المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإيمان بالأقدار يُنافي التَّخاذُل والإجبار


امانى يسرى محمد
09-16-2025, 02:15 AM
1- الكتابة الأزليَّة
2- الأقدار والاختيار

https://akhawat.islamway.net/forum/applications/core/interface/imageproxy/imageproxy.php?img=https://shamkhotaba.org/sites/default/files/25145555.jpg&key=f50bd30e201fd76cac8639f7ddb0bd3c7eac1c82e4c2ed 3a130636dd61691840 (https://shamkhotaba.org/sites/default/files/25145555.jpg)

مقدمة:
لأركان الإيمان في ديننا أهمّيّةٌ كبيرةٌ، فهي المرجع العقائديّ الّذي يحكم سائر تصرّفاتنا، وإنّ لكلّ ركنٍ مِن أركان الإيمان أثره البالغ في حياة المسلم مِن نواحي عديدةٍ، ولو تمثّلنا هذه الأركان حقيقةً لتغيّرت حياتنا وتغيّر واقع أمّتنا، وقد سرد القرآن في أكثر مِن موضعٍ جملةً مِن هذه الأركان، قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ *آمَنَ *بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

وقال أيضا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ *آمَنَ *بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
وقال: {*إِنَّا *كُلَّ *شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
وهذه وقفةٌ مع الإيمان بالقدَر.



1- الكتابة الأزليَّة

زعم ناسٌ في البصرة أنّه لا قدر، فانطلق التابعيّ يحيى بن يعمر رضي الله عنه إلى الصّحابيّ الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنه في مكّة وسأله عن ذلك فقال: "فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ" ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي *عَنِ *الْإِيمَانِ، قَالَ: (*أَنْ *تُؤْمِنَ *بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)، قَالَ: صَدَقْتَ، إلى أن قال: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ). [ 1 ]


وفي الإيمان بالقدر حديثٌ ثابتٌ عظيمٌ عن *عَبْد اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ *الصَّادِقُ *الْمَصْدُوقُ: (أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا). [ 2 ]


وقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا *خَلَقَ *اللَّهُ *الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)، يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي). [ 3 ]
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (كَتَبَ اللهُ *مَقَادِيرَ *الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ). [ 4 ]



2- الأقدار والاختيار

في النّاس مَن يفهم الإيمان بالقدر على أنّه تواكلٌ وتركٌ للعمل، إذ المقادير قُدّرت، وانتهى الأمر، ناسٌ في الجنة وناسٌ في النّار؛ فعلامَ العمل؟ وهذا ليس بالفهم الصّحيح، فعَنْ *عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي جِنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: (اعْمَلُوا فَكُلٌّ *مُيَسَّرٌ *لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * *وَصَدَّقَ *بِالْحُسْنَى}). [ 5 ]


فهذا الحديث يأمر بالعمل بشكلٍ صريحٍ، ويبيّن أن الله سبحانه يُيسّر أهل الشّقاوة للشّقاء وأهل السّعادة للسّعادة وفق قانونٍ دقيقٍ، ليس الأمر خبط عشواء، بل هو قدرٌ حكيمٌ، فمن قام بثلاثة أمورٍ يتمّ تيسيره لليسرى، والثّلاثة أن يعطي ويتّقي ويصدق بالحسنى، وفي المقابل ثلاثةٌ تجعل المرء يُيسَّر للعسرى وهي أن يبخل ويستغني ويكذّب بالحسنى، فأنت ترى أنّ الكرة في ملعبنا كما يُقال، فمن شاء أحسن.

وفي النّاس مَن يعتقد أن الإيمان بالقدر ينطوي على نوع ظلمٍ، فكيف أُمتَحن والنّتيجة معروفةٌ سلفًا، وكيف يعمل الرّجل الزّمان الطّويل بعمل أهل الجنّة ثمّ يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار، لكنّ الحقيقة أنّ القدر علم الله جل جلاله بما سيكون عليه أحوال العباد، وربّنا عز وجل العليم الخبير، إذ علم ما سنصير له لم يجبرنا عليه، فهل المطلوب أن يجهل الربّ مصائر عباده؟ علمَ مدرّسٌ بخبرته أنّ طالبه فلانًا سينجح، وأنّ فلانًا سيرسب، فصدقت خبرته وتحقّق علمه فهل يقال إنّه أجبر النّاجح على نجاحه والرّاسب على رسوبه! وربّنا سبحانه العليم الخبير وله المَثل الأعلى، وأمّا أن يعمل الرّجل بعمل أهل الجنّة فيُختَم له بعمل أهل النّار! فقد حصل هذا على زمن النّبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ *، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟) قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا: (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ). [ 6 ]



