امانى يسرى محمد
10-22-2025, 09:21 PM
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcStnk7sHHQp1iPjvZ493rNRutO8M7or0 xEsSw&s
(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً )21-الأحزاب
أسوة: قدوة ونموذج سلوكي، والرسول صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله منهجه لصيانة حركة الإنسان في الحياة، وهو أيضاً صلى الله عليه وسلم أُسْوة سلوك، فما أيسر أنْ يعظ الإنسانُ، وأنْ يتكلَّم، المهم أنْ يعمل على وَفْق منطوق كلامه ومراده، وكذلك كان سيدنا رسول الله مُبلِّغاً وأسوة سلوكية؛ لذلك قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن".
لكن، ما الأسوة الحسنة التي قدَّمها رسول الله في مسألة الأحزاب؟ لمَّا تجمَّع الأحزاب كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم مُنزلَ الكتاب، سريعَ الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم" .
وجعل شعاره الإيماني فيما بعد "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده" وما دام هذا شعار المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو لكم أُسْوة.
وقال تعالى عن المؤمنين في هذه الغزوة: { { وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ .. } [البقرة: 214].
وفي بدر يقول أبو بكر: يا رسول الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.
ولقائل أنْ يقول: إذا كان الله تعالى قد وعد نبيه بالنصر، فَلِم الإلحاح في الدعاء؟ نقول: ما كان سيدنا رسول الله يُلح في الدعاء من أجل النصر؛ لأنه وَعْد مُحقَّق من الله تعالى.
واقرأ قوله تعالى: { { وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ } [الأنفال: 7].
فالرسول لا يريد الانتصار على العِير، وعلى تجارة قريش، إنما يريد النفير الذي خرج للحرب.
وقوله تعالى: { فِي رَسُولِ ٱللَّهِ .. } [الأحزاب: 21] كأن الأُسْوة الحسنة مكانها كل رسول الله، فهو صلى الله عليه وسلم ظرف للأُسْوة الحسنة في كل عضو فيه صلى الله عليه وسلم، ففي لسانه أُسْوة حسنة، وفي عينه أُسْوة حسنة، وفي يده أُسْوة حسنة .. إلخ، كله صلى الله عليه وسلم أُسْوة حسنة.
هذه الأُسْوة لمَنْ؟ { لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب: 21].
وصف ذكر الله بالكثرة؛ لأن التكاليف الإيمانية تتطلب من النفس استعداداً وتهيؤاً لها، وتؤدي إلى مشقة، أما ذِكْر الله فكما قُلْنا لا يكلفك شيئاً، ولا يشق عليك؛ لذلك قال تعالى: { { وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ .. } [العنكبوت: 45].
يعني: أكبر من أيِّ طاعة أخرى؛ لأنه يسير على لسانك، تستطيعه في كل عمل من أعمالك، وفي كل وقت، وفي أيِّ مكان، ولذلك قُلْنا في آية الجمعة: { { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً .. } [الجمعة: 10].
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQDB0lh7KFfdH2lXniq0JsnB_-rBWKg4yipdw&s
(وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)٢٢ -الأحزاب
أي: لما رأى المؤمنون الأحزاب منصرفين مهزومين { قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ .. } [الأحزاب: 22] أي: هذا النصر، وهذا الوعد الذي تحقق ما زادهم { إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } [الأحزاب: 22].
وهذه المسألة دليل من أدلة أن الإيمان يزيد وينقص، فالإيمان يزيد بزيادة الجزئيات التي تُعليه، فبعد الإيمان بالحق - سبحانه وتعالى - هناك إيمان بالجزئيات التي تثبت صِدْق الحق في كلِّ تصرف.
وتسليماً: أي لله في كلِّ ما يُجريه على العباد.
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQDB0lh7KFfdH2lXniq0JsnB_-rBWKg4yipdw&s
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)}الاحزاب
نزلت هذه الآية في جماعة من المؤمنين صادقي الإيمان، إلا أنهم لم يشهدوا بدراً ولا أُحُداً، ولكنهم عاهدوا الله إنْ جاءت معركة أخرى لَيُبَادِرُونَّ إليها، ويبلُون فيها بلاءً حسناً.
