهمَّ الذي يشغل سائر الناس لا يشغل المؤمن، وإن القلق الذي يعتري سائر الناس لا يعتري المؤمن، وإن الخوف من المجهول الذي هو ديدن الناس لا يصيب المؤمن:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ﴾( سورة طه : 123)
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾سورة البقرة
قال تعالى:
﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) سورة البقرة﴾
الحقيقة قضيَّة الأمن دقيقة جداً،
الأمن أكبر حاجة للإنسان، قال تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾( سورة الأنعام )
أنت من خوف الفقر في فقر، أنت من خوف المرض في مرض، توقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها،
بل إن نوعاً من أمراض القلب سببه الخَوْفُ من أمراض القلب، فالقلق يأكل كَبِدَ الإنسان، بالإيمان والتوحيد تنجو من هذا المرض:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51) ﴾( سورة التوبة: الآية " 51 " )
وقال:﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
هذا الأمن الذي يتمتَّع به المؤمن لو وُزِّعَ على أهل بلدةٍ لكفاهم، هناك في قلب المؤمن من الأمن ما لا يوصف بسبب طاعته لله عزَّ وجل، قال له:
(( يَا مُعَاذُ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))[ متفق عليه عن معاذ ]
أنشأ الله عزَّ وجل لك حقَّاً عليه ألاّ يعذِّبك ما دمت في عبادته وطاعته، ما دمت في ظل شرعه، ما دمت في أمره ونهيه، ما دمت تتلو كتابه، تقيم أمره، وتقيم حلاله، وتمتنع عن حرامه، ما دام هناك التزام أنت في بحبوحة.قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ (33) ﴾( سورة الأنفال: الآية " 33 " )
هذه النعمة التي يملكها الإنسان المؤمن ؛ نعمة الأمن، الطمأنينة، الشعور أن الله يحبُّه، وأن الله قد أعدَّ له جنَّةً، الشعور أنه قد تتصل نعم الدنيا بنعم الآخرة، قد تتصل اتصالاً مستمراً، هو يعيش في الدنيا في سلام مع نفسه، ومع الناس، ومع ربّه، في بحبوحة، في صحَّة، في سمعة طيّبة لأنه مقيم على أمر الله، يموت فينتقل إلى الجنَّة، اتصلت نعم الدنيا بنِعَم الآخرة، وكأن خط بيان المؤمن خطٌّ صاعد، وما الموت إلا نقطة على هذا الخط، بينما حياة الكافرين مُفْعَمَةٌ بالقلق، بالخوف من المجهول، بالخوف من المستقبل، لأنهم حينما أشركوا بالله قذف الله في قلوبهم الرعب
على كلٍ هذه الآية:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾
أضيفُ لها آيةً ثانية:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾( سورة طه )
اجمع الآيتين ؛ من يتبع هدى الله عزَّ وجل لا يضلُّ عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من السعادة في الدنيا ؟
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
إذا عَمَّر الإنسان الآخرة سهُل عليه أن ينتقل إليها:
قال تعالى:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾
لا خوفٌ عليهم من المستقبل، يضمن الله لهم مستقبلاً مريحاً، ولا يحزنون على ما مضى لأنهم قادمون إلى الجنَّة،
فالموت قضيَّة كبيرة جداً، وكلَّما حسَّنت حياتك وأنت ـ لا سمح الله ـ على معصية صعُبَ عليك الموت
قال تعالى:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ﴾
كفر أي: كذَّب، وأعرض، وانغمس في شهواته، هؤلاء:( أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39) ﴾
الحكمة من تكرار قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم مرات عديدة
:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) سورة البقرة﴾
بادئَ ذي بدء، ما الحكمة أن تَرِد قصَّة بني إسرائيل في القرآن الكريم مرَّاتٍ عديدة، مع أن القرآن للمسلمين ؟
هناك من تَلَمَّسَ الحكمة في ذلك فقال:
" الخطاب المُباشر أقلُّ تأثيراً من الخطاب غير المباشر "،
فأنت إذا أردت أن تنصح إنساناً، وأن تُلْقِي عليه بعض الحقائق ربما دافع عن نفسه، أو ربما رأى ذلك انتقاصاً من قدره، فهناك خطوط دفاعٍ عند كل إنسان تمنع أن تدخل إلى أعماقه، أما إذا كان المُخَاطَبُ ليس معنياً في الموضوع، إنما المعنيٌّ جهةٌ ثالثة، فهذه الطريقة في الخطاب أكثر فاعليَّةً، وأكثر تأثيراً.
لو أن ابنك مثلاً مبتلى بشيءٍ لا يُرْضي الله، ربما لا يستجيب إذا ألقيت عليه نصائح ومواعظ وخطابات، أما إذا حدّثته عن شابٍ وقع في شيءٍ مشابهٍ لما وقع فيه الابن ودفع الثمن باهظاً فلعلَّ تأثير هذا الكلام يكون أكبر، لذلك دائماً وأبداً الطريقة المباشرة أقلُّ فاعليَّةً من الطريقة غير المباشرة، فمن الأمراض التي يمكن أن نقع بها، والنفاق الذي يمكن أن نقع فيه، والتقصير الذي يمكن أن نقع فيه، هذا كلُّه عُولِجَ في قصص بني إسرائيل، فصار الحديث عن بني إسرائيل حديثاً غير مباشر عن قضايانا، هذه بعض الحكم التي تلمَّسها بعض العلماء من كثرة إيراد قصَّة بني إسرائيل في القرآن الكريم لأن الأمراض التي يمكن أن نقع فيها وقعوا فيها، نقاط الضعف التي يمكن أن نعانيها وقعوا فيها،
فمعالجتها معالجةٌ لنا.
قصص بني إسرائيل فيها أسلوبٌ تربويٌّ فعَّالٌ لنا:
مثلاً قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾(سورة المائدة: آية " 66 ")
قياساً على ذلك لو أننا أقمنا القرآن الكريم لأكلنا من فوقنا ومن تحتنا، ولجاءت الخيرات كثيرةً:
﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾( سورة الجن)
وقال:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾( سورة الأعراف: آية " 96 " )
أول نقطة في هذا الموضوع أن قصص بني إسرائيل فيها أسلوبٌ تربويٌّ فعَّالٌ لنا لأن القرآن الكريم لا يخاطب المسلمين بشكلٍ مباشر بل يحدِّثهم عن أممٍ انحرفت فدفعت ثمن انحرافها باهظاً، يكون عند الواحد منا تقصير من جهة، فإذا رأى إنساناً قصَّر التقصير نفسه ودفع الثمن باهظاً يبادر إلى تلافي الأمر.
الحكمة من بعثة معظم الأنبياء في بني إسرائيل
إذا أراد الله جلَّ جلاله أن يخاطب الناس جميعاً قال:
﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾( سورة الأعراف: آية " 31 " )
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾
الخطاب هنا لبني إسرائيل، من هو إسرائيل ؟
هو سيدنا يعقوب عليه السلام، وما معنى هذا الاسم ؟
قال بعض العلماء: " في العبرية (إسِرا) تعني عبد و(إيل) تعني إله، هو عبد الله، أو صفي الله، هذا أصل التسمية في اللغة العبرية،
أي أنتم انحدرتم من إسرائيل وهو صفي الله عزَّ وجل، فَلِمَ أنتم كذلك ؟
تماماً كما لو تثير نخوةَ شاب، أنت ابن فلان، وأبوك إنسانٌ كبير، وإنسانٌ عالِم، وإنسانٌ كريم، وإنسانٌ محترم فَلِمَ أنت تفعل ذلك ؟
هذه هي العلَّة في قوله تعالى:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾
أي أنتم من نسل يعقوب، ويعقوب من نسل إبراهيم، وإبراهيم هو أبو الأنبياء عليهم السلام
إذا كان الأنبياء الذين جاؤوا إلى بني إسرائيل كُثراً فهذا لا يعني أنَّهم أمةٌ مختارة،
أي إذا كان الأساتذة الذين يعلِّمون طالباً كثيرين جداً فهذا دليل على كسله، وليس معنى ذلك أنه متفوِّق،
أكثر الشعوب معصيةً وتمرُّداً على الله عزَّ وجل هم بنو إسرائيل.
لو تدبَّرت أصل الفساد في العالم لوجدته من صنع بني إسرائيل:
قال تعالى:
﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ﴾(سورة البقرة: آية " 61 " )
منهجهم الآن إفسـاد شعوب الأرض، أصل الفساد في الأرض يتأتَّى الآن من بني إسرائيل، أي هم إن ضبطوا أنفسهم هذا وصمةُ عارٍ بحقِّهم، هم ينضبطون ولكنهم يُفْسدون الشعوب كلَّها،
لو تدبَّرت أصل الفساد في العالم لوجدته من صنع بني إسرائيل، فلذلك ليست كثرة أنبيائهم دليل تفضيلهم، بل هو دليل انحرافهم الشديد
الفرق بين أن تكون عبداً للنعمة وبين أن تكون عبداً للمنعم:
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40)سورة البقرة ﴾
هناك أيها الأخوة نعمةٌ وهناك مُنْعِم، الكافر مع النعمة، أما المؤمن مع المُنعم، وما لم تنتقل من النعمة إلى المنعم فلست مؤمناً، الكفَّار في كل مكان يستمتعون بنعم الله أَيَّما استمتاع، بل إن الكفَّار أكثر من المؤمنين استمتاعاً بالنعم لأنها نصيبهم الوحيد من الله عزَّ وجل، بلادهم جميلة، وأموالهم طائلة، وقوَّتهم مسيطرة ومع ذلك هم غارقون في المعاصي والآثام:
(( لو كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))[ الترمذي عن سهل بن سعد ]
في الفاتحة
﴿ الْحَمْدُ﴾
لا خلاف على النعم التي بين أيدينا ولكن من هو المنعم؟
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) ﴾(سورة الفاتحة)
هم يرون الحمد لهم فهم الذين اكتشفوا هذه الثروات، الذين صنَّعوها واستغلُّوها، وهم يرون أنفسهم آلهة الأرض، ولكن المؤمن يرى الله عزَّ وجل، إذاً الخلاف بين أن تكون عبداً للنعمة، وبين أن تكون عبداً للمنعم، بين أن تشكر ما آتاك الله من قدراتٍ على استغلال النِعَمْ، وبين أن تشكر الله عزَّ وجل الذي منحك هذه النعم، الذي يمدحك يمدح الذي منحك ولا يمدحك أنت:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (40) ﴾
قال بعض المفسِّرين، وهي لفتةٌ طريفة: " حينما خاطب الله عزَّ وجل المؤمنين قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ (40) ﴾( سورة الأحزاب: آية " 41 " )
أما حينما خاطب بني إسرائيل قال :
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (40) ﴾
لأنهم ماديُّون فمفتاحُهُم النعمة ".
المؤمن بالذَّات يحب الله على كماله:
نرجو من الله عزَّ وجل أن نكون نحن أرقى منهم، ونكون مع المُنْعِمْ:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ (40) ﴾
أما هم :
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
قد يُحبّ الإنسان الله على نعمه، ولكن المؤمن بالذَّات يحب الله على كماله، فلو أعطاه أو منعه حبُّه هوَ هو:
والله وإن فتَّتوا في حبهم كبدي باقٍ على حبهم راضٍ بما فعلوا
***
أساساً لا يُمْتَحَنُ المؤمن إلا في الشدَّة، قد يُنعم الله عليه في الدنيا فإذا ربط محبَّته لله بهذه النِعَم فهو عبد النِعْمَة، أما إذا كانت محبَّته لله خالصةً ولا علاقة لها بالنعم فهذه مرتبةٌ أعلى، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا الأدب مع الله عزَّ وجل
بعض من نعم الله الدالة على عظمته :
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
نعمة الأمن :
﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4) ﴾(سورة قريش)
أحد أسباب الأمن ثبات خصائص المواد، أنت عمَّرت بيتاً الإسمنت يبقى إسمنتاً، والحديد يبقى حديداً، لو أن خصائص المواد تتبدَّل إنك لا تنام الليل، لعلَّ هذا الحديد أصبح ماءً فانهار البيت، ثبات خصائص الأشياء هذه.
من نعم الله العُظمَى،
نعمة الجاذبيَّة ونعمهة استقرار الأرض:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً ﴾( سورة النمل: آية " 61 " )
لو أنها تهتزُّ دائماً، أرقى طائرة تهتز في أثناء طيرانها، لا توجد أرض، ولا يوجد احتكاك ومع ذلك تهتز دائماً، لو أن الأرض تهتز قليلاً لما رأيت بناءً قائماً على وجه الأرض، نعمة قرار الأرض، ونعمة الجاذبيَّة
من جعل هذه الأشياء مرتبطة بالأرض ؟
رائد الفضاء في منطقة انعدام الجاذبيَّة يفقد الوزن، يستيقظ فإذا هو في سقف المَرْكَبَة، ليس له وزن، يُمسك الحاجة بيده فإذا هي تتفلَّت منه، أصبحت في السقف، أما نحن فنضع هذا الكأس على الطاولة ويبقى على الطاولة لأن له وزناً، نعمة الجاذبيَّة قد لا ننتبه إليها، ونعمة الاستقرار قد لا ننتبه إليها، ونعمة ثبات خصائص الأشياء لا ننتبه إليها
نعمة فصول السنة
لولا أن محور الأرض مائل لما وجدت فصولاً أربعة أبداً، إمّا صيف أبدي، أو شتاء أبدي، ربيع أبدي، خريف أبدي، مع ميل المحور صار هناك تبدُّل فصول، لو أن الأرض تدور على محور موازٍ لمستوى دورانها حول الشمس لكانت درجة الحرارة هنا ثلاثمئة وخمسين فوق الصفر، وفي الطرف الآخر مئتين وسبعين تحت الصفر، ولانتهت الحياة، كم نعمة نحن محاطون بها ؟
نعمة النباتات
الآن النباتات لو أنه لا توجد بذور، وجدنا مثلاً مليار طن من القمح، وبعد أن انتهت هذه الكمية فإننا نموت من الجوع، ولكن الله عزَّ وجل خلق لك نظام البذور، يوجد مع كل إنتاج نباتي وسائل استمراره بالبذور، نظام النبات وحده من الأنظمة الصارخة في الإشارة إلى عظمة الله عزَّ وجل.
الماء .. وفيه تنطوي نعمة الحياة
لو كانت البحار بقدر اليابسة لما وجدنا أمطاراً، اسكب كأس الماء هذا على أرض الغرفة تجده قد جف بعد ساعتين، أما لو أبقيته في الكأس فلا يتبخَّر ولا بسنتين، إنه ينقص سانتي واحد فقط، فكلَّما كان السطح ضيقاً يكون التبخُّر قليلاً، وجعل الله أربع أخماس الأرض مسطَّحات مائيَّة من أجل أن يكون التبخُّر كافياً لأمطار اليابسة .
لو لم تكن هناك صحارى، ولم تكن هناك مناطق حارَّة لم يعد هناك رياح، هواء المنطقة الحارَّة مخلخل، هواء المنطقة الباردة مضغوط كثيف،
ينشأ من تباين الضغطين حركة رياح، حركة الرياح تسوق السحاب والله يسوق الماء من السحاب
يتبع
موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 05:19 AM
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcR9Snp5zWVPv8YH64-79Gn13HraxQDwjfOTNc8bq58jhguvTHMD&key=c1a1e26fd13f6dcc31f9045d8d3550591ac04984a9ac4f bde98a0a37d8a898dd (https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcR9Snp5zWVPv8YH64-79Gn13HraxQDwjfOTNc8bq58jhguvTHMD)
جسم الإنسان بما فيه من نعم الله الدالة على عظمته:
(اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) سورة البقرة﴾
نعمة المثانة نعمة كبيرة جداً، لولا أن فيها عضلات لما كان هناك طريقة أخرى لإفراغ البول إلا بأنبوب من أجل الضغط، أنبوب تنفيس، نعمة الإفراغ السريع بالعضلات، نعمة وجود المثانة، لو أنه لا توجد مثانة، أي من الكليتين إلى الخروج مباشرةً لكان هناك في كل عشرين ثانية نقطة بول، من كل كلية نقطة، فصارت نقطتين، فما هو الحل ؟ فوط الرجل السعيد.
نعمة الهضم، الإنسان يأكل، ويتولَّى الله عنه عمليَّة الهضم، وهي عمليَّة معقَّدة تتم في ثلاث ساعات، لو أن الله عزَّ وجل أوكل الهضم إلينا، يأكل، ومعه أربع ساعات هضم، والله مشغول، لأنني أهضم الطعام، أما كلْ وكلُّ شيء على الله، البنكرياس، والمرارة، وحركة الأمعاء، وامتصاص الطعام، وانتقال الطعام إلى مواد سكَّريَّة تخزَّن في الكبد وفي العضلات، وتحويل الطعام إلى مواد مختلفة وإلى مواد شحميَّة تُخَزَّن في مكانٍ آخر، هذا كلَّه يتولاه الله عنك.
نعمة أن التنفّس يتمُّ آلياً في الليل، لولا هذه النعمة لما أمكنك أن تنام، لو كان التنفس إرادياً، لو أن الله عزَّ وجل جعل التنفس إراديَّاً ينام فيموت، هناك مركز في البصلة السيسائية اسمه مركز التنبيه الآلي للرئتين، لو تعطَّل لأصبحت حياة الإنسان جحيماً، بمجرَّد أن ينام يموت، اخترع قبل سنوات عدَّة دواء غالٍ جداً يجب أن تأخذه كل ساعةٍ في الليل من أجل أن تبقى حيَّاً، الساعة التاسعة حبَّة، العاشرة، الحادية عشر، الثانية عشر، الواحدة، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة وهكذا، تصوَّر نفسك أنك مكلَّف أن تستيقظ كل ساعة لتأخذ الحبَّة وتنام، ما الذي يحدث ؟ هناك شخص أعرفه أُصيب بهذا المرض أصبحت حياته جحيماً لا يُطاق، كان يضع أربع منبِّهات لكي يستيقظ ويأخذ الحبَّة، له ابن مسافر عاد من سفره فسهر معه سهرة طويلة، الأربع منبِّهات نبِّهت ولم يستيقظ فوجدوه ميتاً في الصباح، فنعمة أن التنفُّس عمليّةٌ آليَّة هذه نعمةٌ لا تُقَدَّر بثمن.
نعمة أن الدماغ ضمن صندوق، والصندوق له مفاصل متحرِّكة، يمكن أن يسمع الواحد صوت رأس ابنه يرتطم على الأرض مرات عديدة جداً، تسمع صوتاً قوياً، لماذا لم ينكسر رأسه ؟ لأن الجمجمة فيها مفاصل متحركة، فهذه الضربة الشديدة تمتصُّها الفراغات بين المفاصل، ثم إن الدماغ محاط بسائل، هذا السائل يوزِّع، فأي ضربة على الرأس تتوزع على كل الدماغ فتغدو بسيطة جداً، فالدماغ في الجمجمة، والنخاع الشوكي في العمود الفقري، والعينان بالمحجرين، والرحِم بالحوض، وأخطر معمل في الإنسان معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام، الأجهزة النبيلة الخطيرة جداً ضمن صناديق، ضمن حصون، هذه من نعم الله الكُبرى، لو كانت عين الإنسان على جبينه، كم إنسان يسلم له بصره ؟! لا تجد سوى عشرة بالمئة فقط، لأنه أي وقوع على الأرض لفقئت عينه وانتهت، لو فكر الإنسان بجسمه، لو أنه لا يوجد مفصل في يده كيف يأكل ؟ مثل الهرَّة ينبطح، ويلحس الطعام بلسانه، لا توجد طريقة ثانية، لو أنه لا يوجد مفصل فإن اليد لا تصل إلى الفم، ولكن بهذا المفصل صار شيئاً آخر.
الربح مع الله عزَّ وجل
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) سورة البقرة ﴾
أما ترضى أن تعيش في الدنيا منضبطاً بعض الشيء ؟
الحرام حرام، والحلال حلال، لا يوجد شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة، وفق منهج واضح، الكافر يفعل كل شيء، لأنه متفلت أساساً،
أما المؤمن فهو إنسان منضبط، الإيمان قيده ؛ هذه حرام، هذه تجوز، وهذه لا تجوز
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
أي مهما كنت متنعماً فيها، يتنعم الإنسان في الدنيا بحسب قدراته، لو معك ألفْ ألف مليون، وأردت أن تأكل، ماذا تستطيع أن تأكل ؟ أوقية لحمة، أوقيتين، أكثر لا تستطيع، مهما كنت غنياً الاستمتاع بالحياة محدود بقدر طاقاتك، لكن الله عزَّ وجل هيَّأَ لك جنة يسعدك فيها لا بقدر طاقاتك بل بقدر قدرة الله عزَّ وجل، فهذه فكرة دقيقة كثيراً، أنت بالدنيا وجدت تفاحاً جيداً، أكلت تفاحة كبيرة، أكمل والله لا أقدر، طيبين، والله لا أقدر، طعمتهم طيبة، والله اكتفيت، ولا أقدر أن أزيد، فعندك سقف بكل شيء، بكل شيء من دون استثناء ؛ الزواج، الأكل، الشرب، السفر، حتى بالثياب تلبس بذلة واحدة، وتستعمل سريراً واحداً، تأكل وجبة واحدة، هناك سقف، ولك حدود، تستمتع في الدنيا بقدر طاقاتك المحدودة، لكن ما قولك بالآخرة
من باب التمثيل، تأكل مليار تفاحة، تأخذ طعمها، تستمتع بطعمها على طول دون أن تدخل إلى جوفك، فلكل الشهوات حد لا تستطيع أن تكمل بعده، ولكنك بالآخرة وفي الجنة تستمتع لا بقدر قدراتك المحدودة في الدنيا بل بقدر قدرات الله في الآخرة، فالله عزَّ وجل خلقك لجنةٍ عرضها السماوات والأرض.
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾
وقال:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
وقال:
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
ينتظر الله منك هذه المبادرة، أن تقترب، وأن تتحرك، وأن تعمل شيئاً لكي يعطيك كل شيء، الثمن دائماً يتناسب مع المبيع إلا مع الله لا يتناسب، سنوات معدودة ؛ تأكل، وتشرب، وتتزوج، وتعمل، وتنام، وتستريح، لكنك تصلي خمس صلوات، تغض بصرك، وتنفق جزءاً من مالك، بالمئة اثنين ونصف للزكاة، وتعمل أعمالاً ضمن حركتك المحدودة جداً، هذه الأعمال المحدودة هي ثمن الجنة، ثمن جنة عرضها السماوات والأرض.
﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) ﴾
لذلك قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً ))[أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له:
سلطان العارفين إبراهيم بن الأدهم كان ملكاً، وترك المُلك زهداً به، وصار عارفاً بالله، قال كلمة ـ هو وحده يصدق لأنه كان ملكاً ـ قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف "، لأنه كان ملكاً وصار عارفاً بالله وحده مصدق، لو قالها غيره لقيل له: هل صرت ملكاً لكي تتكلم بهذا الكلام ؟ أما هو كان ملكاً، قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف ".
يا أيها الأخوة الكرام، الدنيا لا قيمة لها ؛ تغر وتضر وتمر، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، من يضحك أخيراً يضحك كثيراً.
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾( سورة المطففين)
احذر المتاجرة بالدين
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) سورة البقرة﴾
يمكن للإنسان أن يتاجر بالدين، يمكن أن يستخدم القرآن لمصالحه، ويمكن أن يستخدم العلوم الدينية لمصالحه، ولكن هذا الإنسان هو أشقى الناس .
بالمناسبة: إذا لعب الإنسان بدين الله يفرمه الله فرماً، فهذا الدين دين الله عزَّ وجل لا تقربه بسوء، فإذا أراد الإنسان أن يتاجر به، أو أن يُضِل الناس، فالله كبير وعقابه أليم وشديد.
ادعى شخص من الباكستان النبوَّة، وقال: " خاتم الأنبياء ليس معناه أنه آخر الأنبياء، أي أن كلامه يصدِّق من يأتي بعده "، وادَّعى أنه نبي، وكانت هناك جائحة كبيرة جداً من مرض الكوليرا بالباكستان، وزعم أنه لن يُصَاب بالكوليرا لأنه نبي، فالذي حدث أنه أُصيب بالكوليرا ومات داخل المرحاض، أي أن الله عزَّ وجل فضحه:
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ(44)لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47) ﴾
( سورة الحاقة )
لمجرَّد أن يتاجر الإنسان بالدين يفضحه الله، ويذلَّه، ويكشفه للناس، فإيَّاك أن تقترب من هذا الدين العظيم بسوء، هذا اتركه لله، هذا اخدمه ولا تحاول أن تعيش على أنقاضه، ولا تطعن بأهل الحق، سبحان الله الناس لا يحلو لهم شيء إلا الطعن بأهل الحق، لأنه نوع من عدم التوازن، معه عدم توازن، فأنت من الممكن إذا لم يكن لديك توازن أن تستعيد توازنك بطاعة الله، أن تستعيد توازنك بالإقبال على الله، أما أن تستعيد توازنك بتحطيم المؤمنين !! فهذا عمل قذر ولا يليق بالإنسان أن يفعله.
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (41) ﴾
لا بدَّ من أن يمتحن الله عزَّ وجل الإنسان، يضعه أحياناً أمام خيار صعب ؛ إما الآخرة أو الدنيا، إما أن ترضي الله، وإما أن تأتيك المصالح تماماً، فالإنسان قلَّما ينجو من امتحان صعب، قلَّما ينجو من ابتلاء، قلَّما ينجو من خيار صعب، إنه أمام مفترق طرق، فالمؤمن هو الذي ينجح في الامتحان، معاذ الله، سأضرب لكم أوضح مثل: طبيب ناشئ، أي عنده مشوار طويل، لا يوجد معه شيء ؛ لا بيت، ولا عيادة، ولا شيء، يعمل طبيباً في قرية، قُتِل إنسان وكانت الجريمة مُحْكَمَة، وقالوا له: خذ عشرة ملايين واكتب وفاة طبيعيَّة، إنه يحِل كل مشاكله بهذه الملايين، هذا المقتول معه مئتا مليون ضحَّى القاتل بعشرة ملايين، فإذا كتب الطبيب وفاة طبيعيَّة ماذا فعل ؟
اشترى بدينه ثمناً قليلاً، هناك أشخاص لو وضعت له مال قارون لا يخالف قناعاته إطلاقاً، هذا هو المؤمن إنه رجل مبدأ.
هناك طُرْفَة، أحد سماسرة البيوت دخل وصلَّى العشاء باتجاه الشمال، ليوهمهم أن هذا البيت اتجاهه قبلي، فمن أجل أن يبيع البيت باع دينه، من أجل أن يبيع هذا البيت باع دينه كلَّه، وهذا يحدث كل يوم، طبعاً هذا مثل حاد، يمكن لإنسان أن يحلف يمين كذب، أو أن يشهد شهادة زور، ممكن لمصلحة مُعَيَّنة أن يستعصي في بيت قد استأجره، ويقول لك: أنا القانون معي، أي أنه باع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، هذا معنى:
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (41) ﴾
بالمناسبة: أحياناً يفتي الإنسان فتوى فيأخذ ثمنها باهظاً، ولكنها فتوى باطلة، لذلك أخطر إنسان هو الذي يُفتي بخلاف ما يعلم، الذي يُفتي وهو لا يعلم مُحاسَب، أما الذي يُفتي بخلاف ما يعلم هذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً، أنت تفاجأ أن لكل معصية فتوى، الآن في العالَم الإسلامي أيّ معصية لها فتوى كاملة، فلا توجد مشكلة، ولكن لم يبق شيء في الدين، إذا كان الربا مسموحاً، فتوى رسميَّة ، إذا كان هذا مسموحاً، وهذا مسموح، فما الذي بقى محرَّماً ؟!
للشكر مستويات ثلاثة
(اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
الآن كيف نشكر ؟
قال العلماء: للشكر مستوياتٌ ثلاثة.
1ـ أن تعزو النعمة إلى الله و هذا أحد أنواع شكره:
المستوى الأول لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع شكره، إذا قلت: الله وفَّقني، الله أعطاني هذا البيت، والله هيَّأ لي هذه الزوجة، الله رزقني هؤلاء الأولاد، والله أعانني على نيل هذه الشهادة العليا، والله أعانني على طلب العلم، والله يَسَّر لي المجيء إلى المسجد، والله أعانني على تطبيق الإسلام في بيتي، والله أكرمني بزوجة مؤمنة، والله أكرمني بأولاد أطهار صالحين أبرار، حينما تقول هذا فهذا أحد أنواع الشكر، حينما تعزو النعمة إلى الله فهذا نوعٌ من شكرها.
2ـ أن يمتلئ قلبك امتناناً لله عزَّ وجل:
المستوى الثاني: حينما يمتلئ قلبك امتناناً لله عزَّ وجل فهذا مستوى أعلى.
3ـ أن تتحرك لخدمة الخلق معرفةً بهذه النعمة:
المستوى الثالث حينما تتحرك لخدمة الخلق معرفةً بهذه النعمة فهذا أعلى المستويات، قال تعالى:
﴿ اعْمَلُوا آلَ داو ود شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(30) ﴾(سورة سبأ)
يحبك الله عزَّ وجل أن تكون شاكراً.
عود نفسك إذا منحك الله عزَّ وجل نعمة
أن تقابلها بالسجود لله عزَّ وجل
للنعمة مهمتان كبيرتان
أن تشكر الله عليها في الدنيا وأن تعرف الله من خلالها:
الآن آخر فكرة بالدرس، أية نعمةٍ لله عزَّ وجل في الإنسان لها وظيفتان كبيرتان لها وظيفة تعريفية إرشادية، ولها وظيفة نفعية في الدنيا، الغرب بأكمله انتبه للوظيفة النفعية أما الوظيفة الإرشادية فهي أخطر وظيفة للنعمة، أن تعرف الله من خلالها، هناك نعمة سوف أقولها لكم وقد لا تصدق أنه لولاها لما وجدت على وجه الأرض إنساناً واحداً، هذه النعمة اسمها آلية المَص، يولد الطفل الآن لتوه يضع فمه على ثدي أمه ويحكم الإغلاق ويسحب، هذه عملية معقدة، لو أن هذه الآلية غير موجودة، تفضل علمه إياها، هل يستطيع أب مهما كان ذكياً، لو كان معه دكتوراه بعلم التربية أن يعلم ابنه الذي وُلِد لتوه: يا بابا الله يرضى عليك، ضع فمك على ثدي أمك، وإيَّاك أن تنفس الهواء، وإلا لن يخرج لك الحليب، لا يفهم عليك شيئاً، انتهى كل شيء، فلولا نعمة آلية المص لما كان على وجه الأرض إنسان، هذه نعمة أيضاً.
النعمة لها مهمتان كبيرتان ؛ أن تشكر الله عليها في الدنيا، وأن تعرف الله من خلالها، فمن لم يحقق معرفة الله من خلال النعمة عَطَّل أكبر مهمةٍ للنعمة، وكنت أضرب مثلاً دقيقاً عند أحدهم كتاب عن النحل والعسل، قرأه فتأثر تأثراً بالغاً، وفاضت عيناه بالدموع تعظيماً لله عزَّ وجل على هذه الإبداع في الخلق، لكن دخله بسيط جداً لا يسمح له بشراء العسل أبداً، ما ذاقه، لكنه عرف الله من خلاله، فهذا الإنسان الذي لم يذق طعم العسل، لكنه عرف الله من خلاله هذا الإنسان حقق الأكبر من خلق النحل والعسل، أما الذي جعل العسل غذاءه وهدفه الأساسي، ولم يفكر في خالق العسل هذا عطل الهدف الأكبر من خلق العسل
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=https://lh3.googleuser.com/proxy/7jMEIua4uDYctE3HMyF5Awhe525asi94PlKcAZlR2H9gOjd2RM vUgXSKunEey-HSV20ceKbVTwAm-YABkuijuA3Tzv-BmNgB9TUIvAjcAw=s0-d&key=15ccb93a3d55a81a2941924dea11a3ba5ba6c29651da16 e1e52b78a544eeeb3a
يمكن أن نجمع الدين كله بكلمتين ؛ اتصال بالخالق، وإحسان للمخلوق :
مع الآية الثالثة والأربعين :
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
الإنسان له علاقتان ؛ علاقةٌ مع الخلق، وعلاقةٌ مع الحق، العلاقة مع الحق الاتصال به عن طريق الاستقامة على أمره، وعلاقته مع الخلق الإحسان إليهم، فإذا أردت أن تجمع الدين كلَّه ففي كلمتين: اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق، وإن أردت أن تبحث عن علاقةٍ بينهما، فهناك علاقة ترابطيَّة بينهما، فكل اتصالٍ بالخالق يعينك على أن تُحْسِنْ إلى المخلوق، إنك بهذا الاتصال تشتقُّ من كمال الله، وكل إحسانٍ إلى المخلوق يعينك على الاتصال بالخالق، أي أن كلاً من الاتصال بالخالق والإحسان إلى المخلوق سبب ونتيجة، يُعَبَّر عن هذا بالعلاقة الترابطيَّة، كلٌ منهما سبب ونتيجة، فالإحسان يجعلك تثق برضاء الله عنك فتُقْبِلُ عليه، والاتصال يجعلك تصطبغ بصبغة الكمال فتُحسن إلى المخلوقات، فإذا أردنا أن نضغط الدين كلَّه في كلمتين نقول: اتصال بالخالق، وإحسان للمخلوق.
أما الكفر فهو إعراض عن الخالق، وإساءة إلى المخلوق، إن أردت أيضاً وصفين جامعين مانعين لأهل الكفر، إعراضٌ عن الله وإساءةٌ إلى الخلق، فالمؤمن يبني حياته على العطاء والكافر يبنيها على الأخذ، المؤمن بالإحسان والكافر بالإساءة، المؤمن بالاستقامة والكافر بالانحراف، المؤمن بالصدق والكافر بالكذب، المؤمن بالإنصاف والكافر بالجحود، هوية المؤمن مجموعة قيم أخلاقيَّة وهوية الكافر مجموعة نقائص أخلاقيَّة، والكافر على نوعين ؛ كافر ذكي وكافر غبي، الكافر الذكي يخفي نقائصه ويضع أقنعة مزيَّفة على وجهه، هو يغُشُّك، يغريك أنه على حق، وهو كافر منحرف، والكافر الغبي يُظْهِر نقائصه صراحةً، على كلٍ كلمة.
قال تعالى:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (43) ﴾
هي الدين كلُّه، أي أحسنوا إلى المخلوقات واتصلوا بي، أو اتصلوا بي كي تُحْسِنوا إلى المخلوقات، والإحسان إلى الخلق ثمن الجنَّة وهي السعادة الأبديَّة، نحن مخلوقون لدار إكرام ثمنها الإحسان للخلق، فلذلك حينما تؤمن بالآخرة لك ميزان آخر، ميزان آخر بخلاف موازين الدنيا، مثلاً إذا أُتيح لك مغنم كبير ولم تأخذه يتهمك أهل الدنيا بالجنون، أما أهل الإيمان فيضعون الدنيا تحت أقدامهم ابتغاء مرضاة ربِّهم، ولله حكمةٌ بالغة حينما يضع المؤمن بين خيارين صَعبين، إما الدنيا وإما الآخرة، إما مصالحه الماديَّة وإما طاعة ربِّه، أما أن تتوافق مصالحك الماديَّة توافقاً تامَّاً مع طاعة الله هذا شيء لا تحلم به أبداً، مستحيل، مستحيل أن تجد أن كل مصالحك وكل رغباتك موفَّرةٌ في طريق الجنَّة، لا بد أن تضحِّي، لا بد من أن توضع في خيارٍ صعب إما الدين وإما الدنيا، إما طاعة الله وإما مكاسب الدنيا،
هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (43) ﴾
عليكم بالجماعة
معنى:
﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
أي أنك ينبغي أن تكون ضمن جماعة، لأن الجماعة رحمة والفرقة عذاب:
(( عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ إِنَمَا يَأْكُلُ الذِئبُ القَاصيَّةَ ))[ النسائي عن أبي داود]
هناك منافسة ضمن الجماعة، وهناك تصحيح مسار دائماً ضمن الجماعة، وهناك رغبة بالتفوُّق، هل سمعت بكل حياتك مسابقة بلا جماعة، هل يمكن لإنسان أن يركض وحده ويقول لك: أنا كنت الأول، على من فزت بالأول ؟ المسابقة فيها مجموع، هناك فريق، فلمَّا قال الله تعالى:﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴾(سورة الحديد: من آية " 21 ")معنى هذا أنك ضمن جماعة، كلمة مسابقة تعني أنك ضمن جماعة
الجماعة رحمة، والنبي عليه الصلاة والسلام طمأننا :
(( إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ ))[ ابن ماجة عن ابن مالك ]
إذا تكلَّم الإنسان وفق الحق والكل ساكتون هذا اسمه إجماع سكوتي ، الآن كتاب يُطْرَح في الأسواق صحيح، أدلَّته قويَّة، وفق منهج الله، وفيه روح الدين الإسلامي، تحقَّقت فيه مقاصد الشريعة، لا تجد أحداً يحكي عليه، ولكنهم يثنون عليه، الثناء على هذا الكتاب دليل أن الناس تلقَّوْه بالقبول، أما لو كان فيه انحراف عقائدي لهاجمه الناس، فسكوت الناس عن شيء صحيح هذا اسمه إجماع ولكنَّه سكوتي
على المؤمن أن يكون مع جمهور المؤمنين لا مع مطلق الجمهور:
قال تعالى:
﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
كن مع المجموع، حتى إذا قرأت في الكتب كن مع الجمهور لا مع الآراء الشاذَّة النادرة القليلة، هناك آراء شاذة، لها أدلَّة ضعيفة، كن مع الجمهور ؛ مع جمهور العلماء، لأن الجمهور رحمة، طبعاً جمهور العلماء وليس الجمهور العادي:﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾(سورة الأنعام: من آية " 116 " )
كن مع جمهور المؤمنين لا مع مطلق الجمهور:(( لا تكونوا إمَّعة ))[الترمذي عن حذيفة]
من هو الإمَّعة، قال: " إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت "، هذا ليس صحيحاً، يجب أن تكون لك استقامتك، ويجب أن لا تعبأ بقول الناس إذا كانوا على انحرافٍ لا يرضي الله عزَّ وجل:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
يتوهم الإنسان بالعُزلة أوهاماً مضحكة، يبني قصوراً من الأوهام، ولكنه يتحجم عندما يقيم مع الآخرين، وهذا التحجيم صحِّي، قد تتوهِّم أنك أكبر مؤمن، فعندما تجلس مع مؤمن أكبر منك ترى أن عملك لا شيء أمام عمله، إخلاصك أقل من إخلاصه، طموحك أقل من طموحه، تتحجَّم، فهذا التحجيم ضروري جداً للإنسان، هذا التحجيم منطلق العطاء، منطلق التفوّق، أما لو أنك توهَّمت أنك في مستوى رفيع جداً، وأنت بعيد عن المجتمع هذا الوهم غير صحيح، هذا يُقْعِدُكَ عن طلب العُلا.
من فوائد الجماعة :
من فوائد الجماعة أنها رحمة ؛ أولاً تصحِّح لك المسار،
ثانياً تحفزك على التفوُّق، ثالثاً تأخذ بيدك إذا تعثَّرت، إذا كان للإنسان أخوان كرام يأخذون بيده إن أخطأ، ويعيدونه إلى الصواب إن شرد، يجتهد اجتهاداً مغلوطاً فيصحِّحون له اجتهاده، ولذلك صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبعٍ وعشرين ضعفاً، السبب ؟ ا
لصلاة هي الصلاة، السبب هو الاجتماع، وكم من أخ يأتي إلى بيتٍ من بيوت الله فينزل على قلبه من السّكينة والراحة النفسية والطمأنينة، يلتقي بأخوانه، ينسى همومه، هذه ساعات النفحات الإلهيَّة ؛ نفحات تعين على مصاعب الحياة
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_22_18_be09_511f13007b9b2.jpg&key=d12bf324bcd3cc2501534cc2db9ab142fc1a16961a4cd8 18a95040220a1a0c7f
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 05:25 AM
https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2025_09/image.png.fc683f6f0794c454e2c215c26bd66cf5.png
مطلوب منا أن نأمر بالبر وأن نفعله
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
أي أن العلم في الإسلام وسيلة وليس هدفاً، سهل جداً أن تتكلَّم عن الأخلاق، وسهل جداً أن تتحدَّث عن العبادات، ومن السهل جداً أن تجلس والناس يتحلَّقون حولك وتحدِّثهم، لكن البطولة أن تكون إماماً لهم، فيجب أن يكون الإمام أمام المؤْتَمّين لا وراءهم، يجب أن يكون الإمام في الأمام قدوة
أن تأمر الناس بالبر قضيَّة لا تكلِّف شيئاً، وسهلة جداً، لاحظ الناس إذا أصيب إنسان بمصيبة كل من حوله يقولون له: بسيطة، لا توجد مشكلة، طوِّل بالك، سهل عليك أن تُصَبِّره، ولكن لو وقعت معك هذه المصيبة قد تفعل أكثر مما فعل، فالتصبير سهل، والكلام سهل، أما أن تكون في مستوى كلامك هذا الشيء الذي يجعلك بطلاً.
عظمة الأنبياء أن الذي قالوه فعلوه، وأنهم ما أمروا بأمرٍ إلا كانوا سبَّاقين إليه، ولا نهوا عن شيءٍ إلا كانوا أبعد الناس عنه، لم يكن في حياتهم ازدواجيَّة أبداً، لا تجد في حياتهم تناقضاً بين أقوالهم وأفعالهم، حينما ينطلق الإنسان من مصداقيَّة يعيد للكلمة تألُّقها، وقد ذكرت في درسٍ سابق: بماذا جاء الأنبياء ؟
بالكلمة، جاؤوا بكلمة صادقة غيَّرت مفاهيم الحياة، نشروا الحق في العالَم، الأنبياء بمصداقيّتهم أعطوا الكلمة قدسيَّتها، كلمة، أما الطُغاة فجاؤوا بأسلحة فتَّاكة، جاؤوا بأجهزة دقيقة جداً، بطائرات فتَّاكة، جاؤوا بمخترعات مذهلة، لكنَّهم مع كل هذه الإنجازات ما قدَّموا للإنسان السعادة، بل قدَّموا له الشقاء، فالأنبياء أعطوا كل شيء من خلال كلمةٍ صادقة، لذلك قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(25)﴾( سورة إبراهيم )
الكلمة الطيّبة هي بضاعة الأنبياء، والكلمة الخبيثة تنتشر لكنَّ ما لها من قرار، ما لها أساس علمي ، ما لها أساس واقعي:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ (44) ﴾
(( أوحى الله إلى عيسى "عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني ".))[أحمد عن مالك بن دينار]
حينما يُطَبِّق الإنسان ما يقول يجعل الله لكلامه قوَّةً تأثيريَّةً عجيبة:
إنها وقاحةً بالإنسان أن ينصح بشيءٍ لا يفعله، فدعوة الغني المُتْرَف إلى التَقَشُّف دعوةٌ مضحكة، ودعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة مخجلة، ودعوة الإنسان اللاأخلاقي إلى الخُلق دعوة ساخرة،
وهذا ما جعل الناس ينفرون من الدين، إن صحَّ التعبير :
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً(3) ﴾
(سورة النصر)
حينما تنشأ مسافة كبيرة جداً بين أقوالهم وأفعالهم يخرج الناس من دين الله أفواجاً، وحينما لا يرون المصداقيَّة في الدعاة يخرج الناس من دين الله أفواجاً، وحينما لا يرون في الداعية المَثَل الأعلى يخرج الناس من دين الله أفواجاً:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
يا أيها الرجل المُعَلِّم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
***
يجب أن يكون الإنسان صادقاً مع نفسه، وحينما يُطَبِّق ما يقول يجعل الله لكلامه قوَّةً تأثيريَّةً عجيبة حينما ينطلق من واقع يفعل فعل السحر في كلماته، تجد الدعاة إلى الله في التاريخ لهم أعمال كالجبال.
كن قدوة لغيرك
يروى أن عالِماً جليلاً كان له تلميذ، وهذا التلميذ له عبد، هذا العبد عندما رأى سيِّده يحترم شيخه احتراماً لا حدود له رجاه أن يعطي إشارةً لتلميذه أن يُعْتِقه، فقال له الشيخ: " إن شاء الله أفعل هذا "، مضى شهر، وشهران، وثلاثة أشهر ولا توجد هناك أي حركة، من شدَّة ما رأى محبّة هذا التلميذ لشيخه، اعتقد العبد أن الشيخ لو أعطاه إشارة أن أعتق هذا العبد يعتقه على الفور، والشيخ وعده لكن لم يحصل شيء، ثم زاره مرَّةً ثانية وذكَّره فقال له الشيخ: " إن شاء الله أفعل هذا " ، ولم يحدث شيء خلال أشهر، ثم زاره مرَّةً ثالثة، وقد مضى على طلبه سنة، فقال له: " أفعل هذا إن شاء الله " ، بعد أيَّام استدعاه سيِده وأعتقه تنفيذاً لتوجيه شيخه، فلمَّا التقى العبد بالشيخ قال له: " يا سيدي كلمةٌ منك تدعو سيدي إلى إعتاقي فلماذا تأخَّرت كل هذه المدَّة ؟ " قال له: " يا بني حمَّلتنا فوق ما نطيق، لقد وفَّرت من مصروف البيت مالاً أعتقت به عبداً، ثم أمرت سيدك أن يعتقك "، أي أنا ما أمرته أن يعتقك إلا بعد أن كنت قدوةًُ له.
لو أن الدعاة لا يتكلَّمون كلمة واحدة إلا وطبَّقوها لكنَّا في حالٍ آخر غير هذا الحال. قلت لكم في الدرس الماضي قوله تعالى :
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً(39) ﴾(سورة الأحزاب)
أي أن هذا الذي يبلِّغُ رسالات الله ينبغي أن يخشى الله وحده، فإذا خشي غير الله فسكت عن الحق إرضاءً لمن خشيه ونطق بالباطل إرضاءً لمن خشيه، ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته، لذلك الصفة الجامعة المانعة في مَنْ يدعو إلى الله عزَّ وجل ألا تأخذه في الله لومة لائم.
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
أكبر وسيلة فعَّالة في التربية أن تأمر ابنك بما تفعله لا بما لا تفعله:
ذكرت لكم من قبل: كيف أن الله عزَّ وجل استخدم الأسلوب التربوي الفَعَّال في الحديث عن أمراض بني إسرائيل، مع أن هذه الأمراض في مُجْمَلِها قد تلبَّسنا بها، فنحن مُعَرَّضون أن نصاب بأمراضهم تماماً، حدَّثني شخص كطرفة، قال لي: في أحد المعاهد الشرعية رجل له باع طويل في إلقاء الدروس، ألقى درساً عن التواضع ببيان رائع ووصف دقيق جداً، ولكنه بعد ما خرج من الدرس كان جالساً بغرفة المدرِّسين بدرجة من الاستعلاء لا تُحْتَمَل !!! هو أتقن درس التواضع لكنَّه لم يتواضع، الناس يتعلَّمون بعيونهم لا بآذانهم، ماذا يرى ؟ يجب أن ترى التواضع، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:
((... وعليّ جمع الحطب ـ سيد الخلق ـ قالوا له: نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكنَّ الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))[ ورد في الأثر ]
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
هذا الكلام موجَّه للآباء في الدرجة الأولى، أكبر وسيلة فعَّالة في التربية أن تكون أنت قدوته، أكبر وسيلة فعَّالة في التربية أن تأمر ابنك بما تفعله لا بما لا تفعله، فبالتعليم إذا ضُبِطَ طالب يدخِّن يُعَاقب عقاباً شديداً، وأستاذه يدخِّن أمامه، وإذا دخَّن الطالب يعاقبه، وهو المثل الأعلى، أخطر شيء يفعله الآباء أنهم لا يطبِّقون توجيهاتهم، إذاً سقطت الكلمة كقيمة، الأنبياء جاءوا بالكلمة، فإن لم تُطَبَّق سقطت هذه الكلمة، وعندئذٍ لا جدوى منها، والدليل يقولون لك: كلام بكلام، وإذا تلاسن اثنان يقول لك: بلا فلسفة، لأن الكلمة سقطت، ولم يعد لها قيمة، يمكن أن تتكلَّم كلاماً ليس له معنى، وتتكلَّم كلاماً كلَّه كذب، وتتكلّم كلاماً غير واقعي، وتتكلَّم كلاماً لا تفعله أنت، وتتكلَّم كلاماً أنت بعيدٌ عنه بعد الأرض عن السماء، فالكلام حينما يبتعد عن الواقع وعن التطبيق لم يكن له قيمة، لذلك الآن أزمَّة المسلمين في العالَم أن العالَم لا يقنع بالكلام، أعطه مجتمعاً إسلامياً طُبِقَ فيه الإسلام وقُطِفَت ثماره كلها لكي يسلم، يأتي الذين أسلموا من الكتب إلى الشرق الأوسط فيرون العكس، يحمدون الله على أنهم أسلموا قبل أن يأتوا إلى هنا، الإسلام بالكتب سهل، كلام جميل ودقيق، يأتي إلى هنا يجد أن هناك كذباً، وانحرافاً، وتقصيراً، وازدواجيَّة، و نِفاقاً.
حينما يتصل الإنسان بالله تصطبغ نفسه بالكمال :
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (45) سورة البقرة﴾
الآية دقيقة جداً، حينما يتصل الإنسان بالله تصطبغ نفسه بالكمال، يضعف الجهد في حمل النفس على طاعة الله، صارت الاستقامة سهلة، شخص نظيف جداً لا يحتاج إلى معاكسة لنفسه من أجل تنظيف جسمه، هو نظيف، يمارس النظافة مع راحةٍ نفسيَّة، أما إذا كان بعيداً عن النظافة، ويوجد عليه ضغط من أبيه أن غسِّل، واعتنِ بنفسك، صار عليه عبء شديد، فالإنسان قبل أن يصل إلى الله عزَّ وجل، أو قبل أن يصطبغ بصبغة الكمال يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى مجاهدة،
هناك مثل أوضح من ذلك:
إذا كان الإنسان قبل أن يتوب متعلِّقاً ببعض الأغنيات، ثم هو تاب إلى الله وامتنع عن سماع الغناء كلِّياً، لكن نفسه تتوق لهذه الأغنية، فلو سمعها في مركبةٍ عامَّة تجاوب معها تجاوباً عجيباً، هو لا يسمعها بقصد، ولكنه سمعها عَرَضَاً، لكن بعد حين، بعد سنوات، بعد أن تصطبغ نفسه بالكمال يحتقر هذه الأغنيات، ويشمئز منها، ويترفَّع عنها، هذا الإنسان مرَّ بمرحلة المجاهدة يوم كانت نفسه بعيدةً عن مثله الأعلى، ثم انتقل إلى مرحلة الانسجام يوم أصبح مصطبغاً بالكمال.
إذا كان بينك وبين الكمال مسافة استعن بالله والصبر إلى أن تصل إليها:
ربنا عزَّ وجل قال:
﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (45) ﴾
الاتصال بالله يكسبك الكمال وعندها لا تحتاج إلى مجاهدة كبيرة، فالصادق الحليم فعلاً لا يحتاج إلى بذل جهد في الحلم، أما الذي يتحلَّم، " إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلُّم "، يقول لك الذي يتصنَّع الحلم: كنت أغلي من داخلي كالمرجل ولكني ضبطت أعصابي، هذا يتحلَّم، وليس حليماً، إذاً يوجد جهد كبير بالضبط، ومعنى هذا هناك مسافة بينك وبين الكمال، ولكنه أمر جيد على كل حال، جيد جداً أن تحمل نفسك على الكمال عن طريق التصنُّع، لكن بعد حين عندما تتصل بالله عزَّ وجل وتصطبغ النفس بالكمال صار الحلم عندك سهلاً جداً، صار جزءاً من طبيعتك، صار جزءاً من جبلَّتك، فأنت حليم بحكم سجيَّتك الطيّبة الطاهرة، الآية دقيقة، فإذا كان بينك وبين الكمال مسافة استعن بالله والصبر إلى أن تصل إليها، فإذا وصلت إليها يعينك اتصالك بالله عزَّ وجل المحكم على تطبيق هذا المنهج الكامل:
﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ (45) ﴾
الصلاة كبيرة، كبيرة على المنافق :
﴿ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى ﴾
الصلاة كبيرة على المنافق :
قال تعالى:
﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)سورة البقرة ﴾
وقال تعالى:
﴿ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى ﴾( سورة التوبة: من آية " 54" )
كبيرة عليه، يصعب عليه أن يصلي، قد يمضي ساعات طويلة في كلام فارغ أما أن يصلي التراويح فهي صعبة عليه، لا يحتمل، أنا والله أعرف أناساً في التراويح كأنهم في جنَّة، في جنَّة من جنَّات القُرب، واقف يستمع إلى القرآن الكريم وكأن الله يحدِّثنا، قال: " إن أردت أن تحدِّث الله فادعه، وإن أردت أن يحدِّثك الله فاقرأ القرآن "، أنت حينما تقرأ القرآن أو تستمع إليه تشعر وكأن الله يحَدِّثك، فالتراويح فيها راحة للنفس، والفرق بين صلاة المنافق وصلاة المؤمن أن صلاة المنافق أرحنا منها، والمؤمن أرحنا بها، هذا هو الفرق بين (من) وبين (الباء)، المنافق يقول: أرحنا منها، والمؤمن يقول: أرحنا بها.
الإنسان المتفلِّت يُطلق بصره في الحرام، ماله حرام، عمله سيِّئ، فإذا وقف ليصلي تجد أنه محجوب عن الله عزَّ وجل، فصلاته حركات ليس لها معنى بالنسبة له، أحياناً تجد صلاة سريعة جداً غير معقولة إطلاقاً، فالصلاة السريعة أو الصلاة التي لا يوجد فيها خشوع سببها الحجاب، فإذا صلى الإنسان ولم يشعر بشيء، قرأ القرآن ولـم يشعر بشيء، ذكر الله ولم يشعر بشيء، فعنده مشكلة كبيرة جداً، إذا انقطع عند مريض خروج البول هذه ليست مشكلة عرضيَّة ولكنها علامة كبيرة جداً، هذا عنده مشكلة، عنده فشل كلوي وسيعاني معاناة كبيرة، يوجد في الجسم أعراض يمكن أن يقول الناس: ليس فيها شيء، مع أنها خطيرة جداً، وتوجد أعراض مؤلمة ولكنَّها غير خطيرة، فإذا صلى الإنسان ولم يشعر بقربه من الله عز وجل، وقرأ القرآن لم يشعر أيضاً، وذكر الله وما شعر بشيء، فمشكلته كبيرة جداً، أي أن الطريق مقطوع، وهو واقع بحجاب شديد.
هذه الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين، إذا تحرّى الإنسان الحلال فوجهه أبيض، وخدم الخلق وأحسن إليهم وأنصفهم، وما أكل مالاً حراماً، وما ابتزَّ أموال الناس، وما استغلَّ جهلهم فوجهه يبقى دائماً أبيضاً، هناك نقطة لا ينتبه إليها أحد، قد تكون شاطراً، وقد تحقِّق نجاحاً كبيراً جداً في الحياة بأساليب غير أخلاقيَّة، وعندما يسلك الإنسان طريقاً غير أخلاقي يحدث عنده انهيار داخلي، فتجد ردود فعله عنيفة جداً وغير متوازنة، لأنه عندما خالف فطرته عذَّبته فصار عنده انهيار داخلي، الذي يراعي راحة نفسه الأخلاقيَّة، يراعي أنه منسجم تماماً مع نفسه هذا مؤمن، فهذه الصلاة كبيرة إلا على
عندما تدخل الآخرة بحساباتك اليوميَّة تنعكس كل موازينك:
قال:
﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ (46) ﴾
كل عمل يعمله يتصوَّر أنه واقفٌ بين يدي الله عزَّ وجل، لماذا فعلت كذا ؟ لماذا أعطيت ظلماً ؟ لماذا منعت ؟ لماذا طلَّقت ؟ لماذا غدرت ؟ لماذا كذبت ؟ لماذا احتلت ؟ لماذا اغتصبت هذا البيت ؟ لماذا لم تنصح فلاناً ؟ أما إذا كان كل يومه أخطاء ومعاصي وآثاماً فأي صلاة هذه ؟! نقول له : صل، ولكن استقم من أجل أن تتصل بالله عزَّ وجل:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾
المفتاح الدقيق للآية أن تؤمن بالآخرة، أن تؤمن أنه لا بد أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل ليسألك: لـماذا فعلت هذا ؟ دخلت زوجة سـيدنا عمر بن عبد العزيز عليه وهو يبكي في مصلاَّه، فقالت له: " ما يبكيك ؟ قال لها: " دعيني وشأني "، ألحَّت عليه ما يبكيك؟ فلمَّا ألحَّت عليه قال: " يا فلانة إني نـظرت إلى الفقير البائس، والشيخ الكبير، وذي العـيال الكثير، وابن الـسبيل، والمرأة الأرملة، والشيخ الفاني ـ ذكَّر أصنافاً من المعذَّبين في الأرض ـ كل هؤلاء سيسألني الله عنهم جميعاً."
إذا تعثرت بغلة في العراق قال: " لو تعثَّرت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها: " لمَ لمْ تُصْلِح لها الطريق يا عمر ؟ " ، عمر حاسب نفسه على بغلة تعثَّرت في العراق، لِمَ لمْ يصلح لها الطريق.
عندما يؤمن الإنسان بالآخرة يتصوَّر أنه سوف يُسأل عن كل عمل، هذا الإنسان إذا صلَّى فصلاته مقبولة، وصلاته مجدية، وصلاته طيّبة، وصلاته مسعدة لأن وجهه أبيض، سأحضر مثالين واضحين: رجل في الحي محترم جداً، يحتل أعلى منصب في الجيش فرضاً، قائد فرقة، وله ابن، وعنده جندي غر التحق بالخدمة قبل يومين، هذا الجندي الغر لا يستطيع أن يقابل لواء ولا في المنام، توجد عنده مئة رتبة يقابلها قبله ؛ لو وجد هذا الجندي ابن هذا اللواء يغرق في مسبح وأنقذه، وفي اليوم الثاني يدخل ويقابله بكل جرأة بلا استئذان، يقول للحاجب: قل له فلان ويدخل على الفور لأنه عمل عملاً طيّباً، العمل الطيب يلغي الروتين كلَّه، يلغي طريق التسلسل المقابلات. أما لو كان ابنه معه باللعب وضربه ضرباً مبرِّحاً، وعطبه، وهو لا يعرف أنه ابن معلِّمه، وعرف في اليوم التالي أنه ابن معلِّمه وقال له: تعال عندي، كيف يدخل عنده في المكتب ؟ لا يستطيع أن يدخل عنده.
هذه القصَّة كلها، قصة كل الخلق وعباد الله عزَّ وجل، غشّهم ولكن الله حجبك عنه، قد تبتز مالهم بأسلوب ذكي، هناك ألف أسلوب ذكي لابتزاز الأموال، ولكن الله كاشفك وأنت كاشف نفسك:
﴿ بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) ﴾( سورة القيامة)
قد تصبح غنياً كبيراً بالكذب والاحتيال، قد تبيع بيعة سيِّئة جداً بأعلى سعر، قد تستغل جهل إنسان، وقد تأكل مالاً بالحرام، أعطى أحدهم لإنسان عشرين مليوناً ومات بحادث على الفور، ولا أحد يعلم، ولا توجد ورقة، بعد حين سمع هذا الأخ الذي معه المبلغ درساً من الدروس في جامع العثمان عن الأمانة، أرسل لي ورقة كتب فيها: والله رددت عشرين مليوناً لورثة صديق لي، وهم لا يعلمون عنها شيئاً، خاف من الله، عندما تدخل الآخرة بحساباتك تنعكس كل موازينك، عندما تدخل الآخرة بحساباتك اليوميَّة تنعكس كل موازينك، أما إن لم تدخل الآخرة في حساباتك تعد نفسك ذكياً لو أكلت مالاً حراماً، توجد ألف قصَّة، مليون قصَّة، إنسان اغتصب شركة، واغتصب بيتاً، يرى نفسه أنه ذكي، وكِّل محامياً قوياً، قدَّم وثيقة مزوَّرة، ويعد نفسه بطلاً، لأنه استطاع أن يغتصب، ولكنه أمام الله عزَّ وجل محتقر
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 05:32 AM
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=http://n4hr.org/up/uploads/n4hr_1407110850925.gif&key=e745bc0de7a942f6fed1b2fd4bc122d6eb0a4e29570f24 cf2ba200c0422472a1
البطل الذي يحل مشكلته مع الله وليس مع عبد الله:
يوجد فندق في ألمانيا ذكرت عنه كثيراً مكتوب على السرير: " إذا لم تستطع النوم فالعلَّة ليست في فراشنا بل في ذنوبك " ، العلَّة بالذنوب، إذا عمل الإنسان عملاً سيِّئاً، كسب مالاً حراماً، أخطأ مع فتاة ـ فرضاً ـ باع بيعة سيئة جداً بسعر عالٍ جداً، إنه حلَّ مشكلته الماديَّة ولكن مشكلته مع الله لم تُحَل، هو في انهيار.
قال له: " بعني هذه الشاة وخذ ثمنها " ، قال: " ليست لي "، قال له: " خذ ثمنها " ، قال: " والله إني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟!! "
توجد حالات كثيرة لاسيما عند أصحاب المصالح، قد يحفر عشرة أمتار ويقول لك: حفرت أربعين متراً، يضع القمصان أثناء غيابك ويعطيك حساباً عالياً، هو حلَّ مشكلته الماديَّة ولكنه لم يحلَّها مع الله ؟
البطل الذي يحل مشكلته مع الله وليس مع عبد الله، هنا:
﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) ﴾
إنك لن تستقيم إلا إذا آمنت باليوم الآخر، إن أردت كلاماً دقيقاً، واضحاً، جلياً، بسيطاً، علمياً، واقعيَّاً عن أسباب الاستقامة الحقيقية فهو إيمانك أن الله سيحاسبك تقول لي: ضمير، هذا كلام فارغ، وحينما تؤمن أن هناك حساباً لن تعصي الله أبداً، وحينما تؤمن أن هناك حساباً وأن الله لا تخفى عليه خافية، وأن الله سيسأل الناس جميعاً:
﴿ فَو َرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾(سورة الحجر)
انتهى الأمر، قضية إيمان بالآخرة، إيمان بأنك لا بد من أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل، ولا يخفى على الله شيء، وسيعرض الله عليك كل أعمالك مصوَّرة، المخالفة مع صورتها، والصورة مسكتة، تجاوز شخص القوانين فبعثوا له المخالفة فقال: أنا لم أكن في المكان الفلاني، فعندما رأى الصورة ـ صورة سيَّارته ـ والتاريخ، والسرعة، الصورة مسكتة، لذلك في الآخرة توجد صور المخالفات، شريط:
﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(49) ﴾(سورة الكهف)
لماذا اتصلوا بالله ؟
﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) ﴾
ذكر الله أمراض بني إسرائيل لتكون واعظاً لنا :
ما ذكر الله أمراض بني إسرائيل في هذا القرآن الكريم إلا لتكون واعظاً لنا من أن تزل أقدامنا فنقع في أمراضٍ قد وقعوا هم بها أيضاً،
مع الآية السابعة والأربعين وهي قوله تعالى :
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)سورة البقرة ﴾
بادئ ذي بدء ينطلق الأسلوب الحكيم في هذا القرآن الكريم من التنبيه غير المباشر للمسلمين، فالمسلمون وقد جاءهم كتابٌ من عند الله معرَّضون لأمراضٍ كأمراض بني إسرائيل، فالمقصود من الحديث عن بني إسرائيل في القرآن الكريم هو المسلمون لأنهم أهل كتابٍ مثل بني إسرائيل، ولأن الأمراض المُهلكة التي حلَّت ببني إسرائيل يمكن أن تَحُلَّ بهم تماماً،
وهذا الشيء واضح جداً:
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾
يعتقد المسلمون بشفاعة النبي، افعل ما شئت، ما دمت من أمة محمدٍ فالنبي الكريم يشفع لك، يفهمون الشفاعة فهماً ساذجاً، ويقعدون عن العمل، وكأنَّ هذه الشفاعة حلَّت لهم كل مشكلة، لو تتبعت الأمراض الوبيلة المُهلكة التي ألمَّت ببني إسرائيل لوجدت المسلمون قد تلبسوا بمعظمها، إذاً هذا أسلوبٌ حكيم، أسلوبٌ أشدُّ تأثيراً، يمكن لأمراضهم أن تنتقل إليكم، هم انحرفوا فهلكوا، وأنتم إذا انحرفتم هلكتم مثلهم، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
[البخاري عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِي اللَّه عَنْها]
إن لم نتناهَ عن منكرٍ فعلناه وقعنا في أمراض بني إسرائيل:
لكن ما الذي سبَّب هلاك بني إسرائيل ؟
قال: كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، بربكم أليس هذا المرض الذي كان سبب هلاكهم واقعاً بنا جميعاً ؟ كلٌ يجامل أخاه، لا أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يجامله، يمدحه مع أنه يعلم أنه على باطل، يُثني عليه، ويثني على ذكائه وحكمته، يعلم أنه لا يصلي، مع أنه يعلم أنه لا يصلي أحياناً مجاملات بالاحتفالات، بعقود القِران، والمتكلِّم يعلم علم اليقين أن هذه الأسرة متفلِّتة، وغير منضبطة بمنهج الله عزَّ وجل، فإذا لم نتناه عن منكرٍ فعلناه وقعنا في مرض بني إسرائيل ؛ الأمل هذا مرضٌ مهلكِ:
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) ﴾
( سورة الجمعة)
طول الأمل أيضاً وضعف اليقين مرضان مهلكان أهلكا المسلمين، متأمِّل في الدنيا فقط ولم يُدْخِل الآخرة في حساباته إطلاقاً، هذا مرَض أيضاً.
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾
(سورة المائدة: من آية " 18 ")
نحن كذلك ندَّعي أننا أمَّة مختارة، ندعي أننا خير أمةٍ أُخرجت للناس، والله يعذِّبنا كل يوم، ما مرَّ بتاريخ المسلمين وقت أشدُّ إيلاماً من هذه الفترة، إذاً المرض نفسه، الأمراض نفسها.
تولَّى المسلمون اليوم عن تطبيق منهج الله كما فعل بنو إسرائيل من قبل:
﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)سورة البقرة ﴾
هذا التفضيل لا يعني أنهم متفوِّقون، أحياناً يفضِّل الأب ابنه المقصِّر بعشرة مدرِّسين خاصين، هو فضَّله على بقية أولاده المتفوِّقين، فهذا التفضيل تفضيل تقصير، هم قتلوا الأنبياء، ماذا فعلوا ؟ قال :
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ (83) ﴾( سورة البقرة: من آية " 83 ")
لَمْ تفعلوا كل ذلك:
﴿ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83) ﴾( سورة البقرة: من آية " 83 ")
تولوا عن تطبيق منهج الله كما تولَّى المسلمون عن تطبيق منهج الله الآن،
ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث من دلائل نبوَّة النبي:
(( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))
[ سنن أبي داود عن ثوبان ]
كأن النبي عليه الصلاة والسلام بيننا، هذا الذي حدث، جاءت ثلاثون دولة لتحارب بلاد المسلمين، وتنهب ثرواتهم وأموالهم، وتدمِّر أسلحتهم، وتضعفهم، وتكسر شوكتهم، وتحتلَّ أرضهم، وتستبيح المُحَرَّمات.
معنى كلمة (فضلتكم):
﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) ﴾
أي خصصتكم بأنبياء كثيرين ليعلِّموكم، شيءٌ آخر :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) ﴾(سورة البقرة)
هذه آية ثانية، تولَّوا لم يقاتلوا:
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) ﴾(سورة المائدة)
قتلوا أنبياءهم، إذاً هم مفضَّلون لتقصيرهم، مفضَّلون لانحرافهم، مفضلون لمعاصيهم، فقد يقول الأب لابنه: يا بني أخوتك درسوا بلا أساتذة خاصين، إنني فضَّلتك على كل أخوتك بعشرة مدرِّسين ولم تنجح !! بالضبط هذا هو المعنى.
{ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)سورة البقرة }
يوم القيامة يُحل مليار مشكلة ، ويجيب عن كل سؤال يظهر أمامك ، هناك معلومات يصعب على العقل أن يصدِّقها ، مثلاً هل من المعقول أن يموت خمسمئة ألف طفل كل سنة من شعب واحد وهو العراق وبالمقابل هناك في بلاد الغرب تجرى عمليَّات زرع دَسَّام وزرع شريان وقلوب للكلاب وزرع مفاصل ؟!! وهناك طبيب نفسي لمعالجة الكآبة عند الكلاب ، وطبيب أسنان لزرع الأسنان لديهم ، ومقبرة للكلاب ، ويأكلون من اللحم ما يأكله الشعب الهنديُّ بأكمله ـ الذي يعد تسعمئة مليون ـ هذا ظلم شديد ، هم يعيشون كذلك وملايين مملينة يموتون من الجوع .
أُطْلِقَ النار على عشرين مليون رأس من الغنم ودُفِنت تحت الأرض للحفاظ على أسعار اللحم في العالَم مرتفعةً ، تتلف محاصيل الحمضيات في أمريكا للحفاظ على أسعارها المرتفعة ، وعندما بدأ الزنوج يتسلَّلون إلى أماكن إتلافها ليأكلوها سمَّموا هذا المحصول في العام القادم لئلا يأكل منه أحد ، حجم مشتقات الحليب التي تُتلَف كحجم أهرامات مصر من أجل الحفاظ على الأسعار مرتفعة ، وترون وتسمعون المجاعات في الصومال ، وفي بنجلاديش ، وفي السودان ، وفي جنوب السودان ، هم كالوحوش ، فلذلك تسوى الحقوق يوم القيامة ويؤخذ للمظلوم من الظالم
تُحَل بعض المشكلات في الدنيا بطريقةٍ أو بأخرى ، أما في الآخرة عند قيّوم السماوات والأرض لا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة إلا بشكلها الصحيح ، هو يوم العدل ، يوم الإنصاف ، يوم الدينونة ، يوم الجزاء ، يوم الحساب الدقيق ، يوم تنال فيه حقَّك الكامل
الفرق بين مفهوم اليهود لقوانين الجزاء وبين مفهوم الشفاعة في ديننا الإسلامي:
اليهود فهموا فهماً ساذجاً وسقيماً، فهموا أن قوانين الجزاء لن تقام عليهم يوم القيامة، وقالوا:
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:80-81)
أما الشفاعة في ديننا الحنيف، فهي داخلة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية:48)
فالشفاعة حق، وهي من ضمن هذه الآية الكريمة، فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه سواء كان ذلك في الحياة الدنيا أو كان ذلك يوم القيامة، فأيما عبد سأل الله عزّ وجل لأخيه خيراً فالله سبحانه وتعالى قد يستجيب، وربما لا يستجيب، وهذا وفق حكمه بالغة
قوانين الشفاعة :
1- قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله ذو الفضل العظيم, مَن مِن العباد يستطيع أن يحدّ من فضل الله؟ قانون الشفاعة يدخل في باب الفضل الإلهي، الذي هو فضل عظيم، وفضل عميم.
2- فلا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، وربوبيته سبحانه وتعالى، وجميع الآيات في القرآن الكريم التي تنفي الشفاعة، إنما تنفي الشفاعة لأن الذين نُفيت في حقهم متلبسون بالكفر، والشرك، وإنكار الربوبية، وإنكار الألوهية، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شفاعة من سواه،
ومن الآيات التي توضح هذا كثيرة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:48)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:254)
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾
(سورة غافر الآية:18)
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 05:38 AM
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_22_18_be09_e24e51afae9c1.jpg&key=daa72200fa7b6fee9f75d637d0cdfffd0129faa4d0a38b 36949ecbd37ad2297f
ماذا نستفيد من الآيات التالية ؟
قال تعالى:
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)سورة البقرة﴾
ماذا نستفيد من هذه الآيات ؟
ليفتح الواحد منا دفتراً ويسجِّل، قال:
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
( سورة إبراهيم: من آية " 5 " )
يوم نجَّاك الله عزَّ وجل من مرض عويص، يوم نجاك من حادث، يوم أنجحك في الجامعة، يوم سمح لك أن تسكن في بيت لوحدك، يوم زوَّجك، يوم أعطاك حرفة جيدة، هذه كلها من نعم الله العُظمى، علَّمنا الله من خلال هذه الآيات: واذكروا:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ (49) ﴾
وقال:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ (50) ﴾
وقال:
﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (51) ﴾
وقال:
﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ (52) ﴾
الإنسان من حينٍ لآخر يجب أن يذكر نعم الله المتتالية عليه، هذه النعم تجعله يحبُّ الله عزَّ وجل:
((أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي.))
[الترمذي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما]
{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) }
بشكلٍ مختصرٍ مُرَكَّز خلق الله الإنسان ليسعده في الدنيا والآخرة ، فإذا انحرف عن منهج الله تقتضي رحمة الله أن يسوق له بعض الشدائد كي يعيده إليه ، هذا كل ما في الأمر لذلك العِلاجات التي يسوقها الله عزَّ وجل لعباده مُنَوَّعةٌ وكثيرةٌ ، وعلى درجات ، وعلى مستويات
لعلَّ من أشدِّها أن يبتليهم الله عزَّ وجل بظالمٍ يُذَبِّح أبناءهم ويستحي نساءهم يؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى :
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ (65) ﴾ ( سورة الأنعام : من آية " 65 " )
الصواعق ، والصواريخ : ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ ( سورة الأنعام : من آية " 65 " )
الزلازل ، والألغام : ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ ( سورة الأنعام : من آية " 65 " )
{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (49) }
آل فرعون أي من كان على منهج فرعون ، من كان على شاكلة فرعون ، ليس معنى آل فرعون أقرباءه ، فآل النبي من سار على منهجه ، فهل يُعَدُّ أبو لهب من آل النبي ؟ لا ،
هل يعدُّ أبو جهل من آل النبي ؟ لا ،
ولكن يُعَدُّ سلمان الفارسي من آل بيت النبي ، ويعدُّ صُهَيْبُ الرومي من آل بيت النبي ، ويعد بلال الحبشي من آل بيت النبي ، كل من آمن بالنبي وسار على نهجه واتبع سنَّته القوليَّة والعمليَّة فهو من آله ،
وكل من شاكل إنساناً وسار على نهجه فهو من آله
من أشد أنواع القهر أن تُساق المصيبة على يد إنسانٍ مثلك يقهرك:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)سورة البقرة ﴾
إذا انحرف الانسان عن منهج الله تقتضي رحمة الله أن يسوق له بعض الشدائد كي يعيده إليه، هذا كل ما في الأمر:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) ﴾( سورة السجدة )
وقال:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) ﴾(سورة الشورى )
لعلَّ من أشدِّ المصائب أن يَقَهَرَ إنسانٌ إنساناً، إذا أتت المصيبة من الله مباشرةً فهي تُقبَل بشكلٍ أو بآخر، أما أن تُساق المصيبة على يد إنسانٍ مثلك يقهرك، فذاك أشد أنواع القهر، ولذلك استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام بالله من
(أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.))[أبو داود عن أبي سعيد]
حينما يغضب الإنسان يصيح، ويشتم، ويضرب، وينفعل، ويرتجف، ولكن ماذا يفعل الله جلَّ جلاله حينما يغضب ؟
يسوق تيمورلنك، يسوق فرعون:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾
الأقوياء في الأرض عصيٌّ بيدِ الله ينتقم بهم ثم ينتقم منهم:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) ﴾
(سورة الأنعام )
الظالم قهراً يُسلَّطُ على ظالم نفسه كي يقومه.
من أشدِ أنواع البلاء أن يُؤَمَّر المترفون ويُمَكَّن الطغاة والظالمون:
قال تعالى:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾(سورة القصص )
﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (16) ﴾( سورة الإسراء: من آية " 16 " )
لعلَّ من أشدِ أنواع البلاء أن يُؤَمَّر المترفون، أن يُمَكَّن الطغاة والظالمون، هذا علاجٌ إلهي وهو من أقسى أنواع العلاج، الطبيب مثلاً يعطي المريض دواء عيار خمسة عشر، فيقول له: والله لم أستفد، يقول له: ارفع العيار، في خمسمئة، في ألف، في نصف مليون، في مليون، هذا العذاب الصُعُد، يعطى المستوى الأعلى والعيار الأشد إذا لم يؤثر المستوى الأقل.
العبودية لا تكون إلا لله
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ(49)
آل فرعون أي من كان على منهج فرعون، من كان على شاكلة فرعون، ليس معنى آل فرعون أقرباءه، فآل النبي من سار على منهجه، فهل يُعَدُّ أبو لهب من آل النبي ؟ لا، هل يعدُّ أبو جهل من آل النبي ؟ لا، ولكن يُعَدُّ سلمان الفارسي من آل بيت النبي، ويعدُّ صُهَيْبُ الرومي من آل بيت النبي، ويعد بلال الحبشي من آل بيت النبي، كل من آمن بالنبي وسار على نهجه واتبع سنَّته القوليَّة والعمليَّة فهو من آله، وكل من شاكل إنساناً وسار على نهجه فهو من آله .
الناس رجلان قويٌّ ونبي، فالقوي يملك الرقاب بقوَّته، والنبي يملك القلوب بكماله، وكل الناس تبعٌ إما لقوي أو لنبي، فالموظَّف مثلاً مهما تكن وظيفته متواضعةً بإمكانه أن يفعل شيئاً يُزْعِجُكَ، إذاً هو استخدم قوَّته، فحينما تملك الرقاب بقوَّتك فأنت من أتباع القوي، وحينما تملك القلوب بكمالك فأنت من أتباع النبي.
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ (49) ﴾
لذلك:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾( سورة القصص )
أنت لن تنجو من عذاب الله إذا فعلت أمراً لا يُرضي الله وقلت: أنا عبد مأمور، من قال لك ذلك ؟
من قال لك إنك عبدٌ مأمور ؟
العبد هو عبد الله فقط، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، أن تقول: أنا عبد مأمور وتفعل في الناس ما تفعل هذا كلامٌ مردودٌ عليك، وله بحثٌ طويل في الفقه، لا مجال إلى تفصيلات جُزئياته في هذا الدرس، على كلٍ إن لم تكن قانعاً بهذا الذي تفعله اترك هذا العمل.
البطل هو الذي يهيِّئ جواباً لله عزَّ وجل لا لعبد الله:
قد يقول موظَّف: أنا أعمل بالتموين ويجب عليَّ أن أكتب في اليوم عشرة مخالفات، لعلَّ هذا الإنسان مظلوم، لا يوجد عبد مأمور، افعل قناعتك وانتظر أن يحاسبك الله عزَّ وجل، البطل الذي يهيِّئ جواباً لله عزَّ وجل لا لعبد الله، بل لله:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾( سورة التكوير )
يقول: أنا عبد مأمور، لا لست بعبد مأمور، وهذه كذبة تكذبها أنت، الذين هم فوقك لا يرضيهم أن تفعل ما تفعل، لكن أنت تفعل ما تفعل لتبتز أموال الناس وتقول: أنا عبد مأمور، كلام فارغ أنت وحدك المسؤول، إذا لم يعجبك العمل فدعه، أما أن تؤذي الناس وتقول: أنا عبد مأمور، لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾(سورة القصص )
وقال:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ (49) ﴾
هناك إذلال، فليس هناك حالة ذل أشد من أن يُنْتَهَكَ عرض الإنسان أمامه، شيء فوق طاقة البشر.
المستقيم له حفظ من الله
استحق اليهود غضب الله وعقابه لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه :
يقول الله عزَّ وجل وهو يخاطب بنو إسرائيل ونحن مُرَشَّحون أن نقع بالأمراض التي وقع بها بنو إسرائيل، وقد يقال: وقعنا بها، استحق اليهود غضب الله وعقابه لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، ما قولكم ؟
لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، قال عليه الصلاة والسلام:
(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً )).
[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]
هذا مَرَضٌ خطير يوجب الهلاك، وقد يقع به بعض المسلمين، يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف .
(وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49 سورة البقرة )
هل تحتمل مرضاً عُضالاً ؟ هل تحتمل فقراً مُدقعاً يحملك على أن تُنَقِّب في الحاوية ؟ هل تحتمل أن تتخلَّى عنك زوجتك وأولادك وأن يلقوك في الطريق ؟ هل تحتمل ذلك ؟ هل تحتمل أن تكون في غيابة السجن سنوات وسنوات ؟
قل:
﴿ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا (286) ﴾
(سورة البقرة: من آية " 286")
إذا كنت لا تحتمل فاستقم على أمر الله، المستقيم له معاملة خاصَّة، والمستقيم له حفظ من الله، والمستقيم له توفيق من الله، والمستقيم له هداية من الله عزَّ وجل، والله جلَّ جلاله يَسْلُكُ به سبل السلام، سبل الأمان، سبل السعادة، سبل الرِفْعَة، سبل التوفيق.
قال تعالى:
﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ (49) ﴾
ما قال الله تعالى: ويستحيون فتياتكم، بل إنه قال: نساءَكم، من أجل المُتْعَة:
﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) ﴾
لذلك الدعاء القرآني :
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾(سورة البقرة: من آية " 286 ")
هناك مصائب لا يحتملها الإنسان، فوق طاقته، لا تعمل عملاً تصل مع الله إلى طريقٍ مسدود، تصوَّر إنساناً وُضّع ليُشْنَقَ أمام مئة ألف إنسان، مجرم ارتكب جريمة قتل، أو ارتكب جريمة زنا وجريمة قتل فاستحقَّ أن يُعْدَم أمام الناس جميعاً، هو وصل لطريق مسدود قبل أن يُوضَع الحبل في رقبته ليُشْنَق، إذا أحب أن يصبر فليصبر أو لا يصبر، إذا أحب أن يتوسَّل فليتوسَّل، أحب أن يستعطف فليستعطف، أحب أن يبكي فليبكِ، أحب أن يضحك فليضحك، ولكن الطريق صار مسدوداً، إيَّاك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود بأن ترتكب جرماً، أن تنتهك عرضاً، أن تأخذ مالاً حراماً فيأتي العقاب الأليم
العقاب أنواع
هناك أمراض مستعصية، أنا أقسم لكم لو أن إنساناً وصل إلى أعلى درجة في الدنيا وأصابه مرضٌ عضال، وعُرِضَ عليه أن يكون في أقل درجة وأن يعافى من هذا المرض، هل يتردَّد لحظة في قبول ذلك ؟ لو كان ملكاً وأصابه مرض عُضال وعرض عليه أن يكون موظَّفاً بسيطاً ضارب آلة كاتبة، هل يتردَّد في قبول هذه الوظيفة المتواضعة جداً على أن يشفى من مرضه ؟ إنه لا يتردَّد، فالذي عافاه الله في نعمةٍ كبرى، المعافى هو في نعمةٍ لا تقدَّر بثمن، قد يصل الإنسان إلى أعلى مرتبة في الحياة ومعه مرض عضال، ماذا يفعل ؟ أطبَّاء العالم كلِّهم تحت تصرُّفه وماذا يفعل ؟
هذا قهر الله عزَّ وجل.
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 06:04 AM
https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2025_09/image.png.b3d71dbacb77094117f8db644b791888.png
إذا وجد الإيمان فإن المعركة بين الحق والباطل لا تطول لأن الله مع الحق:
شاهد بنو إسرائيل بأعينهم كيف أن البحر انشقَّ طريقاً يبساً:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾
مُعجزات مُدهشة، صار البحر طريقاً
إذا تدخَّل الله تنتهي كل مشاكلنا، ولكن أنت اطلب منه موجبات رحمته، إذا فعلت موجبات رحمته أوجب ذلك أن يتدخَّل الله لصالحك، وتوجد بعض الشواهد في حياتنا، شيء لا يُحتمل صرفه الله عزَّ وجل من عنده، أنا كنت دعوت في خطبة قبل أسابيع: " اللهمَّ انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك فنستحقَّ أن تنصرنا على عدوِّنا ".
لأن المعركة بين حقَّين لا تكون، الحق لا يتعدَّد، وبين حقٍ وباطل لا تكون لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي لأن الله تخلَّى عن الطرفين، الأقوى هو الذي ينتصر، الأذكى ينتصر، ينتصر الذي عنده سلاح أكثر فاعليَّة، ينتصر الذي عنده معلومات أكثر، ينتصر الذي عنده أقمار، ينتصر الذي عنده رصد، ينتصر الذي عنده ليزر، اختلف الوضع، إذا ابتعد الفريقان عن الله عزَّ وجل يكون هناك ترتيب آخر، يكون الفوز نصيب الأقوى والأذكى والذي عنده سلاح أكثر جدوى، أما إذا وجد الإيمان فإن المعركة بين حقٍ وباطل لا تطول لأن الله مع الحق.
أغرق الله فرعون ولكنه نَجَّاه ببدنه إلى الشَاطئ لكي يجعله عبرة:
قال تعالى:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾.
أغرق الله فرعون، ولكنه نَجَّاه ببدنه إلى الشَاطئ، لأنه إذا أغرقه واستقرَّ في أعماق البحر لما صدَّق أحدٌ أنه غرق، لأنه عندهم الإله، قال :
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾.(سورة النازعات )
وقال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) ﴾.(سورة القصص: من آية " 38 " )
ولكنَّ الله أراد أن يجعله عبرةً:
﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ (92)﴾.(سورة يونس: من آية " 92 " )
ما قال الله: لتكون آية أي لمن حولك، لكنه قال:
﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً (92) ﴾.(سورة يونس: من آية " 92 " )
المُعجزات الحِسَّية وحدها لا تكفي ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة:
هناك شخص يقرا القرآن في أمريكا، وهو حديث عهدٍ بالإسلام، يقرأ القرآن متفحِّصاً، فلمَّا وصل لهذه الآية قال: هنا خطأ، كيف يقول الله عزَّ وجل:
﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾
فاتصل بعالم من علماء المسلمين في فرنسا، فأجابه أن: فرعون موسى موجود في متحف مصر، نفسه موجود، فرعون الذي غرق في عهد موسى مُحَنَّط، وقد أُخِذَ إلى فرنسا لترميم جثَّته، وعاد، وفي فمه آثار فطور بحريَّة، وفي فمه آثار ملوحة، وكل علامات الغَرَقَ بادية على جسمه، وهذا معنى الآية الكريمة:
﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً (92) ﴾.
(سورة يونس: من آية " 92 " )
وقال:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (51) ﴾.
وعد الله عزَّ وجل موسى مع النقباءِ وعلية القوم ليعطيهم المَنْهَج، ماذا فعل قومه في غيبته ؟ اتخذوا من الذهب الذي أخذوه من بيوت فرعون عِجْلاً جسداً، وعبدوه من دون الله، ماذا نستنتج ؟ هذا الذي رأى أن البحر أصبح طريقاً يبساً كيف يعبُدُ عجلاً من دون الله ؟ نستنبط من هذا أن المُعجزات الحِسَّية وحدها لا تكفي ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة، الكون بما هو عليه من دون خَرْقٍ للعادات يُعَدُّ معجزةً وأيَّةَ معجزة، أما هذا الذي يطلب خرقاً العادات، هذا الذي يطلب كرامة !!! هناك طُلاب عِلْم كثيرون يبحثون عـن كرامة، عن منام، عن شيء فيه خرق للعادات !! هذا النظام المستقر، الشمس والقمر، والليل والنهار، المجرَّات، الجبال، السهول، البحار، النباتات، الأطيار، الأسماك، أنواع الخضراوات، المحاصيل، نظام النبات، هذا كلُّه لم يلفت نظرك، خَلق الإنسان ! تبحث عن معجزة ! تبحث عن خرقٍ للعادات !!
اشدأنواع الظلم أن تشرك بالله:
اليهود الذين رأوا البحر أصبح طريقاً يبساً، حينما نجَّاهم الله عزَّ وجل اتخذوا من الذهب عجلاً له خوارٌ وعبدوه من دون الله:
﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ﴾.
إن أشدُّ أنواع الظُلْمِ أن تعبد غير الله، أشد أنواع الظلم أن تشرك بالله، أشد أنواع الظلم أن تعبد إلهاً صنعته بيدك، وهذا ما تجده في كثير من البلاد إلى الآن، تدخل إلى معبد في الهند تجد صنماً ارتفاعه ثلاثون متراً وأمامه أنواع منوَّعة من الفواكه، تسأل: لمن هذه الفواكه ؟ يجيبونك: هو يأكلها في الليل، والحقيقة أن الكُهَّان يأكلونها في الليل، هذا تراه الآن في عصر النور والحضارة كما يدَّعون.
حينما يؤمن الإنسان بالله يكون قد احترم نفسه، الإنسان حينما يكون عاقلاً يوحِّد، يكون قد عرف قيمته كإنسان، يكون قد كرَّم نفسه، أما حينما يتخذ صنماً ليعبده طبعاً هذا هو الشرك الجَلِيّ، لكنَّ المسلمين والمؤمنين قد يقعون في شركٍ خفي، حينما يتوهَّمون أن المال يحلَّ كل مشكلة، لا، المال لا يحل المشكلات، فإذا اختل نمو الخلايا اختلت في النمو، المال لا يحل المشكلات، وأن تكون في أعلى درجة في الحياة لا تحل مشكلة، الله عزَّ وجل هو الفعَّال، هو القهَّار، هو واهب الحياة، هو المُحيي، هو المُميت، هو الحافظ، هو الناصر، هو الموفِّق، هو الرافع، هو الخافض، هو المعطي، هو المانع، هو الرازق، هو المعز، هو المذل.
إن الشرك لظلمٌ عظيم، وحينما تتجه لغير الله أو تعتمد على غير الله فقد وقعت في ظلمٍ شديد.
من الشرك أن تعتمد على شيءٍ آخر غير الله عزَّ وجل :
قال تعالى:
﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ﴾.
تصوَّر إنساناً لديه قضيَّة خطيرة جداً، مثلاً لو أخذ الموافقة فهو يربح مئات الملايين، وهذه الدائرة فيها مدير عام الأمر مُناط به وحده، وفيها موظَّفون، وفيها حُجَّاب، وفيها حارس، فإذا وقف هذا الإنسان الذي معه المعاملة أمام الحارس أو الحاجب فترجَّاه، وتضعضع أمامه، وبذل ماء وجهه، وعلَّق عليه الآمال، ثم خاب ظنُّه به، هذا الشرك، هذا الذي تضعضعت أمامه عبدُ مثلك، هذا الذي بذلت ماء وجهك أمامه عبدٌ مثلك، هذا الذي توهَّمت أنه يحلُّ هذه المشكلة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ضراً ولا يجلب نفعاً، فإذا كان الله يأمر سيد الخلق أن يقول لقومه:
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21) ﴾(سورة الجن )
سيد الخلق، وفي آية أخرى :
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً (188) (سورة الأعراف: من آية " 188 " )
إذاً أشدِّ أنواع الظلم أن تعبد إلهاً آخر غير الله عزَّ وجل، أو أن تعتمد على شيءٍ آخر غير الله عزَّ وجل،
ثمَّ يقول الله عزَّ وجل :
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) ﴾
أهمية التوبة
كل إنسان خاف الله فيما بينه وبين الله أمَّنه الله فيما بينه وبين الناس :
قال تعالى:
﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) ﴾
يقودنا هذا المعنى إلى معنى آخر وهو أن الله جلَّ جلاله يسوق لك أحياناً شدَّةً شديدةً من أجل أن ترمِّم خللاً خطيراً.
أيُّها الأخوة، من نِعَمِ الله الُكبرى أن شرعنا الإسلامي لا يقتضي من أجل أن تتوب إلى الله أن تقتُل نفسك ولا أن تُقتَل، وهذه رحمةٌ بأمة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكن المؤمن العاقل يبتعد عن ذنبٍ خطير، ففي الحياة الآن أمراض غير القتل، فيها أمراض عُضالة، وفيها عاهات، وحوادث سير، فيها فقر مدقع، وفيها تشتيت أسرة، هناك أحياناً ذُل، وأحياناً قَهر، أو فقد حُرِّية، فعند الله معالجات منوَّعة كثيرة جداً، فالمؤمن العاقل هو الذي يحتاط للأمور قبل وقوعها، ويخاف من الله فيما بينه وبين الله، وكل إنسان خاف الله فيما بينه وبين الله أمَّنه الله فيما بينه وبين الناس، هذه قاعدة ؛ مستحيل ثم مستحيل ثم مستحيل أن تخاف الله فيما بينك وبينه ثم يخيفك من أحد، ولكنه يطمئِنُك.
" أمنان وخوفان، لا يجتمع أمن الدنيا وأمن الآخرة، إن خِفت الله في الدنيا أَمَّنك يوم القيامة، وإن أمِنتَ عذاب الله في الدنيا أخافك يوم القيامة ".
هذا كلام دقيق وخطير، كلام مصيري، وليس الأمر على مستوى أن تقول: والله الدرس ممتع، لا، لا، لا فالأمر أخطر من ذلك، الدرس خطير يتعلَّق بالمصير، المصير الأبدي، وساعة الموت هي ساعة الفصل، وهذه تنتظرنا جميعاً ولا أحد ينجو من هذه الساعة، فبقدر معرفته بالله، وبقدر طاعته، وبقدر إخلاصه، وبقدر عمله الصالح ينجيه الله عزَّ وجل من هذه الساعة العصيبة.
أهمية التوبة:
أيها الأخوة الكرام، صعبٌ جداً أن تتصوَّروا ديناً من دون توبة، لأن أقل ذنب من دون توبة يقودك إلى أكبر ذنب ثم إلى النار، أما مع التوبة فأكبر ذنب يعفو الله عنك:
(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))
[ حديث قدسي ]
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾.
(سورة الزمر )
وقال:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) ﴾.
(سورة الحجر )
هكذا:
﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ (52) ﴾.
ماذا فعل هؤلاء ؟
فعلوا أشدَّ أنواع الذنوب، أشركوا بالله، عبدوا عجلاً من دون الله، صنعوه بأيديهم وعبدوه من دون الله ومع ذلك باب التوبة مفتوحٌ على مِصراعيه، تصوَّر لو لم يكن هناك توبة ليئس الإنسان من أقل ذنب، لو ارتكب الإنسان ذنباً بسيطاً ولا توجد توبة لسمح لنفسه أن يرتكب ذنباً أكبر، وهكذا إلى أن يفعل كل الذنوب والآثام، وينتهي إلى النار، لكنَّ رحمة الله
لا يُهلك الله من أول خطأ
إذاً وصلنا في موضوع الحظوظ إلى أنها موزَّعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء.
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) ﴾
يعد الله عزَّ وجل لبني إسرائيل النِعَمَ التي أنعم بها عليهم ويذكرهم بها، من هذه النِعَم ؛ النعمة الأولى ـ في هذا الدرس طبعاً ـ أنه بعثهم من بعد موتهم، الله تعالى لا يدمِّر من أول خطأ ولا يُهلك من أول خطأ إنه يعفو.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53)﴾
(سورة الزمر: " 53" )
الإنسان قد لا يغفر، قد يُخطئ الإنسان مع ملك فيقطع رأسه، هذا شأن ملوك الأرض، ولكن شأن ملك الملوك ليس كذلك:
﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (52) ﴾
(سورة البقرة: " 52 " )
وقال:
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ (56) ﴾
يُروى أن رجلاً سيق إلى سيدنا عمر متلبّساً بسرقة فقال: " والله يا أمير المؤمنين إنها أول مرَّةٍ أفعلها في حياتي " ، قال له: " كذبت إن الله لا يفضح من أول مرَّة "، فكانت المرَّة الثامنة، فالله عزَّ وجل يعطي مهلة، هناك خطأ، هناك معصية، هناك تقصير يعطي مهلة إلى أن يُصِر على ذنبه .
ربنا عزَّ وجل عفوٌ كريم يعفو ويسامح ولكن حينما يصرُّ العبد على خطئه يأتي الردُّ الإلهي:
حدَّثني رجل فقال لي: لي أبٌ باعه طويل في تجارة المواشي والأغنام، والسمن والصوف، فلمَّا أراد أن يتقاعد من عمله باختياره وكَّلني أن أكون مكانه في هذا العمل، وكنت شاباً جاهلاً، ركبت السيارة، وذهبت إلى البادية لأشتري الصوف، ومعي ميزان ضخم، أردت أن أحتال على هذا الإنسان البدوي الساذج، كان كلَّما وزن جَرَّة أقول له رقماً فيه كسور، ثلاثة وعشرين كيلو وثمانمئة غرام، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق علماً أنه حذف عشرة كيلو، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق، لكنه شعر بِحِسِّه العام عندما انتهى الوزن أن هذه الكميَّة ثمنها خمسة وعشرين ألفاً، فوجد أن ثمنها أربعون ألفاً، فقال له باللغة البدوية: " ترى برقبتك إذا لعبت عليَّ "، قال لي: بعدما غادرت هذا المكان شعرت بخوف، بخطأ، هل أرجع لأطلب السماح منه، أمضي، ماذا أفعل ؟ قال لي: بقيت في صراع مع نفسي من مكان شراء الصوف إلى مكان بعد الضمير تقريباً، قال لي: خطر في نفسي، خاطر داخلي، بالتعبير الدارج: " حط بالخرج "، قال لي: ما أتممت هذا الخاطر إلا رأيت نفسي وسط بركةٍ من الدماء، انقلبت السيارة، وتناثرت البضاعة، وسال السمن من أوعيته، وأنا وسط الدماء !! هذا معنى قوله تعالى:
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾
(سورة الزخرف )
ما دام الإنسان بين الخوف والرجاء، والاستغفار والتردُّد، فهناك بحبوحة، أما إذا اتخذ قراراً قطعياً يأتي الرد الإلهي .
المعنى الذي نستنبطه من هذا أن ربنا عزَّ وجل عفوٌ كريم، يعفو ويسامح، ويعطي فرصة للاستغفار، ولكن حينما يصرُّ العبد على خطئه يأتي الردُّ الإلهي، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) ﴾
موسوعة النابلسى للعلوم الشرعية
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=https://s.fcai2-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/37019294_635576706795619_6569186594157232128_n.jpg ?_nc_cat=0%26oh=194f4099005e8744ef2521e7cdc3276f%2 6oe=5BCF82F9&key=9e7e063b9daad55bf81e3dc4d06ca37328c6afd00c2393 b8b5a8456276ffa938 (https://s.fcai2-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/37019294_635576706795619_6569186594157232128_n.jpg ?_nc_cat=0&oh=194f4099005e8744ef2521e7cdc3276f&oe=5BCF82F9)
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 06:08 AM
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=http://www.ayehayeentezar.com/gallery/images/40426184514610440248.gif&key=26a1b0eea615256623f35202180bc274097be0c0076f63 db6899c66d1b69bdf3
ما أكثر من يُبَدِّل في القرآن قولاً غير الذي قاله الله عزَّ وجل
قال تعالى:
﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) سورة البقرة﴾
فبدَّل الجائرون الضالون من بني إسرائيل قول الله، وحرَّفوا القول والفعل جميعًا، إذ استهزءوا بدين الله. فأنزل الله عليهم عذابًا من السماء؛ بسبب تمردهم وخروجهم عن طاعة الله.
عندما يصير الدين شكلاً، فُلكلوراً، تقليداً، ورقصاً، أو يصير الدين دوراناً ومع ارتداء ثوب كبير، أو غناء، أو طرباً، أو احتفالات، أو إلقاء كلمات، أو مؤتمرات دون أن يُطَبَّق المنهج الإلهي،
إذا أصبح الدين كذلك فهذه أمَّةٌ تودِّعَ منها:
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾
أهكذا ذَكَرَ أصحاب رسول الله ربَّهم وهم يرقصون ؟ أهكذا كانت ثيابهم ؟ قد يبلغ قطر ثوبه ثلاثة أمتار، أفَعَلوا هذا تطبيقاً لمنهج الله عزَّ وجل ؟
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾
تكاد تجد أكثر المعاصي مُغَطَّاة بفتاوى، لم يبق شيء من الدين، بقي فقط فلكلوراً، تُراثاً، يقول لك: التراث الإسلامي، الدين أقواس، تيجان، زخرفة إسلاميَّة، لوحات إسلاميَّة، قرآن مُزَخرف، مسجد مزخرف، شكل بدون مضمون، لا يوجد منهج مُطبَّق، المنهج غربي، التقاليد والعادات كلها غربيَّة ؛ في الطعام والشراب، والاختلاط، والفنون، والغناء، والأفلام، كله غربي، ولا يوجد شيء إسلامي إلا المسجد والزخارف وبعض الثياب، هذا لا يجوز:
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾
ما أكثر من يُبَدِّل في القرآن قولاً غير الذي قاله الله عزَّ وجل، علماً أن الدين توقيفي والشرائع منتهية.
الدين لا يقبل الزيادة لأن أية زيادةٍ فيه تُعدّ اتهاماً له بالنقص:
قال تعالى:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً (3)﴾
(سورة المائدة: " 3 ")
الدين لا يقبل الزيادة لأن أية زيادةٍ فيه تُعدّ اتهاماً له بالنقص، والدين لا يقبل الحذف فأيُّ حذفٍ منه اتهامٌ له بالزيادة، هو دين الله عزَّ وجل، كمال مُطْلَق:
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا (60)﴾
أقول لكم كلمة: والله الذي لا إله إلا هو لو خرج أهل بلدةٍ إلى مكانٍ فسيح متذلِّلين خاضعين، يسألون الله السُقْيَا، والله الذي لا إله إلا هو من الثابت أن الله يُمْطِرُهم مطراً يملأ آبارهم، ليعرّفهم ربُّهم أن الذي تدعونه بيده المطر، هذا الشيء يحصل في العالم الإسلامي، الاستسقاء عبادة، صلاة الاستسقاء عبادة ولكنها لا تنجح بشكل فردي إلا أن تكون جماعيَّةً، يجب أن يخلع الناس كِبْرَهُم، يخلعوا عنجهيَّتهم، أن يخضعوا لله عزَّ وجل، أن يسألوه السقيا، فإذا سألوه السقيا بتواضعٍ وتذلُّل وتَخَشُّع أمدَّهم الله بالأمطار الغزيرة التي تملأ آبارهم، وتحيي أراضيهم، وتنقذ نباتاتهم من الجفاف
الشدائد من تمام نعمة الله على عباده
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)سورة اليقرة ﴾
أي عذابٍ في الأرض يساق للإنسان هو لهذه العلَّة، لعلَّة أن يهتدي الإنسان، لعلَّة أن يعرف الله، لعلَّة أن يتوب إلى الله، لعلَّة أن يستقيم على أمر الله، لعلَّة أن يعرف سرَّ وجوده، أن يعرف غاية وجوده، لعلَّة أن يسعى إلى الآخرة، لعلَّة أن يسعى إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، والله الذي لا إله إلا هو أكاد أقول إن معظم المسلمين، الصالحين، التائبين، الذين يعرفون الله، الذين اهتدوا إلى الله كانت هدايتهم بسبب شدَّةٍ ساقها الله إليهم، وهذه الشدَّائد هي النِعَمُ الباطنة، إما أن تأتي ربك طائعاً، وإما أن يحملك على أن تأتيه مكروهاً، اختر أحد الحالين ؛ إما أن تأتيه طائعاً، وإما أن يحملك على أن تأتيه مكرهاً، وهذا لا يتناقض مع الاختيار، ولكن يجسِّد رحمة الله عزّ وجل، ويجسِّد حرصه على سعادة الإنسان.
