المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلة المصير


امانى يسرى محمد
01-12-2026, 03:00 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/13500573625.gif
رحلة الروح _ أنت اللي بتحدد رحلتك


برنامج ( المصير ) _ م علاء حامد




- YouTube (https://www.youtube.com/watch?v=8I2R5BqHYOk)


إنها قصة إنسان، يعيش على الدنيا ردحًا من الزمن، تختلجه الأماني والأمنيات والطموحات، لا يفتر عن طلب، ولا ينتهي عن رغبة، فهو في تزايد مستمر، يأنس بالولد والمال والترف والمتعة، ثم في لحظة واحدة تأتي قصة النهاية أو بداية النهاية؛ مغادرة هذه الدنيا... مغادرة هذه الدنيا سواء كان مريضًا صارع المرض ردحًا من الزمن، أو نام نومة في بيته واستيقظ في قبره، أو أنه فوجئ بحادث مروري مروع كان على إثره مغادرة هذه الدنيا، أيًّا كانت الطريقة، لكنها نهاية... نهاية لبداية وبداية لنهاية، إن قصة رحلة الإنسان بعد هذه الدنيا تحتاج إلى نوع من التوقف أحيانًا، واليوم سأرتحل معكم عبر محطات سريعة حول هذه الرحلة... رحلة ما بعد هذه الحياة، هذه المحطات أستقيها من القرآن وسنة المصطفى العدنان صلى الله عليه وسلم، لكنني سأجعلها على شكل محطات، وأنا أنظر إليها أرى أن قصة بداية النهاية مرتبطة بنهاية البداية؛ فقصة الإنسان في هذه الدنيا هي امتداد لما بعد ذلك من مراحل الآخرة، وهنا يبدأ التعليق تحديدًا، إنها المحطة الأولى...

المحطة الأولى: أجل الإنسان: الذي كُتب وهو في بطن أمه، حُدِّد زمانًا ومكانًا ونوعًا، إذا حانت تلك اللحظة وأذن الله أن يُطوى كتاب ذلك العبد، جاءت المحطة الأولى من محطات مغادرة الدنيا، إنها محطة الإخبار بأن حياته قد انتهت، وأن روحه ستسحب من جسده.

العبد المؤمن صاحب تاريخ مشرف في هذه الدنيا، تنزل إليه ملائكة بيض الوجوه، وجوههم كالشمس، معهم كفن من كفن الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون بجواره مد البصر، كم عدد هؤلاء؟ لا ندري، لكن كلمة ((مد البصر)) التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن هناك فوجًا من الملائكة يحيطون بذلك الذي سيموت، ثم يأتي ملك الموت الموكل بسحب الروح، فيقول لذلك المؤمن الذي أدرك في تلك اللحظة أنه مغادر لا محالة... أنه هنا سيكتب تاريخ وفاته هنا - يقول له: ((أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان))، أول البشارات، فتخرج روحه بسرعة، ((تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء))؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، القطرة التي تخرج بسرعة من زجاجة تجدها منحدرة بأسرع ما يمكن سهولة، هي روح ذلك المؤمن، تأخذها الملائكة الذين مع ملك الموت فيضعونها في كفن الجنة وبحنوط الجنة، ريح الخروج أطيب من أعظم ريح مسك وجدت على هذه الأرض، الآن... تخيل ما الحالة النفسية لذلك الإنسان؟ لو كنت أنا وأنت في تلك اللحظة، فما المشاعر؟ في تلك اللحظة تحديدًا عندما يعلم الإنسان أنه ميت، وتصطف عليه الملائكة، فإن حالتي الحزن والخوف تخيمان عليه، أما الحزن فهو سيغادر هذه الدنيا، وثمة أمور معلقة برقبته... في تلك اللحظة يتذكر أن له زوجة ستُكلم بفقده... أن له بنتًا ستبكي عليه... وأن له ابنًا سيندب حظه ربما لأنه سيفارق والده، هو يدرك في تلك اللحظة ربما أن عليه ديونًا لم تُقضَ بعد، وكان يأمل أن تمتد حياته لقضاء ديونه... هو يدرك في تلك اللحظة أنه ربما لا يعلم ماذا ينتظره في القادم، حتى الصلاة التي صلاها والصيام الذي صامه والقرآن الذي قرأه، وهو عبد مؤمن... لا يدري قُبِل أو لم يُقبل.