وورد أنها نزلت في أنس بن النضر، فقد عاهد الله لما فاتته بدر لو جاءت مع المشركين حرب أخرى لَيبلونَّ فيها بلاء حسناً، وفعلاً لما جاءت أُحُد أبلى فيها بلاءً حسناً حتى استشهد فيها، فوجدوا جسده في نيِّفاً وثمانين طعنةً برمح، وضربة بسيف، وهذا معنى {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ..} [الأحزاب: 23].
وساعة تسمع كلمة {رِجَالٌ..} [الأحزاب: 23] في القرآن، فاعلم أن المقام مقام جدٍّ وثبات على الحق، وفخر بعزائم صُلْبة لا تلين، وقلوب رسخ فيها الإيمان رسوخ الجبال، وهؤلاء الرجال وَفَّوا العهد الذي قطعوه أمام الله على أنفسهم، بأنْ يبلُوا في سبيل نصرة الإسلام، ولو يصل الأمر إلى الشهادة.
وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ..} [الأحزاب: 23] قضى نحبه: أي أدَّى العهد ومات، والنحب في الأصل هو النذر، فالمراد: أدى ما نذره، أو ما عاهد الله عليه من القتال، ثم اسْتُعمِلَت(النحب) بمعنى الموت.
لكن، ما العلاقة بين النذر والموت؟ قالوا: المعنى إذا نذرتَ فاجعل الحياةَ ثمناً للوفاء بهذا النذر، وجاء هذا التعبير {فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ..} [الأحزاب: 23] لتعلم أن الموت يجب أن يكون منك نذراً. أي: انذر لله أنْ تموت، لكن في نُصْرة الحق وفي سبيل الله، فكأن المؤمن هو الذي ينذر نفسه وروحه لله، وكأن الموت عنده مطلوب ليكون في سبيل الله.
فالمؤمن حين يستصحب مسألة الموت ويستقرئها يرى أن جميع الخَلْق يموتون من لُدن آدم عليه السلام حتى الآن؛ لذلك تهون عليه حياته ما دامت في سبيل الله، فينذرها ويقدمها لله عن رضا، ولِمَ لا وقد ضحيتَ بحياة، مصيرها إلى زوال، واشتريتَ بها حياة باقية خالدة مُنعَّمة.
وقد ورد في الأثر: (ما رأيتُ يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت) ومع أننا نرى الموت لا يُبقى على أحد فينا إلا أن كل إنسان في نفسه يتصور أنه لن يموت.
وحَقٌّ للمؤمن أنْ ينذر نفسه، وأنْ يضحي بها في سبيل الله؛ لأن الله يقول: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين} [آل عمران: 169-171].
وهذه الحياة التي عند الله حياة على الحقيقة، لأن الرزق سِمة الحيِّ الذي يعيش ويأكل ويشرب.
إلخ، وإياك أنْ تظن أنها حياة معنوية فحسب.
وقد تسمع مَنْ يقول لك: هذا يعني أنني لو فتحتُ القبر على أحد الشهداء أجده حياً في قبره؟ ونقول لمن يحب أنْ يجادل في هذه المسألة: الله تعالى قال: {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ...} [آل عمران: 169] ولم يقل: أحياء عندك، فلا تحكم على هذه الحياة بقانونك أنت، لا تنقل قانون الدنيا إلى قانون الآخرة.
والمؤمن ينبغي أن يكون اعتقادة في الموت، كما قال بعض العارفين: الموت سهم أُرسِل إليك بالفعل، وعمرك بقدر سفره إليك.
والقرآن حين يعالج هذه المسألة يقول تعالى: {تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الذي خَلَقَ الموت والحياة...} [الملك: 1-2] فقدَّم الموت على الحياة، حتى لا نستقبل الحياة بغرور الحياة، إنما نستقبلها مع نقيضها حتى لا نغترَّ بها.
وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ..} [الأحزاب: 23] أي: ينتظر الوفاء بعهده مع الله، وكأن الله تعالى يقول: الخير فيكم يا أمة محمد باقٍ إلى يوم القيامة {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23] معنى التبديل هنا: أي ما تخاذلوا في شيء عاهدوا الله عليه ونذروه، فما جاءت بعد ذلك حرب، وتخاذل أحد منهم عنها، ولا أُدخِل أحد منهم الحرب مواربة ورياء، فقاتل من بعيد، أو تراجع خوفاً من الموت، بل كانوا في المعمعة حتى الشهادة.
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQDB0lh7KFfdH2lXniq0JsnB_-rBWKg4yipdw&s
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)}
تأمل هنا رحمة الخالق بالخَلْقِ، هذه الرحمة التي ما حُرم منها حتى المنافق، فقال سبحانه: {وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ..} [الأحزاب: 24].
وسبق أنْ تحدثنا عن صفتي المغفرة والرحمة وقلنا: غفور رحيم من صيغ المبالغة، الدالة على كثرة المغفرة وكثرة الرحمة، وأن القرآن كثيراً ما يقرن بينهما، فالمغفرة أولاً لستر العيب والنقائص، ثم يتلوها الرحمة من الله، بأن تمتد يده سبحانه بالإحسان.
وقد أوضحنا ذلك باللص تجده في بيتك، فتشفق عليه، ثم تمتد إليك يدك بالمساعدة التي تعينه على عدم تكرار ذلك. وقلنا: إن الغالب أن تسبق المغفرةُ الرحمةَ، وقليلاً ما تسبق الرحمةُ المغفرةَ.
وقلنا: أنه يشترط في المغفرة أن تكون من الأعلى للأدنى، فإذا ستر العبد على سيده قبحاً لا يقال: غفر له، وكذلك في الرحمة فإن مال الأقل بالإحسان إلى الأعلى لا يقال رحمة؛ لأنه قد يعطيه عِوَضاً عما قدَّم له أو يعطيه انتظار أنْ يرد إليه ما أعطاه مرة أخرى.
نداء الايمان
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSAzTFAiPtechtuTiS45WBxSpNLy-uucONqLA&s
(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً )21-الأحزاب
أسوة: قدوة ونموذج سلوكي، والرسول صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله منهجه لصيانة حركة الإنسان في الحياة، وهو أيضاً صلى الله عليه وسلم أُسْوة سلوك، فما أيسر أنْ يعظ الإنسانُ، وأنْ يتكلَّم، المهم أنْ يعمل على وَفْق منطوق كلامه ومراده، وكذلك كان سيدنا رسول الله مُبلِّغاً وأسوة سلوكية؛ لذلك قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن".
لكن، ما الأسوة الحسنة التي قدَّمها رسول الله في مسألة الأحزاب؟ لمَّا تجمَّع الأحزاب كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم مُنزلَ الكتاب، سريعَ الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم" .
وجعل شعاره الإيماني فيما بعد "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده" وما دام هذا شعار المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو لكم أُسْوة.
وقال تعالى عن المؤمنين في هذه الغزوة: { { وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ .. } [البقرة: 214].
وفي بدر يقول أبو بكر: يا رسول الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.
ولقائل أنْ يقول: إذا كان الله تعالى قد وعد نبيه بالنصر، فَلِم الإلحاح في الدعاء؟ نقول: ما كان سيدنا رسول الله يُلح في الدعاء من أجل النصر؛ لأنه وَعْد مُحقَّق من الله تعالى.
واقرأ قوله تعالى: { { وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ } [الأنفال: 7].
فالرسول لا يريد الانتصار على العِير، وعلى تجارة قريش، إنما يريد النفير الذي خرج للحرب.
وقوله تعالى: { فِي رَسُولِ ٱللَّهِ .. } [الأحزاب: 21] كأن الأُسْوة الحسنة مكانها كل رسول الله، فهو صلى الله عليه وسلم ظرف للأُسْوة الحسنة في كل عضو فيه صلى الله عليه وسلم، ففي لسانه أُسْوة حسنة، وفي عينه أُسْوة حسنة، وفي يده أُسْوة حسنة .. إلخ، كله صلى الله عليه وسلم أُسْوة حسنة.