الأب الذي يُسَيِّب أولاده، لا يتعلَّمون، لا يعملون، فإذا كبروا وكانوا في المؤخِّرة، وكانوا مع الحُثالة هؤلاء يلومون آباؤهم، والأب الذي يتشدَّد على أولاده ليحملهم على طاعة الله، ويحملهم على أن يكونوا شخصياتٍ فذَّةً في المستقل هؤلاء يشكرونه طوال حياتهم على شدَّته معهم، هذا معنى الآية:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ (63) ﴾
ربنا عزَّ وجل نتق الجبل بمعنى زعزعه من مكانه وجعله فوقهم،
فإما أن يطبِّقوا منهج الله وإما أن يقع عليهم، أي أنه ألجأهم إلى طاعة الله، من هنا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام
( عجِبَ ربُّنا من قومٍ يُقادون إلى الجنَّة بالسلاسل.))[أحمد والبخاري من ابن مسعود]
أقْبِلْ على الله بسلاسل الإحسان لا بسلاسل الامتحان:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21) ﴾
(سورة السجدة)
قال المفسِّرون: نتق الله جبل الطور الذي كلَّم به موسى عليه السلام، نتقه أي زعزعه من مكانه وجعله فوقهم كالظُلَّة، فإن لم يستقيموا على أمر الله أهلكهم بطريقةٍ أو بأخرى، والله أعلم، فمعنى هذه الآية، هذا الجبل ـ كما قال بعض المفسِّرين ـ جبل الطور نُتِقَ أي زُعْزِعَ من مكانه وهدَّدهم بالهلاك إن لم يستقيموا على أمر الله، كم من إنسان أصيب بمرض عضال فتاب توبةً نصوحَاً، حمله هذا المرض أو حمله شبح هذا المرض على طاعة الله والصُلحِ معه، اسم هذا المرض يوم القيامة يبعث في نفس هذا المؤمن الذي اهتدى إلى الله عزَّ وجل كل سعادةٍ وسرور، إذا حملت الشدائد الإنسان على الطاعات انقلبت إلى نِعَمٍ باطنة وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20) ﴾
( سورة لقمان)
يجب أن تفهم الشدائد التي يسوقها الله للمسلمين اليوم كهذا الفهم تماماً، الشدائد التي يسوقها الله للمسلمين اليوم في كل بِقاع الأرض يجب أن تدفعنا إلى طاعته.
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾
( سورة القصص: الآية "4 " )
من أجل ماذا ؟
قال :
﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ (63) ﴾
هذه الآية دقيقة جداً، أي أن هذا الطور الذي رُفِعَ عليكم، هل هناك طورٌ آخر في حياة المسلمين
طبعاً، كل واحد له طور، شبح مرضٍ هو طور، شبح مشكلةٍ في الأسرة، شبح فقد مالٍ طور، شبح مرضٍ طور، شيء قوي، شيءٌ يُهَدِّدك، يهدِّد سلامتك، يهدِّد رزقك، يهدِّد سعادتك، يهدِّد أمنك طور، من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهم.
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=http://up.3dlat.com/uploads/13614309002.gif&key=d20059852c0029b32cb33f8c1565f8809dd09dd7956da4 bbe52c9fe7931792d4
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 02:55 PM
ماذا فعل اليهود يوم السبت يوم العبادة ؟
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾
أنشؤوا أحواضاً وفتحوها يوم السبت حتى إذا أتت الحيتان يوم سبتهم أغلقوها مساءً، واصطادوها يوم الأحد !!! حيلة شرعيَّة، وهذا يشبه الحيل الشرعية التي يفعلها بعض المسلمين، لعلَّها الآن تقلَّصت لضعف الدين أساساً، كان يضع زكاة ماله برغيف خبز، يهبها لفقير، والفقير لا يدري أن الرغيف فيه خمسة آلاف ليرة، ثم يقول له: هل تهبني هذا الرغيف الذي هو بخمس ليرات ؟! يقول له: أتمنَّى، يقول لك: أنا دفعت زكاة مالي للفقير، هذا شيء مضحك، وعلى هذا تقاس أشياء كثيرة جداً، نغير الأسماء فتصير المحرَّمات مباحات، نقوم بتعليلات، اجتهادات، نقول: هذا القرض ليس القصد منه الاستغلال بل هو قرض استثماري وليس فيه تحريم، من قال لك ذلك ؟!!
هناك من يجتهد ليحل كل شيء إلى أن أصبح الدين شكلاً بلا مضمون، شكلاً بلا منهج، كل شيء مباح، توجد الآن فتاوى لكل شيء، كل شيء مباح ؛ التمثيل، والغناء، والاختلاط، لم يبق في الدين شيء محرَّم، تحت إطار التطور، المرونة، أين الدين ؟ الدين توقيفي، الدين دين الله عزَّ وجل، الدين ما جاء به الكتاب والسنة، أما أن نفلسف، وأن نكون مرنين، وأن نطوِّر إلى أن نبيح كل شيء، فهذا الشيء ليس من الدين في شيء .
قال العلماء عن هؤلاء الذين احتالوا حيلاً شرعيَّة: لو أنك لا سمح الله ولا قدَّر فعلت المعصية ولم تقولبها بحيلةٍ شرعيَّة لكان أفضل، إنك حينما قولبتها بحيلةٍ شرعيَّة لا تتوب منها، تظن أنك على حق، أما حينما تفعلها مجرَّدةً من حيلةٍ شرعيَّة تتوب من هذا الذنب، فأخطر شيء أن يكون عندك مجموعة فتاوى غير صحيحة لمعاصٍ كبيرة وأنت مرتاح على أن هناك فتاوى فيها، هذه الفتاوى لا تُقْبَل عند الله عزَّ وجل، لذلك أنا أقول لكم دائماً: لكل معصية فتوى، أنت ماذا تريد فتوى أم تقوى ؟
الفتوى موجودة إذا أردت، تجد فتوى لكل معصيةٍ مهما تكن كبيرة، هناك من يفتي بها، والذي يفتي بها جعل من نفسه جسراً إلى النار.
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾
قال بعض المفسِّرين: جعلهم الله قردةً، وهذا المَسخ لا يتناسل وانقرضوا، فإذا قلت: هل مازال هناك يهود ؟
ليسوا جميعاً كانوا عصاةً فَمُسِخَ الذي عصى، هذا رأي.
الرأي الثاني مُسِخوا قردةً وخنازير وعبدة الطاغوت، ما معنى ذلك ؟
عورة القرد ظاهرة، ولها لون فاقع خاص، عورته ظاهرة وشكله قبيح، وهمُّه شهوته، إذا رأيت إنساناً عورته ظاهرة، ولا يبالي بسمعته، وهمُّه فرجه وبطنه فهو قرد بالمفهوم السلوكي والقيَمي، قال بعض العلماء: مسخوا قردة أي بأخلاق القردة، ووقاحة القردة، ودمامة القردة، وعدم حياء القردة، فإذا مشى إنسان مع زوجته بثيابٍ فاضحة لا تخفي منها شيئاً أليس قرداً ؟ بل إن الذين يرفضون نظرية دارون بعضهم آمن بها مجدَّداً لكنَّها معكوسة، كان إنساناً فصار قرداً لا يستحي، ولا يخجل، ولا ينصاع لأمر، ولا لقيمة، ولا لخُلُق، فالذين قالوا: مسخوا قردةً حقيقيين لهم أدلَّتهم، والذين قالوا: مسخوا بأخلاقهم وقيمهم قردةً لهم أدلَّتهم أيضاً، القرآن حمَّال أوجه لك أن تفهمه هكذا أو هكذا ضمن قواعد وأصول.
تعريف بسيط للقردة والخنازير وعبدة الطاغوت :
على كلٍ إذا كانت عورة الإنسان مكشوفة ولا يستحي بها وهمُّه بطنه وفرجه هذا قرد بالمعنى السلوكي، وهناك من مسخ خنزيراً لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله، والله قال لي إنسان رأى بأم عينه: دخل إلى بيت إنسان وقال له: هذه زوجتي، وهذه أختي، وهذه أخت زوجتي، وأعطى الأسعار، أسعار دقيقة، هذا خنزير، هذا الذي لا يغار على عرضه أو يرضى الفاحشة في أهله هذا خنزير.
عبدة الطاغوت هم الذين ما عبدوا ربهم، أي أنهم خافوا من دون مبرِّر، عصوا ربَّهم وأرضوا مخلوقاً، من أرضى الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس، فالناس مُسِخوا إما قردة عورتهم ظاهرة وهمُّهم بطنهم وفرجهم، وإما خنازير لا يغارون على أعراضهم
الله عزَّ وجل يعطينا درساً بليغاً في تعنت بني إسرائيل:
الأكمل بالمؤمن والأولى أن يأتمر بما أمره الله به، وأن ينتهي عما نهاه عنه، والذي سكت عنه هو مباح، لا تُضَيِّق عليك الخناق، لا تضيق عليك الوثاق، استفد من بحبوحة الله، فالله عزَّ وجل يعطينا درساً بليغاً، درساً بليغاً في التعُنُّت، تعنت بني إسرائيل، درساً بليغاً في انغماسهم بالجزئيات والتفاصيل التي سكت عنها الشرع، قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67)سورة البقرة ﴾
بقرة نكرة، أية بقرة، أيَّة بقرةٍ صالحةٍ لتنفيذ هذا الأمر:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
لكن لماذا ؟ أنت حينما تتلقى أمر من مساوٍ لك تسأله لماذا ؟
قال لك زميلك في الدائرة: افعل كذا، تقول له: لماذا ؟
دائماً وأبداً حينما تتلقى أمراً من مساوٍ لك، من ندٍ لك تسأله عن الحِكمة، وعن العِلَّة، وما السبب، ولماذا ؟
أما حينما تتلقى أمراً ممن فوقك ممنوعٌ أن تسأله لماذا ؟
أنت مريض لا تعلم في الطب شيئاً، دخلت إلى طبيب وأعطاك أمراً، يجب أن تأتمر بهذا الأمر، أنت جندي في معركة حاسمة والقائد العام أصدر أمراً عليك أن تأتمر، فكيف إذا كنت عبداً لله عزَّ وجل وخالق السماوات أعطى أمراً، قال علماء العقيدة: علَّةُ أي أمرٍ في الكتاب والسنة أنه أمر.
ذهب رجل من أهل العلم إلى أمريكا، والتقى بعالمٍ أسلم حديثاً، ودار الحديث حول لحم الخنزير، أفاض هذا العالم المَشْرِقِي في الحديث عن علة التحريم، وعن أضرار لحم الخنزير، وعن الدودة الشريطية، وعن الآثار النفسية التي يتركها هذا اللحم في نفس الآكل، ومضى يتحدَّث لساعاتٍ طويلة عن حكمة تحريم لحم الخنزير، فما كان من هذا العالم الغَرْبِي المُسْلِم حديثاً إلا أن قال: كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه.
الأمر يُقَيَّم بالآمر:
ذات مرة في برنامج سألوا دكتورة في جامعة من جامعات البلاد العربية عن رأيها في التعَدُّد، فقالت:
كيف يكون لي رأي في التعدد وقد أباحه الله عزَّ وجل ؟!!
الأمر الإلهي هو من خالق السماوات والأرض، الأمر يُقَيَّم بالآمر، من هو الآمر ؟
هو الله، الحكمة المُطلقة، والعلم المطلق، والخبرة المطلقة، والرحمة المطلقة، والعدل المطلق،
فحينما يقول الله:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾( سورة التحريم: الآية " 8 " )
المؤمن الصادق لمجرَّد أن يتلقى أمراً من الله عزَّ وجل ينصاع إلى تنفيذه من دون أن يسأل عن الحكمة والعِلَّة، إذا سأل بعد التنفيذ ليعلِّم الناس فلا مانع، إذا سأل عن الحكمة والعلة ليكون داعيةً ليقنع الناس لا يوجد مانع، أما أن يعلِّق تنفيذ الأمر على معرفة الحكمة، الكلمة الخطيرة الآن إنه عندئذٍ لا يعبد الله يعبد نفسه.
إنسان يصوم لكي ينزل وزنه، يصوم ليصون أجهزته، هذا لم يصم عند الله، ولا يمكن أن يقبل صومه عند الله، هو يصوم في صحَّتِهِ، وأناسٌ كثيرون ملحدون يصومون لصحتهم، العبادة انصياع لله عزَّ وجل، أما أنا حينما أُصلي من أجل تليين عضلاتي، أصلي من أجل تليين مفاصلي، أنا أصلي من أجل أن أحافظ على رشاقتي هذه ليست صلاة، اذهب إلى نادٍ رياضي وليِّن عضلاتك، لا تدخل أمراً بأمر، اجعل الدين خالصاً لله عزَّ وجل، الصلاة صلاة، الحج حج، الصيام صيام.
الذي ينفذ أمر الله طاعة له وامتثالاً لأمره يصل لأعلى درجة وهي العبودية لله:
يكافئك الله عزَّ وجل بعد أن أقبلت على أمره ونفَّذته بحذافيره، طاعةً له وانصياعاً وتقرُّباً، يكشف لك عن حكمة هذا الأمر، فتجمع بين العِلم والعبادة معاً، يعطيك مرتبة العُبَّاد الصادقين، ويعطيك مرتبة العُلماء المتفهمين، لذلك المقولة الأولى: عِلَّةُ أية أمرٍ أنه أمرٌ من الله عزَّ وجل، هذا الكلام سُقْتُهُ من أجل فكرةً واحدة، وهي أن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
أين التعليل ؟
لا يوجد تعليل، وليس هناك تعليل، ولا ينبغي أن تبحث عن التعليل، لأنه من عند الله، استعمل عقله حتى وصل إلى طبيب من أعلى مستوى علماً وفهماً وإخلاصاً وتديناً وصلاحاً وقدرةً وسمعةً وخبرةً، هداك عقلك إلى هذا الطبيب، دخلت العيادة لا يمكن أن تسأله، انتهى دور العقل، جاء دور النَقل، جاء دور التَلَقِّي
قصة البقرة
قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
السبب الذي جاء في آخر القصة هو أن رجلاً ثرياً من بني إسرائيل قتله ابن أخيه وحمل الجثة وألقاها في قريةٍ ثانية ليوهم أن أهل هذه القرية هم الذي قتلوا هذا الثري، والقصة طويلة جداً، نشبت اتهامات باطلة، ونشبت اختلافات، وحدثت صراعات، وكادت أن تقع فتنةٌ كبيرةٌ جداً، لأن هذه التهمة كُلَّما وجِّهت إلى جهةٍ تُرَدُّ إلى الجهة الثانية، فقالوا: أنقتتل وفينا نبي ؟ فلما سألوا سيدنا موسى عن هذا الأمر، جاء الأمر الإلهي:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
اذبحوها، وما أضل الله قوماً بعد إذ هداهم إلا أتاهم الجَدَل، قال: بقرة، تُجْزِئُكُم أية بقرة، أي بقرة على الإطلاق، مهما يكن سنها، أو لونها، أو عمرها، أو خصائصها، أو وزنها، أو حجمها، أو وظيفتها، بقرة:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً (67) ﴾
أيعقل من نبيٍ يأتيه الوحي من الله، من نبيٍ معه معجزات، من نبيٍ يُعَدُّ رسولاً لله عزَّ وجل، أيعقل أن يستهزئ ؟ أيعقل أن يلهو ؟ كلام الأنبياء بالمثاقيل، ما من كلمةٍ قالها النبي عليه الصلاة والسلام إلا لحكمة بالغةٍ بَالغةٍ بالغة، الله عزَّ وجل قال:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾
قال تعالى:
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ (68) ﴾
ليست مسنة:
﴿ وَلَا بِكْرٌ (68) ﴾
ولا صغيرةً:
﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ (68) ﴾
أي عمرها معتدل:
﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) ﴾
أي اذبحوها وانتهوا:
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا (69) ﴾
نريد اللون:
﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) ﴾
وقال:
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (70) ﴾
نريد أن تعيِّنها لنا بالذات:
﴿ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ (71) ﴾
أي لا تحرث، الذلول هي البقرة التي عوِّدت على الحراثة:
﴿ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ (71) ﴾
أي ليست للحراثة:
﴿ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ (71) ﴾
ليست لإخراج المياه:
﴿ مُسَلَّمَةٌ (71) ﴾
خالية من كل عيب:
﴿ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) ﴾
أي فعلوا هذا متباطئين، متكاسلين.
هذه البقرة لرجل صالح جداً من بني إسرائيل، ترك هذه البقرة واستودعها عند الله أمانةً لابنه، وتركها طليقةً في البراري، فلما كبر ابنه جاءته طواعيةً، فلما انطبقت صفات هذا الأمر الإلهي عليها قيل: أنه طلب ملء جلدها ذهباً
﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (72) ﴾
كل واحد اتهم الآخر أنه قتل، وكادت تقع فتنة كبيرة:
﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا (73) ﴾
خذوا قطعة من هذه البقرة المذبوحة، واضربوا بها الميت، يقف ويقول: قتلني فلان، هذه دليل على يوم البعث، وأن الله عزَّ وجل يبعث من في القبور، جعلها الله آية من آياته، إنهم حينما أنكروا البعث، وأنكروا يوم القيامة، أراهم الله آيةً ناطقة:
﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ﴾
أراد الله عزَّ وجل أن تكون آيةً صارخةً، جامعةً، مانعةً على يوم البعث ويوم القيامة.
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) ﴾
لأن الله عزَّ وجل يعلم أن هؤلاء اليهود سيكون لهم مواقف مع المسلمين متعبة ومزعجة في مستقبل الأيام، الله سبحانه وتعالى يعزِّي ويسلِّي ويسري عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول له: يا محمد لا تطمع بإيمانهم، لأنهم أنزل عليهم التوراة، وقرؤوه، وعقلوه، وحرَّفوه وهم يعلمون ما يترتب على من يحرف كلام الله، فهؤلاء شاردون، هؤلاء بعيدون، لأن الإنسان إذا دعا إلى الله وقابله المدعو بالتكذيب والسخرية والإعراض يتألَّمُ أشد الألم، فلئلا يتسرَّب إلى نفس النبي عليه الصلاة والسلام شيءٌ من الضيق أو من الإحباط الله عزَّ وجل يخفف عن نبيِّه، ويسري عنه، ويجعله يطمئن إلى أن المدعو إذا لم يؤمن، وإذا لم يستجب، وإذا لم يلتزم فهذا لا يعبِّر عن عدم صدق الداعية، لأن الله عزَّ وجل ما كلَّفه أن يحملهم على الإيمان.
الله تعالى ما كلَّف نبيه الكريم أن يحمل الناس على الإيمان بل أن يبلغهم فقط:
قال تعالى:
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (272) ﴾
(سورة البقرة: من آية " 272 " )
لست عليهم بحفيظ:
﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) ﴾
( سورة هود)
لست عليهم بوكيل:
﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) ﴾
(سورة الأنعام)
وقال:
﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) ﴾
(سورة الغاشية)
وقال:
﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (56) ﴾
(سورة القصص: من آية " 56 " )
النبي عليه الصلاة والسلام عليه البلاغ أما هذا الإنسان يستجيب أو لا يستجيب،
لا يستجيب لجهله، أو لا يستجيب لخبثه، أو لاحتياله هذا شيءٌ آخر.
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 03:02 PM
https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_07/image.png.934224733e192c92f04c55b9d6ba4dcb.png
رأس الدين الورع
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) سورة البقرة
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ (75) ﴾
إلى أن تصل إلى درجة أن لكل معصيةٍ فتوى ؛ الغناء، والرقص، والتمثيل، كل معصية لها فتوى،
ما هذا الدين المرن ؟
صار كالغاز، الدين غاز، في أي مكان يدخل، ينبغي أن تقول: أنا مسلم فقط، افعل ما تشاء، لك أن تكسب المال الحرام، ولك أن تضع المال في المصارف الربوية، ولك أن تلتقي مع من تشاء، فإذا وصل الدين إلى هذا المستوى انتهى الدين، الدين منهج، الدين صُلب لا يسيخ ولا يتبخَّر، فلذلك النقطة الدقيقة أنه حينما يريد أناسٌ من أعداء الدين أن يضعضعوا قيمة الدين، والذين معهم كتاب قطعي الثبوت ماذا يفعلون ؟
يبدلون في التأويلات، أي أنهم يأتون بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، فحينما يواجهون نصاً قطعي الثبوت، قرآناً قطعي الثبوت، ماذا يفعلون ؟ يلوون أعناق النصوص، يحرِّفون، يبدِّلون، يزورون.
الحقيقة هناك من يُفتي بجهل، هذا إنسان جاهل، ولكن الذي يفتي بخلاف ما يعلم هذا إنسان يرتكب في الدين جريمةً كبيرة، يفتي بخلاف ما يعلم، يعلم الحكم الشرعي ولكنه يغير ويبدل ويلوي أعناق النصوص كي يصل إلى فتوى ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك الفتوى جِسْرٌ إلى النار، والإنسان إذا كان جباناً في الفتوى فهو بسبب ورعه وخوفه من الله عزَّ وجل. ما الفرق بين الورع والتشدد بالدين ؟.
الورع يكون ضمن الضوابط الشرعية والنصوص، والتشدد مجاوزة لذلك
رأس الدين الورع, فإن لم تكن ورعاً قطع رأس الدين.
فلو شبهنا الدين بإنسان وقطعت رأسه ماذا بقي منه؟
هناك من يفتي بجهل وهو محاسب عند الله أشد الحساب ، لكن هناك إنسان يفتي بخلاف ما يعلم ، يعلم الفتوى لكن إرضاءً للقوي أفتى بها ، فإذا أرضيت قوياً ، أو غنياً بفتوى هذا الذي قلت يأخذ عليها أجراً كبيراً .
تجد في كل بلد أحياناً إنسان يغطي أشياء لم تكن عند الله مرضية ، يغطيها بفتوى ، هذه مشكلة كبيرة جداً .
مرة سُئلت في الإذاعة على الهواء مباشرة عن رأيي بفتوى عن أن يجوز إيداع الأموال ببنوك ربوية ، فكان جوابي ، لا تجد عالماً في العالم الإسلامي بأجمعه من القطاع الخاص يفتي بالربا .
﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ (78) سورة البقرة﴾
﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾
أي أنهم غير متعلمين، يخلطون الحق بالباطل، والخير بالشر، والسُنَّة بالبدعة، ويتَّبعون الأهواء يقول لك: سحروني، يصحب السحرة، يصحب الدجَّالين، يصحب المخرِّفين، يدخل في ضلالات، في تُرّهات، هذا شأن الجاهل يعزو الأمور إلى غير الله عزَّ وجل، يقيم للناس مقاماً كبيراً وهم ليسوا كذلك لأنه جاهل.
الأميَّة في حقِّ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كمال لأن الله هو الذي تولَّى تعليمه:
قال:
﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48)﴾
(سورة العنكبوت)
إذاً الأمية كمال عند النبيُّ وحده، لأن الله هو الذي تولَّى تعليمه، هو الذي أوحى إليه، هو الذي ألقى عليه القرآن الكريم عن طريق جِبْريل، لأن الله عزَّ وجل أراد من هذا النبي أن يكون مشرِّعاً، وأن يكون قلبه مهبطاً لتجليَّات الله، وأن يكون قلبه وعاءً لعلم الله الذي جاءه عن طريق القرآن الكريم، فاقتضت حكمة الله جلَّ جلاله أن يكون نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم أُمِّياً، الأميَّة في حقِّه كمال، لأن الله هو الذي تولَّى تعليمه، هو الذي علَّمه، لئلا يختلط وحي السماء بثقافات الأرض، لئلا يُسأل كل مرَّةٍ: يا رسول الله أهذا من عندك أم من عند الله ؟ أهذا من ثقافتك ؟ أهذا من دراستك ؟ أهذا من تحصيلك ؟ أهذا من اطلاعك على ثقافات الأرض أم من وحي السماء ؟ لئلا يكون هذا جعل الله نبيَّه أميَّاً.
أما نحن فليس هناك وحيٌ يعلِّمنا، فإذا كنَّا أميين أي جاهلين فالأميَّة فينا نقصٌ، والأميَّة في حقِّ النبي كمال، فلنستثنِ النبي عليه الصلاة والسلام لأن أميَّته تعني أن كل الذي ينطق به إن هو إلا وحيٌ يوحى:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾
( سورة النجم )
فضل العالِم على العابد:
حينما يطلب الإنسان العلم تُلَبِّى الحاجة العُليا فيه، الإنسان له حاجات دُنيا ؛ يأكل ويتزوج ويثبت ذاته، هذه حاجاته الدنيا ؛ لكنَّ حاجته العُليا أن يطلب العلم ولا تؤكِّد أنك إنسان إلا بطلبك العلم.
(( فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ))
[الترمذي عن ابن عبَّاس ]
العابد مقاومته هشَّة، امرأةٌ تفتنه، دِرْهَمٌ يفتنه، تهديدٌ يفتنه، أما العالِم فهو لا يتأثَّر لا بسبائك الذهب اللامعة، ولا بسياط الجلاَّدين اللاذعة: " أحدٌ أحد "، فالعلم أساس.
لا نستحق أن نكون من بني البشر إلا إذا طلبنا العلم:
قال تعالى:
﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ (78) ﴾
أي يقول لك: نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، لا يسعنا إلا عفوه وكرمه، وكلما شاهد معاصيَ كبيرة يقول لك: كله ترتيب سيدك، كأن الله يأمر بهذه المعاصي، كلام ليس له معنى، وإذا رأى إنساناً وسع الله عليه يقول لك: الله يعطي الحلاوة لمن لا أسنان له، معنى هذا أن الله ليس بحكيم، كل كلامه فيه تجاوز، أحياناً كلامه فيه كفر وهو لا يشعر، فمشكلة الجاهل مشكلة كبيرة جداً.
والله لا نستحق أن نكون من بني البشر إلا إذا طلبنا العلم، و طالب العلم إنسان كبير جداً عند الله، أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله تطلب العلم، تسلك طريقاً ينتهي بك إلى الجنَّة:
(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
[الدارمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]
العلم خيرٌ من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.
هناك قيم مرجِّحة بين الناس ولكن الله في القرآن الكريم جعل قيمة العِلم وحدها المرجِّحة:
هناك قيم مرجِّحة بين الناس، المال له قيمة كبيرة جداً عند الناس، والغني محترم، والقوي محترم، والوسيم محترم، والفصيح محترم، من له قدرة على إقناع الناس محترم، هذه كلها قيم مرجَّحة بين الناس، ولكن الله في القرآن الكريم جعل قيمة العِلم وحدها المرجِّحة، قال :
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر )
أين الثرى من الثُرَيَّا ؟ وجعل قيمة العمل قيمةً مرجِّحة، قال:
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
(سورة الأنعام: الآية " 132 " )
وقال:
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة )
هؤلاء الأنبياء العِظام الذين هم قِمَمُ البشريَّة، بِمَ نالوا هذا المقام ؟ بالعلم:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14) ﴾
( سورة القصص )
قد يعطي الله عزَّ وجل المُلك لمن لا يحب ويعطيه لمن يحب، أعطاه لسليمان الحكيم وأعطاه لفرعون، ولكن العلم والحكمة لا يعطيهما إلا لمن يحب:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14) ﴾
( سورة القصص )
يعطي المال لمن يحب أعطاه لسيدنا عثمان بن عفَّان، ولسيدنا عبد الرحمن بن عوف، ويعطي المال لمن لا يحب أعطاه لقارون، ولكن العلم والحكمة لا يعطيهما إلا لمن يحب.
للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى قصَّةٌ مثيرة، هي أن الذي جعله يطلب العلم أنه قرأ نصَّاً في الأحاديث، أنه:
(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))
[الجامع الصغير عن زياد بن الحرث الصدائي ]
أي يسَّر الله له سُبُلَ الدنيا، إنسان يطلب العلم، يطلب أن يعرف الله، يطلب أن يسعد في الدنيا والآخرة، ييسِّر الله جلَّ جلاله له سبل العلم في الدنيا وسبل السلامة والسعادة، أما الآية الكريمة :﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾
أي أن بعضهم الآخر ليسوا أميُّين، بعضهم الآخر يعلمون الحقيقة ويعرفون النبيَّ كما يعرفون أبناءهم، الآن دخلنا في موضوع ثانٍ، أنت حينما تعلم قد يكون هذا العلم حُجَّةً عليك، العلم حُجَةٌ لك أو عليك، حينما تعلم ولا تعمل أصبح العلم حجَّةً عليك، وحينما تعلم وتعمل أصبح العلم حجَّةً لك
الابتعاد عن المتاجرة بالدين
﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) سورة البقرة ﴾
أحياناً تقوم مصلحة الإنسان على أن يبتدع في الدين ابتداعاً ما أنزل الله به من سلطان، يبتدع في الدين ليُحصّل المكاسب الدنيويَّة، هؤلاء الذين يبتدعون مذاهب ليس لها أصل في الدين، يبتدعون فتاوى ليس لها أصل في الدين، يُحِلُّون بعض ما حرَّمه الله عزَّ وجل، مثلاً هذه ليست فوائد إنها عوائد، فتوى تصدرها جهة معتمدة في الفتوى تبيِّن أن أكل مال الربا حلال، هؤلاء الذين يعلمون الحقيقة ويفتون بخلاف ما يعلمون، طبعاً موجودون عند اليهود، وموجودون عند كل دينٍ:
﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً (79) ﴾
أي نحاول أن نُسَهِّل للناس أمور حياتهم لمكاسب دنيوية فنصدر فتوى، هذه مسموح بها، وهذه مسموح بها، وهذه مسموح بها، لم يبق شيء من الدين. هذا الكيان المتماسك، هذه القلعة الصامدة أصبحت رملاً، تلاً من الرمل، فانتهى الدين، فأخطر شيء هذا الذي يفتي بغير علم، أو الذي يفتي بخلاف ما يعلم من أجل الدنيا، من أجل مكاسب دنيويَّة، هذا الإنسان الذي يبيعُ دينه بدُنياه، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، بعرضٍ لا يقدِّم ولا يؤخَّر.
العلماء الصادقون أمناءٌ على الفتوى ولا يفتون إلا بما يُرضي الله ورسوله:
كلمة ينبغي أن نعلمها جميعاً وهي: أن الإنسان لا يليق به أن يكون لغير الله، لا يليق به ولا يُفْلِحُ إذا كان لغير الله، أي أن وقتك، وعلمك، ولسانك، وعضلاتك، وإمكاناتك، وحبَّك، وولاءك لله وحده، أما لغير الله ؟! هذا الذي تعبده من دون الله لا يملك لك نفعاً ولا ضراً ؛ بل لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضَرَّاً، لا يملك، أخطر شيء في الحياة الدينيَّة الشرك، طبعاً:
((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْساً وَلا قَمَراً وَلا وَثَناً وَلَكِنْ أَعْمَالاً لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ))
[ابن ماجة عن شِداد بن أوس رضي الله عنه ]
قال تعالى:
﴿ فَوَيْلٌ (79) ﴾
الله عزَّ وجل يتوعَّد، من هو المؤمن ؟ هو الأمين على فتوى النبي عليه الصلاة والسلام.
الإمام أبو حنيفة أفتى فتوى فدخل السجن من أجلها ومات في السجن كما يروى، العلماء الصادقون هؤلاء أمناءٌ على الفتوى، لا يفتون إلا بما يُرضي الله عزَّ وجل ورسوله، فالآية تشير إلى إنسان استخدم الدين مَطِيَّةً للدنيا، جعل الدين في الوَحْل، جعله مطيَّةً لدنياه. فأنت اطلب الدنيا من مظانها، تريد الدنيا ابحث عن مظانها ؛ في التجارة وفي الكسب المشروع وفي أي شيء آخر، أما أن تبحث عن الدنيا من خلال الدين فهذا والله عملٌ شنيع:
﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً (79) ﴾
الشيء المُلاحظ هو أنه كلَّما اشتدَّ ضغط الناس على بعض العلماء، هؤلاء العلماء بدل أن يرفعوا الناس إلى مستوى الشرع يهبطون بالدين إلى مستوى الناس
صار الغناء، والموسيقى، والتمثيل، كل هذا مسموح، والاختلاط، وأكل المال الحرام، والربا، والفوائد، لم يبق شيء
﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً (79) ﴾
كل إنسانٍ يلعب بدين الله يتوَعَّده الله عزَّ وجل بالهلاك، فإيَّاك أن تقترب من دين الله، دعه في السماء، دعه في عليائه، دعه في صفائه، دعه في نقائه، لا تستخدمه وسيلةً لمكاسب دنيويَّة، لا تشترِ به ثمناً قليلاً، لا تتاجر بالدين، لا تتخذ الدين مَطِيَّةً للدنيا، هذا فساد كبير جداً عند الله عزَّ وجل،
لماذا تكتفي في أمر الدين بفتوى واحدة؟
أنت حينما تخرج من بيتك تريد أن تبيع بيتك لو رأيت أمامك دلالاً وقال لك: ثمنه ثلاثة ملايين، هل تبيعه على الفور ؟ تسأل دلالاً ثانياً وثالثاً ورابعاً وخامساً، أما إذا كانت فتوى وراقت لك لا تسأل أحداً آخر، يوجد معي فتوى قرأتها في مجلَّة !! لماذا في أمور الدين تكتفي بفتوى واحدة، بعالِم واحد، بمقالة في مجلة وانتهى الأمر ؟ معك فتوى ومرتاح ولكنك لا تنجو من عذاب الله، أنت في أمر دنياك تعذِّب الخبراء، تسأل فلاناً وفلاناً، لماذا في أمر دينك لا تسأل ؟ لماذا تكتفي بفتوى واحدة ؟ إن كنت حريصاً على دينك ينبغي أن تسأل عِدَّة مصادر.
ثم إن الإنسان حينما يسأل ويأتيه الجواب إذا كان جاهلاً، إذا كان أمياً قال: مقبول منه، لأن الأمي مذهبه مذهب من يسأله، تروى كلمة عن الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى ـ وقد كان من أكبر علماء الشام، طبعاً من باب التواضع ـ سألوه: يا سيدي ما مذهبك ؟ قال: " العوام ليس لهم مذهب "، العامَّي مذهبه مذهب شيخه، أما طالب العلم فعليه أن يقرأ الأدلَّة، هذا دليل، وهذا دليل، حينما تطلب العلم لا تُعفى من البحث عن الدليل، وحينما تأتي بالدليل والتعليل تكون طالب علمٍ شرعي، فلماذا تسأل في أمور الدنيا، وتعدِّد، وتبحث، وتناقش كي تصل إلى الحقيقة ؟ ولماذا تكتفي في أمر الدين بفتوى واحدة ؟
لذلك هذه الآية مخيفة بمعنى أن الذي يَتَّجِرُ بالدين، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، أو الذي يُقَرِّب الدين من الأقوياء والأغنياء، يقربهم منه عن طريق فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، هذا ماذا يفعل ؟ يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، الباخرة أحياناً تبتلع من ماء البحر قليلاً فيبلعها كلَّها، إن اتَّجَرْتَ بالدين أهلكت نفسك كلَّها، إن ابتلعت شيئاً من ماء البحر أخذك البحر كلَّك، الآية دقيقة :
﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)سورة البقرة ﴾
الافتراء، لَيّ عُنُق النصوص، المعاصي الشائعة، تجعلها من الدين ؟!
تجعل الدين يغطي كل الانحرافات، هناك كتب أُلِفَت فيها افتراءٌ على الله عزَّ وجل، تجعل السلوك الإباحي مُغَطَّىً بالقرآن، قال: هذه قراءة معاصرة ، يكتبون الكتاب بأيديهم:
﴿ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) ﴾
https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_07/image.png.b10dd695040301e93e14ba00eed4f2fe.png
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 08:18 PM
إن لم نأمر بالمعروف وننهَ عن المُنكر ونؤمن بالله الإيمان المُنَجِّي نصبح أمَّة كبقيَّة الأمم:
الآن بعض المسلمين يرتكب الكبائر ويقول لك: أمِّة محمَّد مرحومة، من قال لك ذلك ؟
الله عزَّ وجل حينما قال:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾
علَّة هذه الخيريَّة:
﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
(سورة آل عمران: آية " 110 " )
فإن لم نأمر بالمعروف، ولم ننهَ عن المُنكر، ولم نؤمن بالله الإيمان المُنَجِّي، أين خيريَّتنا ؟ انتهت خيريَّتنا، نحن أمَّةٌ كبقيَّة الأمم:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (18) ﴾
( سورة المائدة)
دقِّقوا:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾
( سورة المائدة)
إذا كنَّا جنوداً لله فلن نُغلَب أما إذا غُلِبْنَا فيجب أن نراجع أنفسنا وندقِّق في جنديَّتنا لله:
عندما يقول المسلمون: نحن مسلمون، نحن أتباع النبي، نحن أتباع سيِّد الخَلق، الجواب: قل فلمَ يعذِّبنا الله بذنوبنا ؟
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
( سورة مريم )
لذلك قال العلماء: أمَّة محمَّد أمَّتان ؛ أمَّة التبليغ، وأمَّة التشريف، حينما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله الإيمان المُنَجِّي أصبحت أمَّة التشريف، الأمَّة الخَيِّرَة
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾
حينما تفعلون كذا وكذا، أما إن لم نفعل فنحن كبقيَّة الأمم، لا شأن لنا عند الله عزَّ وجل، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( لن تُغْلَب أمَّتي من اثني عشرَ ألفاً من قلة ))
[ الجامع الصغير ]
لن يُغْلبوا في الأرض، وقال تعالى:
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
( سورة الصافات )
إن زوال الكون أهون على الله من أن نُغْلَب إذا كنَّا جنوداً لله، أما إذا غُلِبْنَا فيجب أن نراجع أنفسنا وندقِّق في جنديَّتنا لله.
أدلة من القرآن الكريم عن نصر الله تعالى لجنوده:
قال تعالى :
﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
(سورة غافر: آية " 51 " )
في الدنيا:
﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾
(سورة النساء)
مستحيل:
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) ﴾
( سورة محمد )
وقال:
﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(126) ﴾
(سورة آل عمران )
الأمر بيدِ الله، فلمَّا انحرفوا اختلَّ توازنهم، يحاولون الآن أن يستعيدوا هذا التوازن بعقيدة زائغة، كما هي الحال عند المسلمين، عندما انحرفوا قالوا لك: نحن أمة محمد مرحومة، نحن لنا الشفاعة عند رسول الله، هو مرتاح، تصوَّر طالباً كسولاً لم يدرس أبداً، طبعاً عندما لم يدرس أصبحت عنده مشكلة، فجاء طالب آخر وقال له: هذا الأستاذ يعطي أسئلة قبل الامتحان بأسبوع، فارتاح ارتياحاً تاماً وقضى العام الدراسي كله في اللعب، ذهب للأستاذ وطلب الأسئلة، فعاقبه الأستاذ و قال له: لا يوجد أسئلة، اذهب وادرس.
إنسان له دعوى عند قاضٍ والحكم خطير جداً، قال له شخص: القاضي يقبل الرشوة، فهكذا ظن وتوهَّم وهماً فارتاح، فلمَّا جاء ليدفع للقاضي زجره وطرده وحكم عليه، فهذه مفاجأة كبيرة.
أدلة أخرى من القرآن الكريم عن رحمة الله تعالى ومغفرته لمن تاب واستغفر:
دقِّق في قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5) ﴾
(سورة فاطر)
يقول لك الشيطان: الله غفور رحيم، اسمع هذه الآية :
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ(50) ﴾
(سورة الحجر)
وقال:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الزمر: الآية " 53 " )
يقول :
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ(54) ﴾
(سورة الزمر)
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80) ﴾
لولا أن الله فطرك فطرةً عالية ما كنت تشعر بشيء حينما تعصيه، قد تقول لي: هناك من يعصيه ليلاً نهاراً، هذه حالة مرضيَّة نادرة، حينما تُطْمَسُ فطرة الإنسان، أما في الأصل الفطرة السليمة تحاسب ذاتها حساباً دقيقاً.
هذا التقديم لفكرةٍ خطيرة هي: أن الإنسان حينما يعصي الله يختلُّ توازنه، يشعر بانهيار داخلي، يشعر أنه مكشوف، أنه خرج عن فطرته عن وعي أو عن غير وعي، قد يكون عن غير وعي، يقول لك: متضايق، لماذا أنت متضايق ؟ منقبض الدنيا لا تسعني، معي كآبة، حينما تخرج عن منهج الله لأن فطرتك متوافقةٌ مع منهج الله تشعر باضطراب، تقريباً إلى حدٍ كبير هذه السيارة مصمَّمة أن تمشي على الزفت، فإذا سرت بها في الطريق الوعر آلمتك الأصوات، وآلمتك العقبات، وقد تقف، وقد ينكسر شيء فيها، لأنها لم تُصمَّم لهذا الطريق.الإنسان حينما يعصي الله، حينما يرتكب إثماً، حينما يعتدي، حينما يخرج عن منهج الله لأن فطرته متوافقة مع منهج الله يختل توازنه.
معنى ذلك أن عند الإنسان فطرة عالية، وربنا عزَّ وجل أقسم بهذه النفس فقال:
﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2) ﴾( سورة القيامة)
لاستعادة التوازن هناك ثلاث وسائل:
الإنسان حينما يعصي الله، حينما يرتكب إثماً، حينما يعتدي، حينما يخرج عن منهج الله لأن فطرته متوافقة مع منهج الله يختل توازنه.
الآن كيف نستعيد هذا التوازن ؟
هناك ثلاث وسائل كي تستعيد هذا التوازن؛ وسيلتان غير مشروعتين ووسيلة صحيحة.
1ـ الوسيلة الصحيحة كي تستعيد التوازن أن تصطلح مع الله:
الوسيلة الصحيحة كي تستعيد هذا التوازن أن تصطلح مع الله، وأن تتوب إليه، وأن تأتيه تائباً مطيعاً، مباشرةً تشعر براحة، لذلك التائب يشعر براحة لو وزِّعَت على أهل بلدٍ لكفتهم، حينما يشعر الإنسان أن الله يحبٌّه، أن الله راضٍ عنه، أنه وفق منهج الله، أنه مطيعٌ لله، أنه عبدٌ لله، هذا الطريق السليم الصحيح كي تستعيد توازنك مع نفسك.
2ـ الطريق الآخر أن تتعلَّق بعقيدةٍ فاسدة تُغَطِّي انحرافك:
الطريق الآخر تتعلَّق بعقيدةٍ فاسدة تُغَطِّي انحرافك، فاليهود ـ بنو إسرائيل ـ حينما كذَّبوا أنبياءهم، وحرصوا على دنياهم، وأكلوا أموالهم بالباطل، ونقضوا عهد الله الذي عاهدوه عليه، اختلَّ توازنهم، فبحثوا عن عقيدةٍ فاسدةٍ تُغَطِّي انحرافهم وقالوا:
﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً (80) ﴾
نحن شعب الله المختار:
﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً (80) ﴾
الله عزَّ وجل ردَّ عليهم :
﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) ﴾
إذا سُرِقْ قلم في صف وصاحب القلم اشتكى إلى الأستاذ، والأستاذ أغلق الباب، وفتَّش الطلاَّب طالباً طَالباً، ثمَّ أخرج هذا القلم من جيب أحد الطلاب، قبل أن يعاقبه، قبل أن يضربه، قبل أن يطرده، قبل أن يوَبِّخه لماذا يمتقع لونه ؟ يقول لك الإنسان أحياناً: تمنيت أن تُشَقَّ الأرض وتبتلعني، ذبت من الخجل، لماذا ؟ لأن هذه الفطرة، فيه بقية فطرة، بقية حياء، فالإنسان هكذا فُطِر، فعندما يعصي الله، يرتكب إثماً، معصية، شهوة، أو حينما يعتدي على الآخرين يختل توازنه الداخلي، يجب أن يستعيده بالصلح مع الله، بالتوبة إليه، بطاعته، هناك من يستعيده بأن يتعلَّق بعقيدةٍ زائغة.
3ـ الأسلوب الثالث في أن تستعيد التوازن أن تطعن بالمؤمنين:
الأسلوب الثالث في أن تستعيد التوازن أن تطعن بالمؤمنين، انتبه، المنحرف إما أن يطعن في المؤمنين، وإما أن يتعلَّق بعقيدة زائغة فاسدة كي يستعيد توازنه المنهار، وكل إنسان يعتدي أو يقع بالإثم يختل توازنه الداخلي، لأنه مفطور على الكمال.
أخطر شيء في الدين أهل الرأي
(...أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ (85)﴾
منهج الله عزَّ وجل كامل ينبغي أن نأخذه كلَّه لا أن نأخذ ما يعجبنا ونترك ما لا يعجبنا :
الآن انظر إلى المشكلة، يصلون، فالصلاة لا تكلفهم شيئاً لكنهم لا يغضون أبصارهم، يتاجرون لكنهم لا يتورَّعون عن أكل المال الحرام، يأخذون من الدين ما يعجبهم قضية احتفال، عيد مولد، أداء صلوات، صيام، أحياناً يعمل عمرة، فيركب الطائرة، وينزل في فندق فخم، يأكل ويشرب، ويطوف حول الكعبة عدة مرَّات وانتهت العمليَّة، ويحضر معه الهدايا، فالشيء الخفيف اللطيف يفعله المسلمين، أما أن تعطي حقوق الآخرين، أن تضبط شهواتك، فهذا وضع ثاني.
لذلك حينما نأخذ ما يعجبنا وندع ما لا يعجبنا، حينما نأخذ ما هو هينٌ علينا وندع ما ليس بهينٍ علينا، أخذنا بعض الكتاب وكفرنا ببعض، عملية انتقاء، هذه مهلكة، منهج الله عزَّ وجل كامل ينبغي أن نأخذه كلَّه، أما هناك أشياء لطيفة لا تقدِّم، يقول لك: الزواج سُنَّة يا أخي، طبعاً الزواج سنَّة، الزواج مريح، فالشيء الذي يتوافق مع رغبته يتمثَّل فيه، موضوع احتفال لو أننا مدحنا النبي عليه الصلاة والسلام، والله هو أعظم إنسان في الكون، لكن لو مدحناه ليلاً ونهاراً ونحن نخالف سُنَّته هل نستفيد شيئاً ؟ مستحيل.
، رأيهم مقدَّمٌ على عقيدتهم، يأخذون من الدين ما يوافق رأيهم، ويرفضون ما لا يوافق رأيهم، لهم دين خاص، يأخذ من النصوص ما يعجبه، ويرد ما لا يعجبه، أو يؤول ما لا يعجبه، يريد أن يوفِّق بين الدين وبين الدنيا، أن يجعل الدين مطيَّة لمصالحه، عملية الاختيار وأخذ ما يروق وترك ما لا يروق، أخذ السهل وترك الصعب، هذا انحراف خطير في الدين وقع فيه بنو إسرائيل فاستحقوا الهلاك.
المسلمون الآن دينهم أصبح فلكلورياً، مساجد، يرتدي الثوب الأبيض في الصيف، يتعطَّر، مسبحة في يده، يأتي إلى المسجد، لكن أين يسهر ؟ علاقاته كيف ؟ كسب ماله كيف ؟
فالدين عندما اختصرناه إلى صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، ونسينا أنه مئة ألف أمر ونهي، منهج كامل، تركناه منهجاً وأخذناه عبادةً جوفاء، آمنا ببعض الكتاب، وكفرنا ببعض:
﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾
هذا الدين منهج كامل، فهذه المركبة من أجل أن تمشي، أن تسير، تحتاج إلى محرِّك، وإلى عجلات، وإلى وقود، وإلى مُقْلِع، وإلى مقود، وإلى بوق، وإلى كهرباء، وإلى فرش، وإلى إضاءة، قد يتطلب عملها أربعين شرطاً، أما إذا الإنسان اشترى رفراف فقط، هذا الرفراف ليس سيارةً، هذا جزء من السيارة، اشترى مصباح فقط، مقعد فقط، عجلة، هذه أشياء لا تفيد، لا تُسَمَّى المركبة سيارة إلا إذا استوفت كل الشروط، فمن أجل أن تطير إلى الله لا بد من أن تستكمل منهج الله عزَّ وجل.
مضمون منهج الله عزَّ وجل
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) ﴾
لقد تضمّنت هذه الآية العديد من العبادات بالإضافة إلى العبادة الاعتقادية في مطلبها، عبادات شعائريَّة:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (83) ُ﴾
عبادات قوليَّة:
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (83) ﴾
عبادات تعامليَّة:
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ (83) ُ﴾
عبادة اعتقاديَّة:
﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ُ﴾
هذا مضمون منهج الله عزَّ وجل: عبادة اعتقاديَّة، وعبادة شعائريَّة، وعبادة تعامليَّة، وعبادة قوليَّة.
الفرق بين الأمر التكليفي والأمر التكويني :
قال تعالى:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ (83) ُ﴾
الذي حصل أن هناك تولِّي، هناك تقصير، هناك إعراض، أنت مخيَّر، كل الخَلق عدا الإنس والجن مسيَّرون، الشر لا وجود له إلا في عالَم الإنس والجن لأنه مخيَّر، الأمر التكليفي غير التكويني، هناك أمرٌ تكليفيٌّ وهناك أمرٌ تكويني، الأمر التكليفي طريق سالك ؛ لكن في أوله لوحةٌ كُتِبَ عليها ممنوع المرور، فأنت إما أن تسير وتخالف وتدفع الثمن الباهظ، وإما أن تأتمر فتسلم وتسعد، فالأمر تكليفي لك أن تطيع، ولك ألا تطيع، أما الأمر التكويني ليس لك خيار، الله عزَّ وجل له أمر تكليفي وله أمر تكويني، خلقك من فلان وفلانة هذا تكويني، خلقك بشكل معيَّن تكويني، خلقك بعصر معيَّن تكويني، بزمنٍ معيَّن، بمكان معيَّن، بقدراتٍ معيَّنة كلَّه تكويني، قال لك: صلِّ، هذا تكليفي، اصدق تكليفي، كن أميناً تكليفي، اعدل تكليفي، غضَّ البصر تكليفي، هناك أمر تكويني هو فعل الله، وهناك أمر تكليفي هو أمر الله، فهذا أمرٌ تكليفي:
﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ُ﴾
أيمكن أن تعبد غير الله ؟
ممكن لأن الأمر تكليفي:
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (83) ُ﴾
أيمكن أن يكون الإنسان ابناً عاقاً ؟ ممكن:
﴿ وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ (83) ُ﴾
أيمكن أن يبني مجده على نهب أموال هؤلاء..؟ ممكن:
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (83) ﴾
أيمكن أن تقول سوءاً للناس ؟ أمر تكليفي تفعل أو لا تفعل:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (83) ُ﴾
يمكن أن لا تصلي، أ أنت مخيَّر، فالتخيير يثمِّن العمل،
لولا الاختيار ما كانت هناك جنّة في الأساس.
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 08:20 PM
الفرق بين النبي والرسول:
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}.. [البقرة : 87].
﴿ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ (87) ﴾
النبوَّة شيء والرسالة شيءٌ آخر، الرسول معه كتابٌ من عند الله، معه رسالة، معه رسالةٌ جديدة تنسخ الرسالة السابقة، أما النبي يرسله الله عزَّ وجل كما يرسل الرسول ؛ ولكن النبي يُرْسَل ليشرح رسالةً سابقة، فسيدنا لوط، وسيدنا زكريَّا، وسيدنا يحيى:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78) ﴾
( سورة غافر: من آية " 78 " )
هؤلاء جاؤوا ليشرحوا لأقوامهم كتاب الله عزَّ وجل، ليشرحوا التوراة، فسيدنا موسى نبيُّهم الأول، أنزل الله عليه التوراة، والأنبياء الذين جاؤوا من بعده شرحوا لأقوامهم مضمون هذا الكتاب، فالرسول معه كتابٌ من السماء، أما النبي فقد أرسله الله للمؤمنين ليشرح لهم كتاباً سابقاً، كل رسولٍ نبي وليس كل نبيٍ رسول.
لكن الشيء الذي ينبغي أن نقف عنده وقفةً متأنيَّة هو: أن كمال الله عزَّ وجل يقتضي إرسال الرسل، حينما يخلق الله خلقه دون أن يعلمهم بسرِّ خلقهم، دون أن يعلمهم بمنهجه الذي يؤدي إلى سلامتهم وسعادتهم فهذا يتناقض مع كماله، فحينما تُعَطِّلُ مفهوم الرسالة فقد وصفت الله بما لا يليق به، وأوضح مثل ؛ أب جالس في بيته وابنه الصغير اقترب من المدفأة، هل يبقى ساكتاً ؟ هل يبقى جالساً ؟ أم ينطلق لينصحه ويبعده ؟ وقد يقوم من مكانه ليأخذه، فمن مستلزمات كمال الله عزَّ وجل ألا يترك عباده معطَّلين عن الأمر والنهي.
إرسال الأنبياء والرُسُل من لوازم كمال الله:
النقطة الدقيقة أن هذا الكون المادي الذي هو تحت سمعنا وبصرنا ينطق بعظمة الله، ينطق بوجوده، وينطق بوحدانيَّته، وينطق بكماله، هذا الكون ينطق بكمال الله، ومن مستلزمات كمال الله ألا يدع عباده معطَّلين عن الأمر والنهي والمعرفة، لا بد من أن يبلِّغهم، خلقهم في الدنيا ليعملوا عملاً صالحاً هو ثمن سعادتهم الأبديَّة في الآخرة، خلقهم في الدنيا ليتعرَّفوا إلى الله، ليتعرَّفوا إلى منهجه، ليتعرَّفوا إلى سرِّ وجودهم وغاية وجودهم، ما من قومٍ إلا وأرسل الله لهم نبياً لقوله تعالى:
﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(7) ﴾
( سورة الرعد )
إرسال الأنبياء والرُسُل من لوازم كمال الله، كما أن من بديهيَّات الأبوَّة أن ينصح الأب ابنه، وأن يأمره، وأن ينهاه، فإذا بقي ساكتاً والأخطار محدقة بالابن هذا ليس أباً، المثل مُبَسَّط وواضح، فالله عزَّ وجل ما كان ليخلق الخلق ثمَّ يدعهم هكذا في جهالةٍ جهلاء:
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
( سورة البقرة: من آية " 213 " )
فاختلفوا:
﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾
( سورة البقرة: من آية " 213 " )
على كلٍ فالله عزَّ وجل قال:
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12) ﴾
( سورة الليل )
حيثما جاءت (على) مقترنةً بلفظ الجلالة تعني أن الله جلَّ جلاله ألزم ذاته إلزاماً، فالله عزَّ وجل عليه أن يهدي خلقه.
الأمر كله بيد الله وحده
﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ (87) سورة البقرة ﴾
أنت عندما يأتيك كتاب هذا الكتاب لكل المسلمين، فيه أمر، فما هو موقفك من الأمر ؟ فيه نهي، فيه وعد، فيه وعيد، فيه تشريع، فيه حلال، فيه حرام، فيه مواعظ، فيه قصص الأقوام السابقة، فيه المستقبل البعيد، ما موقفك من هذا القرآن ؟ الموقف العامِّي يقول لك: تباركنا ويقبِّله، وهذا غير كافٍ بل إن هذا القرآن منهج، هل أحللت حلاله ؟ هل حرَّمت حرامه ؟ هل صدَّقت وعده ووعيده ؟ والله الذي لا إله إلا هو إن صدَّقت إنساناً قوياً من بني جلدتك يفعل ما يقول فإنك لا يمكن أن تخالفه أبداً، فهل تصدِّق أن الله عزَّ وجل بيده كل شيء ؟
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود: من آية " 123 " )
الله عزَّ وجل يمتحن المؤمنين، يمتحنهم امتحاناتٍ عديدة، قد يمتحنهم بأنه يقوي الكفَّار عليهم، هل ينسون ربَّهم؟
هل يؤلِّهون غيره ؟
آيات من الذكر الحكيم تطمئننا أن الأمر كله بيد الله وحده:
نحن في هذه الأيَّام في أشدِّ الحاجة إلى القرآن ليطمئننا أن الأمر بيد الله وحده:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود: من آية " 123 " )
ليطمئننا أن:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل﴾
( سورة الزمر )
ليطمئننا أن:
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾
( سورة الأعراف: من آية " 54 " )
ليطمئننا أنه:
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
ليطمئننا أنه:
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف: من آية " 84 " )
ليطمئننا أن:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح: من آية " 10 ")
ليطمئننا أن يدَ الله تعمل وحدها، وكل ما تقع العين عليه من قِوى الشر إنما هي عصيٌ بيد الله عزَّ وجل، يؤكِّد هذا المعنى قول الله عزَّ وجل:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾
( سورة هود)
آيات أخرى من الذكر الحكيم نحن في أمس الحاجة إليها لتطمئننا:
نحن في أمسِّ الحاجة إلى هذه الآيات:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42) ﴾
( سورة إبراهيم )
وقال:
﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ ﴾
( سورة آل عمران )
وقال:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾
( سورة الأنعام: من آية " 44 " )
هذه حقائق مريحة، قد ترى قِوى الشر متمكِّنة، قِوى الشر تفعل ما تريد، قِوى الشر تُنْزِل أشدَّ العقاب في إنسانٍ يبدو لك بريئاً، لئلا يختلَّ التوازن ينبغي أن تعرف الحقيقة: وهي أن الأمر بيد الله.
﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) ﴾
هناك مشكلة، المشكلة هي أن ثمن الجنَّة هو التناقض بين التكليف والطَبع، الإنسان يشتهي أن ينام، والتكليف يأمره أن يستيقظ، فإذا عاكس رغبته في النوم وصلَّى الفجر يرقى عند الله، طبع الإنسان يقتضي أن يملأ عينيه من محاسن النساء، والتكليف يأمره بغض البصر، فإذا عاكس شهوته وغضَّ بصره يرقى عند الله، يقتضي طَبع الإنسان أن يأخذ المال، والتكليف يأمره أن ينفق المال، فإذا عاكس شهوته وأنفق المال يرقى عند الله، أن تعاكس شهوتك هو ثمن جنَّة ربِّك، بدليل قول الله عزَّ وجل:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41) ﴾
( سورة النازعات)
أنواع المعاصي:
قال تعالى:
﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) ﴾
طبعاً التكذيب جريمة، إنسان معه دليل، إنسان أرسله الله ليسعدك، لينقذك من الشقاء، ليجعلك معافىً سليماً سعيداً في الدنيا والآخرة فكذَّبته، وأشد من التكذيب القتل:
﴿ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) ﴾
المعاصي نوعان:
معاصي استكبار، ومعاصي غَلَبَةَ:
(( الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار))
[الجامع الصغير عن ابن عبَّاس رضي الله عنه ]
إنسان جاءه ضيوف وعنده كيلو لبن، والضيوف كُثُر، يمكن أن يضيف لهذا الكيلو من اللبن خمسة كيلو من الماء، ويجعله شراباً طيباً مستساغاً بارداً في الصيف، لكن هذا الكيلو من اللبن لو أضفت له قطرة من زيت الكاز يفسد، يتحمَّل خمسة أضعافه ماء ولا يتحمَّل قطرة نفط أبداً، تلقيه في المُهملات، لذلك قد يخطئ الإنسان أما حينما يستكبر فهو قد قطع ما بينه وبين الله، حينما يستكبر سار في طريقٍ مسدود.
العبد عبدٌ والرب رب، ليس من شأن العبد أن يستكبر، ليس من شأن العبد أن يُعَظَّم، فمن رأى نفسه عظيماً واستكبر أن يطيع الله عزَّ وجل فقد وقع في ضلال كبير، إنسان مثقَّف ثقافة عالية جداً، يحتل مركزاً علمياً مرموقاً، لا يصوم رمضان، هو أرقى من أن يصوم مثلاً، لا يصلي هذا منعه الكبر أن يصلي، كنَّا مرَّة في تشييع جنازة، وطبيب من ألمع أطبَّاء دمشق، وهو شخص يحتل منصباً رفيعاً في الجامعة لم يدخل ليصلي، هو أكبر من أن يصلي لله عزَّ وجل ؟! هكذا يرى نفسه !!!
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
هل يذكر يوم كان طفلاً صغيراً في بطن أمِّه، يوم خرج لا يفقه شيئاً:
﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾
(سورة النحل: الآية " 87 " )
بعد أن ارتقى، وحمل شهادة عالية أهو أكبر من أن يصلي في مسجد ؟!
الانسان في اختياره للهداية مخير
الله أمر عباده تخييراً كل إنسانٍ خلقه الله عنده استعدادٌ كامل أن يهتدي إلى الله وأن يسعد في الدنيا والآخرة:
آية اليوم:
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88) ﴾
حينما تعتقد أو تتوهَّم أن الله خلق إنساناً وجعله لا يهتدي فهذا خطأٌ شنيعٌ في العقيدة، كل إنسانٍ خلقه الله، خلقه وعنده استعدادٌ كامل أن يهتدي إلى الله وأن يعرفه، وأن يسعد في الدنيا والآخرة، أما أن الله قد خلق الإنسان كافراً فهذا مستحيل، إذا خلق الله عزَّ وجل الإنسان كافراً فلمَ يعذِّبه ؟ ما ذنبه ؟
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له: إياك إِياك أن تبتل بالماء
***
إذا قدَّر عليه المعصية فلمَ يعذِّبه ؟ إذا خلقه مؤمناً فلمَ يدخله الجنَّة ؟
نحن في أنظمة حياتنا الدنيا هل من الممكن أن نعطي طالباً الأسئلة، قبل يومين، أو نعطيه أوراق الإجابة مكتوباً عليها الجواب الكامل بخط الأستاذ، ونقول له: اكتب اسمك ورقمك، فأخذ الدرجة الأولى على كل طلاَّب البلد، ثم أقمنا له حفلاً تكريميَّاً عظيماً لأنه نال الدرجة الأولى على كل الطُلاَّب، ليس لهذه الحفلة معنى إطلاقاً، هو لم يدرس إطلاقاً، قدَّم الأوراق مكتوبةً بخط الأستاذ، فنال الدرجة الأولى، فأُقيم له حفلٌ تكريمي، هذا الحفل لا معنى له إطلاقاً، شيء مضحك.
طالب آخر مُنِع من أداء الامتحان فوبَّخناه أشدَّ التوبيخ، هذا التوبيخ لا معنى له، إنسان من بني البشر يترفَّع أن يفعل ذلك، مدير مدرسة جمع الطلاَّب في أول يوم من أيام العام الدراسي، وقرأ عليهم أسماء الناجحين في آخر العام سلفاً، وأسماء الراسبين، وقال: انطلقوا وادرسوا، فلن يدرس أحد، ولم يعد للدراسة معنىً عندئذٍ.
حينما تؤمن أن الله خلق فيك الهدى من دون سببٍ منك، فأنت إذاً لا تعرف الله أبداً، أنت وصفت الله عزَّ وجل بما لا يليق به .
خلل كبير أن تعتقد أن الله أجبرك على الطاعة أو على المعصية:
إذاً:
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88) ﴾
غُلف، نحن لم نهتد، هذا ما يقوله معظم المسلمين: الله سبحانه لم يكتب لي الهدى، فلماذا ؟
يقول لك: سبحان الله، الله خلقنا ليعذبنا، وأيضاً يسبح الله عليها.
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88) ﴾
من قال لك كذلك ؟ لماذا شربت الخمر ؟
قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدَّر عليَّ ذلك، ليس بيدي ـ طاسات معدودة بأماكن محدودة، ترتيب سيدنا ـ هكذا يقول لك.
فقال سيدنا عمر: " أقيموا عليه الحد مرتين، قال له: مرةً لأنك شربت الخمر، ومرةً لأنك افتريت على الله، ويحك إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار ".
الله لم يجبرك، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القُدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصَ مغلوباً ولم يطع مكرهاً.
الخلل الكبير لمجرد أن تعتقد أن الله أجبرك على الطاعة أو على المعصية، عفواً لا يقول الناس إن الله أجبرنا على الطاعة، بل يقول أحدهم: أنا أطعت الله، أما متى يعتقدون بالجبر ؟
حينما يعصون الله عزَّ وجل، فيقول: الله ما أراد لي الهدى، كلام شيطان، كلام يتناقض مع القرآن.
آيات من القرآن الكريم تبين أن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً:
قال تعالى:
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) ﴾
(سورة الإنسان)
وقال:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) ﴾
( سورة البقرة )
وقال:
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) ﴾
( سورة الأنعام )
الخَرَصُ أشد أنواع الكذب، هذا الذي يقول: إن الله لم يشأ لي الهداية، يكذب على الله:
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
( سورة النساء: الآية " 27 " )
وقال:
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
( سورة الليل )
وقال:
﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾
( سورة النحل: الآية " 9 " )
أي على الله بيان سبيل القَصد. لو أراد الله تعالى أن يجبرنا على شيءٍ لأجبرنا على الهدى
خلقنا الله عزَّ وجل مخيَّرين، لو أراد أن يجبرنا على شيءٍ ما لما أجبرنا إلا على الهدى، ولو شئنا أن نجبركم، وأن نلغي اختياركم لآتينا كل نفسٍ هداها، فعندما تريد الجامعة أن تنجِّح كل الطلاب فالقضية سهلة جداً، تعطيهم أوراقاً مطبوعاً عليها الجواب الكامل، فقط اكتب اسمك ورقمك، فالنتيجة: نجح كل الطلاب، الكل امتياز، هذا النجاح ليس له قيمة إطلاقاً، لا عند رئاسة الجامعة ولا عند الناس ولا عند الطلاب أنفسهم، هذا نجاح مضحك.
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ (13) ﴾
( سورة السجدة)
أنت مخيَّر، ولأنك مخير لك أن تفعل أو ألا تفعل، لك أن تصلي أو ألا تصلي، لك أن تكون صادقاً أو كاذباً، لك أن تؤمن أو تكفر، لك أن تستقيم أو تفسق، لك أن تُنفق أو أن تظلم، افعل ما تشاء، كل شيء بثمنه، العظمة في الجامعة لا أن ينجح كل الطلاَّب، لا أبداً، العظمة في الجامعة أن تأتي النتائج وفق المُقدمات، أن ينجح المتفوق وأن يحتل منصباً رفيعاً في الجامعة، وأن يطرد الكسول من الجامعة، روعة الجامعة تناسب النتائج مع المقدمات فقط، فالله عز وجل خلق الخلق ودعاهم إليه، وأمرهم أن يؤمنوا به، ورغَّبهم في الإيمان، وحذرهم من الكفر، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، هم مخيَّرون.
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (46) ﴾
( سورة فصلت)
الذين لا يهديهم الله وحق عليهم الضلالة
إذا عزي الإضلال إلى الله عزَّ وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري:
الإنسان حينما يعزو ضلاله إلى الله عزَّ وجل فقد ضل سواء السبيل، فإذا وجدت في القرآن آيةً يُستَدلُ منها أن الله أضل الإنسان فهذا هو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري، لا بد من توضيح المثل:
طالب في الجامعة لم يداوم إطلاقاً، ولم يؤدِّ امتحاناً، ولم يلتقِ بالأستاذ، والجامعة قدَّمت له عشرات الكتب التي تدعوه فيها إلى أن يعود إلى الجامعة، لم يداوم، ولم يؤدِّ امتحاناً، ولم يشترِ كتاباً، ولم يستجب للإنذارات، فَرُقِّن قَيده، وبعد أن رُقِّنَ قيده قال: إن هذه الجامعة أرادت لي ألا أدرس، ترقين قيدك في الجامعة تجسيدٌ لرغبتك تنفيذٌ لإرادتك، هذا هو المعنى فقط.
لذلك إذا عزي الإضلال إلى الله عزَّ وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري .
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (88)سورة البقرة )
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88)سورة البقرة ﴾
أي نحن لا نهتدي، فرد عليهم: لا، ولكن قال تعالى:
﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (88) ﴾
هناك ثلاث آيات مهمات جداً، أساس هذه الآية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67) ﴾
( سورة المائدة)
وقال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51) ﴾
( سورة المائدة)
وقال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(6) ﴾
( سورة المنافقون)
من تلبَّسَ بالفسق لا يهديه الله عزَّ وجل، لأن فسقه حجابٌ بينه وبين الله، ومن تلبَّس بالظلم فالله عزَّ وجل لا يهديه لأن ظلمه حجابٌ بينه وبين الله، ومن تلبَّس بالكفر فالله عزَّ وجل لا يهديه لأن كفره حجابٌ بينه وبين الله. الإنسان مخيَّر ولو ألغي اختياره ما عاد إنساناً، فالله عزَّ وجل يقول الهدى موجود، ولكن شاءت حكمة الله عزَّ وجل أن يقول لك: الهدى بيدي، لكن لا أمنحه لا لظالمٍ ولا لفاسقٍ ولا لكافر.
يهدي من يشاء، يشاء من ؟
من لم يكن ظالماً يهديه الله عزَّ وجل، من لم يكن كافراً يهديه الله عز وجل، من لم يكن ظالماً يهديه الله عزَّ وجل.
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88) ﴾
يقول بعضهم: نحن لسنا مُهيَّئين للهدى، ما خلقنا الله مهتدين، هذا كلام الشيطان الرجيم، كلام الجهل، كلام الحُمق، كلام الغباء.
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (88) ﴾
كفرهم سبب لعنهم، واللعن هو الإبعاد:
﴿ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ (88) ﴾
على الإنسان أن يكون معه حجة لله عز وجل يوم القيامة عن كل عمل يقوم به في الدنيا:
تجري الآن مناقشة دقيقة جداً، خالق الكون الذي منحنا المنطق يقول لهؤلاء: أنتم تدَّعون أنه إذا جاء نبيٌ سوف تسبقون الناس إلى الإيمان به،
فقد جاءكم هذا النبي وجاء بكتابٍ مصدقٍ لما في كتابكم التوراة، لمَ كفرتم به ؟
مصالح.
لذلك الإنسان إما أن يستجيب للحق، وإما أن يستجيب للهوى، حقٌ أو هوى، خيرٌ أو شر، آخرةٌ أو دنيا، إحسانٌ أو إساءة، إن لم تكن على أحد الخَطّين فأنت على الثاني حتماً، إن لم تكن مع أهل الآخرة فأنت من أهل الدنيا، إن لم تكن مصدقاً بالحق فأنت قد قبلت الباطل، إن لم تكن مُنصفاً فأنت ظالم، إن لم تكن رحيماً فأنت قاسي.
﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) ﴾
إن الذي يلفت نظري هو كيف يتوازن المسلم المعاصر ؟ كيف يعلم أن هذا حرام، وهذا حرام، وهذا حرام، وهذا حرام، وكيف يقترف هذه الحُرُمات ؟ كيف ينام متوازناً ؟ كيف يغمض له جفن ؟
كيف يبيت والله ليس راضياً عنه ؟
يقول سيدنا عمر رضي الله عنه:" عجبت لثلاث، عجبت لمؤملٍ والموت يطلبه، وعجبت لغافلٍ وليس بمغفول عنه، وعجبت لضاحك ملء فيه ولا يدري أساخطٌ عنه الله أو راضٍ ؟!! ".
طبعاً هذا درسٌ لنا ، فهل معك حجة لله عزَّ وجل ؟ أحياناً يسألني أخ: ماذا أفعل ؟ دائماً جوابي إليه: هل معك حجة لله عزَّ وجل يوم القيامة ؟ أي أنك إذا منحت ابناً بيتاً استثناءً من دون إخوته، أمعك حجة ؟
يقول: هذا ابني عاجز، هذا كلام مقنع، هذه حجةٌ لك يوم القيامة، حينما تخص ابناً عاجزاً مشلولاً، عنده عاهة، ببيت يؤجره ليأكل من أجرته استثناءً، وفي حياتك، وهبةً، معك إلى الله حجة، أما لأنه ابن زوجتك الجديدة وقد ضغطت عليك، أما ابن القديمة لا تعبأ به، سوف تحاسب يوم القيامة حساباً شديداً .
يقول لي موظف: أأكتب هذا الضبط ؟ أقول له: هل معك جواب إلى الله يوم القيامة ؟ دعك من رؤسائك، أمعك جواب إلى الله ؟
إن كنت ظالماً لهذا الإنسان سوق يقتص الله منك، واتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. على المؤمن أن يهيِّئ لله جواباً عن كل شيءٍ يفعله:
هناك سؤال : فأنت في كل عمل، كل حركة، كل سكنة، كل نظرة، كل ابتسامة، كل عبوس، كل عطاء، لو قَبَّلت طفلاً وتركت الطفل الثاني، لو خصصت ابناً ولم تَخُصَّ الثاني، لو مِلت مع زوجةٍ وأغدقت عليها كلها شيء وأهملت الثانية، أخشن طعام للثانية، أسوأ بيت للثانية، أقسى معاملة للثانية، هل هيأت لله جواباً ؟ أمعك جوابٌ إلى الله عزَّ وجل ؟
هذا أهم شيء بالدرس، هيِّئ لله جواباً عن كل شيءٍ تفعله ؛ عن كل حركةٍ وسكنةٍ، ونظرة وابتسامةٍ، وإنفاقٍ وإقتارٍ، ومنعٍ وعطاءٍ، ووصلٍ وقطع، وودٍ وجفاءٍ، يجب أن تهيِّئ لله جواباً، قال لي أخ يعمل في التموين: هل يسمح لي أن أكتب ضبطاً ؟ قلت له: أكتب ما شئت، وأرسل إلى السجن ما شئت ومن شئت، لكنك إذا كنت بطلاً يجب أن تهيِّئ لله جواباً عن كل ضبط، لماذا كتبت هذا الضبط ؟ أكنت ظالماً له ؟ الله سيقتص منك.
أنا الذي أراه أيها الأخوة، أن كل ذكائك، وكل عبقريتك، وكل تفوِّقك في أن تكون أديباً مع الله، وقّافاً عند كلامه، مؤدياً لحقوق العباد، ومطبقاً لمنهجه العظيم، فالله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) سورة البقرة﴾
فأنا أقول: يمكن أن يقبلك الله إذا كان معك عذر، أما الشيء واضح، الحلال بيِّن، الحرام بيِّن، وتجد معظم الناس يأخذون ما ليس لهم ظلماً، وعتواً، واستكباراً، ومكابرةً، يركبون رؤوسهم، لكن الله عزَّ وجل كبير، وسوف ينتقم منهم.
امانى يسرى محمد
09-05-2025, 08:22 PM
( لو أن الله سألك ماذا تجيب)
أتمنى على كل أخٍ مؤمن دائماً وأبداً أن يهيِّئ لله جواباً، لو أنه سألك: لماذا طلَّقتها ؟ لماذا سلبتها مالها ؟ لماذا أخرجت هذا الشريك من الشركة ؟ لماذا لم تعطِ هذا الابن ما أعطيت أخوته ؟ لو أن الله سألك ماذا تجيب ؟ هل معك حُجَّة ؟
يروى أن سيدنا عمر بن عبد العزَّيز، كان يصلي في مصلاه ويبكي، دخلت عليه زوجته فاطمة، قالت له: " يا أمير المؤمنين ما الذي يبكيك ؟ قال: " دعيني وشأني "، قالت: " قل لي وربك ما الذي يبكيك ؟ " ، قال: "دعيني وشأني "، فلما ألحَّت عليه، قال: " بعد ما ولِّيت هذا الأمر فكرت في الفقير الجائع، والبائس الضائع، وذي العيال الكثير والدخل القليل، وفي ابن السبيل، وفي الشيخ الكبير، وفي المرأة الأرملة، وفي الطفل الصغير، وفي، وفي ـ عدد لها عشرات الحالات المؤلمة في مجتمعه ـ قال: فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وخفت ألا تثبت لي حجةٌ عند الله فلهذا أبكي ".
أهم شيء أن يكون معك حجة لله عزَّ وجل، لمَ أهملت هذا الولد حتى خرج عن منهج الإسلام ؟ لمَ امتنعت عن تزويجه وأنت قادر أن تزوِّجه ؟ زنا، لعل هذا الزنا في صحيفتك، إذا كنت قادراً لمَ لم تزوجه ؟ لمَ لم تختر لابنتك إنساناً مؤمناً ؟ آثرت المال على الإيمان فضيَّع دينها وأخرجها عن استقامتها، أرضيت أن يأخذ ابنتك إنسان غني فيخرجها عن دينها ؟ إذا سألك الله بماذا تجيب ؟ لمَ لم ترب ابنتك ؟ هذه البنت التي تظهر كل مفاتنها في الطريق، سوف يسأل أبوها يوم القيامة: كيف سمحت لها أن تخرج هكذا ؟ هل نظرت إلى ثياب خروجها ؟ فأمامنا مليون سؤال.
قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً (90) ﴾بغياً أي حسداً:﴿ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (90) ﴾أي أنه اشترى الكفر، دفع ثمن الكفر الجنة، أسوأ صفقة في التاريخ، ما من إنسانٍ أشد حسرةٍ وندماً يوم القيامة كالذي باع آخرته بدنياه، فمصالحه مع الكفر، أحياناً مصالحه مع المعصية، مصالحه أن يكون مع إنسان كأن يكون شريك صاحب مطعم يبيع خمر مصلحته أن يبقى شريكاً في هذا المطعم، يقول لك: دخل كبير يدره علينا، والآخرة ؟ هذا مثل بسيط، واحد شريك بمطعم خمسة نجوم يبيع خمراً، والدخل كبير جداً والمكاسب بشكل عام صارت ضعيفة، فإذا كان له شركة بمطعم يبيع الخمر، فإذاً آثر هذا الدخل الكبير على الآخرة !!!
الحق لا يتجزَّأ
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)سورة البقرة ﴾
أراد الله في هذه الآية الكريمة أن يبيِّن لنا حقيقةً خطيرة في العقيدة وهي : أن العداوة لا تتجزَّأ، وأن الولاء لا يتجزَّأ .
أنت مع من ؟ إن كنت مع الله فينبغي أن تكون مع رسوله، وإن كنت مع رسوله فينبغي أن تكون مع أصحابه الكرام الذين أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، إن كنت مع أصحابه الكرام فأنت مع أهل الحق، هناك معركةٌ أزليَّةٌ أبديَّة بين الحق والباطل، فلا بد من أن تكون موالياً للحق متبرِّئاً من الباطل، أما أن تقول : أنا أحب النبي ولا أحب أصحابه، أو أنا أؤمن بالله وأكره جبريل، هذه التفرقة لا وجود لها، الحق لا يتجزَّأ والباطل لا يتجزَّأ .
أنت مع من ؟ إن كنت مع الحق فأنت مع الكل، وإن كان هذا الإنسان الشارد مع الباطل، فهو مع أعداء الدين جميعاً، إما في خندق أهل الإيمان وإما في خندق أهل الكُفْران، إما مع الحق وإما مع الباطل، والدليل أن في الحياة اتجاهين، إن لم تكن على أحدهما فأنت على الآخر قطعاً، والدليل على ذلك قول الله عزَّ وجل :﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾( سورة القصص الآية : 50 )
المعركة بين الحق و الباطل أزليَّة أبديَّة ولا بدّ من الولاء والبراء :
قال تعالى :﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ ﴾( سورة يونس الآية : 32 )
بعد الحق هناك ضلال، لأنه بين نقطتين لا يُرْسَم إلا مستقيمٌ واحد، فمهما وصلت بين النقطتين تأتي كل هذه المستقيمات فوق بعضها البعض، الحق لا يتجزَّأ أما الباطل فيتعدَّد، لأن الخطوط المُنحرفة والمنحنية والمنكسرة كثيرةٌ جداً، وقد أشار ربنا عزَّ وجل إلى هذه الحقيقة حين قال :﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ (257) ﴾( سورة البقرة )الظلمات جمع :﴿ إِلَى النُّورِ (257) ﴾( سورة البقرة )النور واحد :﴿ وَأَنَّ هَذَا صرا طي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾( سورة الأنعام الآية : 153 )
الحق لا يتعدَّد، الباطل كثير جداً ؛ هناك باطل اعتقادي، وباطل سلوكي، هناك باطل انحرافه خمس درجات، عشر درجات، مئة درجة، وهناك إلحاد، الباطل يتعدَّد، وهناك معركةٌ أزليَّةٌ أبديَّةٌ بين الحق والباطل، ولا بد من الولاء والبراء، إن واليت الله يجب أن توالي رسول الله، أعداء الدين ينفذون إلى التفرقة، فهو يقول : أنا أريد القرآن ولا أريد السُنَّة . من قال لك ذلك ؟
إذا كان القرآن الكريم يقول :﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(سورة الحشر الآية : 7 )
أنت إن رفضت سُنَّة النبي رفضت القرآن، القرآن، وسنة النبي العدنان، وسيرة صحابته الكرام، وسيرة السلف الصالح من المؤمنين والعلماء العاملين، هذا هو الحق ؛ والباطل هو كل انحرافٍ عن منهج الله ورفضٍ لأوامره وهو كفرٌ، فهذه التفرقة تفرقةٌ لا وجود لها، مفتعلة
خصائص الفرق الضّالة
﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ (97) سورة البقرة﴾
فهذه التفرقة في العداوة هذه ليست من الدين في شيء، فاليهود لا يحبون سيدنا جبريل، يعادونه
سيدنا جبريل مَلَك عظيم، بل هو رئيس الملائكة، وأنزل هذا القرآن على قلب النبي بإذن الله، هو عبدٌ مأمور، مخلوقٌ مأمور، فكيف تعاديه أنت ؟ وما ذنبه ؟
حقيقةٌ ناصعة أضعها بين أيديكم : ما من فرقةٍ ضالَّةٍ في الإسلام على مدى الحِقَب، خلال التاريخ الإسلامي كله، ما من فرقةٍ ضالةٍ إلا وفيها أربع خصائص : أولاً تأليه الأشخاص، ثانياً اعتماد النصوص الموضوعة والضعيفة، ثالثاً تخفيف التكاليف، رابعاً النزعة العدوانيَّة، فإن وجدت فئةً تؤلِّه شخصاً، أو تعتمد نصَّاً ضعيفاً أو موضوعاً، أو تخفِّف التكاليف لدرجة أنها تجعل من الدين نمطاً يشبه النمط العصري الإباحي، أو ذات نزعةٍ عدوانيَّة فهي فرقة ضالَّة، والإسلام شامخٌ كالطود، وكل الانحرافات في الإسلام أصبحت في مزبلة التاريخ، وتلاشت كبيت العنكبوت، وبقي الإسلام بأصوله الصحيحة، ونصوصه الصحيحة، وقيمه الخالدة شامخاً كالجبل .
نحن مأمورون أن نرجع إلى أصل الدين، فأنا أعادي جبريل ولا أعادي النبي !! جبريل ليس له علاقة، هو أنزل هذا الكتاب على قلب النبي بإذن الله، هو مخلوقٌ مأمور، فافتعال العداوات من شيَم أهل الضلالة، نحن عندنا طرفان الحق والباطل ؛ الله عزَّ وجل، ونبيُّه الكريم، وصحابته الكرام، والعلماء العاملون الصادقون، وأولياء الله الصالحون هؤلاء طرفٌ واحد، ومن أنكر شيئاً من كلام الله، أو من نبوَّة رسول الله، أو من حديث رسول الله، هذا الإنكار ينقله إلى الخندق الآخر .
(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدهما :كتاب الله وسنتي ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]
الفسق والإيمان يتناقضان
﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ (99) ﴾
آيات بيِّنات، واضحات، نيِّرات، مُقنعات، باهرات :﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) ﴾
مثلاً يقول لك إنسان دخله ربوي : هذا الدين لا يتناسب مع العصر، يقول لك : هناك آيات غير معقولة، أمعقول أن يجمد الإنسان ماله ؟ لماذا بدأ يشكُّ في مصداقية كلام الله؟ لأنه انطلق من الربا، إنسان يعيش الاختلاط بكل بشاعته لا يقبل آيات الحجاب أبداً، يرفضها، يقول لك : هذا الحجاب بدعة جاءتنا في العهد العثماني، استمع إلى حجج الفَسَقَة كلهم يتناغمون، كلهم يرفضون الحق، لأنهم إذا رفضوا الحق دافعوا عن أنفسهم، توازنوا، لو قبل معك الحق وهو غير مستقيم انكشف واختل توازنه، صار عنده مشكلة، فلا بد أن يرفض الحق كي يعيد التوازن، فلذلك :
﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (100) ﴾
المؤمن الصادق يتوب توبة واحدة، أما ضعاف المؤمنين كلَّما عقد توبةً نقضها، تغلبه نفسه :
﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾( سورة المؤمنون الآية : 106 )
الفسق والإيمان يتناقضان، الإيمان وجهة، والفسق عقبات أمام هذه الوجهة، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ﴾[ سورة البقرة: 99 ]
الفاسق يوجه الآيات توجيهاً يغطي انحرافاته :
حدث عن آية قرآنية أمام عشرة، الذين يكذبون هذه الآية، أو تفسيرها، أو ما تعنيه، أو دلالتها، هم العصاة الفاسقون، المستقيم يقول لك: صدقت ورب الكعبة، هذا هو الحق، غير المستقيم يقول لك: لا أعتقد أن هذه الآية هذا معناها، يحب أن يوجه الآيات توجيهاً يغطي انحرافاته، فإذا قلت له:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾[ سورة آل عمران: 130 ]
قال لك: الآية تنهى عن النِّسب المرتفعة في الربا، ولكن النسب المعتدلة لم ينه الله عنها في نص هذه الآية.
النفاق و الكفر :
من الذي يرفض الحق؟ الفاسق، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ﴾[ سورة البقرة: 99 ]
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾[ سورة القصص: 50]
والله سبحانه وتعالى يقول:﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾[ سورة المائدة: 49]
أكثر الناس فاسقون، يصلون، ويصومون، ويزكون، وهم فاسقون، وفسقهم حجاب، وصلاتهم سراب، وصومهم جوع وعطش، وحجهم سياحة، وأعمالهم مرفوضة، والله سبحانه وتعالى يقول:﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾[ سورة التوبة: 67]
لو كان مستقيماً لما نافق، ولأنه فاسق ينافق، فالفسق من علامات النفاق، والنفاق من لوازمه الكفر.
الفاسق إنسان خرج عن أمر الله فنسي هدفه في الحياة :
قال تعالى:﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾[ سورة الحشر: 19]
نسوا الله فأنساهم أنفسهم، لماذا نسوا الله؟
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾[ سورة الحشر: 19]
لأنهم خرجوا عن أمر الله، خرجوا عن أمره فنسوا الله، فلما نسوا الله نسوا أنفسهم، أي نسوا المهمة التي خلقوا من أجلها، نسوا هدفهم في الحياة.
الفاسق لا يهديه الله عز وجل و يتوعده بالعذاب الأليم :
ثم قال تعالى:﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ([ سورة الصف: 5]
الفاسق لا يهديه الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يتوعد الفاسقين ويقول:﴿ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾
الحق صِرف والباطل متنوِّعٌ:
﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) سورة البقرة﴾
نبذوا واتبعوا، وأي إنسان لا بد من أن يدرك وأن يتَّبع، فالمؤمن ترك الباطل واتبع الحق، والكافر ترك الحق واتبع الباطل، والويل ثمَّ الويل ثم الويل لمن أعرض عن الحق واتجه إلى الباطل، لمن نبذ كتاب الله المُنَزَّلَ من عند الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ حبل الله المتين، صراطه المستقيم، طريق سعادة الإنسان، منهجه القويم ـ واتبع أهواء الناس .
أنت لا بد من أن تدع شيئاً وأن تأخذ بشيء، فالمؤمن ـ كما قلت قبل قليل ـ نبذ أقوال البشر، وأهواء البشر، وخرافات البشر،
واتبع ما أنزل إلى النبي عليه الصلاة والسلام من عند الله، هناك حقٌ صِرف، وباطلٌ متنوِّعٌ .
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾( سورة الأنعام الآية: 153 )
الحق لا يتعدَّد:
﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ ﴾( سورة يونس الآية: 32 )
لا يرسم بين نقطتين إلا مستقيمٌ واحد، وأي خطٍ مستقيم يأتي فوق الخط المستقيم، الحق لا يتعدَّد، وحينما تستقيم على أمر الله تلتقي مع أخيك حتماً، لقاء حتمي مادمت أنت على صراطٍ مستقيم وأخوك على صراط مستقيم فالخطان المستقيمان يتطابقان، أية تفرقةٍ بين مؤمنين هذا يعني أن أحدهما على حق والثاني على باطل .
مثل بسيط: لو أن هناك طريقاً مستقيماً ينتهي بهدف وله بداية، وانطلق اثنان على هذا الطريق بسرعةٍ واحدة، وباتجاه هدفٍ واحد، لقاؤهما حتمي، إلا في حالةٍ واحدة هي أن يسلك الأول هذا الطريق باتجاه هذا الهدف، وأن يدَّعي الثاني أنه على هذا الطريق وهو ليس كذلك، إذاً لا يلتقيان .
https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_08/image.jpeg.f0602bb0ea10bbed6312af81b22c5086.jpeg (https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_08/image.jpeg.f0602bb0ea10bbed6312af81b22c5086.jpeg)
المعركة بين حقين لا تكون، مستحيل، لأن الحق لا يتعدَّد، وبين حقٍ وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي لأن الله تخلَّى عنهما معاً، فالأقوى ينتصر، والأكثر حيلةً ينتصر، والأذكى ينتصر .
لذلك: هم نبذوا واتبعوا، تركت ملَّة آبائي واتبعت الحق، فأنت لا بد من أن تسأل هذا السؤال: ما الذي تركته في سبيل الله ؟ وما الذي أقبلت عليه في سبيل الله ؟ الإنسان قد يدع حرفةً فيها معصيةٌ لله، هل تركت شيئاً في سبيل الله ؟ هل أعرضت عن نظريَّةٍ باطلة؟ عن تفسيرٍ سخيف ؟ عن اتجاهٍ استحوذ على الناس، هل أعرضت عن بلوى عامَّة عمَّت الناس جميعاً ولم تعبأ بها ؟ هل أنت مع المجموع ؟
قال عليه الصلاة والسلام:(( لا تكونوا إمَّعة ))[الترمذي عن حذيفة]
من هو الإمعَة ؟ أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت . سؤال وجيه وخطير: ما الذي تركته في سبيل الله وما الذي اتبعت ؟
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾( سورة الكهف)
وقال:
﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾( سورة لقمان الآية: 15 )
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 02:14 PM
الولاء والبراء من خصائص المؤمن:
﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) سورة البقرة﴾
المؤمن ينبذ طريقة أهل الكفر، قيَمَ أهل الكفر، مبادئ أهل الكفر، الأنماط المعيشيَّة لأهل الكفر، المؤمن لا يرضى أن يقلِّد أهل الكفر في بيته، هناك بيوتات المسلمين ـ مع الأسف الشديد ـ يقلّدون أهل الكفر في أكثر احتفالاتهم، ونشاطاتهم، وسفرهم، وإقامتهم، بل إن نصف كلماتهم ليست عربيَّة، المؤمن يعتزُّ بدينه ويعتزُّ بإسلامه، ويعتزُّ بسنة نبيِّه عليه الصلاة والسلام .
هل عندك ما يسمَّى بالبراء والولاء ؟ هل توالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً، ولو كانوا فقراء ؟ وهل تتبرَّأ من الكفار والمنحرفين ولو كانوا أقوياء وأغنياء ؟
الولاء والبراء من خصائص المؤمن، لا بد من أن تتبرَّأ وأن تتولَّى، ولا تكن كالذي يتولَّى أهل الكفر لما عندهم من دنيا، لما عندهم من مكاسب، لما عندهم من عطاء، ويعرض عن أهل الإيمان لضعفهم،
النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال لعدي بن حاتم وكان ملكاً، قال له: " لعلَّه إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجتهم " .
كان الصحابة فقراء جداً، أما الصناديد والأقوياء، وأصحاب الوجاهة، والبأس، والقوة، والأمر، والنهي، كانوا كفاراً:
﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ (27) ﴾(سورة هود )
إنك حينما تدع أهل الكفر ولو كانوا أقوياء، وتؤوي إلى أهل الإيمان ولو كانوا ضعفاء فقد واليت وتبرَّأت .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ِ(13)﴾( سورة الممتحنة)
وقال:
﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (51) ﴾( سورة المائدة )
لكن ضعاف الإيمان يوالون من حادَّ الله ورسوله، لما عندهم من دنيا، لما عندهم من مكاسب، يقول لك: شركة رابحة جداً تبيع الخمر، فيقول: أنا مضطر ماذا أفعل ؟
قد يوظِّف ماله في شركة ترتكب المعاصي، وقد يعمل في مهنة تقوم على معصية الله ابتغاء دُنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه .
المؤمن يعتزُّ بدينه وبإسلامه وبسنة نبيِّه عليه الصلاة والسلام:
أول شيء بالدرس أنه لا بد من تركٍ ولا بد من تمسُّك، لا بد من إعراضٍ ولا بد من إقبال، ما الذي تركته في سبيل الله ؟ وما الذي أقبلت عليه في سبيل الله ؟ هل انتقلت من خندقٍ إلى خندق ؟ هل انتقلت من موقعٍ إلى موقع ؟ هل انتقلت من نمط معيشةٍ إلى نمطٍ آخر؟
هل انتقلت من طريقةٍ يألفها الناس وفيها بلوى عامَّة إلى طريقةٍ يحبها النبي عليه الصلاة والسلام وهي نادرةٌ .
((بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء))[رواة مسلم ]
قُدِّم شيطان الإنس على شيطان الجن لأن خطره أشد:
﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ (102)سورة البقرة ﴾
الشياطين هم عصاة الجن، والجنُّ فيهم المؤمنون وفيهم الكافرون:
﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً(11) ﴾(سورة الجن )
الشياطين هم العصاة من الجن الذين عصوا الله عزَّ وجل، فالجن منهم كفار ومؤمنون، والمؤمنون منهم طائعون وعصاة، وكل من عصى الله عزَّ وجل وخرج عن منهجه فهو شيطان ولو كان إنساناً، والدليل:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ﴾(سورة الأنعام)
قُدِّم شيطان الإنس على شيطان الجن لأن خطره أشد، إنسان يسكن إلى جوارك، زميلك في عملك، رفيقك في دراستك، جارك في بيتك، يحمل شهادة كما تحمل، يعيش كما تعيش لكنَّه شيطان يدعوك إلى المعصية، يدعوك إلى العَصْرَنَة، يدعوك إلى التحلُّل من كل منهجٍ سماوي، يدعوك إلى كسب المال الحرام، يتَّهمك بالجنون إن لم تكسب مالاً حراماً، إن قنعت بالحلال ولو كان قليلاً ولم تطمع بالحرام ولو كان كثيراً يتَّهمك بالجنون، هذا شيطان الإنس، وقُدِّم شيطان الإنس على شيطان الجن لأن شياطين الجن يحتاجون إلى دروسٍ من شياطين الإنس .
قال تعالى:
﴿ وَاتَّبَعُوا (102) ﴾
قد يقول قائل: لقد كان سياق الآية أن يقول الله عزَّ وجل: واتبعوا ما تلت الشياطين على مُلك سليمان ـ ما تلت الشياطين، لكن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو (102) ﴾
معنى هذا أن المعركة بين الحق والباطل مستمرَّة إلى يوم القيامة، ليست هذه قصَّةٌ وقعت وانتهت، شياطين الإنس والجن يتلون الباطل، يلقون الباطل:
﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) ﴾(سورة إبراهيم)
(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ....)
سورة البقرة 102
السحر أن تسيطر على المسحور بحيث تجعله يرى ما لم يُرَ:
حدَّثني صديق ذهب إلى الهند، رواها لي مباشرةً: أنه رأى ساحراً أمسك بحبلٍ وقذفه إلى الأعلى، فعلِقَ في الأعلى، أمر غلامه أن يصعد على هذا الحبل، فصعد على هذا الحبل حتى غاب عن الأنظار، أمره أن يرجع فلم يرجع فتبعه، فإذا برأسه يقع مقطوعاً وبيديه، لقد غضب الساحر من غلامه الذي لم يرجع، كان هناك سائح يصوِّر، صوَّر هذا المشهد بكل تفاصيله، فلمَّا أراد أن يظهر هذا الفيلم لم يجد شيئاً
﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ(116)﴾
السحر أن تسيطر على المسحور بحيث تجعله يرى ما لم يُرَ، إذا مشى الإنسان في الظلام وكان خائفاً يرى أشباحاً تتحرَّك، ليس في البيت شيء، لكن الظلام الدامس، والخوف الشديد، وضعف النفس جعلا الإنسان يرى أشخاصاً يتحرَّكون، علماء النفس يضعون بقعة حبر فيراها كل إنسان بشكل، القضيَّة نفسيَّة، يُعبَّر عنه في علم النفس بالتنويم المغناطيسي، أي يستطيع المنوِّم أن يُري المنَوَّمين أشياء لا وجود لها إطلاقاً والآية واضحة:
﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ(116)﴾( سورة الأعراف)
وقال:
﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(66) ﴾(سورة طه )
هي لا تسعى، الساحر يستطيع أن يسحر عيون المسحورين ولكن أحداً لا يستطيع أن يسحر عينيه .
الدعاء والاستعاذة بالله هما ما يبطل السحر وليس الدجل:
سحرة فرعون حينما رأوا العصا أصبحت ثعباناً مبيناً هم سحروا لكنهم لم يُسْحَروا:
﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ(46)قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(47)رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ(48)قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ(49) ﴾(سورة الشعراء)
إلى آخر الآيات حتى قالوا:
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73) ﴾( سورة طه)
شائعٌ جداً في العالم الإسلامي أن هناك شيوخاً، لهم عمائم خضراء، يتعاونون مع الجن ليفكوا السحر، ليحبِّبوا الزوجة إلى زوجها، هذا كلُّه دجلٌ ما بعده دجل، ليس إلا الله، وليس إلا الدعاء، وليس إلا أن تستعيذ بالله عزَّ وجل، هؤلاء السحرة يُدَجِّلون وقد يكون لهم مظهر ديني
أدلة من القرآن الكريم عن أهمية الاستعاذة بالله:
قال تعالى:
﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً(6)﴾( سورة الجن )
الساحر يعيش فقيراً ويموت فقيراً، ويقنع الناس أنه يفعل ما يريد، قرأت كتاباً فيه بعض الجرائم المُعَلَّلة، رجل يعمل في حقل مكافحة الجريمة، من خلال خبراته ألَّف كتاباً فيه بعض القصص عن بعض الجرائم الواقعيَّة ؛ إحدى المسجونات امرأةٌ تعمل في السحر، اعترفت أنها ترشد المرأة إلى أن تطيع زوجها، طبعاً تدخلها أولاً إلى غرفة مظلمة، والبخور، وترتدي هذه المرأة السواد، وشعرها مُضَّطرب، تحيطها بجو كهنوتي، ثم تأمرها أن تطيع زوجها، وأن تتزيَّن له، وأن تخدمه، الذي أمرتها به هو سببٌ علمي لمحبَّة زوجها لها، لكن هذه المرأة الغبيَّة تتوهَّم أن الساحرة استطاعت أن توفِّق بينها وبين زوجها، علماً أن الأوامر الجزئية التي أعطتها إيَّاها هي كافيةٌ كي تحبِّب المرأة بزوجها والعكس، فيجب أن نتحرَّر من هذه الأوهام أيها الأخوة، ليس القضاء على الشيطان إلا:
﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ(36) ﴾( سورة فصلت)
وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201) ﴾( سورة الأعراف)
وقال:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(1)مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ(2) ﴾( سورة الفلق)
وقال:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1)مَلِكِ النَّاسِ(2)إِلَهِ النَّاسِ(3)مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ(4) ﴾( سورة الناس)
الذي يخنُس، يرتدُّ سريعاً، معك سلاح خطير، يكفي أن تستعيذ بالله بقلبٍ حاضر فينتهي عمل الشياطين جميعاً .
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 02:17 PM
من هم هاروت وماروت
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ (102) ﴾
الذي ذهب إليه المحقِّقون أن هاروت وماروت كانا رجلين متظاهرين بالصلاح والتقوى في بابل، وهي مدينةٌ بالعراق على نهر الفرات، وكانا يعلِّمان الناس السحر، وبلغ حُسن اعتقاد الناس بهما أن ظنوا أنهما ملكان من السماء، حتى المُبطل له وجه إيجابي، والتمثيل سهل جداً، فهذان الرجلان كانا يبدوان للناس على أنهما رجلان صالحان، حتى أن الناس اعتقدوا أنهما ملكان من السماء، وما يعلِّمانه للناس هو بوحيٍ من الله، هكذا يوهمون الناس، أن ما يعلِّمانه للناس هو بوحي من الله، وبلغ مكر هذين الرجلين ومحافظتهما على اعتقاد الناس الحسن فيهما أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلَّم منهما السحر:
﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ (102) ﴾
إيَّاك أن تكفُر، هذا فتنة، أي إنما نحن أولو فتنة نبلوك ونختبرك أتكفر أم تشكر، وننصح لك أن لا تكفر . فكل إنسان دجَّال يجب أن يظهر بمظهر المنطق والصلاح، وهذا فرعون نفسه قال :
﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ(29) ﴾
( سورة غافر)
كل إنسان لا بد أن يكون الكلام الذي يقوله مقبولاً، يقولان هاروت وماروت ذلك ليوهما الناس أن علومهما إلهية، وصناعتهما روحانيَّة، وأنهما لا يقصدان إلا الخير، وقد سمعت آلاف المرَّات: يا أخي هذا إنسان آخى الجن المؤمنين، هدفه طيِّب، هدفه خير ؛ هدفه التوفيق بين الأزواج، هدفه اتساع الرزق، دائماً يغطي الساحر والرجل المتعامل مع الجن نفسه بقرآن، بحديث، بصلاح، بلفَّة خضراء مثلاً، بيته فيه مظاهر كهنوتيَّة، أوراد معيَّنة، تمتمات معيَّنة ـ قال: وأنهما يوهمان الناس أن علومهما إلهية وصناعتهما روحانية، وأنهما لا يقصدان إلا الخير كما يفعل ذلك الدجالون كل زمان ـ هذا شيء متكرِّرـ والله هذه القصَّة التي وردت في القرآن الكريم قبل ألف وخمسمئة عام تتكرَّر كل يوم، إنسان اتخذ مهنة الدجل، ومهنة ابتزاز أموال الآخرين، ويستغل عقول البُسطاء والجهلة، ويوهمهم أوهاماً كثيرة، وأن معه جن، والجن يفك السحر .