خاتِمةٌ:


يعمل الرّجل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للنّاس، ولكنّه على الحقيقة قد تلبّس بنيّةٍ باطنةٍ سيّئةٍ قد يُظهرها الله سبحانه عند وفاته، فهو من أهل النّار، ويعمل على الحقيقة عمل أهل النّار، لكنّ النّاس لا تدري ما تُكنّ الصّدور، وربّنا جل جلاله يعلم السّرّ وأخفى. فالإيمان بالقدر مِن هذا الوجه يعلّمنا أن نعمل بعمل أهل الجنّة على الحقيقة لا أن نُبدي ذلك للنّاس، وتخالفه بواطننا، فإنّ ذلك يضرّ ولا ينفع، ونتعلّم مِن الإيمان بالقدر أن نكون صبورين في ثورتنا على الباطل ومجالدتنا له، إنّ قومًا ثاروا على الظّلم والعدوان حريٌّ بهم أن تعظم عنايتهم بالإيمان بالقدر، لأنّهم بين عدوٍّ يراودهم عن أموالهم وأرواحهم، وصديقٍ له مآرب يريد أن يحقّقها بهم ولهم، فإذا آمنوا بالقدر، وأنّ الأرزاق مقسومةٌ والأعمار سلفًا معلومةٌ، وأنّ طرقنا في هذا الحياة مرسومةٌ صبروا وصابروا حتّى يأتي الله بأمره.


ومِن آثار الإيمان بالقدر أن كان الصّالحون يخشون على أنفسهم وعلى مصائرهم، فلا يغترّون بما هم عليه مِن عملٍ صالحٍ، بل يتّهمون أنفسهم ويخشون أن يصدق فيهم وصف الرّجل الّذي يعمل بعمل أهل الجنّة ويُختم له بعمل أهل النّار، قَالَ سُفْيَانُ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ: هَلْ أَبْكَاكَ قَطُّ عِلْمُ اللَّهِ فِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ: تَرَكَنِي لَا أَفْرَحُ أَبَدًا. وَكَانَ سُفْيَانُ يَشْتَدُّ قَلَقُهُ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْخَوَاتِيمِ، فَكَانَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَخَافُ أَنْ أَكُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا، وَيَبْكِي، وَيَقُولُ: أَخَافُ أَنْ أُسْلَبَ الْإِيمَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَقُومُ طُولَ لَيْلِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ، وَيَقُولُ: يَا رَبِّ، قَدْ عَلِمْتَ سَاكِنَ الْجَنَّةِ مِنْ سَاكِنِ النَّارِ، فَفِي أَيِّ الدَّارَيْنِ مَنْزِلُ مَالِكٍ؟ وَقَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: "الْمُرِيدُ يَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْمَعَاصِي، وَالْعَارِفُ يَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكُفْرِ. [ 7 ]


وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ *ثَبِّتْ *قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ). [ 8 ]


1 - صحيح مسلم: 8
2 - صحيح البخاريّ: 7454
3 - سنن أبي داود: 4700
4 - صحيح مسلم: 2653
5 - صحيح البخاري: 4949
6 - صحيح مسلم: 112
7 - جامع العلوم والحكم: 1/173
8 - سنن التّرمذيّ:

رابطة خطباء الشام

امانى يسرى محمد
06-14-2026, 10:40 AM
مراتِبُ الإيمانِ بالقَدَرِ

من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بعِلمِ اللهِ الشَّامِلِ المحيطِ