حالة الحزن والخوف هي التي جاءت بتبشير الملائكة: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]،حالة اطمئنان لذلك الإنسان... الله كفيل بكل قضاياك بعد مغادرتك لهذه الدنيا... لا تقلق... أولادك وزوجتك وذريتك وحياتك، الله كفيل بها، أنت مطلوب الآن أن تغادر هذه الدنيا وكفاك إلى هنا عطاء؛ لأنك نجحت في الاختبار، فما جاءتك هذه الملائكة التي وجوهها كالشمس المشرقة إلا لأن لك تاريخًا من العطاء مع الله جل في علاه. والعكس تمامًا، ذلك الفاجر أو الشقي أو الكافر، يختلف المشهد هنا تمامًا في المحطة الأولى، الملائكة التي تأتي قبل ملك الموت شديدة سواد الوجه... سود الوجوه... المنظر مهيب، وعندما يأتي ملك الموت يخاطب ويقول: ((أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب))، تاريخك في التقصير سيبدأ جزاؤه من الآن... ما الحالة التي تمر على ذلك الإنسان؟ سيستحضر كل تقصير حصل عليه... الصلاة التي فرط فيها... المنكر الذي فعله... السماع المحرم... النظر المحرم... الظلم... قطيعة الرحم... اعتداء على الناس... استهزاء بدين الله... فرص من أبواب الطاعات كانت مفتوحة أمامه فرط فيها، كل هذا الشريط سيمر عليه؛ ﴿ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: 22]؛ ولذلك جاء في الحديث أنه تتفرق روحه في جسده... يريد أن يفر... يريد آخر لحظة فرار... هل بالإمكان أن يفر؟ فينتزع ملك الموت روحه من عروقه كما ينتزع السُّفُود من الصوف المبلول... السفود هو السيخ الذي يدخل في الصوف المبلول ثم ينتزع منه... ينتزع بتقطيع كامل لذلك الصوف، ثم يسلم إلى حنوط النار، كل الآلام التي يمكن أن تتخيلها تحدث في تلك اللحظة... فلا الماضي مشرف ولا القادم مشرف... فلا الذي سيتركه من أهله وأولاده وذريته هو مطمئن على تركهم، ولا القادم الأخطر هو مطمئن لمقابلته، تنتهي هذه المحطة إلى هنا.