هاروت وماروت يوهمان الناس أن السحر نزل عليهما من الله فجاء القرآن مكذِّباً لهما:
فكل الآية مفتاحها حرفين:
﴿ وَمَا أُنْزِلَ (102) ﴾
نافية:
﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (102) ﴾
اللذان يدَّعيان أنهما ملكان .
لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن ينالك بسوء إلا أن يأذن الله
وهذا اطمئنان إلهي:
قال تعالى:
﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ (102) ﴾
وكانا يقولان للناس:
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ (102) ﴾
تعقيبٌ إلهي:
﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (102) ﴾
هذا الاطمئنان الإلهي، لا يستطيع كائنٌ من كان على وجه الأرض أن ينالك بسوء إلا أن يأذن الله عزَّ وجل، فكلمة
﴿ ما ﴾هنا نافية
﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (102) ﴾
كل نشاطات شياطين الجن التفريق بين الزوجين وكل أعمال الخير التوفيق بين الزوجين :
﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ (102) ﴾
من قبيل التمثيل وإظهار الأمر في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلَّمون من ضروب الحيل وطرق الإفساد أن يتمكَّنوا به من التفريق بين أعظم مجتمعٌ في الأرض مجتمع الزوجين .
بالمناسبة: كل نشاطات شياطين الجن التفريق بين الزوجين، وكل أعمال الخير التوفيق بين الزوجين . وأنا أقول دائماً في عقود القران: إذا بني الزواج على طاعة الله تولَّى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، وإذا بني على معصية الله تولَّى الشيطان التفريق بينهما.
https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_08/image.png.43cedd360b00eaa17b058e73c166407b.png (https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_08/image.png.43cedd360b00eaa17b058e73c166407b.png)
كلمة الكفر لها معنى واسعاً جداً
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) البقرة
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا (103) ﴾
هم بهذا قد كفروا، كفروا حينما اتبعوا ما تتلو الشيطان على ملك سليمان، لعل كلمة الكفر هنا أخذت معنى واسعاً جداً، فأنت حينما لا تعبأ بكلام الله،لو سُئِلت وقلت: هذا كلام الله على العين والرأس، هذا القرآن الكريم . أما حينما لا تطبق أحكامه،ولا تأخذ بأوامره ونواهيه، ولا تقيم له وزناً في حياتك اليومية، في العلاقات اليومية؛في البيع والشراء، في الزواج، في كل شؤون الحياة، حينما لا تعبأ بكلام الله عزَّ وجل فهذا نوع من الكفر به
الكفر بمعناه الضيِّق أن تنكر وجود الله عزَّ وجل، أو أن تنكر أسماءه الحسنى، أو أن تنكر فرائضه التي افترضها الله على البشر، ولكنك حينما لا تعبأ بمنهج الله، ولا تقيم له وزناً في حياتك اليومية، ولا تأخذ به في شؤونك إنما تقرأ القرآن كما يقول عامة الناس: للتبرك . يقرؤون قرآن وفي بيوتهم المُنكرات، وفي تجارتهم المخالفات، فأنت حينما لا تعبأ بكلام الله عزَّ وجل، ولا تُحَكِّمُهُ في حياتك، ولا تأخذ به في كل شؤون حياتك اليومية فهذا نوعٌ من الكفر، طبعاً هذا كفر صريح، بواح .
- من أتى كاهنًا فصدَّقه بما قال ؛ فقد كفَر بما أُنزِلَ على محمدٍ .
الراوي : جابر بن عبدالله | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترغيب
الصفحة أو الرقم: 3044 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | انظر شرح الحديث رقم 61708
التخريج : أخرجه البزار كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (5/120)
- مَن أتى عَرَّافًا فسأَله عن شيءٍ لم تُقبَلْ له صلاةٌ أربعينَ يومًا
الراوي : - | المحدث : محمد الأمين الشنقيطي | المصدر : أضواء البيان
الصفحة أو الرقم: 2/232 | خلاصة حكم المحدث : [ثابت] | انظر شرح الحديث رقم 76443
نطبق هذا الحكم على كل ما من شأنه أن يخبرك بالمستقبل، المنجمون والمنجِّمات، وقارؤوا الفنجان، وحظك هذا الأسبوع، والأبراج، والفلكي الذي يتنبأ، هذا كله ما أنزل الله به من سلطان، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، سيِّد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب .
الإيمان الإبليسي: قال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ (103) ﴾
دقق الآن، لا قيمة للإيمان بالله إن لم يثمر العمل الصالح والاستقامة على أمر الله وقد نسمِّيه إيماناً إبليسياً، لأن إبليس قال:
﴿ رَبِّ ﴾
( سورة الحجر الآية: 36)
آمن به رباً:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82)
آمن به عزَّيزاً:
﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
( سورة ص الآية: 76)
آمن به خالقاً:
﴿ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة الحجر الآية: 36)
آمن بالآخرة ولكنه رفض أن ينفِّذ أمر الله عزَّ وجل، فالإيمان النظري لا قيمة له ولكن الإيمان هو الذي يحملك على طاعة الله ويقودك إلى العمل الصالح . الإيمان منه نظري ومنه عملي، منطلقات نظرية، تطبيقات عملية، فكر، تطبيق، اعتقاد، عبادة، شيء عَقَدِي، وشيء سلوكي .
(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) البقرة
معنى مَثُوبَةٌ
كلمة (مثوبة) لها معنيان: معنى ؛ من الثَوْب:﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْأتِكُمْ وَرِيشاً (26) ﴾( سورة الأعراف)
هذه الثياب تواري سوءات الإنسان،
قال :﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) ﴾( سورة الأعراف)
إذاً كلمة الثياب لها معنى آخر، المعنى الأول: ثيابٌ ماديةٌ من قطنٍ وحرير أو من قـطنٍ وصوف يرتديها الإنسان فيستر بها عورته، بينما ثوب التقوى يستر به جسمه من النار: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) ﴾( سورة الأعراف)أي أن أجمل ثوب أن تكون مطيعاً لله، أجمل ثوب ترتديه أن تكون صادقاً، أجمل ثوبٍ ترتديه أن تكون أميناً، أجمل ثوب ترتديه أن تكون عفيفاً . قد يرتدي الإنسان أجمل الثياب، ثياباً جميلة جداً وهو منحرف الأخلاق بذيء اللسان، قلت مرة لأخواننا: كان أحدهم يرتدي ثياباً أنيقة جداً وكلامه بذيء جداً . فقال له أحدهم: " إما أن تتكلم مثل لبسك أو أن تلبس مثل كلامك "، هناك تناقض .
ثوب التقوى ثوبٌ عظيم، قد ترتدي ثوباً متواضعاً، لكن استقامتك، وعفتك، وأمانتك، ترفع بهما رأسك، تجد المستقيم ملكاً، وقد تكتشف فضيحة لإنسان في أعلى مرتبة فيسقط في الوحل، هذا وحيد القرن الذي يقصف العالم ـ رئيس أكبر دولة حالياً ـ دخل بفضيحة لا تنتهي، فضيحة قذرة جداً، فأي ثوبٍ جميل لا يغنيك، قد يرتدي أجمل الثياب، أغلى ثياب في العالم قد يرتديها، ولكنه مفضوح، وقد وضع له موقع على الإنترنت وكان التقرير ألفي صفحة، صار في الوحل .
على المؤمن أن يرتدي ثياب التقوى ويبتغي الرفعة عند الله تعالى: قال تعالى:
﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) ﴾( سورة الأعراف)
فأنت لو كنت أي إنسان، بأي وظيفة، معلم ابتدائي، ضارب آلة كاتبة، حاجباً حسب مراتب المجتمع، الحاجب المستقيم مَلِك، والله مرة كنت في مؤتمر، وقد سمعت بالفندق قرآناً يتلى مع الفجر، أطللت من الشرفة، فإذا عامل الحديقة يصلي الفجر بصوتٍ جميل، فخطر في بالي خاطر، لعل هذا العامل في الحديقة عند الله خير من كل نزلاء الفندق وهذا ممكن . ابتغوا الرفعة عند الله عزَّ وجل .
إذاً يجب أن ترتدي ثياب التقوى، " كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه " . شخص أمين، صادق، عفيف، لا يوجد إنسان يهدده بصورة فيقوله له: انتبه سنبرز الصورة . لا توجد عنده مشكلة أبداً، لا يوجد إنسان يهدده بكشف الأمر: أنت مختلس . لا بل كل ماله حلال، لا يوجد علاقة غير نظيفة، بيته نظيف من الداخل والخارج، سره كعلانيته، جلوته كخلوته، لا يوجد عنده ازدواجية بالحياة، هذا ينام مرتاح البال .
ذكر لي أخ كان بألمانيا أن كُتب على السرير في الفندق، وهو فندق فخم من فنادق النجوم الخمس: إن لم تستغرق في النوم فالعلَّة ليست في فُرُشِنا بل في ذنوبك . إذا لم ترتح بالنوم فهذا ليس من الفرش، فرشنا وثيرة، لكن العلة في ذنوبك .
فكن ابن من شئت، بأي مكانة، بأي مرتبة، بأي دخل، بأي شكل أنت ملك إذا كنت مستقيماً، يروى أن الأحنف بن قيس كان قصير القامة، أسمر اللون، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، ضيِّق المنكبين، أحنف الرجل، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيَّدَ قومه، إذا غضب غَضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيمَ غضب، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه .
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ (103) ﴾
المعنى الثاني: أنك إن آمنت واتقيت لبست ثوباً جميلاً هو أجمل ثياب الأرض، المؤمن شريف، عفيف، ذِكره حسن، لو أنه مات تبكي عليه السماء والأرض والدليل قول الله عن الكفار:
﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ (29)﴾( سورة الدخان)
المعنى المخالف: المؤمن تبكي عليه السماء والأرض . فأنت لا تعبأ بمراتب الدنيا، اعبأ بمرتبةٍ عند الله
لكلمة (راعنا) في الآية التالية ثلاثة معانٍ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)
طلب موجبات الرحمة أَولَى من طلب الإعفاء من الحساب:
قال تعالى: ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا (104) ﴾
هذا معنى يستنبط منه أن كل كلمةٍ تحتمل معنيين، وأنت تريد المعنى السليم ابتعد عنها، هذا سمَّاه العلماء سد الذرائع، فقد تفعل شيئاً لا غبار عليه، ولكنه قد يقود إلى ما هو محرم، فقد تزرع العنب في مكان لا يباع إلا للخمَّارات، فبذلك تكون زراعة العنب محرمة سداً للذريعة، قد تسب إنساناً فيسب الله، سُباب هذا الإنسان محرَّم، من هو الذي يسب أباه؟ يسب أبا الرجل فيسب أباه، فالتحريم تحريم سد ذريعة، هذا حكم شرعي، أنه إذا احتملت كلمة معنيان، فالأولى أن تبتعد عن استخدامها، وأن تستخدم كلمة تحتمل معنى واحداً، وهذا من بلاغة الإنسان وفصاحته .
هناك معنى آخر ـ سأحاول أن أوضحه لكم ـ لو أن شاباً له أب أستاذ رياضيَّات وهو أستاذه في الصف، هو في الصف الحادي عشر ووالده أستاذه، وعنده مذاكرة في اليوم الثاني، هذا الابن أمامه خياران ؛ إما أن يسأل أباه أن يوضح له بعض المسائل، وإما أن يقول له: أعطني أسئلة الامتحان . أيهما أولى ؟ أن يسأله، لا تقل: راعني قل: انظرنِ . هذا معنى آخر، أي أنَّك إن أردت رحمة الله قدم موجباتها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لعلو أدبه مع الله عزَّ وجل كان يقول:(( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ ))[الترمذي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه ]
قال لأحد أصحابه الكرام:(( أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))[ مسلم عن ربيعة بن كعب رضي الله عنه ]
اطلب موجبات رحمة الله، لا تطلب أن يعفيك الله من الحساب، اطلب موجبات الرحمة لا تطلب الأمور من طريق غير صحيح، هذا معنى آخر، على كلٍ القرآن حمَّال أوجه
فالمعنى الأول: لا تتكلم كلمة تحتمل معنيين، أسلوب غش الكلام محرم . بعض الناس مزاحهم فيما بينهم كلمة مغشوشة، ظاهرها ليس فيه شيء، ولكنه يقصد معنى آخر قذراً، ويبتسم ويغمز، ويلمز، هذا محرَّم . فاختر كلمةً واضحةً نقية جليَّة، وهذا من الفصاحة، فالكلام الذي يحتمل معنيين فيه متاهات كثيرة جداً .
والمعنى الثاني: أنك بدلاً من أن تطلب العفو دون الموجبات، اطلب من الله ورسوله أن ينظرا إليك نظرة شكرٍ لاستقامتك، هذا أولى من أن تطالب بالعفو، وأوضح مثل الطالب . لئن سأل والده أن يوضِّح له المنهج أولى ألف مرة من أن يسأله أن يعطيه سؤال الامتحان، هذا سلوك لا يليق .
﴿ رَاعِنَا ﴾صيغة مشاركة، وهناك معنى ثانٍ قال عنه العلماء أنه: سوء أدب، أي ارعني وأرعاك انصحني وأنصحك . هذا بين الناس لا بين الناس ورسول الله، النبيُّ يؤخذ منه فقط ولا يُملى عليه شيء .
المعنى الآخر إذاً: راعنا فيها مشاركة، أي:﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9) ﴾( سورة القلم)بالتعبير العامي: " حك لي لأحك لك، أي حلها برمة لنحلها نحن برمة " .هذا لا يليق بخطاب النبي عليه الصلاة والسلام، النبي مشرع، والنبي معصوم يؤخذ منه فقط، تُتَّبع سنَّته فقط:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (1) ﴾( سورة الحجرات)
هذا هو المعنى، إذاً صار عندنا ثلاثة معانٍ، فإذا كنا قد فهمنا راعنا، ارعنا ولنرعك، دلنا ولندُلَّك، أعطنا ولنعطك،
إذاً المعنى جعلتم دعاء النبي كدعاء بعضكم بعضاً، اعتقدت أنه يخطئ ويصيب، عملت مساومة، هذا المعنى ذكره القرطبي .
المعنى الثاني ارعنا على سبيل التعظيم، وسبيل طلب المغفرة، قد يكون الصحابي في أعلى درجة من الأدب، ولكن هذه الكلمة لها لغة أخرى يستغلها اليهود ليقلدوا الصحابة بها، وهم يقصدون سَبَّ النبي عليه الصلاة والسلام فجاء النهي عنها .
إذاً أول معنى: خطاب الناس شيء وخطاب رسول الله شيءٌ آخر،
المعنى الثاني: ابتعد عن كل كلمة تحتمل معنيين، إذاً كل المزاح المغشوش هذا محرَّم، عوِّد نفسك أن تقول كلمة الحق واضحةً جليةً نقية، أما مجتمعات التسيب والتقصير والمعصية، هناك آلاف الألغام في حديثهم،
المعنى الثالث: اطلب موجبات رحمة الله عزَّ وجل ولا تطلب أن يستثنيك من الحساب .
راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الشرعية
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 02:20 PM
الخير كله بيد الله فلا تسأله من غيره
هناك لفتةٌ في الآية دقيقةٌ :
﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ (105) سورة البقرة﴾
الخير لا يخضع لرغبة الخلق بل هو بيد الله يعطيه لمن يشاء باستحقاقٍ وبطلب:
الخير من الله، لا من الغرب ولا من الشرق، وحينما توقَّعنا الخير من الشرق خاب ظنُّنا، وإذا توقَّعنا الخير من الغرب سيخيب ظنُّنا، الخير من الله وحده، هذه حقيقة .
أيها الأخوة، الخير الذي من عند الله وحده لا يخضع لرغبة أحد، فأنت إذا تمنيت الخير لفلان أو لم تتمن له الخير لا تمنِّيك يعطيه الخير ولا عدم تمنيك يمنع عنه الخير.
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾( سورة فاطر)
أي إذا أراد الله أن يكرمك وأراد أهل الأرض مجتمعين عكس ذلك ما استطاعوا، وإذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مردَّ له لو أن معك أهل الأرض جميعاً ما انتفعت بهم، الله وحده هو الذي يعطي وهو الذي يمنع، هو الذي يرفع وهو الذي يخفض، وهذا هو التوحيد، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، الخير لا يخضع لرغبة الخلق، الخير بيد الله يعطيه لمن يشاء باستحقاقٍ وبطلب .
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ﴾( سورة الزخرف)وقال: ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾
آيات من الذكر الحكيم دالة على أن الخير بيد الله يختص به من يشاء: كلامٌ دقيقٌ أيها الأخوة، رحمة الله من الله وحده، والخير وهو رحمة الله يختص به من يشاء . قال تعالى في آياتٍ كثيرة :
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(6) ﴾( سورة المنافقون)وقال:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾( سورة المائدة)وقال: ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾
الشيء الثاني: رحمة الله لمن طلبها:
﴿ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218)﴾( سورة البقرة)
رحمة الله لمن طلبها وقدّم موجباتها وهي محجوبة عن الكافرين والظالمين والفاسقين: رحمة الله لمن قدَّم موجباتها،
رحمة الله محجوبةٌ عن الكافرين، ومحجوبةٌ عن الظالمين، ومحجوبةٌ عن الفاسقين، ورحمة الله لمن طلبها:
﴿ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218)﴾( سورة البقرة)
رحمة الله للمحسنين:﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) ﴾( سورة الأعراف )
رحمة الله للطائعين، رحمة الله للمُصَّلين، رحمة الله للعابدين، رحمة الله للمُخلصين، رحمة الله للتائبين، فربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾
هذه آيةٌ محكمة جاءت تفصيلاتها في آياتٍ كثيرة، إنه لا يهدي القوم الفاسقين ولا الكافرين ولا الظالمين، بل يُعطي رحمته لمن يطلبها، ويعطيها لمن دفع موجباتها،
كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الأدب وهو يقول:
((اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ))[من الأذكار النوويَّة عن أم سلمة]
وقال:﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ﴾
من الشرك أن تعقد الآمال على غير الله أو أن تتوجه إلى غيره :
قال تعالى:﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾
رحمته تابعةٌ لمشيئته، والخير من الله وحده،
لا يوجد خير في الأرض إلا من الله، وكل مسلم يعقد الآمال على غير الله سيخيب ظنُّه، وكل مسلم يتوجَّه إلى غير الله لينال منه الخير سيخيب ظنه، وهذا نوعٌ من الشرك:
﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾
هذه المشيئة مفصَّلة في آيات أخرى، رحمة الله عزَّ وجل محجوبةٌ عن الفاسقين، محجوبةٌ عن الكافرين، محجوبةٌ عن الظالمين، محجوبةٌ عن المتكبِّرين، محجوبةٌ عن المشركين، لمن هي مبذولة ؟
لمن يطلبها، لمن يقدِّم موجباتها، لمن يكون صادقاً، لمن يكون مخلصاً، لمن يكون تائباً، لمن يكون متطهِّراً .
أي مسلم يُعدّ سفيراً للمسلمين
﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)سورة البقرة﴾
الكافر يبحث عن التناقض عند المؤمن ليشكِّك المؤمن في أصل دينه :
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً)
أي أن الطرف الآخر يبحث عن نقاط الضعف عند المؤمنين، يكتشف تناقضاً وهمياً في أفكاره أو ليكتشف بعض الأخطاء غير المقصودة في سلوكهم،
فيكبِّرها ويقيم النكير عليها، وهو يودُّ أن يشكِّك المؤمنين في أصل دينهم
حينما يقصِّر المؤمن في عمله، حينما يتناقض في كلامه، حينما يكتب تصريحاً كاذباً للحج فرضاً، حينما يهمل عمله، حينما يعد ولا يفي، ماذا يفعل ؟ يفعل جريمةً . ما هي الجريمة ؟ الطرف الآخر يتمسَّك بكفره، يتشبَّث به، يقول: أنا على الصواب، وأنت الخطأ، أنا على حق وأنت الباطل لأنك قصَّرت معه، فأي مؤمن يُعدّ سفيراً للمسلمين
أنت مسلم وتمثِّل هذا الدين العظيم، فحينما تُدلي بتصريحٍ كاذب فقد كذبت والمؤمن لا يكذب
تمسُّك المؤمن بالقيم ووضوحه في الفكر والتزامه في السلوك يحدث عند الطرف الآخر خللاً: حين يعد المؤمن ولا يفي بموعده فقد أجرم
أنت حينما تعد ولا تفي بوعدك أنت بهذا جعلت الطرف الآخر يتشبَّث بكفره، ويحتقر ما أنت عليه، وينتقل احتقاره إلى دينك، فقبل أن تدلي بتصريح، قبل أن تُخلف الوَعد، قبل أن تقدِّم صنعةً غير متقنة، قبل أن تقدِّم شيئاً تافهاً، قبل أن تسلُك سلوكاً غير صحيح عدَّ للمليون لأن الطرف الآخر يبحث عن خطأ، يضع أعمالك تحت إضاءةٍ شديدة، الأضواء كلُّها مسلَّطة على المؤمن، فإذا أخطأ كُبِّرَ هذا الخطأ وصار خطأً يمسُّ هذا الدين العظيم .
دقِّق أنك لو تعاملت مع غير المسلم وأخطأت، لا يقول: فلان أخطأ معي، بل يقول: هكذا الإسلام، يُغفل اسمك ويظهر الإسلام، لو أنك لا سمح الله ولا قدَّر أخطأت في حق مسلم يقول: فلان أخطأ معي . لا يذكر الدين .
ربنا عزَّ وجل يعرض علينا نموذجاً من تمنيِّات هؤلاء القوم، يتمنون أن يردوكم بعد إيمانكم كافرين، ماذا يفعلون ؟ يشكِّكونكم في أصل دينكم، يشكِّكونكم في الوحي، الوحي أصل الدين
الطرف الآخر يُعادي الحق، ويبحث عن ثغرات ليكبِّرها ويجعل منها قضيَّة، فأنت كمؤمن ينبغي أن لا تعطي الطرف الآخر حُجَّةً عليك، ينبغي أن لا تعطي الطرف الآخر شيئاً يتمسَّك به . لذلك المؤمن الصادق يُحدث اختلال توازن عند الطرف الآخر، مؤمن، صادق، أمين، مُتقن، متفوِّق في عمله، يفي بوعده، يفي بعهده، لا يخون ولا يكذب، هذا التمسُّك بالقيم وهذا الوضوح في الفكر وهذا الالتزام في السلوك يحدث عند الطرف الآخر خللاً ولعلَّه يؤمن بهذه الطريقة
الفرق بين الغِبطة والحسد
قال تعالى:﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) سورة البقرة﴾
(حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)
إن تمنيت عمل الآخرة فهذه غِبطة وإن تمنيت ما عند أهل الدنيا فهذا حسد:
لكن هذا الحسد من عند أنفسهم، ما الحسد ؟
هذه جبلَّةٌ في الإنسان، هل هي مذمومةٌ دائماً ؟
لا، فهي جبلَّةٌ حياديَّة، خصيصةٌ حياديَّة، الإنسان مجبول على أن يتمنَّى ما عند الآخرين دون أن يزول عنهم، أي أنه يغار، يتمنَّى ما عند الآخرين هذه جبلَّة، هي في الأصل حياديَّة، إن وُظِّفت في الحق سميت الغِبْطَة . أنت كإنسان ترى إنساناً أعلم منك في الدين تتمنَّى أن تكون مثله، ترى إنساناً حافظاً لكتاب الله تتمنَّى أن تكون مثله، ترى إنساناً أجرى الله على يديه الخيرات تتمنَّى أن تكون مثله، هذه جبلَّة جُبِلَ عليها الإنسان، حينما صرفها للخير ارتقى بها إلى أعلى عليين، فإذا تَمَنَّيت أن تكون من أهل الدنيا هذا حسد، إن صُبَّت هذه الخصيصة على الدنيا كانت الحسد، وإن صُبَّتْ على الآخرة كانت الغبطة . جبلَّةٌ حياديَّة لا تُمدح ولا تذم، تُوظَّف في الخير أو في الشر، أي أن تتمنى ما عند الآخرين، أما الحسد وهو الجانب السلبي، الجانب المنهي عنه حينما ترى إنساناً غنياً تتمنى أن يزول المال عنه:
﴿ حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ (109)﴾
تتمنَّى بعد ذلك أن يتحوَّل المال إليك، هذه أقل سوءاً، وقد تفعل بيدك ما تصرف ماله إليك، هذه صارت جريمة، حينما تتمنى أن تزول النعمة عن أخيك هذا حسد، بصرف النظر عن تحوِّلها إليك أو عدم تحوُّلها إليك، وحينما تفعل بنفسك ما يزيل النعمة عن أخيك فهذه جريمة، أما حينما تتمنى أن تكون عالماً كعلم أخيك، حافظاً كحفظ أخيك، لك عملٌ طيبٌ كعمل أخيك هذه غِبْطَة،
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ))
[الترمذي عن سالِم عن أبيه رضي الله عنه ]
علامة المؤمن أنك تسعد بخيرٍ ساقه الله لأخيك، المؤمنون كالجسد الواحد، أي إذا اغتنى أخوك تسعد بهذا، وصل أخوك لمنصب رفيع تسعد بذلك، حينما تعاديه وضعت نفسك في صف المنافقين، وحينما تبارك له وتطمئن لما أصابه من خير وضعت نفسك في صف المؤمنين
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 02:22 PM
الله يظهر الحق في الوقت المناسب
قال تعالى:﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾سورة البقرة
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾
أمر الله عزَّ وجل أن ينصر المؤمنين ولكن في وقتٍ لا يعلمه إلا الله:﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ (46) ﴾( سورة يونس الآية: 46 )
أمر الله نصر المؤمنين، إظهار الحق، إبطال الباطل، ولكن قد تكون الأمور مختلطة، فأنت مؤمن، وهناك إنسان آخر غير مؤمن يأكل، ويشرب، ويعيش، ويتكلَّم، ويقول ما يشتهي، متى يُفْصَلُ بين المؤمنين وغير المؤمنين ؟ في وقتٍ يعلمه الله:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (17) ﴾( سورة الحج الآية: 17 )
﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾
أي إنه قدير أن يظهر الحق، ولكنه يظهره في وقتٍ مناسب . ألم يكن الله عزَّ وجل قادراً على أن يرسل النبي عليه الصلاة والسلام في مكانٍ ليس فيه أي كافر ؟ ممكن، لو جعل الله كل هؤلاء الكفار في قارة ثانية، وجاء النبي إلى مكة، كلهم مؤمنون، كلهم آمنوا به، وليست هناك هجرة، ولا يوجد بدر، ولا أحد، ولا الخندق، لا يوجد شيء أبداً، كلهم ذائبون في محبته لم تعد هناك جنة . الطرف الثاني له فضل عليك، الطرف الثاني عندما يكيد لك وأنت تصبر ارتقيت، عندما يكيد لك وأنت تبحث عن الحقيقة ارتقيت، عندما يكيد لك وأنت تقف أمامه بكل ما تملك ارتقيت، فشاءت حكمة الله أن يتصارع الحق والباطل في كل مكان وفي كل زمان وهذا مما يقوي الحق، أما لو غاب الطرف الثاني يضمُر الطرف الأول.
الذي يمدحك مدحاً ساذجاً يجعلك لا ترقى أما الذي ينتقدك يجعلك ترقى: إذا لم تكن هناك حركة، كأن تصاب يد بكسر ويوضِع لها الجبس، بعد حين تضمُر العضلات، فلو لم يكن طرف آخر يناوئ، ينتقد، يطعن، فأنت تهمد، هناك حكمة إلهيَّة لأن الحياة تتوقد بهذه المعركة . أحياناً يُطْبع كتاب فيه ضلالات كثيرة جداً، هذا الكتاب مثل اللقاح الذي يعطي للجسم جرثوماً مُضَعَّفاً، مما يجعل أجهزة الجسم تعمل ليلاً نهاراً لتصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم، صار هناك مناعة، هذه المناعة ما كان لها أن تكون لولا هذا اللُقاح، فاللقاح مفيدٌ جداً في إحداث المَناعة، قال تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112)وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ(113) ﴾( سورة الأنعام )
هذا الكتاب الضال يحدث حركة، عاد المؤمن إلى العلماء وسألهم، اجتهد العلماء وردّوا عليه، هذا الكتاب الضال ومع ما فيه من ضلالات عمل حركة مُنْعِشَة، لو لم يكن هناك طرف آخر فإنه يحدث ضمور، سكون، همود، تلاشي، هذه حكمة الله، لا تحزن إذا كان الإنسان يناوئك، هذا يرقى بك، بالمناسبة الذي يمدحك مدحاً ساذجاً يجعلك لا ترقى، أما الذي ينتقدك يجعلك ترقى، لذلك قال بعض الشعراء:عداتي لهم فضلٌ عليَّ ومنَّةٌ فلا أعدم الله لي الأعاديا
* * *
هذا العدو يراقبك، ينتقدك، يقف لك بالمرصاد أنت ماذا تفعل ؟ تضبط أمورك، تضبط كلامك، تضبط كل شيء، فهذا الضبط سببه الطرف الآخر . على كلٍ كما قال الإمام الغزالي: " ليس في الإمكان أبدع مما كان " . بطولتك أن تكون مع الله وعلى الحق وما دمت على الحق فلا بدّ من أن يظهر الحق: قال تعالى:
﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾
الله عزَّ وجل هو الحق، والحق لا بد من أن يُحقّ، على الله جلَّ جلاله أن يُحق الحق، قل ما شئت، ادَّعُّ ما شئت، اتهم من شئت، الله متكفِّل أن يحق الحق وأن يبطل الباطل، هذا على الله عزَّ وجل﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾
قدير أن يأتي بأمره في كل وقت، ولكن له حكمةٌ لا نعلمها، أي أن بطولتك أن تكون مع الله وأن تكون على الحق، ما دمت على الحق لا بد من أن يظهر الحق . الباطل لا بد من أن يزهق مهما كان عظيماً، ومهما كان كبيراً، ومهما كان متعدِّداً، مهما كان عظيماً وكبيراً ومتعدِّداً:﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾( سورة الإسراء )
الفرض المتكرِّر الذي لا يسقط بحال
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)سورة البقرة
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)
الشهادة ينطق بها مرَّةً في العمر، تقول: أشهد أنه لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله حينما تعلن إسلامك، والزكاة تسقط عن الفقير وتؤدَّى في العام مرَّةً، والصيام يسقط عن المريض الذي لا يرجى برؤه، والحجُّ يسقط عن المريض وعن الفقير ويؤدَّى في العمر مرَّة، هذه أركان الإسلام ؛ شهادة أن لا إله إلا الله والصيام والحج والزكاة، أما الفرض المتكرِّر الذي لا يسقط بحال هو الصلاة، قال تعالى:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (110) ﴾
أي أقم الصلاة:﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾( سورة العلق)-
الصلاة قرب:﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ﴾( سورة طه)
الصلاة ذكر:﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾( سورة العنكبوت الآية: 45 )
تلقي في قلبك نوراً ترى فيه الحق والباطل .﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾( سورة الملك )
وقال:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾( سورة الحديد الآية: 28)
الصلاة عقل:﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (43) ﴾( سورة النساء )
لم يقل: وَصَلَّوا، بل قال:﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (110) ﴾
عندما يقام بناء فهو يحتاج بشكل أو بآخر إلى رخصة، يحتاج إلى حفر أساسات، يحتاج إلى هيكل إسمنتي، إلى كسوة، إلى أثاث، فكيف تقيم الصلاة ؟
بطاعتك لله أولاً، بغض بصرك عن محارم الله، بالصدق، بالأمانة، حينما تكون كما أراد الله تقف فتصلي .
حُكــمُ تاركِ الصلاة :
قال ابن القيم : " لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب والكبائر ، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم الكبائر كلها ، من قتل نفس ، وأخذ مال ، ومن إثم الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه ، وخزيه في الدنيا والآخرة .
وكان عمر يكتب إلى الآفاق : << إن أهم أموركم عندي الصلاة ، فمن حفظها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع >> .
أنا أقترح عليكم إذا خطب رجلٌ ابنتكم ، وهو لا يصلي أصلاً فلا مصلحة معه أبداً ، لأن الذي يصلي عنده نوع من الخوف ، والصلاة الكاملة ، قال تعالى :
﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾[ سورة العنكبوت 45]
ابن حجر عدّ ترك الصلاة عمداً من الكبائر ، بل من أكبر الكبائر ، الدليل : قال تعالى :
﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾[ سورة المدثر ]
صح عن النبي أن تارك الصلاة كافر ، لكن إذا تركها جحوداً بفرضيتها ، أما إذا تركها تقصيراً يعد عاصياً معصية كبيرة .
الآيات المبينّة لحكم تارك الصلاة والتهاون عنها :
1 – الآية الأولى :
يقول الله عز وجل :
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾[ سورة النساء ]
ألا تكفي هذه الآية ؟
2 – الآية الثانية :
الآية الأخطر :
﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾[ سورة التوبة ]
3 – الآية الثالثة :
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾[ سورة مريم ]
4 – الآية الرابعة :
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾[ سورة المدثر ]
5 – الآية الخامسة :
الصلاة هي الفرض الوحيد المتكرر الذي لايسقط بحال
﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾[ سورة الماعون)
أعمال تُذهِب فضل الطاعة
إنسان قال لك: إذا انضممت للمؤمنين فسيزيد ربحي لأنهم سيصبحون زبائني جميعاً، فمجيئه إلى المسجد هذا بنية أن يزداد ماله، اختلف الوضع، يقول لك: أنا أصوم لأحسِّن صحَّتي . اختلف وضع الصيام، أنا أصلي لكي تتقوَّى عضلاتي لأن الصلاة رياضة .
هذه كلها أعمال تذهب فضل الطاعة:
﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى (111﴾
قال اليهود: لن يدخل الجنَّة إلا من كان يهودياً . توهموا أن الجنة لهم وحدهم، والنصارى قالوا: لن يدخل الجنَّة إلا من كان نصرانياً . والمسلمون يقولون: لن يدخلها إلا من كان مسلماً . هذا ادعاء، قال:﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ (111) ﴾
الأماني بضاعة الحمقى
الأماني بضاعة الحَمْقَى، فكل طالب من القُطر يتمنَّى أن ينجح، التمني سهل لا يكلف شيئاً .
﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾
أين العمل الذي يؤهِّلكم لدخول الجنَّة ؟ أين التضحية التي ضحيتم بها ؟ أين الالتزام الذي التزمتم به ؟ يقول لك أكثر المسلمين الآن بسذاجةٍ مضحكة: الحمد لله نحن مسلمون، نحن من أمة محمَّد .
(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))[ مسلم عن أبي هريرة ]
(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))[أخرجه الحارث في ((المسند)) (41)، والطبراني (22/337) (844)
الأماني بضاعة الحمقى: الله عزَّ وجل قال:﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1) ﴾(سورة المسد)
أبو لهب عم النبي:﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2) ﴾( سورة المسد )
وقال:﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾
أين البرهان ؟ أكثر الناس يقول: أنا إيماني أقوى من إيمانك . لكن بيتك كله معاصي، عملك كله معاصي، مالك كله حرام، هذا الكلام فارغ إذاً:﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾
الازدواجية والنفاق من أمراض كثير من المسلمين اليوم:
إنسان مبتدع جاء بشيء ليس من الدين لماذا تبجِّله وتعظِّمه وتبدي أعلى درجات الاحترام له ؟ فأنت بهذا كنت مِعْوَلاً هدم الدين، فهذه الازدواجية وهذا النفاق من أمراض المسلمين اليوم:
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) سورة البقرة﴾
أنا أُصَدِّق طبيباً إذا نصحني أن أدع الملح مثلاً منعاً لارتفاع الضغط ، لمَ لا تنصاعُ لنصيحة خالق الأكوان ؟
قال الإمام الغزالي: "يا نفسُ لو أن طبيباً منعكِ من أكلةٍ تحبينها لا شكَّ أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله ؟
إذاً ما أكفركِ، أيكون وعيد الطبيب أشد عندكِ من وعيد الله ؟
إذاً ما أجهلكِ ".
كأن الله عزَّ وجل يقول: هذه دعوى فأين البرهان ؟ تدَّعون أن الجنَّة لكم وحدكم ولكن ما برهانكم على ذلك ؟ وما العمل الذي إذا فعلتموه ارتقيتم عند الله عزَّ وجل ؟
وأنت لاحظ عندما يكون إنسان شارداً تائهاً غافلاً عن الله يناقش مؤمناً، يقول له: أنا إيماني أقوى من إيمانك، أنا إيماني بقلبي ! لكنه في سلوكه ليس منضبطاً أبداً، ثم يدعي أن إيمانه بقلبه، أخرج ديناً جديداً، يقول: العبرة بالقلب، والمرأة الساقطة تقول كذلك، فلا يوجد إنسان ساقط بسلوكه إلا ويدعي أن إيمانه بقلبه هذه دعوى، كأن لسان حال هؤلاء يقول: يا رب ألا يدخل الجنة أحد ؟
هؤلاء تمنوا دخولها ولا يدخلونها، ألا يدخل الجنَّة أحد ؟ قال الله عزَّ وجل:
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾
أي طبَّق أمر الله مخلصاً، الوجه يعبَّر به عن الذات، أنا أبتغي بهذا العمل وجه الله، أي أبتغي ذات الله عزَّ وجل، أشرف شيء بالإنسان وجهه، فأنت تقول: أبتغي وجه الله عزَّ وجل، أي أبتغي ذات الله عزَّ وجل .
خُلُقُ المؤمن:
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾
أي وجدته مطيعاً لله، وجدته وقَّافاً عند كلام الله، وجدته مؤتمراً بما أمر الله منتهياً عما نهى الله عنه، يرتاد بيوت الله، يبتعد عن أماكن اللهو، ويجعل دخله حلالاً، ويبتعد عن الدخل الحرام، ويُقيم الإسلام في بيته، أي أنه من فرقه إلى قدمه ينطق بإسلامه، إذا حدَّثك فبالقرآن والسنة، وإن نظر ضبط بصره وغَضَّه عن محارم الله، وإن استمع لا يستمع إلى منكر، إن نطق لا ينطق إلا بالحق، إن تكلَّم ذكر الله وإن سكت فكَّر في خلق الله، وإن رأى أدرك العبرة مما يرى .
أحياناً يقول لك إنسان: والله مؤمن ورب الكعبة ؛ بكلامه، وجلسته، ومشيته، ونظرته، وحديثه، ومواقفه، وعلاقاته، ومعاملاته، وبيته، وعمله هو مسلم إسلاماً خالصاً فقد سُئلت السيدة عائشة عن خلق رسول الله فقالت:(( كان خُلُقُه القرآن ))[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]قال بعضهم: " القرآن كونٌ ناطق، والكون قرآنٌ صامت والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي " . المؤمن وقَّاف عند كتاب الله، يأتمر بما أمر، وينتهي عما عنه نهى وزجر، ولا يفعل إلا ما يرضي الله:
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (112) ﴾
﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾هذه الكلمة مطلقة، محسن في كل شيء ؛ محسن في عمله المهني، محسن في بيته، محسن في أفراحه، الفرح لا يستخفُّه، محسن في أحزانه، الحزن لا يسحقه، إنفاقه ولو كان غنياً ينفق الدرهم في مكانه الصحيح، محسن في كسب ماله لا يُخادع الناس، ولا يغشُّهم، ولا يحتال عليهم، ولا يأكل المال الحرام، ولا يأكل المال بالخِداع، فكلمة﴿ مُحْسِنٌ ﴾إنه محسن، متقن بعمله، صادق بكلامه، إذا وعد وفى، إذا حدَّث صدق، وإذا عامل أنصف، قال: هذا الذي أسلم وجهه لله وهو محسن هذا الذي يدخل الجنَّة، الجنَّة لمثل هؤلاء . وهذا درس لنا، أخلص لله عزَّ وجل، وطبِّق أمره، وأحسن .
يوجد في هذه الآية شيء تطبيقي وشيء إنشائي، أنت مستسلم لأمر الله، طبَّقت أمر الله وأنت محسن أي أن هناك عطاء، أنت قدَّمت شيئاً معنى محسن أي أنك قدَّمت شيئاً، فالاستسلام هو الاستقامة، والإحسان هو العطاء، وكل واحد منا لو سأل نفسه هذا السؤال: يا نفس ماذا قدَّمتِ ليوم القيامة ؟ ماذا قدَّمت للمسلمين ؟ ما العمل الذي يمكن أن تعرضيه على الله عزَّ وجل ؟
هذا سؤال دقيق . هناك إنسان يعيش لذاته، وهناك إنسان يعيش للآخرين، فقيمتك عند الله تساوي عملك الصادق، وأنت في الدنيا هنا من أجل العمل الصالح .
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾
إسلام الطاعة وإسلام الإخلاص، أي أنه أطاع الله مخلصاً ثمَّ أعطى مما أعطاه الله، هل هناك إنسان ليست له ميِّزة ؟ هل هناك إنسان ليست له حرفة ؟ أو أنه لا يفهم شيئاً ؟
المؤمن الصادق يقدِّم جزءاً من اختصاصه، ومن حرفته، ومن خبرته، مما مكَّنه الله منه لوجه الله عزَّ وجل، فالطبيب يعالج المرضى الفقراء لوجه الله، والمحامِي المؤمن يتولَّى قضايا لأُناس فقراء لوجه الله، والتاجر المؤمن يؤدي زكاة ماله وينصح المسلمين، وما من حرفةٍ تستعصي عن أن تكون لوجه الله، ما من حرفةٍ تستعصي عن أن تعمل من خلالها العمل الصالح .
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 02:23 PM
محاسبة الله للإنسان :
{ وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } البقرة / 123 .
هذا هو اليوم الذي تسوَّى فيه الحسابات، هذا هو يوم الدين، هذا هو يوم الفصل، هذا يوم القارعة، هذا يوم الحاقَّة، هذا يوم الطامَّة الكبرى، هذا يوم النبأ العظيم، الناس في الدنيا مختلفون ؛ أقوياء وضعفاء، أغنياء وفقراء، طلبوا العلم وزهدوا في العلم، استقاموا وانحرفوا، صدقوا وكذبوا، أكلوا المال الحلال أو أكلوا المال الحرام، عفوا أو اعتدوا على أعراض بعضهم بعضاً، هؤلاء الناس بعجزهم وبجرهم، وبانحرافهم واستقامتهم لا بد من أن يقفوا يوماً بين يدي الله عزَّ وجل ليحاسبوا عن أعمالهم كلها، صغيرها وكبيرها .
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه(8) ﴾( سورة الزلزلة )
العاقل كل العاقل، والذكي كل الذكي، والفالح كل الفالح، والفائز كل الفائز، والمتفوِّق كل المتفوِّق هو الذي يُعد لهذا اليوم عدته، هو الذي يدخل هذا اليوم في حساباته اليوميَّة، ويجب عليه قبل أن ينطق بكلمة، وأن يعطي، وأن يمنع، وأن يعادي، وأن يقطع، وأن يصل، وأن يبتسم، وأن يعبس، وأن يغضب، وأن يرضى يجب أن يقول: ماذا سأجيب الله يوم القيامة ؟ ولذلك فالأبوَّة مسؤوليَّة، والعمل مسؤوليَّة، والحرفة مسؤوليَّة، والله عزَّ وجل سيسألنا عن كل أعمالنا صغيرها وكبيرها .
يوم القيامة يحاسب كل إنسان عن عمله:
قال تعالى:﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا (49) ﴾( سورة الكهف )
كتاب أعمال الإنسان:
﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(49)﴾( سورة الكهف )
نحن الآن في بحبوحة في الدنيا، لك أن تحسن ولك أن تسئ، لك أن تصدق ولك أن تكذب، لك أن تبالغ ولك أن تقلِّل من أهمية الشيء، هذا لا ينفعك عند الله شيئاً، لا بد من أن تُسأل لماذا فعلت ؟
ولماذا قُلت ؟ ولماذا ضخَّمت ؟ ولماذا قلَّلت ؟ ولماذا اتهمت ؟ ولماذا اغتبت ؟ ولماذا أعطيت ؟ ولماذا منعت ؟
﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (123) ﴾
يوجد في الدنيا تكتُّلات، فهناك جماعات، وهناك إنسان له أتباع، وله مكانة، وسيطرة، وغني كبير، وقوي يحتل منصباً رفيعاً بإمكانه أن يفعل كل شيء، هذا في الدنيا ؛ ولكن في الآخرة:
﴿ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (123) ﴾
أدلة من القرآن الكريم والسُّنة الشريفة أنه لا تجزى نفس عن نفس شيئاً:
يقول الله عزَّ وجل :
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ (19) ﴾( سورة الزمر )
يا محمد يا سيد الخلق:
﴿ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) ﴾( سورة الزمر )
(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))[ مسلم عن أبي هريرة ]
(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))[ أحمد عن أبي هريرة]
(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))[ أحمد عن أبي هريرة]
لو أنك استطعت أن تستخلص، أو أن تأخذ من فم رسول الله وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق فتوى لصالحك أو حكماً ولم تكن محقاً فإنك لا تنجو من عذاب الله:
(( لعلَّ أحدكم ألحن بحجَّته من الآخر فإذا قضيت له بشيء فإنما أقضي له بقطعةٍ من النار ))[الجامع لأحكام القرآن عن أم سلمة ]
معنى قول الحاج لبيك اللهم لبيك
وإذا أراد الإنسان أن يحج بيت الله الحرام ولم يكن مستقيماً، وكان ماله حراماً وقال: لبيك اللهم لبيك . يناديه منادٍ: أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردودٌ عليك . ولكن من يلبي هذه الدعوة مخلصاً لا يبتغي الرياء ولا السمعة، يبتغي وجه الله الكريم، يلقي الله في قلبه من السعادة ما يحمله على أن يعود إليه مرة ثانية
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً (125) ﴾
إذا زار الإنسان مكاناً جميلاً جداً وسعد في هذا المكان أيَّما سعادة يقول: إن شاء الله نعيد الكرَّة في العام القادم . وهذه قاعدة، فكلمة مثابةً أي أن هذا البيت لما يلقي الله في قلب حاجِّه ومعتمره من السعادة يتمنى أن يعود إليه دائماً، والإنسان دائماً يصلي في بلده ويصوم، وفي البلد متاعب وأعمال ومشاغل ومشكلات، أما حينما يترك بيته، ومكتبه، وعمله، وتجارته، ويدفع الأموال، ويمشي في الطرقات، ويركب السيارات، ويتحمل المشاق، ووعثاء السفر، يبتغي وجه الله، فلا يعقل إلا أن يكرمه الله إكراماً لا يعرفه إلا من ذاقه:
(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر .))[أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود]
إذا زار الإنسان بيت الله في بلده يلقي الله في قلبه من الطمأنينة والسكينة والشعور بالأمن ما لا يعلمه إلا الله، ولذلك التجلي الإلهي في بيت الله الحرام تجلٍ مركَّز جداً، فعندما فرَّغ الإنسان نفسه لهذه العبادة يتولى الله تفريغ قلبه ـ نقطة دقيقة ـ هو فرَّغ قلبه مادياً ؛ ترك بيته، ووطنه، ومكتبه، وتجارته، وزوجته، وأولاده . أنت حينما تفرِّغ جسمك ونفسك من متاعب الدنيا يتولى الله تفريغ قلبك من سواه، واسأل أي حاجٍ أو معتمر كان مخلصاً في حجَّته أو عمرته يقول لك: والله وأنا هناك ما ذكرت شيئاً من هموم دنياي كلها لأنها نُزعت مني . أنت فرَّغت نفسك لطاعتنا ونحن نفرغ قلبك لمشاهدة كمالنا .
وهذا معنى قول الحاج: لبيك اللهم لبيك . كأن الله يقول له: تعال يا عبدي، تعال كي تذوق طعم القُرب، تعال كي تذوق طعم الأمن، تعال كي تذوق جمال المُناجاة . فالإنسان ذاق الدنيا، ذاق طعامها وشرابها، ونساءها، وعزَّها، وسلطانها، والمناظر الجميلة، والحدائق الغناء، والبيوت الفارهة، والمركبات الأنيقة، وكأنه يُقال له: تعالَ ذق شيئاً آخر، تعالَ اتصل بأصل الجمال، تعال اتصل بأصل الكمال، تعال اتصل بأصل النوال في بيت الله الحرام، وهذا الكلام الذي أقوله وأنا أعني ما أقول الذي سعد بحجةٍ مقبولةٍ أو عمرة مقبولةٍ يعرف معنى هذا الكلام، أنت هناك في عالم آخر.
الحج دعوة من الله وأنت تلبي هذه الدعوة والعمرة زيارة:
قال تعالى:﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا (125) ﴾
كيف أن الله عزَّ وجل جعل بين الزوجين المودة والرحمة ؟ وكيف أن الله عزَّ وجل جعل بين المؤمنين هذا الود:
﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (63).﴾( سورة الأنفال.)
هذا الود بين المؤمنين، وتلك المودة بين الزوجين من خلق الله عزَّ وجل، وهذه السعادة التي تعمر قلب الحاج والمعتمر من خلق الله عزَّ وجل، أما حينما يحج الناس للسمعة والرياء والتجارة والمصالح والتباهي والتسوّق فقط، فهذا لا يذوق طعم الحج، لذلك الحج دعوة من الله وأنت تلبي هذه الدعوة، والعمرة زيارة، الله عزَّ وجل في الحج دعاك وأنت في العمرة زرته .
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً (125) ﴾
هذا الأمن أيها الأخوة قد يفقده أغنى الأغنياء، وقد يفقده أقوى الأقوياء، ولكنه عطاءٌ إلهي خاصٌ بالمؤمن .
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127البقرة) ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا (127) ﴾
أصل الإخلاص قول النبي عليه الصلاة والسلام :(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى )) .[البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
فالعمل عند بعض العلماء لا يُقبل إلا بشرطين ـ وهذا كلام دقيق وخطير ـ لا يقبل إلا إذا كان صواباً، أي ما وافق السنة، وخالصاً أي ما ابتغي به وجه الله . وهناك تخليطٌ كثير بين عملٍ وافق السنة ولم يبتغَ به وجه الله، أو عملٍ ابتغي به وجه الله ولم يوافق السنة، العبرة أن يأتي عملك موافقاً للسنة مبتغياً به وجه الله حتى يُقبل:﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا (127) ﴾
العمل حينما يُقبل يمتلئ قلب صاحبه ثقةً بالله عزَّ وجل، وسكينةً، وسعادةً، وإن العمل إذا قُبل ألقى الله في روع المؤمن أنه قد قُبل عملك يا عبدي:﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾
ثلاث علامات تؤكِّد لك إخلاصك:
1ـ أنْ يستوي عندك الجهر والسر:
العلامة الأولى: أنْ يستوي عندك الجهر والسر، أيْ الجلوة والخلوة، والباطن والظاهر، والسريرة والعلانية، فإذا استوى الداخل والخارج، أو المعلن والمخبَّأ، والسريرة والعلانية، أيْ إذا استوى ظاهرك مع باطنك، وخلوتك مع جلوتك فهذه إشارة من إشارات الإخلاص لله عزَّ وجل .
2ـ استواء استحسان العمل أو عدم استحسانه:
الشيء الثاني: ألا يتأثر الإنسان المؤمن المخلص أبداً لرد فعلٍ سيئ لعمله الصالح، وهو لا يبتغي مديح الناس، ولا ثناءهم، ولا استحسانهم، ولا يستجدي عطفهم، بل هو يبتغي بعمله وجه الله عزَّ وجل، والإنسان حينما يبتغي بعمله وجه الله ينبغي له أن لا يعبأ بأحد، إذا كان الله عزَّ وجل قصدك، وأنت تُرضي الله عزَّ وجل، وأنت واثقٌ من أن هذا العمل مطابقٌ للسنة، وأنك تبتغي به وجه الله فلا تعبأ بأحد .
3ـ السكينة في القلب:
الحالة الثالثة من علامات الإخلاص: أن العمل الصالح إذا كان خالصاً ارتفع إلى السماء وعادت منه سكينةٌ على قلبك .
فالسكينة في القلب، واستواء السر والعلانية، واستواء استحسان العمل أو عدم استحسانه،
ثلاث علاماتٍ تؤكِّد أن العبد مخلصٌ لله عزَّ وجل .
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 02:24 PM
أخطر شيء ينبغي للمسلمين أن يعالجوه تربية أولادهم :
قال تعالى:﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾
الله هو الصانع، والصانع هو الجهة الوحيدة التي ينبغي لها أن تتبع تعليماتها، فأنت أعقد آلة في الكون، والله عزَّ وجل هو الصانع الحكيم، وهذا المنهج تعليمات الصانع، وينبغي أن يتبع الإنسان تعليمات الصانع حرصاً على سلامته وعلى سعادته
هل من الممكن أن يسعد إنسان وابنه شقي ؟ مستحيل . كنت أقول مرَّةً في بلدٍ غربي: لو وصلت إلى أعلى منصبٍ في العالم، وإلى أكبر ثروةٍ وأعلى شهادةٍ في العالم، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
فأخطر شيء ينبغي للمسلمين أن يعالجوه تربية أولادهم، فأنت تجد أحياناً امرأة محجَّبة وابنتها متفلِّتة في الطريق، وتجد الأب يصلي والابن لا يعتقد بهذا الدين إطلاقاً، فحينما يرى الأب ابنه منحرفاً شارداً يشقى بانحرافه، وحينما ترى الأم ابنتها تائهةً ضالَّةً تشقى بشقائها، الأب يشقى بشقاء ابنه، والأم تشقى بشقاء ابنتها، فلذلك دائماً:
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا (128)﴾
تربية الأولاد من أولويات الحياة:
قال تعالى :﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (124)﴾( سورة البقرة)
تربية الأولاد من أولويات الحياة وينبغي لنا أن يكون هذا العمل في المرتبة الأولى في حياة المسلمين اليوم والسبب أن هناك صوارف لا تنتهي ؛ تصرف ابنك عن دينه، وعن قيَمه، وعن ماضي أُمَّته، وعن سبيل سلامته، وعن سبيل سعادته . صوارف كثيرة جداً، وعقبات كثيرة، عقبات وصوارف، ونحن في آخر الزمان ؛ والفتن مستعرة، والضلالات منتشرة، والشُبهات تملأ الجوانح، والمُغريات قد لا يحتملها ضعيف الإيمان:(( الْمُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))[أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
شمَّة واحدة الآن تجعل هذا الفتى مدمن مخدرات، فيلم واحد يصرفه من الدين إلى الزنا، فهناك صوارف كثيرة، وعقبات كثيرة، وضغوط هائلة، فنحن الآن في أمس الحاجة إلى تربية أولادنا، إلى أن يأتوا إلى المساجد، فرحِّبوا بالصغار في المساجد واعتنوا بهم، فإن الصغير سبب سعادة الكبير، ولا يمكن أن يسعد الإنسان وابنه شقي، هذا تعليق:
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾
أنا أرى أن أي أب يرى ابنه صالحاً مستقيماً، يعرف الله ويخاف الله يدخل إلى قلبه سعادة واللهِ لا يعرفها إلا من ذاقها .
الولد الصالح ثروة لا تقدر بثمن:
أب قد لا يملك من حطام الدنيا شيئاً لكنه يملك ولداً صالحاً، وهذا الولد الصالح لا يقدَّر بثروة الدنيا كلها، والإنسان حينما يموت ينقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالحٍ يدعو له .
قرأت مرَّة تفسير آية فوجدت فيها دقَّة بالغة، فجعلتها محور لخطبة، خطبت هذه الخُطبة وفق تفسير هذه الآية، فوجدت لهذه الخطبة صدى طيِّباً جداً، وتأثَّر الأخوة الكرام بها تأثراً بالغاً، وأنا انتبهت أن هذا الذي ألَّف هذا التفسير قبل ألف عام أين هو الآن ؟ لعلَّه عظام في قبره، ولكن إلى متى يستمر تأثير هذا العمل الذي فعله ؟ إلى يوم القيامة . فهؤلاء الذين تركوا مؤلَّفات راقية جداً، إذ هذه الكتب العملاقة التي أُلِّفت وتنتقل الآن من جيل إلى جيل إلى جيل، وهذه صدقة جارية، فهذا علم ينتفع به . أو ولد صالح يدعو له، فهناك ولد لا يقدَّر بثمن وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾( سورة الفرقان )وقال:﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾
ما شعور إنسان ذهب إلى بلاد الغرب فوجد حياة ناعمة جداً، حياة كل شيء فيها ميسَّر، لكن أمامه خطر أنه قد يخسر ابنه . وقد يجد ابنه ليس مسلماً، ولا ينتمي إلى أمته،
وهذا أكبر ثمن يدفعه من أراد أن يعيش مع هؤلاء:
﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾
راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلاميه
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSivBg-tKQLE3Ccmv8321UdOQRTNwvr_tXTj-yDWjL6xMGMKLRE&key=5bfe59fbd9357cb90340d6876ba18792bd87963794b1ab 729604ef9149942ded (https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSivBg-tKQLE3Ccmv8321UdOQRTNwvr_tXTj-yDWjL6xMGMKLRE)
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 06:40 PM
الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :
الآن:
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (128)﴾
الله عزَّ وجل جعل إليه ألف سبيلٍ وسبيل من رحمته بنا، فقد تجد إنساناً قوياً جداً بيده مقاليد الأمور ولكن لا سبيل إليه، ولا تستطيع أن تتصل به، ولا أن تقابله، ولا أن تعرض له، ولا أن تسأله، لكن الله عزَّ وجل جعل إليه ألف سبيلٍ وسبيل ؛ فالصلاة سبيل، والصيام سبيل، وغض البصر سبيل، وأنت في البيت لك إليه عشرات السُبل، فالزواج الصالح سبيل إلى الله، والأبوَّة الكاملة سبيل إلى الله، والأمومة الكاملة كذلك سبيل إلى الله، والبنوَّة الطيبة أيضاً، وهناك ضمن الأسرة آلاف الطُرق إلى الله عزَّ وجل، وهناك ضمن العمل آلاف الطرق، فأن تنصح المسلمين، وأن تكون صادقاً معهم، وأن ترحمهم، وأن تقدِّم لهم خدمةً سبل إلى الله، والآن أن تكف شهواتك عما لا يرضي الله سبيل إلى الله .
فهذه سبل الطاعة العامَّة، وهناك مناسك مكثَّفة ؛ فالصلاة، والزكاة، والحج، كلها مناسك، تذهب إلى بيت الله الحرام، وتطوف حول البيت، وتسعى بين الصفا والمروة، وتذهب إلى جبل عرفات فتشعر بسعادة لا توصف، فهذا سبيل إلى الله .
الله عزَّ وجل جعل لك مناسك، فقال لك: صَلِّ خمس مرات، أيْ أن عندك خمس شحنات في اليوم، وصلِّ يوم الجمعة في المسجد واستمع إلى الخطبة، فهذه شحنة أسبوعيَّة ووجبة دسمة، تعالَ في العام صم ثلاثين يوماً فهي دورة مكثَّفة، وفي العمر حجَّ إلى بيت الله الحرام، فهذه المناسك طرق إلى الله سالكة، جعل الله عزَّ وجل الطرائق إليه بعدد أنفاس الخلائق
قال بعضهم:
" الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق " .
إذا أنقذ الإنسان نملة وهو يتوضَّأ فهذا سبيل إلى الله، وإذا أطعم هرَّة جائعة فهذا سبيل إلى الله، وإذا وضع على السطح طعاماً للطيور فهو سبيل إلى الله، وإذا نصح مسلماً فأيضاً سبيل إلى الله، وإذا كفَّ أذاه عن إنسان فإنه سبيل إلى الله، ففي كل لحظة هناك آلاف السبل إلى الله عزَّ وجل، وإذا رحم زوجته أو أمه وأباه وإذا أخلص في عمله وإذا نصح المسلمين فكلها سبيل إلى الله . المناسك بمعناها العام هو أي عمل يرضي الله، بمعناها الخاص الضيق العبادات المكثَّفة التي أُمرنا بها، والمنسك هو الطريق، أيْ يا رب أرني الطريق إليك، فهناك طريق قد يكون إلى جهنَّم ؛ أو إلى النار، وإلى الدمار والعقاب، ونحن في الحياة المدنية إذا هرَّب الإنسان مُخَدِّرات فهذا طريق إلى السجن ثلاثين سنة، وإذا قتل فطريق إلى الإعدام، وإذا نال شهادة عُليا ونفع بها أمته تحتفل به أحياناً، فصار طريقاً للسمو بالحياة المدنية، والله عزَّ وجل قال:﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (128)﴾
يا رب دلَّنا على الطريق الذي نصل به إليك، وبعضهم يقول: يا رب دلني على ما يدلني إليك، والآية الكريمة:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) ﴾( سورة المائدة)
هذه مُطلقة، فالعمل الصالح وسيلة، والاستقامة وسيلة، وأن تلتقي بأهل الحق وسيلة، وأن تؤاخي أخاً صالحاً في الله يعينك على أمر دينك وسيلة .
" لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله "،
يجب أن يكون لك أخ مؤمن تثق بعلمه، وورعه، واستقامته وذلك وسيلة:
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا (128)﴾
الدين استسلام لله وخضوع له
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) سورة البقرة﴾
الدين في أصله وفي جوهره استسلامٌ لله عزَّ وجل وخضوع، ولكن هذا الخضوع لمن ؟ للخالق، الخضوع للقوي، الخضوع للعليم، للرحيم، للعدل، للخبير، للطيف، وهذا الذي يخضع لغير الله إنسانٌ أحمق، لأنه يخضع لضعيف، وخسيس، ولئيم، وعاجز، وجاهل، وأصل الدين أن تخضع لله، بل إن العبادة في أصلها غاية الإذعان مع غاية الحب، ولا يليق بالإنسان أن يخضع لغير الله
الإسلام أن تستسلم للمطلق:
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ (131)﴾( سورة البقرة)
دقِّق، أحياناً تأخذ فكرةً عن طبيبٍ متفوِّقٍ جداً ؛ عالمٍ، ورعٍ، مسلمٍ، مخلصٍ، يعطيك تعليمات، راقب نفسك، فقلَّما تحاول أن تفكَّر في حكمة هذه التعليمات لأنك مؤمنٌ أنه متفوِّق في علمه، وفي ورعه، وفي اختصاصه، وفي نصحه، فأنت مع إنسان تستسلم، فكيف مع الواحد الديَّان ؟ فإذا استسلمت إلى خالقك وطبَّقت منهجه فهو الصانع الحكيم، وتعليماته هي تعليمات الصانع، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها . أما أن يستسلم الإنسان لإنسان، أيْ لمخلوق ضعيف، إذ يستسلم لما يبدو له أنه قوي وهو في الحقيقة ضعيف !!
يقال: إن أحد الوزراء سأل أمير المؤمنين وقد طلب كأس ماءٍ منه، فقال: يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس لو مُنِع منك ؟ قال: " بنصف ملكي " ، قال: ولو منع إخراجه ؟ قال: " بنصف ملكي الآخر ".الإنسان ضعيف إذ كل ملك هذا الخليفة لا يساوي كأس ماءٍ يشربه ويخرجه
الكون وحده يعتبر دليلاً قاطعاً على عظمة الله عزَّ وجل:
قال تعالى:﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) ﴾
دقِّق:﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) ﴾
عالم ذهب إلى أمريكا، وأجرى حواراً مع عالم مسلم أمريكي حول لحم الخنزير، فالعالِم الذي من بلدنا أفاض، وشرح، وبيَّن الحكم، والعلل، والجراثيم، والدودة الشريطيَّة . فابتسم هذا المسلم الأمريكي وقال له: كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرَّمه . لأن كل علم الله في هذا التحريم، ولأن كل رحمة الله في هذا التحريم، وحكمته وخبرته أيضاً، قال تعالى:﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾( سورة فاطر )
أنا لا أريد أن أُكثر من الأمثلة، ولكن لو كان لديك جهاز كمبيوتر وأصابه خلل، فأنت تذهب به إلى الخبير، فيقول لك: يجب أن تُغَيَّر هذه القطعة ـ فإذا كنت واثقاً طبعاً ـ تقول له: افعل ما تريد . فأنت مع الخبراء مستسلم، ومع الأقوياء مستسلم، ومع العلماء أيضاً، فالله يأمرك أن تكون مستسلماً له، فالعلم كلُّه، والحكمة كلها، والرحمة كلها، والقدرة كلها، واللطف كله، والخبرة كلها إن استسلمت لله استسلمت للمُطلق .
هذا هو الدين، إنّه خضوع ؛ إنك حينما تخضع لأمر إلهي، تخضع لأنه أمر الله عز وجل، قال علماء الأصول: " علَّة كل أمرٍ أنه أمر " . ويكفي أنه أمر وانتهى الأمر، وهذا يقودنا إلى قول سيدنا الصديق حينما أنبأه أهل قريش أن صاحبك يقول: إنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد في ليلته . كلام غير مقبول، لا توجد مواصلات، ولا طائرات، ولا حوَّامات، ولا مركبات سريعة، ولا قطار سريع، ولا يوجد إلا الجمال، فشهر ذهاب وشهر إياب، أما أن يذهب إنسان ويصلي في بيت المقدس ويعود !! أرادوا أن يؤكِّدوا له أن صاحبك يقول كلاماً غير معقول: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد في ليلته !! فماذا كان جواب سيدنا الصديق ؟ قال: " إن قال هذا فقد صدق "، أرأيت الاستسلام !
قضية تربية الأولاد من أخطر قضايا المسلم
﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)سورة البقرة ﴾
ذكر العلماء: أن من السُنَّة أن يكتب الإنسان وصيَّة يُصَدِّرها بنصح أولاده من بعده
أنا أُلِحُّ على أخواني الكرام أن يعتنوا بتربية أولادهم، لأن الابن استمرار لأبيه، ولأن شعور الأب حينما يرى ابنه طائعاً لله، عارفاً بالله، وقَّافاً عند حدود الله شعورٌ لا يوصف، ولا يعرفه إلا كل أبٍ حريصٍ على هداية أولاده
من النصوص القرآنيّة التي تأمر المؤمن أن يربي أولاده، من آيات القرآن الكريم قال تعالى:وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)(سورة طه)
أكبر معاناة يعانيها الأب الآن، أن أولاده ليسوا على ما يريد، ماذا يفعل ؟..
أرى أحياناً أنَّ الإنسان يعتصر الألم قلبه، ماذا يفعل ؟..
فقبل فوات الأوان يا إخوان، قبل فوات الأوان، إخواننا الشباب المتزوجون حديثاً هذا الكلام مفيد جداً لهم، مهما كان ابنك صغيراً يجب أن تربيه، ليكون أول صوت وصله كلمةُالتوحيد
( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حبِّ نبيِّكم، وحبِّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن ))
أمَّا إذا وُجِدَت أجهزة المُلهيات بالبيت.. يؤدَّب الابن على حبِّ الفنانين والفنَّانات الأحياء منهم والأموات، هكذا..لا تنس هذا المثل الشهير (خزان ماء)، الذي تضعه من فتحته العليا تأخذه من صنبوره الأسفل، ما نوع التغذية التي يُغذى بها أولادك ؟ نوع التغذية.. ما يقرؤون من مجلات ؟ ما يقرؤون من صحف ؟ مع من يجلسون ؟ مع من يسهرون ؟
ما الحديث الذي يدور فيما بينهم ؟ هذه تغذية. ماذا يشاهدون ؟ ماذا يقرؤون ؟ ماذا يستمعون ؟ أين يذهبون ؟ مَنْ أصدقاؤهم ؟
هذه تغذية.. فإذا كان لابنك أصدقاء يغذونه تغذية سيئة، تغذية أساسها المتعة المحرمة، أساسها رفقاء السوء، أساسها الاحتيال على الناس، أنّى له أن يكون قرَّة عينٍ لك ؟المسلم أحياناً ينظر يمنةً ويسرةً فقد يجد نفسه ضعيفاً، أو يجد نفسه مستضعفاً، لا يملك أن يمنع هذه القوى المخيفة التي تتحرك لتقضي على الإسلام، لكنه يملك أن يربي أولاده والإنسان إذا أراد ألا يموت، فعليه بتربية أولاده تربيةً إسلاميةً قد يقول أحدكم: هناك عقبات كثيرة جداً، وهذا صحيح، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))( سنن الترمذي عن أنس بن مالك )
كل عمل ابنك في صحيفتك:إنها كلمة قالها الأبناء، ولكن هذه الكلمة مُحَصِّلة توجيهات مديدة وطويلة ومتعدِّدة، فالأب الذي يكون وراء أولاده ومعهم دائماً ينصحهم ويعلِّمهم، هذا والله شهدته مرَّةً إذ هناك أولاد متميزون في تدَيُّنهم، وسبب هذا التميز في التديُّن أن آباءهم كانوا حريصين حرصاً لا حدود له على تربيتهم وعلى توجيههم، فالله عزَّ وجل يلحق عمل الأبناء بالآباء:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾( سورة الطور الآية: 21 )
أي أن كل عمل ابنك في صحيفتك،
ولذلك ( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ . ))[الترمذي عن أبي هريرة]
الأعمال الصالحة أولاً منوَّعة، ولكن أجلَّ هذه الأعمال على الإطلاق هي التي تستمر بعد موت الإنسان . فإنسان ترك أثراً علمياً كبيراً جداً، وإنسان ترك علماً، وآخر ترك كتاباً، وثان ترك دعوة، وثالث ترك معهداً، فهذه الدعوات الجليلة التي تستمر بعد موت الإنسان هي من أَجَلّ الأعمال، إنها صدقةٌ جارية لا نهاية لها، فتصور أنه يمضى مئة سنة، وألف سنة، وألفا سنة، وآلاف مؤلَّفة، وكل من استفاد من هذا الكتاب في صحيفتك، وكل من استفاد من هذا العلم في صحيفتك .
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)سورة البقرة﴾
هل من الممكن أن نوفِّر وقتنا ونتجه نحو المستقبل ؟
قال العلماء: " هناك من يعيش الماضي، وهناك من يعيش الحاضر، لكن نُخبة البشر هم الذين يعيشون المستقبل " .
أخطر حدث في المستقبل هو الوفاة، وأخطر حدث بعد الولادة هو الموت، فالإنسان أمامه حدث خطير هو مغادرة الدنيا، بحسب الظاهر من كل شيء إلى لا شيء، إلى قبر، من بيتٍ فاخر إلى قبرٍ مظلم، ليس معك في القبر إلا عملك إن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، فهذا الشيء المُجدي، أما الماضي فما لي وللماضي ؟
ما مضى فات والمؤمَّل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
الأولى أن يفكِّر الإنسان في مستقبله، والأولى أن يعُد عمره عداً تنازلياً لا عداً تصاعدياً، اركب مركبة واذهب إلى حمص تصلها بمئة وخمسين كيلو متر، وبعدها بمئة وأربعين، مئة وثلاثين، مئة وعشرين، مئة وعشرة، مئة، تسعين، ثمانين، سبعين، ستين، خمسين، أربعين، ثلاثين، عشرين، عشرة، خمسة، حمص ترحِّب بكم، نازلين . فلو أحصينا عمرنا بهذه الطريقة اختلف الأمر .
البطولة لا أن تبحث في عمل الآخرين بل أن تبحث في عملك أنت :
الآن قضينا أربعين، فكم بقي يا ترى ؟
على المستوى المتوسِّط بالستين، فمعترك المنايا بين الستين والسبعين، فإنسان يموت وعمره خمس وخمسون، أو أربع وأربعون، أو تسع وثلاثون، أما الأغلبيَّة فبين الستين والسبعين، فإذا مضى من عمر أحدنا أربعون سنة، كم بقي له على المتوسط ؟ نصف ما مضى، وصل إلى الخمسين فبقي عشر، ووصل إلى الخامسة والخمسين بقي خمس، وبعد هذا ينتظر الصباح والمساء، فإذا نام لا يستيقظ، وإذا استيقظ لا ينام، يخرج من بيته كل يوم قائماً، ومرَّة واحدة أفقياً، وكلَّما خرج عاد إلا مرَّة واحدة يخرج ولا يعود، والموت مصير كل حيّ، فلذلك:
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ (134) ﴾
مضت ونحن سنمضي، وبعد مئة عام في الأعم الأغلب لن يكون واحد منا في هذا المجلس على قيد الحياة، بل كلنا تحت الأرض بلا استثناء، وهؤلاء الذين في القبور كانوا أشخاصاً، ولهم هموم، ولهم مشكلات، وعندهم أعمال، وعندهم إنجازات، وسكنوا في بيوت جميلة، وأكلوا طعاماً طيباً، وتزوَّجوا النساء أين هم الآن ؟ أحياناً تجد جمجمة مثلاً بمتحف، أو بمخبر علمي طبيعي، فمن صاحب هذه الجمجمة ؟ ماذا كان يعمل ؟ لا نعرف، يوجد في أمريكا حفرة مثل الجب فيها كتلة تساوي خمسة طن كلها جماجم، وكان هناك اعتقاد واهم أن فيها كنوزاً فمئات وآلاف الأشخاص ألقوا بأنفسهم ليخرجوا الكنز، فماتوا ولم يجدوه وجماجمهم تشهد عليهم، وهذا هو الإنسان .
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) ﴾
هذه المقابر حول دمشق، هذا مات بالثمانين، وبالتسعين، وبالسادسة والثمانين، وبالخامسة والثمانين، وبالخامسة والتسعين، هذا عميد أسرته، وهذا الشاب، وهذا الطبيب، وهذا المهندس، فهذه المقبرة فيها كل الناس، وكل إنسان له عمله، فالبطولة لا أن تبحث في عمل الآخرين ـ دقِّق في هذا الكلام ـ البطولة أن تبحث في عملك أنت، لأن عملك أنت هو الذي تُسأل عنه بالضبط .
https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_10/image.png.ab6d49f15ab1b7dc2ad22b8ff120b071.png
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 06:41 PM
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) سورة البقرة﴾
من هو السفيه ؟
السفيه هو الذي يبدد ماله أو قدراته بلا جدوى . أوضح مثل لو أن إنساناً أمسك ألف ليرة وأحرقها أمامك بلا سبب، وبلا هدف هو سفيه، وأنا مضطر أن أسوق الموضوع إلى فرع ثم أعود إلى أصل الموضوع، مُرَكَّب في الإنسان أن الوقت أثمن من المال، بدليل أن الذي ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ يصاب بمرضٍ عضال،
وهناك عملية جراحيةٌ في بلدٍ بعيد، ربما أمدت في عمره بحسب قول الأطباء سنواتٍ معدودات، يبيع بيته وكل ما يملك ليجري هذه العملية التي يأمل أن يعيش من خلالها سنواتٍ معدودات، ما معنى ذلك ؟
أن الوقت أثمن من المال، فالذي يُبدد المال يُتَّهم بالسفه، والذي يبدد الوقت هو أشد سفاهةً .
هذا الذي يجلس يُمضي ساعاتٍ وساعات وراء المسلسلات التي لا طائل منها، هذا الذي يمضي ساعاتٍ وساعات في حديثٍ فارغٍ لا جدوى منه، هذا الذي يمضي ساعاتٍ وساعات في لعب النَرد، هذا يُعَدُّ أشد سفهاً من الذي يبدد المال لأنه يبدد الوقت الذي هو أثمن من المال، السفيه إنسان غير عاقل، إنسان يتلف الجوهر ويبحث عن الفحم، يُهمل اللؤلؤ ويأخذ الأصداف، السفيه لا يلتفت إلى النفيس ويتَّجه إلى الخسيس، هذا هو السفيه .
ثم إن الإنسان حينما يرفض شيئاً يعبِّر عن احتقاره له، إن رفض بيتاً فلأنه صغير، أو لأنه في منطقةٍ ليست مناسبة، أو لأن اتجاهه نحو الشمال، إن رفضت عملاً فلأن دخله قليل، إن رفضت فتاةً لأن أخلاقها لا تُعجبك،
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾
( سورة البقرة)
السفيه هو الذي يردُّ النفيس ليأخذ الخسيس، هو الذي يرد الثمين ليأخذ الرخيص، هو الذي يزهد في الآخرة ليأخذ الدنيا الفانية هذا سفيه، وكل إنسانٍ ما عرف الله سفيه ولو كان أذكى الأذكياء ولو حمل أعلى الدرجات، السفاهةُ أن تعرض عن النفيس وتتبع الخسيس .
الله سبحانه وتعالى حينما كلَّف الإنسان حمل الأمانة جعله مخيراً:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾( سورة البقرة الآية: 148 )
وقال:﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾( سورة الكهف)
تؤكد هذه الآيات أن الإنسان مخيَّر، وإذا سعد الإنسان بهذا الاختيار فلأن الله شاء له أن يختار، إذا اختار طاعة الله عز وجل والتقرب منه استحق دخول الجنة .
الإنسان مخير في حدود ما كُلِّف:
لولا أن الله سمح له أو أذن له أن يكون مختاراً لما اختار، وهذا معنى قوله تعالى :
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾( سورة التكوير )
الإنسان حمل الأمانة، وكلف طاعة الله عز وجل، كان مخيراً من أجل أن يثمن عمله، ولكن الله طليق الإرادة، أي شيءٍ يعطيك إيَّاه يأخذه منك في أية لحظةٍ، فالإنسان في الأساس مسير حينما يولد، مسير في أمه وأبيه، وعصره وزمانه، ومكانه وقدراته، وما إلى ذلك مما ليس له اختيارٌ فيه، وهذه الأشياء التي سُيِّرت فيها هي أكمل شيءٍ إليك، ليس في إمكانك أبدعُ مما أعطاك، ثم أنت مخيَّر في حدود ما كُلِّفت .
أنت مخير في دائرة التكليف افعل ولا تفعل، أمرك أن تصلي، بإمكانك أن تصلي وأن لا تصلي، أمرك أن تكون صادقاً، بإمكانك أن تصدق أو أن تكذب، أمرك أن تغض البصر، بإمكانك أن تغض وأن تطلق، أنت مخير في حدود ما كلفت، ولكن ولأن الله رب العالمين، من أجل أن يربيك تربيةً تقيك دخول النار، لو أنك اخترت اختياراً غير صحيح لأدبك الله عز وجل . كيف يؤدبك الله ؟
يأخذ من كل ذي لبٍ لبَّه، ثم يسوقه إلى مصيبة، أنت الآن مسيرٌ، مسيرٌ بدفع ثمن اختيارك، فكنت مسيراً حينما ولدت، من قبل أمك وأبيك، فكونك ابن فلانة وابن فلان، أنت فيهما مسيراً، وولدت في دمشق مثلاً، وفي عام كذا، أنت فيه مسير، وقدراتك كذا وكذا أنت فيه مسير، ثم حُمِّلْتَ الأمانة، وحملت أن تكون مخيراً فيما كلفت، حينما تستخدم هذا الاختيار بشكلٍ غير صحيح يأتي التأديب رحمةً بك، مع التأديب يُسْلَب الإنسان اختياره ليؤدَّب أو ليكافأ ز
الله جعل هذا الإنسان المخلوق الأول، جعله مكرماً كرمه بالشهوة والشهوة قوة دافعة، وكرمه بالاختيار، وكرمه بالفردية، وكرمه بالعقل، وكرمه بالتشريع، هذه مقومات التكليف لذلك ربنا عز وجل يقول: لو شئنا أن نجبركم على شيء ما وأن نلغي اختياركم ونلغي تكريمكم وأن نلغي أنكم المخلوق الأول، لو شئنا أن نلغي هويتكم وتكريمكم واختياركم وأردنا أن نجبركم لما أجبرناكم إلا على الهدى.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾(سورة السجدة )
لكن هذا الهدى الناتج عن الإكراه لا يسعد إطلاقاً ولا ترقى به إلى الجنة
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾(سورة الأنعام )
قال علماء التفسير وعلماء العقيدة: هذه الآية أصل في أن الإنسان مخير فمن ادعى أنه مسير، مكره، مجبر فقد التقى مع طور المشركين.الخرص أشد أنواع الكذب، وهذا الكذب على الله،
ويقول الإمام الغزالي: العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
فأن تتوهم أن الله أجبرك على المعصية، وقدر عليك كل المعاصي قبل أن تخلق وسوف يحاسبك عليها ولا رأي لك بذلك، هذا كلام لا يقبله أحد
ديننا دين الفطرة والوسطية
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (143) سورة البقرة﴾
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
نحن ديننا دين الفطرة، دين الوسطية، الإنسان مأمور أن يعبد الله وأن يسعى لرزق يومه، ما من شهوةٍ أودعها الله فينا إلا فتح لها قناةً نظيفة تسري خلالها، دين وسطي، الأمة التي تطرفت عادت الآن إلى وسطية الإسلام بضغط من الواقع، عادت شعوب الإسلام الآن مُكرهةً . الأمةٌ التي تطرفت عادت الآن إلى وسطية الإسلام بضغطٍ من الواقع السيئ الذي نتج عن هذا التطرُّف، لا عن تعبُّدٍ ولكن عن رجوعٍ إلى مصالحها .
مثلاً الاتحاد السوفيتي حرم الخمر قبل أن ينهار، كثير من القوانين الآن تصدر مطابقة لتعليمات الشرع، مثلاً منعت بعض الجامعات في أمريكا الاختلاط، لأنهم وجدوا أن عدد اللقطاء في الحدائق أصبح لا حدود له، فحرمت الاختلاط، سمعت أن بعض البلاد في أوروبا حرَّمت الخمر، الخمر مثلاً محرم في السويد، لا يستطيع الإنسان هناك أن يشرب الخمر إطلاقاً إلى أن يذهب إلى الدنمارك، فالآن الشعوب المتطرفة يميناً أو يساراً عادت إلى الإسلام لا عن تعبُّدٍ، ولا عن طاعةٍ لله، ولكن عن مصلحةٍ، فديننا دين وسطي بين تعدد الآلهة وبين إنكار الآلهة، بين إنكار النبوة أو بين أن يتهم الأنبياء كما في العهد القديم بالفسق والفجور والزنا وما إلى ذلك
بعض معاني الوسطية:هناك من لا يعمل وهو زاهدٌ في الدنيا، وهناك من يعمل وينسى كل شيء، نحن أُمرنا أن نعمل وأن نعبد الله وأن نصلي خمس صلواتٍ كل يوم، في أي موضوع وصفه الإسلام كان وسطياً، إذا ضربك إنسان على خدك الأيمن، في بعض الأديان يجب أن تدير له خدك الأيسر ليضربك عليه صفعةً ثانية، ولكن الله عز وجل قال:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40) ﴾( سورة الشورى )
هناك وسطية، لو عدتم إلى هذه الخطبة الوسطية في الإسلام لوجدتم فيها كل شيء، بحث مطوَّل جداً:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
وسطاء من جهة، والوسط دائماً مركز الدائرة، المركز في الوسط والمحيط يساوي الأطراف، فالإسلام في الوسط، مكان تقاطع الأفكار، لا يوجد تقاطع في التطرف، أما الوسط فيه تقاطع، هذا المعنى رياضي أيضاً، الشمس لا تكون في أشد سطوعٍ إلا وهي في وسط النهار، فالوسط اعتدال، والوسط قوة، والوسط عَدْل، والوسط توسط بين شيئين متطرفين، هذه كلها من معاني الوسطية
ديننا دين متوازن:
ديننا متوازن، بين عدم الزواج كلياً، وبين الزنا من دون قيد أو شرط، لدينا زواج، وفي حالات خاصة مسموح بثانية وثالثة ورابعة:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
ترك العمل تطرُّف، والانغماس بالعمل تطرف:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
وقال:﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ (37) ﴾(سورة النور)
وقال:﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (143)﴾تشهدون لهم الحق:﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (143)﴾
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (143)﴾
إنك حين ترى واقع الأمة المؤلم، لماذا تتألم ؟ أين كنا وأين أصبحنا ؟ فبعض المسلمين أو أكثرهم فتنوا بالغرب، فعاشوا حياة الغرب، ونسوا دينهم، والأمانة التي حملهم الله إيَّاها، وعاشوا في انفصامٍ في شخصيتهم، يعتزون بدينهم وبماضيهم، ويضربون في هذه الحضارة المتوهِّجة التي نسوا فيها أوامر ربهم، هذه حالة صراع، وحالة انفصام شخصية، تصيب كل إنسان لم يقو إيمانه بحيث يتجاوز كل هذه العقبات والصوارف، بل جعله إيماناً وسطاً، إيماناً ضعيفاً جذبته هذه القوى من يمينٍ أو من شمال .
امانى يسرى محمد
09-06-2025, 06:43 PM
الابتلاء امتحان وليس شراً
(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين )[البقرة155]
لا بد من كلماتٍ بين يدي هذه الآية، الابتلاء ليس شراً، كيف أن الناس يفهمونه شراً لا أدري، الابتلاء امتحان، ما هو الشر ؟
أن تسقط في هذا الامتحان. فإذا نال شخص أعلى شهادة، تربَّع على أعلى منصب بسبب شهادته، وله دخلٌ خيالي بسبب شهادته، هذه الأيام العصيبة التي دخل فيها الامتحان هل يراها شراً ؟
لولا هذا الامتحان لما نال هذه الشهادة، ولما كان في هذا المنصب، ولما كان له هذا الدخل الكبير، هل يعد هذا الإنسان الامتحانات التي خاضها شراً ؟
أعوذ بالله، بل هي خيرٌ محض.
الابتلاء هو الامتحان، لماذا الامتحان ؟
من لوازم الإعداد الابتلاء، إنك عندما تعد طالباً ليكون طبيباً لا بد من أن تمتحنه، إنك حينما تعد إنساناً ليكون قائداً عسكرياً لا بد من أن تمتحنه، إنك حينما تعد إنساناً ليكون محامياً لا بد من أن تمتحنه، كلمة إعداد من لوازمها الامتحان.
الامتحان من لوازم الإعداد:
نحن في حياةٍ دنيا، أهم ما في هذه الحياة أنها إعداد لحياة عليا، هذه الحياة الدنيا المحدودة القصيرة المفعمة بالمتاعب، هي إعداد لحياة عُليا أبدية لا نغص فيها ولا نصب، إذاً لا بد من الامتحان.
فأول نقطة أن الامتحان من لوازم الإعداد، وما دمنا نُعَدُّ في هذه الحياة لليوم الآخر ؛ لجنة عرضها السماوات والأرض إذاً لا بد من أن نمتحن، والدليل قوله تعالى:﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾[ سورة المؤمنون الآية:30 ]
هذا من سنن الله في خلقه، إيَّاكم أن تتوهموا أنه يمكن أن تعيشوا حياةً مديدة من دون ابتلاء، وكل إنسانٍ له مادة امتحان مع الله، قد تمتحن بالخير:﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾[ سورة الأنبياء الآية: 35 ]وقد تمتحن بالشر، قد تمتحن بالعطاء وقد تمتحن بالأخذ، قد تمتحن بالغنى وقد تمتحن بالفقر، قد تمتحن بالصحة وقد تمتحن بالمرض، قد تمتحن بالوسامة وقد تمتحن بالدمامة، قد تمتحن بالقوة وقد تمتحن بالضعف، لا بد للمؤمن من مادة امتحانٍ مع الله، إما أن تمتحن فيما أعطاك، وإما أن تمتحن فيما سلبك، على كلٍ امتحان.
آيات من الذكر الحكيم تبين أن الإنسان ممتحن في كل أطوار حياته :قال تعالى:﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾[ سورة المؤمنون الآية:30 ]﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾[ سورة العنكبوت الآية: 2]
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾[ سورة آل عمران الآية: 142 ]﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾[ سورة آل عمران الآية: 92]
إذاً يجب أن توطِّن نفسك على أنك ممتحن في كل أطوار حياتك ؛ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟
يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ـ رسب في الامتحان ـ قال: ألم تعلم أني الرزاق القوي المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم. سأل عبد آخر: أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: يا رب أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظ وأنت أرحم الراحمين. قال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
الامتحان من خصائص الحياة الدنيا :
أيها الأخوة... يجب أن نؤمن جميعاً أن الامتحان من خصائص الحياة الدنيا، كما يجب أن يؤمن أي طالب في العالم أن الامتحان من خصائص المدرسة، هل رأيتم أو سمعتم في العالم كله جامعة بلا امتحان ؟ مستحيل، هل هناك جامعة تنتسب إليها وبعد مضي زمن محدد تمنح الدكتوراه من دون امتحان ؟ أنت تقدم طلباً فتُمنح الدكتوراه، مستحيل، من لوازم التعليم في العالم كله الامتحان، والإعداد في العالم كله من لوازمه الامتحان، فإذا كانت الدنيا دار ابتلاء، دار إعداد للآخرة فمن لوازمها الامتحان:﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾[ سورة المؤمنون الآية:30 ]
الامتحان ليس شراً ولا خيراً، خير إذا نجحت فيه وشر إذا رسبت فيه، حيادي، أنت مخير، لا خير ولا شر، كما قلت قبل قليل: إنسان ينعم بدخل فلكي، لأن معه شهادة نادرة، لأنه دخل امتحانات صعبة ونجح فيها، هل يعد الامتحان شراً له ؟ بالعكس، كل هذه المكانة مع كل هذا الدخل لأنه نجح في الامتحان، وإنسان رسب في الامتحان، الامتحان شر له، فالامتحان صفة مطلقة لا خير ولا شر، ليس خيراً ولا شراً، الامتحان شر إذا رسبت فيه، وخير إذا نجحت فيه
الخوف بيد الله ويمكن إزالة أسبابه بالتوحيد والإيمان :
قال تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾
قد يأتي عدوٌ لك فيتهددك، هو بيد الله، فربنا عز وجل أراد أن تقوى معنوياتك، وأن تتدرب على تحدي الخوف، وأن تزيل أسبابه بالتوحيد والإيمان، فربنا عز وجل قال :﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾
هذا الخوف ينتهي من حياتك:﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾[ سورة المعارج ]
المتصل لا يخاف، المتصل أقوى إنسان لأنه مع الواحد الديَّان، المتصل بالله أقوى إنسان لأن الله عز وجل قال:﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾[ سورة غافر الآية: 60 ]
علاقة المؤمن طيبة مع ربه، هو ربَّاني، مستجاب الدعوة، وأكبر خصم له في قبضة الله، " فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ "
علاج الخوف الصبر حتى يحكم الله :
يجب أن نؤمن أن الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات إعدادات وتدريبات على خوض معركة الحق والباطل، الصحابة الكرام أكلوا ورق الشجر في أثناء القطيعة التي فرضها عليهم المشركون،، قد تحتاج إلى أن تكون صابراً، قد تخاف، علاج الخوف أن تصبر حتى يحكم الله:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾[ سورة آل عمران الآية: 146]
الخوف والجزع نقاط ضعف لصالح إيمان المؤمن :
يدربك الله على أن تخوض معركة الحق والباطل، وأن تنجح في هذه المعركة، فهو يعطيك شيئاً من خوف، مثل للتوضيح: قد يهجم جرثوم على جسم فيفتك به، وينهي حياته، لكن كي نهيئ الجسم إلى مقاومة هذا الجرثوم نعطيه جرثوماً مضعفاً، خفيفاً، فالأجهزة المناعية تهيئ مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، فإذا حدثت هجمة شرسة قوية ، فالسلاح جاهز، ماذا فعلنا حينما حقننا تحت الجلد جراثيم مضعَّفة ؟ دربنا الجسم على صنع مصل مضاد لهذا الجرثوم.
كذلك الله عز وجل يخوفك، حتى إذا جاء الخوف الحقيقي تكون صامداً، لا تنهار، وأساس الإنسان أنه يخاف، يخاف لمصلحته، لأن أمنه عند الله، فإذا خاف يلجأ إلى الله، الإنسان سريع العطب، شديد الخوف، هكذا قال الله عز وجل:﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾[ سورة المعارج ]
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾[ سورة المعارج ]
هذه نقاط ضعف لصالحه، لصالح إيمانه.
هناك كذلك خوف أرقى من هذا، فقد ورد:
رأس الحكمة مخافة الله، حينما تخاف أن تنقطع صلتك بالله، فتتمسك بأهداب الشرع هذا خوف راقٍ جداً، ليس خوفاً من مصيبة،
بل خوفاً من أن تنقطع عن الله، حريص على هذه الصلة مع الله،
هذا الخوف الذي يرقى بك إلى الله عز وجل.
فلسفة المصائب :
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾
مطلق الألم، أيُّ شيءٍ يؤلمك ؛ نقصٌ في المال، نقصٌ في الصحة، ذريةٌ ليست كما ترضى، زوجةٌ ليست كما ترضى، دخلٌ قليل، وضعٌ مهين، أي شيءٍ يؤلمك، أي شيءٍ يتعبك، أي شيءٍ تتحسَّر من أجله ؟ لمَ هذه الآلام ؟ لمَ لا تكون الحياة كلها أموالاً، وكلها جمالاً، وكلها راحة، وكلها أمناً ؟ لمَ الخوف ؟ لمَ الفقر ؟ لمَ المرض ؟ لمَ الموت ؟ لمَ الهم ؟ لمَ الحزن ؟
سؤال كبير في العقيدة :
السيارة لمَ صُنِعَتْ ؟ من أجل أن تسير، أليس فيها مكابح ؟ مكابحها تتناقض مع سبب صنعها ، صُنعت لتسير وفيها مكابح تمنع سيرها، هل المكابح شرٌ أم خير ؟ هي خير، المكابح من أجل سلامتها، وسلامة أصحابها، واستمرار عملها .
فإذا فهمنا أنّ الألم، مطلق الألم، أي شيءٍ يؤلمك، أية مصيبةٍ تزعجك، أي همٍ يسيطر على قلبك، أي خوفٍ، أي فقرٍ، أي فقد حريةٍ، أي بيتٍ مُتْعِب، أية زوجةٍ متعبة، أي ولدٍ متعب، أي خوفٍ ممن هو أعلى منك، مُجمل الآلام التي يعاني منها الإنسان هي بمثابة مكابح في مركبة، لولا هذه المكابح ما سَلمت لا هي ولا صاحبها، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾[ سورة لقمان الآية: 20 ]مكابح السيارة من أجل سلامتها .
مثل آخر، طفلٌ صغير، كل سعادته مع أمه، كل شبعه مع أمه، كل ريِّه مع أمه، كل أمنه مع أمه، كل نظافته مع أمه، كل ثيابه النظيفة مع أمه، كل شعوره بالسعادة إذا كان مع أمه، فإذا ترك يد أمه وشرد عنها، لا بد من كلبٍ ينبح عليه حتى يعيده إلى أمه، هذه حالة ثانية، هذه فلسفة المصائب .
المصيبة جزء أساسي من العقيدة :
قضية المصيبة جزء أساسي من العقيدة، إن لم تفهمها كما أرادها الله، أسأت الظن بالله عزَّ وجل، وسوء الظن بالله من الكبائر، فالكبائر نوعان ؛ كبائر ظاهرة، وكبائر باطنة، الكبائر الظاهرة مثلاً كشرب الخمر، السرقة، التولي من الزحف، الغيبة، النميمة، هذه كبائر ظاهرة، لكن كونها ظاهرة يمكن أن تتخلَّص منها، فهي واضحة . أما الكبائر الباطنة كسوء الظن بالله، الأمن من مكر الله، اليأس من روح الله، هذه كبائر باطنة، خطيرة جداً، فسوء الظن بالله سببه أن لا تفهم المصيبة على ما أرادها الله..
المصائب تهدي الناس إلى طريق الصواب :
لو ترك الله عزَّ وجل الناس على هواهم بلا مصائب !! يقول لك: لا توجد مياه، صحيح، المكاسب قليلة والمطالب كثيرة، صحيح، هناك في حياة المؤمن أحياناً مليون مشكلة، لو لم تحدث ولا مشكلة، واسترسل في الدنيا، ونسي الله، وغفل عنه، إلى أن قادته غفلته إلى جهنم، هذا أفضل أم أن يسوق الله للإنسان بعض المصائب ؟
المصائب رحمة مبطنة من الله :
المصيبة رحمةٌ من الله، لكنها رحمةٌ مبطَّنة، أما النعم الظاهرة فهي الصحة، والمال، والجمال، والزوجة، والأولاد، والمسكن الواسع، والمركب الوطيء، والرزق في بلدك، هكذا
الله عزَّ وجل نصب الكون ليدل عليه، وأرسل النبي ليبلغنا الرسالة، وأنزل كتاباً منهجاً لنا، وانتهى الأمر، فافعل ما تشاء، لو أن الناس شردوا عن الله واستحقوا النار، أهذا أفضل، أم أن يعاقبهم الله عزَّ وجل كلَّما أخطؤوا ؟ كلَّما أخطؤوا ساق لهم بعض المصائب كي يتوبوا، أيهما أفضل ؟!
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
أنواع المصائب :
شيء آخر عن المصيبة والله أعلم، هناك مصائب الكفار، ومصائب المؤمنين، ومصائب الأنبياء.
1 ـ مصائب الأنبياء مصائب كشف :
مصائب المعصومين كشف، يوجد من نفسه كمال لا يبدو إلا بحالات نادرة جداً، إذا شخص مثلاً ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ قال لزوجته: أحبك حباً لا حدود له، فمرضت، ثم تغيرت أخلاقه، تبرَّم، تكلَّم كلاماً قاسٍ، غاب عن البيت، معنى هذا أنه لا يحبها، هو كان يحب نفسه، فلما كانت في خدمته عبَّر لها عن محبته، فلما أصبحت عبئاً عليه تبرَّم منها . لو أنها مرضت مرضاً شديداً، وقام بخدمتها أياماً طويلة دون أن يتكلَّم كلمةً قاسية، هذا المرض الذي أصاب زوجته كشف عن كماله، معنى هذا أنه كان صادقاً في كلامه .
سيارة قوة محركها سبعون حصاناً، لا تظهر لك حقيقتها في طريق سوي، لا بد من طريق صاعد وهي محمَّلة بالركاب والمتاع، وتنطلق بسرعة مئة وثمانين ـ لأن قوة محركها سبعون حصاناً ـ فالأنبياء مصائبهم مصائب كشف، هذا سيد الخلق وحبيب الحق يذهب إلى الطائف مشياً على قدميه ـ ثمانين كيلو متراً ـ إلى أن وصل إليهم، دعاهم إلى الله بالحسنى فكذَّبوه، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم أن يؤذوه، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا أن قال:(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم، الذي أضاءت له السماوات، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحل علي غضبك أو تنزل علي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى ))
[ من كنز العمال: عن عبد الله بن جعفر ]
مصائب كشف، عندك إمكانيات عالية جداً لا تظهر إلا بظرف استثنائي، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)[الجامع الصغير عن سعد ]
2 ـ مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع :
أما مصائب المؤمنين، هي مصائب دفع، كانت سرعته بطيئة، لاح له شبح مصيبة فركض، فهي تسريع، ودفع له، وإذا كان مسرعاً رفعته، فمثلاً: سيارة تسير على الخمسين، وبإمكانها أن تسير على المئة، وبذلك توفر الوقت، ويمكن استثمارها لطلب ثان، فأول نوع من المصائب رفع سرعة، هي الآن تحمل طناً واحداً، وبإمكانها حمل خمسة أطنان، وأجرة حمل كل طن أجرة كبيرة جداً، فحملناها بدلاً من الطن خمسة أطنان، هذه مصائب رفع، دفع ورفع، تسريع ورفع الأجرة، وصلت بوقت مبكر وكسبت أجر أكبر، مصائب دفعٍ ورفعٍ .
3 ـ مصائب العصاة والمذنبين مصائب قصم وردع :
مصائب الأنبياء مصائب كشفٍ، مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، ومصائب العصاة والمذنبين قصم وردع، إذا كان فيه بقية خير يردع بها، إذا لم يكن فيه خير يقصم:
﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَْ﴾[ سورة هود الآية: 36]
أرجو أن يكون واضحاً لديكم أن حياة المؤمن لا تخلو من تأديبٍ وابتلاءٍ وتكريم، هناك مرحلة تؤدَّب فيها إذا حدث تقصير، وفي مرحلة تمتحن الاستقامة التامة، وفي مرحلة تكرَّم، ويغلب على الظن أن حياة المؤمن تستقر على التكريم، يعتورها تأديب، ويعتورها ابتلاء، ولكنها تستقر على التكريم .
(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) سورة البقرة
من لم تُحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر :
قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾
المصيبة بمكانها الصحيح، بحجمها المُناسب، بالوقت المناسب، بالقدر المناسب، بالعيار المناسب، عيارات دقيقة جداً عند الله عزَّ وجل..
نحن لله، ما دمتَ بعت وفوَّضت، فلك الجنة، دعني أفعل بنفسك ما أشاء، فأنت عليك أن تستسلم لله عزَّ وجلّ، قالوا:
﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾
راجعون إلى الله بهذه المصيبة،
لذلك قالوا: " من لم ُتحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر " .
الإنسان حينما لا يتَّعظ بالمصيبة صار هو المصيبة، هو نفسه مصيبة، المصيبة من أجل أن يرتدع، وأن يتَّعظ، فإن لم يتعظ، ولم يرتدع فقد صار هو مصيبة ..
الرضا بالمصيبة والصبر عليها:
نحن مِلْكٌ لله، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام سنَّ لنا في التعزية أن نقول: " ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب)). متفق عليه"
، أنت ليس لك شيء،
مرَّة سألوا أعرابياً معه قطيع إبل: لمن هذه الإبل ؟
قال: " لله في يدي " هي لله بيدي، الله وكلني بها أما هي لله .
الله عزَّ وجل رزقه قبل، مرض فَقَبِل صابراً، هذا فعل الله عزَّ وجل، هو الحكيم، هو الخبير، أنا ليس لي شيء ..
﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾
بهذه المصيبة ..
هؤلاء الذين يصابون بمصيبةٍ ويرونها من الله عزَّ وجل، ويرضون عن الله بها، هؤلاء:
﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾
من كان سروره بالنقمة كسروره بالنعمة فقد رضي عن الله :
كان أحدهم يطوف حول الكعبة ويقول: " يا رب هل أنت راضٍ عني؟ "
وكان وراءه الإمام الشافعي فقال: " يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟
" قال: " يا سبحان الله! من أنت يرحمك الله ؟ "
قال له: " أنا محمد بن إدريس "، قال له: " كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ "
قال: " إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " .
البطولة بالصعود وليست بالنزول، كل إنسان على الرخاء يقول لك: الله مفوضها، نحن شاكرون لله . لكن إذا ضيّق الله عليك فماذا ستفعل ؟
يا رب لك الحمد، لذلك آية قرآنية إذا قرأتها يقشعر جلدك:
﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾[ سورة ص الآية: 44]
امانى يسرى محمد
09-07-2025, 03:49 PM
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾البقرة 158
قدسية الصفا والمروة :
أيها الأخوة... فهذه المرأة الكريمة ـ زوجة سيدنا إبراهيم ـ التي سعت بين الصفا والمروة، وكان من سعيها أن تفجَّر نبع زمزم، هذا درس علَّمنا ربنا إياه من خلال هذه القصة، وعلَّمنا أيضاً كيف أن الله سبحانه وتعالى حينما امتحن إبراهيم عليه السلام بأن أمره بذبح ابنه، كيف أن هذا النبي العظيم بادر إلى هذا الأمر دون تردُّد:
﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾[ سورة الصافات الآية: 102]
ثم ماذا حدث بعد ذلك؟
الذي حدث أن العرب في الجاهليَّة جعلوا على الصفا صنماً، وعلى المروة صنماً، وصاروا يسعون بين الصفا والمروة تعظيماً لهذين الصنمين، فحينما جاء الإسلام عزف المسلمون عن السعي بين الصفا والمروة لأنه سعيٌ بين وثنين، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعيد لهذا المكان قدسيَّته فقال:
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾
ما معنى( مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ )؟
الشعائر جمع، مفرد شعيرة، هي مكان ولكن هذا المكان له خصوصية، في هذا المكان ينبغي أن تنتابك مشاعر خاصَّة، فإن أتيت بيت الله الحرام صادقاً، منيباً، مخلصاً، أنت في هذا المكان بين الصفا والمروة لا بد من أن تشعر بشيء، بحالٍ من القرب، بل إن الإنسان حينما يحج بيت الله الحرام يبدأ بالطواف، كطواف المُحب حول محبوبه، ويسعى بين الصفا والمروة كسعي المُشتاق إلى حبيبه، حالات نفسيَّة، هذا معنى الشعائر، أي أنت يجب أن تشعر بشعورٍ مقدسٍ وأنت فيها، وكل إنسان حجَّ بيت الله الحرام وما شعر بشيء ؛ بل إن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض ما روي عنه أنه من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حجَّ له.
أراد الله أن يجعل الصفا والمروة مكانين لعبادته وطاعته وشعيرتين من شعائر المسلمين:
قال تعالى :
﴿ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾
لأن المسلمين في أول عهدهم كانوا يتحرَّجون أن يطَّوفوا بين الصفا والمروة، لأنه كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، فربنا عزَّ وجل أراد أن يجعل من هذين المكانين اللذين دُنِّسا بالصنمين، أن يجعلهما مكانين لعبادته وطاعته، وشعيرتين من شعائر المسلمين..
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ﴾
يطَّوَّف: أي سبعة أشواط، لأن هناك فرق بين كَسَرَ وكسَّر، كسر القطعة إلى قطعتين، أما كسَّرها أي إلى قطع كثيرة، فأن يطوَّف أي أن يكون طوافه كثيراً، والنبي اختار سبعة أشواط تجسيداً لكلمة يطوَّف بهما..
﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾
طاعة الله في الأمر والنهي من تمام العبودية :
بشكل مقرَّب : مناسك الحج
الإنسان أحياناً يقول : لِمَ أنا أطوف حول البيت ؟ ولمَ أرشق إبليس بالحجارة ؟ ولمَ أسعى بين الصفا والمروة ؟ ولمَ أهرول ؟
فهذا الإنسان الذي لا يحتمل أمراً لا يرى تعليله ، ولا منطقيَّته ، ولا تفسيره ، هذا الإنسان بعيدٌ عن مقام العبوديَّة لله عزَّ وجل ، أليس أي أمرٍ لله عزَّ وجل علَّته الكبرى أنه أمر الله عزَّ وجل ؟
هذا الذي لا يطبِّق أمر الله إلا إذا رآه منطقياً ، لا يطبِّق أمر الله إلا إذا رأى نفعه ملموساً بيده ، لا يطبق أمر الله إلا إذا راق له ، هذا ليس عبداً لله ، هذا عبدٌ لنفسه ، لمصلحته ، فقد تجد في أوامر الدين أمراً لا تراه بعقلك القاصر معلَّلاً ، هذا امتحان ، مثل هذا الأمر يمتحن عبوديَّتك لله عزَّ وجل ، فمثلاً :
لو أمر الأب ابنه أن ينظِّف أسنانه قبل أن ينام ، طبعاً الأب يقول له : يا بني ، إن أسنانك ثروةٌ ثمينة ، فإن اعتنيت بنظافتها تمتَّعت بها طوال حياتك وإلا ؟ لا تكن مثلي ـ وضعت بدلة مثلاً ـ فكلَّما أهملتَ تنظيف أسنانك خلعتَ أسنانك واحدة واحدة ، فحينما يأمر الأب ابنه بتنظيف أسنانه يعطيه التعليل ، يعطيه التفسير ، يبيِّن ، يا بُنَي كن صادقاً حتى تنتزع إعجاب الناس واحترامهم ، يا بني اجتهد لأن رتبة العلم أعلى الرُتَب ، كل هذه الأوامر يُلقيها الأب على ابنه معلَّلةً .
لو أن هذا الابن جاء ليأكل مع والديه فقال له : يا بني لا تأكل معنا اجلس هناك ، هذا أمر غير منطقي ، فما السبب ؟
أنا جائع ، والطعام موجود ، وليس معكما أحد ، لماذا لا آكل ؟ هذا الأمر غير المنطقي ، وغير الواقعي ، غير المعلَّل هذا الأمر يمتحن طواعية الابن لأبيه ، هناك ابن يقول : لماذا لا آكل معكم ؟ فأنا لا أجد مانعاً ، أقنعني ، هناك ابن مستواه أرقى بكثير يقول له : سمعاً وطاعةً يا والدي ، ولو لم يفهم ، أيهما أرقى في الطاعة ؟ الذي امتثل أمر والديه دون أن يفهم حكمتهما .
فالله عزَّ وجل أمرنا بأوامر منطقيَّة ، ومعقولة ، وواضحة ، وبيِّنة ، نتائجها ملموسة ، معلَّلة في القرآن ، ومعظم الناس يتوانون عن الأخذ بها ، لكن أحبابه الذين ذابوا في حبِّه ، وأقبلوا عليه ، واستسلموا لمشيئته ، وسبحوا في أسمائه الحُسنى ، وفنيت ذواتهم في القرب منه ، هؤلاء مستعدون أن يضحوا بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، امتثالاً لأمر الله عزَّ وجل ، لذلك هذا نموذج من الحب ، نموذج من القرب
نموذج من العبوديَّة لله عزَّ وجل .
(قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)
فعلى أي مقياس لا يُقْبَل هذا الأمر ، ابنه ، فلذة كبده ، ابنه الوحيد الذي بشَّره الله به ، ابنٌ كامل ، نبيٌّ كريم ، لماذا أذبحه ؟
الآن إذا أحد الآباء قال لابنه : والله أنا سأذبحك يا ابني ، يقول لك : أبي جُنَّ ، فبأيّ مستوى إذا كان إبراهيم وابنه ؟
رؤيا الأنبياء أمر ، وبعض العلماء قال : إنه لم يقل : إني رأيت في المنام أني أذبحك ، بل قال :﴿ إِنِّي أَرَى ﴾
أني رأيت الرؤيا مرَّةً ومرَّتين وثلاث مرَّات ..
استمعوا إلى كلام الابن .
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ ﴾
الطاعة المطلقة من إسماعيل لأبيه عليهما السلام
المؤمن الصادق عنده شيءٌ واحد ، هو التحقُّق من أن هذا أمر الله ، وهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا حكم الله ، وهذا يرضي الله ، وانتهى الأمر ، فإذا تحقَّقَ أن هذا أمر الله بادرَ إلى تطبيقه .
لكن بعض العلماء قالوا : أنت أيها المؤمن ، إذا بادرت إلى تطبيق أمر الله عزَّ وجل عبوديَّةً له ، وانصياعاً له ، ولو لم تقف على حكمته ، لو لم تقف على عِلَّته ، لو لم يتبيَّن لك وجه منطقيَّته ، إذا بادرت إلى تطبيق أمر الله عزَّ وجل الله جلَّ جلاله يتكرَّم عليك بكشف حكمته جزاء عبوديَّتك له ، أي نفِّذ ثمَّ انتظر أن يكشف الله لك الحكمة ، نفِّذ ثم انتظر ظهور الحكمة وجلاءَها
لا تُعَمِّم
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾البقرة 165
كلمة: (ومن الناس) هذه (مِن) للتبعيض، عوِّد نفسك أن تتخلَّق بآداب القرآن؛ لا تُعَمِّم، لا تُطْلِق، لا تقل: كل أهل هذه البلدة شاردون، قل: بعضهم، بعضٌ منهم، كن موضوعياً في أي حكم تدلي به، النقطة التي يلتقي بها العلم بالأخلاق هي الموضوعيَّة، الموضوعية قيمةٌ علمية، وهي في الوقت نفسه قيمةٌ أخلاقيَّة، العلم يلتقي مع الأخلاق بهذه القيمة، إن سُئلت عن إنسان اذكر ما له وما عليه، لا تذكر ما عليه فقط إن كنت خصماً له، ولا تذكر ما له إن كنت محباً له، اذكر ما له وما عليه.
رأى النبي عليه الصلاة والسلام صهره مع الأسرى، حين أُسِرَ يوم بدر، لماذا جاء؟
جاء ليحارب النبي، ولو تمكَّن لقتل النبي، قُبض عليه أسيراً، فلما نظر النبي عليه الصلاة والسلام إليه قال كلمةً منصفةً،
قال: " واللهِ ما ذممناه صهراً ". هو صهر ممتاز.
أرأيت إلى هذه الموضوعية.
التعميم من العمى :
تعلَّم من القرآن الكريم كيف تكون أحكامك دقيقة، لا تنظر بمنظارٍ واحد، لا تنظر من زاويةٍ واحدة،
ورد في الأثر: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
، عود نفسك ألا تطلق أحكاماً عامة، لا تقل كل أصحاب هذه الحرفة غشاشون، إياك أن تقول هذا،
لأن التعميم من العمى، والتعميم من خصائص الجهلاء، والتعميم فيه فجاجة وعدم نضج، والتعميم يبعدك عن الموضوعية.
دائماً لا تعمم؛ التعميم من العمى، والفرق بين المثقف وغير المثقف هذه الناحية، أحكامه دقيقة، موضوعية، ليس فيها مبالغات، كل إنسان يبالغ بعيد عن الإنصاف،
أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً، أمرت أن أصل من قطعني، وأعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني.
قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ ﴾
من الذين هادوا يفعلون كذا وكذا، من للتبعيض، لو اهتدى واحد منهم إلى الإسلام، ورأى هذه الدقة في القرآن، ترتاح نفسه، تأدَّب بآداب القرآن، لا تعمم ولا تطلق، ولا تبالغ ولا تقلل؛ بل إن الحق أكبر من أن يحتاج إلى مبالغة، هو أكبر من ذلك، الحق أكبر من أن تكذب له، الحق أكبر من أن تستحي به، الحق أكبر من أن يخشى البحث، الحق لا يخشى البحث، ولا يُستحيا به، والحق لا يحتاج إلى أن تكذب له، ولا أن تصغِّر من خصومه، ولا أن تُبالغ، الحق هو الله، وهو قويٌ بذاته. لذلك أنت كمسلم ادعُ إلى الله فقط، الحق قوة من دون أي شيء آخر، كن منضبطاً بكل القوانين والأنظمة تكن كلمتك هي القوية، الحق غذاء للنفوس.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً ﴾
أحياناً يعمل زوجته نداً، تحمله على معصية يرضخ، يرى سلامتها أغلى عنده من علاقته بالله، أحياناً يدفعه لمعصية، أحياناً يأكل المال الحرام ليرضي أسرته من شدة الطلب والإلحاح، ماذا رأى هذا؟ هذا رأى أن سلامته في بيته مع زوجته، وأولاده أغلى عنده من طاعة الله عزَّ وجل، صحابي جليل طلبت منه زوجته طلباً. فقال: اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهنَّ على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بكِ من أجلهن، أهون من أن أضحي بهن من أجلك "، هذا مقياس.
قالت له أمه: " يا سعد إما أن تكفر بمحمد، وإما أن أدع الطعام حتى أموت "، فقال: " يا أمي لو أن لكِ مئة نفسٍ فخرجت واحدةً وَاحدةً ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئتِ أو لا تأكلي ". فأكلت بعد ذلك.
هذا هو المؤمن، المؤمن مواقف، مبادئ، يقول: لا بملء فمه، ولا يخشى في الله لومة لائم، يقول: لا، وألف لا. إذا شيء مخالف للشرع، وكان فيه معصية، أو فيه أكل مال حرام، أو فيه شهادة زور، لا، هذا المؤمن، فلو قطعته إرباً إِرباً لا يعصي الله، هنا قوة المؤمن، أما..﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾من دونه، لا يوجد بينهما نسبة، الله كل شيء، وهذا لا شيء، (أنداداً)، يتوهمه قوياً، يتوهم سعادته بإرضائه، سبحان الله! الإنسان يرتكب أحياناً حماقة كبيرة، ويخسر الدنيا والآخرة معاً، هذا الذي آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، وهذا الذي آثر رضا الله على دنياه ربحهما معاً.
حال كثير من المسلمين الآن :
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ ﴾هؤلاء يحبون الأنداد حباً يشبه حب المؤمنين لله؛ يعظِّمونهم، يخافونهم، يرجون ما عندهم، يعصون الله من أجلهم،
وهذه أكبر المصائب أن تكون خطأً لإنسان:﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾[ سورة الزخرف الآية: 54]
هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، هذا ملخَّص الملخَّص، وهو حال المسلمين الآن؛ هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، احتفالاتهم، أعراسهم، كسب مالهم، تجارتهم، بيوتهم، صرعات العصر كلها في بيوتهم، لا يوجد عندهم شيء حرام، ولكن لديهم صلاة وصوم وحج وزكاة، هذا الإسلام العظيم الذي هو خمسمئة ألف بند، والذي هو منهج تفصيلي بقي خمسة فقط.
تجد حياته في واد، والإسلام في واد؛ بيته، أولاده، بناته، زوجته، دخله، تجارته، ولا يشعر أن هناك مشكلة، دار نشر تروِّج كتاباً كله كفر، يقول لك: هذه مصلحتي، ماذا أفعل؟ مطعم يبيع خمر، يقول لك: لا يمكن ألاَّ يكون الخمر، لأنه مطعم خمسة نجوم، يقيم دعاية أحياناً كلها نساء كاسيات عاريات، وهو يصلي في أول صف، كيف يكون متوازناً؟ كيف جمعت بين النقيضين؟ قال لي شخص يصلي في الصف الأول: أنا عندي مطعم يباع فيه الخمر، ولكن هذا العمل في رقبة شريكي، فأنا ليس لي ذنب!! توازن فكره بهذه الطريقة أنه وضعها (في رقبة شريكه)، وانتهى الأمر.
عداوة الحال وعداوة المآل :
الإنسان الجاهل الغافل هو الذي يطيع مخلوقاً، ويعصي خالقاً، يطيع زوجته، ويعصي ربه، يطيع شريكه، ويعصي خالقه، يطيع أولاده، ويغضب ربه، يكسب المال الحرام ليرضي أسرته، وهذه لا تنفعه عند الله شيئاً، من هنا قال الله عزَّ وجل:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ (14) ﴾[ سورة التغابن الآية: 14]
عدواً لكم يوم القيامة قال العلماء: " هذه عداوة مآل وليست عداوة حال "، في الحال زوجته يحبها حباً جماً، وأولاده، أما يوم القيامة حينما يرى أنه استحق دخول النار بسببهم، عندئذٍ يعاديهم، حينما يوضع الرجل في النعش وتمشي الجنازة ـ هكذا ورد في الأثر ـ ترفرف روحه فوق النعش تقول: "يا أهلي يا ولدي جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حلِّه وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي ".
سئل أحدهم إلى أين أنت ذاهب؟ والله بالحرف الواحد وإن كانت كلمة قبيحة، فأجاب: أنا ذاهب لأسكر على روح أبي، ترك له أموالاً طائلة، ولم يعرفه بالله عزَّ وجل، فهذا المال الذي بين يديه حمله على المعاصي والآثام، لذلك:" أندم الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنة ودخل هو بماله النار ".
قد يورث أحدهم أولاده مالاً وفيراً، وأولاده صالحون، فدخلوا بهذا المال الجنة، هو جمعه من حرام فدخل بهذا المال النار، وقد تقف فتاةٌ يوم القيامة تقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأنه ما عرَّفها بالله، ما حملها على طاعة الله، القضية خطيرة جداً.
أنا أعيد هذه الفكرة مرَّات عديدة، هناك كلام تستمع إليه فتتثاءب، وتنام بعده، لأنه كلام تافه، وهناك كلام تستمع إليه فلا تنام بعده الليل، لأن هذا الكلام يضعك أمام مسؤوليَّاتك..﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ *وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾[ سورة النجم الآيات:59-61 ]
امانى يسرى محمد
09-07-2025, 03:50 PM
منزلة الشُكر
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)سورة البقرة
كلوا شيئاً تطيب به نفوسكم، تطيب به نفوسكم بمعنيين، الجسم يتقوَّى بهذا الطعام على طاعة الله، والنفس تطمئن إلى أنه طعامٌ حلال، حينما يفعل الإنسان الحلال يرتاح، لو تكلَّم الإنسان مع فتاةً في الطريق لا تحل له، يسقط من عين الله، أما لو تزوج فلا شيء عليه، شيء طبيعي، الزواج سنة وفق منهج الله، فلذلك:﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ﴾
اشكروا الله: الكافر مع النعمة، والمؤمن مع المُنعم، الكافر مع النعمة يتفنن في التمتُّع بها، يستغلها أدق استغلال، ولكنه كافرٌ بالمُنعم، أما المؤمن مع المنعم. لو أجريت موازنة حادة: إنسان يتمتع بأعلى درجات الصحة، لكنه مقطوع عن الله، وإنسان يعاني من أشد الأمراض لكنه متصلٌ بالله، أيهما أسعد؟ هذا الذي يتمتع بالصحة مع النعمة، أما هذا الذي ابتلاه الله بهذا المرض فهو رقيق القلب متصلٌ بالله منيبٌ إليه، مع المنعم، وشتان بين أن تكون مع مخلوقٍ، وبين أن تكون مع خالق.
الذي يتمتَّع بأعلى درجة من الغنى وهو مقطوعٌ عن الله، هذا مع النعمة، مع المال، والذي يعاني مع ضيق ذات اليد ولكنه متصل بالله هذا مع المُنعم، وفرقٌ كبير بين أن تكون مع مخلوقٍ محدود، وبين أن تكون مع الخالق، فمثلاً: إنسان معه ألف ليرة، وطفل صغير ليس معه ولا درهم، لكنه ابن أكبر غني بالعالم، ولو طلب هذا الابن من أبيه ملايين مُملينة لأعطاه إيَّاها، ولكن بالمقياس المادي هذا في جيبه ألف ليرة، وهذا ليس في جيبه شيء، من هو الغني؟ الطفل هو الغني، غنيٌ بغنى أبيه. فالإنسان المؤمن قد لا يملك شيئاً يلفت النظر، ولكنه مع الله، هو مع الغني، هو مع القوي، هو مع المُهيمن، هو مع من إليه المصير، هو موعود بجنة، فبين أن تكون مع النعمة، وبين أن تكون مع المُنعم فرق كبير، ولا أقول مستحيل أن تجتمعا، لكن لحكمةٍ أرادها الله، المُترف دائماً بعيد عن الله. هناك ثماني آيات في كتاب الله تؤكِّد أن المترف كافر، المترف، ليس هو الذي يأخذ هذه النعمة، ويشكر الله عليها، ولكن هو الذي يأخذها ليعلو بها على الناس، ليتباهى بها، ليكسِر قلوب الآخرين، زهواً، وإعجاباً، وغطرسةً، نقول: هذا مع النعمة الفانية، وذاك مع المُنعم الباقي، فكن مع المنعم وإن كانت بين يديك نعمة فهذا خير، لكن الشيء الدقيق والثابت أن تكون مع المُنعم.
إن كنت تعبده فاشكره، فإن لم تشكره فكأنك لا تعبده، من لوازم العبادة الشكر، لذلك تعريف العبادة:
غاية الخضوع مع غاية الحب.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾[سورة النساء الآية: 147]
هذه الآية أصلٌ كبير من أُصول الدين , يعني إذا شكرتم وآمنتم , أو إذا شكرتم بعدَ أن آمنتم , أو إذا آمنتم وشكرتم , ما يفعل الله بعذابكم ؟
معنى ذلك : أنكم حققتم الهدفَ الكبير الذي من أجلهِ خُلقتُم .
يعني : يتوقف العذاب والمعالجة , وأنواع البأساءِ والضرّاء , وأنواع الهموم والأحزان , بمجرّدِ أن تشكروا بعدَ أن تؤمنوا .
لا نُبالغ إذا قُلنا : إنَّ عِلّةَ وجودكَ على الأرض أيها الإنسان , أن تتعرفَ إلى الله , وأن تشكرهُ .
قد يسأل سائل : لِمَ لا يكون الهدفُ أن تتعرفَ إلى الله وتصبِرَ على حُكمهِ ؟ لِمَ اختارَ الله الإيمان مع الشُكر ؟
إليكم التفسير ، لا بدَ من مثل :
إذا قُدّمت لكَ هديةٌ ثمينة , جهاز , أنتَ في أمسِّ الحاجةِ إليه , وهذا الجهاز يُقدّمُ لكَ خدمات كبيرة , قُدّمَ لكَ بلا ثمن , كهديةٍ خالصةٍ لك , ما ردُ الفِعل عِندك ؟ .
ردُ الفِعل أنكَ تتأملُ هذا الجهاز ، تتعرف إلى مُصممهِ ، إلى من اخترعهُ ، إلى دِقةِ أجزائه ، إلى أداءِ وظائفهِ ، إلى تعقيد تركيبهِ ، كُلما تأملّتَ في دقائق الجهاز , ازددتَ إعجاباً بصانعهِ ,
أو ازددتَ إيماناً بِعلمهِ الرفيع , وفضلاً عن ذلك , قُدِّمَ لكَ هديةً , تشعر أنكَ ممتن .
الآن :
أنتقل من هذا المثل إلى السموات والأرض , الله سبحانهُ وتعالى سخّرَ للإنسانِ ما في السموات وما في الأرض جميعاً , كلُّ هذا الكون مُسخّرٌ لهذا الإنسان تسخيرين :
تسخيرَ تعريف وتسخير تكريم .
أرادَ الله عزّ وجل من خِلالِ خلق السموات والأرض أن يُعرّفكَ بذاتك , وأرادَ من خِلالِ خلق السمواتِ والأرض أن يمتلئَ قلبُكَ امتناناً , أن تؤمن أن تشكر , فقد حققتَ الهدفَ الكبير من
وجودكَ على وجه الأرض ، لأنَّ الكون مُسخّر تسخيرَ تعريف , والتعريف يقتضي الإيمان ، وتسخيرَ تكريم , والتكريم يقتضي الشُكر .
إذا عرفتهُ وهو المُنعم , وشكرتهُ وهو المُتفضّل , فقد بلغتَ أقصى درجات الإيمان
من الآيات المتعلقة بالشكر :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[سورة البقرة الآية: 172]
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾[سورة البقرة الآية: 152]
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[سورة النحل الآية: 78]
وقالَ تعالى :
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[سورة العنكبوت الآية: 17]
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾[سورة آل عمران الآية: 145]
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[سورة إبراهيم الآية: 7]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾[سورة إبراهيم الآية: 5]
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾
في هذه الآية الكريمة مركز ثقل، ألا وهو الموت فالله عز وجل يقول:﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾[ سورة الملك: 2 ]
ولأنه قدم الموت على الحياة فهناك حكمة بالغة بالغة، ذلك أن الموت أخطر من حدث الحياة، حدث الموت أخطر من حدث الحياة، لأن الإنسان حينما يولد أمامه خيارات كثيرة، وفوق هذه الخيارات كل أغلاطه أو ذنوبه يمكن أن يتوب منها، البدايات، أما الموت حينما يأتيه الموت:﴿لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾[سورة الأنعام: 158]﴿ وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ﴾[ سورة الأحزاب: 18 ]
خطورة الموت أنه يحدد مصير الإنسان الأبدي إلى ما شاء الله :
خطورة الموت أنه يحدد مصير الإنسان الأبدي إلى ما شاء الله، ومعنى كلمة أبدي أي ألف مليار سنة، أعمارنا نحن بين الستين والسبعين كما ورد في بعض الأحاديث، ألف مليار، ملْيار، مليار، مليار مليار، مِليار، إلى أن ينقطع النفس، أكبر رقم تتصوره واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس، مئة وستة وخمسون مليون كيلومتر أصفاراً بين كل صفرين ميليمتر، هذا الرقم إذا نسب إلى لانهاية، إلى الأبد فهو صفر، أي رقم مهما كبر إذا نسب إلى لا نهاية فهو صفر، فما معنى؟
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾[ سورة التغابن: 9 ]
وما معنى؟﴿ نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾[ سورة التوبة: 21 ]
وما معنى؟﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ﴾[ سورة البقرة: 167 ]
هذا هو النعيم المقيم، وهذا هو النعيم الذي خلق الإنسان من أجله، أما هذه السنوات المعدودات، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
أكبرخسارة أن تخسر الآخرة وأكبر ربح أن تربح الآخرة :
حدث الموت إن لم يدخل في صميم حياتنا، وفي صميم عقيدتنا، وبرامجنا، وسلوكنا، فقد يكون حدثاً مؤلماً جداً.﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾[ سورة المدثر: 8 ـ 10 ]
والله قد تأتي على من شارف الموت تأتي عليه ساعة يقول لم أر خيراً قط، من شدة الآلام التي تنتابه، ألم الخسارة الكبرى.﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾[ سورة الزمر: 15 ]
أكبر خسارة أن تخسر الآخرة، وأكبر ربح أن تربح الآخرة ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام(أكثروا ذكر هادم اللذات إنه مفرق الأحباب، مشتت الجماعات .))[رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة]
( عش ما شئت فأنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارق واعمل ما شئت فإنك مجزي به .))[ أخرجه الشيرازي والبيهقي عن سهل بن سعد البيهقي عن جابر ]
البطولة أن تعد لما بعد الموت :
ورد في الأثر."إن أكيَسَكم أكثرُكم للموت ذكرًا، وأحزمَكم أشدُّكم استعدادًا له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزوُّد لسُكنى القُبور، والتأهُّب ليوم النشور"؛
يا أيها الأخوة الكرام... هل من حدث في حياتنا جميعاً أشد واقعيةً من الموت، حدث الغنى، فقد يصيبنا وقد لا يصيبنا، وحدث الفقر، فقد يصيبنا وقد لا يصيبنا، وحدث المرض كذلك، أما حدث الموت فلا يمكن أن ينجو منه أحد، ومادام الموت انتقال من دار إلى دار، من دار الفناء إلى دار الخلود، فماذا أعد الإنسان لهذه الدار الطويلة؟!
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾
لذلك فقد أدخل المؤمن حدث الموت في برامجه اليومية، لأنه كلما وقف موقفاً، وكلما دعي إلى عمل، وإلى قول، ولقاء، وسفر، يسأل نفسه هذا السؤال، ماذا أجيب الله يوم القيامة، لِمَ فعلت؟ ولِمَ لَمْ تفعل؟﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[ سورة الحجر: 92 ـ 93]
النقطة الدقيقة هي أن كل واحد منا له عمر، كيف مضى؟ مضى كلمح البصر، وإن سأل نفسه هذا السؤال الحرج، كم بقي؟ وفي الأعم الأغلب عند معظم الكهول قد يكون الذي بقي أقل من الذي مضى، مادام الذي مضى قد مضى كلمح البصر، فالذي بقي يمضي أيضاً كلمح البصر، وما هي إلا ساعة وتعلن وفاة الإنسان، ونحن كل يوم نستمع إلى عالم جليل، إنسان له شأن خطير، وافته المنية فجأةً، وقد يكون ملكاً، وقد يكون عالماً كبيراً، وقد يكون بمنصب رفيع، الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل.
البطولة أن تعد لما بعد الموت، الموت أهون مما بعده للمؤمن، وللكافر الموت أقل مما سيكون من عذاب أليم ما بعد الموت.
امانى يسرى محمد
09-07-2025, 03:51 PM
غاية الصيام تحقيق التقوى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[ سورة البقرة : 183]
إن الله عز وجل امتنّ على عباده بمواسم الخيرات، فيها تضاعف الحسنات، وتمحى السيئات، وترفع الدرجات، وتتوجه فيها النفوس إلى مولاها. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾قد أفلح من زكاها ـ خصوصاً ـ في رمضان. خصائص الصيام:
ومن أعظم العبادات: الصيام الذي:
1 ـ فرضه الله على العباد.
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾( سورة البقرة: الآية 183)
2 ـ ورغبهم فيه.فقال سبحانه:﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾( سورة البقرة: الآية 184)
3 ـ وأرشدهم إلى شكره على فرضه.فقال عز وجل:﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾( سورة البقرة: الآية 185)
4 ـ و حببه إليهم، وخففه عليهم.لئلا تستثـقله النفوس التي ألـفت المباحات، قال تعالى:﴿ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ ﴾( سورة البقرة: الآية 184)
5 ـ ورحمهم، ونأى بهم عن الحرج والضرر.فقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾( سورة البقرة: الآية 184)
فلا عجب ـ أن تُقبل قلوب المؤمنين في هذا الشهر على ربهم الرحيم، يخافونه من فوقهم، و يرجون ثوابه، و يخشون عقابه.
فضائل الصيام:
1ـ الصوم عبادة لها ميزة خاصة:
اختصها الله من بين سائر الأعمال، ففي الحديث القدسي الصحيح، يقول الله عز وجل:(( كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به ))من حديث قدسي مرفوع، إسناده صحيح أخرجه ابن ماجه،وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه
فكفى بذلك تنبيهاً على شرفه، و عظم موقعه عند الله عز وجل، مما يؤذن بعظم الأجر عليه، فبإضافة الله تعالى الجزاء على الصيام إلى ذاته العليا تنبيه على عظم أجر الصائم.
2ـ الصوم يقم الشهوة:
من فضائل الصوم كما قال عليه الصلاة والسلام أنه قامع للشهوة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج. فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجَاء))من حديث مرفوع صحيح،أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي،عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
3ـ وأرشدهم إلى شكره على فرضه.
فقال عز وجل:﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾( سورة البقرة: الآية 185)
4ـ الصوم مدعاة لاستجابة الدعاء:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾( سورة البقرة: الآية 186)
هذه الآية جاءت مع آيات الصيام، قبل هذه الآية آيات متعلقة بالصيام، وبعدهذه الآية آيات متعلقة بالصيام هي بين آيات الصيام، وكأن الواحد الديان يبشر عباده أن هذا الصائم دعاؤه مستجاب.
5ـ الصوم من أسباب تكفير الذنوب:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:(( الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضان إلى رمضانَ ؛ مُكَفِّرات لما بينهنَّ، إذا اجتنبت الكبائر ))حديث مرفوع صحيح، أخرجه مسلم والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه
الصلوات الخمس، أي من صلاة إلى صلاة، و الجمعة إلى الجمعة، و رمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الذنوب الكبيرة.
6ـ الصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة:
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: ربّ إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم، منعته النوم بالليل، فيشفعان ))حديث مرفوع صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه أخرجه الحاكم في مستدركه
7ـ الصوم سبب لفرح الصائم في الدنيا والآخرة:
ومن فضائل الصوم فرح الصائم بما يسره الله له من الصوم في العاجل والآجل، كما في الصحيحين: (( للصائم فرحتان، فرحة عند فِطْره، وفرحة عند لقاءِ ربِّه ))من حديث مرفوع صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه
التكاليف الشرعية شاقة على الأبدان، مفرحة للنفوس:
هذه القاعدة تنطبق على كل العبادات، بل على كل الطاعات، بل على كل استجابة لله، العبادات ذات كلفة، سميت تكاليف لأنها فيالأصل تتناقض مع الطبع، الإنسان يحب أن يبقى نائماً، و التكليف أن يستيقظ، يحب أن يمتع عينيه بمحاسن النساء، و التكليف أن يغض البصر، يحب أنيخوض في فضائح الناس، و التكليف أن يسكت، يحب أن يأخذ المال، و التكليف
أن ينفقه، فالتكاليف كلها مناقضة للطبع، لكنها مطابقة للفطرة، ترتاح نفسك إذا أديت الفرائض، ترتاح نفسك إذا كنت صادقاً، ترتاح نفسك إذا كنت أميناً،ترتاح نفسك إذا أعنت أخاك، إذا رحمته، إذا يسرت عليه، كل أوامر الدين بعباداته ومعاملاته وفضائله إن طبقتها ارتاحت نفسك:﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا )( سورة الروم: الآية 30 )
راتب النابلسى
امانى يسرى محمد
09-07-2025, 03:52 PM
ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺎﺏ
﴿ ﻭَﺇِﺫَﺍ ﺳَﺄَﻟَﻚَ ﻋِﺒَﺎﺩِﻱ ﻋَﻨِّﻲ ﻓَﺈِﻧِّﻲ ﻗَﺮِﻳﺐٌ ﺃُﺟِﻴﺐُ ﺩَﻋْﻮَﺓَ ﺍﻟﺪَّﺍﻉِ ﺇِﺫَﺍ ﺩَﻋَﺎﻥِ ﴾(186)سورة البقرة
ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﻋﻨﺎﺻﺮ،ﺃﻭﻝ ﻋﻨﺼﺮ ﺃﻥ ﺗﻮﻗﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺴﻤﻌﻚ، ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺃﻭﻻً، ﻭﻳﺴﻤﻌﻚ ﺛﺎﻧﻴﺎً، ﻭﻫﻮ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺩﻋﺎﺋﻚ ﺛﺎﻟﺜﺎً، ﻭﻫﻮ ﻳﺤﺐ ﺃﻥ ﻳﺮﻓﻌﻚ ﺭﺍﺑﻌﺎً ﻓﻬﻮ ﻣﻮﺟﻮﺩ، ﻭﻳﺴﻤﻊ، ﻭﻗﺎﺩﺭ، ﻭﻳﺤﺒﻚ، ﻟﺬﻟﻚ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ :﴿ ﻗُﻞْ ﻣَﺎ ﻳَﻌْﺒَﺄُ ﺑِﻜُﻢْ ﺭَﺑِّﻲ ﻟَﻮْﻟَﺎ ﺩُﻋَﺎﺅُﻛُﻢْ ﴾( ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺮﻗﺎﻥ ﺍﻵﻳﺔ : 77 )
ﺃﻱ ﻻ ﻳﻜﺘﺮﺙ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻜﻢ ﻟﻮﻻ ﺃﻧﻜﻢ ﺗﺪﻋﻮﻧﻪ، ﻷﻥ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻫﻮ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ .
﴿ ﻭَﺇِﺫَﺍ ﺳَﺄَﻟَﻚَ ﻋِﺒَﺎﺩِﻱ ﻋَﻨِّﻲ ﻓَﺈِﻧِّﻲ ﻗَﺮِﻳﺐٌ ﺃُﺟِﻴﺐُ ﺩَﻋْﻮَﺓَ ﺍﻟﺪَّﺍﻉِ ﺇِﺫَﺍ ﺩَﻋَﺎﻥِ ﴾
ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﺒﺎﺩﻱ ﻣﺴﺘﺠﺎﺑﻲ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ، ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻣﺴﺘﺠﺎﺏ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ، ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﺳﻼﺣﻚ، ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﻗﻮﻯ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﺎﻟﺪﻋﺎﺀ ﺍﺳﺘﺠﺐ ﻟﻠﻪ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﻪ، ﺁﻣﻦ ﺑﻪ ﺃﻭﻻً، ﻭﺍﺳﺘﺠﺐ ﻟﻪ ﺛﺎﻟﺜﺎً، ﻋﻨﺪﺋﺬٍ ﺗﻐﺪﻭ ﻣﺴﺘﺠﺎﺏ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ .
ﺇﺫﺍ ﺁﻣﻨﻮﺍ ﻭﺍﺳﺘﺠﺎﺑﻮﺍ ﻭﺍﺧﻠﺼﻮﺍ ﻓﻲ ﺩﻋﺎﺋﻬﻢ ﻟﻌﻠﻬﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮﻥ ﻣﻦ ﻣﺴﺘﺠﺎﺑﻲ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ، ﻭﻫﻮ ﻣﻘﺎﻡ ﻛﺒﻴﺮ، ﻭﻣﻦ ﺳﻠّﻢ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻓﻼﻥ ﻣﺴﺘﺠﺎﺏ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ.
ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺍﺳﺘﺜﻨﻮﺍ ﺇﻧﺴﺎﻧﻴﻦ ﻣﻦ ﻭﺟﻮﺏ ﺗﺤﻘﻖ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ، ﺍﻟﻤﻀﻄﺮ ﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ، ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺃﻫﻼً ﻟﻠﺪﻋﺎﺀ، ﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﻟﻪ ﻻ ﺑﺄﻫﻠﻴﺘﻪ، ﻭﻟﻜﻦ ﺑﺮﺣﻤﺘﻪ، ﻭﺍﻟﻤﻈﻠﻮﻡ ﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﻻ ﺑﺄﻫﻠﻴﺘﻪ، ﻭﻟﻜﻦ ﺑﻌﺪﻟﻪ .
ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﺍﻟﻤﻌﺼﻴﺔ ﻣﺎﻧﻊ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ:
ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ :﴿ ﺍﺩْﻋُﻮﺍْ ﺭَﺑَّﻜُﻢْ ﺗَﻀَﺮُّﻋًﺎ ﻭَﺧُﻔْﻴَﺔً ﺇِﻧَّﻪُ ﻻَ ﻳُﺤِﺐُّ ﺍﻟْﻤُﻌْﺘَﺪِﻳﻦَ﴾( ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻷﻋﺮﺍﻑ )
ﻣﺴﺘﺤﻴﻞ ﻭﺃﻟﻒ ﺃﻟﻒ ﻣﺴﺘﺤﻴﻞ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻌﺘﺪﻳﺎً ﻋﻠﻰ ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﺗﻘﻮﻝ : ﻟﻪ ﻳﺎ ﺭﺏ ﺍﺳﺘﺠﺐ ﻟﻲ، ﻷﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻚ : ﻟﻦ ﺃﺳﺘﺠﻴﺐ ﻟﻚ، ﻷﻧﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻳﻦ، ﻭﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﻨﺖ ﻣﺤﺴﻨﺎً، ﻟﺬﻟﻚ :﴿ ﻭَﻻَ ﺗُﻔْﺴِﺪُﻭﺍْ ﻓِﻲ ﺍﻷَﺭْﺽِ ﺑَﻌْﺪَ ﺇِﺻْﻼَﺣِﻬَﺎ ﻭَﺍﺩْﻋُﻮﻩُ ﺧَﻮْﻓًﺎ ﻭَﻃَﻤَﻌًﺎ ﺇِﻥَّ ﺭَﺣْﻤَﺖَ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻗَﺮِﻳﺐٌ ﻣِّﻦَ ﺍﻟْﻤُﺤْﺴِﻨِﻴﻦَ ﴾( ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻷﻋﺮﺍﻑ )
ﺍﻟﺬﻱ ﻭﻗﻊ ﻓﻲ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﺷﺮﻋﻴﺔ، ﻭﻓﻲ ﺃﻛﻞ ﻣﺎﻝ ﺣﺮﺍﻡ، ﻭﻓﻲ ﺗﻘﺼﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺍﺕ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺪﻋﻮ ﺍﻟﻠﻪ، ﻳﺪﻋﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﺷﻜﻼً ﺑﻠﺴﺎﻧﻪ، ﻟﻜﻦ ﻗﻠﺒﻪ ﻣﺤﺠﻮﺏ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ، ﻭﺃﻛﺒﺮ ﻋﻘﺎﺏ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﺑﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻧﻪ ﻳﺤﺠﺐ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ.﴿ ﻛَﻠَّﺎ ﺇِﻧَّﻬُﻢْ ﻋَﻦ ﺭَّﺑِّﻬِﻢْ ﻳَﻮْﻣَﺌِﺬٍ ﻟَّﻤَﺤْﺠُﻮﺑُﻮﻥَ ﴾( ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﻄﻔﻔﻴﻦ )
قال تعالى:
﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
استنبط علماء التفسير من هذه الآية شروط الدعاء المُستجاب وهي: أن تؤمن بالله، وأن تستجيب له طائعاً، وأن تدعوه مخلصاً. إيمان استجابة، ودُعاء بإخلاص، إلا أن العلماء استثنوا رجلين من هذه الشروط، من هما؟ المُضَّطر والمظلوم، فقالوا: المضطر لا يستجيب الله له بحال الداعي، وقد يكون غير مسـتجيب لله، بل يستجيبُ الله بحال المَدعو، وهو الرحمة، والمظلوم يستجيب الله له لا بحال الداعي، وقد يكون غير ملتزمٍ، بل يستجيب الله له باسم العَدْلِ، الله عزَّ وجل يستجيب للمضطر والمظلوم..
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾[ سورة النمل: 62]
هذه حالة:﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾[ سورة النمل: 62]
والحالة الثانية( اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب ))[ أخرجه البخاري عن ابن عباس ]
وهناك رواية أخرى( اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً ))[رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده والضياء عن أنس]
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_11/image.png.8a419e2d266dadc9873117aed4982064.png (https://akhawat.islamway.net/forum/uploads/monthly_2018_11/image.png.8a419e2d266dadc9873117aed4982064.png)
امانى يسرى محمد
09-07-2025, 09:12 PM
"يسروا ولا تعسروا".. مبادرة لتخفيف تكاليف الزواج
(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) [البقرة: 187].
﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾
هي سترٌ لك من معصيةٍ كبيرة، وأنت سترٌ لها من معصيةٍ كبيرة، وقفت وقفتين متأنيتين عند كلماتٍ في هذه الآية التي وردت في آيات الصيام. وقفت عند:
﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾
ووقفت عند قوله تعالى:
﴿ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
من الوَلَد الصالح، فالإنسان عليه أن يحصِّن نفسه بالزواج، ولاسيما في هذه الأيام،
لأنه حقٌ على الله أن يُعين الشاب إذا طلب العفاف، هذا شيء ثابت، شاب مؤمن يخشى أن يعصي الله، إذا طلب العفاف فحقٌ على الله أن يعينه، فالزواج حِصن، والزواج سَبَب لإنجاب الأولاد الصالحين من بعدك،.
الزواج سُنةٌ من سُنَن النبي عليه الصلاة والسلام، وكل إنسان يسهم بشكلٍ أو بآخر، كل إنسان يُذلل العقبات أمام من يرغبون بالزواج له أجر عند الله كبير، الذي قدَّم بيتاً، الذي قدَّم مبلغاً من المال مساعدة، الذي قدَّم أثاثاً، الذي قدَّم مهراً، الذي زوَّج ابنته ولم يشدِّد على الصهر، تساهل معه، فهؤلاء لهم أجر، إذا تعاونا يُشيع النكاح، وإن لم نتعاون يشيع السِفاح مكان النكاح، لأن الزواج حاجة أساسية في الإنسان، فإذا وضعنا عقبات عالية أمامها طبعاً سلك الإنسان طريقاً منحرفاً
- إذا أتاكُم من تَرضونَ خُلقهُ ودينهُ فزوّجوهُ ، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة
الصفحة أو الرقم: 1022 | خلاصة حكم المحدث : حسن لغيره
إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه ولم تزوجوه، لأنه ليس لديه بيت، أو لسكن خارج دمشق، أو ليس لديه سيارة، أو ليس له دخل كبير يحقِّق طموحات ابنتنا، فإذا كان هذا هو المقياس فابشروا بفسادٍ عَريض
الآيات تؤكد على تحصين الشباب بالزواج وابتغاء الولد الصالح منه
ولاسيما في هذه الأيام العصيبة التي تبدو فيها المرأة في الطريق كما خلقها الله، لم يبقَ للزوج شيءٌ منها.. هؤلاء
(( نساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ))
رواة مسلم: اللباس والزينة (2128) , وأحمد (2/355 ,2/440)
هكذا قال عليه الصلاة والسلام، لأنها تثير الشهوة قبل أوانها،
لذلك كان التركيز في هذه الآيات على تحصين الشباب بالزواج، وعلى أن يبتغوا من الزواج الوَلد الصالح، أو البِنت الصالحة التي تنفع الناس من بعده.
أنا كلَّما ذكرت موضوع الزواج حضرتني آيةٌ لا علاقة لها بالزواج، لا أدري لمَ؟
لكني أراها منطبقة على الموضوع انطباق كلي. قال تعالى:
﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾[ سورة النساء: 104]
أيْ أنَّ الشاب المؤمن حينما يسعى للزواج قد يتعب كثيراً لكي يؤمِّن مأوى صغيراً، قد يتعب كثيراً ليؤسِّس هذا المأوى، قد يتعَب ليقدِّم المهر لزوجته، لكنه يرجو من زواجه ما لا يرجوه الشاب الشارد، ذاك يرجو المُتعة، وهذا يرجو ولداً صالحاً ينفع الناس من بعده، هذا يرجو بيتاً إسلامياً ويرجو لبِنَةً محكمةً في بناءٍ شامخ، وذاك يرجو المتعة والابتهاج.
التطبيق العملي لهذا الدرس أن نسهم بشكلٍ أو بآخر في تسهيل الأمور أمام المتزوّجين، لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾[ سورة النور: 32]
أمر إلهي، معنى "أَنكِحُوا" أيْ يسِّروا سُبُل الزواج لكل إنسانٍ، " أَنكِحُوا الأَيَامَى "، من هو الأيِّم؟
الإنسان الذي لا زوجة له، أو المرأة التي لا زوج لها ثيباً كانت أو بكراً، وهذا أمر إلهي، أيْ معنى ذلك سهلوا سُبُلَ الزواج ليحلَّ النكاح مكان السفاح،
سيدنا شُعَيْب عندما عرض ابنته على سيدنا موسى قال له:
﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾[ سورة القصص: 27]
هذا منهج، أيْ أن أي أب عنده بنت ينبغي عليه ألا يشقَّ على خاطب ابنته، إذا كان دينه جَيِّداً، أخلاقه عالية، لكن قليل ذات اليد، الفقير قد يغنيه الله عزَّ وجل، أما الغني الفاسق قد يزداد فِسْقاً.
امانى يسرى محمد
09-07-2025, 09:14 PM
صور من المال الحرام
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الآية 188سورة البقرة
أما كسب المال بالباطل فطرقه لا تعد ولا تحصى، قد يكون كسب المال أساسه الكذب، وقد يكون كسب المال أساسه الاحتكار، وقد يكون كسب المال أساسه الاحتيال، وقد يكون كسب المال أساسه العدوان، أو السيطرة، أو إحراج الآخرين، وقد يكون كسب المال أساسه الكذب، كأن يدعي الفقر فيأخذ أموال الناس بالباطل، وقد يكون أساس المال أن تملك قوة قاهرة فتخلِّص الشعوب من ثرواتها.
هذا الدرس متعلِّق بما تشاهدونه وتسمعونه في العالَم، هناك حروب، هناك عدوان على الثروات الباطنيَّة، هناك هيْمنة وسيطرة، إن دَقَّقت في كل هذه الحركة البشرية تجد أن هدفها أخذ قدرٍ أكبر من المال كي يكون أداةً للاستمتاع بالحياة، والاستمتاع بالحياة فيه ترويةٌ للشهوات التي أودعت في الإنسان.
أعلى تجارة في العالم قبل تجارة الأسلحة، وقبل تجارة المواد الزراعية الكيماويَّة، هي تجارة المخدِّرات، تُدِرُّ أموالاً فلكيَّة، ثم توضع في البنوك لتأخذ صفة نظاميَّة ولتكون متداوَلَةً بين الناس.
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
يقابل الباطل هو الحق، الحقُّ هو الشيء الثابت، فعلى مر الحقب، والعصور، والأَمْصار، والأَعْصار، وكل المتغيرات، السرقة حرام، والغش حرام، والاحتكار حرام، وإيذاء المسلمين حرام، وإفساد أخلاقهم حرام، فعلى كل الأعصار إذا اكُتِسَب المال بالباطل، أو أُنفِق بالباطل عَمَّ الفساد الأرض، لذلك قال تعالى:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾[ سورة الروم: 41 ]
لو سمح لك إنسان أن تأكل ماله بالباطل لأنك أقوى منه، فهل قوتك تحميك من حساب الله يوم القيامة؟
إذاً إذا اعتمد الإنسان على تشريع أرضي لأكل أموال الناس، لا ينجو من عذاب الله..
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾
أيْ أن تعطي القاضي شيئاً من هذا المال كي يحكُم لك كما تريد، أيْ يحكم لك حُكْمَاً يغطي عدوانك، فإذا فعلت هذا ارتكبت جُرْمَيْن: اغتصاب المال بالباطل، وفساد إنسانٍ معك في إقرارك على هذا الاغتصاب بالباطل..
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ ﴾
ينبغي أن تكون متداوَلَةً بينكم..
ولكن لو أنك احتكمت مع خصمك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ـ في زمانه ـ وكنت طليق اللسان، قويَّ الحُجَّة، لَسِنَاً، وألحن بحجةٍ من أخيك، وانتزعت من فمِ النبي الشريف قراراً يُبَرِّئك ويغطي انحرافك، والقرار من النبي الكريم ـ فتوى من النبي ـ لا تنجو من عذاب الله..
((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها))
[الجامع الصغير عن أم سلمة ]
دقِّق بقطعةٍ من النار.
آية تقصم الظهر :
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
يجب أن تأكلها وَفْقَ منهج الله؛ بيعٌ مبرور، تجارةٌ مشروعة، زراعةٌ مشروعة، أما أن تزرع الحشيش، أو أن تزرع التبغ أنت بهذا تفسد أجسام المسلمين، زراعةٌ مشروعة، لا أن تستخدم المواد الهرمونية التي تعطي الثمرة شكلاً جميلاً، وحجماً كبيراً على حساب صحة الناس، هذه كلها مواد مسرطنة، إذاً كسب المال الحلال عن طريق زراعةٍ نظيفة، وتجارةٍ مشروعة، وصناعةٍ نافعة للمسلمين، لا أن تصنع أجهزةً تجعل أخلاقهم في الوَحْل، لا أن تصنع أجهزةً تجعل الزنا يفشو بينهم، لا أن تستثمر المال في أعمالٍ تفسِد أخلاق المسلمين، بل يجب أن تأكل أموال الناس بالحق لا بالباطل، والحَكَمُ هو الشرع وحْدَه، أما التشريعات الأرضيَّة فهي لا تحميك من عذابِ الله.
أحد الأخوة الكرام قال لي: أنا دخلت في مناقصة عقار، واستطعت بطريقةٍ ذكيةٍ جداً أن أُدْخِلَ معي ستة أشخاصٍ بشكل وهمي، وأن يزيدوا السعر قليلاً قليلاً، فرسا المشروع عليّ بسعرٍ يساوي ثُلُثَي ثمنه الحقيقي، وهو بهذا عدَّ نفسه شاطراً ـ بالتعبير الشائع ـ وعدَّ نفسه متفوقاً، وهكذا اشترى الأرض من أصحابها الشرعيين الذين يزيدون عن أربعين شخصاً، وفيهم أيتام وأرامل، عن طريق مناقصةٍ وهمية أدخل أصحابه، وأصدقائه، ووكلُّهم برفع السعر قليلاً، وكان الإعلان غير صحيح، بعد أن كسب المناقصة ورست عليه، جاء يستشيرني، قال لي: والله فكَّرت بالقبر، وجدت أنه لا يوجد حل، لا بد من أن أُحاسَب، فقلت له: إما أن تعطي أصحاب الأرض حقهم الكامل وإما أن تنسحب من هذه المناقصة.
التشريعات الأرضية لا تحميك من عذاب الله، فمن الممكن أن تشتري الأرض بقرار أساسه مناقصة أصوليَّة ـ قانونيَّة ـ دخل ثمانية أشخاص فاستقر السعر على هذا الرقم، ولكن هؤلاء السبعة هم ليسوا أنداداً لك، هم ممثلون، قد مثَّلوا دوراً وهمياً، وأنت بهذه الطريقة جعلت السعر يهبط، فأكلت أموال أصحابها بالباطل، ومعك سند، دخلت مناقصة وحقَّقت سعراً منخفضاً، وأنت تعلم الحقيقة، لذلك:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾
جميع التشريعات الأرضية لا تحمي الإنسان الذي يأكل المال الحرام من عذاب الله :
أيْ أنَّ جميع التشريعات الأرضية في العالم كلِّه لا تحمي الإنسان الذي يأكل المال الحرام من عذاب الله، اضطر إنسان إلى ثلاثمئة ألف ليرة، فرهن مزرعته عند شخصٍ مليء، وطلب منه هذا الشخص أن يكتب له هذه المزرعة كضمان، بعد سنواتٍ وسنوات أصبح المبلغ جاهزاً، فجاء الذي أخذ المبلغ إلى من أعطاه المبلغ إياه ليردّه، ولكنّه أجابه: كل منا حقه عنده فوجئ بقوله له: المزرعة ثمنها أربعة أمثال المبلغ، فهذا الذي ضيَّع مزرعته أصابه الهم، وتصاعد الألم حتى أصابته أزمةٌ قلبيَّةٌ، ومات من شدة القهر، كيف ضحى بهذه المزرعة بمبلغ بسيط؟ لكن قبل أن يموت كلَّف ابنه أن يمشي بجنازته إلى أمام دكان هذا المُغْتَصِب، قال له: امش بجنازتي إلى أمام دكانه، وعند دكانه لتقف الجنازة، واخرج أنت من بين صفوف المُشَيِّعين وادخل إلى دكان هذا المُغْتَصِب، وسلِّمه رسالةً، كتب لها رسالة قبل أن يموت، في هذه الرسالة: " أنا ذاهبٌ إلى دار الحق، عند أحكم الحاكمين، فإن كنت بطلاً فلا تلحقني". سمعت أنه ردَّ المزرعة إلى ورثته.
هذا هو التشريع، فلو كان معك ألف دليل ودليل، وألف حجَّة وحجَّة، وألف قانون، وألف اجتهاد محكمة نقض، ولو كان معك مئة ألف اجتهاد لصالحك، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾
المقصود ب أَمْوَالَكُمْ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾سورة البقرة - الآية 188
لكلمة (أموالكم) في الآية التالية معنيان :
إذاً هذه القضية قضية كبيرة جداً، حينما يشرب الإنسان الخمر يؤذي شخصه، وحينما يزني يؤذي معه فتاةً كانت طاهرةً عفيفة فجعلها ساقِطة، أما حينما يأكل الربا فهو يُسهم في انهيار مجتمعٍ وهو لا يدري، حينما يأكله أو يوكله، فقضية المال قضيةٌ خطيرةٌ جداً، لأن المال قوام الحياة. وربنا عزَّ وجل في هذه الآية يقول:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾
هنا توجد دِقَّة، حينما أضع في جيبي خمسمئة ليرة، وآخذها من جيبي الأيسر وأضعها في جيبي الأيمن، ماذا فعلت؟ أنا أكلت مالي، ماذا فعلت؟ فما معنى هذه الآية؟
1 ـ وجوب الحفاظ عليه وكأنَّه مالُك:
المقصود أن هذا المال الذي هو مال أخيك، عند خالق الكون هو مالُك من زاويةٍ واحدة، هو مالك من زاوية أنه يجب أن تحافِظ عليه وكأنَّه مالُك، سمَّى الله مال أخيك مالَكَ، فمثلاً إذا أعار إنسان مركبته لإنسان آخر يقول له: اعتبرها سيارتك، أي اعتنِ بها، راعِها، دارِها، لا تُحمّلها ما لا تطيق، اعتبرها مركبتك، أي استعملها كما لو أنها مركبتُك، فكلمة:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾
أيْ أنَّ هذا المالَ الذي هو مال أخيك هو مالك من زاوية أنك يجب أن تحافظ عليه وكأنَّه مالُك.
2 ـ وجوب إنفاقه في مصالح المسلمين :
هناك زاوية ثانية: هذا المال الذي هو مال أخيك هو لكل الناس من زاويةٍ واحدة، إنسان معه مبلغ ضخم، يجب أن يعتقد أن هذا المال مِلْك المسلمين، بمعنى أنه يجب أن يُستثمر ـ فَرَضاً ـ في شيء ينفع المسلمين، في معمل غذائي، صناعة راقية، مشروع سكني، أما حينما يُستثمر المال في إيذاء المسلمين؛ في فتح الملاهي، والنوادي الليلية، فأنت بمالك الذي هو ملكٌ لك أفسدت أخلاق الناس، إذاً يجب أن يعتقد المؤمن أن المال الذي بين يديه فيه حقٌ لكل المسلمين، عليه أن ينفقه لمصلحتهم لا لمصلحته هو فقط، فلو أخذه من بلادهم ونقله إلى بلادٍ بعيدة، حَرَمَ المسلمين الانتفاع منه، أو لو أنفقه في معصيةٍ كبيرة، أو في إفساد الأخلاق، أو في عملٍ لا يرضي الله، معنى ذلك أنه سبَّب إيذاءً للمسلمين بماله، فالله يخبره أن هذا المال ليس ماله بل إنه مالٌ لجميع المسلمين. المعنى الأول: وجوب الحفاظ عليه وكأنَّه مالُك. والمعنى الثاني: وجوب إنفاقه في مصالح المسلمين، لأن كل المسلمين لهم الحق أن ينتفعوا بمالك بشكلٍ مشروع وفق منهج الله عزَّ وجل.
فرضاً لو أن إنساناً معه أموال وأسَّس مزرعة ضخمة، وجعل يبيع من إنتاجها في السوق، هو يتاجر، يزرع ويبيع الفواكه، وحينما تطرح في السوق فاكهةٌ بكمياتٍ كبيرة تهبط الأسعار وينتفع المسلمون، فليس معنى قولنا لك: إن هذا المال هو للمسلمين معنى ذلك أن يأخذوه منك، لا، بل أنت استثمره في صالح المسلمين؛ في الزراعة، أو الصناعة، أو التجارة، أو في عملٍ يرضي الله، لا في أعمال تفسد أخلاق الناس.
اجعل كسبك حلالاً، أيْ أخلص وأتقن واصدق، وكن أميناً ومتقناً حتى تأخذ المال ـ الذي يعبِّر عن جهدك في الأرض ـ حلالاً، فإذا اشتريت به طعاماً وأطعمته لأولادك كان هذا الطعام طَيِّباً:
((يا سعدُ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))[مجمع الزوائد عن سعد بن أبي وقاص ]
تداول الأموال بين الناس للحفاظ على التوازن الاجتماعي :
هناك آيتان أخريان في الموضوع نفسه ،
قال تعالى :
﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾[ سورة النساء : 188]
هذه الأموال يجب أن تكون متداولة بينكم ، وفي آيةٍ أخرى حينما حرَّم الله الربا ، جاء التعليل لأن لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ، لئلاّ تجمَّع الأموال في أيْدٍ قليلة ، وتُحْرم منها الكثْرة الكثيرة فَيَخْتلّ التوازن الاجتماعي ، ومع اخْتلال التوازن الاجتماعي يضطرب السلوك الإنساني .
الآية الكريمة وصَفَتْ مال أخيك بأنّه مالُك من زاويَة ضرورة الحفاظ عليه ، ومن زاوية أنَّك مكلّف به ، فلو أفقرْتهُ لكنتَ مكلّفًا أن تغْنِيَهُ ، فما جدْوى أن تأكل مالهُ ثمّ تُعينهُ ؟
على كُلٍّ حينما قال الله عز وجل : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ؛ هناك أكْلٌ لأموال الناس بالحق ،
قال تعالى :
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾[ سورة النساء : 29]
امانى يسرى محمد
09-08-2025, 09:15 PM
أساس مشروعية القتال في الإسلام
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
قبل أن أمضي في شرح هذه الآية لا بد من ضرب مثل، تصور بلدةً لها وليّ أمرٍ تسميه: رئيس بلدية، تسميه: حاكم البلدة. لها ولي أمرٍ، هذا الإنسان على درجة عالية جداً من العلم والأخلاق، أراد أن ينشئ في هذه البلدة معهداً من أعلى مستوى، يستقدم له أعلى الأساتذة، هذا المعهد مجهَّز بكل وسائل التعليم، والتربية، والتثقيف، والتأديب، أراد ولي أمر هذه البلدة أن ينشئ معهداً يربي شبابه تربيةً عالية، من أجل أن يسعد هؤلاء الشباب في حياتهم، وأن يحتلوا مناصب مرموقة، وأن يصلوا إلى أعلى درجات السعادة في الدنيا، أُنْشِأَت هذه المدرسة، وبنيت بناءً راقياً، واستحدث فيها كل وسائل التعليم، وَعُيِّنَ فيها كبار المدرسين.
ثم فوجئ صاحب هذه البلدة أن فئةً من قُطَّاع الطرق ومن المنحرفين تصرف الطلاب عن المدرسة، إما أن تغريهم بارتياد أماكن منحطة، أو مشاهدة أفلام مُنْحَطَّة، أو إبعادهم عن هذه المدرسة، أو أن تمنعهم بالقوة من أن يدخلوا هذه المدرسة، هل يقف ولي أمر هذه البلدة مكتوف اليدين ؟ هل يسمح لفئةٍ أن تمنع نشر العِلم في البلدة ؟ هل يسمح لفئةٍ لِتحول بين الطُلاَّب وبين دخول معهدهم ؟ هل يسمح لفئةٍ أن تغري الطلاب بالانحراف الخلقي وتعويدهم على المخدرات والخمور والزنا وما إلى ذلك ؟
لا بد من التدخل، لا بد من التدخل من أجل أن تؤدي هذه المدرسة رسالتها، فهؤلاء الذين يقفون على مسالك الطرق إلى المدرسة، يمنعون الطلاب من الدخول إليها، أو يصرفونهم إلى أماكن اللهو والانحطاط، هؤلاء شاذون، هؤلاء خرجوا عن مبادئ هذه البلدة وعن قيمهم، فلا بد أن يُحال بينهم وبين ما يصنعون، هذا هو القتال في سبيل الله.
الجماعة المؤمنة من حقها أن تعرف ربها، من حقها أن تسعد به، من حقها أن تصل إلى غايتها في الدنيا، من حقها ألا تُفْتَنَ عن دينها، فأنت كأب لو كان لابنك صديق أفسده عليك، وجعله يهرب من المدرسة، وينغمس في الرذيلة والمخدرات، بماذا تشعر تجاه هذا الصديق؛ صديق ابنك ؟ تشعر أنه اعتدى عليك أعلى عدوان.
فأعلى عدوان على الإطلاق أن تعتدي على دين الإنسان، أن تفسده، هؤلاء الذين ينشرون الرذيلة بطريقةٍ أو بأخرى، عن طريق المجلات، أو عن طريق الفضائيّات، أو عن طريق الكُتُب، على ماذا يعتدون هؤلاء ؟ يعتدون على دين الإسلام، يفتنونه عن دينه، فإما أن تعتدي على الدين مباشرة، وإما أن تفتن الناس عن دينهم، لذلك هؤلاء الذين يعيشون على انهيار البيوت، ويعيشون على إفساد الشباب، يعيشون على إفساد الفتيات، هؤلاء الذي يعيشون ليمنعوا دخول الطُلاَّب إلى المدرسة، ليمنعوا نشر العِلم، مع أن ولي أمر هذه البلدة لم يجبر أحداً على دخول هذا المعهد، لكن طُلاَّب المعهد من حقهم أن يصلوا إلى معهدهم سالمين، وأن يستمعوا إلى الدروس هادئين، وأن يصلوا إلى أهدافهم مرتاحين.
لذلك مشروعية القتال في الإسلام، حينما جاء بها القرآن، وحينما طبَّقها النبي عليه أتمُّ الصلاة والسلام أساسها من أجل ضمان حُرية العمل، من أجل ضمان حرية العبادة، من أجل ضمان حرية الاستقامة على أمر الله، من أجل ضمان حرية طلب العلم، هذا هو.
شُرِّع القتال في الإسلام من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا:
الآية الأولى أيها الأخوة يقول الله عز وجل:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
أول نقطة في هذه الآية: ينبغي أن يكون القتال في سبيل الله إعلاءً لكلمة الله، أما الحروب القذرة التي تشهدها البشرية اليوم، تارة يقولون تطهير عِرْقي، ذبح على الهوية، لأنه مُسْلم، وتارة يقولون: من أجل اتخاذ البلاد مجال حيوي، أطماع اقتصادية، أينما كان البترول تجد المطامع تحوم حوله، فهذه الحروب الحديثة التي تقودها بعض البلاد القوية، حروبٌ لا علاقة لها إطلاقاً بنشر فكرةٍ، ولا بتحقيق مبدأٍ، ولا بترسيخ دينٍ، إنما المصالح فقط تحرف هؤلاء الذين يعتدون على حقوق الشعوب، الآية دقيقة جداً أول شيء:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
القتال المشروع في الإسلام من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ومن أجل ألا تكون فتنة، ومن أجل أن يكون الدين لله، أنت لا تسمح لابنك أن يرتاد بيتاً إلى جوارَك تمارس فيه كل أنواع الرذيلة، يعتدون على طُهْر الأطفال، وعلى عفَّتهم، وعلى أخلاقهم، وعلى انضباطهم بإغراءات، لا بد أن تقف بين هؤلاء وبين ما يفعلون، هذا هو الأصل.
الهدف أن يكون الدين مُهَيْمِنَاً، والهدف أن يكون الدين لله، والهدف ألا تكون فتنةٌ، والهدف أن تنصُر مظلوماً.
الآداب التي جاء بها الإسلام في القتال :
قال تعالى:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾
1 ـ لا تقاتل إلا من يُقاتل فالنساء والأطفال والشيوخ لا يقتَلون :
المرأة لا تُقتل، والصبي لا يُقْتل، والشيخ الفاني لا يقتل، وهذا الذي التجأ إلى صومعةٍ يعبد الله فيها لا يقتل، هكذا النصوص تأتي، يقول عليه الصلاة والسلام:
((نهى عن قتل النساء والصبيان وإذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ))[من شرح الجامع الصغير ]
تأكيداً لكرامة الإنسان و " أعف الناس قتلةً أهل الإيمان ". عندهم أخلاق، حتى في حربهم أخلاقيون، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتل الصَبْرِ أي أن تدعه بلا طعامٍ حتى يموت، فلذلك أول شيء:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾
حسب تعليمات هذا القرآن العظيم لا يُقاتَل إلا المُقاتِل، أما هذه الحروب الحديثة تنزل هذه القنبلة فتقتل النساء والأطفال والشيوخ معاً، ولا تفرِّق بين وليدٍ رضيعٍ بريءٍ طاهرٍ وبين مقاتلٍ شرسٍ خبيث، هذه الأسلحة التي اخترعتها أوروبا وأمريكا، هذه لا تفرِّق بين طفلٍ ومُقاتل، ولا بين امرأةٍ ومقاتل، ولا بين شيخٍ ومقاتل، والآية تقول:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾
هذا من حيث النوعية، لا تقاتل إلا من يُقاتل، فالنساء والأطفال والشيوخ لا يقتَلون.
2 ـ ينبغي أن تكون متأدِّباً بآداب القتال :
الشيء الثاني ينبغي أن تكون متأدِّباً بآداب القتال، فلا تجعل خصمك يموت صبراً، جوعاً، أو عطشاً، أو تعذيباً، ولا تضرِب الوجه حفاظاً على كرامة الإنسان، ولا تقتل امرأةٍ، ولا طفلاً، ولا شيخاً، ولا تعقروا ناقةً إلا لمأكلةٍ، ولا تقطعوا شجراً، هذه هي الآداب التي جاء بها الإسلام حتى في القتال.
قال تعالى:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
لمجرَّد أن تعتدي على إنسان فالله عز وجل لا ينصُرك ولا يأخذ بيدك بل يهزمك.
هذا الإنسان الذي تقاتله هو إنسان شارد عن الله، ينبغي أن تُريه عدلاً، وإنصافاً، وقوةً، وبأساً من دون أن تظلمه، ثم يقول الله عز وجل:
﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
الإنسان حينما يُقْتَل مظلوماً يدخل الجنة، أما حينما يُفْتَنَ عن دينه يدخل النار، فلا شك أن الفتنة أشد بكثيرٍ من القَتل.
(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)[سورة البقرة:191]
تخيل فتاة عمرها أربع سنوات، يأتي أبوها يحفر لها حفرة، وينزلها فيها، ويهيل التراب عليها، هل من عمل أشد وحشية من هذا العمل؟
الأب الذي يطلق لابنته العنان، ولا يضبط أخلاقها، وتنحرف هذا العمل أشدّ من أن يقتلها لقول الله عز وجل:(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)[سورة البقرة:191]
وفتاة نشأت على غير منهج الله، ولا يهتم أبوها بها لا تعليماً، ولا ضبطاً، ولا تربية، هذه الفتاة تأتي يوم القيامة تقف أمام رب العزة ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *ِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ )[سورة التكوير:8-9]
قتل الفتاة وهي بريئة طاهرة وبلا سبب إلا خوف العار المتوهم تلك العادة الجاهلية أشد من قتلها، والعمل يبدو بشعاً، أشد من قتلها فتنتها، أن تتفلت من منهج الله، أن تخرج كما تحب،
لذلك الله عز وجل قال:(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)[سورة البقرة:191]
هل تصدقون أن الفتاة الواحدة إذا ربيتها، وأحسنت توجيهها، ثم زوجتها لشاب مؤمن، إنك بهذا العمل وحده تضمن الجنة، من جاءته بنتان فأحسن تربيتهما فأنا كفيله في الجنة، قالوا: وواحدة؟ قال: وواحدة.
تصور بيتاً فيه بنت، هذه الفتاة وحدها كافية لإدخال أبويها الجنة، بسبب تربيتها، وتعليمها العلم الشرعي، وتعريفها بربها، وحملها على طاعة الله، وحفظها، وصيانتها، والأخذ بيدها لما تحب الله، فالفتاة الواحدة تكفي لإدخال والديها الجنة.
الفتنة تعني الامتحان، سيدنا عمر كان يتجول في طرق المدينة، فرأى قافلة قد أقامت في أطراف المدينة، فقال لمن معه – كان معه سيدنا عبد الرحمن بن عوف -: تعال نحرسها، سمع هذا الصحابي الجليل بكاء طفل فتوجه لأمه وقال: أرضعيه، فبكى ثانية، نبه أمه، فبكى، فغضب: قال: يا أمة السوء أرضعيه، قالت: ما شأنك بنا؟ إنني أفطمه، قال: ولمَ؟ قالت: لأن عمر لا يعطي العطاء إلا بعد الفطام- التعويض العائلي- تروي الروايات أنه ضرب جبهته وقال: ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين؟ وصلى الفجر في أصحابه لم يفهم أصحابه قراءته من شدة بكائه.
سمعت منذ يومين خبراً أن بعض الدول المحاصرة اقتصادياً مات فيها خمسمئة ألف طفل، ماتوا جوعاً.
كل إنسان له عمل، سيدنا عمر لما أخر التعويض إلى ما بعد الفطام، قال: ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين؟ البنت إذا علمتها، وعرفتها بربها، وحملتها على طاعة الله، وحفظتها، وراقبتها، ثم بحثت لها عن زوج صالح يتابعها، هذه الفتاة وحدها كافية لإدخال أبيها الجنة، أما إذا وأدها وهي صغيرة فهذا العمل جريمة، تنجو ويحاسب، أما إذا فتنها فتحاسب ويحاسب أبوها، أما إذا رباها فيدخل الجنة. المخرج من الفتن
ليس هناك حل، مهما تعددت الحلول، إلا أن نصطلح مع الله، لأن الله أعزنا في الماضي بالإسلام، ولن يعزنا بشيء آخر، لا حل إلا أن نقيم الإسلام في بيوتنا، والحل الذي أضعه بين أيديكم بإمكان كل واحد منا تطبيقه، دعك من المجموع، دعك من الأقوياء، دعك من الطواغيت، أقم الإسلام في بيتك، وأقمه في عملك، وانتظر من الله النصر، قال تعالى:(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ )( سورة الزمر: الآية 66 )
الحل الأول والأخير القرآن الكريم أن نعود إليه، وأن نعود إلى فهمه من السنة الصحيحة، ومن فهم الأجيال الثلاثة من صحابة رسول الله، فإذا عدنا إلى الله عاد الله لنصرنا، واستعدنا دورنا القيادي، وأصبحنا أعلاماً بين الأمم، أما الآن فوالله نحن مضغة الأفواه بين الأمم، ويسخر بقصصنا، نتقاتل، لسنا مؤهلين أن نحكم أنفسنا، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، ثَلَاثَ مِرَارٍ ))[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم عن عمر ].
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(( إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ، كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ ))[ أحمد ]
الزم الجماعة، كن مع المؤمنين، لا تنفرد برأي، خذ رأي العلماء الأجلاء الربانيين الورعين، لا تجتهد من عند نفسك، لا تسبب للمسلمين متاعب لا تنتهي، المسلمون سلمهم واحدة، وحربهم واحدة .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: << يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة
راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
09-08-2025, 09:17 PM
من أرضى الناس جميعاً فهو منافق :
قال تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)سورة البقرة
هذا النموذج شائع جداً، يواجهك إنسان فيُثْني عليك ثناءً، يمدَحك مديحاً يجعلك تخجل، وبعد أن تدير ظهرك يتكلم بعكس ما مدحك به، ذو الوجهين لا يكون عند لله وجيهاً، كن بطلاً، وكن موحَّداً، وكن واضحاً.
كن صريحاً، فهذا الشيء يؤلم كثيراً، إذ تلتقي مع إنسان يثني ثناءً عطراً على كل شيء، تصدقه أنت، تعدّه من طرفك، فإذا به في غيبتك يطعن في كل شيء، وهذا النموذج ممقوت عند الله عز وجل، كن واضحاً، فكلمة الحق لا تقرِّب أجلاً ولا تقطع رزقاً، فالذي تمدحه امدحه صادق، والذي لا تحبه لا تمدحه، اسكت عن مدحه، وإلا فأنت منافق، ومن أرضى الناس جميعاً فهو منافق.
كلمة (تولى) لها معنيان :
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا تَوَلَّى ﴾
عنك..
﴿ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾
"تولى " لها معنيان هنا:
1 ـ تولى عنك أي ترك المجلس :
تولى عنك أي: ترك المجلس، تولى؛ كان عمله سيِّئاً، هو أشهد الله على ما في قلبه، أنه مؤمن، وصادق، ومحسن، ومستقيم، فإذا تركك وانصرف إلى جماعةٍ آخرين أفسد الأرض ومن عليها، فهذا معنى.
2 ـ إذا تولى أي انصرف أو استلم عملاً فجعل الفساد همَّه :
المعنى الثاني: إذا تولى شيئاً، أو مهمةً، أو استلم عملاً، فإنه يريد الاختلاط، والفسق، والفجور، والمال الحرام،
﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾
فالفساد أيها الأخوة لا يمكن أن يكون إلا بتدَخُّل بشري، لأن كمال الله عز وجل مُطْلَق، وكل شيء خلقه الله عز وجل كامل إطلاقاً، فنحن نفسد، خلق الله الطفل الصغير مثل المَلَك، ولو كان ابن مجوسي، أو ابن أفسق إنسان فهو مَلَك، فالأسرة تفسد الابن أو تصلحه، كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، إذاً هذا الإنسان الذي يقسم لك أنه مخلص، ومحب لله، ومستقيم، وطاهر، ويحب الله ورسوله، وهو ألد الخصام، فما الذي يكشفه؟ إذا انتقل إلى حقل آخر، إلى مكان آخر، إلى جماعة آخرين، هذا ورد في سورة البقرة أيضاً:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون ﴾[سورة البقرة: 14]
إنّه ملوَّن، " فتولى " أي انصرف أو استلم عملاً فجعل الفساد همَّه.
﴿ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾
فالفساد تدخُّل بشري، وأصل الفساد كائن مخيَّر ومعه شهوة، وترك المنهج، ولو أمسك بالمنهج ما صار فساداً، فعلاقة إنسان بامرأة وفق المنهج زواجٌ، وبلا منهج زنىً ودعارة، وأعمال لا ترضي الله عز وجل، علاقته بالمال وبالمنهج كسب مشروع إذ لا توجد مشكلة، بلا منهج سرقة، واحتيال، وخداع، وربا، وما شاكل ذلك.
الحرث له معنيان:
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ ﴾
1 ـ النبات بالمعنى النباتي الأرضي :
المعنى الأول: النبات، أيْ:
﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ*أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾[ سورة الواقعة: 63-64 ]
هناك فساد حتى بالنبات، الله عز وجل صمم الخلق أكمل تصميم، فجاء الإنسان وأفسد النبات، وضع للنبات هرمون نمو، هذا يعطيه حجماً كبيراً، وألواناً زاهية، لكنه مسرطن، فاستخدم هرمونات للنمو، مثلاً هناك كثير من الأشياء تزيد من ملوحة التربة، فكل المبيدات الكيماوية مؤذية جداً، صمم ربنا مبيدات حيوية، فنحن استخدمنا المبيدات الكيماوية فصار هناك فساد، الأدوية الراقية أدوية نباتية، نحن استخدمنا أدوية كيماوية لأجسامنا، صار في مضاعفات، أمراض كثيرة جداً من أدوية نستعملها بشكل مثير، الشراب الطبيعي استبدلناه بشراب كيماوي، فأكثر أنماط السلوك أنماط مُبْتَدَعَة، ليست في أصل التصميم، فنشأت أمراض وبيلة، نشأ ارتفاع نِسَب السرطان، فهذا من باب إهلاك الحرث وإفساده.
2 ـ المرأة بالمعنى الإنساني :
والمعنى الثاني:
﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾[ سورة البقرة: 223]
فالإنبات يأتي عن طريق الأرض، وعن طريق المرأة، فالأرض فسدت، والمرأة أُفْسِدَت، فصار هناك إفساد للحرث، بالمعنى النباتي الأرضي، وبالمعنى الإنساني أي المرأة، والمرأة إذا فسدت حدث شيء مخيف، وهناك قصص عن فساد المرأة؛ ممكن أن تقيم مشكلات لا تنتهي إذا فسدت، فشيئان إذا فسدا فسد المجتمع، المرأة أحد هذين الشيئين، وقد يحارب المسلمون بالمرأة، فأكبر حرب تُشَن على المسلمين إفساد أخلاقهم عن طريق ما تأتي به الفضائيّات، فهذا إفساد، المرأة فسدت، فالزواج فسد، حدثني أخ كريم قاض شرعي، قال لي: نسب الطلاق في سوريا كانت اثنين بالألف، الآن خمسة عشر بالمئة، وأغلب هذا الطلاق أساسه هذه المحطات الفضائية.
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ )(207)سورة البقرة
(يَشْرِي)
بمعنى يبيعُ ويشتري، وسياق الآية يُحَدِّد معنى يشري بمعنى يبيع، أيْ ومن الناس من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله،
يقول الله عزَّ وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[ سورة التوبة: 111 ]
خُلقت لِجَنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، ثمنها أن تأتي إلى الدنيا وتقدِّم شيئاً يرضي الله؛ فقد تُقَدِّم مالك، وقد تقدم وقتك، وقد تقدم علمك، وقد تقدم حياتك، والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ، وكلٍ إنسان لم يقدم شيئاً فهذا أشقى الأشقياء، لأنه جاء إلى الدنيا ليقدِّم فلما نسي أن يقدم خسر الآخرة وخسر الحياة الأبدية في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
أنت مخلوقٌ لجنة لك فيها ما تشاء، فيها من كل الثمرات، فيها حورٌ عين، وأنهارٌ من كل الأنواع؛ من لبنٍ لم يتغير طعمه، ومن عسلٍ مصفَّى، ومن خمرٍ لذةٍ للشاربين، ومن ماءٍ غير آسن، وفيها ولدانٌ مخلَّدون، وفيها نظرةٌ إلى وجه الله الكريم، وفيها رضوانٌ من الله أكبر، هذه الجنة إلى أبد الآبدين؛ لا مرض، ولا قلق، ولا حزن، ولا جوع، ولا انتكاسة شيخوخة، ولا شيء مُزْعِج، خُلقْت لهذه الجنة.
إلا أن هذا العطاء الكبير يحتاج إلى ثمن تدفعه في الدنيا، الثمن أن تقرض الله قرضاً حسناً، أيْ أن تعمل عملاً صالحاً مع عباده، الإيمان درجات، فهناك إنسان طبَّق منهج الله وفعل بعض الصالحات وهذا ناجي، وهناك إنسان تفلَّت من منهج الله وأساء للخلق فهذا هالك في الدنيا والآخرة، لكن هناك طبقة أولى؛ هؤلاء السابقون السابقون، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله، وقتهم كله لله، ومالُهم كله لله، وعلمهم كله لله، وذكرهم كله لله، وكل أفعالهم وأحوالهم، وإقامتهم وسفرهم، وعطائهم وأخذهم، وصلتهم وقطعهم، وغضبهم ورضاهم في سبيل الله، هؤلاء لهم الطبقة الأولى،
فهناك سابقٌ في الخيرات، وهناك مقتصد، وهناك ظالمٌ لنفسه..
﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ*فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ*وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ*فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ*وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ*فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ*وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ*فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾[ سورة الواقعة: 88-96 ]
ما كلّ ذكيٍ بعاقل :
قد يصل الإنسان إلى أعلى درجة في الاختصاص، وهو ذكي جداً باختصاصه، وماهر جداً في تجارته وصناعته، ولكنه ما عرف هدفه في الدنيا،
فهو ليس عند الله بعاقل، هو ذكيٌ، وليس بعاقل
المؤمن يقيِّم كل شيء تقييماً في ضوء الآخرة
إنك إن عرفت سر وجودك، وغاية وجودك، فالآن تقيّم أي شيء في الدنيا تقييماً في ضوء الهدف، فإن كان في خدمته أخذت به، وإن تناقض مع الهدف ركلته بقدمك، فلديك سياسة واضحة تسير عليها، وهناك منظومة قيَم، فكل شيء يقيَّم تقييماً في ضوء الآخرة، وكل شيء قرَّبك إلى الله أخذت به، وكل شيء أبعدك عن الله أعرضت عنه
المؤمن هدفه رضوان الله والجنة
امانى يسرى محمد
09-10-2025, 05:21 AM
إن صحَّت عقيدتنا صحّ سلوكنا
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)سورة البقرة
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾
نحن إن صحَّت عقيدتنا صحّ سلوكنا، وصرنا نتحرك على منظومة قيَم، فهذا معنى بيع النفس، أي باع وقته لله، لا يوجد عنده كلمة أنا مشغول، لا يوجد لدي وقت، تجد الشخص يسترخي ساعات طويلة، يجلس جلسة فيها كلام فارغ، وقد يلتقي لقاء فيه معاص كثيرة، قد يغتاب المسلمين، أما إذا دُعي إلى حضور درس علم يقول: والله إنّني مشغول فاعذرني، درس علم ساعة لا يقبل، أما أربع أو خمس ساعات في مجلس غيبة، ونميمة، واختلاط يقبله، لأن هدفه واضح، فهدفه الدنيا والمُتعة، أما درس علم لا يوجد فيه شيء، فهو ناشف بالنسبة له، بل يريد جلسةأخرى فيها شيء من المتعة الرخيصة.
نحن نريد أن نؤكِّد في هذه الآية أنك إذا عرفت سر وجودك وغاية وجودك قيَّمت كل ما حولك، وكل من حولك؛ قيمت الأموال، والأصدقاء، والبيوت، قد ترفض بيتاً لا يناسب مكانتك الدينية، قد ترفض عملاً لا يناسب اتجاهك الديني، أو امرأةً تتزوجها إلا أن تكون طائعةً لله عزَّ وجل، فأنت عندما تؤمن بالله، وتعمل للآخرة، صار عندك منهج واضح، وخطة واضحة، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾هناك أعمال جيّدة ولكنها ليست ابتغاء مرضاة الله، فأهم شيء في العمل أن يكون وفق سنة رسول الله، وأن يكون خالصاً لله.
لخَّص هذا الإمام الفُضَيْل بن عياض فقال: " العمل لا يُقْبَل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ". خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، وأن أعمل صالحاً ترضاه".
إذاً من أجل ماذا يتعلم الإنسان الفقه؟
من أجل أن يعبد الله بما تعلَّم، بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، فأنت تتعلم الفقه كي تقف عند حدود الله، وألا تتعدَّى عليها.
طبعاً هذه ( مِن) للتبعيض، ما كل الناس كذلك، لكن بعضهم، هؤلاء السابقون السابقون،
هؤلاء المتفوقون، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله..
﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[ سورة الأنعام: 162]
كل أعمال المؤمن خالصة لوجه الله :
كل أعمال المؤمن خالصة لوجه الله، حتى أعماله الدنيوية المَحْضَة هي عند الله عبادات، لأنه نوى بها التقوي على طاعة الله، والتقرب بها إلى الله عزَّ وجل،أما المنافقون فحتى عباداتهم هي عاداتٌ لا ترقى بهم عند الله عزَّ وجل.
﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾
يعطيك عطاءً مذهلاً،
أي إذا كنت كريماً هو أكرم:(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾
الرؤوف هو الذي يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشق عليهم،
ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم يعطيك عطاءً مذهلاً،
الرؤوف في اللغة:
الرؤوف صيغة مبالغة من اسم الفاعل رائف، وهو الموصوف بالرأفة فعله رأف، يرأف، رأفة، فهو رؤوف، والرأفة في حق الإنسان أن يمتلئ قلبه بالرقة وهي أشد من الرحمة، رحمة، فرأفة، وقيل بل شدة الرحمة ومنتهاها، قال تعالى:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (2) ﴾
(سورة النور)
الرأفة رقة القلب، مشاعر العطف والرحمة، ويمكن أن نقول: إن الرحمة تسبق الرأفة، والرأفة منزلة تأتي بعدها، فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رؤوف، أو الرأفة آخر ما يكون من الرحمة يعني في أعلى درجات الرحمة الرأفة، لذلك قدمت الرأفة على الرحمة تقديم أهمية، وذلك في هذه الآية:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾
( سورة التوبة)
لذلك قالوا أرحم الخلق بالخلق رسول الله.
امانى يسرى محمد
09-10-2025, 05:21 AM
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}
(208)سورة البقرة
خاطب الله الذين آمنوا به، آمنوا بكماله ووحدانيته، وآمنوا بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، وبعلمه، وحكمته، وقدرته، ورحمته " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً"، فالأصل أن تؤمن بالله، فإن أمنت به الآن اتبع أمره، ما هو أمره؟ ادخلوا في السلم "، السلم هو الإسلام، لمَ سمي هنا السلم؟
لأنك إن أطعت الله عز وجل كنت في سلام مع الله، لا تنتظر من الله إلا كل إكرام، فيجعل الله لك نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، وإذا كنت مطيعاً لله فأنت معه في سلام، لأن المعاصي والآثام هي سبب كل المصائب والآلام، فإذا كنت مع الله في سلام، فأنت في حصنٍ حصين، وأنت في سلام، إن أطعته فأنت في سلام، وإن أطعت الله عز وجل كنت في سلام مع نفسك، أي أنت في سلام مع نفسك، لأن النفس جبلت على طاعة الله والقرب منه، إن أطعت الله عز وجل ارتاحت نفسك وأراحتك، وإن عصيت الله أتعبتها وأتعبتك، أكثر الأمراض النفسية والعقد هي بسبب خروج الإنسان عن فطرته، إذاً أراد الله من الإسلام أن يكون سلماً، لأنك إن أسلمت حقيقة أنت في سلام مع الله، وفي سلام مع نفسك، ومع من حولك، فالمطيع يحبه كل من حوله، لأنه وقاف عند حقوقه، لا يأخذ ما ليس له، ووقاف عند حقوق الآخرين، فالإنسان المسلم يحبه كل من حوله ويتمنى القرب منه، ويثني عليه كل من حوله ويحاول أن يخدمه، لأنه أخذ ما له وترك ما ليس له، هذا هو الحد الأدنى: العدل والإحسان، المؤمن محسن، والإحسان يجلب القلب، "يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها"، فالنقطة الدقيقة هي أن الإنسان حينما يستقيم على أمر الله يعيش حالة السلم أي حالة السلام مع كل المخلوقات.
ينبغي أن تكون كلك ضمن الإسلام :
﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾
هناك نقطة في كلمة
﴿ في ﴾
تعني الظرفية، نقول: الماء في الكوب، أي أنّ الماء كله في الكوب، والكوب ظرف، استوعب المظروف، إذا قال الله عز وجل:
﴿ ادْخُلُوا فِي﴾
أي يجب أن تدخل كلك في الإسلام، ليس أن تؤدي عبادات شعائرية بالمسجد، بل أن تدخل أنت وتجارتك، وزواجك، وتطليق زوجتك، وأفراحك، وأتراحك، وسفرك، وإقامتك، أنت ككيان بكل حركاتك، وسكناتك، ونشاطاتك، وجوانب شخصيتك ضمن الإسلام، لا يوجد لك نزاعات نافرة، ولا أشياء خارجة عن الإسلام، ولا أفكار غير صحيحة وشاذة، ليس لك سـلوك شـاذ، ولا تصـرفات شاذة:
إذا أنت دخلت في الإسلام يعني طبقت فيه العبادات الشعائرية، والعبادات التعاملية، وطبقت عملك وفق الإسلام، وتجارتك
أما إنسان ربعه ضمن الإسلام، وثلاثة أرباعه خارج الإسلام، وسفره غير إسلامي، وبيته، وعمله، ودخله، وإنفاقه، واستثماره للمال غير إسلامي، يقول لك: والله يا أخي هذا الفندق يعطي أرباحاً طائلة، فندق خمسة نجوم، كله معاص وآثام، طبعاً هناك أرباح طائلة، أنت جزء من مالك مستثمر بطريق غير مشروع مثلاً، فأنت لست بكلك في الإسلام، ما أدخلت الإسلام كلك، ثمة قسم لم يدخل في الإسلام، فجزء من دخلك غير إسلامي، جزء من لهوك غير إسلامي، جزء من علاقاتك الاجتماعية غير إسلامي، أي أنت ما دخلت كلك في الإسلام، بل بقي بعضك خارج الإسلام، أما الآية:
﴿ ادخلوا في السلم ﴾
كلك ضمن الإسلام، بتفكيرك، وبعقيدتك، وبلهوك، ومرحك، بجدك، وحزنك، وفرحك، وتجارتك، وإقامتك، وسفرك، وعلاقاتك، وعطاءك، ومنعك، وصلتك، وقطيعتك، وغضبك، ورضاك، كلك للإسـلام، تطبق منهج الله عز وجل
معنيان لكلمة كَافَّةً
( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)
كلمة (كافة) لها معنيان :
أما النقطة الدقيقة جداً هنا كلمة
﴿ كافة ﴾
ولتوضيح المعنى أورد هذا المثل: لو كان عندك هاتف، ولك خمسون صديقاً لا يملك أيٌّ منهم هاتفاً، فما قيمة هاتفك؟ لم يعد له قيمة إطلاقاً، أما قيمة هاتفك إذا كان عند كل أصدقائك هواتف، أنت صادق، والكل يكذبون، هم انتفعوا بصدقك، وأنت لحقك ضرر بكذبهم، هذا يحدث دائماً، المؤمن صادق، وسبيله الصدق، وعنده حسن ظن، كل من حولك يكذب عليك، أما هو فيصدق معهم جميعاً، الثمرة المرجوة لم تتحقق، لأنهم ما دخلوا في السلم كافة، بل دخل واحد واثنان، والبقية كذابون، أنت لا تغش، أنت مخلص، والبقية يغشون، فأنت ضاعت ميزتك مع فيضان الغش في المجتمع، ما ظهر الدين، الآن مشكلة الدين أنه ما ظهر، والأكثرية يكذبون ويغشون ويحتالون وينافقون، فالصادق المخلص الجريء الواضح لا يظهر، أما لو طبق الكل الإسلام، تجد له روعة ما بعدها روعة، الكل صادقون، والكل أمناء.
قدم أحد الأخوة إلى بيتي ليدهن البيت، تركت البيت كما هو، وذهب الأهل إلى بيت أهلهم، استغرب الجيران، ذلك لأنّهم ما عرفوا أنّ المؤمن مؤتمن على الروح، الإنسان المؤمن ترتاح معه، لا تخشى منه أنه يغدر بك، أو يسرق منك، أو يغشك، التعامل مع المؤمن مريح جداً.
1 ـ تعود (كافة) على المؤمنين :
النقطة الدقيقة أنه إذا توسع الإسلام وانتشر فإنّ ثماره تظهر الآن على مستوى مسجد، كل الأخوة صادقون، لا يكذبون، ولا يغشون، أعفة مثلاً، تجد أنّ لقاءاتهم ممتعة، فهناك سعادة وثقة مريحة جداً، حتى في التعامل التجاري الأمر مريح، لا يوجد كذب، ولا احتيال، ولا غش، ولا غدر، ولا قنص، أما الآن فالناس كل واحد لغم لا تدري متى ينفجر فيحطم من حولـه، أما المؤمن فهو مسالم، يعيش ثلاثين سنة لا يشكو منه أحد، وليس له قضية في مخفر إطلاقاً، يعرف حدوده، وقاف عند كتاب الله، يعلم ما له، وما عليه.
هذه أول نقطة
﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾
تعود كافة على المؤمنين.
2 ـ تعود (كافة) على الإسلام :
هناك معنى ثان
﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾
تعود على الإسلام، أي خذوه بأكمله، لا تأخذوا بعضه، إذا أخذتم بعضه وتركتم بعضه الآخر لم تقطفوا ثماره، فالإسلام منهج كامل، فيه عبادات شعائرية، صوم وصلاة وحج وزكاة، وفيه عبادات تعاملية، وآداب، وعقائد، فأنت يجب أن تدخل في الإسلام كله، بعقائده، فلا يوجد عندك بالعقائد خلل، تصورات غير صحيحة، أفكار غير صحيحة عن الآخرة، تتهم الله في عدله وأنت لا تشعر، تتهم النبي في كماله وأنت لا تشعر، أما إذا دخلت في الإسلام عقيدة، وعبادة، وتعاملاً، وأخلاقاً، وتفوقاً، أي دخلت في الإسلام كله
﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾
يعني جميعاً ادخلوا وطبقوا أحكامه جميعاً.
امانى يسرى محمد
09-10-2025, 08:25 PM
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾[ سورة البقرة: 208]
(وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾
حينما يطيع الإنسان الشيطان لا يرضى إلا أن يضعه في الحضيض :
قال العلماء: الشيطان ذكي جدّاً فلا يأمرك بالكفر، ولكنه يأمرك بمخالفة بسيطة، فإن أطعته فيها أمرك بأكبر منها من وقت إلى آخر، حتى تجد نفسك أخيراً في الكبائر، ذكر لي أحدهم في سفرتي الأخيرة أن شاباً مسلماً يساكن فتاة دون عقد زواج مدني ولا ديني، أبداً، سئل ما تفعل؟ قال: إنّ الإسلام لم يحلّ لي مشكلتي هنا، وأنا بحاجة، إذاً تزوجها!! أجاب: هي لا تصلح لي زوجة، لقد نامت مع عشرات الرجال قبلي، وصل به الشيطان إلى أن يرتكب الزنى كل ليلة، دون أن يحسب حسباناً للحرام، فحينما يطيع الإنسان الشيطان لا يرضى إلا أن يضعه في الحضيض، فالشهوات كأنها صخرة مستقرة على رأس جبل، إن زحزحتها من مكانها لن تستقر إلى في قعر الوادي
الزناة بدؤوا بنظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء، والذين شربوا الخمر بدؤوا بشربه بالمناسبات، ثم أصبحوا مدمنين على الخمر، فقضية الإنسان قضية ديناميكية بالتعبير الحديث، أي أنّ كل طاعة تنقلك إلى طاعة أكبر، وكل معصية تنقلك إلى معصية أكبر، فالشيطان لو فرضنا بدأ بأكبر شيء، فدعا الإنسان إلى الكفر فوجد إيمانه قوياً، ثم دعاه إلى الشرك فوجده موحِّداً، ثم دعاه إلى البدع فوجده مطبقاً للسنة، فدعاه إلى الكبائر فوجده ورعاً، فإلى الصغائر فوجده متمسكاً، فدعاه إلى المباحات حتى يغرق فيها، فوجده زاهداً، فإلى التحريش بين المؤمنين، فهناك نقطة مهمة جداً، هناك معاصٍ لها وهج، ولها جذب، فمثل هذه المعاصي لستَ مكلَّفاً بالامتناع عنها فحسب، بل أن تمتنع عن أسبابها أيضاً، وهذا معنى قوله تعالى﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾[ سورة البقرة: 187 ]
اجعل بينك وبين الحد هامش أمان، غض البصر هامش الأمان فيه عدمُ صحبة الأراذل، وعدمُ الاختلاط، والانغماسُ في متع رخيصة، أما إذا تجاوزت هذا الحد فقد وقعت في المعصية، كمثلِ نهر عميق له شاطئ مائل زلق، وله شاطئ مستوٍ جاف، أنت إن وقفت على الشاطئ المائل الزلق وقعت في النهر، وإن وقفت على الشاطئ المستوي الجاف فأنت في أمنٍ وبحبوحة.
(فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(209) سورة البقرة
معنى كلمة (عزيز)
بعد البينات وبعد التوضيح وبعد البيان لا يوجد عذر، فالجاهل معذور، أما الذي طلب العلم، وعرف الحلال والحرام، فكيف يعذر عند الله عز وجل؟
ومع ذلك فالإنسان حينما يخطئ من له غير الله، وحينما تزل قدمه من له غير الله، أي يجب ألاَّ تفكر إلا في التوبة، ومهما تكن الشروط والظروف فإنّ الله عز وجل عزيز حكيم، عزيز لا ينال جانبه، وليس من السهل أن تصل إليه، وقال العلماء: عزيز أي تشتد الحاجة إليه، ويندر مثله، ومن الصعب أن تصل إليه، فالله عزيز، عزيز أي ليس مثله شيء، إذا قلنا: شيء عزيز أي قليل، بضاعة نادرة، وإذا قلنا: هذه البضاعة عزيزة أي هي نادرة، وقليلة جداً، قد تبحث عنها طويلاً حتى تجدها، فإذا قلنا: الله عزيز أي ليس كمثله شيء، وتشتد الحاجة إليه، إذْ يحتاجه كل شيء في كل شيء
الشيء الثالث: ليس من السهل الوصول إليه، فالله عز وجل عزيز، وسلعته غالية، حتى يقبل عليك، وحتى يتجلى عليك، وحتى يملأ قلبك نوراً وإيماناً، وحتى يدافع عنك، وحتى يؤيدك بنصره، فأنت تحتاج إلى طاعته، وإلى أن تجاهد نفسك وهواك في سبيله، كلمة دكتوراه عزيزة، ويمكن لأيِّ إنسان مثلاً أنْ يشرب كأساً من الشراب في الطريق ثمنه خمس ليرات، أو عشر ليرات، أو خمسون ليرة، فهو مبذول لكل الناس، أما شهادة الدكتوراه فهي ليست مبذولة لكل الناس، تحتاج إلى ابتدائي، وإعدادي، وثانوي، وفرع بالجامعة، وتقدير جيد جداً، ودبلوم عامة، ودبلوم خاصة، وماجستير، ودكتوراه، وتأليف كتاب، وأخيراً مناقشة الأطروحة، يقول لك: أربعون سنة حتى نلت هذه الشهادة، هي شيء عزيز
﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
عزيز ليس كمثله شيء، واحد، إذا كان الشيء عزيزاً أي قليلاً، لكنه متعدد، أما الله فعزيز واحد، تشتد الحاجة إليه، يحتاجه كل شيء في كل شيء، يصعب الوصول إليه إلا بالصدق.
من عاهد الله عز وجل يجب أن يكون عند حدود هذا العهد :
قال تعالى
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾[ سورة العنكبوت: 69 ]
عندما تزل قدمك وتقول: غداً أتوب، وتزل، وتتوب بهذه البساطة!!! لا، الله عز وجل عزيز، أول توبة سهلة جداً، لمجرد أن تقول: يا رب، تبت إليك، يقول لك: عبدي، وأنا قد قبلت، ويزيح عنك هموماً كالجبال، أما كلما تبت إليه نقضت التوبة!! فالله عز وجل عزيز، فقد تجد الطريق مغلقاً، والباب مسدوداً، والإقبال عسيراً،
﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾
يعني إن زللتم قبل أن تأتيكم البينات فالقضية سهلة جداً، وأما إن زللتم بعد أن جاءتكم البينات، فتوبة الذي يعلم أصعب من الذي لا يعلم، قال العلماء: لو أن الإنسان دخل في الدين في رمضان، ولم يعلم أن مقاربة الزوجة تنقض الصيام، فلا شيء عليه، ما دام هناك جهل فالقضية سهلة جداً، ولكن ترتكب المعصية بعد العلم، عندئذٍ صار الطريق إلى الله صعباً فالتوبة مع الجهل سهلة جداً، أما العائد إلى ذنبه كالمستهزئ بربه باستمرار، عندئذٍ فالله عزيز، وقد لا تجد إليه الطريق سالكاً، قد تجد عقبات وعقبات، هذا معنى الاية:
﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
وإذا تعامل الإنسان مع الله ينبغي له أن يعامله بإخلاص، وبصدق، وافتقار، ووفاء، قال تعالى
﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾[ سورة الأعراف: 102]
أنت حينما تعاهد الله عز وجل فالشيء الرائع أن تكون عند حدود هذا العهد، أما حينما تعاهد وتنقض، وتعاهد وتنقض،
﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾
ربما لا يسمح لك أن تقبل عليه، وقد يصرفك عن أهل الحق.
