مشاهدة النسخة كاملة : السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 02:13 AM
السيرة النبوية (ابن هشام)
https://upload.wikimedia.org/wikipedia/ar/7/77/SeeretIbenHisham.jpg
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
ـ[السيرة النبوية]ـ
المؤلف: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: ٢١٣هـ)
تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي
الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة: الثانية، ١٣٧٥هـ - ١٩٥٥ م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[المجلد الاول]
مقدّمة [التَّحْقِيق]
الْحَمد للَّه على سابغ إفضاله، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد وَآله.
أما بعد، فَهَذَا كتاب «سيرة رَسُول الله» ﷺ، الّذي استخرجه الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام الْمعَافِرِي، من كتاب «السِّيرَة» لمُحَمد بن إِسْحَاق المطّلبيّ، وَهُوَ أقدم السّير الجامعة وأصحها. [١]
(الْمَغَازِي وَالسير):
لفظتا «الْمَغَازِي والسّير» إِذا أطلقتا، فَالْمُرَاد بهما عِنْد مؤرّخي الْمُسلمين تِلْكَ الصفحة الأولى من تَارِيخ الأمّة الْعَرَبيَّة: صفحة الْجِهَاد فِي إِقَامَة صرح الْإِسْلَام وَجمع الْعَرَب تَحت لِوَاء الرَّسُول مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام، وَمَا يُضَاف إِلَى ذَلِك من الحَدِيث عَن نشأة النبيّ، وَذكر آبَائِهِ، وَمَا سبق حَيَاته من أَحْدَاث لَهَا صلَة بِشَأْنِهِ وحياة أَصْحَابه الَّذين أبلوا مَعَه فِي إِقَامَة الدَّين، وحملوا رسَالَته فِي الْخَافِقين.
وَظُهُور الرسَالَة المحمدية أعظم حَادث فِي تَارِيخ الْعَرَب خاصّة، والبشر عامّة:
لِأَن حَيَاة الْعَرَب سادة ودهماء- أَيَّام الرَّسُول- كَانَت لَهُ ولدينه، فَمَا اجْتمع مَلأ مِنْهُم أَو تفرّق إِلَّا فِيهِ، وَلَا تحدثُوا فِي نديّهم إِلَّا عَنهُ، وَلَا تحركت كتائبهم وجيوشهم إِلَّا لَهُ، حَتَّى كَانَ قصارى بلائه فيهم اجْتِمَاعهم على الْإِسْلَام، ونبذهم مَا كَانُوا فِيهِ من الْجَاهِلِيَّة الجهلاء، والضّلالة العمياء.
---------------------------
[١] المراجع الَّتِي رَجعْنَا إِلَيْهَا فِي هَذَا الْبَحْث هِيَ:
بغية الوعاة للسيوطي- تَارِيخ ابْن كثير- تَارِيخ آدَاب اللُّغَة الْعَرَبيَّة لجورجى زَيْدَانَ- تَارِيخ بَغْدَاد للخطيب الْبَغْدَادِيّ- تَهْذِيب التَّهْذِيب للعسقلانى- حسن المحاضرة للسيوطي- ضحى الْإِسْلَام لِأَحْمَد أَمِين- الطَّبَقَات الْكُبْرَى لِابْنِ سعد- عُيُون الْأَثر فِي الْمَغَازِي وَالشَّمَائِل وَالسير، لِابْنِ سيد النَّاس- الفهرست لِابْنِ النديم- كشف الظنون لملا كَاتب جلبي- الْكَمَال فِي معرفَة الرِّجَال لِابْنِ النجار- مُعْجم الأدباء ومعجم الْبلدَانِ لياقوت- مُعْجم مَا استعجم للبكرى. الْوَسِيط لِأَحْمَد الإسكندري ومصطفى عناني- وفيات الْأَعْيَان لِابْنِ خلكان.
ثمَّ برزت هَذِه الْأمة الْعَرَبيَّة، الَّتِي كَانَت قد أنكرتها الْأُمَم، وتخطّفهم النَّاس من حَولهمْ، إِلَى ميادين الْحَيَاة، تؤدّى رسالتها فِي هِدَايَة الْبشر، وتقيم القسطاس بَين النَّاس، وتضرب الْمثل الْأَعْلَى فِي علوّ الهمة، والبطولة، والإيثار، ونصرة الحقّ، والتعاون على البرّ وَالتَّقوى، والاستمساك بمكارم الْأَخْلَاق.
هَذَا مُجمل مَا تتضمنه سيرة النبيّ ﷺ والرّعيل الأوّل من صحابته، الَّذين تابعوه على الْهدى وَدين الحقّ، وسبقوا إِلَى تدوين صحف الْمجد والفخار العربىّ بِمَا خلّدوا من أَعْمَالهم على وَجه الزَّمَان.
ثمّ دبّ إِلَى بعض من خلف بعدهمْ من الزعماء التحاسد والتباغض، وقلّة التّناصر والتعاون، فتشعبت بالأمة السبل، وتفرّقت بهم النواحي، فَكَانَ لَهُم إِلَى جَانب ذَلِك التَّارِيخ تَارِيخ، وانقسم هَذَا التَّارِيخ بانقسام الْأمة دولا، كَانَ لكلّ دولة تاريخها الخاصّ فِي موقعها الْجَدِيد، واتصالها بغَيْرهَا من الدول.
(التَّارِيخ عِنْد الْعَرَب):
وَلم يكن للْعَرَب قبل مبعث النبيّ ﷺ من مادّة التَّارِيخ إِلَّا مَا توارثوه بالرواية، مِمَّا كَانَ شَائِعا بَينهم من أَخْبَار الْجَاهِلِيَّة الأولى، كحديثهم عَن آبَائِهِم وأجدادهم، وأنسابهم، وَمَا فِي حَيَاة الْآبَاء والأجداد من قصَص، فِيهَا البطولة، وفيهَا الْكَرم، وفيهَا الْوَفَاء، ثمَّ حَدِيثهمْ عَن الْبَيْت وزمزم وجرهم، وَمَا كَانَ من أمرهَا، ثمَّ مَا كَانَ من خبر البيوتات الَّتِي تناوبت الإمرة على قُرَيْش، وَمَا جرى لسدّ مأرب، وَمَا تبعه من تفرّق النَّاس فِي الْبِلَاد، إِلَى أَمْثَال هَذَا مِمَّا قَامَت فِيهِ الذاكرة مقَام الْكتاب، وَاللِّسَان مقَام الْقَلَم، يعى النَّاس عَنهُ، ويحفظون، ثمَّ يؤدون.
ثمَّ ظهر مورد جَدِيد بِظُهُور النبيّ ﷺ وَظُهُور دَعوته، هِيَ أَحَادِيث الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ عَن وِلَادَته ﷺ وحياته، وَمَا ملئت بِهِ هَذِه الْحَيَاة من جِهَاد فِي سَبِيل الله، واصطدام مَعَ الْمُشْركين، وَمن لَيْسَ على دينه، ودعوة إِلَى التَّوْحِيد، وَمَا كَانَ فِيهَا من أثر للألسنة وَالسُّيُوف. فَهَذَا وَذَاكَ كَانَ مادّة للتاريخ أوّلا، ثمَّ للسيرة ثَانِيًا.
وَلم يدوّن فِي تَارِيخ الْعَرَب أَو السِّيرَة شَيْء، إِلَى أَن مَضَت أَيَّام الْخُلَفَاء، بل لم يدوّن فِي هَذِه الْمدَّة غير الْقُرْآن ومبادئ النَّحْو. فقد رَأينَا الْمُسلمين يحفزهم حرصهم على حفظ الْقُرْآن إِلَى كِتَابَته فِي حَيَاة النبيّ وَبعده، كَمَا حفزتهم مخافتهم من تفشي العجمة على الْأَلْسِنَة إِلَى تدوين النَّحْو، وَذَلِكَ لما اخْتَلَط الْعَرَب بغيرهم عِنْد اتساع الرقعة الإسلامية.
(بَدْء التَّأْلِيف فِي السِّيرَة):
وَلما كَانَت أَيَّام مُعَاوِيَة، أحبّ أَن يدوّن فِي التَّارِيخ كتاب، فاستقدم عبيد ابْن شريّة الجرهميّ من صنعاء، فَكتب لَهُ كتاب الْمُلُوك وأخبار الماضين. بعد هَذَا رَأينَا أَكثر من وَاحِد من الْعلمَاء يتجهون إِلَى علم التَّارِيخ من ناحيته الْخَاصَّة لَا الْعَامَّة، وَهِي سيرة الرَّسُول. ولعلهم وجدوا فِي تدوين مَا يتَعَلَّق بِهِ عليه الصلاة والسلام شَيْئا يحقّق مَا فِي أنفسهم من تعلق بِهِ، وحبّ لتخليد آثاره، بعد أَن منعُوا من تدوين أَحَادِيثه إِلَى أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، مَخَافَة أَن يخْتَلط الحَدِيث بِالْقُرْآنِ، فجَاء أَكثر من رجل كلهم محدّث، فدوّنوا فِي السِّيرَة كتبا، نذْكر مِنْهُم: عُرْوَة بن الزبير بن العوّام الْفَقِيه المحدّث، الّذي مكّنه نسبه من قبل أَبِيه الزبير وَأمه أَسمَاء بنت أَبى بكر أَن يرْوى الْكثير من الْأَخْبَار وَالْأَحَادِيث عَن النبيّ ﷺ، وحياة صدر الْإِسْلَام.
وحسبك أَن تعلم أَن ابْن إِسْحَاق، والواقدي والطبري، أَكْثرُوا من الْأَخْذ عَنهُ، وَلَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَة، وَالْمَدينَة، وغزوة بدر. وَكَانَت وَفَاة عُرْوَة- فِيمَا يظنّ- سنة ٩٢ هـ.
ثمَّ أبان بن عُثْمَان بن عَفَّان المدنيّ الْمُتَوفَّى سنة ١٠٥ هـ. فألّف فِي السِّيرَة صحفا جمع فِيهَا أَحَادِيث حَيَاة الرَّسُول.
ثمَّ وهب بن منبّه الْيُمْنَى الْمُتَوفَّى سنة ١١٠ هـ. وَفِي مَدِينَة هيدلبرج بألمانيا قِطْعَة من كِتَابه الّذي ألّفه فِي الْمَغَازِي.
وَغير هَؤُلَاءِ كثير، مِنْهُم من قضى نحبه قرب تَمام الرّبع الأوّل من الْقرن الثَّانِي،
كشرحبيل بن سعد الْمُتَوفَّى سنة ١٢٣ هـ. وَابْن شهَاب الزهرىّ الْمُتَوفَّى سنة ١٢٤ هـ.
وَعَاصِم بن عمر بن قَتَادَة الْمُتَوفَّى سنة ١٢٠ هـ. وَمِنْهُم من جاوزه بسنين، كَعبد الله بن أَبى بكر بن حزم الْمُتَوفَّى سنة ١٣٥ هـ.
وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة مِمَّن عنوا بأخبار الْمَغَازِي، وَمَا يتَّصل بهَا.
وَمِنْهُم من عَاشَ حَتَّى أوشك أَن يدْرك منتصف الْقرن الثَّانِي، أَو جاوزه بِقَلِيل، كموسى بن عقبَة الْمُتَوفَّى سنة ١٤١ هـ، ثمَّ معمر بن رَاشد الْمُتَوفَّى سنة ١٥٠ هـ، ثمَّ شيخ رجال السِّيرَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمُتَوفَّى سنة ١٥٢ هـ.
وَجَاء بعد هَؤُلَاءِ غَيرهم، نذْكر مِنْهُم زيادا البكائيّ الْمُتَوفَّى سنة ١٨٣ هـ، والواقدي صَاحب الْمَغَازِي الْمُتَوفَّى سنة ٢٠٧ هـ، وَمُحَمّد بن سعد صَاحب الطَّبَقَات الْكُبْرَى الْمُتَوفَّى سنة ٢٣٠ هـ. وَقبل أَن تستأثر الْمنية بِابْن سعد عدت على ابْن هِشَام فِي سنة ٢١٨ هـ. وَابْن هِشَام هُوَ الرجل الّذي انْتَهَت إِلَيْهِ سيرة ابْن إِسْحَاق، فَعرفت بِهِ وشاع ذكره بهَا.
(علم السِّيرَة فِي أدواره الْمُخْتَلفَة):
وَلم تَنْقَطِع الْعِنَايَة بالتأليف فِي السِّيرَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا. إِلَّا أَن الْمَوْضُوع فِي ذَاته لَيْسَ أمرا يقوم على التجارب، أَو فكرة يقيمها برهَان وينفضها برهَان، شَأْن النظريات العلمية الَّتِي نرى اتِّصَال الْعلمَاء بهَا اتِّصَال تَجْدِيد وتغيير على مرّ السنين، وَإِنَّمَا هُوَ أَمر عماده النَّقْل وَالرِّوَايَة.
فَكَانَ المشتغلون بِهِ أوّلا محدّثين ناقلين، ثمَّ رَأينَا من جَاءَ بعدهمْ جامعين مبوّبين، وَلما اسْتَوَى للمتأخرين مَا جمع المتقدمون، جَاءَ طور النَّقْد وَالتَّعْلِيق، كَمَا فعل ابْن هِشَام فِي سيرة ابْن إِسْحَاق.
فَكَانَ هَذَا التراث بَين أَيدي من جَاءَ بعدهمْ شَيْئا غير قَابل لجديد فِي جوهره، كلّ مجهود فِيهِ كَانَ فِي الشكل وَالصُّورَة لَا يمسّ الْجَوْهَر إِلَّا بِمِقْدَار. وَقد رَأينَا المؤلّفين فِيهِ على ضَرْبَيْنِ: فريق عَاشَ فِي ظلّ كتب الأوّلين، يَتَنَاوَلهَا بالشرح، أَو الِاخْتِصَار، أَو النّظم ليسهل حفظهَا. وفريق صبغ نَفسه بِصفة الْمُؤلف المبتدع،
فَجمع بَين يَدَيْهِ كتب السِّيرَة، وَخرج مِنْهَا بِكِتَاب هُوَ فِي ظَاهره لَهُ، وَفِي حَقِيقَته أَنه لغير وَاحِد مِمَّن سَبَقُوهُ.
نذْكر من الْفَرِيق الثَّانِي ابْن فَارس [١] اللّغَوِيّ الْمُتَوفَّى بالريّ سنة ٣٩٥ هـ، وَمُحَمّد ابْن عليّ بن يُوسُف الشافعيّ الشَّامي الْمُتَوفَّى سنة ٦٠٠ هـ، وَابْن أَبى طىّ يحيى بن حميد الْمُتَوفَّى سنة ٦٣٠ هـ، وظهير الدَّين على بن مُحَمَّد كازروني الْمُتَوفَّى سنة ٦٩٤ هـ وعلاء الدَّين عليّ بن مُحَمَّد الخلاطى الْحَنَفِيّ الْمُتَوفَّى سنة ٧٠٨ هـ، وَابْن سيد النَّاس [٢] الْبَصْرِيّ الشافعيّ الْمَوْلُود سنة ٦٦١ هـ، والمتوفى سنة ٧٣٤ هـ، وشهاب الدَّين الرّعينى الغرناطي [٣] الْمُتَوفَّى سنة ٧٧٩ هـ، وَأَبا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عليّ بن جَابر الأندلسيّ [٤] الْمُتَوفَّى سنة ٧٨٠ هـ. ثمَّ مُحَمَّد بن يُوسُف الصَّالِحِي صَاحب السِّيرَة الشامية [٥] الْمُتَوفَّى سنة ٩٤٢ هـ، وعليّ بن برهَان الدَّين صَاحب السِّيرَة الحلبية [٦] الْمَوْلُود بِمصْر سنة ٩٧٥ هـ والمتوفى سنة ١٠٤٤ هـ، وَغير هَؤُلَاءِ نقتصر مِنْهُم على مَا أوردنا.
وَنَذْكُر من رجال الْفَرِيق الأوّل: السّهيليّ، وَأَبا ذرّ، وَكِلَاهُمَا شرح سيرة ابْن هِشَام، وقطب الدَّين عبد الْكَرِيم الجماعيلىّ [٧] الْمُتَوفَّى سنة ٧٣٥ هـ، الّذي شرح سيرة مُحَمَّد بن على بن يُوسُف، وقاسم بن قطلوبغا ملخص سيرة مغلطاى [٨]،
---------------------
[١] بدار الْكتب المصرية نسختان مخطوطتان من سيرة ابْن فَارس برقمى ٤٦٠، ٤٩٤ تَارِيخ.
[٢] لِابْنِ سيد النَّاس كِتَابه «عُيُون الْأَثر، فِي فنون الْمَغَازِي وَالشَّمَائِل وَالسير»، وبدار الْكتب المصرية نسخ خطْبَة مِنْهُ.
[٣] لَهُ «رِسَالَة فِي السِّيرَة والمولد النَّبَوِيّ» بدار الْكتب المصرية مخطوطة (برقم ٤٩٤ مجاميع تَارِيخ)
[٤] كِتَابه يُسمى «رِسَالَة فِي السِّيرَة والمولد النَّبَوِيّ» ضمن مَجْمُوعَة مخطوطة بدار الْكتب المصرية مَعَ الرسَالَة الْمُتَقَدّمَة (برقم ٤٩٤ مجاميع تَارِيخ) .
[٥] وَاسْمهَا: «سبل الْهدى والرشاد، فِي سيرة خير الْعباد ... إِلَخ» . وَمِنْهَا بدار الْكتب المصرية نسختان مخطوطتان: إِحْدَاهمَا فِي أَرْبَعَة أَجزَاء. وَالْأُخْرَى مَوْجُود مِنْهَا جزءان فَقَط، وهما: الثَّالِث وَالْخَامِس.
[٦] وَاسْمهَا: «إِنْسَان الْعُيُون، فِي سيرة الْأمين الْمَأْمُون، عليه الصلاة والسلام» وَمِنْهَا بدار الْكتب أَكثر من نُسْخَة.
[٧] وسمى كِتَابه: «المورد العذب الهنى، فِي الْكَلَام على سيرة عبد الْغنى» .
[٨] هُوَ الْحَافِظ عَلَاء الدَّين مغلطاى الْمَوْلُود سنة ٦٨٩ هـ، والمتوفى فِي شعْبَان سنة ٧٦٢ هـ وَله فِي السِّيرَة والتاريخ كتاب «الْإِشَارَة إِلَى سيرة الْمُصْطَفى، وآثار من بعده من الْخُلَفَاء» انْتهى فِيهِ إِلَى نِهَايَة الْكَلَام على الدولة العباسية سنة ٦٥٦ هـ. وبدار الْكتب مِنْهُ أَكثر من نُسْخَة، كلهَا مخطوط.
وَعز الدَّين ابْن عمر الْكِنَانِي، وَكَانَ لَهُ فِيهَا مُخْتَصر، ثمَّ أَبَا الْحسن عليّ بن عبد الله ابْن أَحْمد المَسْعُودِيّ الْمُتَوفَّى بِالْمَدِينَةِ سنة ٩١١ هـ.
وَمِمَّنْ نظم السِّيرَة وصاغها شعرًا عبد الْعَزِيز بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِسَعْد الديري الْمُتَوفَّى فِي حُدُود سنة ٦٠٧، هـ وَأَبُو الْحسن فتح بن مُوسَى القصري الْمُتَوفَّى سنة ٦٦٨ هـ. وَابْن الشَّهِيد الْمُتَوفَّى سنة ٧٩٣ هـ.
(نشأة الموالد):
وثمّ ضرب آخر من التَّأْلِيف فِي السِّيرَة، هُوَ من نوع التَّلْخِيص، إِلَّا أَنه تَلْخِيص لناحية خَاصَّة من نواحي الرَّسُول: عَن مولده وَمَا يتَعَلَّق بِهَذَا المولد الْكَرِيم، وَمَا يسْبقهُ من إرهاصات، وَعَن نشأته فِي طفولته، وَمَا إِلَى تِلْكَ الطفولة من خوارق يرتبط حدوثها بِهِ ﷺ، ثمَّ حَيَاته من شبابه إِلَى بُلُوغه السنّ الَّتِي حمل فِيهَا النبوّة، واضطلع بعبء الرسَالَة، وَمَا طبع عَلَيْهِ من خلق طيب وصفات حميدة، وَبعد عَمَّا كَانَ يألفه الشّبان فِي أَيَّامه.
هَذَا الْعَمَل سمّه إِن شِئْت تَرْجَمَة مختصرة للصدر الأوّل من حَيَاة الرَّسُول، ولمحة سريعة عَن تَارِيخه بعد الرسَالَة. وَقد يُسَمِّيه بعض النَّاس «المولد النَّبَوِيّ»، وَهُوَ من قبيل مَا يُعِدّه الْعلمَاء الدينيون ليلقوه فِي الْمَوْسِم الرسمى الْعَام بعد الْعَام فِي الْمَسَاجِد أَو فِي غَيرهَا. وَقد زخرت بِهَذَا النَّوْع خزانَة التَّأْلِيف، حَتَّى أَصبَحت الرسائل الَّتِي وضعت فِيهَا لَا تدخل تَحت حصر.
(السّير والنقد):
وَلَعَلَّ النّظر إِلَى تراث السالفين وَلَا سِيمَا مَا يتَّصل مِنْهُ بِعلم السّير، نظرة فِيهَا الْكثير من التَّقْدِيس، هُوَ الّذي حَال دون هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء من أَن يقفوا من هَذَا الْعلم موقفا فقدناه فِي جَمِيع المؤلفين الْمُتَقَدِّمين، على اخْتِلَاف طبقاتهم. فَلم نر مِنْهُم من عرض لما تحمله السّير بَين دفتيها. من أَخْبَار تتصف بالبعد عَن الْحَقِيقَة، فنقدها وأتى على مَوَاضِع الضعْف مِنْهَا.
ولعلّ الَّذين تناولوا السّير بالتلخيص والاختصار، حِين استبعدوا بعض هَذِه الْأَخْبَار، استبعدوها غير مُؤمنين بِصِحَّتِهَا، لَا تَخْفِيفًا من ثقل الْكتاب.
هَذَا مَا حرمه هَذَا الْعلم فِي جَمِيع أدواره السالفة إِلَى مَا قبل أيامنا هَذِه بِقَلِيل، إِذْ رَأينَا الْإِيمَان بِأَن فِي السِّيرَة أَخْبَارًا لَا تتصل بالحقّ فِي قَلِيل وَلَا كثير، تصحبه الجرأة ثمَّ الْإِقْدَام، ورأينا فكرة جَدِيدَة تجرى بهَا أَقْلَام مجدّدة، يتَنَاوَل أَصْحَابهَا الْخَبَر أَو الْخَبَرَيْنِ من السِّيرَة، مِمَّا كَانَ يتَّخذ مطعنا علينا فِي شخص النبيّ ﷺ، أَو مَا يتَّصل بِهِ، فخلصوه مِمَّا لصق بِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ، وَأَقَامُوا حوله سياجا من الْحجَج والبراهين، صحّ بهَا وَأصْبح حجَّة على الطاعنين فِيهِ، وَمثل هَذَا مَا فعله الْأُسْتَاذ الإِمَام الشَّيْخ مُحَمَّد عَبده فِي قصَّة النبيّ ﷺ، وتزويجه زَيْنَب بنت من زيد بن حَارِثَة، ثمَّ مَا كَانَ من تزوّج الرَّسُول ﷺ إِيَّاهَا بعد تطليق زيد لَهَا مِمَّا أرجف فِيهِ الطاعنون ولغوا لَغوا كثيرا.
وَمِنْهُم من عرض للْكتاب فِي قصَّة أَو قصتين مِنْهُ، فصاغها فِي أسلوب جَدِيد، ومثّل للنَّاس الْخَبَر فِي قالب قصصى، خرج بِهِ عَن أسانيده وَذكر رُوَاته، تِلْكَ الطَّرِيقَة الَّتِي هِيَ سرّ تقديس هَذِه الْأَخْبَار فِي هَذِه الْكتب، فبدت الْمعَانِي فِي هَذَا القالب الْجَدِيد كَمَا يَبْدُو الْجَسَد فِي الغلالة الرقيقة لَا تكَاد تخفى مِنْهُ شَيْئا، وَهَذَا الأسلوب الْجَدِيد بِمَا يتَضَمَّن من التهكم بالفكرة السقيمة وَالْخَبَر الغثّ، يخلق بِهِ الْمُؤلف فِي الْقَارئ روح التحفظ فِي قبُول الأفكار وتسلمها.
وَمِنْهُم من جرى مَعَ ابْن إِسْحَاق فِي شوطه، فَتَنَاول السِّيرَة كَمَا تنَاولهَا ابْن إِسْحَاق مبتدئا بميلاد الرَّسُول وَمَا سبقه أَو عاصره من حوادث، ثمَّ جرى يذكر حَيَاة الرَّسُول إِلَى أَن قَبضه الله إِلَى جواره، نَاقِلا من الْأَخْبَار مَا يرى فِيهَا الْقرب من الْحق، ومستبعدا مَا لَا يجرى فِي ذَلِك مَعَ فكرته وَمَا يعْتَقد، مفندا مزاعم الطاعنين، رادّا على المكذّبين.
فجَاء كِتَابه سيرة للرسول، جَدِيدَة فِي أسلوبها، نقية من اللّغو والهراء.
وَنحن إِذْ نخرج للنَّاس سيرة ابْن هِشَام، نخرجها بِمَا فِيهَا من هَذَا وَذَاكَ، لَا نبغى إِلَّا أَن نضع بَين يَدي الْعلمَاء نصا صَحِيحا لأقدم كتاب جَامع بَين سيرته ومغازيه ﷺ.
(مؤلفون جمعُوا بَين السِّيرَة والتاريخ):
وثمّ مؤلفون آخَرُونَ، وصلوا سيرة الرَّسُول بِمَا بعْدهَا من الْحَوَادِث وَالْأَخْبَار، فِي الْأَزْمَان الَّتِي تعاقبت، والسنين الَّتِي توالت، فَجَاءَت سيرة الرَّسُول فِي كتبهمْ أمرا غير مَقْصُود لذاته: بل حَلقَة من حلقات التَّارِيخ الْعَام الّذي بدأه بَعضهم من بَدْء الْوُجُود، كَابْن جرير الطَّبَرِيّ، وبدأه فريق آخر بحياة الرَّسُول ﷺ كَالْإِمَامِ الْحَافِظ أَبى شُجَاع شيرويه صَاحب كتاب رياض الْأنس، الْمُتَوفَّى سنة ٥٠٩ هـ.
[سيرة ابْن إِسْحَاق]
(سَبَب وضع سيرة ابْن إِسْحَاق):
كَانَ ابْن إِسْحَاق من بَين أَعْلَام الْقرن الثَّانِي، وَكَانَ لَهُ علمه الْوَاسِع، واطلاعه الغزير فِي أَخْبَار الماضين، وشاءت الْمَقَادِير أَن يدْخل ابْن إِسْحَاق على الْمَنْصُور بِبَغْدَاد- وَقيل بِالْحيرَةِ- وَبَين يَدَيْهِ ابْنه الْمهْدي، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: أتعرف هَذَا يَا بن إِسْحَاق؟ قَالَ: نعم، هَذَا ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: اذْهَبْ فصنف لَهُ كتابا مُنْذُ خلق الله تَعَالَى آدم عليه السلام إِلَى يَوْمك هَذَا.
فَذهب ابْن إِسْحَاق، فصنّف لَهُ هَذَا الْكتاب، فَقَالَ لَهُ: لقد طوّلته يَا بن إِسْحَاق، اذْهَبْ فَاخْتَصَرَهُ. فَاخْتَصَرَهُ، وَألقى الْكتاب الْكَبِير فِي خزانَة أَمِير الْمُؤمنِينَ [١] .
وَلَكِن بعض الدارسين يرى أَن ابْن إِسْحَاق لم يؤلّف كِتَابه بِأَمْر من الْخَلِيفَة [٢]، وَلَا فِي بَغْدَاد أَو الْحيرَة، وَإِنَّمَا أَلفه فِي الْمَدِينَة قبل إِقَامَته لَدَى العباسيين. ويستدلّ على ذَلِك بِأَن جَمِيع من روى عَنْهُم مدنيون ومصريون وَلَيْسَ فيهم أحد من الْعرَاق، وَأَن إِبْرَاهِيم بن سعد تِلْمِيذه الْمدنِي روى الْكتاب عَنهُ. بل نرى فِي الْكتاب حوادث مَا كَانَ العباسيون ليرضوا عَنْهَا، مثل اشْتِرَاك الْعَبَّاس مَعَ الْكفَّار فِي غَزْوَة بدر، وَأسر الْمُسلمين إِيَّاه، ذَلِك الْخَبَر الّذي حذفه ابْن هِشَام بعد خوفًا من العباسيين.
------------------------
[١] يظنّ أَن من النُّسْخَة الْأَصْلِيَّة، رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، نُسْخَة فِي مكتبة كوبريلى بالآستانة.
[٢] انْظُر كتاب الْمَغَازِي الأولى ومؤلفوها لهورفتس، تَرْجَمَة الدكتور حُسَيْن نصار ص ٦٤ وَمَا بعْدهَا.
وَتبين من سيرة ابْن هِشَام، وَمَا اقتطفه الطَّبَرِيّ وَغَيره من سيرة ابْن إِسْحَاق أَنَّهَا كَانَت أصلا مقسمة إِلَى ثَلَاثَة أَجزَاء: المبتدإ، والمبعث، والمغازي. أما الْمُبْتَدَأ فَيتَنَاوَل التَّارِيخ الجاهلي، وينقسم إِلَى أَرْبَعَة فُصُول: يتَنَاوَل أَولهَا تَارِيخ الرسالات السَّابِقَة على الْإِسْلَام، وَثَانِيها تَارِيخ الْيمن فِي الْجَاهِلِيَّة، وَثَالِثهَا تَارِيخ الْقَبَائِل الْعَرَبيَّة وعباداتها، وَالرَّابِع تَارِيخ مَكَّة وأجداد الرَّسُول ﷺ. وَلَا يعْنى ابْن إِسْحَاق فِي هَذَا الْجُزْء بأسانيد أخباره إِلَّا نَادرا، ويستقى من الأساطير والإسرائيليات.
أما المبعث، فَيشْمَل حَيَاة النبيّ عليه الصلاة والسلام فِي مَكَّة وَالْهجْرَة. ونرى الْمُؤلف فِيهِ يصدر الْأَخْبَار الفردية بموجز حاولها، ويدوّن مجموعات كَامِلَة من القوائم فقائمة لمن أسلم من الصَّحَابَة بدعوة أَبى بكر، وَأُخْرَى بالمهاجرين إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وثالثة لمن عَاد من أَرض الْحَبَشَة لمّا بَلغهُمْ إِسْلَام أهل مَكَّة، وَغَيرهَا. ويعنى بالترتيب الزمنى للحوادث، كَمَا تزداد عنايته بأسانيد الْأَخْبَار.
وَأما الْمَغَازِي، فتتناول حَيَاة النبيّ فِي الْمَدِينَة، وأجرى فِيهَا على أَن يبْدَأ الْخَبَر بموجز حاد لمحتوياته ثمَّ يتبعهُ بِخَبَر من جَمِيع الْأَقْوَال الَّتِي أَخذهَا من رُوَاته ثمَّ يكمله بِمَا جمعه هُوَ نَفسه من المصادر الْمُخْتَلفَة. وتكثر القوائم أَيْضا، من الْغَزَوَات الْمُخْتَلفَة.
ويلتزم إِيرَاد الْأَسَانِيد، وَالتَّرْتِيب الزمنى.
(أثر ابْن هِشَام فِي سيرة ابْن إِسْحَاق):
ثمَّ قيّض الله لهَذَا المجهود- مجهود ابْن إِسْحَاق- رجلا لَهُ شَأْنه، هُوَ ابْن هِشَام، المعافريّ فَجمع هَذِه السِّيرَة ودوّنها، وَكَانَ لَهُ فِيهَا قلم لم يَنْقَطِع عَن تعقّب ابْن إِسْحَاق الْكثير مِمَّا أورد بالتحرير، والاختصار، والنقد أَو بِذكر رِوَايَة أُخْرَى فَاتَ ابْن إِسْحَاق ذكرهَا، هَذَا إِلَى تَكْمِلَة أضافها، وأخبار أَتَى بهَا. وَفِي هَذِه الْعبارَة الَّتِي صدّر بهَا ابْن هِشَام كتاب السِّيرَة مَا يكْشف لَك عَن دستور ابْن هِشَام ونهجه، قَالَ:
«وَأَنا إِن شَاءَ الله مبتدئ هَذَا الْكتاب بِذكر إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَمن ولد رَسُول الله ﷺ من وَلَده، وَأَوْلَادهمْ لأصلابهم، الأوّل فالأوّل، من إِسْمَاعِيل إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وَمَا يعرض من حَدِيثهمْ،
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 02:19 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الحلقة (2)
مقدمة
صــ 11إلى صــ 24
مقدمة
وتارك ذكر غَيرهم من ولد إِسْمَاعِيل، على هَذِه الْجِهَة للاختصار، إِلَى حَدِيث سيرة رَسُول الله ﷺ، وتارك بعض مَا يذكرهُ ابْن إِسْحَاق فِي هَذَا الْكتاب مِمَّا لَيْسَ لرَسُول الله ﷺ فِيهِ ذكر، وَلَا نزل فِيهِ من الْقُرْآن شَيْء، وَلَيْسَ سَببا لشَيْء من هَذَا الْكتاب، وَلَا تَفْسِيرا لَهُ، وَلَا شَاهدا عَلَيْهِ، لما ذكرت من الِاخْتِصَار، وأشعارا ذكرهَا لم أر أحدا من أهل الْعلم بالشعر يعرفهَا، وَأَشْيَاء بَعْضهَا يشنع الحَدِيث بِهِ، وَبَعض يسوء بعض النَّاس ذكره، وَبَعض لم يقرّ لنا البكّائيّ بروايته، ومستقص إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا سوى ذَلِك مِنْهُ بمبلغ الرِّوَايَة لَهُ، وَالْعلم بِهِ-.
فترى أَنه استبعد من عمل ابْن إِسْحَاق تَارِيخ الْأَنْبِيَاء من آدم إِلَى إِبْرَاهِيم، وَغير هَذَا من ولد إِسْمَاعِيل، مِمَّن لَيْسُوا فِي العمود النَّبَوِيّ، كَمَا حذف من الْأَخْبَار مَا يسوء وَمن الشّعْر مَا لم يثبت لَدَيْهِ، ثمَّ استقصى وَزَاد بِمَا يملك من علم، ويسترشد من فكرة فَجَاءَت السِّيرَة على مَا ترى مَعْرُوفَة بِهِ، منسوبة إِلَيْهِ، حَتَّى ليكاد النَّاس ينسون مَعَه مؤلفها الأول: ابْن إِسْحَاق.
(السهيليّ وَغَيره من شرَّاح سيرة ابْن هِشَام):
وَجَاء أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن السّهيليّ الْمُتَوفَّى سنة ٥٨١ هـ، فعنى بِهَذَا الْكتاب، وتناوله على نَحْو جَدِيد ونهج آخر، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الشَّرْح وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ. فَوضع كِتَابه «الرَّوْض الْأنف» فِي ظلّ مجهودي ابْن إِسْحَاق وَابْن هِشَام، يتعقبهما فِيمَا أخبرا بالتحرير والضبط، ثمَّ بالشرح وَالزِّيَادَة، فجَاء عمله هَذَا كتابا آخر فِي السِّيرَة بحجمه وَكَثْرَة مَا حواه من آراء، تشهد لصَاحِبهَا بطول الباع، وسعة الِاطِّلَاع.
وعَلى شاكلة مجهود السهيليّ جَاءَ- فِيمَا يظنّ- مجهود بدر الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد الْعَيْنِيّ الْحَنَفِيّ، فَوضع عَلَيْهِ كِتَابه «كشف اللثام»، وَكَانَ فَرَاغه مِنْهُ سنة ٨٠٥ هـ.
وَلَيْسَ بَين أَيْدِينَا من هَذَا الْكتاب نُسْخَة حَتَّى نحكم لصَاحبه، ونتعرّف عمله.
ثمَّ لَا ننسى مجهود أَبى ذرّ الخشنيّ، فقد تصدّى للْكتاب، فشرح غَرِيبه، وَلم ينس أَن يعرض لما فِيهِ من أخطاء، فجَاء عمله مَعَ عمل السّهيليّ متممين لمجهود عَظِيم، سبق بِهِ ابْن إِسْحَاق وَابْن هِشَام.
(مُخْتَصر وسيرة ابْن إِسْحَاق):
وَلم نر بعد هَؤُلَاءِ رجلا فِي علمهمْ تنَاول الْكتاب بجديد فِي الشَّرْح وَالتَّعْلِيق، بل رَأينَا الهمم تَنْصَرِف من هَذَا إِلَى الِاخْتِصَار، فجَاء برهَان الدَّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المرحّل الشافعيّ، فاختصر كتاب السِّيرَة، وَزَاد عَلَيْهِ أمورا، ورتبه فِي ثَمَانِيَة عشر مَجْلِسا. وَسَماهُ: «الذّخيرة، فِي مُخْتَصر السِّيرَة» . وَكَانَ فَرَاغه مِنْهُ سنة ٦١١ هـ.
ثمَّ جَاءَ بعده عماد الدَّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ، فَاخْتَصَرَهُ فِي كتاب سَمَّاهُ: «مُخْتَصر سيرة ابْن هِشَام»، وَفرغ مِنْهُ- فِيمَا يُقَال- سنة ٧١١ هـ.
(ناظمو سيرة ابْن إِسْحَاق):
ثمَّ رَأينَا بعد هَؤُلَاءِ فِئَة النظاميين الَّذين لم يكن هَمهمْ إِلَّا أَن يصبوها فِي قالب جَدِيد هُوَ الشّعْر. فنظمها أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن سعيد الدَّمِيرِيّ الدّيرينىّ الْمُتَوفَّى فِي حُدُود سنة ٦٠٧ هـ، وَأَبُو نصر الْفَتْح بن مُوسَى بن مُحَمَّد نجم الدَّين المغربي الخضراوى الْمُتَوفَّى سنة ٦٦٣ هـ، كَمَا نظمها أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد النابلسي الْمَعْرُوف بِابْن الشَّهِيد، والمتوفى سنة ٧٩٣ هـ. وسمّى كِتَابه «الْفَتْح الْقَرِيب»، ثمَّ أَبُو إِسْحَاق الْأنْصَارِيّ التلمساني.
هَذَا هُوَ حظّ كتاب ابْن إِسْحَاق، تناولته يَد بعد يَد، مرّة بِالْجمعِ والتعقيب كَمَا رَأَيْت، وَأُخْرَى بالشرح وَالتَّفْصِيل، وثالثة بالاختصار، ورابعة بِوَضْعِهِ فِي ثوب جَدِيد هُوَ النّظم.
فَابْن إِسْحَاق- فِي الْحَقِيقَة- هُوَ عُمْدَة المؤلّفين الَّذين اشتغلوا بِوَضْع السّير بعده، حَتَّى يمكننا أَن نقُول: مَا من كتاب وضع فِي السِّيرَة بعد ابْن إِسْحَاق إِلَّا وَهُوَ غرفَة من بحرة. هَذَا إِذا استثنينا رجلا أَو اثْنَيْنِ كالواقدى وَابْن سعد.
ابْن إِسْحَاق
(نسبه):
هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار بن خِيَار، وَيُقَال: ابْن كوثان، أَبُو بكر، وَيُقَال أَبُو عبد الله، المدنيّ القرشيّ، مولى قيس بن مخرمَة بن المطّلب بن عبد منَاف.
كَانَ جدّه يسَار من سبى عين التَّمْر، وَهِي بَلْدَة قديمَة قريبَة من الأنبار، غربي الْكُوفَة، على طرف الْبَريَّة، افتتحها الْمُسلمُونَ أَيَّام أَبى بكر سنة ١٢ هـ، على يَد خَالِد ابْن الْوَلِيد، وبكنيسة عين التَّمْر وجد خَالِد بن الْوَلِيد جدّ ابْن إِسْحَاق هَذَا بَين الغلمة الَّذين كَانُوا رهنا فِي يَد كسْرَى، وَكَانَ مَعَه جدّ عبد الله بن أَبى إِسْحَاق الحضرميّ النحويّ، وجدّ الْكَلْبِيّ الْعَالم، فجيء بيسار إِلَى الْمَدِينَة.
(مولده ووفاته):
ولد ابْن إِسْحَاق فِي الْمَدِينَة، وترجح كتب التَّارِيخ أَن مولده كَانَ سنة ٨٥ هـ.
أما وَفَاته فالأقوال فِيهَا محصورة بَين سنة ١٥٠ وَبَين ١٥٣ لَا تكَاد تعدو هَذِه السنين الْأَرْبَع.
(نشأته وحياته):
وَلَيْسَ من شكّ فِي أَن ابْن إِسْحَاق خلع بِالْمَدِينَةِ ثوب شبابه، ويحدّثنا الرّواة عَنهُ بِأَنَّهُ كَانَ فَتى جميلا، جذّاب الْوَجْه، فارسىّ الْخلقَة، لَهُ شَعْرَة حَسَنَة. وَمِمَّا يتَّصل بشبابه ومجونه- إِن صحّ مَا يُقَال عَنهُ- مَا حَكَاهُ ابْن النديم من أَن أَمِير الْمَدِينَة رقى إِلَيْهِ أَن مُحَمَّدًا يغازل النِّسَاء، فَأمر بإحضاره وضربه أسواطا، وَنَهَاهُ عَن الْجُلُوس فِي مُؤخر الْمَسْجِد.
وَترك ابْن إِسْحَاق الْمَدِينَة ورحل إِلَى غَيرهَا منتقلا فِي أَكثر من بلد، وَفِي ظننا أَن رحلته إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة- الَّتِي كَانَت سنة ١١٥ هـ- هِيَ أولى رحلاته الَّتِي بَدَأَ بهَا.
وَفِي الْإسْكَنْدَريَّة حدث عَن جمَاعَة من أهل مصر. مِنْهُم: عبيد الله بن الْمُغيرَة، وَيزِيد بن حبيب، وثمامة بن شفىّ، وَعبيد الله بن أَبى جَعْفَر، وَالقَاسِم بن قزمان، والسّكن بن أَبى كَرِيمَة. وَانْفَرَدَ ابْن إِسْحَاق بِرِوَايَة أَحَادِيث عَنْهُم لم يروها لَهُم غَيره ثمَّ كَانَت رحلته إِلَى الْكُوفَة، والجزيرة، والرّيّ، والحيرة، وبغداد، وَفِي بَغْدَاد- على الْأَرْجَح- ألْقى عَصا التّرحال، والتقى بالمنصور، وصنّف لِابْنِهِ الْمهْدي كتاب السِّيرَة كَمَا أسلفنا. ورواة ابْن إِسْحَاق من هَذِه الْبلدَانِ أَكثر مِمَّن رووا عَنهُ من أهل الْمَدِينَة، بل الْمَعْرُوف أَنه لم يرو لَهُ من أهل الْمَدِينَة غير إِبْرَاهِيم بن سعد وعاش بِبَغْدَاد مَا عَاشَ حَتَّى وافته منيته بهَا، فَدفن فِي مَقْبرَة الخيزران.
(مَنْزِلَته ومكانته):
إِن المتتبع لأخبار الروَاة عَن ابْن إِسْحَاق يجد إِلَى جَانب الْإِسْرَاف فِي النّيل مِنْهُ، الْإِسْرَاف فِي مدحه، فتجد عَالما جَلِيلًا كَالْإِمَامِ مَالك بن أنس، وَآخر كهشام بن عُرْوَة بن الزبير، يكادان يخرجانه من حَظِيرَة المحدّثين، أهل الصدْق والثّقة، وَلَا يدّخران وسعا فِي اتهامه بِالْكَذِبِ والدّجل. ذَلِك إِلَى اتهامات أُخْرَى رمى بهَا ابْن إِسْحَاق، كالتدليس، وَالْقَوْل بِالْقدرِ، والتشيع، وَالنَّقْل عَن غير الثّقات، وصنع الشّعْر وَوَضعه فِي كِتَابه، وَالْخَطَأ فِي الْأَنْسَاب.
كَمَا أَنَّك تَجِد غير وَاحِد من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام، كَابْن شهَاب الزهرىّ، وَشعْبَة بن الحجّاج وسُفْيَان الثوريّ، وَزِيَاد البكّائيّ، يوثقونه وَلَا يَتَّهِمُونَهُ بِشَيْء من هَذَا.
وَفِي الحقّ أَن جملَة الحاملين عَلَيْهِ لم تكن مبرأة عَن الْغَايَة، وَلم تكن من الحقّ فِي شَيْء. فانا نعلم عَن ابْن إِسْحَاق أَنه كَانَ يطعن فِي نسب مَالك بن أنس، وَفِي علمه، وَيَقُول: ائْتُونِي بِبَعْض كتبه حَتَّى أبين عيوبه، أَنا بيطار كتبه. فانبرى لَهُ مَالك، وفتّش هُوَ الآخر عَن عيوبه، وَسَماهُ دجالًا، وَكَانَت بَينهمَا هَذِه الْحَرْب الكلامية.
كَمَا غاظ هِشَام بن عبد الْملك من ابْن إِسْحَاق أَنه كَانَ يدعى رِوَايَته عَن امْرَأَته، وَالرِّوَايَة فِي ظنّ هِشَام لَا بدّ أَن تصحبها الرُّؤْيَة، وَهُوَ ضنين بزوجه أَن يَرَاهَا أحد. - وَلَقَد فَاتَ هشاما أَن الرِّوَايَة قد تكون من وَرَاء حجاب، أَو أَن ابْن إِسْحَاق حمل عَنْهَا صَغِيرا. ثمَّ مَا لهشام يُؤْذِيه هَذَا، وَقد كَانَت سنّ زوجه يَوْم يصحّ أَن يحمل عَنْهَا ابْن إِسْحَاق لَا تقلّ عَن خمسين سنة، فَهِيَ تسبقه فِي الْوُجُود بِمَا يقرب من ٣٧ عَاما، ذَلِك إِلَى أَنه لم يكن غَرِيبا فِي ذَلِك الْعَصْر أَن يرْوى رجل عَن امْرَأَة.
وَأما مَا رمى بِهِ ابْن إِسْحَاق من التَّدْلِيس وَغَيره، فقد عقد فِي ذَلِك الْخَطِيب فِي كِتَابه «تَارِيخ بَغْدَاد»، وَابْن سيد النَّاس فِي كِتَابه «عُيُون الْأَثر» فصلين عرضا فيهمَا لتفنيد جَمِيع المطاعن الَّتِي وجهت إِلَيْهِ، نلخص مِنْهُمَا مَا يأتى:
وَأما مَا رمى بِهِ من التَّدْلِيس وَالْقدر والتشيّع فَلَا يُوجب ردّ رِوَايَته، وَلَا يُوقع فِيهَا كَبِير وَهن. أما التَّدْلِيس فَمِنْهُ القادح وَغَيره، وَلَا يحمل مَا وَقع هَاهُنَا من مُطلق
التَّدْلِيس على التَّدْلِيس الْمُقَيد بالقادح فِي الْعَدَالَة، وَكَذَلِكَ الْقدر والتشيّع لَا يقتضيان الردّ إِلَّا بضميمة أُخْرَى، وَلم نجدها هَاهُنَا.
ثمَّ عرضا بعد ذَلِك للردّ على طعن الطاعنين وَاحِدًا وَاحِدًا، كَقَوْل مكي بن إِبْرَاهِيم، إِنَّه ترك حَدِيث ابْن إِسْحَاق وَلم يعد إِلَيْهِ، وكقول يزِيد بن هَارُون: إِنَّه حدث أهل الْمَدِينَة عَن قوم، فَلَمَّا حَدثهمْ عَنهُ (يُرِيد ابْن إِسْحَاق) أَمْسكُوا. وكقول ابْن نمير: إِنَّه يحدّث عَن المجهولين أَحَادِيث بَاطِلَة، إِلَى كثير غير هَذَا نجتزئ مِنْهُ بِمَا ذكرنَا، ونردفه بِمَا قيل فِي الردّ عَلَيْهِ، فَالْكَلَام فِي هَذَا متشابه، والإكثار مِنْهُ مملول، وجلّ مَا لنا عَن الرجل أَن الحكم لَهُ أرجح من الحكم عَلَيْهِ، قَالَا: وَأما قَول مكي بن إِبْرَاهِيم: إِنَّه ترك حَدِيثه وَلم يعد إِلَيْهِ، فقد علل ذَلِك بِأَنَّهُ سَمعه يحدّث أَحَادِيث فِي الصِّفَات فنفر مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِك كَبِير أَمر، فقد ترخص قوم من السّلف فِي رِوَايَة الْمُشكل من ذَلِك، وَلَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيله، وَلَا سِيمَا إِذا تضمن الحَدِيث حكما أَو أمرا آخر، وَلَقَد تكون هَذِه الْأَحَادِيث من هَذَا الْقَبِيل. وَأما الْخَبَر عَن يزِيد بن هَارُون أَنه حدث أهل الْمَدِينَة عَن قوم، فَلَمَّا حَدثهمْ عَنهُ أَمْسكُوا، فَلَيْسَ فِيهِ ذكر لمقْتَضى الْإِمْسَاك، وَإِذا لم يذكر لم يبْق إِلَّا أَن يجول فِيهِ الظنّ، وَلَيْسَ لنا أَن نعارض عَدَالَة منقولة بِمَا قد نظنه جرحا.
وَأما قَول ابْن نمير: إِنَّه يحدث عَن المجهولين أَحَادِيث بَاطِلَة، فَلَو لم ينْقل توثيقه وتعديله لتردّد الْأَمر فِي التُّهْمَة بِمَا بَينه وَبَين من نقلهَا عَنهُ، وَأما مَعَ التوثيق وَالتَّعْدِيل فالحمل فِيهَا على المجهولين الْمشَار إِلَيْهِم لَا عَلَيْهِ.
بقيت مَسْأَلَة، وَهِي اتهام ابْن إِسْحَاق بِأَنَّهُ كَانَت تعْمل لَهُ الْأَشْعَار، وَيُؤْتى بهَا، وَيسْأل أَن يدخلهَا فِي كِتَابه فِي السِّيرَة، فيفعل.
وَفِي الحقّ أَن هَذَا مَأْخَذ على ابْن إِسْحَاق، إِن لم يكن فِي طَريقَة النَّقْل والتحمّل، فَهُوَ مطْعن فِي مِقْدَار علمه بالشعر، وَأَنه يقبل الْأَشْعَار عَنْهَا وسمينها، باطلها وصحيحها وَلَو أَن ابْن إِسْحَاق حكّم ذوقه، ووقف من هَذِه الْأَشْعَار وَقْفَة النَّاقِد، لخلّص كِتَابه من أشعار أَكثر الظنّ فِيهَا أَنَّهَا مَوْضُوعَة، ولخلّص نَفسه من مطْعن جارح يسجله الْكتاب عَلَيْهِ على مرّ السنين.
وَإِذا كُنَّا قد انتهينا إِلَى هَذَا من حَيَاة ابْن إِسْحَاق، فَلَا نجد بَين أَيْدِينَا مَا نختم بِهِ هَذَا الْمقَال خيرا من عبارَة ابْن عدىّ، إِذْ يَقُول:
«وَلَو لم يكن لِابْنِ إِسْحَاق من الْفضل إِلَّا أَنه صرف الْمُلُوك عَن الِاشْتِغَال بكتب لَا يحصل مِنْهَا شَيْء للاشتغال بمغازي رَسُول الله ﷺ، ومبعثه، ومبتدأ الْخلق، لكَانَتْ هَذِه فَضِيلَة سبق بهَا ابْن إِسْحَاق، وَقد فتشت أَحَادِيثه الْكَثِيرَة فَلم أجد مَا تهَيَّأ أَن يقطع عَلَيْهِ بالضعف، وَرُبمَا أَخطَأ واتهم فِي الشَّيْء بعد الشَّيْء كَمَا يُخطئ غَيره.
وَلم يتخلّف فِي الرِّوَايَة عَنهُ الثّقات وَالْأَئِمَّة، أخرج لَهُ مُسلم فِي المبايعات، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع، وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة»
ابْن هِشَام
(نسبه):
هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام بن أَيُّوب الحميرىّ، وَمن الرِّوَايَة من يردّه إِلَى معافر بن يعفر، وهم قبيل كَبِير، نزح إِلَى مصر مِنْهُم جمهرة كَبِيرَة، وَمِنْهُم من يردّه إِلَى ذهل، كَمَا يردّه آخَرُونَ إِلَى سدوس. لَا تكَاد تَجِد فِي ذَلِك رَأيا فاصلا. وَهَذَا شَأْن كل رجل تنازعه أَكثر من بلد، وَلم يَعش حَيْثُ نَشأ بَيته، وقرّت أسرته، ثمَّ لم يكن بَيته- فَوق هَذَا- من النّسَب بالمنزلة الَّتِي يحرص النَّاس على حفظهَا وروايتها.
(نشأته):
نَشأ ابْن هِشَام بِالْبَصْرَةِ، ثمَّ نزل مصر. هَكَذَا يحدثنا الروَاة عَنهُ، وَلَا يذكرُونَ لَهُ حَيَاة فِي غير هذَيْن البلدين، ولكننا نظن أَن حَيَاة ابْن هِشَام لم تكن محصورة فِي هذَيْن المصرين، وخاصّة فِي عصر كَانَ الْعلم فِيهِ يُؤْخَذ سَمَاعا، وَكَانَت الرحلة فِي طلبه ديدن الْعلمَاء.
(مولده ووفاته):
وَالْقَوْل فِي وَفَاة ابْن هِشَام غير مَقْطُوع فِيهِ بِرَأْي، فَبَيْنَمَا يذهب فريق إِلَى أَن وَفَاته كَانَت سنة ٢١٨ هـ. إِذا بفريق آخر يحدثك أَن وَفَاته كَانَت سنة ٢١٣ هـ.
وَإِذا كَانَ هَذَا حَدِيث وَفَاته، فَمَا بالك بِالْحَدِيثِ عَن مِيلَاد رجل نازح، أقرب الظنّ أَنه عرّج على غير بلد قبل أَن ينزل مصر. من أجل هَذَا ظلّ مِيلَاد ابْن هِشَام سرّا دَفِينا فِي ضمير الْأَيَّام.
(مَنْزِلَته):
وَقد كَانَ رحمه الله إِمَامًا فِي النَّحْو واللغة والعربية. ويحدثنا عَنهُ الذَّهَبِيّ وَابْن كثير، أَنه حِين جَاءَ إِلَى مصر اجْتمع بِهِ الشافعيّ، وتناشدا من أشعار الْعَرَب أَشْيَاء كَثِيرَة. وغريب أَن نسْمع هَذَا، وَنحن نعلم أَن ابْن هِشَام كَانَ حِين ينْقل عَن ابْن إِسْحَاق أشعارا فِي هَذَا الْكتاب، ظَاهِرَة الْوَضع فَاسِدَة، لَا يَسْتَطِيع أَن يقطع فِيهَا بِرَأْي وَيَقُول: هَكَذَا حَدثنَا أهل الْعلم بالشعر، نَاقِلا عَنْهُم، غير مُحكم ذوقا اكْتَسبهُ من هَذَا شَأْنه فِي اسْتِيعَاب الْأَشْعَار.
(آثاره):
وَلابْن هِشَام أَكثر من مؤلف فِي أَكثر من فنّ، فَلهُ غير أَثَره فِي سيرة ابْن إِسْحَاق: شرح مَا وَقع فِي أشعار السّير من الْغَرِيب، وَكتاب التّيجان، لمعْرِفَة مُلُوك الزَّمَان، وَقد طبع حَدِيثا.
هَذِه كلمتنا عَنهُ، وَقد أسلفنا عَنهُ كلمة أُخْرَى خلال الحَدِيث عَن السّير، وَأَنه كَانَ رجل السِّيرَة الّذي انْتَهَت إِلَيْهِ سيرة ابْن إِسْحَاق، وَغلب اسْمه عَلَيْهَا فَعرفت بِهِ، وَأَن فَضله فِيهَا كَانَ لَا يقلّ عَن فضل ابْن إِسْحَاق.
السهيليّ
(اسْمه ولقبه):
هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد بن أصبغ بن الْحُسَيْن بن سعدون بن رضوَان بن فتوح، الإِمَام الحبر أَبُو الْقَاسِم، وَأَبُو زيد، وَيُقَال: أَبُو الْحسن، بن الْخَطِيب أَبى مُحَمَّد بن الْخَطِيب أَبى عَمْرو بن أَبى الْحسن الخثعميّ السّهيليّ الأندلسى المالقي.
(موطنه والبلاد الَّتِي تنقل فِيهَا):
وَسُهيْل الّذي ينْسب إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن، وَاد بالأندلس من كورة مالقة، فِيهِ قرى، وَفِي إِحْدَى هَذِه الْقرى ولد عبد الرَّحْمَن [١] . وَأقَام فِي الأندلس عمرا طَويلا نهل من بحار الْعلم مَا نهل، وتزوّد من المعارف مَا تزوّد، وأصبحت لَهُ مكانة عالية وسعى إِلَيْهِ النَّاس يطْلبُونَ الْعلم عَلَيْهِ، فطارت شهرته إِلَى مرّاكش، فَطَلَبه واليها، وَأحسن إِلَيْهِ، وَأَقْبل عَلَيْهِ. وولّاه قَضَاء الْجَمَاعَة، وَحسنت سيرته، وَأقَام السّهيليّ بمرّاكش أعواما ثَلَاثَة، ثمَّ وافته منيته، فَمَاتَ بهَا.
(مولده ووفاته):
تحدثنا المراجع بِأَن السّنة الَّتِي ولد فِيهَا أَبُو الْقَاسِم كَانَت سنة ٥٠٨ هـ، وتحدّثنا أَيْضا بِأَنَّهُ توفى سنة ٥٨١ هـ. وَيذكر ابْن الْعِمَاد الْحَنْبَلِيّ فِي كِتَابه «شذرات الذَّهَب» أَن أَبَا الْقَاسِم مِمَّن توفّوا سنة ٥٨١، وَيذكر إِلَى جَانب هَذَا أَن وَفَاته كَانَت فِي شعْبَان من تِلْكَ السّنة، وَأَنه عَاشَ اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة.
(مؤلفاته وَعلمه وأخلاقه):
أشهر تواليف السّهيليّ كِتَابه: الرّوض الْأنف، قَالَ الصّفدى فِي نكت الْهِمْيَان: «وَهُوَ كتاب جليل جوّد فِيهِ مَا شَاءَ، وَذكر فِي أوّله أَنه استخرجه من نَيف وَعشْرين وَمِائَة ديوَان» . وَله كتاب التَّعْرِيف والإعلام بِمَا فِي الْقُرْآن من الْأَسْمَاء الْأَعْلَام، وَكتاب نتائج النّظر، وَمَسْأَلَة رُؤْيَة الله عز وجل ورؤية النبيّ ﷺ فِي الْمَنَام، وَمَسْأَلَة السرّ فِي عور الدَّجَّال. وَشرح آيَة الْوَصِيَّة، وَشرح الْجمل- وَلم يتمّ- ومسائل كَثِيرَة غير هَذِه اكْتفى المترجمون بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا دون التَّصْرِيح بأسمائها.
وَلم يَقع فِي أَيْدِينَا للسّهيلى غير الرّوض الْأنف، الّذي ألّفه فِي مالقة قبل رحلته إِلَى مرّاكش، إِذْ كَانَ بَدْء إمْلَائِهِ لَهُ فِي شهر المحرّم عَام ٥٦٩ هـ، وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهُ فِي جُمَادَى الأولى من ذَلِك الْعَام.
وبحسب السّهيليّ هَذَا الْكتاب، فقد دلّ فِيهِ على إِلْمَام وَاسع، واطلاع غزير
-----------------------------
[١] قَالَ الصَّفَدِي فِي نكت الْهِمْيَان: وَلَا يرى سُهَيْل فِي جَمِيع الْمغرب، إِلَّا من جبل مطل على هَذِه الْقرْيَة.
بمناح مُخْتَلفَة، وتمكّن فِي ألوان كَثِيرَة من الْعُلُوم، فَكَانَ فِيهِ المؤرّخ واللغوي والأديب والنحويّ والأخباري والعالم بالقراءات. وَكَانَ السّهيليّ فَوق هَذَا شَاعِرًا، يُؤثر لَهُ أبياته الْمَشْهُورَة فِي الْفرج:
قَالَ ابْن دحْيَة عَن السهيليّ: «أنشدنيها وَقَالَ: مَا يسْأَل الله بهَا فِي حَاجَة إِلَّا قَضَاهُ إِيَّاهَا» . وَهِي:
يَا من يرى مَا فِي الضَّمِير وَيسمع ... أَنْت المعدّ لكلّ مَا يتوقّع
يَا من يرجّى للشّدائد كلهَا ... يَا من إِلَيْهِ المشتكى والمفزع
يَا من خَزَائِن رزقه فِي قَول كن ... اُمْنُنْ فانّ الْخَيْر عنْدك أجمع
مَا لي سوى قرعى لبابك حِيلَة ... فلئن رددت فأىّ بَاب أَقرع
مَا لي سوى فقري إِلَيْك وَسِيلَة ... وبالافتقار إِلَيْك فقري أدفَع
من ذَا الّذي أَدْعُو وأهتف باسمه ... إِن كَانَ فضلك عَن فقيرك يمْنَع
حاشا لمجدك أَن تقنّط عَاصِيا ... الْفضل أجزل والمواهب أوسع
وَله غير هَذِه أشعار كَثِيرَة، ذكر ذَلِك ابْن الْعِمَاد، وَلم يزدنا على أبياته فِي الْفرج شَيْئا. وَذكر الصّفدىّ «فِي نكت الْهِمْيَان»، والمقري فِي «نفح الطيّب» بعض مقطوعات لَهُ.
وَإِن نظرة وَاحِدَة إِلَى مؤلفات السهيليّ كفيلة بِأَن تعطيك فكرة عَن اتجاهه الخلقي وَإِن رجلا عَاشَ للدّين، فوهب لَهُ حَيَاته: مَا بَين درس لَهُ، وتأليف فِيهِ، لخليق بِأَن يعرف بَين النَّاس بالصلاح، ويشتهر بالورع والتّقوى، وَهَكَذَا كَانَ السّهيليّ.
وَكَانَ فَوق هَذَا عفّا قنوعا يرضى بالكفاف.
وَمِمَّا يعرف عَنهُ أَنه كَانَ مالكي الْمَذْهَب، وَأَنه كَانَ ضريرا، أضرّ فِي السَّابِعَة عشرَة من عمره، وَأخذ الْقرَاءَات عَن جمَاعَة، وروى عَن أَبى بكر بن العربيّ وكبار رجالات الْعلم بالأندلس فِي أَيَّامه، وَأخذ اللُّغَة والآداب عَن ابْن الطّراوة، وناظره فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ.
أَبُو ذَر الخشنيّ
(نسبه):
هُوَ مُصعب بن مُحَمَّد بن مَسْعُود بن عبد الله بن مَسْعُود الجيّانى الخشنيّ، الْمَعْرُوف أَيْضا بِابْن أَبى الرّكب.
والجيّانىّ: نِسْبَة إِلَى كورة وَاسِعَة بالأندلس، تجمع قرى كَثِيرَة، وتتصل بكورة إلبيرة، مائلة عَنْهَا إِلَى نَاحيَة الْجوف، فِي شرقى قرطبة، وَبَينهمَا وَبَين قرطبة سَبْعَة عشر فرسخا. والخشنيّ: نِسْبَة إِلَى خشين كقريش قَرْيَة بالأندلس، وقبيلة من قضاعة، وَهُوَ خشين بن النمر بن وبرة بن تغلب [١] .
وَالْمَعْرُوف أَن أَبَا ذرّ بَقِي بجيان حَتَّى شبّ، وَقد سمع على أَبِيه، وَأخذ عَنهُ، وَأَنه لم يتْرك جيّان إِلَّا بعد أَن تحوّل أَبوهُ إِلَى غرناطة فِي آخر أَيَّامه، وَأَن سنه عِنْد ذَاك كَانَت سنّ غُلَام إِن أدْرك الْعَاشِرَة فَلَا يعدوها إِلَّا بِقَلِيل- فالمدّة بَين مِيلَاد أَبى ذرّ ووفاة أَبِيه أحد عشر عَاما تَقْرِيبًا- ثمَّ رَحل إِلَى فاس يسمع بهَا عَن أَبى عبيد الله النميري وأبى الْحسن بن حُسَيْن وأبى عبد الله بن الرمامة، ثمَّ إِلَى تلمسان يسمع بهَا عَن أَبى الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن الْحسن الْقرشِي، وأبى مَرْوَان عبيد الله بن هِشَام الحضرميّ، ثمَّ إِلَى بجاية يسمع بهَا عَن أَبى بكر بن رزق وأبى الْعَبَّاس الخرّوبى وأبى إِسْحَاق بن ملكون وأبى مُحَمَّد عبد الحقّ بن عبد الرَّحْمَن الإشبيلي.
وَيظْهر أَن رحلاته إِلَى هَذِه الْبِلَاد الثَّلَاثَة كَانَت على التَّرْتِيب الّذي سقناه، لَا يرجح هَذَا لدينا مُرَجّح، غير أَن ابْن الْأَبَّار هَكَذَا سَاقهَا مرتبَة على هَذَا النَّحْو، عِنْد الْكَلَام على شُيُوخ أَبى ذرّ، فَبَدَأَ بفاس، ثمَّ ثنى بتلمسان، ثمَّ ختم ببجاية.
وَسَوَاء أَكَانَ هَذَا أم غَيره، فقد عرفنَا أَن هَذِه الْبِلَاد الثَّلَاثَة نزلها أَبُو ذرّ. ثمَّ نزل بعْدهَا إشبيلية، لَا مستمعا، وَلَكِن خَطِيبًا لمسجدها، وَبَقِي فِيهَا مُدَّة، وَكَانَ إِلَى جَانب الخطابة يقوم بتدريس الْعَرَبيَّة، ويقصده الطلاب الكثيرون. ثمَّ ترك إشبيلية إِلَى جيان
----------------------------
[١] انْظُر الْجُزْء الثَّانِي من خزانَة الْأَدَب فِي شرح الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الأربعمائة ص ٥٢٩ من طبعة بولاق.
بعد أَن غَابَ عَنْهَا هَذَا الْعُمر الطَّوِيل، فولى قضاءها وَجلسَ فِيهَا للحكومة بَين النَّاس، والفصل فِي خصوماتهم. ثمَّ حنّ إِلَى فاس ثَانِيَة، فَترك جيّان إِلَيْهَا، وَأقَام بهَا، وَكَانَ فِيهَا شيخ الْعَرَبيَّة والْحَدِيث يَأْخُذ عَنهُ النَّاس، حَتَّى وافته منيته بهَا.
(مَنْزِلَته ومؤلفاته وَشَيْء عَنهُ):
علّك، وَقد حدثناك عَن شُيُوخ أَبى ذرّ الَّذين سمع عَنْهُم، وَكلهمْ من جلة الْعلمَاء، ورحلته إِلَيْهِم، قد عرفت طموح هَذِه النَّفس إِلَى الاستزادة من الْعلم والتمكن فِيهِ، وَأَن صَاحبهَا لم يقنع مِنْهُ بِقَلِيل، وَأَنت إِذْ عرفت الْمَرَاتِب الَّتِي تقلّب فِيهَا أَبُو ذرّ بعد الْحَيَاة الأولى، حَيَاة الدَّرْس والتحصيل، تدْرك مَعنا أَنه وصل من الْعلم إِلَى غَايَة رفعته إِلَى تولى خطابة جَامع إشبيلية أَولا، ثمَّ قَضَاء جيان ثَانِيًا، ثمَّ إِلَى أَن يجلس مَجْلِسه الْأَخير فِي فاس يتمتع بصيت بعيد، وَذكر وَاسع.
وَلَقَد نَعته رجال التراجم فِيمَا نعتوه بِهِ بِأَنَّهُ صَاحب التصانيف الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان، وَمثل هَذَا لَيْسَ بِكَثِير على أَبى ذرّ، إِلَّا أَنا لم نظفر لَهُ إِلَّا بكتابه المطبوع فِي شرح غَرِيب سيرة ابْن إِسْحَاق، الّذي سَمعه ابْن فرتون عَلَيْهِ، وَكتاب آخر فِي الْعرُوض، ذكره ابْن الْآبَار وَلم يسمّه، وَكتاب ثَالِث ذكره السُّيُوطِيّ فِي البغية فِي أثْنَاء حَدِيثه عَن أَبى ذرّ، فَقَالَ: «... تكرّر فِي جمع الْجَوَامِع من تصانيفه الْإِمْلَاء على سيرة ابْن هِشَام» .
هَذَا كلّ مَا عَرفْنَاهُ عَن مؤلفات أَبى ذرّ، إِلَّا أَنا لَا ننسى أَنه كَانَ حَامِل لِوَاء الْعَرَبيَّة بالأندلس، وَأَنه كَانَ عَارِفًا بالآداب واللغات، وَأَنه أحد من قرض الشّعْر، وَكَانَ لَهُ نقادا، كَمَا كَانَ مُطلق الْعَنَان فِي معرفَة أَخْبَار الْعَرَب وأيامها وَأَشْعَارهَا ولغاتها، مُتَقَدما فِي كل ذَلِك، وَأَنه لم يكن فِي وقته أضبط مِنْهُ، وَلَا أتقن فِي جَمِيع الْعُلُوم، حفظا وقلما.
وَأما أَخْلَاق أَبى ذرّ الْمَالِكِي الْمَذْهَب، فقد كَانَ ذَا سمت ووقار، وَفضل وَدين ومروءة، كثير الْحيَاء، وقور الْمجْلس، مَعْرُوفا بِالْهدى على سنَن السّلف. يحْكى عَنهُ أَنه كَانَ يمْنَع تلاميذه من التبسط فِي الأسئلة، وَأَنه كَانَ يقصرهم على مَا يلقى إِلَيْهِم وَلم يكن ذَلِك لأحد من عصره، هَيْبَة لَهُ، وخشية مِنْهُ.
(مولده ووفاته):
يذكر المستشرق بولس برونله أَن أَبَا ذرّ ولد سنة ٥٣٣- أَي قبل موت أَبِيه بِأحد عشر عَاما، إِذْ كَانَت وَفَاة أَبِيه سنة ٥٤٤- وَأَن وَفَاة أَبى ذرّ كَانَت سنة ٦٠٤ هـ وَيُوَافِقهُ ابْن الْأَبَّار على السّنة الَّتِي توفى فِيهَا أَبُو ذرّ، وَيزِيد عَلَيْهِ بِأَن الْوَفَاة كَانَت ضحى يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عشر من شوّال، وَأَنه دفن لصَلَاة الْعَصْر من الْيَوْم نَفسه بعدوة الْقرَوِيين فِي فاس.
وَأما ميلاده فَيَقُول فِيهِ ابْن الْأَبَّار: «... ومولده سنة خمس، وَقيل سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة، وَالْأول أصح» .
وَنحن نَمِيل إِلَى قَول ابْن الْأَبَّار فِي مِيلَاد أَبى ذرّ، فقد ذكر ابْن الْعِمَاد أَن أَبَا ذرّ مَاتَ عَن سبعين عَاما، وَإِذا صحّ هَذَا وصحّ عندنَا أَن أَبَا ذرّ- كَمَا قَالَ ابْن الْأَبَّار- مَاتَ فِي شوّال من سنة ٦٠٤ هـ، كَانَ مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الْأَبَّار فِي مِيلَاد أَبى ذرّ انه كَانَ سنة ٥٣٥ هـ أقرب إِلَى الصَّوَاب.
عَملنَا فِي السِّيرَة
هَا هُوَ ذَا كتاب السِّيرَة بَين أَيدي القرّاء فِي ثَوْبه الْجَدِيد يحدّث عَمَّا بذلنا من جهد فِي إِخْرَاجه.
لقد كَانَ هَمنَا الأوّل أَن نعارض النُّسْخَة المصرية الَّتِي بَين أَيْدِينَا بِجَمِيعِ النّسخ الْأُخْرَى، خطية أَو مطبوعة، وجرينا فِي الرَّمْز إِلَى هَذِه النّسخ بالحرف الْآتِيَة:
أ- للنسخة المطبوعة بِمَدِينَة جوتنجن بألمانيا سنة ١٢٧٦ هـ سنة ١٨٦٢ م.
وَقد اعْتمد ناشرها الْعَلامَة المستشرق «وستنفلد»، على نُسْخَة السهيليّ المخطوطة، الَّتِي أَخذهَا عَن أستاذه أَبى بكر بن العربىّ الإشبيليّ.
ب- للنسخة المطبوعة فِي بولاق سنة ١٢٥٩ هـ.
ت- لنسخة خطية بالمكتبة التيمورية، مَوْجُود مِنْهَا الْجُزْء الأول، وَهُوَ نَاقص من الأول وَرَقَات، وينتهى إِلَى شعر عُثْمَان بن مَظْعُون فِي عتاب أُميَّة بن خلف.
ر- للنسخة المطبوعة على هَامِش الرّوض الْأنف بالمطبعة الجمالية بِمصْر سنة ١٣٣٢ هـ، سنة ١٩١٤ ميلادية.
ط- للنسخة المخطوطة بِخَط الْقَاسِم بن زيد المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم، وَالَّتِي فرغ من كتَابَتهَا سنة ١١٤٤ هـ، وَهِي مَحْفُوظَة بدار الْكتب.
ع- للنسخة المخطوطة بِخَط مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الشافعيّ الدمشقيّ الْمُتَوفَّى سنة ٧٤٩ هـ. وَهِي نَاقِصَة من الأوّل والأثناء. وأوّل مَا فِيهَا من قبيل أَسمَاء من شهد الْعقبَة الْأَخِيرَة، وَهِي مَحْفُوظَة بدار الْكتب.
م- للنسخة المطبوعة فِي مصر بالمطبعة الْخَيْرِيَّة سنة ١٣٢٩ هـ.
ن- لنسخة خطية لَا يعرف كاتبها، وَلَا السّنة الَّتِي كتبت فِيهَا، وَلَا يُوجد مِنْهَا إِلَّا الجزءان، الأول وَالثَّانِي. وينتهيان إِلَى آخر مَا قيل من الْأَشْعَار فِي غَزْوَة أحد، وَهِي مَحْفُوظَة بدار الْكتب.
ثمَّ استعنا بعد ذَلِك على تَبْيِين المغلق، وتوضيح الْمُبْهم، بالكتب الَّتِي عرضت للسيرة بِمثل هَذَا، كالروض الْأنف للسهيلى، وَشرح السِّيرَة لأبى ذرّ الخشنيّ.
وَفِي كثير من المواطن الَّتِي كُنَّا نفقد فِيهَا بغيتنا فِي مثل هذَيْن المرجعين كُنَّا نلجأ إِلَى المراجع الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا فِي حَاشِيَة الْكتاب.
وَقد كُنَّا نترجم للأعلام الْوَارِدَة، ونتتبّعها بالتصحيح والضبط. بَقِي بعد ذَلِك تبويب الْكتاب، وَوَضعه أبوابا تَحت هَذِه العناوين الَّتِي أثبتناها. وَحين رَأينَا مُعظم النّسخ قد أغفلت مِنْهَا الْكثير، إِذا بالنسخة الأوربية قد أسرفت فِي ذَلِك، فسلكنا نَحن نهجا وسطا، فأخذنا من العناوين مَا يصحّ أَن يُمَيّز بَابا مُسْتقِلّا عَن غَيره، ونفينا مِنْهَا مَا لَا يجرى مَعَ هَذِه الفكرة، ووضعنا العناوين الَّتِي بالحرف الصَّغِير بَين الأقواس فَوق كلّ فكرة جَدِيدَة. لتَكون عونا لنا على عمل الفهرس التفصيلي العامّ، الّذي ألحقناه بِالْكتاب.
وَهَا نَحن أولاء، بعد أَن بذلنا قصارى الْجهد فِي السِّيرَة نقدّم الطبعة الثَّانِيَة مِنْهَا فِي هَذِه الْحلَّة القشيبة راجين أَن نَكُون أقرب إِلَى التَّوْفِيق، وَأدنى إِلَى الصَّوَاب.
مصطفى السقا/ إِبْرَاهِيم الابيارى/ عبد الحفيظ ثلبى
ذِكْرُ سَرْدِ النَّسَبِ الزَّكِيِّ مِنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، إلَى آدَمَ عليه السلام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ (النَّحْوِيُّ) [١]:
هَذَا كِتَابُ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم. قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاسْمُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: شَيْبَةُ [٢] بْنُ هَاشِمٍ، وَاسْمُ هَاشِمٍ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَاسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ: الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ، (وَاسْمُ قُصَيٍّ: زَيْدُ) [١] بْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ [٣] بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ [٤]
--------------------------
[١] مَا بَين القوسين (): زِيَادَة عَن أ.
[٢] وَقيل إِن اسْم عبد الْمطلب: عَامر (كَمَا فِي المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة، وَشرح الْمَوَاهِب اللدنية ج ١ ص ٧١ طبع المطبعة الأزهرية) . وَالصَّحِيح أَن اسْمه: «شيبَة» كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك السهيليّ فِي «الرَّوْض الْأنف» . وسمى كَذَلِك لِأَنَّهُ ولد وَفِي رَأسه شيبَة. وَأما غَيره من الْعَرَب مِمَّن اسْمه شيبَة فَإِنَّمَا قصد بتسميته بِهَذَا الِاسْم التفاؤل. وَقد عَاشَ عبد الْمطلب مائَة وَأَرْبَعين سنة، وَكَانَ لِدَة عبيد بن الأبرص الشَّاعِر.
[٣] واسْمه قُرَيْش، وَإِلَيْهِ تنْسب الْقَبِيلَة، وَقيل: بل فهر اسْمه، وقريش لقب لَهُ. وَقد روى عَن نسابى الْعَرَب أَنهم قَالُوا: من جَاوز فهرا فَلَيْسَ من قُرَيْش (انْظُر شرح الْمَوَاهِب اللدنية، ج ١ ص ٧٥) .
[٤] واسْمه قيس، ولقب بالنضر لنضارة وَجهه، وَأمه برة بنت أدبن طابخة، تزَوجهَا أَبوهُ كنَانَة بعد أَبِيه خُزَيْمَة، فَولدت لَهُ النَّضر على مَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تفعل: إِذا مَاتَ الرجل خلف على زَوجته أكبر بنيه من غَيرهَا. وَقد ذكر الجاحظ أَن هَذَا غلط نَشأ من اشْتِبَاه، إِذْ أَن كنَانَة خلف على زَوْجَة أَبِيه، فَمَاتَتْ وَلم تَلد لَهُ ذكرا وَلَا أُنْثَى، فنكح ابْنة أَخِيهَا، وَهِي برة بنت مرّة بن أد بن طابخة، فَولدت النَّضر.
(رَاجع شرح الْمَوَاهِب اللدنية) . ١- سيرة ابْن هِشَام- ١
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 02:23 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (3)
صــ 1إلى صــ 10
ابْن كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَاسْمُ مُدْرِكَةَ: عَامِرُ [١] بْنُ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ [٢] بْنِ (أُدٍّ، وَيُقَالُ) [٣]: أُدَدُ [٤] بْنُ مُقَوِّمِ [٥] بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَيْرَحَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ نَابِتِ [٦] بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ- خَلِيلِ الرَّحْمَنِ- بْنِ تَارِحٍ [٧]، وَهُوَ آزَرُ [٨] بْنُ نَاحُورَ بْنِ سَارُوغَ [٩] بْنِ رَاعُو [١٠] بْنِ فَالَخٍ [١١]
---------------------------
[١] هَذَا قَول ابْن إِسْحَاق، وَالصَّحِيح عِنْد الْجُمْهُور أَن اسْمه: عَمْرو.
[٢] اضْطَرَبَتْ كلمة النسابين فِيمَا بعد عدنان، حَتَّى نراهم لَا يكادون يجمعُونَ على جد حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَن فَوْقه، وَقد حكى عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ إِذا انتسب لم يتَجَاوَز فِي نسبه عدنان بن أدد، ثمَّ يمسك وَيَقُول: كذب النسابون. وَقَالَ عمر بن الْخطاب: إِنِّي لأنتسب إِلَى معد بن عدنان، وَلَا أدرى مَا هُوَ. وَعَن سُلَيْمَان بن أَبى خَيْثَمَة قَالَ: مَا وجدنَا فِي علم عَالم، وَلَا شعر شَاعِر أحدا يعرف مَا وَرَاء معد ابْن عدنان، ويعرب بن قحطان.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] يذهب بعض النسابين إِلَى أَن أد هُوَ ابْن أدد، وليسا شخصا وَاحِدًا، وَيَقُولُونَ: إِن أم أدهى النعجاء بنت عَمْرو بن تبع، وَأم أدد حَيَّة، وَهِي من قحطان (رَاجع أصُول الأحساب وفصول الْأَنْسَاب للجوانى مخطوط مَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية برقم ٢٠١٥ تَارِيخ) . وَقد ذهب ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه «المعارف» إِلَى أَن أد هُوَ ابْن يجثوم بن مقوم، فَيكون مقوم جدا لأد وَلَيْسَ أَبَاهُ.
[٥] ضَبطه السهيليّ فِي كِتَابه «الرَّوْض الْأنف» بالعبارة، فَقَالَ: «... وَأما مقوم بِكَسْر الْوَاو»، وَالظَّاهِر أَنَّهَا مُشَدّدَة كَمَا ضبطت بالقلم فِي المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة.
[٦] وَيُقَال لَهُ: نبت أَيْضا (رَاجع كتاب أَنْسَاب الْعَرَب للصحارى مخطوط مَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية برقم ٢٤٦١ تَارِيخ) .
[٧] كَذَا بِالْأَصْلِ هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي، ومروج الذَّهَب للمسعوديّ (ج ١ ص ٢٠ طبع بلاق) . وَفِي الطَّبَرِيّ، والمعارف لِابْنِ قُتَيْبَة، ومروج الذَّهَب (ج ١ ص ٣٠٣) . وروضة الْأَلْبَاب للْإِمَام مُحَمَّد الزيدي (مخطوط مَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية برقم ٩٤٥ تَارِيخ): «تَارِيخ» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.
[٨] وَقيل: هُوَ عَم إِبْرَاهِيم لَا أَبوهُ، إِذْ لَو كَانَ أَبَاهُ الْحَقِيقِيّ لم يقل تَعَالَى: لِأَبِيهِ آزَرَ ٦: ٧٤ لِأَن الْعَرَب لَا تَقول أَبى فلَان، إِلَّا للعم دون الْأَب الْحَقِيقِيّ. (رَاجع رَوْضَة الْأَلْبَاب) .
[٩] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ، ومروج الذَّهَب. وَفِي المعارف: «شاروغ» وَفِيه: أَن اسْمه «أشرع» أَيْضا، وَهَذَا مَا ذكره ابْن هِشَام بعد قَلِيل نقلا عَن قَتَادَة، وَفِي رَوْضَة الْأَلْبَاب: «شاروخ» (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة) .
وَفِي الأَصْل هُنَا: «ساروح» (بِالْحَاء الْمُهْملَة) .
[١٠] كَذَا فِي الأَصْل هُنَا. وَفِيمَا سَيَأْتِي بعد قَلِيل: «أرغو» . وَفِي الطَّبَرِيّ وروضة الْأَلْبَاب «أرغوا» وَفِي المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة ومروج الذَّهَب (ج ١ ص ٣٠٣): «أرعو» بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَفِي مروج الذَّهَب (ج ١ ص ٢٠): «رعو»
[١١] كَذَا بِالْأَصْلِ هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي. وَفِي الطَّبَرِيّ، والمعارف، ومروج الذَّهَب، وأصول الأحساب، وَالرَّوْض الْأنف، وروضة الْأَلْبَاب، وأنساب الْعَرَب: «فالغ» (بالغين الْمُعْجَمَة) . وَهُوَ «فالخ» كَمَا نَص على ذَلِك فِي أَنْسَاب الْعَرَب. وَيُقَال: إِن مَعْنَاهُ القسام.
ابْن عَيْبَرِ [١] بْنِ شالَخٍ [٢] بْنِ أرْفَخْشَذَ [٣] بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لَمْكَ [٤] بْنِ مُتَوَشْلِخَ [٥] ابْن أَخْنُوخَ، وَهُوَ إدْرِيسُ النَّبِيُّ- فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أُعْطَى النُّبُوَّةَ، وَخَطَّ بِالْقَلَمِ- ابْنِ يَرْدِ بْنِ مُهْلَيِلِ [٦] بْنِ قَيْنَنَ [٧] بْنِ يانِشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ ﷺ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ [٨] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ [٩] الْمُطَّلِبِيِّ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ نَسَبِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إلَى آدَمَ عليه السلام، وَمَا فِيهِ مِنْ حَدِيثِ إدْرِيسَ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ، عَنْ شَيْبَانَ ابْن زُهَيْرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دُعَامةَ، أَنَّهُ قَالَ:
إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ- خَلِيلِ الرَّحْمَنِ- ابْن تَارِحٍ، وهُوَ آزَرُ بْنُ نَاحُورَ بْنِ أَسْرَغَ [١٠]
-----------------------
[١] كَذَا بِالْأَصْلِ هُنَا. وَفِيمَا سَيَأْتِي: «عَابِر»، وَهِي رِوَايَة جَمِيع المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا غير رَوْضَة الْأَلْبَاب، فَإِنَّهُ فِيهَا بالغين الْمُعْجَمَة.
[٢] كَذَا بِالْأَصْلِ، والمعارف، والطبري، وَالرَّوْض الْأنف، وروضة الْأَلْبَاب. وشالخ مَعْنَاهُ:
الرَّسُول أَو الْوَكِيل، وَفِي مروج الذَّهَب: «شالح» (بِالْحَاء الْمُهْملَة) .
[٣] كَذَا فِي م، ومروج الذَّهَب، وَالرَّوْض الْأنف، وأصول الأحساب، وأنساب الْعَرَب.
وَمعنى أرفخشذ: مِصْبَاح مضيء. وَفِي الطَّبَرِيّ، والمعارف: «أرفخشد» (بِالدَّال الْمُهْملَة) .
[٤] كَذَا فِي شرح القصيدة الحميرية (المخطوطة الْمَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية برقم ١٣٥٩ تَارِيخ) وروضة الْأَلْبَاب، ومروج الذَّهَب، وَقد ضبط فِي هَامِش الْأَخير بالعبارة بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْمِيم. وَفِي الأَصْل هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي: «لامك» .
[٥] متوشلخ مَعْنَاهُ: مَاتَ الرَّسُول. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٦] فِيمَا سَيَأْتِي: «مهلائيل» وَهِي رِوَايَة أَكثر المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا.
[٧] كَذَا بِالْأَصْلِ هُنَا. وَفِيمَا سَيَأْتِي: «قاين» . وَفِي الطَّبَرِيّ، ومروج الذَّهَب: «قينان» .
[٨] هُوَ أَبُو مُحَمَّد زِيَاد بن عبد الله بن الطُّفَيْل البكائي الْكُوفِي، نسب إِلَى الْبكاء بن عَمْرو، ربيعَة بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن، وَهُوَ من أَصْحَاب الحَدِيث، أخرج لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (عَن شرح السِّيرَة وتهذيب التَّهْذِيب) .
[٩] هُوَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن بشار مولى قيس بن مخرمَة بن الْمطلب بن عبد منَاف، وَلذَلِك يُقَال فِي نسبه: المطلبي، وَهُوَ من كبار الْمُحدثين لَا سِيمَا فِي الْمَغَازِي وَالسير، وَكَانَ الزُّهْرِيّ يثنى عَلَيْهِ بذلك، ويفضله على غَيره، وَهُوَ مدنِي توفى بِبَغْدَاد سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة.
[١٠] كَذَا فِي أ. وَفِي م: «استرغ» . (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ٩ ص ٢ من هَذَا الْجُزْء) .
ابْن أَرْغُو بْنِ فَالَخٍ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالَخٍ بْنِ أرْفخْشَذَ [١] بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لَمْكِ بْنِ مَتُّوشَلَخِ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ يَرْدِ بْنِ مِهْلَائِيلَ بْنِ قَايِنَ [٢] بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ ﷺ.
(نَهْجُ ابْنِ هِشَامٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ مُبْتَدِئٌ هَذَا الْكِتَابَ بِذِكْرِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَمَنْ وَلَدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ وَلَدِهِ، وَأَوْلَادِهِمْ لِأَصْلَابِهِمْ، الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، مِنْ إسْمَاعِيلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَمَا يَعْرِضُ مِنْ حَدِيثهِمْ، وَتَارِكٌ ذِكْرَ غَيْرِهِمْ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ لِلِاخْتِصَارِ، إلَى حَدِيثِ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَارِكٌ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، مِمَّا لَيْسَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِيهِ ذِكْرٌ، وَلَا نَزَلَ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ سَبَبًا لِشَيْءِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَلَا تَفْسِيرًا لَهُ، وَلَا شَاهِدًا عَلَيْهِ، لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ الِاخْتِصَارِ، وَأَشْعَارًا ذَكَرَهَا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَعْرِفُهَا، وَأَشْيَاءَ بَعْضُهَا يَشْنُعُ الْحَدِيثُ بِهِ، وَبَعْضٌ يَسُوءُ بَعْضَ النَّاسِ ذِكْرُهُ، وَبَعْضٌ لَمْ يُقِرَّ لَنَا الْبَكَّائِيُّ بِرِوَايَتِهِ، وَمُسْتَقْصٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْهُ بِمَبْلَغِ الرِّوَايَةِ لَهُ، وَالْعِلْمِ بِهِ.
سِيَاقَةُ النَّسَبِ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ عليه السلام
(أَوْلَادُ إسْمَاعِيلَ عليه السلام وَنَسَبُ أُمِّهِمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ قَالَ:
وَلَدَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عليهما السلام اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: نَابِتًا، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ،
------------------------
[١] فِي أهنا: «الفخشذ» . (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ٣ ص ٣ من هَذَا الْجُزْء) .
[٢] (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ٧ ص ٣ من هَذَا الْجُزْء) .
وقَيْذَرُ [١]، وَأَذْبُلَ [٢]، وَمُبِشًّا [٣]، وَمِسْمَعًا، وَمَاشِي [٤]، وَدِمَّا [٥]، وَأَذَرُ [٦]، وَطَيْمَا [٧]، وَيَطُورَ [٨]، ونَبِشَ [٩]، وقَيْذُما [١٠] . وَأُمُّهُمْ (رَعْلَةُ) [١١] بِنْتُ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مِضَاضٌ. وَجُرْهُمُ بْنُ قَحْطَانَ، وَقَحْطَانُ أَبُو الْيَمَنِ كلهَا، وَإِلَيْهِ تَجْتَمِع نَسَبُهَا- ابْنُ عَامِرِ بْنِ شالَخِ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: جُرْهُمُ بْنُ يَقْطَنَ بْنِ عَيْبَرِ بْنِ شَالَخٍ. و(يَقْطَنُ هُوَ) [١٢] قَحْطَانُ بْنُ عَيْبَرِ بْنِ شالَخٍ.
(عُمْرُ إسْمَاعِيلَ عليه السلام وَمَدْفِنُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عُمْرُ إسْمَاعِيلَ- فِيمَا يذكرُونَ مائَة سَنَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَاتَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي الْحِجْرِ [١٣] مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ، رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى
-------------------
[١] كَذَا فِي أ، وَيُقَال فِيهِ: «قيذار» أَيْضا (رَاجع أَنْسَاب الْعَرَب، وأصول الأحساب) . وَفِي م:
«قيدر» . وَفِي الطَّبَرِيّ، والمعارف: «قيدار» (بِالدَّال الْمُهْملَة فِي الرِّوَايَتَيْنِ) .
[٢] فِي الطَّبَرِيّ وأنساب الْعَرَب: «أدبيل» . وَيُقَال فِيهِ: «أدبال» أَيْضا.
[٣] كَذَا فِي أوالطبري، وأنساب الْعَرَب. وَفِي م: «منشا» . وَفِي أصُول الأحساب: «مشا» .
[٤] فِي الطَّبَرِيّ: «ماسى» بِالسِّين الْمُهْملَة.
[٥] وَيُقَال فِيهِ: «دمار» (رَاجع أَنْسَاب الْعَرَب) .
[٦] فِي أَنْسَاب الْعَرَب: «أدر» (بِالدَّال الْمُهْملَة) .
[٧] كَذَا فِي أ، وَهُوَ بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَفتحهَا وَإِسْكَان الْيَاء. وَفِي أصُول الأحساب: «تيما» (بِفَتْح التَّاء وَسُكُون الْيَاء) . وَقَيده الدارقطنيّ: «ظمياء» (بالظاء الْمُعْجَمَة وَتَقْدِيم الْمِيم ممدودا) . وَفِي الطَّبَرِيّ. «طما» . وَفِي م. «ظيما» .
[٨] كَذَا فِي أوأصول الأحساب. وَفِي م «تطورا» (بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة) . وَفِي الطَّبَرِيّ:
«طور» . وَفِي أَنْسَاب الْعَرَب: «قطور» .
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «نيش» (بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة) . وَفِي الطَّبَرِيّ: «نَفِيس» . وَفِي أصُول الأحساب: «يافيش» . وَفِي أَنْسَاب الْعَرَب: «فنس» .
[١٠] فِي الطَّبَرِيّ وأنساب الْعَرَب: «قيدمان» .
[١١] زِيَادَة عَن أ. والّذي فِي الرَّوْض الْأنف أَن أمّهم اسْمهَا السيدة، وَأَنه كَانَ لإسماعيل امْرَأَة سواهَا من جرهم اسْمهَا جداء بنت سعد، وَهِي الَّتِي أمره أَبوهُ بتطليقها، ثمَّ تزوج أُخْرَى اسْمهَا: سامة بنت مهلهل، وَقيل عَاتِكَة.
[١٢] زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق.
[١٣] الْحجر (بِالْكَسْرِ ثمَّ السّكُون وَرَاء): حجر الْكَعْبَة، هُوَ مَا تركت قُرَيْش فِي بنائها من أساس إِبْرَاهِيم عليه السلام، وحجرت على الْمَوَاضِع ليعلم أَنه من الْكَعْبَة فَسمى حجرا لذَلِك، لَكِن فِيهِ زِيَادَة على مَا فِي الْبَيْت، وَقد كَانَ ابْن الزبير أدخلهُ فِي الْكَعْبَة حِين بناها، فَلَمَّا هدم الْحجَّاج بناءه، رده إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
(مَوْطِنُ هَاجَرَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ: هَاجَرَ وَآجَرَ فَيُبْدِلُونَ الْأَلِفَ مِنْ الْهَاءِ كَمَا قَالُوا:
هَرَاقَ الْمَاءَ، وَأَرَاقَ الْمَاءَ وَغَيْرَهُ. وَهَاجَرُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ.