كثُر في كتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تقريرُ هذا الأصلِ العظيمِ، فعِلمُ اللهِ محيطٌ بكُلِّ شيءٍ، يعلَمُ ما كان وما سيكونُ، وما لم يكُنْ لو كان كيف يكونُ، فهو يعلَمُ الموجودَ والمعدومَ، والممكِنَ والمستحيلَ.
وهو عالمٌ بالعبادِ وآجالِهم وأرزاقِهم وأحوالِهم وحَرَكاتِهم وسَكَناتِهم وشَقاوَتِهم وسَعادتِهم، ومَن منهم من أهلِ الجنَّةِ، ومن منهم من أهلِ النَّارِ من قَبْلِ أن يخلُقَهم ويخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ.
وكُلُّ ذلك مقتضى اتصافِه تبارك وتعالى بالعِلْمِ.
قال اللهُ تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الحشر:22] .
وقال اللهُ سُبحانَه: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ: 3] .
وقال اللهُ تعالى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه: 98] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ مقررًا عِلمَه بما لم يكُنْ لو كان كيف سيكونُ: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] . فاللهُ يعلَمُ أنَّ هؤلاء المكَذِّبين الذين يتمَنَّون يومَ القيامةِ الرُّجوعَ إلى الدُّنيا أنَّهم لو عادوا إليها لرَجَعوا إلى تكذيبِهم وضَلالِهم.
قال الشقنيطي: (هذه الآيةُ الكريمةُ تدُلُّ على أنَّ اللهَ جلَّ وعلا الذي أحاط عِلمُه بكُلِّ موجودٍ ومعدومٍ، يعلَمُ المعدومَ الذي سبق في الأزَلِ أنَّه لا يكونُ لو وُجد كيف يكونُ؛ لأنَّه يعلَمُ أنَّ ردَّ الكُفَّارِ يومَ القيامةِ إلى الدُّنيا مرَّةً أُخْرى لا يكونُ، ويعلَمُ هذا الرَّدَّ الذي لا يكونُ لو وقع كيف يكونُ، كما صرَّح به بقَولِه: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 6/28، وهذا المعنى جاء مصرَّحًا به في آياتٍ أُخَرَ.
فمن ذلك أنَّه تعالى سبق في عِلمِه أنَّ المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوةِ تَبُوكَ لا يخرجون إليها معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واللهُ ثَبَّطهم عنها لحِكْمةٍ، كما صرَّح به في قَولِه: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ الآية، وهو يعلَمُ هذا الخروجَ الذي لا يكونُ لو وقع كيف يكونُ، كما صرَّح به تعالى في قَوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا الآية، ومن الآياتِ الدَّالَّةِ على المعنى المذكورِ قَولُه تعالى: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ)(
.
ومن عِلْمِه تبارك وتعالى بما هو كائِنٌ عِلمُه بما كان الأطفالُ الذين تُوفُّوا صغارًا عاملين به لو أنَّهم كَبِروا قبلَ مماتِهم.
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((سُئِلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أولادِ المُشرِكين، فقال: اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين ))( .
قال ابنُ تيميَّةَ في شَرحِ قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين)): (أي: اللهُ يَعلَمُ من يؤمِنُ منهم ومن يكفُرُ لو بَلَغوا... فهنالك يظهَرُ فيهم ما عَلِمه اللهُ سُبحانَه، ويجزيهم على ما ظهر من العِلْمِ، وهو إيمانُهم وكفرُهم، لا على مجرَّدِ العِلْمِ)( .
وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((دُعِيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى جنازةِ صَبيٍّ من الأنصارِ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، طوبى لهذا! عُصفورٌ من عصافيرِ الجنَّةِ، لم يعمَلِ السُّوءَ ولم يدركْه. قال: أوْغيرَ ذلك يا عائشةُ! إنَّ اللهَ خلق للجنَّةِ أهلًا خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائِهم، وخلق للنَّارِ أهلًا خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائِهم ))( .
قال حرب الكرماني: (عِلمُ اللهِ عزَّ وجَلَّ ماضٍ في خَلقِه بمشيئةٍ منه، قد عَلِمَ من إبليسَ ومِن غيره ممَّن عصاه -من لَدُنْ أن عُصيَ ربُّنا تبارك وتعالى إلى أن تقومَ السَّاعة- المعصيةَ وخلقهم لها، وعلم الطَّاعةَ من أهلِ طاعتِه وخلقهم لها، فكُلٌّ يعمَلُ لِما خُلِق له، وصائِرٌ إلى ما قُضِيَ عليه وعُلِمَ منه، ولا يعدو أحدٌ منهم قَدَرَ اللهِ ومشيئتَه، واللهُ الفَعَّالُ لما يريدُ... ومن زعم أن أحدًا من الخَلقِ صائرٌ إلى غيرِ ما خُلِق له فقد نفى قدرةَ اللهِ على خَلقِه، وهذا إفكٌ على اللهِ وكَذِبٌ عليه)( .


ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ المُتعَلِّقةِ بمَرتبةِ العِلْمِ:
1- قال حنبلٌ: (سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يعني أحمدَ بنَ حَنبلٍ يقولُ: عَلِمَ اللهُ عزَّ وجَلَّ أن آدَمَ سيأكُلُ من الشَّجرةِ التي نهاه عنها قبل أن يخلُقَه)( .
2- قال المُزَني: (الخَلقُ عاملون بسابِقِ عِلمِه ونافِذون لِما خلقَهم له من خيرٍ وشرٍّ... هذه مقالاتٌ وأفعالٌ اجتمع عليها الماضون الأوَّلون من أئمَّةِ الهدى، وبتوفيقِ اللهِ اعتصم بها التابعون قُدوةً ورِضًا)( .
3- قال عبدُ الوَهَّابِ بنُ نَصرٍ البغداديُّ المالكيُّ: (قد ورد القرآنُ بأنَّ اللهَ تعالى يَعلَمُ الأشياءَ قبل كونِها، وأنَّه يَعلَمُ ما لا يكونُ لو صَحَّ كونُه كيف يكونُ، وأنَّ عِلمَه سابقٌ في خَلقِه، ودلَّت العقولُ على ذلك، فأمَّا القرآنُ فقَولُه تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام: 73] ، وقَولُه تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 33] ، وقَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: 34] )( .
4- قال الأصبهانيُّ: (قال أهلُ السُّنَّةِ... عِلمُه بكُلِّ مكانٍ قد أحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا)( .
5- قال ابنُ الجوزي: (المعلوماتُ كُلُّها قد أحاط بها عِلمُ اللهِ القديمُ قبل وجودِ المخلوقاتِ كُلِّها)( .
6- قال ابنُ تيميَّةَ: (اتَّفَق سلفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها، على أنَّ اللهَ عالمٌ بما سيكونُ قبل أن يكونَ. وقد نَصَّ الأئمَّةُ على أنَّ من أنكر العِلْمَ القديمَ فهو كافِرٌ)( .
7- قال ابنُ أبي العزِّ: (الدليلُ العَقليُّ على عِلْمِه تعالى: أنَّه يستحيلُ إيجادُه الأشياءَ مع الجهلِ، ولأنَّ إيجادَه الأشياءَ بإرادتِه، والإرادةُ تستلزِمُ تصَوُّرَ المرادِ، وتصَوُّرُ المرادِ هو العِلْمُ بالمرادِ؛ فكان الإيجادُ مُستلزِمًا للإرادةِ، والإرادةُ مُستلزِمةً للعِلمِ، فالإيجادُ مُستلزِمٌ للعِلمِ.
ولأنَّ المخلوقاتِ فيها من الإحكامِ والإتقانِ ما يستلزِمُ عِلمَ الفاعِلِ لها؛ لأنَّ الفِعلَ المحكَمَ المُتقَنَ يمتَنِعُ صُدورُه عن غيرِ عِلمٍ.

ولأنَّ مِن المخلوقاتِ ما هو عالمٌ، والعِلْمُ صِفةُ كَمالٍ، ويمتنِعُ ألَّا يكونَ الخالِقُ عالِمًا. وهذا له طريقانِ:
أحدُهما: أن يقالَ: نحن نعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّ الخالِقَ أكمَلُ من المخلوقِ، وأنَّ الواجِبَ أكمَلُ من الممكِنِ، ونعلَمُ ضَرورةً أنَّا لو فرَضْنا شيئينِ أحدُهما عالمٌ والآخَرُ غيرُ عالمٍ، كان العالمُ أكمَلَ، فلو لم يكُنِ الخالِقُ عالِمًا لزم أن يكونَ الممكِنُ أكمَلَ منه، وهو ممتَنِعٌ.
الثاني: أن يقالَ: كُلُّ عِلمٍ في الممكِناتِ التي هي المخلوقاتُ فهو منه، ومن الممتنِعِ أن يكونَ فاعِلُ الكمالِ ومُبدِعُه عاريًا منه، بل هو أحقُّ به. واللهُ تعالى له المثَلُ الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقاتُ، لا في قياسٍ تمثيليٍّ، ولا في قياسٍ شُموليٍّ، بل كُلُّ ما ثبت للمخلوقِ من كمالٍ فالخالِقُ به أحَقُّ، وكُلُّ نَقصٍ تنَزَّه عنه مخلوقٌ ما فتنزيهُ الخالِقِ عنه أَولى)( .
8- قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَنٍ آل الشَّيخِ في تعليقِه على حديثِ ((أوَّلُ ما خلق اللهُ القَلَمُ... ))( : (في هذا الحديثِ ونحوِه: بيانُ شُمولِ عِلمِ اللهِ تعالى وإحاطتِه بما كان ويكونُ في الدُّنيا والآخِرةِ، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] )( .


الدرر السنية