التوبة الثانية تحتاج لعمل صالح حتى يقبلها الله :
مثلاً: إنسان يحضر ويغيب، ويحضر ويغيب، ويؤثر أتفه سبب على درس العلم، إذا زاره إنسان ترك الدرس، وإذا كان جالساً مع زوجته ترك الدرس، يأتيه وقت ما لا يحضر الدرس، ويكون الله قد طرده،
﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾
أتاك ضيف فاحضر وإياه، ما معنى قوله تعالى
﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾[ سورة السجدة: 16 ]
لا يركن للدنيا، وقاف عند كلام الله، مطبق للسنة، يلتزم دروس العلم، ويضبط شهوته، ويعرف أنه بعد المعرفة لو زلَّت قدمه لكانت المشكلة كبيرة، فعد للمليون قبل أن تقترف معصية وأنت تعلم، إن كنت لا تعلم فالقضية سهلة جداً، أما حينما تعلم فقد وقعت في مشكلة كبيرة، ومع ذلك لو زلت القدم ـ مع العلم أنْ ليس لنا غير الله عز وجل ـ فإني أقترح على الإنسان إذا كان يعلم وزلَّت قدمه أنه يحتاج إلى عمل صالح ليمحو السيئة، لقول الله عز وجل﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾[ سورة هود: 114]
إذاً إذا تاب الإنسان ثم عاد إلى ذنبه فإنّ التوبة الثانية أصبحت صعبة، فيحتاج أن يدعمها بعمل صالح، بإنفاق المال، وبصيام طويل، حتى تُرَمَّم نفسه، والإنسان حكيم نفسه، أجمل حالة يعيشها المؤمن أن يكون مع الله، وأن تكون العلاقة بالله عامرة.
و من معاني اسم العزيز:
1 ـ العزيز هو الغالب:
معاني هذا الاسم "العزيز" هو الغالب.
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾( سورة الصافات )
لمجرد أن تتحقق جنديتك لله عز وجل فأنت الغالب، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون جندياً لله ولا تنتصر.
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾( سورة محمد الآية: 7 )
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
، إن لم ننتصر فالخطأ منا ، الكرة في ملعبنا، هناك خلل في جنديتنا لله عز وجل،
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
الله عز وجل يقول في آيات كثيرة من هذه الآيات:
﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾( سورة ص )
أي غلبني، "العزيز" هو الغالب، فالبطولة أن تكون مع الغالب دائماً، والخطأ المدمر أن تنحاز إلى المغلوب، إذا كنت مع الغالب فأنت الغالب، إذا كنت مع الله فأنت المنتصر، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
2 ـ العزيز هو الشريف:
المعنى الآخر: "العزيز" هو الشريف، بكل مجتمع في فئة من الناس تسمى في اللغة علية القوم، عزيز، صادق، كريم، أصيل، جواد، صبور، حليم، هؤلاء النخبة من الناس هم أعزة القوم.
لذلك ماذا قالت بلقيس ؟:
﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾( سورة النمل الآية: 83 )
كلام من ؟
كلام بلقيس،
ماذا قال الله عز وجل:﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾( سورة النمل الآية: 83 )
إذا إنسان لم يعرف ربه لكن تكلم كلمة صحيحة، يجب أن تكون خطأ ؟
لا ، بلقيس قبل أن تعرف الله قالت:
﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾
خالق السماوات والأرض قال:﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
يعني الانفتاح يقتضي أن تصغي إلى كل قوم، الإمام الشافعي يقول: أنا على حق، وخصمي على باطل، وقد أكون مخطئاً، وخصمي على حق، وقد يكون مصيباً، تواضع حينما تحاور.
"العزيز" هو الجليل والشريف.
3 ـ العزيز هو القوي:
شيء آخر: "العزيز" هو القوي.
﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾( سورة يس الآية: 14 )
أي قويناهم بثالث، إذا قلت فلان عزيز يعني قوي، والناس يحبون الأقوياء وطبع في الإنسان أن يحب القوي، لكن من هو أقوى الأقوياء ؟ خالق السماوات والأرض، من هو القوي إلى أبد الآبدين ؟ خالق السماوات والأرض، إن أردت أن تكون قوياً كن مع القوي لا تكن مع الضعيف، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإن أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، وإن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.
الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد: الآن لو دخلنا في التفاصيل، الشيء العزيز نادر الوجود، هناك معادن عزيزة مثلاً اليورانيوم، معدن نادر، غالٍ جداً، كل شيء نادر وجوده قليل يسمى عزيزاً ، العوام أحياناً يقول لك: مادة عزيزة، قليلة، لكن إذا قلنا الله عزيز لا مثيل له، لا ندّ له، لا نظير له، واحد أحد فرد صمد:
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾( سورة الإخلاص )
إذا قلت شيء عزيز أي قليل، وجوده نادر، أما إذا قلت الله عزيز يعني واحد أحد، فرد صمد
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
( سورة الشورى الآية: 11 )
وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك.
4 ـ العزيز من يحتاجه كل شيء في كل شيء:
الآن الشيء العزيز تشتد الحاجة إليه إذا قلنا الله عزيز أي يحتاجه كل شيء في كل شيء، الناس بحاجة إلى ملك يوفر لهم الأمن، والحاجات، والنظام،...إلخ،
كل إنسان بحاجة إلى الله عز وجل
أنت بحاجة إلى الله، بهذا الهواء الذي تتنفسه، القلب ينبض لو توقف انتهت الحياة، كل الأموال المنقولة والغير المنقولة تخسرها بثانية واحدة، يعني الإنسان قوته، وهيمنته، و عظمته، ومكانته، وسيطرته، وحجمه المالي الكبير، وحجمه الإداري الكبير، منوط بضربات قلبه، فإذا توقف قلبه انتهى كل شيء، صار خبراً على الجدران.
>>>>
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)سورة البقرة
معنى تبديل النعمة :
الآيات من رحمة الله بنا، هناك آيات كونية، وآيات قرآنية وتكوينية، وهذه الآيات سبب معرفة الله عز وجل، ومعرفته سبب السعادة في الدنيا والآخرة، فإذا لم يعبأ الإنسان بهذه الآيات، ولم يفكر فيها، ولم يأخذ بها، فقد شقي في الدنيا والآخرة
﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾
لقد كانت نعمة كي يعرف الله بها فيطيعه، فيسعد في الدنيا والآخرة، ولكنه لم يعبأ بها، بل جعلها معطلة فشقي في الدنيا والآخرة، والآن أي نعمة، أعطاك الله نعمة البصر، فإن لم تستخدم هذه النعمة فيما أراد الله عز وجل فقد كفرتها، وأعطاك نعمة العقل، فإن لم تعمل العقل فيما أراد الله عز وجل فقد كفرت بنعمة العقل، ونعمة السمع فإن لم تصغِ إلى الحق فقد كفرت بهذه النعمة، ونعمة الصحة فإن لم تستغلها في طاعة الله فقد كفرت بهذه النعمة، ونعمة الفراغ فإن لم تملأ الفراغ بما يرضي الله عز وجل فقد كفرت بهذه النعمة، ونعمة الأمن فإن لم تستخدم هذه النعمة في طاعة الله عز وجل فقد كفرت بهذه النعمة، وهذا معنى تبديل النعمة، أي أن تستخدمها لغير ما أراد الله عز وجل، وأعطاك طلاقة اللسان فهذه النعمة إن لم تستخدمها في ذكر الله فقد كفرت هذه النعمة
أيمكن لإنسان أنْ يشتري جهازاً معقداً جداً، كمبيوتر مثلاً ثمنه ثلاثون مليوناً، ثم يستخدمه منضدة؟ يكون حينئذ قد كفر به، فمثل هذا الجهاز لا يستخدم كمنضدة ثمنها ألفا ليرة أمام خمسة وثلاثين مليون ليرة!! أنت كفرت بهذه النعمة، أيستخدم إنسان أداة منزلية للتنظيف مصنوعة من الذهب الخالص؟ كفرت بنعمة الذهب الخالص، وكل نعمة من نعم الله عز وجل إن لم تستخدمها وفق ما أراد الله فقد كفرت بها، بل كفرت بالمنعم الذي أنعم الله عليك بهذه النعمة، والله عز وجل هدانا بالكون فلم نعبأ به، هدانا بالقرآن فلم نعبأ ولم نتدبر آياته، هدانا بأفعاله فلم نعتبر بها، بل أردناها أرضيةً، وهذا من الكفر بالنعمة
مثلاً النبي الكريم قال: "أصبح مؤمن بي وكافر"،عن زيد بن خالدٍ الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأما مَن قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنَوْء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب)).فهذا الذي يعزو هذه الأمطار التي أكرمنا الله بها إلى أشياء أرضية لا صلة لها بالخالق فقد كفر، وهذا معنى تبديل النعمة، أعطاك نعماً يجب أن تتحرك من خلالها وفق منهج الله عز وجل، ويجب أن تشكر الله عليها، إن استخدمت العقل لدحض الحق فقد كفرت بالله، وكفرت بنعمة العقل، وأعطاك طلاقة لسان، فإن استخدمت هذه الطلاقة لترويج الباطل والرد على أهل الحق فقد كفرت بهذه النعمة، وأعطاك فكراً دقيقاً، فإن استخدمته بالإيقاع بين الناس، وفي جمع الدرهم والدينار في طريق غير مشروع فقد كفرت بهذه النعمة، وأعطاك نعمة البصر، فإن تأملت بها عورات المسلمين كفرت بهذه النعمة، وأعطاك نعمة السمع، فإن لم تستمع إلى الحق واستمعت إلى الباطل فقد كفرت بهذه النعمة، وهذا معنى تبديل النعمة:
﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ﴾
وقد أعطاك نعمة الآيات الكونية الدالة على عظمته، ونعمة الآيات القرآنية الدالة على كلامه، ونعمة النظر في أفعاله، فلم تفعل ذلك، بل بدلت هذه النعم إلى نقم فإن الله شديد العقاب. ثم يقول الله عز وجل:﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾الدنيا تملأ أعينهم وهي منتهى آمالهم، ومحط رحالهم، وهي كل شيء في حياتهم
﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾[ سورة الروم: 7 ]
لذلك فالكفار زينت لهم الحياة الدنيا.
امانى يسرى محمد
09-11-2025, 07:48 PM
خصائص النفس متوافقة مع التكليف
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾سورة البقرة 213
الواقع أن هناك اختلافات بين البشر لا تعد ولا تحصى، والناس اليوم مذاهب، واتجاهات وشيع، وملل، ونحل، وأعراق، وأقوام، وقبائل، وعشائر،
فما سبب هذا الاختلاف بين الناس؟ ومتى يكون الاختلاف طبيعياً؟ ومتى يكون عدوانياً؟ ومتى يكون محموداً؟
الإجابة عن هذه الأسئلة في هذه الآية، وتمهيداً لهذه الآية لا بد من التنويه بأن الله جل جلاله جبل الناس جبلةً واحدة، وهذه الجبلة تعني أن طبعهم وهو أقرب إلى الجسد متناقض مع التكليف، وكلمة تكليف تعني أنه ذو كلفة، أيْ يحتاج إلى جهد، طبعاً الدراسة أصعب من عدم الدراسة، وأن تؤسس عملاً أصعب بكثير من أن تبقى بلا عمل، وكلمة تكليف تعني شيئاً يحتاج إلى جهد، ولحكمة بالغة بالغةٍ أرادها الله عز وجل كان التكليف متناقضاً مع الطبع، والطبع أقرب إلى الجسم، والتكليف متوافق مع الفطرة، والفطرة أقرب إلى النفس، فلك جسم، ولك نفس، ومعك تكليف، وهذا التكليف يتناقض مع خصائص الجسم.
مثلا التكليف يأمرك أن تصلي الفجر في وقته، والإنسان في الشتاء غارق في نوم عميق، وعلى فراش وثير، وتحت لحاف دافئ، فهذا التكليف أن تصلي الفجر في وقته يتناقض مع حاجة الجسم إلى الاستمرار في النوم، والتكليف يأمرك أن تغض البصر عن امرأة حسناء، والطبع يقتضي أن تملأ عينيك من محاسنها، والتكليف يأمرك أن تنفق المال، وقد حبب المال إليك، والطبع يقتضي أن تأخذ المال لا أن تنفقه، بل أن تجمعه، والتكليف يأمرك أن تكف عن الخوض في قصص الآخرين، وفي فضائحهم، وفي سقطاتهم، أما الطبع فيقتضي أن تستمع، وأن تتابع قصص الآخرين، وأن تكشف أسرار ما في البيوت، فالتكليف إذاً يتناقض مع الطبع، ولأنه يتناقض مع الطبع كان ثمنه الجنة.
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾[سورة النازعات: 41]
لكن التكليف يتوافق مع الفطرة، فأنت حينما تصلي الفجر في وقته ثم تنام، وتستيقظ مرتاحاً إلى أقصى حدود الراحة، لأنك كنت عبداً طائعاً لله عز وجل، تنام بعد صلاة الفجر نوماً هنيئاً، وحينما تغض بصرك عن محارم الله وقد منعت نفسك من أن تملأ عينيك من محاسن امرأة لا تحل لك، وتشعر أن الله يحبك، وأنك في ظل الله، وحينما تنفق المال الذي أنت في أمس الحاجة إليه تشعر أنك آثرت رضاء الله على حظوظ نفسك فترقى، وحينما تضبط لسانك، وتسكت، مع أنك تتمنى أن تتكلم، وتشعر أن الله يحبك، فشتان بين أن تأخذ لذةً عابرةً منقطعةً تعقبها كآبة، وبين أن تسعد بقرب الله عز وجل، لأنك كنت عبداً مطيعاً، إذاً معنا تكليف، ولنا جسم، وفي ثنايا هذا الجسم نفس، والنفس متوافقة مع التكليف، والدليل:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾[سورة الروم: 30 ]
طبيعة النفس متوافقة تماماً مع خصائص ديننا :
كل خصائص النفس متوافقة مع التكليف حينما تصدق، وحينما تكون أميناً، وتعتز بالله، وتوحده، وتنصف وتقف موقفاً عادلاً، وترحم الآخرين، وتكون أباً كاملاً تشعر بسعادة لا توصف، لأن طبيعة النفس متوافقة تماماً مع خصائص هذا الدين، والذي أنزل هذا الكتاب هو الذي جبل هذه النفس، ولذلك يضيع الإنسان، ويشقى، ويتمزق، وتنشأ عنده صراعات إلى أن يصل إلى الله، فإذا وصل إليه كان أسعد الناس، وإذا وصل إليه سكنت نفسه، واطمأن قلبه، وصحت رؤيته، وسدد الله كلامه، ووفقه في الدنيا وفي الآخرة.
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾[سورة السجد: 18]
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾[سورة القلم: 36]
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾[سورة القصص: 61]
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾[سورة الجاثية: 21]
الاختلاف بين البشر
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾سورة البقرة 213
أنواع الاختلاف :
لماذا يجتمع المسلمون؟
لأن إلههم واحد، وكتابهم واحد، ونبيهم واحد، ولأن التشريع الذي ينصاعون له ليس من عند أنفسهم بل من عند خالقهم، وهذا أحد أسباب وحدتهم، وحينما يدعون هذا التشريع فتركهم له أحد أسباب فرقتهم.
أحد الأصدقاء كلما ذهب إلى بلد غربي يسمعهم يطعنون في واقع المسلمين، وتخلفهم، وفقرهم، وخصوماتهم، وحروبهم الداخلية، قال لي: ضقت ذرعاً أينما أذهب، هؤلاء لا يرون الإسلام من خلال الكتاب والسنة، بل من خلال واقع المسلمين، فقال لي: لقد صار عندي قناعة أن أقول لهم انظروا إلى واقعنا المتخلف، انظروا إلى فقرنا، وإلى الخصومات فيما بيننا، هذا كله بسبب تركنا لمنهج ربنا، فصار حجة معاكسة، والدليل على أن منهجنا صحيح أننا حين تركناه انظروا ماذا حل بنا؟!
1 ـ خلاف نقص المعلومات وهو طبيعي لا يُمدح ولا يذم :
الخلاف الأول خلاف اختلاف نقص المعلومات وهو طبيعي، في آية أخرى:
﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾[سورة يونس: 19 ]
خلاف نقص المعلومات طبيعي، فلو فرضنا أنَّنا في يوم التاسع والعشرين من رمضان وسمعنا صوت مدفع، يا ترى أهو مدفع الإثبات أم هناك في الجبل صخرة تفجر من أجل شق طريق؟
صرنا في اختلاف، لماذا اختلفنا؟
لنقص المعلومات، فإذا استمعنا إلى أنه قد ثبت أن غداً أول أيام عيد الفطر انتهى الاختلاف إذْ توضحت المعلومات، فهناك اختلاف طبيعي جداً لا يمدح ولا يذم، هذا اختلاف نقص معلومات.
2 ـ اختلاف عدوان وبغي وأهواء ومصالح :
أما إذا جاء الحق هنا تكون المشكلة:
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾[ سورة آل عمران : 19 ]
البينات جاءت. المسلمون الآن لا تبتعدوا كثيراً؛ فالمسلمون معهم كتاب واحد من المشرق إلى المغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومعهم سنة واحدة، ونبي واحد، مع ذلك فهم مختلفون، ملل ونحل، وطوائف ومذاهب، ونزعات واتجاهات، إلى درجة أنك تحار ما هذه الفرقة مع أن عوامل الوحدة بين أيدينا، لماذا يتعاون أعدائنا وبينهم قواسم مشتركة لا تزيد عن خمسة بالمئة، ولماذا نحن نتقاتل وبيننا قواسم مشتركة تزيد عن خمسة وتسعين بالمئة؟ إنه اختلاف أهواء، واختلاف مصالح:
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾[ سورة آل عمران : 19 ]
البغي هو العدوان، وحينما أريد أن آخذ ما ليس لي أعتدي، وحينما أريد العدوان أبحث في النصوص عن شيء يغطي عدواني، وحينما أريد أن آخذ ما ليس لي أنا معتدٍ، لأن الإنسان مثقف مفلسف بالأساس، فهو يبحث عن تبرير لعدوانه، ويختلق أنواع التبريرات، فالاختلاف الأول اختلاف حيادي، لا يمدح ولا يذم، اختلاف نقص المعلومات، أما الاختلاف الثاني فهو اختلاف عدوان وبغي وأهواء ومصالح، ولذلك تجد أكثر الأديان مع أنها ذات نصوص واحدة اختلفت، وتشعبت، وتمزقت، ونشأت بينها العداوة والبغضاء، ثم الخصومات، ثم القتال، ثم سالت الدماء بينهم:
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾[ سورة آل عمران: 19 ]
بغياً أي عدواناً، بغى عليه أي اعتدى عليه:
﴿ بغياً بينهم ﴾
ولذلك استعيذوا بالله من اختلاف العدوان، واشكروا الله على اختلاف التنافس. وسيأتي بعد قليل اختلاف راقٍ جداً،
أنا قد أختلف معك، وكلانا يحبه الله عز وجل، قد أختلف معك لضعف المعلومات، وهذا اختلاف طبيعي، وقد أختلف معك بسبب عدواني، وهذا اختلاف قذر، واختلاف يبغضه الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾[ سورة المائدة: 2 ]
احملوا هموم المسلمين، وتعاونوا.
3 ـ اختلاف التنافس :
القسم الثالث:
﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾
إنسان وجد أن الدعوة إلى الله عز وجل هي أعظم الأعمال، وإنسان آخر وجد أن تأليف الكتب أطول أمداً، والدعوة الشفهية أعمق أثراً لكنها قصيرة تنتهي بموت الداعي، أما تأليف الكتاب فقد يكون الكتاب أضعف تأثيراً لكنه أطول أمداً، وإنسان آخر يتجه إلى بناء المساجد، وإنسان رابع أسّس المياتم، وإنسان خامس أسّس جمعية خيرية، وإنسان سادس أصدر كتباً إسلاميةً، فكل إنسان اجتهد أن يرضي الله بطريق التنافس، هذا شيء مقبول، مقبول منهم جميعاً، فما قيمة الدعاة من دون مسجد، فهذا الذي بنى المسجد، وهيّأ راحة المصلين فيه، إذْ هو دافئ في الشتاء بارد في الصيف، مفروش فرشاً نظيفاً، فيه مرافق عامة جيدة، هذا الذي عمل بيديه وبجهده وخبرته، واستخدم علمه بالهندسة ليوفر للمصلين مكاناً مريحاً، فهذا وصل إلى الله من خلال هندسته، والذي طلب العلم من وقت مبكر، وتعلم، ودرس في هذا المسجد هذا وصل إلى الله عن طريق التعليم، وهذا أمَّ الناس في الصلاة، وهذا ألَّف كتاباً صار مرجعاً، أنا لا أنسى مرة عدت إلى آية في بعض التفاسير، وجعلتها محور خطبة، ولاقت عند الناس قبولاً طيباً جداً، وقد أثنى الناس جميعاً على هذه الخطبة، وأنا اعتمدت في خطبتي على تفسير قديم، انتبهت إلى أن هذا المفسر مات قبل ألف عام، ولكن خيره مستمر، هو ماذا فعل؟ ترك تفسيراً رائعاً، ثم توفاه الله عز وجل، كل من قرأ هذا التفسير، واستفاد منه ونقل ما فيه للناس، في صفيحة المفسر الذي ألف هذا الكتاب، وقد تجد كتاباً في الحديث الشريف متداولاً بين المسلمين تداولاً عجيباً، ما من مسجد، وما من بيت، وما من معهد إلا وفيه هذا الكتاب، فالذي ألفه له نيات عالية جداً، فالله عز وجل جعل هذا الكتاب متداولاً بين كل المسلمين، إنسان يرى التأليف، وإنسان يرى الدعوة، وإنسان يرى الرد على الخصوم، وآخر يرى خدمة الآخرين، وإطعام الطعام، والعناية بالأيتام والأرامل، فهذا كله مقبول. الآن بالعلم هذا يرى أن علم العقيدة هو كل شيء، وعلم التوحيد أصل الدين، ويأتي إنسان يرى التفسير أهم شيء، أن تفسر هذا القرآن، ويأتي إنسان آخر في علم الحديث، يتعمق إما بالمتن أو بالمصطلح، يقول لك: السنة فيها تبيان كتاب الله عز وجل، وإنسان يؤرخ لهذا التاريخ المجيد، وينقي هذا التاريخ مما دخل فيه وليس منه، إنه إنسان عظيم، إنسان يجدد هذا الدين، قد نختلف اختلاف تنافس، وقد نختلف اختلاف نقص معلومات، ونحن معذورون، وقد نختلف اختلافاً - لا سمح الله - عدواناً وبغياً، اختلاف مصالح وأهواء، فنحن ساقطون من عين الله عز وجل، وقد نختلف اختلاف تنافس، فاختلاف التنافس يحبه الله، في النهاية كلنا متكاملون، وكل واحد منا يكمل أخاه، ولذلك قال علماء التوحيد: أمة النبي عليه الصلاة والسلام معصومة بمجموعها، بينما شخص النبي معصوم بمفرده.
قال تعالى:
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
أي سيدنا آدم والسيدة حواء وأولاده وهو نبي كريم، والتوجيه واحد، والتغذية واحدة، والمنبع واحد وهو الوحي، ولكن حينما نشأت المصالح والأهواء اختلفوا، فما الذي يجمعنا؟ الحق. ما الذي يفرقنا؟ الهوى، هذه قاعدة، الأهواء تفرق والحق يجمع، وعظمة الحق أنه من الله، أما حينما يأتيك التشريع من إنسان، وهو مرتب لمصلحته قد ترفضه، لأنه إنسان مثلك، شرع ومنعك، أما حينما يأتيك التشريع من خالق الأكوان فإنك ترضى به، فالناس لا ينصاعون إلا لتشريع سماوي، أما التشريع الأرضي فهو في الأعم الأغلب لمصلحة من وضع هذا التشريع دائماً وأبداً، والذي يشرع تأتي المواد كلها لمصلحته، وقد تغفل مصالح الآخرين، ولذلك ما دام التشريع أرضياً فهناك حروب، وخصومات، ومذابح لا تنتهي إلى يوم القيامة، أما إذا كان التشريع علوياً من عند الله عز وجل فقد انتهى الأمر، فهذا كلام ربنا، حينما ينتفع المشرع بما شرع تنشأ خصومات لا تنتهي، إذا كان المشرِّع من بني البشر، وهو منتفع بما شرع، وحصل هناك خصام لوجود طرف آخر يرفض هذا التشريع، أما حينما يأتي التشريع من عند خالق الأرض والسماء ينصاع الناس:
وسيدنا آدم وزوجته وأولاده كانوا على منهج واحد، وعلى وحي وتوجيه واحد، فاتفقوا وتعاونوا، ولكنهم تفرَّقوا عندما دخل الهوى، والآن يجتمع أناس على عمل طيب، وعندما يدرُّ هذا العمل عليهم أرباحاً طائلة يختلفون، إذْ صار هناك مال، ومكاسب مادية، ويريد كلّ إنسان أن يأخذ أكبر حصة له ويتجاهل حق أخيه، فتنشأ الخلافات، وكم من شركة انهارت، وكم من مشروع رائع تحطم بسبب الأهواء، فالأهواء تحطم، والحق يجمع ويوحد، وهذه قاعدة أساسية.
لو تتبعنا كلمة (واحدة) في القرآن الكريم :
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة . وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة)
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾.
﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾[سورة الزخرف: 33]
وآيات كثيرة جداً في القرآن الكريم أشارت إلى أن البشر من أصل واحد ، ومن جبلة واحدة ، ومن خصائص واحدة ، ومن فطرة واحدة .
الحق يجمع والأهواء تفرق، والمبادئ تجمع والمصالح تفرق، والمبادئ متكاملة أما المصالح فمتناقضة:
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ..)
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾
عندما اختلفوا، ودخلت الأهواء، أخذ الأنبياء يأتون تباعاً، وكلما جاء نبي وضح منهج الله عز وجل، وأمر الناس بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وحكم الشرع الذي هو من عند الله محل الأهواء التي هي من عند البشر:
﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾
لمن أطاعهم:
﴿وَمُنذِرِينَ﴾
لمن عصاهم:
﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ﴾
فأنت آية بالغة التعقيد، ولك صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فهذه الآلة لا تسلم ولا تؤتي مردوداً عالياً إلا بإتباع تعليمات الصانع، فربنا عز وجل كلما رأى عباده مزقتهم الأهواء، وانحازوا إلى مصالحهم، وأثمر هذا عداءً، وقتالاً، وخصومات، وعداوات، أرسل نبيّاً آخر مع منهج قويم، أمرهم ونهاهم، وبّشرهم وحذّرهم، وأعطاهم كتاباً افعل ولا تفعل،
﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ﴾
إذا جاءت كلمة الكتاب في القرآن معرفة بأل دلَّت على مطلق منهج الله عز وجل، مطلق المنهج،
﴿ بالحق ﴾
هذا الكتاب بالحق، من عند الحق، ومن عند العدل الرحيم الحكيم، كتاب بالحق، أي لابَسَ نزوله الحق، هو من عند الحق، والحق في كل دقائقه وجزئياته.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ...﴾
﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾
اختلف الناس باختلاف أهوائهم ومصالحهم، فإذا جاء التشريع من عند خالق البشر ممن لا ينتفع بتشريعه رضي به الناس،
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
ربنا عز وجل غني على أن ينتفع بالتشريع، لكن الإنسان إذا شرع مفتقر إلى أن ينتفع بالتشريع، فإذا انتفع بالتشريع كان له خصوم يرفضون هذا التشريع، وإذا دققت وعمقت تجد أن كلَّ خلافات البشر في الأرض اختلاف مصالح، وأهواء، وتنازع، وثروات مما يشعل الحروب بينهم، فالحروب عند المسلمين حروب دعوة، وحروب نشر حق، وريادة أمم، أما الحروب الآن فهي مرة حروب نفط، ثم حروب ماء، ثم حروب قمح، أو حروب مناطق نفوذ، الحروب كلها من أجل المصالح والثروات والمكتسبات، وحروب أحياناً من أجل الإذلال والتدمير والإهلاك، فاختلفوا،
العدل يسع الجميع :
قاضٍ في العهد العباسي فيما أذكر طُرِق بابه، فسأل خادمه: مَن لدى الباب؟
فإذا بطبق من التمر، أو من الرطب في بواكيره، وكان هذا القاضي معروفاً بحبه هذا الرطب في بواكيره، فهو أكلٌ نفيس جداً، وفاكهة غالية، وبمستوى عالٍ جداً، في أوله، فسأل خادمه من قدم هذا الطبق يا بني؟
قال: رجل لدى الباب، قال: صفه لي، قال: صفته كيت وكيت، فعلم أنه أحد الخصوم، أو أحد المتداعيين، فرد الطبق، وبعد أيام طلب مقابلة الخليفة، وطلب منه أن يعفيه من منصب القضاء، قال: ولمَ؟
قال: والله جاءني غلامي قبل أيام بطبق من الرطب في بواكيره، وعلمت أنه من أحد المتخاصمين، وفي اليوم التالي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم هذا الطبق، مع أني لم أقبله، فكيف لو قبلته؟
هذا العدل، فالعدل يسع الجميع:
﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾
إذا كان التشريع إلهياً انصاع كل الناس له، وبالمناسبة لو أن واحداً يدّعي أنه مسلم وجئته بحكم شرعي قرآني، وتلكأت نفسه في قبوله فليس بمؤمن، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾[سورة الأحزاب: 36]
أنت عبد والذي جاء بهذا الكتاب نبي كريم، وهذا الكتاب من عند خالق عظيم، فإذا وضعت أحكام الكتاب على بساط البحث والمناقشة فلست مؤمناً:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾[سورة النساء: 65]
محاربة الله ورسوله أن تشرع تشريعاً يتناقض مع تشريع الله أو يبتعد عن تشريع الله:
:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
كيف يحارَب الله؟ الله عز وجل لا تدركه الأبصار، الحرب بالمفهوم الأرضي أن تقاتل إنساناً، وتستلب ما عنده، أن تحتل أرضه، أن تستولي على ثرواته، أن تأخذ متاعه، الحرب صِدام، لكن كيف يحارَب الله؟ الحقيقة أن الله يحارَب بإحداث تشريع خلاف تشريع، لأن التشريع من حق الله وحده، الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، فحينما نشرع نحن تشريعاً بعيداً عن تشريع الله، أو مخالفاً لتشريع الله فكأنما حاربنا الله، هذه حقيقة أولى، محاربة الله ورسوله أن تشرع تشريعاً يتناقض مع تشريع الله، أو يبتعد عن تشريع الله، أو يفسد الإنسان.
التشريع الإلهي يحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة :
أيها الأخوة، الله عز وجل حينما خاطب نبيه وقال:
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾[سورة الإسراء:73]
إن سمينا الكفار الطرف الآخر فإن جهد الطرف الآخر من آدم إلى يوم القيامة أن يبدلوا منهج الله، أن يبدلوا منهج الله بمنهج أرضي يحقق للإنسان شهواته، ويبعده عن المسؤولية، القضية واضحة جداً، إما أن تختار الله أو الدنيا، إما أن تختار الآخرة أو متاع الحياة الدنيا، إما أن تختار أن تتبع منهج الله أو أن تتبع هوى نفسك، فالتشريع الإلهي يحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة.
تعريف آخر للتشريع الإلهي دقيق جداً: هو أنك إذا صنعت آلة هذه التعليمات التي مع الآلة من أجل صيانة الآلة من التلف، من أجل صيانتها من العطب، من أجل أن تعطي هذه الآلة أعلى مردود، فكأن تشريع الله عز وجل من أجل صيانة الإنسان من أن يشقى في الدنيا والآخرة، فالجهة الوحيدة الخبيرة القادرة على إسعاد الإنسان عن طريق تعليمات دقيقة مفادها افعل ولا تفعل، هذه الجهة هي الله عز وجل، بمعنى أن الله هو الخبير بما يسلمك وبما يسعدك.
إذاً: الطرف الآخر مهمته أن يأتي بتشريع خلاف التشريع الإلهي، الربا يجمع الأموال في أيد قليلة ويحرم منها الكثرة الكثيرة، وتشريع الله عز وجل أن يكون المال متداولاً بين الناس جميعاً، الكتلة النقدية ينبغي أن تكون متداولة بين الناس، أما حينما يعتدى على شرع الله، فنسمح للمال أن يلد المال عندها يتجمع المال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، فنحن بتشريع الربا حاربنا الله، بمعنى؛ أننا أحللنا تشريعاً مناقضاً لتشريعه، لأن الله سبحانه وتعالى أحل البيع وحرم الربا، فنحن شرعنا الربا، فلما شرعنا الربا صار هناك في كل بلد فرق طبقي كبير جداً، هذا وراء كل مآسي البشرية، أي أن يمتلك عشرة بالمئة من سكان الأرض تسعين بالمئة من موارد الأرض، وأن يعيش الباقون على فتات هؤلاء العشرة بالمئة، هذا يتناقض مع تشريع الله، فإذا قرأتم في القرآن الكريم قوله تعالى: " يُحَارِبُونَ اللَّهَ "، أي يشرعون تشريعاً يتناقض مع تشريع الله، تشريع الله عز وجل مهمته صيانة الإنسان من الفساد، صيانته من الشقاء، صيانته من التعاسة، لأن الله سبحانه وتعالى أدرى بمن خلق، وهو الخبير، هو الوحيد الذي يعلم ما يصلحنا وما يفسدنا.
امانى يسرى محمد
09-12-2025, 09:51 PM
مفتاح العلم السؤال
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)سورة البقرة
السؤال دليل الصدق :
إنك بمجرَّد أن تهتم بشيء تسأل عن دقائقه، وتفاصيله، ومَداخله، ومخارجه، وأخطاره، وأبعاده، وملابساته، ولذلك فعلامة صدق أصحاب رسول الله أنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام .
﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾
فالسؤال دليل الصدق، وحينما لا يسأل الإنسان هناك احتمال جيِّد لصالحه، قد يكون الأمر واضحاً جداً له فلا يسأل، وقد يلقي أستاذٌ درساً، ويسأل الطلاب: هل هناك من سؤال؟ فإذا كان الدرس واضحاً جداً، والطلاب استوعبوا دقائقه فلا أحد يسأل، فهذه حالة، أما الطالب البعيد عن موضوع الدرس، والشارد، الذي يعيش بجسمه في قاعة الدرس، وقلبه خارج الدرس، فهذا إذا قيل له: أتسأل؟ يقول: لا يوجد سؤال، لا يسأل، فالذي لا يسأل إما لوضوحٍ شديدٍ عنده، أو لعدم اهتمامٍ بأصل الموضوع.
فعلى كلٍ العلم مِفتاحُه السؤال، ولئن تسأل فتكون في نظر الآخرين جاهلاً أفضل ألف مرة من أن تخطئ ولا تسأل، وليس العارُ أن تكون جاهلاً، ولكن العار أن تبقى جاهلاً، وليس العار أن تخطئ، ولكن العار أن تبقى مُخطئاً، والمؤمن الصادق يسأل، ولا يعبأ كثيراً بمكانته، لأن هناك رجلين لا يسألان؛ المُستحيي والمُتَكَبِّر، والحياء في العلم جهل، والكبر في العلم جهل.
لكن بقي موضوع دقيق في موضوع السؤال، هذا الإنسان الذي يُسأل، إذا علَّق تعليقاً قاسياً على سائلٍ منع السؤال، فينبغي له أن يتقبَّل السؤال بصدرٍ رحبٍ واسعٍ، وأن يحترم السائل، وأن يُثني عليه، حتى يشجِّع غيره أن يسأل.
أحياناً يسأل الابن أباه سؤالاً، قد يكون سخيفاً، فيصب الأب جام غضبه على ابنه، ولم يدر الأب أنه أجرم في حق ابنه، لن يسأله بعد ذلك سؤالاً، لا، مهما بدا لك السؤال سخيفاً تافهاً يجب أن تحتفل بالسائل، وأن تثني عليه، وأن تقول له: بارك الله بك، هذا دليل اهتمامك، وهذه النقطة التي أثرتها جوابها: كذا وكذا وكذا، فموقف المسؤول سوف يُسأل عند الله يوم القيامة، مفتاح العلم السؤال، كم من إنسان كره مادةً في التعليم من أستاذٍ قاسٍ في ملاحظته! فاسأل ما بدا لك، ورد في الأثر أن: تواضعوا لمن تعلِّمون، وتواضعوا لمن تعلَّمون منه.
يجب أن تتواضع لمن تُعَلِّم، طبعاً هناك قصص تُروى، وهي للتَنَدُّر ولا يؤخذ منها حكمٌ شرعي؛ تروي الكُتب مثلاً أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يعاني من ألمٍ في مفاصله، وكان يلقي درساً أمام تلامذته المقرَّبين، وكان ماداً رجله، فدخل رجلٌ قويم الهيئة، طويل الجثّة، عريض المَنكبين، يرتدي عمامةً، يبدو أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى استحيا منه فرفع رجله، فجلس في مجلسه، وبعد أن انتهى المجلس سأل ـ الموضوع كان حول صلاة الصبح ـ قال له: يا إمام كيف نصلي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر؟ قال له: عندئذٍ يمدُّ أبو حنيفة رجله.
طبعاً هذه قصة للتنَدُّر، أما أن يؤخذ منها حكمٌ شرعي! الحكم الشرعي نأخذه من موقف رسول الله عليه الصلاة والسلام، الحكم الشرعي نأخذه من الكِتاب والسُنَّة، هذا هو الحق، فالنبي مشرِّعٌ في أقواله، وأفعاله، وإقراره، كان يُسأل بغلظة ـ أعطني من هذا المال يا محمد، فهو ليس مالَك ولا مال أبيك ـ وكان بإمكان النبي أن يلغي وجود هذا السائل الفظ، ولكنه قال: "صدق إنه مال الله.
المؤمن متواضع لمن يسأله، مهما بدا لك السؤال سخيفاً، تواضع لمن تتعلَّم منه، وتواضع لمن تعلِّم، فهذا التعليق على كلمة:
﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾
أنت حينما تسأل تستعير خبرة المسؤول، وقد تزيد عن خمسين سنة، خبرات متراكمة خلال عمر طويل، تأخذها مجَّاناً بسؤال مؤدَّب، اسأل ما بدا لك..
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)سورة البقرة
معنى الإنفاق :
الحقيقة للإنفاق معنىً موسَّع جداً؛ أن تنفق مما رزقك الله، لا يوجد إنسان على وجه الأرض لا يوجد عنده شيء، إنسان عنده عِلْم، وإنسان عنده خِبْرَة، وثالث عنده قُدْرَة، ورابع عنده مهارة، وخامس عنده مال، وسادس عنده مكانة وجاه، وسابع عنده قدرة على الإقناع، فماذا تنفق؟
أنفق مبدئياً مما رزقك الله:
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾[ سورة البقرة: 3]
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[ سورة البقرة: 3]
أيْ إنَّ شطر الدين الأكبر وهو الإنفاق شطره أن تعرف الله، وأن تستقيم على أمره، وأن تُنْفِق، فإنسان لا ينفق هذا إنسان لا يؤكِّد صِدْقَهُ، لماذا سمَّى الله الصدقة صدقةً؟
لأنها تؤكد صدق المؤمن، فهناك أشياء لا تكلِّفك شيئاً، فأن تأتي إلى بيت من بيوت الله شيء لطيف، فالإنسان قد يستمع إلى درس، وقد يلتقي مع أخوانه، وأن تتوضأ، وتصلي في الصيف، الصلاة نشاط، وأن تذهب إلى العمرة شيء لطيف، وسفر مريح، وتسكن في فندق، تأكل وتشرب، وتطلع، وتطوف حول البيت وتأتي، وعملنا عمرة، أما حينما تؤمر أن تنفق من مالك ـ المال محبَّب ـ وطبعك يقتضي أن تأخذه لا أن تنفقه، فحينما تنفق المال هذا يؤكِّد صدق المؤمن، فالحقيقة الصدق يظهر في الأعمال المُتْعِبَة، ولذلك سمىَّ الله عزَّ وجل التكليف تكليفاً لأنه ذو كُلْفَة.
إن أردت أن تنفق من مالك فيجب أن يكون هذا المال مالاً حلالاً:
إذاً الإنفاق مفروغٌ منه، لم يُسأل عنه النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن سُئل: ماذا ننفق؟
فجاء الجواب إجابةً للسؤال وزيادةً عليه، ما هي الزيادة؟
فقال الله عزَّ وجل:
﴿ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾
[ خير ] يجب أن تنفق خيراً، أي تنفق مالاً حلالاً، وأن تعطي علماً نافعاً، لا أن تُعَلِّم السحر، وأن تنفق من مالٍ حلال، وأن تطعم طعاماً طيِّباً تأكله أنت وتقبل عليه، لا أنك إذا كرهت الطعام أنفقته، فهذه كلمة [ خير] واسعة جداً، إن كانت بالجاه يجب أن تعين مظلوماً بجاهك، لا أن تعين ظالماً على أكل مال الناس بالباطل، تقول: إنني وضعت مركزي كله، لا، وضعت مركزك كله لنصرة الظالم لا المظلوم، [ خير ]، إن أردت أن تنفق من جاهك فيجب أن يكون هذا الإنفاق خيراً لنصرة المظلوم، وإن أردت أن تنفق من مالك فيجب أن يكون هذا المال مالاً حلالاً، جمَّعته مِن كَدِّ يمينك وعرق جبينك، إن أردت أن تنفق علماً فيجب أن تنفق علماً نافعاً ينتفع به المتعلم في الآخرة، لا أن تنفق علماً يفسد حياة المسلمين.
هناك مِهَنٌ كثيرة أساسها إفساد أخلاق المسلمين، وإفساد البيوت؛ أنا أعلِّمك تصليح هذه الأجهزة، أنت ما فعلت شيئاً، أنت ما أنفقت، هذا العلم الذي تعلَّمته والذي تعلِّمه للآخرين أساسه إفساد البيوت المُسلمة، الإنفاق يجب أن يكون إنفاقاً خيراً؛ إنْ في المال، أو في العلم، أو في الجاه، أو في أيّ شيء آخر. فهذه الزيادة، أجابهم الله عزَّ وجل عن سؤالهم، وزاد عن إجابتهم بشرطية أن يكون الإنفاق من خيرٍ..
﴿ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ ﴾
أقرب الناس إليك.
في آيات الإنفاق أربعة معان دقيقة هي :
1 ـ الإخلاص :
آيات الإنفاق اليوم التي وردت في أواخر البقرة فيها أربعة معان دقيقة ؛ المعنى الأول :
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾
الإخلاص :
﴿وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
أحياناً الإنسان في علاقاته المادية ، إن كان موظفاً بدائرة ، يثبت مركزه عند رئيسه بنشاط زائد ، بدوام منضبط ، بإنجاز كثيف ، بهدية يقدمها له أحياناً ، بخدمة خاصة يقدمها ، بإظهار التفاني في العمل ، هدفه يثبت مركزه عند رئيسه ، في تثبيت مركز ، وتقوية مركز ، وبالتعبير العامي : تركيز وضع ، يقول لك : ركز حاله ، أي عمل عملاً تجاه رئيسه ، يجعل مكانته قوية عنده ؛ إما بعمل زائد ، بإخلاص ، بتفان ، بدوام منضبط ، بإنجاز كثيف ، إذاً أليس الأولى أن يثبت الإنسان مركزه عند الله ؟ والآية واضحة جداً :
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[سورة البقرة:265]
هذا المعنى الأول ، المعنى الأول أن الإنسان إذا أنفق بإخلاص يثبت مركزه عند الله ، يقوي مكانته ، والنبي الكريم يقول : " ابتغوا الرفعة عند الله " ، أي لا تبتغوها عند الناس ، الإنسان فان ، والإنسان قد لا ينتبه ، قد لا يكافىء ، أي الإنسان ليس أهلاً لذلك ، قد يكون ليس أهلاً لتمحضه كل إخلاصك ، قد يكون غافلاً عن أعمالك ، قد تكون إمكانيته لا تستوعب أعمالك ، قد ينسى ، قد يتشاغل عنك ، تُصاب بخيبة أمل ، لكن اجعل كل إخلاصك لله عز وجل ، هذا أول معنى .
2 ـ أي شيء تنفقه يعلمه الله :
المعنى الثاني :
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾[سورة البقرة:270]
إذا الإنسان قدم هدية ، طبعاً الشيء الأساسي أن يعلم المهدى إليه أنها من فلان ، يضعون بطاقة أحياناً ، يضعون شريطاً أحياناً ، باقة ورد ، تقدمة من فلان ، أي من لوازم الهدية أن يُعلم من تقدم إليه أنها من فلان .
فربنا عز وجل هذه حاجة عند الإنسان ، يا ربي أنا هذا العمل مني ، هذه الحاجة مضمونة :
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾[سورة البقرة:270]
3 ـ خير الإنفاق يعود على الإنسان يوم القيامة :
المعنى الثالث :
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾[سورة البقرة:272]
هذا الإنفاق في ظاهره لله ، أما في حقيقته فلك ، سيعود خيره عليك ، إذا الإنسان أطعم لقمة في سبيل الله يراها يوم القيامة كجبل أحد ، لقمة إذا أطعمتها في سبيل الله ، فكيف بما فوق هذه اللقمة ؟
4 ـ الخير يعود على الإنسان في الدنيا قبل الآخرة :
الشيء الأخير ؛ المعنى الرابع :
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾
في الدنيا .
المعنى الأول : ثبت مركزك بالإنفاق ، المعنى الثاني : أي شيء تنفقه الله يعلمه ، المعنى الثالث : خير الإنفاق يعود عليك يوم القيامة ، والمعنى الرابع : وفي الدنيا وقبل الآخرة ،
كل شيء تنفقه يعوضه الله عليك بنص هذه الآية ، وسبع آيات أخر حصراً :
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾[سورة البقرة:272]
الشيء الخامس :
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[سورة البقرة:274]
معنى ذلك : ضمنت سلامة الماضي والمستقبل ؛ لا خوف عليهم فيما هم قادمون عليه ، ولا هم يحزنون على شيء تركوه ، هذه أكبر مكافأة .
امانى يسرى محمد
09-12-2025, 09:52 PM
لمن تنفق ؟
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)سورة البقرة
﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾
إذا اهتم كل إنسان بوالديه، واهتم بإخوته الذكور والإناث، واهتم بأعمامه وأخواله، وعمَّاته وخالاته وأولادهم جميعاً، صار هناك دائرة ضمان اجتماعي موحَّد، فهذه الدوائر تتصل وتشكِّل المجتمع بأكمله، وهذا نظام الإسلام، الأقربون أولى بالمعروف، لا تُقبَل زكاة إنسانٍ وفي أقربائه محاويج، لأن الناس أنت لهم وغيرك لهم، أما أقرباؤك المُقَرَّبون إليك، لأنك تعلم سرَّهم ونجواهم، وتعلم أوضاعهم، ومعيشتهم، وحاجتهم، وكل ظروف حياتهم، مَن لهم غيرك؟ فهذا الذي يُهْمِل أهله، يهمل والديه، ويهمل أقرباءه، وذَوي قرابته ويهتم بالغرباء، هذا إنسان توازنه مختل..
لذلك صلة الرَحِم مِن أعظم الأعمال في الإسلام، إن صلة الرحم مغطَّاة بأربعين حديثاً صحيحاً، لعلَّها تزيد في الرِزق ـ كما قال عليه الصلاة والسلام ـ وتنْسأ في الأجل، أي يمتلئ عمرك بالأعمال الصالحة فكأنه زاد، بهذا المعنى تقريباً.
هناك دعوةٌ إلى الله خاصةٌ لأقربائك :
صلة الرحم أيها الأخوة تبدأ بزيارة، وتتابع هذه الصلة بتفقُّد أحوال من حولك، ثم بالمُساعدة، ثم بالدعوة إلى الله. فهناك دعوةٌ إلى الله خاصةٌ لأقربائك، قال تعالى:
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[ سورة الشعراء: 214-215]
إذا اهتم كل واحد بأخواته، وأصهاره، وأولاد عمِّه وعماته، وأولاد خاله وخالاته، وزارهم، ودعاهم إلى الله، قدَّم لهم شريطاً، وقدَّم لهم هدية، وأعانهم، وعمل لقاء أسبوعياً شرح لهم فيه آية أو حديثاً، وإذا اهتم كل واحد بأقربائه، بدعوة إلى الله، فهذه أعلى درجة من الدعوة. ولا تنسَ أيها الأخ الكريم أن الدعوة إلى الله فرض عين، لا تُعفى من الدعوة إلى الله إطلاقاً لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾[ سورة يوسف: 108 ]
كلام الله عزَّ وجل، علامة اتباعك لرسول الله أنك تدعو إلى الله، إما أن تتكلَّم، وإما أن تقدِّم للناس شريطاً، أو تدعوهم إلى مسجد، لا بد من أن تقدِّم شيئاً لهؤلاء، فهذه دعوة إلى الله في حدود ما تعلم، ومع من تعرف هذه فرض العين، وأساساً الدعوة إلى الله رُبْع النجاة:
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾[ سورة العصر: 1-3 ]
﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾
أما اليتيم، وهو الذي فَقَد والده، أو فَقَد أمه، أو فَقَدهما معاً، فحينما يهمله المجتمع، ويرى رفاقه في بحبوحة، وفي بِشْر، وفي سعادة، آباؤهم معهم، يغدق آباؤهم عليهم كل خير، تجده يحقد على المجتمع، وقد يحقد على القدر الذي أفقده والده، وقد يكفر بالله، أما إذا وجد اليتيم رعاية كافية مِن عمِّه، ومِن خاله، ومِن جده، ومِن صديق والده، ووجد رعاية كاملة، وصلة، وإكراماً، حُلَّت المشكلة، فاليتيم أي يتيمٍ يحتاج إلى أن تنفق عليه؛ إما من وقتك، وإما مِن اهتمامك، وإما من مالِك، من أجل أن تنسيه فقده لوالده.
﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ﴾
المسكين هو الذي لا يستطيع أن يكسب رزقه، هذا أولى الناس بأن يأخذ من مالك الذي تنفقه في سبيل الله.
﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾
المنقطع، فعظمة هذا الدين إذا كنت مسافراً وسُرقت محفظتك، فأنت الآن فقير فقراً طارئاً، لك بلد، ولك محل تجاري، ولك شركة، وتملك ما تملك، أما هنا فأنت لا تملك شيئاً، جعل الله لهذا نصيباً من الزكاة، أرأيت إلى هذا التضامن؟ لو كنت مسافراً في أيّ بلدٍ إسلاميّ، وفقدت مالك فجأةً بعملٍ عدواني، فأنت مَعْنِيٌّ بهذه الآية الكريمة ال تعالى:
﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
حجم عملك بالضبط، مقدار التضحية، وثمن الشيء، الوقت الذي بُذِلَ من أجله، والعقبات التي زُلِّلت، والصوارف التي تجاهلتها، كله عند الله معلوم..
لذلك سبب سعادة المؤمن أن علاقته مع الله، والله يعلم، الله عزَّ وجل لا يحتاج إلى بطاقة، ولا إيصال، ولا قَسَم، ولا شهود، بل يعلم السر وأخفى..
امانى يسرى محمد
09-14-2025, 07:44 PM
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )(217) سورة البقرة
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾
الحكمة من تحريم القتال في الأشهر الحرم :
الحقيقة يقول الله جل جلاله في آيةٍ أخرى:
﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾[ سورة التوبة: 36 ]
رجب، وذو القعدة، وذو الحجَّة، ومحرَّم، ما حكمة هذه الأشهر؟
لأن الله جل جلاله هو خالق البشر، وهو الخبير، فإن نَشِبَت حربٌ بين فئتين، أو بين جماعتين، أو بين أمَّتين، أو بين دولتين، فما الذي يحصل؟
الحرب تستعر وتستمر حتى تحرق الأخضر واليابس ولا تقف،والإنسان أحياناً يُضَحِّي بكل شيء، ويُحْرِق ويتلف كل شيء من أجل كرامته، فإذا نشبت الحرب تعلو قضية الكرامة الإنسانية، فكل خصمٍ مصرٌ على متابعة الحرب، فإذا جاء هذا الشهر الحرام، فهذا منهج الواحد الديَّان، تقف الحرب، وليس هناك منتصر ولا منهزم، ولا غالب ولا مغلوب، فإذا ذاق الناس طعم السِلم، وارتاحوا، وأمنوا، فلعلَّهم يُتابعون طريق السلام، وهذه حكمة الله عز وجل، فحروبٌ كما تعلمون نشبت بين أمتين، أو جماعتين، أو شعبين مسلمين، كانت الكلفة مليون قتيل والدولتان المتحاربتان تراجعتا مئَتي عام، فلو أنهما طبَّقتا منهج الله عز وجل لما وصلتا إلى هذه النتائج المدمِّرة..
هذه بعض الحِكَم، فالحرب والقتال في الأشهر الحُرُم محرَّم من أجل حفظ ماء الوجه، وحقن الدماء، وحفظ الأموال، وسلامة الحياة.
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾
ما حكم القتال فيه؟
فقال الله عز وجل:
﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾
أيجوز أن يقاتل فيه؟ أيجوز أن تسفك فيه الدماء؟ أيجوز أن تسلب فيه الأموال؟ أيجوز أن يؤسر الأسير في الشهر الحرام ؟
لن تكون حرمة هذا الشهر سبباً لطغيان أهل الباطل :
قال تعالى:
﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾
من حيث المبدأ، ولكن هناك عمل أكبر منه..
﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
فالإنسان دون أن يشعر، تجد الشاب في أسرة ـ أنا أعالج قضايا جزئية صغيرةـ لا يصلي، يأتي بعد منتصف الليل كل يوم، له أصدقاء سوء، متفلِّت، غير منضبط، لا توجد عليه مشكلة بالأسرة أبداً.
أما حينما يلتزم مسجداً، ويغضُّ بصره، ويرفض أن يختلط بمَن لا تحل له، ويرفض أن يخرج على ما ألِفَه مَن حوله، يقام عليه النكير، أليس هذا صداً عن سبيل الله؟
ما دام الإنسان في فسقٍ وفجور لا أحد يحاسبه، بل إنهم يثنون عليه، أما حينما يلتزم شرع الله، ويرفض الاختلاط، ويرفض أن يغش الناس، ويرفض أن يتجاوز حدوده بل يلتزم ويخشى الله عز وجل، تقام عليه الدنيا ولا تقعد، أليس هذا صَدَّاً عن سبيل الله؟ فمن أكبر الجرائم أن تصد الناس عن سبيل الله.
هناك أسلوبٌ آخر: الشاب إذا التزم يُصَدُّ عن التزامه. الآن إذا التزم هذا الشاب مع إنسان فلا بد أن يطعنوا في هذا الإنسان، وذلك لوجه الشيطان، ولا بد من أن يسفِّهوا مثله الأعلى، وأن يسفهوا عمله، فلا بد من أن يُتَّهم هذا الذي التزم معه، كصدٍ عن سبيل الله، والإنسان أحياناً يصد عن سبيل الله وهو يشعر، وأحياناً كثيرة يصد عن سبيل الله وهو لا يشعر، فكأن شيطاناً ينطقه، وكأن شيطاناً يدفعه، وكأن جهةً خبيثة تُغْرِيه، فإذا تحدَّث لا يتحدث إلا حديثاً لا يرضي الله عز وجل، فلا يتثبَّت، ولا يتأكَّد، ولا يتحقق، لذلك:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ ﴾
أكبر من أن تُنْتَهَك حرمة هذا الشهر، فلن تكون حرمة هذا الشهر سبباً لطغيان أهل الباطل.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ .... (217) سورة البقرة
( قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)
الصد عن سبيل الله له وسائل كثيرة جداً :
أيها الأخوة... لنحذر جميعاً دون أن نشعر فنصد عن سبيل الله؛ فإنسان سلك طريقاً صحيحاً، وآخر عاهد الله على أن يضبط لسانه، وثالث عاهد الله على أن يغض بصره، ورابع له جلسة مع أصدقاء، وهذه الجلسة ليس فيها ما يرضي الله، فانسحب منها، دَعْهُ يصطلح مع الله، فهناك شياطين الإنس يصدُّون عن سبيل الله وهم لا يشعرون، وكم من إنسانٍ يصدُّ مَن حوله عن سبيل الله وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
فأنت حينما لا تتأكد مما تقول، فبدون دليل أو تحقق أو تريث تتهم إنساناً جمع الناس على الحق، فأنت ماذا فعلت؟
صددت الناس عن سبيل الله. لمجرد أن ترى إحدى قريباتك المحارم قد تحجَّبت، إن ازدريت حجابها ولو عن طريق المزاح،
فأنت بذلك صددت عن سبيل الله وأنت لا تشعر، فيجب أن تشجعها، وأن تثني عليها، وعلى قرارها.
أحياناً يأتي إنسان من بلادٍ بعيدة فيها كل شيء مريح، ولكنه خاف على مستقبله، ومستقبل أولاده، فعاد إلى وطنه ليخدم أبناء وطنه، فهناك مَن يتَّهمه بالجنون، هذا الذي يتهمه بالجنون يصد عن سبيل الله. طبعاً حينما يأتي الإنسان من بلدٍ متطور، غني، متفوق في الدنيا، إلى بلدٍ نامٍ سيواجه صعوبات كثيرة، فيجب أن تشجعه، والله أنا أقول لإنسان أراد أن يعود إلى وطنه ليخدم أمَّته: واللهِ ما اتَّخذت في حياتك كلِّها قراراً أصوب من هذا القرار، ولا أحكم من هذا القرار، والله عز وجل سوف يوَفِّقَكَ ويأخذ بيدك، ويحمي لك أولادك، فشَجِّع لأن الصد عن سبيل الله له وسائل كثيرة جداً، فإنسان ترك بلاد الكفر، بلاداً ترتكب فيها الفواحش على قارعة الطريق، بلاداً لا يمكن أن يضمن لأولاده بقاءهم فيها مسلمين؛ وجاء إلى بلده الأم ليخدم أبناء أمَّته، وقد يتحَمَّل بعض الصعوبات، لمجرد أن تخَطِّئه بهذا القرار فأنت ممن يصد عن سبيل الله.
فتاة مؤمنة تعرفت إلى الله، فلبست الحجاب، لمجرد أن تقول لها مثلاً: هذا الحجاب أذهب بعضاً من جمالكِ. فأنت صددتها عن سبيل الله دون أن تشعر، ولمجرَّد أن ترى إنساناً أراد الحلال وترك الحرام، ورضي بالحلال القليل، وترك الحرام الكثير، إن قلت له: لَمْ تكن عاقلاً في هذا السلوك، يجب أن تعلم علم اليقين أنك صددت عن سبيل الله.
صد الناس عن سبيل الله جريمة أكبر مِن أن تنتهك حرمة الشهر الحرام :
والله أيها الأخوة أكاد أقول لكم: هناك مليون أسلوب، دون أن تشعر، كله صد عن سبيل الله، قال: هذا أكبر من أن تنتهك حرمة الأشهر الحرم، أن تصد الناس عن سبيل الله، أن تمنع شاباً يصلي، وأراد طاعة الله، ورضي بالقليل الحلال وزهد بالكثير الحرام فتقول له: أنت مجنون بهذا العمل، فهذا صد عن سبيل الله، وعلى الإنسان قبل أن يقول كلمةً لا ترضي الله أن يحاسب نفسه حساباً كثيراً:
((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاٍ))[ الترمذي عن أبي هريرة ]
أحياناً بالمِهَن اليومية هناك أساليب مربحة وتربي ثروة طائلة ولكن فيها مخالفة، فأنت حينما تلزم جانب الشرع، ولا تقبل الاختلاط في معهدك فرضاً، أو تلزم جانب الشرع ولا ترضى أن تنتهك حُرُمات الله عز وجل في عملك الرسمي، أو في عملك التجاري فيقل دخلك، فأنت حينما تقول لهذا الإنسان: أخطأت، وليس هذا هو الطريق الصحيح. فقد صددت الناس عن سبيل الله. فربنا عز وجل جعل صد الناس عن سبيل الله أكبر جريمة، بل أكبر مِن أن تنتهك حرمة الشهر الحرام..
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لعلي ألممت بجانبٍ من معاني هذه الآية، الصد عن سبيل الله في كل عصر، وفي كل مصر، وفي كل بيئة، إنك حينما تثَبِّط عزيمة مؤمن فأنت قد صددته عن سبيل الله، وحينما تُسَفِّه عملاً مشروعاً فقد صددت عن سبيل الله، وإذا رأيت إنساناً يتصدَّق بماله، وقلت له: احفظ قرشك، أمسك يدك. هو ماذا يفعل؟ هل ينفق ماله على الملاهي؟ بل ينفق ماله في سبيل الله، ولمجرد أن تخوفه من الفقر إذا أنفق ماله في سبيل الله فقد صددت عن سبيل الله.
الموضوع يحتمل شواهد كثيرة جداً، وكل واحد منا محاسب على كل كلمة يقولها، فقد يتكلم بكلمة لا يلقي لها بالاً، فيهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، كن عوناً له على الشيطان.
لقد حدثني مرة أخ متألم جداً من أخ زوجته فقال لي: شكوت له أخته، فقال لي: طلقها وبأول كلمة، يقول طلقها! فإذا دفعت الناس إلى تطليق زوجاتهم فقد صددت عن سبيل الله، وإذا دفعت الناس إلى أكل المال الحرام فقد صددت سبيل الله، وإذا دفعتهم إلى الحرام فكذلك صددت عن سبيل الله.
﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾
كلمة " كفر " كلمة كبيرة جداً، لكن لهذه الكلمة معنى ضيّقاً ولها معنى مُتَّسِع، فالمعنى الضيِّق:
أن تنكر وجود الله، أو أن تنكر هذه الأديان السماوية، أما المعنى الموسَّع: فحينما ترفض حكماً لله، فهذا كفر.
فإذا قلت مثلاً: إن قطع اليد، هذا الحد لا يتناسب مع هذا العصر، فهذا عصر حقوق الإنسان، وكرامة الإنسان، والإنسان هو الهدف، فأنت إن قلت هذا الكلام المعسول كفرت دون أن تشعر، لأنك رددت حكماً ورد في القرآن الكريم، والله عز وجل يعلم السر وأخفى ويعلم ما سيكون، فحينما ترفض حكماً لله، وحينما ترفض مثلاً (الاستثمار الرَبَويّ) يقول: هكذا العالم كله يثمِّر أمواله عن طريق البنوك والربا، فماذا نفعل؟ لا بد من هذا، تقول له: يا أخي هناك آية:
﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ﴾[ سورة البقرة: 279 ]
يقول: هذا القرآن ليس لهذا العصر، فأنت حينما ترفض حُكْماً من أحكام الشرع الثابتة بالكتاب والسُّنة، فهذا نوعٌ من الكُفْر.
أنواع الكفر :
الكُفرُ عِندَ العلماءِ نوعان :
كُفرٌ أكبر ، وكُفرٌ أصغر .
فالأصغر موجِبٌ لاستحقاق الوعيد دونَ الخلودِ في النار .
كُلُكم يعلم : أنهُ يخرجُ من النار من كانَ في قلبهِ مثقالُ من خير .
فالكُفرُ الأصغر هوَ الذي يُوجبُ الوعيد , وعيدَ اللهِ عزّ وجل , ولكنهُ لا يخلدُ صاحبهُ في النار , يخرجُ منها .
يقولُ عليه الصلاة والسلام فيما رواهُ الإمامُ مُسلم والإمامُ أحمد, عن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ, وَالنيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ))[أخرجه الإمام مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
الآن النياحة على الميت : ضرب الوجه ، تمزيق الشعر ، شق الصدر ، الولولة , هذه كُفر , كما قالَ عليه الصلاة والسلام .
يقولون عن الميت : الجسر تحطّم , أين الله عزّ وجل ؟ تسمع كلمات في مناسبات الحزن كُلُها كُفر , جهل , كأنَّ هذا الذي توفي هوَ الرزّاق , وهوَ القيّوم ، وهوَ الحي الذي لا يموت ، كُل إنسان يموت , فلذلك الاعتدال في الحزن من علامة الإيمان , والمبالغة في الحزنِ من علامة الجهل .
الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر :
أنتَ إذا كفرت بالخالق , والرب , والمُسيّر , والحكيم , والعليم , والرحمن الرحيم , وكفرتَ برسول الله , وبهذا القرآن , هذا كُفر أكبر .
أمّا هذا الأمر لم تُطبقهُ ؟ لماذا ؟ لأنكَ لا تعرفُ قيمتهُ , فأنتَ كافر بهذا الأمر .
يعني الكُفر : عدم تطبيق أمرٍ فرعيٍ من أُمور الدين , كُفرٌ أصغر .
مثلاً إذا قالَ لكَ اللهُ عزّ وجل :
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 221]
الآن : أحضر لي واحداً مُسلماً , عِندهُ بنت بسن الزواج , جاءهُ خاطب شاب , مؤمن مستقيم , له مجلس عِلم , يخشى الله , يخاف الله , في قلبهِ رحمة , عِندهُ إنصاف , لكن منزلهُ صغير , في أحد أطراف دمشق , وعملهُ متواضع , ودخلهُ محدود ، ثمَ يأتي خاطب , لهُ معمل , ولهُ سيارة فخمة , ولهُ بيت واسع , وشاب وسيم , لكن لا يُصلي , يُصلي الجمعة فقط , وإذا أحرج بالمناسبات فيشرب , إذا كانت أسرة مسلمة , قالت : هذه الموافقة على زواج هذا الشاب الموسِر , الغني الوسيم , رقيق الدين , هذا كُفرٌ بهذه الآية , معناها : أنتَ هذه الآية غير مؤمن بها , لكن كُفر أصغر وليسَ أكبر .
الكفر بشكل مطلق :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ , وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ))[أخرجه مسلم في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( من أتى كاهِناً أو عرّافاً , فصدّقهُ بما يقول , فقد كفرَ بما أنزلَ اللهُ على محمد ))
عندما ربنا قال :
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾[سورة النمل الآية: 65]
باللهِ انظر لي بالفنجان , ويتنبأ لكَ قبضة ، لكَ عدو ، شخص يريد أن ينفعكَ ، أنتَ حينما تسألهُ عن المستقبل , فأنتَ كفرت بهذه الآية , كلمة لا يعلم الغيب , فأنتَ لستَ مؤمناً بها , هذا كُفر , لكن نستطيع أن نقول : خرجَ من المِلّة ، بجهنم خالداً مُخلّداً , غير معقول هذا الكلام .
عَنْ جَرِيرٍ قال , قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ :
(( اسْتَنْصِتِ لي النَّاسَ , فَقَالَ : لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا , يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
يعني هذه الحروب , وهذه المنازعات , وهذه التفرقة , وهذا التشتت , والتشرذم , والتبعثر كما يقولون ، وكُلٌ يدّعي وصلاً بليلى , وكُلٌ يتهم الآخر ، هذا الوضع المتمزق , هذا سمّاهُ النبي كُفر ,
لكن كُفر بقولهِ تعالى :
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 103]
كُفر:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 46]
كُفر بما دعا إليه النبي للمسلمين :
كالبنيان المرصوص ، لا تحسسوا ، لا تجسسوا ، لا تنابزوا ، لا تدابروا ، لا تحاسدوا ، لا تنافسوا , وكونوا عِبادَ الله أخواناً .
أنتَ هذه الأحاديث لم تعبأ بها , فأنت كافرٌ بها ،
قال تعالى :﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[سورة المائدة الآية: 44]
إذا لم تحكم بما أنزلَ الله , فهذا كُفرٌ بما أنزلَ الله ، إن لم تحكم في موضوع واحد , بحُكمٍ أنزلَ اللهُ فيه حُكماً , فقد كفرتَ بهذا الحُكم , وإن رفضتَ القرآنَ كُلَهُ , فقد كفرت بالقرآن , كما قلتُ في أول الدرس :
بين الأبيض والأسود آلاف الألوان الرمادية , آلاف الألوان الرمادية , الإيمان إيمان ، والكُفر كُفر ، وبينمُها درجاتٌ شتى .
ابن عباس قال : ومن لم يحكم بما أنزلَ اللهُ فأؤلئكَ هم الكافرون , ليسَ بِكُفرٍ ينقلُ عن المِلّة , بل إذا فعلهُ فهوَ بهِ كُفرٌ ، بهِ بعضُ الكُفر هذا كلام ابن عباس ، وليسَ كمن كفرَ باللهِ واليوم الآخر.
قالَ عطاء : هوَ كُفرٌ دونَ كُفرٍ , وظُلمٌ دونَ ظُلمٍ , وفِسقٌ دونَ فِسقٍ .
هذا الكلام ليسَ معناهُ أن يطمئنَ الإنسان ، أنا أخافُ من التطرف إن نحوَ اليمين وإن نحوَ الشِمال ، هؤلاءِ الخوارج الذين كفروا لأصغر الذنوب انحرفوا ، وهؤلاء الذين تسامحوا فقالوا : لا يضرُ مع الإيمان معصية أيضاً انحرفوا .
في فِرقة تقول : لا يضرُ مع الإيمان معصية .
الخلاصة :
على كُلٍ الكُفرُ كما قُلنا قبلَ قليل :
كُفرٌ أكبر وهو الذي يوجب الخلودَ في النار .
وكُفرٌ أصغر وهو الذي يوجب التوبة , ويوجب تحققَ الوعيد إذا لم يتب صاحبه .
وتكفير الناس هذا ليسَ من شأن الناس , هذا من شأنِ ربِّ الناس , وأنتَ في أعلى درجات , ورعكَ إن رأيتَ عاصيّاً ادع لهُ أن يتوب , واذكر اللهَ عزّ وجل على أن نجّاكَ من هذه المعصية ، أمّا أن تُنصّبَ نفسكَ وصيّاً على الناس , توزع ألقاب الكُفر والإيمان على الناس , أو تضيقُ نظرتُكَ فتعتقدُ بصلاحِ جماعتكَ فقط , وتُكفّرُ بقية الجماعات , فهذا من ضيق الأفق , ومن أمراض المسلمين الوبيلة , وهذا الذي فرّقهم وشرذمهم وفتتهم , وجعلهم ضِعافاً في العالم .
ام هُمام
09-23-2025, 05:38 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا
امانى يسرى محمد
09-24-2025, 04:49 PM
من نواقض الإسلام :
1-الشرك والكفر :
الشرك من نواقض الإسلام، والكفر من نواقض الإسلام, والكفر أنواع: كفر الجحود، وكفر الشك، وكفر الإعراض، وكفر الاستكبار، وكفر التكذيب.
2-الردة :
ومن نواقض الإسلام الردة تعريف المرتد: هو من ترك دين الإسلام، وهو عاقل مختار غير مكره إلى دين آخر، أو إلى غير دين كالإلحاد.
، قال الله عز وجل:
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 217
﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ ﴾
أحياناً يرتد الإنسان عن الدين دون أن يُعْلِن ذلك، فالدين لا يعجبه، ولا أهل الدين، ولا منهج الدين، ولا سُنَّة النبي الكريم، ولا العبادات، كلها تتناقض مع هذا العصر، ولا يعجبه أن يصلي خمس صلوات في اليوم أو أن يصوم، فالإنسان له طاقة، وبالصيام تضعف طاقته، فلم يعد منتجاً بالصيام، فالذي لا تعجبه العبادات، ولا العقائد، ولا التوحيد، ولا منهج النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا مرتد عن دينه دون أن يشعر.
أعمال يحبطها الله عز وجل :
قال تعالى:﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾
حبطت أعمالهم أي أهلكتهم، وهناك بالطبع معانٍ أخرى لإحباط العمل،
فالله قال:﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾[ سورة الفرقان: 23]
أعمال كالجبال، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، إذاً أعمال تمثيليّة( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ أخوانكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))[ ابن ماجه عَنْ ثَوْبَانَ]
أحياناً يكون الإنسان ذكياً جداً، فيعمل عملاً طيباً مقبولاً عند الناس، والناس يثنون عليه، أما هو فليس كذلك،
فربنا عز وجل يحبط عمله، فالإحباط قد يكون العمل طيباً ولكن وراءه نفاق أو نية خبيثة، فهذه النية الخبيثة وهذا النفاق يحبطه.
إما أن يكون العمل مخالفاً للشرع بالأساس، أو أن يكون وفق الشرع ولكن نيته ليست سليمة، كلا العملين يحبطه الله عز وجل، لذلك:
﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
إحباط العمل :
سأل النبي الكريم ( أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ؟ قالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))[ مسلم عن أبي هريرة ]هذا هو إحباط العمل..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
بالمقابل:﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾الإيمان الصحيح..﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾بالمعنيين المعنى التاريخي: ترك مكة إلى المدينة، والمعنى الآخر: هجر المنكر..
﴿ وَجَاهَدُوا ﴾بذلوا الجهد في سبيل الله..
﴿ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾218
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾
أي تحرك، ليس في الإسلام إيمان سكوني، لا بد من أن تتحرك، لا بد من أن يترجم إيمانك إلى عمل، لا بد من أن تعطي لله وأن تمنع لله، وأن ترضى لله، وأن تغضب لله، وأن تصل لله، وأن تقطع لله، الهجرة بمفهومها الواسع تعني الحركة، ما إن يستقر الإيمان في قلب المؤمن إلا ويعبر نحو ذاته بحركة نحو الخلق، فالذين أمنوا هاجروا في سبيل الله.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
آمنوا أي الإيمان الذي يريده الله عز وجل، وآمنوا الإيمان الذي ينجيهم، وآمنوا الإيمان الذي يحملهم على طاعة الله عز وجل، فليس كل إيمان عند الله إيماناً، وليس كل إسلام عند الله إسلاماً.
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾[ سورة الحجرات: 14 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ﴾[سورة النساء: 136 ]
معنى ذلك أن إيمانهم ليس مقبولاً عند الله عز وجل، فالله جلّ جلاله إذا قال: "آمنوا" القصد من هذا الكلام الإيمان الذي بني على بحث ودرس وتأمل، والإيمان الذي تستكمل فيه أركان الإيمان من إيمان بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وإيمان بأنبيائه ورسله، وإيمان بكتبه، وإيمان بالملائكة، وإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، بمجمل هذا الإيمان ينبغي أن تطيع الله عز وجل.
إن الله يثني على المؤمنين:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[سورة العصر الآية: 3]
ولكن الإيمان درجات، هناك إيمان لا يجدي، وهناك إيمان مُنْجٍ، وهناك إيمان مُسعد
تصور أن دائرة كبيرة جداً هي دائرة أهل الإيمان، فكل من آمن أن لهذا الكون إلهاً موجوداً، وواحداً, وكاملاً, فهو في هذه الدائرة، لكن إن لم يستقم على أمره, فلا ينفعه إيمانه، كإيمان إبليس تماماً:
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾[سورة صاد الآية: 81]
آمن بالله رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن به خالقاً، قال: خلقتنى
وآمن يوم الآخر:﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[سورة الأعراف الآية: 14]
ما دام إبليس لم يطع الله عز وجل، واستنكف عن طاعته، فإيمانه لا يجدي
إذاً: مَا كلُّ من قال: الله خالق الأكوان ينجيه إيمانه، في هذه الدائرة الكبيرة دائرة صغيرة، هذا الذي آمن وعمل بإيمانه، آمن وعمل بمقتضيات إيمانه، آمن وحمله إيمانه على طاعة الله، هذا في الدائرة الثانية، وفي مركز الدائرة أنبياء الله عز وجل المعصومون، فإما أن يكون الإنسان خارج الدائرة، وهو الكافر والملحد، وإما أن يكون في دائرة الإيمان، لكن إيمانه لا ينجيه، وإما أن يكون في الدائرة الثانية، أي إيمانه ينجيه، وفي وسط هذه الدائرة الكبيرة مركز فيها أنبياء الله ورسله الذين هم قمم البشر، والقدوة للبشر، والذين عصمهم الله عز وجل، وأمرنا أن نأخذ عنهم .
من أيّ مادة في اللغة تشتق كلمة الإيمان؟ :
1-من الأمن :
أيها الأخوة، من أيّ مادة في اللغة تشتق كلمة الإيمان؟
من أمن، اطمأن، يعني ليس من طريق إلى أن تكون آمناً, مطمئناً, متوازناً, راضياً, متفائلاً, إلا أن تكون موصولاً بالله عز وجل، ذاكراً له،
لقول الله عز وجل:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[سورة الرعد الآية: 28]
مستحيل، وألف ألف أَلف مستحيل أن تسعد وأنت معرض عن الله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[سورة طه الآية: 124]
تشتق كلمة الإيمان من الأمن، والأمن أكبر نعمة تسبغ على الإنسان، والدليل هذه الآية:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[سورة الأنعام الآية: 81-82]
2-من التصديق :
تشتق كلمة الإيمان من التصديق، بمعنى:
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾[سورة يوسف الآية: 17]
أيْ: وما أنت بمصدق لنا، فإما أن نفهم الإيمان على أنه أمن, وراحة، وتوازن واستقرار، وسعادة, وسلامة، أو أن نفهم الإيمان على أنه تصديق لما جاء به الأنبياء والرسل.
المفهوم الشرعي للإيمان :
أيها الأخوة، أما المفهوم الشرعي للإيمان: فهو اعتقاد وإقرار وعمل، تعتقد أن لهذا الكون خالقاً ومربياً ومسيراً، وأنه موجود وكامل وواحد، وأن أسماءه حسنى وصفاته فضلى، وأنه خلق الإنسان ليسعده، وأن الدنيا دار فيها يتأهل الإنسان لجنة خلقه الله من أجلها، وأنه أرسل الأنبياء والرسل، وأنزل الكتب، وأنه خلق الملائكة، وأن كل شيء بفعله وقضائه وقدره ، هذا هو الإيمان .
فالإيمان اعتقاد، والإيمان اعتراف باللسان، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول، والإيمان سلوك، وأداء العبادات، وضبط الجوارح، وضبط الأعضاء، وضبط الدخل، وضبط الإنفاق، وضبط البيت، اعتقاد وإقرار وسلوك، لأن الكفر اعتقاد فاسد، وسلوك منحرف، هناك كفر اعتقادي، وهناك كفر كلامي، وهناك كفر سلوكي .
﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾
هاجروا بالمعنى الواسع والمعنى الضيق، فبالمعنى الواسع هجر المنكر، وهجر كل معصية، وهجر كل شبهة، وبالمعنى الضيق ترك بلداً منع فيه من إقامة شعائر الدين وهاجر إلى بلد أتيح له أن يعبد الله فيه.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
أي بذلوا الجهد، فنحن في دار عمل، وفي دار ابتلاء، فالتكليف طبيعته ذو كلفة، وهناك شهوات أودعت في الإنسان وهناك منهج الله عز وجل يقنن لك هذه الشهوات، يقننها بقنوات نظيفة، فأن تحمل نفسك على طاعة الله وعلى أن تقنن هذه الشهوات في أقنية نظيفة طاهرة تفضي بك إلى الآخرة، وإلى دار السلام فهذا هو الجهاد، ولذلك فالجهاد ثلاث مراتب؛ أولاها: أن تجاهد نفسك وهواك لأن المهزوم أمام نفسه لا يمكن أن يفعل شيئاً مع غيره، والجهاد الثاني: الجهاد الدعوي، أن تتعلم القرآن وأن تعلمه، وقد يتاح للإنسان الجهاد القتالي. والأصل أن تحمل نفسك على طاعة الله عز وجل وأن تجاهد نفسك وهواك.
https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/03.jpg&key=7a127821c3886843a7914df53959f95a5c747451774032 5a29392407b864de4b (http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/03.jpg)
سعة رحمة الله بعباده
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
الإنسان المؤمن يرجو ويخاف، فلو بنيت علاقته مع الله على الرجاء دون الخوف اختلت هذه العلاقة، ولو بنيت علاقته مع الله على الخوف دون الرجاء لاختلت هذه العلاقة، فالأنبياء والمرسلون والمؤمنون الصادقون يعبدون الله خوفاً وطمعاً ورغبة ورهبة، فهذا الوضع المتوازن يعني ترجو رحمته وتخاف عذابه، ترجو رحمته بحيث لا تطمع فيها فتقع في معصية، وتخشى عذابه بحيث تحملك هذه الخشية على طاعته دون أن تيأس من رحمته. فهي قضية فيها توازن دقيق، ترجوه دون أن تطمع في رحمته طمعاً يحملك على معصية الله، وتخافه خوفاً دون أن يحملك على اليأس من رحمة الله، فالخوف طبيعي ما لم يحملك على اليأس، والرحمة طبيعية ما لم تحملك على معصية، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إنهم يعبدون الله رغباً ورهباً، فهؤلاء الذين آمنوا الإيمان الحقيقي وهاجروا تركوا المنكر، وجاهدوا في سبيل الله، وبذلوا الجهد ليصلوا إلى مرضاة الله عز وجل وهؤلاء في الأساس يرجون رحمة الله، ولذلك دعا النبي عليه الصلاة والسلام فقال:((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا))[ مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]
أنت لو عملت عملاً صالحاً يجب أن تبقى قلقاً لعل في هذا العمل نية لا ترضي الله، ولعل في هذا العمل حظاً من حظوظ الدنيا، استعذ بالله من عمل لا يرفع، ولذلك فقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الجنة التي هي فضل الله عز وجل لا يكفيها العمل بل لا بد من رحمة الله، هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾
إلا أن يتغمدني الله برحمته. فالجنة محض فضل تحتاج إلى رحمة الله، إن كل عملك في الدنيا لا يكفي ثمناً للجنة، ولكنه قد يكون سبباً لدخول الجنة، وفرق كبير بين أن يكون العمل سبباً، وبين أن يكون العمل ثمناً، كل عملك الصالح لا يكفي ليكون ثمن الجنة. إلا أن يتغمدني الله برحمته. والجنة محض فضل، والنار محض عدل.
كل ما عند الله من خير متمثل في رحمته :
أيها الأخوة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾
ما هي رحمة الله؟
الله عز وجل يقول:﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾[ سورة الزخرف: 32 ]
أي شخص يملك أعمالاً تجارية تدر عليه ألوف الملايين
وإنسان يملك شارعاً بأكمله بكل أبنيته في أروج عواصم العالم،
وإنسان يملك شركة متعددة الجهات والفروع ولها حجم مالي خيالي،
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
إن رحمة الله عز وجل مطلق عطائه من معانيها السلامة سلامة الصحة، وسلامة القلب، وسلامة النفس، ومن معانيها أن يحبك الناس، وأن تكون آمناً مطمئناً، وأن تصل نعم الدنيا بنعم الآخرة، وأن تنتهي بك دنياك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ورحمة الله أثمن شيء يملكه الإنسان.
إن كل عطاء الله، وكل علم الله، وكل رحمة الله، وكل عدل الله، وكل قوة الله، وكل ما عند الله من خير متمثل في رحمته.
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾[ سورة فاطر: 2 ]
إذا حجبت عنك رحمة الله وجاءتك الدنيا بحذافيرها فأنت أشقى الأشقياء، ولو حجبت عنك الدنيا كلها ومنحت رحمة الله فأنت أسعد السعداء، ورحمة الله أنك مع الله. إنك تستفيد من علم الله، ومن قدرة الله، ومن فضل الله، ومن غنى الله، وكل ما عند الله بين يديك إذا كنت موصولاً به، وكل ما عند الله محجوب عنك إذا كنت مقطوعاً عنه، إذاً رحمة الله مطلق عطاء الله عز وجل.
الصحابة الكرام عاشوا حياة خشنة لكنهم كانوا مغموسين برحمة الله، بينما أناس كثر في أعلى درجات الغنى والقوة حجبت عنهم رحمة الله فهم في أشقى حال
أسباب رحمة الله :
1 ـ طاعة الله وطاعة ورسوله :
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾[ سورة آل عمران ]
2ـ تلاوة القرآن :
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾[ سورة الأعراف ]
رحمة الله تأتيك من تلاوة القرآن، لذلك قال بعض العلماء: إذا قرأت القرآن فلم تشعر بشيء، وصليت فلم تشعر بشيء، وذكرت الله فلم تشعر بشيء، فاعلم أنه لا قلب لك، ابحث عن قلبٍ ذاكر، عن قلبٍ موصولٍ بالله عز وجل.
3 ـ الإحسان :
الآن: الطاعة طريقٌ لرحمة الله، تلاوة القرآن طريقٌ آخر لرحمة الله، هناك طريق ثالث.
﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾[ سورة الأعراف ]
بالطاعة يرحمك الله، وبتلاوة القرآن يرحمك الله، وبالإحسان يرحمك الله.
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
09-24-2025, 04:51 PM
تدرج القرآن الكريم في تحريم الخمر
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }.. [البقرة : 219].
إنك إن عرفت الله عز وجل فالشيء الأول بعد هذه المعرفة كيف أتقرب منه؟ وكيف أتصل به؟ وكيف أنتفع برحمته؟ وأنال من عطائه؟ وأسعد بقربه؟
فلذلك "يسألونك"، ومعنى ذلك الذي لا يعرف الله لا يسأل أبداً، لم السؤال؟ كله عنده سواء، أما الذي يسأل فهو الذي يعرف الله، وهل هذا يرضي الله؟ وهل هذا العمل يحجبني عن الله؟
وهل هذا العمل يسخط الله علي؟
"يسألونك"، مادام هناك سؤال فهناك اهتمام وهناك معرفة.
هناك تشدد مذهل في شؤون العقيدة أما في شؤون التشريع فهناك تدرج :
هناك تشدد مذهل في شؤون العقيدة والتوحيد والرسالة، أما في شؤون التشريع فهناك تدرج، وليس معنى التدرج أنه نقيض التشدد لا ولكن مادام الناس قد ألفوا شيئاً فلا بد أن نأخذ بيدهم برفق إلى الصواب، وهذا ماذا يعلمنا؟ لو أنك التقيت مع إنسان يجهل كل شيء عن الدين ورأيت في بيته مئات المعاصي فينبغي لك أن تبدأ بعقيدته، وأن تتعامى عن هذه المعاصي إلى حين، ثم تأخذ بيده مرحلةً مرحلة، ودرجة درجة، وخطوة خطوة، كي تخلصه من كل هذه المعاصي والآثام، أما لو قلت له في بيتك مئة شيء محرم فيجب أن تقلع عنها فوراً، فهناك على سبيل الطرفة أناس في بعض البلاد الإسلامية أسلم على أيديهم عدد كبير من وثنيي آسيا، أول خطوة أمروهم بها أن يختتنوا، فلم يقبلوا، فجعلوا الختان شرطاً لازماً لقبول إسلامهم، والاختتان لا بد منه، لكن تمهل قليلاً، بدؤوا بالختان فرفض الإسلام.
لا مهادنة في أمور العقيدة، ولا يوجد حل وسط، ولا تساهل، ولا مساومة، ولا قبول، أما في أمور التشريع فهناك تدرج، والتدرج لا يتناقض مع التشدد، فالتشدد يقابله التساهل أما التدرج فشيء آخر، وهذه نقطة مهمة جداً.
في الآية التالية أول إشارة في القرآن الكريم إلى أن الخمر مادة ضارة :
قال الله عز وجل:
﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾
قد أقول هذه مادة غذائية أمامك، وهذه مادة غذائية نافعة، فعندما وصفت المادة الثانية بأنها نافعة فهم أن المادة الأولى ليست نافعة، يعني هذه المادة الغذائية فيها فساد.
هذه أول إشارة في كتاب الله إلى الخمر،ولكن سمح لهم، ثم كان بعض أصحاب رسول الله يصلي وكان في سكر، فنزل قوله تعالى:
﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
المرحلة الثانية، ولكن متى يشرب؟
ينبغي له أن يصلي الفجر بوقته ويذهب إلى عمله، وينبغي له أن يصلي الظهر وبعدها العصر وبعدها المغرب وبعدها العشاء فما بقي إلا أن يشرب كأساً في منتصف الليل ضاق الوقت.
فتدرج القرآن الكريم في تحريم الخمر
الآن:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ ﴾
الخمر هو الستر، والخمار هو الحجاب، وخامره خالطه، فالخمر مأخوذة من الستر، والعقل يغيب بالخمر،
لماذا حرمت الخمر؟
لأن أشرف شيء منحك الله إياه هو العقل، وهذا الخمر يغيب عنك عقلك،
بلاءٌ عظيم إبتُلي به شباب وفتيات المسلمين اليوم ،
وأصبحوا يتباهون بشربه وتصوير أنفسهم مع زجاجات الخمر ومشاركة صورهم على مواقع التواصل الإجتماعي دون أدنى ذرة حياء أو خوف من الله أو من الناس !
قال رسول الله ﷺ :
" كل أمتي معافًى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً ، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول : يا فلان ، قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه "
~ أخرجه البخاري ~
قال الله تعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون* إنما يريد الشيطانُ أن يُوقِعَ بينكم العداوةَ والبغضاءَ في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم مُنتَهونَ}
- لعن الله السارق وحده ، ولعن في الرشوة إثنين ، ولعن في الربا أربعة ، ولعن الله القاتل وحده
أما الخمر فلعن الله فيه عشــرة ؟!
عن إبن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :
" أتاني جبريل فقال : يا محمد إن الله لعن الخمر ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وشاربها، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وبائعها ، ومبتاعها ، وساقيها ، ومسقيها ".
واللعن من الله : هو الإبعاد .. وأكبر عقاب يُعاقب به الإنسان أن يُطرد من رحمته تعالى ..
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :
" ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر "
وقال رسول الله ﷺ :
" كل مسكر خمر، وكل خمر حرام "
وقال رسول الله ﷺ :
" ما أسكر كثيره ، فقليله حرام "
وقال رسول الله ﷺ :
" لا يشرب الخمر رجل من أمتي ، فيقبل الله منه صلاةً أربعين يوماً "
وقال رسول الله ﷺ :
" لا تشربوا الخمر فإنها مفتاح كل شر "
وهذا الخمر الذي يتهافت عليها الناس ، الذين لا يعرفون الله عز وجل ، تشكل خطراً كبيراً على صحة الإنسان .
١- تصدع الشرايين وتمزقها .
٢- تصيب الإنسان بقصور في قلبه .
٣- بذبحة في صدره .
٤- بتشمع في كبده .
٥- بالتهاب غشاء معدته .
٦-بصداع .
٧- بالتهاب أعصابه .
٨- بفقدان ذاكرته .
٩- بضعف عقله .
١٠- بتشتت فكره .
١١- بتغيير في تركيب دمه .
١٢- بضعف مقاومته للأمراض .
١٣- بفقدان رجولته .
١٤- بقرحة معدته .
١٥- بالتهاب كليتيه .
١٦- بتقرح القولون .
١٧- بالتشنج العصبي .
هذا ما جاء في بعض كتب الطب عن آثار الخمرة على الجسم ..
فماذا قال الله عز وجل :
{ يُحلُّ لهمُ الطيباتِ ويحرِّمُ عليهمُ الخبائثَ }
معنى ذلك أن الله ما حرم هذا إلا لخبثه في الجسم وفي النفس ، ويجب أن نعتقد أن الفوز كل الفوز ، وأن الفلاح كل الفلاح ، وأن التوفيق كل التوفيق ، وأن الذكاء كل الذكاء ، وأن العقل كل العقل في طاعة الله ، وأن الدمار والهلاك في معصية الله .
فقد يعطيك الله المال كما تشاء، ويعطيك القوَّة كما يشاء، والجمال والذكاء والشأن ، ولكن إذا غضب عليك وطردك من رحمته ، فماذا وجدت ؟!
والله .. لم تجد شيئاً
قال الله تعالى :
( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ )
هل أنتم منتهون ؟
ألا يكفي ؟
أما آن أن تتوب ؟
أما تستحي من الله ويكفيك ما جرى ؟
معنى ﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾
المعاصي الخطيرة يجب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان :
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾[سورة المائدة: 90]
أما كلمة فاجتنبوه فهي أشد أنواع التحريم على الإطلاق، ولو أن الله عز وجل قال: حرمت عليكم الخمرة مثلاً يجوز أن تبيعها وحِرم عليك شربها، فيجوز أن تبيعها، وأن تتاجر بها، وأن تنشئ معصرةً لعصرها، وأن تروج لها، وأن تعلن عنها، أما حينما قال الله عز وجل:
﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾
أي يجب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان كبير، فكلمة "فاجتنبوه" دقيقة، فوزير الكهرباء إن نصب أعمدةً لتيار عالي التوتر يضع لوحات فيقول: توتر عالٍ ولا يقول: ممنوع اللمس، بل يقول: ممنوع الاقتراب لأن التوتر العالي له مساحة، والإنسان إذا دخل هذه الساحة يجذبه التيار وسيحرقه فوراً. فالبلاغ الحكيم لا أن تقول ممنوع مس التيار ولكن ممنوع الاقتراب من التيار لشدة خطره، فإذاً المعاصي الخطيرة يجب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان، قال:﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾[ سورة الإسراء: 32 ]
والزنا معصية خطيرة، لها مقدمات ولها منطقة محرمة فإذا اقتربت من هذه المنطقة المحرمة وقعت بالزنا دون أن تدري. فالشريف هو الذي يهرب من أسباب المعصية لا من المعصية بذاتها. إذاً هناك آية كريمة:
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾[سورة البقرة: 187]
فيجب أن تبقي بينك وبين حدود الله هامش أمان.
شارب الخمر يفتح القرآن فيقرأ قول الله عز وجل:
﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ (90)﴾
( سورة المائدة ).
يقول: الله ما حرمه، بل قال:
﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾
هذا أمر إرشادي، هات آية الخمر فيها حرام ؟
صار الإنسان فقيها، لأنه قال:
﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾
ارتاح، إذاً: الخمر ليس حراما.
إنّ أيّ إنسان ينحرف يأكل الربا، ويقول: الله ما حرم الربا إلا بأضعاف مضاعفة، الدليل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً (130) ﴾
﴿ فَاجْتَنِبُوهُ (90) ﴾ .( سورة المائدة )
اجتنبوه تعني أشد أنواع التحريم ، اجتنبوه ، أي أن هذه المعصية لها قوة جذب ، فلا بدَّ من أن تدع بينك وبينها هامش أمان ، كيف أن النهر العميق المخيف الذي ينذر من وقع فيه بالموت ، لهذا النهر شاطئ مائل عليه حشيش مُبْتَل ، وله شاطئ جاف مستوٍ ، المشي على الشاطئ المائل المبتل الزَلِق فيه مخاطرة كبيرة جداً ، ممنوع أن تمشي على هذا الشاطئ المائل الزلق لئلا تقع في النهر ، ينبغي أن تمشي على الشاطئ الجاف المستوي ، هذه قاعدة .
شرب الخمر يضيع العقل الذي هو ضمان سلامة الإنسان :
ما علاقة هذا الكلام بقوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾
العلاقة والمناسبة أن العقل هو مناط التكليف، وأن العقل هو الذي يحكم تصرفات الإنسان، وأن العقل هو الذي يضمن سلامته، فإذا شرب الخمر ضيع الأداة التي هي ضمان لسلامته.
حدثني أحد الأصدقاء أن إنساناً له مكانة كبيرة، بعد أن شرب تكلم كلاماً لا يصدر من طفل، فضح نفسه، وتحدث عن أسراره في ساعة الغيبوبة. فهذا الشراب الذي يذهب العقل، ويغيّبه عن الوعي محرم أشد التحريم، لأنه الأداة التي يمكن أن تكون ضمانة لسلامتك وسعادتك عطلتها، وتعلمون أن مقاصد الشريعة الحفاظ على الدين، والحفاظ على الحياة، والحفاظ على العرض، والحفاظ على العقل، والحفاظ على المال، ولكل مقصد كبير من مقاصد الشريعة حد ردعي إذا تجاوزه الإنسان، فحد الارتداد معروف، وحد القتل معروف، القتل يعاقب القاتل بالقتل، وحد شرب الخمر معروف، وحد انتهاك العرض معروف، وحد السرقة معروف، هذه المقاصد الخمس للشريعة، وكل مقصد من مقاصدها له حد رادع، إذاً العقل الذي هو مناط التكليف، والعقل الذي يمكن أن يتعرف إلى الله، والعقل الذي يريك الحق حقاً والباطل باطلاً، والخير خيراً والشر شراً، العقل الذي زودك الله به هو الميزان، قال تعالى:﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴾[سورة الرحمن: 7-8]
فالذي يعطل هذا الميزان، الذي يلغي عمل هذا الميزان، الذي يغيب هذا الميزان عن أن يكون حكماً في تصرفاته، هو الخمر، فلذلك الخمرة في الإسلام محرمة أشد التحريم
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ ﴾
والمُطْلَق في القرآن يجري على إطلاقه " إصلاحٌ لهم "، إصلاحٌ لهم في حاجاتهم، أمِّنوا لليتيم حاجاته، أمِّن له طعامه وشرابه، ومسكنه ومأواه، ووسائل صحته، ووسائل تعليمه، ومالاً يعيش من رَيْعِه.
﴿ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾
فعلاقتك مع اليتيم ليست علاقة تجارةٍ، وليست علاقة ابتزاز، ولا علاقة أخذٍ، ولا نفعٍ، بل هي علاقة إصلاحٍ له فقط..
يجب أن تربيه وأن تقوِّم اعوجاجه، وأن تصلح أخلاقه، وأن تهتم بصحته، وبطعامه، وشرابه، وبأخلاقه، وبجسمه، ومستقبله، ودخله..
الفرق بين الخلط والمزج :
لو أن الله منعنا أن نُخالطهم لكان في هذا عنتٌ كبير،
قال تعالى:
﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإخوانكُمْ ﴾
أي لك أن تخلط ماله بمالك، ولكن الخلط شيء والمزجَ شيءٌ آخر، ولأضرب على ذلك مثلاً: إذ يمكن أن تخلط الحمّص مع العَدَس، وفي أي وقتٍ تشاء تفصلهما عن بعضهما، أما إذا خلطت الماء المُحَلَّى بالسكر مع الماء الذي يشوبه الحَمْض فمستحيل أن تفرق بينهما بعد حين فالعلماء فرقوا بين الخلط وبين المزج، المزج للسوائل والخلط للأجسام الصلبة.
﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ﴾
فيمكن أن تستثمر مال اليتيم عندك، وأن تدخل ماله في تجارتك، وأن تجعله شريكاً في الجرد، معه مئة ألف أدخلتها في رأس المال، ولكن العلماء قالوا: لك أن تخلط ماله بمالك، ولكن يجب أن تعامله بالإحسان، إن كنت غنياً ينبغي أن تستعف، أي إن أردت أن تستثمر له مئة ألفٍ يجب أن تعطيه ربحها كاملاً إن كنت غنياً، فينبغي لك أن تستعف عن أكل ماله، وإن كنت فقيراً فيجب أن تأكل بالمعروف
(وحددوا المعروف بأن يأخذ أجر مثله في العمل الذي يقوم به وكلمة المعروف تعني الأمر المتداول عند الناس، أو أن يأخذ على قدر حاجته (الشعراوى))
ومعنى قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾[ سورة النساء: 6 ]
هناك ضوابط، فلو أن له مالاً وأردت أن تستثمره له بصفقةٍ من بضاعةٍ أنت تديرها، فهل لك أن تشتري له من نفسك؟
العلماء قالوا: يجوز، ولكن بأفضل سعر في السوق لصالحه.
﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾
فالعلاقة مع الله سهلة جداً، والله مطلع إلى قلبك، وعملك، وحركتك في الحياة، فيعلم ما إذا كنت مصلحاً لماله أو مفسداً له .يعلم ما إذا كنت قد جعلت من مال اليتيم تجربةً واختباراً للسوق، أو أنك وضعت مال اليتيم في أفضل صفقةٍ مضمونة النتائج.
﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإخوانكُمْ ﴾
لك أن تسكنه معك، ولك أن تقتطع من ماله جزءاً لمصروف البيت، صار هناك اختلاط، ولكن دائماً للحد الأدنى، ودائماً لصالح اليتيم، فقد يأكل في الشهر بألفي ليرة، فتقتطع من ماله ألف ليرة فقط، أي الحد الأدنى، والحد الأسلم والأحوط،
﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا ﴾[ سورة النساء:5 ]
أي ارزقوهم لا من أصل المال بل من ريع المال.
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
09-29-2025, 05:05 AM
حسن اختيار شريك الحياة
{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.. [البقرة : 221].
إن بحثت عن مؤمنٍ ضمنت لابنتك سعادة الدنيا والآخرة:
تروى قصة عن سعيد بن المسيب، رحمه الله تعالى، وكان من كبار التابعين، وكانت عنده فتاة يندر مثيلها؛ علماً، وفقهاً، وجمالاً، خطبها الوليد بن عبد الملك لابنه، فامتنع، وعنده تلميذٌ في المسجد فقير جداً، توفيت زوجته، فتفقَّده، فعلم أنه قد فقد زوجته، قال له: ألا أزوجك ابنتي؟ قال له: أتمنى، قال له: ماذا عندك؟ قال: درهمان، والقصة ممتعة وطريفة ونادرة، ويبدو أنه زوجه إياها، وصار هناك إيجاب وقبول ومهر على درهمين، وفي المساء طُرِق باب هذا الفقير، فقال: مَن؟ قال: سعيد، فقال هذا التلميذ: تصورت كل مَن أعرفه اسمه سعيد لعله جاءني في هذا الوقت، إلا واحداً استبعد أن يكون هو الطارق، إنه سعيد بن المسيب، لأنه كان قاضياً، أمضى بين بيته ومجلس قضائه أربعين عاماً ما خرج عن هذا الخط، مِن بيته إلى مجلس القضاء، فلما فتح الباب رأى سعيد بن المسيِّب، دفع له ابنته، وكان العقد قد تم صباحاً، قال له: كرهت أن تنام الليلة وحدك، خذها، هذه التي خطبها الوليد بن عبد الملك لابنه فأبى، فلما سئل قال: ضمنت لها الجنة بهذا الزوج.
قد يزوج إنسان ابنته لشخص غني، فاسق، فيقول لها: انزعي الحجاب، واسهري معي، ويأتي أصدقاؤه والسهرة مختلطة، وقد يشربون، وقد يرقصون، ومعنى ذلك أنه أدخلها النار، أما إن زوجت ابنتك للمؤمن ففي الأعم الأغلب ضمنت لها الجنة، وأنا لا أقول لك هكذا أن زوج ابنتك لإنسان مُعْدَم، ما قصدي هذا من هذه القصة، ولكن حينما تبحث عن مؤمن فإنك تبحث عن الموقف الصحيح، وإنك إن بحثت عن مؤمنٍ ضمنت لابنتك سعادة الدنيا والآخرة، وإن بحثت عن المال فربما شَقِيَت بهذا المال.
﴿ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾
فالأثرياء من المشركين يدعون إلى النار، وهناك تفلُّت، ونمط حياتهم نمط غير شرعي، وهناك اختلاط، وكم من أسرةٍ اختلطت بأسرةٍ أخرى فانتهت إلى الطلاق، وهناك كسب مال حرام، وانحرافات خطيرة جداً، وهذه كلها تعود بالشقاء على الزوجين ولو بقيا مع بعضهما طوال الحياة، ولكن قد تنتهي بهما الدنيا إلى النار، يدعون إلى النار.