(وَصَاةُ الرَّسُولِ ﷺ بِأَهْلِ مِصْرَ وَسَبَبُ ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ [١]، عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ [٢] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ:
اللَّهَ اللَّهَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَهْلِ الْمَدَرَةِ السَّوْدَاءِ السُّحْمِ الْجِعَادِ [٣]، فَإِنَّ لَهُمْ نَسَبًا وَصِهْرًا. قَالَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ: نَسَبُهُمْ، أَنَّ أُمَّ إسْمَاعِيلَ النَّبِيِّﷺ- مِنْهُمْ. وَصِهْرُهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلم- تَسَرَّرَ [٤] فِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: أُمُّ إسْمَاعِيلَ: هَاجَرُ، مِنْ أُمِّ الْعَرَبِ [٥]، قَرْيَةٍ كَانَتْ أَمَامَ الْفَرَمَا [٦]
--------------------------
[١] ابْن لَهِيعَة (بِفَتْح اللَّام وَكسر الْهَاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تحتهَا وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَبعدهَا هَاء سَاكِنة): هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن لَهِيعَة بن عقبَة بن لَهِيعَة الحضرميّ الغافقي الْمصْرِيّ، كَانَ مكثرا من الحَدِيث وَالْأَخْبَار وَالرِّوَايَة، وَكَانَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور قد ولاه الْقَضَاء بِمصْر فِي مستهل سنة خمس وَخمسين وَمِائَة، وَهُوَ أول قَاض ولى بِمصْر من قبل الْخَلِيفَة، وَصرف عَن الْقَضَاء فِي شهر ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَكَانَ أول قَاض حضر لنظر الْهلَال فِي شهر رَمَضَان. توفى بِمصْر سنة سبعين وَمِائَة. وَقيل أَربع وَسبعين، وَكَانَ عمره إِحْدَى وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ مولده سنة سبع وَتِسْعين (رَاجع ابْن خلكان) .
[٢] هِيَ غفرة بنت بِلَال- وَقيل أُخْته- مولى أَبى بكر الصّديق رضي الله عنه. (رَاجع شرح السِّيرَة وَالرَّوْض الْأنف) .
[٣] المدرة (هُنَا): الْبَلدة، والسحم: السود، واحدهم: أسحم وسحماء. والجعاد: الَّذين فِي شعرهم تكسير.
[٤] يُقَال: تسرر الرجل وتسرى: إِذا اتخذ أمة لفراشه.
[٥] وَيُقَال فِيهَا «أم العريك»، كَمَا يُقَال إِنَّهَا من قَرْيَة يُقَال لَهَا «ياق» عِنْد أم دنين. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] الفرما أَو الطينة (siravAuoesuelP) مَدِينَة بِمصْر من شَرق، تبعد عَن سَاحل بَحر الرّوم بِقدر ميلين، كَانَ لَهَا ميناء عَامر، ويصل إِلَيْهَا فرع من النّيل مُسَمّى باسمها اليوناني (بيلوزة) أَي الطينة، وَكَانَت فِي زمن الفراعنة حصن مصر من جِهَة الشرق، وَلذَلِك وَقعت بهَا جملَة وقائع حربية فِي جَمِيع أزمنة التَّارِيخ الْمصْرِيّ، وتعرف الْآن بتل الفرما، وَيُقَال: إِن فِيهَا قبر أم إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عليهما السلام، وقبر جالينوس الْحَكِيم. وفيهَا ولد بطليموس القلوذى (eemelotPedualC) الفلكي الْمَشْهُور، صَاحب كتاب المجسطي، من أهل الْقرن الثَّانِي من الميلاد. (رَاجع فهرست المعجم الجغرافى لأمين بك واصف) .
مِنْ مِصْرَ. وَأُمُّ إبْرَاهِيمَ: مَارِيَةُ [١] سُرِّيَّةُ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وآله وسلم، الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْنٍ [٢] مِنْ كُورَةِ أنْصِنا [٣] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ السُّلَمِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ:
إذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا. فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ: مَا الرَّحِمُ الَّتِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَهُمْ؟ فَقَالَ:
كَانَتْ هَاجَرُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ.
(أَصْلُ الْعَرَبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَالْعَرَبُ كُلُّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَقَحْطَانَ. وَبَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ يَقُولُ: قَحْطَانُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَيَقُولُ: إسْمَاعِيلُ أَبُو الْعَرَبِ كُلِّهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: عَاد بن عوض بْنُ إرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَثَمُودُ وَجُدَيْسٌ ابْنَا عَابِرِ [٤] بْنِ إرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وطَسْمُ وَعِمْلَاقُ وَأُمَيْمُ بَنُو لَاوِذْ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ: عَرَبٌ كُلُّهُمْ. فَوَلَدَ نَابِتُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: يَشْجُبَ بْنَ نَابِتٍ، فَوَلَدَ يَشْجُبُ: يَعْرُبَ بْنَ يَشْجُبَ، فَوَلَدَ يَعْرُبُ: تَيْرَحَ بْنَ يَعْرُبَ، فَوَلَدَ تَيْرَحُ:
---------------------------
[١] هِيَ مَارِيَة بنت شَمْعُون (والمارية بتَخْفِيف الْيَاء: الْبَقَرَة الْفتية. وبالتشديد: الملساء، فَيُقَال:
قطاة مَارِيَة، أَي ملساء) . وَسبب إهدائها إِلَى النَّبِي أَنه ﷺ أرسل إِلَى الْمُقَوْقس (واسْمه جريج ابْن ميناء) حَاطِب بن أَبى بلتعة، وجبرا مولى أَبى رهم الغفاريّ، فقارب الْمُقَوْقس الْإِسْلَام، وَأهْدى مَعَهُمَا إِلَى النَّبِي ﷺ بغلته، الَّتِي يُقَال لَهَا دُلْدُل، ومارية، كَمَا أهْدى إِلَيْهِ أَيْضا قدحا من قَوَارِير، فَكَانَ النَّبِي ﷺ يشرب فِيهِ (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٢] حفن: قَرْيَة من قرى الصَّعِيد، وَقيل: نَاحيَة من نواحي مصر، وَفِي الحَدِيث: أهْدى الْمُقَوْقس إِلَى النَّبِي ﷺ مَارِيَة من حفن من رستاق أنصنا، وكلم الْحسن بن على رضي الله عنه مُعَاوِيَة لأهل حفن، فَوضع عَنْهُم خراج الأَرْض.
[٣] أنصنا (بِالْفَتْح ثمَّ السّكُون وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة وَبعدهَا النُّون مَقْصُورا): مَدِينَة من نواحي الصَّعِيد على شرقى النّيل، وَيُقَال إِنَّهَا كَانَت مَدِينَة السَّحَرَة ينْسب إِلَيْهَا كثير من أهل الْعلم، مِنْهُم: أَبُو طَاهِر الْحُسَيْن ابْن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن هَاشم الأنصناوي الْمَعْرُوف بالطبري.
[٤] فِي أ: «عاثر» .
نَاحُورَ بْنَ تَيْرَحَ، فَوَلَدَ نَاحُورُ: مُقَوِّمَ بْنَ نَاحُورٍ: أُدَدَ بْنَ مقوّم: فولد مُقَوِّمٍ: فَوَلَدَ أُدَدُ: عَدْنَانَ بْنَ أُدَدَ [١] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَدْنَانُ بْنُ أُدٍّ.
(أَوْلَادُ عَدْنَانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَمِنْ عَدْنَانَ تَفَرَّقَتْ الْقَبَائِلُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عليهما السلام، فَوَلَدَ عَدْنَانُ رَجُلَيْنِ: مَعَدَّ بْنَ عَدْنَانَ، وَعَكَّ بْنَ عَدْنَانَ.
(مَوْطِنُ عَكٍّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَصَارَتْ عَكٌّ فِي دَارِ الْيَمَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَكَّا تَزَوَّجَ فِي الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَقَامَ فِيهِمْ، فَصَارَتْ الدَّارُ وَاللُّغَةُ وَاحِدَةً، وَالْأَشْعَرِيُّونَ بَنُو أَشْعَرَ بْنِ نَبْتِ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ [٢] بْنِ هُمَيْسِعِ [٣] بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ [٤] بْنِ يَشْجُبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ ابْن سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَيُقَالُ: أَشْعَرُ [٥]: نَبْتُ بْنُ أُدَدَ، وَيُقَالُ: أَشْعَرُ: ابْنُ مَالِكٍ. وَمَالِكٌ: مَذْحجُ بْنُ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ هُمَيْسِعِ. وَيُقَالُ أَشْعَرُ: ابْنُ [٦] سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ.
وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفٌ الْأَحْمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، لِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَحَدِ بَنِي سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، يَفْخَرُ بِعَكِّ:
-------------------------[١] بعد مَا سَاق ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه «المعارف» هَذِه السلسلة، مُتَّفقا فِيهَا مَعَ مَا هُنَا إِلَّا فِي الْقَلِيل، سَاق رَأيا آخر فِي نسب عدنان يخْتَلف عَن هَذَا، وينتهى إِلَى قيدار بن إِسْمَاعِيل بَدَلا من نابت، وَهَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ الجواني فِي كِتَابه «أصُول الأحساب»، وَالْإِمَام مُحَمَّد الزيدي فِي كِتَابه «رَوْضَة الْأَلْبَاب» .
[٢] وَيُقَال فِيهِ: زند (بالنُّون) كَمَا يُقَال إِنَّه هُوَ الهميسع. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] كَذَا فِي أ، وَهِي الرِّوَايَة الَّتِي اتّفقت عَلَيْهَا المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا، وَفِي م: مهسع، وَلم نجد مرجعا يُؤَيّد هَذِه الرِّوَايَة. والهميسع بِفَتْح الْهَاء على وزن السميدع، وَبَعض النسابين يرويهِ بِالضَّمِّ، وَالصَّوَاب الْفَتْح. (رَاجع أصُول الأحساب) .
[٤] الّذي فِي أصُول الأحساب: «يشجب بن عريب» .
[٥] كَذَا فِي أ. وَهَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ الجواني فِي كِتَابه أصُول الأحساب، وَقد ذكر أَن أَوْلَاد أدد هم:
مَالك (مذْحج) وأشعر (نبت) وطين (جلهمة) وَمرَّة. وَفِي م، ر: أشعر بن نبت، وَالظَّاهِر أَن كلمة «بن» مقحمة.
[٦] فِي أصُول الأحساب: أَن هَذَا رأى الصِّحَاح، وَأَنه رأى خاطئ.
وَعَكُّ بْنُ عَدْنَانَ الَّذِينَ تَلَقَّبُوا [١] ... بِغَسَّانِ حَتَّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرِدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَغَسَّانُ: مَاءٌ بِسَدِّ مَأْرِبَ [٢] بِالْيَمَنِ، كَانَ شِرْبًا لِوَلَدِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ فَسُمُّوا بِهِ، وَيُقَالُ: غَسَّانُ: مَاءٌ بِالْمُشَلَّلِ [٣] قَرِيبٌ مِنْ الْجُحْفَةِ [٤]، وَاَلَّذِينَ شَرِبُوا مِنْهُ [٥] فَسُمُّوا بِهِ قَبَائِلُ مِنْ وَلَدِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ [٦] ابْن الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ ابْن قَحْطَانَ. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ- وَالْأَنْصَارُ بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ابْنَيْ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ حَارِثَة بن أَمْرِي الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ:
------------------
[١] كَذَا فِي أصُول الأحساب. وَفِي الأَصْل: «تلعبوا» .
[٢] قَالَ المرحوم أَمِين بك واصف فِي كِتَابه فهرست المعجم الجغرافى: «سبأ» أَو مأرب، أَو مارب من غير همز، (وَهُوَ الصَّحِيح فِيهِ): مَدِينَة كَانَت بِقرب موقع صنعاء الْيمن، بناها عبد شمس بن يشجب من مُلُوك حمير، وَهُوَ الّذي بنى أَيْضا السد الْكَبِير لتخزين مياه الأمطار. وانفجر يَوْمًا فَكَانَ الْغَرق الشهير الْمَعْرُوف بسيل العرم، وَتَفَرَّقَتْ على أَثَره قبائل بنى قحطان، فَكَانَ مِنْهُم أهل الْحيرَة على الْفُرَات، وَأهل غَسَّان ببادية الشَّام، وَلَا تزَال آثَار السد بَاقِيَة.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر:
«لما تفرق بَنو قحطان بعد سيل العرم رَحل آل جَفْنَة من الْيمن، والأزد من بنى كهلان، إِلَى الشَّام، ونزلوا بِمَاء يُقَال لَهُ غَسَّان، فسموا بِهِ، وَأَقَامُوا ببادية الشَّام، وتزاحموا مَعَ سليح، فغلبوهم على أَمرهم، وأخرجوهم من دِيَارهمْ، وَبَقِي الغساسنة ملوكا بِالشَّام أَكثر من أَرْبَعمِائَة سنة، وأولهم جَفْنَة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة، وَآخرهمْ جبلة السَّادِس ابْن الْأَيْهَم، وَصَاحب الحَدِيث الْمَشْهُور مَعَ عمر بن الْخطاب فِي إِسْلَامه وتنصره وفراره إِلَى الرّوم، وَقد سقنا الرأيين هُنَا لما بَينهمَا من خلاف.
[٣] المشلل (بِالضَّمِّ ثمَّ الْفَتْح وَفتح اللَّام أَيْضا): جبل وَرَاء عزور (وَاد قريب من الْمَدِينَة) يهْبط مِنْهُ إِلَى قديد من نَاحيَة الْبَحْر. قَالَ العرجى:
أَلا قل لمن أَمْسَى بِمَكَّة قاطنا ... وَمن جَاءَ من عمق ونقب المشلل
دعوا الْحَج لَا تستهلكوا نفقاتكم ... فَمَا حج هَذَا الْعَام بالمتقبل
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت، ومعجم مَا استعجم للبكرى) .
[٤] الْجحْفَة (بِالضَّمِّ ثمَّ السّكُون وَالْفَاء): قَرْيَة كَانَت كَبِيرَة ذَات مِنْبَر على طَرِيق الْمَدِينَة من مَكَّة على أَربع مراحل، وَهِي مِيقَات أهل مصر وَالشَّام إِن لم يمروا على الْمَدِينَة، فَإِن مروا بِالْمَدِينَةِ فميقاتهم ذُو الحليفة، وَكَانَ اسْمهَا مهيعة، وَإِنَّمَا سميت الْجحْفَة لِأَن السَّيْل اجتحفها وَحمل أَهلهَا فِي بعض الأعوام، وَهِي الْآن خراب. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «... شربوا مِنْهُ تحزبوا فسموا بِهِ ... إِلَخ» وَالظَّاهِر أَن كلمة تحزبوا مقحمة.
[٦] وَيُقَال فِيهِ الأزد أَيْضا.
إمَّا سَأَلْتِ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌ ... الْأَسْدُ نِسْبَتُنَا وَالْمَاءُ غَسَّانُ
[١] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
فَقَالَتْ الْيَمَنُ: وَبَعْضُ عَكٍّ، وَهُمْ الَّذِينَ بِخُرَاسَانَ مِنْهُمْ، عَكُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ [٢]، وَيُقَالُ: عُدْثَانَ [٣] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [٤] بْنِ الْأَسْدِ ابْن الْغَوْثِ.
(أَوْلَادُ مَعَدٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ [٥] أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: نِزَارَ بْنَ مَعَدٍّ، وَقُضَاعَةَ ابْن مَعَدٍّ، وَكَانَ قُضَاعَةُ بِكْرَ [٦] مَعَدٍّ الَّذِي بِهِ يُكَنَّى فِيمَا يَزْعُمُونَ، وقُنُصُ بْنَ مَعَدٍّ، وَإِيَادَ بْنَ مَعَدٍّ.
فَأَمَّا قُضَاعَةُ فَتَيَامَنَتْ إلَى حِمْيَرِ بْنِ سَبَأٍ- وَكَانَ اسْمُ سَبَأٍ عَبْدَ شَمْسٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ سَبَأً، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَبَى فِي الْعَرَبِ- ابْنِ يَشْجُبَ [٧] بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ.
(قُضَاعَةُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَقَالَتْ الْيَمَنُ وَقُضَاعَةُ: قُضَاعَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرَ [٨] . وَقَالَ
------------------------[١] وَقبل هَذَا الْبَيْت:
يَا أُخْت آل فراس إِنَّنِي رجل ... من معشر لَهُم فِي الْمجد بُنيان
[٢] وَبِهَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه المعارف، وَابْن دُرَيْد: فِي الِاشْتِقَاق، والجواني: فِي أصُول الأحساب.
[٣] كَذَا فِي أ. وَقد نَقله الجواني أَيْضا فِي أصُول الأحساب عَن الْأَفْطَس الطرابلسي النسابة بعد مَا سَاق الرأى الأول، وَفِي م، ر «عدنان» بالنُّون.
[٤] فِي الأَصْل: «عدثان (عدنان) بن الديث بن عبد الله ... إِلَخ» . وَالظَّاهِر أَن كلمة «بن الديث» مقحمة، فَكل الَّذين عرضوا لعك بن عدنان الَّذين فِي الأزد من النسابة لم يذكرُوا فِي نسبهم غير الرأيين السَّابِقين.
[٥] لَا خلاف بَين النسابين فِي أَن نزار هُوَ ابْن معد، وَأما سَائِر ولد معد فمختلف فيهم، وَفِي عَددهمْ.
[٦] الْبكر: أول ولد الرجل، وَأَبوهُ بكر، والثني: وَلَده الثَّانِي، وَأَبوهُ ثنى، وَالثَّالِث: وَلَده الثَّالِث، وَلَا يُقَال للْأَب ثلث، كَمَا لَا يُقَال بعد الثَّالِث شَيْء من هَذَا.
[٧] فِي الأَصْل: «ابْن يعرب بن يشجب» . والتصويب عَن شرح السِّيرَة.
[٨] يخْتَلف النسابون- كَمَا رَأَيْت- فِي نسب قضاعة، فَمنهمْ من جعله فِي معد، وَمِنْهُم من نسبه إِلَى مَالك بن حمير، وَقد سَاق الْمُؤلف قَول ابْن مرّة سندا للرأى الثَّانِي، وَمِمَّا يحْتَج بِهِ أَصْحَاب الرأى الأول، قَول زُهَيْر:
عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ [١] الْجُهَنِيُّ، وَجُهَيْنَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سَوْدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ [٢] ابْن قُضَاعَةَ:
نَحْنُ بَنُو الشَّيْخِ الْهِجَانِ الْأَزْهَرَ [٣] ... قُضَاعَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرِ [٤]
النَّسَبِ الْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ ... فِي الْحَجَرِ الْمَنْقُوشِ تَحْتَ الْمِنْبَرِ
[٥]
(قُنُصُ بْنُ مَعَدٍّ، وَنَسَبُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا قُنُصُ بْنُ مَعَدٍّ فَهَلَكَتْ بَقِيَّتُهُمْ- فِيمَا يَزْعُمُ نُسَّابُ مَعَدٍّ- وَكَانَ مِنْهُمْ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلِكُ الْحِيرَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ كَانَ مِنْ وَلَدِ قُنُصِ بْنِ مَعَدٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَنَصَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ:
--------------------
[()]
قضاعية أَو أُخْتهَا مضرية ... يحرق فِي حافاتها الْحَطب الجزل
فَفِيهِ أَن قضاعة وَمُضر أَخَوان، كَمَا يحتجون بأشعار كَثِيرَة للبيد وَغَيره. وللكميت يُعَاتب قضاعة على انتسابهم إِلَى الْيمن:
علام نزلتم من غير فقر ... وَلَا ضراء منزلَة الْحميل
(والحميل: المسبى، لِأَنَّهُ يحمل من بلد إِلَى بلد) .
وَإِذا عرفنَا أَن امْرَأَة مَالك بن حمير- وَاسْمهَا عكبرة- آمت مِنْهُ وَهِي ترْضع قضاعة، فَتَزَوجهَا معد، فَتَبَنَّاهُ وتكنى بِهِ، وَهَذَا كثير فِي الْعَرَب- فقد نسب بَنو عبد مَنَاة بن كنَانَة إِلَى على بن مَسْعُود بن مَازِن بن الذِّئْب الْأَسدي، لِأَنَّهُ كَانَ حاضن أَبِيهِم وَزوج أمّهم- إِذا عرفنَا هَذَا استطعنا أَن نَعْرِف السِّرّ فِي اخْتِلَاف النسابين، وَأَن للرأيين نَصِيبا من الصِّحَّة.
[١] ويكنى أَبَا مرّة، وَهُوَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ، وَله عَنهُ حديثان أَحدهمَا فِي أَعْلَام النُّبُوَّة، وَالْآخر: «من ولى أَمر النَّاس فسد بَابه دون ذوى الْحَاجة والخلة والمسكنة، سد الله بَابه دون حَاجته وَخلته ومسكنته يَوْم الْقِيَامَة» .
[٢] يجوز فِي «الحاف» قطع الْهمزَة وَكسرهَا، كَأَنَّهُ سمى بمصدر ألحف، وَيجوز أَن يكون اسْم الْفَاعِل من حفى يحفى.
[٣] الهجان: الْكَرِيم، والأزهر: الْمَشْهُور.
[٤] أول هَذَا الرجز:
يَا أَيهَا الدَّاعِي ادعنا وَابْشَرْ ... وَكن قضاعيا وَلَا تنزر
[٥] هَذَا الشّطْر الْأَخير سَاقِط فِي أ. وَيُقَال إِن هَذَا الشّعْر لأفلح بن اليعبوب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف للسهيلى) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 11:38 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (4)
صــ 11إلى صــ 20
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه حِينَ أُتِيَ بِسَيْفِ النُّعْمَانِ [١] بْنِ الْمُنْذِرِ، دَعَا جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ- وَكَانَ جُبَيْرُ مِنْ أَنْسَبِ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشِ وَلِلْعَرَبِ قَاطِبَةً، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّمَا أَخَذْتُ النَّسَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنْسَبَ الْعَرَبِ- فَسَلَّحَهُ [٢] إيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: مِمَّنْ كَانَ يَا جُبَيْرُ، النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ؟ فَقَالَ: كَانَ مِنْ أَشْلَاءِ [٣] قُنُصِ بْنِ مَعَدٍّ [٤] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ، مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ، فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
(نَسَبُ لَخْمِ بْنِ عَدِيٍّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَخْمُ: ابْنُ عَدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ هُمَيْسِعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ:
لَخْمُ: ابْنُ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرِ [٥] بْنِ أَبِي حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَكَانَ تَخَلَّفَ بِالْيَمَنِ بَعْدَ خُرُوجِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنْ الْيَمَنِ.
------------------------
[١] وَكَانَ ذَلِك حِين افتتحت الْمَدَائِن، وَكَانَت بهَا حرائب كسْرَى وذخائره فَأخذت، وَكَانَ فِيهَا خَمْسَة أسياف لم ير مثلهَا، أَحدهَا هَذَا السَّيْف. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٢] سلحه إِيَّاه: قَلّدهُ إِيَّاه، وَجعله سِلَاحا لَهُ.
[٣] الأشلاء: البقايا. وَكَانَ السَّبَب فِي هَلَاك أَوْلَاد قنص أَنهم لما كَثُرُوا وانتشروا بالحجاز وَقعت بَينهم وَبَين أَبِيهِم حَرْب، وتضايقوا فِي الْبِلَاد، وأجدبت بهم الأَرْض، فَسَارُوا نَحْو سَواد الْعرَاق، وَذَلِكَ أَيَّام مُلُوك الطوائف، فَقَاتلهُمْ الأردانيون وَبَعض مُلُوك الطوائف، وأجلوهم عَن السوَاد، وقتلوهم إِلَّا أشلاء لحقت بقبائل الْعَرَب، ودخلوا فيهم، وانتسبوا إِلَيْهِم.
[٤] وَقيل إِن النُّعْمَان بن الْمُنْذر كَانَ من ولد عجم بن قنص، إِلَّا أَن النَّاس لم يدروا مَا عجم، فَجعلُوا مَكَانَهُ لخما، فَقَالُوا: هُوَ من لخم. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] وَيُقَال: هُوَ نصر بن مَالك بن شعوذ بن مَالك بن عجم بن عَمْرو بن نمارة من لخم (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
أَمْرُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْيَمَنِ وَقِصَّةُ سَدِّ مَأْرِبٍ
وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنْ الْيَمَنِ- فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ- أَنَّهُ رَأَى جُرَذًا [١] يَحْفِرُ فِي سَدِّ مَأْرِبٍ، الَّذِي كَانَ يَحْبِسُ عَلَيْهِمْ الْمَاءَ، فَيُصَرِّفُونَهُ حَيْثُ شَاءُوا مِنْ أَرْضِهِمْ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلسَّدِّ عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَزَمَ عَلَى النُّقْلَةِ مِنْ الْيَمَنِ، فَكَادَ قَوْمَهُ، فَأَمَرَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ إذَا أَغْلَظَ لَهُ وَلَطَمَهُ أَنْ يَقُومَ إلَيْهِ فَيَلْطِمَهُ، فَفَعَلَ ابْنُهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَا أُقِيمُ بِبَلَدِ لَطَمَ وَجْهِي فِيهِ أَصْغَرُ وَلَدِي، وَعَرَضَ أَمْوَالَهُ. فَقَالَ أَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ: اغْتَنِمُوا غَضْبَةَ عَمْرٍو، فَاشْتَرَوْا مِنْهُ أَمْوَالَهُ. وَانْتَقَلَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ. وَقَالَتْ الْأَزْدُ: لَا نَتَخَلَّفُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، فَبَاعُوا أَمْوَالَهُمْ، وَخَرَجُوا مَعَهُ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِلَادَ عَكٍّ مُجْتَازِينَ يَرْتَادُونَ الْبُلْدَانَ، فَحَارَبَتْهُمْ عَكٌّ، فَكَانَتْ حَرْبُهُمْ سِجَالًا [٢] . فَفِي ذَلِكَ قَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْبَيْتَ الَّذِي كَتَبْنَا [٣] . ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهُمْ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ، فَنَزَلَ آلُ جَفْنَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الشَّامَ، وَنَزَلَتْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَثْرِبَ، وَنَزَلَتْ خُزَاعَةُ مَرَّا [٤]، وَنَزَلَتْ أَزْد السّراة السَّرَاةَ [٥]، وَنَزَلَتْ أَزْدُ عَمَّانَ عُمَانَ، ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى السَّدِّ السَّيْلَ فَهَدَمَهُ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ، جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ٣٤: ١٥- ١٦.
---------------------------
[١] الجرذ: الذّكر من الفئران.
[٢] السجال: أَن يغلب هَؤُلَاءِ مرّة وَهَؤُلَاء مرّة. وَأَصله من المساجلة فِي الاستقاء، وَهُوَ أَن يخرج المستقى من المَاء مثل مَا يخرج صَاحبه.
[٣] رَاجع هَذَا الْبَيْت وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ (فِي أول ص ٩ من هَذَا الْجُزْء) .
[٤] مر: هُوَ الّذي يُقَال لَهُ مر الظهْرَان، وَمر ظهران، وَهُوَ مَوضِع على مرحلة من مَكَّة.
[٥] قَالَ الْأَصْمَعِي: الطود: جبل مشرف على عَرَفَة ينقاد إِلَى صنعاء يُقَال لَهُ السراة، وَإِنَّمَا سمى بذلك لعلوه، يُقَال لَهُ سراة ثَقِيف، ثمَّ سراة فهم وعدوان، ثمَّ سراة الأزد. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
وَالْعَرِمُ: السَّدُّ، وَاحِدَتُهُ: عَرِمَةٌ، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ.
قَالَ الْأَعْشَى: أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ [١] جَدِيلَةَ، وَاسْمُ الْأَعْشَى، مَيْمُونُ بْنُ قَيْسِ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ قَيْسِ ابْن ثَعْلَبَةَ:
وَفِي ذَاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ [٢] ... ومارِبُ عَفَّى [٣] عَلَيْهَا العَرِمْ
رُخَامٌ بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيرٌ ... إذَا جَاءَ [٤] مَوَّارُهُ لَمْ يَرِمْ
فَأَرْوَى الزُّرُوعَ وَأَعْنَابَهَا ... عَلَى سَعَةٍ مَاؤُهُمْ إذْ قُسِمْ
فَصَارُوا أيادي [٥] مَا يقدرُونَ ... مِنْهُ عَلَى شُرْبِ [٦] طِفْلٍ فُطِمْ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ- وَاسْمُ ثَقِيفٍ قَسِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ بْنِ عَدْنَانَ:
مِنْ سَبَأِ الْحَاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ... يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيْلِهِ الْعَرِمَا
[٧] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَتُرْوَى لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ بَنِي جَعْدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ.
وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْتُ مِنْ الِاخْتِصَارِ.
-----------------------------
[١] وعَلى هَذَا الرأى ابْن دُرَيْد فِي كِتَابه «الِاشْتِقَاق» .
[٢] المؤتسى: المقتدى. والإسوة (بِالْكَسْرِ وَالضَّم): الِاقْتِدَاء.
[٣] ويروى: «نفى» وَمَعْنَاهَا: نحى.
[٤] مواره (بِضَم الْمِيم وَفتحهَا): تلاطم مَائه وتموجه.
[٥] أيادي: مُتَفَرّقين.
[٦] الشّرْب (بِالضَّمِّ): الْمصدر. و(بِالْكَسْرِ): الْحَظ والنصيب من المَاء.
[٧] فِي هَذَا الْبَيْت شَاهد على أَن العرم هُوَ السد.
أَمْرُ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرِ مَلِكِ الْيَمَنِ وَقِصَّةُ شِقٍّ وَسَطِيحٍ الْكَاهِنَيْنِ مَعَهُ
(رُؤْيَا رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ مَلِكُ الْيَمَنِ بَيْنَ أَضْعَافِ مُلُوكِ التَّبَابِعَةِ، فَرَأَى رُؤْيَا هَالَتْهُ، وَفَظِعَ [١] بِهَا فَلَمْ يَدَعْ كَاهِنًا، وَلَا سَاحِرًا، وَلَا عَائِفًا [٢] وَلَا مُنَجِّمًا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ إلَّا جَمَعَهُ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي، وَفَظِعْتُ بِهَا، فَأَخْبِرُونِي بِهَا وَبِتَأْوِيلِهَا، قَالُوا لَهُ: اُقْصُصْهَا عَلَيْنَا نُخْبِرْكَ بِتَأْوِيلِهَا، قَالَ: إنِّي إنْ أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا لَمْ أَطْمَئِنَّ إلَى خَبَرِكُمْ عَنْ تَأْوِيلِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ تَأْوِيلَهَا إلَّا مَنْ عَرَفَهَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَهُ بِهَا. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: فَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ يُرِيدُ هَذَا فَلْيَبْعَثْ إلَى سَطِيحٍ [٣] وَشِقٍّ [٤]، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُمَا، فَهُمَا يُخْبِرَانِهِ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ.
(نَسَبُ سَطِيحٍ وَشِقٍّ):
وَاسْمُ سَطِيحٍ رَبِيعُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَازِنِ بْنِ ذِئْبِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَازِنِ غَسَّانَ.
وَشِقٌّ: ابْنُ صَعْبِ بْنُ يَشْكُرَ بْنِ رُهْمِ بْنِ أَفْرَكَ بْنِ قَسْرِ [٥] بْنِ عَبْقَرَ بْنِ أَنْمَارِ بْنِ نِزَارٍ [٦]، وَأَنْمَارُ أَبُو بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ.
(نَسَبُ بَجِيلَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَتْ: الْيَمَنُ وَبَجِيلَةُ: (بَنُو) [٧] أَنْمَارِ: بْنِ إرَاشِ
---------------------------
[١] يُقَال: فظع بِالْأَمر (كعلم): إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ.
[٢] العائف: الّذي يزْجر الطير.
[٣] يُقَال: إِنَّمَا سمى سطيحا لِأَنَّهُ كَانَ كالبضعة الملقاة على الأَرْض، فَكَأَنَّهُ سطح عَلَيْهَا، ويروى عَن وهب بن مُنَبّه أَنه قَالَ: قيل لسطيح: أَنى لَك هَذَا الْعلم؟ فَقَالَ: لي صَاحب من الْجِنّ اسْتمع أَخْبَار السَّمَاء من طور سيناء حِين كلم الله تَعَالَى مِنْهُ مُوسَى عليه السلام، فَهُوَ يُؤدى إِلَى من ذَلِك مَا يُؤَدِّيه، وَقد ولد هُوَ وشق فِي الْيَوْم الّذي مَاتَت فِيهِ طريفة الكاهنة امْرَأَة عَمْرو بن عَامر.
[٤] يُقَال إِنَّه سمى كَذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ كشق إِنْسَان، كَمَا يُقَال إِن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي كَانَ من وَلَده.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «قيس» .
[٦] كَذَا فِي م، ر: وَهِي إِحْدَى رِوَايَات المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة. وَفِي أ: «أَنْمَار بن أراش» .
[٧] زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق.
ابْن لِحْيَانَ [١] بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ [٢] بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: إرَاشُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لِحْيَانَ بْنِ الْغَوْثِ [٣] . وَدَارُ بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ يَمَانِيَّةٌ.
(رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ وَسَطِيحٌ) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَعَثَ إلَيْهِمَا، فَقَدِمَ عَلَيْهِ سَطِيحٌ قَبْلَ شِقٍّ، فَقَالَ لَهُ: إنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي وَفَظِعْتُ بِهَا، فَأَخْبِرْنِي بِهَا، فَإِنَّكَ إنْ أَصَبْتَهَا أَصَبْتَ تَأْوِيلَهَا.
قَالَ: أَفْعَلُ، رَأَيْتُ حُمَمَهُ [٤] خَرَجَتْ مِنْ ظُلُمِهِ [٥]، فَوَقَعَتْ بِأَرْضِ تُهَمِهِ [٦]، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ [٧] جُمْجُمَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا أَخْطَأْتَ مِنْهَا شَيْئًا يَا سَطِيحٌ، فَمَا عِنْدَكَ فِي تَأْوِيلِهَا؟ فَقَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ [٨] مِنْ حَنَشٍ، لَتَهْبِطَنَّ أَرْضَكُمْ الْحَبَشُ [٩]، فَلَتَمْلِكَنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ [١٠] إلَى جُرَشَ [١١]، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ:
--------------------
[١] سَاق ابْن دُرَيْد هَذَا الرأى إِلَّا أَنه لم يذكر فِيهِ «لحيان» .
[٢] كَذَا فِي أوالاشتقاق لِابْنِ دُرَيْد. وَفِي م، ر: «نايت» .
[٣] وَيُقَال أَيْضا فِي نسب بجيلة وخثعم إنَّهُمَا ليسَا لأنمار، وَإِنَّمَا هما حليفان لوَلَده. (رَاجع المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة) .
[٤] الحممة: الفحمة، وَإِنَّمَا أَرَادَ فَحْمَة فِيهَا نَار.
[٥] من ظلمَة: أَي من ظلام، يعْنى من جِهَة الْبَحْر، يُرِيد خُرُوج عَسْكَر الْحَبَشَة من أَرض السودَان.
[٦] التُّهْمَة: الأَرْض المتصوبة نَحْو الْبَحْر.
[٧] قَالَ «كل ذَات» لِأَن الْقَصْد إِلَى النَّفس والنسمة، وَيدخل فِيهِ جَمِيع ذَوَات الْأَرْوَاح. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٨] الْحرَّة: أَرض فِيهَا حِجَارَة سود متشيطة.
[٩] يُقَال إِنَّهُم بَنو حبش بن كوش بن حام بن نوح، وَبِه سميت الْحَبَشَة.
[١٠] أبين (بِفَتْح أَوله وبكسر، وَيُقَال: يبين، وَذكره سِيبَوَيْهٍ فِي الْأَمْثِلَة بِكَسْر الْهمزَة وَلَا يعرف أهل الْيمن غير الْفَتْح، وَحكى أَبُو حَاتِم قَالَ: سَأَلنَا أَبَا عُبَيْدَة: كَيفَ تَقول: عدن أبين أَو إبين؟ فَقَالَ:
أبين وإبين جَمِيعًا): مخلاف بِالْيمن مِنْهُ عدن، يُقَال إِنَّه سمى بأبين بن زُهَيْر بن أَيمن. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: عدن وَأبين ابْنا عدنان بن أدد، وَأنْشد الْفراء:
مَا من أنَاس بَين مصر وعالج ... وَأبين إِلَّا قد تركنَا لَهُم وترا
وَنحن قتلنَا الأزد أَزْد شنُوءَة ... فَمَا شربوا بعدا على لَذَّة خمرًا
وَقَالَ عمَارَة بن الْحسن الْيُمْنَى الشَّاعِر: أبين: مَوضِع فِي جبل عدن. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[١١] جرش (بِالضَّمِّ ثمَّ الْفَتْح وشين مُعْجمَة): من مخاليف الْيمن من جِهَة مَكَّة، وَقيل: هِيَ مَدِينَة عَظِيمَة بِالْيمن، وَولَايَة وَاسِعَة. وَذكر بعض أهل السّير: أَن تبعا أسعد بن كلى كرب خرج من الْيمن غازيا
وَأَبِيكَ يَا سَطِيحُ، إنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ، فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ؟ أَفِي زَمَانِي هَذَا، أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَعْدَهُ بِحِينِ، أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ، يَمْضِينَ مِنْ السِّنِينَ قَالَ: أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِمْ أَمْ يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يَنْقَطِعُ لِبِضْعِ وَسَبْعِينَ مِنْ السِّنِينَ، ثُمَّ يُقْتَلُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا هَارِبِينَ، قَالَ: وَمَنْ يَلِي مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ؟ قَالَ: يَلِيهِ إرَمُ (بْنُ) [١] ذِي يَزَنَ [٢]، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنَ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ، قَالَ: أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِ، أَمْ يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يَنْقَطِعُ، قَالَ: وَمَنْ يَقْطَعُهُ؟ قَالَ: نَبِيٌّ [٣] زَكِيٌّ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيِّ، قَالَ: وَمِمَّنْ هَذَا النَّبِيُّ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، قَالَ: وَهَلْ لِلدَّهْرِ مِنْ آخِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَوْمٌ يُجْمَعُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، يَسْعَدُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، وَيَشْقَى فِيهِ الْمُسِيئُونَ قَالَ: أَحَقٌّ مَا تُخْبِرُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالشَّفَقُ وَالْغَسَقُ، وَالْفَلَقُ إذَا اتَّسَقَ، إنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ لَحَقٌّ.
(رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ وَشِقٌّ):
ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ شِقٌّ، فَقَالَ لَهُ كَقَوْلِهِ لِسَطِيحِ، وَكَتَمَهُ مَا قَالَ سَطِيحٌ، لِيَنْظُرَ أَيَتَّفِقَانِ أَمْ يَخْتَلِفَانِ، فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ حُمَمَهُ، خَرَجَتْ مِنْ ظُلُمِهِ، فَوَقَعَتْ بَيْنَ رَوْضَةٍ وَأَكَمَهْ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ نَسَمَهْ.
------------------------
[()] (حَتَّى إِذا كَانَ بجرش، وَهِي إِذْ ذَاك خربة ومعد حَالَة حواليها، خلف جمعا مِمَّن كَانَ صَحبه رأى فيهم ضعفا، وَقَالَ: اجرشوا هَاهُنَا، أَي أثيروا، فسميت جرش بذلك، وَلم أجد فِي اللغويين من قَالَ: إِن الجرش الْمقَام وَقَالَ أَبُو الْمُنْذر هِشَام: جرش: أَرض سكنها بَنو مُنَبّه بن أسلم، فَغلبَتْ على اسمهم، وَهُوَ جرش، واسْمه مُنَبّه بن أسلم بن زيد، وَإِلَى هَذِه الْقَبِيلَة ينْسب الْغَاز بن ربيعَة. وَفتحت جرش فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ فِي سنة عشر لِلْهِجْرَةِ.
[١] زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق.
[٢] الْمَعْرُوف: سيف بن ذِي يزن، وَلكنه جعله إرما، إِمَّا لِأَن الإرم هُوَ الْعلم فمدحه بذلك، وَإِمَّا أَن يكون أَرَادَ تشبيهه بعاد إرم فِي عظم الْخلق وَالْقُوَّة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] قد عمر سطيح زَمَانا طَويلا بعد هَذَا الحَدِيث، حَتَّى أدْرك مولد النَّبِي ﷺ، وَحَتَّى رأى كسْرَى أنوشروان مَا رأى من ارتجاس الإيوان، وخمود النيرَان، فَأرْسل كسْرَى عبد الْمَسِيح بن عَمْرو- وَكَانَ سطيح من أخوال عبد الْمَسِيح- فَقدم عبد الْمَسِيح على سطيح، وَقد أشفى على الْمَوْت، وَله مَعَه حَدِيث ترَاهُ مَبْسُوطا فِي كتب التَّارِيخ.
٢- سيرة ابْن هِشَام- ١
قَالَ: فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَرَفَ أَنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا وَأَنَّ قَوْلَهُمَا وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ سَطِيحًا قَالَ: «وَقَعَتْ بِأَرْضِ تَهَمَهْ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ جُمْجُمَهُ» . وَقَالَ شِقٌّ:
«وَقَعَتْ بَيْنَ رَوْضَةٍ وَأَكَمَهْ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ نَسَمَهْ» .
فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا أَخْطَأْتَ يَا شِقُّ مِنْهَا شَيْئًا، فَمَا عِنْدَكَ فِي تَأْوِيلِهَا؟ قَالَ:
أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ إنْسَانٍ، لَيَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمْ السُّودَانُ، فَلَيَغْلِبُنَّ عَلَى كُلِّ طَفْلَةِ [١] الْبَنَانِ، وَلَيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إلَى نَجْرَانَ.
فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَأَبِيكَ يَا شِقُّ، إنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ، فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ؟
أَفِي زَمَانِي، أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَعْدَهُ بِزَمَانِ، ثُمَّ يَسْتَنْقِذُكُمْ مِنْهُمْ عَظِيمٌ ذُو شَأْنٍ، وَيُذِيقُهُمْ أَشَدَّ الْهَوَانِ، قَالَ: وَمَنْ هَذَا الْعَظِيمُ الشَّانِ؟ قَالَ: غُلَامٌ لَيْسَ بِدَنِيِّ، وَلَا مُدَنٍّ [٢]، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَنَ، (فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ) [٣]، قَالَ: أَفَيَدُومُ سُلْطَانُهُ، أَمْ يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولِ مُرْسَلٍ يَأْتِي بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إلَى يَوْمِ الْفَصْلِ، قَالَ: وَمَا يَوْمُ الْفَصْلِ؟ قَالَ: يَوْمٌ تُجْزَى فِيهِ الْوُلَاةُ، وَيُدْعَى فِيهِ مِنْ السَّمَاءِ بِدَعَوَاتِ، يَسْمَعُ مِنْهَا الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، وَيُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ لِلْمِيقَاتِ، يَكُونُ فِيهِ لِمَنْ اتَّقَى الْفَوْزُ وَالْخَيْرَاتُ، قَالَ: أَحَقٌّ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ رَفْعٍ وَخَفْضٍ، إنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ لَحَقٌّ مَا فِيهِ أَمْضِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَمْضِ: يَعْنِي شَكَّا، هَذَا بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: أَمْضِ أَيْ بَاطِلٌ.
(هِجْرَةُ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ إلَى الْعِرَاقِ):
فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ مَا قَالَا. فَجَهَّزَ بَنِيهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ إلَى الْعِرَاقِ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ إلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ سَابُورُ بْنُ خُرَّزاذَ، فَأَسْكَنَهُمْ الْحِيرَةَ.
-------------------------
[١] الطفلة: الناعمة الرُّخْصَة.
[٢] الْمدنِي: «بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل» المقصر فِي الْأُمُور أَو الّذي يتبع خسيسها. وَفِي ابْن الْأَثِير:
«مزن» من أزننته بِكَذَا: أَي اتهمته بِهِ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
(نَسَبُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ):
فَمِنْ بَقِيَّةِ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، فَهُوَ فِي نَسَبِ الْيَمَنِ وَعِلْمِهِمْ [١] النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ، ذَلِكَ الْمَلِكُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فِيمَا أَخْبَرَنِي خَلَفٌ الْأَحْمَرُ.
اسْتِيلَاءُ أَبِي كَرِبٍ تُبَّانَ أَسْعَدَ عَلَى مَلِكِ الْيَمَنِ وَغَزْوِهِ إلَى يَثْرِبَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ رَجَعَ مُلْكُ الْيَمَنِ كُلُّهُ إلَى حَسَّانِ بْنِ تُبَّانَ أَسْعَدَ [٢] أَبِي كَرِبٍ- وَتُبَّانُ أَسْعَدُ هُوَ تُبَّعٌ الْآخِرُ- ابْنُ كُلِي كَرِبِ [٣] بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدٌ هُوَ تُبَّعٌ الْأَوَّلُ بْنُ عَمْرِو ذِي [٤] الْأَذْعَارِ [٥] بْنِ أَبْرَهَةَ ذِي الْمَنَارِ [٦] بْنِ الرِّيشِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الرَّائِشُ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ابْنَ عَدِيِّ [٧] بْنِ صَيْفِيِّ ابْن سَبَأٍ الْأَصْغَرِ بْنِ كَعْبٍ، كَهْفِ الظُّلْمِ [٨]، بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَمْرِو
-------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر، ط: «غلبهم» وَلَا معنى لَهَا.
[٢] تبان أسعد: اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا، كَمَا هِيَ الْحَال فِي معديكرب. وتبان من التبانة، وَهِي الذكاء والفطنة.
[٣] كَذَا فِي جَمِيع المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا، وَفِي الأَصْل «كليككرب» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] اتّفق أَبُو الْفِدَاء وَابْن جرير مَعَ ابْن إِسْحَاق على أَن ذَا الأذعار هُوَ عَمْرو، وَخَالَفَهُمَا المَسْعُودِيّ فِي «مروج الذَّهَب» فَقَالَ إِن فَقَالَ إِن اسْمه العَبْد بن أَبْرَهَة، كَمَا ذهب ابْن دُرَيْد فِي كِتَابه «الِاشْتِقَاق» إِلَى أَن ذَا الأذعار هُوَ تبع، وَلم يقف الْخلاف فِي المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا عِنْد هَذَا فِي مُلُوك الْيمن، بل تجاوزه إِلَى كثير غَيره رَأينَا عدم إثْبَاته، إِذْ لَا طائل تَحْتَهُ.
[٥] سمى ذَا الأذعار لِأَنَّهُ- كَمَا زعم ابْن الْكَلْبِيّ- جلب النسناس إِلَى الْيمن فذعر النَّاس، وَهُوَ قَول يحْتَاج إِلَى تمحيص. (رَاجع الِاشْتِقَاق، وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٦] قيل سمى ذَا الْمنَار لِأَنَّهُ غزا غزوا بَعيدا، وَكَانَ بيني على طَرِيقه الْمنَار ليستدل بِهِ إِذا رَجَعَ. (عَن شرح السِّيرَة) .
[٧] فِي الطَّبَرِيّ «قيس» .
[٨] يُرِيد أَن الظَّالِم كَانَ يلجأ إِلَيْهِ، ويعتمد عَلَيْهِ، فينصره.
ابْن قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ وَائِلِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ قَطَنِ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَيْمَنَ بْنِ الهُمَيْسِعِ بْنِ العَرَنجَج والعَرَنْجَجُ [١]: حِمْيَرُ بْنُ سَبَأٍ الْأَكْبَرِ ابْن يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ قَحْطَانَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَشْجُبُ: ابْنُ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ [٢] .
(شَيْءٌ مِنْ سِيرَةِ تُبَّانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتُبَّانُ أَسْعَدُ أَبُو كَرِبٍ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَسَاقَ الْحِبْرَيْنِ مِنْ يَهُودِ (الْمَدِينَةِ) [٣] إلَى الْيَمَنِ، وَعَمَّرَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَكَسَاهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ قَبْلَ مُلْكِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ [٤] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ:
لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَبِي كَرِبٍ ... أَنْ يَسُدَّ خَيْرُهُ خَبَلَهُ
[٥]
(غَضَبُ تُبَّانَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ قَدْ جَعَلَ طَرِيقَهُ- حِينَ أَقْبَلَ مِنْ الْمَشْرِقِ- عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ قَدْ مَرَّ بِهَا فِي بَدْأَتِهِ فَلَمْ يَهِجْ أَهْلَهَا، وَخَلَّفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ابْنًا لَهُ، فَقُتِلَ غِيلَةً، فَقَدِمَهَا وَهُوَ مُجْمِعٌ لِإِخْرَابِهَا، وَاسْتِئْصَالِ أَهْلِهَا، وَقَطْعِ نَخْلِهَا [٦]، فَجُمِعَ لَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَرَئِيسُهُمْ عَمْرُو بْنُ طَلَّةَ أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ. وَاسْمُ مَبْذُولٍ: عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَاسْمُ النَّجَّارِ:
-----------------------
[١] لَيست النُّون فِي العرنجج زَائِدَة، بل هُوَ من قَوْلهم: اعرنجج الرجل فِي أمره: إِذا جد فِيهِ (عَن الِاشْتِقَاق) .
[٢] وعَلى هَذَا الرأى جَمِيع المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] الّذي فِي مروج الذَّهَب: أَن تبع بن حسان بن كل كرب هُوَ صَاحب هَذِه الْحَادِثَة.
[٥] الخبل: الْفساد، وَقد نسب هَذَا الْبَيْت إِلَى الْأَعْشَى خطأ، وَإِنَّمَا هُوَ لعجوز من بنى سَالم يُقَال إِن اسْمهَا جميلَة، قالته حِين جَاءَ ملك بن العجلان بِخَبَر تبع.
[٦] وَقيل: إِن تبعا لم يقْصد غزوها، وَإِنَّمَا قصد قتل الْيَهُود الَّذين كَانُوا فِيهَا، وَذَلِكَ أَن الْأَوْس والخزرج كَانُوا نزلوها مَعَهم حِين خَرجُوا من الْيمن على شُرُوط وعهود كَانَت بَينهم فَلم يَفِ لَهُم بذلك الْيَهُود واستضاموهم، فاستغاثوا بتبع، فَعِنْدَ ذَلِك قدمهَا. كَمَا قيل: إِن هَذَا الْخَبَر كَانَ لأبى جبلة الغساني. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ.
(نَسَبُ عَمْرِو بْنِ طَلَّةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ طَلَّةَ: عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ ابْن النَّجَّارِ، وَطَلَّةُ أُمُّهُ، وَهِيَ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ [١] بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ ابْن غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ.
(سَبَبُ قِتَالِ تُبَّانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ، عَدَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ تُبَّعٍ حِينَ نَزَلَ بِهِمْ فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي عَذْقٍ [٢] لَهُ يَجُدُّهُ [٣] فَضَرَبَهُ بِمِنْجَلِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: إنَّمَا التَّمْرُ لِمَنْ أَبَّرَهُ [٤] . فَزَادَ ذَلِكَ تُبَّعًا حَنَقًا عَلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا. فَتَزْعُمُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَاتِلُونَهُ بِالنَّهَارِ، وَيَقْرُونَهُ [٥] بِاللَّيْلِ، فَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَيَقُولُ: وَاَللَّهِ إنَّ قَوْمَنَا لَكِرَامٌ.
(انْصِرَافُ تُبَّانَ عَنْ إهْلَاكِ الْمَدِينَةِ، وَشِعْرُ خَالِدٍ فِي ذَلِكَ):
فَبَيْنَا تُبَّعٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِمْ، إذْ جَاءَهُ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ- وَقُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَالنَّجَّامُ [٦] وَعَمْرٌو، وَهُوَ هَدَلُ [٧]، بَنُو الْخَزْرَجِ بْنِ الصَّرِيح بن التّوأمان [٨] بْنِ السِّبْطِ بْنِ الْيَسَعَ بْنِ سَعْدِ بْنِ لَاوِيِّ بْنِ خَيْرِ بْنِ النَّجَّامِ بْنِ تَنْحُومَ بْنِ عَازَرِ بْنِ عُزْرَى بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثِ [٩] ابْنِ لَاوَى بْنِ يَعْقُوبَ، وَهُوَ إسْرَائِيلُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، صَلَّى اللَّهُ
-----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر، ط: «زُرَيْق بن عَامر بن زُرَيْق بن عبد حَارِثَة» .
[٢] العذق (بِفَتْح الْعين): النَّخْلَة. (وبكسرها): الكباسة بِمَا عَلَيْهَا من التَّمْر.
[٣] يجده: يقطعهُ.
[٤] أبره: أصلحه.
[٥] يقرونه: يضيفونه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ نازلا بهم.
[٦] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «النحام» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٧] هُوَ بِفَتْح الْهَاء وَالدَّال، كَأَنَّهُ مصدر هدل، إِذا استرخت شفته. وَعَن ابْن مَاكُولَا عَن أَبى عَبدة النسابة أَنه بِسُكُون الدَّال. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٨] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «التومان» .
[٩] وَفِي رِوَايَة: «قاهت» بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 11:41 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (5)
صــ 21إلى صــ 30
عَلَيْهِمْ- عَالِمَانِ رَاسِخَانِ فِي الْعِلْمِ، حِينَ سَمِعَا بِمَا يُرِيدُ مِنْ إهْلَاكِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّكَ إنْ أَبَيْتَ إلَّا مَا تُرِيدُ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ عَاجِلَ الْعُقُوبَةِ، فَقَالَ لَهما: وَلم ذَاك؟ فَقَالَا: هِيَ مُهَاجَرُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، تَكُونُ دَارَهُ وَقَرَارَهُ، فَتَنَاهَى عَنْ ذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّ لَهُمَا عِلْمًا، وَأَعْجَبَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُمَا، فَانْصَرَفَ عَنْ الْمَدِينَةِ، وَاتَّبَعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ غَزِيَّةَ بْنِ عَمْرِو (ابْنِ عَبْدِ) [١] بْنِ عَوْفِ بْنِ غُنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ يَفْخَرُ بِعَمْرِو بْنِ طَلَّةَ:
أَصَحَّا أَمْ قَدْ نَهَى ذُكَرَهْ [٢] ... أَمْ قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَهْ
أَمْ تَذَكَّرْتَ الشَّبَابَ وَمَا ... ذِكْرُكَ الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ [٣]
إنَّهَا حَرْبٌ رَبَاعِيَةٌ [٤] ... مِثْلُهَا أَتَى الْفَتَى عِبَرَهْ
فَاسْأَلَا عِمْرَانَ أَوْ أَسَدًا ... إذْ أَتَتْ عَدْوًا [٥] مَعَ الزُّهَرَهْ [٦]
فَيْلَقٌ فِيهَا أَبُو كَرِبٍ ... سُبَّغٌ أَبْدَانُهَا ذَفِرَهْ [٧]
ثُمَّ قَالُوا: مَنْ نَؤُمُّ بِهَا ... أَبَنِي عَوْف أَن النَّجَرَهْ [٨]
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] الذّكر: جمع ذكرة (كغرفة)، وَهِي بِمَعْنى الذكرى نقيض النسْيَان وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر فِي الطَّبَرِيّ: أَصْحَاب أم انْتهى ذكره.
[٣] أَرَادَ: «أَو عصره» (بِالضَّمِّ) . وَالْعصر (بِفَتْح الْعين وَضمّهَا) بِمَعْنى، وحرك الصَّاد بِالضَّمِّ.
قَالَ ابْن جنى: وَلَيْسَ شَيْء على وزن فعل (بِسُكُون الْعين) يمْتَنع فِيهِ فعل.
[٤] يُرِيد: أَي لَيست بصغيرة وَلَا جَذَعَة، بل هِيَ فَوق ذَلِك، وَضرب من الرّبَاعِيّة مثلا، كَمَا يُقَال حَرْب عوان، لِأَن الْعوَان أقوى من الْفتية وأدرب.
[٥] ويروى: «غدوا» (بالغين الْمُعْجَمَة)، وَهُوَ الغدوة.
[٦] أَي صبحهمْ بِغَلَس قبل مغيب الزهرة، والزهرة: الْكَوْكَب الْمَعْلُوم. وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الطَّبَرِيّ
فسلا عمرَان أَو فسلا ... أسدا إِذْ يَغْدُو مَعَ الزهرة
[٧] سبغ: كَامِلَة. والأبدان هُنَا: الدروع. وذفره: من الذفر، وَهُوَ سطوع الرَّائِحَة طيبَة كَانَت أَو كريهة، وَأما الدفر (بِالدَّال الْمُهْملَة) فَهُوَ فِيمَا كره من الروائح.
[٨] يُرِيد بنى النجار، وَهَذَا كَمَا قيل المناذرة فِي بنى الْمُنْذر. والنجرة: جمع ناجر، والناجر والنجار بِمَعْنى وَاحِد، وَبَنُو النجار: هم تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج وسمى النجار لِأَنَّهُ- فِيمَا ذكر- نجر وَجه رجل بقدوم.
بَلْ بَنِي النَّجَّارِ إنَّ لَنَا ... فِيهِمْ قَتْلَى وَإِنَّ تِرَهْ [١]
فَتَلَقَّتْهُمْ مُسَايِفَةٌ ... مُدُّهَا كَالغَبْيَةِ النَّثِرَهْ [٢]
فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ طَلَّةَ مَلَّى ... الْإِلَهُ [٣] قَوْمَهُ عُمُرَهْ
سَيْدٌ سَامِي [٤] الْمُلُوكِ وَمَنْ ... رَامَ عَمْرًا لَا يَكُنْ قَدَرَهْ
وَهَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ حَنَقُ تُبَّعٍ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ هَلَاكَهُمْ فَمَنَعُوهُمْ مِنْهُ، حَتَّى انْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي شِعْرِهِ:
حَنَقًا عَلَى سَبْطَيْنِ حَلَّا يَثْرِبَا ... أَوْلَى لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الشِّعْرُ الَّذِي فِي هَذَا الْبَيْتِ مَصْنُوعٌ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنَا مِنْ إثْبَاتِهِ.
(اعْتِنَاقُ تُبَّانَ النصرانيَّةَ، وَكِسْوَتُهُ الْبَيْتَ وَتَعْظِيمَهُ وَشِعْرُ سُبَيعَةَ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ تُبَّعٌ وَقَوْمُهُ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، فَتَوَجَّهَ إلَى مَكَّةَ، وَهِيَ طَرِيقُهُ إلَى الْيَمَنِ، حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفانَ، وَأَمَجٍ [٥]، أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ
---------------------------
[١] الترة: طلب الثأر. أَرَادَ: إِن لنا قَتْلَى وترة، فأظهر الْمُضمر، وَهَذَا الْبَيْت شَاهد على حُرُوف الْعَطف يضمر بعْدهَا الْعَامِل الْمُتَقَدّم، نَحْو قَوْلك: إِن زيدا وعمرا فِي الدَّار. فالتقدير: إِن زيدا، وَإِن عمرا فِي الدَّار، فقد دلّت الْوَاو على مَا أردْت، وَإِن احتجت إِلَى الْإِظْهَار أظهرت، كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت، إِلَّا أَن تكون الْوَاو الجامعة، نَحْو اخْتصم زيد وَعَمْرو، فَلَيْسَ ثمَّ إِضْمَار، لقِيَام الْوَاو مقَام صفة التَّثْنِيَة.
وعَلى هَذَا تَقول: طلع الشَّمْس وَالْقَمَر، فتغلب الْمُذكر، كَأَنَّك قلت: طلع هَذَانِ النيرَان، فَإِن جعلت الْوَاو هِيَ الَّتِي تضمر بعْدهَا الْفِعْل. قلت طلعت الشَّمْس وَالْقَمَر، وَتقول فِي نفى الْمَسْأَلَة الأولى: مَا طلع الشَّمْس وَالْقَمَر، وَفِي نفى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: مَا طلعت الشَّمْس وَلَا الْقَمَر، تعيد حرف النَّفْي لينتفى بِهِ الْفِعْل الْمُضمر (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٢] الغبية: الدفعة من الْمَطَر. والنثرة: المنتثرة، وَهِي الَّتِي لَا تمسك مَاء.
[٣] ملي الْإِلَه قومه: أمتعهم بِهِ.
[٤] سامى: سَاوَى. ويروى: «سَام»، أَي كلفهم أَن يَكُونُوا مثله، فَلم يقدروا على ذَلِك.
[٥] عسفان (بِضَم أَوله وَسُكُون ثَانِيَة ثمَّ فَاء وَآخره نون): فعلان من عسفت الْمَفَازَة، وَهُوَ يعسفها، وَهُوَ قطعهَا بِلَا هِدَايَة وَلَا قصد، وَكَذَلِكَ كل أَمر يركب بِغَيْر روية. قيل: سميت عسفان لتعسف اللَّيْل فِيهَا، كَمَا سميت الْأَبْوَاء لتبوّئ السَّيْل بهَا. قَالَ أَبُو مَنْصُور: عسفان: منهلة من مناهل الطَّرِيق بَين الْجحْفَة وَمَكَّة. وَقَالَ غَيره: عسفان: بَين المسجدين، وَهِي من مَكَّة على مرحلَتَيْنِ، وَقيل: عسفان: قَرْيَة جَامِعَة.
هُذَيلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَلَا نَدُلُّكَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ دَاثِرٍ أَغَفَلَتْهُ الْمُلُوكُ قَبْلَكَ، فِيهِ اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالُوا: بَيْتٌ بِمَكَّةَ يَعْبُدُهُ أَهْلُهُ، وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْهُذَلِيُّونَ هَلَاكَهُ بِذَلِكَ، لِمَا عَرَفُوا مِنْ هَلَاكِ مَنْ أَرَادَهُ مِنْ الْمُلُوكِ وَبَغَى عِنْدَهُ. فَلَمَّا أَجْمَعَ لِمَا قَالُوا أَرْسَلَ إلَى الْحَبْرَيْنِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَا لَهُ:
مَا أَرَادَ الْقَوْمُ إلَّا هَلَاكَكَ وَهَلَاكَ جُنْدِكَ، مَا نَعْلَمُ بَيْتًا للَّه اتَّخَذَهُ فِي الْأَرْضِ لِنَفْسِهِ غَيْرَهُ، وَلَئِنْ فَعَلْتَ مَا دَعَوْكَ إلَيْهِ لَتَهْلَكَنَّ وَلَيَهْلَكَنَّ مَنْ مَعَكَ جَمِيعًا، قَالَ: فَمَاذَا تَأْمُرَانِنِي أَنْ أَصْنَعَ إذَا أَنَا قَدِمْتُ عَلَيْهِ؟ قَالَا: تَصْنَعُ عِنْدَهُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُهُ: تَطُوفُ بِهِ وَتُعَظِّمُهُ وَتُكْرِمُهُ، وَتَحْلِقُ رَأْسَكَ عِنْدَهُ، وَتَذِلُّ لَهُ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْتُمَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَبَيْتُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ، وَإِنَّهُ لَكَمَا أَخْبَرْنَاكَ، وَلَكِنَّ أَهْلَهُ حَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي نَصَبُوهَا حَوْلَهُ، وَبِالدِّمَاءِ الَّتِي يُهْرِقُونَ عِنْدَهُ، وَهُمْ نَجَسٌ أَهْلُ شِرْكٍ- أَوْ كَمَا قَالَا لَهُ- فَعَرَفَ نُصْحَهُمَا وَصِدْقَ حَدِيثِهِمَا فَقَرَّبَ النَّفَرَ مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَنَحَرَ عِنْدَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- يَنْحَرُ بِهَا لِلنَّاسِ، وَيُطْعِمُ أَهْلَهَا وَيَسْقِيهِمْ الْعَسَلَ، وَأُرَى فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَ الْبَيْتَ، فَكَسَاهُ الْخَصَفَ [١]، ثُمَّ أُرَى أَنْ يَكْسُوَهُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَسَاهُ الْمَعَافِرَ [٢]، ثُمَّ أُرَى أَنْ يَكْسُوَهُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَسَاهُ الْمُلَاءَ وَالْوَصَائِلَ [٣]، فَكَانَ تُبَّعٌ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-
-----------------------
[()] (بهَا مِنْبَر ونخيل ومزارع على سِتَّة وَثَلَاثِينَ ميلًا من مَكَّة، وَهِي حد تهَامَة، وَمن عسفان إِلَى ملل يُقَال لَهُ السَّاحِل، وملل على لَيْلَة من الْمَدِينَة. وَقَالَ السكرى: عسفان: على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة على طَرِيق الْمَدِينَة، والجحفة على ثَلَاث مراحل وَقد غزا- النَّبِي ﷺ بنى لحيان بعسفان، وَقد مضى لهجرته خمس سِنِين وشهران وَأحد عشر يَوْمًا وأمج (بِالْجِيم وَفتح أَوله وثانيه، والأمج فِي اللُّغَة: الْعَطش): بلد من أَعْرَاض الْمَدِينَة. وَقَالَ أَبُو الْمُنْذر هِشَام بن مُحَمَّد: أمج وغران: واديان يأخذان من حرَّة بنى سليم ويفرغان فِي الْبَحْر.
[١] الخصف: حصر تنسج من خوص النّخل وَمن الليف. فيسوى مِنْهَا شقق تلبس بيُوت الْأَعْرَاب.
[٢] المعافر: ثِيَاب تنْسب إِلَى قَبيلَة من الْيمن. وَأَصله الْمعَافِرِي، ثمَّ صَار اسْما لَهَا بِغَيْر نِسْبَة.
[٣] الملاء: جمع ملاءة، وَهِي الملحفة. والوصائل: ثِيَاب مخططة يمنية، يُوصل بَعْضهَا إِلَى بعض.
أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ [١]، وَأَوْصَى بِهِ وُلَاتَهُ مِنْ جُرْهُمٍ، وَأَمَرَهُمْ بِتَطْهِيرِهِ وَأَلَّا يُقَرِّبُوهُ دَمًا وَلَا مِيتَةً وَلَا مِئْلَاةً [٢]، وَهِيَ الْمَحَايِضُ [٣]، وَجَعَلَ لَهُ بَابًا وَمِفْتَاحًا [٤] وَقَالَتْ سُبَيعَةُ بِنْتُ الْأَحَبِّ [٥] بْنِ زَبِينةَ [٦] بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ ابْن هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لِابْنِ لَهَا مِنْهُ يُقَالُ لَهُ خَالِدٌ، تُعَظِّمُ عَلَيْهِ حُرْمَةَ مَكَّةَ، وَتَنْهَاهُ عَنْ الْبَغْيِ فِيهَا، وَتَذْكُرُ تُبَّعًا وَتَذَلُّلَهُ لَهَا، وَمَا صَنَعَ بِهَا [٧]:
أَبُنَيَّ لَا تَظْلِمْ بِمَكَّةَ ... لَا الصَّغِيرَ وَلَا الْكَبِيرْ
واحفظ محارمها بنىّ ... وَلَا يَغُرَّنكَ الغَرورْ
أَبُنَيَّ مَنْ يَظْلِمْ بِمَكَّةَ ... يَلْقَ أَطْرَافَ الشُّرورْ
--------------------
[١] كَانَت قُرَيْش فِي زمن الْجَاهِلِيَّة تشترك فِي كسْوَة الْكَعْبَة، حَتَّى نَشأ أَبُو ربيعَة بن الْمُغيرَة، فَقَالَ:
أَنا أكسو الْكَعْبَة سنة وحدي، وَجَمِيع قُرَيْش سنة، وَاسْتمرّ يفعل ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ. ثمَّ كساها النَّبِي ﷺ الثِّيَاب اليمانية، وَكَسَاهَا أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وعَلى. وكسيت فِي زمن الْمَأْمُون والمتوكل وَالْعَبَّاس، ثمَّ فِي زمن النَّاصِر العباسي كُسِيت السوَاد من الْحَرِير، ثمَّ هِيَ تُكْسَى إِلَى الْآن فِي كل سنة، وَيُقَال: إِن أول من كسا الْكَعْبَة الديباج الْحجَّاج، وَقيل: بل عبد الله بن الزبير.
[٢] كَذَا فِي ط، والطبري، والمئلاة: خرقَة الْحيض، وَجَمعهَا: المآلى، وَفِي سَائِر الْأُصُول «مثلاثا» بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَلَا معنى لَهَا.
[٣] لَعَلَّه يُرِيد: المحيضة (وَاحِدَة المحايض)، وَهِي خرقَة الْحيض، إِذْ السِّيَاق يَقْتَضِي الْإِفْرَاد.
[٤] ويروون لتبع هَذَا شعرًا حِين كسا الْبَيْت، وَهُوَ:
كسونا الْبَيْت الّذي حرم الله ... ملاء منضدا وبرودا
فَأَقَمْنَا بِهِ من الشَّهْر عشرا ... وَجَعَلنَا لبَابَة إقليدا
ونحرنا بِالشعبِ سِتَّة ألف ... فترى النَّاس نحوهن ورودا
ثمَّ سرنا عَنهُ نَؤُم مهيلا ... فرفعنا لواءنا معقودا
[٥] وتروى الْكَلِمَة بِالْجِيم بدل الْحَاء.
[٦] زبينة (بالزاي وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ الْيَاء وَالنُّون): فعيلة من الزَّبْن، وَالنّسب إِلَيْهَا زبانى على غير قِيَاس. وَلَو سمى بِهِ رجل لقيل فِي النّسَب إِلَيْهِ زبني على الْقيَاس.
[٧] وَقيل: إِنَّمَا قَالَت بنت الأحب هَذَا الشّعْر فِي حَرْب كَانَت بَين بنى السباق بن عبد الدَّار وَبَين بنى على بن سعد بن تيم حِين تفانوا، وَلَحِقت طَائِفَة من بنى السباق بعك فهم فيهم، وَيُقَال إِنَّه أول بغى كَانَ فِي قُرَيْش. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
أَبُنَيَّ يُضْرَبْ وَجْهُهُ ... وَيَلُحْ بِخَدَّيْهِ السَّعيرْ
أَبُنَيَّ قَدْ جَرَّبْتهَا ... فَوَجَدْتُ ظَالِمهَا يَبُورْ [١]
اللَّهُ أَمَّنَهَا وَمَا ... بُنِيَتْ بِعَرْصَتِهَا قُصورْ
وَاَللَّهُ أَمَّنَ طَيْرَهَا ... وَالْعُصْمُ [٢] تَأْمَنُ فِي ثَبيرْ [٣]
وَلَقَدْ غَزَاهَا تُبَّعٌ ... فَكَسَا بَنِيَّتَهَا الْحَبِيرْ [٤]
وَأَذَلَّ رَبِّي مُلْكَهُ ... فِيهَا فَأَوْفَى بالنُّذُورْ
يَمْشِي إلَيْهَا حَافِيًا ... بِفِنَائِهَا أَلْفَا بَعِيرْ
وَيَظَلُّ يُطْعِمُ أَهْلَهَا ... لَحْمَ الْمَهَارَى [٥] والجَزورْ
يَسْقِيهِمْ الْعَسَلَ الْمُصَفَّى ... وَالرَّحِيضَ [٦] مِنْ الشعيرْ
وَالْفِيلُ أُهْلِكَ جَيْشُهُ ... يُرْمَوْنَ فِيهَا بِالصُّخُورْ
وَالْمُلْكَ فِي أقْصَى الْبِلَاد ... وَفِي الْأَعَاجِمِ وَالْخَزِيرْ [٧]
فَاسْمَعْ إذَا حُدِّثْتَ وَافْهَمْ ... كَيْفَ عَاقِبَةُ الأمورْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُوقَفُ عَلَى قَوَافِيهَا لَا تُعْرَبُ [٨] .
(دَعْوَةُ تُبَّانَ قَوْمَهُ إلَى النصرانيَّة، وَتَحْكِيمُهُمْ النَّارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ) .
ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُتَوَجِّهًا إلَى الْيَمَنِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِهِ وَبِالْحَبْرَيْنِ، حَتَّى إذَا دَخَلَ
--------------------------
[١] يبور: يهْلك.
[٢] العصم: الوعول، لِأَنَّهَا تعتصم بالجبال.
[٣] ثبير: جبل بِمَكَّة.
[٤] بنيتها: يعْنى الْكَعْبَة. والحبير: ضرب من ثِيَاب الْيمن موشى.
[٥] المهارى: الْإِبِل العراب النجيبة.
[٦] الرحيض: المنقى، والمصفى.
[٧] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. والخزير: أمة من الْعَجم، وَيُقَال لَهَا الخزر أَيْضا. وَفِي أ: «الجزير» قَالَ أَبُو ذَر: «وَيحْتَمل أَن يكون جمع جَزِيرَة بِبِلَاد الْعَرَب» . وَفِي م، ر: «الخذير» وَلَا معنى لَهَا.
[٨] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «قَالَ ابْن هِشَام: وَهَذَا الشّعْر مُقَيّد، والمقيد: الّذي لَا يرفع وَلَا ينصب وَلَا يخْفض» .
الْيَمَنَ دَعَا قَوْمَهُ إلَى الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، حَتَّى يُحَاكِمُوهُ إلَى النَّارِ الَّتِي كَانَتْ بِالْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكِ القُرَظيُّ، قَالَ سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ:
أَنَّ تُبَّعًا لَمَّا دَنَا مِنْ الْيَمَنِ لِيَدْخُلَهَا حَالَتْ حِمْيَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ: وَقَالُوا: لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْنَا، وَقَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا، فَدَعَاهُمْ إلَى دِينِهِ وَقَالَ: إنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ، فَقَالُوا:
فَحَاكِمْنَا إلَى النَّارِ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ- فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْيَمَنِ- نَارٌ تَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، تَأْكُلُ الظَّالِمَ وَلَا تَضُرُّ الْمَظْلُومَ، فَخَرَجَ قَوْمُهُ بِأَوْثَانِهِمْ وَمَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ فِي دِينِهِمْ، وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا مُتَقَلِّدَيْهَا، حَتَّى قَعَدُوا لِلنَّارِ عِنْدَ مَخْرَجِهَا الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ، فَخَرَجَتْ النَّارُ إلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَقْبَلَتْ نَحْوَهُمْ حَادُوا عَنْهَا وَهَابُوهَا، فَذَمَرَهُمْ [١] مَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ النَّاسِ، وَأَمَرُوهُمْ بِالصَّبْرِ لَهَا، فَصَبَرُوا حَتَّى غَشِيَتْهُمْ، فَأَكَلَتْ الْأَوْثَانَ وَمَا قَرَّبُوا مَعَهَا، وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ مِنْ رِجَالِ حِمْيَرَ، وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا تَعْرَقُ جِبَاهُهُمَا لَمْ تَضُرَّهُمَا فَأُصْفِقَتْ [٢] عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِ، فَمِنْ هُنَالِكَ وَعَنْ ذَلِكَ كَانَ أَصْلُ الْيَهُودِيَّةِ بِالْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ أَنَّ الْحَبْرَيْنِ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ حِمْيَرَ، إنَّمَا اتَّبَعُوا النَّارَ لِيَرُدُّوهَا، وَقَالُوا: مَنْ رَدَّهَا فَهُوَ أَوْلَى بِالْحَقِّ، فَدَنَا مِنْهَا رِجَالٌ مِنْ حِمْيَرَ بِأَوْثَانِهِمْ لِيَرُدُّوهَا فَدَنَتْ مِنْهُمْ لِتَأْكُلَهُمْ، فَحَادُوا عَنْهَا وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا رَدَّهَا، وَدَنَا مِنْهَا الْحَبْرَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَا يَتْلُوَانِ التَّوْرَاةَ وَتَنْكُصُ عَنْهُمَا، حَتَّى رَدَّاهَا إلَى مَخْرَجِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، فَأُصْفِقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
(رئَامٌ وَمَا صَارَ إلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِئَامٌ [٣] بَيْتًا لَهُمْ يُعَظِّمُونَهُ، وَيَنْحَرُونَ عِنْدَهُ، وَيَكَلَّمُونَ
--------------------------
[١] ذمرهم: حضهم وشجعهم.
[٢] يُقَال: أصفقوا على الْأَمر، إِذا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ.
[٣] بَيت رئام: اسْم لموْضِع الرَّحْمَة الَّتِي كَانُوا يلتمسونها مِنْهُ. مَأْخُوذ من رأم الْأُنْثَى وَلَدهَا، وَذَلِكَ إِذا عطفت عَلَيْهِ وَرَحمته.
(مِنْهُ) [١] إذْ كَانُوا عَلَى شِرْكِهِمْ؟ فَقَالَ الْحَبْرَانِ لِتُبَّعِ: إنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ يَفْتِنُهُمْ بِذَلِكَ فَخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَشَأْنُكُمَا بِهِ، فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ- فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْيَمَنِ- كَلْبًا أَسْوَدَ فَذَبَحَاهُ، ثُمَّ هَدَمَا ذَلِكَ الْبَيْتَ، فَبَقَايَاهُ الْيَوْمَ- كَمَا ذُكِرَ لِي- بِهَا آثَارُ الدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ تُهْرَاقُ عَلَيْهِ.
مُلْكُ ابْنِهِ حَسَّانَ بْنِ تُبَّانَ وَقَتْلُ عَمْرٍو أَخِيهِ (لَهُ)
[٢]
(سَبَبُ قَتْلِهِ):
فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُهُ حَسَّانُ بْنُ تُبَّانَ أَسْعَدَ أَبِي كَرِبٍ سَارَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَطَأَ بِهِمْ أَرْضَ الْعَرَبِ وَأَرْضَ الْأَعَاجِمِ، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ أَرْضِ الْعِرَاقِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بالَبحريْنِ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ- كَرِهَتْ حِمْيَرُ وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ الْمَسِيرَ مَعَهُ، وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إلَى بِلَادِهِمْ وَأَهْلِهِمْ، فَكَلَّمُوا أَخًا لَهُ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو، وَكَانَ مَعَهُ فِي جَيْشِهِ، فَقَالُوا لَهُ: اُقْتُلْ أَخَاكَ حَسَّانَ وَنُمَلِّكُكَ عَلَيْنَا، وَتَرْجِعُ بِنَا إلَى بِلَادِنَا، فَأَجَابَهُمْ. فَاجْتَمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا ذَا رُعَيْنٍ [٣] الْحِمْيَرِيُّ، فَإِنَّهُ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَقَالَ ذُو رُعَيْنٍ:
أَلَا مَنْ يَشْتَرِي سَهْرًا بِنَوْمِ ... سَعِيدٌ مَنْ يَبِيتُ قَرِيرَ عَيْنِ [٤]
فَأَمَّا حِمْيَرُ غَدَرَتْ وَخَانَتْ ... فَمَعْذِرَةُ الْإِلَهِ لَذِي رُعَيْنِ
ثُمَّ كَتَبَهُمَا فِي رُقْعَةٍ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا عَمْرًا، فَقَالَ لَهُ: ضَعْ لِي هَذَا الْكِتَابَ عنْدك، فَفعل، ثمَّ قَتَلَ عَمْرٌو أَخَاهُ حَسَّانَ، وَرَجَعَ بِمَنْ مَعَهُ إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ:
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق.
[٣] رعين: تَصْغِير رعن. والرعن: أنف الْجَبَل. وَقيل: رعين: جبل بِالْيمن، وَإِلَيْهِ ينْسب ذُو رعين هَذَا.
[٤] فِي الْبَيْت حذف تَقْدِيره: من يشترى سهرا بنوم غير سعيد، بل من يبيت قرير الْعين هُوَ السعيد، فَحذف الْخَبَر لدلَالَة أول الْكَلَام عَلَيْهِ.
لَاهِ [١] عَيْنَا الَّذِي رأى مثل حسّان ... قَتِيلًا فِي سَالِفِ الْأَحْقَابِ
قَتَلَتْهُ مَقاوِلٌ [٢] خَشْيَةَ الْحَبْسِ ... غَدَاةً قَالُوا: لَبَابِ لَبَابِ
مَيْتُكُمْ خَيْرُنَا وَحَيُّكُمْ ... رَبٌّ عَلَيْنَا وَكُلُّكُمْ أَرْبَابِي
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ لَبَابِ لَبَابِ: لَا بَأْسَ لَا بَأْسَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ [٣] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: لِبَابِ لِبَابِ.
(نَدَمُ عَمْرٍو وَهَلَاكُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا نَزَلَ عَمْرُو بْنُ تُبَّانَ الْيَمَنَ مُنِعَ مِنْهُ النَّوْمُ، وَسُلِّطَ عَلَيْهِ السَّهَرُ، فَلَمَّا جَهَدَهُ ذَلِكَ سَأَلَ الْأَطِبَّاءَ والْحُزَاةَ [٤] مِنْ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِينَ [٥] عَمَّا بِهِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا قَتَلَ رَجُلٌ قَطُّ أَخَاهُ، أَوْ ذَا رَحِمِهِ بَغْيًا عَلَى مِثْلِ مَا قَتَلْتَ أَخَاكَ عَلَيْهِ، إلَّا ذَهَبَ نَوْمُهُ، وَسُلِّطَ عَلَيْهِ السَّهَرُ. فَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ جَعَلَ يَقْتُلُ كُلَّ مَنْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ أَخِيهِ حَسَّانَ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ، حَتَّى خَلَصَ إلَى ذِي رُعَيْنٍ، فَقَالَ لَهُ ذُو رُعَيْنٍ: إنَّ لِي عِنْدَكَ بَرَاءَةً، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي دَفَعْتُ إلَيْكَ، فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا فِيهِ الْبَيْتَانِ، فَتَرَكَهُ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ نَصَحَهُ. وَهَلَكَ عَمْرٌو، فَمَرَجَ [٦] أَمْرُ حِمْيَرَ عِنْدَ ذَلِكَ وتفرّقوا.
وثوب لخنيعة ذِي شَنَاتِرَ عَلَى مُلْكِ الْيَمَنِ
(تَوَلِّيهِ الْمُلْكَ، وَشَيْءٌ مِنْ سِيرَتِهِ، ثُمَّ قَتْلُهُ):
فَوَثَبَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بُيُوتِ الْمَمْلَكَةِ، يُقَالُ لهَ لِخُنَيْعَةَ [٧] يَنُوفَ.
------------------------
[١] أَرَادَ: للَّه، وَحذف لَام الْجَرّ وَاللَّام الْأُخْرَى مَعَ ألف الْوَصْل، وَهَذَا حذف كثير، وَلكنه جَار فِي هَذَا الِاسْم خَاصَّة لِكَثْرَة وُرُوده على الْأَلْسِنَة.
[٢] يُرِيد الْأَقْيَال، وهم الَّذين دون التبابعة، واحدهم قيل (مثل سيد، ثمَّ خفف) . وَقَالَ أَبُو ذَر:
المقاول: الَّذين يخلفون الْمُلُوك إِذا غَابُوا.
[٣] وَقيل: هِيَ كلمة فارسية مَعْنَاهَا: القفل، والقفل: الرُّجُوع.
[٤] الحزاة: الَّذين ينظرُونَ فِي النُّجُوم ويقضون بهَا، واحدهم حَاز.
[٥] العرافون: ضرب من الْكُهَّان يَزْعمُونَ أَنهم يعْرفُونَ من الْغَيْب مَا لَا يعرف النَّاس.
[٦] مرج: اخْتَلَط والتبس، وَفِي أ: «هرج»، وَفِي م، ر: «مرج» .
[٧] قَالَ ابْن دُرَيْد: الْمَعْرُوف فِيهِ: لخيعة (بِغَيْر نون) . مَأْخُوذ من اللخع، وَهُوَ استرخاء اللَّحْم.
ذُو شَنِاتَرَ [١]، فَقَتَلَ خِيَارَهُمْ، وَعَبِثَ بِبُيُوتِ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ مِنْهُمْ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ حِمْيَرَ لِلْخَنِيعَةِ:
تُقَتِّلُ أَبْنَاهَا وَتَنْفِي سَرَاتَهَا ... وَتَبْنِي بِأَيْدِيهَا لَهَا الذُّلَّ حِمْيَرُ
تُدَمِّرُ دُنْيَاهَا بِطَيْشِ حُلُومِهَا ... وَمَا ضَيَّعَتْ مِنْ دِينِهَا فَهُوَ أَكْثَرُ
كَذَاك الْقُرُون قبل ذَاكَ بِظُلْمِهَا ... وَإِسْرَافِهَا تَأْتِي الشُّرُورَ فَتُخْسَرُ
وَكَانَ لَخَنِيعَةَ امْرِأً فَاسِقًا يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَكَانَ يُرْسِلُ إلَى الْغُلَامِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، فَيَقَعُ عَلَيْهِ فِي مَشْرَبَةٍ [٢] لَهُ قَدْ صَنَعَهَا لِذَلِكَ، لِئَلَّا يَمْلِكُ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ يَطْلُعُ مِنْ مَشْرَبَتِهِ تِلْكَ إلَى حَرَسِهِ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ جُنْدِهِ، قَدْ أَخَذَ مِسْوَاكًا فَجَعَلَهُ فِي فِيهِ، أَيْ لِيُعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ. حَتَّى بَعَثَ إلَى زُرْعَةَ ذِي [٣] نُوَاسِ بْنِ تُبَّانَ أَسْعَدَ أَخِي حَسَّانَ، وَكَانَ صَبِيَّا صَغِيرًا حِينَ قُتِلَ حَسَّانُ، ثُمَّ شَبَّ غُلَامًا جَمِيلًا وَسِيمًا [٤]، ذَا هَيْئَةٍ وَعَقْلٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ رَسُولُهُ عَرَفَ مَا يُرِيدُ مِنْهُ، فَأَخَذَ سِكِّينًا حَدِيدًا لَطِيفًا، فَخَبَّأَهُ بَيْنَ قَدَمِهِ وَنَعْلِهِ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَلَمَّا خَلَا مَعَهُ وَثَبَ إلَيْهِ، فَوَاثَبَهُ ذُو نُوَاسٍ فَوَجَأَهُ [٥] حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ حَزَّ رَأْسَهُ، فَوَضَعَهُ فِي الْكُوَّةِ الَّتِي كَانَ يُشْرِفُ مِنْهَا، وَوَضَعَ مِسْوَاكَهُ فِي فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا لَهُ: ذَا نُوَاسٍ، أَرَطْبٌ أَمْ يَبَاسٌ [٦] فَقَالَ: سَلْ نَخْمَاسَ [٧] اسْتِرْطُبَانَ [٨] ذُو نواس. استرطبان لَا باس [٩]- قَالَ
--------------------------
[١] الشناتر: الْأَصَابِع، بلغَة حمير.
[٢] الْمشْربَة بِفَتْح الرَّاء وَضمّهَا: الغرفة المرتفعة.
[٣] زرْعَة: هُوَ من قَوْلهم: زرعك الله: أَي أنبتك، وَسموا بزارع كَمَا سموا بنابت، وسمى ذَا نواس لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ غديرتان من شعر كَانَتَا تنوسان: أَي تتحركان وتضطربان.
[٤] وسيما: حسنا.
[٥] وجأه: ضربه.
[٦] يباس: يبيس.
[٧] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة، وَقد نبه السهيليّ: فِي كِتَابه: «الرَّوْض الْأنف» على أَن هَذَا هُوَ الصَّحِيح ويروى بالنُّون (أَو بِالتَّاءِ) مَعَ حاء مُهْملَة، وبهذه الرِّوَايَة الْأَخِيرَة ورد فِي م، ر.
[٨] يُقَال: إِن هَذِه كلمة فارسية، وَمَعْنَاهَا: أَخَذته النَّار.
[٩] كَذَا وَردت هَذِه الْعبارَة بِالْأَصْلِ، وَهِي غير وَاضِحَة. وسياقها فِي الأغاني: «كَانَ الْغُلَام إِذا خرج من عِنْد لخنيعة، وَقد لَاطَ بِهِ قطعُوا مشافر نَاقَته وذنبها، وصاحوا بِهِ: أرطب أم يباس، فَلَمَّا خرج.
ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا كَلَامُ حِمْيَرَ. وَنَخْمَاسُ: الرَّأْسُ [١]- فَنَظَرُوا إلَى الْكُوَّةِ فَإِذَا رَأْسُ لَخَنِيعَةَ مَقْطُوعٌ، فَخَرَجُوا فِي إثْرِ ذِي نُوَاسٍ حَتَّى أَدْرَكُوهُ، فَقَالُوا: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَنَا غَيْرُكَ: إذْ أَرَحْتنَا مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ.
مُلْكُ ذِي نُوَاسٍ
فَمَلَّكُوهُ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ حِمْيَرُ وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ، فَكَانَ آخِرَ مُلُوكِ حِمْيَرَ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأُخْدُودِ [٢]، وَتَسَمَّى يُوسُفَ، فَأَقَامَ فِي مُلْكِهِ زَمَانًا.
(النَّصْرَانِيَّةُ بِنَجْرَانَ):
وَبِنَجْرَانَ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ دِينِ عِيسَى بن مَرْيَمَ عليه السلام عَلَى الْإِنْجِيلِ، أَهْلِ فَضْلٍ، وَاسْتِقَامَةٍ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ، لَهُمْ رَأْسٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ، وَكَانَ مَوْقِعُ أَصْلِ ذَلِكَ الدِّينِ بِنَجْرَانَ، وَهِيَ بِأَوْسَطِ أَرْضِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَأَهْلُهَا وَسَائِرُ الْعَرَبِ كُلِّهَا أَهْلُ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا أَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ يُقَالُ لَهُ فَيْمِيُونُ [٣]- وَقَعَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ، فَدَانُوا بِهِ.
ابْتِدَاءُ وُقُوعِ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ
(فَيْمِيُونُ وَصَالِحٌ وَنَشْرُ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي لَبِيَدٍ مَوْلَى الْأَخْنَسِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ:
---------------------------
[()] (ذُو نواس من عِنْده، وَركب نَاقَة لَهُ يُقَال لَهَا السراب، قَالُوا: ذُو نواس: أرطب أم يباس؟ فَقَالَ:
ستعلم الأحراس، است ذِي نواس، است رطبان أم يباس» . فَلَعَلَّ مَا فِي الأَصْل هُنَا محرف عَن هَذَا.
[١] وَقيل: نخماس: رجل كَانَ مِنْهُم ثمَّ تَابَ، يعْنى أَنه كَانَ يعْمل عمل لخنيعة.
[٢] وَيُقَال: إِن الَّذين خددوا الْأُخْدُود ثَلَاثَة: تبع صَاحب الْيمن، وقسطنطين بن هلانى (وهلانى أمه) حِين صرف النَّصَارَى عَن التَّوْحِيد إِلَى عبَادَة الصَّلِيب، وبخت نصّر من أهل بابل، حِين أَمر النَّاس أَن يسجدوا لَهُ، فَامْتنعَ دانيال وَأَصْحَابه، فألقاهم فِي النَّار.
[٣] فِي الرَّوْض الْأنف: «فيمؤن»، وَفِي الطَّبَرِيّ: «قيمؤن» بِالْقَافِ، وَقيل إِن اسْمه يحيى، وَكَانَ أَبوهُ ملكا فتوفى، وَأَرَادَ قومه أَن يملكوه بعد أَبِيه، ففر من الْملك وَلزِمَ السياحة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 11:45 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (6)
صــ 31إلى صــ 40
أَنَّ مَوْقِعَ ذَلِكَ الدِّينِ بِنَجْرَانَ كَانَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا أَهْلِ دِينِ عِيسَى بن مَرْيَمَ يُقَالُ لَهُ فَيْمِيُونُ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُجْتَهِدًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ سَائِحًا يَنْزِلُ بَيْنَ الْقُرَى، لَا يُعْرَفُ بِقَرْيَةِ إلَّا خَرَجَ مِنْهَا إلَى قَرْيَةٍ لَا يُعْرَفُ بِهَا، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ كَسْبِ يَدَيْهِ، وَكَانَ بَنَّاءً يَعْمَلُ الطِّينَ وَكَانَ يُعَظِّمُ الْأَحَدَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ شَيْئًا، وَخَرَجَ إلَى فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ يُصَلِّي بِهَا حَتَّى يُمْسِيَ. قَالَ: وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشَّامِ يَعْمَلُ عَمَلَهُ ذَلِكَ مُسْتَخْفِيًا، فَفَطِنَ لِشَأْنِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا يُقَالُ لَهُ صَالِحٌ، فَأَحَبَّهُ صَالِحٌ حُبًّا لَمْ يُحِبَّهُ شَيْئًا كَانَ قَبْلَهُ، فَكَانَ يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، وَلَا يَفْطِنُ لَهُ فَيْمِيُونُ: حَتَّى خَرَجَ مَرَّةً فِي يَوْمِ الْأَحَدِ إلَى فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، وَقَدْ اتَّبَعَهُ صَالِحٌ وفَيْمِيونُ لَا يَدْرِي، فَجَلَسَ صَالِحٌ مِنْهُ مَنْظَرَ الْعَيْنِ مُسْتَخْفِيًا مِنْهُ، لَا يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ بِمَكَانِهِ. وَقَامَ فَيْمِيُونُ يُصَلِّي، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إذْ أَقْبَلَ نَحْوَهُ التِّنِّينُ- الْحَيَّةُ ذَاتُ الرُّءُوسِ السَّبْعَةِ [١]- فَلَمَّا رَآهَا فَيْمِيُونُ دَعَا عَلَيْهَا فَمَاتَتْ، وَرَآهَا صَالِحٌ وَلَمْ يَدْرِ مَا أَصَابَهَا، فَخَافَهَا عَلَيْهِ، فَعِيلَ عَوْلُهُ [٢]، فَصَرَخَ: يَا فَيْمِيُونُ، التِّنِّينُ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، وَأَمْسَى فَانْصَرَفَ. وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ، وَعَرَفَ صَالِحٌ أَنَّهُ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ، فَقَالَ (لَهُ: يَا) [٣] فَيْمِيُونُ، تَعْلَمُ وَاَللَّهِ أَنِّي مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ حُبَّكَ، وَقَدْ أَرَدْتُ صُحْبَتَكَ، وَالْكَيْنُونَةَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ، فَقَالَ: مَا شِئْتَ، أَمْرِي كَمَا تَرَى، فَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّكَ تَقْوَى عَلَيْهِ فَنَعَمْ، فَلَزِمَهُ صَالِحٌ. وَقَدْ كَادَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ يَفْطِنُونَ لِشَأْنِهِ، وَكَانَ إذَا فَاجَأَهُ [٤] الْعَبْدُ بِهِ الضُّرُّ دَعَا لَهُ فَشُفِيَ، وَإِذَا دُعِي إلَى أَحَدٍ بِهِ ضُرٌّ لَمْ يَأْتِهِ، وَكَانَ لِرَجُلِ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ابْنٌ ضَرِيرٌ، فَسَأَلَ عَنْ شَأْنِ فَيْمِيُونَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَأْتِي أَحَدًا دَعَاهُ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ يَعْمَلُ لِلنَّاسِ الْبُنْيَانَ بِالْأَجْرِ.