هذه الأُسْوة لمَنْ؟ { لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب: 21].
وصف ذكر الله بالكثرة؛ لأن التكاليف الإيمانية تتطلب من النفس استعداداً وتهيؤاً لها، وتؤدي إلى مشقة، أما ذِكْر الله فكما قُلْنا لا يكلفك شيئاً، ولا يشق عليك؛ لذلك قال تعالى: { { وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ .. } [العنكبوت: 45].
يعني: أكبر من أيِّ طاعة أخرى؛ لأنه يسير على لسانك، تستطيعه في كل عمل من أعمالك، وفي كل وقت، وفي أيِّ مكان، ولذلك قُلْنا في آية الجمعة: { { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً .. } [الجمعة: 10].
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQDB0lh7KFfdH2lXniq0JsnB_-rBWKg4yipdw&s
(وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)٢٢ -الأحزاب
أي: لما رأى المؤمنون الأحزاب منصرفين مهزومين { قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ .. } [الأحزاب: 22] أي: هذا النصر، وهذا الوعد الذي تحقق ما زادهم { إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } [الأحزاب: 22].
وهذه المسألة دليل من أدلة أن الإيمان يزيد وينقص، فالإيمان يزيد بزيادة الجزئيات التي تُعليه، فبعد الإيمان بالحق - سبحانه وتعالى - هناك إيمان بالجزئيات التي تثبت صِدْق الحق في كلِّ تصرف.
وتسليماً: أي لله في كلِّ ما يُجريه على العباد.
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQDB0lh7KFfdH2lXniq0JsnB_-rBWKg4yipdw&s
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)}الاحزاب
نزلت هذه الآية في جماعة من المؤمنين صادقي الإيمان، إلا أنهم لم يشهدوا بدراً ولا أُحُداً، ولكنهم عاهدوا الله إنْ جاءت معركة أخرى لَيُبَادِرُونَّ إليها، ويبلُون فيها بلاءً حسناً.
وورد أنها نزلت في أنس بن النضر، فقد عاهد الله لما فاتته بدر لو جاءت مع المشركين حرب أخرى لَيبلونَّ فيها بلاء حسناً، وفعلاً لما جاءت أُحُد أبلى فيها بلاءً حسناً حتى استشهد فيها، فوجدوا جسده في نيِّفاً وثمانين طعنةً برمح، وضربة بسيف، وهذا معنى {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ..} [الأحزاب: 23].
وساعة تسمع كلمة {رِجَالٌ..} [الأحزاب: 23] في القرآن، فاعلم أن المقام مقام جدٍّ وثبات على الحق، وفخر بعزائم صُلْبة لا تلين، وقلوب رسخ فيها الإيمان رسوخ الجبال، وهؤلاء الرجال وَفَّوا العهد الذي قطعوه أمام الله على أنفسهم، بأنْ يبلُوا في سبيل نصرة الإسلام، ولو يصل الأمر إلى الشهادة.
وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ..} [الأحزاب: 23] قضى نحبه: أي أدَّى العهد ومات، والنحب في الأصل هو النذر، فالمراد: أدى ما نذره، أو ما عاهد الله عليه من القتال، ثم اسْتُعمِلَت(النحب) بمعنى الموت.
لكن، ما العلاقة بين النذر والموت؟ قالوا: المعنى إذا نذرتَ فاجعل الحياةَ ثمناً للوفاء بهذا النذر، وجاء هذا التعبير {فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ..} [الأحزاب: 23] لتعلم أن الموت يجب أن يكون منك نذراً. أي: انذر لله أنْ تموت، لكن في نُصْرة الحق وفي سبيل الله، فكأن المؤمن هو الذي ينذر نفسه وروحه لله، وكأن الموت عنده مطلوب ليكون في سبيل الله.