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ ﴾
فالعبد المؤمن هو عبدٌ آمن بالله، ومصيره الجنة، ومَن معه من زوجته وأولاده في الأعم الأغلب مصيرهم إلى الجنة، لأنه حملهم على طاعة الله، فإن أردت لابنتك مصيراً ينتهي بها إلى الجنة فابحث عن المؤمن، إن أحبها أكرمها، وإن لم يحبها لم يظلمها.
الآيات التالية تبين أن أخطر حدث بحياة الإنسان زواجه :
قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾
أجمل شيء في الإيمان إذا كان هناك ماضِ سيِّئ فهناك مغفرة، وبعده الجنة، والله يدعو إلى الجنة، وإذا كانت هناك جاهلية فالمغفرة بإذنه..
﴿ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
أيها الأخوة... تبيِّن هذه الآيات أن أخطر حدث بحياة الإنسان زواجه، فالبيت قد يغيره، وقد يغير حرفته، أما زواجه فمن الصعب جداً أن يغيره لأنه قرار مصيري، فإذا كانت هذه الزوجة مؤمنةً، سعدت بها وسعد أولادك بها، ولذلك فأول واجبات الأب تجاه أولاده قبل أن يتزوَّج أن يحسن اختيار أمِّهم، وأول واجب على الأب تجاه أولاده قبل أن ينجبهم أن يحسن اختيار أمهم، فإن اختارها من بيت علمٍ، وبيت أدبٍ، وبيتٍ عريق، واختارها مؤمنةً، صالحةً، مستقيمة، عفيفة، سعد بها في الدنيا وكانت سبب سعادته في الآخرة، وإن اختارها بارعةً دون أن تكون فاضلةً قد يتمتَّع بجمالها إلى حين، ثم يشقى بها وينتهي إلى أسفل سافلين،
﴿ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
قضية الزواج قضية خطيرة ومصيرية، فقبل أن تختار زوجة عُد للمليون، وابحث عن دينها، وعن علمها، وأدبها، وأهلها، وتربيتها، وخصائصها، لأنها أم أولادك، وسوف تقطف ثماراً يانعةً إن كانت صالحة، وسوف تدفع ثمناً باهظاً إن كانت سيئة.
امانى يسرى محمد
09-29-2025, 05:06 AM
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
قال تعالى:
﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
إلا أن اليهود تطرَّفوا، فإذا حاضت المرأة لا يؤاكلونها، ولا يقتربون منها، ويعزلونها عن حياتهم وكأنها شيءٌ قذر، ولكن الإسلام دينٌ وسطيّ، بين أهل الغرب الذين يفعلون كل ما يريدون في أثناء الحيض، وكأنها ليست حائضاً، وبين اليهود الذين نبذوها، وأبعدوها، ولم يؤاكلوها، ولم يعاشروها، فالإسلام وسطٌ بين هؤلاء وأولئك، والمسلم يعيش مع زوجته، ويأكل من طبخها، ويعاملها أطيب معاملة، ولكنه لا يقربها في مدَّة الحيض. أما المحيض فتعني دم الحيض، وتعني أيام الحيض، وتعني مكان الحيض..
﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
هذا كلام خالق الكون، أمراضٌ كثيرة أيها الأخوة يعاني منها العالم الغربي، فسرطان عُنُق الرحم قليلٌ جداً في العالم الإسلامي، إلى درجة أنه منعدم، وأحد أسبابه أن يقرب الإنسان امرأته في أيام الحيض، مرض انقلاب الرحم، وهو مرضٌ لا تعاني منه المرأة المسلمة، لأن علاج هذا المرض حركاتٌ كحركات الصلاة، أمراضٌ كثيرة نحن في منجاةٍ منها بحكم ديننا وشريعتنا وطاعتنا لربنا..
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ ﴾
الرجل له ما فوق السرة، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث:
(( زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ شَأْنَكَ بِأَعْلَاهَا ))[مالك عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ]
فالمرأة وهي حائض تنام مع زوجها، وشأنه بأعلاها، ويؤاكلها، ويعاشرها دون أن يقترب من مكان الحيض.
الجماع لا يكون إلا في صمام واحد :
قال تعالى:
﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾
إذا تطهرن أي اغتسلن، ويطهرن ينقطع الدم.
فأتوهن كنايةٌ لطيفة عن الجماع..
﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه ﴾
أي في صمام واحد في القُبُل..
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
حينما نهى سيدنا لوط قومَه عن مقاربة الفاحشة الشاذة، قالوا: إنهم أناسٌ يتطهرون، فقال بعض العلماء:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
الذين يفعلون ما أراد الله جل جلاله..
﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
الذين لا يفعلون فعل قوم لوط في زوجاتهم..
﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾
ما معنى كلمة " حرث " الحرث: مكان الزراعة، ومكان النبات، وهل في المرأة إلا مكانٌ واحد يخرج منه الولد؟**
فكلمة:﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾مع وجود أحاديث كثيرة جداً تنهى نهياً قطعياً عن الصمّام الآخر..
﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾
﴿ أنَّى ﴾
تفيد المكان والزمان والكيفية، فبأية كيفيةٍ، وبأي مكانٍ، وبأي زمانٍ، شريطة أن يكون في مكان الحرث، وانتهى الأمر، وهذا كلام دقيق وواضح.
﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾
هذه أحكامٌ فقهية يجدها الإنسان في كُتُب الفقه، ولا يحتاج إلى تفاصيل أكثر إلا عند الضرورة.
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ﴾
فهذا الذي يبتغي من الزواج المتعة الحسية، ولم يعبأ بإنجاب ولدٍ صالح يدعو له من بعده، أو بإنجاب ولدٍ صالحٍ يكون ذُخراً له، أو يكون استمراراً لعمله الصالح قال تعالى:﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم
﴾أي لا يكن همك من الزواج هماً حسياً، ولا استمتاعياً، فالمؤمن يقوم إلى زوجته وفي نيَته أن يرزقه الله ولداً صالحاً يدعو له من بعده، فهذه الآية لها معانٍ كثيرة، قدِّموا لأنفسكم الخير من هذا الزواج، فالإنسان حينما يتزوج يجب أن يبحث عن المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرَّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته، فهذه المرأة الصالحة سوف تكون أم أولادك، والولد الصالح أعظم كسب الرجل على الإطلاق، فإذا قدَّم لهذا الولد المُسْتَقْبَلِيّ أماً صالحةً ترعاه فقد قدَّم الخير لنفسه، قال تعالى:
﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ﴾في بعض التفاسير أن التقديم للنفس في هذه الآية معناه: أن الإنسان إذا أراد أن يلتقي مع امرأته ينبغي له أن يدعوَ " اللهم جنبني الشيطان وجنب ذريتي الشيطان "، فهذا الطفل، وهذا المولود جاء مع دعاء شريف، ومع نفسٍ طاهرةٍ مقبلة، فالله جل جلاله يجنِّب هذا الولد الشيطان. فأنا أكاد أوقن يقيناً قطعياً أنه ما من لقاءٍ سبقه دعاء كهذا الدعاء إلا كان الولد صالحاً، أما الإنسانُ فقد يُرزَق أحياناً ولداً ينسيه كل شيء مِن شدة انحرافه وعقوقه، ولعله جاء في غفلة عن هذا الدعاء.
﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ﴾
أي اجعلوا من الزواج وسيلة للعمل الصالح، فالله عز وجل له طرق كثيرة، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، ومن هذه الطُرُق أن تنجب ولداً صالحاً ينفع الناس من بعدك
زواج المؤمن متعة ورسالة :
أيها الأخوة الكرام، ليس هناك بيت لا يوجَد فيه أولاد، لكن لو علم الأب أنه إذا اعتنى بهذا الابن عناية فائقة، فربّاه تربية صالحة، أيْ اعتنى بعقله وجسمه وإيمانه وخلقه، ونشَّأه على طاعة الله، وعلى محبة رسول الله، ومحبة آل بيت رسول الله، وتلاوة القرآن، فهذا الطفل الذي جاء عن طريق الزواج هو أثمن ثمرةٍ في الزواج، وأكثر الناس يتزوجون للمتعة، يقول لك: هناك دافع جنسي، ورغبة جنسية، فهذه الرغبة محققة وأنت في أعلى مستويات القرب مع الله عز وجل، ولكن البطولة أن تنوي من هذا الزواج العمل الطيب. وهناك آيةٌ متعلقة بالجهاد يمكن أن نستفيد منها في الزواج..
﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾
[ سورة النساء: 104 ]أي شاب سعى إلى الزواج فلا بد من مشقةٍ بالغةٍ في العثورِ على بيتٍ وتأثيثِه، وتأمين نفقات الزواج، ونفقات العرس، ونفقات الحلي، وفرش البيت بالأثاث، وقد يكون الدخل محدوداً، وهناك أزمة سكن مستحكمة، والمكاسب قليلة، والمطالب كثيرة، والحياة صعبة ومعقدة، فهو يتألَّم، لكن ألم المؤمن يرافقه أنه يرجو من الله في زواجه ما لا يرجوه غير المؤمن، فزواج غير المؤمن متعةٌ فقط، بينما زواج المؤمن متعة ورسالة، فالبيت المؤمن المسلم متميز، إنّه بيت مبدأ ورسالة ومنهج وتربية، فالابن المربى في بيتٍ إسلامي ابن متفوِّق، كأن الله عز وجل يقول
﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ﴾أي قدِّم عملاً صالحاً من خلال هذا الزواج، وقدِّم عملاً طيباً، وابحث عن زوجة صالحة تعينك على تربية أولادك، وابحث من خلال لقاءك الزوجي عن هدفٍ نبيل تسمو به في الآخرة.
قال بعضهم: إن الرجل والمرأة لا ينبغي لهما أن يقعا على بعضهما كما يقع البعير بلا مقدمات، هذا فهمٌ إشاري لهذه الآية، فلا بد من مقدمات تليق بالإنسان، أما بلا مقدمات فقد صار عمله كعمل البهائم، إذاً هناك معنى مستنبط من قوله تعالى
﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ﴾
أنت إنسان فلا بد من كلمة طيبة، ولا بد من مؤانسة وابتسامة، فهذا التقديم يليق بالإنسان في اللقاء الزوجي، أو أن هذا اللقاء الزوجي ينبغي له أن يكون مناسبة لعملٍ صالح مستمر بعد موت الإنسان، وهو إنجاب ولدٍ صالح يدعو إلى الله من بعده
امانى يسرى محمد
09-29-2025, 05:07 AM
أساس كل مشكلة خروج الإنسان عن منهج الله عز وجل :
إذاً يمكن أن تكون هناك قاعدة: ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا وراءها معصية، وما من معصيةٍ إلا بسبب الجهلِ، فالجهل هو أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، وهذا الشرع أمامكم، فحاول أن تحلِّل أيَّةَ مشكلةٍ، زوجية، أو تجارية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو نفسية، أو علمية، حاول أن تحلل أيَّ مشكلة يعاني منها الإنسان، تجد هذه المشكلة لها سبب واحد هو: خروج الإنسان عن منهج الله عز وجل، وهذا القرآن الذي بين أيدينا هو منهج عظيم، وصراطٌ مستقيم، وحبل الله المتين.
منهج الله عز وجل متطابق مع الفطرة تطابقا تاماً ، فسواء أعصى الإنسان ربه في بند من بنود المنهج ، أو خرج عن مبادئ فطرته ، تعاقبه فطرته بحالة نفسية متعبة جداً ، هي الكآبة ، ولأن الناس توسعوا في الخروج عن منهج الله ، وعن مبادئ فطرتهم السامية
المرض الأول في العالم هو الكآبة ، هناك من يعالج نفسه عدة مرات من الكآبة ، بل إن بعض الأطباء النفسيين يعالجون عند زملائهم من الكآبة ، لأن الكآبة مرض العصر .
لذلك لما أُلّف كتاب في أمريكا " دع القلق وابدأ الحياة " ، من شدة القلق الذي ينتاب النفوس من بُعدهم عن ربهم ، أو بُعدهم عن مبادئ فطرتهم ، الطبعة الأولى خمسة ملايين نسخة ، وقد نفذت ، هناك قلق عام .
الإنسان مبادئ فطرته كبنود منهج ربه تماماً ، الله عز وجل أمرنا بالصدق ، فإذا كذب فيحتقر ذاته ، ويشعر بالصغار ، ويشعر بالذنب ، ويتألم ، ويكتئب
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
ماذا نفهم من هذه الآيات؟
نحن فهمنا الدين عباداتٍ شعائرية وكفى، فهمناه صوماً وصياماً وحجاً وزكاة، ولكن بنودَ الدين كثيرة جداً، هو منهج شمولي، ومنهج تفصيلي،
ففي أدق علاقتك بزوجتك الشرع له حكم، فلذلك حينما يطلب الإنسانُ العلمَ ماذا يفعل؟ يصون نفسه،
" يا بني العلم خيرٌ من المال، لأن المال يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يسمو على الإنفاق،
يا بني مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة،وأمثالهم في القلوب موجودة ".
أنت حينما تأتي إلى مجلس علمٍ تتعلم أحكام الشريعة الغراء، وبهذا توظِّف الوقت لصالحك لأنّ أيَّ خطأٍ يقع في الشأن الخاص له مضاعفات خطيرة. فالإنسانُ تقريباً أعْقدُ آلةٍ في الكون، ولهذه الآلة صانعٌ حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فإذا كان هذا القرآن بآياته التشريعية، فهي سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام بتفصيلاتها البيانية، كانت تعليمات الصانع في التشغيل والصيانة، فالإنسان انطلاقاً من حبِّه المفرِط لذاته كان عليه أن يتِّبع تعليمات الصانع فيسعد ويرقى.
أيها الأخوة، تفاصيل الحديث عن هذا الموضوع يمكن أن نتابعها في أي كتاب فقه، لأن الإنسان يحتاجها عند الزواج.
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾
اتقوا معصية الله، واتقوا سخطه وعقابه وناره..
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
هناك رادع، وهناك مشجِّع، فالمشجِّع هي الجنة، والرادع هو النار، ولنعلم علم اليقين أن الله بكل شيءٍ عليم.
امانى يسرى محمد
09-29-2025, 05:08 AM
أنواع اليمين
الأيمان التي يحلفها البائع ليروِّج سلعته هي أيمان تمحق البركة :
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
أي حينما يحلف الإنسانُ يميناً في ساعة غضب، كأنْ يُقسِم ألاَّ يزور أخته أو شقيقته، ثم يجد الخير كله في زيارتها، وفي التواصل معها، وفي العناية بها، وفي إرشادها، وفي نُصْحها، فهو بهذه اليمين منع الخير عن نفسه، فالله عز وجل يقول لنا: إن كانت هذه اليمين الذي أقسمت به سيكون مانعاً لك عن فعل الخير، فينبغي ألاَّ تكون هذه اليمين سبباً لامتناعك عن الخير، فلا بأس عليك، كَفِّر عن يمينك واصنع الخير. وهذه حقيقة، لأن القصد أنك في هذه الحياة الدنيا مخلوقٌ للعمل الصالح، فإذا أقسمت في ساعة غضب ألاَّ تعمل صالحاً، وألا تقرض إنساناً، وألا تزور أخاً، وألا تساعد صديقاً، ثم وجدت أنك بهذا اليمين حرمت من الخير كله، ماذا نفعل؟ فنقول لك: افعل الخير وكَفِّر عن يمينك، ولا تتخذ من هذه اليمين وسيلةً للكف عن هذا الخير..
﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
فينبغي للإنسانِ بشكلٍ أو بآخرَ ألاَّ يحلف، لقوله تعالى:
﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾[سورة المائدة: 89 ]
وكان بعض الأئمة الكرام، وهو الإمام أبو حنيفة النعمان،رحمه الله تعالى يدفع ديناراً ذهبياً عن كل يمين أقسم بها صادقاً، ويعاقب بهذا الدينار نفسه، فكيف إذا كان غير صادق؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الآن أكثر البائعين يحلف كل كلمتين يميناً: بربه، بدينه، بالكعبة، بالقرآن، برأس مالها، بأقل من رأس مالها، هذه الأيمان التي يحلفها البائع ليروِّج سلعته هي أيمان تمحق البركة، ولعلها تنفق السلعة، ولكنها تمحق البركة، لذلك فعلى الإنسان أن يحفظ لسانه عن حلف اليمين، ودائماً حينما يحلف الإنسانُ كأنه يتَّهم نفسه بالكذب، عوِّد نفسك أن تقول كلاماً بلا أيمان، فهذا السامع يجب أن يحترم كلامك من دون يمين، فإن كان لا يصدقك إلا باليمين فيجب ألا تحدثه.
لا ينبغي للإنسان أن يحلف بغير الله فإذا حلف فليحلف بالله مع حفظ أيْمانه :
أَمْرٌ غريب، وصفةٌ شائعة بين المسلمين مع كل كلمة يمين، وأيمان منوعة، وبعض الأيمان محرِّم أن تحلفها: بأولادي!!
من كان حالفاً فليحلف بالله العظيم، ولا ينبغي لك أن تحلف بغير الله أولاً، فإذا حلفت فاحلف بالله، ويجب أن تحفظ أيْمانك من أن تكون في موضوعاتٍ يومية مبتذلة، أما حينما تحلف ـ لا سمح الله ولا قدر ـ يميناً غموساً لتقتطع به حق امرئ مسلم فقد خرجت من الإسلام، وهذه اليمين الغموس لا كفَّارة له، لأنه يخرجك من الدين، وتحتاج بعد اليمين الغموس إلى تجديد إسلامك، وإلى توبة نصوح، وإلى أن تشهد أنه لا إله إلاّ الله وأنَ محمداً رسول الله، لأنك بهذه اليمين الغموس خرجت من الإسلام، فهذا الذي يحلف يميناً أمام القاضي ليقتطع به مبلغاً أو مالاً من حق أخيه المسلم، إنه بهذا يخرج من دينه، فهذه اليمين الغموس موضوع آخر، أما هنا فلو حلفت يميناً في ساعة غضب، ومضمون اليمين ألاّ تنصح إنساناً، أو ألا تعين إنساناً، أو ألا تزور أخاً، أو ألا تعالج مريضاً، أو ألا تقرض مسكيناً، فلو حلفت مثل هذا اليمين ثم وجدت أن الخير في الحِنْث بها، فيجب أن تكفِّر عنه وأن تفعل الخير،هذا هو المعنى الأول..
﴿ وَلَا تَجْعَلُواْ اللهَ ﴾
أي هذا اليمين بينكم وبين الخير، وأنت مخلوقٌ للخير وللعمل الصالح، فلا تجعل هذه اليمين بينك وبين الخير. ؟
اليمين المنعقدة يحاسب عليها الإنسان حساباً شديداً :
إذا حلفت يميناً في ساعة غضب، ومنعت بها خيراً عن نفسك، يقول الله لك: لا تجعل هذه اليمين مانعاً لك من فعل الخير، بل كَفِّر عنه، وافعل الخير، ثم يقول الله عز وجل:
﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
اللغو أناس كثيرون: ( تفضَّلْ كُلْ، واللهِ لا أقدر، قال: والله، تفضل كُل، والله لا أشتهي )، وهو في أشد حالات الجوع، ولكنه أَلِفَ أن يقول: إِي والله، لا والله، فهذه يمين اللغو، هذه اليمين نرجو الله أن يعفو عنّا به، ولكن الأولى ألا نحلف إطلاقاً.
﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾
حينما يحلف الإنسان يميناً مُنْعَقِدةً، وينوي وراءه شيئاً، فهذا اليمين محاسبٌ عليه أشد المحاسبة، ولهذا اليمين تبعات كثيرة.
من علامة نضج إيمانك أن تبتعد قدر ما تستطيع عن الحلف، تكلم بالحقيقة من دون أن تكون ضعيفاً، فتستعين بالحلف الذي لا يليق بك:
﴿ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
من ألطف ما قال العلماء في هذه الآية: إن هذا اللسان من نعم الله الكبرى:
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾[ سورة الرحمن: 1-4]
فشكر نعمة الكلام لا بالحلف، ولا باليمين اللغو، ولا المنعقدة، ولا الغموس، ولكن شكر هذه النعمة أن يكون هذا اللسان ذاكراً لله عز وجل،
لذلك أيها الأخوة، أتمنى عليكم وعلى نفسي أن ينقلب هذا الدرس إلى سلوك عملي أن نحفظ أيماننا، أما حينما تدعى إلى شهادة، وبهذه الشهادة يحق الحق ويبطل الباطل، ينبغي أن تشهد، وأن تقف، وأن تحلف اليمين، هذه طاعة لله عز وجل، لقول الله عز وجل:
﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾[ سورة البقرة: 282]
من صفات المؤمن الأساسية الإصلاح بين الناس :
قال تعالى:
﴿ أَنْ تَبَرُّوا ﴾
أن تفعلوا الخير..
﴿ وَتَتَّقُوا ﴾
وأن تقفوا عند حدود الله..
﴿ وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
من صفات المؤمن الأساسية أيها الأخوة أنه يصلح بين الناس لقول الله عز وجل:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾[ سورة الأنفال: 1 ]
ولقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُم ))
[رواه الترمذي عن الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ]
فالإصلاح بين الناس دَيْدَنُ المؤمن، وطاعته لله دَيْدَنُهُ أيضاً، ودَيْدَنُهُ أيضاً العمل الصالح، والطاعة، والإصلاح بين الناس، ولذلك قال تعالى:
﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾[ سورة النساء: 114 ]
ومن صفات المؤمن أنه يُقَرِّب، ويوفِّق، ولا يفرِّق، ولا يُباعد، ولا ينفِّر
الحالات التي أجازها الشرع في الكذب :
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾[سورة النساء الآية:114]
فالإصلاح بين الناس قناة نظيفة للكلام, الإنسان لو كذب, لا يعد كاذباً, لأنه يوجد رخص كثيرة في الكذب؛ أن تصلح بين الناس, وفي الحرب, لأن الحرب خدعة, والإنسان يكذب على زوجته, لكن أكثر الأخوان الكرام: فهموا هذا التوجيه فهماً غير صحيح, مغلوط, كل شيء يكذب عليها فيه.
لو قالت لك: أتحبني؟ أنت تحبها, لكن ليس كما تريد, أقل مما تريد, فأنت قلت لها: والله أحبك, لا يوجد مشكلة, يعني طيبت قلبها, ولو هي سألتك, أو لو أنت سألتها: أتحبينني؟ قالت لك: نعم, من لي غيرك؟ كلام طيب, أما لا توجد زوجة ما فيها عيب, لو يريد أن يذكر لها العيب, ويكبر لها العيب, حطمها, ليس لها أحداً غيره, حطمها.
فالمؤمن لا يحطم, يعني هذه نصيبك, وهذه الله عز وجل كتبها لك, ولا يوجد أمامك غيرها, وارض بها هدية من الله عز وجل, فإذا أنت أغفلت عيوبها, وذكرت محاسنها, أنت ترفع مستواها, تنشطها, تصبح متألقة.
الإصلاحُ بين الناس فيه فوائدُ كثيرة، ومنها:
إن كان بين زوجين فإن الأسرةَ تعودُ للاجتماع، وربما كانت الحياة بعد الصلح أفضل من ذي قبل، وتتآلف القلوب، ونحفظُ الأولادَ والبنات من الشتات والضياع والطلاق.
والإصلاحُ إن كان بين الموظفين، فإنه يعيدُ للعملِ بهجته وأنسه، ويزيد من الإنجاز، ويضيفُ لهم سعادة التعاون.
وفي محيطِ العمل أهمس لك:
قد يكون ذلك الموظف تلمحُ منه بعضُ التغيراتِ النفسية فكن حكيماً وادخل معه في حديث لطيف فلعلك تقفُ على جراحٍ عنده ربما مع زوجته أو ولده أو نحو ذلك وحينها أعطه الكلماتِ الطيبة التي تصلح ما بينه وبين أهله.
والإصلاح إذا كان بين الأقارب فإن القلوب تتقارب، وندفع كيدَ الشيطانِ خارجاً.
أيها الفضلاء..
إن مما يحزنك أن يتأخر بعضنا عن الإصلاحِ بين المتخاصمين بحجةِ عدم التدخل في شؤن الآخرين.
فهذا أب لايتدخل لإصلاحِ الخللِ بين ابنتهِ وزوجَها حتى حصل الفراقُ بينهما.
وهذا مدير لم يتدخل في الإصلاحِ بين الموظفين حتى تفرقت القلوب ووقعت مفاسد كثيرة.
وهذا أخ لم يتدخل للإصلاح بين إخوته وأخواته ويقول: ليس لي علاقة. فامتلأت القلوب حقداً وبغضاء.
" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ ".
الإيلاء في اللغة
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (226)
الإيلاء في اللغة الامتناع باليمين، أن تمتنع عن شيءٍ وقد حلفت عليه اليمين، فهذا معنى الإيلاء في اللغة، وأما في عُرف الشرع فالامتناع باليمين عن وطء الزوجة أو عن اللقاء الزوجي، وهذا يحدث بين الأزواج كثيراً، فالعليم الخبير أعطانا حُكْماً في هذه الحالة؛
أولاً:
﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾
هذه " مِن " أُلحقت بالفعل "يؤلون"، ليتضمّن الفعل معنى يمتنعون، أي على الذين يمتنعون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر، فلقد جعل الله للأزواج مدةَ أربعة أشهر يمتنعون فيها مِنْ نسائِهم بالإيلاء، فإن مضت فلا بد مِن حسم، هذه لا حرب ولا سلم، قطيعة مديدة لا تنتهي!! وهذا يتناقض مع حكمة الزواج، فلا بد من حسمٍ بعدَ هذا الوقت، إما أن تبقى كزوجة، وتعامل كزوجة، وتعاشر كزوجة، ويحسن إليها كزوجة، وإما الفراق، أما هذا الذي يدع زوجته أشهراً طويلة بلا حساب، ولا اهتمام، ولا مسؤولية، فهذا له حكمٌ في الشرع سوف نراه بعد قليل..
الحكمة من جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر :
مدة الإيلاء ينبغي ألا تزيد على أربعة أشهر
جعل الله سبحانه وتعالى مدة أربعة أشهرٍ للأزواج يمتنعون فيها من نسائهم بالإيلاء، فإن مضت المدَّةُ حَسَمَ الأمرَ، فإما أن يفيء الزوج، وإما أن يطلِّق، أيْ إما أن يصحوَ، ويعاشر زوجته، ويعاملها كزوجة، ويحسن إليها، أو أن يطلقها، أمّا أنْ تبقى المرأة معلَّقة؛ لا هي زوجةٌ يعطيها زوجها حقها، ولا هي مطلقة تبحث عن زوج، فهذا وضعٌ خطيرٌ ومَرَضِيّ قد يفضي إلى الخيانات والانحرافات.
قبل أن أتابع الحديث عن هذا الموضوع، لا ينبغي للإنسان أن يقبل عملاً يبتعد فيه عن زوجته سنةً فأكثر، فهذا يدمِّر حياته الزوجية، يدمره أو يدمر زوجته، لأن الخالق الكريم، الحكيم، الخبير، جعل مدة أربعة أشهر، أطول مدةٍ يمتنع فيها الزوج عن زوجته، وأطول مدةٍ تتحمَّل الزوجة البُعْدَ عن زوجها، وبعد هذا التاريخ لا بد من عودةٍ أو فصلٍ.
أيها الأخوة؛ اتفق الأئمة على أن المُولي ـ المولي اسم فاعل من الفعل آلى ـ على أن المولي إذا فاء إلى المواصَلة مع زوجته لزمته كفارة اليمين، وهذا شيءٌ بديهي؛ حلف يمين إيلاء ألا يقربها، فإن مضت أربعة أشهرٍ ثم صالحها، وقرَّبها، وعاشرها زوجة، فعليه كفارة يمين تفهم من آياتٍ كثيرة.
أيها الأخوة؛ جعل الله مدة الإيلاء أربعة أشهر، لأن هذه المدة هي المدة التي يمكن كما قلت قبل قليل للزوجة أن تتحمَّل بُعْدَهَا عن زوجها، فإن رجع هؤلاء الأزواج إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح فإن الله غفورٌ رحيم لا يؤاخذهم بتلك اليمين بل عليهم أن يكفروا عنها، فكل إنسان يحلف على امرأته يميناً ألا يقربها، فهناك أربعة أشهر، إن مضت وقاربها، فعليه كفارة اليمين، ولا شيء عليه بعد ذلك، وتعود الأمور إلى مجاريها، أما إذا امتنع عن ذلك، فلا بد أن يطلِّقها..
﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾[ سورة البقرة: 229 ]
فقول الله عز وجل: "فإن الله غفورٌ رحيم"، أي لا يؤاخذكم بتلك اليمين، بل يغفر لكم ويرحمكم.
(وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم)
الطلاق أمانةٌ في أيدي الرجال : أحياناً يريد إنسانٌ أن يخرج من مهر زوجته فيتهمها بالزنا، وهذا شيء يقع، فمَن الذي سيحاسبه؟ ومَن الذي سيبطش به؟
كما أن العِدَدَ والاستبراء أمانة في أيدي النساء، وقضايا الرحم، ودم الحيض، والاستبراء، فهذه مَن يعلمها؟ إنّها متروكة أمانة بيد الزوجة
البواطن من المضارة بين الأزواج في أمورٍ لا يمكن أن يصل علمها للحُكَّام، فجعل هذه الأشياء مكشوفةً عند الله عز وجل والله يحاسب عليها فقال:﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾
الآن دقق، عزم الطلاق، الطلاق قرار مصيري، لقد فكَّر، وفكَّر، ودقَّق، وتريَّث، وراجع نفسه، ووازن، ووضع الإيجابيات على اليمين، والسلبيات على اليسار، ثم اتخذ قراراً بتطليق زوجته، فهكذا الطلاق، أما ساعة غضب، بلا مبرر، يطيح بزوجته، ويشرد أولاده، ويهدم أسرته، فهذا ليس من حقيقة الشرع في شيء، وليس من قصد الشريعة في شيء، قال:
﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾
أي وقع العزم منهم عليه..
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
فالله عز وجل يعلم نيَّتك، ويعلم مَن هو الظالم، وكلمة:
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
فيها تهديد، أنت قل ما شئت، ولكن الله يعلم الخفايا، والبواعث، و المبررات، والأهداف التي عقد من أجلها الطلاق.
الطلاق أمانةٌ في أيدي الرجال :
الطلاق أمنة بيد الرجل
أخواننا الكرام؛ هناك أشياء تزعج الزوج، وهناك أشياء تزعج الزوجة، ولكن القضاء لا يمكن أن يثبتها، قد تظهر أمام الناس أنك تحبها، وأنك تكرمها، وأنك تقدِّم لها كل شيء، وأنت في الحقيقة تبالغ في الإساءة إليها، دون أن يطالك القانون أو الأحكام القضائية، فإنسان يهين زوجته فيما بينه وبينها ولا يوجد شاهد، يمتنع منها إضراراً بها فلا يعاملها كزوجة، بل أقل من زوجة، وهناك أساليب كثيرة يفعلها الأزواج ولا يحاسبون عليها لا بالقضاء ولا بالقانون، بل هناك أشياء قد يفعلها الزوج لا تستطيع الزوجة أن تبوح به أمام أهلها، وتخاف أن تبوح به، وهناك زوجاتٌ يَفعلن شيئاً مع أزواجهن ولا يطالُهنَّ القضاء، فالله عز وجل يقول:
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
أي هو عليمٌ بهذه الأعمال التي تسيء إلى الطرف الآخر. إنّه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمورٍ لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل علمها للحُكَّام، فجعل هذه الأشياء مكشوفةً عند الله عز وجل والله يحاسب عليها فقال:
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
لذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانةٌ في أيدي الرجال، فقدْ يدّعي إنسانٌ أنه رأى في بيته رجلاً ويطلق امرأته، وهو مُصَدَّق، فمَن يحاسبه إذا كان مخطئاً؟ وأحياناً يريد إنسانٌ أن يخرج من مهر زوجته فيتهمها بالزنا، وهذا شيء يقع، فمَن الذي سيحاسبه؟ ومَن الذي سيبطش به؟
إنه الله عز وجل..
الدين يقوم على المسؤولية أمام الله عز وجل :
قد يصطلح الزوج مع زوجته، وتهبه بيتها إكراماً لهذا الصلح، فيأخذ البيت ثم يطلَّقها، وهناك من يفعل ذلك، فهذه المرأة التي تكيد للزوج، وهذا الزوج الذي يكيد للمرأة، مَن سيحاسبهما؟
هناك أشياء ظاهرة بين الزوجين يمكن أن تصل إلى علم الحُكَّام، ولكن هناك أشياء لا يعلمها إلا الله، فإذا قال الله عز وجل:
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
هذا تهديدٌ من الله عز وجل، ولذلك فإنَّ الطلاق أمانةٌ في أيدي الرجال، كما أن العِدَدَ والاستبراء أمانة في أيدي النساء، وقضايا الرحم، ودم الحيض، والاستبراء، فهذه مَن يعلمها؟
إنّها متروكة أمانة بيد الزوجة، والطلاق أمانة بيد الزوج، فالدين يقوم على المسؤولية أمام الله عز وجل.
سآتيكم بمثل آخر: لو أن إنساناً ذهب إلى بلدٍ غربي، وتزوج امرأةً في مركز إسلامي، فهناك شيخ، وإيجاب، وقبول، ومهر، وشاهدان، وكل شروط العقد الصحيح متوافرة، فلو نوى التوقيت، مَن يعلم هذه النية؟
الله وحده، الله جل جلاله يعلم هذه النية التي تتناقض مع حِكمة الزواج، ولذلك فعندنا أحكام ظاهرية، وعندنا خبايا داخلية، والخبايا الداخلية الله جل جلاله مطلعٌ عليها.
هناك شيء آخر: أمَر اللهُ عز وجل الأزواجَ أنْ يتربَّصن أربعة أشهر، وأمر النساء أن تتربَّصن مدة الإقراء الذي ذكره الله في آيةٍ أخرى.
يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه سمع امرأةً تنشد شعراً وهي وحيدةٌ في البيت، فسأل ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟
فقالت: أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك.
أحياناً تجد بلداً يحتاج إلى مهندس بلا زوجة، والإجازة بعد سنة، وهذا مخالف للشرع، ويرفضون أن يأتي مع زوجته، ويريدونه وحده بلا زوجة، وله زوجة، وهي بحاجة إليه، وهو بحاجة إليها، فهذا الذي يفعله بعض مَن يطالبون بموظفين بلا زوجاتهم، فإنّ ذلك يوقِع فساداً كبيراً، ولذلك أي شيءٍ يخالف منهج الله عز وجل ينشأ عنه فسادٌ وأي فساد.
من طُلِّقت طلاقاً رجعياً تتربص بنفسها ثلاثة قروء :
يقول الله عز وجل:
﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾سورة البقرة
﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)
طبعاً آيات الفقه تحتاج إلى دقَّة، وتحتاج إلى صبر، لأنها أحكام دقيقة جداً يُبْنَى عليها الشرع، وهذا أمر للمطلقات بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وقد ينشأ خلاف بين الزوجين، والخلاف شيء طبيعي، الزوج في ساعة غضب، غضب طبيعي أيضاً، طلق امرأته، ولعل هذا الطلاق ظهر في وقت غضب، وفي حالة غضب، ولعله يندم بعد حين، ولعله يتمنَّى بعد حين لو لم يكن هذا الطلاق منه، واللهُ عز وجل خبيرٌ بهذا الإنسان، والمطلقة التي طُلِّقت طلاقاً رجعياً تتربص بنفسها ثلاثة قروء، والقرء هو الحيض أو الطهر على خلاف بين العلماء، فالمرأة تنتظر الحيضة الأولى فيمرُّ شهر، فإن كلَّمها ووضع يده على يدها، فقد أرجعها، وانتهى الأمر، ولكن حسبت طلقة.
تصور إنساناً في ساعة غضب حلف يميناً، وبعد يوم ضعف هذا الموضوع أو برد، وبعد يومين لم يبقَ شيء، فقد ندم على هذا اليمين، فبكل سهولة ويُسرٍ بإمكانه أن يسترجع زوجته، ويكفي أن يقول لها: راجعتك، أو أن يضع يده على يدها، وانتهى الأمر، فقد راجعها، ولكن حسبت طلقة، فالله عز وجل لما سمح لك بالطلاق، سمح لك بالطلاق الذي جاء به النبي وفق سنته عليه الصلاة والسلام، مثل أنْ يحلف المرءُ يمينَ طلاقٍ في ساعة غضب، ثم وجدَ بعد حين أن هذا الأمر لا يستدعي هذا اليمين، فالقضية محلولة، تراجعها لفظاً أو عملاً، وانتهى الأمر، ولكن حسبت طلقة.
بعد مرور ثلاثة قروء لا يمكن للزوج أن يسترجع زوجته إلا بعقد ومهرٍ جديدين :
ما دامت الزوجة في البيت، فأكبر مشكلةٍ بينك وبينها تتضاءل حتى تنتهي، وأحياناً يمين طلاق ينتهي بعد يومين، أو بعد أسبوع، أو عشرة أيام، أو عشرين يوماً، أو شهرٍ، أو شهرين، هناك مهلةُ تسعين يوماً للزوج، ولعله أخطأ، لعله كان غاضباً، أو مبالغاً، أو أنّ هذا الأمر لا يستدعي هذا الطلاق، أعطاه الشرع تسعين يوماً، أما حينما تتطهَّر من الحيض الثالث فقد ملكت نفسها.
والآن كيف يرجعها؟ عملية بسيطة بمهرٍ وعقدٍ جديد، عقد بسيط جداً، لأنها ملكت نفسها، انتظرت تسعين يوماً، وكانت مع زوجها كل يوم معه، تحت سمعه وبصره، وفي متناول يده، وهي تتزيَّن له كل يوم، وهو بحاجة إليها، وهي بحاجة إليه، ومع ذلك لم يقاربها، ولم يراجعها، ملكت نفسها، فالآن، كي تسترجعها لا بد من عقدٍ ومهر جديدين، وبما أنّه لم يسترجعها، فقد ملكت الآن نفسها، وهي مخيرة.
بالمناسبة، في أثناء تسعين يوماً هي ليست مخيَّرة، ويكفي أن يقول لها: راجعتك، فقد رجعت إليه زوجةً، ويكفي أن يراجعها عملياً فقد رجعت إليه زوجة، أما حينما تمضي القروء الثلاثة، أو الأطهار الثلاثة، أو الحيضات الثلاث، وتغتسل، فقد ملكت نفسها، والآن لا يمكن أن يسترجعها إلا بعقد ومهرٍ جديدين.
ثم نشأ خلاف ثانٍ، فهذه طلقة أولى، استرجعها بعقد، حُسِبَت عليه طلقة، وفي الحالين سواء استرجعها أو لم يسترجعها، أما إذا استرجعها ضمن تسعين يوماً، استرجعها بلا مهر ولا عقد، وإذا استرجعها بعد تسعين يوماً استرجعها بمهر وعقد، فرجعت إليه، وطلقها مرة ثانية، ومضى ثلاثون يوماً، ثم ثلاثون يوماً، ثم ثلاثون يوماً، أي تسعون يوماً مرة ثانية، فما هذه القضية الكبيرة؟ إذا لم تكن القضية محتملة، ولا تقبل، ولا تستساغ أخرجته من جلده فلا يستمر الزواج، فانظر الضمانات بالشرع، إنها ضمانات مذهلة. فالطلاق حلٌّ لا يُلْجَأ إليه إلا في حالات نادرة جداً، لأن الله يرضى عن الزوجين إذا تعاونا، ويغضب عليهما إذا تفرَّقا، وهو أبغض الحلال إلى الله، فله صمَّام أمان هو الطلاق، وهو كالوعاء البخاري وكل وعاء بخاري لئلا ينفجر له صمام من مادة بلاستيكية، فإذا ارتفع الضغط إلى درجة غير محتملة، بدل أن ينفجر هذا الوعاء، فهذه المادة البلاستيكية تسيخ ويخرج البخار من هذا الوعاء دون أن ينفجر، وهذا هو الطلاق.
امانى يسرى محمد
09-30-2025, 12:47 AM
أنواع العِدَد :
﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
إذاً بيدها أمانة، فلعل هناك حملاً تحرك في بطنها، فلها عدة خاصة..
﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
الآن أنواع العِدَد:
المدخول بهن من ذوات الأقراء، أي امرأة تحيض وقد دخل بها فعدّتُها ثلاثة قروء،
أما غير المدخول بها فلا عدة عليها، لقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾[ سورة الأحزاب: 49 ]
فالمرأة التي لم يدخل بها ليس لها عِدَّة، والمرأة التي دخل بها، ومن ذوات الأقراء؛ تحيض وتطهر، فعدتها ثلاثة قروء، وأما التي لم تحض بعد فعدّتُها ثلاثة أشهر، وإن كانت تحيض فعدّتها ثلاثة قروء، وإن لم يدخل بها فليس لها عدة.
الطلاق أمانة بيد الزوج وما خلق الله في أرحام النساء أمانة بيد النساء :
قال تعالى:﴿ وَاللائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ ﴾[ سورة الطلاق: 4 ]التي لم تحض بعد، عدتها ثلاثة أشهر..﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾[ سورة الطلاق: 4 ]أما الحامل فعدتها وضع الحمل..﴿ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾
[ سورة الطلاق: 4 ]فهذه الآية عامةٌ، امرأة حامل عدتها أن تضع حملها، امرأة لم تحض بعد، أو يئست من المحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، وامرأة دخل بها وهي تحيض، فعدتها ثلاثة قروء، وامرأة لم يدخل بها، فليس لها عدة.
أيها الأخوة؛ القُرء من ألفاظ الأضداد يطلق على الحيض والطهر معاً، فأية امرأةٍ لها أن تحسب على أساس الحيض أو على أساس الطهر معاً، قال:
﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾
لقد خلق اللهُ في الرحم ولداً، فقطع الحيض، وصار هناك حمل، فينبغي لها أن تصرِّح بذلك وإلا فهي عند الله آثمة، فأحياناً تدَّعي أنها حامل لشيءٍ تريده، أو تدّعي أنها لا تزال في الحيض لعلّةٍ تريدها، فهذه مسؤوليتها، وهي وحدها محاسبةٌ عن ذلك، وقد ردَّ اللهُ عز وجل الأمرَ إليهنّ، وتوعَّدهنّ فيه ألاّ يخبرنَ إلا بالحق، فالطلاق أمانة بيد الزوج، وقضية ما خلق الله في أرحام النساء أمانة بيد النساء..
ما حكم طلاق البينونة الصغرى إذا تم مراجعتها أثناء العدة أو بعد العدة ؟ .
سؤال:فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
" رجل طلق زوجته للمرة الأولى وراجعها أثناء العدة، وطلقها مرة ثانية وهي الآن في فترة العدة ولكنه لم يراجعها..... ".
أبناء هذا الرجل يفضلون أن لا يراجعها أثناء العدة لأنه إذا طلقها مرة أخرى يجب عليها الزواج بآخر قبل إعادتها، فهم لا يتخيلون أن رجل آخر سوف يتزوج أمهم....
هم يقولون انه إذا انتهت هذه العدة فان أمهم سوف تعود لأبيهم بعقد جديد..... سؤالي هو:
هل هذا العقد الجديد يلغي الطلقات السابقة ؟.
وهل أمام هذا الرجل بعد هذا العقد الجديد ثلاث طلقات جديدة ؟.
وجزاكم الله عنا كل خير
الجواب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إجابة على سؤالكم، نفيدكم بما يلي:
زواج المطلقة الرجعية ( أو بعبارة أخرى، البائنة بينونة صغرى ) بعقد جديد بعد انتهاء عدتها استمرار للحياة مع زوجها السابق ولا يلغي الطلقات التي سبقته.
حق الزوجة على زوجها :
﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾[ سورة البقرة: 231 ]
أحياناً يراجع الإنسانُ زوجتَه لا حبّاً بها، ولا تنفيذاً لأمر الله، ولكن ليؤذيها، فقد بلغه أن هناك إنساناً لو أنه طلقها لتزوجها، فصار يراجعها ويغيظها ويؤذيها، وهذا الذي لا يريده الله عز وجل.
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ:
((أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ، قَالَ أَبُو دَاوُد: وَلَا تُقَبِّحْ أَنْ تَقُولَ قَبَّحَكِ اللَّهُ))[أبو داود عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ]
هذا حق الزوجة على زوجها.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ ))[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فهذه قواعد عامة في تنظيم العلاقة بين الزوجين.
أمثلة من الكتاب والسُّنة تبين ضوابط العلاقة بين الزوجين :
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]
من واجب المرأة أن تتزين لزوجها
ثم يقول عليه الصلاة و السلام:
((إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ))[الترمذي عن طلق بن عليّ ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ))[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال(إني أحب أن أتزيَّن لامرأتي كما تحب أن تتزين لي))[الجامع لأحكام القرآن عن ابن عباسٍ رضي الله عنه ]
لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
وهذه ضوابط العلاقة بين الزوجين وردت في هذه الآية.
ما هو المعروف؟
الآية الكريمة وهي دقيقة جداً:
﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
ما هو المعروف؟
المعروف ما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، أو ما قبله العقل ووافق كرم النفس وأقرَّه الشرع.
لكن كيف تنسَّق العلاقة بين الزوجين؟
هناك مَن يدعي أن الزوجة ليست مطالبة بخدمة زوجها، فهذا كلام لا أصل له، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت، ولو لم يكن هذا صحيحاً لما فعل ذلك، فالزوج يعمل خارج البيت، وعليها أن تطبخ، وأن تنظف، وأن تربي الأولاد، وأن ترضع، ولهذا بحث طويل قد عالجته مرة في خطبة، لأن هناك مَن يدعي أن للرجل أن يستمتع بزوجته فقط، فهذا الذي عليها، وما سوى ذلك ليست مكلفةً به، بل إن بعضهم بالغ في ذلك وقال: ليس عليها إرضاع أولادها، عليه أن يأتي بمرضع!! هذا طفل يموت من الجوع، وأمه ليست مكلفةً أن ترضعه، فهذا كلام غير مقبول إطلاقاً، إلا إذا أنت خطبت ابنة ملك، وهي مخدومة في قصر أبيها، فيجب أن تأتي لها بمن يخدمها، وهذه حالة نادرة جداً، فمن دخل مثل هذا المدخل فليهيِّئ نفسه لذلك، وما سوى ذلك فأنت غير مكلف إلا أن تعاملها بالمعروف كما هو معروف بين الناس، فكل الزوجات يطبخن، وينظفن، ويغسلن، ويربين أولادهن، ويرضعن، وهذا هو المعروف، لأنّ الطباع تقبله، والعقول تقبله، والشرع يؤكده.
أنا أستغرب كيف أن هناك مَن يخطب، ويقول العكس، ليس لها لا أن تخدم، ولا أن تطبخ، ولا أن تنظف، ولا أن ترضع، لأن عقد الزواج قضية استمتاع فقط، فهذا كلام لا يقبله العقل السليم، ولا الفِطَر السليمة، ولا الشرع، ولا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، إذ قضى على ابنته فاطمة، وهي فلذة كبده، أن تخدم سيدنا علياً في البيت، قال العلماء: على أن المرأة عليها أن تخدم زوجها، أما إذا كانت مِمَّن تُخدَم، فينبغي لها أن تأتي لها بمن يخدمها، وهذه قاعدة.
لعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له.
الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : ابن العربي | المصدر : عارضة الأحوذي
الصفحة أو الرقم: 3/46 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
الحكمة من تحريم استعادة الزوجة إلا بعد أن تتزوَّج زواجاً حقيقياً طبيعياً على التأبيد :
أيها الأخوة؛ قال الله عز وجل بعد ذلك:
﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾
أي ليس لك أن تعيدها كل مرة، إذ المسموح لك مرة تسعين يوماً، ولك أن تراجعها في هذه الأيام التسعين، وإن مضت فلك أن تعقد عليها عقداً جديداً، الطلاق مرتان؛ أما الثالثة فطلاق بائنٌ بينونة كبرى، وانتهت، وملكت نفسها، ولن تستطيع أن تستعيدها إلا أن تتزوَّج زواجاً حقيقياً طبيعياً على التأبيد، ثم يطلقها زوجها، فما حكمة ذلك؟
إنسان أساء إلى زوجته، فطلقها التطليقة الأولى، ولم يراجعها، ومضت الأيام التسعون، ثم طلقها ثانية، وأساء إليها ولم يراجعها، ومضت التسعون الثانية، فالآن انتبه إن كنت تحبها، وإن كانت مصلحتك تنعقد معها، إن طلَّقتها مرة ثالثة، فلن تستطيع أن تراها ثانية إلا في حالة تعجيزية، أيْ أن يأتيها خاطب فيخطبها على أنها زوجة على التأبيد، إنه زواج طبيعي على التأبيد، ثم يطلقها، فإن طلقها فلزوجها الأول أن يستعيدها، فما الذي يحصل؟
إن كانت هي المسيئة، فأغلب الظن أنّ الزوج الثاني سوف يطلِّقها، لأن العلة نفسها، وعندئذٍ تدرك أنها هي السبب، لعلها إن رجعت إلى زوجها الأول أنْ تغيِّر من خطتها، وإن كان الزوج الأول هو المسيء، وتزوجها الثاني فلا يمكن أن يطلقها، وهذا فعلاً حلٌّ حاسم، فتستقرّ عنده، وإذا كانت العلَّة منها، وهي المسيئة، فالزوج الثاني سوف يطلقها، وعندئذٍ تراجع نفسها وتعلم أنها هي الآثمة وقد تعود إلى زوجها الأول، أمَّا ما يجري فهو مخالف للشرع، قلت لكم: زواج حقيقي، مع الدخول، ومع نية التأبيد، وهذا هو الشرع، وما سوى ذلك انحرافٌ بالدين.
لعن الله الزوج الذي يدخل بالمرأة ليلةً واحدة كي يحللها لزوجها :
الزوج الذي يدخل بالمرأة ليلةً واحدة كي يحللها لزوجها، قال عليه الصلاة والسلام:(( لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ))[أبو داود عن عليِّ]
فدخولٌ ليومٍ واحدٍ منْ أجل تحليلِها هذا عمل من أعظم الآثام والدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام لعنه، إنه زواجُ إغلاق باب دون دخول، لا يصح، بل يجب أن يدخل بها، وهذا الزوج الشرس يجب أن يعلم أنه لن يستعيدها إلا إذا التقى بها رجل، أفلا يغار؟!! لقد جاءها زوجٌ آخر، فلذلك هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً ما يسميه الناس (التيس المستعار) لليلةٍ واحدة، فهذا تزويرٌ في الدين والدين منه بريء، والمطلوب زواجٌ آخر عادي، طبيعي، مبني على رغبة أبدية، نِية التأبيد منعقدة، لو أنه طلقها يستعيدها الزوج الأول، أي:﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾وبعدها:﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾
زوجة، يطعمها مما يأكل، ويلبسها مما يلبس، ولا يحتقرها، ولا يضربها، ولا يهينها، ولا يحرمها ما تشتهي، إنها زوجة عادية.
الطلاق يجب أن يكون من دون فضائح ومن دون كشف للعيوب :
قال تعالى:
﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
بربكم هل وجدتم طلاقاً بين المسلمين إلا ومعه فضائح؟!
والله عز وجل يقول:
﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
طلَّقها، فما السبب؟ والله لا يوجد تفاهم بل تنافر طباع، والله هي ممتازة، ولكني أريد شيئاً آخر، أما ألاّ يبقي عليها ستراً مغطًّى، بعيوبها الجسدية، نفَّر الناس منها، وفضحها، فهذا مجرم.
معنى قول الله عز وجل:﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
تطلِّقها فقط، من دون فضائح، ومن دون أن تكشف كل عيوبها للناس، فما قولك بإنسان يختلق عيوباً ليست موجودة؟!!
والله هناك من يفعل ذلك، يتَّهمها بأشياء لم تقع إطلاقاً، يشوِّه سمعتها بين الناس، هذا سوف ينتقم ربُّنا عز وجل منه أشدَّ الانتقام.
وقد سمعت قصة رجلٍ تزوج امرأة على جانب من الجمال، وهي ملتزمة التزاماً شديداً بالدين والأخلاق، ولها أب ربَّاها تربية عالية، ولكنه أرادها نموذجاً آخر؛ يريدها أنْ تختلط مع أصدقائه، وأنْ تذهب إلى الملاهي، وإلى الفنادق، وإلى البحر، وهذا نمطه، فرفضت، ثم رفضت، ثم رفضت، ومهرها غالٍ جداً، فدبَّرت أمُّه مكيدةً كي تجعلها تطلب الخُلع من دون شيء، فأمرته أن يسيء معاملتها، وأن يأتي بعد منتصف الليل كل يوم، وأن يضربها، ويشتمها، ويُجيعها، ويهين أهلها، ومارس معها هذا العمل أشهراً عديدة، ولها مهر كبير جداً، حتى طلبت هي الخلع، دون أن تأخذ شيئاً، وهذا الذي كان. بعد حين تزوج فتاة أخرى تروق له وتقبل نمطه في الحياة، وأصبح يتندَّر بخلاصه مِن مهر الأولى، فكلما وقع في أزمة ونجاه الله منها يقول: نجونا كما نجونا من مهر فلانة، ومرة من المرات وهو يقود سيارته، وزوجته الجديدة على اليمين، وأمه خلفه، وأبوه خلف زوجته الجديدة، أربع ركاب في السيارة وقع حادث مروّع، مات فوراً وماتت أمه معه، ونجا أبوه الذي كان ينكر على زوجته ما تفعله مع زوجة ابنها، فالله عز وجل حينما يبطش يكون بطشُه شديداً، فالشيء الذي يهتز له عرش الرحمن أن تظلم امرأة ضعيفة، وأن تتهمها بشيء هي بريئة منه، أو أن تحمِّلها ما لا تطيق، أو أن تسيء معاملتها، أو تبتزَّ مالها، وهذا شيء له ثمن باهظ عند الله عز وجل..
﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
ما هو التسريح بالإحسان؟
إذا سرَّحتها وطلقتها يجب أن تكف عنها، أما أن تفضحها، وأما ألا تدع عليها ستراً، وأما أن تبالغ في أخطائها، فهذا خلاف الآية الكريمة..
﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
لماذا طلقتها؟
لم يكن لي منها نصيب، ولم يكن ثَمَّة انسجام، هل تشكو من أخلاقها؟ أنت لا تشكو من أخلاقها؟ لا والله، فهي امرأة عفيفة، وهل تشكو من رقَّة دينها؟ لا والله، هذا الزوج المؤمن..
﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾
فإما أن تعاملها كزوجة معاملة طيبة..
﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ﴾
قدَّمت لها مهراً وهو من حقها، والطلاق يوجب المهر، المُعَجَّل والمؤجَّل، وقدمت لها هدايا وهي من حقها، إلا أن هذه المرأة إذا كرهت زوجها كراهيةً ربما أوقعتها في الحرام يمكن أن تفتدي نفسها، أهل جهلة يزوجون بنتاً في السابعة عشرة إلى رجلاً في الستين، أو في الخامسة والستين طمعاً في ماله، فهذه البنت إن لم تطق هذا الزوج لهذا الفارق الكبير في السن، ولم تطق مرضه، ولا متاعبه، ولا شيخوخته وهي في ريعان الصبا، فربما زلَّت قدمها..
الآية التالية أصلٌ في الخلع :
قدَّمت لها حليّاً ومهراً وتطلقها، فهي تستحق المهر المعجل والمقدم والحلي..
﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾
إنها لا تحبه، ويمكن أن تنحرف إذا بقيت عنده، فافتدت نفسها منه بمهرها، وقالت له: أسامحك بالمهر على أن تطلقني، وهذا هو الخلع، وهذه الآية أصلٌ في الخلع..
﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ ـ أي أخلاقه عالية، ودينه جيد ـ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً))[رواه البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
الزواج لا ينعقد إلا إذا وافقت الزوجة وهذا من تقدير الدين للمرأة، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما خطَّب ابنته استأذنها: ألكِ اعتراض؟ وأي أبٍ يجبر ابنته على الزواج من إنسان لا تحبه يخالف الشرع بهذا.
هذا هو الخلع، أي إذا رفضت الزوجةُ زوجَها لعلّة فيه، وقد تَكلَّف، ودفع مهراً، فله أن يسترد كل شيء، فالمخالعة أنْ تفتدي المرأة نفسها من زوجها بمهرها كله أو بعضه..
تحريم إيذاء الزوجة بِمَنْع حقوقها حتى تضجر و تخلع نفسها :
يُحرَّم على الرجل أن يؤذيَ زوجته بِمَنْع بعض حقوقها حتى تضجر ، وتخلعَ نفسها ، وهذا هو الظلم بِعَينه ، يأتي كلّ يوم الساعة الثالثة ليلاً ، ولا يحضر لها أكلاً ، يُعنِّفها أمام والدته ، ويضربها أحيانًا ، يجعلها ترى الجنَّة بِفِراقِهِ ، لو كان مهرها المتأخِّر مئة ألف لفضَّلت الخلع ، حكى لنا شخص من المسجد أنَّ أحدهم تزوَّج امرأةً صالحة بنت عالم ، يظهر أنَّه ما حصل تحقّق بالزواج ، فهذه مُربَّاة تربيةً دينيّة ، وهذا الشاب يريد أن يفلت على هواه ، يريد اختلاطاً ، ويستقبل رفاقه ، فأمرها بِمَعاص كبرى فرفضَت ، متأخِّرها مئة ألف ، وهذا الزوج أساء إليها إساءة بالغة ، يتأخّر ويهينها ويضربها ، وهي صابرة ، وخلال سنة يئسَت ، وبعدها استسْلَمَت وقالَتْ له : لا أريد شيئًا فقط الخلْع ، فعلاً خلَعَها وخلص منها ، ولكن كيف خلعها ؟ لأنَّه ضارَّها ، بعدما خلعها وكان هذا الخلْع بِتَوجيه والدَتِهِ
الابن الظالم والأم المحرِّضة ، فالواحد إذا كانت له زوجة ، ولو كان لها الحق أن تخلع نفسها منه إذا لم يعجبهُ شكلها ، أما أن يُضايِقَها في أنصاف الليالي ، ويظلمها ، ويهينها ، ويحرمها ، ويقسو عليها إلى أن تفدي نفسها منه ، فهذا أبشع أنواع الظلم ، والله سبحانه وتعالى يقتصّ منه ، فكما قلت سابقًا : فويل لقاضي الأرض من قاضي السماء ، أحيانًا القاضي يجور ولكن ربّنا عز وجل كلّ شيء عنده بِحِسابٍ دقيق .
الذي لا يخاف من الله تعالى أحمق ، وكلّ إنسان يظنّ إذا أكل حقوق الآخرين ، أو ظلم زوجته، أو ظلم جيرانه ، وتعدَّى على الناس أنَّه ذكيّ يكون في حضيض الغباء ، أما الذكاء فله قِمَّة ، كلّ إنسان يظنّ أنَّه إذا لعب على الناس ، وأكل حقوقهم هو ذكيّ بهذا العمل يكون في غاية الحمق والغباوة .
لا ينعقد الزواج إلا بموافقة الأب والبنت معاً وهذا هو شرع الله عز وجل :
إذاً يقول الله عز وجل:
﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
الفتاة لها طموح، كما لو كان هناك صندوق وله مفتاحان، ولا يفتح إلا بالمفتاحين معاً، وعقد الزواج يحتاج إلى موافقتين؛ موافقة الأب لأنه خبير بالرجال؛ إذ يعلم أخلاقهم, ويعلم انحرافهم، والأب هو الضمانة، وقد أعجبه الخاطب، ولكن شكله لا يرضي الفتاة، فيجب أن توافق هي، ولا ينعقد الزواج الا بموافقة الاب والبنت معا
الزوج ينبغي أن يتِّقي الله في تطليقه والمرأة ينبغي أن تتقي الله في عدتها :
قال تعالى:
﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾
خروج المطلقة من بيتها يفاقم المشكلة
فالمرأة حينما تُطلَّق تقتضي السنَّة أن تطلَّق طلاقاً رجعياً، أي طلقةً واحدةً في طهرٍ لم يمسَسْها فيه، وهذه الطلقة تتيح لها أن تبقى في بيت الزوجية، وأن تأكل معه، وأن تطبخ له، وأن تتزيَّن له، وهي في متناول يده، وتحت سمعه وبصره، وما من مشكلةٍ بين زوجين إلا وتتلاشى بعد أيامٍ معدودة، والشرع الحنيف قال: ثلاثة قروء، أي تسعين يوماً، ولو طبِّق الشرع الحنيف، لو طلَّق الرجال الطلاق السُّني، ما وقع طلاق من مئة ألف طلاق، ولكن مباشرةً طلقات ثلاث دفعة واحدة، ولأتفه سبب، ويطردها إلى بيت أهلها.
أي مشكلة وقد خرجت الزوجة إلى بيت أهلها تتفاقم إلى أن تنتهي بالطلاق، وإن أصغر مشكلةٍ وقد خرجت المرأة من بيتها، أو أخرجها زوجها، هذه المشكلة الصغيرة في الأعم الأغلب تتفاقم حتى تنتهي إلى الطلاق، وإن أكبر مشكلةٍ، والزوجة في بيت الزوجية، لا هي خرجت، ولا زوجها أخرجها، فهذه المشكلة الكبيرة تتلاشى بعد أيام.
إذاً ينبغي لك أن تطلِّق طلقةً واحدة في طهرٍ ما مسسْتها فيه، وأن تبقَى عندك في البيت تحت سمعك وبصرك وفي متناول يدك، وتتزين لك..
﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
ففي العالم الإسلامي، وفي عالم الإيمان، لا بد من مراقبة الواحد الديان، ولا بد من أن يخشى الإنسانُ ربَّه فيما بينه وبينه، فهناك في الحياة الزوجية أسرار لا يمكن أن نضبطها إلا باعتراف الزوجة، وفي الطلاق أسرارٌ لا يمكن أن نضبطها إلا باعتراف الزوج، فالزوج ينبغي أن يتِّقي الله في تطليقه، والمرأة ينبغي أن تتقي الله في عدتها.
إذا مضت ثلاثة قروء ولم يرجع الزوج زوجته فقد ملكت نفسها :
مضت ثلاثة قروء، تسعون يوماً وهي في بيته، تتزين له، وهي في متناول يده، تحت سمعه وبصره، ولم يراجعها لا بالقول ولا بالفعل، ولو راجعها بالقول أو بالفعل ليس لها خيارٌ في ذلك، ويجب أن ترجع إليه، لأنها زوجته، أما إذا مضت تسعون يوماً، ثلاثة قروء، ثلاث حيضات، أو ثلاثة أطهار، فقد ملكت نفسها، وهذه أول مشكلة، فهذه الزوجة الآن بإمكانها أن ترفض العودة إليه، وهذا من حقها، ولكن إذا وافقت فبإمكانه أن يعيدها إليه بعقدٍ ومهرٍ جديدين، ولا شيء عليه، ولو كان المهر رمزياً.
ثم لك أن تطلقها طلقةً ثانية، وأن تتربص في بيتك، وأن تبقى في بيتك، تحت سمعك وبصرك، وفي متناول يدك، تتزين لك، وتصنع لك الطعام، تسعون يوماً ثانية، ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار، فإن لم تراجعها لا بالقول ولا بالفعل ففي هذه المدة ملكت نفسها.
﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾
﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ ﴾
أزواجهن..
﴿ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً ﴾
فهو يرجعها لا ليضرها، ولا ليغيظها، ولا لتبقى تحت سيطرته، فهذا إرجاعٌ فيه ضرر..
﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً ﴾
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾سورة البقرة: 228 )
الرجل يزيد عن المرأة بدرجة واحدة هي درجة القيادة :
لابد للأسرة من صاحب قرار واحد
لكن لا بد في هذه المؤسسة من مدير، أو قائد، أو صاحب قرار. قال تعالى:
﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾
درجة واحدة، هي درجة القرار، فلا بد من إنسان واحد يقول: لا أو نعم. فلو أراد الابن أن يسافر وحده إلى بلد غربي، وهو مراهق، وأغلب الظن أنه سيسقط في الفاحشة، فالأم بدافع من عاطفتها العمياء تحبه أن يسافر، والأب صاحب قرار، فإن قال: لا، فقد انتهى الأمر، لأن بعد نظره كبير، وقراره حاسم، وإدراكه أعمق، ومعرفته بالحياة أدق، وخبرته بالمشكلات أعمق، فلا بد من صاحب قرار، والقرار هو هذه الدرجة، درجة القيادة..
﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
الرجل مصمم، مبرمج أن يكون هو القائد، فعقله أكبر من قلبه، وإدراكه أعمق من عاطفته، وبنيته تقاوم كل الصعوبات، بنيته قوية، وإدراكه واسع، وعزيمته شديدة يعني مثلاً، نريد أن نهدم بناء، نأتي بتركس، ثلاث آلاف حصان، نريد أن نذهب إلى نزهة، نأتي بسيارة سياحية، صوتها لطيف، محركها معتدل، فهذه مهمتها شيء، وهذا مهمته شيء أخطر شيء بالمجتمع تبادل الأوراق، يعني أن تتشبه المرأة بالرجل وأن يتشبه الرجل بالمرأة، هذا هو الفساد، الفساد أن يخرج الشيء عن طبيعته، وعن خصائصه، وعن مهمته، المرأة محببة، مرغوب فيها جعلها الله كذلك، كي يسعد بها زوجها، وكي يسعد بها أولادها، فإذا كانت على احتكاك مباشر مع كل الناس، فسدت، وأفسدت، فسدت وأفسدت، أجرينا تبادل في المهمات، في أي مكان موطن اهتمام موطن نظر، موطن رغبة، فإذا كان الإنسان أقوى منها وهي تحت أمره، ومرغوبةٌ عنده، ينشأ فساد اجتماعي لذلك الآية الكريمة،﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ ( سورة الأحزاب: 33 ) لا يعني الإقرار أن تكون جاهلة، لأن لكن هذه مهمتها، وهي تملك أخطر مهمتهٍ على الإطلاق، اعلم أيتها المرأة وأعلمي من دونك النساء، أن حسن تبعل المرأة زوجها، يعدل الجهاد في سبيل الله، ولا يخف عليكم أن الجهاد، ذروة سلام الإسلام، يعني سلام الإسلام أعلى شيء فيه، وذروته أعلى نقطة بالسلام، الجهاد ذروة سلام الإسلام، وأي امرأة أحسنت تبعل زوجها، أي أعطته حقه، ورعته أفضل رعاية في كل النواحي، ورعت أولادها، فهي كالمجاهد في سبيل الله العبرة، ما هو الفساد ؟ معك مسحوق أبيض هو الملح، مسحوق أبيض هو السكر، مسحوق أبيض هو الصابون، المواد الثلاثة مهمة جداً ضع الصابون في الطعام، أتلفت الطعام، ضع الملح في الشاي أتلفت الشاي، ضع السكر في الطعام، أتلفت الطعام، الفساد تبديل موقع الأشياء، هذا الفساد فكل شيء في مكانه،
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
يعني يجب أن يكون قائمين، بل قوامين رعاية وملاحظة وتصحيحاً وأمراً ونهياً وتوجيهاً ورحمة واهتماماً، بسبب أن الله فضلهم بذلك، هذا تفضيل فطري وهبي تفضيل فطري في تفضيل كسبي، الكسبي،
﴿ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
المرأة في بيتها أما هو في العمل والعمل في متاعب، وفي مطبات وفي صعوبات، فهذا الذي يكسب المال بشق الأنفس، يستحق أن تكون له القوامة هو الذي يكسب المال،
﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
لكن أجمل ما في هذه الآية، بما فضل الله، ما قال الرجال على النساء،
﴿ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
يعني أنت من أجل أن تأكل، أنت مفتقر إلى زوجتك، هي التي تطبخ الطعام من أجل أن ترى ابنك في حالة طيبة، أنت مفتقر إلى زوجتك، هي الآن تفضلك إلى تأمين الطعام، إعداد الطعام، وفي تنظيف الأولاد ورعايتهم، وإطعامهم وتربيتهم، أما من حيث الكسب، أن تفضلها إذاً ما في تميز جنسي، أنت في موطن في حاجة إليها، وهي في موطن في حاجةٍ إليك، ماذا نسمي هذه العلاقة، علاقة تكامل، في مواطن كثيرة، أنت في أمس الحاجةٍ إليها، وفي مواطن كثيرة، هي في أمس الحاجة إليك لذلك أي امرأة سألت زوجها الطلاق، من غير بئسٍ لم ترح رائحة الجنة، لأنها كفرت بنعمة الزوج، وأي زوج يطلق زوجته لأتفه الأسباب، فقد كفر نعمة الزوجة هو في أمس الحاجة إليها، وهي في أمس الحاجة إليه، وأنا ألاحظ أحياناً، هذا الذي يطرد زوجته إلى بيت أهلها، أو يطردها لأتفه سبب، أو يهجرها لأتفه مشكلة، يعاني كثيراً حينما تتركه، يطرب كثيراً، ينزعج كثيراً، هي عنك في البيت، اعرف قيمتها، واعرف دورها الإيجابي، دون أن تطردها، وأن تقيم علاقةً سيئةً معها لذلك الإنسان، قد ينجح نجاحاً كبيراً، في كسب المال، وفي نيل الشهادات، وفي إدارت الأعمال، ولا ينجح في قيادة امرأةٍ في البيت، نجاحك في قيادة زوجتك، نجاح مهم جداً في حياتك، والمؤمن يستلهم الله عز وجل،
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
أما إذا أنت ساكن بيبتها، وعما تأخذ نصف معاشها، وأنت علمك أقل من علمها، وأنت شهواني وهي مترفع عن هل الأسلوب هذا مالك قوامة صار، فقدت القوامة، فقدت القوامة الفطرية، والقوامة الكسبية، أما إذا أنت أعلى منها علماً، أعلى منها خلقاً، أعلى منها ورعاً وتنفق عليها، مندون بخل ولا تقطير، بسخاء أنا لا أعتقد أن امرأة في الأرض، تريد ترك زوجها إذا كان ينفق عليها بكرم، إذا كان يحترمها، يحترم أهلها، هي من حكمة الزوج، أن تكون زوجتك بمكان محترم هي وأهلها، أما هذا الذي يقيم النكير إذا سخرت من أهله وليل نهار يسخر من أهلها، هذا إنسان غير منطقي، ولا يعاملها بالعدل،
الحكمة من إرضاع الطفل حولين :
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
الطفل بحاجة إلى حليب أمه حولين كاملين
العرب تقول "حولين" لحولٍ وكسر الحول، لسنة وكسر السنة يقال حولين، لكن العلماء اكتشفوا أن الطفل في طور الرضاع لا يمكن أن يستقبل الحليب الطبيعي إلا بعد عامين، وقبل هذا التاريخ لا يهضم إلا حليب أمه، وأجهزته لا تستطيع أن تعمل بانتظام إلا بعد عامين، ولذلك جاء قوله تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
تأكيداً على تمام الحولين، لأن الذي شرع هذا التشريع هو الذي خلق الإنسان، الأجهزة في جسم الطفل لا يمكن أن تهضم حليب البقر إلا بعد عامين، أما قبل العامين فكل ما عند الطفل مهيَّأ لهضم حليب أمه،
﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾
يفرض للولد الرضيع رزقاً يتناسب مع دخل والده :
الآن، هذا الطفل الذي طُلِّقت أمه، ما مصيره؟
الجواب:﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾على أبيه الذي ولد له، ومن كلمة ولد له، ينسب الابن إلى الأب، ويتحمَّل الأب نفقة ابنه..
﴿ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
بالمعروف أي حسب دخله، فكل إنسان له دخل، وله مستوى في الإنفاق، فكسوة هذا الطفل وطعامه وشرابه بمستوى دخل أبيه، والقاضي يقرر كم دخل الأب، ويفرض لولده الرضيع رزقاً يتناسب مع دخله..
﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾
حليب البقر والماعز مضر بالرضيع
ولدت، وجاءها خاطب، وعدتها أن تضع حملها، فإذا جاءها خاطب، لا ينبغي للأب أن يلزم الأم المطلقة بإرضاع ابنه، إنه إن فعل هذا ألغى زواجها، وجعلها بائرة، إذاً:﴿
لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾
فالأم موجودة، وهي أمه، والأب طلق، ويجب أن ترضع الأم ابنها، فهل لاحظتم أيّة إشارة إلى حليب القوارير هنا؟!
فهل الله عز وجل غفل ـ والعياذ بالله ـ عن طريقة أخرى للإرضاع، هي حليب بالقوارير؟
لا نحتاج لمرضع، ولا نحتاج لأم، القضية الآن محلولة، نغذي هذا الطفل من حليب القوارير، ولكن هنا لا نجد ذلك، إما أن ترضع الأم، وإما أن تأتي بمرضع، ولذلك فهذا الذي سأقوله لكم: لا شيء يعدل حليب الأم، أجهزة المولود لا يمكن أن تهضم إلا حليب الأم، فإن سقيته حليب البقر، أو حليب الغنم، أو حليب الماعز، فما الذي يحصل؟ أربعة أخماس الأحماض الأمينية تبقى في الدم، وهذه تصيب المولود حينما يكبر بآفاتٍ قلبيةٍ ووعائية، بل إن هناك تجربةً أو دراسة رصينة عميقة حول علاقة الذكاء بالإرضاع الطبيعي، جاءت النتيجة أنّ ذكاء أولاد سكان (جزر الباسيفيك) في الدرجة الأولى، بسبب أن أهل هذه الجزيرة لا يعرفون الإرضاع الصناعي إطلاقاً.
﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾[ سورة الطلاق: 6 ]
الله عز وجل ألم يكن يعلم أنه سيكون هناك حليباً مجففاً للأطفال وقوارير خاصة؟
ما هذه الآيات مادام العالم كله يرضع إرضاعاً صناعياً؟ فلم هذه الأحكام؟
هنا الاستنباط الخطير لا يجوز أن يرضع الطفل إلا من ثدي أمه أو امرأة أخرى لأن البوم شاسع جداً بين حليب الأم أو المرضعة وبين القوارير، فحليب البقر فيه مواد بروتينية خمسة أمثال ما يحتمل جهاز الطفل الهضمي، لذلك هناك آفات قلبية ووعائية، تنشأ مع هذا الطفل حينما يكبر بسبب الإرضاع الصناعي، فالله عز وجل يعلم السر وأخفى وما سيكون،الآن العالم كله حليب قوارير وخفيفة الوزن ومعقمة وكل شيء جاهز.
الآية التالية من آيات الإعجاز القرآني :
حليب الأم يتبدل حسب حاجة الرضيع
الشيء الذي لا يصدق: أن حليب الأم تتبدل نسبه في أثناء الرضعة الواحدة، فيبدأ في أول الرضعة بأربعين من المئة دسماً وستين من المئة ماء، وينتهي بأربعين من المئة ماء، وستين بالمئة دسماً، فتتبدَّل نِسَب الحليب كل يوم بقدرة قادر، وهو حليب معقَّم، يهضم في ساعة ونصف، وفيه مواد مضادة للجراثيم، وفيه مواد تحوي مناعة الأم بأكملها، بارد صيفاً، دافئ شتاءً، ومعقم تعقيماً تاماً، يهضم في أقل وقت، ولا يبقى منه أثر في الأوعية، ولذلك فهذه آية من آيات الإعجاز القرآني، ولا تجد في كل هذه الآيات ما يسمَّى بالإرضاع الصناعي، فالحليب للطفل، إما أن ترضعه أمه، أو أن ترضعه مرضع..
﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾
مات الأب، أو طلَّق ومات، فعلى الوارث أن يؤمن نفقة إرضاع ولد وريثه، ومن هذه الآية استنبط باب النفقة في الفقه: أن الغُرم بالغُنم، الذي يرث بعد الموت ينفق في الحياة..
﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا ﴾
أرادا أن يفطما هذا الولد..
﴿ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلاميه
امانى يسرى محمد
09-30-2025, 12:48 AM
عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها
المرأة التي يتوفى عنها زوجها، فهذه ليست مطلَّقة، وهناك ود بين الزوجين، توفي عنها زوجها، فعدتها ليست عدة براءة للرحم كالمخلوعة، ولا عدة احتمال صلحٍ كالمطلقة، فبراءة الرحم تكفيه حيضةٌ واحدة، فالتي تطلب الطلاق خلعاً، هذه لا تحتاج إلى ثلاث حيضات، بل حيضة واحدة، إذ يبرأ بهذه الحيضة رحمُها، وأما التي تطلق طلاقاً رجعياً، فلعل الأمر يصلح فيما بعد، جاءت السنة فجعلت عدتها ثلاث حيضات، أما هذه التي توفي عنها زوجها، وانفصم عقدٌ من أقدس العقود، إنه عقد الزوجية، وهذه عدتها أربعة أشهرٍ وعشراً، وليست قضية براءة رحم، ولا احتمال صلح، لقد توفى الزوج، إنها قضية حداد على الزوج، ولو أن امرأة بلغت الثمانين، ويئستْ من الحيض، ومات زوجها، فعدتها أربعة أشهرٍ وعشراً.
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
.........................................
عدَّة الخلع : فالصحيح من أقوال العلماء أنها حيضة واحدة ، وعليه تدل السنة .عن ابن عباس : أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة . رواه الترمذي ( 1185 ) وأبو داود ( 2229 ) . ورواه النسائي ( 3497 ) من حديث الربيِّع بنت عفراء . والحديثان : صححهما ابن القيم – كما سيأتي - قال ابن القيم رحمه الله :وفي أمره صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة دليل على حكمين
أحدهما : أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة واحدة ، وهذا كما أنه صريح السنة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر بن الخطاب والربيع بنت معوذ وعمها وهو من كبار الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم كما رواه الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر أنه سمع الربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها إلى عثمان بن عفان فقال له إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل ؟ فقال عثمان : لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حبل ، فقال عبد الله بن عمر : فعثمان خيرنا وأعلمنا .
وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه والإمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية .
قال من نصر هذا القول : هو مقتضى قواعد الشريعة ؛ فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة فيتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء ، قالوا : ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثا ؛ فإن باب الطلاق جعل حكم العدة فيه واحداً بائنةً ورجعيةً .
" زاد المعاد " ( 5 / 196 ، 197 )
هذا ، وقد قال بعض أهل العلم أن عدَّة المختلعة ثلاث حِيَض كعدَّة المطلَّقة ، وقد ردَّ عليهم الإمام ابن القيم أحسن ردٍّ فقال :
والذي يدل على أنه – أي : الخلع - ليس بطلاق أن الله سبحانه وتعالى رتب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع :
أحدها : أن الزوج أحق بالرجعية فيه .
الثاني : أنه محسوب من الثلاث فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة .
الثالث : أن العدة فيه ثلاثة قروء .
وعليه فإن عدة المختلعة تبقى على ما دلت عليه السنة من أنها حيضة واحدة .
والله أعلم .
الاسلام سؤال وجواب
امانى يسرى محمد
09-30-2025, 12:49 AM
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾
الصلاة قُربٌ من الله تعالى، قال تعالى:﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾[ سورة العلق: 19 ]
الصلاة ذكر لله عزَّ وجل:﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾[ سورة طه:14]
الصلاة طهارةٌ من كل دنس، الصلاة طهور، والصلاة نور، معك مصباحٌ وضَّاء يكشف لك الحق حقاً فتتبعه، ويكشف لك الباطل باطلاً فتجتنبه، ما هذا النور؟﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾[ سورة الأنفال: 29 ]من خلال اتصالك بالله يقذف في قلبك النور، فترى به الحق حقاً، والباطل باطلاً، والخير خيراً والشر شراً.
ومن خلال اتصالك بالله عزَّ وجل تكتسب الحكمة، قال تعالى:﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾[ سورة البقرة: 269]
هي طهور، وهي نور.الصلاة طهور ونور وحبور وقُرب من الله
(( أرحنا بها يا بلال ))[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]وفرقٌ كبير بين أرحنا بها، وأرحنا منها، فالصلاة يرتاح بها المؤمن، وهي عبءٌ على المنافق، وفرقٌ بين أن تكون راحةً وبين أن تكون عبئاً، إذاً فالصلاة طهور، ونور، وحبور، وقُرب من الله.
والصلاة عقل، لَيْسَ لِلْمرْءِ مِنْ صَلاَتِهِ إِلاَّ مَا عَقَلَ مِنْهَا، والدليل:﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾[ سورة النساء: 43 ]فالذي يصلي ولا يعلم ماذا قرأ في الصلاة، هذا في حكم السكران، فالصلاة عقلٌ، وقربٌ، وذِكرٌ، وسعادةٌ، وطهارةٌ، ونورٌ، وعروجٌ إلى الله عزَّ وجل، الصلاة معراج المؤمن.
والصلاة مناجاةٌ لله عزَّ وجل( لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل ))[عبد الرزاق ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن الحسن مرسلاً]إنها مناجاة، وعروج، ونور، وحبور، وطهور، وذِكر، وعقل، وقُرب، وما إلى ذلك، ولذلك يتفاوت المؤمنون فيما بينهم بإحكام اتصالهم بالله عزَّ وجل.
الشرط الأساسي للصلاة أن تلتزم منهج الله عزَّ وجل :
أخواننا الكرام؛ من البديهيّات في الدين التي لا بد أن تكون واضحةً في أذهانكم أن كل ذنبٍ يحجبك عن الله، إن أردت أن يكون الطريقُ سالكاً، والبابُ مفتوحاً، والاتصالُ مُحْكماً فلا بد أن تستقيم على أمر الله، فالشرط الأساسي للصلاة أن تلتزم منهج الله عزَّ وجل.
ونحن يوجد عندنا أحكام الفقهاء وهي رائعةٌ جداً، ولكنها تتناول شكليات الصلاة، فلا بد أن تتوضأ، والوضوء له أحكام، وله فرائض، وواجبات، وله سنن، وله مستحبات، ولا بد من أن تتوَجَّه نحو القبلة، ولا بد من أن يكون المكان طاهراً، والثوب طاهراً، والبدَن طاهراً، ولا بد من أن يدخل وقت الصلاة، ولا بد أن تقف، وأن تقرأ، وأن تركع، وأن تسجد، وأن تقعد القعود بين الركعات، والقعود الأخير، هذه أحكام الصلاة، ولكن هذا عند الفقهاء، أما عند علماء القلوب فلا بد من أن تستقيم على أمر الله حتى يكون الاتصال ناجحاً بينك وبين الله، لأنّ أي ذنبٍ يحجبك عن الله، وإذا تكاثرت الذنوب كان الران على القلب..
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾[ سورة المطففين: 14]وحينما يستمر الإنسانُ في الخطأ، وفي المخالفات، وفي بعض المعاصي، فهذه كلها تجعل قلبه في غلافٍ..﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾[ سورة البقرة: 88 ]مغلَّفة بالمعاصي، فكل معصيةٍ حجابٌ عن الله عزَّ وجل، الآن الحُجُب أنواع؛ فهناك حجاب رقيق يزول سريعاً، وهناك حجاب كثيف، أحياناً هناك ورقة، وأحياناً هناك ورقة ذات سمك أعلى، وأحياناً هناك جدار إسمنتي، فكلما كبرت المعصية ازداد الحجاب، وكل إنسان يهمل التوبة يكثف حجابُه شيئاً فشيئاً، حتى يألف القطيعة عن الله عزَّ وجل، ويألف الجفوة بينه وبين الله، وعندئذٍ لا يعي على خير، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))
أحب شيءٍ إلى الله الصلاة على وقتها :
هناك فرق بين الصحابة الكرام، وبين مسلمي آخر الزمان في الصلاة، لقد اعتنوا بها عنايةً فائقة، فاتصلوا بالله، وكانوا كالمراجل، ولما لم يحافظ المسلمون على الصلاة، صلوها، ولكن لم يحافظوا عليها، فإنسانٌ دخله حرام، ثم يقف ويقول: الله أكبر، يقف، ويُكَبِّر، ويقرأ، ويركع، ويسجد، ولكنه مقطوع عن الله عزَّ وجل، وليس موصولاً معه، بل متلبس بالمعاصي، وظالم للناس مثلاً، أو ظالم لزوجته، أو لشريكه، فالدخل حرام، والعلاقات مع النساء كلها غير منضبطة، والبيت غير إسلامي، والأولاد لم يتلقوا تربيةً من أبيهم، وإذا صليت الآن!!
إياكم ثم إياكم أن تفهموا مني أن هذه الصلاة يجب أن تُترك، أعوذ بالله، أعوذ بالله أن أقول هذا الكلام، ولكن إن لم ينضم إليها الاستقامة والعمل الصالح فلا تقطف ثمارها
السلامة تحتاج إلى استقامة، والسعادة تحتاج إلى بذل، فما لم تستقم على أمر الله وتبذل من مالك ووقتك وجهدك شيئاً لإرضاء الله عزَّ وجل، فلن تستطيع أن تتصل بالله، ولا أن تقطف الثمار من الصلاة..
ولهذه المقدمة أقول: يقول الله عزَّ وجل:
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ﴾
حافظوا على أدائها في وقتها، وأحب شيءٍ إلى الله الصلاة على وقتها، ومَن أخَّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره، حافظوا على الصلوات في أوقاتها، حافظوا عليها بإتمامها على النحو الذي أراده الله عزَّ وجل، مِنَ الوقوف، والركوع، والسجود، والقراءة، حافظوا على الصلاة؛ بمعنى أن تُسْبَقَ باستقامة على أمر الله، فإذا حافظ الطالبُ على الدوام في الجامعة، ولكنه لم يدرس ولا كلمة، فما قيمة هذا الدوام؟
ما درس، فالمحافظة على الجامعة لا يعني أن تداوم فقط، ولكن أن تدرس في البيت، فلذلك يقول الله عزَّ وجل:
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾
لا بدّ أن تستقيم على أمر الله حتى يتاح لك أن تتصل بالله :
داوموا على أدائها لأوقاتها مع رعاية فرائضها، وسننها من غير إخلالٍ بشيءٍ منها، وقد كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاةً في تمام، المحافظة على الصلاة بالمعنى الفقهي سهل جداً، أن تصليها في وقتها، وأن يكون وضوؤك سابغاً، وأن يدخل الوقت، وأن تتجه نحو القبلة، أن يكون البدن طاهراً، والثوب طاهراً، والمكان طاهراً، وأن تقف، وتركع، وتسجد، وتقرأ كما أراد النبي عليه الصلاة والسلام:
((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))[البخاري عن مالك بن الحُويرث]
هذا عند الفقهاء، أما عند علماء القلوب فلا بد أن تسبق الصلاة طاعةٌ لله، ولا بد أن تدخل إلى الصلاة وأنت مستقيمٌ على أمر الله، وضابطٌ لسانك، وعينك، ويدك، وأذنك، ورجلك، وهذا كلام دقيق، فضلاً عن شروط الفقهاء: من أن تقف، وأن تتوضَّأ، وأن تقف تجاه القبلة، فضلاً عن ذلك لا بد من شرط علماء القلوب، لا بد أن تستقيم على أمر الله حتى يتاح لك أن تتصل بالله.
إن أردت أسرع من ذلك، فلا بد أن تبذل شيئاً قبل الصلاة، شيئاً من وقتك، ومن مالك، أن تعمل عملاً صالحاً، نصيحة مسلم، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وأن ترشد الإنسانَ الضالَّ، وأن تعين الضعيف، وأن تعطيَ الفقيرَ، وأن تعتني بطالب العلم، ولا بد من عملٍ يكون هديةً بينك وبين الله.
التحذير من ترك الصلاة :
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾[ سورة الحجر : 43-44]
أحد هذه الأبواب باب شديد اسمه سقر :
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾[ سورة المدثر : 27-30]
و في آية ثانية :﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾[ سورة المدثر : 42-49]
وعيد آخر ، الوعيد الأول من الله عز وجل في قرآنه الكريم :﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ َ ﴾[ سورة المدثر : 42-43]
من ترك الصلاة فقد كفر :
و الوعيد الثاني يقول عليه الصلاة و السلام فيما رواه الإمام مسلم ( بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ ))[ مسلم عن جابر]
أي كفر عملي ، أما الكفر الذي يخرج من الملة فأن تنكر فرضيتها ، إذا كنت مقصراً في أدائها شيء و إذا كنت منكراً لأصل فرضيتها شيء آخر .
في بعض الأحاديث أيها الأخوة أن تارك الصلاة يحشر مع فرعون و هامان لأنه متكبر ، رأى نفسه أكبر من أن يضع جبهته على الأرض سجوداً لله عز وجل . و كلما بالغت في تذللك في أعتاب الله عز وجل رفع الله قدرك ، و أعلى مكانتك ، و رفع ذكرك ، علاقة عكسية كلما تواضعت لله رفع الله مكانتك ، و رفع لك اسمك ، و جعلك متألقاً ، و أسبغ عليك هيبة يهابك كل من رآك .
أولياء أمتي إذا رؤوا ذكر الله بهم ، تارك الصلاة يحشر مع فرعون و هامان لأنه متكبر ، و يقول عليه الصلاة و السلام من باب التحذير :
(( لَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ))[ أحمد عن أم أيمن]
ما معنى برئت منه ذمة الله ؟ لا رعاية و لا حماية و لا حراسة و لا توفيق و لا تأييد و لا حفظ و لا إلهام .
وعيد آخر :
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ : ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ ، أَوْ قَالَ : فِي أُذُنِهِ ))
[ متفق عليه عن عبد الله]
و يقول عليه الصلاة و السلام في حديث الإسراء و المعراج : " رأيت ليلة أسري بي أناساً من أمتي ترضخ رؤوسهم بالحجارة كلما رضخت عادت ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين كانت رؤوسهم تتكاسل عن الصلاة "
أيها الأخوة الكرام : قال تعالى :﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾[ سورة مريم : 59]
يقول ابن عباس رضي الله عنه و هو الذي أوتي التأويل : " ليس معنى أضاعوا الصلاة أنهم تركوها بالكلية و لكنهم كانوا يؤخرونها عن وقتها و يجمعونها من غير عذر " و الغي :
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾[ سورة مريم : 59]
الغي : الذي ترونه كل يوم ، الذي يصيب المسلمين كل يوم ، و قد أصبنا بذلك الغي .
تأخير الصلاة من صفات المنافقين :
أيها الأخوة الكرام : يقول عليه الصلاة و السلام :
(( عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ : كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ : بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ]
و الذي تفوته صلاة العصر كأنما :
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . . .))
[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر]
بالمقابل من حافظ على هذه الصلوات كانت له نوراً و برهاناً و نجاة يوم القيامة ، و من لم يحافظ عليهن لم تكن له نوراً ولا برهاناً و لا نجاة و حشر يوم القيامة مع فرعون و هامان وقارون و كل متكبر . و الله عز وجل يقول :
﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾
[ سورة الماعون : 4-5]
يقول بعض العلماء الكبار ابن القيم : دخلت على أستاذي و قد حبسه التتار فبكيت لحاله فقال لي : لا تبك لست أنا المحبوس ، لست أنا المأسور ، المحبوس من حبسه شيطانه ، و المأسور من أسره هواه ، أما تأخير الصلاة أيها الأخوة فهي من صفات المنافقين ، لقوله تعالى :
﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[ سورة النساء : 142]
أيها الأخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني .
.﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ )
بمعنى حافظ على التزامٍ قبل الصلاة، وعلى طاعةٍ الله قبل الصلاة، حافظ على إحسانٍ للخلق، كي تجد الطريق سالكاً
لا تستطيع أن تتصل بالله إلا بعملٍ طيب :
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾ سورة الكهف: 110
وأبواب الله مفتَّحة، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، اعمل عملاً طيباً،في البيت هناك عمل طيب، كن أباً كاملاً فهذا عمل طيب، وكن ابناً باراً، وكوني زوجةً وفيةً، وكن أخاً رحيماً، والآن كن تاجراً صدوقاً، أو كن موظفاًأميناً على مصالح المواطنين، واخدم الناس؛ وكن عفيفاً، وابذل وانصح الناس،
وتعالَ إلى الصلاة، كل هؤلاء الناس عباد الله، فإذا أكرمتهم، ونصحتهم، وطمأنتهم، وأخلصت لهم،
وقدَّمت لهم خدمة، وأعنت ضعيفَهم، وأطعمت جائعهم، وكسوت عاريهم، فالله عزَّ وجل يتجلَّى عليك بالصلاة، هذه أدق نقطةٍ في الصلاة: كيف تقف بين يدي الله عزَّ وجل كي تتصل به وقد ضربت فلاناً، وشتمت فلاناً، واعتديت على فلان، وقتلت فلاناً، وابتززت مال فلان، واحتلت على فلان، وتقول: يا رب الحمد لله رب العالمين، سوف تجد الطريق مسدوداً، ملعون هذا الإنسان، لعنه الله، وأبعده عن جلاله، فكيف تستطيع أن تصلي ومالُك حرام؟ وأنت تبني مجدك على أنقاض الآخرين؟ تبني حياتك على موتهم، وغناك على فقرهم، وأمنك على خوفهم، وكيف تستطيع أن تصلي وقد أسأت لمن حولك؟ هذا زوج ظالم، وذاك تاجر غشاش، ورجلٌ ماكر، وشريك محتال، وموظف يبتز أموال الناس، ويعقِّد الأمر عليهم، كيف يستطيع أن يصلي؟ بإمكانك أن تقف، وأن تقرأ، وتركع، وتسجد، أما أن تتصل بالله وقد أسأت إلى خلقه، وابتززت أموالهم، وأخفتهم، وأتعبتهم، والإنسان بُنيان الله وملعون مَن هدم بنيان الله، فلا تستطيع أن تصلي.
إن أردت أن تكون موصولاً بالله فعليك بطاعة الله والإحسان إلى خَلْقه :
أكاد أقول أيها الأخوة: هذه أخطر نقطة في الدين كله، الدين كله أنْ تستقيم، وأنْ تكون صادقاً.. قَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:((أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْماً أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيف فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا
نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصَدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ والْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ))[أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين )
هذا هو الإسلام، الإسلام أخلاق، والإسلام صدق، وأمانة، ونصيحة، وعفة، وحكمة، ورحمة، هذا هو الإسلام، إنْ كنتَ هكذا فالطريق إلى الله سالك، والآن إنسان عنده هاتف ولكن لا يوجد خط، رفع السماعة فلم يسمع صوتاً، ليس للخطِّ قيمة إطلاقاً إلا بهذا الصوت، يقال: الخط لا توجد حرارة، والاستقامة تحدث حرارة، ومن دون استقامة لن توجد الحرارة، الخط مقطوع، إن أردت أن تكون موصولاً بالله فعليك بطاعة الله، وعليك بالإحسان إلى خَلْقه، والإنسان بنيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله.
جاء إنسانٌ فقيرٌ ليشتري منك حاجة، فشعرت أنه مغفّلٌ، فبِعته حاجةً سيِّئةً بسعرٍ باهظ، ثم تقول: أخي حان وقت الصلاة، وقد أذَّن، نذهب إلى المسجد، أي مسجد هذا؟ هذه اسمها احتيال، فأنت تغش الناس، وتكذب عليهم، وتبتزُّ أموالهم، تخوِّفهم أحياناً، وتحتال عليهم، وتطلب شيئاً ليس من حقك أن تأخذه، ولادة طبيعية، تقول: قيصرية، ستة عشرَ ألفاً، فصدقك وقال لك: مثلما تريد، علماً بأنّ الولادة عادية جداً، طبعاً بين ثلاثة آلاف وبين ستة عشرَ ألفاً فرق كبير، وهكذا الطبيب، والمدرس، والمحامي، وكل إنسان هكذا
معنى الصلاة الوسطى:
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾
1 ـ إحدى الصلوات الخمس:
قال: الوسطى؛ هي الوسطى بين الصلوات، بمعنى المتوسطة، فهناك مَن قال: الصبح هي الصلاة الوسطى، وبعضهم قال: الظهر، وآخرون قالوا: العصر، والبعض قال: المغرب، وآخرون قالوا: العشاء، ولكل هذه الأوقات الخمس أقوالٌ معتمدة، وهذه قضية خلافية.
2 ـ الصلاة المعتدلة بين الطول والقصر والجهر والإسرار والتكلف والتساهل:
وبعضهم قال: الصلاة الوسطى هي الصلاة المتوسطة:
﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ﴾
[ سورة الإسراء: 110 ]
لا تكون صلاة لأربع ساعات، ولا صلاة لدقيقة واحدة، ولكنها صلاة وسطى، هي معتدلة في الطول والقصر، وفي الجهر والسر، وهناك صلاة فيها تكلُّف غير مقبول، وهناك صلاة فيها تساهل، والصلاة الوسطى بين الصلاتين، هي بين التكلف الممقوت والتساهل الذي يؤدي إلى عدم قبولها، وبين إطالتها إطالةً غير معقولة وبين أن تكون مختصرة، وبين أن ترفع صوتك فتشوِّش على الناس كلهم، و قد يكون هناك درس علم ويأتي أخ فيصلي، ويقتدي به اثنان أو ثلاثة، فيُسمع الحرم والصحن بصوته!! شوشت على الدنيا كلها، أسمع مَن حولك، لا، هو متقن التجويد، يجب أنْ يُسمعك، لي درس في بعض الجوامع، يبدأ درسنا، فيأتي اثنان ويصليان بأعلى ما يمكن، فصار التدريس صعباً، فالصلاة الوسطى: المعتدلة بين الطول والقصر، وبين الجهر والإسرار، وبين التكلف المقيت وبين التساهل المتفلِّت، هذا هو المعنى الثاني.
3 ـ إحدى الصلوات غير الصلوات الخمس:
وقال بعضهم: هي بعض الصلوات الخاصة غير الخمس، كصلاة الفطر، وصلاة الأضحى، وصلاة الجماعة، وصلاة الخوف، أو صلاة الجمعة، أيْ الصلوات غير الخمس..
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾
أو على طريقة للصلاة معتدلة متوسطة، أو على أوقات بعينها، وبعضهم قال: حافظوا على الصلاة بين الصلاتين، كن مع الله عزَّ وجل بالدعاء وبالإقبال.
4 ـ الصلاة الوسطى هي صلاة العصر:
أما علماء الأثر فقد ذهبوا إلى معنى الصلاة الوسطى أنها صلاة العصر، لما في الصحيحين عن عليٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب، وفي رواية يوم الخندق عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ))[ متفق عليه عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
وفي روايةٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يَوْمَ الْأَحْزَابِ شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ))
[ رواه مسلم عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
إذاً يمكن أن تكون إحدى الصلوات الخمس، أو إحدى الصلوات غير الصلوات الخمس؛ الفطر، والأضحى، والجمعة، والخوف، والجنازة، ويمكن أن تكون الصلاة الوسطى الصلاة المعتدلة بين الطول والقصر، والجهر والإسرار، والتكلف والتساهل، ويمكن أن تكون بحسب هذا الأثر الصحيح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
أيها الأخوة؛ بيَّن بعض العلماء ما في هذا العصر من فضائل فقال: ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ]
أي خسر أهله وماله، فشخص يخسر أولاده وزوجته بحريق بيت مثلاً، أو يفلس، هكذا قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين.
وفي حديثٍ آخر أخرجه الإمام البخاري عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَال:
((كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ]
أي قدموها في أول وقتها. وفي حديثٍ ثالث:
((مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ))
[البخاري عن بريدة]
و "بكَّروا بصلاة العصر"، أيْ قدموها في أول
أدلَّة كثيرة من القرآن والسُّنة تؤكد على أن هذه الصلاة هي صلاة العصر :
هناك أدلَّة كثيرة على أن هذه الصلاة هي صلاة العصر، وقال بعض العلماء: الساعة التي في يوم الجمعة، ساعة الدعاء المستجاب، تكون بعد العصر، هذا أحد أسباب ترجيح صلاة العصر، والشيء الأساسي أن النبي صلى الله عليه وسلَّم غلَّظ المصيبة في فواتها بذهاب الأهل والمال في الحديث المتقدِّم، فأول شيء يدعونا إلى أن نعظم هذه الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم غلظ المصيبة في فواتها بذهاب الأهل والمال في الحديث المتقدم.
شيءٌ آخر هو: أنّ تاركها المضيع لها حبِط عملُه كما ورد في الحديث الثالث أيضاً، العمل يحبط لمن ترك صلاة العصر، ومنها أنها كانت أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم، وأبنائهم، وأهليهم، وأموالهم، صلاة العصر. ومنها حديثٌ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ))
[ رواه مسلم عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ]
ومنها: أن انتظارها بعد الجمعة كعمرة، كما روى بعضهم في الحديث الشريف.
ومنها؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ))
[ متفقٌ عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
وسيدنا سُليمان كما يذكر أتلف مالاً عظيماً لأنه شغله عن صلاة العصر، ومن هذا أيضاً أن الساعة التي في يوم الجمعة، ساعة الاستجابة، هي بعد العصر من يوم الجمعة كما يرجِّح بعض العلماء، ومنها أن وقت صلاة العصر وقت ارتفاع الأعمال إلى الله عزَّ وجل، ومنها الحديث المرفوع:" إن الله تعالى يوحي إلى الملكين: لا تكتبا على عبدي الصائم بعد العصر سيئةً ". ومنها ما جاء في قوله تعالى:
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
[ سورة العصر:1ـ2 ]
قال بعض العلماء: هي الصلاة الوسطى أي صلاة العصر. ومنها ما روي في الحديث: أن الملائكة تصف كل يوم بعد العصر بكتبها في السماء الدنيا، فينادي المَلَك: ألقِ تلك الصحيفة، فيقول: وعزتك ما كتبت إلا ما عمل. والشيء الذي يلفت النظر أن هذا الوقت وقت نوم، أو وقت اشتغال بالتجارة، فوقتها وقت اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم في الغالب.
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
10-01-2025, 09:04 PM
الإحسان أن يوصي الزوج المتوفى أن تبقى زوجته في بيته إلى نهاية العام :
قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ ﴾
إلى نهاية العام..
﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
قبل أن نمضي في شرح هذه الآية هناك آية أخرى:
﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾
[سورة البقرة: 234]
الجمع بين الآيتين على النحو التالي: المرأة عليها أن تعتدَّ ببيت زوجها، وأن يُنْفَقَ عليها هي وأولادها أربعة أشهر وعشراً على وجه الإلزام، لعله لم يأت خاطب، لعل أهلها مسافرون، يجب أن تبقى في بيت زوجها إلى نهاية العام، تسكن وينفق عليها، فعندنا عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر، هذه عدةُّ إلزامية، أما الإحسان أن يوصي الزوج أن تبقى زوجته في بيته، وأن يُنْفَق عليها إلى العام، إلى نهاية العام.