https://i128.photobucket.com/albums/p165/3ola4/dividers/animated/a5.gif


المحطة الثانية: المؤمن يُحمل على ذلك الحنوط، ثم يُصعَد به إلى السماء، قبل أن يصل إلى السماء الدنيا... السماء الأولى قبل السماوات السبع، في هذه الرحلة لا يمرون على ملأ من الملائكة إلا ويقولون: ((ما هذه الروح الطيبة؟)) رائحة... رائحة طيبة... هناك احتفالية بهذا الصاعد وتخيل أنك أنت المحمول الآن... بكل احتفاء، بكل تقدير... فيقولون: ((ما هذه الروح الطيبة؟))، فيرد الذين يحملونك، العدد الضخم الذي يحملك يردون: إنه فلان بن فلان؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا))، ما أطيب أسمائك؟ فلان وصول الرحم... فلان حسن الظن... فلان المصلي العابد صاحب الصف الأول... قارئ القرآن... غضيض الطرف... فلان المحسن... فلان الذي نشهد أنه ما ظلم أحدًا يومًا ما... المحسن إلى زوجته وإلى أبنائه وإخوانه وأخواته... فلان البار، هذه الألقاب التي ستدار في السماء حولك، ثم يصل الأمر إلى السماء الدنيا فيستفتح فيفتح له... إنها قصة احتفاء، فيبدأ الانتقال، وكل سماء يشيع هذا الإنسان مقربوها؛ لأن في السماء ترتيبًا ملائكيًّا... هناك ملائكة أعلى في القدر عند الله جل في علاه... فمن الذي يتحرك مع هذا الصاعد؟ أعظم المقربين في تلك السماء فيشيعونه إلى طرف السماء التي بعدها، وهكذا من سماء إلى سماء، تخيل أنك أنت ذلك الإنسان! أي شعور يمكن أن أصفه في تلك اللحظة لك؟ وأنت تنتقل من سماء إلى سماء، وترى الملائكة عن اليمين وعن الشمال وهم يتحدثون: من هذا؟ من هو؟ ما هذه الروح الطيبة؟ والألقاب تتوافر عليك... كيف ستكون مشاعرك وأنت تتذكر تاريخ عطائك في هذه الدنيا؟ ما ذهبت الصلاة، ولا ذهب الصيام، ولا ذهب القرآن، ولا ذهب قيام الليل، لم يضِعْ شيء... الآن تأتيك الجوائز فورًا... إلى السماء السابعة، وهناك تأتي النتيجة المهمة التي لو كنت أنا وأنت هناك وسمعناها، لطارت بنا الدنيا كلها... هناك يقول الله عز وجل... تسمع الله يقول كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ((اكتبوا كتاب عبدي في عليين))، إعلان نتيجة، ثم يعاد بعد ذلك بنفس الاحتفاء إلى الدنيا... نفس الذين صعدوا معه في هذا الاحتفاء يحملونه بعد إعلان النتيجة... ما المشاعر التي يمكن أن تكون موجودة في تلك اللحظة؟ والله وأنا أقرأ حديث البراء بن عازب وأتخيل وأعيش في الخيال، أقول: لو كان الإنسان في هذا المنظر المهيب، الإنسان في هذه الدنيا لو جلس أشخاص يمدحونه ويثنون عليه ربما بشيء ليس فيه، لشعر بنوع من الراحة والاطمئنان... أنت الآن تتكلم بين جمع ملائكي ثم بيان إلهي في شخصك وباسمك، ثم يعاد، تريد أن تتحدث عن أي مشاعر سعادة وراحة وطمأنينة وفرح؟... لا يمكن أن تعبر بأي كلمة.

أما ذلك الكافر أو الشقي والعاصي صاحب التاريخ المؤلم، الذي كم فُتح له أبواب طاعة وأغلقها! كم سمع من كلمات، محاضرات، خطب، دعوة إلى الله... أناس يطلبونه يدخل إلى الطريق الصحيح، فيرفض ويذهب إلى الطريق الآخر! لا يزال عند السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح... هذا غير مؤهل أن يصعد إلى السماء الأولى الدنيا، وليس أن يصل إلى السماء العليا السابعة، غير مؤهل أصلًا... فيستفتح يطرق الباب لا يفتح له... ثم يسمع: ((اكتبوا كتابه في...))، لاحظوا العبارة النبوية... هناك قال: ((اكتبوا كتاب عبدي في عليين))، عبدي لأن صلى وصام وتعب، وأجهد نفسه في هذه الدنيا، أما هنا: ((اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى))، مسخوط عليه، من البداية القضية واضحة: ((اخرجي إلى سخط من الله وغضب))، ثم يعودون به، لا يستحق أن يُعاد به، هذه الشخصيات لا تستحق أن يعاد بها أصلًا، اللهم لا تجعلنا في هذا المكان... قال: ((فيُرمى من السماء، فيهوي من السماء كما تهوي به الطير))، هذه الروح غير مكرمة أن يعاد بها مرة أخرى، تُرمَى، ثم ترجع إلى الأرض مرة أخرى، ما المشاعر لهذا الإنسان؟ ما الذي يدور في خلده في تلك اللحظة؟ أليس شريط الدنيا كله سيعاد في ذاكرته؟ ويتمنى أن لو كان ثمة رجوع ولو لطاعة واحدة.