فالمؤمن حين يستصحب مسألة الموت ويستقرئها يرى أن جميع الخَلْق يموتون من لُدن آدم عليه السلام حتى الآن؛ لذلك تهون عليه حياته ما دامت في سبيل الله، فينذرها ويقدمها لله عن رضا، ولِمَ لا وقد ضحيتَ بحياة، مصيرها إلى زوال، واشتريتَ بها حياة باقية خالدة مُنعَّمة.
وقد ورد في الأثر: (ما رأيتُ يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت) ومع أننا نرى الموت لا يُبقى على أحد فينا إلا أن كل إنسان في نفسه يتصور أنه لن يموت.
وحَقٌّ للمؤمن أنْ ينذر نفسه، وأنْ يضحي بها في سبيل الله؛ لأن الله يقول: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين} [آل عمران: 169-171].
وهذه الحياة التي عند الله حياة على الحقيقة، لأن الرزق سِمة الحيِّ الذي يعيش ويأكل ويشرب.
إلخ، وإياك أنْ تظن أنها حياة معنوية فحسب.
وقد تسمع مَنْ يقول لك: هذا يعني أنني لو فتحتُ القبر على أحد الشهداء أجده حياً في قبره؟ ونقول لمن يحب أنْ يجادل في هذه المسألة: الله تعالى قال: {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ...} [آل عمران: 169] ولم يقل: أحياء عندك، فلا تحكم على هذه الحياة بقانونك أنت، لا تنقل قانون الدنيا إلى قانون الآخرة.
والمؤمن ينبغي أن يكون اعتقادة في الموت، كما قال بعض العارفين: الموت سهم أُرسِل إليك بالفعل، وعمرك بقدر سفره إليك.
والقرآن حين يعالج هذه المسألة يقول تعالى: {تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الذي خَلَقَ الموت والحياة...} [الملك: 1-2] فقدَّم الموت على الحياة، حتى لا نستقبل الحياة بغرور الحياة، إنما نستقبلها مع نقيضها حتى لا نغترَّ بها.
وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ..} [الأحزاب: 23] أي: ينتظر الوفاء بعهده مع الله، وكأن الله تعالى يقول: الخير فيكم يا أمة محمد باقٍ إلى يوم القيامة {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23] معنى التبديل هنا: أي ما تخاذلوا في شيء عاهدوا الله عليه ونذروه، فما جاءت بعد ذلك حرب، وتخاذل أحد منهم عنها، ولا أُدخِل أحد منهم الحرب مواربة ورياء، فقاتل من بعيد، أو تراجع خوفاً من الموت، بل كانوا في المعمعة حتى الشهادة.
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQDB0lh7KFfdH2lXniq0JsnB_-rBWKg4yipdw&s
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)}
تأمل هنا رحمة الخالق بالخَلْقِ، هذه الرحمة التي ما حُرم منها حتى المنافق، فقال سبحانه: {وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ..} [الأحزاب: 24].
وسبق أنْ تحدثنا عن صفتي المغفرة والرحمة وقلنا: غفور رحيم من صيغ المبالغة، الدالة على كثرة المغفرة وكثرة الرحمة، وأن القرآن كثيراً ما يقرن بينهما، فالمغفرة أولاً لستر العيب والنقائص، ثم يتلوها الرحمة من الله، بأن تمتد يده سبحانه بالإحسان.
وقد أوضحنا ذلك باللص تجده في بيتك، فتشفق عليه، ثم تمتد إليك يدك بالمساعدة التي تعينه على عدم تكرار ذلك. وقلنا: إن الغالب أن تسبق المغفرةُ الرحمةَ، وقليلاً ما تسبق الرحمةُ المغفرةَ.
وقلنا: أنه يشترط في المغفرة أن تكون من الأعلى للأدنى، فإذا ستر العبد على سيده قبحاً لا يقال: غفر له، وكذلك في الرحمة فإن مال الأقل بالإحسان إلى الأعلى لا يقال رحمة؛ لأنه قد يعطيه عِوَضاً عما قدَّم له أو يعطيه انتظار أنْ يرد إليه ما أعطاه مرة أخرى.
نداء الايمان
https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSAzTFAiPtechtuTiS45WBxSpNLy-uucONqLA&s