بعد وفاة الزوج ينبغي أن تُمَتَّع زوجته بأن تسكن في بيته وتأكل وتشرب :
﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً ﴾
ينبغي أن تُمَتَّع؛ أن تسكن في هذا البيت، وأن تأكل وتشرب، أن تبقى فيه إلزاماً أربعة أشهر وعشر، وأن تبقى فيه اختياراً إلى نهاية العام، مع الإنفاق عليها..
﴿ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾
دون أن تُخْرَج من بيت زوجها بعد موته..
﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾
إذا خرجت من تلقاء نفسها مختارةً، وقد خطبها خاطب، قال:﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ﴾
المرأة إذا توفي عنها زوجها وكانت شابةً، هي بحاجة إلى زوجٍ يحميها ويعتني بها، فإذا تزيَّنت للخُطَّاب وإذا طمحت إلى زواج وفق الشريعة الإسلامية، وفق الأصول والآداب الإسلامية..
﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
المعروف ما عرفته النفوس السليمة والفِطَر السليمة :
كلمة( معروف) من أروع ما تفسر به هذه الكلمة أن هذا الدين دين الفطرة، فالنفوس السليمة والعقول الصريحة تقبله وتأبى غيره، فالمعروف ما عرفته النفوس السليمة والفِطَر السليمة، والمُنكر ما أنكرته الفِطر السليمة، طبعاً استطراداً، هناك بعض المحاكم في بلاد الغرب يعتمدون على الفطرة السليمة، فيأخذون من عَرْض الطريق مجموعة من الأشخاص يعرضون عليهم وقائع جريمة، هؤلاء غير منحازين، ليس لهم مصلحة لا في إدانة المذنب ولا في تبرئته، ينطقون بشكل عفوي أن يُبْقى الذي ينبغي أن يكون، فلذلك المعروف ما عرفته الفِطَر السليمة، والمنكر ما أنكرته الفِطَر السليمة، فالفتاة حينما تعتني بهندامها وتعتني بمظهرها لمن يخطبها، هذا شيء طبيعي، هذا مركب في أصل فطرتها، فالمرأة إذا كانت امرأة صالحة وفيّة وتوفي زوجها، وهي في مقتبل العمر، وأمضت العدة الشرعية في بيت زوجها، ثم أرادت أن تنتقل إلى بيت أهلها، لتستقبل الخطاب مثلاً..
﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
قال :﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾
أي المرأة التي طُلِّقت هذه فقدت أعظم شيء في حياتها، زوجها، فهذا الزوج فضلاً عن إعطائها المهر، وعن تسريحها بإحسان، ينبغي أن يُمَتِّعَها، قال بعض الفقهاء: أن يمتعها بنصف مهرها إكراماً لها، تعويضاً عن فقد الزوج، هذا شيء الآن يبدو خيالي، حينما يزمع الرجل أن يطلق زوجته تنشأ الخصومات، وتتراشق التُهَم، وكل طرف يجعل الطرف الآخر في الوحل، ويتكلم في عِرض المرأة، ويتكلم في بخل الزوج، وتجري هذه القصص بشكل غير معقول.
الله عز وجل قطع سلطان البشر عن الأجل والرزق :
قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾
أو أن مرضاً يتهددهم، إلا أن الله عز وجل لم يذكر السبب، ولكن ذكر النتيجة، خرجوا من ديارهم وهم ألوف مؤلَّفَةٌ حذر الموت، وبعضهم قال: هم ألوف متآلفة قلوبهم وليسوا أعداء، ولكن خطراً تهددهم، إما خطر عدوٍ داهم، أو خطر مرضٍ عُضال، على كلٍ:
﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾
أماتهم بكلمةٍ واحدة..
﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾
بكلمةٍ ثانية..
﴿ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾
لعل من أوجه التفاسير: أن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت خرجوا خوفاً من عدو متربِّصٍ بهم، وكأنَهم توهَّموا أن هذا العدو هو الذي سيقضي عليهم، هو الذي سينهي حياتهم، فخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، ولكن الله أكَّد لهم أن الموت بيد الله، هم خرجوا طلباً للسلامة، فأماتهم الله، ثم أراد الله أن يحييهم فأحياهم، فالموت والحياة بيد الله وحده، الله عز وجل قطع سلطان البشر عن شيئين: عن الأجل، وعن الرزق، فرزقك عند الله، وأجلك بيد الله..
(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب ))
[حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان..]
هكذا ورد في الأثر، لذلك هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، خرجوا خوفاً من الموت فأماتهم الله بكلمةٍ واحدة ثم أحياهم، لذلك ورد في القرآن الكريم:
﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة الجمعة : 8 ]
أشدّ أنواع المصائب هي محض فضل من الله :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 243]
ألم تر - بربكم هل رأيتم بني إسرائيل وقد أخرجهم بختنصر؟ هل رأيتم بأعينكم ذلك؟- يقول الله عزّ وجل:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 243]
قال بعض العلماء: الخبر الذي أخبرك الله به يجب أن يقع منك بمصداقيته موقع الرؤية. خبر الله عن الماضي السحيق والأقوام السالفة يجب بمصداقيته أن يقع بنفسك موقع الرؤية. أما الشيء الذي يلفت النظر فهؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، لاشك أن التشرد صعب جداً، كل واحد له بيت، له مكان ينام فيه، له مكان يجلس فيه، له مكان يأوي إليه، له طعام يتناوله، له أولاد بين يديه. تصور شخصاً منا خرج هو وأهله وأولاده إلى قارعة الطريق، أين ينام؟ ماذا يأكل؟ ماذا يفعل؟
فهذه من أكبر المصائب.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾
تستمعون في الأخبار مئة ألف هربوا من بلادهم خوف الحرب الأهلية، أين ناموا؟ في البرد الشديد أو في الحر الشديد. هذه مصيبة كبيرة، ومع ذلك يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾
كيف نوفق بين أول الآية وبين آخرها؟
خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، إن الله لذو فضل على الناس.
الله جلّ جلاله مربّ لولا أنه يسوق الشدائد لما وصل العباد إليه، ولما سعدوا بقربه، ولما نجوا من عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة،
فلذلك هذه الآية تؤكد أن أشد أنواع المصائب هي محض فضل من الله عزّ وجل.
الله عز وجل ما أمرك أن تعبده إلا وقد طمأنك أن أمرك كله إليه :
أحياناً الإنسان يتوهَّم الموت عن طريق القلب، فإذا هو يموت بحادث، أحياناً يتوهَّم الموت في مكان خَطِر، في خط مواجهة، فيذهب إلى مكانٍ عميقٍ في الداخل، يأتيه الموت هناك..
﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾
قد تفاجئون بموتٍ لم يخطر على بالكم، فلذلك هم خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، خوف الموت..
﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
مِن أعظم فضل الله علينا أن حياتنا بيد الله، وأن رزقنا بيد الله، وأن يد البشر مقطوعةٌ عن أن تتحكم بأرزاق العباد، وعن أن تتحكم بآجالهم، ولو بدا ذلك للسُذَّج من الناس، أو لضعاف العقول، أو لضعاف الإيمان، أن زيداً أو عُبيداً بيده الرزق الوفير أو القليل، وبيده الحياة أو الموت..
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾
أي أنه ما أمرك أن تعبده إلا وقد طمأنك أن أمرك كله إليه:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
لا يعقل أن يأمرك أن تعبده وأمرك ليس بيد الله، بيد زيد أو عُبيد
من أجل النِعَم أن أمر الحياة والموت بيد الله عز وجل (يحيي ويميت)، وأن أمر الرزق بيد الله عز وجل،
وقد قيل: " كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً "،
لكن ضعف الإيمان، وضعف الإدراك، والبُعد عن جوهر هذا الدين، يلقيان في القلب الخوف والهلع.
موضوع الجهاد :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾
مَن هم؟
لم تأتِ هذه الآيات على ذكر أسمائهم، ولا على ذكر أماكنهم، ولا على ذكر أزمانهم، لا أسمائهم، ولا أماكنهم، ولا أزمانهم.
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾
وقد يقول قائل: كيف يقول الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام: " ألم تر "، مع أن النبي لم ير ذلك،
قال علماء التفسير: حينما يخبرك الله عز وجل، ينبغي أن تتلقى هذا الإخبار وكأنه شيء تشاهده، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾
[ سورة النساء: 87 ]
مَن أصدق من الله حديثاً؟! فإذا أخبرك الله عن شيء، يجب أن تتلقاه وكأنك تراه:
﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾
[ سورة الفيل: 1-2 ]
يقول الله عز وجل:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾
بعضهم يقول: لعل عدواً يتهددهم، فنزحوا عن بلادهم خوفاً منه، وهذا ما يجري الآن حينما تنشب حرب طائفية أو حرب أهلية في مجتمع ما، مئات الألوف تنزح عن أرضها وترجوا السلامة في بلدٍ آخر.
الجهاد بالمعنى الاصطلاحي هو:
1- جهاد النفس والهوى.
2- الجهاد الدعوي.
3- الجهاد القتالي.
جهاد النفس والهوى هو الجهاد الأوّل، لأن المهزوم أمام نفسه لا يمكن أن يبذل لا من ماله ولا من حياته، لا بد أن تعرف الله، لا بد من أن تجاهد نفسك كي تعرف الله وكي تطيعه، إذا جاهدت نفسك وهواك، عندك جهادٌ دعوي، وهذا الجهاد الدعوي متاح والحمد لله في معظم البلاد الإسلامية، الجهاد الدعوي:
﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾
[ سورة الفرقان: 52 ]
وقد سماه (جهاداً كبيراً)، أما حينما تكون قوياً، وتستطيع عن طريق الجهاد القتالي أن تنشر هذا الدين في الآفاق، وأن تكون في أعلى مستوى من القدوة الحسنة، عندئذٍ يتوجب الجهاد القتالي:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
ويجب أن تقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فمَن قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا فهو في سبيل الله..
أدلة أنواع الجهاد من القراّن
1 – الدليل القرآني على الجهاد البنائي:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 60]
ترهبونه من أجل ألا يكون إرهاب.
الإرهاب الغربي الدولي المنظم المخطط له المدروس من أجل أن يستمر يحتاج إلى إرهاب إسلامي مستمر، هم يصنعونه لنا، وينسبونه إلينا من أجل تشويه سمعتنا، لذلك إن أعددت لهم العدة من أجل ألا تتهم بالإرهاب تحترم، قال تعالى:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 60]
هذا الجهاد البنائي.
2 – الدليل القرآني على الجهاد الدعوي:
الجهاد الدعوي:
﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾
[ سورة الفرقان: 52]
ما في إنسان إلا ويحضر يوم الجمعة إحدى خطب المساجد؛ هذا الخطيب ألم يقل آية؟ ألم يشرح آية؟ ألم يشرح حديثاً؟ ألم يبين حكماً؟ ألم يبين قصة؟ ألا تستطيع أن تذكر شيئاً مما قاله في ساعة؟! هذا الذي ذكرته، وتأثرت به، وتفاعلت معه، يجب أن تنقله، ولو فعل كل المسلمين هذا لكنا في حال غير هذا الحال، لا يوجد واحد من الحاضرين إلا له لقاءات, وسهرات، وسفر، وولائم، وزيارات، و تهنئة، وتعزية, هذه اللقاءات الاجتماعية التي تجري كل أسبوع، لو أن كل إنسان لزم خطيباً يثق بعلمه، واستقامته، وورعه، وأخذ عنه شيئاً من خطبة الجمعة، وصار يبلغ الناس مما سمع، وهذا الذي أقوله دائماً: أنت مكلف أن تنقل عن رسول الله ولو آية، ولو حديث
1 – الدليل القرآني على جهاد النفس:
الجهاد النفسي، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
[ سورة العنكبوت: 69]
آيات قرآنية كلها كلام الله، لا يحذف منه شيء، أنت بين جهاد النفس والهوى، وهو أصل الجهاد،
بالنسبه للجهاد القتالي مرحلة متقدمة جداً، أما الشيء المتاح لنا جميعاً؛ أن نجاهد أنفسنا وأهواءنا؛ الإنسان إذا ضبط شهواته، ضبط أهواءه، وحمل نفسه على طاعة الله، علاقاته، وزكى نفسه، فقد جاهد الجهاد الأول، فإذا انطلق إلى غيره يبين لهم، ويدعوهم، ويؤكد لهم بالدليل والتعليم, فقد انتقل إلى المرتبة الثانية، فإذا أتيح لنا أن نقاتل اليهود في المستقبل إن شاء الله, هذا هو الجهاد القتالي.
عندنا الجهاد: جهاد النفس والهوى، الجهاد الدعوي، ثم الجهاد القتالي.
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾
(245) سورة البقرة
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
ذاتُ الله العليَّة جعلها ربنا جل جلاله في موطن أن تقرضه، إنك إن فعلت خيراً مع عباده فكأنما أقرضته قرضاً حسناً، إن أعنت الناس، إن يسَّرت على مُعسرهم، إن كشفت عن كُربتهم، إن نفست عن كربهم، إن أفرجت عن أسيرهم، إن أعطيت فقيرهم، إن عالجت مريضهم، إن فعلت خيراً تجاه عبدٍ من عباد الله، فإن هذا العمل الطيب هو فرضٌ إلى الله عز وجل، وسوف تأخذه أضعافاً مُضاعفة، هذا المعنى يؤكِّده الحديث القدسي الصحيح:
(( يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ))
[ صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
يا داود، استطعمتك فلم تطعمني. قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي... " إلى آخر الحديث.
هذا المعنى أيها الأخوة لو تأمَّلناه تأمُّلاً دقيقاً لذابت نفوسنا، خالق السماوات والأرض، الذات الكاملة يقول لك: إذا أحسنت إلى عبدٍ من عبادي كائناً مَن كان، أو إذا أحسنت إلى مخلوقٍ من مخلوقاتي كائناً مَن كان فهذا قرضٌ لي، وسأؤديه لك أضعافاً مضاعفة، هذا المعنى أيها الأخوة، لو تمثلناه لانطلقنا في خدمة الخلق، أي إنسان إياك أن تسأله من أين أنت؟ هذا عبدٌ لله عنده كُربة يجب أن تنفث عنه، هذا محتاج يجب أن تساعده، هذا مريض ينبغي أن تمرِّضه، هذا أخرق ينبغي أن ترشده، هذا جاهل ينبغي أن تعلمه، هذا منكسر ينبغي أن تجبره، هذه الأعمال الطيِّبة، ابتسامةٌ تلقى بها أخاً كريماً، مبلغ من المال تقرضه لأخ محتاج، زيارةٌ لمريض ترفع بها معنويَّاته، هذه الأعمال الصالحة وَمثيلاتها ومثيلاتها هي بمثابة قرضٍ حسنٍ لله عز وجل، وسوف يضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾
إقراض العبد له سبب لإكرامه يوم القيامة :
بشكل مبسَّط أيها الأخوة، قد تجد صديقاً لك عزيزاً عليك، ابنه معه، وفي جيبك قطعة حلوى، إنَّك تقدِّم هذه القطعة لابنه الصغير إكراماً لأبيه، قد لا تنتبه إلى الابن بقدر ما تنتبه إلى الأب، فهذه القطعة التي قُدِّمت لهذا الصغير، هي في حقيقتها قُدِّمت للأب، إنك إن أكرمت ابنه فكأنما أكرمته، هذا المعنى لو تمثَّلناه جميعاً، إنك حينما تُحسن إلى عبدٍ من عباد الله كائناً مَن كان، أو إلى مخلوقٍ من مخلوقات الله كائناً ما كان، فهذا قرضٌ لله عز وجل.
وهذه المرأة التي وجدت كلباً يأكل الثرى من العطش، نزلت بئراً، ملأت خُفَّها ماءً، ثم صعدت فسقت الكلب، فشكر الله لها، فغفر لها، هكذا المسلم، جميع المخلوقات أمامه سيَّان، بشر وغير بشر، مخلوقات لله عز وجل، فإذا طمأنهم، وتلطَّف بهم، وأحسن إليهم وأكرمهم، ودلَّهم على الله، وأعانهم على أمر دينهم ودنياهم، فهذه الأعمال الطيِّبة هي بمثابة قرضٍ حسنٍ لله عز وجل..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
من باب التقريب، تصور مَلِكاً وهو يملك كل شيء، قال لإنسان فقير: أقرضني درهماً وخذ مكانه قصراً، أقرضني درهماً وخذ مكانه منصباً، أقرضني درهماً وخذ مكانه ثروةً، إذا أحجم هذا الإنسان الفقير عن أن يقرض المَلِك درهماً واحداً ليأخذ مكانه قصراً منيفاً، أو ثروة طائلة، أو منصباً رفيعاً، فهو أحمق، هذا الذي أحجم عن أن يقرض ملكاً، الملك غنيٌ، ولكن أراد أن يكون هذا القرض سبباً لإكرام هذا الفقير، وكأن الله عز وجل أراد من هذه الآية، أن يكون إقراض العبد له سبباً لإكرامه يوم القيامة..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
أخرج من ذاتك لخدمة مخلوق لوجه الله تتألق، أنت تفعل شيئاً لوجه الله تعالى، ولا تبتغي أجراً، ولا جزاء، ولا شكورا.
﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ﴾( سورة الإنسان: 9 )
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)﴾سورة الحديد
أضعاف مضاعفة، لا ظن إذا خدمت ضيعت وقتك، ضيعت مالك،
في ميزان الدنيا:
إذا الإنسان بذل من وقته بلا ثمن، بذل جهده بلا ثمن، بذل خبرته بلا ثمن بذل علمه بلا ثمن، بكون مجنون
أما بميزان الآخرة هو العاقل
كان عليه الصلاة والسلام يوزع شاة، وزعها ولم يبقى إلا كتفها، السيدة عائشة يعني يبدو أنه دع لنا منها شيئاً، قالت له لم يبقى إلا كتفها، فقال عليه الصلاة والسلام: بل بقيت كلها إلا كتفها
﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ﴾
امانى يسرى محمد
10-01-2025, 09:05 PM
اختلاف العلماء حول المقصود بـ(التابوت) :
﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) الآية 248سورة البقرة
اختلف العلماء حول هذا التابوت، التابوت ورد في قصة سيدنا موسى:
﴿أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ﴾[ سورة طه: 39]
قالوا: هذا التابوت الذي نجَّى الله به موسى، كان محبوبٌ عند بني إسرائيل ثم ضاع منهم، بحثوا عنه فلم يجدوه، فكان من علامة أن هذا المَلك اختاره
الله عز وجل أن يأتيهم التابوت، وبعضهم قال: إن التابوت صندوق فيه التوراة،وفيه الآيات التي أنزلها الله على نبيه موسى عليه السلام، لكن المعنى
الثاني أوجه:﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾
هذا التوراة كما أنزله الله عز وجل، ليس المحرَّف، هذا التوراة إذا قرأه الإنسان وهو كلام الله عزوجل امتلأ قلبه سكينة واطمئناناً، فيه سكينة من ربكم..
﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾
أقوال هذا النبي، كيف أنه في ديننا هناك كتابٌ كريم هو القرآن الكريم، وهناك أحاديث شريفة، تبيان النبي عليه الصلاة والسلام لما في القرآن الكريم، كذلك هذا التابوت؛ الصندوق الذي كانت فيه ألواح سيدنا موسى وما فيها من آيات مُحْكَمات..
﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
علامة أن طالوت اختاره الله لكم ليقودكم في جهادٍ تستردون فيه أرضكم وكرامتكم.
الآية التالية جزءٌ من القصة وفيها أيضاً إشارة إلى حقيقة علمية :
قال تعالى:﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾بنهر فيه ماءٌ عذب..﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾
طبعاً، إضافة إلى أن هذه الآية جزءٌ من القصة، فيها إشارة إلى حقيقة علمية، وهي: أن الإنسان إذا بذل جهداً عالياً جداً جِداً في وقت حر شديد، ثم وصل إلى ماء بارد عذب كالفرات، وشرب حتى ارتوى، ربما يموت من لحظته، لأن حرارة الجسم في أعلى مستوى، فإذا أدخلت إلى جوفك ماءً بارداً فجأة، هناك
عصبٌ في المعدة اسمه العصب الحائر، هذا عصبٌ مربوطٌ بين المعدة والقلب، وهناك حالات كثيرة لوفاةٍ مفاجئة تمت بسبب شرب ماءٍ بارد جداً عقب جهدٍ كبير جداً، هذه حقيقة، فهناك مَن يموت فجأة، هؤلاء الذين ضلوا في الصحراء، إذا وصلوا إلى ماء بارد، وشربوا منه حتى ارتووا، ربما أصابتهم سكتة قلبية، هذه حقيقة، لكن هنا سياق الآيات..
﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾امتحان آخر، مع أنه حقيقة طبيةٌ، امتحان..
﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾معنى ذلك أن الإنسان إذا بذل جهداً كبيراً جداًً، وكان في أعلى حالات
العطش، له أن يشرب كميةً قليلةً جداً، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(( مصوا الماء مصاً، ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب ))[ البيهقي في الشعب عن عائشة]فإذا شرب ما يملأ كفَّه، ومصه مصاً، لعل الخطر لا يقع.
الإنسان إذا عصى أو خالف يشعر بوهن في قواه :قال تعالى:﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ﴾الذي قاتلوا معه قليل مِن كثير، والذي امتنعوا عن شرب ماء النهر أيضاً قليل من كثير..﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾هنا الحقيقة، الحقيقة أن الإنسان إذا عصى أو إذا خالف يشعر بوهن في قواه، الآن لو إنسان ملتزم تماماً يقوم إلى الصلاة نشيطاً، أما إذا سمح لنفسه أن يفعل شيئاً لا يرضي الله، وأذَّن العشاء، يقوم إلى الصلاة متكاسلاً، صار حجاب بينه وبين الله، فهؤلاء الذين عصوا أمر قائدهم وشربوا من ماء النهر لما واجهوا العدو القوي..
﴿ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَاالْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
هذا ينقلنا إلى أن هناك نصرٌ استحقاقي.
:::::::
أنواع النصر :
1 ـ النصر الاستحقاقي:
النصر الاستحقاقي ولو كنتم قلةً، لكنكم إن كنتم مؤمنين حقاً، متمسكين بأهداب الشرع، ملتزمين، مفتقرين إلى الله عز وجل ولو كنتم قلة، لقوله تعالى:
﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ 249 سورة البقرة
هذا هو النصر الاستحقاقي.
2 ـ النصر التفضلي:
أما حينما يقول الله عز وجل:
﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ*فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾[ سورة الروم: 2-4 ]
هذا نصر تَفَضُّلِّيّ، قد لا يستحق الرومان أن ينتصروا على الفُرس، قد لا تتوافر فيهم شروط النصر، ولكن حكمة الله اقتضت أن ينصر الأقل سوءاً على الأكثر سوءاً، هذا نصر تفضُّلي، وقد تستمعون إلى نصرٍ في العصور الحديثة يشبه النصر التفضُّلي، قد لا يستحق المنتصر أن ينتصر، إلا أن حكمة الله تقتضي أن ينتصر الأقل سوءاً على الأكثر سوءاً، هذا النصر الثاني، النصر التفضلي.
3 ـ النصر التكويني :
أما النصر التكويني فهذا لا علاقة به بالدين إطلاقاً، طرفان بعيدان عن الله، طرفان جاهلان، طرفان معرضان عن الله، طرفان لا يؤمنان بالله إطلاقاً، هذان الطرفان ينتصر الأكثر عُدَّة، والأكثر عدداً، والأمضى سلاحاً، والأكثر دقة في الرمي، والأغنى، والأقوى، والأعلم، فهذا عندئذٍ نصر تكويني، لا علاقة له بالدين، لذلك قالوا: المعركة بين حقين لا تكون لأن الحق لا يتعدَّد، وبين حقٍ وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي وهذا هو النصر التكويني.
توازن القوى من نِعم الله الكبرى :
فأما قوله تعالى:
﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا ﴾
هؤلاء القلة القليلة..
﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾
بهذا الدعاء المخلص، قال:
﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ ﴾
الذي كان في جيش طالوت..
﴿ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾
هنا المغزى..
﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
حينما تكون القوى متوازنة هذه من نِعم الله الكبرى، توازن القوى، أما حينما ينفرد قطب واحد في الأرض، نرى العجب العُجاب، نعمة التوازن لم نكن نعرف قيمتها، أما الآن عرفنا قيمة التوازن بين القوى في العالم، من صالح الضعفاء، من صالح الدول الكثيرة، أما حينما ينفرد قطبٌ واحدٌ بالقوة يفعل ما يشاء دون رحمة، أو دون خوفٍ أو وَجَل..
قصص داود وطالوت وجالوت تشهد للنبي محمد بالنبوة :
مرة ثانية:
﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾
توازن القوى..
﴿ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
من دلائل فضله أنه جعل القوى متوازنة في الأصل، أما لاستثناءٍ أراده الله حينما تكون قوة واحدة تستقطب العالم كله، هذا يعود بالويلات على بقية الشعوب، على كلٍ اللهم أرنا نعمك بوفرتها لا بزوالها..
﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
لكن من أين جاء النبي بهذه القصص؟
داود، وطالوت، وجالوت، وهؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؟
هذه قصص لم يشهدها النبي عليه الصلاة والسلام، فلما جاء بها مفصلةً، واضحةً، جليةً معنى ذلك هذه القصص تشهد له بالنبوة، لقول الله عز وجل:
﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾[ سورة آل عمران: 44 ]
فمَن علَّمك هذا؟
إنه الله عز وجل:
﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ ﴾
من خلالها..
﴿ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
:::::::::::
الفرق بين التفضيل والمحاباة :
هناك تفضيلٌ وهناك مُحاباةٌ، والفرق بين التفضيل والمحاباة، فمثلاً: إنسان عنده قارب أو يخت، ولهذا اليخت قائدٌ ماهر، لو أن ابنه الصغير والبحر هادئ، قال له: يا أبتِ دعني أقود هذا اليخت، أعطاه إياه، أعطاه إيّاه محاباةً، لأنه ابنه، ولأنه يحبه، ولكن لو هبَّت عاصفةٌ هوجاء، لمَن يعطي القيادة؟ للربان الخبير، حينما تعطى قيادة اليخت لربان خبير فهذا تفضيل بسبب حكمة بالغة، أما حينما يطلب منه ابنه أن يقود اليخت، هذه محاباة لحب الأب تجاه ابنه، فأنت حينما تؤثر شيئاً تعطيه ميزةً بدافع الحب والهوى فهذه محاباة، أما حينما تفضل إنساناً بميزة بدافع الحكمة فهذا تفضيل، إذاً: قد يفضَّل رسولٌ على رسول بسبب الحكمة، حكمة الله عز وجل، فـ..
﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
لكن التفضيل كما يقول علماء العقيدة لا يقتضي الأفضلية، سيدنا موسى كلمه الله تكليماً:
﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ﴾[ سورة النساء: 164]
هل معنى أن الله كلم موسى تكليماً أنه أفضل من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: لا، التفضيل لا يقتضي الأفضلية، فلو إنسان أرسل ابنه إلى بلد بعيد، أعطاه مبلغاً من المال كبيراً يعينه على نفقات السفر، وابنه الذي في البيت لم يعطه هذا المبلغ، هل معنى ذلك أن هذا الذي أعطاه مبلغاً كبيراً أفضل من ابنه المقيم معه؟ لا، التفضيل لا يقتضي الأفضلية، ولكن هناك حكمةٌ بالغة اقتضت أن يفضل هذا الرسول على هذا الرسول.
كل نبي يكون مفضولاً تارة ومفَضَّلاً تارة أخرى والأفضلية لا تقتضي التفضيل :
قال تعالى:
﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
أما كلمة: بعضهم على بعض، لها معنى دقيقٌ جداً، ذلك أن هؤلاء الذين فضَّل الله بعضهم على بعض، أي أن بعض هؤلاء الرسل فضّلوا، وبعض هؤلاء الرسل مفضولون، في موقع آخر الذي كان مفضولاً صار مفَضَّلاً، معنى ذلك أن هذه العبارة في القرآن الكريم تعني أن واحداً من هؤلاء الرسل يكون مفضولاً تارةً، ومفضَّلاً تارةً أخرى.
في حياتنا اليومية، أب عنده ابن في الشهادة الثانوية، هو بحاجة ماسة إلى أستاذ رياضيات، هذا الأب يأتي إلى بيت هذا الأستاذ ويطلب منه أن يعطي ابنه بعض الدروس، ويسأله: هل ينجح ابني؟ فالأب بحاجة إلى هذا الأستاذ، هذا الأستاذ لو أنه مرض، يأتي إلى الطبيب، والد هذا التلميذ، ويقف أمامه وقفة متأدِّبة، يا ترى الذي أشعر به بحاجة إلى عملية أم يعالج بالحبوب؟ كما أن الأب الطبيب وقف أمام أستاذ الرياضيات متأدباً وسأله: يا ترى ابني هل ينجح؟ فكل واحد منهما مفضَّل تارة ومفضول تارةً أخرى، إذاً سخَّر بعضهم لبعض، فضَّلنا بعضهم على بعض، هذه العبارة في القرآن، تعني أن الواحد يكون مفضلاً ومفضولاً في وقتٍ واحد،
بعض هؤلاء كان مَلِكاً:
﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) ﴾[ سورة ص: 35 ]
بعض هؤلاء أوتي فهم لغة الطير كسيدنا سليمان، النبي عليه الصلاة والسلام كان فقيراً، فكل نبي له ظروفه، نبي أحيا الموتى بإذن الله، نبي شق البحر بإذن الله، نبي جاء بالقرآن الكريم بإذن الله، فكل نبي يكون مفضولاً تارة ومفَضَّلاً تارة أخرى، والأفضلية لا تقتضي التفضيل.
موسوعة النابلسى للعلوم الشرعية
امانى يسرى محمد
10-02-2025, 06:56 AM
الاختلاف أنواع :
قال تعالى:
﴿ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ البقرة 253
هنا، أتباع هؤلاء الأنبياء ألم يقتتلوا؟ ألم يذبح بعضهم بعضاً؟ ألم يعتدي بعضهم على بعض؟
الشيء العجيب أن هؤلاء الأنبياء العظام هم كلُّهم من عند الله عز وجل، الأصل واحد، رُسُل الله، والله خالق السماوات والأرض، هل يعقل أن يقتتل أتباعهم؟ هذا هو الجهل، فقد كنت أقول سابقاً: هناك اختلاف طبيعي اختلاف نقص المعلومات، كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، أما حينما جاء الحق وزهق الباطل، وجاء وحي السماء، وأُنزلت الكُتُب، وبعثت الرسل، الأمر واضح جداً، فلماذا يختلفون؟
قال: الاختلاف الأول اختلافٌ طبيعي، اختلاف نقص المعلومات، وعلاجه أن يأتي الحق صريحاً،
أما الاختلاف الثاني: اختلاف قذر، هو اختلاف الأهواء، والشهوات، والرئاسات:
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران: 19 ]
ألا ترى إلى المسلمين؛ إلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وسنَّتهم واحدة، ألم يقتتلوا؟ أليس كلُّ فريقٍ يطعن بالفريق الآخر؟
الخلافات بين جماعات المسلمين خلافات عميقة جداً، وهم جميعاً يرجعون إلى إلهٍ واحدٍ، وكتاب واحد، ونبي واحد، إذاً هذا اختلاف الأهواء، الحق الواضح إذا كان معه اختلاف، اختلاف الأهواء، والحظوظ، اختلافٌ على الدنيا، ألم يقتتل هؤلاء الذين انتصروا في شرق آسيا على أعتى دولة في العالم؟ انتصروا عليها، فلما حققوا النصر اختلفوا على الدنيا، هم يقتتلون من عشرين عاماً، أليس اقتتالهم وصمة عارٍ بحق المسلمين؟
هؤلاء يقتتلون على الدنيا، كيف يكون في مكانةٍ عليةٍ عند الله وهم يقتتلون على الدنيا، ويسفكون دماءهم حراماً فيما بينهم؟ هناك اختلافٌ طبيعيٌّ، وهناك اختلافٌ قذرٌ، وهناك اختلاف تنافس، هذا الاختلاف ورد في القرآن الكريم، اختلاف التنافس:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُون ﴾
[ سورة المطففين: 26 ]
و
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ﴾
[ سورة الصافات: 61]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾
هذه الآية شاملة شمولاً عجيباً، تشمل كل شيء، أوتيت خبرةً في شيء، أنفق خبرتك، أنفق علمك، أنفق جاهك، أنفق مالَك، أنفق وقتك، أنفق عضلاتك..
﴿ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾
لا أحد يشفع لك:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾
[ سورة الزمر: 19]
﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ*وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* ﴾
[ سورة عبس: 34-36 ]
﴿ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ*كَلَّا﴾
[ سورة المعارج: 14-15 ]
من أنفق المال ابتغاء وجه الله يخلفه عليه أضعافاً كثيرة :
آيات الإنفاق كثيرة جداً، تزيد عن مئتي آية في القرآن الكريم، لأن الإنفاق طريق القرب من الله عز وجل
في الإنفاق أنك حريصٌ على المال، فإذا أنفقته ابتغاء وجه الله، فالله سيخلفه لك أضعافاً مضاعفة، يقول الله عز وجل:
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾
[ سورة سبأ: 39]
(( ما نقص مال من صدقة ))
[مسلم عن أبي هريرة ]
(( أنفق بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالا ))
[السيوطي عن بلال وعن أبي هريرة وابن مسعود ]
عبدي أنفق أنفق عليك..
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾
[ سورة سبأ: 39]
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾
[ سورة الأنفال : 272]
العمل الصالح محصورٌ في الدنيا أما بعد الموت فقد بدأ الحساب الدقيق :
أيها الأخوة..
﴿ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾
حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، ما الشيء الذي تقدمه أمامك ليوم اللقاء مع الله عزَّ وجل؟ ماذا قدمت؟ هل قدمت جهداً؟ هل قدمت علماً؟ هل قدمت خبرةً؟ هل قدمت مالاً؟ هل قدمت دعوةً؟ هل قدمت تربيةً؟ ماذا قدمت؟ إن لم تقدِّم شيئاً فهذا هو الخاسر الأكبر، مَن لم يقدم شيئاً هو الخاسر الأكبر..
﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ ﴾
يوم القيامة ليس ثمة مال تنفقه، ولا مريض تعالجه، ولا فقير تطعمه، ولا جائع تطعمه، ولا فقير تعطيه من مالك، وليس هناك مجالٌ لعملٍ صالحٍ أبداً، العمل الصالح محصورٌ في الدنيا، في الدنيا وحدها هناك عملٌ صالح، أما بعد الموت فقد انتهت الأعمال الصالحة وبدأ الحساب الدقيق..
﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ ﴾
الإنسان في الدنيا يبيع بيتاً وينفق ماله في سبيل الله، وقد يبيع نفسه لله، أما بيع في الآخرة فليس هناك.
نحن في دار عمل وغداً دار الجزاء :
قال تعالى:
﴿ وَلَا خُلَّةٌ ﴾
أصحاب، علاقات، في الدنيا شبكة علاقات، يقول لك: فلان صاحبي، وفلان صاحبي، له دعائم، له مرتكزات، هذه العلاقات ليست موجودة في الآخرة:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
[ سورة الأنعام: 94 ]
﴿ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾
لا أحد يشفع لك، بل إن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام محدودةٌ لمَن مات غير مشرك، مثل إذا قلنا مثلاً: بلد فيها عشرون مليوناً، هناك ميزة يأخذها أصحاب مَن يحمل دكتوراه، هؤلاء قلائل جداً، من مات غير مشرك، مات على التوحيد، هذا مقام عالٍ جداً لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 106]
إذا ضمنت لي أن تموت غير مشرك فأنت في أعلى درجة من الإيمان، فلو دخلت امتحان، عندك عشر مواد، نجحت في التسعة بامتياز وهناك مادة ينقصك فيها علامتان، النبي يشفع لك، أما كلها أصفار، امتحان ما قدم ولكنه يقول: اشفعوا لنا.
يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
نحن في دار عمل وغداً دار الجزاء، نحن في دار تكليف وغداً دار التشريف، نحن في دارٍ نفعل ما نشاء، ولكن هناك دارٌ بعد حين تحاسب عن كل شيءٍ فعلته، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ(254) ﴾
هذه الآية تدعونا إلى العمل الصالح، فهو سر وجودنا، وغاية وجودنا، وثمن جنة ربنا، وكل إنسان بإمكانه أن ينفق مما رزقه الله، والإنفاق واسع جداً.
لا يكون عملك مرضياً عند الله إلا إذا كان خالصاً وصواباً :
قد يقول أحد الأخوة: وأنا أصلي لا أشعر بشيء، أقرأ القرآن لا أشعر بشيء، هذا خلل في الإيمان خطير، العلاج:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾[ سورة الكهف: 110 ]
أنت حينما تعمل عملاً صالحاً تتألَّق وتقترب من الله عزَّ وجل، فطريق الاتصال بالله، طريق السعادة في الدنيا، طريق أن تذوق طعم القُرب، طريق جنَّة الدنيا العمل الصالح، أن تعمل عملاً صالحاً وفق الكتاب والسنة، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الله الكريم. سُئل الفضيل بن عياض عن قوله تعالى:
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾[ سورة النمل: 19 ]
متى يكون العمل مرضياً عند الله؟
فقال كلمتين اثنتين؛ قال: أن يكون صواباً وخالصاً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، فأي عملٍ وافق السنة، ولم يكن خالصاً فليس هذا العمل مرضياً عند الله، وأي عملٍ كان خالصاً لله ولم يوافق السنة فليس هذا العمل مرضياً عند الله، لا يكون عملك مرضياً عند الله إلا بحالتين، إذا كان هذا العمل خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
هذه الآية أتمنى على الله عزَّ وجل أن تقع منكم موقعاً عميقاً، هذه الآية وحدها تدعوكم إلى العمل الصالح، تدعوكم إلى بذل العلم، وبذل الجهد، وبذل المال، وبذل الخبرة، وبذل الوقت، الوقت الذي تستهلكه في العمل الصالح هو وقتٌ مستثمَر وليس وقتاً مستهلكاً، بل هو مستثمر، لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾[ سورة العصر: 1-3 ]
العمل الصالح سرّ وجودنا وغاية وجودنا :
قصة أرويها لكم كثيراً، فهي نموذجية، أن بدوياً في شمال جدة له أرض، فلما توسعت هذه المدينة اقتربت من أرضه، نزل ليبيعها، اشتراها منه مكتبٌ خبيث بثمنٍ بخس، بربع قيمتها، وأنشأ بناءً شامخاً يزيد عن عشرة طوابق، وهم شركاءٌ ثلاثة، أول شريك وقع من سطح هذا البناء فنزل ميتاً، فلقي جزاء عمله؛ عمله اغتصاب، واحتيال، وأكل مال الناس بالباطل، والثاني دهسته سيارة، فانتبه الثالث، وبحث عن صاحب هذه الأرض ستة أشهر، حتى عثر عليه، ونقده ثلاثة أضعاف ما دفعه له سابقاً، أي نقده الثمن الطبيعي للأرض، فقال له هذا الأعرابي: ( ترى أنت لحقت حالك ) تدارك خطأه، فهذا كلام دقيق، يجب أن نسعى، إذا فاتت الإنسان أياماً طويلة، سنوات طويلة لم يعمل بها عملاً صالحاً..
امانى يسرى محمد
10-04-2025, 12:54 AM
آية الكرسي، وهي من أعظم آيات القرآن الكريم. يقول الله عزَّ وجل:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
"الله" عَلَمٌ على الذات، الذاتُ الإلهيةُ اسمها (الله) وهو علَمٌ على الذات، أو علمٌ على واجب الوجود، لأن هناك واجبَ الوجود، وممكن الوجود، ومستحيل الوجود، فالله جل جلاله واجب الوجود، والكون ممكن الوجود، ممكنٌ أن يكون، وممكنٌ ألا يكون، وإذا كان فهو ممكنٌ على ما هو كان، أو على غير ما هو كان، لكن الله جل جلاله واجب الوجود.
فكلمة (الله) علمٌ على الذات الإلهية، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، خالق السماوات والأرض، لا إله إلا هو؛ الرحيم، الكريم، البَرّ، الغفور، الفعَّال لما يريد، القاهر فوق عباده، القوي، المتين، ذو الجلال والإكرام، الحَكَمُ، العدل، فإذا قلت: الله، فكل أسمائه الحسنى منطويةٌ في هذه الكلمة. وجرت الآيات الكريمة أن الله جل جلاله إذا تحدَّث عن ذاته تحدث بضمير المُفْرَد:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه: 14]
الله جلّ جلاله إذا تحدث عن أفعاله تحدث بضمير الجمع :
وإذا تحدث عن أفعاله، يأتي ضمير الجمع لأن كل أسمائه الحسنى في أفعاله، فكل أفعاله فيها علمٌ، وفيها حكم (https://vb.3dlat.com/forumdisplay.php?f=124)ة، وعدلٌ، ورحمةٌ، ولُطفٌ، إن تحدث عن ذاته..
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾
[ سورة يس: 12]
وإن تحدث عن ذاته العليّة:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه: 14]
فـ"الله" صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، والله علمٌ على الذات، والله واجب الوجود..
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
فالإله هو المعبود، والإنسان مَن يجب أن يَعبد؟ أن يعبد الذي خلقه، فالله هو الخالق، ومَن يجب أن يعبد؟ أن يعبد الذي يعلم سرَّه ونجواه، فالله يعلم السر والنجوى، من هو الذي ينبغي له أن يُعبَد؟ يُعبَد مَن يستمع إليه إذا ناجاه، الله هو السميع العليم، ومن يجب أن يُعبَد؟ يُعبَد من هو على كل شيءٍ قدير، فالله على كل شيءٍ قدير، ومَن ينبغي له أن يُعبَد؟ يُعبَد الرحيم الذي يحبُّه ويرحمه، فإذا قلت: لا إله إلا الله، أي لا معبود بحقٍ إلا الله، أي لا يستحق العبادة إلا الله، ليس لك أن تَعبُد إلا الله، أما إذا توجهت إلى غير الله، فتوجَّهت إلى لا شيء:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾
[ سورة فاطر: 14 ]
أسماء الذات وأسماء الأفعال :
قال تعالى:
﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
الحقيقة (الحي) مِن أسماء الذَّات، وأسماء الذات لا نقيض لها، والله عزَّ وجل يعطي ويمنع، وهذه من أسماء الأفعال، ويرفع ويخفض، فمن أسماء الأفعال، وكذلك يعز ويذل، لكن الحي ليس لها نقيض، فالله عزَّ وجل حي على الدوام، فأسماء الله عزَّ وجل التي لا نقيض لها أسماء الذات، والتي لها نقيض فأسماء الأفعال، والله عزَّ وجل حي، وتقول: فلان حيٌ يُرْزَق، ولا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يسمي نفسه (الله) ولكن هناك إنسانٌ يقال له: حيٌ يرزق، والله عليم، وهناك مَن يقول: أنا عالِم، والله رحيم، وهناك من عباده مَن يرحم، فإذا كانت حياةُ الله عزَّ وجل حياةً أزليةً أبديةً، لم يسبقها عدم وليس بعدها عدم، فحياةُ اللهِ غيرُ حياتنا، والإنسان إذا كان حياً فقد سبقه عدم:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان: 1]
فالإنسان سبقه عدم، وسوف ينتهي إلى عدم:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[ سورة الرحمن: 26-27 ]
فإذا قلنا: فلان حي، فحياته ليست كحياة الله عزَّ وجل، وكلمة "حي" تسبق في الذهن أيَّ اسمٍ آخر، فهو حيّ عليم، وهو حيّ قدير، وأول اسمٍ يسبق إلى الذهن أنه حيّ، هو حيّ ومصدر حياة الخلق، وحياتنا منه، واستمرار حياتنا منه، فالوردة فيها حياة، فإذا صنع إنسانٌ وردةً من مواد صناعية لا يوجد فيها حياة، ويضعون في بعض الواجهات شكلَ امرأة لبيع الثياب والألبسة، ولكن هذه بلا حياة، فهي من الشمع، والمرأة الحقيقية فيها حياة؛ تتكلم، وتفكِّر، وتتألَّم، وتفرح، وتعبّر عن ذاتها، فالإنسان فيه حياة، والوردة فيها حياة.
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ ﴾
هو حيٌ، ومصدر حياة المخلوقات، ومصدر استمرار حياتهم، والموت يخلقه الله عزَّ وجل، الموت لا علاقة له بالمرض، فحينما ينتهي أجل الإنسان يموت، فهو:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
[سورة الملك: 2]
الله عز وجل حيٌ قيوم يقوم على العناية بخلقه لأنه رب العالمين :
قال تعالى:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
حيٌ قيوم، يقوم على العناية بخلقه، ومما يؤكد ذلك..
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾
أي إشراف دائم؛ متابعة، ومراقبة، ومحاسبة، ومُعالجة، واهتمام، وعطاء، وأخذ، وتأديب، وإكرام، ومتابعة، وكل مؤمن بحسب معاملة الله له، كأن الله عزَّ وجل ليس عنده مخلوق إلا هذا الإنسان، وهو مع كل الخلق، ومع كل المخلوقات، ومع كل البشر، ومع كل من تحت الشمس والقمر.
حيٌ قيوم، يقوم على العناية بخلقه، لأنه رب العالمين، والإنسان أحياناً يأتيه خاطر لا يعلمه أحدٌ إلا الله، ويدفع الثمن، ويعالجه الله عزَّ وجل على خاطر أحياناً، فقيوم السماوات والأرض يقوم على إدارتها، والعناية بها، وتربيتها، وإمدادها، و..
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾
هناك معيَّة عامة ومعية خاصة :
إنه حيٌّ باقٍ على الدوام، وحيٌّ قيّوم، وهو معكم أينما كنتم، فمعكم بعلمه:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنفال: 19]
ومعكم بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق، وهناك معيَّة عامة ومعية خاصة، والمعية العامة أنه مع المخلوقات بعلمه، والمعية الخاصة بالإكرام، والتأييد، والحفظ..
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ ﴾
كل هذا الكون له، ولا تستطيع جهةٌ على وجه الأرض أن تفعل شيئاً إلا بإذنه..
﴿ لَهُ ﴾
لام المُلك؛ فله المُلكُ خلقاً، وتصرُّفاً، ومصيراً، أما أنت كإنسان فقد تملك بيتاً ولا تنتفع به، إنها مُلْكِيَّة ناقصة، فالبيت لك ولكنه مؤجَّر قبل السبعين، فأجرته مئة ليرة في الشهر، تملكه ولا تنتفع به، وقد تنتفع به ولا تملكه، وقد تملكه، وتسكنه، وتنتفع به، فصدَر قرار تنظيم، فأخذتَ عشرَ قيمته، فذهبَ من يدك، إنها ملكية ناقصة، أما إذا قلنا:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
فإنه يملك الكون؛ إيجاداً، وتصرُّفاً، ومصيراً، فقد تبيع دولة طائرة، وبعد أن باعتها أصبحت هذه الطائرة بيد مَن اشتراها، غير أنَّ الله سبحانه وتعالى مُلكيته دائمة:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
[ سورة الزمر: 62]
فأمرُ هذه الطائرة بعد أن بيعَت ليس لصانعها بل للذي اشتراها، لكن الله عزَّ وجل له الخلق والأمر، وهو الخالق وهو الآمر،
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
السماوات والأرض تعبيرٌ قرآني عن الكون :
قال تعالى:
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
لا يمكن أن يقع شيءٌ في مُلكه إلا بإرادته، لذلك قالوا: كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المُطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، فالأمر بيده..
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
السماوات والأرض تعبيرٌ قرآني عن الكون، فالكون كله له، والكون ما سوى اللهِ، أيْ أيّ مكانٍ في الأرض؛ ولذلك فالموَحِّد مرتاح، وهو سعيدٌ سعادة كُبرى، والموحد يرى أنه لا إله إلا الله، ولا يرى مع الله أحداً، ويرى أن يد الله وحدها التي تعمل، والموحِّد لا يحقد، ولا يتألم، وليس عنده إحباط، ولا سَأَم، ولا ضَجَر، ولا يأْس، ولا خُذلان، إنه موحِّد، والأمر بيد الله، وله مُلك السماوات والأرض.
فلو دققنا، ودخلنا في التفاصيل، فقُطرُ الشريان التاجي بيده، أحياناًَ يضيق، وأحياناً يبقى متّسعاً، فإذا كان متسع فأنت مرتاح، وعمل الكبد بيده، والدَسَّامات بيده، وعمل الكليتين بيده، والأعصاب بيده، ونمو الخلايا بيده، فأحياناً يفلتها فيكون السرطان، ويضيق الشريان، فلا بد من قسطرة، أو عملية القلب المفتوح، ويتعطل الكبد، فيُزرَع بستة ملايين، والنجاح ثلاثون في المئة، فالإنسان مُحاط باحتمالات مخيفة.
نحن جميعاً في مُلك الله وفي قبضته :
قال تعالى:
﴿ لَهُ ﴾
أنت في ملكه، وأنت في قبضته، وأجهزتك وأعضاؤك بيده..
﴿ لَهُ ﴾
زوجتك بيده، وعملك بيده، ورزقك، ومَن حولك، ومَن هم فوقك، ومَن هم دونك كلهم بيده، فهو الذي يعطي وهو الذي يمنع، سبحانه يرفع ويخفض، ويعز ويذل، فإذا أعطى أدهش، وهناك رجل يعد خامس رجل ثري في تركيا، ثروته بألوف الملايين، كل أمواله بيوت بأجمل منطقة بتركيا، أبنية فخمة، وهو يقول متبجِّحاً: سأسكن كل إنسانٍ في بيت، لقد جاء الزلزال بأمر الله فلم يُبقِ له من أبنيته كلِّها بيتاً واحداً، فسكن تحت الخيمة، وأمسك الصحن ليأكل الطعام الذي جاءت به الجمعيّات الخيرية، وقد صوِّر ونشر هذا، خامس غني سلبه الله عزَّ وجل كل شيء في ثوانٍ معدودات..
له شارع على البحر في ( أزمير ) بأكمله؛ بأبنيته الشاهقة، وبمركباته الأنيقة، فابتلعه البحر، وبعد حين نزلوا بغواصة وصوروا، فإذا هذا الشارع كما هو في قاع البحر، فالبناء مثلما هو، وكذا الطوابق، حتى بالتدقيق؛ الأنترفون، والاسم، والسيارة بجانب البيت في قاع البحر..
الشفاعة بالمعنى الواسع :
قال تعالى:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
المعنى الواسع جداً: مَن يستطيع أن يجمع شيئين؟ الشفع هو الزوج، أي يجمع هذا العقرب مع هذا الإنسان ويلدغه، مَن؟ إلا بإذنه، أبسط مثال: شخص في أثناء السفر ينام في فلاة، فيها عقارب، لا يستطيع العقرب أن يلدغ نائماً إلا بإذن الله، ولا أن تدخل رصاصة إلى إنسان إلا بإذن الله، شظية طائشة لا تجد هذا عند الله عزَّ وجل، بل شظية مسوَّمة عليها اسم مَن تقتله، " لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه "..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ﴾
بالمعنى الواسع: إنّه لا يمكن أن يجتمع عنصران في الكون إلا بإذن الله، فإنسان ينالك بأذى وليس عند الله علم هذا مستحيل، ولكن بعلمه، وإرادته، وحكمته، وعدله، ورحمته، فلذلك " لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت":
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة فاطر: 2 ]
الآية التالية هي آية التوحيد :
قال:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
(عنده) في ملكه..
﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
إذا نجح الطبيبُ في علاج ابنك، يكون اللهُ قد سمح له، وألهمه، ومكَّنه، وأطلعه على المرض، ووفقه في تشخيصه، ووفقه في الدواء، وسمح الله للدواء أن يفعل فعله..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
هذا التوحيد، هذه آية التوحيد، فأول شيء؛ نحن في ملكه، فالحركة بأمره، نحن في ملك الله؛ الأرض، والسماء، والبحار، والأطيار، والأسماك، والأراضي، والنباتات، والرياح، والأعاصير، والأمطار، والسُحُب، والبراكين، كل شيء بيده، والآن الحركة، فلان ضرب فلاناً، حركة، لا يستطيع مخلوق أن يفعل شيئاً مع مخلوق إلا بإذن الله، لا خيراً ولا شرّاً، فحينما ترى إنساناً يُردي إنساناً فهذا بأمر الله، أو يكرمه فكذلك بأمر الله.
الشفاعة بمعناها المحدود بإذن الله عزَّ وجل :
الشفع هو الزوج، لا يلتقي عنصران في الكون إلا بإذن الله، والمعنى الضيق الشفاعة التي ذكرها الله عزَّ وجل:
﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾
[ سورة يونس: 3 ]
فهو الذي يشفع لمن ارتضى، والشفاعة بمعناها المحدود بإذن الله عزَّ وجل، أي إن النبي لا يشفع إلا من بعد إذن الله عزَّ وجل..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾
(ما بين أيديهم) أي أمامهم..
﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾
أيْ وراءهم، أو ( ما بين أيديهم ) عالم الشهادة، و( ما خلفهم ) عالم الغيب، فهذا الإنسان وُلِد، تُرى ماذا سيكون؟ تاجراً، أم عالماً، أم مصلحاً اجتماعيّاً، أم مجرماً، أيموت إعداماً، أم يموت بحادث، أم على فراشه؟ أينجب أولاداً..
﴿ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾
هو عالم الشهادة أي المشهود، وعالم الغيب، فنحن عندنا غيب الحاضر، وغيب الماضي، وغيب المستقبل، وغيب المستقبل ما سيأتي، وغيب الحاضر ما كان بعيداً..
﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾
عالم الشهادة..
﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾
عالم الغيب، فهو الذي يعلم، ولذلك قال الإمام علي: " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ".
كلُّ شيءٍ يفعله الإنسان هو من إلهام الله له :
قال تعالى:
﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
كل شيء تسمعونه عن اختراع، واكتشاف، وقفزة في عالم المجهول، هذا كله مما سمح الله به، قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾
[ سورة النحل: 8 ]
ثم قال في آخر الآية:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل: 8 ]
عُزِيَ صنعُ الطائرة إلى الله، هو الذي ألهم الإنسان صنع الطائرة، وألهم الإنسان اكتشاف وقودها، فإذاً كلُّ شيءٍ يفعله الإنسان هو من إلهام الله له.
الآن يقال لك: عرفنا جنس المولود ذكراً كان أو أنثى..
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
فقد شاء لهم ذلك، أما الآية:
﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾
[ سورة لقمان: 34]
ما قال: يعلم مَن في الأرحام، قال: ما، (ما) تشمل كل المعلومات المبرمجة التي في النويَّة، لأن هناك خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، هذه يعلمها الله، سمح لهم أن يعرفوا ذكراً كان أو أنثى عن طريق الأجهزة، أي إن كل شيء سمعتموه عن كشف علمي، واختراع، وتفوّق، فهذا مما سمح الله به، نقلوا الصورة من قارة إلى قارة، وهذا مما سمح الله به، ونقلوا الصوت، واخترعوا طائرة، واخترعوا مركبة وأرسلوها إلى الفضاء، وغاصوا في البحار، واخترعوا أجهزة حديثة، كل شيءٍ علمه الإنسان هو مما سمح الله له به، وانتهى الأمر.
الكون بكامله لا يكفي أن يخلق حمضاً أمينيّاً واحداً مصادفةً :
قال تعالى:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
وفي آية ثانية:
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ﴾
[سورة الإسراء: 85]
فلدينا حموض أمينية، ويحتاج حمض أميني واحد كي يأتي مصادفةً إلى حجم يزيد عن حجم الكون، فتركيب الحمض الأميني معقَّد، وهو الحمض الأساسي في الإنسان، هل من الممكن أن يكون هذا الحمض مخلوقاً مصادفةً؟ فأنت لو وضعت عشرة أرقام في كيس، ثم سحبتها، فاحتمالُ خروجِ هذه الأرقام بالتسلسل هو واحد من عشرة آلاف مليون، عشرة أصفار، واحد وبعده تخرج تسعة، ثم يأتي الواحد، واحد من عشرة، وبعد الواحد اثنان، واحد من مئة، بعد اثنين ثلاثة، واحد من ألف، فعندنا عشرة أصفار، الستة مليون، والأربعة عشر ألف مليون، أي أن تسحب عشر أرقام متسلسلة احتمالُها حالة واحدة من عشرة آلاف مليون حالة، وتركيب الحمض الأميني معقد، وقالوا: الكون بكامله لا يكفي أن يخلق حمضاً أمينيّاً واحداً مصادفةً. فلا تدهش إذا سمعت عن كشفٍ علمي، بل يجب أن توقن يقيناً قطعياً أن الله سمح لهم أن يعرفوه، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل.
الكرسي والعرش أسلم تفسير أن نفوض أمرهما إلى الله :
قال تعالى:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
وهذا الذي شاءه قليل جداً:
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ﴾
[سورة الإسراء: 85]
وهناك مَن يؤلِّه الإنسان مع أنّ الإنسان عبد فقير، قال بعض العلماء المخترعون: العبقرية تسعة وتسعون بالمئة منها عَرَق ـ أي تعب ، وواحد بالمئة إلهام، وهذا الإنسان حينما صدق في كشف هذه الحقيقة التي سمح الله بها، لأنّ الله لا يعطي الشيء بسهولة، ولكن بصبر شديد، وبإصرار عجيب، فأيّ مُخْتَرَع أو أي كشف علمي لا ينبغي أن يزلزل الإنسان، وهذه الآية تغطيه..
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
فالكرسي والعرش، أسلم تفسير: أن نفوض أمرهما إلى الله، لأن هناك آيات لا تزيد عن أصابع اليد تتعلق بذات الله.
آياتٌ لا تزيد عن أصابع اليد متعلقةٌ بذات الله تعالى :
كيف أنه يأتي:
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
[ سورة الفجر: 22 ]
وكيف أن:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
[ سورة الفتح: 10 ]
وكيف أنه:
﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾
[ سورة المائدة: 116]
آياتٌ لا تزيد عن أصابع اليد متعلقةٌ بذات الله تعالى، أسلم تفسير أن نَكِلَ أمرها إلى الله، فالاستواء معلوم والكيف مجهول، وهناك من أوَّلها تأويلاً يليق بكمال الله، والأوْلى أن نفوِّض، فإن لم نفوض نؤوِّل بما يليق بكمال الله، أما أن نجسِّد، فهي عقيدة فاسدة، وأما أن نُعَطِّل، فالتعطيل عقيدة فاسدة، فإذا أنكرنا أن لله سمعاً، فهذا تعطيل، وإذا قلنا: إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا، فالخطيب نزل درجة، وقال: ينزل كما أنزل، فهذا تجسيد، والتجسيد عقيدة فاسدة، والتعطيل عقيدةٌ فاسدة، والآيات القليلة التي لا تزيد عن أصابع اليد المتعلقة بذات الله فالأوْلى أن نفوِّض أمرها إلى الله، أو أن نؤوِّلها تأويلاً يليق بكمال الله، والتفويض أولى. قال بعض العلماء: الكرسي علمه..
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾
أي علمه..
﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
أي لا يعجزه حفظهما، ولا يتعبه حفظهما، وما مسنا من لغوب، اللغوب التعب.
فضل آية الكرسي :
قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
هذه الآية أيها الأخوة هي آية الكرسي، هناك أحاديث كثيرة جداً في فضلها، والإنسان يقرؤها قبل أن يسافر، وقبل أن يستلقي إلى فراشه لأنها مُرِيحة..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
أحياناً ينشأ خطأ في البيت فيحترق البيت كله وهو نائم، فإذا نِمتَ، فأنت في رعاية الله. وهذه الآية تقرأ قبل السفر، وعند الدخول إلى البيت، وعند الاستلقاء للنوم، وتعطيك التوحيد، والأمر بيد الله، وكان سيدنا رسول الله إذا سافر يقول كما روى عنه أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ قَالَ: بِإِصْبَعِهِ وَمَدَّ شُعْبَةُ إِصْبَعَهُ قَالَ:
((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ ))
[ من كنز العمال عن جرير]
لا يوجد في الكون إلا جهة واحدة؛ هي معك في السفر، ومع أهلك وأولادك في بيتهم:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
ولعلك في الشام المباركة إذا دخلت إلى مئة بيت تجد تسعين بيتاً فيها آية الكرسي معلَّقة، طبعاً بخيوط من الذهب وإطار جميل، ولكن الأفضل من ذلك ـ علقها فلا مانع ـ ولكن أن تفقه معناها، وأن توحِّد الله عزَّ وجل، وأن تطمئن لله عزَّ وجل، ويجب أن تكون في قلبك وتزين بها جدار بيتك، واجعلها في البيت فهي مفيدة جداً، ولكن الأولى أن تعيش معانيها، وأن تكون في مستواها، وأن تقرأها وأنت فاهم لمضامينها.
http://www.a-quran.com/data:image/jpeg;base64,/9j/4AAQSkZJRgABAQAAAQABAAD/2wCEAAkGBxAQEBUQEBAVFhUVDxAVEBAVEBUPEBUVFRUWGBUVFx UZHSshGBolGxUVIjIiJSkrLy4uFx8zODMtNygtLisBCgoKDg0O FxAQGislHR0tKy4tLS0tLy0tLS0tLS0tLS0tKy0tLS0rLi8vLy 0tLSstLS0tLSsrNy0tLS0tLS0tLf/AABEIALcBEwMBIgACEQEDEQH/xAAbAAABBQEBAAAAAAAAAAAAAAAAAQIDBAUGB//EAEsQAAIBAgMEBwUFAgsFCQAAAAECAwARBBIhBRMxQQYWIlFUY dIycYGSkxQjUpGhM2IHFUJDU4KiscHR8DRjcsLxJFVzg5Sys9P h/8QAGQEBAQEBAQEAAAAAAAAAAAAAAAECAwQF/8QALBEBAAIBAgYCAQMEAwAAAAAAAAERAhNRAxIhYZHRBDEiQXH wMoGSsaHB8f/aAAwDAQACEQMRAD8AyKK2+qWP8MfqReujqjj/AAx+pF664VK6OXbzHti0tbQ6I7Q8Mfqxeun9T9oeGP1YvXSp2N HLt/lHthUVu9T9oeGP1YvXSdT9oeGP1YvXSp2NHLeP8o9sKitvqjtD wx+pF66OqO0PDH6sXrpU7Gjl28x7YdLW31Sx/hj9SL10nVLH+GP1IvXSp2XQy7eY9sSitvqlj/DH6kXqo6pY/wAMfqReqlTsaGfbzHti0VtdUsf4Y/Ui9VL1R2h4Y/Vi9dKnY0M+3mPbEorb6o7Q8MfqxeujqltDwx+pF66VOxoZ9vMe 2JRW31Sx/hj9SL10dUsf4Y/Ui9dKnY0M+3mPalsoQ5vvlLAXfKDkLKiOSua+lzl5G9uI53MTN gWGVWnVN88iruY2IDhQUuZeWQa0vVHH+GP1YvXR1R2h4Y/Vi9dOuy6GfbzHsmHXChZSAWH2dgGleONxJyyRAkm5y68tbm17p CcJNu0IeIoCGIMbiTQEkyOy5DcG2h4indUdoeGP1IvXSdUsf4Y/Vi9dOuxoZ9vMezkxGC0zmZikO7S+HQoTnZs5UTDkxW1+V/Kq2FxuHVHiaAkOzffBgswTQqApuBqBz5kXNT9Usf4c/Ui9dHVLH+GP1IvXTrsaGfbzHsmN2pE6GNFdc/tM7BrG8AuMo7obnzanR4SDDsJXxFyk6tHHEI8RnVTcEsJBl4Di Bx4HWjqlj/DH6kXro6pY/wAMfqxeunXY0M+3mPaOAbPU3Zp210Qwoq287S38tD/lUeGx2HCPG2HNnZvvQ4MypcFVGYWNrDXS9z5WsdUsf4Y/Ui9dHVLH+GP1IvVTrsaGfbzHs3HbVikjMarIA0udyzKxB+6UkW AvpGT72qxhIsKV3Us2eNftLh0ugQusYTsyFSx+7OgB1I41B1Sx/hj9SL1UdUsf4c/Ui9VOuxoZ9vMe0EcOGNhE7s91tvljgg0IzZjvDpa+nn5ayRvBG zyxS2/2pViyyZyrqyR5Wta1mB1IOlP6pY/w5+pF66OqWP8ADn6kXrp12NDPt5j2ZtbG4aSILEjbwzvIztGqG z5iUzBjmsSttB7PK5rIra6pY/w5+pF6qOqWP8MfqReqp1NDPt5j2xqK2+qWP8Mfqxeukp1NDLt5 j29YpRSCnCvS5HLU4qAU9WtVYmEhFI2lIZKbe9VmIMtSEU8001 G4MNJTjTajRKaHHfTqrCirQcd9OEg76q/48KhbGxD+cT5geYH+NTLPHH+qaWImfpo7wd9IXHfWfLjkUAk6l CyAnLmAtoCdL6is+LbIAJcOSeQCBVHcBmua48T5XCwmpl0x4eU x0hu7wd9G8HfWM+NJfsOpQ7nhqRmcg/4Uj4tEnymQ63zBmARezcW/L9azPyuHHmvP/i6ctreDvo3o76yYsUHkWwFvvhfQ6qVsQRyIJqTE4jKUNwFLkMT oPZa2vvFbjj4zE5fpcf8ANe05Z+miZR30m8HfWM+041a4csGKi wy5U5X7zT8Diszul7hTdWuDe5OmnLurGPyuHllGMT1n+fz2s8P KItrbwd9OU3qrU8PCvQwkpaSigWkoooEoooogpKWigSn02lqB1 JRekoopRRRWnM4GnXplANGUlKDTL0XqpRxphoLUhNFiCGm0poq NCoVQ91TU4VRnbQw8rAGI2YE6EAqQRY3vUWG2FEFGaMM2uY2sL nuA0ArZBpwNccvjcPLPnyi/36x4bjiZRFQyJtl7xvvAGRRaNApUL3km+p0Apn8SQf0P6t/nWyTTCaT8bgzNzjEz3i/9rHEz/SWbBs+NL5I7XIJ48jcfrSYrAq6sMi3PMrzHC9ta0aKujw+Xl5Y r9jnm7tnYPB7tQMo0LWygganzJ8qrJspjpI5dBfJGVtbuueJsD WzRWZ+Pw5iImOkfzrv/AHXUy6zuyDsaH+i/93+dT4XZ6R3yJa9r8Tw99aApaY/H4WM82OMRP7QTnlMVMq27PcaliXSpL0V2Q2loNJUQtFJSgUUlF OtSWohKKKKApaSigWiikqB1qKWq20MakCbyQnLnjXQX1kdUX9W FVhYpTWbjtsxxOsWVndsvZRb5FJtnduCjjpxNjYGtNVqoaKW9P YAa93E1B9ojMhiDrvFRXaPMM4ViQGK8bEg6+VVDyaSqm1cU0MT SLHnK2JUuIxluM7FjoAq3b4Uuz8fFiIlmhcOji6sLjy4HUG/I1Glkmii1AFAoqQCszae1kw+VSrO7exEi5mI/ETwRR+IkdwudKuz4gJG0hBsqM5ABLEKCbAczpwqosA0uasbA9I YcQpbD3kIw0c6oBkLLIHyKM1rE5Dx7xT9jbYOIzh4WhdCt43ZH bKwuGupIAJzD+rSymm9R3qpDjg2IeEMDkSNiLagPmtrfX2TyHE UmycYJ4VkDBr37QGUGxsTblwqNQuUVjbM208mIfDSwrGyJnAE6 yuVLuoYoACoIVTfvYjlWjDjYnkeJXBePLvUHFcwzLf3g3oJ6KK RjYXPxopwpaap5j4HlS0UtFJThQMIpbU61GWimgVHi5HQXWPOL EtZ1Rh7s1gefMVcjSsfaeCxMiSRMqvG6lSA2R7Ea5W5H31x4uc 4/QZ1gw6/tS0X70sbJH9UXjPzVo4eZJFzRurryZGDr+YrK2LiIsMrRy71C8 jO28W6XbkuUWAsAKtT9HcBiCZFiQMf56BjBL9SIg/rXPH5MT9i8RTTWa2wMVH/s20JLco8TGmKT5hlk/NjUbYjaMX7XBpMPx4aYBvpS2/RjXaOJjKNWlrHXpLhgcspeBvwzxNB/aIyn4GtSKZXGZGDA8GUhgfiK2lpKKS9FFSVwfSPpRBNFPgle2K +07uGExv7UcqsjFgLZLKGvfga7yqcmzIGk3pjXPp27do24XPOo y8mx2B2rNK0zYAh3yl93jZolJChQcqz2GijhXS/wdYbG4eWY4mMwxGNDkadpkzDNmfM7sV0sDqAfhXfg09hSISXmf Sfb2NlkxcOD3WJwsiCJ2Z1RYneMI8ccmdc3FTfXtNaruy4Mcdp RNLhlVIojGuKB+9lQqvZk7RvqCdQLW89evGx8NkaPcpkZgxTKM twcwIHI3199XVFharSPPOk/S8ywPBhjC8smInw8kDSGPEKuZoxkUEG+mYsTYanhws7AxT7P2a ZMSu6JxKh7sZAm+mALliTfRs17nU10b9HoPtJxQXtt7XcdAP8A lH5nvq/jMKk0TxOLq6lWHDQilK4LHdL9pTTSR7Piw00SFcsqSbw2OuUtn AzGxuANAw8jVldsY2PB4lsdMkEzRsMLkOYljcpkQkksWfLbuUV 1mxtkR4VckY0uf1N7e6rOMwUUwAkQNlbMtxcg947jSkeS7Tg2t ipN/JgBnKIpaLFyQhgt7dlJwOZ/OnbIh2zhZGkhwmhQq8UmJedHudG7cpsRY8CPa516+gtoOApzU5 S3H9FdjTQZHsA38W4eGx4CSLe8fLtiuakg2xgM0rCCdp0Mc7PJ u7lc5DAs63JVm4aAKAAAK9Tqtj9nQ4hQk0auAbgMoaxsRcX8iR 8aUrnehuypYTHI+oOz8JEdcxzRGS+vMWZdfKs/aeJlwOEEEEyfavthMMF1Yyo0rOUYX7K7trk6ezx1ruIIVjUIos qiyjuHIVDPgIndZHQF19l7doDuv3UocH0Zh2hLtI4rF4YRZo2B ZZCyXtGtgmdsoIjBPmop21ulbTjDy7NljbE52MmEOpaPI1xJqM uU25i5tbur0KsvCbAwsUrTRworsSWKqFuSb3NhrrSlcf1j2/8A93wfFjb/AOWtfoXs/GQPO+LcNvHDhxcA6asQfZPK3IKK6yilDL6PZt01wQu+mMQOhEb SMYxbkMpXTlw5VqUgW3Ci1VS3puJkyIzdyk/kKq4/GbgCRx92P2j8TGOTkfg7zy48L2tTIJIyt9GQgHiLMNDQU9n7Xj l7J0a3snQkd47600rzDB4/UxSg3RivGzKymxseWo91dLg9rOqWkJkiItvFNpFH7w51wjizj/U005dvXlKIwQDQMwurcO7hfT3afiFacO1bW3q5b8HU54j7mFcl idkkrvYXMqAOcy+2C3HMo4n/APdOFR4XaEkdjGTlsSVK6Ec8yW46/mQOVc7yu4kegWSReTA+5gazZ9gRXzRFo243Q2H5d3utUGEXMC6 gxHiSCGjbTXS+ljp76uJjJE/arcf0iaj4jl+lMpwn+uP7oq/9sh/DMuv7r25f61qfCbWSRshVlf8ACVPcD/jzq/h8Skg7DA+XP8qSWBCwkKjMoIDcwDxFNGfvHLoW5rp7tJYMLY/yjcjj2UGZv7lHxqTo5gzDhYkIAbIGktoM79pv1Ncx0wk+17Sgw g9kSIHHcqffS/nlRfjXc104MVck/YtRRS12DqrbTxJhgllVM5jikcJfLmKqTa/K9qs1yXSjpM2EnaFsLPKkmHXdbpQULkyB1Yn2dCnfUZb2C2rFJ EsuYJmh3uRyquqAAsWF+AvqeFR9G9sDFxGQNEw3sgVonLoVzHJ e4BDZbXBHGvOMXsvGS4iJMNModNnxxShsOHVdLNGXdSHD3Jyi4 0ueV9/YHQqXDrJOJQuKaKRVdVVIg5WyndKMlgbciePfSx12ydrQYuMyw MWUO6MCpVgyGzKVOoP+YqXZ2OE8SyKrrcao65JFPcy8jXG4EYv ZuFxOJxbb12nieRo0UHITFG7ZQALhFJvburMD4naWJkn2diJoo JEiScMgUvlBDNFmvlGUgZhY3v3VbSno2HxKSjNG6uuZlzKwcZl JDC45ggiqke3MNlkczIqRTGKSRnVEDgA2zE252rF2P0WkhwM2D OIa8u8AmXR1DaadxygD8zXN7Q6A43JuI8SrQvkaVXjR23iqEDq SOz2QoFiLWpcj0NcW5mVQqGFocySiS7lr6jLaxTKVOYHnUj7Qh Cu5lTLGxWVs4IRha6t3HUaeYrzrCdF9tRCPd4xVMcZijAiQhYj lNluuuqjj3DWs7aWwsbhM+HbHgRYi4ZGhMrSJdEOZghs/bUXuORvpotHreIxMcYzSOqAsqhmYKCWNlAJ5k8qoYPaxfFT4Zo iu63RSS4KyK6A37wQ2YflXL9M+j0uNMMSOA6YctEW7Uea5Elxw zFSlm1Iy6Vp9D9l42F5JMbKJXZUVXyqvYS+UEKBrqdf1oq7t/ak+GYS2h+zjd71nZhLctYhQNCSCtvO9ar46JTlaRQd2ZCCwFox oXP7o765TbXRmfaAiaWZomSOWOSJWzIxe4LhrDiLchpcVyu0cB jRvxjMaryR4QRJbC7yyySRuVyrHaQOIstje2Y381j0efG4hZx2 IjhyL73ekSWyEkhbZbAjv9nWqeB6TxyyMS0SQBRu5XnQO5/Fkv2Ftwubm+oXnxuD6ObaaKIjFqBHEUiQxRsqxuAGU3Xteyo1B 4ce+mP4P9ocf+yf+iw//ANVLkery4yJI960iCOwO8LgR2awHavbW4/Oszbm0Z4ZIVj3GWRgn3sjJIz5gSqACxO7DkeYFcTB0D2g8H2WX GWhXM0UaKqorNmzgi1yLO4AvYX4DhXQ9JOjWIxL4W0i5IbGRCg Zyyujhlc6r7ABI1tQTYbpgjK4eFo5Y8XFC8L6G0kuRZFNtVIuf eD766DF4yKFDJNIkaC13dwii/AEmuL29sbGY6e4QQrFH9y5YO7TKQUkcC62WzWF29o37qyMR0M2 rKcs2JSRCWzZoo2I3jEyFAVsjEsdRblyAAdVepKQRcHTkRqKKg 2fhhFEkY4IiqB3ACwHuFVNuzyxRmZG7KAmRcubs/iAtfSkzUWrSrCIOz9VBbCXJZBdmwt+LIOJh71/kcuzoMSHptLfSJZQdV3YIcjn2SeI0uOOtXYumoJythZlNuLIUX 5jp+tc9XFalk9OOj8jn+Mdnfe5lBxEKEMZABpLERoWtxXmALa6 HG6PbbR7Oja2IOtuJFwR8OB7qi21O0ExxGzmlhUkmaJD92jc2C jslO8cuWmg5raMs00/2lMm8a2+ACxCX94gDLnP4tL6e+pMxkr1bAYjUPC+7kNuz/NPx0ty0Hu91bUMKYqJpHXdyKzByvBinE258T8e+vMti7aBF+DC 4y2sQdRYjyBNdlsramTBuV4hpNAQupb9ONeeYnGagdTBmspYLf L/Jvk7IuNTqVAI79Se6pEdl4mw/tZde1a1izNfTyqDCu+hOTKBqBc5kJtFZjwJIuaYwZiI0N2Nrvr pb2pNeB4ge41rLKhYw8AllzhQqpxI0zNrYWtbQHiDxvWhi51RW dj2UVmY+Si5/uqvinGHiVIxqxCILaXY6sbD3nuvWD052mItnkns7wAG/EIBmcn4D9aTPLHLH3P2Oa6CocTj8TjH/AJtREv8A4kx3sv5Luh8a76ub/g8wBh2fEXFnmLYiXvzTHMAfcuRfhXTCvTjFRTMC1JS2orSimPG re0AfeL0+kqIaIxe9hfvtrTqKL1UDC+n51HDAqeyoHfYVIKhxm JWJczc2VVUcWZuA/vPkATyoJTSiqO0RLIN3h5hHIArG8Yk7LB1Gh4doX/q+dVodvQKh30tmTEphpTkYfftltYAcDmBvwA14URsVHJGre0Af frULbShGIGFzfetGXC5TbKDza1gTxAvcgE0mC2jHiI2khBbK8y ZWvGc8TMhU34dpePcb1RayjTThw8qWuexe1zlw5ZAsn2mKOeMS ZjCzwu1ri1+Vrjgb1S6RbZx+FkmtEjQPGBhJxqYp2QKiyrxZWl sLi9sw5XtLHXqKVsOp1Kgm1tRfSsPZ20ZsR9rgJETx5FjkUBsu fDxPns2hsztx7hVPZe15ZIcVGMWrPEpdMY8S7oKylswUZQ6LZh fnY8arLrAoGgpClc3tHpphcLIkWJ3i5okczrCzYcFr2QsNcxsT axsONV5+k06TyIUQxfaMCIZBcNup1GbMpHHMDr+95UuDq6gikq VtRUVFgUUUtFJWfiBeUwym8c6kRnTsyKO0l/NRnHmj+VaFV8fhd7GUDZW0aN+JR1N0b4ED38KznjzRSxNOJxuw ViZ0VVR8wYOoy3PJvcRxHmaqwnML2sQ1pE1ureVuR4jWu2nj+1 4cShcsqZllTjldTaRPMX1B5gg865PaGHIO+QXIFpU/GnqHEV8+bxmpdfvqjjlYWNyTlJKi4vrx/wBHWuX6Q7EMd5oFOXi8YU3W/wDKT9w93I8OddKLWUqSwNiGs2o5XtpflapkB5KeNhYsQRqOI4e 63PnW8ckedRkSWdTlcWs3I+Tf60rb2XtRsk0DaOUJVb8TawseY uF1p+3+jhF8Tg1JBJMsOUqeOrRjv71NvLuORhJklAVuyVvlcD7 xTz0/vHlXW4mEdz0Q6RpLGhYkSpmUX7DAhVUIwPLibGu72BILPIRob2 c8MiEqov8A1ST7/OvDWLJJdjlc+zKBdXA7+/8AvF67XYnSUjDPh5WKNZu0upys1y6EcRqeGulYyipjKB3eGJmx Ic8EVmHlm7Kjh3XOnea4n+E6Q4vFwbPU/tJI4m8lftzH4RL+tdn0YmXcPMWuCzduwF0jGUGw0Hsk1w3RK+M 2vPi2GkERC9wlxBv+axqB/WqcH8psyehqAAABYAWA7gOFSCmCnivckFopbUVFNpKWioyS1FL RaqCqW1cIZFQr7UcqyKDwNgysvxV2t52q9alIojlOlPRE42ZZ4 8VNC+6WNhHIYwyqzMt7cwXb8657bHQ2SOBMMsmIkd8WJGxAkWw BUI+8JOZrIBYAcQNbV6YvGnVKR5htL+DwxRicYjEtKtszRyZp2 uQA12I9lSRxGg/PV2dh8Rhdl5sMkkkonWRo5mCzON9mkDMCRci54nT8q7qmkWq0O L2BgZcZJLicRhxhzJJh2EavnJaEEK7NbViDbTkoq70p6LNjZYZ BiHQQn9mpsjHMDc9+gt7ie+unAo50pGbHspS8+YG00aK5DEZhu lQ2tqpsK5XE/wAGMNgsE8sa5SsqLIQJFJNg/G9rka8q9AIpKtJbzOfoG8bLHJisVJvLiKbeZlw7JZg2p7Ja2S4 B9o8K3didCtwjpLO8paSFw7sXYGJgyC55XB/M119FKgsCozT6YaLBKKUUoWikpKdloKmhbOaT7NiFl4RzlIpu5 ZeEMnx/Zn/y+6q23MBu3zqOyx/I1q4rCpLG0UgurqVYXsbHuPI+dQ7IlM8L4ec3liO7lbhm0vHMP JlsfI5hyry/I4V/lH3DeE10cRiMGY2ORMyPc2ChjG/eAeR8qjikksA0Lg3Ga0emmgsRH5X+Na7YTFJit2MjIRYqzbsqb 8QwFzprW7htiSHV5FHDsqpb36kjy5V4ceJGX19ukxMOQjmPDdP y/miL8T/RfD/WtLaew4ZjmMTo/ASKuS5vbVcoBHDXjXoGKgwsIvLiAtuOZ1H6VmHbWDOkO+nP+6i Lr81rCu0c99GbhxA6KYhlKNGzLpxK/nlJuCPI1F1YnQBbSFRwuMsinyzC35H4V3wmxkn7LBrGPxTz/wDLGCad/FeLf9rjMo/DBEI7f13LE/kK7Y4cSf0S4YeCxWIiwkmHeNrGJlSTKRo2hDDkdTqNPdwrQ6Bb KOHwzMw7c+Ilmb/hJyx/2FX86vpsOKMO1pJWaNlYSStJnB4qVJy6+6tOFQqhQAAAAFAsAA NABytWuDjljxMomNqn/fj/ALSep1PFNpRXqD81JRSUUUtFLWWQBS2oFOtUDbU61FqUUDCKWn MNKYKqFoNFxTlIqoQJzptqeWvTTRDlotTQahxe8K2jKg97X091 uNVKTmktWdF9qDdtoypkv2QbqlvY1Ha9+h1puIkxROVAAOyDI1 r3LcVA4gLxBA8iaLTSY0yq+DSQBt4wN5GKAEnKptZbkC+t/wA7VYopwpaDTkGtVk5RahtaWiqzaKszaMcscqYrDpncKY5ogwU yRnUanTMjai/Jn760qKzMXFNub2hhcdinV7RYfKDY5jNJ5XA00/4qlGwJH/2jGzyd6Iwgj/Jdf1rdIoArjj8fhxN11auZ/Vm4To7g47FcOhI4M43r/M9zWui/9KSnpXeIpCFaYRU9qjcVZhUJFNIqR6ZWVNFOppoFA69FJeiin0 oopawgFPtUUqkqQDYkEBrXsbaG1VUwBJLPI5Ym/Yd4kGgGi5jbQf30F++oHfw0J/6VBFjFZSyhjlbKRlJa9geHPiKpnYeHNhZ+yzFfvXOUsbkqb3Fz Vr7EgACl11JzCRgxJABuefAUD5MQoDn8F82n7obTv0Ip16oSbG RmQgsAue9mYO2cWN2vw+FE+xYnFmaQjkDM5A4ajXQ6DWgsYbEL ICVvo1jcWN7A/wCIqwDy/SqE+DYLaBgpuc2fM2a4AJuDcNYcadBstFYSFndwhQuzkkg8dOH nVRcSQEkWIsbXKkA+4njSPiEUkMbWXMSQQoHfm4fC9UJ9jo1u0 2jKdXbKQpzKtlI0DAEfHvqvh+jkQiETvIygHs71xHq2awQk6A2 te50GtVGss6lDJZsoDHVGVrDicpF+XdrUf2tSpYBjlYAgKS1yq tw48GFZsfRfCqwZQ4YXswlZW1BBFxxFidKufxagUKGkFv5QlZX PZVe0Rx0RfyoJGxahZG5R3z6X4Ir6d+jCp6x5ej8TMhuwVVcEK 7h3zqEIZs3AhRy5DWnT9H4ZPbaVrEEXncgEWsRc6HQa0F7BYtZ kzpe2nEZTqobh7mFWKiwuGWNcqDTTiSSbKFuSeJsoqaqHLT0U3 poFqdmNViTiKa55UuemMKqQbSU61NJqNkNOC0i04UDwoNHCkBp xa4qhwYVG7UlJaimGkpxFNNZaJTaWigL0UUUD6WvI+s2P8U/yx+mjrPj/ABT/ACx+muPO1+O71ylryLrPj/FP8sfpo6z4/wAW/wAsfopzn47vXhS15D1ox/i3+WL0UdaMf4t/li9FOc/Hd6+KQ15D1ox/i3+WL0UdZ8f4t/lj9FOc/Hd62aVTXkXWfH+Kf5Y/TR1mx/in+WP01edPx3eu0V5F1mx/i3+WP0UdZ8f4t/lj9FOcrHd67emk15J1mx/in+WP0UdZsf4p/lj9NNQrHd61S15H1mx3in+WP0UvWbH+Kf5Y/RTUKx3euUq15F1mx/i3+WP0UdZ8f4t/li9FXUhKx3ewmkryDrRj/Fv8sXoo60Y/xb/LF6KakJy47vXqS9eQ9Z8f4t/li9FHWfH+Lf5YvRTUg5cd3rZNFeSdZsf4t/lj9FHWbH+Lf5YvRTUhax3euilFeQ9Z8f4t/li9FL1ox/i3+WL0U1Y2Ssd3r9qcBpXj3WnaHi3+WL0UdadoeLf5YvRV1Y2O WN3r96aa8i6z4/xb/LF6KTrPj/Fv8sXopqxstY7vXTTDXkvWbH+Lf5YvRSdZcd4p/lj9FTUhax3es0V5N1lx3in+WP0UdZcd4p/lj9FNSNj8d3rNLXkvWXHeKf5Y/RS01I2Px3ZNFFFcnNd2a8KktKpYcAo5XB7WvPTTuJB1q9HjsEN 3fDt2WjMnsnNly3F+Y0fTS5I7rUUVbEOHXCBMrGTOwQsSq5BqG bK1iw7Nxw4+VKuAhEO9be23pGZchWwAupDEENmPHUW5UUUDHkw gVmUOzMkgCsihELHskG9xb438qc+ChVRGZLyOUMbBSI1U3tmPE 5rrwGlLRQMkhw6XiaRywY3kEIsCBqoBa51za+Q99OxOMwz5fui O2S+UBDlGiqLseQF+A42paKCILgre3iL2/BHbN32zcPL9aQR4XKSHlJCnUqqdolctlF+Wa9zRRQLFBhb3aaU gZSVEKhiDyBLkA+/9ackmGC5QCzFGAYqLXZhY3sCpVR+9qTbSiioGSQ4YubSOoz2X7 sSad98wNvhenXwqsLM7BUIIKKpZieIGosAW42OgoooHpFBIxkz ZEjVM43fafU6hQbamw46XoGGwxVpAxCmRginNvFUZja4FibZO/ieHGiiqIzJhgrWzM2Wy3iCC+XLe4c21u3Du99CjBHiZxw0AjOg AvqTxJub8r8KKKlhYosIWtnmIzjQoqALftXILEnLfgONPwWKw0 Ys8W8ubgkC414H5Rw/Gx7hRRSw9sVhGXIIWUsAM9lJX7x2LXH7pUWtyty1iwa4YIA5fe OjD2V3YOYZTexZfZN7A+1RRVsNEeFAvvCbsxtZlfKAcq3ylQS1 uR07uBlb7Dly3nBGa7hENzrbQtwHdpRRUsRSS4ZmJKuvs5cqKV sPaumYWJ9+lR7qBiAsj3JUC8QVBwBJIdj38qKKWLTYCEssCyES LvN65QhDaxsoGpKjPqbXsKryfZiAA8ml7uIV7XADTPpYDz1Y0U VRZhXCkIlna8o7QVYmPsplJu2md4tf94dBlqxBsrDHXPKQDIGX KlyY1DEDhxDD/AFrSUVuIimohXxOyye0CQAi2uATZUJudeNlJt5fCqeMwRjFyeY HADiCQRYnu52ooqTjFJMKlFFFYZf/Z
امانى يسرى محمد
10-09-2025, 05:30 PM
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)سورة البقرة
الإكراه في الدين يتنافى مع سعادة الإنسان :
أولاً: إنّ الإنسان قَبِلَ حمل الأمانة، وقد أعطى اللهُ الإنسانَ مقوِّماتِ الأمانة، ومن أهم هذه المقومات حريّة الاختيار، فما دام الإنسان حراً في اختياره فلا يمكن أن يكون ثمّةَ إكراهٌ في الدين، لا يمكن أن يكون إكراهٌ في الدين، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، مستحيل أن يُجبر الله عباده على الدين، لو أجبرهم لما سعدوا به، لأن الله عزَّ وجل بنى هذا الدين على المَحْبوبيَّة، الله عزَّ وجل لا يريدك أن تؤمن قسراً، ولا إكراهاً، ولا إرغاماً، يريدك أن تؤمن طَوْعاً، حُباً، شَوقاً، بمبادرةٍ منك، بإقبالٍ منك على الله، لذلك الإكراه في الدين يتنافى مع سعادة الإنسان، خلقك ليسعدك، وإنَّك لن تَسعد إذا كنت ديِّناً مكرهاً، لن تسعد بدينٍ قسري، إنك لا تسعد إلا بعملٍ طوعي.
لو أمسك شخصٌ حاجة ثمينة بيده، وجاء إنسان معه مسدس، وقال له: أعطني هذه الحاجة وإلا قتلتك، فأعطاه إياها، هذا الذي أعطى هذه الحاجة هل يشعر أنه قدَّم هديةً؟ على أنه عمِلَ صالحاً؟! إنّه مقهور يمتلئ غيظاً، أما لو جئت إلى إنسان وقدَّمت له هديةً، فكلما التقيت به تألق وجهك، لأنك فعلتَ معه معروفاً، فحينما تجبَر على العمل سقطت قيمة العمل، وحينما تفعل هذا العمل اختياراً، وطواعيةً، عظمت قيمة العمل، فالاختيار يثمِّن للعمل و يلغي السعادة النابعة من الدين.
لذلك شاءت حكم (https://vb.3dlat.com/forumdisplay.php?f=124)ة الله أن يكون هذا الدين في بداياته ضعيفاً، فماذا يفعل النبي؟
ليس عنده دنيا يُغري بها، وليس عنده قوة يُخيف بها، ومع ذلك يؤمن به أصحاب النبي إيماناً طوعياً عن رغبةٍ وحُبٍّ، هذا الإيمان صحيح ورائع، لأنه جاء بمبادرة شخصية، وجاء باختيارٍ طيب..
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
هذه (لا) نافية للجنس، إذا سألَك شخص: هل عندك رغيف خبزٍ؟
إذا قلت: ليس عندي رغيف خبز، لو أردت أن تناقشه، قد يكون عنده رغيفان، لكنه ماذا نفى؟
ليس عندي رغيف خبز، نفى الرغيف الواحد، أما إذا قال لك: لا رغيف عندي، فهذه نافية للجنس، لا تنفي الرغيف الواحد، بل تنفي جنس الخبز، تنفي القمح، وتنفي مشتقات القمح، ونفي الجِنْس مِن أبلغ النفي.
الدين هو الرشد وخلاف الدين هو الغي :
مثلاً، عندنا (لا) التي تعمل عمل (ليس)، فتقول: لا طالبٌ في الصفِ، هذه "لا" تعمل عمل ليس، فتقول: بل طالبان، ماذا نفيت بها؟ نفيتَ المفرد، أما إذا قلت: لا طالب في الصف بل طالبةٌ، فقد نفيتَ جنس الذكور، وكلمة لا طالبٌ في الصف نفيت بها المنفرد، أما لا طالبَ في الصف فنفيتَ جنس الذكور، ولا تنس أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فأبلغ أنواع النفي نفي الجنس..
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
الدين بين لا يحتاج لإكراه
أي كل أنواع الإكراه، هناك إكراه حاد، إن لم تؤمن بهذا تُقتَل، هذا إكراه حاد، وهناك إكراه أقلّ منه، أي إنْ لم تؤمن فليس لك ولا ميِّزة، مثلاً، هناك أنواع منوَّعة من الإكراهات، كل أنواع الإكراهات القاسية، والحادة، والمخففة، والمباشرة، وغير المباشرة، والصريحة، وغير الصريحة، والمعلنة، والمبطنة غير موجودة في دين الله.
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
ولكن ما هو الدين؟
قال تعالى:
﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾
إنّ الدين هو الرشد، وخلاف الدين هو الغي، وهذه حقيقة أيها الأخوة، هناك طريق الحق وطريق الباطل، ولا ثالث بينهما:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص: 50 ]
حياة المسلم منضبطة وفق منظومة قيَم وسلسلة مبادئ :
إن لم تكن على الحق ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ فأنت على الباطل قطعاً، وإن لم تستجب لله فأنت مستجيبٌ لغير الله ـ قطعاً ـ وعندنا شيء في الدين اسمه الاثنيْنيَّة، أي هناك حق وباطل، خير وشر، صدق وكذب، إخلاص وخيانة، إنصاف وظلم، إقبال وإدبار، تألُّق وانكماش، فإن لم تكن على أحد الخطين فأنت على الثاني..
الدين هو الرُشْد، الدين كما قال الله عزَّ وجل:
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
[ سورة الإسراء: 9 ]
في صحتك، في زواجك، في حرفتك، في علاقاتك، في جدَّك، في لهوك، في إقامتك، في سفرك، حياة المسلم رائعة، منضبطة وفق منظومة قيَم، وفق سلسلة مبادئ..
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾
قدِّم لمئة ألف إنسان نموذجَ المسلم يرمقونه بأبصارهم، قدِّم لهم نموذج المنحرف يزورّون عنه، الناس يكرهون الكذاب، يكرهون المنافق، يكرهون الدجال، يكرهون المؤذي، يكرهون المغتاب، يكرهون النمَّام، يكرهون المتغطرس المتعالي، يحبون المتواضع، الرحيم، المنصف، الصادق، الأمين، العفيف.
في كل حقل هناك رشد وهناك غَيّ :
قال تعالى:
﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾
الدين هو الرشد، هناك معنى آخر: إذا قُدِّم لإنسان ـ فرضاً ـ وهو جائع طعامٌ طيبٌ ونفيسٌ، وقُدِّم له صحنٌ آخر فيه لحمٌ متفسخ، تفوح رائحته النتنة، فهل هناك حاجة أن تكره هذا الإنسان على أكل الطعام الطيب؟ يتّجِه إليه بفطرته، ضع صحن طعامٍ طيب وطعام خبيث، وقل له: أنا لن أكرهك على أن تأكل الطعام الطيب، طبعاً سيأكله، وسيشكرك عليه، وسيذوب محبةً لك.
هناك معنى آخر، فضلاً عن أن الله لا يقبل مؤمناً مقهوراً، ولا مؤمناً مكرهاً، ولا صلاةً فيها ضغطٌ وإكراهٌ، بالمقابل دين الله بتألُّقه، ومنطقيته، وكماله، وكيف أنه قدَّم تفسيراً رائعاً للكون، وكيف أن فيه قيَماً، واللِه من أحد ألد أعداء المسلمين في بلد غربي بعيد قال في احتفال: إن القيم التي نؤمن بها هي نفس القيم التي جاء بها الإسلام، هكذا قال. الإسلام عظيم.
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾
(الغي) الانحراف، الغي الطغيان، الغي الظلم، الرشد أن تنسجم مع فطرتك، وأن تنسجم مع الحق، وأن تنسجم مع علَّة وجودك وغاية وجودك، هذا هو الرشد.
طالب في المدرسة، ما هو الرشد؟ أن يدرس، وما هو الغي؟ ألاّ يدرس، أن يذهب إلى دور اللهو هذا هو الغي، وأن يقبع وراء كتابه هذا هو الرشد، والتاجر ما هو الرشد له؟ أن يربح، الغي أن يكذب على الناس، وأن يظلمهم، في كل حقل هناك رشد وهناك غَيّ..
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ﴾
طاغٍ، والمؤمن يكفر بهؤلاء الذين يطغون، فالطاغي قوي، لكنّ المؤمن كفَر بالطاغوت وآمن بالله.
لن تقطف ثمار الدين إلا إذا آمنت بالله وكفرت بالطاغوت :
قال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ﴾
أي يكفر بالكفر، يكفر بالذي يستخدم قوته لإمتاع شهواته، بالذي يقهر الناس..
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾
أي إنك حينما تؤمن بالله تكفر بالطاغوت، المشكلة أيها الأخوة هي التداخل، فهو مؤمن ولكنّه مع أهل الدنيا، ومع الأقوياء، ومع الأغنياء، في فسقهم وفجورهم، لا تسخو نفسه أن يدعهم، لن تقطف ثمار الدين إلا إذا آمنت بالله وكفرت بالطاغوت، لا بدّ أن تكفر بالكفر حتى تُفْتَح لك أبواب السماء..
أنتَ بعيدٌ عن اللهِ ما دمت تعقد الأمل على طواغيت الأرض؛ الفسَّاق والفجار، والذين جاؤوا بالمذاهب الوضعية، والذين أرادوا الدنيا وغفلوا عن الآخرة، الذين أرادوا الشهوة وغفلوا عن القيَم، الذين أرادوا المال وغفلوا عن الأخلاق، هؤلاء كلهم طواغيت، قد يكون الإنسان محاطاً بطواغيت، يقول لك: لي جار مادي، لي عم لا يحلل ولا يحرِّم، كل إنسان طغى وبغى ونسي المبتدى والمنتهى فهو طاغوت، فما دمت متعلِّقاً بأهل الكفر، علماً أنهم قد يكونون أقوياء، وقد يكونون أغنياء، تعقد الأمل عليهم، ترجو عطاءهم، ترجو ودَّهم، تحذر من غضبهم، تحسب لهم ألف حساب، ما دمت مؤمناً بهم، متعلقاً بهم، تعلِّق عليهم الآمال، ترجو الخير منهم، فالطريق إلى الله غير سالك..
على الإنسان أن يؤمن بالله إلهاً في السماء وإلهاً في الأرض :
حتى في تاريخنا القديم والحديث تجدنا متعلقين بالأقوياء، ونظن أن اتصالنا بهم رحمة لنا، وأن تقليدهم رُقي، وأن إرضاءهم ذكاء، وأن التعلق بوعودهم أمل، هؤلاء لا يعطوننا شيئاً، إلا أنهم يستغلوننا، وتجربتنا مع العالم الغربي منذ خمسين سنة ماضية، فماذا أخذنا منهم؟
لم نأخذ شيئاً، أخذوا منا كل شيء، ولم يعطونا شيئاً أبداً..
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ﴾
كل جهة طغت، وبغت، واستكبرت، واستغلَّت، وقهرت، وأرادت الدنيا، وكفرت بالآخرة، أرادت العِلمانية وكفرت بالدين، كل قوةٍ جبارة عاتيةٍ طاغيةٍ ينبغي أن تَنْفِضَ يديك منها، أما إذا كنت متعلقاً بها، راغباً بما عندها، ترجو رضاها، تخشى غضبها، تعلق الآمال على رضاها، فالطريق إلى الله ليس سالكاً..
يجب أن تؤمن به خلاَّقاً، وأن تؤمن به فعَّالاً، وأن تؤمن به متصرِّفاً، وأن تؤمن به إلهاً في السماء وإلهاً في الأرض، وأن تؤمن أن الأمر كله بيده، وأنه إذا شاء شيئاً فعل، ووقع:
﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
[ سورة الرعد: 11 ]
من تمسَّك بالقرآن والسُّنة وعضّ عليهما النواجذ فهو متمسك بعروةٍ وثقى :
كل شيءٍ بيده، بيده مقاليد السماوات والأرض، هذا هو الإيمان، فيجب أن تكفر بالطاغوت، وأن تؤمن بالله، كم مسلم في العالم يرتكب المعاصي والآثام تقرباً إلى أهل الدنيا، تقرباً إلى أهل الباطل، تقرباً إلى الطواغيت..
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾
(العروة) هذه التي تمسكها، تتعلَّق بها، ترجو أن تبقى متَّصلة، فأنت حينما تتمسك بالشريعة، وتتصل بالله عزَّ وجل، ليس في الكون كله جهةً تستطيع أن تقطعك عن الله:
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة فاطر: 2 ]
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾
أي إذا تمسَّكت بالقرآن والسُّنة وعضضت عليهما النواجذ فأنت متمسك بعروةٍ وثقى.
سمعت أن لبعض الشاحنات عروة في نهايتها من أجل أن تجرَّ مقطورة، قال: هذه العروة لها اختصاص نادر، وهي مصنَّعة من أدقّ أنواع الفولاذ المطرَّق، لأن المقطورة تزن عشرين طناً، ولو أن هذه العروة تفلَّتت لوقع حادث مخيف، فهذه العروة التي توضع في نهاية الشاحنات لها صناعة متميِّزة، ومن أمتن أنواع الفولاذ المُطَرَّق، أي معالج بالطرق لا بالصب ولا بالسحب، فهذه عروة وثقى.
الطاغوت هي كل جهة تنكر وجود الله عزَّ وجل وتؤثر الدنيا :
ربنا عزَّ وجل قال: أنت إذا كفرت بالطاغوت، أيُّ طاغوت؟
كل جهة تنكر وجود الله عزَّ وجل وتؤثر الدنيا، تطغى وتبغي..
إن آمنت بالله آمنت بكتابه، إن آمنت بالله صدقته، إن آمنت بالله صدقت نبيَّك،
إن آمنت بالله تقرأ الحديث الشريف وكأنه من عند الله عزَّ وجل، قال الله لك:
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾
[ سورة الذاريات: 58]
الدين هو حبل نجاة للإنسان
كأن هذا الدين حبل نجاة، أحياناً يلقى لإنسان حبل لكنه متين، يمسك به فينجو، أحياناً إنسان في حالة صعبة تأتيه طائرة هليكوبتر فتمدّ له حبلاً، يمسك به نجا، ترفعه شيئاً فشيئاً فينجو.
مهما كنت في خطر، مهما كنت في خطرٍ شديد، إذا تمسَّكت بالأمر الإلهي في القرآن، والأمر النبوي في السنة، كأنك تمسكت بالعروة الوثقى لا انفصام لها، نجوت.
﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
يسمع قولك، وعليمٌ بحالك.'
أشد الناس شقاءً من خرج من ولاية الله :
﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 257 )
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
لا بدَّ من أمثلة؛ تصور أباً متفرغاً لابنه، عالمٌ، غنيٌ، قويٌ، مربٍّ، مثقف ثقافة تربوية عالية، إيمانه قوي، قوي مادياً، عالِم، له ابن متفرِّغ له، يسأله عن صحته، عن طعامه، عن شرابه، عن هندامه، عن وظائفه، عن بيته، عن مدرسته، عن أصدقائه، يجلس معه، ينبِّهه، يذكره، يقوم اعوجاجه، يسأله، يصحح خطأه، أبٌ متفرِّغٌ لابنه..