فَعَمَدَ الرَّجُلُ إلَى ابْنِهِ ذَلِكَ فَوَضَعَهُ فِي حُجْرَتِهِ وَأَلْقَى عَلَيْهِ ثوبا، ثمَّ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ:
-----------------------
[١] يعْنى بالرءوس هُنَا: الْقُرُون. (عَن شرح السِّيرَة) .
[٢] عيل عوله: أَي غلب على صبره، يُقَال: عاله الْأَمر، إِذا غَلبه.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] كَذَا فِي م، ر، ط، والطبري. وَفِي أ، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت (ج ٤ ص ٧٥٢ طبع أوروبا) «فَاء جَاءَهُ» .
يَا فَيْمِيُونُ، إنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْمَلَ فِي بَيْتِي عَمَلًا، فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ حَتَّى تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَأُشَارِطُكَ عَلَيْهِ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ حُجْرَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ فِي [١] بَيْتِكَ هَذَا؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ انْتَشَطَ [٢] الرَّجُلُ الثَّوْبَ عَنْ الصَّبِيِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا فَيْمِيُونُ، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَصَابَهُ مَا تَرَى، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَدَعَا لَهُ فَيْمِيُونُ، فَقَامَ الصَّبِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَعَرَفَ فَيْمِيُونُ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ، فَخَرَجَ مِنْ الْقَرْيَةِ وَاتَّبَعَهُ صَالِحٌ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي فِي بَعْضِ الشَّامِ إذْ مَرَّ بِشَجَرَةِ عَظِيمَةٍ. فَنَادَاهُ مِنْهَا رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا فَيْمِيُونُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا زِلْتُ أَنْظُرُكَ [٣] وَأَقُولُ مَتَى هُوَ جَاءٍ، حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّكَ هُوَ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَقُومَ عَلَيَّ، فَإِنِّي مَيِّتٌ الْآنَ، قَالَ:
فَمَاتَ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَتَبِعَهُ صَالِحٌ، حَتَّى وَطِئَا بَعْضَ أَرْضِ الْعَرَبِ، فَعَدَوْا عَلَيْهِمَا. فَاخْتَطَفَتْهُمَا سَيَّارَةٌ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ، فَخَرَجُوا بِهِمَا حَتَّى بَاعُوهُمَا بِنَجْرَانَ، وَأَهْلُ نَجْرَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ الْعَرَبِ، يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَهَا عِيدٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، إذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِيدُ عَلَّقُوا عَلَيْهَا كُلَّ ثَوْبٍ حَسَنٍ وَجَدُوهُ، وَحُلِيَّ النِّسَاءِ، ثُمَّ خَرَجُوا إلَيْهَا فَعَكَفُوا عَلَيْهَا يَوْمًا. فَابْتَاعَ فَيْمِيُونُ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَابْتَاعَ صَالِحًا آخَرُ. فَكَانَ فَيْمِيُونُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ فِي بَيْتٍ لَهُ- أَسْكَنَهُ إيَّاهُ سَيِّدُهُ- يُصَلِّي، اُسْتُسْرِجَ لَهُ الْبَيْتُ نُورًا حَتَّى يُصْبِحَ مِنْ غَيْرِ مِصْبَاحٍ، فَرَأَى ذَلِكَ سَيِّدُهُ، فَأَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِهِ، وَقَالَ لَهُ فَيْمِيُونُ: إنَّمَا أَنْتُمْ فِي بَاطِلٍ، إنَّ هَذِهِ النَّخْلَةَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهَا إلَهِي الَّذِي أَعْبُدُهُ لَأَهْلَكَهَا، وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ:
فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ إنْ فَعَلْتَ دَخَلْنَا فِي دِينِكَ، وَتَرَكْنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَقَامَ فَيْمِيُونُ، فَتَطَهَّرَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا رِيحًا فَجَعَفَتْهَا [٤] مِنْ أَصْلِهَا فَأَلْقَتْهَا، فَاتَّبَعَهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِهِ، فَحَمَلَهُمْ عَلَى الشَّرِيعَةِ مِنْ دِينِ عِيسَى بن مَرْيَمَ عليه السلام، ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ الْأَحْدَاثُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى أَهْلِ
--------------------
[١] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَفِي جَمِيع الْأُصُول: «من» .
[٢] انتشط الثَّوْب: كشفه بِسُرْعَة.
[٣] فِي الطَّبَرِيّ: أنتظرك. وَالنَّظَر والانتظار بِمَعْنى.
[٤] جعفتها: قلعتها وأسقطتها.
٣- سيرة ابْن هِشَام- ١
دِينِهِمْ بِكُلِّ أَرْضٍ، فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَتْ النَّصْرَانِيَّةُ بِنَجْرَانَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا حَدِيثُ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَهْلِ نَجْرَانَ.
أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ، وَقِصَّةُ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ
(فَيْمِيُونُ وَابْنُ الثَّامِرِ وَاسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَحَدَّثَنِي أَيْضًا بَعْضُ أَهْلِ نَجْرَانَ عَنْ أَهْلِهَا:
أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ كَانُوا أَهْلَ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا قَرِيبًا مِنْ نَجْرَانَ- وَنَجْرَانُ: الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى الَّتِي إلَيْهَا جِمَاعُ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ- سَاحِرٌ يُعَلِّمُ غِلْمَانَ أَهْلِ نَجْرَانَ السِّحْرَ، فَلَمَّا نَزَلَهَا فَيْمِيُونُ- وَلَمْ يُسَمُّوهُ لِي بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، قَالُوا: رَجُلٌ نَزَلَهَا- ابْتَنَى خَيْمَةً بَيْنَ نَجْرَانَ وَبَيْنَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي بِهَا السَّاحِرُ، فَجَعَلَ أَهْلُ نَجْرَانَ يُرْسِلُونَ غِلْمَانَهُمْ إلَى ذَلِكَ السَّاحِرِ يُعَلِّمُهُمْ السِّحْرَ فَبَعَثَ إلَيْهِ الثَّامِرُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الثَّامِرِ، مَعَ غِلْمَانِ أَهْلِ نَجْرَانَ فَكَانَ إذَا مَرَّ بِصَاحِبِ الْخَيْمَةِ أَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْهُ مِنْ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَجَعَلَ يَجْلِسُ إلَيْهِ، وَيَسْمَعُ مِنْهُ، حَتَّى أَسْلَمَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَعَبَدَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى إذَا فَقِهَ فِيهِ جَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَكَانَ يَعْلَمُهُ، فَكَتَمَهُ إيَّاهُ، وَقَالَ (لَهُ) [١]:
يَا بن أَخِي، إنَّكَ لَنْ تَحْمِلَهُ، أَخْشَى عَلَيْكَ ضَعْفَكَ عَنْهُ. وَالثَّامِرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَظُنُّ إلَّا أَنَّ ابْنَهُ يَخْتَلِفُ إلَى السَّاحِرِ كَمَا يَخْتَلِفُ الْغِلْمَانُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ ضَنَّ بِهِ عَنْهُ. وَتَخَوَّفَ ضَعْفَهُ فِيهِ، عَمَدَ إلَى أَقْدَاحٍ فَجَمَعَهَا، ثُمَّ لَمْ يُبْقِ للَّه اسْمًا يَعْلَمُهُ إلَّا كَتَبَهُ فِي قِدْحٍ [٢]، وَلِكُلِّ اسْمٍ قِدْحٌ، حَتَّى إذَا أَحْصَاهَا أَوْقَدَ لَهَا نَارًا، ثُمَّ جَعَلَ يَقْذِفُهَا فِيهَا قِدْحًا قِدْحًا، حَتَّى إذَا مَرَّ بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ قَذَفَ فِيهَا بِقِدْحِهِ، فَوَثَبَ الْقِدْحُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا لَمْ تَضُرَّهُ شَيْئًا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ أَتَى صَاحِبَهُ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ الِاسْمَ الَّذِي كَتَمَهُ، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هُوَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَكَيْفَ
-----------------------
[١] زِيَادَة عَن أوالطبري.
[٢] الْقدح: السهْم.
عَلِمْتَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ، قَالَ: أَيْ ابْنَ أَخِي، قَدْ أَصَبْتَهُ فَأَمْسِكْ عَلَى نَفْسِكَ، وَمَا أَظُنُّ أَنْ تَفْعَلَ.
(ابْنُ الثَّامِرِ وَدَعْوَتُهُ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ):
فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ إذَا دَخَلَ نَجْرَانَ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا بِهِ ضُرٌّ إلَّا قَالَ (لَهُ) [١] يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتُوَحِّدُ اللَّهَ وَتَدْخُلُ فِي دِينِي وَأَدْعُو اللَّهَ فَيُعَافِيكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُوَحِّدُ اللَّهَ وَيُسْلِمُ، وَيَدْعُو لَهُ فَيُشْفَى. حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِنَجْرَانَ أَحَدٌ بِهِ ضُرٌّ إلَّا أَتَاهُ فَاتَّبَعَهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَدَعَا لَهُ فَعُوفِيَ حَتَّى رُفِعَ شَأْنُهُ إلَى مَلِكِ نَجْرَانَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ (لَهُ) [١]: أَفْسَدْتَ عَلَيَّ أَهْلَ قَرْيَتِي، وَخَالَفْتَ دِينِي وَدِينَ آبَائِي، لَأُمَثِّلَنَّ بِكَ، قَالَ: لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فَجَعَلَ يُرْسِلُ بِهِ إلَى الْجَبَلِ الطَّوِيلِ فَيُطْرَحُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَقَعُ إلَى الْأَرْضِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَجَعَلَ يَبْعَثُ بِهِ إلَى مِيَاهٍ بِنَجْرَانَ، بُحُورٍ لَا يَقَعُ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا هَلَكَ، فَيُلْقَى فِيهَا فَيَخْرُجُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. فَلَمَّا غَلَبَهُ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ: إنَّكَ وَاَللَّهِ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تُوَحِّدَ اللَّهَ فَتُؤْمِنَ بِمَا آمَنْتُ بِهِ، فَإِنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ سُلِّطْتَ عَلَيَّ فَقَتَلْتنِي. قَالَ: فَوَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَشَهِدَ شَهَادَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِعَصَا فِي يَدِهِ فَشَجَّهُ شَجَّةً غَيْرَ كَبِيرَةٍ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ هَلَكَ الْمَلِكُ مَكَانَهُ، وَاسْتَجْمَعَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ، وَكَانَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى بن مَرْيَمَ مِنْ الْإِنْجِيلِ وَحُكْمِهِ، ثُمَّ أَصَابَهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ أَهْلَ دِينِهِمْ مِنْ الْأَحْدَاثِ، فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَبَعْضِ أَهْلِ نَجْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
(ذُو نُوَاسٍ وَخَدُّ الْأُخْدُودِ):
فَسَارَ إلَيْهِمْ ذُو نُوَاسٍ بِجُنُودِهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْقَتْلِ، فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ، فَخَدَّ لَهُمْ الْأُخْدُودَ، فَحَرَقَ مَنْ حَرَقَ بِالنَّارِ، وَقَتَلَ بِالسَّيْفِ وَمَثَّلَ بِهِ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عشْرين ألفا، فِي ذِي نُوَاسٍ وَجُنْدِهِ تِلْكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ: قُتِلَ أَصْحابُ ٨٥: ٤
------------------------------
[١] زِيَادَة عَن الطبرى.
الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ، وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨٥: ٤- ٨.
(الْأُخْدُودُ لُغَةً):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأُخْدُودُ: الْحَفْرُ الْمُسْتَطِيلُ فِي الْأَرْضِ، كَالْخَنْدَقِ وَالْجَدْوَلِ وَنَحْوِهِ، وَجَمْعُهُ أَخَادِيدُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ، وَاسْمُهُ غَيْلَانُ بْنُ عُقْبَةَ، أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ ابْن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أدّ بن طابخة بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ:
مِنْ الْعِرَاقِيَّةِ اللَّاتِي يُحِيلُ لَهَا [١] ... بَيْنَ الْفَلَاةِ وَبَيْنَ النَّخْلِ أُخْدُودُ
يَعْنِي جَدْوَلًا. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ: وَيُقَالُ لِأَثَرِ السَّيْفِ وَالسِّكِّينِ فِي الْجِلْدِ وَأَثَرِ السَّوْطِ وَنَحْوِهِ: أُخْدُودٌ، وَجَمْعُهُ أَخَادِيدُ.
(مَقْتَلُ ابْنِ الثَّامِرِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُقَالُ: كَانَ فِيمَنْ قَتَلَ ذُو نُوَاسٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ، رَأْسُهُمْ وَإِمَامُهُمْ [٢] .
(مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ الثَّامِرِ فِي قَبْرِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ [٣] أَنَّهُ حُدِّثَ:
أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ كَانَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه حَفَرَ خَرِبَةً مِنْ خَرِبِ نَجْرَانَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَوَجَدُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الثَّامِرِ تَحْتَ دَفْنٍ مِنْهَا قَاعِدًا، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى ضَرْبَةٍ فِي رَأْسِهِ، مُمْسِكًا بِيَدِهِ عَلَيْهَا، فَإِذَا أُخِّرَتْ يَدُهُ عَنْهَا تَنْبَعِثُ [٤] دَمًا، وَإِذَا أُرْسِلَتْ يَدُهُ رَدَّهَا عَلَيْهَا، فَأَمْسَكَتْ دَمُهَا، وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ
----------------------
[١] يحِيل لَهَا: يصب لَهَا، يُقَال: أحَال المَاء فِي الْحَوْض، إِذا صبه.
[٢] وَيُقَال: إِنَّمَا قتل عبد الله بن الثَّامِر قبل ذَلِك، قَتله ملك كَانَ قبل ذِي نواس، هُوَ أصل ذَلِك الدَّين، وَإِنَّمَا قتل ذُو نواس من كَانَ بعده من أهل دينه. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٣] قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الْعلم عَالما، توفى سنة ١٣٥ هـ، وَقيل سنة ١٣٣ هـ. وَكَانَ عمره سبعين سنة.
[٤] فِي أ: «تثعبت» . وتثعبت: سَالَتْ.
مَكْتُوبٌ فِيهِ: «رَبِّي اللَّهُ» فَكُتِبَ فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُخْبَرُ بِأَمْرِهِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ عُمَرُ رضي الله عنه: أَنْ أَقِرُّوهُ عَلَى حَالِهِ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ الدَّفْنَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا [١] .
أَمْرُ دَوْسِ ذِي ثَعْلَبَانَ، وَابْتِدَاءُ مُلْكِ الْحَبَشَة وَذكر أرباط الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْيَمَنِ
(فِرَارُ دَوْسٍ وَاسْتِنْصَارُهُ بِقَيْصَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ سَبَأٍ، يُقَالُ لَهُ: دَوْسُ ذُو ثَعْلَبَانَ [٢]، عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَسَلَكَ الرَّمْلَ فَأَعْجَزَهُمْ، فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ، حَتَّى أَتَى قَيْصَرَ مَلِكَ الرُّومِ، فَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى ذِي نُوَاسٍ وَجُنُودِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا بَلَغَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ:
بَعُدَتْ بِلَادُكَ مِنَّا، وَلَكِنِّي سَأَكْتُبُ لَكَ إلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا الدِّينِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى بِلَادِكَ، وَكَتَبَ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِنَصْرِهِ وَالطَّلَبِ بِثَأْرِهِ.
(انْتِصَارُ أَرْيَاطَ وَهَزِيمَةُ ذِي نُوَاسٍ وَمَوْتُهُ):
فَقَدِمَ دَوْسٌ عَلَى النَّجَاشِيِّ بِكِتَابِ قَيْصَرَ، فَبَعَثَ مَعَهُ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ الْحَبَشَةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَرْيَاطُ، وَمَعَهُ فِي جُنْدِهِ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ، فَرَكِبَ أَرْيَاطُ الْبَحْرَ حَتَّى نَزَلَ بِسَاحِلِ الْيَمَنِ، وَمَعَهُ دَوْسٌ ذُو ثَعْلَبَانَ، وَسَارَ إلَيْهِ ذُو نُوَاسٍ فِي حِمْيَرَ، وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا انْهَزَمَ ذُو نُوَاسٍ وَأَصْحَابُهُ. فَلَمَّا رَأَى ذُو نُوَاسٍ مَا نَزَلَ بِهِ وَبِقَوْمِهِ وَجَّهَ فَرَسَهُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَدَخَلَ بِهِ، فَخَاضَ بِهِ ضَحْضَاحَ [٣] الْبَحْرِ، حَتَّى أَفْضَى بِهِ إلَى غَمْرِهِ، فَأَدْخَلَهُ فِيهِ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ.
وَدَخَلَ أَرْيَاطُ الْيَمَنَ، فَمَلَكَهَا [٤]
-------------------------
[١] وَمن ذَلِك مَا يرْوى من أَن حَمْزَة بن عبد الْمطلب رضي الله عنه وجده مُعَاوِيَة حِين حفر الْعين صَحِيحا لم يتَغَيَّر، وَأَن الفأس أَصَابَت إصبعه فدميت، وَكَذَلِكَ مَا يرْوى عَن أَبى جَابر عبد الله بن حرَام، وَعَمْرو ابْن الجموح، وَطَلْحَة بن عبيد الله رضي الله عنهم، وَقد أَفَاضَ الْمُفَسِّرُونَ فِي ذَلِك عِنْد الْكَلَام على تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتًا ٣: ١٦٩ ... الْآيَة.
[٢] وَيُقَال: إِن الّذي أفلت هُوَ جَبَّار بن فيض، من أهل نَجْرَان، وَالأَصَح مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق.
(رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٣] الضحضاح من المَاء: الّذي يظْهر مِنْهُ القعر.
[٤] هَذِه رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فِي مقتل ذِي نواس، وَدخُول الْحَبَشَة الْيمن، سَاقهَا عَنهُ ابْن هِشَام. وَأما غير
(شِعْرٌ فِي دَوْسٍ وَمَا كَانَ مِنْهُ):
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- وَهُوَ يَذْكُرُ مَا سَاقَ إلَيْهِمْ دَوْسٌ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ:
«لَا كَدَوْسٍ وَلَا كَأَعْلَاقِ رَحْلِهِ
» [١] فَهِيَ مَثَلٌ بِالْيَمَنِ إلَى هَذَا الْيَوْمِ. وَقَالَ ذُو جَدَنٍ الْحِمْيَرِيُّ:
هَوْنكِ [٢] لَيْسَ يَرُدُّ الدَّمْعُ مَا فَاتَا ... لَا تَهْلِكِي أَسَفًا فِي إثْرِ مَنْ مَاتَا
أَبَعْدَ بَيْنُونَ لَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ ... وَبَعْدَ سِلْحِينَ يَبْنِي النَّاسُ أَبْيَاتَا
بَيْنُونُ وَسِلْحِينُ وَغُمْدَانُ [٣]: مِنْ حُصُونِ الْيَمَنِ الَّتِي هَدَمَهَا أَرْيَاطُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّاسِ مِثْلُهَا. وَقَالَ ذُو جَدَنٍ أَيْضًا:
دَعِينِي لَا أَبَا لَكَ لَنْ تُطِيقِي [٤] ... لِحَاكِ اللَّهِ قَدْ أَنْزَفْتِ رِيقِي [٥]
لَدَيَّ عَزْفُ القيان إِذْ انتشبنا ... وَإِذ نُسْقَى مِنْ الْخَمْرِ الرَّحِيقِ [٦]
وَشُرْبُ الْخَمْرِ لَيْسَ عَلَيَّ عَارًا ... إذَا لَمْ يَشْكُنِي فِيهَا [٧] رَفِيقِي
فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا يَنْهَاهُ نَاهٍ ... وَلَوْ شَرِبَ الشِّفَاءَ مَعَ النُّشُوقِ [٨]
------------------------
[()] ابْن إِسْحَاق فَيَقُولُونَ: إِن ذَا نواس أَدخل الْحَبَشَة صنعاء الْيمن حِين رأى أَن لَا قبل لَهُ بهم، بعد أَن اسْتنْفرَ جَمِيع المقاول ليكونوا مَعَه يدا وَاحِدَة عَلَيْهِم، فَأَبَوا إِلَّا أَن يحمى كل وَاحِد مِنْهُم حوزته على حِدته، فَخرج إِلَيْهِم، وَمَعَهُ مَفَاتِيح خزائنه وأمواله، على أَن يسالموه وَمن مَعَه، وَلَا يقتلُوا أحدا، فَكَتَبُوا إِلَى النَّجَاشِيّ بذلك، فَأَمرهمْ أَن يقبلُوا ذَلِك مِنْهُ، فَدَخَلُوا صنعاء وَدفع إِلَيْهِم المفاتيح، وَأمرهمْ أَن يقبضوا مَا فِي بِلَاده من خَزَائِن أَمْوَاله، ثمَّ كتب ذُو نواس إِلَى كل مَوضِع من أرضه أَن اقْتُلُوا كل ثَوْر أسود، فَقتل أَكثر الْحَبَشَة، فَلَمَّا بلغ ذَلِك النَّجَاشِيّ وَجه إِلَيْهِم جَيْشًا، وَعَلِيهِ أرياط، وَأمره أَن يقتل ذَا نواس، وَيخرب ثلث بِلَاده، وَيقتل ثلث النِّسَاء، ويسبى ثلث الرِّجَال والذرية، فَفَعَلُوا ذَلِك، ثمَّ كَانَ مَا كَانَ من اقتحام ذِي نواس الْبَحْر، وَقيام ذِي جدن بعده. (رَاجع الطَّبَرِيّ وَالرَّوْض الْأنف) .
[١] الأعلاق: جمع علق، وَهُوَ النفيس من كل شَيْء: يُرِيد مَا حمله دوس إِلَى الْحَبَشَة من النجدة.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري. يُرِيد: ترفقى وليهن عَلَيْك هَذَا الْأَمر. وَفِي أ، وتواريخ مَكَّة للأزرقى: «هُوَ نكما لن ... إِلَخ» . وَهُوَ من بَاب قَول الْعَرَب للْوَاحِد افعلا، وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَالْكَلَام
[٣] ستذكر فِيمَا يَلِي من شعر ذِي جدن وسلحين: بِفَتْح السِّين فِي ياقوت، وبكسرها فِي الْبكْرِيّ.
[٤] أَي لن تطيقى صرفى بالعذل عَن شأنى.
[٥] أَي أكثرت على من العذل حَتَّى أيبست ريقي بفمي. وَقلة الرِّيق من الْحصْر، وكثرته من قُوَّة النَّفس وثبات الجأش.
[٦] الرَّحِيق: الْمُصَفّى الْخَالِص.
[٧] فِي أ: «فِيهِ» .
[٨] كَذَا فِي أوالطبري. والشفاء بِالْكَسْرِ): مَا يتداوى بِهِ فيشفى، تَسْمِيَة للسبب باسم الْمُسَبّب
وَلَا مُتَرَهِّبٍ فِي أُسْطُوَانٍ [١] ... يُنَاطِحُ جُدْرَهُ بَيْضُ الْأَنُوقِ [٢]
وغُمْدَانُ [٣] الَّذِي حُدِّثْتِ عَنْهُ ... بَنَوْهُ مُسَمَّكا فِي رَأْسِ نِيقِ [٤]
بِمَنْهَمَةِ [٥] وَأَسْفَلُهُ جُرُونٌ [٦] ... وَحُرُّ [٧] الْمَوْحَلِ [٨] اللَّثَقِ الزَّلِيقِ [٩]
مصابيح السّليط [١٠] تاوح فِيهِ ... إذَا يُمْسِي كَتَوْمَاضِ الْبُرُوقِ
وَنَخْلَتُهُ الَّتِي غُرِسَتْ إلَيْهِ ... يَكَادُ الْيُسْرُ يَهْصِرُ [١١] بِالْعُذُوقِ
فَأَصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَمَادًا ... وَغَيَّرَ حُسْنَهُ لَهَبُ الْحَرِيقِ
وَأَسْلَمَ ذُو نُوَاسٍ مُسْتَكِينًا [١٢] ... وَحَذَّرَ قَوْمَهُ ضَنْكَ الْمَضِيقِ
وَقَالَ ابْنُ الذِّئْبَةِ الثَّقَفِيُّ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الذِّئْبَةُ أُمُّهُ، وَاسْمُهُ رَبِيعَةُ ابْن عبد يَا ليل بْنُ سَالِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُطَيْطِ بْنِ جُشَمَ بْنِ قَسِيِّ:
لَعَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى مِنْ مَفَرٍّ ... مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقُهُ والكِبَرْ
--------------------
[()] والنشوق: مَا يشم من الدَّوَاء وَيجْعَل فِي الْأنف. يُرِيد: وَلَو شرب مَعَ كل دَوَاء يستشفى بِهِ، ونشق كل نشوق مَا نهى ذَلِك الْمَوْت عَنهُ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الشِّفَاء مَعَ السويق» .
[١] الأسطوان: جمع أسطوانة، وَهِي السارية. وَأَرَادَ بهَا هَاهُنَا مَوضِع الراهب الْمُرْتَفع.
[٢] الأنوق: الرخم، وَهِي لَا تبيض إِلَّا فِي الْجبَال الْعَالِيَة.
[٣] غمدان: حصن كَانَ لهوذة بن على ملك الْيَمَامَة.
[٤] مسمكا: مرتفعا. والنيق: أَعلَى الْجَبَل.
[٥] المنهمة: مَوضِع الرهبان. وَيُقَال للراهب: نهامى، كَمَا يُقَال للنجار أَيْضا نهامى، فَتكون المنهمة على هَذَا مَوضِع النجر أَيْضا.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والجرون: جمع جرن، وَهُوَ النقير. وَفِي أ، والطبري: «جروب» .
والجروب: الْحِجَارَة السود.
[٧] الْحر: الْخَالِص من كل شَيْء.
[٨] الموحل: من الوحل، وَهُوَ المَاء والطين. ويروى: «الموجل» بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة. وَهِي الْحِجَارَة الملس السود، أَي وَهِي وَاحِدَة المواجل، وَهِي مناهل المَاء.
[٩] اللثق: الّذي فِيهِ بَلل. والزليق: الّذي يزلق فِيهِ. وَقد زَادَت أبعد هَذَا الْبَيْت:
بمرمرة وَأَعلاهُ رُخَام ... تحام لَا يغيب فِي الشقوق
[١٠] السليط: الدّهن.
[١١] يهصر: يمِيل. والعذوق: جمع عذق. والعذق (بِكَسْر الْعين): الكباسة، (وَبِفَتْحِهَا):
النَّخْلَة، وَالْمعْنَى الثَّانِي أبلغ هُنَا.
[١٢] مستكينا: خاضعا ذليلا.
لَعُمْرُكَ مَا لِلْفَتَى صُحْرَةٌ [١] ... لَعُمْرُكَ مَا إنْ لَهُ مِنْ وَزَرْ [٢]
أَبَعْدَ قَبَائِلَ مِنْ حِمْيَرَ ... أُبِيدُوا صَبَاحًا بِذَاتِ الْعَبَرْ [٣]
بِأَلْفِ أُلُوفٍ وحُرَّابَةٌ [٤] ... كَمِثْلِ السَّمَاءِ قُبَيْلَ الْمَطَرْ
يُصِمُّ صِيَاحُهُمْ الْمُقْرَبَاتِ [٥] ... وَيَنْفُونَ مَنْ قَاتَلُوا بِالذَّفَرْ [٦]
سَعَالِيَ [٧] مثل عديد التُّرَاب ... تَيْبَسُ مِنْهُمْ رِطَابُ الشَّجَرْ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبٍ [٨] الزُّبَيْدِيُّ فِي شَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَيْسِ بْنِ مَكْشوُحٍ الْمُرَادِيَّ [٩]، فَبَلَغَهُ أَنَّهُ يَتَوَعَّدُهُ، فَقَالَ يَذْكُرُ حِمْيَرَ وَعِزَّهَا، وَمَا زَالَ مِنْ مُلْكِهَا عَنْهَا:
أَتُوعِدُنِي كَأَنَّكَ ذُو رُعَيْنٍ ... بِأَفْضَلِ عِيشَةٍ، أَوْ ذُو نُوَاسِ
وكائنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنْ نَعِيمٍ ... وَمُلْكٍ ثَابِتٍ فِي النَّاسِ رَاسِي
قَدِيمٍ عَهْدُهُ مِنْ عَهْدِ عَادٍ ... عَظِيمٍ قَاهِرِ الْجَبَرُوتِ قَاسِي
فَأَمْسَى أَهْلُهُ بَادُوا وَأَمْسَى ... يُحَوَّلُ مِنْ أُنَاسٍ فِي أُنَاسِ
----------------------
[١] الصحرة: المتسع، أَخذ من لفظ الصَّحرَاء.
[٢] الْوزر: الملجأ. وَمِنْه اشتق الْوَزير لِأَن الْملك يلجأ إِلَى رَأْيه.
[٣] ذَات العبر: ذَات الْحزن، وَيُقَال: عبر الرجل (من بَاب علم)، إِذا حزن، وَيُقَال: لأمه العبر، كَمَا يُقَال لأمه الثكل، وَذَات العبر: اسْم من أَسمَاء الداهية.
[٤] الْحِرَابَة: أَصْحَاب الحراب.
[٥] المقربات: الْخَيل الْعتاق الَّتِي لَا تسرح فِي الرَّعْي، وَلَكِن تحبس قرب الْبيُوت معدة لِلْعَدو.
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول، وتواريخ مَكَّة للأزرقى. والذفر: الرَّائِحَة الشَّدِيدَة. يُرِيد أَنهم. بريحهم وأنفاسهم يَتَّقُونَ من قَاتلُوا، وَهَذَا إفراط فِي وَصفهم بِالْكَثْرَةِ، بل بنتن آباطهم وخبيث رائحتهم، لِأَن السودَان أنتن النَّاس آباطا وأعراقا. وَفِي الطَّبَرِيّ: «بالزمر» وَالزمر: جمع زمرة، وَهِي الْجَمَاعَة من النَّاس
[٧] سعالى: جمع سعلاة، وَهِي من الْجِنّ، أَو هِيَ الساحرة مِنْهَا.
[٨] معديكرب: مَعْنَاهُ بالحميرية: وَجه الْفَلاح. ومعدى: وَجه. وَالْكرب: الْفَلاح.
[٩] إِنَّمَا هُوَ حَلِيف لمراد، وَاسم مُرَاد: يحابر بن سعد الْعَشِيرَة بن مذْحج، وَنسبه فِي بجيلة، ثمَّ فِي بنى أحمس، وَأَبوهُ مكشوح اسْمه: هُبَيْرَة بن هِلَال، وَيُقَال: عبد يَغُوث بن هُبَيْرَة بن الْحَارِث بن عَمْرو ابْن عَامر بن على بن أسلم بن أحمس بن الْغَوْث بن أَنْمَار، وأنمار: هُوَ وَالِد بجيلة وخثعم، وسمى أَبوهُ مكشوحا لِأَنَّهُ ضرب بِسيف على كشحة، ويكنى قيس أَبَا شَدَّاد، وَهُوَ قَاتل الْأسود العنسيّ الْكذَّاب. وَكَانَ قيس بطلا بئيسا، قَتله على- كرم الله وَجهه- يَوْم صفّين.
(نَسَبُ زُبَيْدٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُبَيْدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ صَعْبِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ ابْن مَذْحِجَ، وَيُقَالُ زُبَيْدُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ صَعْبِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ، وَيُقَالُ زُبَيْدُ ابْن صَعْبٍ. وَمُرَادُ: يُحَابِرُ بْنُ مَذْحِجَ.
(سَبَبُ قَوْلِ عَمْرو بن معديكرب هَذَا الشِّعْرَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ:
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إلَى سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَبَاهِلَةَ ابْن يَعْصُرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَهُوَ بِأَرْمِينِيَّةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُفَضِّلَ أَصْحَابَ الْخَيْلِ الْعِرَابِ عَلَى أَصْحَابِ الْخَيْلِ الْمَقَارِفِ [١] فِي الْعَطَاءِ، فَعَرَضَ الْخَيْلَ، فَمَرَّ بِهِ فَرَسُ عَمْرو بن معديكرب، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: فَرَسُكَ هَذَا مُقْرِفٌ، فَغَضِبَ عَمْرٌو، وَقَالَ: هَجِينٌ عَرَفَ هَجِينًا مِثْلَهُ، فَوَثَبَ إلَيْهِ قَيْسٌ فَتَوَعَّدَهُ، فَقَالَ عَمْرُو هَذِهِ الْأَبْيَاتِ [٢] .
(صِدْقُ كَهَانَةِ سَطِيحٍ وَشِقٍّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَهَذَا الَّذِي عَنَى سَطِيحٌ الْكَاهِنُ بِقَوْلِهِ: «لَيَهْبِطَنَّ أَرْضَكُمْ الْحَبَشُ، فَلَيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إلَى جُرَشَ» . وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ الْكَاهِنُ بِقَوْلِهِ:
«لَيَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمْ السُّودَانُ، فَلَيَغْلِبُنَّ عَلَى كُلِّ طِفْلَةٍ الْبَنَانَ، وَلَيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إلَى نَجْرَانَ» .
غَلَبَ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ عَلَى أَمْرِ الْيَمَنِ، وَقَتَلَ أَرْيَاطَ
(مَا كَانَ بَيْنَ أَرْيَاطَ وَأَبْرَهَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٣]: فَأَقَامَ أَرْيَاطُ بِأَرْضِ الْيَمَنِ سِنِينَ فِي سُلْطَانِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ نَازَعَهُ
---------------------------
[١] المقارف: جمع مقرف، وَهُوَ من الْخَيل الّذي أَبوهُ هجين وَأمه عتيقة.
[٢] وَيُقَال: بل إِن عمرا قَالَ هَذَا الشّعْر لعمر بن الْخطاب حِين أَرَادَ ضربه بِالدرةِ فِي حَدِيث طَوِيل سَاقه المَسْعُودِيّ فِي كِتَابه مروج الذَّهَب (ج ١ ص ٣٢٩- ٣٣٠) .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري، وَفِي أ «ابْن هِشَام»، وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:34 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (7)
صــ 41إلى صــ 50
فِي أَمْرِ الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِيُّ- (وَكَانَ فِي جُنْدِهِ) -[١] حَتَّى تَفَرَّقَتْ الْحَبَشَةُ عَلَيْهِمَا. فَانْحَازَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَارَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، فَلَمَّا تَقَارَبَ النَّاسُ أَرْسَلَ أَبْرَهَةُ إلَى أَرْيَاطَ: إنَّكَ لَا تَصْنَعُ بِأَنْ تَلْقَى الْحَبَشَةُ بَعْضُهَا بِبَعْضِ حَتَّى تَفِنِيهَا شَيْئًا فَابْرُزْ إلَيَّ وَأَبْرُزُ إلَيْكَ، فَأَيُّنَا أَصَابَ صَاحِبَهُ انْصَرَفَ إلَيْهِ جُنْدُهُ.
فَأرْسل إِلَيْهِ أرباط: أَنْصَفْتَ فَخَرَجَ إلَيْهِ أَبْرَهَةُ، وَكَانَ رَجُلًا قَصِيرًا (لَحِيمًا [٢] حَادِرًا) [٣] وَكَانَ ذَا دِينٍ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَخَرَجَ إلَيْهِ أَرْيَاطُ، وَكَانَ رَجُلًا جَمِيلًا عَظِيمًا طَوِيلًا، وَفِي يَدِهِ حَرْبَةٌ لَهُ. وَخَلَفَ أَبْرَهَةَ غُلَامٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ عَتَوْدَةُ [٤]، يَمْنَعُ ظَهْرَهُ. فَرَفَعَ أَرْيَاطُ الْحَرْبَةَ فَضَرَبَ أَبْرَهَةَ، يُرِيدُ يَافُوخَهُ [٥]، فَوَقَعَتْ الْحَرْبَةُ عَلَى جَبْهَةِ أَبْرَهَةَ فَشَرَمَتْ حَاجِبَهُ وَأَنْفَهُ وَعَيْنَهُ وَشَفَتَهُ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَ أَبْرَهَةَ الْأَشْرَمَ، وَحَمَلَ عَتَوْدَةُ عَلَى أَرْيَاطَ مِنْ خَلْفِ أَبْرَهَةَ فَقَتَلَهُ، وَانْصَرَفَ جُنْدُ أَرْيَاطَ إلَى أَبْرَهَةَ، فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَبَشَةُ بِالْيَمَنِ، وَوَدَى [٦] أَبْرَهَةُ أَرْيَاطَ.
(غَضَبُ النَّجَاشِيِّ عَلَى أَبْرَهَةَ لِقَتْلِهِ أَرْيَاطَ ثُمَّ رِضَاؤُهُ عَنْهُ):
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّجَاشِيَّ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: عَدَا عَلَى أَمِيرِي فَقَتَلَهُ بِغَيْر أمرى، ثمَّ حَلَفَ لَا يَدَعُ أَبْرَهَةَ حَتَّى يَطَأَ بِلَادَهُ، وَيَجُزَّ نَاصِيَتَهُ. فَحَلَقَ أَبْرَهَةُ رَأْسَهُ وَمَلَأَ جِرَابًا مِنْ تُرَابِ الْيَمَنِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إلَى النَّجَاشِيِّ، ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ:
أَيُّهَا الْمَلِكُ: إنَّمَا كَانَ أَرْيَاطُ عَبْدَكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ، فَاخْتَلَفْنَا فِي أَمْرِكَ، وَكُلٌّ طَاعَتُهُ لَكَ، إلَّا أَنِّي كُنْتُ أَقْوَى عَلَى أَمْرِ الْحَبَشَةِ وَأَضْبَطَ لَهَا وَأَسْوَسَ مِنْهُ، وَقَدْ حَلَقْتُ رَأْسِي كُلَّهُ حِينَ بَلَغَنِي قَسَمُ الْمَلِكِ، وَبَعَثْتُ إلَيْهِ بِجِرَابِ تُرَابٍ مِنْ أَرْضِي، لِيَضَعَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَيَبَرُّ قَسَمُهُ فِيَّ.
فَلَمَّا انْتَهَى ذَلِكَ إلَى النَّجَاشِيِّ رَضِيَ عَنْهُ، وَكَتَبَ إلَيْهِ: أَنْ اُثْبُتْ بِأَرْضِ الْيَمَنِ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي. فَأَقَامَ أَبْرَهَةُ بِالْيَمَنِ.
---------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] اللحيم: الْكثير لحم الْجَسَد.
[٣] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ. والحادر: السمين الغليظ.
[٤] مَأْخُوذ من العتودة، وَهِي الشدَّة فِي الْحَرْب.
[٥] اليافوخ: وسط الرَّأْس.
[٦] وداه: دفع دِيَته.
أَمْرُ الْفِيلِ، وَقِصَّةُ النَّسَأَةِ
(بِنَاءُ الْقُلَّيْسِ):
ثُمَّ إنَّ أَبْرَهَةَ بَنَى الْقُلَّيْسَ [١] بِصَنْعَاءَ، فَبَنَى كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءِ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ كَتَبَ إلَى النَّجَاشِيِّ: إنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكِ كَانَ قَبْلَكَ، وَلَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتَّى أَصْرِفَ إلَيْهَا حَجَّ الْعَرَبِ، فَلَمَّا تَحَدَّثَتْ الْعَرَبُ بِكِتَابِ أَبْرَهَةَ ذَلِكَ إلَى النَّجَاشِيِّ، غَضِبَ رَجُلٌ مِنْ النَّسَأَةِ، أَحَدُ بَنِي فُقَيْمِ ابْن عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ مِنْ مُضَرَ.
(مَعْنَى النَّسَأَةِ):
وَالنَّسَأَةُ: الَّذِينَ كَانُوا يَنْسَئُونَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَيُحِلُّونَ الشَّهْرَ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَيُحَرِّمُونَ مَكَانَهُ الشَّهْرَ مِنْ أَشْهُرِ الْحِلِّ، وَيُؤَخِّرُونَ ذَلِكَ الشَّهْرَ فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا، وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ٩: ٣٧
(الْمُوَاطَأَةُ لُغَةً):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لِيُوَاطِئُوا: لِيُوَافِقُوا. وَالْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ، تَقُولُ الْعَرَبُ:
وَاطَأْتُكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، أَيْ وَافَقْتُكَ عَلَيْهِ. وَالْإِيطَاءُ فِي الشِّعْرِ الْمُوَافَقَةُ، وَهُوَ اتِّفَاقُ الْقَافِيَتَيْنِ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَجِنْسٍ وَاحِدٍ، نَحْوَ قَوْلِ الْعَجَّاجِ- وَاسْمُ الْعَجَّاجِ [٢] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُؤْبَةَ أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أدّ بن طابخة بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ.
-----------------------
[١] الْقليس (بِضَم الْقَاف وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الْيَاء) هِيَ الْكَنِيسَة الَّتِي أَرَادَ أَبْرَهَة أَن يصرف إِلَيْهَا حج الْعَرَب، وَسميت الْقليس لارْتِفَاع بنائها وعلوها، وَمِنْه القلانس، لِأَنَّهَا فِي أَعلَى الرُّءُوس، وَقد استذل أَبْرَهَة أهل الْيمن فِي بُنيان هَذِه الْكَنِيسَة، وجشمهم فِيهَا ألوانا من السخر، وَكَانَ ينْقل إِلَيْهَا الْعدَد من الرخام المجزع وَالْحِجَارَة المنقوشة بِالذَّهَب من قصر بلقيس، صَاحِبَة سُلَيْمَان عليه السلام، وَكَانَ مَوضِع من هَذِه الْكَنِيسَة على فراسخ، وَمن شدته على الْعمَّال كَانَ الْعَامِل إِذا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس قبل أَن يَأْخُذ فِي عمله قطعت يَده.
[٢] ويكنى أَبُو الشعْثَاء، وسمى العجاج لقَوْله: «حَتَّى يعج عِنْدهَا من عججا» كَذَا فِي الرَّوْض الْأنف.
فِي أُثْعبُانَ المَنْجَنُونِ الْمُرْسَلِ
[١] ثُمَّ قَالَ:
مُدُّ الْخَلِيجِ [٢] فِي الْخَلِيجِ الْمُرْسَلِ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
(تَارِيخُ النَّسْءِ عِنْدَ الْعَرَبِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ نَسَأَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ، فَأَحَلَّتْ مِنْهَا مَا أُحِلَّ، وَحَرَّمَتْ مِنْهَا مَا حَرَّمَ القَلَمَّسُ [٣]، وَهُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ بْنِ فُقَيْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُهُ (عَبَّادُ) [٤] بْنُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ عَبَّادٍ: قَلَعُ بْنُ عَبَّادٍ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ قَلَعٍ: أُمَيَّةُ ابْن قَلَعٍ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ أُمَيَّةَ: عَوْفُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ عَوْفٍ أَبُو ثُمَامَةَ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ آخِرَهُمْ، وَعَلَيْهِ قَامَ الْإِسْلَامُ [٥]، وَكَانَتْ الْعَرَبُ إذَا فَرَغَتْ مِنْ حَجِّهَا اجْتَمَعَتْ إلَيْهِ، فَحَرَّمَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ الْأَرْبَعَةَ: رَجَبًا، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحِلَّ مِنْهَا شَيْئًا أَحَلَّ الْمُحَرَّمَ فَأَحَلُّوهُ، وَحَرَّمَ مَكَانَهُ صَفَرَ فَحَرَّمُوهُ، لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَإِذَا أَرَادُوا الصَّدَرَ [٦] قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ:
اللَّهمّ إنِّي قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ أَحَدَ الصَّفَرَيْنِ، الصَّفَرَ الْأَوَّلَ، وَنَسَّأَتْ الْآخَرَ لِلْعَامِ الْمُقْبِلِ [٧]
-----------------------
[١] (ديوَان طبع ليبسك ص ٤٦) أثعبان المنجنون: مَا ينْدَفع من المَاء من شعبه. والمنجنون:
أَدَاة السانية.
[٢] (ديوَان ص ٤٧) الخليج: الْجَبَل، وَهُوَ أَيْضا خليج المَاء.
[٣] وسمى القلمس لجوده، إِذْ القلمس من أَسمَاء الْبَحْر.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] يخْتَلف أهل الْخَبَر فِي هَل أسلم جُنَادَة هَذَا أم لم يسلم، غير أَن هُنَاكَ خَبرا يدل على إِسْلَامه، وَذَلِكَ أَنه حضر الْحَج فِي زمن عمر، فَرَأى النَّاس يزدحمون على الْحَج، فَنَادَى: أَيهَا النَّاس، إِنِّي قد أجرته مِنْكُم.
فخفقه عمر بِالدرةِ، وَقَالَ: وَيحك! إِن الله قد أبطل أَمر الْجَاهِلِيَّة.
[٦] الصَّدْر: الرُّجُوع من مَكَّة.
[٧] كَانَ النسء عِنْدهم على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا مَا ذكر ابْن إِسْحَاق من تَأْخِير شهر الْمحرم إِلَى صفر لحاجتهم إِلَى شن الغارات وَطلب الثارات. وَالثَّانِي: تأخيرهم الْحَج عَن وقته تحريا مِنْهُم للسّنة الشمسية، فَكَانُوا يؤخرونه فِي كل عَام أحد عشر يَوْمًا أَو أَكثر قَلِيلا حَتَّى يَدُور الدّور إِلَى ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة، فَيَعُود إِلَى وقته، وَلذَلِك قَالَ عليه السلام فِي حجَّة الْوَدَاع: «إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات
فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ «جِذْلُ [١] الطَّعَّانِ» أَحَدُ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غُنْمِ (بْنِ ثَعْلَبَةَ) بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، يَفْخَرُ بِالنَّسَأَةِ عَلَى الْعَرَبِ:
لَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدُّ أَنَّ قَوْمِي ... كِرَامُ النَّاسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامَا [٢]
فَأَيُّ النَّاسِ فَاتُونَا بِوِتْرٍ [٣] ... وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ نُعْلِكْ لِجَامَا [٤]
أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ ... شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا؟
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ [٥] الْمُحَرَّمُ.
(إحْدَاثُ الْكِنَانِيِّ فِي الْقُلَّيْسِ، وَحَمْلَةُ أَبْرَهَةَ عَلَى الْكَعْبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ الْكِنَانِيُّ حَتَّى أَتَى الْقُلَّيْسَ فَقَعَدَ [٦] فِيهَا- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يَعْنِي أَحْدَثَ فِيهَا- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِأَرْضِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ فَقَالَ: مَنْ صَنَعَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: صَنَعَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي تَحُجُّ الْعَرَبُ إلَيْهِ بِمَكَّةَ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَكَ: «أَصْرِفُ إلَيْهَا حَجَّ الْعَرَبِ» غَضِبَ فَجَاءَ فَقَعَدَ فِيهَا، أَيْ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِذَلِكَ بِأَهْلِ. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلَى الْبَيْتِ حَتَّى يَهْدِمَهُ، ثُمَّ أَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَهَيَّأَتْ وَتَجَهَّزَتْ، ثُمَّ سَارَ وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ، وَسَمِعَتْ بِذَلِكَ الْعَرَبُ، فَأَعْظَمُوهُ وَفَظِعُوا بِهِ، وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، حِينَ سَمِعُوا بِأَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الْكَعْبَةِ، بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ.
-----------------------
[()] «وَالْأَرْض» . وَكَانَت حجَّة الْوَدَاع فِي السّنة الَّتِي عَاد فِيهَا الْحَج إِلَى وقته، وَلم يحجّ رَسُول الله ﷺ من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة غير تِلْكَ الْحجَّة، وَذَلِكَ لإِخْرَاج الْكفَّار الْحَج عَن وقته، ولطوافهم بِالْبَيْتِ عُرَاة.
(عَن الرَّوْض الْأنف) .
[١] سمى عُمَيْر كَذَلِك لثباته فِي الْحَرْب كَأَنَّهُ جذل شَجَرَة وَاقِف وَقيل لِأَنَّهُ كَانَ يستشفى بِرَأْيهِ.
ويستراح إِلَيْهِ كَمَا تستريح الْبَهِيمَة الجرباء إِلَى الجذل تَحْتك بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: جذل الطعان: هُوَ عَلْقَمَة بن فراس بن غنم بن ثَعْلَبَة بن مَالك بن كنَانَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف وَشرح السِّيرَة) .
[٢] أَي: آبَاء كراما وأخلاقا كراما.
[٣] الْوتر: طلب الثأر.
[٤] لم نعلك لجاما: يُرِيد لم نقدعهم ونكفهم كَمَا يُقْدَع الْفرس باللجام، تَقول: أعلكت الْفرس لجامه، إِذا رَددته عَن تنزعه، فمضغ اللجام كالعلك من نشاطه.
[٥] وَقد قيل: إِن أول الْأَشْهر الْحرم ذُو الْقعدَة، لِأَن رَسُول الله ﷺ بَدَأَ بِهِ حِين ذكر الْأَشْهر الْحرم، وَحجَّة من قَالَ إِنَّه الْمحرم، هِيَ أَنه (أَي الْمحرم) أول السّنة.
[٦] فِي الْقعُود بِمَعْنى الاحداث شَاهد لقَوْل مَالك وَغَيره من الْفُقَهَاء فِي تَفْسِير الْقعُود على الْمَقَابِر الْمنْهِي عَنهُ
(هَزِيمَةُ ذِي نَفْرٍ أَمَامَ أَبْرَهَةَ):
فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ: ذُو نَفْرٍ، فَدَعَا قَوْمَهُ، وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ إلَى حَرْبِ أَبْرَهَةَ، وَجِهَادِهِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَمَا يُرِيدُ مِنْ هَدْمِهِ وَإِخْرَابِهِ، فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ مَنْ أَجَابَهُ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فَقَاتَلَهُ، فَهُزِمَ ذُو نَفْرٍ وَأَصْحَابُهُ، وَأُخِذَ لَهُ ذُو نَفْرٍ فَأُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ قَالَ لَهُ ذُو نَفْرٍ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَائِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِنْ قَتْلِي، فَتَرَكَهُ مِنْ الْقَتْلِ وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ فِي وَثَاقٍ، وَكَانَ أَبْرَهَةُ رَجُلًا حَلِيمًا.
(مَا وَقَعَ بَيْنَ نُفَيْلٍ وَأَبْرَهَةَ):
ثُمَّ مَضَى أَبْرَهَةُ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ يُرِيدُ مَا خَرَجَ لَهُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ خَثْعَمَ [١] عَرَضَ لَهُ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فِي قَبيلَيْ خَثْعَمَ: شَهْرَانِ وَنَاهِسُ [٢]، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ أَبْرَهَةُ، وَأُخِذَ لَهُ نُفَيْلٌ أَسِيرًا، فَأُتِيَ بِهِ فَلَمَّا هَمَّ بِقَتْلِهِ قَالَ لَهُ نُفَيْلٌ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنِّي دَلِيلُكَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَهَاتَانِ يَدَايَ لَكَ عَلَى قبيلَيْ خَثْعَمَ: شَهْرَانِ وَنَاهِسُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ.
(ابْنُ مُعَتِّبٍ وَأَبْرَهَةُ):
وَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ يَدُلُّهُ، حَتَّى إذَا مَرَّ بِالطَّائِفِ خَرَجَ إلَيْهِ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَرْوِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ فِي رِجَالِ ثَقِيفٍ.
(نَسَبُ ثَقِيفٍ وَشِعْرُ ابْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي ذَلِكَ):
وَاسْمُ ثَقِيفٍ: قَسِيُّ بْنُ النَّبِيتِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يَقْدُمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمّى بْنِ إيَادِ [٣] (بْنِ نِزَارِ) [٤] بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
------------------------
[١] خثعم: اسْم جبل سمى بِهِ بَنو عفرس بن خلف بن أفتل بن أَنْمَار، لأَنهم نزلُوا عِنْده، وَقيل بل لأَنهم تخثعموا (تلطخوا) بِالدَّمِ عِنْد حلف عقدوه بَينهم. (رَاجع الِاشْتِقَاق لِابْنِ دُرَيْد وَالرَّوْض الْأنف) .
[٢] شَهْرَان وناهس: هما بَنو عفرس من خثعم. وَيُقَال: بل خثعم ثَلَاث: شَهْرَان، وناهس، وأكلب غير أَن أكلب- عِنْد أهل النّسَب- هُوَ ابْن ربيعَة بن نزار، وَلَكنهُمْ دخلُوا فِي خثعم وانتسبوا إِلَيْهِم.
[٣] بَين النسابين خلاف فِي نسب ثَقِيف، فبعضهم ينسبهم إِلَى إياد- كَمَا هُنَا- وَبَعْضهمْ ينسبهم إِلَى قيس. كَمَا ينسبهم الْبَعْض الآخر إِلَى ثَمُود. وَالْكَلَام على هَذَا مَبْسُوط فِي كثير من المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا، وَقد اكتفينا مِنْهُ هُنَا بِمَا أثبتنا.
[٤] زِيَادَة عَن أ. وَالْمَعْرُوف أَن إيادا هَذَا هُوَ بن نزار بن سعد، وَلَيْسَ ابْنا لمعد لصلبه، غير أَن هُنَاكَ
قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ [١] الثَّقَفِيُّ:
قَوْمِي إيَادٌ لَوْ أَنهم أُمَم ... أولو أَقَامُوا فَتُهْزَلَ النِّعَمُ [٢]
قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ الْعِرَاقِ إذَا ... سَارُوا جَمِيعًا وَالْقِطُّ وَالْقَلَمُ
[٣] وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَيْضًا:
فَإِمَّا تَسْأَلِي عَنِّي لُبَيْنَى ... وَعَنْ نَسَبِي أُخَبِّرْكَ اليَقينَا
فَإِنَّا للنَّبيتِ أَبِي قَسِيٍّ ... لَمَنْصُورُ بْنُ يَقْدُمَ الْأَقْدَمِينَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثَقِيفٌ: قَسِىُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
وَالْبَيْتَانِ الْأَوَّلَانِ وَالْآخِرَانِ فِي قَصِيدَتَيْنِ لِأُمَيَّةِ.
(اسْتِسْلَامُ أَهْلِ الطَّائِفِ لِأَبْرَهَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّمَا نَحْنُ عَبِيدُكَ سَامِعُونَ لَكَ مُطِيعُونَ، لَيْسَ عِنْدَنَا لَكَ خِلَافٌ، وَلَيْسَ بَيْتُنَا هَذَا الْبَيْتَ الَّذِي تُرِيدُ- يَعْنُونَ اللَّاتَ- إنَّمَا تُرِيدُ الْبَيْتَ الَّذِي بِمَكَّةَ، وَنَحْنُ نَبْعَثُ مَعَكَ مَنْ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ.
(اللَّاتُ):
وَاَللَّاتُ: بَيْتٌ لَهُمْ بِالطَّائِفِ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ نَحْوَ تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ لِضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيِّ:
وَفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلَى لَاتِهَا ... بِمُنْقَلَبِ الْخَائِبِ الْخَاسِرِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
(مَعُونَةُ أَبِي رِغَالٍ لِأَبْرَهَةَ وَمَوْتُهُ وَقَبْرُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فبعثوا مَعَه أبار غال يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ أَبْرَهَةُ
-------------------------
[()] ابْنا لمعد اسْمه إياد، وَهُوَ عَم إياد هَذَا وَلَيْسَ هُوَ. (رَاجع الِاشْتِقَاق والمعارف وَالرَّوْض الْأنف) .
[١] وَاسم أَبى الصَّلْت: ربيعَة بن وهب.
[٢] الْأُمَم: الْقَرِيب. وَالنعَم: الْإِبِل، وَقيل: النعم: كل مَاشِيَة أَكْثَرهَا إبل. يُرِيد أَي لَو أَقَامُوا بالحجاز، وَإِن هزلت نعمهم، لأَنهم انتقلوا عَنْهَا لِأَنَّهَا ضَاقَتْ عَن مسارحهم فصاروا إِلَى ريف الْعرَاق.
[٣] القط: مَا قطّ من الكاغد وَالرّق وَنَحْوه. وَقد كَانَت الْكِتَابَة فِي هَذِه الْبِلَاد الَّتِي سَارُوا إِلَيْهَا، فقد قيل لقريش: مِمَّن تعلمتم القط؟ فَقَالُوا: تعلمناه من أهل الْحيرَة وتعلمه أهل الْحيرَة من أهل الأنبار.
وَمَعَهُ أَبُو رِغَالٍ حَتَّى أَنْزَلَهُ الْمُغَمِّسَ [١]، فَلَمَّا أَنْزَلَهُ بِهِ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ هُنَالِكَ، فَرَجَمَتْ قَبْرَهُ الْعَرَبُ، فَهُوَ الْقَبْرُ الَّذِي يَرْجُمُ النَّاسُ بِالْمُغَمِّسِ.
(الْأَسْوَدُ وَاعْتِدَاؤُهُ عَلَى مَكَّةَ):
فَلَمَّا نَزَلَ أَبْرَهَةُ الْمُغَمِّسَ، بَعَثَ رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ: الْأَسْوَدُ بْنُ مَقْصُودٍ [٢] عَلَى خَيْلٍ لَهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَّةَ، فَسَاقَ إلَيْهِ أَمْوَالَ (أَهْلِ) [٣] تِهَامَةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، وَأَصَابَ فِيهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَهُذَيْلٌ، وَمَنْ كَانَ بِذَلِكَ الْحَرَمِ (مِنْ سَائِرِ النَّاسِ) [٤] بِقِتَالِهِ. ثُمَّ عَرَفُوا أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، فَتَرَكُوا ذَلِكَ.
(حُنَاطَةُ وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ):
وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ حُنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ إلَى مَكَّةَ، وَقَالَ لَهُ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ وَشَرِيفِهَا، ثُمَّ قُلْ (لَهُ) [٥]: إنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكَ: إنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ، إنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِضُوا دُونَهُ بِحَرْبِ، فَلَا حَاجَةَ لِي بِدِمَائِكُمْ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ حُنَاطَةُ مَكَّةَ، سَأَلَ عَنْ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَشَرِيفِهَا، فَقِيلَ لَهُ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ (بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ) [٦]، فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبْرَهَةُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاَللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ [٧] طَاقَةٍ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ، وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام- أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ [٨]، وَإِنْ يُخَلِّ بَينه وَبَينه، فو الله مَا عِنْدَنَا دَفْعٌ
-------------------------
[١] المغمس (بِالْكَسْرِ على صِيغَة اسْم الْفَاعِل، وروى بِالْفَتْح على زنة اسْم الْمَفْعُول): مَوضِع بطرِيق الطَّائِف على ثُلثي فَرسَخ من مَكَّة.
[٢] كَذَا فِي أهنا وَفِيمَا سَيَأْتِي، والطبري. وَفِي سَائِر الْأُصُول: مفصود (بِالْفَاءِ) . وَهُوَ الْأسود بن مَقْصُود بن الْحَارِث بن مُنَبّه بن مَالك بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو بن عله (على وزن عمر) ابْن خَالِد بن مذْحج، وَكَانَ النَّجَاشِيّ قد بَعثه مَعَ الفيلة والجيش. وَكَانَت عدَّة الفيلة ثَلَاثَة عشر فيلا، فَهَلَكت كلهَا إِلَّا فيل النَّجَاشِيّ، وَكَانَ يُسمى مَحْمُودًا.
[٣] زِيَادَة عَن أوالطبري.
[٤] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٥] زِيَادَة عَن أوالطبري.
[٦] زِيَادَة عَن أوالطبري.
[٧] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَفِي الْأُصُول: «مِنْهُ» .
[٨] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ، وَفِي الْأُصُول «حرمته» .
عَنْهُ، فَقَالَ (لَهُ) [١] حُنَاطَةُ: فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِكَ.
(ذُو نَفْرٍ وَأُنَيْسٌ وَتَوَسُّطُهُمَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَدَى أَبْرَهَةَ):
فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَمَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ حَتَّى أَتَى الْعَسْكَرَ، فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفْرٍ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ذَا نَفْرٍ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ غَنَاءٍ فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ لَهُ ذُو نَفْرٍ: وَمَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ غُدُوًّا أَوْ عَشِيًّا مَا عِنْدَنَا غَنَاءٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا نَزَلَ بِكَ إلَّا أَنَّ أُنَيْسًا سَائِسَ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي، وَسَأُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِكَ، وَأُعْظِمُ عَلَيْهِ حَقَّكَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلَى الْمَلِكِ، فَتُكَلِّمُهُ بِمَا بَدَا لَكَ. وَيَشْفَعُ لَكَ عِنْدَهُ بِخَيْرِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: حَسْبِي. فَبَعَثَ ذُو نَفْرٍ إلَى أُنَيْسٍ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وَصَاحِبُ عِيرِ [٢] مَكَّةَ، يُطْعِمُ النَّاسَ بِالسَّهْلِ، وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَقَدْ أَصَابَ لَهُ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فَاسْتَأْذِنْ لَهُ عَلَيْهِ، وَانْفَعْهُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَطَعْتَ، فَقَالَ: أَفْعَلُ.
فَكَلَّمَ أُنَيْسٌ أَبْرَهَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ بِبَابِكَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ، وَهُوَ صَاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ، وَهُوَ يُطْعِمُ النَّاسَ فِي السَّهْلِ، وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأْذَنْ لَهُ عَلَيْكَ، فَيُكَلِّمْكَ [٣] فِي حَاجَتِهِ، (وَأَحْسِنْ إلَيْهِ) [٤] قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ أَبْرَهَةُ.
(عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَحُنَاطَةُ وَخُوَيْلِدُ بَيْنَ يَدَيْ أَبْرَهَةَ):
قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَوْسَمَ النَّاسِ وَأَجْمَلَهُمْ وَأَعْظَمَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أَجَلَّهُ وَأَعْظَمَهُ وَأَكْرَمَهُ عَنْ أَنْ يُجْلِسَهُ تَحْتَهُ، وَكَرِهَ أَنْ تَرَاهُ الْحَبَشَةُ يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، فَنَزَلَ أَبْرَهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطِهِ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ التُّرْجُمَانُ، فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ أَبْرَهَةُ لِتَرْجُمَانِهِ:
-----------------------
[١] زِيَادَة عَن أوالطبري.
[٢] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي. وَفِي الأَصْل: «عين» .
[٣] كَذَا فِي أوالطبري. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فليكلمك» .
[٤] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
٤- سيرة ابْن هِشَام- ١
قُلْ لَهُ: قَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ قَدْ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَبْتُهَا لَكَ، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ قد جِئْت لهدمه، لَا تُكَلِّمْنِي فِيهِ! قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إنِّي أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ، وَإِنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَمْنَعُهُ، قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنِّي، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ.
وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَدْ ذَهَبَ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَى أَبْرَهَةَ، حِينَ بَعَثَ إلَيْهِ حُنَاطَةَ، يَعْمُرُ بْنُ نُفَاثَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الدُّئْلِ [١] بْنِ بَكْرِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ، وَخُوَيْلِدُ بْنُ وَاثِلَةَ [٢] الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ هُذَيْلٍ، فَعَرَضُوا عَلَى أَبْرَهَةَ ثُلُثَ أَمْوَالِ تِهَامَةَ، عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ وَلَا يَهْدِمَ الْبَيْتَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا. فَرَدَّ أَبْرَهَةُ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْإِبِلَ الَّتِي أَصَابَ لَهُ.
(عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي الْكَعْبَةَ يَسْتَنْصِرُ باللَّه عَلَى رَدِّ أَبْرَهَةَ):
فَلَمَّا انْصَرَفُوا عَنْهُ، انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، وَالتَّحَرُّزِ [٣] فِي شَعَفِ [٤] الْجِبَالِ وَالشِّعَابِ [٥]: تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ [٦] الْجَيْشِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ وَجُنْدِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَاب الْكَعْبَة:
--------------------------
[١] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَهُوَ بِضَم الدَّال وَكسر الْهمزَة، وَفِي الْأُصُول: «الديل» . وَمَا أَثْبَتْنَاهُ هُوَ الّذي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعلمَاء. إِلَّا أَن جمَاعَة من النَّحْوِيين، وَمِنْهُم الْكسَائي، يَقُولُونَ فِيهِ «الديل» . من غير همز، ويكسرون الدَّال. وَالْمَعْرُوف أَن الدئل (بِالْهَمْز) هم الَّذين فِي كنَانَة، وَكَذَلِكَ هم فِي الْهون بن خُزَيْمَة أَيْضا.
وَأما الديل (من غير همز) فهم فِي الأزد، وَفِي إياد، وَفِي عبد الْقَيْس، وَفِي تغلب. وَهُنَاكَ غير هذَيْن «الدول» أَيْضا (بِضَم الدَّال وَإِسْكَان الْوَاو) . وَهَؤُلَاء فِي ربيعَة بن نزار، وَفِي عنزة، وَفِي ثَعْلَبَة، وَفِي الربَاب (رَاجع لِسَان الْعَرَب مَادَّة دأل) .
[٢] كَذَا فِي أوالطبري. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وائلة» بِالْهَمْز.
[٣] التَّحَرُّز: التمنع، ويروى: «التحوز»، وَهُوَ أَن ينحاز إِلَى جِهَة ويتمنع.
[٤] شعف الْجبَال: رءوسها.
[٥] الشعاب: الْمَوَاضِع الْخفية بَين الْجبَال.
[٦] معرة الْجَيْش: شدته.
لاهمّ [١] إنَّ الْعَبْدَ يَمْنَعُ ... رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ [٢]
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ غَدْوًا [٣] مِحَالَكْ
[٤] (زَادَ الْوَاقِدِيُّ [٥]):
إنْ كنت تاركهم و... قبلتنا فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكْ
[٦] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا.
(شِعْرٌ لِعِكْرِمَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْأَسْوَدِ بْنِ مَقْصُودٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ ابْن قصىّ:
لاهمّ أَخْزِ الْأَسْوَدَ بْنَ مَقْصُودِ ... الْآخِذَ الْهَجْمَةَ [٧] فِيهَا التَّقليدْ [٨]
بَيْنَ حِرَاءَ وثَبِيرٍ [٩] فَالْبِيدْ ... يَحْبِسُهَا وَهِيَ أُولَاتُ التَّطْرِيدْ
فَضَمَّهَا إلَى طَمَاطِمٍ سُودْ ... أَخْفِرْهُ [١٠] يَا رَبِّ وَأَنْتَ مَحْمُودْ
------------------------
[١] لاهم: أَصْلهَا اللَّهمّ، وَالْعرب تحذف الْألف وَاللَّام مِنْهَا وتكتفى بِمَا بَقِي، كَمَا تَقول: لاه أَبوك، وَهِي تُرِيدُ للَّه أَبوك، وكما قَالُوا أَيْضا: أجنك تفعل كَذَا وَكَذَا: أَي من أجل أَنَّك تفعل كَذَا وَكَذَا.
[٢] الْحَلَال (بِالْكَسْرِ): جمع حلَّة، وَهِي جمَاعَة الْبيُوت، وَيُرِيد هُنَا: الْقَوْم الْحُلُول. والحلال أَيْضا: مَتَاع الْبَيْت، وَجَائِز أَن يكون هَذَا الْمَعْنى الثَّانِي مرَادا هُنَا.
[٣] غدوا: غَدا، وَهُوَ الْيَوْم الّذي يأتى بعد يَوْمك، فحذفت لامه، وَلم يسْتَعْمل تَاما إِلَّا فِي الشّعْر.
[٤] الْمحَال: الْقُوَّة والشدة.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] وَزَاد السهيليّ فِي الرَّوْض الْأنف:
وانصر على آل الصَّلِيب ... وعابديه الْيَوْم آلك
وَذكرت بقيتها فِي الطَّبَرِيّ، واجتزأنا مِنْهَا بِمَا ذكر هُنَا، فَارْجِع إِلَيْهَا فِي الْقسم الأول من الطَّبَرِيّ (ص ٩٤٠- ٩٤١ طبع أوربا) . وَقد ذكر لعبد الْمطلب فِي الطَّبَرِيّ قصيدة أُخْرَى غير هَذِه القصيدة.
[٧] الهجمة: الْقطعَة من الْإِبِل مَا بَين التسعين إِلَى الْمِائَة. وَيُقَال للمائة مِنْهَا: هنيدة، وللمائتين: هِنْد، والثلاثمائة: أُمَامَة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
تبين رويدا مَا أُمَامَة من هِنْد
[٨] التَّقْلِيد: يُرِيد فِي أعناقها القلائد.
[٩] حراء وثبير: جبلان.
[١٠] أخفره: أَي انقض عَهده، ويروى بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي اجْعَلْهُ منحفرا، أَي خَائفًا وجلا.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:38 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (8)
صــ 51إلى صــ 60
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا، وَالطَّمَاطِمُ: الْأَعْلَاجُ [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى شَعَفِ الْجِبَالِ فَتَحَرَّزُوا فِيهَا يَنْتَظِرُونَ مَا أَبْرَهَةُ فَاعِلٌ بِمَكَّةَ إذَا دَخَلَهَا.
(دُخُولُ أَبْرَهَةَ مَكَّةَ، وَمَا وَقَعَ لَهُ وَلِفِيلِهِ، وَشِعْرُ نُفَيْلٍ فِي ذَلِكَ):
فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَهَيَّأَ فِيلَهُ وَعَبَّى [٢] جَيْشَهُ، وَكَانَ اسْمُ الْفِيلِ مَحْمُودًا، وَأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْبَيْتِ، ثُمَّ الِانْصِرَافِ إلَى الْيَمَنِ. فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ إلَى مَكَّةَ، أَقْبَلَ نُفَيْلُ [٣] بْنُ حَبِيبٍ (الْخَثْعَمِيُّ [٤]) حَتَّى قَامَ إلَى جَنْبِ الْفِيلِ، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ، فَقَالَ: اُبْرُكْ مَحْمُودُ، أَوْ ارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ، فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ. فَبَرَكَ [٥] الْفِيلُ، وَخَرَجَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ يَشْتَدُّ حَتَّى أَصْعَدَ [٦] فِي الْجَبَلِ، وَضَرَبُوا الْفِيلَ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَضَرَبُوا (فِي) [٧] رَأْسِهِ بالطَّبَرْزِينَ [٨] لِيَقُومَ فَأَبَى، فَأَدْخَلُوا مَحَاجِنَ [٩] لَهُمْ فِي مَرَاقِّهِ [١٠] فَبَزَغُوهُ بِهَا [١١] لِيَقُومَ فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إلَى الْيَمَنِ، فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجَّهُوهُ إلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ، فَأَرْسَلَ
------------------------
[١] الأعلاج: كفار الْعَجم.
[٢] يُقَال عبى الْجَيْش (بِغَيْر همز) وعبأت الْمَتَاع (بِالْهَمْز) . وَقد حكى: عبأت الْجَيْش (بِالْهَمْز) وَهُوَ قَلِيل.
[٣] وَقيل هُوَ نفَيْل بن عبد الله بن جُزْء بن عَامر بن مَالك بن واهب بن جليحة بن أكلب بن ربيعَة بن عفرس بن جلف بن أفتل، وَهُوَ خثعم (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٥] لَعَلَّه يُرِيد فعل فعل البارك، لِأَن الْمَعْرُوف عَن الْفِيل أَنه لَا يبرك.
[٦] أصعد: علا وَالْأَكْثَر صعد فِي الْجَبَل بتَشْديد الْعين.
[٧] زِيَادَة عَن أوالطبري.
[٨] الطبرزين: آلَة معقفة من حَدِيد، وطبر بِالْفَارِسِيَّةِ: مَعْنَاهَا الفأس.
[٩] المحاجن: جمع محجن، وَهِي عَصا معوجة، وَقد يَجْعَل فِي طرفها حَدِيد.
[١٠] مراقة: يعْنى أَسْفَل بَطْنه.
[١١] بزغوه: أدموه. وَمِنْه المبزغ، وَهُوَ المشرط للحجام وَنَحْوه.
اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنْ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ وَالْبَلَسَانِ [١]، مَعَ كُلِّ طَائِرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا: حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ، وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، أَمْثَالُ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ، لَا تُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا إلَّا هَلَكَ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ. وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّذِي مِنْهُ جَاءُوا، وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى الْيَمَنِ [٢]، فَقَالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ... وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: «لَيْسَ الْغَالِبُ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ نُفَيْلٌ أَيْضًا:
أَلَا حُيِّيتَ عَنَّا يَا رُدَيْنَا [٣] ... نَعِمْنَاكُمْ [٤] مَعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنَا
(أَتَانَا قَابِسٌ مِنْكُمْ عِشَاءً ... فَلَمْ يُقْدَرْ لِقَابِسِكُمْ لَدَيْنَا) [٥]
رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْتِ- وَلَا تَرَيْهِ [٦] ... لَدَى جَنْبِ الْمُحَصَّبِ [٧] مَا رَأَيْنَا
إِذا لَعَذَرْتِنِي وَحَمِدْتِ أَمْرِي [٨] ... وَلَمْ تَأْسَيْ عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَا [٩]
حَمِدْتُ اللَّهَ إذْ أَبْصَرْتُ طَيْرًا ... وَخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا
وَكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ ... كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا
---------------------
[١] الخطاطيف: جمع خطَّاف (كرمان) . وَهُوَ طَائِر أسود يُقَال لَهُ «زوار الْهِنْد»، وَهُوَ الّذي تَدعُوهُ الْعَامَّة عُصْفُور الْجنَّة.
والبلسان كَذَا فِي الأَصْل. وَفِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير (مَادَّة بلس) فِي التَّعْلِيق على حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ عباد بن مُوسَى: «وأظنها الزرازير» وَقَالَ أَبُو ذَر الخشنيّ فِي شَرحه. والخطاطيف والبلشون ضَرْبَان من الطير.
[٢] وَكَانَت قصَّة الْفِيل هَذِه أول الْمحرم من سنة ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة من تَارِيخ ذِي القرنين (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] ردين: مرخم ردينة، وَهُوَ اسْم امْرَأَة.
[٤] هَذَا دُعَاء، يُرِيد: أَي نعمنا بكم، فَعدى الْفِعْل لما صرف الْجَار.
[٥] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٦] فِي الطَّبَرِيّ: «وَلم تريه»، وَفِي مُعْجم الْبلدَانِ فِي الْكَلَام على المغمس: «وَلنْ تريه» .
[٧] المحصب (بِالضَّمِّ ثمَّ الْفَتْح وصاد مُهْملَة مُشَدّدَة على وزن اسْم الْمَفْعُول): مَوضِع فِيمَا بَين مَكَّة وَمنى، وَهُوَ إِلَى منى أقرب، وَهُوَ بطحاء مَكَّة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٨] فِي الطَّبَرِيّ: (رَأْيِي) .
[٩] بَينا: مصدر بَان يبين، وَهُوَ مُؤَكد لفات.
فَخَرَجُوا يَتَسَاقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَيَهْلِكُونَ بِكُلِّ مَهْلِكٍ عَلَى كُلِّ مَنْهَلٍ، وَأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ، وَخَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ تَسْقُطُ (أَنَامِلُهُ) [١] أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، [٢] كُلَّمَا سَقَطَتْ أُنْمُلَةٌ أَتْبَعَتْهَا مِنْهُ مِدَّةٌ تَمُثُّ [٣] قَيْحًا وَدَمًا، حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وَهُوَ مِثْلُ فَرْخِ الطَّائِرِ، فَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، فِيمَا يَزْعُمُونَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ [٤] بْنُ عُتْبَةَ أَنَّهُ حُدِّثَ:
أَنَّ أَوَّلَ مَا رُئِيَتْ الْحَصْبَةُ وَالْجُدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ذَلِكَ الْعَامَ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ مَا رُئِيَ بِهَا مَرَائِرُ [٥] الشَّجَرِ الْحَرْمَلِ [٦] وَالْحَنْظَلِ وَالْعُشَرِ [٧] ذَلِكَ الْعَامَ.
(مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ عَنْ قِصَّةِ الْفِيلِ، وَشَرْحُ ابْنِ هِشَامٍ لِمُفْرَدَاتِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ، كَانَ مِمَّا يَعُدُّ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ، مَا رَدَّ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ لِبَقَاءِ أَمْرِهِمْ وَمُدَّتِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ.
أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ [٨] .
تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ١٠٥: ١- ٥. وَقَالَ:
----------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] أَي ينتثر جِسْمه. والأنملة: طرف الْأصْبع، وَتطلق على غَيره، كالجزء الصَّغِير من الشَّيْء.
[٣] مث يمث: رشح.
[٤] هُوَ يَعْقُوب بن عتبَة بن الْمُغيرَة بن الْأَخْنَس بن شريق الثَّقَفِيّ الْمدنِي، حَلِيف بنى زهرَة، رأى السَّائِب بن يزِيد، وروى عَن أبان بن عُثْمَان وَجَمَاعَة، وَعنهُ، غير ابْن إِسْحَاق، عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون وَجَمَاعَة. وَكَانَ فَقِيها لَهُ أَحَادِيث كَثِيرَة وَعلم بالسيرة. وَكَانَ ورعا مُسلما يسْتَعْمل على الصَّدقَات ويستعين بِهِ الْوُلَاة. وَتوفى سنة ١٢٨ هـ. (عَن تراجم رجال روى عَنْهُم ابْن إِسْحَاق) .
[٥] يُقَال: شَجَرَة مرّة، وَيجمع على مرائر على غير قِيَاس، كَمَا جمعُوا حرَّة على حرائر.
[٦] الحرمل: نَوْعَانِ، نوع ورقه كورق الْخلاف، ونوره كنور الياسمين. وَنَوع سنفته طوال مُدَوَّرَة. (السنفة: أوعية الثَّمر) . والحرمل: لَا يَأْكُلهُ شَيْء إِلَّا المعزى، وَقد تطبخ عروقه فيسقاها المحموم إِذا ماطلته الْحمى، وَفِي امْتنَاع الحرمل عَن الْأكلَة قَالَ طرفَة وذم قوما:
هم حرمل أعيا على كل آكل ... مبيتا وَلَو أَمْسَى سوامهم دثرا
(رَاجع اللِّسَان والمفردات) .
[٧] الْعشْر (كصرد): شجر مر لَهُ صمغ وَلبن، وتعالج بلبنه الْجُلُود قبل الدباغة.
[٨] الأبابيل: الْجَمَاعَات.
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ. إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ١٠٦: ١- ٤. أَيْ لِئَلَّا يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ حَالِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، لِمَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ الْخَيْرِ لَوْ قَبِلُوهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَبَابِيلُ: الْجَمَاعَاتُ، وَلَمْ تَتَكَلَّمْ لَهَا الْعَرَبُ بِوَاحِدِ [١] عَلِمْنَاهُ.
وَأَمَّا السِّجِّيلُ، فَأَخْبَرَنِي يُونُسُ النَّحْوِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الشَّدِيدُ الصُّلْبُ قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
وَمَسَّهُمْ مَا مَسَّ أَصْحَابَ الْفِيلْ ... تَرْمِيهِمْ حِجَارَةٌ مِنْ سِجِّيلْ
وَلَعِبَتْ طَيْرٌ بِهِمْ أَبَابِيلْ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ، جَعَلَتْهُمَا الْعَرَبُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هُوَ سَنْجٌ وَجَلٌّ، يَعْنِي بِالسَّنْجِ: الْحَجَرَ، وَالْجَلُّ: الطِّينَ. يَعْنِي [٢]: الْحِجَارَةُ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ: الْحَجَرِ وَالطِّينِ. وَالْعَصْفُ:
وَرَقُ الزَّرْعِ الَّذِي لَمْ يُقَصَّبْ، وَوَاحِدَتُهُ عَصْفَةٌ. قَالَ [٣]: وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: الْعُصَافَةُ وَالْعَصِيفَةُ. وَأَنْشَدَنِي لِعَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ أَحَدِ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ:
تَسْقَى مَذَانِبَ [٤] قَدْ مَالَتْ عَصِيفَتُهَا ... حَدُورُهَا [٥] مَنْ أَتَّى [٦] الْمَاءَ مَطْمُومُ
[٧] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الرَّاجِزُ:
فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفِ مَأْكُولِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِهَذَا الْبَيْتِ تَفْسِيرٌ فِي النَّحْوِ [٨] .
--------------------
[١] وَقيل: إِن وَاحِدهَا أبيل وأبول وإبالة.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يَقُول» .
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حَدثنَا ابْن هِشَام قَالَ وأخبرنى ... إِلَخ»،
[٤] المذانب: جمع مذنب، وَهُوَ مسيل المَاء إِلَى الرَّوْضَة.
[٥] حدورها (بِالْحَاء الْمُهْملَة)، أَي مَا انحدر مِنْهَا. ويروى جدروها: جمع جدر، وَهِي الحواجز الَّتِي تحبس المَاء، وَفِي الحَدِيث: «وَأمْسك المَاء حَتَّى يبلغ الْجدر ثمَّ أرْسلهُ» .
[٦] الأتى: السَّيْل يأتى من بلد بعيد.
[٧] مطموم: مُرْتَفع، مَأْخُوذ من قَوْلهم: طم المَاء: إِذا ارْتَفع وَعلا.
[٨] الْكَلَام فِيهِ على وُرُود الْكَاف حرف جر واسما بِمَعْنى مثل، وَهِي هُنَا حرف وَلكنهَا مقحمة لتأكيد
وَإِيلَافُ قُرَيْشٍ: إيلَافُهُمْ الْخُرُوجَ إلَى الشَّامِ فِي تِجَارَتِهِمْ، وَكَانَتْ لَهُمْ خَرْجَتَانِ:
خَرْجَةٌ فِي الشِّتَاءِ، وَخَرْجَةٌ فِي الصَّيْفِ. أَخْبَرَنِي [١] أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: أَلِفْتُ الشَّيْءَ إلْفًا، وَآلَفْتُهُ إيلَافًا، فِي مَعْنًى وَاحِدٍ. وَأَنْشَدَنِي لِذِي الرُّمَّةِ:
مِنْ الْمُؤْلِفَاتِ الرُّمْلَ أَدْمَاءُ حرَّة [٢] ... شُعَاع الضُّحَى فِي لَوْنِهَا يَتَوَضَّحُ
[٣] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيُّ:
الْمُنْعِمِينَ إذَا النُّجُومُ تَغَيَّرَتْ [٤] ... وَالظَّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا:
أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ أَلْفٌ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ الْبَقَرِ، أَوْ الْغَنَمِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. يُقَالُ: آلَفَ فُلَانٌ إيلَافًا. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي أَسْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ ابْن مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ:
بِعَامٍ يَقُولُ لَهُ الْمُؤْلِفُونَ ... هَذَا الْمُعِيمُ لَنَا الْمُرْجِلُ
[٥] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ يَصِيرَ الْقَوْمُ أَلْفًا، يُقَالُ آلَفَ الْقَوْمُ إيلَافًا. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
وَآلُ مُزَيقياء غَدَاةَ لَاقَوْا ... بَنِي سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ مُؤْلِفِينَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ تُؤَلِّفَ الشَّيْءَ إلَى الشَّيْءِ فَيَأْلَفُهُ وَيَلْزَمُهُ، يُقَالُ: آلَفْتُهُ إيَّاهُ إيلَافًا. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ تَصِيرَ مَا دُونَ الْأَلْفِ أَلْفًا، يُقَالُ: آلَفْتُهُ إيلَافًا.
-------------------
[()] التَّشْبِيه، كَمَا أقحموا اللَّام من قَوْلهم: يَا بؤس للحرب، وَلَا يجوز أَن يقحم حرف من حُرُوف الْجَرّ سوى اللَّام وَالْكَاف. أما اللَّام فَلِأَنَّهَا تُعْطى بِنَفسِهَا معنى الْإِضَافَة، فَلم تغير مَعْنَاهَا، وَكَذَلِكَ الْكَاف تُعْطى معنى التَّشْبِيه، فأقحمت لتأكيد معنى الْمُمَاثلَة.
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: أخبرنَا ابْن هِشَام قَالَ أخبرنى ... إِلَخ.
[٢] الأدماء من الظباء: السمراء الظّهْر الْبَيْضَاء الْبَطن.
[٣] شُعَاع الضُّحَى: بريق لَونه. ويتوضح: يتَبَيَّن.
[٤] تَغَيَّرت: استحالت عَن عَادَتهَا من الْمَطَر، على مَذْهَب الْعَرَب فِي النُّجُوم. ويروى: «تغبرت» بِالْبَاء الْمُوَحدَة: أَي قل مطرها، من الغبر، وَهُوَ الْبَقِيَّة.
[٥] المعيم: من العيمة، وَهِي الشوق إِلَى اللَّبن. والمرجل: الّذي تذْهب إبِله فَيَمْشِي على أرجله. يُرِيد تِلْكَ السّنة تجْعَل صَاحب الْألف من اللَّبن يعام إِلَى اللَّبن، وَيسْعَى مَاشِيا. ويروى: «المرحل» بِالْحَاء الْمُهْملَة:
أَي الّذي يرحلهم عَن بِلَادهمْ لطلب الخصب.
(مَا أَصَابَ قَائِدَ الْفِيلِ وَسَائِسَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَن عمْرَة [١] بنت عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بْنِ سَعْدِ [٢] بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عَائِشَةَرضي الله عنها- قَالَتْ:
لَقَدْ رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ وَسَائِسَهُ بِمَكَّةَ أَعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ النَّاسَ.
مَا قِيلَ فِي صِفَةِ الْفِيلِ مِنْ الشِّعْرِ
(إعْظَامُ الْعَرَبِ قُرَيْشًا بَعْدَ حَادِثَةِ الْفِيلِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، وَأَصَابَهُمْ بِمَا أَصَابَهُمْ بِهِ مِنْ النِّقْمَةِ، أَعْظَمَتْ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: هُمْ أَهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَفَاهُمْ مَئُونَةَ عَدُوِّهِمْ. فَقَالُوا فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا يَذْكُرُونَ فِيهَا مَا صَنَعَ اللَّهُ بِالْحَبَشَةِ، وَمَا رَدَّ عَنْ قُرَيْشٍ مِنْ كَيْدِهِمْ.
(شِعْرُ ابْنِ الزِّبَعْرَى فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ):
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى بْنِ عَدِيِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [٣] بْنِ سَهْمِ ابْن عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ:
تَنَّكَّلُوا [٤] عَنْ بَطْنِ مَكَّةَ إنَّهَا ... كَانَتْ قَدِيمًا لَا يُرَامُ حَرِيمُهَا
لَمْ تَخْلُقْ الشِّعْرَى لَيَالِيَ حُرِّمَتْ ... إذْ لَا عَزِيزَ مِنْ الْأَنَامِ يَرُومُهَا [٥]
سَائِلْ أَمِيرَ الْجَيْشِ عَنْهَا مَا رَأَى ... وَلَسَوْفَ يُنْبِي الْجَاهِلِينَ عَلِيمُهَا
----------------------
[١] هِيَ عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة الْأَنْصَارِيَّة المدنية الفقيهة. كَانَت فِي حجر عَائِشَة فَحفِظت عَنْهَا الْكثير، وَقد رَوَت عَن غير عَائِشَة، وروى عَنْهَا حفيداها حَارِثَة وَمَالك ابْنا أَبى الرِّجَال وَغَيرهمَا.
وَكَانَت حجَّة. توفيت سنة ٩٨ هـ، وَقيل سنة ١٠٦ عَن سبع وَسبعين سنة.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وتراجم رجال طبع أوربا. وَفِي أ، وَإِحْدَى الرِّوَايَات فِي الطَّبَرِيّ: «أسعد»
[٣] فِي م، ر: «عدي بن سعيد بن سهم»، وَفِي أ: «عدي بن سعد بن سعيد بن سهم» وَكِلَاهُمَا محرف عَمَّا أَثْبَتْنَاهُ (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] ويروى: «تنكبوا» . وعَلى الرِّوَايَتَيْنِ فَفِي الْبَيْت وقص.
[٥] الشعرى: اسْم النَّجْم، وهما شعريان، إِحْدَاهمَا الغميصاء، وَهِي الَّتِي فِي ذِرَاع الْأسد، وَالْأُخْرَى الَّتِي تتبع الجوزاء، وَهِي أَضْوَأ من الضياء.
سِتُّونَ ألفا لم يثوبوا أَرْضَهُمْ [١] ... وَلَمْ [٢] يَعِشْ بَعْدَ الْإِيَابِ سَقِيمُهَا
كَانَتْ [٣] بِهَا عَادٌ وَجُرْهُمُ قَبْلَهُمْ ... وَاَللَّهُ مِنْ فَوْقِ الْعِبَادِ يُقِيمُهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَعْنِي ابْنُ الزِّبَعْرَى بِقَوْلِهِ:
... بَعْدَ الْإِيَابِ سَقِيمُهَا
أَبْرَهَةَ، إذْ حَمَلُوهُ مَعَهُمْ حِينَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ، حَتَّى مَاتَ بِصَنْعَاءَ.
(شِعْرُ ابْنِ الْأَسْلَتِ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ):
وَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْخَطْمِيُّ، وَاسْمُهُ صَيْفِيٌّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ أَبُو قَيْسٍ: صَيْفِيُّ بْنُ الْأَسْلَتِ بْنِ جُشَمَ بْنِ وَائِلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ ابْن عَامِرَةَ [٤] ابْن مُرَّةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ:
وَمِنْ صُنْعِهِ يَوْم فيل الحبوش ... إذْ كُلَّمَا بَعَثُوهُ رَزَمْ [٥]
مَحَاجِنُهُمْ تَحْتَ أَقْرَابِهِ ... وَقَدْ شَرَّمُوا أَنْفَهُ فَانْخَرَمْ [٦]
وَقَدْ جَعَلُوا سَوْطَهُ مِغْوَلًا ... إذَا يَمَّمُوهُ قَفَاهُ كُلِمْ [٧]
فَوَلَّى وَأَدْبَرَ أَدْرَاجَهُ ... وَقَدْ بَاءَ بِالظُّلْمِ مَنْ كَانَ ثَمَّ
فَأَرْسَلَ مِنْ فَوْقِهِمْ حَاصِبًا ... فَلَفَّهُمْ مِثْلَ لَفِّ الْقُزُمْ [٨]
تَحُضُّ عَلَى الصَّبْرِ أَحْبَارُهُمْ ... وَقَدْ ثَأَجُوا كَثُؤَاجِ الغَنَمْ
[٩] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
--------------------
[١] لم يئوبوا: لم يرجِعوا، وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول: «إِلَى أَرضهم» فَحذف حرف الْجَرّ وَوصل الْفِعْل.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر «بل لم ... إِلَخ»، وَقد نبه السهيليّ على أَن «بل» زِيَادَة زَادهَا بَعضهم مِمَّن ظن خطأ أَن الْبَيْت مكسور. وَالْوَاقِع أَن فِي هَذَا الشّطْر وقصا كَمَا مر فِي الْبَيْت الأول.
[٣] ويروى: «دَانَتْ» .
[٤] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر، وَفِي الْأُصُول: «عَامر» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] رزم: ثَبت بمكانه فَلم يبرحه، وَأكْثر مَا يكون ذَلِك من الإعياء.
[٦] المحاجن: جمع محجن، وَهِي عَصا معوجة. والأقراب: جمع قرب، وَهُوَ الخصر، وشرموا: شَقوا
[٧] المغول: سكين كَبِيرَة دون المشمل (سيف صَغِير) . ويروى: معولا (بِالْعينِ الْمُهْملَة): وَهِي الفأس. وكلم: جرح.
[٨] القزم: جمع قزم، وَهُوَ الصَّغِير الجثة.
[٩] ثأج: صَاح.
وَالْقَصِيدَةُ أَيْضًا تُرْوَى لِأُمَيَّةِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ:
فَقُومُوا فَصَلُّوا رَبَّكُمْ وَتَمَسَّحُوا ... بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ [١]
فَعِنْدَكُمْ مِنْهُ بَلَاءٌ مُصَدَّقٌ ... غَدَاةَ أَبِي يَكسومَ هَادِي الْكَتَائِبِ
كَتِيبَتُهُ بِالسَّهْلِ تُمْسِي [٢] وَرَجْلُهُ ... عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ [٣]
فَلَمَّا أَتَاكُمْ نَصْرُ ذِي الْعَرْشِ رَدَّهُمْ ... جُنُودُ الْمَلِيكِ بَيْنَ سَافٍ وَحَاصِبِ [٤]
فَوَلَّوْا سِرَاعًا هَارِبِينَ وَلَمْ يَؤُبْ ... إلَى أَهْلِهِ مِلْحَبْشِ [٥] غَيْرُ عَصَائِبِ
[٦] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَوْلَهُ:
عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَبِي قَيْسٍ، سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ:
«غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ-: يَعْنِي أَبْرَهَةَ، كَانَ يُكَنَّى أَبَا يَكْسُومَ.
(شِعْرُ طَالِبٍ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ طَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبِ [٧] بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ [٨] ... وَجَيْشِ أَبِي يَكْسُومَ إذْ مَلَئُوا الشِّعْبَا [٩]
فَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... لَأَصْبَحْتُمْ لَا تَمْنَعُونَ لَكُمْ سِرْبَا
[١٠]
---------------------
[١] صلوا ربكُم: أَي ادعوا ربكُم. والأخاشب: جبال مَكَّة وجبال منى.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «تمشى» .
[٣] القاذفات: أعالى الْجبَال الْبَعِيدَة. والمناقب: جمع منقبة، وَهِي الطَّرِيق فِي رَأس الْجَبَل.
[٤] السافي (هُنَا): الّذي غطاه التُّرَاب. والحاصب: الّذي أَصَابَته الْحِجَارَة، وهما على معنى النّسَب، وَقد يكون المُرَاد مِنْهُمَا اسْم الْفَاعِل الْجَارِي على الْفِعْل حَقِيقَة.
[٥] كَذَا فِي م، ر. يُرِيد من الْحَبَش. وَفِي أ: «ملجيش» .
[٦] العصائب: الْجَمَاعَات.
[٧] ويذكرون أَن طَالبا هَذَا كَانَ أسن من جَعْفَر بِعشْرَة أَعْوَام، كَمَا كَانَ جَعْفَر أسن من على رضي الله عنه بِمثل ذَلِك، وَيُقَال إِن الْجِنّ اختطفت طَالبا، وَلم يعرف عَنهُ أَنه أسلم.
[٨] داحس: اسْم فرس مَشْهُور، وَكَانَت حَرْب بِسَبَبِهِ.
[٩] الشّعب: الطَّرِيق فِي الْجَبَل.