كما سمع الأول أفضل الألقاب، سمع الثاني أسوأ الألقاب، فالملائكة الذين هم في السماء الدنيا قبل السماء الأولى الذين هم في الصعود تسأل: ((ما هذه الروح الخبيثة؟ قالوا: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا)) هذا القاطع... هذا الناظر للحرام... هذا الظالم... هذا الذي لم يكن يصلي... هذا الذي لم يكن يراعي حقوق الله ولا شعائر الله... هذا العاق، هكذا الألقاب التي يسمعها في تلك اللحظة، حتى يرمى به ويعاد مرة أخرى، وهنا تأتي



https://i128.photobucket.com/albums/p165/3ola4/dividers/animated/a5.gif


المحطة الثالثة: تنزل الروح، نزلت روح المؤمن والناس يحملون الجنازة على أكتافهم متجهين بها إلى القبر، فيرى المؤمن مكانه في القبر، فلا يزال يقول: ((قدموني قدموني))، كيف لا يقول قدموني، وهو للتو سمع من الإله أن كتابه في عليين؟ كيف لا يقول هذه الكلمة وهو للتو سمع هذه النتيجة؟ فلما عاد وهم يحملون الجنازة - كما في صحيح البخاري - تقول: ((قدموني قدموني)).

أما روح ذلك الظالم والفاجر والشقي فتقول: ((ياويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق))؛ كما أخبر عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري.



https://i128.photobucket.com/albums/p165/3ola4/dividers/animated/a5.gif


ثم تأتي المحطة الرابعة: يوضع في قبره، يغلق القبر، يمضي الناس، يسمع قرع نعالهم... الكل يعرف هذا، ثم يبدأ الحساب، ملكان أسودان أزرقان يدخلان ((ينتهران))، هذه العبارات التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف الحالة، ((ينتهران))، شدة الغضب مع شدة الصياح، إلا أن المؤمن لا يصيبه فزع، أي فزع؟ أي فزع تريد أن يصيبه أصلًا، وهو للتو قد انتهت قضيته تمامًا؟ الأمر محسوم، ما هو إلا وقت فقط للدخول إلى جنة الله جل في علاه، لا أكثر ولا أقل.

فـ((ينتهران)) دون فزع: من ربك؟ ما دينك؟ من هذا النبي الذي أرسل فيكم؟ يجيب إجابات، تخيل من الذي يصدق الإجابات؟ الملكان؟ لا، فينادى في السماء: ((أن صدق عبدي))، إنه التأييد للإجابة للعبد المكرم، ينادى في السماء: ((أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره))، وفي الرواية الأخرى تفتح له نافذة إلى النار ليعرف أنه لو لم يكن على طاعة الله لكان هناك، لكنه تفتح له نافذة إلى الجنة ليعرف النعيم الذي يحصل له، وهناك يقول: ((رب أقم الساعة، أقم الساعة، فيقال له: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه))؛ [صححه الألباني]، كنت أتأمل في هذه العبارة، ما معنى نومة عروس؟ وإذا بك تتأمل أن ذلك الشخص الذي يتزوج بعد أن ينتهي من قضية الزواج، ثم ينام ليلة طويلة مريحة لأن كل العناء انتهى، وهو الآن في أسعد لحظات حياته، والذي سيوقظه أحب الناس إلى قلبه، لاحظ الوصف النبوي.

والعكس بالعكس، هنا تأتي قصة الآخر الذي إذا انتهر إذا به ((في قبره فزعًا))، ثم لاحظ قضية أخرى مهمة جدًّا، هذا الفزع الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم سيتبعه تكذيب، ينادى من السماء: ((أن كذب))، ولا يستحق أن يقال له: "عبدي"، بل ((أن كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار))؛ [صححه الألباني]، وكما جاء في رواية صححها الألباني: ((ثم يقيض له أعمىأبكم معه مرزبة من حديد، لو ضُرب بها جبلٌ لصار ترابًا، فيضربه بها ضربةً يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين))، لاحظ الآن ما مشاعر الإنسان في هذه اللحظة وهو يشعر أنه دخل إلى منطقة النهاية إن صح التعبير؟

يبقى أمر أخير... ليس هذا فحسب، بعد أن انتهى السؤال، من يجلس معه في القبر؟ المؤمن يدخل عليه رجل جميل المنظر جميل الثياب، فيقول له ذلك المؤمن: ((من أنت؟ قال: أنا عملك الصالح))؛ أي: أنا الصلاة التي صليتها، أنا القرآن الذي قرأته، أنا صلة الرحم، أنا غض البصر، أنا عدم التطاول في أعراض الناس، أنا عدم الظلم، أنا كل طاعة تحملتها من أجل الله، تجسدت فيَّ جميعها لأكون أنيسك في القبر، ما مشاعر هذا الإنسان؟ هل سيذكر عناء عاناه في الدنيا لصيام يوم تعب فيه؟ هل سيذكر أن صلاة الفجر كانت مجهدة عليه؟ هل سيذكر بأنه عندما غض بصره وجد صعوبة في غض البصر؟ كل هذا سينساه؛ لأن ما بذله عوض بما لايتخيله أصلًا، ثم يكون أنيسه في القبر.

أما الآخر فيدخل عليه رجل قبيح المنظر نتن الثياب فيقول: ((من أنت؟ وجهك الوجه يجيء بالشر أو بالسوء قال: أنا عملك السيئ))؛ كل معصية فعلتها في هذه الدنيا تجسدت فيَّ، تاريخ تقصيرك مع الله، هنا تعرف ما معنى التقصير مع الله، اترك عنك كل هذه الدنيا التي حصلت، كل القضية انتهت الآن، هنا الحساب الحقيقي.


لن أقول لكم ولا لنفسي: ماذا ينبغي أن نعمل؟ لكنني أقولها وبكل وضوح لنفسي وأقولها لكم: أنا و أنت الميت القادم، أنا وأنت الذي سيشهد المنظر القادم، أنا وأنت من سيعيش هذه المحطات جميعًا، لا نسب... لا حسب... لا مال... لا سمعة... لا ألقاب... لا شهادات... لا ثناء ناس... القضية قضية رصيد حقيقي من الطاعات، هل يوجد هذا الرصيد؟ هل تشعر أنك لك رصيد عند الله تضمنه وتأمنه أنه لوجه الله؟ أنت الذي يجيب وأنت الذي سيحاسب.

أسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يقيض لنا أعمالًا صالحة، يقبض أرواحنا عليها، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتولى أمورنا.

ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير؛ فإن الله أمركم في كتابه قائلًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

د. فؤاد صدقة مرداد
شبكة الالوكة

امانى يسرى محمد
06-17-2026, 12:55 AM
وقفات في وداع العام الهجري

ما بين الولادة والكهولة، والشباب والشيخوخة، والهرم ثم الموت، ينتهي شريط الحياة في عجالة، ويطوى سجل الإنسان وكأنها غمضة عين، أو ومضة برق، فياعجبا لهذه الحياة كيف خدع بها الناس، وغرهم طول الأمل فيها، وهي كما قال الله فيها: (لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ) [الحديد:20]، (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) [الكهف:45]. (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس:24].

هذه هي الدنيا التي يستغرق فيها كثير من الناس ويضيعون من أجلها الآخرة لينالوا بعض متاعها ويتمتعوا ببعض ملذاتها وشهواتها، هي والله سراب خادع، وبريق لامع، ولكنها سيف قاطع، وصارم ساطع، كم أذاقت بوساً، وجرعت غصصاً، كم أحزنت فرحاً، وأبكت مرحاً، كم هرم فيها من صغير، وذل فيها من أمير، وارتفع فيها من حقير، وافتقر فيها من غني، واغتنى فيها من فقير، ومات فيها من صغير وكبير، وعظيم وحقير، وأمير ووزير، وغني وفقير.
فاعلموا رحمكم الله أن الدنيا أيام محدودة، وأنفاس معدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، هي والله قصيرة، وإن طالت في عين المخدوعين بزخرفها، وحقيرة وإن جلت في قلوب المفتونين بشهواتها. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) [فاطر:5]، (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) [غافر:39].

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح".
وهذا الحديث العظيم أصل في قصر الأمل في هذه الحياة، وكأن الإنسان فيها على جناح سفر فهو يتأهب للرحيل.
روى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها"
قال عيسى عليه السلام لأصحابه: "الدنيا قنطرة، اعبروها ولا تعمروها". وقال: "من ذا الذي يبني على موج البحر داراً، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا"

قال علي رضي الله عنه: "إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".
وقال الإمام النووي:
إن لله عباداً فطناً .. .. .. طلقوا الدنيا وخافوا الفـتنا
نظروا فيها فلما علموا.. .. .. أنها ليست لحيٍ وطـنا
جعلوها لجة واتخذوا .. .. .. صالح الأعمال فيها سفنا
وقيل لنوح عليه السلام: "يا أطول الناس عمراً كيف وجدت الدنيا؟ قال: كدارٍ لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر".
هذا وهو الذي عاش نحواً من ألف عام، فكيف بصاحب الستين أو السبعين؟
خطب عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد .. فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذّاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرك مقرها. ووالله لتملأن.
خطب عمر بن عبد العزيز الناس فقال: "أيها الناس، إن الدنيا ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها فيها الظعن، فكم من عامر عما قليل يخرب، وكم من مقيم عما قليل يظعن".
إنا لنفــرح بالأيام نقطعهـا.. .. ..وكل يوم مضى يدني من الأجل
النفس تكلف بالدنيا وقد علمت.. .. ..أن السلامة فيهـا ترك ما فيها
فلا الإقامة تنجي النفس من تلف.. .. ..ولا الفرار من الأحداث ينجيها
وكل نفس لهــا دور يصبحها.. .. ..من المنيــة يوماً أو يمسيـها

وقفة محاسبة
والأصل فيها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر:18]. وقوله: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]. وقوله: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) [الكهف:49]. وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة:6]. وقوله: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) [الزلزلة:6 - 8]. وقوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه) [آل عمران:30]. وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة:235]. وقوله: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281)

فبهذه الآيات وأشباهها استدل أرباب البصائر على أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، فتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة، ومطالبة النفس في أنفاسها وحركاتها ومحاسبتها من خطراتها ولحظاتها.

فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن ترك لنفسه هواها، وسعى لها في تحقيق مناها وتركها من غير مؤاخذة ولا محاسبة، دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته. فمن أراد أن يخف حسابه غدا بين يدي ربه فليحاسب نفسه الآن. قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" رواه الترمذي وحسنه.
وقال عمر: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18]، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا.
يقول ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقياً حتى يحاسب نفسه كما يحاسب الشريك الشحيح شريكه: من أين مطعمه وملبسه؟".
وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.
إن المؤمن ليفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ماذا أردت بهذا ؟ والله لا أعذر بهذا، والله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله.

فهلموا بنا ونحن في نهاية سنتنا نتساءل عن عامنا كيف قضيناه، وعن وقتنا فيه كيف أمضيناه، وعن مالنا من أين اكتسبناه وفيما أنفقناه، وننظر في كتاب أعمالنا لنرى ما فيه سطرناه، فإن كان خيراً حمدنا الله وشكرناه، وإن كانت الأخرى تبنا إليه واستغفرناه.
واعلموا رحمني الله وإياكم أن من أكثر محاسبة نفسه ملك زمامها وخف حسابه عند الله، ومن ترك نفسه على هواها فوجئ بغدراته وخطيئاته، وكثره هناته وزلاته، فحبسه هول ما يرى من سوء الأفعال أن يجد لله جوابا عند السؤال، فثقل حسابه، وساء مآله ومآبه، فاللهم إنا نسألك حساباً يسيراً.
توبة واستغفار
اعلموا أيها الأحبة أن من ثوابت هذا الدين أن الأعمال بالخواتيم كما ثبت في أحاديث المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم: "وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"
ومن أصول الشرع استحباب الاستغفار وكثرة ذكر العزيز الغفار في أعقاب الطاعات والقربات. قال تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) [البقرة:198]
(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) [البقرة:200]. (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) [النساء:103]. (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) [البقرة:185]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عقب الصلاة: "أستغفر الله (ثلاثاً)..."
إذا ثبت هذا فعلى المسلم في ختام سنته أن يتوب إليه سبحانه عما بدر منه فيما سبق، وأن يكثر من ذكره فيما بقى، فإن من تاب وأصلح فيما بقى غفر الله له بمنه وفضله ما مضى وما بقى، ومن أساء فيما بقى أخذه الله بما مضى وما بقى.

اسلام ويب