انظر إلى هذا المثل، الله عزَّ وجل وليُّ الذين آمنوا، يرعاهم، يؤدبّهم، يبشِّرهم، يخيفهم، يصحح مسارهم، قد يشعرهم بالخوف ليأتوا بابه طائعين، قد يشعرهم بالأمن ليشكرهم على طاعتهم له، ولي، وليٌ كامل، لذلك أشد الناس شقاءً من خرج من ولاية الله..
اسم ( المولى ) ورد مطلقاً ومضافاً
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم، ورد مطلقاً وورد مضافاً، فالله عز وجل يقول:
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال )
وفي آية ثانية:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾
( سورة الحج )
ورد مضافاً:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد )
وقوله تعالى:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) ﴾
( سورة التوبة)
الإنسان محتاجٌ إلى مولى:
دققوا في قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال)
أنت بحاجة إلى مولى، بحاجة إلى مرجع، بحاجة إلى مربٍّ، بحاجة إلى سند، بحاجة إلى من يدعمك، بحاجة إلى من تتوكل عليه، بحاجة إلى من يطمئنك، بحاجة إلى جهة قوية تحتمي بها من شرور أعدائك، هذا شيء طبيعي جداً في الإنسان، إلا أن المؤمن وصل إلى الإله الحقيقي، وصل إلى خالق السماوات والأرض، وصل إلى مَن بيده كل شيء، وصل إلى من بيده مصائر الخلائق، والله عز وجل ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾
( سورة هود)
لك مرجع، لك كتاب تقرأه، هذا حرام، هذا حلاب، لك إله تدعوه في الليل، لك إله عظيم تسأله فيجيبك، تستغفره فيغفر لك، تتوب إليه فيتوب عليك، لك مرجع، في حياتك منظومة قيم، هناك شيء حلال وشيء حرام، شيء ممكن وشيء غير ممكن، شيء مباح وشيء مكروه، شيء واجب وشيء مستحسن، أنت تعيش بمنظومة قيم، وهذا من فضل الله علينا.
الله عز وجل يتولى أمرنا، وقد تضيق علينا الدنيا، وأحيانا تشح السماء، فيقيم المسلمون صلاة الاستسقاء، ويلجؤون إلى الله، أحياناً يأتي شبح مرض، هذا المرض سبب توبة نصوح، أحياناً يأتي شبح فقر، هذا الفقر يسوقنا إلى باب الله، بطولتك أن تفهم حكمة الله في المصائب، البطولة أن ترى حكمة الله في أفعاله، لأن الله عز وجل حكيم.
كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
نعم المولى، فهو عليم، حكيم، قدير، وقعت في ورطة ـ لا سمح الله ولا قدر ـ إن دعوته أولاً فهو موجود، ثانياً يسمعك، ثالثاً قادر على أن يلبيك، رابعاً يحبك، فهو موجود وسميع، وقدير ورحيم.
هذا ما يتمتّع به المؤمن الذي تولاّه الله:
1 – الأمن:
المؤمن يتمتع بأمن لا يتمتع به أحد على الإطلاق، والدليل:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
لو أن الآية: أولئك الأمن لهم، أي لهم ولغيرهم، هذه البلاغة عبارة قصر وحصر.
﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
2 – الحكمة:
يتمتع المؤمن بالحكمة:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾
( سورة البقرة)
3 – الرضى:
يتمتع المؤمن بالرضى، فلذلك حينما يسوق الله الإنسانَ إلى بابه عن طريق مصيبة، أو شبح مصيبة، أو ضيق، أو عدو جاثم على صدره، أو شبح فقر، أو شبح مشكلة، فهذه في الفهم الإيماني نعمة باطنة:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
( سورة لقمان: 20)
إذا كنت ضمن العناية المشددة فأنت في نعمة كبرى:
وأقول لكم هذه الكلمة: حينما يتابعك الله عز وجل، وحينما يخضعك لتربيته فأنت في خير عميم، وأنت في نعمة كبرى، إذا كنت ضمن العناية المشددة فأنت في نعمة كبرى، لكن المصيبة الكبيرة أن يتابع الله نعمه عليك، وأنت تعصيه، المصيبة الكبيرة أن تكون خارج العناية الإلهية:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا (11) ﴾
( سورة محمد )
أحياناً يشدد عليهم أحياناً يضيق عليهم أحياناً يسلط عليهم عدوهم.
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِف طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
( سورة القصص )
الآن دققوا:
﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة القصص )
لذلك إذا كنت ضمن العناية المشددة فالله يتولى أمرك، وإذا تولى الله أمرك فأنت في نعمة كبرى، في متابعة من ضمن الله عز وجل.
إذا أخطأت جاء العقاب، أو أسرفت في الإنفاق جاء التقتير، أو استعليت على إنسان جاء التأديب الذي من نوع هذه المعصية فصار تحجيما، كإنسان تطاول عليك، لأن الإنسان حينما يتطاول على غيره الله يؤدبه من جنس الذنب.
الخاتمة:
الخلاصة: مادمت خاضعاً للعناية الإلهية فأنت في نعمة كبرى، لأن الله مولاك، نعم المولى ونعم النصير، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.
﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 257 )
فيا أيها الإخوة الكرام، هذا الاسم ( المولى ) من أقرب الأسماء للإنسان، ولي أمرك، يتولى شؤونك، ينعم عليك، يقتر عليك، يرفعك، يخفضك، يملأ قلبك طمأنينة، أو يملأ قلبك خوفاً، يتولى أمر جسمك، وأمر نفسك، وأمر مستقبلك، وأمر إيمانك، وأمر عقيدتك، وأمر علاقاتك، هذا التولي نعم المولى ونعم النصير.
هذا الاسم أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية، من أقرب الأسماء للإنسان، ولأن الإنسان عنده نقاط ضعف ثلاث ؛ خلق هلوعا، وكان عجولا، وخلق ضعيفاً، نقاط الضعف تستوجب أن يكون له سند قوي يلجأ إليه، يحتمي به، يستعيذ به، يتوكل عليه، يعتمد عليه، وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
إذا حاورت إنساناً فابْدَأ بحجةٍ قويةٍ لا ردَّ عليها
إذا حاورت إنسانا فابدأ بحجة قوية
أيها الأخوة المؤمنون،مع الآية الثامنة والخمسين بعد المئتين، وهي قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
يعلمنا ربنا عز وجل أنك إذا حاورت إنساناً فابْدَأ بحجةٍ قويةٍ لا ردَّ عليها، وسيدنا إبراهيم بدأ بهذه الحجة..
﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾
جاء الملك برجلين، كما تروي الروايات، فقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فالذي قتله أماته، والذي عفا عنه أحياه، هذا الملك المتألِّه، تأوَّل الحياة والموت على طريقة شرحها لمَن حاجَّه، لإبراهيم عليه السلام، فما دام متأولاً فالحوار لا ينتهي معه إلى يوم القيامة، والحوار بين متأولين لا ينتهي إلى يوم القيامة، أنا أقصد كذا وكذا، فأجابه الثاني: أنا أقصد كذا وكذا، نقاش مستحيل، الطريق مسدود، فلما تأوَّل هذا الملك المتألِّه أنَّ الإحياء هو العفو، والموت هو القتل، سيدنا إبراهيم لم يقصد ذلك، قَصَدَ أنّ واهبَ الحياة هو الله، وأنّ الذي ينهي الحياة هو الله، فالموت يحتاج إلى خلق، قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
[ سورة الملك: 2 ]
فالحياة تحتاج إلى خَلق، والموت يحتاج إلى خَلق، والله جل جلاله الحيُّ القيوم هو حيٌ باقٍ على الدوام، يَهَبُ الحياة لكل مخلوق، (ربي الذي يحي ويميت).
النبي إبراهيم عندما رأى الملك متأولاً جاءه بموضوعٍ غير قابل للتأويل :
الله يحيي ويميت
هذه الشجرة مَن أوْدع فيها الحياة؟ تكون في الشتاء يابسةً، فإذا جاء فصل الربيع وسقاها الله بالمطر العميم اهتزت وربت، أزهرت فأورقت فأثمرت، هذه الحياة، هذه البقرة مَن وهَبهَا الحياة؟ تأكل هذا الكلأ فتعطيك حليباً هو الغذاء الأول للإنسان، لكن حينما تموت البقرة تصبح جيفةً، ماذا فقدت؟ فقدت الحياة.
إذاً، واهب الحياة هو الله، وخالق الموت هو الله، هذا الملِك المتألِّه تأوّل الحياة على أنها عفوٌ عن مقتول، والموت إيقاع القتل بالإنسان، ماذا فعل هذا النبي الكريم؟ لما رآه متأوِّلاً ترك الموضوع، وجاءه بموضوعٍ غير قابل للتأويل..
﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾
قال:
﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾
أيُّ مؤمنٍ لا يكون إيمانه قوياً إلا إذَا كانت معه حجة
أيها الأخوة؛ حينما يقول الله عز وجل:
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهَِ ﴾
[ سورة الأنعام: 83 ]
لابد كمؤمن أن تمتلك إجابة عن كل سؤال
إبراهيم ذو حجة، قياساً على هذه الآية، وأيُّ مؤمنٍ لا يكون إيمانه قوياً إلا إذَا كانت معه حجة، وإذا لم يستطِع المؤمن أنْ يحاور كافراً، أو مدعياً بنظرية ما، معنى ذلك أنّ إيمانه ضعيف، فالمؤمن الذي لا يصمد أمام كافر إيمانه ضعيف، لا بد من أن تمتلك حجةً قوية، لا بد أن ترى الحقائق ناصعة، لا بد من أن تمتلك إجابة عن كل سؤال تقريباً حتى تكون مؤمناً، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتَّخذه لعلَّمه.
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
[ سورة الأنعام: 83 ]
رجل كان من علماء الرياضيات المُلْحدين في أمريكا، له قصة عجيبة، عكف على القرآن الكريم فقرأه، وبعد حوارٍ طويل مع نفسه أعلن إسلامه، وهو الآن داعية، وصار يصلي في المسجد بعد أن أسلم، رآه صديقٌ له غير مسلمٍ، فقال: ما هذه الصلاة التي تصليها، إنك تستمع إلى قراءة باللغة العربية، وأنت لا تفقه هذه اللغة، فما معنى صلاتك؟ فأجابه: إنّ هذا الطفل الذي ولد لتوِّه، يشعر بنشوةٍ حينما تضمُّه أمُّه إلى صدرها، فماذا يفهم من لغة أمِّه؟ إنّه لا يفهم شيئاً، والمؤمن إذا أوى إلى المسجد، وإذا أوى إلى الله عز وجل، فكما يأوي هذا الطفل الصغير إلى صدر أمه، فأسكته بهذه الحجة، رآه بعض أصدقائه يصلي في الصيف، والكتف إلى الكتف، فقال له زميل له معترضاً: الجوُّ حارٌّ لِمَ هذا الالتصاق ببعضكم بعضاً، تباعدوا؟ قال: إن الله عز وجل يحب أن نكون متصلين به، وفي الوقت نفسه نشعر بمَن حولنا، واللهُ يحبُّ أنْ يعيش الإسلامُ مع المجتمع.
أنا ما قصدت من هذين المثلين أن يكونا مثلين صارخين، ولكن مِن المستحيل أن يؤمن الإنسان إيماناً حقيقياً إلا ويهبه الله عز وجل الحجة، يهبه الحجة القوية، فإنسان مؤمن لا يصمد أمام مبتدع، أمام مُنكر، أمام إنسان شارد، إنسانٌ ليس معه حجة، ما هذا الإيمان؟!! أنت مع الله، أنت مع العليم، أنت مع الحكيم، لا بد من أن تكون لك حجة تدلي بها.
الله عز وجل علّم الإنسان كيف يجري الحوارَ بالبحث عن حجةٍ لا تُؤَوَّل :
قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾
التقيت مرة بإنسان من اليابان، حدثته عن هذا الدين، قال: إن الله ظلمنا، لأن هذا الدين باللغة العربية، ونحن ولدنا في اليابان ولا نفقه من هذه اللغة شيئاً، إذاً نحن قد ظُلِمنا، قلت له: لماذا تعلمت اللغة
الإنجليزية؟ قال: من أجل التجارة، قلت: إذا أردت الحقيقة، وأن تصل إلى الجنة فتعلَّمْ اللغة العربية كذلك، فأنتَ من أجل كسب المال تعلَّمتَ لغة أخرى.
إنسان يقول لك: هناك مفتٍ أفتى لي في هذا الموضوع، أقول له: لو أن عندك بيتاً هل تبيعه لأول مشتري، أم تسأل أناساً كثيرين؟ لماذا اكتفيت بهذه الفتوى؟ فما مِنْ حجة يأتي بها أهل الدنيا إلا وهناك حجة
تدحضها وتردُّها.
أيها الأخوة... على كلٍّ فقد علّمنا الله عز وجل كيف نجري الحوارَ، ابحث عن حجةٍ لا تُؤَوَّل، عن حجة لا تُرَدُّ..
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*﴾
موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
10-09-2025, 05:32 PM
قصة عزير:
" عزير " رجل صالح من بني إسرائيل ، لم يثبت أنه نبي ، وإن كان المشهور أنه من أنبياء بني إسرائيل ، كما قال ابن كثير رحمه الله في "البداية والنهاية" (2/389) .
وقد روى أبو داود (4674) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
( مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا ؟ وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا ؟ ) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .
قال الله عز وجل:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾
قال بعض المفسرون: إنه سيدنا عزير أحد أنبياء بني إسرائيل، مرّ على قرية، وقالوا: هي القدس، وهي خاوية على عروشها، دمرت هذه المدينة وهجرها أهلها، ولم يبق منها إلا الهياكل، أنقاض، فقال سيدنا عزير:
﴿ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾
قرية مهدمة، أنقاض، بيوت متداعية، كيف يُعاد بناءُ هذه القرية؟
فقال الله عز وجل:
﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾
قالوا: إنه مات بعد شروق الشمس، وبُعِثَ قُبيل غروبها..
﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ﴾
تصور أنه نام بعد الشمس، واستيقظ قبل غروب الشمس..
﴿ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾
قال: لبثت يوماً، فلما رأى الشمس لم تغب بعدُ، قال: أو بعض يوم، وقد لبث مئة عام.
الآية التالية من آيات الدالة على عظمته :
قال الله له:
﴿ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾
طعامك الذي كان في حوزتك، وشرابك الذي كان في حوزتك هو هو؛ طازجٌ بخضرته، وزهوته، وطراوته، وكل صفاته التي تركته عليها.
﴿ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾
حمارهُ كومةٌ من العظام..
﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ ﴾
عظام الحمار..
﴿ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ﴾
هذه العظام تجمَّعتْ، وتشكَّلتْ، وتراكبت فكانت هيكلاً كاملاً، ثم جاء اللحم فكساها، وجاء الجلد فكسا هذه العضلات، وهذه آية من آيات الدالة على عظمته.
أخواننا الكرام؛ في تفسير هذه الآية لا بد من توضيح، هذا الكون كون مُعْجِز بوضعه الراهن، وفق قوانينه، وفق سننه، وفق معطياته، كون معجز، وهو يدل على الله عز وجل دلالة ما بعدها دلالة، ولكن لحكمة أرادها الله عز وجل جَعلَ بعض آياته في خرق هذه القوانين، هذا الكون من دون أن تخرق قوانينه معجزة، هذا الكون في وضعه الراهن معجزة، وإذا خرقت قوانينه معجزة، وخرق العادات لا يقبل عادةً، لأنّ الإنسانَ لم يألفه، لكنه يقبل عقلاً، لأن الذي خلق هذه القوانين هو الله، والذي قنَّنها هو الله، والله عز وجل في أيّة لحظةِ يعدِّلها أو يبدِّلها أو يغيِّرها.
اليقين الاستدلالي واليقين الشهودي :
اليقين الاستدلالي: رؤية دخان واليقين الشهودي: رؤية النار
يقول الله عز وجل:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ﴾
الحقيقة سيدنا إبراهيم عليه السلام مؤمن، ومؤمن إلى درجة اليقين، ولكن اليقين أنواع؛ نوع استدلالي، ونوع شهودي، أنت إنْ رأيتَ دخاناً وراء جدار، تقول: لا دخان بلا نار، أنت متأَكِّدٌ من وجود النار خلف الجدار، هذا يقين استدلالي، فإذا وقفت في الطرف الآخر من الجدار، ورأيت النار بعينك، هذا يقين شهودي، فسيدنا إبراهيم متيقنٌ يقيناً استدلالياً، لكنه الآن يريد اليقين الشهودي..
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
بعضهم تأوَّل هذه الآية: بأن هذا النبي الكريم من شدة محبّته لله، أراد أن يرى أثر فعل الله عز وجل، وكأنه تمنَّى أن يرى عظمة الله من خلال هذه الآية، وليس شاكّاً في قدرة الله، ولا في علم الله، ولا في حكمة الله، ولكنه تطلَّع إلى أن يرى أثر قدرة الله عز وجل..
أي كي ينتقل من يقينِ الاستدلال إلى يقين المعاينة، من يقين الاستدلال إلى يقين الشهود.
معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزةٌ مستمرةٌ إلى يوم القيامة :
قال تعالى:
﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾
أي قطعهن قطعاً قِطعاً..
﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ﴾
طاووس، ودجاجة، وما إلى ذلك، أربعة أنواع من الطيور، قطعها قطعاً قطعاً، وجعل على كل قمة جبل بعض هذه القطع، قال:
﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
فلما دعاهن، تراكبت هذه الأعضاء، والتحم بعضها ببعض، وسرن إليه خاضعين لأمر الله عز وجل. مرة ثانية هذه المعجزات وقعت مرة واحدة، ولن تقع مرة ثانية، شبَّهها بعض علماء التوحيد كعود الثقاب تألق مرة واحدة ثم انطفأ، فأصبح خبراً يصدقه مَن يصدقه، ويكذّبه مَن يكذّبه، ولكن أي مؤمن يقرأ كلام الله عز وجل يؤمنُ إيماناً راسخاً أن هذا الخرق قد وقع، وهناك مَن يكذِّب بهذا لأنه ما عرف الله عز وجل، وأنّ أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، رأى أن هذا غير مألوف عادةً فأنكره، ولكن الشيء الذي كرمنا الله به هو: أن معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزةٌ مستمرةٌ إلى يوم القيامة
فهذا الكتاب بين أيدينا، فيه آيات كثيرة لا يمكن أن تفسَّر إلا بحالةٍ واحدة؛ أنها آيات من عند الله.
في الآيات التالية إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم :
الضغط داخل الطائرة أكبر ثماني مرات من خارجها
مَن هذا الذي صعد إلى الفضاء الخارجي، وضاق نفسه؟ الله جلّ جلاله أخبرنا:
﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
[ سورة الأنعام: 125 ]
بعد أن ركب الإنسان الطائرة، لو أن طائرة تركبها، وجهاز ضخ الهواء فيها تعطل، هبط الضغط إلى الثمن، عندئذٍ يخرج الدم من أنف الإنسان ويختل ضغطه، ويشعر بضيقٍ لا يحتمل، الطائرات التي نركبها الآن مضغوطة ثماني أضعاف، ليكون الضغط على ارتفاع أربعين ألف قدم مساوياً للضغط على الأرض، لو أن جهاز الضغط تعطل، لأحسَّ الركاب بضيقٍ في نَفَسهم لا يحتمل، هذا عرفناه الآن بعد اختراع الطائرة، لكن كيف جاء ذكره في القرآن الكريم؟ قال العليم الخبير:
﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
[ سورة الأنعام: 125 ]
بعد أن اخترعنا أشعة الليزر، وقسنا غور فلسطين رأيناه أعمق نقطة في الأرض، وذلك منذ عشرين سنة أو عشر سنوات، لكن حينما يقول الله عز وجل:
﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون*فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾
[ سورة الروم: 2-4 ]
المعركة تمت في غور فلسطين
﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ﴾
هذا أيضاً إشارة إلى إعجاز هذا القرآن الكريم.
كل التقدم العلمي لم يستطع أن يهز آية واحدة لأنها من عند خالق الأكوان :
قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
هذه معجزةٌ حسية، وحمار سيدنا عزير معجزةٌ حسية، ولكن هذا القرآن كله معجزة عقلية بيانية، وبإمكانك أن تكتشف كل حين أن هذا كلام الله عز وجل لأن البشر لا يستطيع أن يأتي بهذا الكلام، تقرأ أنت:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾
[ سورة النحل: 8]
إنسان عاش قبل ألفٍ وأربعمئة عام؛ هناك الخيل، والبغال، والحمير، لو أن هذا القرآن كلام بشر، لكانت الآية:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾
[ سورة النحل: 8]
فقط، أما إنسان يعيش في هذا العصر؛ هناك طائرات، وهناك طائرات عملاقة، وبواخر، وحوَّامات، وقطارات، ومراكب فضائية، قال تعالى:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل: 8]
إذاً هو كلام الله عز وجل، كل التقدم العلمي لم يستطع أن يهز آية واحدة، لأن هذه الآيات من عند خالق الأكوان، الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
كلما تقدَّم العلم كشف جانباً من إعجاز القرآن الكريم :
نسبة دماغ الإنسان إلى جسمه أعلى نسبة
أيها الأخوة الكرام؛ حينما نبحث في إعجاز القرآن العلمي، كأننا نضع أيدينا على معجزاتٍ رائعة.. ذات مرة قرأت هذه الآية:
﴿ كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ*نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾
[سورة العلق: 15-16]
يوجَد في رأسِ الإنسان دماغ، ونسبةُ هذا الدماغ إلى الجسم أعلى نسبة في المخلوقات قاطبةً، لو أخذنا دماغ الحوت الأزرق، نسبة وزن الدماغ إلى وزن الحوت قليلة، لو أخذنا دماغ الفيل، دماغ وحيد القَرن، دماغ الكركدن، نسبة وزن دماغ أي حيوان إلى جسمه نسبة ضئيلة، أما أعلى نسبة على الإطلاق هي نسبة وزن دماغ الإنسان إلى الإنسان، هذا الدماغ فيه فصٌ جبهي، وهو أضخم الفصوص، في هذا الفص الجبهي تتم المحاكمة، ويتم الحكم، ويتم الاستنباط، ويتم الاستنتاج، ويتم اليقين، والإنسان هنا يتحرك، تتم الإرادة هنا، إنسان أراد أن يسرق، تبدأ السرقة من فصه الجبهي، أراد أن يزني، يبدأ الزنا من فصِّه الجبهي، يقرر فيفعل، هذا الفص الجبهي اسمه الناصية، ناصية الرأس مقدمته، قال الله عز وجل: مركز الكذب في الناصية من الفص الجبهي
﴿ كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ*نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾
[سورة العلق: 15-16]
فالكذب من الفص الجبهي، والخطأ من الفص الجبهي، والحديث عن معجزات القرآن الكريم العلمية حديث طويل، بل كلما تقدَّم العلم كشف جانباً من إعجاز القرآن الكريم.
العقل أودعه الله فينا كمقياس علمي والفطرة جبلنا عليها كمقياس انفعالي :
أيها الأخوة الكرام، ليس هناك من مانع أن نتأثر بالمعجزات الحسية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، كقوله تعالى:
﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
ولا مانع من أن نتأثر بالغ التأثُّر بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
وليس هناك من مانعٍ أيضاً أن تقرأ عن إعجاز القرآن العلمي، فتشعر أن هذا الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن، وأن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تأتي حقيقةٌ علمية تنقض آية في القرآن الكريم، لأن هذا القرآن كلامه والكون خلقه، والعقل أودعه فينا كمقياس علمي، والفطرة جبلنا عليها كمقياس انفعالي، وهكذا نجد أن القرآن الكريم كلام الله المعجز إلى أبد الآبدين.
موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
10-22-2025, 05:49 AM
المال في فلسفته هو قيمةٌ مطلقةٌ للجهد البشري :
مع الآية الواحدة والستين بعد المئتين من سورة البقرة، وهي قوله تعالى:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
بعد الإيمان لا شيء يعلو على الإنفاق، آمنت بالله فلا بد من التقرُّب إليه، ولا بد من دفع ثمن جنَّته، تتقرب إليه بالإنفاق، وتدفع ثمن جنةٍ عرضها السماوات والأرض بالإنفاق، والإنفاق بالمعنى الواسع إنفاق كل شيءٍ تملكه؛ إنفاق علمٍ، وإنفاقُ خبرةٍ، وإنفاق مالٍ، وإنفاق وقتٍ، وإنفاق جهدٍ، وإنفاق وجاهةٍ..
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لكن الإنفاق إذا أُطلق انصرف في الأعم الأغلب إلى إنفاق المال، والمال قيمةٌ مطلقة، كيف؟
إنسان درس الطب ثلاثةً وثلاثين عاماً، امتلك خبرةً في معالجة المرضى، يأتيه مريض يعالجه فيأخذ منه ألف ليرة، هذه الألف ليرة قيمة علمٍ دامت ثلاثةً وثلاثين عاماً، إنسان نقل بضاعة من مكان إلى مكان، أخذ ألف ليرة، هذه الألف الثانية أجرة نقل بضاعة، إنسان أصلح آلة أخذ ألفا ليرة مثلاً، إنسان علَّم درس رياضيات أخذ ألف ليرة، فهذا الأخير قيمةٌ مطلقةٌ للجهد البشري، إذاً المال في فلسفته: قيمةٌ مطلقةٌ للجهد البشري.
الله سبحانه وتعالى خلقنا كي نربح عليه :
إنسان عنده بضاعة لها ثمن، إنسان عنده مواد زراعية لها ثمن، إنسان عنده خبرات لها ثمن، إنسان عنده خدمات لها ثمن، فأنت حينما تأخذ أجراً على عملك هذا الأجر يساوي جهدك، مثلاً: نقلُ سيارة رمل من مكان إلى مكان يكلِّف ألف ليرة، فهذه الألف ليرة هي قيمة جهد بشري، فهي قيمةٌ مطلقةٌ لهذا الجهد، فالمعنى أنك حينما تنفق هذا الألف ماذا أنفقت؟
أنفقت جهداً، أنفقت جهداً يساوي أربع ساعات بعملٍ شاق، فأنت أنفقت جهداً مضنياً، حينما أنفقت الألف أنفقت جهداً، والطبيب إذا أنفق الألف أنفق علمه، والمدرس إذا أنفق ألفاً أنفق علمه أيضاً، والمحامي أنفق علمه، والمهندس أنفق علمه، والبائع أنفق خبرته في الشراء والبيع، والصانع في صناعةٍ معيَّنة، والذي أدَّى الخدمات أنفق خدماته مقابل ألف، فالمال قيمةٌ مطلقةٌ للجهد البشري..
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ﴾
فكأن الله سبحانه وتعالى خلقنا كي نربح عليه، أنفِق حبةً يأتِك مئة ألف حبَّة، يأتِك سبعمئة ألف، يأتِك أعدادٌ لا تعد ولا تحصى..
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾
الآية التالية تشجع المؤمنين على الإنفاق :
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
أيْ أيها الإنسان: اعلم أنك إن أنفقت شيئاً ضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة، هذه الحقيقة تحتاج إلى إيمان، أنت حينما تؤمن أن كل شيءٍ تنفقه يضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة، وحينما تؤمن أن كل شيءٍ تنفقه يعلمه الله عزَّ وجل، فأنت بحاجة إلى حقيقتين: إلى حقيقة أن الله يعلم، والثانية إلى أن الله سيعوض، لذلك لا تجد إنساناً مؤمناً إيماناً قوياً إلا ويبادر إلى الإنفاق لأنه يعلم علم اليقين أن الله يعلم، وأن الله سيضاعف أضعافاً كثيرة.
المال مال الله و الإنسان مستخلف فيه :
تأكيداً لمعنى أن المال مال الله، وأن الإنسان مستخلف فيه يقول الله عز وجل:
﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾
[سورة الحديد: 7]
وإنما سمى الله الزكاة - ونحن في شهر الزكاة - صدقة لأن إنفاق المال يؤكد صدق الإنسان، هناك عبادات لا تكلف الإنسان شيئاً، وهناك عبادات تتناقض مع طبعه، طبع الإنسان أن يأخذ المال، والتكليف أن ينفقه، إذاً سميت الزكاة صدقة لأنها تؤكد صدق الإنسان، كل يدعي وصلاً بليلى، ولكن هذا يحتاج إلى دليل، كلّ يدعي أنه مؤمن ولكن هذا الإدعاء يحتاج إلى دليل، من أدلة الإيمان إنفاق الأموال:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة التوبة: 103]
تطهرهم: بمعنى ثلاثي، تطهر الغني من الشح، تطهر الفقير من الحقد،
تطهر المال من تعلق حق الغير به.
تزكيهم: تنمو نفس الغني فيرى عمله الطيب ويرى دوره الخطير في المجتمع، تزكي نفس الفقير فيرى أنه ليس هيناً على الناس، والناس يهتمون به، فتنشأ هذه العلاقات الاجتماعية المتينة من هذا التواصل بالمال. وتنمي المال نفسه بأن الله عز وجل يطمئن المنفقين أن كل شيء ينفق يخلفه الله جل جلاله. أيها الأخوة:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾
[سورة النازعات: 40]
يبدو أن الهوى أن يكنز الإنسان المال، هوى الإنسان في تجميع الأموال، قال تعالى:
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 32]
هوى الإنسان في قبض المال، والتكليف في إنفاقه، فهذا الذي ينشأ في نفس الإنسان من صراع بين كنز المال وإنفاقه هو ثمن الجنة.
امانى يسرى محمد
10-22-2025, 05:50 AM
الصدقة تبطل بالمنِّ والأذى :
هذا الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فهذا الخلط أمره إلى الله عزَّ وجل، ليتها لم تزنِ ولم تتصدق، يعني مثلاً ليتك لم تنفق ولم تمنَّ على هذا الذي أنفقت، إذا أنفقت ينبغي أن تكتم، هناك قاعدة عامة: " إذا عملت عملاً صالحاً ينبغي أن تصمت، وأن تحتسب هذا العمل لله "، أما الحديث: أعطيته، منحته، وهبته، فضلت عليه، لولاي ما صار رجلاً يؤبه له، لا، سيصير رجلاً من دونك، كلام فارغ يقوله معظم الناس، لحم أكتافه من خيري ـ مثلاً ـ ما هذا الكلام؟!! كلامٌ فيه بعدٌ عن الله عزَّ وجل..
﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ ﴾
عن هذا المتصدق وصدقته..
على منِّه وأذاه، فالله عزَّ وجل حليم عن معاصي العباد، غنيٌ عن صدقة هذا المتصدق..
﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾
[ سورة محمد: 38 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾
فالصدقة تبطل بالمنِّ والأذى، تنعدم قيمتها، لا يقبلها الله عزَّ وجل، قال بعض العلماء: لا يكتبها مَلَكُ الحسنات إذا كان معها مَنّ وأذى.
المنُّ يُوصل إلى الأذى :
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾
أي أن المن يوصل إلى الأذى، مننت عليه مرة، وثانية، وثالثة، ورابعة فخرج من جلده وقال: لقد آذيتني بهذا المن، أو أن بعض العلماء يقول: المنُّ أن تذكره بعملك الطيب، ثم تقسو عليه في الكلام: ما شكرتني!! ما أعلنت ذلك أمام الناس، ما بيَّنت، ما نوَّهت، فتقسو عليه.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
هذا الرياء، أي إذا كان جمهور من الناس يرونه وهو ينفق ماله، واللهِ سمعت عن رجل أمام الجمهور ينفق مئات الألوف، أما أقرباؤه الأدنون فهم في أمسِّ الحاجة إلى المال ولا ينفق عليهم شيئاً، فأقرباؤه إذا أنفق عليهم لا يعلم أحد بهذا الإنفاق، أما إذا كان بحفل كبير وصار تبرُّعات فهو ينفق مئة ألف، بل مليون، مرة سمعت باحتفال لجمع تبرعات أن أحدهم أسمع ووعد بملايين، ثم لم يدفع شيئاً، فهو قال هذا بلسانه ولم يصدق هذا بعمله..
﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾
لماذا راءى؟
﴿ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
لو آمن بالله واليوم الآخر لما احتاج إلى أن يرائي الناس، ولما احتاج إلى أن يظهر عمله الصالح أمامهم، ولما احتاج إلى أن ينتزع إعجابهم، ولما احتاج إلى أن يذكِّرهم بعمله كي يثنوا عليه أكثر وأكثر.
إذا أنفقت من مالِك ولم تشعر بسعادةٍ معنى ذلك أن الإخلاص ضعيفًٌ :
قال تعالى:
﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ ﴾
أي حجر أملس عليه تراب، هذا التراب هو العمل الصالح..
﴿ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾
جاء مطرٌ غزير، فأزال التراب عن هذا الحجر، فرجع الحجر صلباً أملس لا تراب عليه..
﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾
هذه الآية تنقلنا إلى حقيقةٍ دقيقة: أنك إذا عملت الصالحات، ثم عملت الصالحات، وأنفقت من مالِك، وخدمت الناس، ولم تشعر بسعادةٍ إطلاقاً، فمعنى ذلك أن الإخلاص ضعيفٌ جداً، وأنك تبتغي بهذا إرضاء الناس، وكسب ثنائهم، أما إذا أردت الله عزَّ وجل، لا تحتاج إلى كل هذا.
من لم يحقق لنفسه شيئاً من مرضاة الله فهو بعيد عن الإيمان بالله :
قال تعالى:
﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾
حجر..
﴿ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾
مطرٌ..
﴿ فَتَرَكَهُ صَلْداً ﴾
أملس..
﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾
أي لا يقدرون على شيءٍ من الإقبال على الله مما كسبوا من معاصٍ لأنهم منافقون، بمعنى آخر: لم يحققوا لأنفسهم شيئاً من مرضاة الله تعالى لأنهم بعيدون عن الإيمان بالله، الإيمان الذي يحملك على الإخلاص له..
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
10-25-2025, 05:43 PM
الإخلاص في الإنفاق
إنفاق المال رئاء الناس يجعله الله يوم القيامة هباءً منثوراً :
الشيء الخطير:
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾البقرة (266)
ما قولك: إنسان بمجلس، بحفلة أنفق مليوناً، وشخص آخر أنفق مئة ألف، دفعها وهو في أمسِّ الحاجة إلى هذا الإنفاق، فيوم القيامة ينظر إليه وقد جعله الله هباءً منثورا، بطل عمله، ينظر إلى عمله الذي راءى فيه الناس، أنفق ماله رئاء الناس، فإذا الله عزَّ وجل قد جعله هباءً منثوراً لأنه ما أخلص
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ ﴾
بستان رائع جداً من نخيل، والنخيل من الأشجار المعمرة، وقد تعيش ستة آلاف عام..
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾
أيْ: ينبوع ماء غزير، ماء رَقْراق، بستان جميل، أشجار مثمرة، بستان له رَيْع كبير، لو ضمَّن فاكهته لضمَّنها بأموال طائلة.
الإنسان المرائي المنافق لا قيمة لطاعته إطلاقاً :
قال تعالى:
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ ﴾
تقدَّم في السن، فعجز عن العمل..
﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾
أولاد صغار كثيرون..
﴿ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾
أي بعدما أصابه الكِبَر، وبعد أن قبع في البيت، وبعدما عجز عن الكسب، كل أمله بهذا البستان ذي الثمار اليانعة والموارد الكبيرة، وهو في أمس الحاجة إلى هذا البستان، وإلى فاكهته ورَيْعِه، أصاب هذا البستان إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت أشجاره، وذهب كل ثمر هذا البستان.
﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾
تشبيه رائع جداً، فقد يخيب أملك إذا كنت ترجو عملاً صالحاً مقبولاً وأنت في أمس الحاجة إليه، ثم قد يُحْبَط عملك وأنت في أمس الحاجة إلى هذا العمل.
فإذا كان الإنسان فيما بينه وبين الله يعصيه، وفيما بينه وبين الناس يطيعه، هذا إنسان مراءٍ منافق لا قيمة لطاعته إطلاقاً، هو يطيعه ليحفظ مكانته عند الناس، لا يطيعه محبةً له، ولا يجتنب المعاصي خوفاً منه بل خوفاً على سمعته، إذاً فهذا إنسان لا قيمة له عند الله.
النبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف الإخلاص، في كتمان الإنفاق قال:
(( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل ـ من هذه السبعة ـ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ]
إخفاء الصدقة دليل الإخلاص، لأن الذي أنفقت من أجله يعلم، دون أن تُعلم أحداً.
كان بعض العلماء يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب
ـ ابن المبارك رحمه الله، مرة التقى بشاب، ثم زار البلدة مرة ثانية، فعلم أنه عليه دَين، فأرسل مَن دفع عنه الدين، وسار عائداً إلى بلدته، تبعه الشاب، قال: لا أعلم عنك شيئاً، مَن أنت ؟ لم يذكر له أنه هو الذي فكّ دينه.
قد نجد أشخاصا أرجو أن يكونوا قِلّة، إذا عملَ عملا صالحا لا يبقي إنسانًا ما يحكي له، البارحة عملنا هكذا، فلان لحم كتفه من خيرنا، فلان لو ما أعطيناه ما صار رجلا، هذا المنّ في الصدقة.
ملحوظة مهمة: إن تبدو الصدقات فنعما هي:
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 271 )
إنّ الصدقة إذا توجهت إلى جهة خيرية فالأولى أن تعلن.
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
( سورة المطففين )
أما إذا توجهت إلى إنسان فالأولى أن تكتم، الحكمة تقتضي أن تعلن في موقف، وأن تكتم في موقف، حتى حينما يقرأ إنسان القرآن من شدة إخلاصه هو يقرأ القرآن دخل شخص فغطى المصحف بثوبه، وهناك شخص يتمنى أن يراه الناس يقرأ القرآن.
تنبيه بليغ: ترك العمل خوف الرياء شرك :
لكن هناك ملاحظة مهمة جداً، وهي أنك إذا تركت العمل الصالح خوفاً من النفاق وقعت في الشرك، العمل الصالح لا يترك، لا مؤاثرة في الخير،
أنا أتيح لي عمل صالح، هناك يأتي الشيطان، ويقول: أنت إذا فعلته أمام الناس أردت بها العمل أن تعلو عندهم، لا، هذا كلام شيطاني، لو أخذ به كل واحد منا لألغيت الأعمال الصالحة، إذا أتيح لك عمل صالح فلا تتردد أبداً، افعله ولو كنت في ملأ من الناس، لعلك تشجعهم.
:::::::::::
إنفاق الطيب من الأموال
الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً ولا يقبل منك نفقةً إلا إذا كانت من مالٍ حلال :
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾(267) سورة البقرة
أي إن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً، لا يقبل الله منك نفقةً إلا إذا كانت من مالٍ حلال، ومن كَدٍ حلال، ومن سعيٍ حلال، أما الذي ينفق ماله من أموال ليست حلالاً، وليس كسبها مشروعاً، لعله أنفق من مالٍ رِبَوِيّ، أو من فائدة مالٍ رِبوي
عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ :
(( اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا لِي ، أُهْدِيَ لِي ، قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي ، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ، مَرَّتَيْنِ ))
[ البخاري ، مسلم ، أبو داود ، أحمد ، الدارمي]
هذا أُهدي إلي ، لولا هذا المنصب هل يهدي لك أحد شيئاً ؟
يقول الله عزَّ وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾
أنفق المال الحلال، أنفق الرزق الحلال الذي سعيت لجلبه بطريقٍ مشروع..
﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾
أي: زكاة الزروع..
﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ ﴾
أكثر الناس يقدم الشيء السيئ، صدقوا أنه في رمضان إنسان قدَّم لمسجد أحذية كي توزَّع على سبيل الزكاة، كل فردة نمرة، جمع من محله التجاري خلال عام النماذج غير الصحيحة، إحدى الزوجين أربعين والأخرى اثنين وأربعين، جمعها في كيس وأرسلها إلى مسجد، هذه أين مكانها؟ في الحاوية طبعاً، إنسان يقدِّم أحياناً ثياباً بالية، مستعملة استعمالاً كثيفاً عنيفاً، أين مكانها؟ في الحاوية، إنسان يقدم طعاماً تعافُه النفس، هذا شيء يتناقض مع كمال الإيمان.
الإنفاق في سبيل الله يجب أن يكون من شيء نفيس حتى يعوِّضكم الله أضعافاً مضاعفةً:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
[ سورة آل عمران الآية:92]
يجب أن تنفق من شيءٍ تحبّه ، من شيءٍ أثير عليك ، من شيءٍ تحْرص عليه ، من شيء هو عندك متألّق
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا﴾
أي تقصدوا..
﴿ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾
أحياناً فاكهة في أول فسادها، أفأنت تشتريها بسعر عالٍ؟ لا. أبداً، لو كان كيلو التفاح ـ فرضاً ـ بخمسين ليرة، تشتري التفاح على وشك الفساد بخمسين؟ تقول له الكيلو بعشرة، هذا يستعمل لصناعة الخل، فالبضاعة السيئة لا يمكن أن تشتريها إلا بثمنٍ بخس..
﴿ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾
أي أن تقلِّلوا من قيمتها، أن تأخذوها بثمنٍ بخس..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
هذا في الطعام كثيراً ما يقع، فتجد من يقدم طعاماً شبه فاسد، أو في أول فساده، هذا الطعام لا قيمة له عند الله عزَّ وجل، أَطعمْ الفقير طعاماً يشتهيه ويحبه، أعطه ثياباً يحبُّها، يلبسها مَزْهواً بها، لا تعطه ثياباً يلبسها مستحياً به.
﴿ حَمِيدٌ ﴾
أيضاً لو أنكم أنفقتم نفقةً من كسبكم الحلال من شيءٍ نفيس، كان يحمدكم ويعوِّض عليكم أضعافاً مضاعفةً.
امانى يسرى محمد
11-02-2025, 05:43 AM
خصائص الشيطان
يجب أن تتعلم الكثير عن خصائص الشيطان لتتجنبها.
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾
حدثنا أخ كان والده من علماء دمشق، قال له: يا بني أدِّب نفسك. فقال له: كيف؟ قال: إذا أردت أن تنفق مئة، ثم جاءك وسواسٌ من الشيطان فقال: دعك من هذا الإنفاق، أعدْ هذا المال إلى جيبك. فعليك أن تعاقب نفسك، كيف تعاقبها؟ أنفق مئتين، كلما جاء الوسواس ليمنعك من أن تنفق أنفق الضعف بهذا تؤدب النفس وتعلمها ألا تتردد في الإنفاق في سبيل الله.
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً ﴾
الشيطان كذلك يدعوك إلى الزنا، إلى اقتراف الحرام، إلى أن تملأ عينيك من حسناوات الطريق، إلى اقتراف المعاصي والآثام، يدعوك إلى الفحشاء، وإذا أنفقت مالك في سبيل الله أخافك من الإنفاق.
الإنسان يُطعِم اللُّقْمة فيراها مثل جبل أُحد، قال تعالى:
هو يوقِع العداوة والبغضاء، ففي الحي تجد فرَق كثيرة، بل في الأسرة الواحدة تفرُّق عداء ونميمة وحِقد ومحاكِم ودعاوَى ؛ هذا كُلُّه من عمل الشَّيطان لأنَّهم ما اسْتعاذوا منه، وجوُّهم شيطاني وليس رحماني، والدليل آثار هذه الخصومات، والخلافات الزَّوجيَّة، فهو يدْعوك للحرام، وللاختِلاط ويُكرِّه لك زوْجتك، ويُزيِّن لك زوْجة أخيك ! ويدعوك للسَّفر المحرَّم، فالشيطان يَعِدُك بالفقْر، ويوقِعُ العداوَة والبغضاء، ويُخَوِّفنا، ويُثبِّطُ عزائِمَنا، ويدْعونا إلى الكفر، قال تعالى﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾ [ سورة الأعراف ] وعلاجُهُ أن تسْتعيذ بالله منه، لذلك أكْثِر نم ذِكْر الله، وبرئ نم النِّفاق من أكثر من ذِكْر الله، وبرئ من الكِبر مَن حمَلَ حاجَتَهُ بِيَدِهِ، وبرئ من البخل مَن أدَّى زكاة ماله.
امانى يسرى محمد
11-02-2025, 05:44 AM
من أنفق نفقة في سبيل الله اطمأن إلى أن الله يعلم وهذا يبعده عن النفاق :
أمعن الفكر والنظر: لو زرت مريضاً ومعك هدية، أنت ماذا تفعل؟ تضع بطاقة على الهدية، ليعلم هذا الذي زرته أن هذه الهدية منك، إذاً المُنفق حريص أن يعلم الذي أنفقت من أجله أن هذا الإنفاق منك، هذه القضية الأساسية في الإنفاق مغطاة بهذه الآية، معك إيصال، أو ليس معك إيصال، هناك شهود، أو ليس من شهود، نوَّهت، ما نوهت، سكتَّ، تكلمت، صرَّحت، فإن الله يعلمه، لذلك فالمؤمن إذا أنفق نفقة في سبيل الله مطمئنٌ أشد الطمأنينة إلى أن الله يعلم، وهذا الذي يبعدك عن النفاق، وهذا الذي يبعدك عن استجداء المديح، وهذا الذي يُزَهِّدك في أن يُكتب اسمك مع المحسنين، وأن يكون لك وجاهة عند الناس، كل هذا أنت مستغنٍ عنه لأن الله يعلم، وإذا كان الله يعلم فغيره إن علم أو لم يعلم سيَّان، علم أو لم يعلم فلا فرق أبداً.
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾270 سورة البقرة
شخص نذر إن شفى الله ابنه ليوزِّعن لحماً على الفقراء، هذا نوع من الإنفاق، لكنه إنفاق مشروط، الإنفاق الأول إنفاق من دون شرط، والإنفاق الثاني إنفاق مشروط، لكني أضع بين أيديكم هذه الحقيقة: الله عز وجل لا يُشارَط، ولا يُجَرب، والأولى أن تنفق من دون شرط؛ لأن الله يعلم، يعلم أن الابن مريض وأن هذا الأب حريص على شفاء ابنه، يا رب قد أنفقتُ هذه النفقة لعلك تنظر له بالشفاء، أما إن شفيته أدفع، هذا مقبول، ولكن الأكمل أن تنفق بلا شرط، مقبول أن تنذر نذراً، ولكن الأكمل والأقوى والأبلغ والأرقى أن تنفق النفقة من دون شرط..
لذلك قالوا: " الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير "، "بكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها "، الله جل جلاله على علو مكانه، وعلى علو قدره يُسترضَى، ويُسترضَى بالصدقة، فإذا وجدت أنك بعيدٌ عن الحق قليلاً، أو أن شبح مصيبة لاح أمامك، أو أن شيئاً تخافه يقترب منك، أو أن عدواً متربِّصاً يريد أن يوقع بك، وليس لك أحدٌ يعينك إلا الله، فاسترضِ الله بالصدقة فإن البلاء لا يتخطَّاها، وتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وكم من بلاءٍ صرفه الله بالصدقة، وكم من مرضٍ شُفي الإنسان منه بالصدقة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( داووا مرضاكم بالصدقة ))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_19_7166_da75598a435d8.gif
الصدقة سُمِّيَت صدقةً لأنها تؤكد صدق الإنسان في محبة الله :
سُمِّيَت الصدقة صدقةً لأنها تؤكد صدق الإنسان في محبة الله، فالمال رخيص عنده أمام رضوان الله، المال محبب، فإذا أنفقت المحبب من أجل مَن تحبه فهذه أكثر، الصدقة برهان على أنك مؤمن، فهناك أعمال تفعلها لنفسك، هذه لا ترقى بها، أما هناك أفعال تفعلها تعارض فيها رغبتك.
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
ما قيمة الإنفاق لو أنك لا تحب المال؟! فلأنك تحب المال فللإنفاق قيمة..
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إلاّ الُمُصَلّيِنَ﴾
[ سورة المعارج: 19-22 ]
يحب المال، يحب أن يكثر منه، يحب أن يكنزه، يحب أن يكون مطمئناً لرصيدٍ مرتفع له، فإذا أنفقت الشيء المحبب ترقى عند الله عز وجل، فلولا أنك لا تحب المال لما ارتقيت بإنفاقه، ولولا أن الله رَكَّبَ فينا حب المال لما ارتقى الإنسان بإنفاقه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_19_7166_da75598a435d8.gif
الإنفاق له ملابسات كثيرة :
الإنفاق له ملابسات كثيرة؛ الإخلاص يرفع قيمة الإنفاق، أن يكون المال قليلاً يرفع قيمة الإنفاق، أن تنفق المال وأنت صحيح شحيح يرفع قيمة الإنفاق، هناك عوامل كثيرة ترفع قيمة الإنفاق، وهناك عوامل كثيرة أيضاً تقلل من قيمة الإنفاق، مَن أنفق رياءً لا قيمة لإنفاقه، ومَن أنفق وقد زهد بالمال، وقد صار المال لا يعني عنده شيئاً، فليس هناك كبير قيمة لإنفاقه..
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾
لو أنفقت نفقة في غير محلها فأنت ظالمٌ لنفسك :
الآن، ما معنى الظالمين هنا؟ ما علاقة الظالمين بالإنفاق؟ أي أنك إذا أنفقت رياءً فأنت ظالمٌ لنفسك، إذا أنفقت وأتبعت ما أنفقت المَنَّ والأذى فأنت ظالم لنفسك، إذا أنفقت نفقةً قليلةً إلى جنب ما تملك فأنت ظالم لنفسك..
﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ ﴾
بالرياء والمن والأذى، أو لو أنفقت نفقة في غير محلها فأنت ظالمٌ لنفسك، لو أنفقت نفقة من أجل شهوتك وميولك فأنت ظالم لنفسك، هذا الذي يظلم نفسه سوف يعاقب، لم يجد أحداً يمنع عنه عقاب الله عز وجل، لو أن الله أراد أن يهلك مال إنسانٍ أنفق ماله رئاء الناس لم يجد مصيراً يحول بينه وبين عقاب الله عز وجل..
﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
11-08-2025, 08:42 PM
(إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
(271)
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾
الإنفاق عما تجود به النفس له عدة محاسن :
الإنفاق عما تجود به النفس له محاسن منها
أولاً: تشجعون الآخرين، أنت شَجَّعت
وثانياً: ليست هذه النفقة متعلقة بالإنسان، متعلقة ببناء مسجد، متعلقة بدار أيتام، متعلقة بمعهد شرعي، متعلقة مثلاً بصندوق العافية، متعلقة بصندوق الزواج، لا تجرحُ أحداً بهذا الإنفاق، أما إذا كان هذا الإنفاق متعلقاً بإنسان، فلان الفلاني يحتاج إلى مساعدة فلا تقل: أنا دفعت له عشرة آلاف، إذا كان الإنفاق متعلقاً بإنسان ينبغي ألا تعلن هذا الإنفاق، أن يكون بينك وبين الله، هناك مواطن الإعلان فيها أولى إذا لم يتعلق بإنسان، مع نية المنفق التشجيع، وفي مواطن أخرى الكتمان أولى، إذا تعلَّق بإنسان وليس هناك منافسة في الدفع.
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾
الذي عنده احتمال أن يرائي ـ والإنسان بصورة عامة ضعيف المقاومة أمام الرياء ـ ينبغي أن ينفق من دون رياء، أن ينفق سراً، أن ينفق مع الكتمان، حينما تشعر أن نفسك تحدثك أنك محسن كبير، وأنك بهذا أصبحت فوق الناس، إن شعرت بهذا ينبغي أن تكتم إنفاقك، وإن كان إيمانك قوياً جداً، ولا تعبأ بهذه الوساوس، ولا تعلِّق كبير أهمية على ما يقول الناس عن إحسانك، ولم يتعلق الإنفاق بإنسان، وأردت التشجيع، أعلن هذا الإنفاق لتكون قدوةً للآخرين.
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
فالله خبير إذا لم ترد بهذا الإعلان المُراءاة أو أنك أردت التشجيع، مَن يعرف ذلك؟
لا يعلم هذا إلا الله، أنا أعلنت عن الإنفاق، فيا ترى هل أريد سمعة، ثناءً، مديحاً، مكانة، تألقاً، وجاهةً، أو أريد أن أشجع المنفقين؟
هذا لا يعلمه إلا الله، وهو وحده يعلم ويكافئ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_19_7166_da75598a435d8.gif
لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272 )سورة البقرة
في الإنفاق معنيان أساسيان :
بالإنفاق هناك معنيان أساسيان؛ أن تعلم أن الله يعلم، وأنه قادر أن يعوض عليك الذي أنفقته. فأول آية:
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾البقرة 270
الآية الثانية:
﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾البقرة 272
لكن طبعاً وبالتأكيد ليس معنى هذه الآية أنك إذا أنفقت ألف ليرة الساعة السادسة صباحاً يأتيك الساعة السابعة عشرة آلاف، لا، لو أن الأمر كذلك لالتغى الاختيار، قل للناس: ادفع مئة، وخذ ألفاً، سوف تجد مليون إنسان واقفين بالدور للدفع، ولكن تدفع ابتغاء وجه الله، تدفع ولا تنتظر التعويض، تدفع ولا تنتظر المقابل، تدفع ولا تنتظر أن يوفَّى إليك، تدفع ابتغاء وجه الله، ولكن الله جل جلاله لا بد من أن يضاعف لك الذي أنفقته أضعافاً كثيرة، وقد يصل هذا إلى سبعمئة ضعف، فمستحيل وألف ألف مستحيل أن تنفق شيئاً دون أن يعوَّض عليك أضعافاً مضاعفة.
لا يمنعك من الإنفاق إلا ضعف إيمانك وجهلك بما عند الله من التعويض بعطاء كبير:
قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾[ سورة البقرة: 245 ]
قال الله -تعالى-: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39]
هذا وعد من الله، وعد ممن لا يخلف الميعاد أن من تصدق لله -تعالى- فإن الله يعوضه في الدنيا والآخرةيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان، فيقول أحدهما: اللهم اعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم اعط ممسكا تلفا".
سئل النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن أفضلِ الصدقةِ فقال أن تصَّدقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ تخشى الفقرَ وتأملُ الغني لا أن تمهلَ حتى إذا بلغت الحلقومَ قلت لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا ألا وقد كان لفلانٍ
وعن أبي هُريرة : أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ رواه مسلم.
والله لو أن الإنسان عرف كرم الله عز وجل، وعرف ما عند الله في الدنيا والآخرة، والله لأنفق إنفاقاً بغير حساب، فهؤلاء الذين ينفقون أموالهم أصبح عندهم رغبة في الإنفاق لدرجة أنهم كلما أنفقوا ازدادوا قوةً وثراءً.
سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يقول: " ماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيعطيني الله ألفاً في المساء "، ماذا أفعل في نفسي، كل واحد منا حوله ناس أغنياء مع كونهم محسنين، تجده ينفق بغير حساب، والله يعطيه بغير حساب،
التعامل مع الله مُدهش، أحد أخواننا الكرام ـ والله أنا أروي هذه القصة لأنها نادرة جداً ـ يعمل عملاً بسيطاً جداً بألفين وخمسمئة، القصة قديمة من عشرين سنة، يتقاضى ألفين وخمسمئة بالشهر، له عمل تجاري محدود جداً، فجاءه أخ مؤمن، قال له: أنا فقدت عملي ولا دخل لي منذ اليوم، وما من أمل، قال له: تعال أتقاسم معك هذا الدخل. دخلي كان ألفين وخمسمئة وصار منذ الآن ألفاً ومئتين وخمسين لي، و تأخذ أنت ألفاً ومئتين وخمسين. فالله ألهمه شيئاً جديداً ببيع صنف معين، أول شهر بعد هذه المناصفة جاءه خمسة عشر ألف ليرة، مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تنفق ابتغاء وجه الله إلاّ و يعوض عليك الأضعاف المضاعفة، لأن الله كريم، ولكن إيَّاك أن تنفق وأنت تنتظر التعويض، أنفق ابتغاء وجه الله، أنفق ولا تنتظر أن يوفَّى إليك شيء، ولكن الله عز وجل لا ينساك من فضله.
﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
هذه الآيات لها معنيان، الأول: أن الله يعلم ما تنفق، والمعنى الثاني: أن الله يوفي إليك ما تنفق أضعافاً مضاعفة،
ما الذي يمنعك أن تنفق؟
ضعف الإيمان، والجهل بما عند الله عز وجل، أكرر: لا يمنعك من الإنفاق إلا ضعف إيمانك، وجهلك بما عند الله من التعويض بعطاء كبير.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_19_7166_da75598a435d8.gif
الفقراء أولى الناس أن تنفق عليهم :
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾(273) سورة البقرة
مَن أولى الناس أن تنفق عليهم؟
قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ ﴾
يجب أن نفرق بين الفقير والمسكين على اختلافٍ في التعريف، على كلٍ أحدهما ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، والثاني لا يجد حاجته. الإنسان له دخل، له دخل خمسة آلاف ليرة، لكن مرض ابنه مرضاً شديداً، دخله يكاد يكفي طعامه وشرابه، مرض ابنه مرضاً شديداً هذا يحتاج إلى مساعدة ولو أن له دخل، فالفقير هو الذي لا يجد حاجته، دخله أقل من حاجته، أما المسكين ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ممكن أن تعطي إنساناً أنيقاً يسكن ببيت يملكه وهو بحاجة إلى عمليه جراحية لابنه، هذا فقير لا يجد حاجته، والفقير يجب أن يؤمن له طعامه، وشرابه، وكسوته، ومركبه وقد يكون دراجة، وأن يؤمن له تطبيب أولاده، وحرفته وأدوات حرفته، هذه أساسيات، فهناك شخص لا يدفع إلا للمتسول، وقد يكون هذا المتسول أغنى من المتصدق بكثير، على كلٍ ما دام هذا الفقير يحتاج أن تساعده فساعده.
تعريف الفقير :
دقق في هذه الآية..
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾
هذا الذي يجب أن تنفق عليه لا يسألك، ويتجَمَّل، ولا يلحُّ إطلاقاً، وتحسبه غنياً، يقتضي هذا الكلام الإلهي أن تبحث أنت عنه، هو لا يسألك، ولا يقتحم عليك مكانك، لا يطلب منك بقوة، لا يلح، هو متعفف، لا يسأل، في وجهه ماء الكرامة، عزيز النفس، متجمِّل، أنيق لا يرتدي ثياباً بالية كي تشفق عليه، يتأنق في ملبسه، يتجمل في حركاته وسكناته، لا يتضعضع لغني، لا يذل نفسه أمامه، يطلب حاجته بعِزَّة النفس، هذا الذي ينبغي أن تعطيه، هذا لا يسألك، فكيف أعرفه؟
هذا ينبغي أن تبحث عنه، ينبغي أن تبحث، وأن تسأل، وأن تدقق، كلما التقيت بإنسان مؤمن عزيز النفس متجمل اسأله عن أحواله: أعليه دين؟ ما شأن أولاده في المواسم الأساسية؛ موسم البرد، موسم المدارس هل بحاجة إلى شيء، فهو لا يسألك:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم ﴾
[ سورة المعارج: 24-25 ]
السائل يسأل، وقد يسأل بوقاحة، وقد يسأل بقوَّة، وقد يعيد عليك السؤال، وقد يقف أمامك لا يغادر، وقد يلح عليك، وقد يقسو عليك بالكلام، أما الذي يستحق أن تعطيه لا يسألك، لذلك ينبغي أن تبحث أنت، الذي يستحق لا تعرفه، يجب أن تتعرَّف عليه، مَن هم الفقراء؟ الفقراء هم..
﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لا أحب أن أفصِّل في هذا، لكن هناك إنسان يقوم بعمل؛ يعلم أولادنا القرآن الكريم، يعلِّم الطلاَّب بالمدارس، معاشه لا يكفي أياماً معدودة، عنده دوام كامل ثلاثة أيام بالأسبوع، هذا الذي يؤذن، هذا الذي يخدم، هذا الذي يعمل عملاً أساسياً وكل وقته من أجله مبذول ودخله لا يكفيه.
هل يكفي أن نعطي الفقير مالاً أم أنه يحتاج شيئاً آخر ؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول :
(( شر الطعام الوليمة التي يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ))
[البخاري عن أبي هريرة]
قد يجد الإنسان السعادة في مجالسة الفقراء وإعانتهم ، وهذا خير له من أن يلبي دعوات الأغنياء فقط ويكف عن هؤلاء المحتاجين .
تلبية دعوة الأغنياء من الدنيا ، وتلبية دعوة الفقراء من الآخرة ، أنت بهذا تتقرب من الله بتلبية دعوته .
و لا ينبغي أن نكتفي بإعطاء المال ، وإنما الفقير يحتاج منا خلقاً حسناً وكلمة طيبة وجبراً للخاطر .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_19_7166_da75598a435d8.gif
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً ﴾سورة البقرة 273
يجوز أن نعطي المؤذن راتباً، والإمام راتباً، والمدرس راتباً، والذي يعمل على جمع الزكاة راتباً، وكل مَن له عمل يستغرق كل وقته في سبيل الله، والذي يجاهد في سبيل الله يستحق راتباً، هذا جائز وممكن، إنسان يعمل في الخدمة يدافع عن بلاده، يدعو إلى الله عز وجل، يجاهد في سبيل الله، هذا من أين يأكل؟
إذاً هذا هو الذي يستحق أن نعطيه.
هذا المال الذي وهبك الله إياه يمكن أن ترقى به إلى أعلى عليين إذا أُنفق في طاعة الله، ولقد حضرت مرة حفل تخريج طلاَّب من حفظة القرآن الكريم، أُلقيَت كلمة رائعة، قال المتكلم: أنا أشكر هؤلاء الطلاَّب الذين حفظوا كتاب الله، وأشكر الذين علموهم كتاب الله، وأشكر الشيوخ الأفاضل الذين امتحنوهم ـ كلام طيب ـ قال: وأشكر هؤلاء الأغنياء الذين تبرعوا لكل من حفظ كتاب الله بعمرة إلى بيت الله الحرام.
المال شقيق الروح، هذا تعلم، وهذا علَّم، وهذا فحص، وهذا الغني ماذا فعل؟
شجع، كل من حفظ كتاب الله له عندي عمرة، شاب صغير ركب طائرة، ذهب إلى بيت الله الحرام، نزل بفندق، وجد نفسه مكرماً بالمجتمع تكريماً كبيراً، يبدو أن هذا الذي شجَّع الصغار على حفظ كتاب الله ليس أقل أجراً من الذي علَّمهم، المال شقيق الروح، هؤلاء الذين معهم أموال ويجودون بها قد يكونون في مرتبة العلماء والدعاة، لأن المال عنصر أساسي للحياة:
(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
هذا الحديث يبين لنا: كيف أن النبي جعل المنفق في مستوى الداعي تماماً، المال شقيق الروح، نحن بحاجة إلى دعاة، وبحاجة إلى أغنياء ينفقون.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_19_7166_da75598a435d8.gif
على الإنسان أن ينفق ويعطي كي يرحمه الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام:
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
ألا تحب أن يطمئنك الله عز وجل؟
وأن يحفظ لك صحتك، وأهلك، وأولادك، ومالَك، وأن يهبك سكينة تملأ قلبك سعادة، أنفق:
(( أنفق بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً))
[الطبراني عن ابن مسعود]
(( قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك))
[أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه]
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾
لهم أجرهم الذي يكافئ عملهم..
﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾
من المستقبل..
﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
على الماضي.
أيها الأخوة... أنا لا أقول لكم: يجب أن تكونوا أغنياء حتى تنفقوا. لا، يمكن أن تنفق خمس ليرات بإخلاص شديد، كنت أقول حينما أدعو للتبرع: خمس ليرات على العين والرأس، قد يدفع طفل مصروفه، أعجبني مرة في مؤتمر الأوقاف وقد حضرته أن هناك وقف في بعض الدول الإسلامية للصغار، مثلاً تأسيس معهد شرعي، خصصوا أسهماً، كل سهم فرضاً مئة ليرة، حتى يَشَّجَّع أطفال المدارس، ادفع مئة ليرة وأنت لك وقف، حجزت من مالك جزءاً لوقف مستمر إلى آلاف السنين، كل مَن تعلَّم في هذا المعهد في صحيفة مَن وقف هذا المال لبنائه، وقف خاص للصغار، نعوِّد أنفسنا أن ننفق ونعطي ونحل مشكلات الناس كي يرحمنا الله عز وجل، لأنه: ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء، هناك من ينفق على ملذاته الملايين المملينة، أفلا ننفق ونعلّم أطفالنا فضيلة الإنفاق في سبيل الله؟!!
امانى يسرى محمد
11-17-2025, 06:21 AM
https://www.a-quran.com/images/smilies/1.gif
خطورة الربا
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾275 سورة البقرة
أي أن تلد الأعمال المال بالبيع والشراء، هذا أقرَّه الله، أما أن يلد المال المَال فهو الربا..
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
لا توجد معصية توعد الله بها مرتكبها بالحرب إلا الربا (https://forum.islamstory.com/showthread.php?t=121893) لأن خطر الربا يشمل المجتمع بأكمله.
فالربا محرم و هو من أكبر الكبائر
((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ))[مسلم عَنْ جابر ]
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_23_19_041d_edc0393d1ce24.png
حكم العمل في البنك الربوى؟
العمل في البنوك الربوية حرام لقوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_23_19_041d_edc0393d1ce24.png
أنواع الربا :
أمّا الإمام الفخر الرازي فيقول: الربا قسمان ربا النسيئة وربا الفضل، ربا النسيئة أي: الزيادة المشروطة الذي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، اقترضت من إنسان قرضاً فاستحق أداء القرض فلما أخّر لك الأداء طالبته بزيادة على أصل المال، هذا ربا النسيئة، هذا الربا هو ربا الجاهلية الذي كان شائعاً عند العرب قبل الإسلام، فالربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به من نسب معينة، والآن أي قرض من المصرف بفائدة هو يشبه ربا القروض.
يسمي العلماء ربا القروض الربا الجلي، وربا البيوع الربا الخفي، فكما أن هناك شركاً جلياً أن تعبد بوذا مثلاً، وشركاً خفياً كأن تخاف من إنسان أو تعلق الآمال عليه، والعلماء يرون أن هناك رباً جلياً ورباً خفياً، الربا الجلي ربا القروض، والربا الخفي ربا البيوع والظاهر بيع وشراء.
الإمام ابن القيم الجوزي يقول: الربا نوعان جلي وخفي، فأما الجلي فربا النسيئة الذي كانوا يفعلونه بالجاهلية، أي التأخير، وسمّى بعض العلماء ربا القروض الربا الحقيقي.
يقول الشيخ الدهلوي: وعُلم أن الربا على وجهين؛ حقيقي ومحمول عليه. أما الحقيقي فهو في الديون وأما المحمول عليه فهو في البيوع.
يقول أحد علماء الأزهر: إن ذلك النوع أي ربا القروض هو أشد أنواع الربا تحريماً، وهو الجاري في التعامل بين الجماعات التي قام نظامها الاقتصادي على أساس ربوي، وقد سمى بعض العلماء القروض بربا القرآن حيث ثبت تحريمه بالقرآن الكريم، أما ربا البيوع على حسب تعريف السرخسي وهو إمام كبير من أئمة المذهب الحنفي فهو الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، أي ثمن هذا القلم خمسون فإذا أخذت زيادة على الخمسين مقابل الأجل أي التأخير فهذا ربا البيوع، ربا القروض وربا البيوع، ربا القروض ربا القرآن، وربا البيوع ربا السنة التي نهى عنها النبي، ربا القروض الربا الحقيقي المحمول عليه، وربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي.
ربا البيوع :
و عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي قِلابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الأشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ، أَبُو الأَشْعَثِ فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ مَا أُبَالِي أَنْ لا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ ))
[مسلم عَنْ أَبِي قِلابَةَ ]
أي هذا القلم بخمسين، فلك عندي خمسون، فإن دفعتها لك الآن خذ أربعين مقابل الخمسين، و إذا أخرت لك الدفع صارت ستين، انتهى الموضوع القلم بخمسين، لو دفعت ثمنه نقداً كان بخمسين، الآن تفاوض على طريقة الدفع فإذا أخرت القبضة طالبته بالستين هذا الربا هو ربا البيوع، ولكن هناك من يزعم أن الربا يشبه البيع قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 275 ]
لماذا يشبه البيع؟ يقول لك: أنت تشتري هذا القلم بأربعين وتبيعه بخمسين فقد زدت في الثمن والقرض كذلك لكن الفرق دقيق جداً، الإنسان الذي اشترى شيئاً وباعه قدم سلعةً، قدم خدمة، قدم جهداً، قدم محصولاً زراعياً فأفاد الناس، قدم صناعة لبّت حاجاتهم، أما الذي لم يقدم شيئاً إنما أقرض وطالب بزيادة على القرض فهذا يعني أنه جمع الأموال كلها بيده.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_23_19_041d_edc0393d1ce24.png
أضرار الربا :
1 ـ أول أضرار الربا أنه يرفع الأسعار :
أول أضرار الربا: أنه يرفع الأسعار، كيف؟ الفكرة أن إنساناً معه مئة مليون، أراد أن يضعها في عملٍ تجاريٍ، أو صناعيٍ، أو زراعي، لكنه رأى أنّ هناك مؤسسات ربوية يمكن أن تعطيه أرباحاً جيدةً دون أن يعمل فيكسل، فمتى يغامر ويوظِّفها في مشروعٍ زراعيٍ، أو صناعيٍ، أو تجاري؟ إذا كان عائد الربح أربعين أو خمسين بالمئة فعندئذ يخوض غمار العمل في تلك المشاريع، لكن إذا كان هناك مؤسسات تعطي ربحاً من دون عمل فرأس المال لا يغامر بمنطق الحياة إلا إذا كان الربح كبيراً جداً، إذاً بوجود مؤسسة تعطي ربحاً بلا عمل فالأموال لا توظف في أعمال استراتيجية إلا بربح عالٍ، فتفشي الربا يرفع الأسعار، وهذه أول أضراره.
2 ـ إذا ارتفعت الأسعار ضاقت شريحة المستهلكين :
الأسعار إذا ارتفعت ضاقت شريحة المستهلكين، أما الضرر الثاني فهو إذا ارتفعت الأسعار ضاقت الشريحة، فإذا ضاقت الشريحة قلَّ الربح عند الباعة، فترتفع الأسعار ثانيةً، إنسان يحتاج في اليوم لألف ليرة فرضاً، إذا كان سيربح باليوم مئة ليرة لا تكفيه، فلا بد من رفع أسعاره، فإذا ارتفعت ضاقت الشريحة، فصرنا في حلقةٍ مفرغةٍ، فكل شيءٍ موجود وأسعار هذه الأشياء فوق طاقة المستهلكين، قضية خطيرة جداً، إذاً الربا يسهم في رفع الأسعار عن طريق أن رأس المال لا يغامر إلا بربحٍ كبير جداً، ولأن وجود مَن يدفع لك ربحاً دون أن تعمل، هذا يحد من المغامرة في مشاريع اقتصادية إلا إذا صار مقدار الأرباح عالياً جداً لدى المشاريع الاقتصادية.
3 ـ الربا يسهم في البطالة :
الضرر الثالث الربا يسهم في البطالة، لأن أي إنسان يريد أن يعمل مشروعاً يحتاج إلى طاقة بشرية، الآن المشكلة الأولى في العالم مشكلة البطالة، في بعض البلاد كل أربعة أشخاص واحد يعمل وثلاثة بلا عمل، عندنا بطالة مُقنَّعة وهذه أخطر، له عمل ولكن دخله قليل جداً جِداً لا يكفيه لحياته ومصروفه، إذاً يلجأ إلى أساليب أخرى لا ترضي الله ولا ترضي عبيد الله، إذاً عندنا بطالة صارخة، بطالة مقنَّعة، فحينما يحلُّ كسب المال عن طريق المال نفسه محل كسب المال عن طريق الأعمال، ترتفع الأسعار وتفشو البطالة، والإنسان حينما لا يعمل، طبعاً هذه الأمة تحتاج إلى أن تستورد كل بضاعتها، فأمةٌ تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج، وتستخدم آلةً لا تصنعها هذه أمةٌ عالةٌ على الأمم وانهيارها محقق.
4 ـ الربا يسهم في ضعف الأمة :
بالمناسبة، سيدنا عمر رضي الله عنه، كان يتفقَّد رعيَّته، فدخل بلدةً ـ هكذا تروي الكتب ـ فوجد أنّ كل الفعاليات في هذه البلدة من غير المسلمين، فعنَّفهم تعنيفاً شديداً وقال: ما هذا؟! قالوا: لقد سخَّرهم الله لنا. فقال رضي الله عنه: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟! أي أن المنتج قوي والمستهلك ضعيف، فنحن إذا قبلنا أن نضع الأموال في مؤسسات ربوية دون أن نعمل، نحتاج إلى أن نستورد كل شيء، والمستورد ضعيف والمنتج قوي.
حالياً هناك ما يسمى بحروب اقتصادية غير معلنة، منها حرب قطع الغيار، عندك مركبة شراء قطع التبديل التابعة لها ـ هذا اسمه عقد إذعان وليس عقد تراضٍ ـ مركبة ثمنها مليونان، احتجت إلى قطعة تبديلية لها وقال لك البائع: بخمسين ألفاً، فلو رفضت تتوقف هذه المركبة، فماذا يفعل معنا اقتصاديو العالم؟ يبيعونك شيئاً أساسياً، وأنت محتاجٌ لهم كل وقت لقطع الغيار، فحينما لا نكتفي بطعامنا، وشرابنا، وثيابنا، وحاجاتنا، وآلاتنا، نكون أفقر الشعوب، فكل إنسان يُثَمِّر ماله في البنوك ولا ينشئ بهذا المال المشاريع الاقتصادية، فهذا يسهم في إضعاف أمَّته ويسهم في تأخُّرها وتخلُّفها بل وانهيارها.
أحياناً تحتاج أمة إلى صناعة معينة، إلى أدوات معينة، قد تدفع ثمنها عشرة أضعاف ثمنها الحقيقي بعقد إذعان، ولو أن الأموال الموجودة في البلاد توجَّهت إلى التوظيف في أعمال أساسية لاستغنينا عن استيراد هذه البضائع، فأولاً يسهم الربا في رفع الأسعار، ورفع الأسعار يسهم في خلق مشكلات اجتماعية كبيرة جداً، والربا يسهم في البطالة، والبطالة لها مضاعفات خطيرة جداً، ثم إن الربا يسهم في ضعف الأمة، لأنه ليس في البلاد إنتاج، بل هناك استهلاك فقط من دون إنتاج.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_23_19_041d_edc0393d1ce24.png
الفرق بين البيع والربا :
قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾
أي قصدهم إنما الربا مثل البيع، هناك بونٌ شاسع، الزيادة في الربا لا يقابلها عوض، أما الزيادة في البيع يقابلها عوض وهو الجهد، إنسان اشترى بـضاعة، وتحمَّل قرار المغامرة بالربح والخسارة، وحملها وصنفها وعرضها، هذا جهد كبير، وقدم لك هذه الخدمة حتى صارت إلى جانب بيتك، فالتفاضل في البيع تفاضل يقابله جهد، أما التفاضل في الربا فلا يقابله جهد، التفاضل في البيع توزَّع فيه الأموال على عددٍ كبيرِ من الناس، أما التفاضل في الربا ليس كذلك. قال:
﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
يقول الله عزَّ وجل: إن هؤلاء الذين آمنوا إذا عملوا شيئاً يجهلونه، ثم عرفوا الحقيقة تابوا:
﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الأنعام: 54]
أي الإنسان قد لا يعلم، فإذا علم يجب أن ينتهي.
حق من يستغفر لذنبه إن كان صادقاً ونادماً أن يسترد رأسماله فقط :
يقول الله عزَّ وجل هنا:
﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾
له رأسماله..
﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾
فيما مضى؛ يغفر له إن كان صادقاً ونادماً، وقد لا يغفر له لحكمةٍ يريدها الله عزَّ وجل، أما حقه أن يسترد رأسماله فقط..
﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ ﴾
إلى أكل الربا..
﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
أي أن هذه المعصية سبب خلودٍ في النار. ثم يقول الله عزَّ وجل:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾
من عظمة الله أنه يتلف مال الإنسان بأبسط الأسباب ويغنيه بأبسط الأسباب :
هذه الآية دقيقة جداً..
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
العجيب أن المسألة في الرياضيات بالعكس، إذا أقرضت قرضاً ربوياً مئة ألفٍ مثلاً عاد مئة وعشرين، فالربا اسمه ربا من الزيادة، أما إذا أقرضت قرضاً حسناً عاد مئة، فبالآلات الحاسبة الربا ينمِّي المال، والصدقة لا تنميه بل تنقصه، فالآية تنص على عكس حساب الرياضيات.
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
ماذا نستنبط من هذا؟
نستنبط أن هناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك منظومةٌ من القوانين الأخرى لا يعلمها إلا قلةٌ قليلة ممن أوتوا العلم، مثلاً: الإنسان قد يرابي وقد يربح ملايين مملينة من الربا ثم تأتيه مصيبةٌ بقانونٍ آخر تمحق كل ماله، وهذا الشيء يقع، هناك من يحترق ماله، هناك من يدمَّر، هناك من يفقد أعز ما يملك، هناك من تصادر أمواله، فهناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك قوانين استثنائية بيد الله عزَّ وجل، فأنت حينما تخاف الله وتقرض قرضاً حسناً، ويقل مالك، تكافأ برزقٍ لا تدري من أين جاءك.. " أبى الله إلا أن يجعل رزق عبده المؤمن من حيث لا يحتسب ".
بينما الذي يرابي أيضاً بقانون استثنائي يدمِّره الله عزَّ وجل، ومن عظمة الله عزَّ وجل أنه يتلف مال الإنسان بأبسط الأسباب، ويغنيه أيضاً بأبسط الأسباب..
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
أنت حينما تقرأ كلام الله، وتقول: صدق الله العظيم، يجب أن تؤمن إيماناً يقينياً أن الربا سيمحقه الله ولو بعد حين، وأن الصدقات سيربيها الله ولو بعد حين، لكن لا بد مـن أن تشعر أن العقاب لا يأتي عقب الذنب أبداً، وأن الجزاء الحسن لا يأتي عقب الصدقة بسبب أن الله لو فعل هذا لألغي الاختيار، فمثلاً مرابٍ تعامل بالربا فأتلفَ ماله بعد ساعة فلا أحد يفعل ذلك لا حباً بالله ولا طاعةً له ولكن خوفاً على المال، والمتصدق يدفع الصدقة فيأتيه عشرة أضعافها، فيبادر أهل الكفر والإلحاد ويدفعون الصدقات، إذاً لو جاء العقاب والثواب عقب العمل لألغي الاختيار، ولكن حكمة الله أنك تفعل ما تشاء، وإلى أمدٍ طويل دون أن تصاب بشيء، وتأخذ أبعادك، فأنت مخيَّر، فالمَحْقُ هنا قد لا يكون سريعاً.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_23_19_041d_edc0393d1ce24.png
الفرق بين الربا والصدقة :
قال تعالى:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
من معاني (يمحق الله الربا)
أن هذا المال الذي جمعته بالحرام يتلفه الله؛ بمصادرةٍ، بحريقٍ، بمشكلةٍ، بمرضٍ عُضال تنفقه.
أعلم رجلاً له دخلٌ حرام، علةٌ في قلبه كلَّفته بضع مئات من الألوف، فالله عزَّ وجل يمحق المال الحرام بطرق كثيرة، إما أن يتلف المال نفسه، أو أن ينفق على صحة الإنسان، أو أن يدفَع جزاء خطأ غير مقصود، أو أن يشقى الإنسان به، أو أن يسرق منه، أو أن يكون هذا المال نكداً عليه، تألَّب عليه أولاده وتطاولوا عليه طمعاً بهذا المال، أي يصبح هذا المال الحرام مصدر شقاءٍ لهذا الإنسان
هذا معنى
(يمحق الله الربا)
وليس المحق سريعاً بل قد يأتي متأخراً..
﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
أما الصدقة فيضاعفها الله أيضاً، وثوابها قد يأتي عاجلاً أو آجلاً حسب مشيئة الله.
الآية التالية تحمل إنذاراً قاسياً مرعباً :
قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾
هنا الآية تحمل إنذاراً قاسياً مرعباً..
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
مَن نحن حتى نتعرَّض لحرب الله عزَّ وجل؟
أحياناً خطأ بسيط في الأجهزة تصبح حياة الإنسان جحيماً، فالخلايا في أي مكان بالجسم قد تنمو نمواً غير طبيعي، وانتهى الأمر . واللهِ مرة كنت في جلسة، فيها شخص لا أعرفه لكنه واجم وجوماً يلفت النظر، كأن هموم الدنيا تراكمت عليه، بعد أن انتهت الجلسة، أوصلته إلى البيت، وسألته في الطريق فلم يجب إطلاقاً، ثم علمت أنه يعاني مرضاً عُضالاً، نعم مرض عضال، مرض خبيث، هذا معنى يمحق الله الربا، نحن تحت ألطاف الله عزَّ وجل، فالذي يجرؤ ويأكل المال الحرام قد يمحق الله حياته، يمحق صحته، يمحق سعادته، يمحق أمنه، يمحق طمأنينته..
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ* وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾
أي أن هذا الذي أقرضته المال بفائدة إذا كان ذو عسرة فانتظره حتى يتيسَّر أمره، لا تقل له: إما أن تقضي وإما أن تربي، فهذا سلوك أهل الجاهلية ولا يليق بالمؤمنين.
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾
[سورة البقرة: 5 ]
الصدقة تزيد المال، وتملأ نفس المتصدق بالسكينة، والإقبال، والطمأنينة، والقوة، والانشراح، ولها أثر نفسي، وأثر مادي، بعد حين يعوّض الله عزَّ وجل على المتصدق أضعافاً مضاعفة.
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
العجيب أن المسألة في الرياضيات بالعكس، إذا أقرضت قرضاً ربوياً مئة ألفٍ مثلاً عاد مئة وعشرين، فالربا اسمه ربا من الزيادة، أما إذا أقرضت قرضاً حسناً عاد مئة، فبالآلات الحاسبة الربا ينمِّي المال، والصدقة لا تنميه بل تنقصه، فالآية تنص على عكس حساب الرياضيات.
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
ماذا نستنبط من هذا؟
نستنبط أن هناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك منظومةٌ من القوانين الأخرى لا يعلمها إلا قلةٌ قليلة ممن أوتوا العلم، مثلاً: الإنسان قد يرابي وقد يربح ملايين مملينة من الربا ثم تأتيه مصيبةٌ بقانونٍ آخر تمحق كل ماله، وهذا الشيء يقع، هناك من يحترق ماله، هناك من يدمَّر، هناك من يفقد أعز ما يملك، هناك من تصادر أمواله، فهناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك قوانين استثنائية بيد الله عزَّ وجل، فأنت حينما تخاف الله وتقرض قرضاً حسناً، ويقل مالك، تكافأ برزقٍ لا تدري من أين جاءك.. " أبى الله إلا أن يجعل رزق عبده المؤمن من حيث لا يحتسب ".
بينما الذي يرابي أيضاً بقانون استثنائي يدمِّره الله عزَّ وجل، ومن عظمة الله عزَّ وجل أنه يتلف مال الإنسان بأبسط الأسباب، ويغنيه أيضاً بأبسط الأسباب..
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
أنت حينما تقرأ كلام الله، وتقول: صدق الله العظيم، يجب أن تؤمن إيماناً يقينياً أن الربا سيمحقه الله ولو بعد حين، وأن الصدقات سيربيها الله ولو بعد حين، لكن لا بد مـن أن تشعر أن العقاب لا يأتي عقب الذنب أبداً، وأن الجزاء الحسن لا يأتي عقب الصدقة بسبب أن الله لو فعل هذا لألغي الاختيار، فمثلاً مرابٍ تعامل بالربا فأتلفَ ماله بعد ساعة فلا أحد يفعل ذلك لا حباً بالله ولا طاعةً له ولكن خوفاً على المال، والمتصدق يدفع الصدقة فيأتيه عشرة أضعافها، فيبادر أهل الكفر والإلحاد ويدفعون الصدقات، إذاً لو جاء العقاب والثواب عقب العمل لألغي الاختيار، ولكن حكمة الله أنك تفعل ما تشاء، وإلى أمدٍ طويل دون أن تصاب بشيء، وتأخذ أبعادك، فأنت مخيَّر، فالمَحْقُ هنا قد لا يكون سريعاً.
﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
أي كفار بهذا المنهج العظيم أثيمٌ لمخالفته، منهجٌ عظيم كفر به، ومنهجٌ عظيم أَثِم بمخالفته.
راتب النابلسي
موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRmLio7tukoQ_uXFci7-reLoRs50X8DYZDL8g&s
امانى يسرى محمد
12-02-2025, 02:36 PM
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281).
المؤمن الصادق لا يفعل شيئاً إلا وهو يراقب الله تعالى :
قال تعالى:
﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا ﴾
بأن تنزلوا عن بعض هذا المال للمَدين المُعْسر..
﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون* وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
أي يجب أن تعلم علم اليقين أنه لا بد من أن تقف يوم القيامة بين يدي الله لتحاسب على كل حركةٍ، وعلى كل سكنةٍ، وعلى كل نفقةٍ، وعلى كل كسبٍ فعلته في الدنيا، وهذا هو يوم الدين يوم الجزاء، فالإنسان الذي يؤمن أنه سيحاسب يستقيم في الدنيا، سيدنا عمر يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم.
﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
نحن في دار عملٍ ولا جزاء، ونحن قادمون على دار جزاءٍ ولا عمل، نحن في دار هدنةٍ وانقطاع، العام الدراسي عام هُدْنَة، الطالب يدرس أو لا يدرس، يجتهد أو لا يجتهد، هو في بحبوحة، أما بالامتحان فيتميز الناس، الامتحان يفرز الطلاَّب، ونحن في زمن هدنةٍ وانقطاع، الموت يقطع هذه الهدنة، وخلال فترة الهدنة مسموح لنا أن نفعل، فالمرء مخير، وكل شيء بحسابه:
﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾
[سورة فصلت: 40]
لكن المؤمن الصادق لا يفعل شيئاً إلا وهو يراقب الله تعالى، إن فعلت هذا هل يرضى الله عني، أم لا يرضى عني؟ ماذا أفعل؛ أقْدِم أم أحْجِم؟ في حوار مع نفسه، وهذه الآية من أدق الآيات في كتاب الله، وقيل إنها آخر آية نزلت في القرآن الكريم..
﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
امانى يسرى محمد
12-30-2025, 07:15 AM
كل إنسان يستقرض ولا يرد فهو يمنع الماعون :
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾
أي تقرضه ويقرضك، تعينه ويعينك، تأخذ بيده ويأخذ بيدك، ذلك أن الله عز وجل قهرنا على أن نأكل ونشرب، قيام أجسادنا يحتاج إلى طعام وشراب، نحن مقهورون بالطعام والشراب، وهذا الطعام والشراب يحتاج إلى مال، نحن مقهورون بالعمل، وهذا العمل يحتاج إلى جماعة، تتقن حاجةً، وأنت محتاج إلى مئة ألف حاجة، لا بد أن تكون مع الناس؛ تشتري رغيفَ خبز، مئة ألف إنسان ساهم في هذا الرغيف، بدءً بزراعته، وتنميته، وسقيه، وتسميده، وحصاده، وتجفيفه، وطحنه، وخبزه، تشتري خبزاً، تشتري قميصاً، تستخدم مَن يعالجك، مَن يُعَلِِّم ابنك، تتقن حاجة، وأنت محتاجٌ إلى مئة ألف حاجة، أنت مقهور بالطعام والشراب، مقهور بالعمل، مقهور أن تكون في جماعة، وأنت في جماعة تمتحن؛ إما أن تصدق وإما أن تكذب، إما أن تُخْلِص وإما أن تخون، إما أن تستقيم وإما أن تنحرف، إما أن ترحم وإما أن تقسو، إما أن تعطي وإما أن تأخذ، هنا الامتحان، وهو جزء أساسي من علاقاتنا قضية الدَّين.
مَن هذا الذي يمنع الماعون؟
الذي يمنع الماعون هو الذي يستدين ولا يوفِّي، الآن الناس كفروا بالدَّين، تجده يطلب الدَّين برِقَّة بالغة، بأدبٍ جَم، فإذا تملَّك المال لا يسأل، ولا يلقي لك سلاماً، ولا يعتذر، كل إنسان يستقرض ولا يرد فهو يمنع الماعون
القرض الحسن هو مُطْلَق العمل الصالح :
لأن الناس أقرضوا وما استوفوا، كفروا بالدَّين، مثل آخر مشابه: هناك طريقة مشروعةٌ جداً لاستثمار المال، وحاجة استثمار المال حاجةٌ أساسيةٌ جداً، طفلٌ يتيم، امرأةٌ أرملة، شيخٌ كبير، موظَّف متقاعد، هناك نماذج كثيرة جداً بحاجةٍ ماسَّة إلى استثمار أموالها، هؤلاء الذين جمعوا أموال الناس ليستثمروها فأكلوها، ماذا فعلوا؟ منعوا الخير، وسَفَّهوا الدين، وقووا مركز البنك، ما الذي قوَّى مركز البنوك الربوية؟ جامعوا الأموال الذين جمعوها وأكلوها، فالإنسان حينما يخطئ في الشيء المشروع يكون مجرماً بحق هذا الدِّين، وحق هذه الأمَّة.
فالله عز وجل جعل الدَّين أساساً في العلاقات الاجتماعية، الإنسان بحاجة للمال، ربما لا يكون فقيراً، ولكن عنده ظرف طارئ، فالذي لا يرد الدين يمنع الماعون، فعَنْ جَابِرٍ قَال:
(تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُحِقَّ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ، قَالَ فَعَادَ إِلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ: لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ))
[من مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه]
متى ابترد؟ لا مع الضمان، ولكن بعد الوفاء. لكن ما قولك بإنسان قدم لله أثمن ما يملك على الإطلاق، قدَّم روحه، استشهد في ساحة المعركة لإعلاء كلمة الله، هل هناك من عملٍ على سطح الأرض من آدم إلى يوم القيامة أعظم من أن تقدم أثمن ما تملك، ومع ذلك يغفر للشهيد كل شيءٍ إلا الدَّين، الدَّين لا يغفر، ذلك أن حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة.
هذا الدَّين الذي يحل مشكلات المجتمع لا القرض الربوي، القرض الحسن، بل إن الله عز وجل جعل كل عملٍ صالحٍ على الإطلاق قرضاً حسناً، قال:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
إن أطعمت هرَّة فهو قرضٌ حسن لله، إن أعنت مسكيناً، إن أعنت أرملةً، إن رعيت يتيماً، إن أطعمت جائعاً، إن أرشدت ضالاً، إن أعنت امرأةً في حمل أثقالها فهذا قرضٌ لله عز وجل، بل إن القرض الحسن هو مُطْلَق العمل الصالح، لذلك الدَّين يحل مشكلات المجتمع ولكن الناس كفروا بالدين، لأنه يأخذ بأعلى درجة من اللطف، أما إذا طالبته قلب لك ظهر المِجَن، والله مئات بل آلاف القصص دين من خمسة وعشرين سنة، من ثلاثين سنة، من عشرة سنوات، ما في أمل أبداً أن تستردها، قدَّمت هذا القرض بنية عالية صالحة، فصار هذا المقترض مستعلياً، مماطلاً إلى أن تيأس منه.
امانى يسرى محمد
01-17-2026, 10:00 PM
العدالة والضبط صفتان أساسيتان في المسلم :
أيها الأخوة...
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾
قال: أُمِرْنا بالكتابة كي لا ننسى، وأمرنا بالإشهاد كي لا ننكر، في احتمال النسيان أو الإنكار، تكتب كي لا تنسى، وتُشْهِد ي لا تنكر، فلذلك اكتبوه؛ أي اكتبوا الدَّين، مقدار الدَّين، وأجل الدَّين، وأَشْهِدوا على الدَّين، تكتب كي لا تنسى، وتشهد كي لا تنكر..
﴿ فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾
قال: هذه الـ (باء) متعلقة بكلمة فليكتب بالعدل، دون أن يزيد ودون أن ينقص، والـ (باء) متعلقة بالكاتب، يجب أن يكون الكاتب عدلاً.
وتعلمون أيها الأخوة أن في الإنسان صفتين أساسيتين؛ الضبط والعدالة، الضبط صفةٌ عقلية، والعدالة صفةٌ نفسية، ولا يتمتَّع المسلم بحقوقه إلا إذا كان ضابطاً عدلاً، فالعدالة ذكرتها اليوم في الخطبة:
هذه العدالة، لو عاملهم فظلمهم، وحدَّثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، لكن هناك أشياء لا تسقط العدالة ولكنها تجرحها؛ فأكل لقمةٍ من حرام يجرح العدالة، ، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، مَن بال في الطريق جرحت عدالته، مَن أطلق لفرسه العنان، السرعة العالية، تجرح العدالة، مَن قاد برذوناً مخيفاً تجرح عدالته، مَن تنزَّه في الطريق ليملأ عينيه من محاسن النساء، أو مقاهي الرصيف تجرح عدالته، مَن صحب الأراذل تجرح عدالته، مَن علا صياحه في البيت تجرح عدالته، مَن تحدَّث عن النساء، وعن أشكالهن، وعن ألوانهن، وأطوالهن، وطباعهن، وكان مغرماً بهذا الحديث تجرح عدالته، فلذلك العدالة والضبط صفتان أساسيتان في
المسلم، الضبط صفة عقلية، والعدالة صفة نفسية.
على الكاتب أن يكون عدلاً وإذا كتب فينبغي أن يكتب بالعدل :
قال تعالى:
﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾
يجب أن يكون الكاتب عدلاً، وإذا كتب فينبغي أن يكتب بالعدل، فالباء باء بالعدل، متعلقة تارة ليكتب بالعدل، وتارة كاتب بالعدل..
﴿ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾
الذي ينبغي أن يملي هو الذي عليه الحق.
﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾
الكاتب يكتب، هو عدلٌ، يكتب من دون زيادة، ومن دون نقصان.
﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾
إذا دُعِيَ الكاتب إلى الكتابة ينبغي أن يكتب، وإذا دعي الشاهد إلى الشهادة ينبغي أن يشهد، هذا واجب ديني.
الكاتب ممنوع أن يأبى والشاهد ممنوع أن يأبى الشهادة :
لكن يقول الله عز وجل بعد حين:
﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾
إنسان يرتزق يوماً بيوم، تدعوه لأداء شهادةٍ في مكانٍ بعيد لا بد أن تعطيه تعويضاً، فالكاتب ممنوع أن يأبى، والشاهد ممنوع أن يأبى الشهادة، الطرف الثاني عليه ألا يضر كاتباً ولا شاهداً..
﴿ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ ﴾
السفيه الذي اختل عقله، أو الصغير، أو الذي لا يُحْسِن أن يتكلم، أو الأخرق، أي إذا كان هناك مانع صحي، أو مانع بنيوي من أن يملي، قال:
﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾
ولي هذا السفيه يملي مكانه..
﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾
هذا كلام خالق الكون، وهناك مَن يعترض على هذا الحكم، من باب السَفَه،
ومن باب عدم الوعي
موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
02-07-2026, 06:18 AM
الكتابة للتوثيق :
قال تعالى:
﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِه ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾
أنا لا أبالغ، مئات ألوف الحوادث؛ اغتصاب الأموال، انفصال الشركات، الخلاف بين الشركاء أساسه عدم الكتابة، حدَّثني أخ فقال لي: اشتريت مشروع تجاري أنا وواحد مناصفةً، بمبلغ بسيط جداً، ثم نمت قيمة هذا المشروع إلى أن بلغت مئة ضعف تقريباً، هو أعطاني دفعات، وعدها من رأسمالي، وأخرجني من الشركة، صار المشروع قيمته بضع مئات من الملايين، وبدأ برقم رمزي جداً، قال لي: اتفقنا، ولكن لم نكتب، فرد لي أقساطاً ظننتها أرباحاً، فإذا هي من رأسمالي، رد لي رأس المال، وقال لي: لا علاقة لك بالمشروع.
فكل إنسان لا يكتب يدفع الثمن باهظاً، اكتب لئلا تنسى، وأشهد لئلا ينكر، يقول سيدنا معاوية رضي الله عنه وقد سأل عمرو بن العاص وكان من دهاة العرب: يا عمرو ما بلغ من دهائك؟ قال له: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه. قال له: لست بداهية، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه.
أقول لكم هذه الحقيقة: أنت اتفقت مع شخص بعقد تجاري وما سجلته، كتبته وما وقعته، وقعته وما وثقته، وثقته وما ثبَّته بالمحكمة البدائية، أنت تعطي الطرف الثاني حرية الحركة، تغويه أن يأكل لك مالك، تغريه دون أن تشعر، فإذا أغريته، وأكل هذا المال حراماً، هل تصدِّق أنك أنت السبب، أنت السبب، أنت ما حصَّنته بعقد، لو أنك حصنته بعقد ما فعل هذا، تماماً لو واحد أحضر موظف وجعل المال بين يديه من دون حساب، شيء مغرٍ أن يأكل من هذا المال، مَن يصدق أن الذي يتيح لإنسان أن يسرق يعاقب هو كسارق، لأنه سبب فساد إنسان، فلماذا الكتابة؟ للتوثيق، أنا لا أبالغ هناك مئات ألوف الحالات المؤلمة جداً؛ من اغتصاب بيوت، على شركات، على علاقات، على قروض، وعلى ديون، على حقوق أزلية، كل هذا بسبب عدم الكتابة، الله يقول لك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾
موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
03-12-2026, 06:37 AM
﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
للآية التالية عدة معانٍ :
أما الوقفة الدقيقة:
﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾
1 ـ الكاتب لا ينبغي أن يكتب أكثر مما أملي عليه ولا أقلَّ :
الكاتب لا ينبغي أن يكتب أكثر مما أملي عليه ولا أقلَّ، وهناك مَن يستغل أمية المُمْلي فيكتب زيادة أو أقل، والشاهد ينبغي ألا يشهد لا بزيادة ولا بنقصان، فإن كتب الكاتب أكثر أو أقلَّ، أو شهد الشاهد أكثر أو أقلَّ، فقد أضر بالحق، وضلل القاضي..
2 ـ لا ينبغي أن تضر الكاتب أو الشاهد في وقتٍ لا يناسبه :
المعنى الثاني من معاني:
﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾
أي أن هذا الشاهد ينبغي ألا تحرجه في وقتٍ هو عنده ثمين جداً، كإنسان في عنده عمل أساسي تقول له: الآن ينبغي أن تذهب معي إلى القاضي، ينبغي أن تكون واقعياً، فإذا كان هناك مجال لتأجيل الشهادة ليوم آخر لا تكن سبباً في إيذاء هذا الشاهد لأن الشاهد مكلف أن يشهد..
﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾
ما دام قد كلف أن يشهد فلا ينبغي أن تضره في وقتٍ لا يناسبه.
3 ـ لا ينبغي أن يكلف عملاً يخسر كسبه في اليوم دون أن تعوض عليه :
الشيء الثالث:
﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾
ينبغي لو أنه يعمل عملاً يدوياً، يوماً بيوم، ويأكل من عمل يده، فإذا أمرته أن يذهب معك إلى مكان بعيد، فقد يقتضي ضياع يوم بأكمله، فلا بد أن تعوض عليه مقدار كسبه في هذا اليوم، فالشاهد والكاتب لا ينبغي أن يشهد أكثر ولا أقلَّ مما هو عليه، ولا ينبغي أن يُحْرَج في وقتٍ لا يناسبه، ولا ينبغي أن يكلف عملاً يخسر كسبه في اليوم دون أن تعوض عليه..
﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾
العمل الصالح يجب أن تشجع صاحبه وتكافئه عليه حتى يترسَّخ الخير في المجتمع:
دائماً في نقطة: الذي يمنع الماعون، الذي يقدم خدمة دون أن يرى نتيجةً لها يزهد في خدمة الحق، هذا الذي ذكره الله عز وجل في القرآن الكريم حول الذين يراؤون ويمنعون الماعون، كل إنسان يعمل عمل طيب، وقد يكون إيمانه ضعيف، ولا يرى نتيجةً لهذا العمل الطيب، يزهد في المعروف.
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
امانى يسرى محمد
04-25-2026, 06:34 AM
ينبغي للكاتب ألا يكتب زيادة عما أُملي عليه، إن فعل أضر بالحق، وينبغي للشاهد ألا يشهد زيادة عما رأى وإلا أضر بالحق، وينبغي لطالب الشهادة وطالب الكتابة ألا يغبن هذا الشاهد وهذا الكاتب، أن يعطيه حقه.
﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾
يجب له التعويض، وألا تحرجه في وقت هو في أَمَسِّ الحاجة إليه، كما أن
الكاتب والشهيد ينبغي ألا يغيرا معالم الحق
لذلك مرة ذكرت لكم عقب الحرب العالمية الثانية، أحد زعماء بريطانيا سأل وزراءَه عن أحوالهم، فكانت أجوبتهم عجيبة!!
وزير الصناعة قال له: المعامل كلها مهدمة محروقة، وزير الزراعة: الحقول محروقة، وزير المالية: الخزائن فارغة، سأل وزير العدل قال: كيف العدل
عندك يا فلان؟ قال: بخير، قال: كلنا إذاً بخير.
فيجب أن نفهم أن القاضي قد يكون واحداً منكم، كلمة قاضي توهِم أن إنساناً يعمل في القضاء، أنت كتاجر قاض، قد تشهد شهادة صحيحة بمشكلة تجارية، تدلي برأيك الصحيح، قد تستشار بموضوع، في مجال الأسر، وفي مجال التجارة، في مجال الصناعة، وكم من حق هضم لأن الناس امتنعوا عن أداء الشهادة، هذا السلوك سلوك إبليس، نحن ليس لنا علاقة أَسْلَم، فكل إنسان ينسحب من أداء شهادة أو من تحكيم فيه إحقاق للحق هذا إنسان خرج عن منهج الله عز وجل.
﴿ وَإِنْ تَفْعَلُوا ﴾
أي إن أضررتم بالشاهد والكاتب، إن كلفتموه ما لا يطيق، إن عطلتموه عن عمله، إن أحرجتموه بوقت لا يناسبه، أو إن هذا الكاتب إن أزاد أو أنقص في شهادته أو كتابته، قال:
﴿ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾
هذا من الفسق.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir