المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الندم حين لا ينفع الندم


امانى يسرى محمد
09-16-2025, 01:43 PM
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فالسعيد من وفقه الله فتاب من ذنوبه وندم عليها, والشقي من لم يتب من ذنوبه ولم يندم عليها, فعاقبته الحسرة والندامة قال الله عز وجل: ﴿ وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ [يونس:54] قال العلامة السعدي رحمه الله: أي الذين ظلموا...ندموا على ما قدموا ولات حين مناص


قال الشاعر: نَدِمَ البغاةُ ولاتَ ساعة مندمِ*******والبغيُ مرتعُ مبتغيه وخيـــــــــــم



وقال سبحانه تعالى ﴿ وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ﴾ [الشورى:44] قال العلامة السعدي رحمه الله: يظهرون الندم العظيم والحزن على ما سلف منهم ﴿ يقولون هل إلى مرد من سبيل﴾ أي: هل لنا طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا لنعمل غير الذي كنا نعمل, وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن.



إن من لم يتب من ذنوبه, ولم يندم عليها فسوف يندم عليها عندما ينزل به العذاب, قال العلامة ابن القيم عن اللوطية: قلب الله سبحانه عليهم ديارهم, فجعل عاليها سافلها, فجعلهم آيةً للعالمين وموعظة للمتقين ونكالاً وسلفاً لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين. أخذهم على غرة وهم نائمون, وجاءهم بأسُه وهم في سكرتهم يعمهون, فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون, فانقلبت تلك اللذات آلاماً فأصبحوا بها يعذبون...تمتعوا قليلاً وعذبوا طويلاً, رتعوا مرتعاً وخيماً, فأعقبهم عذاباً أليماً, أسكرتهم خمرة تلك الشهوة, فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين, وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين, فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.


وسوف يندم من لن يتب من ذنوبه عند موته وخروج روحه, قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: من أطلق نفسه في شهواتها ولم ينظر في حلال وحرام نزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ, ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة, ولو كان هذا فحسب لكفى حزنا كيف والجزاء الدائم بين يديه.
لو رأيت العصاة والكرب يغشاهم والندم قد أحاط بهم وكفاهم, والأسف على ما فتهم قد أضناهم,...فالبدار البدار قبل أن يقول المذنب: رب ارجعون, فيقال: فات
قال الله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴾ يا لها من ساعة لا تشبهها ساعة, يندم فيها أهل التقى فكيف أهل الإضاعة, يجتمع فيها شدة الموت إلى حسرة الفوت.



إخواني تدبروا الأمور تدبر ناظر, وأصغوا إلى ناصحكم والقلب حاضر, واحذروا...قبل أن يندم العاصي, ويخسر الفاجر, وتصعد القلوب إلى أعلى الحناجر.
قال العلامة السعدي: قال الله: ﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ ارجعون ﴾ يخبر تعالى عن حال من حضره الموتى من المفرطين الظالمين, أنه يندم في تلك الحال, إذا رأى مآله وشاهد قبيح أعماله فيطلب الرجعة إلى الدنيا لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها وإنما ذلك ليقول ﴿لعلي أعمل صالحاً فيما تركت﴾ من العمل وفرطت في جنب الله ﴿كلا﴾ أي لا رجعة له ولا إمهال قد قضى الله أنهم لا يرجعون
ومن لم يندم في دنياه على ذنوبه, فسوف يندم عليها شرّ الندامة في عرصات يوم القيامة, قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: إن شرّ الندامة ندامة يوم القيامة.



قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله إذا انشقت السماوات وبرزت النيران وأزلفت الجنان وندم العاصي على ما عمل من العصيان وعلى ما فرط فيه من طاعة الرحمن, فانتبهوا لهذه الأهوال يا معشر الإخوان,...فإن الهول والله عظيم, والخطب كبير جسيم.



وسوف يندم العاصي يوم القيامة حين يرى العذاب, قال الله جل وعلا: ﴿ وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ [سبأ:33] قال الإمام الطبري رحمه الله: ندموا على ما فرطوا من طاعة الله في الدنيا حين عاينوا عذاب الله الذي أعده لهم. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: وأسروا الندامة, لكن والله لا ينفع الندم حينذاك, فالندمُ حين يرى الإنسانُ العذاب لا ينفعه, إنما ينفع قبل أن يرى العذاب.
فيا من تمادى في الذنوب والعصيان بادر إلى التوبة منها, والندم عليها, قبل أن تندم عليها حين لا ينفع الندم, قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: يا من تمادى في معصية رب الأرباب, ونسي الجنة وحسن المآب...فانظر لنفسك...قبل حلول الندم, وزوال النعم, ونزول النقم, حيث لا ينفع الندم, فاستعد للسؤال, وتهيأ للجدال.



عباد الله اسعوا في فكاك رقابكم, وأجهدوا أنفسكم في خلاصها قبل أن تزهق, فوالله ما بين أحدكم وبين الندم, والعلم بأنه زلت به القدم, إلا أن يحوم عقاب المنية عليه, ويفوق سهامها إليه, فإذا الندم لا ينفع.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: الغنيمة, الغنيمة بانتهاز الفرصة...المبادرة, المبادرة بالعمل, والعجل العجل قبل هجوم الأجل, قبل أن يندم المفرط على ما فعل, قبل أن يسأل الرجعة ليعمل صالحاً فلا يجاب إلى ما سأل, قبل أن يصير المرء مرتهناً في حفرته بما قدم من عمل.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها.
وقال العلامة ابن باز رحمه الله: الواجب على الجميع التوبة إلى الله والندم على ما مضى من السيئات.



كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

صيد الفوائد

امانى يسرى محمد
06-10-2026, 12:12 AM
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ​​ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (54)


- (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) (أسروا) لأن الشماتة لا أحد يحتملها في الدنيا ولا في الآخرة (لا تضع نفسك في محل شماتة) / عقيل​​ الشمري


افتد نفسك اليوم من عذاب الله تعالى، ولو بقليل مال، أو يسير طعام أو شراب، أو ركعة، أو سجدة، قبل أن تتمنى أن تفتدي بالدنيا وما فيها، ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ﴾


س/ ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ كيف يسرون الندامة وهم في موضع مهول؟
ج/ للمفسرين في الآية أقوال عدة. منها: أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين، فلم يطيقوا عنده بكاءً ولا صراخًا سوى إسرار الندم. ومنها: أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياءً منهم وخوفًا من توبيخهم. ويُرجع لكتب التفسير للتوسع في بيان علّة إسرار الندامة. ــــ ˮيوسف الردادي


س/ ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ هل هناك تقديم وتأخير؟ وأريد تفسير الآية.
ج/ (مَا فِي الْأَرْضِ) اسم (أن)، و(لكل نفس) خبر (أن) وقدم على الاسم للاهتمام به، ومعنى الآية: ولو أن جميع ما في الأرض من أموال نفيسة جُعل لكل مشرك بالله يوم القيامة لجعله مقابل فكاكه من عذاب الله لو أتيح له ذلك. ــــ ˮمحمد العبادي


• ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ﴾ [يونس :٥٤] مع ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ﴾ [الزمر :٤٧]
• ما وجه التعبير بالإفراد، بقوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ﴾ بموضع يونس، وبالجمع، بقوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ﴾ بموضع الزمر ؟
• قال ابن جماعة : " لما أفرد ( النفس )؛ ناسب الاكتفاء بــــ ﴿ مَا فِي الْأَرْضِ ﴾، ولما جمع ﴿ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾؛ ناسب ذكر الفداء بما في الأرض ﴿ وَمِثْلَهُ ﴾ ". ــــ ˮكتاب : ﴿ الارتياق فـي توجيـه المتشابـه اللفظـي ﴾“




{..وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلۡعَذَابَۖ "وَقُضِیَ بَیۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ" وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ}
[يُونس: 54]
{..وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلۡعَذَابَۚ "وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَـٰلَ فِیۤ أَعۡنَاقِ" ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟..}
[ســـــبأ: 33]
موضع التشابه : ( وَقُضِیَ بَیۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ - وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَـٰلَ فِیۤ أَعۡنَاقِ )
الضابط : بين موضعي التشابه علاقة تدرّج:
- حيث في يوم القيامة يقضي الله بينهم بالعدل أولًا
(وَقُضِیَ بَیۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ)
- ثُمَّ الذين استحقوا النّار يُغلُّون كما يُغلّ المسجون الذي سيهان في سجنه (وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَـٰلَ فِیۤ أَعۡنَاقِ)
* القاعدة : الضبط بالتّدرّج.

=====القواعد=====
* قاعدة الضبط بالتدرّج..
يقصد بهذه القاعدة أن يأتي المذكور في الآية أو الآيات [بصورة تدريجية] ، من الأسفل للأعلى أو العكس - أي بشكل تصاعدي - وهذه القاعدة وإن كان لها صلة بقاعدة "الربط بالصورة الذهنية" إلّا أنّها لأهميتها تمّ إفرادها. ــــ ˮ#قناة إتقان المتشابه“ ☍... (https://tadars.com/tdbr/comparable/2334)


تـدارس القــرآن الكريــم