[١٠] السرب (بِفَتْح السِّين): المَال الرَّاعِي، والسرب (بِكَسْر السِّين): النَّفس، أَو يُقَال الْقَوْم، وَمِنْه: أصبح آمنا فِي سربه، أَي فِي نَفسه، أَو فِي قومه.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(شِعْرُ أَبِي الصَّلْتِ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو الصَّلْتِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الثَّقَفِيُّ فِي شَأْنِ الْفِيلِ، وَيَذْكُرُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إبْرَاهِيمَ عليه السلام. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تُرْوَى لِأُمَيَّةِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الثَّقَفِيِّ:
إنَّ آيَاتِ رَبِّنَا ثَاقِبَاتُ [١] ... لَا يُمَارِي فِيهِنَّ إلَّا الْكَفُورُ
خُلِقَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَكُلٌّ ... مُسْتَبِينٌ حِسَابُهُ مَقْدُورُ
ثُمَّ يَجْلُو النَّهَارَ رَبٌّ رَحِيمٌ ... بِمَهَاةِ شَعَاعُهَا مَبْشُورُ [٢]
حُبِسَ الْفِيلُ بِالْمُغَمِّسِ حَتَّى ... ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ
لَازِمًا حَلْقَةَ الْجِرَانِ كَمَا قُطِّرَ ... مِنْ صَخْرٍ كَبْكَبٍ مَحْدُورُ [٣]
حَوْلَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ أَبْطَالٌ ... مَلَاوِيثُ [٤] فِي الْحُرُوبِ صُقُورُ
خَلَّفُوهُ ثُمَّ ابذعَرُّوا [٥] جَمِيعًا ... كُلُّهُمْ عَظْمُ سَاقُهُ مَكسْورُ
كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ... إلَّا دِينَ [٦] الْحَنِيفَةِ بُورُ
[٧]
(شِعْرُ الْفَرَزْدَقِ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ- وَاسْمُهُ هَمَّامُ بْنُ غَالِبٍ أَحَدُ بَنِي مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ- يَمْدَحُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْن مَرْوَانَ، وَيَهْجُو الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، وَيَذْكُرُ الْفِيلَ وَجَيْشَهُ:
--------------------
[١] فِي أ: «باقيات» .
[٢] المهاة: الشَّمْس، سميت بذلك لصفائها، والمها من الْأَجْسَام: الّذي يرى بَاطِنه من ظَاهره.
[٣] كَذَا فِي أ. والجران: الصَّدْر. وقطر، أَي رمى بِهِ على جَانِبه. والقطر: الْجَانِب. وكبكب:
اسْم جبل. والمحدور: الْحجر الّذي حدر حَتَّى بلغ الأَرْض. يشبه الْفِيل ببروكه ووقوعه إِلَى الأَرْض بِهَذَا الْحجر الّذي يتحدر من جبل كبكب، وَفِي ...: «... ... مجدور» بِالْجِيم.
[٤] ملاويث: أشداء.
[٥] ابذعروا: تفَرقُوا.
[٦] يُرِيد بالحنيفة: الْأمة الحنيفة: أَي الْمسلمَة الَّتِي على دين إِبْرَاهِيم الحنيف ﷺ، وَذَلِكَ أَنه حنف عَمَّا كَانَ يبعد آباؤه وَقَومه: أَي عدل.
[٧] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ: «زور» .
فَلَمَّا طَغَى الْحَجَّاجُ حِينَ طَغَى بِهِ ... غِنَى [١] قَالَ إنِّي مُرْتَقٍ فِي السَّلَالِمِ
فَكَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ نُوحٍ سَأَرْتَقِي ... إلَى جَبَلٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَاءِ عَاصِمِ
رَمَى اللَّهُ فِي جُثْمَانِهِ مِثْلَ مَا رَمَى ... عَنْ الْقِبْلَةِ الْبَيْضَاءِ [٢] ذَاتِ الْمَحَارِمِ
جُنُودًا تَسُوقُ الْفِيلَ حَتَّى أَعَادَهُمْ ... هَبَاءً وَكَانُوا مُطْرَخِمي الطَّرَاخِمِ [٣]
نُصِرْتَ كَنَصْرِ الْبَيْتِ إذْ سَاقَ فِيلَهُ ... إلَيْهِ عَظِيمُ الْمُشْرِكِينَ الْأَعَاجِمِ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ
: (شِعْرُ ابْنِ الرُّقَيَّاتِ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتُ: أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَذْكُرُ أَبْرَهَةَ- وَهُوَ الْأَشْرَمُ- وَالْفِيلَ:
كَادَهُ الْأَشْرَمُ الَّذِي جَاءَ بِالْفِيلِ ... فَوَلَّى وَجَيْشُهُ مَهْزُومُ
وَاسْتَهَلَّتْ عَلَيْهِمْ الطَّيْرُ بِالْجَنْدَلِ ... حَتَّى كأنّه مرجوم [٤]
ذَاكَ مَنْ يَغْزُهُ مِنْ النَّاسِ يَرْجِعْ ... وَهُوَ فَلٌّ [٥] مِنْ الْجُيُوشِ ذَمِيمُ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(مُلْكُ يَكْسُومَ ثُمَّ مَسْرُوقٍ عَلَى الْيَمَنِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ أَبْرَهَةُ، مَلَّكَ الْحَبَشَةَ ابْنَهُ يَكْسُومَ بْنَ أَبْرَهَةَ، وَبِهِ
------------------------
[١] كَذَا فِي أ، وَهُوَ من الْغناء، بِمَعْنى الِاسْتِغْنَاء، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَنَّا» . بِالْعينِ الْمُهْملَة.
وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] الْقبْلَة الْبَيْضَاء: يُرِيد الْكَعْبَة.
[٣] الهباء: مَا يظْهر فِي شُعَاع الشَّمْس إِذا دخلت من مَوضِع ضيق. والمطرخم: الممتلئ كبرا وغضبا.
والطراخم: جمع مطرخم، وَهُوَ المتكبر.
[٤] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذَا الْبَيْت: «وَقَوله: حَتَّى كَأَنَّهُ مرجوم» وَهُوَ قد رجم، فَكيف شبهه بالمرجوم، وَهُوَ مرجوم بِالْحِجَارَةِ، وَهل يجوز أَن يُقَال فِي مقتول كَأَنَّهُ مقتول؟ فَنَقُول: لما ذكر استهلال الطير، وَجعلهَا كالسحاب يستهل بالمطر، والمطر لَيْسَ برجم، وَإِنَّمَا الرَّجْم بالأكف وَنَحْوهَا.
شبهه بالمرجوم الّذي يَرْجُمهُ الآدميون أَو من يعقل ويتعمد الرَّجْم من عَدو وَنَحْوه، فَعِنْدَ ذَلِك يكون الْمَقْتُول بِالْحِجَارَةِ مرجوما على الْحَقِيقَة، وَلما لم يكن جَيش الْحَبَشَة كَذَلِك، وَإِنَّمَا أمطروا حِجَارَة، فَمن ثمَّ قَالَ:
«كَأَنَّهُ مرجوم» .
[٥] الفل: الْجَيْش المنهزم.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:40 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (9)
صــ 51إلى صــ 60
كَانَ يُكَنَّى، فَلَمَّا هَلَكَ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، مَلَكَ الْيَمَنَ فِي الْحَبَشَةِ أَخُوهُ مَسْرُوقُ ابْن أَبْرَهَةَ.
خُرُوجُ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ وَمُلْكُ وَهْرِزَ عَلَى الْيَمَنِ
(ابْنُ ذِي يَزَنَ عِنْدَ قَيْصَرَ):
فَلَمَّا طَالَ الْبَلَاءُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيُّ، وَكَانَ يُكَنَّى بِأَبِي مُرَّةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، فَشَكَا إلَيْهِ مَا هُمْ فِيهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ عَنْهُ وَيَلِيَهُمْ هُوَ، وَيَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ شَاءَ مِنْ الرُّومِ، فَيَكُونُ لَهُ مُلْكُ الْيَمَنِ فَلَمْ يُشْكِهِ (وَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا مِمَّا يُرِيدُ) [١] .
(تَوَسُّطُ النُّعْمَانِ لِابْنِ ذِي يَزَنَ لَدَى كِسْرَى):
فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ عَامِلُ كِسْرَى [٢] عَلَى الْحِيرَةِ، وَمَا يَلِيهَا مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، فَشَكَا إلَيْهِ أَمْرَ الْحَبَشَةِ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: إنَّ لِي عَلَى كِسْرَى وِفَادَةً فِي كُلِّ عَامٍ، فَأَقِمْ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ. فَفَعَلَ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى كِسْرَى. وَكَانَ كِسْرَى يَجْلِسُ فِي إيوَانِ مَجْلِسِهِ الَّذِي فِيهِ تَاجُهُ، وَكَانَ تَاجُهُ مِثْلَ القَنْقَلِ [٣] الْعَظِيمِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- يُضْرَبُ فِيهِ الْيَاقُوتُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مُعَلَّقًا بِسَلْسَلَةِ مِنْ ذَهَبٍ فِي رَأْسِ طَاقَةٍ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ عُنُقُهُ لَا تَحْمِلُ تَاجَهُ، إنَّمَا يُسْتَرُ بِالثِّيَابِ حَتَّى يَجْلِسَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُدْخِلُ رَأْسَهُ فِي تَاجِهِ، فَإِذَا اسْتَوَى فِي مَجْلِسِهِ كُشِفَتْ عَنْهُ الثِّيَابُ، فَلَا يَرَاهُ رَجُلٌ لَمْ يَرَهُ قَبْلَ
---------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] هُوَ أنوشروان. وَمَعْنَاهُ مُجَدد الْملك، لِأَنَّهُ جمع ملك فَارس الْكَبِير بعد شتات.
[٣] القنقل: الْمِكْيَال، وَقيل هُوَ مكيال يسع ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ منا. (الْمَنّ: وزان رطلين تَقْرِيبًا) . وَهَذَا التَّاج قد أَتَى بِهِ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه حِين اسْتَلَبَ من يزدجرد بن شهريار- وَقد صَار إِلَيْهِ من قبل جده أنوشروان الْمَذْكُور- فَلَمَّا أَتَى بِهِ عمر رضي الله عنه دَعَا سراقَة بن مَالك المدلجي، فحلاه بأسورة كسْرَى، وَجعل التَّاج على رَأسه، وَقَالَ لَهُ: قل الْحَمد للَّه نزع تَاج كسْرَى من ملك الْأَمْلَاك رَأسه، وَوَضعه على رَأس أعرابى من بنى مُدْلِج، وَذَلِكَ بعز الْإِسْلَام وبركته لَا بقوتنا، وَإِنَّمَا خص عمر سراقَة بِهَذَا لِأَن رَسُول الله ﷺ كَانَ قَالَ لَهُ: يَا سراقَة، كَيفَ بك إِذا وضع تَاج كسْرَى على رَأسك وسواره فِي يَديك؟
ذَلِكَ، إلَّا بَرَكَ هَيْبَةً لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بَرَكَ.
(ابْنُ ذِي يَزَنَ بَيْنَ يَدَيْ كِسْرَى، وَمُعَاوَنَةُ كِسْرَى لَهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ:
أَنَّ سَيْفًا لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَقَالَ الْمَلِكُ: إنَّ هَذَا الْأَحْمَقَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ يُطَأْطِئُ رَأسه؟ فَقَالَ ذَلِكَ لِسَيْفِ، فَقَالَ: إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِهَمِّي، لِأَنَّهُ يَضِيقُ عَنْهُ كُلُّ شَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، غَلَبَتْنَا عَلَى بِلَادِنَا الْأَغْرِبَةُ، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: أَيُّ الْأَغْرِبَةِ: الْحَبَشَةُ أَمْ السِّنْدُ فَقَالَ: بَلْ الْحَبَشَةُ، فَجِئْتُكَ لِتَنْصُرَنِي، وَيَكُونُ مُلْكُ بِلَادِي لَكَ، قَالَ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ مَعَ قِلَّةِ خَيْرِهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأُوَرِّطَ [١] جَيْشًا مِنْ فَارِسَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، ثُمَّ أَجَازَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ [٢] وَافٍ، وَكَسَاهُ كُسْوَةً حَسَنَةً. فَلَمَّا قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ سَيْفٌ خَرَجَ، فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ الْوَرِقَ لِلنَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ لِهَذَا لَشَأْنًا، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِ، فَقَالَ: عَمَدْتَ إلَى حِبَاءِ الْمَلِكِ تَنْثُرُهُ لِلنَّاسِ، فَقَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِهَذَا مَا جِبَالُ أَرْضِي الَّتِي جِئْتُ مِنْهَا [٣] إلَّا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ: يُرَغِّبُهُ فِيهَا. فَجَمَعَ كِسْرَى مَرَازِبَتَهُ [٤]، فَقَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَرَوْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَمَا جَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ قَائِلٌ:
أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّ فِي سُجُونِكَ رِجَالًا قَدْ حَبَسْتَهُمْ لِلْقَتْلِ، فَلَوْ أَنَّكَ بَعَثْتَهُمْ مَعَهُ، فَإِنْ يَهْلِكُوا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتَ بِهِمْ، وَإِنْ ظَفِرُوا كَانَ مُلْكًا ازْدَدْتَهُ [٥] . فَبَعَثَ مَعَهُ كِسْرَى مَنْ كَانَ فِي سجونه، وَكَانُوا ثَمَان مائَة رَجُلٍ.
(وَهْرِزَ وَسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ وَانْتِصَارُهُمَا عَلَى مَسْرُوقٍ وَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الشِّعْرِ):
وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ وَهْرِزُ، وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ، وَأَفْضَلَهُمْ حَسَبًا وَبَيْتًا. فَخَرَجُوا فِي ثَمَانِ سَفَائِنَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَتَانِ، وَوَصَلَ إلَى سَاحِلِ عَدَنَ
---------------------
[١] لأورط: أَي لأنتشب فِي شَرّ. والورطة: الانتشاب فِي الشَّرّ.
[٢] يُقَال: وَفِي الدِّرْهَم المثقال، وَذَلِكَ إِذا عدله.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بهَا» .
[٤] المرازبة: وزراء الْفرس، واحدهم مرزبان.
[٥] كَذَا فِي أوالطبري، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أردته» .
سِتُّ سَفَائِنَ [١] . فَجَمَعَ سَيْفٌ إلَى وَهْرِزَ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ لَهُ: رِجْلِي مَعَ رِجْلِكَ حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا أَوْ نَظْفَرَ جَمِيعًا. قَالَ لَهُ وَهْرِزُ: أَنْصَفْتَ، وَخَرَجَ إلَيْهِ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ مَلِكُ الْيَمَنِ، وَجَمَعَ إلَيْهِ جُنْدَهُ. فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ وَهْرِزُ ابْنًا [٢] لَهُ، لِيُقَاتِلَهُمْ فَيَخْتَبِرَ قِتَالَهُمْ: فَقُتِلَ ابْنُ وَهْرِزَ، فَزَادَهُ ذَلِكَ حَنَقًا عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا تَوَاقَفَ النَّاسُ عَلَى مَصَافِّهِمْ، قَالَ وَهْرِزُ: أَرُونِي مَلِكَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: أَتَرَى رَجُلًا عَلَى الْفِيلِ عَاقِدًا تَاجَهُ عَلَى رَأْسِهِ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا:
ذَاكَ مَلِكُهُمْ، فَقَالَ: اُتْرُكُوهُ. فَوَقَفُوا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: عَلَامَ هُوَ؟ قَالُوا:
قَدْ تَحَوَّلَ عَلَى الْفَرَسِ، قَالَ: اُتْرُكُوهُ. فَوَقَفُوا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: عَلَامَ هُوَ؟
قَالُوا: قَدْ تَحَوَّلَ عَلَى الْبَغْلَةِ. قَالَ وَهْرِزُ: بِنْتُ الْحِمَارِ ذَلَّ وَذَلَّ مُلْكُهُ، إنِّي سَأَرْمِيهِ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَهُ لَمْ يَتَحَرَّكُوا فَاثْبُتُوا حَتَّى أُوذِنَكُمْ، فَإِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ الرَّجُلَ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ الْقَوْمَ قَدْ اسْتَدَارُوا وَلَاثُوا [٣] بِهِ، فَقَدْ أَصَبْتُ الرَّجُلَ، فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ وَتَرَ قَوْسَهُ، وَكَانَتْ فِيمَا يَزْعُمُونَ لَا يُوتِرُهَا غَيْرُهُ مِنْ شِدَّتِهَا، وَأَمَرَ بِحَاجِبَيْهِ فَعُصِّبَا لَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ، فَصَكَّ الْيَاقُوتَةَ الَّتِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَتَغَلْغَلَتْ [٤] النُّشَّابَةُ فِي رَأْسِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ قَفَاهُ، وَنُكِسْ عَنْ دَابَّتِهِ، وَاسْتَدَارَتْ الْحَبَشَةُ وَلَاثَتْ بِهِ، وَحَمَلَتْ عَلَيْهِمْ الْفُرْسُ، وَانْهَزَمُوا، فَقُتِلُوا وَهَرَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَأَقْبَلَ وَهْرِزُ لِيَدْخُلَ صَنْعَاءَ [٥]، حَتَّى إذَا أَتَى بَابَهَا، قَالَ: لَا تَدْخُلُ رَايَتِي مُنَكَّسَةً أَبَدًا، اهْدِمُوا الْبَابَ، فَهُدِمَ، ثُمَّ دَخَلَهَا نَاصِبًا رَايَتَهُ. فَقَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيُّ:
------------------------
[١] وَيُقَال إِن الْجَيْش بلغ سَبْعَة آلَاف وَخمْس مائَة، وانضافت إِلَيْهِم قبائل من الْعَرَب (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] وَكَانَ يُقَال لَهُ نوزاد. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٣] لاثوا بِهِ: اجْتَمعُوا حوله.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فتغلغلت» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] وَيُقَال: إِن صنعاء كَانَ اسْمهَا، قبل أَن يدخلهَا وهرز ويهدم بَابهَا، أوال (بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا) وَأَنَّهَا سميت كَذَلِك لقَوْل وهرز حِين دَخلهَا: «صَنْعَة صَنْعَة» . يُرِيد أَن الْحَبَشَة أحكمت صنعها. وَيُقَال إِنَّهَا سميت باسم الّذي بناها، وَهُوَ صنعاء بن وَال بن عيبر بن عَابِر بن شالخ، فَكَانَت تعرف مرّة بِصَنْعَاء، وَأُخْرَى بأوال.
يَظُنُّ النَّاسُ بِالْمَلْكَيْنِ ... أَنَّهُمَا قَدْ الْتَأَمَا [١]
وَمَنْ يَسْمَعْ بِلَأْمِهِمَا ... فَإِنَّ الْخَطْبَ قَدْ فَقُمَا [٢]
قَتَلْنَا الْقَيْلَ مَسْرُوقًا ... وَرَوَّيْنَا الْكَثِيبَ دَمَا [٣]
وَإِنَّ الْقَيْلَ قَيْلُ النَّاسِ ... وَهْرِزُ مُقْسِمٌ قَسَمَا
يَذُوقُ مُشَعْشَعًا حَتَّى ... يُفِيءَ السَّبْيَ وَالنَّعما
[٤] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَأَنْشَدَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّةَ السَّدُوسِيُّ آخِرَهَا بَيْتًا لِأَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو الصَّلْتِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الثَّقَفِيُّ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لِأُمَيَّةِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
لِيَطْلُبَ الْوِتْرَ أَمْثَالُ ابْنِ ذِي يَزَنَ ... رَيَّمَ [٥] فِي الْبَحْرِ لِلْأَعْدَاءِ أَحْوَالَا
يَمَّمَ قَيْصَرَ لَمَّا حَانَ رِحْلَتُهُ ... فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ بَعْضَ الَّذِي سَالَا [٦]
ثُمَّ انْثَنَى [٧] نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ عَاشِرَةٍ [٨] ... مِنْ السِّنِينَ يُهِينُ النَّفْسَ وَالْمَالَا
حَتَّى أَتَى بِبَنِي الْأَحْرَارِ يَحْمِلُهُمْ ... إنَّكَ عَمْرِي لَقَدْ أَسْرَعَتْ قِلْقَالَا [٩]
للَّه دَرَّهُمْ مِنْ عُصْبَةٍ خَرَجُوا ... مَا إنْ رَأَى لَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْثَالًا
-----------------------
[١] التأما: يُرِيد: قد اصطلحا واتفقا.
[٢] فَقُمْ: عظم.
[٣] القيل: الْملك.
[٤] المشعشع: الشَّرَاب الممزوج بِالْمَاءِ. ويفيء: يغنم.
[٥] ريم: أَقَامَ. أَو هُوَ مَأْخُوذ من رام يريم، إِذا برح، كَأَنَّهُ يُرِيد: أَنه غَابَ زَمَانا وأحوالا، ثمَّ رَجَعَ للأعداء، ويروى: «لجج» .
[٦] رِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الطَّبَرِيّ، وَالشعر وَالشعرَاء (طبع ليدن) .
أَتَى هِرقل وَقد شالت نعامتهم ... فَلم يجد عِنْده بعض الّذي قَالَا
[٧] فِي أ: «انتحى» .
[٨] فِي الشّعْر وَالشعرَاء: «بعد تاسعة» .
[٩] بَنو الْأَحْرَار: الْفرس. والقلقال: (بِالْكَسْرِ وبالفتح): شدَّة الْحَرَكَة.
٥- سيرة ابْن هِشَام- ١
بيضًا مرازبة غُلْبًا أَسَاوِرَةً ... أُسْدًا تُرَبِّبُ فِي الْغَيْضَاتِ أَشْبَالَا [١]
يَرْمُونَ عَنْ شُدُفٍ كَأَنَّهَا غُبُطٌ [٢] ... بزَمْخرٍ [٣] يُعَجِّلُ الْمَرْمِيَّ إعْجَالَا
أَرْسَلْتَ أُسْدًا عَلَى سُودِ الْكِلَابِ فَقَدْ ... أَضْحَى شَرِيدُهُمْ فِي الْأَرْضِ فُلَّالَا [٤]
فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِقًا ... فِي رَأْسِ غُمْدانَ [٥] دَارًا مِنْكَ مِحْلَالَا
وَاشْرَبْ هَنِيئًا فَقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ [٦] ... وَأَسْبِلْ الْيَوْمَ فِي بُرْدَيْكَ إسْبَالَا [٧]
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانَ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا [٨]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لَهُ مِمَّا رَوَى ابْنُ إسْحَاقَ مِنْهَا، إلَّا آخِرَهَا بَيْتًا قَوْلُهُ:
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانَ مِنْ لَبَنٍ
[٩]
---------------------
[١] الغلب: الشداد. والأساورة: رُمَاة الْفرس. وتربب: من التربية. والغيضات: جمع غيضة، وَهِي الشّجر الْكثير الملتف.
[٢] شدف: عِظَام الْأَشْخَاص، يعْنى بهَا القسي. وغبط: جمع غبيط، وَهِي عيدَان الهودج وأدواته.
[٣] كَذَا فِي أ. والزمخر: الْقصب الْيَابِس، يعْنى قصب النشاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بزمجر» وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] الفلال: المنهزمون.
[٥] غمدان (بِضَم أَوله وَسُكُون ثَانِيه وَآخره نون): قصر بناه يشْرَح بن يحصب على أَرْبَعَة أوجه:
وَجه أَبيض، وَوجه أَحْمَر، وَوجه أصفر، وَوجه أَخْضَر. وَبنى فِي دَاخله قصرا على سَبْعَة سقوف، بَين كل سقفين مِنْهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعا، وَجعل فِي أَعْلَاهُ مَجْلِسا بناه بالرخام الملون، وَجعل سقفه رخامة وَاحِدَة وصير على كل ركن من أَرْكَانه تِمْثَال أَسد من شبه كأعظم مَا يكون من الْأسد، فَكَانَت الرّيح إِذا هبت إِلَى نَاحيَة تِمْثَال من تِلْكَ التماثيل دخلت من دبره، وَخرجت من فِيهِ، فَيسمع لَهُ زئير كزئير السبَاع. وَقيل:
إِن الّذي بناه سُلَيْمَان بن دَاوُد عليهما السلام. وللشعراء شعر كثير فِي غمدان. وَقد هدم فِي عهد عُثْمَان رضي الله عنه. وَمعنى قَوْله مرتفقا: أَي مُتكئا، كَمَا فِي لِسَان الْعَرَب.
[٦] شالت نعامتهم: أهلكوا. والنعامة: بَاطِن الْقدَم. وشالت: ارْتَفَعت، وَمن هلك ارْتَفَعت رِجْلَاهُ، وانتكس رَأسه، فظهرت نعَامَة قدمه. وَالْعرب تَقول: تنعمت: إِذا مشيت حافيا.
[٧] الإسبال: إرخاء الثَّوْب، وَيُرِيد بِهِ هُنَا الْخُيَلَاء والإعجاب.
[٨] القعبان: تَثْنِيَة قَعْب، وَهُوَ قدح يحلب فِيهِ، وشيبا: مزجا.
[٩] وَمن روى هَذَا الْبَيْت للنابغة جعله من قصيدته إِلَى مطْلعهَا:
إِمَّا ترى ظلل الْأَيَّام قد حسرت ... عَنى وشمرت ذيلا كَانَ ذيالا
وَلَقَد هجا بِهَذِهِ القصيدة رجلا من قُشَيْر يُقَال لَهُ: ابْن الحيا (الحيا أمه) . ويعنى بِهَذَا الْبَيْت (تِلْكَ المكارم ... إِلَخ) أَن ابْن الحيا فَخر عَلَيْهِ بِأَنَّهُم سقوا رجلا من جعدة أدركوه فِي سفر، وَقد جهد عطشا، لَبَنًا وَمَاء فَعَاشَ. (رَاجع الأغاني ج ٥ ص ١٣- ١٥ طبع دَار الْكتب) .
فَإِنَّهُ لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ. وَاسْمُهُ (حِبَّانُ بْنُ) [١] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، أَحَدُ بَنِي جَعْدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الحِيريُّ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ أَحَدُ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: عَدِيٌّ مِنْ الْعِبَادِ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ [٢]:
مَا بَعْدَ صَنْعَاءَ كَانَ يَعْمُرُهَا ... وُلَاةُ مُلْكٍ جَزْلٍ مَوَاهِبُهَا [٣]
رَفَّعَهَا مَنْ بَنَى لَدَى قَزَعٍ ... الْمُزْنِ وَتَنْدَى مِسْكًا مَحَارِبُهَا [٤]
مَحْفُوفَةٌ بِالْجِبَالِ دُونَ عُرَى ... الْكَائِدِ مَا تُرْتَقَى غُوَارِبُهَا [٥]
يَأْنَسُ فِيهَا صَوْتُ النُّهَامِ إذَا ... جَاوَبَهَا بِالْعَشِيِّ قَاصِبُهَا [٦]
سَاقَتْ إلَيْهَا [٧] الْأَسْبَابُ جُنْدُ بَنِي ... الْأَحْرَارِ فُرْسَانُهَا مَوَاكِبُهَا
وفُوِّزَتْ بِالْبِغَالِ تُوسَقُ بِالْحَتْفِ ... وَتَسْعَى بِهَا تَوَالِبُهَا [٨]
حَتَّى رَآهَا الْأَقْوَالُ مِنْ طَرَفِ ... الْمَنْقَلِ مُخْضَرَّةٌ كَتَائِبُهَا [٩]
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أَسد الغابة (ج ٥ ص ٢) وخزانة الْأَدَب (ج ١ ص ٥١٢) والإصابة (ج ٦ ص ٢١٨) والاستيعاب (ج ١ ص ٣٢٠) والأغاني (ج ٥ ص ١ طبع دَار الْكتب) .
[٢] الْعباد: هم من عبد الْقَيْس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة، قيل إِنَّهُم انتسلوا من أَرْبَعَة: عبد الْمَسِيح، وَعبد كلال، وَعبد الله، وَعبد يَا ليل. وَكَانُوا قدمُوا على ملك فتسموا لَهُ، فَقَالَ:
أَنْتُم الْعباد، فسموا بذلك. وَذكر الطَّبَرِيّ فِي نسب عدي: أَنه ابْن زيد بن حَمَّاد بن أَيُّوب بن مجروف ابْن عَامر بن عصية بن امْرِئ الْقَيْس بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، وَقد دخل بَنو امْرِئ الْقَيْس بن زيد مَنَاة فِي الْعباد، فَلذَلِك ينْسب عدي إِلَيْهِم.
[٣] وُلَاة ملك: يُرِيد: الَّذين يدبرون أَمر النَّاس ويصلحونه. وجزل: كثير.
[٤] القزع: السَّحَاب المتفرق، والمزن: السَّحَاب. والمحارب: الغرف المرتفعة.
[٥] يُرِيد: دون عرى السَّمَاء وأسبابها. والكائد: هُوَ الّذي كادهم، وَهُوَ الْبَارِي سبحانه وتعالى:
والغوارب: الأعالي.
[٦] النهام: الذّكر من البوم. والقاصب: صَاحب الزمارة.
[٧] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «إِلَيْهِ» .
[٨] فوزت الْمَفَازَة: قطعت. وَقَوله: توسق بالحتف، أَي أَن وسق البغال الحتوف. والتوالب:
جمع تولب، وَهُوَ ولد الْحمار.
[٩] الْأَقْوَال: الْمُلُوك. والمنقل: الطَّرِيق الْمُخْتَصر، وَهُوَ أَيْضا: الأَرْض الَّتِي يكثر فِيهَا النَّقْل: أَي الْحِجَارَة، وَقَوله: من طرف المنقل، أَي من أعالى حصونها. والمنقال: الخرج ينْقل إِلَى الْمُلُوك من قَرْيَة إِلَى قَرْيَة، فَكَأَن المنقل من هَذَا. ومخضرة كتائبها: يعْنى من الْحَدِيد، وَمِنْه الكتيبة الخضراء.
يَوْمَ يُنَادُونَ آل بربر [١] و... اليكسوم لَا يُفْلِحُنَّ هَارِبُهَا [٢]
وَكَانَ يَوْمُ بَاقِي الْحَدِيثِ وَزَالَتْ ... إِمَّةً ثَابِتٌ مَرَاتِبُهَا [٣]
وَبُدِّلَ الْفَيْجُ [٤] بِالزَّرَافَةِ [٥] وَالْأَيَّامُ ... جُونٌ [٦] جَمٌّ عَجَائِبُهَا
بَعْدَ بَنِي تُبَّعٍ نَخَاوِرَةٌ [٧] ... قَدْ اطْمَأَنَّتْ بِهَا مَرَازِبُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ (الْأَنْصَارِيُّ) [٨] وَرَوَاهُ لِي عَنْ الْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ، قَوْلَهُ:
يَوْمَ يُنَادُونَ آل بربر و... اليكسوم.............
إلَخْ
(هَزِيمَةُ الْأَحْبَاشِ، وَنُبُوءَةُ سَطِيحٍ وَشِقٍّ):
وَهَذَا الَّذِي عَنَى سَطِيحٌ بِقَوْلِهِ: «يَلِيهِ إرَمُ ذِي يَزَنَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنَ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ» . وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ بِقَوْلِهِ: «غُلَامٌ لَيْسَ بِدَنِيِّ وَلَا مُدَنٍّ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَنَ» .
ذِكْرُ مَا انْتَهَى إلَيْهِ أَمْرُ الْفُرْسِ بِالْيَمَنِ
(مُلْكُ الْحَبَشَةِ فِي الْيَمَنِ وَمُلُوكُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ وَهْرِزُ وَالْفُرْسُ بِالْيَمَنِ، فَمِنْ بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْجَيْشِ مِنْ الْفُرْسِ الْأَبْنَاءُ الَّذِينَ بِالْيَمَنِ الْيَوْمَ. وَكَانَ مُلْكُ الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ، فِيمَا بَيْنَ أَنْ دَخَلَهَا أَرْيَاطُ إلَى أَنْ قَتَلَتْ الْفُرْسُ مَسْرُوقَ بْنَ أَبْرَهَةَ وَأُخْرِجَتْ الْحَبَشَةُ، اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، تَوَارَثَ
--------------------
[١] آل بربر: يُرِيد الْحَبَشَة.
[٢] فِي شعراء النَّصْرَانِيَّة: «لَا يَفْلِتَنَّ» .
[٣] الإمة (بِكَسْر الْهمزَة): النِّعْمَة.
[٤] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. والفيج: الْمُنْفَرد، أَو هُوَ الّذي يسير للسُّلْطَان بالكتب على رجلَيْهِ.
وَفِي جَمِيع الْأُصُول: «الفيح» بِالْحَاء الْمُهْملَة. وَهُوَ تَصْحِيف.
[٥] الزرافة: الْجَمَاعَة من النَّاس.
[٦] فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر: «خون» . وَهِي جمع خَائِنَة.
[٧] بَنو تبع: الْيمن. والنخاورة: الْكِرَام. واحدهم: نخوار.
[٨] زِيَادَة عَن أ.
ذَلِكَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ: أَرْيَاطُ، ثُمَّ أَبْرَهَةُ، ثُمَّ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، ثُمَّ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ.
مُلُوكُ الْفُرْسِ عَلَى الْيَمَنِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ مَاتَ وَهْرِزُ، فَأَمَّرَ كِسْرَى ابْنَهُ الْمَرْزُبَانَ بْنِ وَهْرِزَ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَرْزُبَانُ، فَأَمَّرَ كِسْرَى ابْنَهُ التَّيْنُجَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ مَاتَ التَّيْنُجَانُ، فَأَمَّرَ كِسْرَى ابْنَ التَّيْنُجَانِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَأَمَّرَ بَاذَانَ، فَلَمْ يَزَلْ بَاذَانُ عَلَيْهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ) [١] ﷺ.
(كِسْرَى وَبَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ):
فَبَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
كَتَبَ كِسْرَى إلَى بَاذَانَ: أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ خَرَجَ بِمَكَّةَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فسر إِلَيْهِ فاستنبه، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا فَابْعَثْ إلَيَّ بِرَأْسِهِ. فَبَعَثَ بَاذَانُ بِكِتَابِ كِسْرَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُول الله ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُقْتَلَ كِسْرَى فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا. فَلَمَّا أَتَى بَاذَانَ الْكِتَابُ تَوَقَّفَ لِيَنْظُرَ، وَقَالَ: إنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيَكُونُ مَا قَالَ. فَقَتَلَ اللَّهُ كِسْرَى فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قُتِلَ عَلَى يَدَيْ ابْنِهِ شِيرَوَيْهِ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ حِقٍّ الشَّيْبَانِيُّ:
وَكِسْرَى إذْ تَقَسَّمْهُ بَنُوهُ ... بِأَسْيَافٍ كَمَا اُقْتُسِمَ اللَّحَّامُ [٢]
تَمَخَّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ ... أَنَّى وَلِكُلِّ حَامِلَةٍ تِمَامُ
[٣]
(إسْلَامُ بَاذَانَ):
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ بَاذَانَ بَعَثَ بِإِسْلَامِهِ [٤] وَإِسْلَامِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْفُرْسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَتْ الرُّسُلُ مِنْ الْفُرْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إلَى مَنْ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ مِنَّا وَإِلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ.
------------------------
[١] زِيَاد عَن أ.
[٢] اللحام: جمع لحم.
[٣] أَنى: حَان.
[٤] كَانَ إِسْلَام باذان بِالْيمن فِي سنة عشر، وفيهَا بعث رَسُول الله ﷺ إِلَى الْأَبْنَاء يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام.
(سَلْمَانُ مِنَّا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
فَمِنْ ثَمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ.
(بَعْثَةُ النَّبِيِّ، وَنُبُوءَةُ سَطِيحٍ وَشِقٍّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَهُوَ الَّذِي عَنَى سَطِيحٌ بِقَوْلِهِ: «نَبِيٌّ زَكِيٌّ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيِّ» . وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ بِقَوْلِهِ: «بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولِ مُرْسَلٍ، يَأْتِي بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، مِنْ [١] أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إلَى يَوْمِ الْفَصْلِ» .
(الْحَجَرُ الَّذِي وُجِدَ بِالْيَمَنِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ كِتَابٌ- بِالزَّبُورِ كُتِبَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ: «لِمِنْ مُلْكُ ذِمَارٍ؟ لِحِمْيَرَ الْأَخْيَارِ [٢]، لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارٍ؟ لِلْحَبَشَةِ الْأَشْرَارِ [٣]، لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارٍ؟ لِفَارِسَ الْأَحْرَارِ [٤]، لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارٍ؟ لِقُرَيْشِ التُّجَّارِ» .
وَذِمَارٌ: الْيَمَنُ أَوْ صَنْعَاءُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَمَارُ: بِالْفَتْحِ، فِيمَا أَخْبَرَنِي [٥] يُونُسُ
(شِعْرٌ الْأَعْشَى فِي نُبُوءَةِ سَطِيحٍ وَشِقٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْأَعْشَى أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي وُقُوعِ مَا قَالَ سَطِيحٌ وَصَاحِبُهُ:
مَا نَظَرَتْ ذَاتُ أَشْفَارٍ كَنَظْرَتِهَا ... حَقَّا كَمَا صَدَقَ الذِّئْبِيُّ إذَا سَجَعَا
[٦] وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ لِسَطِيحِ: الذِّئْبِيَّ، لِأَنَّهُ سَطِيحُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَازِنِ بْنِ ذِئْبٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
-------------------
[١] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: بِدُونِ «من» .
[٢] سموا بالأخيار: لأَنهم كَانُوا أهل دين، كَمَا تقدم فِي حَدِيث فيميون، وَابْن الثَّامِر.
[٣] سموا بالأشرار: لما أَحْدَثُوا فِي الْيمن من العيث وَالْفساد وإخراب الْبِلَاد، حَتَّى هموا بهدم بَيت الله الْحَرَام.
[٤] سموا بالأحرار: لِأَن الْملك فيهم متوارث من عهد جيومرت إِلَى أَن جَاءَ الْإِسْلَام، لم يدينوا لملك، وَلَا أَدّوا الإتاوة لذِي سُلْطَان من سواهُم، فَكَانُوا أحرارا لذَلِك.
[٥] وَحكى الْكسر عَن ابْن إِسْحَاق. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٦] ذَات أشفار: زرقاء الْيَمَامَة، وَكَانَت الْعَرَب تزْعم أَنَّهَا ترى الْأَشْخَاص على مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فِي الصَّحرَاء، وخبرها مَشْهُور.
قِصَّةُ مَلِكِ الْحَضْرِ
(نَسَبُ النُّعْمَانِ، وَشَيْءٌ عَنْ الْحَضْرِ، وَشِعْرُ عَدِيٍّ فِيهِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ خَالِدِ السَّدُوسِيُّ عَنْ جَنَّادٍ، أَوْ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالنَّسَبِ: أَنَّهُ يُقَالُ:
إنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ مِنْ وَلَدِ سَاطِرُونَ [١] مَلِكِ الْحَضْرِ. وَالْحَضْرُ: حِصْنٌ عَظِيمٌ كَالْمَدِينَةِ، كَانَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ:
وَأَخُو الْحَضْرِ إذْ بَنَاهُ وَإِذْ ... دِجْلَةُ تُجْبَى إلَيْهِ وَالْخَابُورُ [٢]
شَادَهُ مَرْمَرَا وَجَلَّلَهُ كِلْسًا ... فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُ [٣]
لَمْ يَهَبْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ فَبَانَ [٤] ... الْمُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَاَلَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد الْإِيَادِيُّ [٥] فِي قَوْلِهِ:
وَأَرَى الْمَوْتَ قَدْ تَدَلَّى مِنْ الْحَضْرِ ... عَلَى رَبِّ أَهْلِهِ السَّاطِرُونَ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَيُقَالُ: إنَّهَا لِخَلَفِ الْأَحْمَرِ، وَيُقَالُ: لِحَمَّادِ الرَّاوِيَةِ.
(دُخُولُ سَابُورَ الْحَضْرَ، وَزَوَاجُهُ بِنْتِ سَاطِرُونَ، وَمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا):
وَكَانَ كِسْرَى سَابُورُ ذُو الْأَكْتَافِ غَزَا سَاطِرُونَ مَلِكِ الْحَضَر، فحصره سِتِّينَ، فَأَشْرَفَتْ بِنْتُ [٦] سَاطِرُونَ يَوْمًا، فَنَظَرَتْ إلَى سَابُورَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ دِيبَاجٍ،
----------------
[١] الساطرون: مَعْنَاهُ بالسُّرْيَانيَّة الْملك، وَاسم الساطرون: الضيزن بن مُعَاوِيَة، جرمقاني، وَقيل:
قضاعى، من الْعَرَب الَّذين تنخوا بِالسَّوَادِ (أَقَامُوا بِهِ) فسموا تنوخ، وهم قبائل شَتَّى. وَأمه جبهلة، وَبهَا كَانَ يعرف، وَهِي أَيْضا: قضاعية من بنى تزيد الَّذين تنْسب إِلَيْهِم الثِّيَاب التزيدية.
[٢] دجلة والخابور: نهران مشهوران.
[٣] المرمر: الرخام. والكلس: مَا طلى بِهِ الْحَائِط من جص وجيار. وجلله: كَسَاه. ويروى:
خلله (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة): أَي جعل الجص بَين حجر وَحجر. وذراه: أعاليه. ووكور: جمع وكر، وَهُوَ عش الطَّائِر.
[٤] فِي أ: «فباد» .
[٥] واسْمه جَارِيَة بن حجاج، وَقيل: حَنْظَلَة بن شرقى.
[٦] يُقَال إِن اسْمهَا النضيرة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:43 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (10)
صــ 71إلى صــ 80
وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَكَانَ جَمِيلًا، فَدَسَّتْ إلَيْهِ: أَتَتَزَوَّجُنِي إنْ فَتَحْتُ لَكَ بَابَ الْحَضْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا أَمْسَى سَاطِرُونَ شَرِبَ حَتَّى سَكِرَ، وَكَانَ لَا يَبِيتُ إلَّا سَكْرَانَ. فَأَخَذَتْ مَفَاتِيحَ بَابِ الْحَضْرِ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَبَعَثَتْ بِهَا مَعَ مَوْلًى لَهَا، فَفَتَحَ الْبَابَ [١]، فَدَخَلَ سَابُورُ، فَقَتَلَ سَاطِرُونَ، وَاسْتَبَاحَ الْحَضْرَ وَخَرَّبَهُ، وَسَارَ بِهَا مَعَهُ فَتَزَوَّجَهَا. فَبَيْنَا هِيَ نَائِمَةٌ عَلَى فِرَاشِهَا لَيْلًا إذْ جَعَلَتْ تَتَمَلْمَلُ لَا تَنَامُ، فَدَعَا لَهَا بِشَمْعِ، فَفُتِّشَ فِرَاشُهَا، فَوُجِدَ عَلَيْهِ وَرَقَةُ آسٍ [٢]، فَقَالَ لَهَا سَابُورُ: أَهَذَا الَّذِي أَسْهَرَكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ بِكِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَفْرِشُ لِي الدِّيبَاجَ، وَيُلْبِسُنِي الْحَرِيرَ، وَيُطْعِمُنِي الْمُخَّ، وَيَسْقِينِي الْخَمْرَ، قَالَ: أَفَكَانَ جَزَاءُ أَبِيكَ مَا صَنَعْتِ بِهِ؟ أَنْتَ إلَيَّ بِذَلِكَ أَسْرَعُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُبِطَتْ قُرُونُ [٣] رَأْسِهَا بِذَنَبِ فَرَسٍ، ثُمَّ رَكَضَ الْفَرَسُ حَتَّى قَتَلَهَا [٤]، فَفِيهِ يَقُولُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
أَلَمْ تَرَ [٥] لِلْحَضْرِ إذْ أَهْلُهُ ... بِنُعْمَى وَهَلْ خَالِدٌ مِنْ نِعَمْ
أَقَامَ بِهِ شاهَبُورُ [٦] الْجُنُودَ ... حَوْلَيْنِ تَضْرِبُ فِيهِ الْقُدُمْ [٧]
فَلَمَّا دَعَا رَبَّهُ دَعْوَةً ... أَنَابَ إلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَقِمْ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ
------------------------
[١] وَيُقَال: إِنَّهَا دلته على نهر وَاسع كَانَ يدْخل مِنْهُ المَاء إِلَى الْحَضَر، فَقطع لَهُم المَاء، ودخلوا مِنْهُ. وَقيل: بل دلته على طلسم كَانَ فِي الْحَضَر، وعَلى طَريقَة التغلب عَلَيْهِ. (رَاجع المَسْعُودِيّ وَالرَّوْض الْأنف) .
[٢] الآس: الريحان.
[٣] قُرُون رَأسهَا: يعْنى ذوائب شعرهَا.
[٤] وَيُقَال إِن صَاحب هَذِه الْقِصَّة هُوَ سَابُور بن أردشير بن بابك: لِأَن أردشير هُوَ أول من جمع ملك فَارس، وأذل مُلُوك الطوائف، حَتَّى دَان الْملك لَهُ، والضيزن كَانَ من مُلُوك الطوائف، فيبعد أَن تكون هَذِه الْقِصَّة لسابور ذِي الأكتاف، وَهُوَ سَابُور بن هُرْمُز، لِأَنَّهُ كَانَ بعد سَابُور الْأَكْبَر بدهر طَوِيل، وَبينهمْ مُلُوك عدَّة، وهم هُرْمُز بن سَابُور، وبهرام بن بهْرَام، وبهرام الثَّالِث: ونرس بن بهْرَام، وَبعده كَانَ ابْنه سَابُور ذُو الأكتاف.
[٥] فِي أ: «ألم ترى الْحَضَر ... إِلَخ» .
[٦] شاهبور: مَعْنَاهُ: ابْن الْملك. وشاه: ملك، وبور: ابْن.
[٧] الْقدَم: جمع قدوم، وَهُوَ الفأس وَنَحْوهَا.
وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ:
وَالْحَضْرُ صَابَتْ عَلَيْهِ دَاهِيَةٌ ... مِنْ فَوْقِهِ أَيِّدٌ مَنَاكِبُهَا [١]
رَبِيَّةَ [٢] لَمْ تُوَقَّ وَالِدَهَا ... لِحَيْنِهَا [٣] إذْ أَضَاعَ رَاقِبُهَا [٤]
إذْ غَبَقَتْهُ [٥] صَهْبَاءَ صَافِيَةً ... وَالْخَمْرُ وَهَلْ [٦] يَهِيمُ [٧] شَارِبُهَا
فَأَسْلَمَتْ أَهْلَهَا بِلَيْلَتِهَا ... تَظُنُّ أَنَّ الرَّئِيسَ خَاطِبُهَا
فَكَانَ حَظُّ الْعَرُوسِ إذْ جَشَرَ [٨] ... الصُّبْحُ دِمَاءً تَجْرِي سَبَائِبُهَا [٩]
وَخُرِّبَ الْحَضْرُ وَاسْتُبِيحَ وَقَدْ ... أُحْرِقَ فِي خِدْرِهَا مَشَاجِبُهَا
[١٠] وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
ذِكْرُ وَلَدِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ
(أَوْلَادُهُ فِي رَأْيِ ابْنِ إسْحَاقَ وَابْنِ هِشَامٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ نِزَارُ بْنُ مَعَدٍّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: مُضَرَ [١١] بْنَ نِزَارٍ، وَرَبِيعَةَ ابْن نِزَارٍ، وأَنْمَارَ بْنَ نِزَارٍ.
-----------------------
[١] صابت: سَقَطت وَنزلت. وأيد: شَدِيدَة.
[٢] ربية: فعيلة بِمَعْنى مفعول من ربى، وَقد تكون بِمَعْنى الربو، وَهُوَ النَّمَاء وَالزِّيَادَة، لِأَنَّهَا ربت فِي نعْمَة، فَتكون بِمَعْنى فاعلة. وَقيل: بل أَرَادَ: ربيئة، بِالْهَمْز، وَسَهل الْهمزَة فَصَارَت يَاء، وَجعلهَا ربيئة، لِأَنَّهَا كَانَت طَلِيعَة حَيْثُ اطَّلَعت حَتَّى رَأَتْ سَابُور وَجُنُوده، وَيُقَال للطليعة، ذكرا أَو أُنْثَى: ربيئة.
[٣] ويروى: «لخبها»: أَي لمكرها.
[٤] أَي أضاع المربأ الّذي يرقبها ويحرسها، وَيحْتَمل أَن تكون الْهَاء عَائِدَة على الْجَارِيَة: أَي أضاعها حافظها.
[٥] غبقته: سقته بالْعَشي.
[٦] يُقَال: وَهل الرجل، إِذا أَرَادَ شَيْئا فَذهب وهمه إِلَى غَيره.
[٧] يهيم: يتحير.
[٨] جشر: أَضَاء وَتبين.
[٩] سبائبها: طرائقها.
[١٠] كَذَا فِي الأَصْل. والمشاجب: جمع مشجب، وَهُوَ عود تعلق عَلَيْهِ الثِّيَاب. ويروى: «مساحبها» والمساحب: القلائد فِي الْعُنُق من قرنفل وَغَيره.
[١١] وَيُقَال: إِن مُضر أول من سنّ حداء الْإِبِل، وَكَانَ ذَلِك فِيمَا يَزْعمُونَ أَنه سقط عَن بعير فوثئت
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِيَادَ بْنَ نِزَارٍ. قَالَ الْحَارِسُ بْنُ دَوْسٍ الْإِيَادِيُّ، وَيُرْوَى لِأَبِي دُوَادَ الْإِيَادِيِّ، واسْمُهُ جَارِيَةُ [١] بْنُ الْحَجَّاجِ:
وَفُتُوٌّ [٢] حَسَنٌ أَوْجُهُهُمْ ... مِنْ إيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
فَأُمُّ مُضَرَ وَإِيَادٍ: سَوْدَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ. وَأُمُّ رَبِيعَةَ وأَنْمَارٍ: شُفَيْقَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ، وَيُقَالُ جُمُعَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ.
(أَوْلَادُ أَنْمَارٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْمَارُ: أَبُو خَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ [٣] . قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ وَكَانَ سَيِّدَ بَجِيلَةَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ:
لَوْلَا جَرِيرٌ هَلَكَتْ بَجِيلَهُ ... نِعْمَ الْفَتَى وَبِئْسَتِ الْقِبِيلَهْ
وَهُوَ يُنَافِرُ [٤] الْفُرَافِصَةَ [٥] الْكَلْبِيَّ إلَى الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ (بْنِ عِقَالِ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ) [٦]:
يَا أَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ يَا أَقْرَعُ ... إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أَخُوكَ [٧] تُصْرَعُ
وَقَالَ:
--------------------
[()] يَده، وَكَانَ أحسن النَّاس صَوتا، فَكَانَ يمشى خلف الْإِبِل، وَيَقُول: وَا يدياه وَا يدياه. يترنم بذلك، فأعنقت الْإِبِل وَذهب كلالها، فَكَانَ ذَلِك أصل الحداء عِنْد الْعَرَب.
[١] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حَارِثَة» وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ٢ ص ٧١ من هَذَا الْجُزْء) .
[٢] فتو: جمع فَتى، وَهُوَ الشَّاب الْحَدث.
[٣] وَأم أَوْلَاد أَنْمَار: بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة، ولد لَهُ من غَيرهَا أفتل، وَهُوَ خثعم فَلم ينْسب إِلَيْهَا. وَيُقَال: إِن بجيلة حبشية حضنت أَوْلَاد أَنْمَار، وَلم تحضن أفتل. فَلم ينْسب إِلَيْهَا. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] ينافر: يحاكم.
[٥] الفرافصة (بِالضَّمِّ): الْأسد. (وبالفتح): اسْم الرجل، وَقد قيل: كل فرافصة فِي الْعَرَب بِالضَّمِّ إِلَّا الفرافصة أَبَا نائلة صهر عُثْمَان بن عَفَّان، فَإِنَّهُ بِالْفَتْح.
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] كَذَا فِي أ. وَهُوَ الْأَشْهر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَخَاك» .
ابْنَيْ نِزَارٍ اُنْصُرَا أَخَاكُمَا ... إنَّ أَبِي وَجَدْتَهُ أَبَاكُمَا
لَنْ يُغْلَبَ الْيَوْمَ أَخٌ وَالَاكُمَا
وَقَدْ تَيَامَنَتْ فَلَحِقَتْ بِالْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَتْ الْيَمَنُ: وَبَجِيلَةُ: أَنْمَارُ بْنُ إرَاشِ بْنِ لِحْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: إرَاشُ بْنُ عَمْرِو ابْن لِحْيَانَ بْنِ الْغَوْثِ. وَدَارُ بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ: يَمَانِيَّةٌ.
(أَوْلَادُ مُضَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُضَرُ بْنُ نِزَارٍ رَجُلَيْنِ: إلْيَاسَ بْنَ مُضَرَ، وَعَيْلَانَ [١] ابْن مُضَرَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأُمُّهُمَا جُرْهُمِيَّةٌ
[٢] .
(أَوْلَادُ إلْيَاسَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ إلْيَاسُ بْنُ مُضَرَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: مُدْرِكَةَ بْنَ إلْيَاسَ، وَطَابِخَةَ ابْن إلْيَاسَ، وَقَمْعَةَ بْنَ إلْيَاسَ، وَأُمُّهُمْ خِنْدِفُ، امْرَأَة عَن الْيَمَنِ.
(شَيْءٌ عَنْ خِنْدِفَ وَأَوْلَادِهَا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خِنْدِفُ [٣] بِنْتُ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ اسْمُ مُدْرِكَةَ عَامِرًا، وَاسْمُ طَابِخَةَ عَمْرًا، وَزَعَمُوا أَنَّهُمَا كَانَا فِي إبِلٍ لَهُمَا يَرْعَيَانِهَا، فَاقْتَنَصَا صَيْدًا فَقَعَدَا عَلَيْهِ يَطْبُخَانِهِ، وَعَدَتْ عَادِيَةٌ عَلَى إبِلِهِمَا، فَقَالَ عَامِرٌ لِعَمْرٍو: أَتُدْرِكُ الْإِبِلَ أَمْ تَطْبُخُ هَذَا الصَّيْدَ؟ فَقَالَ عَمْرٌو:
بَلْ أَطْبُخُ فَلَحِقَ عَامِرٌ بِالْإِبِلِ فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا رَاحَا عَلَى أَبِيهِمَا حَدَّثَاهُ بِشَأْنِهِمَا،
----------------------
[١] وَيُقَال إِن عيلان هَذَا، هُوَ قيس نَفسه لَا أَبوهُ، وسمى بفرس لَهُ اسْمه عيلان، وَقيل: عيلان اسْم كَلْبه.
[٢] وَيُقَال: إِنَّهَا لَيست من جرهم، وَإِنَّمَا هِيَ الربَاب بنت حيدة بن معد بن عدنان. (رَاجع الطَّبَرِيّ وَالرَّوْض الْأنف) .
[٣] وَاسْمهَا ليلى: وَأمّهَا ضرية بنت ربيعَة بن نزار الَّتِي ينْسب إِلَيْهَا حمى ضرية، وخندف هَذِه هِيَ الَّتِي ضربت الْأَمْثَال بحزنها على إلْيَاس، وَذَلِكَ أَنَّهَا تركت بنيها وساحت فِي الأَرْض تبكيه حَتَّى مَاتَت، وَإِنَّمَا نسب أَوْلَادهَا إِلَيْهَا لِأَنَّهَا حِين تَركتهم شغلا لحزنها على أَبِيهِم وَكَانُوا صغَارًا رَحِمهم النَّاس، فَقَالُوا:
هَؤُلَاءِ أَوْلَاد خندف الَّتِي تَركتهم، وهم صغَار أَيْتَام.
فَقَالَ لِعَامِرِ: أَنْتَ مُدْرِكَةٌ، وَقَالَ لِعَمْرِو: وَأَنْتَ طَابِخَةُ (وَخَرَجَتْ أُمُّهُمْ لَمَّا بَلَغَهَا الْخَبَرُ، وَهِيَ مُسْرِعَةٌ، فَقَالَ لَهَا: تُخَنْدِفِينَ فَسُمِّيَتْ: خِنْدِفُ) [١] .
وَأَمَّا قَمَعَةُ [٢] فَيَزْعُمُ نُسَّابُ مُضَرَ: أَنَّ خُزَاعَةَ مِنْ وَلَدِ عَمْرِو بْنِ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ إلْيَاسَ.
قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وَذِكْرُ أَصْنَامِ الْعَرَبِ
(رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ [٣] فِي النَّارِ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَ: هَلَكُوا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَبْدُ اللَّهِ ابْن عَامِرٍ، وَيُقَالُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ- يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ: يَا أَكْثَمُ، رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلَا بِكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَكْثَمُ: عَسَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، إنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ، إنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ، فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ [٤]، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِي
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] وَاسم قمعة: عُمَيْر، وسمى قمعة لِأَنَّهُ انقمع وَقعد.
[٣] الْقصب: الأمعاء.
[٤] وَيُقَال: إِن أول من بَحر الْبحيرَة رجل من بنى مُدْلِج، كَانَت لَهُ ناقتان، فجدع آذانهما، وَحرم ألبانهما. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
(جَلَبُ الْأَصْنَامِ مِنْ الشَّامِ إلَى مَكَّةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ- وَهُمْ وَلَدُ عِمْلَاقٍ. وَيُقَالُ عِمْلِيقُ بْنُ لَاوِذْ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ- رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا لَهُ: هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا، فَنَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا، ونَسْتَنْصِرُهَا فَتَنْصُرُنَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَفَلَا تُعْطُونَنِي مِنْهَا صَنَمًا، فَأَسِيرَ بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ، فَيَعْبُدُوهُ؟ [١] فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ هُبَلُ، فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ، فَنَصَبَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ [٢] .
(أَوَّلُ عِبَادَةِ الْحِجَارَةِ كَانَتْ فِي بَنِي إسْمَاعِيلَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَوَّلَ مَا كَانَتْ عِبَادَةُ الْحِجَارَةِ فِي بَنِي إسْمَاعِيلَ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَظْعَنُ مِنْ مَكَّةَ ظَاعِنٌ مِنْهُمْ، حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ، وَالْتَمَسُوا الفَسَحَ فِي الْبِلَادِ، إلَّا حَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ، فَحَيْثُمَا نَزَلُوا وَضَعُوهُ فَطَافُوا بِهِ كَطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ، حَتَّى سَلَخَ ذَلِكَ بِهِمْ [٣] إلَى أَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا اسْتَحْسَنُوا مِنْ الْحِجَارَةِ، وَأَعْجَبَهُمْ، حَتَّى خَلَفَ الْخُلُوفُ [٤]، وَنَسُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ غَيْرَهُ، فَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ، وَصَارُوا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ مِنْ الضَّلَالَاتِ، وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ يَتَمَسَّكُونَ بِهَا، مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ، وَالطَّوَافِ بِهِ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى عَرَفَةَ
---------------------
[١] فِي الْأُصُول: «فيعبدونه» .
[٢] وَيُقَال: إِنَّه أول مَا كَانَ من أَمر عَمْرو هَذَا فِي عبَادَة الْأَصْنَام: أَنه كَانَ حِين غلبت خُزَاعَة على الْبَيْت، ونفت جرهم عَن مَكَّة، جعلته الْعَرَب رَبًّا لَا يبتدع لَهُم بِدعَة إِلَّا اتَّخَذُوهَا شرعة، لِأَنَّهُ كَانَ يطعم النَّاس ويكسوهم فِي الْمَوْسِم، فَرُبمَا نحر فِي الْمَوْسِم عشرَة آلَاف بَدَنَة، وكسا عشرَة آلَاف حلَّة، وَكَانَت هُنَاكَ صَخْرَة يلت عَلَيْهَا السويق للحجاج رجل من ثَقِيف، وَكَانَت تسمى صَخْرَة اللات (أَي الّذي يلت الْعَجِين) فَلَمَّا مَاتَ هَذَا الرجل، قَالَ لَهُم عَمْرو: إِنَّه لم يمت، وَلَكِن دخل فِي الصَّخْرَة، وَأمرهمْ بعبادتها، وَأَن يبنوا عَلَيْهَا بَيْتا يُسمى اللات. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] سلخ بهم: خرج بهم.
[٤] الخلوف: جمع خلف (بِالْفَتْح)، وَهُوَ الْقرن بعد الْقرن.
وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَهَدْيِ الْبُدْنِ، وَالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، مَعَ إدْخَالِهِمْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. فَكَانَتْ كِنَانَةُ وَقُرَيْشٌ إذَا أَهَلُّوا قَالُوا: «لَبَّيْكَ اللَّهمّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ» . فَيُوَحِّدُونَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُونَ مَعَهُ أَصْنَامَهُمْ، وَيَجْعَلُونَ مِلْكَهَا بِيَدِهِ. يَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى لِمُحَمَّدِ ﷺ: «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللَّه إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» .
أَيْ مَا يُوَحِّدُونَنِي لِمَعْرِفَةِ حَقِّي إلَّا جَعَلُوا مَعِي شَرِيكًا مِنْ خَلْقِي.
(الْأَصْنَامُ عِنْدَ قَوْمِ نُوحٍ):
وَقَدْ كَانَتْ لِقَوْمِ نُوحٍ أَصْنَامٌ قَدْ عَكَفُوا عَلَيْهَا، قَصَّ اللَّهُ تبارك وتعالى خَبَرَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «وَقالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ٧١: ٢٣- ٢٤» .
(الْقَبَائِلُ وَأَصْنَامُهَا، وَشَيْءٌ عَنْهَا):
فَكَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا تَلِكَ الْأَصْنَامَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِمْ وَسَمَّوْا بِأَسْمَائِهِمْ حِينَ فَارَقُوا دِينَ إسْمَاعِيلَ: هُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، اتَّخَذُوا سُوَاعًا، فَكَانَ لَهُمْ بُرْهَاطُ [١] . وَكَلْبُ بْنُ وَبْرَةَ مِنْ قُضَاعَةَ، اتَّخَذُوا وَدًّا بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ:
وَنَنْسَى اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَوَدَّا ... وَنَسْلُبُهَا الْقَلَائِدَ وَالشُّنُوفَا
[٣] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(رَأْيُ ابْنِ هِشَامٍ فِي نَسَبِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَلْبُ بْنُ وَبْرَةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ ابْن قُضَاعَةَ.
----------------------
[١] رهاط: من أَرض يَنْبع.
[٢] دومة الجندل (بِضَم أَوله وفتحه، وَقد أنكر ابْن دُرَيْد الْفَتْح وعده من أغلاط الْمُحدثين): من أَعمال الْمَدِينَة، سميت بدوم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] الشنوف: جمع شنف، وَهُوَ القرط الّذي يَجْعَل فِي الْأذن.
(يَغُوثُ وَعَبَدَتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْعُمُ مِنْ طيِّئ، وَأَهْلُ جُرَشَ [١] مِنْ مَذْحِجَ اتَّخَذُوا يَغُوثَ بِجُرَشَ [٢] .
(رَأْيُ ابْنِ هِشَامٍ فِي أَنْعُمَ، وَفِي نَسَبِ طيِّئ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَنْعُمُ. وطيِّئ ابْنُ أُدَدَ بْنِ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ:
مَذْحِجُ بْنُ أُدَدَ، وَيُقَالُ: طيِّئ ابْن أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ.
(يَعُوقُ وَعَبَدَتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَيْوَانُ [٣] بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ، اتَّخَذُوا يَعُوقَ بِأَرْضِ هَمْدَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ [٤] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ [٥] مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ الْهَمْدَانِيُّ [٦]:
---------------------------
[١] الْمَعْرُوف أَن جرش فِي حمير، وَأَن مذْحج من كهلان بن سبإ. وَذكر الدارقطنيّ أَن جرش وحرش (بِالْحَاء الْمُهْملَة) أَخَوان، وأنهما ابْنا عليم بن جناب الْكَلْبِيّ، فهما قبيلان من كلب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف ص ٦٣، وَشرح السِّيرَة ص ٢٩) . وَعبارَة ابْن الْكَلْبِيّ فِي الْأَصْنَام: «واتخذت مذْحج وَأهل جرش» فَلم يَجْعَل هُوَ الآخر جرش من مذْحج.
[٢] جرش (بِالضَّمِّ ثمَّ الْفَتْح وشين مُعْجمَة): من مخاليف الْيمن من جِهَة مَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] وخيوان أَيْضا: قَرْيَة لَهُم من صنعاء على لَيْلَتَيْنِ مِمَّا يَلِي مَكَّة، وَكَانَ بهَا يعوق هَذَا.
[٤] قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي كِتَابه الْأَصْنَام: «وَلم أسمع هَمدَان وَلَا غَيرهَا من الْعَرَب سمت بِهِ، وَلم أسمع لَهَا وَلَا لغَيْرهَا فِيهِ شعرًا، وأظن ذَلِك لأَنهم قربوا من صنعاء، وَاخْتلفُوا بحمير، فدانوا مَعَهم باليهودية، أَيَّام تهود ذِي نواس، فتهودوا مَعَه. وَيرد عَلَيْهِ مَا أوردهُ هُنَا ابْن هِشَام لمَالِك بن نمط الهمدانيّ فِي يعوق من الشّعْر، فَلَعَلَّ ابْن الْكَلْبِيّ لم يَقع عَلَيْهِ، أَو لَعَلَّه يُرِيد أَن يعوق كَانَ أقل خطرا وأركد ذكرا» .
[٥] مَكَان هَذِه الْعبارَة وَالْبَيْت وَمَا يتَعَلَّق بِهِ، فِيمَا سَيَأْتِي بعد: «... بن الْخِيَار» . وَقيل: «وَيُقَال هَمدَان ... إِلَخ» . وَقد رَأينَا تَقْدِيمهَا عَن موضعهَا ليتصل سِيَاق الحَدِيث عَن هَمدَان من غير فصل، وَقد يكون هَذَا مَكَانهَا الأول.
[٦] هُوَ أَبُو ثَوْر: ويلقب ذَا المعشار، وَهُوَ من بنى خارف، وَقيل إِنَّه من يام بن أصى، وَكِلَاهُمَا من هَمدَان. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
يَرِيشُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَيَبْرِي ... وَلَا يَبْرِي يَعُوقُ وَلَا يَرِيشُ
[١] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
(هَمْدَانُ وَنَسَبُهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ هَمْدَانَ: أَوْسَلَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَوْسَلَةَ بْنِ الْخِيَارِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: أَوْسَلَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَوْسَلَةَ ابْن الْخِيَارِ. وَيُقَالُ: هَمْدَانُ بْنُ أَوْسَلَةَ بْنِ رَبِيعَةَ [٢] بْنِ مَالِكِ بْنِ الْخِيَارِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ [٣] .
(نَسْرٌ وَعَبَدَتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذُو الْكُلَاعِ [٤] مِنْ حِمْيَرَ، اتَّخَذُوا نَسْرًا بِأَرْضِ حِمْيَرَ [٥] .
(عُمْيَانِسُ وَعَبَدَتُهُ):
وَكَانَ لِخَوْلَانَ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ عُمْيَانِسُ [٦] بِأَرْضِ خَوْلَانَ، يَقْسِمُونَ لَهُ مِنْ أنعامهم وحروثهم قسم بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِزَعَمِهِمْ، فَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ عُمْيَانِسَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي سَمَّوْهُ لَهُ تَرَكُوهُ لَهُ، وَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَقِّ عُمْيَانِسَ رَدُّوهُ عَلَيْهِ. وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ خَوْلَانَ، يُقَالُ لَهُمْ الْأَدِيمُ، وَفِيهِمْ أَنَزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى فِيمَا يَذْكُرُونَ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا، فَقالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ، وَهذا لِشُرَكائِنا، فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ ٦: ١٣٦
---------------------------
[١] يريش ويبري: من رَشَّتْ السهْم وبريته، ثمَّ استعير فِي النَّفْع والضر.
[٢] فِي أ: «ربيعَة بن الْخِيَار بن مَالك ... إِلَخ» .
[٣] والّذي فِي الِاشْتِقَاق لِابْنِ دُرَيْد: أَنه أوسلة بن الْخِيَار بن مَالك بن زيد بن كهلان.
[٤] الّذي فِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ: أَن عَمْرو بن لحي دفع نسرا هَذَا إِلَى رجل من ذِي رعين من حمير يُقَال لَهُ معديكرب.
[٥] كَانَ هَذَا الصَّنَم بِأَرْض يُقَال لَهَا: بلخع، مَوضِع من أَرض سبإ، وَلم تزل تعبده حمير وَمن والاها حَتَّى هودهم ذُو نواس. (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت ج ٤ ص ٧٨٠ طبع أوربا) .
[٦] كَذَا فِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ. وَفِي أَكثر الْأُصُول: «غم أنس» . وَفِي أوعمود النّسَب للشَّيْخ أَحْمد البدوي الشنقيطى: «عَم أنس»، وَقد نبه المرحوم أَحْمد زكى باشا أَنه لم يعثر على اسْم كَهَذا الّذي ورد فِي السِّيرَة فِي كتب اللُّغَة.
إِلَى اللَّهِ، وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ، ساءَ مَا يَحْكُمُونَ ٦: ١٣٦.
(نَسَبُ خَوْلَانَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَيُقَالُ: خَوْلَانُ ابْن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ [١] بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِهْسَعَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مَذْحِجَ.
(سَعْدٌ وَعَبَدَتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ لِبَنِي [٢] مِلْكَانَ [٣] بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ صَنَمٌ، يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ، صَخْرَةٌ بِفَلَاةِ [٤] مِنْ أَرْضِهِمْ طَوِيلَةٌ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مِلْكَانَ بِإِبِلِ لَهُ مُؤَبَّلَةٌ [٥] لِيَقِفَهَا عَلَيْهِ، الْتِمَاسَ بَرَكَتِهِ، فِيمَا يَزْعُمُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْإِبِلُ، وَكَانَتْ مَرْعِيَّةً لَا تُرْكَبُ، وَكَانَ يُهْرَاقُ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، نَفَرَتْ مِنْهُ، فَذَهَبَتْ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَغَضِبَ رَبُّهَا الْمِلْكَانِيُّ، فَأَخَذَ حَجَرًا فَرَمَاهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ:
لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، نَفَّرْتَ عَلَيَّ إبِلِي، ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِهَا حَتَّى جَمَعَهَا، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ لَهُ قَالَ:
أَتَيْنَا إلَى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنَا ... فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ فَلَا نَحْنُ مِنْ سَعْدِ
وَهَلْ سَعْدُ إلَّا صَخْرَةٌ بِتَنُوفَةٍ [٦] ... مِنْ الْأَرْضِ لَا تَدْعُو [٧] لِغَيٍّ وَلَا رُشْدٍ
(صَنَمُ دَوْسٍ):
وَكَانَ فِي دَوْسٍ صَنَمٌ [٨] لِعَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيِّ.
-----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «برة» .
[٢] عبارَة الْأَصْنَام: «وَكَانَ لمَالِك وملكان ابْني كنَانَة» .
[٣] كل ملكان فِي الْعَرَب: فَهُوَ بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام، غير ملكان فِي قضاعة، وملكان فِي السّكُون، فإنّهما بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام.
[٤] وَكَانَت تِلْكَ الفلاة بساحل جدة: (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ ج ٣ ص ٩٢ طبع أوربا، والأصنام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٥] إبل مؤبلة: تتَّخذ للْقنية.
[٦] التنوفة: القفر من الأَرْض الّذي لَا ينْبت شَيْئا.
[٧] كَذَا فِي الْأُصُول والأصنام، وَفِي مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت: «لَا يدعى» .
[٨] وَكَانَ يُقَال لهَذَا الصَّنَم: «ذُو الْكَفَّيْنِ» . وَكَانَ لبني منْهب بن دوس بعد دوس، وَلما أَسْلمُوا بعث النَّبِي ﷺ الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسيّ فحرقه (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
٦- سيرة ابْن هِشَام-
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:46 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (11)
صــ 81إلى صــ 90
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(نَسَبُ دَوْسٍ):
دوس ابْن عُدْثَانَ [١] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسَدِ بْنِ الْغَوْثِ. وَيُقَالُ: دَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ.
(هُبَلُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اتَّخَذَتْ صَنَمًا عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ لَهُ: هُبَلُ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَذْكُرُ حَدِيثه إِن سَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ.
(إسَافٌ وَنَائِلَةٌ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْهُمَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاتَّخذُوا إسَافًا [٣] وَنَائِلَةً، عَلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ [٤] يَنْحَرُونَ عِنْدَهُمَا.
وَكَانَ إسَافٌ وَنَائِلَةٌ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ- هُوَ إسَافُ بْنُ بَغْيٍ [٥]، وَنَائِلَةُ بِنْتُ [٦] دِيكٍ- فَوَقَعَ إسَافٌ عَلَى نَائِلَةٍ فِي الْكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:
------------------------
[١] كَذَا فِي أوالاشتقاق لِابْنِ دُرَيْد. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عدنان» .
[٢] وَكَانَ هُبل أعظم أصنام الْعَرَب الَّتِي فِي جَوف الْكَعْبَة وحولها، وَكَانَ من عقيق أَحْمَر على صُورَة إِنْسَان، مكسور الْيَد الْيُمْنَى، أَدْرَكته قُرَيْش كَذَلِك، فَجعلُوا لَهُ يدا من ذهب، وَكَانَ أول من نَصبه خُزَيْمَة ابْن مدركة بن الْيَأْس بن مُضر، وَكَانَ يُقَال لَهُ: هُبل خُزَيْمَة، وَكَانَت تضرب عِنْده القداح: (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٣] هُوَ بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة أَسف) .
[٤] وَكَانَ أحد هذَيْن الصنمين أَولا بلصق الْكَعْبَة، وَالْآخر فِي مَوضِع زَمْزَم، فنقلت قُرَيْش الّذي كَانَ بلصق الْكَعْبَة إِلَى الآخر، فَكَانَا فِي موضعهما هَذَا. (رَاجع الآلوسي وَابْن الْكَلْبِيّ) .
[٥] وَقيل: هُوَ إساف بن يعلى، كَمَا قيل إِنَّه إساف بن عَمْرو، وَقيل: ابْن بغاة. (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ. ومعجم الْبلدَانِ، وَشرح الْقَامُوس مادتي أَسف ونال، وبلوغ الأرب ج ٢ ص ٢١٧) .
[٦] وَيُقَال: هِيَ نائلة بنت زيد من جرهم، كَمَا قيل: إِنَّهَا نائلة بنت سهل: كَمَا يُقَال إِنَّهَا بنت ذِئْب أَو بنت زفيل. (رَاجع ابْن الْكَلْبِيّ وبلوغ الأرب ومعجم الْبلدَانِ وَشرح الْقَامُوس) .
سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنَّ إسَافًا وَنَائِلَةً كَانَا رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ، أَحْدَثَا [١] فِي الْكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى حَجَرَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ [٢]:
وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ... بِمُفْضَى السُّيُولِ مِنْ إسَافٍ وَنَائِلِ
[٣] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْعَرَبُ مَعَ الْأَصْنَامِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاِتَّخَذَ أَهْلُ كُلِّ دَارٍ فِي دَارِهِمْ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ سَفَرًا تَمَسَّحَ بِهِ حِينَ يَرْكَبُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ مَا يَصْنَعُ حِينَ يَتَوَجَّهُ إلَى سَفَرِهِ، وَإِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ تَمَسَّحَ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالتَّوْحِيدِ، قَالَتْ قُرَيْشٌ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ وَهِيَ بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ، لَهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ، وَتُهْدِي لَهَا كَمَا تُهْدِي لِلْكَعْبَةِ، وَتَطوف بهَا كَطَوَافِهَا بِهَا، وَتَنْحَرُ عِنْدَهَا. وَهَى تَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا بَيْتُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَمَسْجِدُهُ.
(الْعُزَّى وَسَدَنَتُهَا):
فَكَانَتْ لِقُرَيْشِ وَبَنِيَّ كِنَانَةَ الْعُزَّى [٤]
---------------------
[١] يُرِيد الْحَدث الّذي هُوَ الْفُجُور. وَمِنْه قَوْله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث حَدثا أَو آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة الله» .
[٢] وَقَالَ أَبُو طَالب هَذَا الشّعْر يحلف باساف ونائلة حِين تحالفت قُرَيْش على بنى هَاشم فِي أَمر النَّبِي ﷺ (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٣] وَقبل هَذَا الْبَيْت:
أحضرت عِنْد الْبَيْت رهطي ومعشرى ... وَأَمْسَكت من أثوابه بالوصائل
(الوصائل: ثِيَاب يَمَانِية بيض، أَو مخططة بخطوط بيض وحمر) .
[٤] والعزى: أحدث من اللات وَمَنَاة، فقد سمت الْعَرَب بهما قبل الْعُزَّى، فقد سمى تَمِيم بن مرابنه بزيد مَنَاة، كَمَا سمى ثَعْلَبَة بن عكابة ابْنه بتيم اللات، وَكَانَ عبد الْعُزَّى بن كَعْب من أقدم مَا سمت بِهِ الْعَرَب، وَكَانَ الّذي اتخذ الْعُزَّى ظَالِم بن أسعد، وَكَانَت أعظم الْأَصْنَام عِنْد قُرَيْش، وَكَانُوا يزورونها، ويهدون لَهَا، ويتقربون عِنْدهَا بِالذبْحِ. وَقد قيل: إِن رَسُول الله ﷺ ذكرهَا يَوْمًا، فَقَالَ: «لقد
بِنَخْلَةٍ [١]، وَكَانَ سَدَنَتَهَا وَحُجَّابَهَا بَنُو شَيْبَانَ [٢]، مِنْ سُلَيْمٍ، حُلَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُلَفَاءُ (بَنِي) [٣] أَبِي طَالِبٍ خَاصَّةً، وَسُلَيْمٌ: سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ ابْن عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
لَقَدْ أُنْكِحَتْ أَسْمَاءُ رَأْسَ [٤] بُقَيْرَةٍ ... مِنْ الْأُدْمِ أَهْدَاهَا امْرُؤٌ مِنْ بَنِي غَنْمِ [٥]
رَأَى قَدَعَا [٦] فِي عَيْنِهَا إذْ يَسُوقُهَا ... إلَى غَبْغَبِ الْعُزَّى فَوَسَّعَ [٧] فِي الْقَسْمِ
وَكَذَلِكَ كَانُوا يَصْنَعُونَ إذَا نَحَرُوا هَدْيًا قَسَّمُوهُ فِي مَنْ حَضَرَهُمْ. وَالْغَبْغَبُ:
الْمَنْحَرُ وَمِهْرَاقُ الدِّمَاءِ.
------------------
[()] أهديت للعزى شَاة عفراء، وَأَنا على دين قومِي» . وَلَقَد بلغ من حرص قُرَيْش على عبادتها أَنه لما مرض أَبُو أحيحة مَرضه الّذي مَاتَ فِيهِ دخل عَلَيْهِ أَبُو لَهب يعودهُ، فَوَجَدَهُ يبكى، فَقَالَ: مَا يبكيك يَا أَبَا أحيحة! أَمن الْمَوْت تبكى، وَلَا بُد مِنْهُ؟ قَالَ: لَا وَالله، وَلَكِن أَخَاف أَن لَا تعبد الْعُزَّى بعدِي، قَالَ أَبُو لَهب:
وَالله مَا عبدت حياتك لِأَجلِك، وَلَا تتْرك عبادتها بعْدك لموتك، فَقَالَ أَبُو أحيحة: الْآن علمت أَن لي للَّه خَليفَة. وَأَعْجَبهُ من أَبى لَهب شدَّة نَصبه فِي عبادتها: (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت) .
[١] هِيَ نَخْلَة الشامية، وَكَانَت الْعُزَّى بواد مِنْهَا، يُقَال لَهُ الحراض، بِإِزَاءِ الغمير عَن يَمِين المصعد إِلَى الْعرَاق من مَكَّة، وَذَلِكَ فَوق ذَات عرق إِلَى الْبُسْتَان بِتِسْعَة أَمْيَال، وَقد حمت قُرَيْش للعزى شعبًا من وَادي الحراض، يُقَال لَهُ: سقام. يضاهون بِهِ حرم الْكَعْبَة. (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت) .
[٢] وشيبان: ابْن جَابر بن مرّة بن عبس بن رِفَاعَة بن الْحَارِث بن عتبَة بن سليم بن مَنْصُور. وَكَانَ آخر من سدنها من بنى شَيبَان دبية بن حرمي السّلمِيّ، وَله يَقُول أَبُو خرَاش الْهُذلِيّ- وَكَانَ قد قدم عَلَيْهِ فحذاه نَعْلَيْنِ- أبياتا، مِنْهَا:
حذانى بعد مَا خدمت نعالى ... دبية، إِنَّه نعم الْخَلِيل
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ ج ٣ ص ٦٦٥ طبع أوربا، والأصنام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ: «لحي» . واللحى: عظم الحنك، وَهُوَ الّذي عَلَيْهِ الْأَسْنَان.
[٥] هُوَ غنم بن فراس بن كنَانَة.
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول، والقدع: السدر فِي الْعين، وَفِي الْفَائِق للزمخشري: القدع: انسلاق الْعين من كَثْرَة الْبكاء. وَفِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ: «قذعا» بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. والقذع: الْبيَاض.
[٧] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي الْأَصْنَام: «فَوضع» . وَفِي الْفَائِق للزمخشري: «فَنصف» . يُرِيد أَن يشبه هَذَا الممدوح بِرَأْس بقرة قد قاربت أَن يذهب بصرها، فَلَا تصلح إِلَّا للذبح والتقسيم.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِأَبِي خِرَاشٍ: الْهُذَلِيِّ [١]، وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ مُرَّةَ، فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
(مَعْنَى السَّدَنَةِ):
وَالسَّدَنَةُ: الَّذِينَ يَقُومُونَ بِأَمْرِ الْكَعْبَةِ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
فَلَا وَرَبِّ الْآمِنَاتِ الْقُطَّنِ [٢] ... بِمَحْبَسِ الْهَدْى وَبَيْتِ الْمَسْدَنِ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ [٣] فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ.
(اللَّاتُ وَسَدَنَتُهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ اللَّاتُ [٤] لِثَقِيفِ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ سَدَنَتَهَا وَحُجَّابَهَا بَنُو مُعَتِّبٍ [٥] مِنْ ثَقِيفٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ.
(مَنَاةُ وَسَدَنَتُهَا وَهَدْمُهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ مَنَاةُ [٦] لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ، عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشَلَّلِ بِقُدَيْدٍ [٧] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ بَنِي أَسْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ:
وَقَدْ آلَتْ قَبَائِلُ لَا تُوَلَّى ... مَنَاةَ ظُهُورَهَا مُتَحَرَّفِينَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
----------------------
[١] قَالَ أَبُو خرَاش هَذَا الشّعْر يهجو بِهِ رجلا تزوج امْرَأَة جميلَة يُقَال لَهَا أَسمَاء.
[٢] يُرِيد حمام مَكَّة، لِأَنَّهُ آمن فِي حرمه والأرجوزة فِي ديوانه، طبع ليبسج (١٦٠- ١٦٥) .
[٣] هَذَا على أَنه من مشطور الرجز.
[٤] وَهِي أحدث من مَنَاة، وَكَانَت صَخْرَة مربعة.
[٥] فِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ: «وَكَانَ سدنتها من ثَقِيف بَنو عتاب بن مَالك» .
[٦] وَكَانَت مَنَاة أقدمها كلهَا، وَلم يكن أحد أَشد إعظاما لَهَا من الْأَوْس والخزرج.
(رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٧] قديد: مَوضِع قرب مَكَّة. والمشلل: جبل يهْبط مِنْهُ إِلَى قديد من نَاحيَة الْبَحْر. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَهَدَمَهَا. وَيُقَالُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [١] .
(ذُو الْخَلَصَةِ وَسَدَنَتُهُ وَهَدْمُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ [٢] لِدَوْسٍ وَخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ، وَمَنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ بِتَبَالَةَ [٣] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ذُو الْخُلُصَةِ. قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ:
لَوْ كُنْتَ يَا ذَا الْخُلُصِ الْمَوْتُورَا ... مِثْلِي وَكَانَ شَيْخُكَ الْمَقْبُورَا
لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ الْعُدَاةِ زُورَا
قَالَ: وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ، فَأَرَادَ الطَّلَبَ بِثَأْرِهِ، فَأَتَى ذَا الْخَلَصَةِ، فَاسْتَقْسَمَ عِنْدَهُ بِالْأَزْلَامِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُنْحِلُهَا امْرَأَ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ الْكِنْدِيَّ [٤] . فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَرِيرَ ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فَهَدَمَهُ.
--------------------
[١] وعَلى هَذَا الرأى ابْن الْكَلْبِيّ فِي كِتَابه الْأَصْنَام، وَيُقَال إِن عليا لما هدمها أَخذ مَا كَانَ لَهَا، فَأقبل بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ، فَكَانَ فِيمَا أَخذ سيفان كَانَ الْحَارِث بن أَبى شمر الغساني ملك غَسَّان أهداهما لَهَا، أَحدهمَا يُسمى «مخذما»، وَالْآخر «رسوبا»، وهما سَيْفا الْحَارِث اللَّذَان ذكرهمَا عَلْقَمَة فِي شعره:
فَقَالَ:
مظَاهر سربالى حَدِيد عَلَيْهِمَا ... عقيلا سيوف: مخذم ورسوب
فوهبهما النَّبِي ﷺ لعلى. كَمَا يُقَال إِن عليا وجد هذَيْن السيفين فِي الْفلس، صنم للْعَرَب. وَإِلَى هَذَا الرأى الْأَخير ذهب ابْن إِسْحَاق عِنْد الْكَلَام على فلس. (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ وبلوغ الأرب ج ٢ ص ٢١٨) .
[٢] وَكَانَ ذُو الخلصة مروة بَيْضَاء منقوشة عَلَيْهَا كَهَيئَةِ التَّاج، وَكَانَ سدنتها بَنو أُمَامَة، من باهلة ابْن أعصر.
[٣] تبَالَة: قرب مَكَّة على مسيرَة سبع لَيَال مِنْهَا، وَذُو الْخصْلَة الْيَوْم عتبَة بَاب مَسْجِد تبَالَة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ، والأصنام، وخزانة الْأَدَب للبغدادى ج ١ ص ٩٢. والآلوسي ج ٢ ص ٢٢٣) .
[٤] وَمن ينْحل هَذَا الرجز امْرأ الْقَيْس يَقُول إِنَّه هُوَ الّذي استقسم بالأزلام عِنْد ذِي الخلصة لما وترته بَنو أَسد بقتل أَبِيه، وَأَنه استقسم بِثَلَاثَة أزلام وَهِي الزاجر، والآمر، والمربض، فَخرج لَهُ الزاجر، فسب الصَّنَم ورماه بِالْحِجَارَةِ، وَقَالَ لَهُ: اعضض بظر أمك. وَأَنه لم يستقسم أحد عِنْد ذِي الخلصة بعده حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
(فِلْسٌ وَسَدَنَتُهُ وَهَدْمُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ فِلْسُ [١] لِطَيِّئٍ وَمَنْ يَلِيهَا بِجَبَلَيْ طيِّئ، يَعْنِي سَلْمَى وَأَجَأَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَهَدَمَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا سَيْفَيْنِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا:
الرَّسُوبُ، وَلِلْآخِرِ: الْمِخْذَمُ. فَأَتَى بِهِمَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَهَبَهُمَا لَهُ، فَهُمَا سَيْفَا عَلِيٍّ رضي الله عنه.
(رِئَامٌ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ لِحِمْيَرَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ بَيْتٌ بِصَنْعَاءَ يُقَالُ لَهُ: رِئَامٌ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَهُ فِيمَا مَضَى
[٣] .
(رُضَاءٌ وَسَدَنَتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ رُضَاءٌ [٤] بَيْتًا لِبَنِي رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَلَهَا يَقُولُ المُسْتَوْغِرُ [٥] بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ حِينَ هَدَمَهَا فِي الْإِسْلَامِ:
وَلَقَدْ شَدَدْتُ عَلَى رُضَاءٍ شَدَّةً ... فَتَرَكْتُهَا قَفْرًا بِقَاعِ أَسْحَمَا
[٦]
------------------
[١] كَذَا فِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، وَكَانَ أنفًا أَحْمَر فِي وسط جبلهم الّذي يُقَال لَهُ أجأ، كَأَنَّهُ تِمْثَال إِنْسَان، وَكَانُوا يعبدونه ويهدون إِلَيْهِ، وَلَا يَأْتِيهِ خَائِف إِلَّا أَمن عِنْده، وَكَانَت سدنته بَنو بولان.
وبولان هُوَ الّذي بَدَأَ بِعِبَادَتِهِ. وَفِي الأَصْل: قلس (بِالْقَافِ)، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول، وَهُوَ يتَّفق وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَغْدَادِيّ. وَفِي صفة جَزِيرَة الْعَرَب للهمدانى «ريام» بِالْمُثَنَّاةِ.
[٣] رَاجع الْكَلَام عَلَيْهِ (ص ٢٨ من هَذَا الْجُزْء) .
[٤] وَيذكر بعض الروَاة أَنه «رضى» بِالْقصرِ، وَأوردهُ الْبَغْدَادِيّ ممدودا، وَورد ممدودا فِي بَيت المستوغر الْمَذْكُور بعد.
[٥] واسْمه كَعْب، وَقيل عَمْرو، وسمى مستوغرا لقَوْله:
ينش المَاء فِي الربلات مِنْهُ ... نشيش الرضف فِي اللَّبن الوغير
(رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، وَالرَّوْض الْأنف، وَكتاب المعمرين لأبى حَاتِم السجسْتانِي، ومعجم الْبلدَانِ) .
[٦] القاع: المنخفض من الأَرْض. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر فِي الْأَصْنَام:
فتركتها تَلا تنَازع أسحما
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ:
فَتَرَكْتهَا قَفْرًا بِقَاعِ أَسْحَمَا
عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ.
(المُسْتَوْغِرُ وَعُمْرُهُ):
وَيُقَالُ: إنَّ الْمُسْتَوْغِرَ عُمِّرَ ثَلَاثَ ماِئَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ أَطْوَلَ مُضَرَ [١] كُلِّهَا عُمْرًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنْ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَعَمَرْتُ مِنْ عَدَدِ السنين مئينا
مائَة حَدَتْهَا بَعْدَهَا مِائَتَانِ لِي ... وَازْدَدْتُ مِنْ عَدَدِ الشُّهُورِ سِنِينَا
هَلْ مَا بَقِيَ إلَّا كَمَا قَدْ فَاتَنَا ... يَوْمٌ يَمُرُّ وَلَيْلَةٌ تَحْدُونَا
وَبَعْضُ النَّاسِ يَرْوِي هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِزُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ
[٢] .
(ذُو الْكَعَبَاتِ وَسَدَنَتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ذُو الْكَعَبَاتِ لِبَكْرِ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ وَإِيَادٍ بِسَنْدَادٍ [٣] وَلَهُ يَقُولُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ [٤] وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ ... وَالْبَيْتِ ذِي الْكَعَبَاتِ [٥] مِنْ سَنْدَادِ
-------------------------
[١] ذكر بَعضهم أَن المستوغر حضر سوق عكاظ، وَمَعَهُ ابْن ابْنه وَقد هرم وَالْجد يَقُودهُ. فَقَالَ لَهُ رجل: ارْفُقْ بِهَذَا الشَّيْخ فقد طَال مَا رفق بك، فَقَالَ: وَمن ترَاهُ؟ قَالَ: هُوَ أَبوك أَو جدك، فَقَالَ:
مَا هُوَ إِلَّا ابْن ابْني، فَقَالَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ، وَلَا المستوغر بن ربيعَة، فَقَالَ: أَنا المستوغر، وَذكر هَذِه الأبيات، وَقد سَاق عَنهُ السجسْتانِي فِي المعمرين حَدِيثا طَويلا.
[٢] هُوَ من المعمرين أَيْضا: كالمستوغر بن ربيعَة، وَيُقَال إِنَّه عَاشَ ٤٢٠ سنة، وأوقع مِائَتي وقْعَة، وَمن شعره لِبَنِيهِ:
أبنى إِن أهلك فَإِنِّي ... قد بنيت لكم بنيه
وتركتكم أَبنَاء سَادَات ... زنادهم وريه
من كل مَا نَالَ الْفَتى ... قد نلته إِلَّا التَّحِيَّة
(رَاجع كتاب المعمرين) .
[٣] سنداد (بِكَسْر السِّين وَفتحهَا): منَازِل لاياد أَسْفَل سَواد الْكُوفَة، وَرَاء نَجْرَان الْكُوفَة. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] الخورنق: قصر بناه النُّعْمَان الْأَكْبَر ملك الْحيرَة لسابور ليَكُون وَلَده فِيهِ عِنْده، وبناه بنيانا عجيبا لم تَرَ الْعَرَب مثله، بناه لَهُ سنمار، وَله مَعَه حَدِيث مَشْهُور، وَمعنى السدير (بِالْفَارِسِيَّةِ): بَيت الْملك
[٥] الكعبات: يُرِيد التربيع، وكل بِنَاء يبْنى مربعًا، فَهُوَ كعبة.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيِّ. نَهْشَلُ بْنُ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ ابْن حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَأَنْشَدَنِيهِ أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفٌ الْأَحْمَرُ:
أَهْلُ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ ... وَالْبَيْتِ ذِي الشُّرُفَاتِ مِنْ سِنْدَادِ
أَمْرُ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي
(رَأْيُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِيهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا الْبَحِيرَةُ فَهِيَ بِنْتُ السَّائِبَةِ، وَالسَّائِبَةُ: النَّاقَةُ إذَا تَابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إنَاثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، سُيِّبَتْ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهَا، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهَا وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ، فَمَا نُتِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شُقَّتْ أُذُنُهَا، ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهَا مَعَ أُمِّهَا فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهَا، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهَا، وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ كَمَا فُعِلَ بِأُمِّهَا، فَهِيَ الْبَحِيرَةُ بِنْتُ السَّائِبَةِ. وَالْوَصِيلَةُ: الشَّاةُ إذَا أَتْأَمَتْ [١] عَشْرَ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَبْطُنٍ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، جُعِلَتْ وَصِيلَةً.
قَالُوا: قَدْ وَصَلَتْ، فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُونَ إنَاثِهِمْ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَشْتَرِكُوا فِي أَكْلِهِ، ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيَرْوِي: فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِذُكُورِ بَنِيهِمْ دُونَ بَنَاتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَامِي: الْفَحْلُ إذَا نُتِجَ لَهُ عَشْرُ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، حُمِيَ ظَهْرُهُ فَلَمْ يُرْكَبْ، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهُ، وَخُلِّيَ فِي إبِلِهِ يَضْرِبُ فِيهَا، لَا يُنْتَفَعُ مِنْهُ بِغَيْر ذَلِك.
(رأى ابْن هِشَام فِيهَا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا (كُلُّهُ) [٢] عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِ هَذَا إلَّا الْحَامِي، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ. فَالْبَحِيرَةُ عِنْدَهُمْ: النَّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُهَا فَلَا يُرْكَبُ ظَهْرُهَا، وَلَا يُجَزَّ وَبَرُهَا، وَلَا يَشْرَبُ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ. أَوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ،
---------------------------
[١] أتأمت: جَاءَت بِاثْنَيْنِ فِي بطن وَاحِد.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
وَتُهْمَلُ لِآلِهَتِهِمْ. وَالسَّائِبَةُ: الَّتِي يَنْذِرُ الرَّجُلُ أَنْ يسيبها إِن بَرِيء مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ إنْ أَصَابَ أَمْرًا يَطْلُبُهُ. فَإِذَا كَانَ أَسَابَ نَاقَةً مِنْ إبِلِهِ أَوْ جَمَلًا لِبَعْضِ آلِهَتهمْ، فَسَابَتْ فَرَعَتْ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا. وَالْوَصِيلَةُ: الَّتِي تَلِدُ أُمُّهَا اثْنَيْنِ فِي كُلِّ بَطْنٍ، فَيَجْعَلُ صَاحِبُهَا لِآلِهَتِهِ الْإِنَاثَ (مِنْهَا) [١] وَلِنَفْسِهِ الذُّكُورُ مِنْهَا، فَتَلِدُهَا أُمُّهَا وَمَعَهَا ذَكَرٌ فِي بَطْنٍ، فَيَقُولُونَ: وَصَلَتْ أَخَاهَا. فَيُسَيَّبُ أَخُوهَا مَعَهَا فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ وَغَيْرُهُ، رَوَى بَعْضٌ مَا لَمْ يَرْوِ بَعْضٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تبارك وتعالى رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنَزَلَ عَلَيْهِ: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ، وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٥: ١٠٣ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ، سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ٦: ١٣٩. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ١٠: ٥٩. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمن الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ٦: ١٤٣ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٦: ١٤٤.
(الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامِي لُغَةً):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ الشَّاعِرُ:
-----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] وَالْكَلَام فِي الْبحيرَة وَأَخَوَاتهَا كثير مُخْتَلف فِيهِ، وَقد ذكر الآلوسي معظمه. (رَاجع بُلُوغ الأرب ج ٣ ص ٣٤- ٣٩) .
حَوْلُ الْوَصَائِلِ [١] فِي شُرَيْفٍ [٢] حِقَّةٌ ... وَالْحَامِيَاتُ ظُهُورَهَا وَالسُّيَّبُ
وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أُبَيِّ (بْنِ) [٣] مُقْبِلٍ أَحَدِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ:
فِيهِ مِنْ الْأَخْرَجِ [٤] الْمِرْبَاعِ [٥] قَرْقَرَةٌ [٦] ... هَدْرَ الدِّيَافِي [٧] وَسْطَ الْهَجْمَةِ الْبُحُرِ
[٨] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُ بَحِيرَةٍ: بَحَائِرُ وَبُحُرٌ. وَجَمْعُ وَصِيلَةٍ: وَصَائِلُ وَوُصَلٌ. وَجَمْعُ سَائِبَةٍ (الْأَكْثَرُ): سَوَائِبُ وَسُيَّبُ. وَجَمْعُ حَامٍ (الْأَكْثَرُ): حُوَّمٌ.
عُدْنَا إلَى سِيَاقَةِ النَّسَبِ
(نَسَبُ خُزَاعَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخُزَاعَةُ تَقُولُ: نَحْنُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، مِنْ الْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتَقُولُ خُزَاعَةُ: نَحْنُ بَنُو عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو ابْن عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَخِنْدِفُ أُمُّهَا [٩]، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيُقَالُ خُزَاعَةُ:
بَنُو حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ خُزَاعَةَ لِأَنَّهُمْ تَخَزَّعُوا [١٠] مِنْ وَلَدِ عَمْرِو
---------------------------[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الفصائل» .
[٢] الشريف (مُصَغرًا): مَاء لبني نمير، وَيُقَال إِنَّه سرة بِنَجْد، وَهُوَ أَمر نجد موضعا.
قَالَ أَبُو زِيَاد: وَأَرْض بنى نمير: الشريف، دارها كلهَا بالشريف إِلَّا بَطنا وَاحِدًا بِالْيَمَامَةِ. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] زِيَادَة عَن أومعجم الْبلدَانِ، والإصابة.
[٤] الأخرج: الظليم الّذي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد، يُرِيد حمَار الْوَحْش.
[٥] كَذَا فِي الْأُصُول. والمرباع: الْفَحْل الّذي يبكر بالإلقاح، وَيُقَال للناقة أَيْضا: مرباع إِذا بكرت بالنتاج، وَقيل: المرباع: الّذي رعى فِي الرّبيع، ويروى: «المرياع» بِالْيَاءِ المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من أَسْفَل، على أَنه مفعال من رَاع يريع: أَي رَجَعَ.
[٦] القرقرة: هدير الْفَحْل.
[٧] دياف: (بِكَسْر أَوله) بلد بِالشَّام. وَقيل من قرى الجزيرة.
[٨] الهجمة: الْقطعَة من الْإِبِل. وَالْبَحْر: جمع بحيرة، وَهِي المشقوقة الآذان، وَجعلهَا بحرا لِأَنَّهَا تأمن من الغارات، يصفها بالمنعة والحماية كَمَا تأمن الْبحيرَة من أَن تذبح أَو تنحر.
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أمنا» .
[١٠] تخزع: تَأَخّر وَانْقطع.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:49 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (12)
صــ 91إلى صــ 100
ابْن عَامِرٍ، حِينَ أَقْبَلُوا مِنْ الْيَمَنِ يُرِيدُونَ الشَّامَ، فَنَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَأَقَامُوا بِهَا.
قَالَ عَوْنُ [١] بْنُ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ فِي الْإِسْلَامِ:
فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ مُرٍّ تَخَزَّعَتْ ... خُزَاعَةُ مِنَّا فِي خُيُولٍ [٢] كَرَاكِرِ [٣]
حَمَتْ كُلَّ وَادٍ مِنْ تِهَامَةَ وَاحْتَمَّتْ ... بِصُمِّ الْقَنَا وَالْمُرْهِفَاتِ الْبَوَاتِرِ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْمُطَهَّرِ إسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ ابْن الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ مَكَّةَ أَحْمَدَتْ ... خُزَاعَةُ دَارَ الْآكِلِ الْمُتَحَامِلِ
فَحَلَّتْ أَكَارِيسَا [٤] وَشَتَّتْ [٥] قَنَابِلًا [٦] ... عَلَى كُلِّ حَيٍّ بَيْنَ نَجْدٍ وَسَاحِلِ
نَفَوْا جُرْهُمًا عَنْ بَطْنِ مَكَّةَ وَاحْتَبَوْا ... بِعِزِّ خُزَاعِيٍّ شَدِيدِ الْكَوَاهِلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَأَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَذْكُرُ نَفْيَهَا جُرْهُمًا فِي مَوْضِعِهِ.
(أَوْلَادُ مُدْرِكَةَ وَخُزَيْمَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُدْرِكَةُ بْنُ إلْيَاسَ رَجُلَيْنِ: خُزَيْمَةَ بْنَ مُدْرِكَةَ، وَهُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكَةَ، وَأُمُّهُمَا امْرَأَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ. فَوَلَدَ خُزَيْمَةُ بْنُ مُدْرِكَةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: كِنَانَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَأَسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَأَسَدَةَ بْنَ [٧] خُزَيْمَةَ،
------------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ومعجم الْبلدَانِ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَوْف» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ. وَالرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة: «حُلُول» . والحلول:
الْبيُوت الْكَثِيرَة.
[٣] كراكر: جماعات، وَقيل هُوَ خَاص بجماعات الْخَيل.
[٤] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة. والأكاريس: الْجَمَاعَات من النَّاس. وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي سَائِر الْأُصُول محرفة.
[٥] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. وشتت: فرقت. وَفِي أ: «سنت»، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «شنت»، وَالظَّاهِر أَن كليهمَا مصحف عَمَّا أَثْبَتْنَاهُ.
[٦] القنابل: جمع قنبلة، وَهِي الْقطعَة من الْخَيل.
[٧] لم يذكر ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف «أسدة» ولدا لخزيمة، وَاقْتصر على إخْوَته الثَّلَاثَة.
وَالْهُونَ بْنَ خُزَيْمَةَ، فَأُمُّ كِنَانَةَ عُوَانَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الْهَوْنُ بْنُ خُزَيْمَةَ.
(أَوْلَادُ كِنَانَةَ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ كِنَانَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: النَّضَرَ بْنَ كِنَانَةَ، وَمَالِكَ بْنَ كِنَانَةَ، وَعَبْدَ مَنَاةَ بْنَ كِنَانَةَ، وَمِلْكَانَ بْنَ كِنَانَةَ [١] . فَأُمُّ النَّضْرِ بَرَّةُ بِنْتُ مُرِّ بْنِ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَسَائِرُ بَنِيهِ لِامْرَأَةِ أُخْرَى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ النَّضر وَمَالك زملكان: بَرَّةُ بِنْتُ مُرٍّ، وَأُمُّ عَبْدِ مَنَاةَ:
هَالَةُ بِنْتُ سُوَيْدِ بْنِ الْغِطْرِيفِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ. وَشَنُوءَةُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا شَنُوءَةَ، لِشَنَآنِ كَانَ بَيْنَهُمْ. والشَّنَآنُ: الْبُغْضُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّضْرُ: قُرَيْشٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ أَحَدُ بَنِي كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ تَمِيمِ بْنِ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ:
فَمَا الْأُمُّ الَّتِي وَلَدَتْ قُرَيْشًا ... بِمُقْرِفَةِ النَّجَّارِ وَلَا عَقِيمِ [٢]
وَمَا قَرْمٌ [٣] بِأَنْجَبَ مِنْ أَبِيكُمْ ... وَمَا خَالٌ بِأَكْرَمَ مِنْ تَمِيمِ
يَعْنِي بَرَّةَ بِنْتَ مُرٍّ أُخْتَ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ، أُمُّ النَّضْرِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَيُقَالُ: فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ: قُرَيْشٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا مِنْ التَّقَرُّشِ، وَالتَّقَرُّشُ:
التِّجَارَةُ وَالِاكْتِسَابُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
قَدْ كَانَ يُغْنِيهِمْ عَنْ الشُّغُوشِ ... وَالْخَشْلِ مِنْ تَسَاقُطِ الْقُرُوشِ
شَحْمٌ وَمَحْضٌ لَيْسَ بِالْمَغْشُوشِ
[٤]
-----------------------------
[١] وَزَاد الطَّبَرِيّ فِي ولد كنَانَة: عَامِرًا، والْحَارث، وَالنضير، وَغنما، وسعدا، وعوفا، وجرولا، وَالرِّجَال، وغزوان.
[٢] المقرفة: اللئيمة. والنجار: الأَصْل. والعقيم: الَّتِي لَا تحمل.
[٣] القرم: الْفَحْل من الْإِبِل، واستعاره هُنَا للرجل السَّيِّد.
[٤] من أرجوزة لَهُ يمدح الْحَارِث بن سليم الهُجَيْمِي (ديوَان طبع ليبسج ٧٧- ٧٩) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالشُّغُوشُ: قَمْحٌ، يُسَمَّى الشُّغُوشَ. وَالْخَشْلُ: رُءُوسُ الْخَلَاخِيلِ وَالْأَسْوِرَةِ [١] وَنَحْوِهِ. وَالْقُرُوشُ: التِّجَارَةُ وَالِاكْتِسَابُ. يَقُولُ: قَدْ كَانَ يُغْنِيهِمْ عَنْ هَذَا شَحْمٌ وَمَحْضٌ. وَالْمَحْضُ: اللَّبَنُ الْحَلِيبُ الْخَالِصُ.
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو جِلْدَةَ [٢] الْيَشْكُرِيُّ، وَيَشْكُرُ بْنُ بَكْرِ ابْن وَائِلٍ:
إخْوَةٌ قَرَشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنَا ... فِي حَدِيثٍ مِنْ عُمْرِنَا وَقَدِيمِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُقَالُ: إنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا لِتَجَمُّعِهَا مِنْ بَعْدِ تَفَرُّقِهَا، وَيُقَالُ لِلتَّجَمُّعِ: التَّقَرُّشُ.
(أَوْلَادُ النَّضْرِ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
فَوَلَدَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ رَجُلَيْنِ: مَالِكَ بْنَ النَّضْرِ، وَيَخْلُدَ بْنَ النَّضْرِ، فَأُمُّ مَالِكٍ: عَاتِكَةُ بِنْتُ عَدْوَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَلَا أَدْرِي أَهِيَ أُمُّ يَخْلُدَ أَمْ لَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالصَّلْتُ بْنُ النَّضْرِ- فِيمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ- وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا بِنْتُ سَعْدِ بْنِ ظَرِبٍ الْعَدْوَانِيِّ. وَعَدْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ. قَالَ كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ أَحَدُ بَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ:
أَلَيْسَ أَبِي بِالصَّلْتِ أَمْ لَيْسَ إخْوَتِي ... لِكُلِّ هِجَانٍ مِنْ بَنِي النَّضْرِ أَزْهَرَا [٣]
رَأَيْتُ ثِيَابَ الْعَصْبِ مُخْتَلِطَ السَّدَى [٤] ... بِنَّا وَبِهِمْ وَالْحَضْرَمِيَّ الْمُخَصَّرَا [٥]
----------------------------
[١] وَيُقَال: الخشل (هُنَا): الْمقل (هُوَ ثَمَر الدوم) . والقروش: مَا تساقط من حتاته، وتقشر مِنْهُ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «أَبُو خلدَة» بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَلَام سَاكِنة، كَمَا يرْوى:
(حلزة) أَيْضا.
[٣] الهجان: الْكَرِيم، مَأْخُوذ من الهجنة، وَهِي الْبيَاض. والأزهر: الْمَشْهُور.
[٤] ثِيَاب العصب: ثِيَاب يمنية، لِأَنَّهَا تصبغ بالعصب. وَلَا ينْبت العصب وَلَا الورس إِلَّا بِالْيمن.
يُرِيد أَن قدورنا من قدورهم، فسدى أثوابنا مختلط بسدى أثوابهم.
[٥] الحضرميّ: النِّعَال. والمخصرة: الَّتِي تضيق من جانبيها، كَأَنَّهَا نَاقِصَة الخصرين.
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا مِنْ بَنِي النَّضْرِ فَاتْرُكُوا ... أَرَاكًا بِأَذْنَابِ الْفَوَائِجِ [١] أَخْضَرَا
وَهَذِهِ [٢] الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَاَلَّذِينَ يُعْزَوْنَ إلَى الصَّلْتِ بْنِ النَّضْرِ مِنْ خُزَاعَةَ، بَنُو مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، رَهْطُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ.
(وَلَدُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَأُمُّهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ، وَأُمُّهُ جَنْدَلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَيْسَ بِابْنِ مُضَاضٍ الْأَكْبَرِ.
(أَوْلَادُ فِهْرٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: غَالِبَ بْنَ فِهْرٍ، وَمُحَارِبَ ابْن فِهْرٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ فِهْرٍ، وَأَسَدَ بْنَ فِهْرٍ، وَأُمُّهُمْ لَيْلَى بِنْتُ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ ابْن مُدْرِكَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَجَنْدَلَةُ بِنْتُ فِهْرٍ، وَهِيَ أُمُّ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ يَدِ [٣] مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَأُمُّهَا لَيْلَى بِنْتُ سَعْدٍ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ بْنِ الْخَطَفِيِّ- وَاسْمُ الْخَطَفِيِّ حُذَيْفَةُ بْنُ بَدْرِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ
وَإِذَا غَضِبْتُ رَمَى وَرَائِي بِالْحَصَى ... أَبْنَاءُ جَنْدَلَةٍ كَخَيْرِ الْجَنْدَلِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(أَوْلَادُ غَالِبٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ غَالِبُ بْنُ فِهْرٍ رَجُلَيْنِ: لُؤَيَّ بْنَ غَالِبٍ، وَتَيْمَ بْنَ غَالِبٍ، وَأُمُّهُمَا سَلْمَى [٤] بِنْتُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ. وَتَيْمُ بْنُ غَالِبٍ: الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْأَدْرَمِ [٥] .
--------------------------
[١] الفوائج: رُءُوس الأودية، وَقيل هِيَ عُيُون بِعَينهَا.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ: وَهَذِه ... إِلَخ» .
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زيد بن مَنَاة» .
[٤] وَيُقَال إِن أم لؤيّ عَاتِكَة بنت يخلد بن النَّضر بن كنَانَة، وَهِي أول العواتك اللَّاتِي ولدن رَسُول الله ﷺ من قُرَيْش. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] الأدرم: المدفون الْكَعْبَيْنِ من اللَّحْم. وَهُوَ أَيْضا المتقوس الذقن، وَيُقَال إِن تيم بن غَالب كَانَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَيْسُ بْنُ غَالِبٍ، وَأُمُّهُ سَلْمَى بِنْتُ كَعْبِ [١] بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ، وَهِيَ أُمُّ لُؤَيٍّ وَتَيْمٍ ابْنَيْ غَالِبٍ.
(أَوْلَادُ لُؤَيٍّ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ ابْن لُؤَيٍّ، وَسَامَةَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَوْفَ [٢] بْنَ لُؤَيٍّ، فَأُمُّ كَعْبٍ وَعَامِرٍ وَسَامَةَ:
مَاوِيَّةُ [٣] بِنْتُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ، مِنْ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَالْحَارِثُ بْنُ [٤] لُؤَيٍّ، وَهُمْ جُشَمُ بْنُ الْحَارِثِ، فِي هِزَّانَ مِنْ رَبِيعَةَ. قَالَ جَرِيرٌ:
بَنِي جُشَمٍ لَسْتُمْ لِهِزَّانَ فَانْتَمُوا ... لِأَعْلَى الرَّوَابِي [٥] مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ [٦]
وَلَا تُنْكِحُوا فِي آلِ ضَوْرٍ نِسَاءَكُمْ ... وَلَا فِي شُكَيْسٍ بِئْسَ مَثْوَى الْغَرَائِبِ
[٧] وَسَعْدُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَهُمْ بُنَانَةُ: فِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ ابْن بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ رَبِيعَةَ.
------------------------
[()] كَذَلِك. وَبَنُو الأدرم هَؤُلَاءِ هم أَعْرَاب مَكَّة، وهم من قُرَيْش الظَّوَاهِر لَا من قُرَيْش البطاح، وَكَذَلِكَ بَنو محَارب ابْن فهر، وَبَنُو معيص بن فهر.
[١] كَذَا فِي الْأُصُول. وَقد انْفَرد ابْن هِشَام بِزِيَادَة: «كَعْب» فِي نسب سلمى، والّذي ذكره ابْن إِسْحَاق أَو لَا مُجَردا من «كَعْب» يتَّفق مَعَ مَا أوردهُ الطَّبَرِيّ عِنْد الْكَلَام على أم لؤيّ وَإِخْوَته.
[٢] وَأم عَوْف بن لؤيّ: الْبَارِدَة بنت عَوْف بن غنم بن عبد الله بن غطفان، وَيُقَال إِن الْبَارِدَة لما مَاتَ لؤيّ خرجت بابنها عَوْف إِلَى قَومهَا، فَتَزَوجهَا سعد بن ذبيان بن بغيض، فتبني عوفا.
[٣] كَأَنَّهَا نسبت إِلَى المَاء لصفائها بعد قلب همزَة المَاء واوا، وَكَانَ الْقيَاس قَلبهَا هَاء. وَكَانَت ماوية هَذِه تحب سامة أَكثر من إخْوَته.
[٤] اتّفق ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه المعارف مَعَ السِّيرَة فِي ذكر الْحَارِث ولدا للؤى، وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِك الطَّبَرِيّ وَابْن دُرَيْد فَلم يذكرَا ولدا الِاسْم، بِهَذَا الِاسْم، وَقد ذكر أَبُو الْفرج فِي الْجُزْء التَّاسِع من الأغاني (ص ١٠٤- ١٠٥) الْحَارِث ولدا لسامة بن لؤيّ، وَذكر أَن من النسابين من يَدْفَعهُ عَن قُرَيْش، ويدعى أَنه ابْن لناجية امْرَأَة سامة، وَلَيْسَ ابْنا لسامة.
[٥] الروابي: جمع رابية، وَهِي الكدية المرتفعة، وَيُرِيد بهَا هُنَا الْأَشْرَاف من النَّاس والقبائل.
[٦] وَيُقَال: إِنَّهُم أعْطوا جَرِيرًا على هَذَا الشّعْر ألف بعير، وَكَانُوا ينتسبون إِلَى ربيعَة فَمَا انتسبوا بعد إِلَّا لقريش.
[٧] ضور وشكيس: بطْنَان من عنزة. ٠
وَبُنَانَةُ: حَاضِنَةٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ بْنِ جَسْرِ بْنِ شَيْعِ اللَّهِ، وَيُقَالُ سَيْعُ اللَّهِ، ابْن الْأَسْدِ بْنِ وَبْرَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ [١] بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. وَيُقَالُ:
بِنْتُ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، مِنْ رَبِيعَةَ. وَيُقَالُ: بِنْتُ جَرْمِ بْنِ رَبَّانَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ.
وَخُزَيْمَةُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، وَهُمْ عَائِذَةُ فِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَعَائِذَةُ:
امْرَأَةٌ مِنْ الْيَمَنِ، وَهِيَ أُمُّ بَنِي [٢] عُبَيْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ لُؤَيٍّ.
وَأُمُّ بَنِي لُؤَيٍّ كُلَّهُمْ إلَّا عَامِرَ [٣] بْنَ لُؤَيٍّ: مَاوِيَّةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ، وَأُمُّ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مَخْشِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَيُقَالُ:
لَيْلَى بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ.
أَمْرُ سَامَةَ
(رِحْلَتُهُ إِلَى عَمَّانَ وَمَوْتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا سَامَةُ بْنُ لُؤَيٍّ فَخَرَجَ إلَى عُمَانَ، وَكَانَ بِهَا. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ أَخْرَجَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَفَقَأَ سَامَةُ عَيْنَ عَامِرٍ، فَأَخَافَهُ عَامِرٌ، فَخَرَجَ إلَى عُمَانَ. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ سَامَةَ بْنَ لُؤَيٍّ بَيْنَا هُوَ يَسِيرُ عَلَى نَاقَتِهِ، إذْ وَضَعَتْ رَأْسَهَا تَرْتَعُ، فَأَخَذَتْ حَيَّةٌ بِمِشْفَرِهَا فَهَصَرَتْهَا حَتَّى وَقَعَتْ النَّاقَةُ لِشِقِّهَا ثُمَّ نَهَشَتْ سَامَةَ فَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ سَامَةُ حِينَ أَحَسَّ بِالْمَوْتِ فِيمَا [٤] يَزْعُمُونَ:
------------------------
[١] فِي الطَّبَرِيّ: «... بن تغلب» .
[٢] هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن هِشَام. وَأما ابْن جرير الطَّبَرِيّ، فقد جعل عائذة أما لخزيمة، وَهِي عِنْده عَائِدَة بنت الْخمس بن قُحَافَة، من خثعم.
[٣] يذهب ابْن جرير الطَّبَرِيّ إِلَى غير مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن هِشَام، وَهُوَ يتَّفق مَعَ ابْن إِسْحَاق فِي أَن كَعْبًا، وعامرا، وسامة إخْوَة أشقاء، وأمهم ماوية. وَقد قدمنَا عَن ابْن جرير قَوْله فِي أم عَوْف، وَأَنَّهَا الْبَارِدَة، وَأَن عوفا أَخُو هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة لأبيهم، وَكَذَلِكَ خُزَيْمَة، وَأمه العائذة، وَسعد، وَأمه بنانة، وَقد ذكر ابْن هِشَام أَن بنانة حاضنتهم.
[٤] روى أَبُو الْفرج فِي الأغاني (ج ٩ ص ١٠٤) قصَّة سامة هَذِه إِلَّا أَنه لم يتَّفق مَعَ ابْن إِسْحَاق فِي أَن خُرُوج سامة كَانَ بِسَبَب أَخِيه عَامر: بل جعل ذَلِك لخلاف كَانَ بَين سامة، وأخيه كَعْب، وَأَن هَذَا الشّعْر هُوَ لكعب يرثى بِهِ أَخَاهُ سامة.
٧- سيرة ابْن هِشَام- ١
عَيْنِ فَابْكِي لِسَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ ... عَلَّقَتْ سَاقَ [١] سَامَةَ الْعَلَّاقَهْ [٢]
لَا أَرَى مِثْلَ سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ ... يَوْمَ حَلُّوا بِهِ قَتِيلًا لِنَاقَهْ
بَلِّغَا عَامِرًا وَكَعْبًا رَسُولًا ... أَنَّ نَفْسِي إلَيْهِمَا مُشْتَاقَهْ
إنْ تَكُنْ فِي عُمَانَ دَارِي فَإِنِّي ... غَالِبِيٌّ، خَرَجْتُ مِنْ غَيْرِ نَاقَهْ
رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يَا بْنَ لُؤَيٍّ ... حَذَرَ الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ مُهْرَاقَهْ
رُمْتَ دَفْعَ الْحُتُوفِ يَا بْنَ لُؤَيٍّ ... مَا لِمَنْ رَامَ ذَاكَ بِالْحَتْفِ طَاقَهْ
وَخَرُوسَ السَّرَى [٣] تَرَكْتَ رَدِيَّا [٤] ... بَعْدَ جَدٍّ وَجَدَّةٍ وَرَشَاقَهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ وَلَدِهِ أُتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَانْتَسَبَ إلَى سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: آلشَّاعِرُ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:
رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يَا بْنَ لُؤَيٍّ ... حَذَرَ الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ مُهْرَاقَهْ
قَالَ: أَجَلْ.
أَمْرُ عَوْفِ بْنِ لُؤَيٍّ وَنَقَلَتِهِ
(سَبَبُ انْتِمَائِهِ إلَى بَنِي ذُبْيَانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا عَوْفُ بْنُ لُؤَيٍّ فَإِنَّهُ خَرَجَ- فِيمَا يُزْعِمُونَ- فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، أُبْطِئَ بِهِ، فَانْطَلَقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَتَاهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ أَخُوهُ فِي نَسَبِ بَنِي ذُبْيَانَ [٥]- ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ.
------------------------
[١] كَذَا فِي الأغاني. وَفِي الْأُصُول:
علقت مَا بسامة ...
إِلَخ.
[٢] العلاقة (هُنَا): الْحَيَّة الَّتِي تعلّقت بالناقة.
[٣] خروس السّري: يُرِيد نَاقَة صموتا صبورا على السّري لَا تضجر مِنْهُ، فسراها كالأخرس.
[٤] الردى: الَّتِي سَقَطت من الإعياء وَمثله الرذيلة: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... ذبيان بن ثَعْلَبَة» بِزِيَادَة «بن»، وَظَاهر أَنَّهَا مقحمة.
وَعَوْفُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ- فَحَبَسَهُ وَزَوْجَهُ وَالْتَاطَهُ [١] وَآخَاهُ. فَشَاعَ نَسَبُهُ فِي بَنِي ذُبْيَانَ. وَثَعْلَبَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- الَّذِي يَقُولُ لِعَوْفٍ حِينَ أُبْطِئَ بِهِ فَتَرَكَهُ قَوْمُهُ:
احْبِسْ [٢] عَلَيَّ ابْنِ لُؤَيٍّ جَمَلَكْ ... تَرَكَكَ الْقَوْمُ وَلَا مَنْزِلَ [٣] لَكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ [٤] بْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ.
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُدَّعِيًا حَيًّا مِنْ الْعَرَبِ، أَوْ مُلْحِقَهُمْ بِنَا لَادَّعَيْتُ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، إنَّا لَنَعْرِفُ فِيهِمْ الْأَشْبَاهَ مَعَ مَا نَعْرِفُ مِنْ مَوْقِعِ ذَلِكَ الرَّجُلِ حَيْثُ وَقَعَ، يَعْنِي عَوْفَ بْنَ لُؤَيٍّ.
(نَسَبُ مُرَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهُوَ فِي نَسَبِ غَطَفَانَ: مُرَّةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ. وَهُمْ يَقُولُونَ إذَا ذُكِرَ لَهُمْ هَذَا النَّسَبُ: مَا نُنْكِرُهُ وَمَا نَجْحَدُهُ، وَإِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّسَبِ إلَيْنَا.
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَحَدُ بَنِي مُرَّةَ ابْن عَوْفِ- حِينَ هَرَبَ مِنْ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ:
فَمَا قَوْمِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ ... وَلَا بِفَزَارَةِ الشُّعُرِ [٥] الرِّقَابَا
وَقَوْمِي، إنْ سَأَلْتَ، بَنُو [٦] لُؤَيٍّ ... بِمَكَّةَ عَلَّمُوا مُضَرَ الضِّرَابَا
سَفِهْنَا بِاتِّبَاعِ بَنِي بَغِيضِ ... وَتَرْكِ الْأَقْرَبِينَ لَنَا انْتِسَابَا
------------------------
[١] التاطه: ألصقه بِهِ، وضمه إِلَيْهِ، وألحقه بنسبه. وَمِنْه: كَانَ يليط أَوْلَاد الْجَاهِلِيَّة بآبائهم:
أَي يلصقهم.
[٢] فِي الطَّبَرِيّ: «عرج» .
[٣] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَفِي الْأُصُول: «مترك» .
[٤] هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير بن الْعَوام بن خويلد الْأَسدي الْمدنِي، حدث عَن عَمه عُرْوَة وَابْن عَمه عباد بن عبيد الله، وَغَيرهمَا. وَحدث عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، وَعبيد الله بن أَبى جَعْفَر، وَغَيرهمَا.
وَكَانَ فَقِيها عَالما، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ.
[٥] الشّعْر: جمع أشعر، وَهُوَ الْكثير الشّعْر الطَّوِيلَة.
[٦] كَذَا فِي الأغاني (ج ١٠ ص ٢٨) . وَفِي الْأُصُول: «بنى» وَهُوَ تَحْرِيف.
سَفَاهَةَ مُخْلِفٍ [١] لِمَا تُرَوَّى ... هَرَاقَ الْمَاءَ وَاتَّبَعَ السَّرَابَا
فَلَوْ طُووِعْتَ، عَمْرَكَ، كُنْتَ فِيهِمْ ... وَمَا أُلْفِيتُ أَنْتَجِعُ السَّحَابَا [٢]
وَخَشَّ [٣] رَوَاحَةُ الْقُرَشِيِّ رِحَلِي ... بِنَاجِيَةٍ وَلَمْ يَطْلُبْ ثَوَابَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ الْمُرِّيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَهْمِ بن مرّة، يردّ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ، وَيَنْتَمِي إلَى غَطَفَانَ:
أَلَا لَسْتُمْ مِنَّا وَلَسْنَا إلَيْكُمْ ... بَرِئْنَا إلَيْكُمْ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
أَقَمْنَا عَلَى عِزِّ الْحِجَازِ وَأَنْتُمْ ... بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ [٤] بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
[٥] يَعْنِي قُرَيْشًا. ثُمَّ نَدِمَ الْحُصَيْنُ عَلَى مَا قَالَ، وَعَرَفَ مَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ، فَانْتَمَى إلَى قُرَيْشٍ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَقَالَ:
نَدِمْتُ عَلَى قَوْلٍ مَضَى كُنْتُ قُلْتُهُ ... تَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّهُ قَوْلُ كَاذِبٍ
فَلَيْتَ لِسَانِي كَانَ نِصْفَيْنِ مِنْهُمَا ... بَكِيمٌ [٦] وَنِصْفٌ عِنْدَ مَجْرَى الْكَوَاكِبِ
أَبُونَا كِنَانِيٌّ بِمَكَّةَ قَبْرُهُ ... بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
لَنَا الرُّبُعُ مِنْ بَيْتِ الْحَرَامِ وِرَاثَةً ... وَرُبُعُ الْبِطَاحِ عِنْدَ دَارِ ابْنِ حَاطِبِ
أَيْ أَنَّ بَنِي لُؤَيٍّ كَانُوا أَرْبَعَةً: كَعْبًا، وَعَامِرًا، وَسَامَةَ، وَعَوْفًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٧]: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ:
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ لِرِجَالِ مِنْ بَنِي مُرَّةَ: إنْ شِئْتُمْ أَنْ تَرْجِعُوا إلَى نَسَبِكُمْ فَارْجِعُوا إلَيْهِ.
-------------------------
[١] المخلف (هُنَا): المستقى للْمَاء، يُقَال: ذهب يخلف لِقَوْمِهِ: أَي يستقى لَهُم.
[٢] أنتجع السحابا: أَي أطلب مَوضِع الْغَيْث والمطر كَمَا تفعل الْقَبَائِل الَّذين يرحلون من مَوضِع إِلَى مَوضِع. يُرِيد أَنه لَو انتسب إِلَى قُرَيْش لَكَانَ مَعَهم بِمَكَّة مُقيما وَلم يكن بدويا يطْلب الْمَطَر من مَوضِع إِلَى مَوضِع.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وخش: أصلح. والناجية: النَّاقة السريعة. وَفِي أ: «وحس ... إِلَخ» وحس (بِالْحَاء الْمُهْملَة): قوى وَأعَاد. وَفِي الأغاني: «
... وهش رَوَاحَة الجمحيّ
» .
[٤] المعتلج: الْموضع السهل الّذي يعتلج فِيهِ الْقَوْم، أَي يتصارعون. والبطحاء (هُنَا): بطحاء مَكَّة.
[٥] الأخاشب يُرِيد الأخشبين: جبلان بِمَكَّة، فجمعهما مَعَ مَا حولهما.
[٦] بكيم: أبكم.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام» .
(سَادَاتُ مُرَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْقَوْمُ أَشْرَافًا فِي غَطَفَانَ، وهم سَادَتُهُمْ وَقَادَتْهُمْ. مِنْهُمْ:
هَرِمُ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ [بْنِ مُرَّةَ بْنِ نُشْبَةَ] [١]، وَخَارِجَةُ بْنُ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ، وَهَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَةَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ:
أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمَ [٢] بْنُ حَرْمَلَهُ [٣] ... يَوْمَ الْهَبَاآتِ [٤] وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ [٥]
تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهُ [٦] ... يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ
[٧]
(هَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَةَ، وَعَامِرٌ الْخَصَفِيُّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِعَامِرِ الْخَصَفِيِّ، خَصَفَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ:
أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَهُ ... يَوْمَ الْهَبَاآتِ وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ
تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهُ ... يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ
وَرمحه للوالدات مثكله
وَحَدَّثَنِي [٨] أَنَّ هَاشِمًا قَالَ لِعَامِرِ: قُلْ فِيَّ بَيْتًا جَيِّدًا أُثِبْكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَامِرٌ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ، فَلَمْ يُعْجِبْ هَاشِمًا: ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فَلَمَّا قَالَ الرَّابِعَ:
-------------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ. وَالظَّاهِر أَنَّهَا: «بن نشبة بن مرّة» كَمَا فِي اللِّسَان (مَادَّة نشب) .
[٢] هَاشم بن حَرْمَلَة: هُوَ جد مَنْظُور بن زبان بن يسَار الّذي كَانَت بنته زجلة عِنْد ابْن الزبير، فَهُوَ جد مَنْظُور لأمه، وَاسْمهَا قهطم بنت هَاشم، وَكَانَت قهطم قد حملت بمنظور أَربع سِنِين- فِيمَا يَزْعمُونَ- فَسمى منظورا لطول انتظارهم إِيَّاه: (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٣] يُرِيد أَنه أَخذ بثأره، فَكَأَنَّهُ أَحْيَاهُ.
[٤] يَوْم الهباآت: يَوْم مَشْهُور من أَيَّام الْعَرَب. وهباءة: مَوضِع، فَجَمعه مَعَ مَا يَلِيهِ. (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ١ ص ١٠٢) .
[٥] يَوْم اليعملة: من أَيَّام الْعَرَب. واليعملة: اسْم مَوضِع.
[٦] مغربلة: مقتولة، يُقَال: غربل، إِذا قتل أَشْرَاف النَّاس وخيارهم. وَيُقَال: إِنَّمَا أَرَادَ بالغربلة استقصاءهم وتتبعهم، كَأَنَّهُ من غربلت الطَّعَام، إِذا تتبعته بالاستخراج حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ إِلَّا الحثالة.
[٧] يصفه بِالْعِزَّةِ والامتناع، وَأَنه لَا يخَاف حَاكما يعدى عَلَيْهِ، وَلَا ترة من طالبي ثأر.
[٨] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام وحَدثني ... إِلَخ» .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:52 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (13)
صــ 101إلى صــ 110
يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
أَعْجَبَهُ، فَأَثَابَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ الَّذِي أَرَادَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ:
وَهَاشِمَ مُرَّةَ الْمُفْنِي مُلُوكًا ... بِلَا ذَنْبٍ إلَيْهِ وَمُذْنِبِينَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَوْلُ عَامِرٍ: «يَوْمَ الْهَبَاآتِ [١]» عَنْ غَيْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ.
(مُرَّةُ وَالْبَسْلُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَوْمٌ لَهُمْ صِيتٌ وَذِكْرٌ فِي غَطَفَانَ وَقَيْسٍ كُلِّهَا، فَأَقَامُوا عَلَى نَسَبِهِمْ [٢]، وَفِيهِمْ كَانَ الْبَسْلُ [٣] .
أَمْرُ الْبَسْلِ
(تَعْرِيفُ الْبَسْلِ، وَنَسَبُ زُهَيْرٍ الشَّاعِرِ):
وَالْبَسْلُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- ثَمَانِيَةُ [٤] أَشْهُرٍ حُرُمٍ، لَهُمْ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ مِنْ بَيْنِ الْعَرَبِ قَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهُمْ الْعَرَبُ لَا يُنْكِرُونَهُ وَلَا يَدْفَعُونَهُ، يَسِيرُونَ بِهِ إلَى أَيِّ بِلَادِ الْعَرَبِ شَاءُوا، لَا يَخَافُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى، يَعْنِي بَنِي مُرَّةَ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُهَيْرُ أَحَدُ بَنِي مُزَيْنَةَ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ [٥] بْنِ مُضَرَ، وَيُقَالُ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى مِنْ غَطَفَانَ، وَيُقَالُ حَلِيفٌ فِي غَطَفَانَ-
------------------------------
[١] ويروى: «يَوْم الهباتين» فقصر للضَّرُورَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ الهباءتين. وَكَثِيرًا مَا يرد الْمَكَان مثنى أَو مجموعا فِي الشّعْر العربيّ، وَيُرَاد بِهِ الْمُفْرد، وَيَوْم الهباءة كَانَ لعبس على ذبيان. والهباءة: مَوضِع بِبِلَاد غطفان: (رَاجع العقد الفريد ج ٣ ص ٦٩) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سُنَنهمْ» .
[٣] البسل: الْحَرَام والحلال، فَهُوَ من الأضداد.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نسيئهم ثَمَانِيَة ... إِلَخ» . وَلَا يَسْتَقِيم الْكَلَام بِهَذِهِ الزِّيَادَة.
[٥] يحمل بَعضهم إلْيَاس بن مُضر على إلْيَاس النَّبِي فِي همز أَوله، وَالصَّوَاب فِي إلْيَاس بن مُضر أَن تعْتَبر فِيهِ الْألف وَاللَّام زائدتين، كزيادتهما فِي الْفضل وَالْعَبَّاس، وأنهما داخلتان على الْمصدر الّذي هُوَ الْيَأْس، وَقد تسهل همزته الثَّانِيَة، فَيُقَال فِيهِ إلْيَاس. أما إلْيَاس النَّبِي فَهُوَ بِقطع الْهمزَة الأولى مَفْتُوحَة أَو مَكْسُورَة (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة ألس) .
تَأَمَّلْ [١] فَإِنْ تُقْوِ الْمَرُورَاةَ [٢] مِنْهُمْ ... وَدَارَاتِهَا لَا تُقْوِ مِنْهُمْ إِذا نَخْلُ [٣]
بِلَادٌ بِهَا نَادِمَتُهُمْ وَأَلِفْتُهُمْ ... فَإِنْ تُقْوِيَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ بَسْلُ
يَقُولُ: سَارُوا فِي حَرَمِهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أعشى بن قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
أَجَارَتُكُمْ بَسْلٌ عَلَيْنَا مُحَرَّمٌ ... وَجَارَتُنَا حِلٌّ لَكُمْ وَحَلِيلُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(أَوْلَادُ كَعْبٍ وَأُمُّهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَعَدِيَّ ابْن كَعْبٍ، وَهُصَيْصَ بْنَ كَعْبٍ. وَأُمُّهُمْ وَحْشِيَّةُ [٤] بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
(أَوْلَادُ مُرَّةَ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
فَوَلَدَ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: كِلَابَ بْنَ مُرَّةَ، وَتَيْمَ بْنَ مُرَّةَ، وَيَقَظَةَ [٥] بْنَ مُرَّةَ.
فَأُمُّ كِلَابٍ: هِنْدُ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ (فِهْرِ بْنِ [٦] مَالِكِ)
------------------------
[١] فِي مُعْجم الْبلدَانِ (ج ٤ ص ٥٠٦): «تربص» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «المرورات» . بتاء مَفْتُوحَة، كَأَنَّهُ جمع مرورى، وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مثل هَذَا الْبناء، وَإِنَّمَا هُوَ المروراة بهاء مِمَّا ضوعفت فِيهِ الْعين وَاللَّام، فَهُوَ فعلعلة، وَالْألف فِيهِ منقلبة عَن وَاو أَصْلِيَّة. والمروراة: مَوضِع كَانَ فِيهِ يَوْم المروراة.
[٣] نخل: مَوضِع بِنَجْد من أَرض غطفان، وَقيل: هُوَ مَوضِع لبني مرّة بن عَوْف على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة:
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] وَيُقَال: إِن أم هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة: مخشية. كَمَا يُقَال: إِن أم مرّة وهصيص: مخشية بنت شَيبَان بن محَارب بن فهر، وَأم عدي: رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كَعْب بن حَرْب بن تيم بن سعد بن فهم بن عَمْرو بن قيس بن عيلان. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] هُوَ بِفَتْح الْقَاف، وَقد جَاءَ فِي شعر مدح بِهِ خَالِد بن الْوَلِيد، ساكنها، وَهُوَ:
وَأَنت لمخزوم بن يقظة جنَّة ... كلا أسميك فِيهِ ماجد وَابْن ماجد
[٦] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
ابْن (النَّضْرِ بْنِ) [١] كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَأُمُّ يَقَظَةَ: الْبَارِقِيَّةُ [٢]، امْرَأَةٌ مِنْ بَارِقٍ، مِنْ الْأَسْدِ مِنْ الْيَمَنِ. وَيُقَالُ: هِيَ أُمُّ تَيْمٍ. وَيُقَالُ: تَيْمٌ لِهِنْدِ بِنْتِ سُرَيْرٍ أُمِّ كِلَابٍ.
(نَسَبُ بَارِقٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَارِقٌ: بَنُو عَدِيِّ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَهُمْ فِي شَنُوءَةَ. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
وَأَزْدُ شَنُوءَةَ انْدَرَءُوا [٣] عَلَيْنَا ... بِجُمٍّ يَحْسِبُونَ لَهَا قُرُونَا [٤]
فَمَا قُلْنَا لِبَارِقَ قَدْ أَسَأْتُمْ ... وَمَا قُلْنَا لِبَارِقَ أَعْتِبُونَا
[٥] قَالَ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَإِنَّمَا سُمُّوا بِبَارِقَ، لِأَنَّهُمْ تَبِعُوا الْبَرْقَ.
(وَلَدَا كِلَابٍ وَأُمُّهُمَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ كِلَابُ بْنُ مُرَّةَ رَجُلَيْنِ: قُصَيَّ [٦] بْنَ كِلَابٍ، وَزُهْرَةَ [٧] بْنَ كِلَابٍ. وَأُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ [٨] أَحَدِ (بَنِي) [٩] الْجَدَرَةِ، مِنْ جُعْثُمَةَ [١٠] الْأَزْدِ، مِنْ الْيَمَنِ، حُلَفَاءُ فِي بَنِي الدَّيْلِ [١١] بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن كِنَانَةَ.
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] وَيُقَال إِن أم تيم، ويقظة: أَسمَاء بنت عدي بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر بن بارق، وَيُقَال:
هِنْد بنت حَارِثَة البارقية. كَمَا يُقَال: بل يقظة لهِنْد بنت سَرِير أم كلاب. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٣] اندرءوا: خَرجُوا.
[٤] الجم: الكباش لَا قُرُون لَهَا. وَاحِدهَا: أجم. يُرِيدُونَ أَنهم يناطحون بِلَا عدَّة، وَلَا منَّة، كالكباش الجم الَّتِي لَا قُرُون لَهَا، وَيَحْسبُونَ أَن لَهُم قُوَّة.
[٥] وَقيل: سموا بارقا بجبل نزلُوا عِنْده اسْمه بارق.
[٦] وَاسم قصي: زيد، وسمى قصيا، لِأَن أَبَاهُ مَاتَ عَنهُ، وَعَن أَخِيه زهرَة، وَكَانَ زهرَة كَبِيرا وقصي فطيما، وتركهما لِأُمِّهِمَا فَاطِمَة، فَتزوّجت ربيعَة بن حزَام، ورحلت مَعَه، وَأخذت مَعهَا زيدا لصغره، فَسمى قصيا لبعده عَن دَار قومه (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٧] وزهرة: امْرَأَة نسب وَلَدهَا إِلَيْهَا دون الْأَب، وهم أخوال رَسُول الله ﷺ.
[٨] وَاسم سيل: خير بن حمالَة بن عَوْف بن غنم بن عَامر الجادر بن عَمْرو بن جعثمة.
[٩] زِيَادَة عَن أ.
[١٠] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ، والاشتقاق لِابْنِ دُرَيْد، ولسان الْعَرَب (مَادَّة جعثم) . وَفِي الْأُصُول:
«خثعمة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[١١] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ١ ص ٥٠ من هَذَا الْجُزْء) .
(نَسَبُ جُعْثُمَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جُعْثُمَةُ الْأَسْدِ، وَجُعْثُمَةُ الْأَزْدِ، وَهُوَ جُعْثُمَةُ ابْن يَشْكُرَ بْنِ مُبَشِّرِ بْنِ صَعْبِ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَيُقَالُ: جُعْثُمَةُ ابْن يَشْكُرَ بْنِ مُبَشِّرِ بْنِ صَعْبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ.
وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجَدَرَةَ، لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ عَمْرِو [١] بْنِ جُعْثُمَةَ تَزَوَّجَ بِنْتَ الْحَارِثِ ابْن مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَتْ جُرْهُمُ أَصْحَابَ الْكَعْبَةِ. فَبَنَى لِلْكَعْبَةِ جدارا، فسمّى عَامر بِذَلِكَ الْجَادِرِ، فَقِيلَ لِوَلَدِهِ: الْجَدَرَةُ لِذَلِكَ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلِسَعْدِ بْنِ سَيَلٍ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
مَا نَرَى فِي النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا ... مَنْ عَلِمْنَاهُ كَسَعْدِ بْنِ سَيَلْ
فَارِسًا أَضْبَطَ فِيهِ عُسْرَةٌ ... وَإِذَا مَا وَاقَفَ الْقِرْنَ نَزَلْ [٣]
فَارِسًا يَسْتَدْرِجُ الْخَيْلَ كَمَا ... اسْتَدْرَجَ الْحُرُّ الْقَطَامِيُّ [٤] الْحَجَلْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: «كَمَا اسْتَدْرَجَ الْحُرُّ» عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ.
(بَقِيَّةُ أَوْلَادِ كِلَابٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنُعْمُ بِنْتُ كِلَابٍ، وَهِيَ أُمُّ أَسْعَدَ وَسُعَيْدٍ ابْنَيْ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ.
(أَوْلَادُ قُصَيٍّ وَأُمُّهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ قُصَيُّ [٥] بْنُ كِلَابٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ: عَبْدَ مَنَافِ
----------------------
[١] فِي الأَصْل: «عَامر بن عَمْرو بن خُزَيْمَة بن خثعمة. وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] وَذَلِكَ أَن السَّيْل دخل الْكَعْبَة ذَات مرّة وصدع بنيانها، فَفَزِعت لذَلِك قُرَيْش، وخافوا انهدادها إِن جَاءَ سيل آخر، وَأَن يذهب شرفهم وَدينهمْ، فَبنى عَامر لَهَا جدارا، فَسمى الجادر لذَلِك.
[٣] الأضبط: الّذي يعْمل بكلتا يَدَيْهِ، يعْمل باليسرى كَمَا يعْمل باليمنى. والعسرة: الشدَّة. والقرن:
الّذي يُقَاوم فِي الْحَرْب.
[٤] الْحر الْقطَامِي: يُرِيد الصَّقْر.
[٥] وَكَانَ قصي يَقُول فِيمَا زَعَمُوا: ولد لي أَرْبَعَة، فسميت اثْنَيْنِ بصنمى، وواحدا بداري، وواحدا بنفسي.
ابْن قُصَيٍّ، وَعَبْدَ الدَّارِ بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ الْعُزَّى بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ (قُصَيِّ) [١] بْنَ قُصَيٍّ، وَتَخْمُرَ [٢] بِنْتَ قُصَيٍّ، وَبَرَّةَ بِنْتَ قُصَيٍّ. وَأُمُّهُمْ حُبَيُّ بِنْتُ حُلَيْلِ بْنِ حَبَشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ ابْن كَعْبِ بْنِ عَمْرِو الْخُزَاعِيِّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حُبْشِيَّةُ [٣] بْنُ سَلُولَ.
(أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ عَبْدُ مَنَافٍ- وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ- أَرْبَعَةَ نَفَرٍ:
هَاشِمَ [٤] بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَعَبْدَ شَمْسِ [٥] بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَالْمُطَلِّبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ [٦] بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ [٧] بْنِ فَالِجِ [٨] بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ، وَنَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُ وَاقِدَةُ بِنْتُ عَمْرٍو الْمَازِنِيَّةُ.
مَازِنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ.
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] لم يذكر الطَّبَرِيّ تخمر فِي أَوْلَاد قصي، وَاقْتصر على الذُّكُور الْأَرْبَعَة، وَذكرهَا الزبيدِيّ فِي كِتَابه إِيضَاح المدارك، وَقَالَ: تخمر كتنصر.
[٣] ضبطت فِي الأولى بِفتْحَتَيْنِ، وَفِي الثَّانِيَة بِالضَّمِّ، وعَلى هَذَا الرأى الْأَخير الزبيدِيّ فِي كِتَابه إِيضَاح المدارك عَن العواتك، فقد ضبطت فِيهِ الْعبارَة بِالضَّمِّ.
[٤] واسْمه عَمْرو، وَيُقَال لَهُ: هَاشم لِأَنَّهُ أول من هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ، وَله يَقُول مطرود بن كَعْب الْخُزَاعِيّ، وَقيل ابْن الزبعري:
عَمْرو الّذي هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ ... وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف
(رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] وَكَانَ عبد شمس تلوا لهاشم، وَقيل: بل كَانَا توأمين، فولد هَاشم، وَرجله فِي جبهة عبد شمس ملتصقة، فَلم يقدر على نَزعهَا إِلَّا بِدَم، فَكَانُوا يَقُولُونَ: سَيكون بَين ولديهما دِمَاء، فَكَانَت تِلْكَ الدِّمَاء مَا وَقع بَين بنى هَاشم وَبنى أُميَّة بن عبد شمس
[٦] وَيُقَال: إِن لعاتكة من غير عبد منَاف: الْحَارِث بن حبش السّلمِيّ، فَهُوَ أَخُو هَاشم، وَعبد شمس وَالْمطلب، لأمهم، وَأَنه رثى هاشما لهَذِهِ الْأُخوة.
[٧] وَأم عبد منَاف عَاتِكَة بنت هِلَال بن فالج بن ذكْوَان، وعَلى هَذَا تكون أم عبد منَاف عمَّة عَاتِكَة
[٨] كَذَا فِي أ، وإيضاح المدارك عَن العواتك للزبيدى. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فألح» بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
(نَسَبُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبِهَذَا النَّسَبِ خَالَفَهُمْ عُتْبَةَ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ وهب بن تسيب [١] بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ.
(عَوْدٌ إلَى أَوْلَادِ عَبْدِ مَنَافٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَبُو عَمْرٍو، وَتُمَاضِرُ، وَقِلَابَةُ، وَحَيَّةُ، وَرَيْطَةُ، وَأُمُّ الْأَخْثَمِ، وَأُمُّ سُفْيَانَ: بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ.
فَأُمُّ أَبِي عَمْرٍو: رَيْطَةُ، امْرَأَةٌ مِنْ ثَقِيفٍ، وَأُمُّ سَائِرِ النِّسَاءِ: عَاتِكَةُ بِنْتُ مرّة ابْن هلام، أُمُّ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ، وَأُمُّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حَوْزَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَلُولَ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَأُمُّ صَفِيَّةَ: بِنْتُ عَائِذِ اللَّهِ [٢] ابْن سَعْدِ [٣] الْعَشِيرَةِ بْنِ مَذْحِجٍ.
(أَوْلَادُ هَاشِمٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٤]: فَوَلَدَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَخَمْسَ نِسْوَةٍ:
عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ، وَأَسَدَ بْنَ هَاشِمٍ، وَأَبَا صَيْفِيِّ بْنَ هَاشِمٍ، وَنَضْلَةَ بْنَ هَاشِمٍ، وَالشِّفَاءَ، وَخَالِدَةَ، وَضَعِيفَةَ، وَرُقَيَّةَ، وَحَيَّةَ. فَأُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرُقَيَّةَ: سَلْمَى [٥] بِنْتُ عَمْرِو [٦] بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ (بْنِ حَرَامِ) [٧] بْنِ خِدَاشِ بْنِ عَامِرِ [٨] بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ
-----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سيب» .
[٢] ويروى: عبد الله.
[٣] كَذَا: فِي الأَصْل. وَالظَّاهِر أَن صَوَاب الْعبارَة: «... من سعد ... إِلَخ» . لِأَن سعد الْعَشِيرَة ابْن مذْحج هُوَ أَبُو الْقَبَائِل المنسوبة إِلَى مذْحج إِلَّا أقلهَا، وَلَا يكون فِي عصر هَاشم من هُوَ ابْن لَهُ لصلبه.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. وَلَقَد عودنا ابْن هِشَام فِيمَا مضى من الْكَلَام على النّسَب أَن ينْقل عَن ابْن إِسْحَاق ويقفى هُوَ بِرَأْيهِ، وَلكنه عرض هُنَا للْكَلَام على أَوْلَاد هَاشم غير ناقل عَن ابْن إِسْحَاق، وَكَذَلِكَ كَانَ شَأْنه عِنْد الْكَلَام على أَوْلَاد عبد الْمطلب.
[٥] وَأمّهَا عمْرَة بنت صَخْر المازنية، وَابْنهَا عَمْرو بن أحيحة بن الجلاح، وَأَخُوهُ معبد، ولدتهما لأحيحة بعد هَاشم.
[٦] وَيُقَال: هِيَ سلمى بنت زيد بن عَمْرو. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٧] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٨] اتّفق الطَّبَرِيّ مَعَ السِّيرَة فِي نسب سلمى إِلَى خِدَاش، ثمَّ خالفها فِيمَا بعد هَذَا، فَقَالَ: «خِدَاش ابْن جُنْدُب بن عدي بن النجار» .
ابْن النَّجَّارِ. وَاسْمُ النَّجَّارِ: تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ.
وَأُمُّهَا: عَمِيرَةُ بِنْتُ صَخْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ. وَأُمُّ عَمِيرَةَ سَلْمَى بِنْتُ عَبْدِ الْأَشْهَلِ النَّجَّارِيَّةُ.
وَأُمُّ أَسَدٍ: قَيْلَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ الْخُزَاعِيِّ.
وَأُمُّ أَبِي صَيْفِيٍّ وَحَيَّةَ: هِنْدُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخَزْرَجِيَّةُ [١] .
وَأُمُّ نَضْلَةَ وَالشِّفَاءِ: امْرَأَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ.
وَأُمُّ خَالِدَةَ وَضَعِيفَةَ: وَاقِدَةُ بِنْتُ أَبِي عَدِيٍّ الْمَازِنِيَّةُ.
أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ
(عَدَدُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَوَلَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ عَشَرَةَ نَفَرٍ وَسِتَّ نِسْوَةٍ: الْعَبَّاسَ وَحَمْزَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَأَبَا طَالِبٍ- وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ- وَالزُّبَيْرَ [٢]، وَالْحَارِثَ، وَحَجْلًا [٣]، وَالْمُقَوِّمَ، وَضِرَارًا، وَأَبَا لَهَبٍ [٤]- وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى- وَصَفِيَّةَ، وَأُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ، وَعَاتِكَةَ، وَأُمَيْمَةَ، وَأَرَوَى، وبَرَّةَ.
----------------------
[١] هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن إِسْحَاق وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل النّسَب أَن أم حَيَّة: جحل بنت حبيب بن الْحَارِث ابْن مَالك بن خطيط الثقفية، وَأَن حَيَّة هَذِه كَانَت تَحت الأحجم بن دندنة الْخُزَاعِيّ، ولدت لَهُ أسيدا وَفَاطِمَة.
[٢] الزبير هُوَ أكبر أعمام النَّبِي ﷺ، وَهُوَ الّذي كَانَ يرقص النَّبِي ﷺ وَهُوَ طِفْل، وَيَقُول:
مُحَمَّد بن عبدم ... عِشْت بعيش أنعم
فِي دولة ومغنم ... دَامَ سجيس الأزلم
وبنته ضباعة كَانَت تَحت الْمِقْدَاد، وَابْنه عبد الله من الصَّحَابَة رضي الله عنهم. وَكَانَ الزبير يكنى أَبَا طَاهِر، بِابْنِهِ الطَّاهِر، وَكَانَ من أظرف فتيَان قُرَيْش، وَبِه سمى رَسُول الله ﷺ ابْنه الطَّاهِر، وَيُقَال إِن الزبير كَانَ مِمَّن يقرونَ بِالْبَعْثِ.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَالرَّوْض الْأنف، والمعارف، والقاموس مَادَّة «حجل» . وَفِي أ:
«جحل» بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] وَاسم أَبى لَهب عبد الْعُزَّى، وكنى أَبَا لَهب لإشراق وَجهه.
فَأُمُّ الْعَبَّاسِ وَضِرَارٍ: نُكَيْلَةُ [١] بِنْتُ جَنَابِ بْنِ كُلَيْبِ [٢] بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو ابْن عَامِرِ [٣] بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَامِرٍ- وَهُوَ الضَّحْيَانُ- بْنُ سَعْدِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ.
وَيُقَالُ: أَفْصَى ابْنُ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ.
وَأُمُّ حَمْزَةَ وَالْمُقَوَّمِ وَحَجْلٍ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالْغَيْدَاقِ لِكَثْرَةِ خَيْرِهِ، وَسَعَةِ مَالِهِ، وَصَفِيَّةَ: هَالَةُ [٤] بِنْتُ [٥] وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ [٦] بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ.
وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَجَمِيعِ النِّسَاءِ غَيْرَ صَفِيَّةَ: فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ [٧] النَّضْرِ.
وَأُمُّهَا: صَخْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
وَأُمُّ صَخْرَةَ: تَخْمُرُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
وَأُمُّ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: سَمْرَاءُ بِنْتُ جُنْدُبِ بْنِ جُحَيْرِ بْنِ رِئَابِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ ابْن عِكْرِمَةَ.
-----------------------
[١] وَأم نتيلة: أم حجر، أَو أم كرز بنت الأزب من بنى بكيل من هَمدَان.
[٢] فِي المعارف: «نتيلة بنت كُلَيْب بن مَالك بن جناب» .
[٣] وعامر هَذَا هُوَ الّذي يعرف بالضحيان، وَكَانَ من مُلُوك ربيعَة.
[٤] وَيُقَال: إِن أم الغيداق: مَنْعَة بنت عَمْرو الْخُزَاعِيَّة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، والمعارف) .
[٥] كَذَا فِي المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة. وَفِي الْأُصُول: «أهيب بن عبد منَاف» .
[٦] وَيُقَال: إِن أَوْلَاد فَاطِمَة فِي عبد الْمطلب هم: عبد الله، وَعبد منَاف (أَبُو طَالب) وَالزُّبَيْر، وَعبد الْكَعْبَة، وعاتكة، وبرة، وَأُمَيْمَة. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٧] فِي المعارف: صَفِيَّة بنت جُنْدُب، وَفِيه أَن ولديها اثْنَان: الْحَارِث وأروى.
وَأُمُّ أَبِي لَهَبٍ: لُبْنَى بِنْتُ هَاجَرَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ ضَاطِرَ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ.
(رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّهَاتُهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَوَلَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ. وَأُمِّهِ: آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ [١] بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
وَأُمُّهَا: بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. وَأُمُّ بَرَّةَ:
أُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. وَأُمُّ أُمِّ حَبِيبٍ: بَرَّةُ [٢] بِنْتُ عَوْفِ ابْن عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشْرَفُ وَلَدِ آدَمَ حَسَبًا، وَأَفْضَلُهُمْ نَسَبًا مِنْ قِبَلِ أَبِيه وَأمه صلى [٣] الله عَلَيْهِ وَسلم.
إشَارَةٌ إلَى ذِكْرِ احْتِفَارِ زَمْزَمَ
(شَيْءٌ عَنْ زَمْزَمَ):
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيُّ [٤]: بَيْنَمَا عَبْدُ الْمُطَلِّبِ بْنُ هَاشِمٍ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، إذْ
----------------------
[١] فِي المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة: أَن زهرَة اسْم امْرَأَة عرف بهَا بَنو زهرَة؟ وَهَذَا مُنكر غير مَعْرُوف، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم جدهم، كَمَا قَالَ ابْن إِسْحَاق
[٢] الْمَعْرُوف: أَن جَمِيع أمهاته ﷺ من آمِنَة إِلَى برة بنت عَوْف قرشيات، وَأما مَا بعد ذَلِك من أمهاته فلسن من قُرَيْش. فَأم برة بنت عَوْف: قلَابَة بنت الْحَارِث، وَأم قلَابَة: أُمَيْمَة بنت مَالك، وَأم أُمَيْمَة: دبة بنت الْحَارِث، وَأمّهَا: بنت كَهْف الظُّلم، من ثَقِيف
[٣] ورد عَنهُ عليه الصلاة والسلام أَنه قَالَ: «مَا ولدتني بغى قطّ مُنْذُ كنت فِي صلب آدم، فَلم تزل تنازعني الْأُمَم كَابِرًا عَن كَابر حَتَّى خرجت فِي أفضل حيين فِي الْعَرَب: هَاشم وزهرة»
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام. قَالَ: وَكَانَ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ مَا حَدثنَا بِهِ زِيَاد بن عبد الله البكائي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي قَالَ ... إِلَخ» .
أُتِيَ فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ، وَهِيَ دَفْنٌ بَيْنَ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ: إسَافٍ وَنَائِلَةٍ، عِنْدَ مَنْحَرِ قُرَيْشٍ. وَكَانَتْ جُرْهُمُ دَفَنَتْهَا حِينَ ظَعَنُوا مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ بِئْرُ إسْمَاعِيلَ ابْن إبْرَاهِيمَ عليهما السلام، الَّتِي سَقَاهُ اللَّهُ حِينَ ظَمِئَ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَالْتَمَسَتْ لَهُ أُمُّهُ مَاءً فَلَمْ تَجِدْهُ، فَقَامَتْ إلَى الصَّفَا تَدْعُو اللَّهَ وَتَسْتَغِيثُهُ لِإِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَفَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ. وَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عليه السلام، فَهَمَزَ لَهُ [١] بِعَقِبِهِ فِي الْأَرْضِ، فَظَهَرَ الْمَاءُ، وَسَمِعَتْ أُمُّهُ أَصْوَاتَ السِّبَاعِ فَخَافَتْهَا عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ تَشْتَدُّ نَحْوَهُ، فَوَجَدَتْهُ يَفْحَصُ [٢] بِيَدِهِ عَنْ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ خَدِّهِ وَيَشْرَبُ، فَجَعَلَتْهُ حِسْيًا [٣] .
أَمْرُ جُرْهُمٍ وَدَفْنِ زَمْزَمَ
(وُلَاةُ الْبَيْتِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ جُرْهُمٍ، وَدَفْنُهَا زَمْزَمَ، وَخُرُوجُهَا مِنْ مَكَّةَ وَمَنْ وَلِيَ أَمْرَ مَكَّةَ بَعْدَهَا إلَى أَنْ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ، مَا حَدَّثَنَا بِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيُّ، قَالَ:
لَمَّا تُوُفِّيَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نَابِتُ بْنُ إسْمَاعِيلَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلِيَهُ، ثُمَّ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ.
(جُرْهُمٌ وَقَطُورَاءُ، وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو إسْمَاعِيلَ وَبَنُو نَابِتٍ مَعَ جَدِّهِمْ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو
---------------------
[١] وَمن هُنَا سميت زَمْزَم أَيْضا: همزَة جِبْرِيل، وهزمة جِبْرِيل. وَقَالَ المَسْعُودِيّ: سميت زَمْزَم لِأَن الْفرس كَانَت تحج إِلَيْهَا فِي الزَّمن الأول فزمزمت عَلَيْهَا، والزمزمة: صَوت تخرجه الْفرس من خياشيمها عِنْد شرب المَاء، وَقد كتب عمر رضي الله عنه إِلَى عماله: أَن انهوا الْفرس عَن الزمزمة. وَقيل: بل سميت زَمْزَم لِأَنَّهَا زمت بِالتُّرَابِ لِئَلَّا يَأْخُذ المَاء يَمِينا وَشمَالًا.
[٢] يفحص: يكْشف.
[٣] الْحسي: الحفيرة الصَّغِيرَة، وَقيل: أصل الْحسي مَا يغور فِي الرمل، فَإِذا بحث عَنهُ ظهر.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:55 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (14)
صــ 111إلى صــ 120
وَأَخْوَالِهِمْ مِنْ جُرْهُمٍ [١] . وَجُرْهُمٌ وَقَطُورَاءُ [٢] يَوْمَئِذٍ أَهْلُ مَكَّةَ، وَهُمَا ابْنَا عَمٍّ وَكَانَا ظَعَنَا مِنْ الْيَمَنِ، فَأَقْبَلَا سَيَّارَةً، وَعَلَى جُرْهُمٍ مُضَاضُ بْنُ عَمْرِو، وَعَلَى قَطُورَاءَ السَّمَيْدَعُ [٣]، رَجُلٌ مِنْهُمْ. وَكَانُوا إذَا خَرَجُوا مِنْ الْيَمَنِ لَمْ يَخْرُجُوا إلَّا وَلَهُمْ مَلِكٌ يُقِيمُ أَمْرَهُمْ. فَلَمَّا نَزَلَا مَكَّةَ رَأَيَا بَلَدًا ذَا مَاءٍ وَشَجَرٍ، فَأَعْجَبَهُمَا فَنَزَلَا بِهِ. فَنَزَلَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ بِأَعْلَى مَكَّةَ بِقُعَيْقِعَانَ [٤] فَمَا حَازَ. وَنَزَلَ السَّمَيْدَعُ بِقَطُورَاءَ، أَسْفَلَ مَكَّةَ بِأَجْيَادِ [٥] فَمَا حَازَ. فَكَانَ مضاض يعثر [٦] مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَكَانَ السَّمَيْدَعُ يَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَكُلٌّ فِي قَوْمِهِ لَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. ثُمَّ إنَّ جُرْهُمَ وَقَطُورَاءَ، بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَنَافَسُوا الْمُلْكَ بِهَا، وَمَعَ مُضَاضٍ يَوْمَئِذٍ بَنُو إسْمَاعِيلَ وَبَنُو نَابِتٍ، وَإِلَيْهِ وِلَايَةُ الْبَيْتِ دُونَ السَّمَيْدَعِ، فَسَارَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، فَخَرَجَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو مِنْ قُعَيْقِعَانَ فِي كَتِيبَتِهِ سَائِرًا إلَى السَّمَيْدَعِ، وَمَعَ كَتِيبَتِهِ عُدَّتُهَا مِنْ الرِّمَاحِ وَالدَّرَقِ وَالسُّيُوفِ وَالْجِعَابِ، يُقَعْقِعُ بِذَلِكَ مَعَهُ، فَيُقَالُ: مَا سُمِّيَ قُعَيْقِعَانُ بِقُعَيْقِعَانَ إلَّا لِذَلِكَ. وَخَرَجَ السَّمَيْدَعُ مِنْ أَجْيَادٍ وَمَعَهُ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ، فَيُقَالُ: مَا سُمِّيَ أَجْيَادٌ أَجِيَادًا إلَّا لِخُرُوجِ الْجِيَادِ [٧] مِنْ الْخَيْلِ مَعَ السَّمَيْدَعِ مِنْهُ. فَالْتَقَوْا بِفَاضِحٍ [٨]، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ السَّمَيْدَعُ، وَفُضِحَتْ قَطُورَاءُ. فَيُقَالُ: مَا سُمِّيَ فَاضِحٌ فَاضِحًا إلَّا لِذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ الْقَوْمَ تَدَاعَوْا
-------------------------
[١] جرهم: هُوَ قحطان بن عَابِر بن شالخ.
[٢] قطوراء: هُوَ قطوراء بن كركر.
[٣] السميدع: هُوَ السميدع بن هوثر بن لأى بن قطوراء بن كركر بن عملاق، وَيُقَال: إِن الزباء من ذُريَّته، وَهِي بنت عَمْرو بن أذينة بن ظرب بن حسان، وَبَين حسان والسميدع آبَاء كَثِيرَة.
[٤] قعيقعان: جبل بِمَكَّة يَلِي الصَّفّ. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٥] أجياد: مَوضِع بِمَكَّة يَلِي الصَّفّ (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] يُقَال: عشر فلَان الْقَوْم عشرا وعشورا: إِذا أَخذ عشر أَمْوَالهم.
[٧] هَذَا بعيد: لِأَن جِيَاد الْخَيل لَا يُقَال فِيهَا أجياد، وَأما أجياد فَجمع جيد. وَقد ذكر أَن مضاضا ضرب فِي ذَلِك الْموضع أجياد مائَة رجل من العمالقة، فَسمى الْموضع أجيادا لهَذَا.
[٨] فاضح: مَوضِع قرب مَكَّة عِنْد أَبى قبيس، كَانَ النَّاس يخرجُون إِلَيْهِ لحاجاتهم. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
إلَى الصُّلْحِ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا الْمَطَابِخَ: شِعْبًا بِأَعْلَى مَكَّةَ [١]، وَاصْطَلَحُوا بِهِ، وَأَسْلَمُوا الْأَمْرَ إلَى مُضَاضٍ. فَلَمَّا جُمِعَ إلَيْهِ أَمْرُ مَكَّةَ فَصَارَ مُلْكُهَا لَهُ، نَحَرَ لِلنَّاسِ فَأَطْعَمَهُمْ، فاطّبخ [٢] النَّاس ويأكلوا، فَيُقَالُ: مَا سُمِّيَتْ الْمَطَابِخُ الْمَطَابِخَ إلَّا لِذَلِكَ. وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنَّهَا إنَّمَا سُمِّيَتْ الْمَطَابِخَ، لَمَّا كَانَ تُبَّعٌ نَحَرَ بِهَا وَأَطْعَمَ، وَكَانَتْ مَنْزِلَهُ. فَكَانَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ مُضَاضٍ وَالسَّمَيْدَعِ أَوَّلَ بَغْيٍ كَانَ بِمَكَّةَ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
(أَوْلَادُ إسْمَاعِيلَ وَجُرْهُمٍ بِمَكَّةَ):
ثُمَّ نَشَرَ اللَّهُ وَلَدَ إسْمَاعِيلَ بِمَكَّةَ، وَأَخْوَالُهُمْ مِنْ جُرْهُمٍ، وُلَاةُ الْبَيْتِ وَالْحُكَّامُ بِمَكَّةَ، لَا يُنَازِعُهُمْ وَلَدُ إسْمَاعِيلَ فِي ذَلِك لخؤولتهم وَقَرَابَتِهِمْ، وَإِعْظَامًا لِلْحُرْمَةِ أَنْ يَكُونَ بِهَا بَغْيٌ أَوْ قِتَالٌ. فَلَمَّا ضَاقَتْ مَكَّةُ عَلَى وَلَدِ إسْمَاعِيلَ انْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ، فَلَا يُنَاوِئُونَ قَوْمًا إلَّا أَظْهَرَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِدِينِهِمْ فَوَطِئُوهُمْ.
اسْتِيلَاءُ قَوْمِ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ على الْبَيْت وَفِي جُرْهُمٍ
(بَغْيُ جُرْهُمٍ بِمَكَّةَ وَطَرْدُ بَنِي بَكْرٍ لَهُمْ):
ثُمَّ إنَّ جُرْهُمًا بَغَوْا بِمَكَّةَ، وَاسْتَحَلُّوا خِلَالًا [٣] مِنْ الْحُرْمَةِ، فَظَلَمُوا مَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَأَكَلُوا مَالَ الْكَعْبَةِ الَّذِي يُهْدَى [٤] لَهَا، فَرَقَّ أَمْرَهُمْ. فَلَمَّا رَأَتْ بَنُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَغُبْشَانُ مِنْ خُزَاعَةَ ذَلِكَ، أَجَمَعُوا
------------------------
[١] وَفِي المطابخ يَقُول الشَّاعِر:
أَطُوف بالمطابخ كل يَوْم ... مَخَافَة أَن يشردنى حَكِيم
يُرِيد حَكِيم بن أُميَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] اطبخ الرجل: طبخ لنَفسِهِ خَاصَّة، أَو اتخذ طبيخا، وَيُقَال: اطبخ الرجل اللَّحْم، وَذَلِكَ إِذا طبخه.
[٣] الْخلال: الْخِصَال.
[٤] كَانَ كل مَا يهدى إِلَى الْكَعْبَة يلقى فِي بِئْر قريبَة القعر، كَانَ احتفرها إِبْرَاهِيم عليه السلام عِنْد بَاب الْكَعْبَة. وَيُقَال: إِنَّه لما فسد أَمر جرهم، وسرقوا مَال الْكَعْبَة مرّة بعد مرّة، دخل رجل مِنْهُم الْبِئْر ليَسْرِق مَال الْكَعْبَة، فَسقط عَلَيْهِ حجر من شَفير الْبِئْر فحبسه فِيهَا. كَمَا يذكرُونَ أَنه أرْسلت على الْبِئْر حَيَّة، فَكَانَت تهيب من يدنو مِنْهَا.
٨- سيرة ابْن هِشَام- ١
لِحَرْبِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ. فَآذَنُوهُمْ بِالْحَرْبِ فَاقْتَتَلُوا، فَغَلَبَتْهُمْ بَنُو بَكْرٍ وَغُبْشَانُ فَنَفَوْهُمْ مِنْ مَكَّةَ. وَكَانَتْ مَكَّةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا تُقِرُّ فِيهَا ظُلْمًا وَلَا بَغْيًا، وَلَا يَبْغِي فِيهَا أَحَدٌ إلَّا أَخَرَجَتْهُ، فَكَانَتْ تُسَمَّى النَّاسَّةَ [١]، وَلَا يُرِيدُهَا مَلِكٌ يَسْتَحِلُّ حُرْمَتَهَا إلَّا هَلَكَ مَكَانَهُ، فَيُقَالُ: إنَّهَا مَا سُمِّيَتْ بِبَكَّةِ إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَبُكُّ [٢] أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ إذَا أَحْدَثُوا فِيهَا شَيْئًا.
(بَكَّةُ لُغَةً):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ:
أَنَّ بَكَّةَ اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ، لِأَنَّهُمْ يَتَبَاكَوْنَ فِيهَا، أَيْ يَزْدَحِمُونَ. وَأَنْشَدَنِي:
إذَا الشَّرِيبُ [٣] أَخَذَتْهُ أَكَّهُ ... [٤]، فَخَلِّهِ حَتَّى يَبُكَّ بَكَّهُ
أَيْ فَدَعْهُ حَتَّى يَبُكَّ إبِلَهُ، أَيْ يُخَلِّيهَا إلَى الْمَاءِ فَتَزْدَحِمُ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِعَامَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيُّ بِغَزَالِيِّ الْكَعْبَةِ وَبِحَجَرِ الرُّكْنِ، فَدَفَنَهَا فِي زَمْزَمَ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ إلَى الْيَمَنِ، فَحَزِنُوا عَلَى مَا فَارَقُوا مِنْ أَمْرِ مَكَّةَ وَمُلْكِهَا حُزْنًا شَدِيدًا. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ (بْنِ عَمْرِو) [٥] بْنِ مُضَاضٍ فِي ذَلِكَ [٦]، وَلَيْسَ بِمُضَاضٍ الْأَكْبَرِ:
وَقَائِلَةٍ وَالدَّمْعُ سَكْبٌ مُبَادِرُ ... وَقَدْ شَرِقَتْ بِالدَّمْعِ مِنْهَا الْمَحَاجِرُ
--------------------
[١] كَمَا كَانَت تسمى النساسة، وهما من «نس» بِمَعْنى يبس وأجدب، كَمَا يُقَال لَهَا: الباسة» أَيْضا، وَهُوَ من البس بِمَعْنى التفتيت.
[٢] تبك: تكسر.
[٣] كَذَا فِي أولسان الْعَرَب (مادتي أك وَبِك) . والشريب: الّذي يسقى إبِله مَعَ إبلك. وَفِي الأَصْل:
«الشريت»، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] الأكة: شدَّة الْحر، وَقيل شدَّة الْأَلَم.
[٥] زِيَادَة عَن مُعْجم الْبلدَانِ.
[٦] وَالسَّبَب فِي قَول هَذَا الشّعْر: أَن عَمْرو بن الْحَارِث كَانَ قد نزل بقنونى من أَرض الْحجاز، فضلت لَهُ إبل، فبغاها حَتَّى أَتَى الْحرم، فَأَرَادَ دُخُوله ليَأْخُذ إبِله، فَنَادَى عَمْرو بن لحي: من وجد جرهميا فَلم يقْتله قطعت يَده. فَسمع بذلك عَمْرو بن الْحَارِث، وأشرف على جبل من جبال مَكَّة، فَرَأى إبِله تنحر ويتوزع لَحمهَا، فَانْصَرف بائسا خَائفًا ذليلا، وَأبْعد فِي الأَرْض: وبغربته يضْرب الْمثل، ثمَّ قَالَ هَذَا الشّعْر
كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ [١] إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
فَقُلْتُ لَهَا وَالْقَلْبُ مِنِّي كَأَنَّمَا ... يُلَجْلِجُهُ [٢] بَيْنَ الْجَنَاحَيْنِ طَائِرُ
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَزَالَنَا ... صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودِ [٣] الْعَوَاثِرِ
وَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ [٤]
وَنَحْنُ وَلِينَا الْبَيْتَ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... بِعَزٍّ فَمَا يَحْظَى لَدَيْنَا الْمُكَاثِرُ
مَلَكْنَا فَعَزَّزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا ... فَلَيْسَ لِحَيِّ غَيْرِنَا ثَمَّ فَاخِرُ
أَلَمْ تُنْكِحُوا مِنْ خَيْرِ شخص [٥] عَلمته [٦] ... فأبناوه مِنَّا وَنَحْنُ الْأَصَاهِرُ
فَإِنْ تَنْثَنِ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بِحَالِهَا ... فَإِنَّ لَهَا حَالًا وَفِيهَا التَّشَاجُرُ
فَأَخْرَجَنَا مِنْهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ ... كَذَلِكَ يَا لِلنَّاسِ تَجْرِي الْمَقَادِرُ
أَقُولُ إذَا نَامَ الْخَلِيُّ وَلَمْ أَنَمْ ... أَذَا الْعَرْشِ: لَا يَبْعُدُ سُهَيْلٌ وَعَامِرٌ
وَبُدِّلْتُ مِنْهَا أَوْجُهًا لَا أُحِبُّهَا ... قَبَائِلُ مِنْهَا حِمْيَرُ وَيُحَابِرُ [٧]
وَصِرْنَا أَحَادِيثَا وَكُنَّا بِغِبْطَةٍ ... بِذَلِكَ عَضَّتْنَا السِّنُونَ الْغَوَابِرُ
فَسَحَّتَ دُمُوعُ الْعَيْنِ تَبْكِي لِبَلْدَةٍ ... بِهَا حَرَمٌ أَمْنٌ وَفِيهَا الْمَشَاعِرُ [٨]
وَتَبْكِي لِبَيْتٍ لَيْسَ يُوذَى حَمَامُهُ ... يَظَلُّ بِهِ أَمْنًا وَفِيهِ الْعَصَافِرُ [٩]
-----------------------
[١] الْحجُون: جبل بِأَعْلَى مَكَّة، عَلَيْهِ مدافن أَهلهَا، وَقيل: مَكَان من الْبَيْت على ميل وَنصف، وَقيل على فَرسَخ وَثلث، عَلَيْهِ سَقِيفَة آل زِيَاد بن عبد الله الْحَارِثِيّ، وَكَانَ عَاملا على مَكَّة فِي أَيَّام السفاح وَبَعض أَيَّام الْمَنْصُور. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْحجُون: هُوَ الْجَبَل المشرف الّذي بحذاء مَسْجِد الْبيعَة على شعب الجزارين. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] يلجلجه: يديره.
[٣] الجدود: جمع جد، وَهُوَ الْحَظ.
[٤] يُشِير بِهَذَا الْبَيْت إِلَى أَنه بعد موت نابت، وَأمه جرهمية، وَلم يكثر ولد إِسْمَاعِيل، غلبت جرهم على ولَايَة الْبَيْت.
[٥] يعْنى: إِسْمَاعِيل عليه السلام، وَذَلِكَ أَنه نكح امْرَأَة من جرهم.
[٦] وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر فِي الطَّبَرِيّ:
وصاهرنا من أكْرم النَّاس والدا
[٧] حمير ويحابر: من قبائل الْيمن، وَيُقَال: إِن يحابر هِيَ مُرَاد.
[٨] المشاعر: الْمَوَاضِع الْمَشْهُورَة فِي الْحَج الَّتِي يتعبد بهَا.
[٩] أَرَادَ: العصافير، وَحذف الْيَاء للضَّرُورَة.
وَفِيهِ وُحُوشٌ لَا تُرَامُ أَنِيسَةٌ ... إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ فَلَيْسَتْ تُغَادِرُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «فَأَبْنَاؤُهُ منا»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا يَذْكُرُ بَكْرًا وَغُبْشَانُ، وَسَاكِنِي مَكَّةَ الَّذِينَ خَلَفُوا فِيهَا بَعْدَهُمْ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إنَّ قَصْرَكُمْ [١] ... أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا
حُثُّوا الْمَطِيَّ وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمَّتِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَضُّوا مَا تُقِضُّونَا
كُنَّا أُنَاسًا كَمَا كُنْتُمْ فَغَيَّرَنَا ... دَهْرٌ فَأَنْتُمْ كَمَا كُنَّا تَكُونُونَا
[٢] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا. وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ: أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْعَرَبِ، وَأَنَّهَا وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ، وَلَمْ يُسَمِّ لِي قَائِلَهَا [٣] .
-------------------------
[١] قصركم: نهايتكم وغايتكم.
[٢] وَزَاد بَعضهم على هَذِه الأبيات:
إِن التفكر لَا يجدي لصَاحبه ... عِنْد البديهة فِي علم لَهُ دونا
فاستخبروا فِي صَنِيع النَّاس قبلكُمْ ... كَمَا استبان طَرِيق عِنْده الهونا
كُنَّا زَمَانا مُلُوك النَّاس قبلكُمْ ... بمسكن فِي حرَام الله مسكونا
[٣] ويروى: أَنه وجد فِي بِئْر بِالْيَمَامَةِ ثَلَاثَة أَحْجَار. فوجدوا فِي حجر من الثَّلَاثَة مَكْتُوبًا هَذِه الأبيات، ووجدوا فِي حجر آخر مَكْتُوبًا:
يَا أَيهَا الْملك الّذي ... بِالْملكِ ساعده زَمَانه
مَا أَنْت أول من علا ... وَعلا شئون النَّاس شانه
أقصر عَلَيْك مراقبا ... فالدهر مخذول أَمَانه
كم من أَشمّ معصب ... بالتاج مرهوب مَكَانَهُ
قد كَانَ ساعده الزَّمَان ... وَكَانَ ذَا خفض جنانه
تجرى الجداول حوله ... للجند مترعة جفانه
قد فاجأته منية ... لم ينجه مِنْهَا اكتنانه
وَتَفَرَّقَتْ أجناده ... عَنهُ وناح بِهِ قيانه
والدهر من يعلق بِهِ ... يطحنه مفترسا جرانه
وَالنَّاس شَتَّى فِي الْهوى ... كالمرء مُخْتَلف بنانه
والصدق أفضل شِيمَة ... والمرء يقْتله لِسَانه
والصمت أسعد للفتى ... وَلَقَد يشرفه بَيَانه
وَوجد بِالْحجرِ الثَّالِث قصيدة على هَذَا النمط كلهَا حكم ومواعظ، ومطلعها:
اسْتِبْدَادُ قَوْمٍ مِنْ خُزَاعَةَ بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ غُبْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ وَلِيَتْ الْبَيْتَ دُونَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَكَانَ الَّذِي يَلِيهِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْغُبْشَانِيُّ، وَقُرَيْشٌ إذْ ذَاكَ حُلُولٌ وَصِرَمٌ، [١] وَبُيُوتَاتٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي قَوْمِهِمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَوَلِيَتْ خُزَاعَةُ الْبَيْتَ يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ حُلَيْلُ بْنُ حَبَشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيَّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ حُبْشِيَّةُ بْنُ سَلُولَ.
تَزَوُّجُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ حُبَّى بِنْتَ حُلَيْلٍ
(أَوْلَادُ قُصَيٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ خَطَبَ إلَى حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ ابْنَتَهُ حُبَّى، فَرَغِبَ فِيهِ حُلَيْلٌ فَزَوَّجَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الدَّارِ، وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَعَبْدَ الْعُزَّى، وَعَبْدًا. فَلَمَّا انْتَشَرَ وَلَدُ قُصَيٍّ، وَكَثُرَ مَالُهُ، وَعَظُمَ شَرَفُهُ، هَلَكَ حُلَيْلٌ.
(تَوَلِّي قُصَيٍّ أَمْرَ الْبَيْتِ وَنُصْرَةَ رُزَاحٍ لَهُ):
فَرَأَى قُصَيٌّ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَبِأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قُرْعَةُ [٢] إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَصَرِيحُ وَلَدِهِ. فَكَلَّمَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَبَنِيَّ كِنَانَةَ،
---------------------
[()]
كل عَيْش تعله ... لَيْسَ للدهر خله
يَوْم بؤس ونعمه ... واجتماع وقله
حبنا الْعَيْش وَالتَّكَاثُر ... جهل وضله
وَمِنْهَا:
آفَة الْعَيْش وَالنَّعِيم ... كرور الْأَهِلّة
وصل يَوْم وَلَيْلَة ... وَاعْتِرَاض بعلة
[١] الصرم: الْجَمَاعَات المتقطعة.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والقرعة: نخبة الشَّيْء وخياره. وَفِي الطَّبَرِيّ وأ: «فرعة» بِالْفَاءِ.
وفرعة الْجَبَل: أَعْلَاهُ. يُرِيد أَن قُريْشًا أَعلَى ولد إِسْمَاعِيل.
وَدَعَاهُمْ إلَى إخْرَاجِ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، فَأَجَابُوهُ. وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ حَرَامٍ مِنْ [١] عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ قَدْ قَدِمَ مَكَّةَ بَعْدَ هُلْكِ كِلَابٍ، فَتَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ، وَزُهْرَةَ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَقُصَيٌّ فَطِيمٌ، فَاحْتَمَلَهَا إلَى بِلَادِهِ، فَحَمَلَتْ قُصَيًّا مَعَهَا، وَأَقَامَ زُهْرَةَ، فَوَلَدَتْ لِرَبِيعَةَ رِزَاحًا. فَلَمَّا بَلَغَ قُصَيٌّ وَصَارَ رَجُلًا أَتَى مَكَّةَ، فَأَقَامَ [٢] بِهَا، فَلَمَّا أَجَابَهُ قَوْمُهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، كَتَبَ إلَى أَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ، رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، يَدْعُوهُ إلَى نُصْرَتِهِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ. فَخَرَجَ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَعَهُ إخْوَتُهُ: حُنُّ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَحْمُودُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَجُلْهُمَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُمْ لِغَيْرِ فَاطِمَةَ، فِيمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ فِي حَاجِّ الْعَرَبِ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ لِنُصْرَةِ قُصَيٍّ. وَخُزَاعَةُ تَزْعُمُ أَنَّ حُلَيْلَ بْنَ حُبْشِيَّةَ أَوْصَى بِذَلِكَ قُصَيًّا وَأَمَرَهُ بِهِ حِينَ انْتَشَرَ لَهُ مِنْ ابْنَتِهِ مِنْ الْوَلَدِ مَا انْتَشَرَ. وَقَالَ: أَنْتِ أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَبِالْقِيَامِ عَلَيْهَا، وَبِأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ قُصَيٌّ مَا طَلَبَ. وَلَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ [٣]، فاللَّه أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
----------------------
[١] فِي أ: «بن» .
[٢] وَالسَّبَب فِي رُجُوعه إِلَى مَكَّة، هُوَ أَنه لما كَانَ غُلَاما- وَكَانَ يدعى إِلَى ربيعَة لِأَنَّهُ لَا يعلم لَهُ أَب إِلَّا إِيَّاه- تساب هُوَ وَرجل من قضاعة، فَعَيَّرَهُ بالدعوة وَقَالَ لَهُ: لست منا، وَإِنَّمَا أَنْت فِينَا ملصق. فَدخل على أمه، وَقد وجم لذَلِك، فَقَالَت لَهُ: يَا بنى، صدق، إِنَّك لست مِنْهُم، وَلَكِن رهطك خير من رهطه، وآباءك أشرف من آبَائِهِ، وَإِنَّمَا أَنْت قرشي، وأخوك وَبَنُو عمك بِمَكَّة، وهم جيران بَيت الله الْحَرَام، فَدخل فِي سيارة حَتَّى أَتَى مَكَّة.
[٣] وَيُقَال أَيْضا فِي انْتِقَال ولَايَة الْبَيْت إِلَى قصي: أَن حليلا كَانَ يعْطى مَفَاتِيح الْبَيْت إِلَى ابْنَته حبي حِين كبر وَضعف، فَكَانَت بِيَدِهَا، وَكَانَ قصي رُبمَا أَخذهَا فِي بعض الأحيان فَفتح الْبَيْت للنَّاس وأغلقه، وَلما هلك حليل أوصى بِولَايَة الْبَيْت إِلَى قصي، فَأَبت خُزَاعَة أَن تمضى ذَلِك لقصي، فَعِنْدَ ذَلِك هَاجَتْ الْحَرْب بَينه وَبَين خُزَاعَة.
كَمَا يذكر أَيْضا: أَن حليلا لما كبر وَلم يقدر على فتح الْبَاب وإغلاقه، عهد بالمفاتيح إِلَى أَبى غبشان- وَهُوَ من خُزَاعَة، واسْمه سليم بن عَمْرو- فابتاعها مِنْهُ قصي بزق خمر، فَقيل: أخسر صَفْقَة من أَبى غبشان.
وَكَانَ الأَصْل فِي الِانْتِقَال ولَايَة الْبَيْت من ولد مُضر إِلَى خُزَاعَة: أَن الْحرم حِين ضَاقَ عَن ولد نزار وبغت فِيهِ إياد، أخرجتهم بَنو مُضر بن نزار، وأجلوهم عَن مَكَّة، فعمدوا فِي اللَّيْل إِلَى الْحجر الْأسود، فاقتلعوه وَاحْتَمَلُوهُ على بعير، فرزح الْبَعِير بِهِ وَسقط إِلَى الأَرْض، وجعلوه على آخر، فرزح أَيْضا.
وعَلى الثَّالِث، فَفعل مثل ذَلِك. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك دفنوه وذهبوا، فَلَمَّا أصبح أهل مَكَّة وَلم يروه، وَقَعُوا فِي كرب عَظِيم. وَكَانَت امْرَأَة من خُزَاعَة قد بصرت بِهِ حِين دفن، فأعلمت قَومهَا بذلك، فَحِينَئِذٍ أخذت
مَا كَانَ يَلِيهِ الْغَوْثُ بْنُ مُرَّ مِنْ الْإِجَازَةِ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ
وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرَّ بْنِ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ يَلِي الْإِجَازَةَ [١] لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ مِنْ [٢] عَرَفَةَ، وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ولِوَلَدِهِ صُوفَةُ [٣] . وَإِنَّمَا وَلِيَ ذَلِكَ الْغَوْثُ بْنُ مُرَّ، لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ، وَكَانَتْ لَا تَلِدُ، فَنَذَرَتْ للَّه إنْ هِيَ وَلَدَتْ رَجُلًا أَنْ تَصَّدَّقَ بِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ عَبْدًا لَهَا يَخْدُمُهَا، وَيَقُومُ عَلَيْهَا. فَوَلَدَتْ الْغَوْثَ، فَكَانَ يَقُومُ عَلَى الْكَعْبَةِ فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ مَعَ أَخْوَالِهِ مِنْ جُرْهُمٍ، فَوَلِيَ الْإِجَازَةَ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، لِمَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى انْقَرَضُوا [٤] . فَقَالَ مُرُّ بْنُ أَدٍّ لِوَفَاءِ نَذْرِ أُمِّهِ:
إنِّي جَعَلْتُ رَبَّ مَنْ بَييَّهْ ... رَبِيطَةً بِمَكَّةَ الْعَلِيَّهْ
فَبَارِكْنَ لِي بِهَا أليَّهْ [٥] ... وَاجْعَلْهُ لِي مِنْ صَالِحِ الْبَرِيَّهْ
وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرٍّ- فِيمَا زَعَمُوا- إذَا دَفَعَ بِالنَّاسِ قَالَ:
لَا همّ إنِّي تَابِعٌ تَبَاعَهُ [٦] ... إنْ كَانَ إثْمٌ فَعَلَى قُضَاعَهُ
[٧]
-----------------------
[()] خُزَاعَة على وُلَاة الْبَيْت أَن يتخلوا لَهُم عَن ولَايَته ويدلوهم على الْحجر، فَفَعَلُوا ذَلِك، فَمن هُنَالك صَارَت ولَايَة الْبَيْت لخزاعة إِلَى أَن صَارَت إِلَى بنى عبد منَاف. (رَاجع الرَّوْض الْأنف وَكتاب الْأَوَائِل لأبى هِلَال العسكري) .
[١] الْإِجَازَة: الْإِفَاضَة.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «من بعد عَرَفَة» .
[٣] وَإِنَّمَا قيل للغوث وَولده: صوفة، لِأَن أمه حِين جعلته ربيطا للكعبة علقت بِرَأْسِهِ صوفة، وَقيل ألبسته ثوبا من صوف، وَقيل: إِنَّمَا سمى كَذَلِك، لِأَن أمه لما ربطته عِنْد الْبَيْت أَصَابَهُ الْحر فمرت بِهِ وَقد سقط وذوى واستعرض، فَقَالَت: مَا صَارا بنى إِلَّا صوفة، فَسمى صوفة. وَقيل: إِنَّمَا سمى كَذَلِك لِأَن كل من ولى الْبَيْت شَيْئا من غير أَهله، أَو قَامَ بِشَيْء من خدمَة الْبَيْت، أَو بِشَيْء من أَمر الْمَنَاسِك، يُقَال لَهُم صوفة وصوفان.
[٤] وَقيل: إِن ولَايَة الْغَوْث بن مر كَانَت من قبل مُلُوك كِنْدَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٥] الألية: فِي الأَصْل الْيَمين، وَهِي هُنَا: النّذر الّذي نذرته أمه.
[٦] التباعة: مَا يتبعهُ الْإِنْسَان ويقتدى بِهِ.
[٧] إِنَّمَا خص قضاعة بِهَذَا، لِأَن مِنْهُم مخلين يسْتَحلُّونَ الْأَشْهر الْحرم، كَمَا كَانَت خثعم وطيِّئ تفعل
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى [١] بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ (عَبَّادٍ) [٢] . قَالَ:
(صُوفَةُ وَرَمْيُ الْجِمَارِ):
كَانَتْ صُوفَةُ تَدْفَعُ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، وَتُجِيزُ بِهِمْ إذَا نَفَرُوا مِنْ مِنًى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ أَتَوْا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ صُوفَةَ يَرْمِي لِلنَّاسِ، لَا يَرْمُونَ حَتَّى يَرْمِي [٣] . فَكَانَ ذَوُو الْحَاجَاتِ الْمُتَعَجِّلُونَ يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: قُمْ فَارْمِ حَتَّى نَرْمِيَ مَعَكَ، فَيَقُولُ: لَا وَاَللَّهِ، حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ. فَيَظَلُّ ذَوُو الْحَاجَاتِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ التَّعَجُّلَ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَيَسْتَعْجِلُونَهُ بِذَلِكَ، وَيَقُولُونَ لَهُ: وَيْلَكَ! قُمْ فَارْمِ، فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ. حَتَّى إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ قَامَ فَرَمَى وَرَمَى النَّاسُ مَعَهُ.
(تَوَلِّي بَنِي سَعْدٍ أَمْرَ الْبَيْتِ بَعْدَ صُوفَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ وَأَرَادُوا النَّفْرَ مِنْ مِنًى، أَخَذَتْ صُوفَةُ بِجَانِبَيْ الْعَقَبَةِ، فَحَبَسُوا النَّاس وَقَالُوا: أجيرى صُوفَةَ، فَلَمْ يَجُزْ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَمُرُّوا، فَإِذَا نَفَرَتْ صُوفَةُ وَمَضَتْ خُلِّيَ سَبِيلُ النَّاسِ فَانْطَلَقُوا بَعْدَهُمْ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى انْقَرَضُوا، فَوَرِثَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِمْ بِالْقُعْدُدِ [٤] بَنُو سعد بن زِيَاد مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ [٥]، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فِي آلِ صَفْوَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ.
(نَسَبُ صَفْوَانَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَفْوَانُ بْنُ جُنَابِ بْنِ شِجْنَةَ بْنِ عُطَارِدَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ.
----------------------
[١] روى عَن جده، وَأَبِيهِ، وَعَمه حَمْزَة. وَعنهُ هِشَام بن عُرْوَة، ومُوسَى بن عقبَة، وَابْن إِسْحَاق وَجَمَاعَة، وَلَقَد مَاتَ شَابًّا عَن سبع وَثَلَاثِينَ سنة. (رَاجع تراجم رجال لِابْنِ إِسْحَاق) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يرومى»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] يُرِيد قرب النّسَب. يُقَال: رجل قعدد، إِذا كَانَ قريب الْآبَاء إِلَى الْجد الْأَكْبَر. وَمن أغرب مَا يذكر أَن يزِيد بن مُعَاوِيَة حج بِالنَّاسِ سنة خمسين، وَأَن عبد الصَّمد بن على حج بِالنَّاسِ سنة مائَة وَخمسين وآباؤهما فِي القعدد إِلَى عبد منَاف وَاحِد، وَبَينهمَا مائَة سنة.
[٥] وَذَلِكَ لِأَن سَعْدا هُوَ ابْن زيد مَنَاة بن تَمِيم بن مر، وَكَانَ سعد أقعد بالغوث بن مر من غَيره من الْعَرَب.
(صَفْوَانُ وَكَرِبٌ وَالْإِجَازَةُ فِي الْحَجِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ صَفْوَانُ هُوَ الَّذِي يُجِيزُ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمَّ بَنَوْهُ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، كَرِبُ بْنُ صَفْوَانَ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ مَغْرَاءَ السَّعْدِيُّ:
لَا يَبْرَحُ النَّاسُ مَا حَجُّوا مُعَرَّفَهُمْ ... حَتَّى يُقَالَ أَجِيزُوا آلَ صَفْوَانَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَوْسِ بْنِ مَغْرَاءَ.
مَا كَانَت عَلَيْهِ عدوان من إفَاضَة الْمزْدَلِفَة
(شِعْرُ ذِي الْإِصْبَعِ فِي إفَاضَتِهِمْ بِالنَّاسِ):
وَأَمَّا قَوْلُ ذِي الْإِصْبَعِ الْعَدْوَانِيِّ، وَاسْمُهُ حُرْثَانُ (مِنْ عَدْوَانَ) [١] بْنِ عَمْرٍو، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْإِصْبَعِ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ إصْبَعٌ فَقَطَعَهَا:
عَذِيرَ [٢] الْحَيِّ مِنْ عَدْوَانَ ... كَانُوا حَيَّةَ الْأَرْضِ [٣]
بَغَى بَعْضُهُمْ ظُلْمًا ... فَلَمْ يُرْعِ [٤] عَلَى بَعْضِ
وَمِنْهُم كَانَت السّادات ... وَالْمُوفُونَ بِالْقَرْضِ [٥]
وَمِنْهُمْ من يُجِيز النّاس ... بِالسُّنَّةِ وَالْفَرْضِ
وَمِنْهُمْ حَكَمٌ يَقْضِي ... فَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي
-------------------
[١] زِيَادَة عَن الشّعْر وَالشعرَاء، وَهِي زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق، إِذْ لم نجد مرجعا من المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا اتّفق مَعَ الْأُصُول فِي اسْم ذِي الإصبع، وَهُوَ كَمَا نصت عَلَيْهِ: حرثان بن الْحَارِث بن محرث بن ثَعْلَبَة ابْن سيار (شباة، شَبابَة) بن ربيعَة بن هُبَيْرَة بن ثَعْلَبَة بن ظرب بن عَمْرو (عياذ) بن يشْكر بن عدوان ابْن عَمْرو بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار. وَقيل: حرثان بن موت بن الْحَارِث بن شباة بن ذهب بن ثَعْلَبَة ... إِلَخ (رَاجع خزانَة الْأَدَب ج ٢، ص ٤٠٨، والمفضليات ص ٣١٢ طبع بيروت، والأغاني ج ٣ ص ٨٩ طبع دَار الْكتب، وَالشعر وَالشعرَاء، وَشرح الْقَامُوس) .
[٢] العذير: من يعْذر. يُرِيد: أَي هاتوا من يعْذر.
[٣] يُقَال: فلَان حَيَّة الأَرْض، وحية الْوَادي: إِذا كَانَ مهيبا يذعر مِنْهُ، وَقيل: حَيَّة الأَرْض:
أَي حَيَاتهَا، لأَنهم كَانُوا يقومُونَ بِالنَّاسِ لجودهم وكرمهم، فكأنهم كَانُوا حَيَاة للْأَرْض وَأَهْلهَا.
[٤] لم يرع: لم يبْق، يُقَال: مَا أرعى فلَان على فلَان: أَي مَا أبقى عَلَيْهِ.
[٥] الْقَرْض هُنَا: الْجَزَاء، أَي من فعل شَيْئا جازوه بِهِ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-17-2026, 11:58 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (15)
صــ 121إلى صــ 130
(أَبُو سَيَّارَةَ وَإِفَاضَتُهُ بِالنَّاسِ):
- وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ- فَلِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَتْ فِي عَدْوَانَ- فِيمَا حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ- يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ أَبُو سَيَّارَةَ، عُمَيْلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ [١] .
فَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
نَحْنُ دَفَعْنَا عَنْ أَبِي سَيَّارَهْ ... وَعَنْ مَوَالِيهِ بَنِي فَزَارَهْ [٢]
حَتَّى أَجَازَ سَالِمًا حِمَارَهْ ... مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو جَارَهُ
[٣] قَالَ: وَكَانَ أَبُو سَيَّارَةَ يَدْفَعُ بِالنَّاسِ عَلَى أَتَانٍ [٤] لَهُ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ: «سَالِمًا حِمَارَهُ» .
أَمْرُ عَامِرِ بْنِ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ
(قَضَاؤُهُ فِي خُنْثَى وَمَشْوَرَةُ جَارِيَتِهِ سُخَيْلَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ «حَكَمٌ يَقْضِي»، يَعْنِي عَامِرَ بْنَ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ الْعَدْوَانِيَّ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا نَائِرَةٌ [٥] وَلَا عُضْلَةٌ [٦] فِي قَضَاءٍ إلَّا أَسْنَدُوا ذَلِكَ إلَيْهِ ثُمَّ رَضُوا بِمَا قَضَى فِيهِ. فَاخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي بَعْضِ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فِي رَجُلٍ خُنْثَى، لَهُ مَا لِلرَّجُلِ وَلَهُ مَا لِلْمَرْأَةِ، فَقَالُوا:
أَتَجْعَلُهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؟ وَلَمْ يَأْتُوهُ بِأَمْرِ كَانَ أَعْضَلَ مِنْهُ. فَقَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمركُم، فو الله مَا نَزَلَ بِي مِثْلُ هَذِهِ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ! فَاسْتَأْخَرُوا عَنْهُ. فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا، يُقَلِّبُ أَمْرَهُ، وَيَنْظُرُ فِي شَأْنِهِ، لَا يَتَوَجَّهُ لَهُ مِنْهُ وَجْهٌ. وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا سُخَيْلَةُ تَرْعَى عَلَيْهِ غَنَمَهُ، وَكَانَ يُعَاتِبُهَا إذَا سَرَحَتْ فَيَقُولُ: صَبَّحْتِ وَاَللَّهِ
---------------------
[١] وَقيل اسْمه العَاصِي، وَاسم الأعزل خَالِد.
[٢] يعْنى بمواليه: بنى عَمه، لِأَنَّهُ من عدوان، وعدوان وفزارة من قيس عيلان.
[٣] يَدْعُو جَاره: أَي يَدْعُو الله عز وجل يَقُول: اللَّهمّ كن لي جارا مِمَّن أخافه، أَي مجيرا.
[٤] وَكَانَت تِلْكَ الأتان سَوْدَاء. وَلذَلِك يَقُول:
لاهم مَا لي فِي الْحمار الْأسود ... أَصبَحت بَين الْعَالمين أحسد
[٥] النائرة: الكائنة الشنيعة تكون بَين الْقَوْم.
[٦] العضلة: الْأَمر الشَّديد الّذي لَا يعلم لَهُ وَجه.
يَا سُخَيْلُ! وَإِذَا أَرَاحَتْ عَلَيْهِ قَالَ: مَسَّيْتِ وَاَللَّهِ يَا سُخَيْلُ! وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَخِّرُ السَّرْحَ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَتُؤَخِّرُ الْإِرَاحَةَ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْضٌ. فَلَمَّا رَأَتْ سَهَرَهُ وَقِلَّةَ قَرَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ قَالَتْ: مَا لَكَ لَا أَبَا لَكَ! مَا عَرَاكَ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ؟
قَالَ: وَيْلَكَ! دَعِينِي، أَمْرٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِكَ، ثُمَّ عَادَتْ لَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهَا. فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: عَسَى أَنْ تَأْتِيَ مِمَّا أَنَا فِيهِ بِفَرَجٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! اُخْتُصِمَ إلَيَّ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى، أَأَجْعَلُهُ رَجُلًا أَو امْرَأَة؟ فو الله مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، وَمَا يَتَوَجَّهُ لِي فِيهِ وَجْهٌ.
قَالَ: فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا أَبَا لَكَ! أَتْبِعْ الْقَضَاءَ الْمَبَالَ [١]، أَقْعِدْهُ، فَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَهِيَ امْرَأَةٌ.
قَالَ: مَسِّي سُخَيْلُ بَعْدَهَا أَوْ صَبِّحِي، فَرَّجْتِهَا وَاَللَّهِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ حِينَ أَصْبَحَ، فَقَضَى بِاَلَّذِي أَشَارَتْ عَلَيْهِ بِهِ.
غَلَبُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ عَلَى أَمْرِ مَكَّةَ وَجَمْعُهُ أَمْرَ قُرَيْشٍ وَمَعُونَةُ قُضَاعَةَ لَهُ
(هَزِيمَةُ صُوفَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ فَعَلَتْ صُوفَةُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، وَقَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهَا الْعَرَبُ، وَهُوَ دِينٌ فِي أَنْفُسِهِمْ فِي عَهْدِ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ وَوِلَايَتِهِمْ.
فَأَتَاهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ: لَنَحْنُ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكُمْ، فَقَاتِلُوهُ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَتْ صُوفَةُ، وَغَلَبَهُمْ قُصَيٌّ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
(مُحَارَبَةُ قُصَيٍّ لِخُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ وَتَحْكِيمُ يَعْمُرَ بْنِ عَوْفٍ):
وَانْحَازَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ عَنْ قُصَيٍّ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ سَيَمْنَعُهُمْ كَمَا مَنَعَ صُوفَةَ، وَأَنَّهُ سَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ. فَلَمَّا انْحَازُوا عَنْهُ بَادَاهُمْ [٢]
--------------------------
[١] أَي اجْعَلْهُ تَابعا لَهُ، وَهَذَا من الِاسْتِدْلَال بالأمارات، وَله نَظَائِر كَثِيرَة فِي الشَّرِيعَة. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ١٢: ١٨. لِأَن الْقَمِيص المدمى لم يكن فِيهِ خرق، وَلَا أثر لأنياب الذِّئْب.
[٢] باداهم: كاشفهم.
وَأَجْمَعَ لِحَرْبِهِمْ (وَثَبَتَ مَعَهُ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُضَاعَةَ) [١] .
وَخَرَجَتْ لَهُ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا (بِالْأَبْطَحِ) [٢]، حَتَّى كَثُرَتْ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ إنَّهُمْ تَدَاعَوْا إلَى الصُّلْحِ وَإِلَى أَنْ يُحَكِّمُوا بَيْنَهُمْ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ، فَحَكَّمُوا يَعْمُرَ بْنَ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ [٣] بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِأَنَّ قُصَيًّا أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَهُ قُصَيٌّ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ، مَوْضُوعٌ يَشْدَخُهُ [٤] تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَنَّ مَا أَصَابَتْ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ فَفِيهِ الدِّيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَأَنْ يُخَلَّى بَيْنَ قُصَيٍّ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ.
(سَبَبُ تَسْمِيَةِ يَعْمُرَ بِالشَّدَّاخِ):
فَسُمِّيَ يَعْمُرُ [٥] بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ: الشَّدَّاخَ، لِمَا شَدَخَ مِنْ الدِّمَاءِ وَوَضَعَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الشُّدَاخُ.
(قُصَيٌّ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ مُجَمِّعًا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ قُصَيٌّ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، وَجَمَعَ قَوْمَهُ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إلَى مَكَّةَ، وَتَمَلَّكَ عَلَى قَوْمِهِ وَأَهْلِ مَكَّةَ فَمَلَّكُوهُ. إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لِلْعَرَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ دِينًا فِي نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي تَغْيِيرُهُ. فَأَقَرَّ آلَ صَفْوَانَ وَعَدْوَانَ وَالنِّسْأَةَ وَمُرَّةَ بْنَ عَوْفٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ فَهَدَمَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ كُلَّهُ.
فَكَانَ قُصَيٌّ أَوَّلَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَكَانَتْ
-------------------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] فِي الطَّبَرِيّ: «... بن كَعْب بن لَيْث» .
[٤] يشدخه: يكسرهُ، وَيُرِيد أَنه أبطل تِلْكَ الدِّمَاء، وَلم يَجْعَل لَهَا حظا، وَلذَلِك قيل: تَحت قَدَمَيْهِ.
[٥] يعمر الشداخ: هُوَ جد بنى دأب الَّذين أَخذ عَنْهُم كثير من علم الْأَخْبَار والأنساب. وهم عِيسَى ابْن يزِيد بن دأب، وَأَبوهُ يزِيد، وَحُذَيْفَة بن دأب، ودأب: هُوَ ابْن كرز بن أَحْمَر، من بنى يعمر ابْن عَوْف.
إلَيْهِ الْحِجَابَةُ [١]، وَالسِّقَايَةُ [٢]، وَالرِّفَادَةُ [٣]، وَالنَّدْوَةُ [٤]، وَاللِّوَاءُ [٥]، فَحَازَ شَرَفَ مَكَّةَ كُلَّهُ. وَقَطَعَ مَكَّةَ رِبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ كُلَّ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَنَازِلَهُمْ مِنْ مَكَّةَ الَّتِي أَصْبَحُوا عَلَيْهَا، وَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ قُرَيْشًا هَابُوا قَطْعَ شَجَرِ الْحَرَمِ فِي مَنَازِلِهِمْ فَقَطَعَهَا قُصَيٌّ بِيَدِهِ وَأَعْوَانِهِ [٦]، فَسَمَّتْهُ قُرَيْشٌ مُجَمِّعًا لِمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِهَا، وَتَيَمَّنَتْ بِأَمْرِهِ، فَمَا تُنْكَحُ امْرَأَةٌ، وَلَا يَتَزَوَّجُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرٍ نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا يَعْقِدُونَ لِوَاءً لِحَرْبِ قَوْمٍ مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا فِي دَارِهِ، يَعْقِدُهُ لَهُمْ بَعْضُ وَلَدِهِ، وَمَا تَدَّرِعُ [٧] جَارِيَةٌ إذَا بَلَغَتْ أَنْ تَدَّرِعَ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا فِي دَارِهِ، يَشُقُّ عَلَيْهَا فِيهَا دِرْعَهَا ثُمَّ تَدَّرِعُهُ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ بِهَا إلَى أَهْلِهَا. فَكَانَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي حَيَاتِهِ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، كَالدِّينِ الْمُتَّبِعِ لَا يُعْمَلُ بِغَيْرِهِ. وَاِتَّخَذَ لِنَفْسِهِ دَارَ النَّدْوَةِ وَجَعَلَ بَابَهَا إلَى مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، فَفِيهَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقْضِي أُمُورَهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:
---------------------------
[١] الحجابة: أَن تكون مَفَاتِيح الْبَيْت عِنْده فَلَا يدْخلهُ أحد إِلَّا بِإِذْنِهِ.
[٢] السِّقَايَة: يعْنى سِقَايَة زَمْزَم، وَكَانُوا يصنعون بهَا شرابًا فِي الْمَوْسِم للْحَاج الّذي يوافي مَكَّة ويمزجونه تَارَة بِعَسَل، وَتارَة بِلَبن، وَتارَة بنبيذ، يتطوعون بذلك من عِنْد أنفسهم.
[٣] الرفادة: طَعَام كَانَت قُرَيْش تجمعه كل عَام لأهل الْمَوْسِم، وَيَقُولُونَ: هم أضياف الله تَعَالَى.
وسيعرض لَهَا الْمُؤلف بالْكلَام بعد قَلِيل.
[٤] الندوة: الِاجْتِمَاع للمشورة والرأى، وَكَانَت الدَّار الَّتِي اتخذها قصي لذَلِك يُقَال لَهَا دَار الندوة، وَهَذِه الدَّار صَارَت بعد بنى عبد الدَّار إِلَى حَكِيم بن حزَام بن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي، فَبَاعَهَا فِي الْإِسْلَام بِمِائَة ألف دِرْهَم. وَذَلِكَ فِي زمن مُعَاوِيَة، فلامه مُعَاوِيَة فِي ذَلِك. وَقَالَ: أبعت مكرمَة آبَائِك وشرفهم؟ فَقَالَ حَكِيم: ذهبت المكارم إِلَّا التَّقْوَى، وَالله لقد اشْتَرَيْتهَا فِي الْجَاهِلِيَّة بزق خمر، وَقد بعتها بِمِائَة ألف دِرْهَم، وأشهدكم أَن ثمنهَا فِي سَبِيل الله، فأينا المغبون؟
[٥] اللِّوَاء: يعْنى فِي الْحَرْب، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يحملهُ عِنْدهم إِلَّا قوم مخصوصون.
[٦] الْمَعْرُوف وَالأَصَح أَن قُريْشًا حِين أَرَادوا الْبُنيان قَالُوا لقصي: كَيفَ نصْنَع فِي شجر الْحرم؟
فَحَذَّرَهُمْ قطعهَا وخوفهم الْعقُوبَة فِي ذَلِك، فَكَانَ أحدهم يحوف بالبنيان حول الشَّجَرَة حَتَّى تكون فِي منزله، وَإِن أول من ترخص فِي قطع شجر الْحرم للبنيان عبد الله بن الزبير حِين ابتنى دورا بقيقعان، وَلكنه جعل دِيَة كل شَجَرَة بقرة، وَكَذَلِكَ يرْوى عَن عمر رضي الله عنه أَنه قطع دوحة كَانَت فِي دَار أَسد بن عبد الْعُزَّى وَكَانَت تنَال أطرافها ثِيَاب الطائفين بِالْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ قبل أَن يُوسع الْمَسْجِد، فقطعها عمر رضي الله عنه، ووداها بقرة.
[٧] ادرعت الْجَارِيَة: لبست الدرْع.
قُصَيٌّ لَعَمْرِي كَانَ يُدَعَّى مُجَمِّعًا ... بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ
[١] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ [٢] ابْن خَبَّابٍ صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ، حَدِيثَ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَإِخْرَاجِهِ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، وَوِلَايَتِهِ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ.
(شِعْرُ رِزَاحٍ فِي نُصْرَتِهِ قُصَيًّا وَرَدُّ قُصَيٍّ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ قُصَيٌّ مِنْ حَرْبِهِ، انْصَرَفَ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ إلَى بِلَادِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ رِزَاحٌ فِي إجَابَتِهِ قُصَيًّا:
لَمَّا أَتَى مِنْ قُصَيٍّ رَسُولُ ... فَقَالَ الرَّسُولُ أَجِيبُوا الْخَلِيلَا
نَهَضْنَا إلَيْهِ نَقُودُ الْجِيَادَ ... وَنَطْرَحُ عَنَّا الْمَلُولَ الثَّقِيلَا
نَسِيرُ بِهَا اللَّيْلَ حَتَّى الصَّبَاحِ ... وَنَكْمِي [٣] النَّهَارَ لِئَلَّا نَزُولَا
فَهُنَّ سِرَاعٌ كَوِرْدِ [٤] الْقَطَا ... يُجِبْنَ بِنَا مِنْ قُصَيٍّ رَسُولَا
جَمَعْنَا مِنْ السِّرِّ مِنْ أَشْمَذَيْنِ [٥] ... وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ جَمَعْنَا قَبِيلَا
فَيَا لَكَ حُلْبَةَ مَا لَيْلَةٌ ... تَزِيدُ على الْألف سَببا رَسِيلَا [٦]
فَلَمَّا مَرَرْنَ عَلَى عَسْجَدٍ [٧] ... وَأَسْهَلْنَ مِنْ مُسْتَنَاخٍ سَبِيلَا [٨]
------------------------
[١] وَيذكر أَن هَذَا الشّعْر لحذافة بن جمح.
[٢] هُوَ السَّائِب بن خباب الْمدنِي أَبُو مُسلم صَاحب الْمَقْصُورَة، وَيُقَال هُوَ مولى فَاطِمَة بنت عتبَة، وَلم نجد فِيمَن رووا عَنهُ عبد الْملك بن رَاشد، كَمَا لم نجده فِي شُيُوخ ابْن إِسْحَاق الَّذين روى عَنْهُم. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب وتراجم رجال) .
[٣] نكمى: نكمن ونستتر.
[٤] الْورْد: الْوَارِدَة.
[٥] أشمذان (بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر النُّون، على لفظ التَّثْنِيَة): قبيلتان، وَيُقَال جبلان بَين الْمَدِينَة وخيبر تنزلهما جُهَيْنَة وَأَشْجَع.
[٦] الحلبة: جمَاعَة الْخَيل. والسيب: الْمَشْي السَّرِيع فِي رفق كَمَا تنساب الْحَيَّة. والرسيل: الّذي فِيهِ تمهل.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عسجر» وَكِلَاهُمَا اسْم على مَوضِع بِعَيْنِه. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٨] أسهل: حل الْموضع السهل.
وَجَاوَزْنَ بِالرُّكْنِ مِنْ وَرِقَانٍ [١] ... وَجَاوَزْنَ بِالْعَرْجِ [٢] حَيَّا حُلُولَا
مَرَرْنَ عَلَى الْحِلِّ [٣] مَا ذُقْنَهُ ... وَعَالَجْنَ مِنْ مَرٍّ لَيْلًا طَوِيلَا
نُدْنِي مِنْ الْعُوذِ أَفْلَاءَهَا [٤] ... إرَادَةَ أَنْ يَسْتَرِقْنَ الصَّهِيلَا
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَى مَكَّةَ ... أَبَحْنَا الرِّجَالَ قَبِيلًا قَبِيلًا
نُعَاوِرُهُمْ ثُمَّ حَدَّ السُّيُوفِ ... وَفِي كُلِّ أَوْبٍ خَلَسْنَا الْعَقُولَا [٥]
نخبّزهم بصلاب النّسور ... خَبْزَ الْقَوِيِّ الْعَزِيزَ الذَّلِيلَا [٦]
قَتَلْنَا خُزَاعَةَ فِي دَارِهَا ... وَبَكْرًا قَتَلْنَا وَجِيلًا فَجِيلَا
-----------------------
[١] ورقان (بِالْفَتْح ثمَّ الْكسر، ويروى بِسُكُون الرَّاء): جبل أسود بَين العرج والرويثة، على يَمِين المصعد من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت) .
[٢] العرج (بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيه): وَاد من نواحي الطَّائِف، وَإِلَيْهِ ينْسب العرجى الشَّاعِر.
(رَاجع مُعْجم مَا استعجم، ومعجم الْبلدَانِ) .
[٣] كَذَا فِي إِحْدَى رِوَايَات الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة. والحل (بِالْكَسْرِ): جمع حلَّة، وَهِي شَجَرَة شاكة، أَصْغَر من القتاد، يسميها أهل الْبَادِيَة الشرق. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هِيَ شَجَرَة إِذا أكلتها الْإِبِل سهل خُرُوج أَلْبَانهَا، وَقيل هِيَ شَجَرَة تنْبت بالحجاز تظهر من الأَرْض غبراء ذَات شوك تأكلها الدَّوَابّ. وَهُوَ سريع النَّبَات ينْبت بالجدد والآكام والحصباء، وَلَا ينْبت فِي سهل وَلَا جبل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْحلَّة: شَجَرَة شاكة، تنْبت فِي غلظ الأَرْض، أَصْغَر من العوسجة، وَرقهَا صغَار وَلَا ثَمَر لَهَا، وَهِي مرعى صدق.
وَفِي رِوَايَة ثَانِيَة: «الْحِيَل» . وَهُوَ المَاء المستنقع فِي بطن وَاد.
وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة، وَهِي الرِّوَايَة الَّتِي أَجمعت عَلَيْهَا الْأُصُول: «الْحلِيّ» . وَقد ذهب السهيليّ فِي تَفْسِيره إِلَى أَنه نبت، وَهُوَ ثَمَر القلقلان. وغلطه فِي ذَلِك أَبُو ذَر فِي شرح السِّيرَة، وَقَالَ: «... وَهَذَا غلط، لِأَن اسْم النَّبَات الْحلِيّ، بتَشْديد الْيَاء وبكسر اللَّام» . وَهَذَا مَا عَلَيْهِ معاجم اللُّغَة، وَذهب أَبُو ذَر إِلَى أَن «الْحلِيّ» اسْم مَوضِع، وَلم يتَعَرَّض للْكَلَام عَنهُ بِشَيْء. والّذي فِي المعاجم الجغرافية: أَن حلى: مَوضِع بِالْيمن على سَاحل الْبَحْر بَينه وَبَين السرين يَوْم وَاحِد، وَبَينه وَبَين مَكَّة ثَمَانِيَة أَيَّام، وَقيل هِيَ لُغَة فِي حلية، وَهِي من أَرض الْيمن، وَقيل بنواحي الطَّائِف. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة، ولسان الْعَرَب، ومعجم الْبلدَانِ) .
[٤] العوذ: جمع عَائِذ، وَهِي النَّاقة أَو الْفرس الَّتِي لَهَا أَوْلَاد. والأفلاء: جمع فَلَو، وَهُوَ الْمهْر الْعَظِيم أَو الْبَالِغ سنة.
[٥] نعاورهم: نداولهم مرّة بعد مرّة. والأوب: الرُّجُوع.
[٦] نخبزهم: نسوقهم سوقا شَدِيدا. وصلاب النسور: الْخَيل. والنسور: جمع نسر، وَهُوَ اللَّحْم الْيَابِس الّذي فِي بَاطِن الْحَافِر.
نَفَيْنَاهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمَلِيكِ ... كَمَا لَا يَحِلُّونَ أَرْضًا سُهُولَا
فَأَصْبَحَ سَبْيُهُمْ فِي الْحَدِيدِ ... وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ شَفَيْنَا الْغَلِيلَا
وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ [١] هُذَيْمٍ الْقُضَاعِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قُصَيٍّ حِينَ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مُضْمَرَةً تَغَالِي [٢] ... مِنْ الْأَعْرَافِ [٣] أَعْرَافَ الْجِنَابِ [٤]
إلَى غَوْرَى تِهَامَةَ فَالْتَقَيْنَا ... مِنْ الْفَيْفَاءِ فِي قَاعٍ يَبَابِ [٥]
فَأَمَّا صُوفَةُ الْخُنْثَى فَخَلَّوْا ... مَنَازِلَهُمْ مُحَاذَرَةَ الضِّرَابِ
وَقَامَ بَنُو عَلِيٍّ إذْ رَأَوْنَا ... إلَى الْأَسْيَافِ كَالْإِبِلِ الطِّرَابِ
[٦] وَقَالَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ:
أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ [٧] بَنِي لُؤَيٍّ ... بِمَكَّةَ مَنْزِلِي وَبِهَا رَبِيتُ
إلَى الْبَطْحَاءِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... وَمَرْوَتُهَا رَضِيتُ بِهَا رَضِيتُ
فَلَسْتُ لِغَالِبِ إنْ لَمْ تَأَثَّلْ [٨] ... بِهَا أَوْلَادُ قَيْذَرَ وَالنَّبِيتُ [٩]
رِزَاحٌ نَاضِرِي وَبِهِ أُسَامِي ... فَلَسْتُ أَخَافُ ضَيْمًا مَا حَيِيتُ
--------------------------
[١] كَذَا فِي أوالاشتقاق والمعارف. وَكَانَ هذيم عبدا حَبَشِيًّا فنسب إِلَيْهِ سعد، وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«سعد بن هذيم» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] تغالى: ترْتَفع فِي سَيرهَا، من المغالاة، وَهِي الِارْتفَاع والتزيد فِي السّير.
[٣] الْأَعْرَاف: جمع عرف، وَهُوَ الرمل الْمُرْتَفع المستطيل.
[٤] الجناب (بِالْكَسْرِ): مَوضِع بعراض خَيْبَر وَسلَاح ووادي الْقرى، وَقيل: هُوَ من منَازِل بنى مَازِن، وَقيل: من ديار بنى فَزَارَة بَين الْمَدِينَة وفهر. وَقَالَ السهيليّ: هُوَ مَوضِع من بِلَاد قضاعة.
وَهُنَاكَ جناب آخر، إِلَّا أَنه بِفَتْح الْجِيم، وَهُوَ مَوضِع فِي أَرض كلب فِي السماوة بَين الْعرَاق وَالشَّام.
وَالظَّاهِر أَن الأول هُوَ المُرَاد هُنَا.
[٥] الْغَوْر: المنخفض. والفيفاء: الصَّحرَاء. والقاع: المنخفض من الأَرْض. واليباب: القفر.
[٦] كَذَا فِي الأَصْل. والطراب: الْإِبِل الَّتِي حنت إِلَى مواطنها واشتاقت. ويروى: «الظراب» .
(بالظاء الْمُعْجَمَة): جمع ظرب، وَهُوَ الجبيل الصَّغِير، شبه الْإِبِل بِهِ.
[٧] يُرِيد أَنهم يعصمون النَّاس ويمنعونهم، لكَوْنهم أهل الْبَيْت وَالْحرم.
[٨] يُقَال: تأثل فلَان بِالْمَكَانِ: إِذا أَقَامَ بِهِ وَاسْتقر وَلم يبرح.
[٩] أَوْلَاد قيذر والنبيت: يعْنى أَوْلَاد إِسْمَاعِيل عليه السلام.
(مَا كَانَ بَيْنَ رِزَاحٍ وَبَيْنَ نَهْدٍ وَحَوْتَكَةَ، وَشِعْرُ قُصَيٍّ فِي ذَلِكَ
): فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي بِلَادِهِ، نشره الله ونشرحنا، فَهُمَا قَبِيلَا عُذْرَةَ [١] الْيَوْمِ. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، حِينَ قَدِمَ بِلَادَهُ، وَبَيْنَ نَهْدِ بْنِ زَيْدِ وَحَوْتَكَةَ بْنِ أَسْلُمَ [٢]، وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ قُضَاعَةَ، شَيْءٌ، فَأَخَافَهُمْ حَتَّى لَحِقُوا بِالْيَمَنِ وَأَجْلَوْا مِنْ بِلَادِ قُضَاعَةَ، فَهُمْ الْيَوْمَ بِالْيَمَنِ. فَقَالَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، وَكَانَ يُحِبُّ قُضَاعَةَ وَنَمَاءَهَا وَاجْتِمَاعَهَا بِبِلَادِهَا، لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِزَاحٍ مِنْ الرَّحِمِ، وَلِبَلَائِهِمْ [٣] عِنْدَهُ إذْ أَجَابُوهُ إذْ دَعَاهُمْ إلَى نُصْرَتِهِ، وَكَرِهَ مَا صَنَعَ بِهِمْ رِزَاحٌ:
أَلَا مِنْ مُبْلِغٍ عَنِّي رِزَاحَا ... فَإِنِّي قَدْ لَحَيْتُكَ [٤] فِي اثْنَتَيْنِ
لَحَيْتُكَ فِي بَنِي نَهْدِ بْنِ زَيْدِ ... كَمَا فَرَّقْتَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنِي
وَحَوْتَكَةُ بْنُ أَسْلُمَ إنَّ قَوْمًا ... عَنَوْهُمْ بِالْمَسَاءَةِ قَدْ عَنَوْنِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِزُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ.
(مَا آثَرَ بِهِ قُصَيٌّ عَبْدَ الدَّارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَبِرَ قُصَيٌّ وَرَقَّ عَظْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ الدَّارِ بِكْرَهُ، وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ قَدْ شَرُفَ فِي زَمَانِ أَبِيهِ وَذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَعَبْدُ الْعُزَّى وَعَبْدٌ. قَالَ قُصَيٌّ لِعَبْدِ الدَّارِ: (أَمَا وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّ) [٥] لِأُلْحِقَنَّكَ بِالْقَوْمِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَرُفُوا عَلَيْكَ: لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ الْكَعْبَةَ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تَفْتَحُهَا لَهُ، وَلَا يَعْقِدُ لِقُرَيْشٍ لِوَاءً لِحَرْبِهَا إلَّا أَنْتَ بِيَدِكَ، وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ بِمَكَّةَ إلَّا مِنْ سِقَايَتِكَ، وَلَا يَأْكُلُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْسِمِ طَعَامًا إلَّا مِنْ طَعَامِكَ، وَلَا تَقْطَعُ قُرَيْشٌ
-------------------------
[١] فِي قضاعة عذرتان، عذرة بن رفيدة، وهم من بنى كلب بن وبرة، وعذرة بن سعد بن سود بن أسلم (بِضَم اللَّام) بن الحاف بن قضاعة. وَأسلم هَذَا من ولد حن بن ربيعَة أخى رزاح بن ربيعَة (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٢] هُوَ بِضَم اللَّام، وَلَيْسَ فِي الْعَرَب أسلم بِضَم اللَّام إِلَّا ثَلَاثَة اثْنَان فِي قضاعة، وهما أسلم بن الحاف هَذَا، وَأسلم بن تدول بن تيم اللات بن رفيدة بن ثَوْر بن كلب، وَالثَّالِث فِي عك، وَهُوَ أسلم بن القياتة بن الشَّاهِد بن عك. (رَاجع مؤتلف الْقَبَائِل ومختلفها لِابْنِ حبيب) .
[٣] بلاؤهم: نعمتهم.
[٤] لحاه: لامه.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
٩- سيرة ابْن هِشَام- ٢
أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلَّا فِي دَارِكَ. فَأَعْطَاهُ دَارَهُ دَارَ النَّدْوَةِ، الَّتِي لَا تَقْضِي قُرَيْشٌ أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلَّا فِيهَا، وَأَعْطَاهُ الْحِجَابَةَ واللواء والسقاية والرّفاة.
(الرفادة):
وَكَانَتْ الرِّفَادَةُ خَرْجًا تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ مِنْ أَمْوَالِهَا إلَى قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، فَيَصْنَعُ بِهِ طَعَامًا لِلْحَاجِّ، فَيَأْكُلُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَعَةٌ وَلَا زَادٌ. وَذَلِكَ أَنَّ قُصَيًّا فَرَضَهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَأَهْلُ الْحَرَمِ، وَإِنَّ الْحَاجَّ ضَيْفُ اللَّهِ وَزُوَّارُ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ، فَاجْعَلُوا لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الْحَجِّ، حَتَّى يَصْدُرُوا عَنْكُمْ فَفَعَلُوا. فَكَانُوا يُخْرِجُونَ لِذَلِكَ كُلَّ عَامٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ خَرْجًا فَيَدْفَعُونَهُ إلَيْهِ، فَيَصْنَعُهُ طَعَامًا لِلنَّاسِ أَيَّامَ مِنًى. فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى قَوْمِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ، ثُمَّ جَرَى فِي الْإِسْلَامِ إلَى يَوْمِكَ هَذَا. فَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يَصْنَعُهُ السُّلْطَانُ كُلَّ عَامٍ بِمَنَى لِلنَّاسِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَجُّ» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بِهَذَا مِنْ أَمْرِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا قَالَ لِعَبْدِ الدَّارِ فِيمَا دُفِعَ إلَيْهِ مِمَّا كَانَ بِيَدِهِ، أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهم قَالَ:
سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِرَجُلِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، يُقَالُ لَهُ: نُبَيْهُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَجَعَلَ إلَيْهِ قُصَيٌّ كُلَّ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَكَانَ قُصَيٌّ لَا يُخَالَفُ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ صَنَعَهُ.
ذِكْرُ مَا جَرَى مِنْ اخْتِلَافِ قُرَيْشٍ بَعْدَ قُصَيٍّ وَحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ
(الْخِلَافُ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ الدِّارِ وَبَنِي أَعْمَامِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ هَلَكَ، فَأَقَامَ أَمْرَهُ فِي قَوْمِهِ وَفِي غَيْرِهِمْ بَنُوهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَاخْتَطُّوا مَكَّةَ رِبَاعًا [١]- بَعْدَ الَّذِي كَانَ قَطَعَ
----------------------------
[١] الرباع: الْمنَازل وَمَا حولهَا، وَاحِدهَا: ربع (بِالْفَتْح) .
لِقَوْمِهِ [١] بِهَا- فَكَانُوا يَقْطَعُونَهَا [٢] فِي قَوْمِهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ وَيَبِيعُونَهَا، فَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ مَعَهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَازُعٌ، ثُمَّ إنَّ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ ابْن قُصَيِّ [٢] عَبْدَ شَمْسٍ وَهَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ وَنَوْفَلًا [٣] أَجَمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مَا بِأَيْدِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ مِمَّا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَ إلَى عَبْدِ الدَّارِ، مِنْ الْحِجَابَةِ وَاللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، فَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، فَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى رَأْيِهِمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِمَكَانِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، يَرَوْنَ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْهُمْ مَا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَ إلَيْهِمْ.
(مَنْ نَاصَرُوا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَمَنْ نَاصَرُوا بَنِي أَعْمَامِهِمْ.):
فَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَامِرُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الدَّارِ. فَكَانَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَبَنُو زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ، مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
وَكَانَ بَنُو مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ، وَبَنُو سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَخَرَجَتْ عَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهْرٍ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.
فَعَقَدَ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى أَمْرِهِمْ حِلْفًا مُؤَكَّدًا عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا، وَلَا يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا بَلَّ بَحْرَ صُوفَةَ [٤] .
------------------------
[١] تقدم أَن قصيا أنزل كل قوم من قُرَيْش مَنَازِلهمْ من مَكَّة الَّتِي أَصْبحُوا عَلَيْهَا.
[٢] فِي أ: «يعطونها» .
[٣] وَقد كَانَ لعبد منَاف ولد خَامِس، وَهُوَ أَبُو عَمْرو، واسْمه عبيد، أدرج وَلَا عقب لَهُ. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] يُرِيد إِلَى الْأَبَد. وصوف الْبَحْر: شَيْء على شكل الصُّوف الحيواني، واحدته: صوفة. يُقَال:
لَا آتِيك مَا بل بَحر صوفة. أَو مَا بل الْبَحْر صوفة. يُرِيد لَا آتِيك أبدا (لِسَان الْعَرَب مَادَّة صوف) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:02 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (16)
صــ 131إلى صــ 140
(مَنْ دَخَلُوا فِي حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ):
فَأَخْرَجَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَ نِسَاءِ [١] بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا لِأَحْلَافِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ غَمَسَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ فِيهَا، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحَلْفَاؤُهُمْ، ثُمَّ مَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسُمُّوا الْمُطَيَّبِينَ.
(مَنْ دَخَلُوا فِي حِلْفِ الْأَحْلَافِ):
وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحُلَفَاؤُهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حِلْفًا مُؤَكَّدًا، عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ [٢] .
(تَوْزِيعُ الْقَبَائِلِ فِي الْحَرْبِ):
ثُمَّ سُونِدَ [٣] بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَلُزَّ [٤] بَعْضُهَا بِبَعْضِ، فَعُبِّيَتْ [٥] بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ لِبَنِي سَهْمٍ، وَعُبِّيَتْ بَنُو أَسَدٍ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَعُبِّيَتْ زُهْرَةُ لِبَنِي جُمَحَ، وَعُبِّيَتْ بَنُو تَيْمٍ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَعُبِّيَتْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ لِبَنِي عَدِّي بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ قَالُوا: لِتُفْنَ كُلُّ قَبِيلَةٍ مَنْ أُسْنِدَ إلَيْهَا.
(مَا تَصَالَحَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ):
فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ أَجَمَعُوا لِلْحَرْبِ إذْ تَدَاعَوْا إلَى الصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ كَمَا كَانَتْ. فَفَعَلُوا وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ، وَتَحَاجَزَ النَّاسُ عَنْ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ حَالَفُوا، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إلَّا شِدَّةً» [٦] .
-------------------------[١] يُقَال: إِن الَّتِي أخرجت لَهُم الْجَفْنَة هِيَ أم حَكِيم الْبَيْضَاء بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله ﷺ وتوأمة أَبِيه. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة) .
[٢] وَيُقَال إِن عمر كَانَ من الأحلاف، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر من المطيبين.
[٣] المساندة: الْمُقَابلَة والمعاونة.
[٤] لز: أَي شدّ بَعْضهَا بِبَعْض.
[٥] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ٢ ص ٥٢) .
[٦] يُرِيد المعاقدة على الْخَيْر ونصرة الْحق. وبذا يجْتَمع هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر لَهُ صلى الله عَلَيْهِ
حِلْفُ الْفُضُولِ
(سَبَب تَسْمِيَته كَذَلِك):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا حِلْفُ الْفُضُولِ [١] فَحَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ:
تَدَاعَتْ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى حِلْفٍ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ ابْن عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، لِشَرَفِهِ وَسِنِّهِ، فَكَانَ حِلْفُهُمْ عِنْدَهُ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَزُهْرَةُ ابْن كِلَابٍ، وَتَيْمُ بْنُ مُرَّةَ. فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يَجِدُوا بِمَكَّةَ مَظْلُومًا مِنْ
-----------------------
[()] وَسلم، وَهُوَ: «لَا حلف فِي الْإِسْلَام» . على أَن يكون المُرَاد من هَذَا الحَدِيث الثَّانِي: النهى عَمَّا كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة من المحالفة على الْفِتَن، والقتال بَين الْقَبَائِل والغارات. وَقيل: إِن الحَدِيث الثَّانِي، وَهُوَ «لَا حلف فِي الْإِسْلَام» حاء لاحقا، قَالَه الرَّسُول ﷺ: زمن الْفَتْح، فَهُوَ نَاسخ للْحَدِيث الأول.
(لِسَان الْعَرَب: حلف) .
[١] يذكرُونَ: فِي سَبَب تَسْمِيَة هَذَا الْحلف بِهَذَا الِاسْم، أَن جرهما فِي الزَّمن الأول، قد سبقت قُريْشًا إِلَى مثل هَذَا الْحلف، فتحالف مِنْهُم ثَلَاثَة هم وَمن تَبِعَهُمْ، أحدهم: الْفضل بن فضَالة، وَالثَّانِي: الْفضل ابْن ودَاعَة، وَالثَّالِث: فُضَيْل بن الْحَارِث، وَقيل: بل هم: الفضيل بن شراعة، وَالْفضل بن ودَاعَة، وَالْفضل بن قضاعة، فَلَمَّا أشبه حلف قُرَيْش هَذَا حلف هَؤُلَاءِ الجرهميين سمى حلف الفضول.
وَقيل: بل سمى كَذَلِك لأَنهم تحالفوا أَن ترد الفضول على أَهلهَا، وَألا يَغْزُو ظَالِم مَظْلُوما.
وَكَانَ حلف الفضول هَذَا قبل الْبَعْث بِعشْرين سنة، وَكَانَ أكْرم حلف وأشرفه. وَأول من تكلم بِهِ ودعا إِلَيْهِ الزبير بن عبد الْمطلب، وَكَانَ سَببه أَن رجلا من زبيد قدم مَكَّة ببضاعة، فاشتراها مِنْهُ العَاصِي بن وَائِل، وَكَانَ ذَا قدر بِمَكَّة وَشرف، فحبس عَنهُ حَقه، فاستعدى عَلَيْهِ الزبيدِيّ الأحلاف: عبد الدَّار، ومخزوما، وجمح، وَسَهْما، وعدي بن كَعْب، فَأَبَوا أَن يعينوه على العَاصِي، وزبروه (انتهروه) .
فَلَمَّا رأى الزبيدِيّ الشَّرّ، أَو فِي على أَبى قبيس عِنْد طُلُوع الشَّمْس، وقريش فِي أَنْدِيَتهمْ حول الْكَعْبَة، فصاح بِأَعْلَى صَوته:
يَا آل فهر لمظلوم بضاعته ... بِبَطن مَكَّة نائى الدَّار والنفر
ومحرم أَشْعَث لم يقْض عمرته ... يَا للرِّجَال وَبَين الْحجر وَالْحجر
إِن الْحَرَام لمن تمت كرامته ... وَلَا حرَام لثوب الْفَاجِر الْغدر
فَقَامَ فِي ذَلِك الزبير بن عبد الْمطلب، وَقَالَ: مَا لهَذَا مترك. فاجتمعت هَاشم، وزهرة، وتيم بن مرّة فِي دَار ابْن جدعَان، فَصنعَ لَهُم طَعَاما وتعاقدوا، وَكَانَ حلف الفضول. وَكَانَ بعْدهَا أَن أنصفوا الزبيدِيّ من العَاصِي. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إلَّا قَامُوا مَعَهُ، وَكَانُوا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ مَظْلِمَتُهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ.
(حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حِلْفِ الْفُضُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ [١] التَّيْمِيُّ [٢] أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ [٣] حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ [٤] وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ.
(نَازَعَ الْحُسَيْنُ الْوَلِيدَ فِي حَقٍّ، وَهَدَّدَ بِالدَّعْوَةِ إلَى حِلْفِ الْفُضُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [٥] بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ ابْن إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيَّ حَدَّثَهُ:
أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما، وَبَيْنَ الْوَلِيدِ ابْن عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ أَمَّرَهُ عَلَيْهَا عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ
------------------------
[١] هُوَ مُحَمَّد بن زيد بن المُهَاجر بن قنفذ التَّيْمِيّ الجدعانى الْمدنِي. روى عَن عبد الله بن عمر، وَعُمَيْر مولى آبى اللَّحْم، وأبى سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم. وروى عَنهُ مَالك بن أنس، وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني، وَبشر بن الْمفضل، وَحَفْص بن غياث، وفضيل بن سُلَيْمَان النميري، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن ماجة. (تراجم رجال) .
[٢] زِيَادَة عَن أ، وتراجم رجال.
[٣] هُوَ عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم، ويكنى أَبَا زُهَيْر. وَهُوَ ابْن عَم عَائِشَة رضي الله عنها، وَلذَلِك قَالَت لرَسُول الله ﷺ: إِن ابْن جدعَان كَانَ يطعم الطَّعَام، ويقرى الضَّيْف، فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّه لم يقل يَوْمًا: رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدَّين. وَكَانَ ابْن جدعَان فِي بَدْء أمره صعلوكا ترب الْيَدَيْنِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِك فاتكا لَا يزَال يجنى الْجِنَايَات، فيعقل عَنهُ أَبوهُ وَقَومه، حَتَّى أبغضته عشيرته ونفاه أَبوهُ، وَحلف أَلا يؤويه أبدا لما أثقله بِهِ من الْغرم وَحمله من الدِّيات، ثمَّ كَانَ أَن أثرى ابْن جدعَان بعثوره على ثعبان من ذهب، وَعَيناهُ ياقوتتان، فأوسع فِي الْكَرم حَتَّى كَانَ يضْرب بِعظم جفنته الْمثل، ومدحه أُميَّة بن أَبى الصَّلْت لكرمه.
[٤] أَي لَا أحب نقضه، وَإِن دفع لي حمر النعم فِي مُقَابلَة ذَلِك.
[٥] هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَادِي اللَّيْثِيّ الْمدنِي أَبُو عبد الله. روى عَن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيرهمَا. وروى عَنهُ يحيى بن أَيُّوب، وَاللَّيْث وَآخَرُونَ. قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث توفى بِالْمَدِينَةِ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. (رَاجع تراجم رجال) .
ابْن أَبِي سُفْيَانَ- مُنَازَعَةً فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي الْمَرْوَةِ [١] . فَكَانَ الْوَلِيدُ تَحَامَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ رضي الله عنه فِي حَقِّهِ لِسُلْطَانِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَحْلِفُ باللَّه لَتُنْصِفَنِّي مِنْ حَقِّي أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَأَدْعُوَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ حِينَ قَالَ الْحُسَيْنُ رضي الله عنه مَا قَالَ: وَأَنَا أَحْلِفُ باللَّه لَئِنْ دَعَا بِهِ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ مَعَهُ حَتَّى يُنْصَفَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا. قَالَ: فَبَلَّغْتُ الْمِسْوَرَ ابْن مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَلَّغْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ حَقِّهِ حَتَّى رَضِيَ.
(سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ وَدُخُولِهِمَا فِي حِلْفِ الْفُضُولِ، فَأَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِمَا مِنْهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ قَالَ:
قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ- وَكَانَ مُحَمَّدُ ابْن جُبَيْرٍ أَعْلَمَ قُرَيْشٍ- عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ قَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ، يَعْنِي بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنِيَّ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي حِلْفِ الْفُضُولِ؟ قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِتُخْبِرَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ بِالْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ، لَقَدْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ مِنْهُ! قَالَ: صَدَقْتَ.
تَمَّ خَبَرُ حَلِفِ الْفُضُولِ.
(وِلَايَةُ هَاشِمٍ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ وَمَا كَانَ يَصْنَعُ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ رَجُلًا سِفَارًا قَلَّمَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مُقِلًّا ذَا وَلَدٍ، وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسِرًا فَكَانَ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إذَا حَضَرَ الْحَاجُّ قَامَ فِي قُرَيْشٍ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ
-------------------------
[١] ذُو الْمَرْوَة: قَرْيَة بوادي الْقرى، وَقيل بَين خشب ووادي الْقرى. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ يَأْتِيكُمْ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ زُوَّارُ اللَّهِ وَحُجَّاجُ بَيْتِهِ، وَهُمْ ضَيْفُ اللَّهِ، وَأَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ ضَيْفُهُ، فَاجْمَعُوا لَهُمْ مَا تَصْنَعُونَ لَهُمْ بِهِ طَعَامًا أَيَّامَهُمْ هَذِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ لِذَلِكَ مَا كَلَّفْتُكُمُوهُ» . فَيُخْرِجُونَ لِذَلِكَ خَرْجًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، كُلُّ امْرِئِ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، فيصنع بِهِ للحجّاج طَعَامًا حَتَّى يُصْدَرُوا مِنْهَا.
(شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ هَاشِمٍ):
وَكَانَ هَاشِمٌ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشِ: رِحْلَتَيْ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
وَأَوَّلَ مَنْ أَطْعَمَ الثَّرِيدَ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهُ عَمْرًا، فَمَا سُمِّيَ هَاشِمًا إِلَّا بهشمه الْخَبَر بِمَكَّةَ [١] لِقَوْمِهِ. فَقَالَ شَاعِرٌ [٢] مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ:
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ [٣]
سُنَّتْ إلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا ... سَفَرُ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةُ الْأَصْيَافِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ:
قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ
[٤]
---------------------
[١] وَمِمَّا يذكر فِي هَذَا أَن هاشما- وَقد كَانَ يَسْتَعِين بِقُرَيْش على إطْعَام الْحَاج- أَصَابَته وأصابت قومه أزمة شَدِيدَة، فكره أَن يُكَلف قُريْشًا أَمر الرفادة، فَاحْتمل إِلَى الشَّام بِجَمِيعِ مَاله، فَاشْترى بِهِ أجمع كعكا، ثمَّ أَتَى الْمَوْسِم فهشم ذَلِك الكعك كُله هشما، ودقه وصنع مِنْهُ للْحَاج طَعَاما شبه الثَّرِيد. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] هُوَ عبد الله بن الزبعري، وَكَانَ سَبَب مدحه لبني عبد منَاف، مَعَ أَنه سهمي، أَنه كَانَ قد هجا قصيا بِشعر كتبه فِي أَسْتَار الْكَعْبَة، فَاسْتَعدوا عَلَيْهِ بنى سهم، فأسلموه إِلَيْهِم، فضربوه وحلقوا شعره وربطوه إِلَى صَخْرَة، فاستغاث قومه فَلم يغيثوه، فَجعل يمدح قصيا ويسترضيهم، فَأَطْلقهُ بَنو عبد منَاف مِنْهُم وأكرموه، فمدحهم بِهَذَا الشّعْر، وبأشعار كَثِيرَة. وَيُقَال: إِن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من أَبْيَات لمطرود بن كَعْب ستجيء فِيمَا بعد من هَذَا الْكتاب أَولهَا:
يَا أَيهَا الرجل المحول رَحْله ... هلا نزلت بآل عبد منَاف
[٣] المسنتون: الَّذين أَصَابَتْهُم السّنة، وَهِي الْجُوع والقحط. والعجاف: من العجف، وَهُوَ الهزال والضعف. وَذَلِكَ أَن قومه من قُرَيْش كَانَت أَصَابَتْهُم لزبة وقحط، فَرَحل إِلَى فلسطين، فَاشْترى مِنْهَا الدَّقِيق، فَقدم بِهِ مَكَّة، فَأمر بِهِ فخبز لَهُ، وَنحر جزورا، ثمَّ اتخذ لِقَوْمِهِ مرقة ثريد بذلك الْخبز. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٤] ويروى:
وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف
(ولَايَة الْمطلب الرفادة وَالسِّقَايَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ هَلَكَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بِغَزَّةَ [١] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ تَاجِرًا، فَوَلِيَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ مِنْ بَعْدِهِ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَفَضْلٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّيهِ الْفَيْضَ لِسَمَاحَتِهِ وَفَضْلِهِ.
(زَوَاجُ هَاشِمٍ):
وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَتَزَوَّجَ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ ابْن النَّجَّارِ [٢]، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ [٣] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: الْحَرِيسُ- ابْنُ جَحْجَبِي بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ ابْن الْأَوْسِ. فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ، وَكَانَتْ لَا تَنْكِحُ الرِّجَالَ لِشَرَفِهَا فِي قَوْمِهَا حَتَّى يَشْتَرِطُوا لَهَا أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، إذَا كَرِهَتْ رَجُلًا فَارَقَتْهُ.
(مِيلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ كَذَلِكَ):
فَوَلَدَتْ لِهَاشِمِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَسَمَّتْهُ شَيْبَةَ [٤] . فَتَرَكَهُ هَاشِمٌ عِنْدَهَا حَتَّى كَانَ وَصِيفًا [٥] أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِ عَمُّهُ الْمُطَّلِبُ لِيَقْبِضَهُ فَيُلْحِقَهُ بِبَلَدِهِ وَقَوْمِهِ، فَقَالَتْ لَهُ سَلْمَى: لَسْتُ بِمُرْسَلَتِهِ مَعَكَ، فَقَالَ لَهَا الْمُطَّلِبُ: إنِّي غَيْرُ مُنْصَرَفٍ حَتَّى
---------------------
[()] وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يكون فِي الشّعْر إقواء. وَلَعَلَّ هَذِه الرِّوَايَة عَن غير أهل الْعلم بالشعر من أهل الْحجاز، الَّذين أَخذ عَنْهُم ابْن هِشَام الرِّوَايَة الأولى، ورفض الثَّانِيَة: لِأَنَّهَا لم تستقم فِي نظره، وأدلى بِعُذْرِهِ فِي أَنه أَخذهَا عَن أهل علم بالشعر، وَلم يكن لَهُ بِهِ دراية تَامَّة، فيقيم نَفسه فِي هَذَا الميدان حكما.
[١] غَزَّة (بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه وفتحه): مَدِينَة فِي أقْصَى الشَّام من نَاحيَة مصر، بَينهَا وَبَين عسقلان فرسخان أَو أقل. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] وَيُقَال: إِنَّه بِسَبَب هَذَا النّسَب، رحب سيف بن ذِي يزن، أَو ابْنه معديكرب بن سيف ملك الْيمن، بِعَبْد الْمطلب بن هَاشم، حِين وَفد عَلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش، وَقَالَ لَهُ: مرْحَبًا بِابْن أُخْتنَا: لِأَن سلمى من الْخَزْرَج، وهم من الْيمن من سبإ، وَلِأَن سَيْفا من حمير بن سبإ
[٣] وَيُقَال: إِن كل من فِي الْأَنْصَار بِهَذَا الِاسْم، فَهُوَ حريس (بِالسِّين الْمُهْملَة) إِلَّا هَذَا فَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة. (رَاجع شرح السِّيرَة وَالرَّوْض الْأنف) .
[٤] سمى شيبَة لشيبة كَانَت فِي رَأسه، ويكنى بِأبي الْحَارِث أكبر وَلَده. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] الوصيف (كقتيل): الْغُلَام دون المراهقة.
أَخْرُجَ بِهِ مَعِي، إنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ بَلَغَ، وَهُوَ غَرِيبٌ فِي غَيْرِ قَوْمِهِ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ فِي قَوْمِنَا، نَلِي كَثِيرًا مِنْ أُمُورِهِمْ، وَقَوْمُهُ وَبَلَدُهُ وَعَشِيرَتُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِمْ، أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَالَ شَيْبَةُ لِعَمِّهِ الْمُطَّلِبِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-: لَسْتُ بِمُفَارِقِهَا إلَّا أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَذِنَتْ لَهُ، وَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَاحْتَمَلَهُ فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ مُرْدِفَهُ مَعَهُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ابْتَاعَهُ، فَبِهَا سُمِّيَ شَيْبَةُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ الْمُطَّلِبُ: وَيْحَكُمْ! إنَّمَا هُوَ ابْنُ أَخِي هَاشِمٍ، قَدِمْتُ بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ.
(مَوْتُ الْمُطَّلِبِ وَمَا قِيلَ فِي رِثَائِهِ مِنْ الشِّعْرِ):
ثُمَّ هَلَكَ الْمُطَّلِبُ بِرَدْمَانَ [١] مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَبْكِيهِ:
قَدْ ظَمِئَ الْحَجِيجُ بَعْدَ الْمُطَّلِبِ ... بَعْدَ الْجِفَانِ وَالشَّرَابِ المُنْثَعِبْ [٢]
لَيْتَ قُرَيْشًا بَعْدَهُ عَلَى نَصَبْ
[٣] وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيُّ، يَبْكِي الْمُطَّلِبَ وَبَنِيَّ عَبْدِ مَنَافٍ جَمِيعًا حِينَ أَتَاهُ نَعْيُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ نَوْفَلٌ آخِرَهُمْ هُلْكًا:
يَا لَيْلَةً هَيَّجَتْ لَيْلَاتِي ... إحْدَى لَيَالِيَ الْقَسِيَّاتِ [٤]
وَمَا أُقَاسِي مِنْ هُمُومٍ وَمَا ... عَالَجْتُ مِنْ رُزْءِ الْمَنِيَّاتِ
إذَا تَذَكَّرْتُ أَخِي نَوْفَلًا ... ذَكَّرَنِي بِالْأَوَّلِيَّاتِ
ذَكَّرَنِي بالأزر الْحمر و... الأردية الصُّفْرِ الْقَشِيبَاتِ
أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ سَيِّدُ ... أَبْنَاءِ سَادَاتٍ لِسَادَاتِ
مَيْتٌ بِرَدْمَانَ وَمَيْتٌ بِسَلْمَانَ ... [٥] وَمَيِّتٌ عِنْدَ غَزَّاتِ [٦]
-----------------------
[١] ردمان (بِفَتْح أَوله): مَوضِع بِالْيمن. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] المنثعب: الْكثير السَّيْل، يُقَال: انشعب المَاء: إِذا سَالَ من مَوضِع حصر فِيهِ.
[٣] النصب: التَّعَب وَالْعَذَاب.
[٤] كَذَا فِي الأَصْل. والقسيات: الشدائد. ويروى: العشيات. والعشيات: المظلمات.
[٥] سلمَان: مَاء قديم جاهلى، وَبِه قبر نَوْفَل بن عبد منَاف، وَهُوَ طَرِيق إِلَى تهَامَة من الْعرَاق فِي الْجَاهِلِيَّة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] هِيَ غَزَّة، وَلَكنهُمْ يجْعَلُونَ لكل نَاحيَة، أَو لكل ربض من الْبَلدة اسْم الْبَلدة، فَيَقُولُونَ:
غزات فِي غَزَّة، كَمَا يَقُولُونَ فِي بغدان بغادين كَقَوْل بعض الْمُحدثين:
وَمَيِّتٌ [١] أُسْكِنَ لَحْدًا لَدَى ... الْمَحْجُوبِ شَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ [٢]
أَخْلَصُهُمْ عَبْدُ مَنَافٍ فَهُمْ ... مِنْ لَوْمِ مَنْ لَامَ بِمَنْجَاةِ
إنَّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا ... مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ
[٣] وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُغِيرَةَ، وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ هُلْكًا هَاشِمٌ، بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ عَبْدَ شَمْسٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ الْمُطَّلِبَ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ ثُمَّ نَوْفَلًا بِسَلْمَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ.
فَقِيلَ لِمَطْرُودِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-: لَقَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ، وَلَوْ كَانَ أَفْحَلَ مِمَّا قُلْتَ كَانَ أَحْسَنَ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي لَيَالِيَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ قَالَ:
يَا عَيْنُ جُوى وَأَذْرِي الدَّمْعَ وَانْهَمِرِي ... وَابْكِي عَلَى السِّرِّ مِنْ كَعْبِ الْمُغِيرَاتِ [٤]
يَا عَيْنُ وَاسْحَنْفِرِي بِالدَّمْعِ وَاحْتَفِلِي [٥] ... وَابْكِي خَبِيئَةَ نَفْسِي فِي الْمُلِمَّاتِ [٦]
وَابْكِي عَلَى كُلِّ فَيَّاضٍ أَخِي ثِقَةٍ ... ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ وَهَّابِ الْجَزِيلَاتِ [٧]
مَحْضِ الضَّرِيبَةِ عَالِي الْهَمِّ مُخْتَلِقٌ ... جَلْدِ النَّحِيزَةِ نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ [٨]
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ لَا نِكْسٍ وَلَا وَكِلٍ ... مَاضِي الْعَزِيمَةِ مِتْلَافِ الْكَرِيمَاتِ [٩]
--------------------------
[()]
شربنا فِي بغادين ... على تِلْكَ الميادين
والّذي عِنْد غَزَّة هُوَ هَاشم بن عبد منَاف.
[١] وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي مُعْجم الْبلدَانِ فِي الْكَلَام على ردمان:
وميت مَاتَ قَرِيبا من ... الْحجُون من شَرق البنيات
قَالَ ياقوت: «... والّذي بِقرب الْحجُون عبد شمس بن عبد منَاف» .
والحجون: جبل بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد مدافن أَهلهَا.
[٢] البنيات: الْكَعْبَة.
[٣] الْمُغيرَات: بَنو الْمُغيرَة.
[٤] السِّرّ: الْخَالِص النّسَب.
[٥] اسحنفرى: أديمى. واحتفلى: أَي اجمعيه، من احتفال الضَّرع، وَهُوَ اجْتِمَاع اللَّبن فِيهِ.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والخبيئة: الشَّيْء المخبوء. يُرِيد أَنه كَانَ ذخيرته عِنْد نزُول الشدائد.
وَفِي أ: «خبيئات» .
[٧] الْفَيَّاض: الْكثير الْمَعْرُوف. وضخم الدسيعة: كثير الْعَطاء. والجزيلات الكثيرات.
[٨] الضريبة: الطبيعة. والمختلق: التَّام الْخلق. والنحيزة: الطبيعة أَيْضا. وناء: ناهض.
[٩] النكس: الدنىء من الرِّجَال. والوكل: الضَّعِيف الّذي يتكل على غَيره.
صَقْرٍ تَوَسَّطَ مِنْ كَعْبٍ إذَا نُسِبُوا ... بُحْبُوحَةَ الْمَجْدِ وَالشُّمِّ الرَّفِيعَاتِ [١]
ثُمَّ اُنْدُبِي الْفَيْضَ وَالْفَيَّاضَ مُطَّلِبًا ... وَاسْتَخْرِطِي بَعْدَ فَيْضَاتٍ بِجُمَّاتِ [٢]
أَمْسَى بِرَدْمَانَ عَنَّا الْيَوْمَ مُغْتَرِبًا ... يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَيْهِ بَيْنَ أَمْوَاتِ [٣]
وَابْكِي، لَكَ الْوَيْلُ، إمَّا كُنْتِ بَاكِيَةً ... لِعَبْدِ شَمْسٍ بِشَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ
وَهَاشِمٍ فِي ضَرِيحٍ وَسْطَ بَلْقَعَةٍ ... تَسْفَى الرِّيَاحُ عَلَيْهِ بَيْنَ غَزَّاتِ
وَنَوْفَلٌ كَانَ دُونَ الْقَوْمِ خَالِصَتِي ... أَمْسَى بِسَلْمَانَ فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ [٤]
لَمْ أَلْقَ مِثْلَهُمْ عُجْمًا وَلَا عَرَبًا ... إذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ أُدْمُ الْمَطِيَّاتِ [٥]
أَمْسَتْ دِيَارُهُمْ مِنْهُمْ مُعَطَّلَةً ... وَقَدْ يَكُونُونَ زَيْنًا فِي السَّرِيَّاتِ [٦]
أَفْنَاهُمْ الدَّهْرُ أَمْ كَلَّتْ سُيُوفُهُمْ ... أَمْ كُلُّ مَنْ عَاشٍ أَزْوَادُ الْمَنِيَّاتِ [٧]
أَصْبَحْتُ أَرْضَى مِنْ الْأَقْوَامِ بَعْدَهُمْ ... بَسْطَ الْوُجُوهِ وَإِلْقَاءَ التَّحِيَّاتِ
يَا عَيْنُ فَابْكِي أَبَا الشُّعْثِ الشَّجِيَّاتِ [٨] ... يَبْكِينَهُ حُسَّرًا مِثْلَ الْبَلِيَّاتِ [٩]
--------------------------
[١] البحبوحة: وسط الشَّيْء. والشم: الْعَالِيَة.
[٢] استخرطى: استكثرى. والجمات: الْمُجْتَمع من المَاء، فاستعاره هُنَا الدمع.
[٣] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ١ ص ١٣٨ من هَذَا الْجُزْء)
[٤] الموماة: القفر.
[٥] الْأدم من الْإِبِل: الْبيض الْكِرَام.
[٦] السريات: جمع سَرِيَّة، وَهِي الْقطعَة من الْجَيْش أقصاها أَربع مائَة، تبْعَث إِلَى الْعَدو. سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم.
[٧] ويروى: «أوراد» . يُرِيد الْقَوْم الَّذين يُرِيدُونَ الْمَوْت، شبههم بالذين يردون المَاء.
[٨] الشجيات: الحزينات. وينكر بعض أهل اللُّغَة تَشْدِيد يَاء الشجى وَيَقُولُونَ بِأَن يَاء الشجى مُخَفّفَة وياء الخلي مُشَدّدَة، وَقد اعْترض ابْن قُتَيْبَة على أَبى تَمام الطَّائِي فِي قَوْله:
أيا وَيْح الشجى من الخلي فَإِنَّهُ ... وويح الدمع من إِحْدَى بلَى
وَاحْتج بقول يَعْقُوب فِي ذَلِك. فَقَالَ لَهُ الطَّائِي: وَمن أفْصح عنْدك: ابْن الجرمقانية يَعْقُوب، أم أَبُو الْأسود الدؤَلِي حَيْثُ يَقُول:
ويل الشجى من الخلي فَإِنَّهُ ... وصب الْفُؤَاد بشجوه مغموم؟
وَالْقِيَاس لَا يمْنَع من أَن يكون هُنَاكَ شج وشجى، لِأَنَّهُ فِي معنى حزن وحزين.
[٩] البليات: جمع بلية، وَهِي النَّاقة الَّتِي كَانَت تعقل عِنْد قبر صَاحبهَا إِذا مَاتَ حَتَّى تَمُوت جوعا وعطشا، وَيَقُولُونَ: إِن صَاحبهَا يحْشر رَاكِبًا عَلَيْهَا، وَمن لم يفعل مَعَه هَذَا حشر رَاجِلا. وَهَذَا على مَذْهَب من كَانَ يَقُول مِنْهُم بِالْبَعْثِ.
يَبْكِينَ أَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... يُعْوِلْنَهُ بِدُمُوعٍ بَعْدَ عَبَرَاتِ [١]
يَبْكِينَ شَخْصًا طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ ... آبِي الْهَضِيمَةِ فَرَّاجِ الْجَلِيلَاتِ [٢]
يَبْكِينَ عَمْرَو الْعُلَا إذْ حَانَ مَصْرَعُهُ ... سَمْحَ السَّجِيَّةِ بَسَّامَ الْعَشِيَّاتِ [٣]
يَبْكِينَهُ مُسْتَكِينَاتٍ عَلَى حَزَنٍ ... يَا طُولَ ذَلِكَ مِنْ حُزْنٍ وَعَوْلَاتٍ
يَبْكِينَ لَمَّا جَلَّاهُنَّ الزَّمَانُ لَهُ ... خُضْرُ الْخُدُودِ كَأَمْثَالِ الْحَمِيَّاتِ [٤]
مُحْتَزِمَاتٍ عَلَى أَوْسَاطِهِنَّ لِمَا ... جَرَّ الزَّمَانُ مِنْ أَحْدَاثِ الْمُصِيبَاتِ
أَبِيتُ لَيْلِي أُرَاعِي النَّجْمَ مِنْ أَلَمٍ ... أَبْكِي وَتَبْكِي مَعِي شَجْوِي بُنَيَّاتِي
مَا فِي الْقُرُومِ لَهُمْ عِدْلٌ وَلَا خَطَرٌ ... وَلَا لِمَنْ تركُوا شروى بقبّات [٥]
أَبْنَاؤُهُمْ خَيْرُ أَبْنَاءٍ وَأَنْفُسُهُمْ ... خَيْرُ النّفوس لَدَى جِهَاد الْأَلِيَّاتِ [٦]
كَمْ وَهَبُوا مِنْ طِمِرٍّ سَابِحٍ أَرِنٍ ... وَمِنْ طِمِرَّةٍ نَهْبٍ فِي طِمِرَّاتِ [٧]
وَمِنْ سُيُوفٍ مِنْ الْهِنْدِيِّ مُخْلَصَةٍ ... وَمِنْ رِمَاحٍ كَأَشْطَانِ الرَّكِيَّاتِ [٨]
وَمِنْ تَوَابِعِ مِمَّا يُفْضِلُونَ بِهَا ... عِنْدَ الْمَسَائِلِ مِنْ بَذْلِ الْعَطِيَّاتِ
فَلَوْ حَسَبْتُ وَأَحْصَى الْحَاسِبُونَ مَعِي ... لَمْ أَقْضِ أَفَعَالَهُمْ تَلِكَ الْهَنِيَّاتِ
هُمْ الْمُدِلُّونَ إمَّا مَعْشَرٌ فَخَرُّوا ... عِنْدَ الْفَخَّارِ بِأَنْسَابٍ نَقِيَّاتٍ
زَيْنُ الْبُيُوتِ الَّتِي خَلَّوْا [٩] مَسَاكِنَهَا ... فَأَصْبَحَتْ مِنْهُمْ وَحْشًا خَلِيَّاتٍ
---------------------------
[١] كَانَ الْوَجْه أَن يَقُول «عبرات» بِالتَّحْرِيكِ: إِلَّا أَنه أسكن للتَّخْفِيف ضَرُورَة.
[٢] الهضيمة: الذل وَالنَّقْص. والجليلات: الْأُمُور الْعِظَام.
[٣] السجية: الطبيعة. وبسام العشيات: يُرِيد أَنه يتبسم عِنْد لِقَاء الأضياف، لِأَن الأضياف أَكثر مَا يردون عَشِيَّة.
[٤] الحميات: الْإِبِل الَّتِي حميت المَاء: أَي منعت.
[٥] القروم سَادَات النَّاس، وَأَصله الفحول من الْإِبِل. وَالْعدْل: الْمثل. والخطر: الْقدر والرفعة.
وشروى: مثل، يُقَال: هَذَا شروى هَذَا، أَي مثله.
[٦] الأليات: الشدائد الَّتِي يقصر الْإِنْسَان بِسَبَبِهَا، وَهِي أَيْضا جمع ألية، وَهِي الْيَمين.
[٧] الطمر: الْفرس الْخَفِيف. وسابح: كَأَنَّهُ يسبح فِي جريه، أَي يعوم. وأرن: نشط. والنهب:
مَا انتهب من الْغَنَائِم.
[٨] الأشطان: جمع شطن، وَهُوَ الْحَبل. والركيات: جمع ركية، وَهِي الْبِئْر.
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حلوا» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:04 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (17)
صــ 141إلى صــ 150
أَقُولُ وَالْعين لَا ترقى مَدَامِعُهَا [١] ... لَا يُبْعِدُ اللَّهُ أَصْحَابَ الرَّزِيَّاتِ
[٢] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَجْرُ: الْعَطَاءُ. قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ [٣]:
عَجَّفَ أَضْيَافِي جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ ... بِذِي فَجَرٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْأَرَامِلُ
[٤] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَبُو الشُّعْثِ الشَّجِيَّاتِ: هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ.
(وِلَايَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ):
قَالَ: ثُمَّ وَلِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ بَعْدَ عَمِّهِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقَامَهَا لِلنَّاسِ، وَأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَشَرُفَ فِي قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ، وَأَحَبَّهُ قَوْمُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ فِيهِمْ.
ذِكْرُ حَفْرِ زَمْزَمَ وَمَا جَرَى مِنْ الْخُلْفِ فِيهَا
(الرُّؤْيَا الَّتِي أُرِيهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي حَفْرِ زَمْزَمَ):
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أُتِيَ فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْ حَفْرِهَا، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ [٥] بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيِّ عَنْ مَرْثَدِ [٦] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
----------------------
[١] لَا ترقا: لَا تَنْقَطِع، وَأَصله الْهَمْز فَخفف فِي الشّعْر.
[٢] الرزيات: جمع رزية، لُغَة فِي الرزيئة، بِمَعْنى الْمُصِيبَة والإصابة بالانتقاص. وَيُرِيد بأصحاب الرزيات: من أصيبوا وانتقصوا وَأصْبح شَأْنهمْ كَمَا وصف.
[٣] وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لأبى خرَاش قَالَهَا فِي قتل زُهَيْر بن الْعَجْوَة أخى بنى عَمْرو بن الْحَارِث، وَكَانَ قَتله جميل بن معمر بن حبيب بن حذافة بن جمح بن عَمْرو بن هصيص، يَوْم حنين.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. وعجف: حبس عَن الطَّعَام. يُرِيد: أجاعهم. وَفِي أشعار الهذليين المخطوط وَالْمَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية برقم (٦ أدب ش): «فجع» .
[٥] هُوَ يزِيد بن أَبى حبيب سُوَيْد أَبُو رَجَاء الْأَسدي الْمصْرِيّ عَالم أهل مصر، مولى شريك بن الطُّفَيْل الْأَزْدِيّ، وَقيل أَبوهُ مولى بنى حسل، وَأمه مولاة لتجيب. روى عَن عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ، وَابْن الطُّفَيْل الْكِنَانِي، وأبى الْخَيْر مرْثَد الْيَزنِي وَغَيرهم. (عَن تراجم الرِّجَال) .
[٦] هُوَ مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي (بِفَتْح الْيَاء والزاى) أَبُو الْخَيْر الْمصْرِيّ الْفَقِيه. روى عَن عقبَة بن عَامر الجهنيّ، وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ، وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيرهمَا. وروى عَنهُ غير يزِيد هَذَا ربيعَة بن جَعْفَر، وَكَعب بن عَلْقَمَة، وَعبد الرَّحْمَن بن شماسَة وَغَيرهم. توفى سنة تسعين. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
ابْن زُرَيْرٍ [١] الْغَافِقِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يُحَدِّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَفْرِهَا، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إنِّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ [٢] .
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ [٣] . قَالَ: وَمَا بَرَّةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ [٤] .
قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا زَمْزَمُ؟
قَالَ: لَا تَنْزِفُ [٥] أَبَدًا وَلَا تُذَمُّ [٦]، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ [٧]، عِنْدَ قَرْيَةِ [٨] النَّمْلِ.
(عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَابْنُهُ الْحَارِثُ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عِنْدَ حَفْرِهِمَا زَمْزَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بُيِّنَ لَهُ شَأْنُهَا، وَدُلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَعَرَفَ أَنَّهُ صُدِّقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ
----------------------
[١] هُوَ عبد الله بن زرير (بِالتَّصْغِيرِ) الغافقي الْمصْرِيّ. روى عَن على وَعمر. وَعنهُ أَبُو الْخَيْر مرْثَد الْيَزنِي وَأَبُو الْفَتْح الهمدانيّ، وَغَيرهمَا. مَاتَ فِي خلَافَة عبد الْملك سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَقيل سنة ثَمَانِينَ.
(رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
[٢] قيل لزمزم طيبَة، لِأَنَّهَا للطيبين والطيبات من ولد إِبْرَاهِيم.
[٣] قيل لَهَا برة، لِأَنَّهَا فاضت على الْأَبْرَار وغاضت عَن الْفجار.
[٤] قيل لَهَا مضنونة، لِأَنَّهَا ضن بهَا على غير الْمُؤمنِينَ فَلَا يتضلع مِنْهَا مُنَافِق.
[٥] لَا تنزف: لَا يفرغ مَاؤُهَا وَلَا يلْحق قعرها.
[٦] لَا تذم: أَي لَا تُوجد قَليلَة المَاء، تَقول: أذمت الْبِئْر: إِذا وَجدتهَا قَليلَة المَاء.
[٧] الأعصم من الْغرْبَان: الّذي فِي جناحيه بَيَاض، وَقيل غير ذَلِك.
[٨] إِنَّمَا خصت بِهَذِهِ العلامات الثَّلَاث لِمَعْنى زَمْزَم ومائها. فَأَما الفرث وَالدَّم، فان ماءها طَعَام طعم، وشفاء سقم، وَأما عَن الْغُرَاب الأعصم، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا ورد عَن رَسُول الله ﷺ: «ليخربن الْكَعْبَة ذُو السويقتين من الْحَبَشَة» . وَأما قَرْيَة النَّمْل، فَفِيهَا من المشاكلة أَيْضا والمناسبة أَن زَمْزَم هِيَ عين مَكَّة الَّتِي يردهَا الحجيج والعمار من كل جَانب، فيحملون إِلَيْهَا الْبر وَالشعِير وَغير ذَلِك، وَهِي لَا تحرث وَلَا تزرع، وقرية النَّمْل كَذَلِك لَا تحرث وَلَا تبذر وتجلب الْحُبُوب إِلَى قريتها من كل جَانب.
(رَاجع الرَّوْض الْأنف وَمَا يعول عَلَيْهِ فِي قَرْيَة النَّمْل) .
غَيْرَهُ، فَحَفَرَ فِيهَا. فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الطَّيَّ [١] كَبَّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، إنَّهَا بِئْرُ أَبِينَا إسْمَاعِيلَ، وَإِنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، إنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وَأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَأَنْصِفْنَا فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ، قَالُوا:
كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ هُذَيْمٌ [٢]، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ [٣] الشَّامِ. فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي أَبِيهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ. قَالَ: وَالْأَرْضُ إذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ. قَالَ: فَخَرَجُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابِهِ، فَظَمِئُوا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إنَّا بِمَفَازَةٍ، وَنَحْنُ نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ. فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ وَمَا يَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إلَّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمْ الْآنَ مِنْ الْقُوَّةِ، فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمَّ وَارَوْهُ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، قَالُوا: نِعْمَ مَا أَمَرْتَ بِهِ.. فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَحَفَرَ حُفْرَتَهُ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاَللَّهِ إنَّ إلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ وَلَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا، لَعَجْزٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ، ارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلُوا. حَتَّى إذَا فَرَغُوا، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ مَا هُمْ فَاعِلُونَ، تَقَدَّمَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا. فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ، انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّرَ
--------------------
[١] الطى: الْحِجَارَة الَّتِي طوى بهَا الْبِئْر.
[٢] كَذَا فِي أ. والطبري. وَفِي سَائِر الْأُصُول: سعد بن هذيم وَهُوَ تَحْرِيف «لِأَن هذيما لم يكن أَبَاهُ، وَإِنَّمَا كفله بعد أَبِيه فأضيف إِلَيْهِ» . (رَاجع شرح السِّيرَة والمعارف) .
[٣] أَشْرَاف الشَّام: مَا ارْتَفع من أرضه.
عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبَ وَشَرِبَ أَصْحَابُهُ وَاسْتَقَوْا حَتَّى مَلِئُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: هَلُمَّ إلَى الْمَاءِ، فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ، فَاشْرَبُوا وَاسْتَقَوْا، فَجَاءُوا فَشَرِبُوا وَاسْتَقَوْا. ثُمَّ قَالُوا: قَدْ وَاَللَّهِ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَاَللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا. فَرَجَعَ وَرَجَعُوا مَعَهُ، وَلَمْ يَصِلُوا إلَى الْكَاهِنَةِ، وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فِي زَمْزَمَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ:
ثُمَّ اُدْعُ بِالْمَاءِ الرِّوَى [١] غَيْرِ الْكَدِرْ ... يَسْقِي حَجِيجَ [٢] اللَّهِ فِي كُلِّ مَبَرْ [٣]
لَيْسَ يُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ
[٤] فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: تَعَلَّمُوا أَنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَحْفِرَ لَكُمْ زَمْزَمَ، فَقَالُوا: فَهَلْ بُيِّنَ لَكَ أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا:
فَارْجِعْ إلَى مَضْجَعِكَ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مِنْ اللَّهِ يُبَيَّنُ لَكَ، وَإِنْ يَكُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلَنْ يَعُودَ إلَيْكَ. فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى مَضْجَعِهِ فَنَامَ فِيهِ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ، إنَّكَ إنْ حَفَرْتهَا لَمْ تَنْدَمْ، وَهِيَ تُرَاثٌ مِنْ أَبِيكَ الْأَعْظَمِ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمُّ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ، مِثْلَ نَعَامٍ حَافِلٍ [٥] لَمْ يُقْسَمْ، يَنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمٍ، تَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمٍ، لَيْسَتْ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمُ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ وَالْكَلَامُ الَّذِي قَبْلَهُ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ (رِضْوَانُ
------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «رواء» . وهما بِمَعْنى، فَيُقَال: مَاء روى (بِالْكَسْرِ وَالْقصر) ورواء (بِالْفَتْح وَالْمدّ): أَي كثير.
[٢] الحجيج: جمع حَاج.
[٣] مبر: يُرِيد مَنَاسِك الْحَج ومواضع الطَّاعَة، وَهُوَ مفعل من الْبر.
[٤] عمر: بَقِي، أَي مَا عمر هَذَا المَاء فَإِنَّهُ لَا يُؤْذى وَلَا يخَاف مِنْهُ.
[٥] الحافل: الْكثير.
١٠- سيرة ابْن هِشَام- ١
اللَّهِ عَلَيْهِ) [١] فِي حَفْرِ زَمْزَمَ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمُّ» إلَى قَوْلِهِ: «عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ» عِنْدَنَا سَجْعٌ وَلَيْسَ شِعْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ لَهُ:
عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ، حَيْثُ يُنْقَرُ الْغُرَابُ غَدًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
فَعَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَوَجَدَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ: إسَافٍ وَنَائِلَةٍ، اللَّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا ذَبَائِحَهَا. فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ حِينَ رَأَوْا جِدَّهُ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: ذُدْ عَنِّي حَتَّى أحفر، فو الله لَأَمْضِيَنَّ لِمَا أُمِرْتُ بِهِ. فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ غَيْرُ نَازِعٍ [٢]، خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، وَكَفُّوا عَنْهُ، فَلَمْ يَحْفِرْ إلَّا يَسِيرًا، حَتَّى بَدَا لَهُ الطَّيُّ، فَكَبَّرَ وَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ صُدِقَ.
فَلَمَّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُمَا الْغَزَالَانِ اللَّذَانِ دَفَنَتْ جُرْهُمٌ فِيهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً [٣] وَأَدْرَاعًا، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقٌّ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَلُمَّ إلَى أَمْرٍ نَصَفٍ [٤]، بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ: نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ [٥]، قَالُوا: وَكَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ:
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] يُقَال: نزع عَن الْأَمر نزوعا (وَرُبمَا قَالُوا: نزاعا): إِذا كف وانْتهى.
[٣] قلعية: نِسْبَة إِلَى القلعة (بِالْفَتْح ثمَّ السّكُون): قيل جبل بِالشَّام. وَقَالَ مسعر بن مهلهل فِي خبر رحلته إِلَى الصين: «... ثمَّ رجعت من الصين إِلَى كلة، وَهِي أول بِلَاد الْهِنْد من جِهَة الصين، وإليها تَنْتَهِي المراكب ثمَّ لَا تتجاوزها، وفيهَا قلعة عَظِيمَة فِيهَا مَعْدن الرصاص القلعي، لَا يكون إِلَّا فِي قلعتها، وَفِي هَذِه القلعة تضرب السيوف القلعية، وَهِي الْهِنْدِيَّة العتيقة. وَأهل هَذِه القلعة يمتنعون على ملكهم إِذا أَرَادوا ويطيعونه إِذا أَرَادوا» . وَقَالَ: «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَعْدن الرصاص القلعي إِلَّا فِي هَذِه القلعة»، وَبَينهَا وَبَين سندابل، مَدِينَة الصين، ثَلَاث مائَة فَرسَخ، وحولها مدن ورساتيق وَاسِعَة. وَقَالَ أَبُو الريحان: «يجلب الرصاص القلعي من سرنديب، جَزِيرَة فِي بَحر الْهِنْد» .
وبالأندلس إقليم القلعة من كورة قبرة، ويظن أَن الرصاص القلعي ينْسب إِلَيْهَا. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ، وعجائب الْهِنْد) .
[٤] النّصْف: اسْم من الْإِنْصَاف.
[٥] القداح: جمع قدح (بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال)، وَهُوَ السهْم الّذي كَانُوا يستقسمون بِهِ،
أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قِدْحَيْنِ، وَلِي قِدْحَيْنِ، وَلَكُمْ قِدْحَيْنِ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ قِدْحَاهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُ، وَمَنْ تَخَلَّفَ قِدْحَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، قَالُوا: أَنْصَفْتَ. فَجَعَلَ قِدْحَيْنِ أَصْفَرَيْنِ لِلْكَعْبَةِ، وَقِدْحَيْنِ أَسْوَدَيْنِ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِدْحَيْنِ أَبْيَضَيْنِ لِقُرَيْشِ، ثُمَّ أَعْطَوْا (الْقِدَاحَ) [١] صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرِبُ بِهَا عِنْدَ هُبَلَ (وَهُبَلُ:
صَنَمٌ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي يَعْنِي أَبُو سُفْيَانَ ابْن حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَالَ: أُعْلِ [٢] هُبَلُ: أَيْ أَظْهِرْ دِينَكَ) وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ عز وجل، فَضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ الْأَصْفَرَانِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ لِلْكَعْبَةِ، وَخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى الْأَسْيَافِ، وَالْأَدْرَاعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَخَلَّفَ قِدْحَا قُرَيْشٍ. فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ، وَضَرَبَ فِي الْبَابِ الْغَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ. فَكَانَ أَوَّلَ ذَهَبٍ حَلِيَتْهُ الْكَعْبَةُ، فِيمَا يَزْعُمُونَ. ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحُجَّاجِ.
ذِكْرُ بِئَارِ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ
(الطَّوِيُّ وَمَنْ حَفَرَهَا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ احْتَفَرَتْ [٣] بِئَارًا بِمَكَّةَ، فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، قَالَ:
--------------------
[()] يُقَال للسهم أول مَا يقطع: قطع (بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الطَّاء)، ثمَّ ينحت ويبري فيسمى: بريا، ثمَّ يقوم قدحا، ثمَّ يراش ويركب نصله فيسمى سَهْما، وَهَذِه هِيَ الأزلام الْمَذْكُورَة فِي قَوْله عز وجل:
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ٥: ٣.
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَمَا يَصح أَن يكون أمرا من الْفِعْل الثلاثي (علا يَعْلُو): أَي تبوأ منزلتك من الْعُلُوّ والسمو.
[٣] يُقَال إِن قصيا كَانَ يسقى الحجيج فِي حِيَاض من أَدَم، وَكَانَ ينْقل المَاء من آبار خَارِجَة من مَكَّة، مِنْهَا بِئْر مَيْمُون الحضرميّ، ثمَّ احتفر قصي العجول فِي دَار أم هَانِئ بنت أَبى طَالب، وَهِي أول سِقَايَة احتفرت بِمَكَّة، وَكَانَت الْعَرَب إِذا استقوا مِنْهَا ارتجزوا فَقَالُوا:
نروى على العجول ثمَّ ننطلق ... إِن قصيا قد وفى وَقد صدق
فَلم تزل العجول قَائِمَة حَيَاة قصي وَبعد مَوته، حَتَّى كبر عبد منَاف بن قصي، فَسقط فِيهَا رجل من بنى جعيل فعطلوا العجول واندفنت، واحتفرت كل قَبيلَة بِئْرا. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
حَفَرَ عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الطَّوِيَّ [١]، وَهِي الْبِئْرُ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْضَاءِ، دَارُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ (الثَّقَفِيُّ)
[٢] .
(بَذَّرُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بَذَّرَ، وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي عِنْدَ الْمُسْتَنْذَرِ، خَطْمُ الْخَنْدَمَةِ [٣] عَلَى فَمِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ. وَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَفَرَهَا: لَأَجْعَلَنَّهَا بَلَاغًا لِلنَّاسِ [٤] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:
سَقَى اللَّهُ أَمْوَاهًا عَرَفْتُ مَكَانَهَا ... جُرَابًا [٥] وَمَلْكُومًا [٦] وَبَذَّرَ وَالْغَمْرَا
[٧]
(سَجْلَةُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَفَرَ سَجْلَةَ [٨]، وَهِيَ بِئْرُ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الَّتِي يَسْقُونَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ. وَيَزْعُمُ بَنُو نَوْفَلٍ أَنَّ الْمُطْعِمَ ابْتَاعَهَا مِنْ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَيَزْعُمُ بَنُو هَاشِمٍ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ حِينَ ظَهَرَتْ زَمْزَمُ، فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنْ تِلْكَ الْآبَارِ.
----------------------------
[١] وَفِي الطوى تَقول سبيعة بنت عبد شمس:
إِن الطوى إِذا ذكرْتُمْ ماءها ... صوب السَّحَاب عذوبة وصفاء
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] الخندمة: جبل بِمَكَّة.
[٤] وَذكر ياقوت نقلا عَن أَبى عُبَيْدَة فِي كتاب الْآبَار: أَن هَاشم بن عبد منَاف قَالَ حِين حفرهَا:
أنبطت بذرا بِمَاء قلاس ... جعلت ماءها بلاغا للنَّاس
[٥] جراب (بِالضَّمِّ): اسْم مَاء، وَقيل: بِئْر بِمَكَّة قديمَة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] ملكوم (على زنة اسْم الْمَفْعُول): اسْم مَاء بِمَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٧] الْغمر (بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيه): بِئْر قديمَة بِمَكَّة حفرتها بَنو سهم، وَفِي ذَلِك يَقُول شَاعِرهمْ:
نَحن حفرنا الْغمر للحجيج ... تثج مَاء أَيّمَا ثجيج
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) . وسيعرض لَهَا الْمُؤلف بعد قَلِيل.
[٨] وَيُقَال إِن الّذي حفر سجلة لَيْسَ هاشما، وَإِنَّمَا هُوَ قصي، ويروون عَنهُ أَنه قَالَ حِين حفرهَا:
أَنا قصي وحفرت سجلة ... تروى الحجيج زغلة فزغلة
ويروى هَذَا الْبَيْت لخالدة بنت هَاشم باخْتلَاف فِي صَدره، وَهُوَ:
نَحن وهبنا لعدي سجلة ... تروى الحجيج زغلة فزغلة
(الزغلة «بِالضَّمِّ»: الدفعة) . (رَاجع الرَّوْض الْأنف ومعجم الْبلدَانِ) .
(الْحَفْرُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الْحَفْرَ [١] لِنَفْسِهِ.
(سُقَيَّةُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَتْ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى سُقَيَّةَ [٢]، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي أَسَدٍ.
(أُمُّ أَحْرَادٍ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ أُمَّ أَحْرَادٍ [٣] .
(السُّنْبُلَةُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَتْ بَنُو جُمَحَ السُّنْبُلَةَ، وَهِيَ بِئْرُ خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ.
(الْغِمْرُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَتْ بَنُو سَهْمٍ الْغِمْرَ، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي سَهْمٍ
(رُمُّ وَخُمُّ وَالْحَفْرُ وَأَصْحَابُهَا):
وَكَانَتْ آبَارُ حَفَائِرَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ قَدِيمَةً مِنْ عَهْدِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكِلَابِ
----------------------
[١] ذكرهَا ياقوت عِنْد الْكَلَام على الْحفر (بِالْحَاء الْمُهْملَة)، فَقَالَ: «... وحفر بِئْر لبني تيم بن مرّة بِمَكَّة، وَرَوَاهُ الْحَازِمِي بِالْجِيم» .
ثمَّ ذكرهَا عِنْد الْكَلَام على الجفر (بِالْجِيم) نقلا عَن أَبى عُبَيْدَة، فَقَالَ: «... واحتفرت كل قَبيلَة من قُرَيْش فِي رباعهم بِئْرا، فاحتفر بَنو تيم بن مرّة الجفر، وَهِي بِئْر مرّة بن كَعْب، وَقيل: حفرهَا أُميَّة ابْن عبد شمس، وسماها جفر مرّة بن كَعْب» .
[٢] كَذَا فِي مُعْجم الْبلدَانِ، وَفِي الْأُصُول: «شفية» قَالَ ياقوت: «سقية» (بِلَفْظ تَصْغِير سقية، وَقد رَوَاهَا قوم «شفية» بالشين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء): وَهِي بِئْر قديمَة كَانَت بِمَكَّة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وحفرت بَنو أَسد شفية. فَقَالَ الْحُوَيْرِث بن أَسد:
مَاء شفية كصوب المزن ... وَلَيْسَ مَاؤُهَا بطرق أجن
قَالَ الزبير: وَخَالفهُ عمى فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ سقية (بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْقَاف) .
[٣] ويروون عَن أُميَّة بنت عميلة بن السباق بن عبد الدَّار امْرَأَة الْعَوام بن خويلد حِين حفرت بَنو عبد الدَّار أم أحراد:
نَحن حفرنا الْبَحْر أم أحراد ... لَيست كبذر البرور الجماد
فأجابتها ضَرَّتهَا صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب أم الزبير بن الْعَوام رضي الله عنه:
نَحن جفرنا بذر ... تسقى الحجيج الْأَكْبَر
من مقبل ومدبر ... وَأم أحراد بثر
بثر: أَي قَلِيل نزر (رَاجع الرَّوْض، ومعجم الْبلدَانِ) .
ابْن مُرَّةَ، وَكُبَرَاءِ قُرَيْشٍ الْأَوَائِلِ مِنْهَا يَشْرَبُونَ، وَهِيَ رُمُّ، وَرُمُّ: بِئْرُ مُرَّةَ ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: وَخُمُّ، وَخُمُّ بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، وَالْحَفْرُ [١] . قَالَ حُذَيْفَةُ [٢] بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَبُو أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ:
وَقِدْمَا غنَينا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً ... وَلَا نَسْتَقِي إلَّا بِخُمَّ أَوْ الْحَفْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ: سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا.
(فَضْلُ زَمْزَمَ وَمَا قِيلَ فِيهَا مِنْ شِعْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَعَفَّتْ [٣] زَمْزَمُ عَلَى الْبِئَارِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا يَسْقِي عَلَيْهَا الْحَاجُّ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ إلَيْهَا لِمَكَانِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ، وَلِأَنَّهَا بِئْرُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عليهما السلام، وَافْتَخَرَتْ بِهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ كُلِّهَا، وَعَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مُسَافِرُ [٤] بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ يَفْخَرُ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَا وُلُّوا عَلَيْهِمْ مِنْ السِّقَايَةِ والرّفادة، وَمَا أَقَامُوا لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِزَمْزَمَ حِينَ ظَهَرَتْ لَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ شَرَفٌ، وَفَضْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ فَضْلٌ:
--------------------------
[١] لقد ذكر ابْن هِشَام «الْحفر» قبل هَذَا بِقَلِيل ونسبها إِلَى أُميَّة، وأردفنا نَحن ثمَّ بِمَا ذكر عَنْهَا فِي المعاجم. وَلَعَلَّ فِي ذكرهَا هُنَا مَعَ «رم» و«خم» إِشَارَة إِلَى الرأى الْقَائِل بِأَنَّهَا من حُفْرَة مرّة بن كَعْب. (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ١ ص ١٤٧) .
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت، والإصابة (ج ٤ ص ٥٤١) عِنْد الْكَلَام على ليلى بنت أَبى حثْمَة. وَفِي الطَّبَرِيّ: والاشتقاق لِابْنِ دُرَيْد (ص ٨٧ طبع أوروبا) والأغاني (ج ٧ ص ٢٢٩ طبع دَار الْكتب المصرية): «حذافة» .
[٣] عفت على البئار: غطت عَلَيْهَا وأذهبتها.
[٤] وَكَانَ مُسَافر سيدا جوادا، وَهُوَ أحد أزواد الركب، وَإِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم كَانُوا لَا يدعونَ غَرِيبا وَلَا مارا طَرِيقا وَلَا مُحْتَاجا يجتاز بهم إِلَّا أنزلوه وتكفلوا بِهِ حَتَّى يظعن، وَهُوَ أحد شعراء قُرَيْش، وَكَانَ يُنَاقض عمَارَة بن الْوَلِيد. وَله شعر فِي هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة وَكَانَ يهواها، فراقها، فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا بعد ضَرَّتهَا الْفَاكِه بن الْمُغيرَة، فَلم ترض ثروته وَمَاله، وَكَانَ أَن تزَوجهَا أَبُو سُفْيَان، فَحزن مُسَافر، وانْتهى بِهِ الْحزن إِلَى أَن مَاتَ بهبالة وَدفن بهَا. (رَاجع الأغاني ج ٨ ص ٤٨- ٥١ طبع بلاق وَالرَّوْض الْأنف) .
وَرِثْنَا الْمجد من آبَائِنَا ... فَنَمَى بِنَا صُعُدَا
أَلَمْ نَسْقِ الْحَجِيجَ وَنَنْحَرُ ... الدَّلَّافَةَ الرُّفُدَا [١]
وَنُلْقَى عِنْدَ تَصْرِيفِ ... الْمَنَايَا شُدَّدًا رُفُدَا [٢]
فَإِنْ نَهْلِكْ فَلَمْ نُمْلَكْ [٣] ... وَمَنْ ذَا خَالِدٌ أَبَدَا [٤]
وَزَمْزَمُ فِي [٥] أَرُومَتِنَا [٦] ... وَنَفْقَأُ عَيْنَ مَنْ حَسَدَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ:
وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمَّ لِلْخَيْرِ هَاشِمُ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِكَ السَّيِّدُ الفِهري [٧]
طوى زمزما عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ ... سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلِّ ذِي فَخْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ نَذْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ذَبْحَ وَلَدِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ- فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- قَدْ نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ، لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ، ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ حَتَّى يَمْنَعُوهُ، لَيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ للَّه عِنْدَ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا تَوَافَى بَنُوهُ عَشَرَةً، وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ، جَمَعَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ، وَدَعَاهُمْ إلَى الْوَفَاء للَّه بِذَلِكَ، فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا
-----------------------
[١] الدلافة: يُرِيد بهَا هُنَا الْإِبِل الَّتِي تمشى متمهلة لِكَثْرَة سمنها، يُقَال: دلف الشَّيْخ، إِذا مَشى مشيا ضَعِيفا، وَهُوَ فَوق الدبيب. والرفد: جمع رفود. وَهِي الَّتِي تملأ الرفد، وَهُوَ قدح يحلب فِيهِ.
[٢] رفد: من الرفد، وَهُوَ الْإِعْطَاء.
[٣] لم نملك (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول): أَي لم يكن علينا وَال وَلَا ملك.
[٤] فِي أ: «خلدا» .
[٥] فِي الأغاني: «من» .
[٦] الأرومة: الأَصْل.
[٧] ويروى: «الْغمر»: أَي الْكثير الْعَطاء. كَمَا يرْوى: «الْقَهْر»: أَي القاهر، وَيكون صفة بِالْمَصْدَرِ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:09 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (18)
صــ 151إلى صــ 160
ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ، ثُمَّ ائْتُونِي. فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَتَوْهُ، فَدَخَلَ بِهِمْ عَلَى هُبَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ هُبَلُ عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ هِيَ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ.
(الضَّرْبُ بِالْقِدَاحِ عِنْدَ الْعَرَبِ):
وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ قِدَاحٌ سَبْعَةٌ، كُلُّ قِدْحٍ مِنْهَا فِيهِ (كِتَابٌ. قِدْحٌ فِيهِ) [١] (الْعَقْلُ) [٢] إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ، ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَةِ [٣]، فَإِنْ خَرَجَ الْعَقْلُ فَعَلَى مَنْ خَرَجَ حَمْلُهُ، وَقِدْحٌ فِيهِ «نَعَمْ» لِلْأَمْرِ إذَا أَرَادُوهُ يُضْرَبُ بِهِ فِي الْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَ قِدْحُ «نَعَمْ» عَمِلُوا بِهِ، وَقِدْحٌ فِيهِ «لَا» إذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ فِي الْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ الْقِدْحُ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَقِدْحٌ فِيهِ «مِنْكُمْ»، وَقِدْحٌ فِيهِ «مُلْصَقٌ»، وَقِدْحٌ فِيهِ «مِنْ غَيْرِكُمْ»، وَقِدْحٌ فِيهِ «الْمِيَاهُ» إذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ، وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْحُ، فَحَيْثُمَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ. وَكَانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا، أَوْ يُنْكِحُوا مُنْكَحًا، أَوْ يَدْفِنُوا مَيتا، أَو شكوا فِي نَسَبِ أَحَدِهِمْ، ذَهَبُوا بِهِ إِلَى هُبل وبمائة دِرْهَمٍ وَجَزُورٍ، فَأَعْطَوْهَا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرِبُ بِهَا، ثُمَّ قَرَّبُوا صَاحِبَهُمْ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ، ثُمَّ قَالُوا: يَا إلَهَنَا، هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخْرِجْ الْحَقَّ فِيهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ «مِنْكُمْ» كَانَ مِنْهُمْ وَسِيطًا [٤]، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ «مِنْ غَيْرِكُمْ» كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ «مُلْصَقٌ» كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، لَا نَسَبَ لَهُ وَلَا حِلْفَ، وَإِنْ خَرَجَ فِيهِ شَيْءٌ، مِمَّا سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ «نَعَمْ» عَمِلُوا بِهِ،
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ
[٢] الْعقل: الدِّيَة.
[٣] ويروى أَنهم كَانُوا إِذا قصدُوا فعلا ضربوا ثَلَاثَة أقداح، مَكْتُوب على أَحدهَا: أمرنى ربى.
وعَلى الآخر: نهاني ربى. وَالثَّالِث غفل. فان خرج الْآمِر مضوا على ذَلِك، وَإِن خرج الناهي تجنبوا عَنهُ.
وَإِن خرج الغفل أجالوها ثَانِيَة. ولعلهم كَانُوا يستعملون الطريقتين.
[٤] وَسِيطًا: خَالص النّسَب فيهم، وَيُقَال: إِن الْوَسِيط هُوَ الشريف فِي قومه، لِأَن النّسَب الْكَرِيم دَار بِهِ من كل جِهَة، وَهُوَ وسط.
وَإِنْ خَرَجَ «لَا» أَخَّرُوهُ عَامَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، يَنْتَهُونَ فِي أُمُورِهِمْ إلَى ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاحُ
[١] .
(عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَأَوْلَادُهُ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْقِدَاحِ):
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ عَلَى بَنِيَّ هَؤُلَاءِ بِقِدَاحِهِمْ هَذِهِ وَأَخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الَّذِي نَذَرَ، فَأَعْطَاهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قِدْحَهُ الَّذِي فِيهِ اسْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَصْغَرَ بَنِي [٢] أَبِيهِ، كَانَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ وَأَبُو طَالِبٍ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنُ مَخْزُومٍ [٣] .
(خُرُوجُ الْقَدَحِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَشُرُوعُ أَبِيهِ فِي ذَبْحِهِ، وَمَنْعُ قُرَيْشٍ لَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- أَحَبَّ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَيْهِ، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَرَى أَنَّ السَّهْمَ إذَا أَخَطَأَهُ فَقَدْ أَشْوَى [٤]، وَهُوَ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا أَخَذَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ الْقِدَاحَ لِيَضْرِبَ بِهَا، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِهِ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إلَى إسَافٍ وَنَائِلَةٍ لِيَذْبَحَهُ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا، فَقَالُوا: مَاذَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: أَذْبَحُهُ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: وَاَللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ. لَئِنْ فَعَلْتَ هَذَا لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَأْتِي بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ، فَمَا بَقَاءُ النَّاسِ عَلَى هَذَا! وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
-------------------------
[١] وَقد عرض الآلوسي فِي كِتَابه بُلُوغ الأرب فِي أَحْوَال الْعَرَب (ج ٣ ص ٧٠- ٧٥) للْكَلَام على القداح بإسهاب وتفصيل فَارْجِع إِلَيْهِ.
[٢] الظَّاهِر أَنه يُرِيد أَن عبد الله كَانَ أَصْغَر ولد أَبِيه حِين أَرَادَ نَحره، أَو لَعَلَّ الرِّوَايَة «أَصْغَر بنى أمه» . وَإِلَّا فالمعروف أَن حَمْزَة كَانَ أَصْغَر من عبد الله، وَالْعَبَّاس كَانَ أَصْغَر من حَمْزَة، وَقد ذكر عَن الْعَبَّاس رضي الله عنه أَنه قَالَ: أذكر مولد رَسُول الله ﷺ وَأَنا ابْن ثَلَاثَة أَعْوَام أَو نَحْوهَا، فجيء بى حَتَّى نظرت إِلَيْهِ، وَجعل النسْوَة يقلن لي: قبل أَخَاك، قبل أَخَاك، فقبلته. وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن عبد الله لَيْسَ أَصْغَر أَوْلَاد عبد الْمطلب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] وَهَذَا الرأى- رأى ابْن هِشَام- هُوَ الْأَصَح، فقد ذكر الزبيريون أَن «عبدا» . هُوَ أَخُو عَائِذ ابْن عمرَان، وَأَن بنت عبد هِيَ صَخْرَة امْرَأَة عَمْرو بن عَائِذ، على قَول ابْن إِسْحَاق، إِن عَائِذ: هُوَ ابْن عبد، تكون صَخْرَة عمَّة لعائذ، وعَلى قَول ابْن هِشَام بنت عَمه. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] أشوى: أبقى، يُقَال: أشويت من الطَّعَام: إِذا أبقيت.
ابْن عَمْرِو [١] بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ: وَاَللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِدَاؤُهُ بِأَمْوَالِنَا فَدَيْنَاهُ. وَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ:
لَا تَفْعَلْ، وَانْطَلِقْ بِهِ إلَى الْحِجَازِ، فَإِنَّ بِهِ عَرَّافَةً [٢] لَهَا تَابِعٌ، فَسَلْهَا، ثُمَّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، إنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ ذَبَحْتَهُ، وإنْ أَمَرَتْكَ بِأَمْرٍ لَكَ وَلَهُ فِيهِ فَرَجٌ قَبِلْتُهُ.
(عَرَّافَةُ الْحِجَازِ وَمَا أشارت بِهِ أم عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
فَانْطَلَقُوا حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة، فوجودها- فِيمَا يَزْعُمُونَ- بِخَيْبَرِ. فَرَكِبُوا حَتَّى جَاءُوهَا، فَسَأَلُوهَا، وَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ، وَمَا أَرَادَ بِهِ وَنَذْرَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: ارْجِعُوا عَنِّي الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلُهُ. فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا عَنْهَا، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، كَمْ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ [٣] .
قَالَتْ: فَارْجِعُوا إلَى بِلَادِكُمْ، ثُمَّ قَرِّبُوا صَاحِبَكُمْ، وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ [٤]، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنْ الْإِبِلِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ، فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكُمْ، وَنَجَا صَاحِبُكُمْ.
(نَجَاةُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الذَّبْحِ):
فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَجَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ عز وجل، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ عِشْرِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ عز وجل، ثُمَّ ضَرَبُوا
---------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَابْن الْأَثِير ووفى أوالطبري: «عمر»
[٢] يُقَال إِن اسْم هَذِه العرافة: قُطْبَة. وَقيل: بل اسْمهَا: سجَاح.
[٣] من هُنَا ترى أَن الدِّيَة كَانَت عِنْدهم عشرَة من الْإِبِل، وَيكون عبد الله- على هَذَا- هُوَ أول من جعلهَا مائَة من الْإِبِل.
وَالْمَعْرُوف أَن أول من ودى بِالْإِبِلِ من الْعَرَب زيد بن بكر بن هوَازن حِين قَتله أَخُوهُ مُعَاوِيَة جد بنى عَامر بن صعصعة. (عَن الرَّوْض الْأنف، وَكتاب الْأَوَائِل لأبى هِلَال العسكري) .
[٤] فِي ر: «الْقدح» .
فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَلَاثِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ خَمْسِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ؛ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سِتِّينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سَبْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَمَانِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ تِسْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فبلغت الْإِبِل مائَة، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ حَضَرَ: قَدْ انْتَهَى رِضَا رَبِّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَزَعَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى أَضْرِبَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَضَرَبُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَى الْإِبِلِ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، ثُمَّ عَادُوا الثَّانِيَةَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللَّهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، ثُمَّ عَادُوا الثَّالِثَةَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللَّهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ تُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إنْسَانٌ وَلَا يُمْنَعُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنْسَانٌ وَلَا سَبُعٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيْنَ أَضْعَافِ هَذَا الْحَدِيثِ رَجَزٌ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ.
ذِكْرُ الْمَرْأَةِ الْمُتَعَرِّضَةِ لِنِكَاحِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
(رَفْضُ عَبْدِ اللَّهِ طَلَبَ الْمَرْأَةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ، فَمَرَّ بِهِ- فِيمَا
يَزْعُمُونَ- عَلَى امْرَأَةٍ [١] مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ، وَهِيَ أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهِيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَتْ لَهُ حِينَ نَظَرَتْ إلَى وَجْهِهِ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي، قَالَتْ: لَكَ مِثْلُ الْإِبِلِ الَّتِي نُحِرَتْ عَنْكَ، وَقَعْ عَلَيَّ الْآنَ، قَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ خِلَافَهُ، وَلَا فِرَاقَهُ.
(زَوَاجُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ):
فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى بِهِ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ ابْن مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وَشَرَفًا، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَفَضْلُ امْرَأَةٍ فِي قُرَيْشٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا.
(أُمَّهَاتُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ):
وَهِيَ لِبَرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَبَرَّةَ: لِأُمِّ حَبِيبِ بِنْتِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْن قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَأُمُّ حَبِيبٍ لِبَرَّةَ بِنْتِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
(مَا جَرَى بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمَرْأَةِ الْمُتَعَرِّضَةِ لَهُ بَعْدَ بِنَائِهِ بِآمِنَةَ):
فَزَعَمُوا أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا حِينَ أُمْلِكَهَا [٢] مَكَانَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، فَأَتَى الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ مَا عَرَضَتْ
-------------------
[١] وَاسم هَذِه الْمَرْأَة: رقية بنت نَوْفَل، وتكنى: أم قتال. وَيُقَال إِن عبد الله قَالَ حِين ذَاك:
أما الْحَرَام فالحمام دونه ... والحل لَا حل فأستبينه
فَكيف بِالْأَمر الّذي تبغينه ... يحمى الْكَرِيم عرضه وَدينه
كَمَا يُقَال: إِن الْمَرْأَة الَّتِي مر عَلَيْهَا عبد الله مَعَ أَبِيه اسْمهَا فَاطِمَة بنت مر، وَكَانَت من أجمل النِّسَاء وأعفهن، وَكَانَت قَرَأت نور النُّبُوَّة فِي وَجهه، فدعته إِلَى نِكَاحهَا فَأبى. فَلَمَّا أَبى قَالَت أبياتا مِنْهَا:
إِنِّي رَأَيْت مخيلة نشأت ... فتلألأت بحناتم الْقطر
للَّه مَا زهرية سلبت ... مِنْك الّذي استلبت وَمَا تَدْرِي
وَيُقَال: إِن الَّتِي عرضت نَفسهَا عَلَيْهِ هِيَ ليلى العدوية. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة) .
[٢] أملك الْمَرْأَة (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول): تزَوجهَا.
فَقَالَ لَهَا: مَا لَكَ لَا تَعْرِضِينَ عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا كُنْتِ عَرَضْتِ عَلَيَّ بِالْأَمْسِ؟ قَالَتْ لَهُ:
فَارَقَكَ النُّورُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ بِالْأَمْسِ، فَلَيْسَ (لِي) [١] بِكَ الْيَوْمَ حَاجَةٌ. وَقَدْ كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ- وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ وَاتَّبَعَ الْكُتُبَ: أَنَّهُ سَيَكُونُ [٢] فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ [٣] أَنَّهُ حُدِّثَ:
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ كَانَتْ لَهُ مَعَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَقَدْ عَمِلَ فِي طِينٍ لَهُ، وَبَهْ آثَارٌ مِنْ الطِّينِ، فَدَعَاهَا إلَى نَفْسِهِ، فَأَبْطَأَتْ عَلَيْهِ لِمَا رَأَتْ بِهِ مِنْ أَثَرِ الطِّينِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ مَا كَانَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى آمِنَةَ، فَمَرَّ بِهَا، فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا، فَأَبَى عَلَيْهَا، وَعَمَدَ إلَى آمِنَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَصَابَهَا، فَحَمَلَتْ بِمُحَمِّدِ ﷺ. ثُمَّ مَرَّ بِامْرَأَتِهِ تِلْكَ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكَ؟ قَالَتْ: لَا، مَرَرْتَ بِي وَبَيْنَ عَيْنَيْكَ غُرَّةٌ بَيْضَاءُ، فَدَعَوْتُكَ فَأَبَيْتَ عَلَيَّ، وَدَخَلْتَ عَلَى آمِنَةَ فَذَهَبَتْ بِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّ امْرَأَتَهُ تِلْكَ كَانَتْ تُحَدِّثُ: أَنَّهُ مَرَّ بِهَا وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ غُرَّةٌ مِثْلُ غُرَّةِ الْفَرَسِ، قَالَتْ: فَدَعَوْتُهُ رَجَاءَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ بِي، فَأَبَى عَلَيَّ، وَدَخَلَ عَلَى آمِنَةَ، فَأَصَابَهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْسَطَ قَوْمِهِ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُمْ شَرَفًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، ﷺ.
ذِكْرُ مَا قِيلَ لِآمِنَةَ عِنْدَ حَمْلِهَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَيَزْعُمُونَ- فِيمَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تُحَدِّثُ:
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كَائِن» .
[٣] رأى مُعَاوِيَة، وروى عَن عُرْوَة ومقسم وَغَيرهمَا، وَعنهُ- غير وَلَده مُحَمَّد- يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن طحلاء. وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: هُوَ أوثق من ابْنه. (عَن تراجم رجال) .
أَنَّهَا أُتِيَتْ، حِينَ حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ لَهَا: إنَّكَ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ إلَى الْأَرْضِ فَقُولِي: أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ، مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، ثُمَّ سَمِّيهِ [١] مُحَمَّدًا. وَرَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرَى، مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.
(مَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ):
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [٢]، أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنْ هَلَكَ، وَأُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَامِلٌ بِهِ [٣] .
وِلَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضَاعَتُهُ
(رَأَى ابْنُ إسْحَاقَ مَوْلِدَهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وُلِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عَامَ الْفِيلِ [٤]
---------------------
[١] لَا يعرف فِي الْعَرَب من تسمى بِهَذَا الِاسْم قبله ﷺ إِلَّا ثَلَاثَة، طمع آباؤهم حِين سمعُوا بِذكر مُحَمَّد ﷺ وبقرب زَمَانه وَأَنه يبْعَث فِي الْحجاز، أَن يكون ولدا لَهُم. وهم: مُحَمَّد ابْن سُفْيَان بن مجاشع، جد جد الفرزدق الشَّاعِر، وَالْآخر: مُحَمَّد بن أحيحة بن الجلاح بن الْحَرِيش بن جحجبى بن كلفة بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس، وَالْآخر مُحَمَّد بن حمْرَان بن ربيعَة. وَكَانَ آبَاء هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة قد وفدوا على بعض الْمُلُوك، وَكَانَ عِنْده علم من الْكتاب الأول فَأخْبرهُم بمبعث النَّبِي ﷺ وباسمه، وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم قد خلف امْرَأَته حَامِلا. فَنَذر كل وَاحِد مِنْهُم إِن ولد لَهُ ولد ذكر أَن يُسَمِّيه مُحَمَّدًا، فَفَعَلُوا ذَلِك. (رَاجع الْفُصُول لِابْنِ فورك، وَالرَّوْض الْأنف) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن عبد الْملك بن هِشَام. قَالَ حَدثنَا زِيَاد بن عبد الله البكائي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي قَالَ ... إِلَخ» .
[٣] أَكثر الْعلمَاء على أَن عبد الله مَاتَ وَرَسُول الله ﷺ فِي المهد، ابْن شَهْرَيْن أَو أَكثر من ذَلِك. وَقيل: بل مَاتَ عبد الله عِنْد أَخْوَاله بنى النجار وَرَسُول الله ﷺ ابْن ثَمَان وَعشْرين شهرا. وَيُقَال إِنَّه دفن فِي دَار النَّابِغَة فِي الدَّار الصُّغْرَى، إِذا دخلت الدَّار على يسارك فِي الْبَيْت. (رَاجع الطَّبَرِيّ وَالرَّوْض الْأنف) .
[٤] اخْتلف فِي مولده ﷺ، فَذكر أَنه كَانَ فِي ربيع الأول، وَهُوَ الْمَعْرُوف. وَقَالَ الزبير: كَانَ مولده فِي رَمَضَان. وَهَذَا القَوْل مُوَافق لقَوْل من قَالَ: إِن أمه حملت بِهِ فِي أَيَّام التَّشْرِيق.
ويذكرون أَن الْفِيل جَاءَ مَكَّة فِي الْمحرم، وَأَنه ﷺ ولد بعد مَجِيء الْفِيل بِخَمْسِينَ يَوْمًا. وَكَانَت وِلَادَته ﷺ بِالشعبِ، وَقيل بِالدَّار الَّتِي عِنْد الصَّفَا، وَكَانَت بعد لمُحَمد بن يُوسُف أخى الْحجَّاج
(رِوَايَةُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ مَوْلِدِهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ:
وَلَدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ، فَنَحْنُ لِدَانِ [١] .
(رِوَايَةُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ مَوْلِدِهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ [٢] إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
وَاَللَّهِ إنِّي لَغُلَامٌ [٣] يَفَعَةٌ، ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، أَعْقِلُ كُلَّ مَا سَمِعْتُ، إذْ سَمِعْتُ يَهُودِيًّا يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أَطَمَةٍ [٤] بِيَثْرِبَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودِ، حَتَّى إذَا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، قَالُوا لَهُ: وَيلك مَالك؟ قَالَ: طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدِ الَّذِي وُلِدَ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَقُلْتُ:
ابْنُ كَمْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟
فَقَالَ: ابْنُ سِتِّينَ (سَنَةً) [٥]، وَقَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَسَمِعَ حَسَّانُ مَا سَمِعَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ.
(إعْلَامُ أُمِّهِ جَدَّهُ بِوِلَادَتِهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ ﷺ، أَرْسَلَتْ إلَى جَدِّهِ
----------------------
[()] ثمَّ بنتهَا زبيدة مَسْجِدا حِين حجت. (رَاجع الرَّوْض الْأنف والطبقات الْكُبْرَى لِابْنِ سعد والطبري) .
[١] كَذَا فِي أ. ولدان: مثنى لِدَة. واللدة: الترب، وَالْهَاء فِيهِ عوض عَن الْوَاو الذاهبة من أَوله، لِأَنَّهُ من الْولادَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لدتان» . وَلم تذكره كتب اللُّغَة بِدُونِ تَاء.
[٢] هُوَ صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بن عمرَان الزُّهْرِيّ الْمدنِي، روى عَن أَبِيه وَأنس ومحمود بن لبيد والأعرج وَغَيرهم. وَعنهُ- غير ابْن إِسْحَاق- ابْنه سَالم وَالزهْرِيّ وَيُونُس بن يَعْقُوب الْمَاجشون وَجَمَاعَة. مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك. (عَن تراجم رجال) .
[٣] غُلَام يفعة: قوى قد طَال قده، مَأْخُوذ من اليفاع، وَهُوَ العالي من الأَرْض.
[٤] الأطمة (بِفتْحَتَيْنِ): الْحصن.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَكَ غُلَامٌ، فَأْتِهِ فَانْظُرْ إلَيْهِ، فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ، وَحَدَّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ، وَمَا أُمِرَتْ بِهِ أَنْ تُسَمِّيَهُ.
(فَرَحُ جَدِّهِ بِهِ ﷺ، وَالْتِمَاسُهُ لَهُ الْمَرَاضِعَ):
فَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَخَذَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ، فَقَامَ يَدْعُو اللَّهَ، وَيَشْكُرُ لَهُ مَا أَعْطَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى أُمِّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهَا [١] . وَالْتَمَسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرُّضَعَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاضِعُ. وَفَى كِتَابِ اللَّهِ تبارك وتعالى فِي قِصَّةِ مُوسَى عليه السلام: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ ٢٨: ١٢ [٢] .
(نَسَبُ حَلِيمَةَ، وَنَسَبُ أَبِيهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاسْتَرْضَعَ لَهُ [٣] امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ ابْنَةُ أَبِي ذُؤَيْبٍ.
وَأَبُو ذُؤَيْبٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ شِجْنَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ رِزَامِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيَّةَ [٤] بْنِ نَصْرِ [٥] بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيَلَانَ.
-------------------
[١] وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَن عبد الْمطلب عوذة بِشعر مِنْهُ:
الْحَمد للَّه الّذي أعطانى ... هَذَا الْغُلَام الطّيب الأردان
قد سَاد فِي المهد على الغلمان ... أُعِيذهُ بِالْبَيْتِ ذِي الْأَركان
(رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] الْمَعْرُوف أَن المراضع: جمع مرضع. وعَلى هَذَا تخرج رِوَايَة ابْن إِسْحَاق على أحد وَجْهَيْن، أَحدهمَا:
حذف الْمُضَاف، كَأَنَّهُ قَالَ: ذَوَات الرضعاء. وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ بالرضعاء: الْأَطْفَال على حَقِيقَة اللَّفْظ، لأَنهم إِذا وجدوا لَهُ مُرْضِعَة ترْضِعه، فقد وجدوا لَهُ رضيعا يرضع مَعَه. فَلَا يبعد أَن يُقَال: التمسوا لَهُ رضيعا، علما بِأَن الرَّضِيع لَا بُد لَهُ من مرضع. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] كَذَا فِي أ. واسترضعت الْمَرْأَة ولدى: طلبت مِنْهَا أَن ترْضِعه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «واسترضع لَهُ من امْرَأَة» .
[٤] فِي الْأُصُول: «قصية» بِالْقَافِ. وَهُوَ تَصْحِيف. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة، والطبقات) .
[٥] فِي الطَّبَرِيّ هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي فِي نسب الْحَارِث: «قصية بن سعد» . بِإِسْقَاط «نصر» .
(نَسَبُ أَبِيهِ ﷺ فِي الرَّضَاعِ):
وَاسْمُ أَبِيهِ الَّذِي أَرْضَعَهُ ﷺ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِفَاعَةَ ابْن مَلَّانَ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيَّةَ [١] بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: هِلَالُ بْنُ نَاصِرَةَ.
(إخْوَتُهُ ﷺ مِنْ الرَّضَاعِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِخْوَتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُنَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَحُذَافَةُ [٣] بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهِيَ الشَّيْمَاءُ [٤]، غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى اسْمِهَا فَلَا تُعْرَفُ فِي قَوْمِهَا إلَّا بِهِ. وَهُمْ لِحَلِيمَةِ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَيَذْكُرُونَ أَنَّ الشَّيْمَاءَ كَانَتْ تَحْضُنُهُ مَعَ أُمِّهَا [٥] إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ [٦]
--------------------
.[١] كَذَا فِي م هُنَا. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قصية» بِالْقَافِ. وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] وَيُقَال إِن الْحَارِث قدم على رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة حِين أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن، فَقَالَت لَهُ قُرَيْش: أَلا تسمع يَا حَار مَا يَقُول ابْنك هَذَا؟ فَقَالَ: وَمَا يَقُول؟ قَالُوا: يزْعم أَن الله يبْعَث النَّاس بعد الْمَوْت وَأَن للَّه دارين يعذب فيهمَا من عَصَاهُ، وَيكرم من أطاعه، فقد شتت أمرنَا وَفرق جماعتنا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَي بنى، مَالك ولقومك يشكونك، ويزعمون أَنَّك تَقول: إِن النَّاس يبعثون بعد الْمَوْت، ثمَّ يصيرون إِلَى جنَّة ونار، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: أَنا أزعم ذَلِك، وَلَو قد كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَا أَبَت لقد أخذت بِيَدِك حَتَّى أعرفك حَدِيثك الْيَوْم. فَأسلم الْحَارِث بعد ذَلِك وَحسن إِسْلَامه، وَكَانَ يَقُول حِين أسلم:
لَو قد أَخذ ابْني بيَدي فعرفني مَا قَالَ لم يُرْسِلنِي إِن شَاءَ الله حَتَّى يدخلني الْجنَّة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح الْمَوَاهِب، والإصابة) .
[٣] فِي الْإِصَابَة: «خذامة»، وَهِي بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة، كَمَا نبه على ذَلِك السهيليّ وَأَبُو ذَر، وَقد ذكر السهيليّ وَأَبُو ذَر وَابْن حجر مَا أَثْبَتْنَاهُ رِوَايَة أُخْرَى، وَانْفَرَدَ أَبُو ذَر بالتنبيه على أَنه هُوَ الصَّوَاب.
وَفِي أوالطبري: والطبقات «جدامة»، وَبهَا جزم ابْن سعد فِي الطَّبَقَات على أَنَّهَا «جدامة» بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة.
[٤] وَيُقَال إِنَّهَا: «الشماء» بلاياء (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٥] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَفِي الْأُصُول: «أمه» .
[٦] وَيُقَال: إِن أول من أَرْضَعَتْه ﷺ: ثويبة، أَرْضَعَتْه بِلَبن ابْن لَهَا يُقَال لَهُ:
ممزوج، أَيَّامًا، قبل أَن تقدم حليمة. وَكَانَت قد أرضعت قبله حَمْزَة بن عبد الْمطلب المَخْزُومِي. كَمَا أرضعت عبد الله بن ، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يعرف ذَلِك لثويبة، ويصلها من الْمَدِينَة. فَلَمَّا افْتتح مَكَّة سَأَلَ عَنْهَا وَعَن ابْنهَا مسروح، فَأخْبر أَنَّهُمَا مَاتَا، وَسَأَلَ عَن قرابتهما، فَلم يجد أحدا مِنْهُم حَيا وَكَانَت ١١- سيرة ابْن هِشَام- ١
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:14 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (19)
صــ 161إلى صــ 170
(حَدِيثُ حَلِيمَةَ عَمَّا رَأَتْهُ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدَ تَسَلُّمِهَا لَهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. أَوْ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْهُ قَالَ:
كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّةُ. أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ، تُحَدِّثُ: أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ [١] تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، قَالَتْ: وَذَلِكَ فِي سَنَةٍ [٢] شَهْبَاءَ، لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا. قَالَتْ: فَخَرَجَتْ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ [٣]، مَعَنَا شَارِفٌ [٤] لَنَا، وَالله مَا نبض [٥] بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَنَا أَجْمَعَ مِنْ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ مِنْ الْجَوْعِ، مَا فِي ثَدْيَيَّ مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَدِّيهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: يُغَذِّيهِ [٦]- وَلَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ فَلَقَدْ أَدَمْتُ [٧] بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا [٨]، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ [٩] الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
-----------------------[()] ثويبة جَارِيَة لأبى لَهب. كَمَا يُقَال: إِنَّه ﷺ رضع أَيْضا من غير هَاتين. (رَاجع الطَّبَرِيّ وَالرَّوْض الْأنف، والاستيعاب، وَشرح الْمَوَاهِب) .
[١] يُقَال: إِن اسْمه عبد الله بن الْحَارِث. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب والمعارف والطبقات) .
[٢] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَفِي أ: «وَفِي سنة ... إِلَخ» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَهِي فِي سنة ... إِلَخ»
[٣] القمرة (بِالضَّمِّ): لون إِلَى الخضرة، أَو بَيَاض فِيهِ كدرة. يُقَال: حمَار أقمر، وأتان قَمْرَاء.
[٤] الشارف: النَّاقة المسنة.
[٥] مَا تبض: مَا ترشح بِشَيْء.
[٦] وَمَا ذكره ابْن هِشَام أتم فِي الْمَعْنى من الِاقْتِصَار على ذكر الْغَدَاء دون الْعشَاء. ويروى: «مَا يعذبه» أَي مَا يقنعه حَتَّى يرفع رَأسه وَيَنْقَطِع عَن الرَّضَاع.
[٧] كَذَا فِي أ. وَلَقَد شرحها أَبُو ذَر فَقَالَ: فَلَقَد أدمت بالركب، أَي أطلت عَلَيْهِم الْمسَافَة لتمهلهم عَلَيْهَا، مَأْخُوذ من الشَّيْء الدَّائِم. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أذمت» . وأذمت الركاب: أعيت وَتَخَلَّفت عَن جمَاعَة الْإِبِل، وَلم تلْحق بهَا. يُرِيد أَنَّهَا تَأَخَّرت بالركب، أَي تَأَخّر الركب بِسَبَبِهَا.
[٨] العجف: الهزال.
[٩] يذكرُونَ فِي دفع قُرَيْش وَغَيرهم من أَشْرَاف الْعَرَب أَوْلَادهم إِلَى المراضع أسبابا، أَحدهَا: تَفْرِيغ النِّسَاء إِلَى الْأزْوَاج، كَمَا قَالَ عمار بن يَاسر لأم سَلمَة رضي الله عنها، وَكَانَ أخاها من الرضَاعَة، حِين انتزع من حجرها زَيْنَب بنت أَبى سَلمَة، فَقَالَ: دعِي هَذِه المقبوحة المشقوحة الَّتِي آذيت بهَا رَسُول الله ﷺ.
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَأْبَاهُ، إذَا قِيلَ لَهَا إنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إنَّمَا كُنَّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ! وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ! فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ، فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاَللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ، قَالَ: لَا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً. قَالَتْ [١]: فَذَهَبْتُ إلَيْهِ فَأَخَذْتُهُ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا أَخَذْتُهُ، رَجَعْتُ بِهِ إلَى رَحْلِي، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي [٢] أَقَبْلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ [٣]، ثُمَّ نَامَا، وَمَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ زَوْجِي إلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا إنَّهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. قَالَتْ: يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: تَعَلَّمِي [٤] وَاَللَّهِ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أَخَذْتُ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا وَرَكِبْتُ (أَنَا) [٥] أَتَانِي، وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا معى، فو الله لَقَطَعَتْ بِالرَّكْبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا [٦]
------------------[()] وَقد يكون ذَلِك مِنْهُم لينشأ الطِّفْل فِي الْأَعْرَاب، فَيكون أفْصح لِسَانا، وَأجْلَد لجسمه وأجدر أَلا يُفَارق الْهَيْئَة المعدية، كَمَا قَالَ عمر رضي الله عنه: تمعددوا تمعززوا وَاخْشَوْشنُوا. وَلَقَد قَالَ عليه الصلاة والسلام لأبى بكر رضي الله عنه حِين قَالَ لَهُ: مَا رَأَيْت أفْصح مِنْك يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنعنِي وَأَنا من قُرَيْش وأرضعت فِي بنى سعد. فَهَذَا وَنَحْوه كَانَ يحملهم على دفع الرضعاء إِلَى المرضعات الأعرابيات. وَقد ذكر أَن عبد الْملك بن مَرْوَان كَانَ يَقُول: أضربنا حب الْوَلِيد. لِأَن الْوَلِيد كَانَ لحانا وَكَانَ سُلَيْمَان فصيحا، لِأَن الْوَلِيد أَقَامَ مَعَ أمه، وَسليمَان وَغَيره من إخْوَته سكنوا الْبَادِيَة فتعربوا، ثمَّ أدبوا فتأدبوا. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح الْمَوَاهِب) .
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ» وَلَعَلَّ تذكير الْفِعْل على معنى الشَّخْص.
[٢] وَيُقَال: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يقبل إِلَّا على ثدي وَاحِد، وَكَانَ يعرض عَلَيْهِ الثدي الآخر فيأباه، كَأَنَّهُ قد أشعر عليه الصلاة والسلام أَن مَعَه شَرِيكا فِي أَلْبَانهَا. (رَاجع الرَّوْض الْأنف)
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري. وَفِي أوالروض الْأنف: «رويا» .
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. يُرِيد: اعلمي. وَفِي الطَّبَرِيّ: «أتعلمين ... إِلَخ» .
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] فِي: أ «على» .
شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ، حَتَّى إنَّ صَوَاحِبِي لِيَقُلْنَ لي: يَا بنة أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَيْحَكَ! ارْبَعِي [١] عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانَكَ الَّتِي كُنْتُ خَرَجْتُ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاَللَّهِ، إنَّهَا لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاَللَّهِ إنَّ لَهَا لَشَأْنًا. قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ حِينَ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبَّنًا، فَنَحْلُبُ وَنَشْرَبُ، وَمَا يَحْلُبُ إنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ، حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُونَ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمْ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبَّنًا. فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنْ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَالْخَيْرَ [٢] حَتَّى مَضَتْ سَنَتَاهُ [٣] وَفَصَلْتُهُ، وَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لَا يَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا [٤] . قَالَتْ: فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا، لِمَا كُنَّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ. فَكَلَّمْنَا أُمَّهُ وَقُلْتُ لَهَا: لَوْ تَرَكْتُ بُنَيَّ عِنْدِي حَتَّى يَغْلُظَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ وَبَأَ [٥] مَكَّةَ، قَالَتْ: فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حَتَّى رَدَّتْهُ مَعَنَا.
(حَدِيثُ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ شَقَّا بَطْنَهُ ﷺ):
قَالَتْ: فرجعنا بِهِ، فو الله إنَّهُ بَعْدَ مَقْدِمِنَا (بِهِ) بِأَشْهُرِ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بَهْمٍ [٦] لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ [٧]، فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يَسُوطَانِهِ [٨] .
---------------------[١] اربعى: أقيمى وانتظري. يُقَال: ربع فلَان على فلَان إِذا أَقَامَ عَلَيْهِ وانتظره. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
عودي علينا واربعى يَا فاطما
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «الزِّيَادَة والخيرة» . وَفِي الطَّبَرِيّ: «زِيَادَة الْخَيْر» .
[٣] فِي الطَّبَرِيّ: «سنتَانِ» .
[٤] الجفر: الغليظ الشَّديد.
[٥] الوبأ: يهمز وَيقصر (والوباء) بِالْمدِّ: الطَّاعُون.
[٦] البهم: الصغار من الْغنم، واحدتها: بهمة.
[٧] اشْتَدَّ فِي عدوه: أسْرع.
[٨] يُقَال: سطت اللَّبن أَو الدَّم أَو غَيرهمَا أسوطه: إِذا ضربت بعضه بِبَعْض. وَاسم الْعود الّذي يضْرب بِهِ: السَّوْط.
قَالَتْ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبوهُ نَحوه، فَوَجَدنَا قَائِمًا مُنْتَقَعَا [١] وَجْهُهُ. قَالَتْ: فَالْتَزَمْتُهُ وَالْتَزَمَهُ أَبُوهُ، فَقُلْنَا لَهُ: مَالك يَا بُنَيَّ، قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي وَشَقَّا بَطْنِي، فَالْتَمِسَا (فِيهِ) شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا (بِهِ) [٢] إلَى خِبَائِنَا.
(رُجُوعُ حَلِيمَةَ بِهِ ﷺ إلَى أُمِّهِ):
قَالَتْ: وَقَالَ لِي أَبُوهُ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ، قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ، فَقَدِمْنَا بِهِ على أمّه، فَقَالَت: مَا أَقْدَمَكَ بِهِ يَا ظِئْرُ [٣] وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ، وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكَ؟
قَالَتْ: فَقُلْتُ [٤]: قَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ، وَتَخَوَّفْتُ الْأَحْدَاثَ، عَلَيْهِ، فَأَدَّيْتُهُ إلَيْكَ [٥] كَمَا تُحِبِّينَ، قَالَتْ: مَا هَذَا شَأْنُكَ، فَاصْدُقِينِي خَبَرَكَ.
قَالَتْ: فَلَمْ تَدَعْنِي حَتَّى أَخْبَرْتُهَا. قَالَتْ: أَفَتَخَوَّفَتْ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ نَعَمْ، قَالَتْ: كَلَّا، وَاَللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، وَإِنَّ لِبُنَيَّ لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ، قَالَتْ: (قُلْتُ) [٢] بَلَى، قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ [٦] لِي قُصُورَ بُصْرَى [٧] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ حملت بِهِ، فو الله مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ (عَلَيَّ) [٢] وَلَا أَيْسَرَ مِنْهُ، وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وَإِنَّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ، رَافِعٌ رَأَسَهُ إلَى السَّمَاءِ، دَعِيهِ عَنْكَ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً.
------------------------[١] منتقعا وَجهه: أَي متغيرا، يُقَال: انتقع وَجهه وامتقع (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول): إِذا تغير.
[٢] زِيَادَة عَن أوالطبري.
[٣] الظِّئْر (بِالْكَسْرِ): العاطفة على ولد غَيرهَا الْمُرضعَة لَهُ، فِي النَّاس وَغَيرهم، فَهُوَ أَعم من الْمُرضعَة لِأَنَّهُ يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى.
[٤] كَذَا فِي أوالطبري، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَقلت.. نعم قد بلغ ... إِلَخ» .
[٥] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ وَفِي الْأُصُول «عَلَيْك» .
[٦] كَذَا فِي أوالطبري. وَفِي سَائِر الْأُصُول «أَضَاء لي بِهِ قُصُور ... إِلَخ» .
[٧] بصرى (بِالضَّمِّ وَالْقصر): من أَعمال دمشق بِالشَّام، وَهِي قَصَبَة كورة حوران، مَشْهُورَة عِنْد الْعَرَب قَدِيما وحديثا، وَلَهُم فِيهَا أشعار كَثِيرَة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
(تَعْرِيفُهُ ﷺ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَحَدَّثَنِي ثَوْرُ [١] بْنُ يَزِيدَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ [٢] الْكُلَاعِيِّ:
أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ [٣]، وَبُشْرَى (أَخِي) [٤] عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ الشَّامِ [٥]، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْمًا لَنَا، إذْ أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا، ثُمَّ أَخَذَانِي فَشَقَّا بَطْنِي، وَاسْتَخْرَجَا قلبِي فشقّاه، فاستخرجنا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا، ثُمَّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أَنْقَيَاهُ [٦]، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ زِنْهُ بِعَشَرَةِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، ثُمَّ قَالَ: زنه بِمِائَة مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، ثُمَّ قَالَ: زَنِّهِ بِأَلْفِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، فَقَالَ: دَعه
----------------------[١] هُوَ ثَوْر بن يزِيد الكلَاعِي، وَيُقَال الرحبيّ، أَبُو خَالِد الْحِمصِي أحد الْحفاظ الْعلمَاء. روى عَن خَالِد هَذَا وحبِيب بن عبيد وَصَالح بن يحيى وَغَيرهم، وروى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَيحيى الْقطَّان، وَخلق كثير، وَكَانَ يرى الْقدر. وَمَات سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة، وَهُوَ ابْن بضع وَسِتِّينَ سنة، وَقيل مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَة. (رَاجع تراجم رجال) .
[٢] هُوَ خَالِد بن معدان بن أَبى كريب الكلَاعِي أَبُو عبد الله الشَّامي الْحِمصِي. روى عَن ثَوْبَان وَابْن عَمْرو وَابْن عمر وَغَيرهم. وروى عَنهُ بجير بن سعيد وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث وَغَيرهمَا. توفى سنة ١٠٣، وَقيل سنة ١٠٤، وَقيل سنة ١٠٨. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري. وَفِي أ: «دَعْوَة إِبْرَاهِيم» .
[٤] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٥] وَتَأْويل هَذَا النُّور مَا فتح الله عَلَيْهِ من تِلْكَ الْبِلَاد حَتَّى كَانَت الْخلَافَة فِيهَا مُدَّة بنى أُميَّة، واستضاءت تِلْكَ الْبِلَاد وَغَيرهَا بنوره ﷺ. ويحكى أَن خَالِد بن سعيد بن العَاصِي رأى قبل الْبَعْث بِيَسِير نورا يخرج من زَمْزَم حَتَّى ظَهرت لَهُ الْبُسْر فِي نخيل يثرب، فَقَصَّهَا على أَخِيه عَمْرو فَقَالَ لَهُ: إِنَّهَا حفيرة عبد الْمطلب وَإِن هَذَا النُّور مِنْهُم. فَكَانَ ذَلِك سَبَب مبادرته إِلَى الْإِسْلَام. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ: ثمَّ قَالَ ... إِلَخ» .
عَنْك، فو الله لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَوَزَنَهَا [١] .
(هُوَ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ رَعَوْا الْغَنَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ، قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَأَنَا» [٢] .
(اعْتِزَازُهُ ﷺ بِقُرَشِيَّتِهِ، وَاسْتِرْضَاعُهُ فِي بَنِي سَعْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا قُرَشِيٌّ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
(افْتَقَدَتْهُ حَلِيمَةُ ﷺ حِينَ رُجُوعِهَا بِهِ، وَوَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ النَّاسُ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ أُمَّهُ السَّعْدِيَّةَ لَمَّا قَدِمَتْ بِهِ مَكَّةَ أَضَلَّهَا فِي النَّاسِ وَهِيَ مُقْبِلَةٌ بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ، فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ: إنِّي قَدْ قَدِمْتُ بِمُحَمَّدٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَلَمَّا كُنْتُ بِأَعْلَى مكّة أضلّنى، فو الله مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَا لَهُ: هَذَا ابْنُكَ وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يُعَوِّذُهُ وَيَدْعُو لَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمِّهِ آمِنَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
أَنَّ مِمَّا هَاجَ أُمَّهُ السَّعْدِيَّةَ عَلَى رَدِّهِ إلَى أُمِّهِ، مَعَ مَا ذَكَرَتْ لِأُمِّهِ مِمَّا أَخْبَرَتْهَا عَنْهُ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ الْحَبَشَةِ نَصَارَى، رَأَوْهُ مَعَهَا حِينَ رَجَعَتْ بِهِ بَعْدَ فِطَامِهِ، فَنَظَرُوا إلَيْهِ وَسَأَلُوهَا عَنْهُ وَقَلَّبُوهُ، ثُمَّ قَالُوا لَهَا: لَنَأْخُذَنَّ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَنَذْهَبَنَّ بِهِ إلَى مَلِكِنَا وَبَلَدِنَا، فَإِنَّ هَذَا غُلَامٌ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ نَحْنُ نَعْرِفُ أَمْرَهُ، فَزَعَمَ الَّذِي حَدَّثَنِي أَنَّهَا لَمْ تَكَدْ تَنْفَلِتُ بِهِ مِنْهُمْ.
------------------[١] وَزَاد الطَّبَرِيّ بعد هَذَا: «قَالَ ثمَّ ضموني إِلَى صدرهم، وقبلوا رَأْسِي وَمَا بَين عَيْني، ثمَّ قَالُوا:
يَا حبيب، لم ترع، إِنَّك لَو تَدْرِي مَا يُرَاد بك من الْخَيْر لقرت عَيْنك» .
[٢] الْمَعْرُوف أَن رَسُول الله ﷺ رعى الْغنم فِي بنى سعد مَعَ أَخِيه من الرضَاعَة، وَأَنه رعاها بِمَكَّة أَيْضا على قراريط لأهل مَكَّة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
وَفَاةُ آمِنَةَ وَحَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَهَا
(وَفَاةُ آمِنَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ.
وَجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فِي كَلَاءَةِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ، يُنْبِتُهُ اللَّهُ نَبَاتًا حَسَنًا لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّ سِنِينَ، تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ:
أَنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمِنَةُ تُوُفِّيَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، تُزِيرُهُ إيَّاهُمْ، فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إلَى مَكَّةَ [١] .
(سَبَبُ خُؤُولَةِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ: سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو النَّجَّارِيَّةُ.
فَهَذِهِ الْخُؤُولَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ.
(إكْرَامُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَهُ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْن هَاشِمٍ، وَكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ فِرَاشِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَخْرَجَ إلَيْهِ، لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إجْلَالًا لَهُ، قَالَ:
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي وَهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ، حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذَهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، إذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ: دعوا ابْني، فو الله إنَّ لَهُ لَشَأْنًا، ثُمَّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ [٢]، وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، وَيَسُرُّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ.
-------------------[١] وَيُقَال إِن قبر آمِنَة بنت وهب فِي شعب أَبى ذَر بِمَكَّة. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... مَعَه عَلَيْهِ ... إِلَخ» .
وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَمَا رُثِيَ بِهِ مِنْ الشِّعْرِ
(وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الشِّعْرِ):
فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِي سِنِينَ هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ. وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سِنِينَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ [١] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ:
أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ تُوُفِّيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ:
أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ جَمَعَ بَنَاتِهِ، وَكُنَّ سِتَّ نِسْوَةٍ: صَفِيَّةَ، وَبَرَّةَ، وَعَاتِكَةَ، وَأُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ، وَأُمَيْمَةَ، وَأَرْوَى، فَقَالَ لَهُنَّ: ابْكِينَ عَلَيَّ حَتَّى أَسْمَعَ مَا تَقُلْنَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشِّعْرَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا [٣] رَوَاهُ عَنْ مُحَمِّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَتَبْنَاهُ.
(رِثَاءُ صَفِيَّةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
فَقَالَت صفيّة بنت عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا.
أَرِقْتُ لِصَوْتِ نَائِحَةٍ بِلَيْلٍ ... عَلَى رَجُلٍ بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ
فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي [٤] ... عَلَى خَدِّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ [٥]
---------------------[١] هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الله بن معبد بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي الْمدنِي. روى عَن أَخِيه إِبْرَاهِيم وَأَبِيهِ وَعِكْرِمَة وَغَيرهم. وروى عَنهُ ابْن جريح وَابْن إِسْحَاق ووهيب وسُفْيَان بن عُيَيْنَة والدراوَرْديّ.
(عَن تراجم رجال) .
[٢] وَبَعْضهمْ يَقُول: توفى عبد الْمطلب وَرَسُول الله ابْن عشر سِنِين. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «إِلَّا أَنه رَوَاهُ ... كَمَا كتبناه» .
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ:
فَفَاضَتْ عِنْد ذَاك دموع عَيْني
[٥] الفريد: الدّرّ
عَلَى رَجُلٍ كَرِيمٍ غَيْرِ وَغْلٍ [١] ... لَهُ الْفَضْلُ الْمُبِينُ عَلَى الْعَبِيدِ
عَلَى الْفَيَّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيكِ الْخَيْرِ وَارِثِ كُلِّ جُودِ [٢]
صَدُوقٍ فِي الْمَوَاطِنِ غَيْرِ نِكْسٍ ... وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدٍ [٣]
طَوِيلِ الْبَاعِ أَرْوَعَ شَيْظَمِيٌّ [٤] ... مُطَاعٍ فِي عَشِيرَتِهِ حَمِيدٍ
رَفِيعِ الْبَيْتِ أَبْلَجَ ذِي فُضُولٍ ... وَغَيْثِ النَّاسِ فِي الزَّمَنِ [٥] الْحَرُودِ [٦]
كَرِيمِ الْجَدِّ لَيْسَ بِذِي وُصُومِ [٧] ... يَرُوقُ عَلَى الْمُسَوَّدِ وَالْمَسُودِ
عَظِيمِ الْحِلْمِ مِنْ نَفَرٍ كِرَامٍ ... خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَةٍ أُسُودٍ [٨]
فَلَوْ خَلَدَ امْرُؤٌ لِقَدِيمِ مَجْدٍ ... وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْخُلُودِ
لَكَانَ مُخَلِّدًا أُخْرَى اللَّيَالِي ... لِفَضْلِ الْمَجْدِ وَالْحَسَبِ التَّلِيدِ
(رِثَاءُ بَرَّةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَعَيْنَيَّ جُودَا بِدَمْعٍ دِرَرْ ... على طيّب الخم وَالْمُعْتَصَرْ [٩]
عَلَى مَاجِدِ الْجِدِّ وَارَى الزِّنَادَ ... جَمِيلِ الْمُحَيَّا عَظِيمِ الخَطَرْ
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ ذِي الْمَكْرُمَاتِ ... وَذِي الْمَجْدِ وَالْعِزِّ والمُفْتَخَرْ
---------------------[١] الوغل: الضَّعِيف النذل السَّاقِط المقصر فِي الْأَشْيَاء.
[٢] أَرَادَت «الْخَيْر» بِالتَّشْدِيدِ فخففت، وَيجوز أَن يكون الْخَيْر (هَاهُنَا): ضد الشَّرّ، جعلته كُله خيرا على الْمُبَالغَة.
[٣] النكس: الرجل الضَّعِيف الّذي لَا خير فِيهِ. والشخت (بِالْفَتْح وبالتحريك): الدَّقِيق الضامر من الأَصْل لَا هزالًا. والسنيد: الضَّعِيف الّذي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ حَتَّى يسند رَأْيه إِلَى غَيره.
[٤] الشيظمى: الْفَتى الجسيم.
[٥] فِي أ: «فِي الزَّمَان» . وَلَا يَسْتَقِيم بهَا الْوَزْن.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والحرود: النَّاقة القليلة الدّرّ، شبه الزَّمن فِي جدبه بهَا. وَفِي أ:
«الجرود» . والجرود: جمع جرد، وَهُوَ الْمَكَان لَا نَبَات فِيهِ.
[٧] الوصوم: جمع وصم، وَهُوَ الْعَار.
[٨] الخضارمة: جمع خضرم (كزبرج) . وَهُوَ الْجواد المعطاء وَالسَّيِّد الحمول. والملاوثة: جمع ملواث من اللوثة، وَهِي الْقُوَّة، وَمِنْه قَول قريط بن أنيف:
عِنْد الحفيظة إِن ذُو لوثة لأَنا
[٩] الخيم (بِالْكَسْرِ): السجية والطبيعة. وَمعنى كَونه طيب المعتصر، أَنه جواد عِنْد الْمَسْأَلَة.
وَذِي الْحِلْمِ وَالْفَصْلِ فِي النَّائِبَاتِ ... كَثِيرِ الْمَكَارِمِ جَمِّ الْفَجَرْ [١]
لَهُ فَضْلُ مَجْدٍ عَلَى قَوْمِهِ ... مُنِيرٍ يَلُوحُ كَضَوْءِ القَمَرْ
أَتَتْهُ الْمَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ [٢] ... بِصَرْفِ اللَّيَالِي وَرَيْبِ القَدَرْ
[٣]
(رِثَاءُ عَاتِكَةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَعَيْنِيَّ جُودَا وَلَا تَبْخَلَا ... بِدَمْعِكُمَا بَعْدَ نَوْمِ النِّيَامِ
أَعَيْنِيَّ وَاسْحَنْفِرَا واسكبا ... وشوبا بكاء كَمَا بِالْتِدَامِ [٤]
أَعَيْنِيَّ وَاسْتَخْرِطَا وَاسْجُمَا ... عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ نِكْسٍ كَهَامِ [٥]
عَلَى الْجَحْفَلِ الْغَمْرِ فِي النَّائِبَاتِ ... كَرِيمِ الْمَسَاعِي وَفِيِّ الذِّمَامِ [٦]
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ وَارَى الزِّنَادِ ... وَذِي مَصْدَقٍ بَعْدُ ثَبْتِ الْمَقَامِ
وَسَيْفٍ لَدَى الْحَرْبِ صَمْصَامَةٍ ... وَمُرْدَى الْمُخَاصِمِ عِنْدَ الْخِصَام
وَسَهل الْخَلِيفَة طَلْقِ الْيَدَيْنِ ... وَفِي [٧] عَدْمَلِيٍّ صَمِيمٍ لُهَامِ [٨]
تَبَنَّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ ... رَفِيعُ الذُّؤَابَةِ صَعْبُ المَرَامِ
[٩]
(رِثَاءُ أُمِّ حَكِيمٍ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءِ بنتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَلَا يَا عَيْنُ جُودِي وَاسْتَهِلِّي ... وَبَكِّي ذَا النَّدَى وَالْمَكْرُمَاتِ [١٠]
---------------------------
[١] الْفجْر: الْعَطاء، وَالْكَرم، والجود، وَالْمَعْرُوف، وَالْمَال وكثرته.
[٢] لم تشوه: لم تصب الشوى بل أَصَابَت المقتل. والشوى: الْأَطْرَاف.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ويبث الْقَمَر» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] اسحنفر الْمَطَر وَغَيره: كثر صبه. والالتدام: ضرب النِّسَاء وجوههن فِي النِّيَاحَة.
[٥] استخرط الرجل فِي الْبكاء: لج فِيهِ. والكهام: الرجل الكليل المسن. تُرِيدُ أَنه لَيْسَ بنكس، أَي ضَعِيف وَلَا كليل.
[٦] الجحفل: الرجل الْعَظِيم، وَالسَّيِّد الْكَرِيم.
[٧] خففت الْيَاء من «وفى» ليستقيم الْوَزْن.
[٨] العدملى: الضخم. واللهام (كغراب): الْكثير الْخَيْر.
[٩] تبنك: تأصل وَتمكن، مَأْخُوذ من البنك (بِضَم الْبَاء)، وَهُوَ أصل الشَّيْء وخالصة. تُرِيدُ أَن بَيته تأصل فِي باذخ من الشّرف.
[١٠] استهلى: أظهرى الْبكاء. وَبكى: أَمر من بكاء (بِالتَّشْدِيدِ)، بِمَعْنى بَكَى عَلَيْهِ ورثاه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:18 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (20)
صــ 171إلى صــ 180
أَلَا يَا عَيْنُ وَيْحَكَ أَسْعِفِينِي ... بِدَمْعٍ مِنْ دُمُوعٍ هَاطِلَاتٍ [١]
وَبَكِّي خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... أَبَاكِ الْخَيْرُ تَيَّارَ الْفُرَاتِ [٢]
طَوِيلَ الْبَاعِ شَيْبَةَ ذَا الْمَعَالِي ... كَرِيمَ الْخِيمِ مَحْمُودَ الْهِبَاتِ [٣]
وَصُولًا لِلْقَرَابَةِ هِبْرَزِيّا ... وَغَيْثًا فِي السِّنِينَ الْمُمْحِلَاتِ [٤]
وَلَيْثًا حَيْنَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي ... تَرُوقُ لَهُ عُيُونُ النَّاظِرَاتِ [٥]
عَقِيلَ بَنِي كِنَانَةَ وَالْمُرَجَّى ... إذَا مَا الدَّهْرُ أَقْبَلَ بِالْهَنَاتِ [٦]
وَمَفْزَعَهَا إذَا مَا هَاجَ هَيْجٌ ... بِدَاهِيَةٍ وَخَصْمَ الْمُعْضِلَاتِ [٧]
فَبَكِّيهِ وَلَا تسمي بِحُزْنٍ ... وَبَكِّي، مَا بَقِيَتْ، الْبَاكِيَاتُ [٨]
(رِثَاءُ أُمَيْمَةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَلَا هَلَكَ الرَّاعِي الْعَشِيرَةَ ذُو الْفَقْدِ ... وَسَاقِي الْحَجِيجِ وَالْمُحَامِي عَنْ الْمَجْدِ [٩]
وَمَنْ يُؤْلَفُ الضَّيْفَ الْغَرِيبَ بُيُوتَهُ ... إذَا مَا سَمَاءُ النَّاسِ تَبْخَلُ بِالرَّعْدِ
كَسَبْتَ وَلَيَدًا خَيْرَ مَا يَكْسِبُ الْفَتى ... فَلم تنفك تَزْدَادُ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ
أَبُو الْحَارِثِ الْفَيَّاضُ خَلَّى مَكَانَهُ ... فَلَا تُبْعِدَنْ فَكُلُّ حَيٍّ إلَى بُعْدٍ
فَإِنِّي لَبَاكٍ مَا بَقِيتُ وَمُوجَعٌ ... وَكَانَ لَهُ أَهْلًا لِمَا كَانَ مِنْ وَجْدِي [١٠]
--------------------------
[١] فِي أ: «أسعدينى» . وأسعده: أَعَانَهُ على الْبكاء.
[٢] أَصله الْخَيْر (بِالتَّشْدِيدِ) فخففت الْيَاء. والتيار: مُعظم المَاء. والفرات: المَاء العذب.
[٣] الخيم: الطبيعة والسجية.
[٤] الهبرزى: الْجَمِيل الوسيم. وَيُقَال: الحاذق فِي أُمُوره.
[٥] تشتجر: تختلط وتشتبك. والعوالي: الرماح. تُرِيدُ حِين تَجِد الْحَرْب.
[٦] الهنات: جمع هنة، وَهِي كِنَايَة عَن الْقَبِيح.
[٧] مفزعها: ملجؤها. والهيج: الْحَرْب، وَهُوَ من التَّسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ.
[٨] وَلَا تسمى: أَي لَا تسأمى، فسهل الْهمزَة بِالنَّقْلِ ثمَّ حذفهَا.
[٩] الرَّاعِي الْعَشِيرَة: الْحَافِظ لعشيرته. وَفِي الْفَقْد: الّذي يفقد، تُرِيدُ الْبَاذِل الْمُعْطى.
[١٠] أخْبرت بِهَذَا الشّطْر عَن نَفسهَا إِخْبَار الْمُذكر، على معنى الشَّخْص، كَمَا قيل:
قَامَت تبكيه على قَبره ... من لي من بعْدك يَا عَامر
تَرَكتنِي فِي الدَّار ذَا غربَة ... قد ذل من لَيْسَ لَهُ نَاصِر
(تُرِيدُ: شخصا ذَا غربَة) .
سَقَاكَ وَلِيُّ النَّاسِ فِي القَبرُ مُمْطِرًا ... فَسَوْفَ أُبَكِّيهِ وَإِنْ كَانَ فِي اللَّحْدِ
فَقَدْ كَانَ زَيْنًا لِلْعَشِيرَةِ كُلِّهَا ... وَكَانَ حَمِيدًا حَيْثُ مَا كَانَ مِنْ حَمْدٍ
(رِثَاءُ أَرِوَى لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
بَكَتْ عَيْنَيَّ وَحُقَّ لَهَا الْبُكَاءُ ... عَلَى سَمْحٍ سَجِيَّتُهُ الْحَيَاءُ [١]
عَلَى سَهْلِ الْخَلِيقَةِ أبْطَحيٍّ ... كَرِيمِ الْخِيمِ نِيَّتُهُ الْعَلَاءُ [٢]
عَلَى الْفَيَّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيكِ الْخَيْرِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ [٣]
طَوِيلِ الْبَاعِ أَمْلَسَ شَيْظميٌّ ... أَغَرَّ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ضِيَاءُ [٤]
أَقَبِّ الْكَشْحِ أَرُوعَ ذِي فُضُولٍ ... لَهُ الْمَجْدُ الْمُقَدَّمُ وَالسَّنَاءُ [٥]
أَبِيِّ الضَّيْمِ أَبْلَجَ هِبْرَزِيٌّ ... قَدِيمِ الْمَجْدِ لَيْسَ لَهُ [٦] خَفَا
وَمَعْقِلِ مَالِكٍ وَرَبِيعِ فِهْرٍ ... وَفَاصِلِهَا [٧] إذَا اُلْتُمِسَ الْقَضَاءُ
وَكَانَ هُوَ الْفَتَى كَرَمًا وَجُودًا ... وَبَأْسًا حَيْنَ تَنْسَكِبُ الدِّمَاءُ
إذَا هَابَ الْكُمَاةُ الْمَوْتَ حَتَّى ... كَأَنَّ قُلُوبَ أَكْثَرِهِمْ هَوَاءُ [٨]
مَضَى قُدُمًا بِذِي رُبَدٍ خَشِيبٍ [٩] ... عَلَيْهِ حَيْنَ تُبْصِرهُ الْبَهَاءُ [١٠]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَشَارَ بِرَأْسِهِ وَقَدْ أَصْمَتَ [١١]: أَنَّ هَكَذَا فَابْكِينَنِي.
---------------------
[١] السجية: الطبيعة.
[٢] أَي من قُرَيْش البطاح: وهم الَّذين ينزلون بَين أخشبى مَكَّة.
[٣] الكفاء: الْمثل.
[٤] الشيظمى: الْمَقُول الفصيح.
[٥] الأقب: الضامر الْبَطن. والكشح: الخصر. والأروع: الّذي يُعْجِبك بحسنة، ومنظره وشجاعته.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بِهِ» .
[٧] كَذَا فِي أ. والفاصل: الّذي يفصل فِي الْخُصُومَات. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وفاضلها» بالضاد الْمُعْجَمَة، وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أولى للسياق.
[٨] الكماة: الشجعان، واحدهم: كمي.
[٩] الربد (كصرد) الفرند. والخشيب: الصَّقِيل.
[١٠] ويروى: «الهباء» . يُرِيد بِهِ مَا يظْهر على السَّيْف المجوهر تَشْبِيها بالغبار.
[١١] أصمت العليل: اعتقل لِسَانه.
(نَسَبُ الْمُسَيِّبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: [وَ] [١] الْمُسَيِّبُ [٢] بْنُ حَزْنِ [٣] بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.
(رِثَاءُ حُذَيْفَةَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ [٤] حُذَيْفَةُ [٥] بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ وَفَضْلَ قُصَيٍّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَفَضْلَ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُخِذَ بِغُرْمِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بِمَكَّةَ، فَوَقَفَ بِهَا فَمَرَّ بِهِ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَافْتَكَّهُ:
أَعَيْنِيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ عَلَى الصَّدْرِ ... وَلَا تَسْأَمَا أُسْقِيتُمَا سَبَلَ الْقَطْرِ [٦]
وَجُودَا بِدَمْعٍ وَاسْفَحَا كُلَّ شَارِقٍ ... بُكَاءَ امْرِئٍ لَمْ يُشْوِهِ نَائِبُ الدَّهْرِ [٧]
(وَسُحَّا وَجُمَّا وَاسْجُمَا مَا بَقِيتُمَا [٨] ... عَلَى ذِي حَيَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَذِي سِتْرِ) [٩]
عَلَى رَجُلٍ جَلْدِ الْقُوَى ذِي حَفِيظَةٍ ... جَمِيلِ الْمُحَيَّا غَيْرِ نِكْسٍ وَلَا هَذْرِ [١٠]
-----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] أهل الْعرَاق يفتحون الْيَاء من «الْمسيب»، وَأهل الْمَدِينَة يكسرون، وَنقل عَن سعيد ابْنه أَنه كَانَ يَقُول: سيب الله من سيب أَبى، وَحكى الْكسر عِيَاض وَابْن الْمَدِينِيّ.
[٣] روى سعيد بن الْمسيب، قَالَ: أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يُغير اسْم جدي ويسميه سهلا، فَأبى، وَقَالَ: لَا أغير اسْما سماني بِهِ أَبى. فَمَا زَالَت تِلْكَ الحزونة فِينَا. (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة حزن) .
[٤] وَيُقَال إِن الشّعْر لحذافة بن غَانِم، وَهُوَ أَخُو حُذَيْفَة، ووالد خَارِجَة بن حذافة، وَله يَقُول فِي هَذِه القصيدة:
فخارج إِمَّا أهلكن فَلَا تزل
[٥] وَهُوَ وَالِد أَبى جهم عبيد بن حُذَيْفَة، وَهُوَ الّذي أهْدى الخميصة لرَسُول الله ﷺ، فَنظر إِلَى علمهَا فَردهَا. وَأم أَبى جهم: يسير بنت عبد الله بن أذاة بن ريَاح. وَابْن أذاة هُوَ خَال أَبى قُحَافَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٦] السبل: الْمَطَر.
[٧] كل شارق: أَي عِنْد طُلُوع الشَّمْس كل يَوْم، وَلم يشوه: لم يخطئه.
[٨] سَحا: صبا. وجما: أجمعا وأكثرا. واسجما: أسيلا.
[٩] زِيَادَة عَن أ.
[١٠] الحفيظة: الْغَضَب مَعَ عزة. والنكس من السِّهَام: الّذي نكس فِي الكنانة ليميزه الرَّامِي فَلَا يَأْخُذهُ لرداءته، وَقيل: الّذي انْكَسَرَ أَعْلَاهُ فَنَكس ورد أَعْلَاهُ أَسْفَله، وَهُوَ غير جيد للرمي. والهذر: الْكثير الْكَلَام فِي غير فَائِدَة.
عَلَى الْمَاجِدِ الْبُهْلُولِ ذِي الْبَاعِ وَالنَّدَى [١] ... رَبِيعِ لؤيّ فِي المحوط وَفِي الْعسر [٢]
على خير حَافٍ مِنْ مُعَدٍّ وناعل ... كريم الْمُسَمّى طَيِّبَ الْخِيمِ وَالنَّجْرِ [٣]
وَخَيْرُهُمْ أَصْلًا وَفَرْعًا وَمَعْدِنًا ... وَأَحْظَاهُمْ بِالْمُكْرَمَاتِ وَبِالذِّكْرِ
وَأَوْلَاهُمْ بِالْمَجْدِ وَالْحِلْمِ وَالنُّهَى ... وَبِالْفَضْلِ عِنْدَ الْمُجْحِفَاتِ مِنْ الْغُبْرِ [٤]
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ ... يُضِيءُ سَوَادَ اللَّيْلِ كَالْقَمَرِ الْبَدْرِ
وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمَّ لِلْخَيْرِ هَاشِمٍ [٥] ... وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِكَ السَّيِّدُ الفِهْري [٦]
طَوَى زَمزَما عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ ... سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلِّ ذِي فَخْرٍ
لِيَبْكِ عَلَيْهِ كُلُّ عَانٍ بِكُرْبَةٍ ... وَآلُ قُصَيٍّ مِنْ مُقِلٍّ وَذِي وَفْرٍ [٧]
بَنُوهُ سَرَاةَ كَهْلُهُمْ وَشَبَابُهُمْ ... تَفَلَّقَ عَنْهُمْ بَيْضَةُ الطَّائِرِ الصَّقْرِ [٨]
قُصَيُّ الَّذِي عَادَى كِنَانَةَ كُلَّهَا ... وَرَابَطَ بَيْتَ اللَّهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
فَإِنْ تَكُ غَالَتْهُ الْمَنَايَا وَصَرْفُهَا ... فَقَدْ عَاشَ مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ وَالْأَمْرِ [٩]
وَأَبْقَى رِجَالًا سَادَةً غَيْرَ عُزَّلٍ ... مَصَالِيتُ أَمْثَالَ الرُّدَيْنِيَّةِ السُّمْرِ [١٠]
أَبُو عُتْبَةَ الْمُلْقَى إلَيَّ حِبَاؤُهُ ... أَغَرُّ هِجَانُ اللَّوْنِ مِنْ نَفَرِ غُرٍّ [١١]
وَحَمْزَةُ مِثْلُ الْبَدْرِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى ... نَقِيُّ الثِّيَابِ وَالذِّمَامِ مِنْ الْغَدْرِ
-----------------------
[١] البهلول: السَّيِّد.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. واللهى: العطايا. وَفِي أ: «والندا» . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «والنهى» والنهى: جمع نهية، وَهِي الْعقل.
[٣] النجر: الأَصْل.
[٤] المجحفات: الَّتِي تذْهب بالأموال. والغبر: السنون المقحطات
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «للخبز» .
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي شرح السِّيرَة: «الْقَهْر» بِالْقَافِ. أَي الّذي يقهر النَّاس، فوصفه بِالْمَصْدَرِ، كَمَا تَقول: رجل عدل، أَو رجل صَوْم، أَو رجل فطر.
[٧] العاني: الْأَسير.
[٨] سراة: خِيَار.
[٩] النقيبة: النَّفس. وَمَيْمُون النقيبة: منجح الفعال مظفر المطالب.
[١٠] عزل: جمع أعزل. وَلَا يجمع أفعل على فعل، وَلَكِن جَاءَ هَكَذَا، لِأَن الأعزل فِي مُقَابلَة الرامح، وَقد يحملون الصّفة على ضدها. وَقد يجوز أَن يكون أجراه مجْرى «حسر» جمع حاسر، لِأَنَّهُ قريب مِنْهُ فِي الْمَعْنى. ومصاليت: شجعان. والردينية: الرماح.
[١١] الحباء: الْعَطاء. وهجان اللَّوْن: ابيض.
وَعَبْدُ مَنَافٍ مَاجِدٌ ذُو حَفِيظَةٍ ... وَصُولٌ لِذِي الْقُرْبَى رَحِيمٌ بِذِي [١] الصِّهْرِ
كُهُولُهُمْ خَيْرُ الكهول ونسلهم ... كتسل الْمُلُوكِ لَا تَبُورُ وَلَا تَحَرَّى [٢]
مَتَى مَا تُلَاقِي مِنْهُمْ الدَّهْرَ نَاشِئًا ... تَجِدْهُ بِإِجْرِيَّا أَوَائِلِهِ بَجْرَى [٣]
هُمْ مَلَئُوا الْبَطْحَاءَ مَجْدًا وَعِزَّةً ... إذَا اُسْتُبِقَ الْخَيْرَاتُ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ
وَفِيهِمْ بُنَاةٌ لِلْعُلَا وَعِمَارَةٌ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ جَدُّهُمْ جَابِرُ الْكَسْرِ
بِإِنْكَاحِ عَوْفٍ بِنْتَهُ لِيُجِيرَنَا ... مِنْ أَعْدَائِنَا إذْ أَسْلَمَتْنَا بَنُو فِهْرِ
فَسِرْنَا تهامي الْبِلَادِ وَنَجْدَهَا [٤] ... بِأَمْنِهِ حَتَّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ [٥]
وَهُمْ حَضَرُوا وَالنَّاسُ بَادٍ فَرِيقُهُمْ ... وَلَيْسَ بِهَا إلَّا شُيُوخُ بَنِي [٦] عَمْرِو [٧]
بَنَوْهَا دِيَارًا جَمَّةً وَطَوَوْا بِهَا ... بِئَارًا تَسُحُّ الْمَاءَ مِنْ ثَبَجِ بَحْرِ [٨]
لَكَيْ يَشْرَبَ الْحُجَّاجُ مِنْهَا وَغَيْرُهُمْ ... إذَا ابْتَدَرُوهَا صُبْحَ تَابِعَةِ النَّحْرِ
----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لذِي» .
[٢] لَا تبور: لَا تهْلك. وَلَا تحرى: لَا تنقص.
[٣] الإجريا (بِالْقصرِ وَالْمدّ): الْوَجْه الّذي تَأْخُذ فِيهِ وتجرى عَلَيْهِ.
[٤] يُرِيد مَا انخفض مِنْهَا وَمَا علا.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول «بأمنة» . وَهُوَ تَصْحِيف. وَقد قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذِه الْكَلِمَة: «... حذف الْيَاء من هَاء الْكِنَايَة (الضَّمِير) ضَرُورَة كَمَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ:
سأجعل عَيْنَيْهِ لنَفسِهِ مقنعا
فِي أَبْيَات كَثِيرَة أنشدها سِيبَوَيْهٍ، وَهَذَا مَعَ حذف الْيَاء وَالْوَاو وَبَقَاء حَرَكَة الْهَاء، فَإِن سكنت الْهَاء بعد الْحَذف، فَهُوَ أقل فِي الِاسْتِعْمَال من نَحْو هَذَا، وأنشدوا:
نضواى مشتاقان لَهُ أرقان
وَهَذَا الّذي ذَكرْنَاهُ هُوَ فِي الْقيَاس أقوى، لِأَنَّهُ من بَاب حمل الْوَصْل على الْوَقْف، نَحْو قَول الراجز:
لما رأى أَن لَا دعة وَلَا شبع
وَمِنْه فِي التَّنْزِيل كثير، نَحْو إِثْبَات هَاء السكت فِي الأَصْل، وَإِثْبَات الْألف من أَنا، وَإِثْبَات ألف الفواصل نَحْو: «وتظنون باللَّه الظنونا» . وَهَذَا الّذي ذكره سِيبَوَيْهٍ من الضَّرُورَة فِي هَاء الْإِضْمَار إِنَّمَا هُوَ إِذا تحرّك مَا قبلهَا نَحْو: بِهِ، وَلَا يكون فِي هَاء الْمُؤَنَّث الْبَتَّةَ لخفة الْألف، فَإِن سكن مَا قبل الْهَاء نَحْو: فِيهِ، كَانَ الْحَذف أحسن من الْإِثْبَات.
[٦] شُيُوخ بنى عَمْرو: يُرِيد بنى هَاشم، لِأَن اسْمه عَمْرو.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بَنو» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٨] كَذَا فِي أ. وثبج كل شَيْء: معظمه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... ثبج الْبَحْر» .
ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَظَلُّ رِكَابُهُمْ ... مُخَيَّسَةً [١] بَيْنَ الْأَخَاشِبِ وَالْحِجْرِ [٢]
وَقِدْمًا غَنِيّنَا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً ... وَلَا نَسْتَقِي إلَّا بِخُمَّ أَوْ الْحَفْرِ [٣]
وَهُمْ يَغْفِرُونَ الذَّنْبَ يُنْقَمُ دُونَهُ ... وَيَعْفُونَ عَنْ قَوْلِ السَّفَاهَةِ وَالْهُجْرِ [٤]
وَهُمْ جَمَعُوا حِلْفَ الْأَحَابِيشِ كلِّها ... وَهُمْ نَكَّلُوا عَنَّا غُوَاةَ بَنِي بَكْرِ [٥]
فَخَارِجَ، إمَّا أَهْلكُنَّ فَلَا تَزَلْ ... لَهُمْ شَاكِرًا حَتَّى تُغَيَّبَ فِي الْقَبْرِ
وَلَا تَنْسَ مَا أَسُدَى ابْنُ لُبْنَى فَإِنَّهُ ... قَدْ أَسْدَى يَدًا مَحْقُوقَةً مِنْكَ بِالشُّكْرِ [٦]
وَأَنْتَ ابْنُ لُبْنَى مِنْ قُصَيٍّ إذَا انْتَمَوْا ... بِحَيْثُ انْتَهَى قَصْدُ الْفُؤَادِ مِنْ الصَّدْرِ
وَأَنْتَ تَنَاوَلْتَ الْعُلَا فَجَمَعْتَهَا ... إلَى مَحْتِدٍ لِلْمَجْدِ ذِي ثَبَجِ جَسْرِ [٧]
سَبَقْتَ وَفُتَّ الْقَوْمَ بَذْلًا وَنَائِلًا ... وَسُدْتُ وَلَيَدًا كُلَّ ذِي سُوْدُدِ غَمْرِ
وَأُمُّكَ سِرٌّ مِنْ خُزَاعَةَ جَوْهَرِ ... إذَا حَصَّلَ الْأَنْسَابَ يَوْمًا ذَوُو الْخُبْرِ [٨]
إلَى سَبَأِ الْأَبْطَالِ تُنَمَّى وَتَنْتَمِي ... فَأَكْرِمْ بِهَا مَنْسُوبَةً فِي ذُرَا الزُّهْرِ
أَبُو شَمَرٍ مِنْهُمْ وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ... وَذُو جَدَنٍ مِنْ قَوْمِهَا وَأَبُو الْجَبْرِ [٩]
وَأَسْعَدُ قَادَ النَّاسَ عِشْرِينَ حِجَّةً ... يُؤَيَّدُ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ بِالنَّصْرِ [١٠]
------------------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول. ومخيسة: مذللة. ويروى: «محبسة» والمحبسة: المحبوسة.
[٢] الأخاشب: جبال بِمَكَّة، وهما جبلان، فجمعهما على مَا يليهما.
[٣] خم والحفر: اسْما بئرين. وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِمَا.
[٤] الهجر: الْقَبِيح من الْكَلَام الْفَاحِش.
[٥] الْأَحَابِيش: أَحيَاء الفارة، انضموا إِلَى بنى لَيْث فِي محاربتهم قُريْشًا، وَقيل: حالفوا قُريْشًا تَحت جبل يُسمى حَبَشِيًّا، فسموا بذلك. ونكلوا: صرفُوا وزجروا.
[٦] محقوقة كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «محفوفة» . (بفاءين) .
[٧] الجسر: الْمَاضِي فِي أُمُوره القوى عَلَيْهَا.
[٨] سر: خَالِصَة النّسَب.
[٩] أَبُو شمر: مَالك. وَيُقَال لَهُ: ملك الْأَمْلَاك. وَابْنه شمر هُوَ الّذي بنى سَمَرْقَنْد، وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أَبَا شمر الغساني وَالِد الْحَارِث بن أَبى شمر. وَعَمْرو بن مَالك: قد يكون عمرا ذَا الأذعار. وَأَبُو الْجَبْر: ملك من مُلُوك الْيمن، وَيُقَال: إِن سميَّة أم زِيَاد كَانَت لأبى جبر هَذَا، وَدفعهَا إِلَى الْحَارِث بن كلدة المتطبب فِي طب طبه.
[١٠] أسعد: هُوَ أسعد أَبُو حسان بن أسعد، وَهُوَ وَمن ذكرهم فِي الْبَيْت السَّابِق، من التبابعة، وَإِنَّمَا جعلهم مفخرا لأبى لَهب، لِأَن أمه خزاعية من سبإ، والتبابعة كلهم من حمير بن سبإ.
١٢- سيرة ابْن هِشَام- ١
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «أُمُّكَ سِرٌّ مِنْ خُزَاعَةَ»، يَعْنِي أَبَا لَهَبٍ، أُمُّهُ لُبْنَى بِنْتُ هَاجِرٍ الْخُزاَعِيِّ. وَقَوْلُهُ: «بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(رِثَاءُ مَطْرُودٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبني عَبْدِ مَنَافٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزاَعِيُّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وبَني عَبْدِ مَنَافٍ:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُحَوِّلُ رَحْلَهُ ... هَلَّا سَأَلْتَ عَنْ آلِ عَبْدِ مَنَافِ
هَبَلَتْكَ أُمُّكَ لَوْ حَلَلْتَ بِدَارِهِمْ ... ضَمِنُوكَ مِنْ جُرْمٍ وَمِنْ إقْرَافِ [١]
(الْخَالِطِينَ غَنِيَّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ ... حَتَّى يَعُودَ فَقِيرُهُمْ كَالْكَافِي) [٢]
الْمُنْعِمِينَ إذَا النُّجُومُ تَغَيَّرَتْ ... وَالظَّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ
وَالْمُطْعِمِينَ إذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَتْ ... حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ فِي الرَّجَّافِ [٣]
إمَّا هَلَكْتَ أَبَا الْفِعَالِ فَمَا جَرَى ... مِنْ فَوْقِ مِثْلِكَ عَقْدُ ذَاتِ نِطَافِ [٤]
إلَّا أَبِيكَ أَخِي الْمَكَارِمِ وَحْدَهُ ... وَالْفَيْضِ مُطَّلِبٍ أَبِي الْأَضْيَافِ [٥]
(وِلَايَةُ الْعَبَّاسِ عَلَى سِقَايَةِ زَمْزَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٦]: فَلَمَّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَلِيَ زَمْزَمَ وَالسِّقَايَةَ عَلَيْهَا [٧] بَعْدَهُ الْعَبَّاسُ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنًّا، فَلَمْ
----------------------
[١] هبلتك: فقدتك. وَهُوَ على جِهَة الإغراء لَا على جِهَة الدُّعَاء، كَمَا تَقول: تربت يداك، وَلَا أَبَا لَك، وأشباههما. والإقراف: مقاربة الهجنة. أَي منعوك من أَن تنْكح بناتك وأخواتك من لئيم فَيكون الابْن مقرفا للؤم أَبِيه وكرم أمه، فيلحقك وصم من ذَلِك. وَنَحْو مِنْهُ قَول مهلهل:
أنْكحهَا فقدها الأراقم فِي جنب ... وَكَانَ الحباء من آدم
(أَي أنكحت لغربتها من غير كُفْء، وَذَلِكَ أَن مهلهلا نزل فِي جنب، وَهُوَ حَيّ وضيع من مذْحج، فَخطبت ابْنَته، فَلم يسْتَطع منعهَا فَزَوجهَا، وَكَانَ مهرهَا من أَدَم) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] تناوحت: تقابلت. والرجاف (هُنَا): الْبَحْر.
[٤] النطاف: جمع نُطْفَة، وَهِي القرط الّذي يعلق من الْأذن. هَذَا على رِوَايَة من روى «عقد» بِكَسْر الْعين، وَمن رَوَاهُ بِفَتْح الْعين جعل النطاف جمعا لنطفة، وَهِي المَاء الْقَلِيل الصافي.
[٥] يُرِيد أَنه كَانَ لأضيافه كَالْأَبِ. وَالْعرب تَقول لكل جواد: أَبُو الأضياف، كَمَا قَالَ مرّة بن محكان
أدعى أباهم وَلم أقرف بأمهم ... وَقد عمرت وَلم أعرف لَهُم نسبا
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَلَيْهِمَا» . وَهُوَ تَحْرِيف.
تَزَلْ إلَيْهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ. فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ وِلَايَتِهِ، فَهِيَ إلَى آلِ الْعَبَّاسِ، بِوِلَايَةِ الْعَبَّاسِ إيَّاهَا، إلَى (هَذَا) [١] الْيَوْمِ.
كِفَالَةُ أَبِي طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- يُوصِي بِهِ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.
(وِلَايَةُ أَبِي طَالِبٍ لِأَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي يَلِي أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ جَدِّهِ، فَكَانَ إلَيْهِ وَمَعَهُ.
(نُبُوءَةُ رَجُلٍ مِنْ لَهَبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى [٢] بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ:
أَنَّ رَجُلًا مِنْ لَهَبٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَهَبٌ: مِنْ أَزْدَشَنُوءَةَ [٣]- كَانَ
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَانَ يحيى ثِقَة كثير الحَدِيث. روى عَن أَبِيه وجده وَعَمه حَمْزَة وَابْن عَم أَبِيه عبد الله بن عُرْوَة بن الزبير. وَعنهُ غير ابْن إِسْحَاق ابْن عَم أَبِيه هِشَام بن عُرْوَة ومُوسَى بن عقبَة وَحَفْص بن عمر بن ثَابت بن زُرَارَة وَعبد الله بن أَبى بكر بن حزم، وَيزِيد بن عبد الله بن الْهَاد. مَاتَ وَهُوَ ابْن سِتّ وَثَلَاثِينَ. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب، وتراجم رجال) .
[٣] وَقيل: هُوَ لَهب بن أحجن بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نصر بن الأزد. وَهِي الْقَبِيلَة الَّتِي تعرف بالعيافة والزجر، وَمِنْهُم اللهبي الّذي زجر حِين وَقعت الْحَصَاة بصلعة عمر رضي الله عنه فأدمته وَذَلِكَ فِي الْحَج فَقَالَ: أشعر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله لَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام، فَكَانَ كَذَلِك. وَفِيهِمْ يَقُول كثير
تيممت لهبا أَبْتَغِي الْعلم عِنْدهم ... وَقد رد علم العائفين إِلَى لَهب
(رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة لَهب، وَالرَّوْض الْأنف) .
عَائِفًا [١]، فَكَانَ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَاهُ رِجَالُ قُرَيْشٍ بِغِلْمَانِهِمْ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَعْتَافُ لَهُمْ فِيهِمْ. قَالَ: فَأَتَى بِهِ أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ غُلَامٌ، مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ، فَنَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ شَغَلَهُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: الْغُلَامُ عَلَيَّ بِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ حِرْصَهُ عَلَيْهِ غَيَّبَهُ عَنْهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: وَيْلَكُمْ، رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ الَّذِي رَأَيْت آنِفا، فو الله لَيَكُونَنَّ لَهُ شَأْنٌ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَالِبٍ.
قِصَّةُ بَحِيرَى [٢]
(نُزُولُ أَبِي طَالِبٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبُحَيْرَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْبٍ تَاجِرًا إلَى الشَّامِ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ، وَأَجْمَعَ الْمَسِيرَ صَبَّ بِهِ [٣] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- فَرَقَّ لَهُ (أَبُو طَالِبٍ) وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ بِهِ مَعِي، وَلَا يُفَارِقُنِي، وَلَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، أَوْ كَمَا قَالَ. فَخَرَجَ بِهِ [٤] مَعَهُ فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى [٥] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ،
------------------------
[١] العائف: الّذي يتفرس فِي خلقَة الْإِنْسَان فيخبر بِمَا يؤول حَاله إِلَيْهِ.
[٢] وَاسم بحيرى بحيرى بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة آخِره رَاء مَقْصُورا وَقيل ممدودا: هُوَ جرجيس (بِكَسْر الجيمين) . وَيُقَال: سرجس، كَمَا يُقَال: جرجس. وَكَانَ حبرًا من أَحْبَار يهود تيماء، كَمَا قيل إِنَّه كَانَ نَصْرَانِيّا من عبد الْقَيْس، وَهُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن إِسْحَاق هُنَا. وَيُقَال إِنَّه سمع قبل الْإِسْلَام بِقَلِيل هَاتِف يَهْتِف: أَلا إِن خير أهل الأَرْض ثَلَاثَة: بحيرى ورباب الشنى، وَالثَّالِث المنتظر، فَكَانَ الثَّالِث رَسُول الله ﷺ. (رَاجع المعارف، ومروج الذَّهَب، والإصابة، وَالرَّوْض، وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٣] كَذَا فِي الْأُصُول والطبري، وَشرح الْمَوَاهِب اللدنية (ج ١ ص ١٩٢ طبع المطبعة الأزهرية) .
وصب بِهِ: مَال إِلَيْهِ. وَفِي هَامِش الطَّبَرِيّ، وَشرح السِّيرَة: «ضَب بِهِ» بالضاد الْمُعْجَمَة. وضب بِهِ:
تعلق بِهِ وامتسك. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي هَامِش الطَّبَرِيّ وَالرَّوْض، وَشرح الْمَوَاهِب: «ضبث» . وضبث بِهِ: لزمَه. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
كَأَن فُؤَادِي فِي يَد ضبثت بِهِ
[٤] وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذْ ذَاك ابْن تسع سِنِين، وَقيل ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَقيل غير ذَلِك. (رَاجع الطَّبَرِيّ، وَشرح الْمَوَاهِب، وَالرَّوْض) .
[٥] بصرى: مَدِينَة حوران، فتحت صلحا لخمس بَقينَ من ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة، وَهِي أول مَدِينَة فتحت بِالشَّام، وَقد وردهَا ﷺ مرَّتَيْنِ (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
وَبِهِمَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ مُنْذُ قَطُّ [١] رَاهِبٌ، إلَيْهِ يَصِيرُ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ فِيهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ، يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَلَمَّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ بِبَحِيرَى وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ. فَلَمَّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، فِي الرَّكْبِ حِينَ أَقْبَلُوا، وَغَمَامَةٌ تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ. قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلُوا فَنَزَلُوا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ. فَنَظَرَ إلَى الْغَمَامَةِ حَيْنَ أَظَلَّتْ الشَّجَرَةُ، وَتَهَصَّرَتْ [٢] أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَحِيرَى نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ [٣]، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: إنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوا كُلُّكُمْ، صَغِيرُكُمْ وَكَبِيرُكُمْ، وَعَبْدُكُمْ وَحُرُّكُمْ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاَللَّهِ يَا بَحِيرَى إنَّ لَكَ لَشَأْنًا الْيَوْمَ، فَمَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا بِنَا، وَقَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ كَثِيرًا، فَمَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ لَهُ بَحِيرَى: صَدَقْتَ، قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ، وَلَكِنَّكُمْ ضَيْفٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكُمْ وَأَصْنَعَ لَكُمْ طَعَامًا فَتَأْكُلُوا [٤] مِنْهُ كُلُّكُمْ. فَاجْتَمِعُوا إلَيْهِ، وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ، فِي رِحَالِ الْقَوْمِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَى فِي الْقَوْمِ لَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُ وَيَجِدُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي، قَالُوا لَهُ: يَا بَحِيرَى، مَا تَخَلَّفَ عَنْكَ أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَكَ إلَّا غُلَامٌ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، فَتَخَلَّفَ فِي رِحَالِهِمْ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، اُدْعُوهُ فَلِيَحْضُرْ هَذَا الطَّعَامَ مَعَكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ الْقَوْمِ، وَاَللَّاتِ وَالْعُزَّى، إنْ كَانَ لَلُؤْمٌ بِنَا أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ طَعَامٍ مِنْ
----------------------
[١] قطّ: أَي الدَّهْر.
[٢] تهصرت: مَالَتْ وتدلت، وَتقول: هصرت الْغُصْن، وَذَلِكَ إِذا جذبته إِلَيْك حَتَّى يمِيل.
[٣] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ، وَفِي الْأُصُول: «... نزل من صومعته، وَقد أَمر بذلك الطَّعَام فَصنعَ ثمَّ أرسل ... إِلَخ» .
[٤] كَذَا فِي شرح الْمَوَاهِب وَفِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فتأكلون» . وَهُوَ تَحْرِيف.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:20 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (21)
صــ 181إلى صــ 190
بَيْنَنَا، ثُمَّ قَامَ إلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ [١] وَأَجْلَسَهُ مَعَ الْقَوْمِ. فَلَمَّا رَآهُ بَحِيرَى جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ، قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، حَتَّى إذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَتَفَرَّقُوا، قَامَ إلَيْهِ بَحِيرَى، فَقَالَ (لَهُ) [٢]:
يَا غُلَامُ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى إلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ بَحِيرَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا [٣] . فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَهُ) [٢]: لَا تَسْأَلْنِي بِاللات والعزّى، فو الله مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا، فَقَالَ لَهُ بَحِيرَى: فباللَّه إلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ. فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ فِي نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَى مِنْ صِفَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَى ظَهْرِهِ، فَرَأَى خَاتَمَ [٤] النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْ صِفَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مِثْلَ أَثَرِ الْمِحْجَمِ [٥] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ، أَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ لَهُ بَحِيرَى: مَا هُوَ بِابْنِكَ، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا، قَالَ: فَإِنَّهُ ابْنُ أَخِي، قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إلَى بَلَدِهِ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يهود، فو الله لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنَّهُ [٦] شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ، فَأَسْرِعْ بِهِ إلَى بِلَادِهِ.
------------------
[١] احتضنه: أَخذه من حضنه، أَي مَعَ جنبه.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] وَيُقَال إِنَّه إِنَّمَا سَأَلَهُ بِاللات والعزى اختبارا، وَهُوَ أولى من قَول ابْن إِسْحَاق. (رَاجع الشِّفَاء، وَشرح الْمَوَاهِب اللدنية) .
[٤] قيل سمى بذلك لِأَنَّهُ من العلامات الَّتِي يعرفهُ بهَا عُلَمَاء الْكتب السَّابِقَة. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٥] المحجم: الْآلَة، الَّتِي يحجم بهَا يعْنى أثر المحجمة القابضة على اللَّحْم حَتَّى يكون ناتئا. وَفِي الْخَبَر أَنه كَانَ حوله خيلان فِيهَا شَعرَات سود، وَأَنه كَانَ كالتفاحة، أَو كبيضة الْحَمَامَة. عِنْد نغض (غضروف) كتفه الْيُسْرَى. رَاجع (شرح الْمَوَاهِب، وَالرَّوْض) .
[٦] كَذَا فِي أوالطبري وَشرح الْمَوَاهِب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ليبغينه»، وَهُوَ تَحْرِيف.
(رُجُوعُ أَبِي طَالِبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَا كَانَ مِنْ زُرَيْرٍ وَصَاحِبِيهِ):
فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ حَيْنَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشَّامِ، فَزَعَمُوا فِيمَا رَوَى النَّاسُ: أَنَّ زُرَيْرًا وَتَمَّامًا وَدَرِيسًا، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَدْ كَانُوا رَأَوْا من رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَا رَآهُ بَحِيرَى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرَادُوهُ فَرَدَّهُمْ عَنْهُ بَحِيرَى، وَذَكَّرَهُمْ اللَّهَ وَمَا يَجِدُونَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُمْ إنْ أَجْمَعُوا لِمَا أَرَادُوا بِهِ لَمْ يَخْلُصُوا إلَيْهِ وَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ، وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا عَنْهُ: فَشَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ أَقْذَارِ الْجَاهِلِيَّةِ، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، حَتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا، وَأَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَكْرَمَهُمْ حَسَبًا، وَأَحْسَنَهُمْ جِوَارًا، وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً، وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ الْفُحْشِ وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ، تَنَزُّهًا وَتَكَرُّمًا، حَتَّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إلَّا الْأَمِينُ، لِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الصَّالِحَةِ.
(حَدِيثُهُ ﷺ عَنْ عِصْمَةِ اللَّهِ لَهُ فِي طُفُولَتِهِ):
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- يُحَدِّثُ عَمَّا كَانَ اللَّهُ يَحْفَظُهُ بِهِ فِي صِغَرِهِ وَأَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِ، أَنَّهُ قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتنِي فِي غِلْمَانِ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لِبَعْضِ مَا يَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ، كُلُّنَا قَدْ تَعَرَّى، وَأَخَذَ إزَارَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ، فَإِنِّي لَأُقْبِلُ مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَأُدْبِرُ، إذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ مَا أَرَاهُ، لَكْمَةً وَجِيعَةً، ثُمَّ قَالَ: شُدَّ عَلَيْكَ إزَارَكَ، قَالَ: فَأَخَذْتُهُ وَشَدَدْتُهُ عَلَيَّ، ثُمَّ جَعَلْتُ أَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عَلَيَّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي [١] .
--------------------------
[١] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذِه الْقِصَّة: «وَهَذِه الْقِصَّة إِنَّمَا وَردت فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي حِين بُنيان الْكَعْبَة، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ ينْقل الْحِجَارَة مَعَ قومه إِلَيْهَا، وَكَانُوا يحملون أزرهم على عواتقهم لتقيهم الْحِجَارَة، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يحملهَا على عَاتِقه وَإِزَاره مشدود عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس رضي الله عنه: يَا بن أخى لَو جعلت إزارك على عاتقك، فَفعل فَسقط مغشيا عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ إزَارِي إزَارِي. فَشد عَلَيْهِ إزَاره، وَقَامَ يحمل الْحِجَارَة.
حَرْبُ الْفِجَارِ [١]
(سَبَبُهُا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، هَاجَتْ حَرْبُ الْفُجَّارِ بَيْنَ قُرَيْشٍ، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ كِنَانَةَ، وَبَيْنَ قَيْسِ عَيْلَانَ.
وَكَانَ الَّذِي هَاجَهَا أَنَّ عُرْوَةَ الرَّحَّالَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ ابْن عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، أَجَارَ [٢] لَطِيمَةً [٣] لِلنُّعْمَانِ ابْن الْمُنْذَرِ [٤]، فَقَالَ لَهُ الْبَرَّاضُ بْنُ قَيْسٍ، أَحَدُ بَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ
-------------------------
[()] وَفِي حَدِيث آخر: أَنه لما سقط ضمه الْعَبَّاس إِلَى نَفسه وَسَأَلَهُ عَن شَأْنه، فَأخْبرهُ أَنه نُودي من السَّمَاء:
أَن اشْدُد عَلَيْك إزارك يَا مُحَمَّد. قَالَ: وَإنَّهُ لأوّل مَا نُودي.
وَحَدِيث ابْن إِسْحَاق، إِن صَحَّ أَن ذَلِك كَانَ فِي صغره إِذْ كَانَ يلْعَب مَعَ الغلمان، فَحَمله على أَن هَذَا الْأَمر كَانَ مرَّتَيْنِ، مرّة فِي حَال صغره، وَمرَّة فِي أول اكتهاله عِنْد بُنيان الْكَعْبَة» .
[١] الْفجار (بِالْكَسْرِ): بِمَعْنى المفاجرة، كالقتال والمقاتلة، وَذَلِكَ أَنه كَانَ قتالا فِي الشَّهْر الْحَرَام فَفَجَرُوا فِيهِ جَمِيعًا، فَسمى الْفجار.
وَكَانَ للْعَرَب فجارات أَرْبَعَة، آخرهَا فجار البراض هَذَا. وَأما الْفجار الأول فَكَانَ بَين كنَانَة وهوازن، وَكَانَ الّذي هاجه أَن بدر بن معشر، أحد بنى عقال بن مليك من كنَانَة، جعل لَهُ مَجْلِسا بسوق عكاظ، وَكَانَ حَدثا منيعا فِي نَفسه، ثمَّ كَانَ أَن افتخر فِي السُّوق وتصدى لَهُ الأحيمر بن مَازِن أحد بنى دهمان، ثمَّ تحاور الخيان عِنْد ذَلِك حَتَّى كَاد أَن تكون بَينهمَا الدِّمَاء، ثمَّ تراجعوا وَرَأَوا أَن الْخطب يسير.
وَكَانَ الْفجار الثَّانِي بَين قُرَيْش وهوازن، وَكَانَ الّذي هاجه فتية من قُرَيْش تعرضوا لامْرَأَة من بنى عَامر ابْن صعصعة، فهاجت الْحَرْب. وَكَانَ بَينهم قتال وَدِمَاء يسيرَة، فحملها حَرْب بن أُميَّة وَأصْلح بَينهم.
وَكَانَ الْفجار الثَّالِث بَين كنَانَة وهوازن، وَكَانَ الّذي هاجه أَن رجلا من بنى كنَانَة كَانَ عَلَيْهِ دِيَة لرجل من بنى نصر، فأعدم الْكِنَانِي، فَعير النَّصْرَانِي ذَلِك قومه بسوق عكاظ، فَقَامَ إِلَيْهِ كنانى فَضَربهُ، ثمَّ تهايج النَّاس حَتَّى كَاد أَن يكون بَينهم قتال، ثمَّ تراجعوا. (رَاجع العقد الفريد، والأغاني ج ١٩ ص ٧٤- ٨٠ طبع بلاق) .
[٢] كَذَا فِي أوالعقد الفريد. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أجَاز» بالزاي، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] اللطيمة: الْجمال الَّتِي تحمل التِّجَارَة، وَالطّيب والبز وأشباههما.
[٤] وَذَلِكَ أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة كَانَ يبْعَث بسوق عكاظ فِي كل عَام لطيمة فِي جوَار رجل شرِيف من أَشْرَاف الْعَرَب يجيرها لَهُ حَتَّى تبَاع هُنَاكَ، ويشترى لَهُ بِثمنِهَا من أَدَم الطَّائِف مَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
(رَاجع العقد الفريد، والأغاني ج ١٩ ص ٧٥ طبع بلاق) .
ابْن كِنَانَةَ: أَتُجِيرُهَا [١] عَلَى كِنَانَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلَى الْخَلْقِ (كُلِّهِ) [٢] . فَخَرَجَ فِيهَا عُرْوَةُ الرَّحَّالُ وَخَرَجَ الْبَرَّاضُ يَطْلُبُ غَفْلَتَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِتَيْمَنَ [٣] ذِي طِلَالٍ بِالْعَالِيَةِ، غَفَلَ عُرْوَةُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْبَرَّاضُ فَقَتَلَهُ فِى الشِّهْرِ [٤] الْحَرَامِ، فَلِذَلِكُ سُمِّيَ الْفِجَارُ. وَقَالَ الْبَرَّاضُ [٥] فِي ذَلِكَ:
وَدَاهِيَةٍ تَهُمُّ النَّاسَ قَبْلِي ... شَدَدْتُ لَهَا بَنِي بَكْرٍ ضُلُوعِي [٦]
هَدَمْتُ بِهَا بُيُوتَ بَنِي كِلَابٍ ... وَأَرْضَعْتُ الْمَوَالِي بِالضُّرُوعِ [٧]
رَفَعْتُ لَهُ [٨] بِذِى طَلَّالَ كَفِّي [٩] ... فَخَرَّ يَمِيدُ كَالْجِذْعِ الصَّرِيعِ
-----------------------
[١] كَذَا فِي أوالعقد الفريد. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أتجيزها» بالزاي، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] تيمن ذُو طلال: وَاد إِلَى جَانب فدك، فِي قَول بَعضهم. وَالصَّحِيح أَنه بعالية نجد، كَمَا ذكر هُنَا (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] وَيُقَال إِنَّمَا كَانَ ذَلِك وَعُرْوَة إِلَى جَانب فدك، إِلَى أَرض يُقَال لَهَا أوارة قريبَة من تيمن، يشرب فِيهَا من الْخمر وتغنيه قينة، إِلَى أَن قَامَ فَنَامَ، فَعندهَا دخل عَلَيْهِ البراض، فَنَاشَدَهُ عُرْوَة وَقَالَ:
كَانَت منى زلَّة،
وَكَانَت الفعلة منى ضلة،
فَلم يسمع لَهُ وَقَتله.
(رَاجع العقد الفريد والأغاني) .
[٥] ويروى عَن البراض أَيْضا رجز قَالَه بعد قَتله لعروة، قبل هَذَا الشّعْر، وَهُوَ يردد فِيهِ قَول عُرْوَة وندمه على مَا كَانَ مِنْهُ:
قد كَانَت الفعلة منى ضلة ... هلا على غَيْرِي جعلت الزلة
فَسَوف أعلو بالحسام القله
[٦] رِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي العقد الفريد:
وداهية يهال النَّاس مِنْهَا ... شددت على بنى بكر ضلوعي
[٧] الضروع: جمع ضرع: يُرِيد: ألحقت الموَالِي بمنزلتهم من اللؤم ورضاع الضروع، وأظهرت فسألتهم، وهتكت بيُوت أَشْرَاف بنى كلاب وصرحائهم.
[٨] كَذَا ورد هَذَا الشّطْر فِي أَكثر الْأُصُول، و«طلال» فِيهِ مُشَدّدَة، كَمَا يقْضى بذلك الْوَزْن، وَلَقَد عقد أَبُو ذَر والسهيليّ بَين «طلال» الْمُشَدّدَة هُنَا، و«طلال» المخففة فِي بَيت لبيد بعده موازنة، التمسا فِيهَا للبراض عذرا فِي إيرادها مُشَدّدَة، وَلَو أَنَّهُمَا وَقعا على رِوَايَة أوهي:
رفعت لَهُ يَدي بِذِي طلال
لغنيا عَن تلمس المعذرة، وَعقد هَذِه الموازنة هُنَا، وَعَن الْكَلَام على منع «طلال» من الصّرْف (على الرِّوَايَة الأولى) على أَنه اسْم مؤنث معرف.
[٩] رِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي العقد الفريد والأغاني:
جمعت لَهُ يَدي بنصل سيف ... أفل فَخر كالجذع الصريع
وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفْرِ بْنِ كِلَابٍ:
أَبْلِغْ، إِنْ عَرَضْتَ، بَنِي كِلَابٍ ... وَعَامِرَ وَالْخُطُوبُ لَهَا مَوَالِي
وَبَلِّغْ، إِنْ عَرَضْتَ، بَنِي نُمَيْرٍ ... وَأَخْوَالَ القَتِيلِ بَنِي هِلَالِ
بِأَنَّ الْوَافِدَ الرَّحَّالَ أَمْسَى ... مُقِيمًا عِنْدَ تَيْمَنَ ذِى طِلَالٍ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِى أَبْيَاتٍ لَهُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ.
(نُشُوبُ الْحَرْبِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَهَوَازِنَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَتَى آتٍ قُرَيْشًا، فَقَالَ: إِنَّ الْبَرَّاضَ قَدْ قَتَلَ عُرْوَةَ، وَهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِعُكَاظَ، فَارْتَحَلُوا وَهَوَازِنُ لَا تَشْعُرُ (بِهِمْ) [١]، ثُمَّ بَلَغَهُمْ الْخَبَرُ فَأَتْبَعُوهُمْ، فَأَدْرَكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى جَاءَ اللَّيْلُ، وَدَخَلُوا الْحَرَمَ، فَأَمْسَكَتْ عَنْهُمْ هَوَازِنُ، ثُمَّ الْتَقَوْا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَيَّامًا، وَالْقَوْمُ مُتَسَانَدُونَ [٢] عَلَى كُلِّ قَبِيلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ، وَعَلَى كُلِّ قَبِيلٍ مِنْ قَيْسٍ رَئِيسٌ مِنْهُمْ.
(حُضُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ فِيهَا وَعُمْرُهُ):
وَشَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ أَيَّامِهِمْ، أَخْرَجَهُ أَعْمَامُهُ مَعَهُمْ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْتُ أَنْبُلُ عَلَى أَعْمَامِي: أَيْ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ [٣] نَبْلَ عَدُوِّهِمْ إذَا رَمَوْهُمْ بِهَا.
(سَبَبُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: هَاجَتْ حَرْبُ الْفجارِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً. وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمَ الْفجارِ، بِمَا اسْتَحَلَّ هَذَانِ الْحَيَّانِ، كِنَانَةُ وَقَيْسُ عَيْلَانَ، فِيهِ مِنْ الْمَحَارِمِ بَيْنَهُمْ.
(قُوَّادُ قُرَيْشٍ وَهَوَازِنَ فِيهَا وَنَتِيجَتُهَا):
وَكَانَ قَائِدُ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ حَرْبُ (بْنُ) [٤] أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ الظَّفَرُ
------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] متساندون: أَي لَيْسَ لَهُم أَمِير وَاحِد يجمعهُمْ.
[٣] فِي الأَصْل: «عَنْهُم» . والتصويب عَن كتب اللُّغَة.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِقَيْسٍ عَلَى كِنَانَةَ، حَتَّى إذَا كَانَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ كَانَ الظَّفَرُ لِكِنَانَةِ عَلَى قِيسٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدِيثُ الْفجارِ أَطْوَلُ مِمَّا ذَكَرْتُ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ قَطْعُهُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
حَدِيثُ تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ رضي الله عنها
(سنه ﷺ عِنْد تزَوجه مِنْ خَدِيجَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً [١]، تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ [٢] بِنْتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، فِيمَا حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَنِيِّ.
(خُرُوجُهُ ﷺ إلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةِ خَدِيجَةَ، وَمَا كَانَ مِنْ بَحِيرَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ.
----------------------
[١] وَقيل كَانَ سنه ﷺ إِحْدَى وَعشْرين سنة، وَقيل ثَلَاثِينَ، كَمَا قيل سبعا وَثَلَاثِينَ، وَقيل غير ذَلِك. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب، والاستيعاب) .
[٢] وَكَانَ عمر خَدِيجَة إِذْ ذَاك أَرْبَعِينَ سنة. وَقيل: خمْسا وَأَرْبَعين. وَكَانَت تدعى فِي الْجَاهِلِيَّة بالطاهرة، لشدَّة عفافها وصيانتها. وَكَانَت تَحت أَبى هَالة بن زُرَارَة التَّمِيمِي، وَمَات أَبُو هَالة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقد ولدت لَهُ خَدِيجَة هندا الصَّحَابِيّ. رَاوِي حَدِيث صفة النَّبِي ﷺ، وَقد شهد بَدْرًا، وَقيل أحدا.
وَقد روى عَنهُ الْحسن بن على، فَقَالَ: حَدثنِي خَالِي، لِأَنَّهُ أَخُو فَاطِمَة لأمها. وَكَانَ هِنْد فصيحا بليغا وصافا وَكَانَ يَقُول: أَنا أكْرم النَّاس أَبَا وَأما وأخا وأختا. أَبى رَسُول الله ﷺ، وأخى الْقَاسِم، وأختى فَاطِمَة، وأمى خَدِيجَة، رضي الله عنهم، وَقتل هِنْد مَعَ على يَوْم الْجمل، وَقيل مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي الطَّاعُون، وَيُقَال: إِن الّذي مَاتَ بالطاعون وَلَده، واسْمه هِنْد أَيْضا.
كَمَا ولدت خَدِيجَة أَيْضا لأبى هَالة: هَالة بن أَبى هَالة، وَكَانَ لَهُ صُحْبَة.
وَبعد أَن مَاتَ أَبُو هَالة عَن خَدِيجَة تزَوجهَا عَتيق بن عَابِد المَخْزُومِي، فَولدت لَهُ بِنْتا اسْمهَا هِنْد، وَقد أسلمت وصحبت. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب، والاستيعاب) .
تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا وَتُضَارِبُهُمْ [١] إيَّاهُ، بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجَّارًا، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَلَغَهَا، مِنْ صَدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ، بَعَثَتْ إلَيْهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالٍ لَهَا إلَى الشَّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أَفَضْلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ التُّجَّارِ، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةَ، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ.
فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ [٢] مِنْ الرُّهْبَانِ، فَاطَّلَعَ الرَّاهِبُ إلَى مَيْسَرَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قَطُّ إلَّا نَبِيٌّ [٣] .
(رَغْبَةُ خَدِيجَةَ فِي الزَّوَاجِ مِنْهُ):
ثُمَّ بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِلْعَتَهُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ، ثُمَّ أَقْبَلَ قَافِلًا إلَى مَكَّةَ وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ. فَكَانَ مَيْسَرَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إذَا كَانَتْ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الْحُرُّ، يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلَّانِهِ مِنْ الشَّمْسِ- وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ، فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا [٤] .
---------------------
[١] تضاربهم: تقارضهم، وَالْمُضَاربَة: المقارضة.
[٢] وَكَانَ اسْم هَذَا الراهب نسطورا، وَلَيْسَ هُوَ بحيرى الْمُتَقَدّم ذكره.
[٣] يُرِيد مَا نزل تحتهَا هَذِه السَّاعَة إِلَّا نَبِي، وَلم يرد مَا نزل تحتهَا قطّ إِلَّا نَبِي، لبعد الْعَهْد بالأنبياء قبل ذَلِك. وَإِن كَانَ فِي لفظ الْخَبَر «قطّ» فقد تكلم بهَا على جِهَة التوكيد للنَّفْي، والشجرة لَا تعمر فِي الْعَادة هَذَا الْعُمر الطَّوِيل، حَتَّى يدرى أَنه لم ينزل تحتهَا إِلَّا عِيسَى أَو غَيره من الْأَنْبِيَاء عليهم السلام. وَيبعد فِي الْعَادة أَن تكون شَجَرَة تَخْلُو من أَن ينزل تحتهَا أحد حَتَّى يَجِيء نَبِي، إِلَّا أَن تصح رِوَايَة من قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث:
لم ينزل تحتهَا أحد بعد عِيسَى بن مَرْيَم عليه السلام، وَهِي رِوَايَة عَن غير ابْن إِسْحَاق، فالشجرة على هَذَا مَخْصُوصَة بِهَذِهِ الْآيَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] وروى الزرقانى عَن الْوَاقِدِيّ وَابْن السكن فِي اخْتِيَار خَدِيجَة لرَسُول الله ﷺ: أَن أَبَا طَالب قَالَ: يَا بن أخى، أَنا رجل لَا مَال لي، وَقد اشْتَدَّ الزَّمَان علينا، وألحت علينا سنُون مُنكرَة، وَلَيْسَ لنا مَادَّة وَلَا تِجَارَة، وَهَذِه عير قَوْمك قد حضر خُرُوجهَا إِلَى الشَّام، وَخَدِيجَة تبْعَث رجَالًا من قَوْمك يتجرون فِي مَالهَا ويصيبون مَنَافِع، فَلَو جِئْتهَا لفضلتك على غَيْرك، لما يبلغهَا عَنْك من طهارتك، وَإِن كنت أكره أَن تأتى الشَّام، وأخاف عَلَيْك من يهود، وَلَكِن لَا نجد من ذَلِك بدا، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ
وَحَدَّثَهَا مَيْسَرَةُ عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَعَمَّا كَانَ يَرَى مِنْ إظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إيَّاهُ.
وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً، مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ بَعَثَتْ [١] إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ لَهُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- يَا بن عَمِّ. إنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِيكَ لِقَرَابَتِكَ، وَسِطَتِكَ [٢] فِي قَوْمِكَ وَأَمَانَتِكَ وَحُسْنِ خُلُقِكَ، وَصِدْقِ حَدِيثِكَ، ثُمَّ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ يَوْمئِذٍ أَوْسَطَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُنَّ شَرَفًا، وَأَكْثَرَهُنَّ مَالًا، كُلُّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
(نَسَبُ خَدِيجَةَ):
وَهِيَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَأُمُّهَا: فَاطِمَةُ بِنْتُ زَائِدَةَ [٣] بْنِ الْأَصَمِّ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فَهِرٍّ. وَأُمُّ فَاطِمَةَ: هَالَةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُنْفِذِ بْنِ عَمْرِو ابْن مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَأُمُّ هَالَةَ: قِلَابَةُ بِنْتُ سَعِيدِ ابْن سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
(زَوَاجُهُ ﷺ مِنْ خَدِيجَةَ):
فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذكر ذَلِك لَا عِمَامَة فَخَرَجَ مَعَهُ
-----------------------
[()] وَسلم: لَعَلَّهَا ترسل إِلَى فِي ذَلِك، فَقَالَ أَبُو طَالب: إِنِّي أَخَاف أَن تولى غَيْرك.
فَبلغ خَدِيجَة مَا كَانَ من محاورة عَمه لَهُ. ثمَّ كَانَ أَن أرْسلت إِلَيْهِ، لعلمها قبل هَذَا بِصَدقَة وأمانته.
[١] هَذَا قَول ابْن إِسْحَاق: أَنَّهَا عرضت عَلَيْهِ نَفسهَا من غير وساطة، وَيذْهب غَيره إِلَى أَنَّهَا عرضت عَلَيْهِ نَفسهَا بوساطة، وَأَن ذَلِك كَانَ على يَد نفيسة بنت منية، وَالْجمع مُمكن، فقد تكون بعثت نفيسة أَولا لتعلم أيرضى أم لَا؟. فَلَمَّا علمت بذلك كَلمته بِنَفسِهَا. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَشرح الْمَوَاهِب، وَشرح السِّيرَة، وَالرَّوْض والطبري. وسطتك: شرفك.
مَأْخُوذَة من الْوسط مصدر، كالعدة والزنة، وَالْوسط من أَوْصَاف الْمَدْح والتفضيل. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«وسطتك»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] كَذَا فِي أوالطبري، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بنت زَائِد» .
عَمُّهُ حَمْزَةُ [١] بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، رحمه الله، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ [٢] بْنِ أَسَدٍ، فَخَطَبَهَا إلَيْهِ، فَتَزَوَّجَهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِشْرِينَ بَكْرَةً، وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا حَتَّى مَاتَتْ، رضي الله عنها.
(أَوْلَادُهُ ﷺ مِنْ خَدِيجَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَدَهُ كُلَّهُمْ إلَّا إبْرَاهِيمَ الْقَاسِمَ، وَبَهْ كَانَ يُكَنَّى ﷺ، وَالطَّاهِرَ [٣]، وَالطَّيِّبَ، وَزَيْنَبَ، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ، عليهم السلام.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَكْبَرُ بَنِيهِ الْقَاسِمُ، ثُمَّ الطَّيِّبُ، ثُمَّ الطَّاهِرُ، وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ رُقَيَّةُ، ثُمَّ زَيْنَبُ، ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ فَاطِمَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا الْقَاسِمُ، وَالطَّيِّبُ، وَالطَّاهِرُ فَهَلَكُوا [٤] فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
------------
[١] وَيُقَال إِن الّذي نَهَضَ مَعَه ﷺ هُوَ أَبُو طَالب، وَهُوَ الّذي خطب خطْبَة النِّكَاح.
وَقيل: لعلهما خرجا مَعَه جَمِيعًا وخطب أَبُو طَالب الْخطْبَة، لِأَنَّهُ كَانَ أسن من حَمْزَة. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب وَالرَّوْض) .
[٢] وَذكر الزُّهْرِيّ أَن خويلد أبرم هَذَا الزواج، وَهُوَ سَكرَان، فَلَمَّا أَفَاق أنكر ذَلِك، ثمَّ رضيه وأمضاه وَفِي ذَلِك يَقُول راجز من أهل مَكَّة:
لَا تزهدى خديج فِي مُحَمَّد ... نجم يضيء كإضاء الفرقد
وَذكر غير ابْن إِسْحَاق أَن خويلدا كَانَ إِذْ ذَاك قد هلك، وَأَن الّذي أنكح خَدِيجَة رضي الله عنها هُوَ عَمها عَمْرو بن أَسد. كَمَا يُقَال أَيْضا إِن الّذي أنْكحهَا هُوَ أَخُوهَا عَمْرو بن خويلد. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب، وَالرَّوْض) .
[٣] يشْعر سِيَاق الحَدِيث هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي، أَن الطَّاهِر وَالطّيب شخصان، وَالْمَعْرُوف أَنَّهُمَا لقبان لعبد الله، وَبِهِمَا كَانَ يلقب. (رَاجع زَاد الْمعَاد، وَالرَّوْض الْأنف، والمعارف) .
[٤] فِي موت الْقَاسِم فِي الْجَاهِلِيَّة خلاف، فقد ذكر السهيليّ عَن الزبير أَن الْقَاسِم مَاتَ رضيعها، وَأَن رَسُول الله ﷺ دخل على خَدِيجَة بعد موت الْقَاسِم، وَهِي تبكى، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، لقد درت لبينة الْقَاسِم (اللبينة تَصْغِير لبنة، وَهِي قِطْعَة من اللَّبن) . فَلَو كَانَ عَاشَ حَتَّى يستكمل رضاعه لهون على، فَقَالَ: إِن شِئْت أسمعتك صَوته فِي الْجنَّة، فَقَالَت بل أصدق الله وَرَسُوله. وَفِيمَا روى الزبير دَلِيل على أَن الْقَاسِم لم يهْلك فِي الْجَاهِلِيَّة.
وَأَمَّا بَنَاتُهُ فَكُلُّهُنَّ أَدْرَكْنَ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمْنَ وَهَاجَرْنَ مَعَهُ ﷺ،
(أُمُّ إبْرَاهِيمَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا إبْرَاهِيمُ فَأُمُّهُ مَارِيَةُ (الْقِبْطِيَّةُ) . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: أُمُّ إبْرَاهِيمَ: مَارِيَةُ سُرِّيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْنَ مِنْ كُورَةِ أَنْصِنَا [١] .
(حَدِيثُ خَدِيجَةَ مَعَ وَرَقَةَ وَصِدْقُ نُبُوءَةِ وَرَقَةَ فِيهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَدْ ذَكَرَتْ لِوَرَقَةَ [٢] بْنِ نَوْفَلِ ابْن أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَكَانَ ابْنَ عَمِّهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدْ تَتَبَّعَ الْكُتُبَ وَعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ- مَا ذَكَرَ لَهَا غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَمَا كَانَ يَرَى مِنْهُ إذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ، فَقَالَ وَرَقَةُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا يَا خَدِيجَةُ، إنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ يُنْتَظَرُ، هَذَا زَمَانُهُ، أَوْ كَمَا قَالَ.
(قَالَ) [٣]: فَجَعَلَ وَرَقَةُ يَسْتَبْطِئُ الْأَمْرَ وَيَقُولُ: حَتَّى مَتَى؟ فَقَالَ وَرَقَةُ فِي ذَلِكَ:
لَجَجْتُ وَكُنْتُ فِي الذّكْرَى لَجُوجًا ... لِهَمٍّ طَالَمَا بَعَثَ النّشِيجَا [٤]
وَوَصْفٌ مِنْ خَدِيجَةَ بَعْدَ وَصْفٍ ... فَقَدْ طَالَ انْتِظَارِي يَا خَدِيجَا
بِبَطْنِ الْمَكّتَيْنِ [٥] عَلَى رَجَائِي ... حَدِيثَكَ أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجًا [٦]
----------------------
[١] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ٢، ٣ ص ٧ من هَذَا الْجُزْء) .
[٢] أم ورقة: هِنْد بنت أَبى كَبِير بن عبد بن قصي. وَلَا عقب لورقة هَذَا، وَهُوَ أحد من آمن بالنبيّ ﷺ قبل الْبَعْث. (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] النشيج: الْبكاء مَعَ صَوت.
[٥] ثنى «مَكَّة»، وَهِي وَاحِدَة لِأَن لَهَا بطاحا وظواهر، ومقصد الْعَرَب فِي هَذَا الْإِشَارَة إِلَى جَانِبي كل بَلْدَة، أَو الْإِشَارَة إِلَى أَعلَى الْبَلدة وأسفلها، فيجعلونها اثْنَتَيْنِ على هَذَا المغزى، وَقد قَالُوا: صدنَا بقنوين، وَهُوَ قِنَا: اسْم جبل. وَقَالَ عنترة:
شربت بِمَاء الدّحرضين
وَقد ورد مثل هَذَا كثير فِي شعر الْعَرَب.
[٦] الْهَاء فِي «منَّة»: رَاجِعَة على الحَدِيث. وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بِالْخرُوجِ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:29 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (22)
صــ 191إلى صــ 200
مِمَّا خَبّرْتنَا مِنْ قَوْلِ قَسٍّ ... مِنْ الرّهْبَانِ أَكْرَهُ أَنْ يَعُوجَا
بِأَنَّ مُحَمّدًا سَيَسُودُ فِينَا ... وَيَخْصِمُ مَنْ يَكُونَ لَهُ حَجِيجًا
وَيَظْهَرُ فِي الْبِلَادِ ضِيَاءُ نُورٍ ... يُقِيمُ بِهِ الْبَرِيّةُ أَنْ تَمُوجَا [١]
فَيَلْقَى مَنْ يُحَارِبُهُ خَسَارًا ... وَيَلْقَى مَنْ يُسَالِمُهُ فلوجا [٢]
فيا لَيْتَني إذَا مَا كَانَ ذاكم ... شهِدت فَكنت أَوّلَهُمْ ولوجا [٣]
ولوجا فِي الّذي كَرهُوا قُرَيْشٌ ... وَلَوْ عَجّتْ بمكّتها عجيجا [٤]
رجىّ بِاَلّذِي كَرِهُوا جَمِيعًا ... إلَى ذِي الْعَرْشِ إنْ سَفَلُوا عُرُوجَا [٥]
وَهَلْ أَمْرُ السّفَالَةِ غَيْرُ كُفْرٍ ... بِمَنْ يَخْتَارُ مِنْ سَمَكِ الْبُرُوجَا
فَإِنْ يَبْقَوْا وَأَبْقَ تَكُنْ أُمُورٌ ... يَضِجُّ الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجِيجَا
وَإِنْ أَهْلَكَ فَكُلُّ فَتًى سَيَلْقَى ... مِنْ الأقدار متلفة [٦] حروجا
حَدِيثُ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي وَضْعِ الْحَجَرِ
(سَبَبُ بُنْيَانِ قُرَيْشٍ لِلْكَعْبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ [٧]، وَكَانُوا يُهِمُّونَ بِذَلِكَ لِيُسَقِّفُوهَا وَيَهَابُونَ هَدْمَهَا
---------------------
[١] تموج: تضطرب.
[٢] الفلوج: الظُّهُور على الْخصم والعدو.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَكْثَرهم» .
[٤] عجت: ارْتَفَعت أصواتها.
[٥] العروج: الصعُود والعلو.
[٦] المتلفة: الْمهْلكَة. والحروج: الْكَثِيرَة التَّصَرُّف.
ولورقة فِي هَذَا الْمَعْنى شعر ذكره السهيليّ، وَذكر أَنه من رِوَايَة يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق، مِنْهُ:
أتبكر أم أَنْت العشية رائح ... وَفِي الصَّدْر من إضمارك الْحزن قَادِح
[٧] بنيت الْكَعْبَة خمس مَرَّات. الأولى حِين بناها شِيث بن آدم. وَالثَّانيَِة حِين بناها إِبْرَاهِيم. وَالثَّالِثَة حِين بنتهَا قُرَيْش هَذِه الْمرة، وَكَانَ ذَلِك قبل الْإِسْلَام بِخمْس سِنِين. وَالرَّابِعَة حِين احترقت فِي عهد ابْن الزبير
وَإِنَّمَا كَانَتْ رَضْمًا [١] فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا [٢]، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزًا لِلْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ عِنْدَهُ الْكَنْزُ دُوَيْكًا [٣] مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرِو مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ. وَتُزْعِمُ قُرَيْشٌ أَنَّ الَّذِينَ سَرَقُوهُ وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ. وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بِسَفِينَةٍ إلَى جُدَّةَ لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ، فَتَحَطَّمَتْ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا، فَأَعَدُّوهُ لِتَسْقِيفِهَا، وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ [٤] قِبْطِيٌّ نَجَّارٌ، فَتَهَيَّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضُ مَا يُصْلِحُهَا. وَكَانَتْ حَيَّةً تَخْرَجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلَّ يَوْمٍ، فَتَتَشَرَّقُ [٥] عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا يَهَابُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إلَّا احْزَأَلَّتْ وَكَشَّتْ [٦] وَفَتَحَتْ فَاهَا، وَكَانُوا يَهَابُونَهَا. فَبَيْنَا هِيَ ذَاتُ يَوْمٍ تَتَشَرَّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ، بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا، فَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ، وَعِنْدَنَا خَشَبٌ، وَقَدْ كَفَانَا اللَّهُ الْحَيَّةَ.
----------------------
[()] فَلَمَّا قَامَ عبد الْملك بن مَرْوَان هدمها، لِأَنَّهُ لم يعجب بِمَا فعل ابْن الزبير فِي بنائها، وبناه على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عهد رَسُول الله ﷺ.
وَأما الْمَسْجِد الْحَرَام فَأول من بناه عمر بن الْخطاب، ثمَّ زَاد فِيهِ عُثْمَان، ثمَّ زَاد ابْن الزبير فِي إتقانه لَا فِي سعته، ثمَّ زَاد عبد الْملك بن مَرْوَان فِي ارْتِفَاع الْمَسْجِد. (رَاجع تَارِيخ مَكَّة للأزرقى، وَالرَّوْض، وَشرح الْمَوَاهِب) .
[١] الرضم أَن تنضد الْحِجَارَة بَعْضهَا على بعض من غير ملاط.
[٢] وَقيل إِن الّذي حمل قُريْشًا على بنائها أَن السَّيْل أَتَى من فَوق الرَّدْم الّذي بِأَعْلَى مَكَّة فأضربه، فخافوا أَن يدخلهَا المَاء. وَقيل بل كَانَ الّذي حملهمْ على هَذَا احتراقها وَذَلِكَ أَن امْرَأَة أجمرت الْكَعْبَة فطارت شرارة فِي ثِيَابهَا فأحرقتها. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٣] قد تقدم أَن سَارِقا سرق من مَالهَا فِي زمن جرهم، وَأَنه دخل الْبِئْر الَّتِي فِيهَا كنزها، فَسقط عَلَيْهِ حجر، فحبسه فِيهَا حَتَّى خرج مِنْهَا وانتزع المَال مِنْهُ، ثمَّ بعث الله حَيَّة لَهَا رَأس كرأس الجدي، إِلَى آخر مَا جَاءَ فِي الْخَبَر هُنَاكَ.
وَقد نبهنا على ذَلِك هُنَا ليجتمع بَين يَدي الْقَارئ مَا قيل فِي الْخَبَر الْوَاحِد مِمَّا يباين بعضه بَعْضًا، مِمَّا ذكر غير مُتَّصِل فِي الْكتاب.
[٤] وَكَانَ اسْم ذَلِك الرجل: باقوم، وَقيل: باقول. (رَاجع الْإِصَابَة، وَشرح الْمَوَاهِب، وَالرَّوْض) .
[٥] تتشرق: تبرز للشمس. وَيُقَال: تشرقت: إِذا قعدت للشمس لَا يحجبك عَنْهَا شَيْء.
[٦] احزألت: رفعت رَأسهَا. وكشت: صوتت باحتكاك بعض جلدهَا بِبَعْض.
١٣- سيرة ابْن هِشَام- ١
(مَا حَدَثَ لِأَبِي وَهْبٍ عِنْدَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ):
فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي هَدْمِهَا وَبِنَائِهَا، قَامَ أَبُو وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ- فَتَنَاوَلَ مِنْ الْكَعْبَةَ حَجَرًا، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلَّا طَيِّبًا، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَهْرُ بِغَيٍّ، وَلَا بَيْعُ رِبًا، وَلَا مُظْلَمَةُ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ [١] . وَالنَّاسُ يَنْحُلُونَ هَذَا الْكَلَامَ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ أَنَّهُ حُدِّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحِ بْنِ عَمْرِو ابْن هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ:
أَنَّهُ رَأَى ابْنًا لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا ابْنٌ لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ: عِنْدَ ذَلِكَ جَدُّ هَذَا، يَعْنِي أَبَا وَهْبٍ، الَّذِي أَخَذَ حَجَرًا مِنْ الْكَعْبَةِ حَيْنَ أَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ لِهَدْمِهَا فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلَّا طَيِّبًا، لَا تُدْخِلُوا فِيهَا مَهْرَ بِغَيٍّ، وَلَا بَيْعَ رِبًا، وَلَا مُظْلَمَةَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ.
(قَرَابَةُ أَبِي وَهْبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو وَهْبٍ خَالُ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ شَرِيفًا، وَلَهُ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
وَلَوْ بِأَبِي وَهْبٍ أَنَخْتُ مَطِيَّتِي ... غَدَتْ مِنْ نَدَاهُ رَحْلُهَا غَيْرَ خَائِبٍ
بِأَبْيَضَ مِنْ فَرْعَيْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... إذَا حُصِّلَتْ أَنْسَابُهَا فِي الذَّوَائِبِ [٢]
أَبِيٍّ لِأَخْذِ الضَّيْمِ يَرْتَاحُ لِلنَّدَى ... تَوَسَّطَ جَدَّاهُ فُرُوعَ الْأَطَايِبِ
----------------------------
[١] وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: لَا تجْعَلُوا فِي نَفَقَة هَذَا الْبَيْت شَيْئا أصبتموه غصبا، وَلَا قطعْتُمْ فِيهِ رحما، وَلَا انتهكتم فِيهِ ذمَّة أحد بَيْنكُم وَبَين أحد من النَّاس.
[٢] الذوائب: الأعالي، وَأَرَادَ بهَا الْأَنْسَاب الْكَرِيمَة.
عَظِيمِ رَمَادِ الْقِدْرِ يَمَلَّا جِفَانَهُ ... مِنْ الْخُبْزِ يَعْلُوهُنَّ مِثْلُ السَّبَائِبِ [١]
(تَجْزِئَةُ الْكَعْبَةِ بَيْنَ قُرَيْشٍ، وَنَصِيبُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهَا):
ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا جَزَّأَتْ [٢] الْكَعْبَةَ، فَكَانَ شِقُّ [٣] الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَزُهْرَةَ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِي لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَقَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ، وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ لِبَنِي جُمَحٍ وَسَهْمٍ، ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شِقُّ الْحَجَرِ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَلِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَهُوَ الْحَطِيمُ [٤] .
(الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَهَدْمُ الْكَعْبَةِ، وَمَا وَجَدُوهُ تَحْتَ الْهَدْمِ):
ثُمَّ إنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرِقُوا مِنْهُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهمّ لَمْ تُرَعْ [٥]- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لَمْ نَزِغْ [٦]- اللَّهمّ إنَّا لَا نُرِيدُ إلَّا الْخَيْرَ. ثُمَّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنَيْنِ، فَتَرَبَّصَ النَّاسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَالُوا: نَنْظُرُ، فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ صُنْعَنَا، فَهَدَمْنَا.
فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ، فَهَدَمَ وَهَدَمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إلَى الْأَسَاسِ، أَسَاسِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام، أَفْضَوْا إلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسْنِمَةِ [٧] آخِذٌ بَعْضُهَا بَعْضًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ،
--------------------------
[١] السبائب: جمع سبيبة: وَهِي ثِيَاب رقاق بيض، فَشبه الشَّحْم الّذي يَعْلُو الجفان بهَا.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تجزأت» . أَي تقسمتها بَيتهمْ.
[٣] الشق: النَّاحِيَة والجانب.
[٤] قيل: سمى حطيما، لِأَن النَّاس يزدحمون فِيهِ حَتَّى يحطم بَعضهم بَعْضًا، وَقيل بل لِأَن الثِّيَاب كَانَت تجرد فِيهِ عِنْد الطّواف. (عَن شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٥] لم ترع: لم تفزع. وَالضَّمِير فِيهَا يعود على الْكَعْبَة.
[٦] لم نَزغ: أَي لم نمل عَن دينك وَلَا خرجنَا عَنهُ، يُقَال: زاغ عَن كَذَا، إِذا خرج عَنهُ.
[٧] الأسنمة: جمع سَنَام، وَهُوَ أَعلَى الظّهْر، وَأَرَادَ أَن الْحِجَارَة دخل بَعْضهَا فِي بعض كَمَا تدخل عِظَام السنام بَعْضهَا فِي بعض، فشبهها بهَا.
وتروى: «كالأسنة» . وَهِي جمع: سِنَان. شبهها بأسنة الرماح فِي الخضرة.
مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيُقْلِعَ بِهَا أَحَدَهُمَا، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ تَنَقَّضَتْ [١] مَكَّةُ بِأَسْرِهَا، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرُّكْنِ كِتَابًا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَإِذَا هُوَ: أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ [٢]، خَلَقْتهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَصَوَّرْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَفَفْتهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ، لَا تَزُولُ حَتَّى يَزُولَ أَخْشَبَاهَا [٣]، مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْشَبَاهَا: جَبَلَاهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ: مَكَّةُ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامِ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ، لَا يُحِلُّهَا أَوَّلُ مِنْ أَهْلِهَا [٤] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ أَنَّهُمْ وَجَدُوا حَجَرًا فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، إنْ كَانَ مَا ذَكَرَ حَقًّا، مَكْتُوبًا فِيهِ:
مَنْ يَزْرَعْ خَيْرًا يَحْصُدْ غِبْطَةً، وَمَنْ يَزْرَعْ شَرًّا يَحْصُدْ نَدَامَةً. تَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، وَتُجْزَوْنَ الْحَسَنَاتِ! أَجَلْ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنْ الشَّوْكِ الْعِنَبُ.
(اخْتِلَافُ قُرَيْشٍ فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ وَلُعْقَةَ الدَّمِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتْ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ بَنَوْهَا، حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانِ مَوْضِعَ الرُّكْنِ [٥]، فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرَى، حَتَّى تَحَاوَزُوا [٦] وَتَحَالَفُوا، وَأَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمَّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيِّ
--------------------------
[١] تنقضت: اهتزت.
[٢] فِي أ: «ذُو مَكَّة» .
[٣] الأخشبان: جبلان بِمَكَّة.
[٤] يُرِيد لَا يحلهَا ابْتِدَاء بعض أَهلهَا. وَفِي ذَلِك إِشَارَة إِلَى مَا كَانَ من استحلال قُرَيْش الْقِتَال فِيهَا أَيَّام ابْن الزبير وحصين بن نمير، ثمَّ الْحجَّاج بعده، وَلذَلِك قَالَ ابْن أَبى ربيعَة:
أَلا من لقلب معنى غزل ... يحب الْمحلة أُخْت الْمحل
يعْنى بِالْمحل: عبد الله بن الزبير لقتاله فِي الْحرم. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٥] يُرِيد بالركن: الْحجر الْأسود. وسمى ركنا، لِأَنَّهُ مبْنى فِي الرُّكْن.
[٦] كَذَا فِي أ. وتحاوزوا: انْحَازَتْ كل قَبيلَة إِلَى جِهَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تحاوروا» بالراء الْمُهْملَة.
ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ، فَسُمُّوا لَعَقَّةَ الدَّمِ. فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ إنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ، وَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا.
(إشَارَةُ أَبِي أُمِّيَّةَ بِتَحْكِيمِ أَوَّلِ دَاخِلٍ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ):
فَزَعَمَ بَعْضُ أهل الرِّوَايَة: أَن أَبَا أُمِّيَّةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ [١] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُوم، وَكَانَ عامئذ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ [٢] هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ، فَفَعَلُوا. فَكَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا:
هَذَا الْأَمِينُ، رَضِينَا، هَذَا مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، قَالَ ﷺ: هَلُمَّ إلَيَّ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ، فَأَخَذَ الرُّكْنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ:
لِتَأْخُذَ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ [٣] مِنْ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا: حَتَّى إذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَنَى [٤] عَلَيْهِ.
------------------------
[١] ويروى أَن المشير على قُرَيْش مهشم بن الْمُغيرَة، ويكنى أَبَا حُذَيْفَة.
[٢] هُوَ بَاب بنى شيبَة، وَكَانَ يُقَال لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة: بَاب بنى عبد شمس، وَيُقَال لَهُ الْآن: بَاب السَّلَام وَفِي رِوَايَة: أول من يدْخل بَاب الصَّفَا.
[٣] أَي بِنَاحِيَة من زواياه. وَلما فعلوا كَانَ فِي ربع عبد منَاف عتبَة بن ربيعَة، وَكَانَ فِي الرّبع الثَّانِي زَمعَة، وَفِي الثَّالِث أَبُو حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، وَفِي الرَّابِع قيس بن عدي. وَقد تمّ بِنَاء الْكَعْبَة قبل الْهِجْرَة بثمان عشرَة سنة، بعد أَن حلت كلمة الْوِفَاق مَحل الشقاق، ورضى الْكل بِحكمِهِ صلوَات الله عَلَيْهِ. وَإِلَى قَضِيَّة التَّحْكِيم يُشِير قَول هُبَيْرَة بن أَبى وهب المَخْزُومِي:
تشاجرت الْأَحْيَاء فِي فصل خطة ... جرت بَينهم بالنحس من بعد أسعد
تلاقوا بهَا بالبغض بعد مَوَدَّة ... وأوقد نَارا بَينهم شَرّ موقد
فَلَمَّا رَأينَا الْأَمر قد جد جده ... وَلم يبْق شَيْء غير سل المهند
رَضِينَا وَقُلْنَا الْعدْل أول طالع ... يَجِيء من الْبَطْحَاء من غير موعد
ففاجأنا هَذَا الْأمين مُحَمَّد ... فَقُلْنَا رَضِينَا بالأمين مُحَمَّد
[٤] وَأما وضع الرُّكْن حِين بنيت الْكَعْبَة فِي أَيَّام ابْن الزبير، فقد وَضعه فِي الْموضع الّذي هُوَ فِيهِ الْآن حَمْزَة بن عبد الله بن الزبير، وَأَبوهُ يصلى بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِد، اغتنم شغل النَّاس عَنهُ بِالصَّلَاةِ لما أحس مِنْهُم التنافس فِي ذَلِك وَخَافَ الْخلاف، فأقره أَبوهُ. رَاجع (الرَّوْض الْأنف) .
(شِعْرُ الزَّبِيرِ فِي الْحَيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا):
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تسمّى رَسُول الله ﷺ، قبل أَن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي: الْأمين. فَلَمَّا فرغوا من الْبُنيان، وبنوها على مَا أَرَادوا، قَالَ الزّبير بن عبد الْمطلب، فِيمَا كَانَ من أَمر الحيّة الَّتِي كَانَت قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا:
عَجِبْتُ لِمَا تَصَوَّبَتْ الْعُقَابُ ... إلَى الثُّعْبَانِ وَهِيَ لَهَا اضْطِرَابُ
وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ ... وَأَحْيَانًا يَكُونُ لَهَا وِثَابُ [١]
إذَا قُمْنَا إلَى التَّأْسِيسِ شَدَّتْ ... تُهَيِّبُنَا الْبِنَاءَ وَقَدْ تُهَابُ
فَلَمَّا أَنَّ خَشِينَا الرِّجْزَ [٢] جَاءَتْ ... عُقَابٌ تَتْلَئِبُّ [٣] لَهَا انْصِبَابُ
فَضَمَّتْهَا إلَيْهَا ثُمَّ خَلَّتْ ... لَنَا الْبُنْيَانَ لَيْسَ لَهُ حِجَابُ
فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إلَى بِنَاءٍ ... لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُ وَالتُّرَابُ
غَدَاةَ نَرْفَعُ التَّأْسِيسَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ عَلَى مُسَوِّينَا [٤] ثِيَابُ [٥]
أَعَزَّ بِهِ الْمَلِيكُ بَنِي لُؤَيٍّ ... فَلَيْسَ لِأَصْلِهِ مِنْهُمْ ذَهَابُ
وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاكَ بَنُو عَدِيٍّ ... وَمُرَّةُ قَدْ تَقَدَّمَهَا كِلَابُ
فَبَوَّأَنَا [٦] الْمَلِيكُ بِذَاكَ عِزًّا ... وَعِنْدَ اللَّهِ يُلْتَمَسُ الثَّوَابُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
وَلَيْسَ عَلَى مَسَاوِينَا [٧] ثِيَابُ
(ارْتِفَاعُ الْكَعْبَةِ وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ):
وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِي عَشْرَةَ ذِرَاعًا،
-------------------------
[١] الوثاب: الْوُثُوب.
[٢] الرجز: الْعَذَاب. ويروى: «الزّجر» وَهُوَ الْمَنْع.
[٣] تتلئب: تتَابع فِي انقضاضها.
[٤] كَذَا فِي أ. يُرِيد بِهِ مسوى الْبُنيان. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مسوبنا» بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ تَصْحِيف.
[٥] لقد كَانُوا ينقلون الْحِجَارَة عُرَاة ويرون ذَلِك دينا، وَأَنه من بَاب التشمير وَالْجد فِي الطَّاعَة.
[٦] بوأنا: أحلنا وأوطننا.
[٧] يُرِيد بالمساوي: السوآت.
وَكَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيَّ [١]، ثُمَّ كُسِيتِ الْبُرُودَ [٢]، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ [٣] .
حَدِيثُ الْحُمْسِ
(الْحُمْسُ عِنْدَ قُرَيْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ- لَا أَدْرِي أَقَبْلَ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ- ابْتَدَعَتْ رَأْيَ [٤] الْحُمْسِ [٥] رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ، فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ وَأَهْلُ الْحُرْمَةِ، وَوُلَاةُ الْبَيْتِ، وَقُطَّانُ [٦] مَكَّةَ وَسَاكِنُهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقِّنَا، وَلَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ الْعَرَبُ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا، فَلَا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنْ الْحِلِّ كَمَا تُعَظِّمُونَ الْحَرَمَ، فَإِنَّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفَّتْ الْعَرَبُ بِحُرْمَتِكُمْ، وَقَالُوا قَدْ عَظَّمُوا مِنْ الْحِلِّ مِثْلَ مَا عَظَّمُوا مِنْ الْحَرَمِ. فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ، وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرُّونَ أَنَّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ [٧] وَالْحَجِّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَ ﷺ، وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يَقِفُوا عَلَيْهَا، وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا نُعَظِّمُ غَيْرَهَا كَمَا نُعَظِّمُهَا نَحْنُ الْحُمْسُ، وَالْحُمْسُ أَهْلُ الْحَرَمِ، ثُمَّ جَعَلُوا لِمِنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الَّذِي لَهُمْ، بِوِلَادَتِهِمْ إيَّاهُمْ، يَحِلُّ لَهُمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ.
----------------------------
[١] الْقبَاطِي: ثِيَاب بيض كَانَت تصنع بِمصْر وَهِي جمع قبطية، بِضَم الْقَاف وَكسرهَا.
[٢] البرود: ضرب من ثِيَاب الْيمن.
[٣] وَكَسَاهَا ابْن الزبير قبل الْحجَّاج الديباج، وَكَانَ خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب مِمَّن كساها الديباج قبل الْإِسْلَام. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٤] فِي أ: «أَمر» .
[٥] الحمس: جمع: أحمس. والأحمس: المشتد الصلب فِي الدَّين. وَسميت قُرَيْش حمسا لزعمهم بِأَنَّهُم اشتدوا فِي الدَّين، وَكَانُوا قد ذَهَبُوا فِي ذَلِك مَذْهَب التزهد والتأله. فَكَانَت نِسَاؤُهُم لَا ينسجن الشّعْر وَلَا الْوَبر. وسيعرض الْمُؤلف لتفصيل هَذَا بعد قَلِيل.
[٦] فِي أ: «قاطن» .
[٧] المشاعر: الْمَوَاضِع الْمَشْهُورَة فِي الْحَج، لَا يتم إِلَّا بهَا
(الْقَبَائِلُ الَّتِي دَانَتْ مَعَ قُرَيْشٍ بِالْحُمْسِ):
وَكَانَتْ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ: أَنَّ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنْشَدَنِي لعَمْرو بن معديكرب
أَعَبَّاسُ لَوْ كَانَتْ شِيَارًا جِيَادُنَا ... بِتَثْلِيثَ مَا نَاصَيْتَ بَعْدِي الْأَحَامِسَا
[١] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَثْلِيثُ: مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِهِمْ. وَالشِّيَارُ: [٢] (السِّمَانُ) الْحِسَانُ.
يَعْنِي بِالْأَحَامِسِ: بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَبِعَبَّاسٍ: عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ أَغَارَ عَلَى بَنِي زُبَيْدٍ بِتَثْلِيثَ. وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ قَصِيدَةٍ لِعَمْرٍو.
وَأَنْشَدَنِي لِلَقِيطِ بْنِ زُرَارَةَ الدَّارِمِيِّ فِي [٣] يَوْمِ جَبَلَةَ:
أَجْذِمْ [٤] إلَيْكَ إنَّهَا بَنُو عَبْسٍ ... الْمَعْشَرُ الْجِلَّةُ [٥] فِي الْقَوْمِ الْحُمْسُ
لِأَنَّ بَنِي عَبْسٍ كَانُوا يَوْمَ جَبَلَةَ حُلَفَاءَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ.
(يَوْمَ جَبَلَةَ):
وَيَوْمُ جَبَلَةَ: يَوْمٌ كَانَ بَيْنَ بَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَبَيْنَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ [٦]، فَكَانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ بْنُ عُدَسَ [٧]، وَأُسِرَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ
----------------------
[١] ناصيت: أخذت بناصيتهم ونازعتهم. وَمِنْه حَدِيث عَائِشَة: لم تكن وَاحِدَة من نسَاء النَّبِي ﷺ تناصينى غير زَيْنَب: أَي تنازعني وتبارينى.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] وَكَانَ يَوْم جبلة قبل الْإِسْلَام بِأَرْبَعِينَ سنة، وَهُوَ عَام مولد الرَّسُول ﷺ (رَاجع العقد الفريد، وَالرَّوْض) .
[٤] أَجْذم: زجر مَعْرُوف للخيل.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والجلة: العظماء. وَفِي أ: «الْحلَّة» بِالْحَاء الْمُهْملَة. والحلة: الَّذين يسكنون فِي الْحل.
[٦] ذكر ابْن عبد ربه فِي كِتَابه «العقد الفريد» يَوْم شعب جبلة هَذَا. وَقَالَ إِنَّه كَانَ لعامر وَعَبس على ذبيان وَتَمِيم.
[٧] هُوَ بِضَم الدَّال عِنْد الْجَمِيع إِلَّا أَبَا عُبَيْدَة، فَإِنَّهُ عِنْده بِفَتْحِهَا، وكل عدس فِي الْعَرَب، فَإِنَّهُ مَفْتُوح الدَّال. (رَاجع الرَّوْض، وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر، ومؤتلف الْقَبَائِل ومختلفها لِابْنِ حبيب) .
وَانْهَزَمَ عَمْرُو بْنُ عَمْرِو بْنِ عُدَسَ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ. فَفِيهِ يَقُولُ جَرِيرٌ لِلْفَرَزْدَقِ:
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا ... وَعَمْرَو بْنَ عَمْرٍو إذْ دَعَوْا يَا لَدَارِمِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(يَوْمُ ذِي نَجَبٍ):
ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمَ ذِي نَجَبٍ [١]، فَكَانَ الظَّفَرُ لِحَنْظَلَةَ عَلَى بَنِي عَامِرٍ، وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ حَسَّانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْكِنْدِيُّ، وَهُوَ ابْنُ [٢] كَبْشَةَ. وَأُسِرَ يَزِيدُ بْنُ الصَّعَقِ الْكِلَابِيُّ وَانْهَزَمَ الطُّفَيْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، أَبُو عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ. فَفِيهِ يَقُولُ الْفَرَزْدَقُ: [٣]
وَمِنْهُنَّ إذْ نَجَّى طُفَيْلُ بْنُ مَالِكٍ ... عَلَى قُرْزَلٍ [٤] رَجْلًا رَكُوضَ الْهَزَائِمِ
وَنَحْنُ ضَرَبْنَا هَامَةَ ابْنِ خُوَيْلِدٍ [٥] ... نُزِيدُ عَلَى أُمِّ الْفِرَاخِ الْجَوَاثِمَ
[٦] وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
فَقَالَ جَرِيرٌ:
وَنَحْنُ خَضَبْنَا لِابْنِ كَبْشَةَ تَاجَهُ ... وَلَاقَى امْرَأً فِي ضَمَّةِ الْخَيْلِ مِصْقَعًا
[٧] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَحَدِيثُ يَوْمِ جَبَلَةَ وَيَوْمِ ذِي نَجَبٍ أَطْوَلُ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْتُ فِي حَدِيثِ يَوْمِ الْفِجَارِ.
----------------------
[١] ذُو نجب (محركة): وَاد قرب ماوان. (رَاجع مَا يعول عَلَيْهِ، ومعجم الْبلدَانِ) .
[٢] كَذَا فِي أهنا وَفِيمَا سَيَأْتِي من جَمِيع الْأُصُول وَفِي سَائِر الْأُصُول هُنَا: «أَبُو كَبْشَة» .
[٣] نسب هَذَا الشّعْر فِي مُعْجم الْبلدَانِ عِنْد الْكَلَام على ذِي نجب لسحيم بن وثيل الريَاحي.
[٤] قرزل (بِالضَّمِّ): اسْم فرس لطفيل بن مَالك. وَكَانَ طفيل يُسمى: فَارس قرزل.
[٥] رِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي مُعْجم الْبلدَانِ:
وَنحن ضربنا هَامة ابْن خويلد ... يزِيد وضرجنا عُبَيْدَة بِالدَّمِ
[٦] أم الْفِرَاخ الجواثم: يُرِيد الهامة، وَهِي البوم، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن الرجل إِذا قتل خرجت من رَأسه هَامة تصيح: اسقوني اسقوني، حَتَّى يُؤْخَذ بثأره.
[٧] المصقع (هُنَا): مَأْخُوذ من قَوْلهم صقعه: إِذا ضربه على شَيْء مصمت.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:31 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (23)
صــ 201إلى صــ 210
(مَا زَادَتْهُ الْعَرَبُ فِي الْحُمْسِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ابْتَدَعُوا فِي ذَلِكَ أُمُورًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ، حَتَّى قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلْحُمْسِ أَنْ يَأْتَقِطُوا الْأَقِطَ [١]، وَلَا يَسْلَئُوا [٢] السَّمْنَ وَهُمْ حُرُمٌ، وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعَرٍ، وَلَا يَسْتَظِلُّوا إنْ اسْتَظَلُّوا إلَّا فِي بُيُوتِ الْأَدَمِ [٣] مَا كَانُوا حُرُمًا، ثُمَّ رَفَعُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا بِهِ مَعَهُمْ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ، إذَا جَاءُوا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَلَا يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ إذَا قَدِمُوا أَوَّلَ طَوَافِهِمْ إلَّا فِي ثِيَابِ الْحُمْسِ، فَإِنَّ لَمْ يَجِدُوا مِنْهَا شَيْئًا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَإِنْ تَكَرَّمَ مِنْهُمْ مُتَكَرِّمٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ ثِيَابَ الْحُمْسِ، فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ، أَلْقَاهَا إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، وَلَمْ يَمَسَّهَا هُوَ، وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ أَبَدًا.
(اللَّقَى عِنْدَ الْحُمْسِ وَشِعْرٌ فِيهِ):
فَكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّي تِلْكَ الثِّيَابَ اللَّقَى [٤] . فَحَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ الْعَرَبَ، فَدَانَتْ بِهِ. وَوَقَفُوا عَلَى عرفَاتٍ، وَأَفَاضُوا مِنْهَا، وَطَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً: أَمَّا الرِّجَالُ فَيَطُوفُونَ عُرَاةً، وأمّا النِّسَاء فضع إحْدَاهُنَّ ثِيَابَهَا كُلَّهَا إلَّا دِرْعًا مُفَرَّجًا [٥] عَلَيْهَا، ثُمَّ تَطُوفُ فِيهِ. فَقَالَتْ امْرَأَةٌ [٦] مِنْ الْعَرَبِ، وَهِيَ كَذَلِكَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
------------------------
[١] الأقط (مُثَلّثَة ويحرك وككتف وَرجل وإبل): شَيْء يتَّخذ من المخيض الغنمي. وَجمعه أقطان.
وأقط الطَّعَام: عمله بِهِ.
[٢] سلأت السّمن واستلأته: إِذا طبخ وعولج، وَالِاسْم: السلاء (بِالْكَسْرِ مَمْدُود) .
[٣] بيُوت الْأدم: الأخبية الَّتِي تصنع من الْجلد.
[٤] اللقى: الشَّيْء الْملقى المطرح، وَيُقَال: المنسي. وَجمعه: ألقاء.
[٥] المفرج: المشقوق من قُدَّام أَو خلف.
[٦] يُقَال إِن هَذِه الْمَرْأَة هِيَ ضباعة بنت عَامر بن صعصعة، ثمَّ من بنى سَلمَة بن قُشَيْر، وَيذكر أَن رَسُول الله ﷺ خطبهَا، فَذكرت لَهُ عَنْهَا كبرة فَتَركهَا. وَلَعَلَّ الّذي أَخّرهَا عَن أَن تكون أما للْمُؤْمِنين وزوجا لرَسُول رب الْعَالمين، تكريم الله لنَبيه، وَعلمه بغيرته، وَالله أغير مِنْهُ، لما فِي قَوْلهَا:
الْيَوْم يَبْدُو بعضه أَو كُله
من شَيْء فِيهِ مَا فِيهِ. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
وَمَنْ طَافَ مِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا مِنْ الْحِلِّ أَلْقَاهَا، فَلَمْ يَنْتَفِعُ بِهَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَذْكُرُ شَيْئًا تَرَكَهُ مِنْ ثِيَابِهِ فَلَا يَقْرَبُهُ، وَهُوَ يحبّه [١]:
كفى جزنا كَرَّى عَلَيْهَا كَأَنَّهَا [٢] ... لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ
[٣] يَقُولُ: لَا تُمَسُّ.
(حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي الطَّوَافِ، وَإِبْطَالُ عَادَاتِ الْحُمْسِ فِيهِ):
فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ حَيْنَ أَحْكَمَ لَهُ دِينَهُ، وَشَرَعَ لَهُ سُنَنَ حَجِّهِ: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ٢: ١٩٩ يَعْنِي قُرَيْشًا. وَالنَّاسُ: الْعَرَبُ.
فَرَفَعَهُمْ فِي سُنَّةِ الْحَجِّ إلَى عَرَفَاتٍ وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَالْإِفَاضَةِ مِنْهَا.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى النَّاسِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَبُوسِهِمْ عِنْدَ الْبَيْتِ، حَيْنَ طَافُوا عُرَاةً، وَحَرَّمُوا مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْحِلِّ مِنْ الطَّعَامِ: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ. قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [٤] ٧: ٣١- ٣٢. فَوَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الْحُمْسِ، وَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ ابْتَدَعَتْ مِنْهُ عَلَى [٥] النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ، حَيْنَ بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ،
------------------------
[١] وَمن اللقى حَدِيث فَاخِتَة أم حَكِيم بن حزَام، وَكَانَت دخلت الْكَعْبَة، وَهِي حَامِل تمّ بِحَكِيم بن حزَام، فأجاءها الْمَخَاض، فَلم تستطع الْخُرُوج من الْكَعْبَة، فَوَضَعته فِيهَا، فلفت فِي الأقطاع هِيَ وجنينها، وَطرح مثبرها وثيابها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا، فَجعلت لَقِي لَا تقرب. والمثبر، بِفَتْح الْمِيم: مسْقط الْوَلَد.
[٢] فِي أ: ... عَلَيْهِ كَأَنَّهُ.
[٣] حَرِيم: محرم، لَا يُؤْخَذ وَلَا ينْتَفع بِهِ.
[٤] المُرَاد بالزينة فِي الْآيَة اللبَاس وَعدم التعري. وَقَوله تَعَالَى: كُلُوا وَاشْرَبُوا ٢: ٦٠. إِشَارَة إِلَى مَا كَانَت الحمس حرمته من طَعَام الْحَج إِلَى طَعَام أحمسى.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَن» .
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عَمِّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ مِنْ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتَّى يَدْفَعُ مَعَهُمْ مِنْهَا تَوْفِيقًا [١] مِنْ اللَّهِ لَهُ، صلى الله عليه وآله وسلم تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
إخْبَارُ الْكُهَّانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَالْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ وَالرُّهْبَانِ مِنْ النَّصَارَى
(مُعْرِفَةُ الْكُهَّانِ وَالْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ بِمَبْعَثِهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالرُّهْبَانُ مِنْ النَّصَارَى، وَالْكُهَّانُ مِنْ الْعَرَبِ، قَدْ تَحَدَّثُوا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، لَمَّا تَقَارَبَ مِنْ زَمَانِهِ. أَمَّا الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالرُّهْبَانُ مِنْ النَّصَارَى، فَعَمَّا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ زَمَانِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ إلَيْهِمْ فِيهِ. وَأَمَّا الْكُهَّانُ مِنْ الْعَرَبِ فَأَتَتْهُمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مِنْ الْجِنِّ فِيمَا تَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ، إذْ كَانَتْ وَهِيَ لَا تُحْجَبُ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ بِالنُّجُومِ. وَكَانَ الْكَاهِنُ وَالْكَاهِنَةُ لَا يَزَالُ يَقَعُ مِنْهُمَا ذِكْرُ بَعْضِ أُمُورِهِ، لَا تُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا، حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَ، فَعَرَفُوهَا.
(قَذْفُ الْجِنِّ بِالشُّهُبِ، وَآيَةُ ذَلِكَ عَلَى مَبْعَثِهِ ﷺ):
فَلَمَّا تَقَارَبَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَضَرَ مَبْعَثُهُ، حُجِبَتْ الشَّيَاطِينُ عَنْ السَّمْعِ، وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقَاعِدِ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ لِاسْتِرَاقِ السَّمْعِ فِيهَا، فَرُمُوا بِالنُّجُومِ، فَعَرَفَتْ الْجِنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ [٢]،
---------------------------[١] وَذَلِكَ حَتَّى لَا يفوتهُ ﷺ ثَوَاب الْحَج وَالْوُقُوف بِعَرَفَة. وَلَقَد قَالَ جُبَير حِين رَآهُ وَاقِفًا بِعَرَفَة مَعَ النَّاس: هَذَا رجل أحمسى، فَمَا باله لَا يقف مَعَ الحمس حَيْثُ يقفون. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] وَقد قَالَت قُرَيْش حِين كثر الْقَذْف بالنجوم: قَامَت السَّاعَة، فَقَالَ عتبَة بن ربيعَة: انْظُرُوا إِلَى العيوق، فان كَانَ رمى بِهِ فقد آن قيام السَّاعَة وَإِلَّا فَلَا.
يَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْنَ بَعَثَهُ، وَهُوَ يَقُصُّ عَلَيْهِ خَبَرَ الْجِنِّ إذْ حُجِبُوا عَنْ السَّمْعِ، فَعَرَفُوا مَا عَرَفُوا، وَمَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ حَيْنَ رَأَوْا مَا رَأَوْا: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا [١] يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنَّا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا. وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ [٢] رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا. وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا [٣] . وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ، فَزادُوهُمْ رَهَقًا ٧٢: ١- ٦» ... إلَى قَوْلِهِ: «وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا [٤] . وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ٧٢: ٩- ١٠» .
فَلَمَّا سَمِعَتْ الْجِنُّ الْقُرْآنَ عَرَفَتْ أَنَّهَا إنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ السَّمْعِ قَبْلَ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُشْكِلَ الْوَحْيُ بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ فَيَلْتَبِسُ [٥] عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ، لِوُقُوعِ الْحُجَّةِ، وَقَطْعِ الشُّبْهَةِ. فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، ثُمَّ «وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ٤٦: ٢٩- ٣٠» ...
الْآيَةَ.
وَكَانَ قَوْلُ الْجِنِّ: «وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ، فَزادُوهُمْ رَهَقًا ٧٢: ٦» . أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ
-------------------------
[١] أَي عجبا مباينا لسَائِر الْكتب فِي حسن نظمه وَصِحَّة مَعَانِيه. وَالْعجب: مَا يكون خَارِجا عَن الْعَادة، وَهُوَ مصدر وضع مَوضِع العجيب.
[٢] الْجد: العظمة. يُقَال: جد فلَان فِي عَيْني: إِذا عظم. وَمِنْه قَول سيدنَا عمر رضي الله عنه: كَانَ الرجل إِذا قَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان جد فِينَا: أَي عظم فِي عيوننا.
[٣] المُرَاد بِهِ الْكفْر. من شطت الدَّار: إِذا بَعدت. فكأنهم بنسبتهم الصاحبة وَالْولد إِلَيْهِ جلّ شَأْنه بعدوا عَن الصَّوَاب.
[٤] الرصد: الراصد. أَي يجد شهابا راصدا لَهُ. أَو هُوَ اسْم جمع للراصد. على معنى: ذوى شهَاب راصدين بِالرَّجمِ، وهم الْمَلَائِكَة الَّذين يرجمونهم بِالشُّهُبِ، ويمنعونهم من الِاسْتِمَاع.
[٥] وَكَذَلِكَ كَانَ رمى الْجِنّ بالنجوم فِي الْجَاهِلِيَّة، إِلَّا أَنه لما جَاءَ الْإِسْلَام غلظ وشدد.
إذَا سَافَرَ فَنَزَلَ بَطْنَ وَادٍ مِنْ الْأَرْضِ لِيَبِيتَ فِيهِ، قَالَ: إنِّي أَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذَا الْوَادِي مِنْ الْجِنِّ اللَّيْلَةَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّهَقُ: الطُّغْيَانُ وَالسَّفَهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
إذْ تَسْتَبِي الْهَيَّامَةُ الْمُرَهَّقَا
[١] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَالرَّهَقُ أَيْضًا: طَلَبُكَ الشَّيْءِ حَتَّى تَدْنُوَ مِنْهُ، فَتَأْخُذُهُ أَوْ لَا تَأْخُذُهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ يَصِفُ حَمِيرِ وَحْشٍ:
بَصْبَصْنَ [٢] وَاقْشَعْرَرْنَ مِنْ خَوْفِ الرَّهَقِ
وَهَذَا الْبَيْت فِي أجوزة لَهُ. وَالرَّهَقُ أَيْضًا: مَصْدَرٌ لِقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: رَهِقْتُ الْإِثْمَ أَوْ الْعُسْرَ، الَّذِي أَرْهَقَتْنِي رَهَقًا شَدِيدًا، أَيْ حَمَلْتُ الْإِثْمَ أَوْ الْعُسْرَ الَّذِي حَمَلَتْنِي حَمْلًا شَدِيدًا، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا ١٨: ٨٠.
وَقَوْلُهُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ١٨: ٧٣.
(فَزَعُ ثَقِيفٍ مِنْ رَمْيِ الْجِنّ بالنجوم، وسؤاله عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ [٣] بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ أَوَّلَ الْعَرَبِ فَزِعَ لِلرَّمْيِ بِالنُّجُومِ حَيْنَ رُمِيَ بِهَا، هَذَا الْحَيُّ مِنْ ثَقِيفٍ، وَأَنَّهُمْ جَاءُوا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ أُمِّيَّةَ، أَحَدُ بَنِي عِلَاجٍ- قَالَ: وَكَانَ أَدْهَى الْعَرَبِ وَأَنْكَرَهَا [٤] رَأْيًا- فَقَالُوا لَهُ: يَا عَمْرُو: أَلَمْ تَرَ مَا حَدَثَ فِي السَّمَاءِ مِنْ الْقَذْفِ بِهَذِهِ النُّجُومِ؟ قَالَ: بَلَى، فَانْظُرُوا، فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِمَ النُّجُومِ [٥] الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَتُعْرَفُ بِهَا الْأَنْوَاءُ مِنْ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، لِمَا يُصْلِحُ النَّاسَ
--------------------------
[١] تستبى: تذْهب بعقله. والهيامة: الْكَثِيرَة الهيام. وأصل الهيام: دَاء يُصِيب الْإِبِل فتشتد حرارة أجوافها، فَلَا تروى من المَاء إِذا شربت.
[٢] يُرِيد: حركن أذنابهن.
[٣] وَقد رأى عتبَة هَذَا السَّائِب بن يزِيد، وروى عَن أبان بن عُثْمَان وَعُرْوَة وَسليمَان بن يسَار وَالزهْرِيّ.
وروى عَنهُ غير ابْن إِسْحَاق، عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون وَإِبْرَاهِيم بن سعد. وَكَانَ ثِقَة ورعا مُسلما، يسْتَعْمل على الصَّدقَات، ويستعين بِهِ الْوُلَاة. وَمَات سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة. (رَاجع تراجم رجال) .
[٤] كَذَا فِي أ. يُرِيد: أهداها رَأيا، من النكر (بِفَتْح النُّون)، وَهُوَ الدهاء. ويروى بِالْبَاء.
أَي أَشَّدهم إبداء لرَأى لم يسْبق إِلَيْهِ، من البكور فِي الشَّيْء، وَهُوَ أَوله. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أمكرها» .
[٥] معالم النُّجُوم: النُّجُوم الْمَشْهُورَة.
فِي مَعَايِشِهِمْ، هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا، فَهُوَ وَاَللَّهِ طَيُّ الدُّنْيَا، وَهَلَاكُ هَذَا الْخَلْقِ الَّذِي فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا غَيْرَهَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى حَالِهَا، فَهَذَا لِأَمْرٍ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ هَذَا الْخَلْقَ، فَمَا هُوَ؟ [١] .
(حَدِيثُهُ ﷺ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي رَمْيِ الْجِنِّ بِالنُّجُومِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ابْن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُمْ: مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي هَذَا النَّجْمِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنَّا نَقُولُ حَيْنَ رَأَيْنَاهَا يُرْمَى بِهَا: مَاتَ مَلِكٌ مُلِّكَ مُلْكٌ، وُلِدَ مَوْلُودٌ مَاتَ مَوْلُودٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَكُنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى كَانَ إذَا قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا سَمِعَهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَسَبَّحُوا، فَسَبَّحَ مَنْ تَحْتَهُمْ، فَسَبَّحَ لِتَسْبِيحِهِمْ مَنْ تَحْتَ ذَلِكَ، فَلَا يَزَالُ التَّسْبِيحُ يَهْبِطُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسَبِّحُوا ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِمَّ سَبَّحْتُمْ فَيَقُولُونَ سَبَّحَ مَنْ فَوْقَنَا فَسَبَّحْنَا لِتَسْبِيحِهِمْ، فَيَقُولُونَ: أَلَا تَسْأَلُونَ مَنْ فَوْقَكُمْ مِمَّ سَبَّحُوا؟ فَيَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى يَنْتَهُوا إلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مِمَّ سَبَّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: قَضَى اللَّهُ فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا، لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ، فَيَهْبِطُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِي إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَتَسْتَرِقُهُ الشَّيَاطِينُ بِالسَّمْعِ، عَلَى تَوَهُّمٍ وَاخْتِلَافٍ، ثُمَّ يَأْتُوا بِهِ الْكُهَّانَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَيُحَدِّثُوهُمْ بِهِ فَيُخْطِئُونَ وَيُصِيبُونَ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ الْكُهَّانُ، فَيُصِيبُونَ بَعْضًا وَيُخْطِئُونَ بَعْضًا. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عز وجل حَجَبَ الشَّيَاطِينَ بِهَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُقْذَفُونَ بِهَا، فَانْقَطَعَتْ الْكَهَانَةُ الْيَوْمَ، فَلَا كَهَانَةَ [٢] .
---------------------------
[١] وَمثل هَذَا مَا حدث لبني لَهب عِنْد فزعهم للرمي بالنجوم فَاجْتمعُوا إِلَى كَاهِن لَهُم، يُقَال لَهُ:
خطر، فَبين لَهُم الْخَبَر، وَمَا حدث من أَمر النُّبُوَّة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] يُرِيد تَخْصِيص ذَلِك الزَّمَان. والّذي انْقَطع الْيَوْم وَإِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَن تدْرك الشَّيَاطِين مَا كَانَت تُدْرِكهُ فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء، وَعند تمكنها من سَماع أَخْبَار السَّمَاء، وَمَا يُوجد الْيَوْم من كَلَام الْجِنّ على أَلْسِنَة المجانين، إِنَّمَا هُوَ خبر مِنْهُم عَمَّا يرونه فِي الأَرْض، مِمَّا لَا نرَاهُ نَحن، كسرقة سَارِق، أَو خبيئة فِي مَكَان خَفِي، أَو نَحْو ذَلِك. وَإِن أخبروا بِمَا سَيكون كَانَ تخرصا وتظنيا، فيصيبون قَلِيلا، ويخطئون كثيرا، وَذَلِكَ الْقَلِيل الّذي يصيبون هُوَ مِمَّا يتَكَلَّم بِهِ الْمَلَائِكَة (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ [١]، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ.
(الْغَيْطَلَةُ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ بَنِي سَهْمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهَا الْغَيْطَلَةُ، كَانَتْ كَاهِنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، جَاءَهَا صَاحِبُهَا لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي، فَانْقَضَّ تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَدْرِ مَا أَدْرِ [٢] . يَوْمَ عَقْرٍ وَنَحْرٍ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حَيْنَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: مَا يُرِيدُ؟ ثُمَّ جَاءَهَا لَيْلَةً أُخْرَى، فَانْقَضَّ [٣] تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: شُعُوبُ [٤] مَا شُعُوبٌ، تُصْرَعُ فِيهِ كَعْبٌ [٥] لَجُوبُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا. قَالُوا: مَاذَا يُرِيدُ، إنَّ هَذَا لِأَمْرٍ هُوَ كَائِنٌ، فَانْظُرُوا مَا هُوَ؟ فَمَا عَرَفُوهُ حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَأُحُدٍ بِالشِّعْبِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ الَّذِي كَانَ جَاءَ بِهِ إلَى صَاحِبَتِهِ.
(نَسَبُ الْغَيْطَلَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْغَيْطَلَةُ: مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، إخْوَةِ مُدْلِجِ ابْن مُرَّةَ، وَهِيَ أُمُّ الْغَيَاطِلِ الَّذِينَ ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَوْلِهِ:
-------------------------
[١] كَذَا فِي أوتراجم رجال وتهذيب التَّهْذِيب، وتقريب التَّهْذِيب، وَيُقَال فِيهِ أَيْضا: «ابْن لَبِيبَة» بِفَتْح اللَّام وَكسر الْمُوَحدَة. وَيُقَال إِن لَبِيبَة أمه، وَأَبا لَبِيبَة أَبوهُ، واسْمه وردان.
روى عَن سعيد بن الْمسيب، وَعبد الله بن أَبى سُلَيْمَان، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وَعَمْرو بن سعد بن أَبى وَقاص وَعبد الله بن عَمْرو وَغَيرهم. وَعنهُ ابْن ابْنه يحيى بن عبد الرَّحْمَن، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَيحيى بن أَبى كثير وَغَيرهم وَلم نجد عمرا هَذَا من تلاميذه وَكَذَلِكَ لم نجد عليا من شُيُوخه فِي المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا. وَفِي سَائِر الْأُصُول: بن لبينة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] وَفِي رِوَايَة: «وَمَا بدر» وَهِي أبين مِمَّا أثْبته ابْن إِسْحَاق.
[٣] انقض: سقط، يُقَال: انقض الطَّائِر، إِذا سقط على الشَّيْء.
ويروى: «أنقض»: أَي صَوت وَتكلم بِصَوْت خَفِي، تَقول: سَمِعت نقيض الْبَاب ونقيض الرجل أَي صَوته.
[٤] قَالَ السهيليّ: «وشعوب (هَاهُنَا): أَحْسبهُ بِضَم الشين، وَلم أَجِدهُ مُقَيّدا، وَكَأَنَّهُ جمع شعب وَقَول ابْن إِسْحَاق يدل على هَذَا حِين قَالَ: فَلم يدر مَا قَالَت حَتَّى قتل من قتل ببدر وَأحد بِالشعبِ» .
[٥] كَعْب هَاهُنَا): هُوَ كَعْب بن لؤيّ، وَالَّذين صرعوا ببدر وَأحد أَشْرَاف قُرَيْش، معظمهم من كَعْب بن لؤيّ.
لَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا ... بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا [١] بِنَا وَالْغَيَاطِلِ
[٢] فَقِيلَ لِوَلَدِهَا: الْغَيَاطِلُ، وَهُمْ مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصٍ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(حَدِيثُ كَاهِنِ جَنْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ نَافِعٍ الْجُرَشِيُّ: أَنَّ جَنْبًا [٣]: بَطْنًا مِنْ الْيَمَنِ، كَانَ لَهُمْ كَاهِنٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا ذُكِرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْتَشَرَ فِي الْعَرَبِ، قَالَتْ لَهُ جَنْبٌ: اُنْظُرْ لَنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي أَسْفَلِ جَبَلِهِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ حِينَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَوَقَفَ لَهُمْ قَائِمًا مُتَّكِئًا عَلَى قَوْسٍ لَهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ طَوِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ يَنْزُو [٤]، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ مُحَمَّدًا وَاصْطَفَاهُ، وَطَهَّرَ قَلْبَهُ وَحَشَاهُ، وَمُكْثُهُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قَلِيلٌ، ثُمَّ أَسْنَدَ [٥] فِي جَبَلِهِ رَاجِعًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ.
(مَا جَرَى بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَوَادِ بْنِ قَارِبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّهُ حَدَّثَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ فِي النَّاسِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ [٦] مِنْ الْعَرَبِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، يُرِيدُ عُمْرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ عُمَرُ رضي الله عنه، قَالَ: إنَّ هَذَا الرَّجُلُ لَعَلَى شِرْكِهِ مَا فَارَقَهُ بَعْدُ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رضي الله عنه: هَلْ أَسْلَمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لَهُ:
--------------------------
[١] قيضا: عوضا.
[٢] وَيُقَال إِن الغيطلة: بنت مَالك بن الْحَارِث بن عَمْرو بن الصَّعق بن شنوق بن مرّة، وشنوق:
أَخُو مُدْلِج.
[٣] جنب: من مذْحج. وهم: عيذ الله، وَأنس الله، وَزيد الله، وَأَوْس الله، وجعفي، وَالْحكم، وجروة، بَنو سعد الْعَشِيرَة بن مذْحج، ومذحج: هُوَ مَالك بن أدد، وَسموا جنبا، لأَنهم جانبوا بنى عمهم صداء وَيزِيد ابْني سعد الْعَشِيرَة بن مذْحج.
[٤] ينزو: يثب.
[٥] كَذَا فِي أ. وَأسْندَ: علا وارتفع. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «اشْتَدَّ» .
[٦] هَذَا الرجل هُوَ سَواد بن قَارب، كَانَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ أسلم.
١٤- سيرة ابْن هِشَام- ١
فَهَلْ كُنْتَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَقَدْ خِلْتَ [١] فِيَّ، وَاسْتَقْبَلْتنِي بِأَمْرٍ مَا أَرَاكَ قُلْتَهُ لِأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ مُنْذُ وُلِّيتَ مَا وُلِّيتَ، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهمّ غُفْرًا [٢]، قَدْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى شَرٍّ مِنْ هَذَا، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَعْتَنِقُ الْأَوْثَانَ، حَتَّى أَكْرَمْنَا اللَّهُ بِرَسُولِهِ وَبِالْإِسْلَامِ، قَالَ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ كُنْتُ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَأَخْبرنِي مَا جَاءَكَ بِهِ صَاحِبُكَ، قَالَ: جَاءَنِي قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعِهِ [٣]، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إلَى الْجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا [٤]، وَإِيَاسِهَا [٥] مِنْ دِينِهَا، وَلُحُوقِهَا بِالْقِلَاصِ [٦] وَأَحْلَاسِهَا [٧] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ سَجْعٌ، وَلَيْسَ بِشِعْرٍ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُ النَّاسَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَعِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ ذَبَحَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ عِجْلًا، فَنَحْنُ نَنْتَظِرُ قَسْمَهُ لِيَقْسِمَ لَنَا مِنْهُ، إذْ سَمِعْتُ مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ صَوْتًا
--------------------------
[١] هُوَ من بَاب حذف الْجُمْلَة الْوَاقِعَة بعد خلت وظننت، كَقَوْلِهِم فِي الْمثل: من يسمع يخل.
وَلَا يجوز حذف أحد المفعولين مَعَ بَقَاء الآخر، لِأَن حكمهَا حكم الِابْتِدَاء وَالْخَبَر، فَإِذا حذفت الْجُمْلَة كلهَا جَازَ لِأَن حكمهمَا حكم الْمَفْعُول، وَالْمَفْعُول قد يجوز حذفه، وَلَكِن لَا بُد من قرينَة تدل على المُرَاد.
فَفِي قَوْلهم: من يسمع يخل، دَلِيل يدل على الْمَفْعُول، وَهُوَ يسمع. وَفِي قَوْله: «خلت فِي» . دَلِيل أَيْضا، وَهُوَ قَوْله «فِي» .
[٢] غفرا: كلمة تَقُولهَا الْعَرَب إِذا أَخطَأ الرجل على الرجل. وَمَعْنَاهَا: اللَّهمّ اغْفِر لي غفرا. وَيُقَال إِن عمر مازحه. فَقَالَ: مَا فعلت كهانتك يَا سَواد؟ فَغَضب وَقَالَ: قد كنت أَنا وَأَنت على شَرّ من هَذَا من عبَادَة الْأَصْنَام، وَأكل الميتات، أفتعيرنا بِأَمْر تبت مِنْهُ؟ فَقَالَ عمر حينذاك: اللَّهمّ غفرا. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
وَلَقَد سَاق السهيليّ قصَّة سَواد مَعَ عمر عَن غير ابْن إِسْحَاق فِي سِيَاقَة حَسَنَة، وَزِيَادَة مفيدة رَأينَا أَن نجتزئ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا إِذْ يمنعنا طولهَا من إِثْبَاتهَا.
[٣] شيعه: دونه بِقَلِيل.
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري، وأبلس الرجل: إِذا سكت ذليلا أَو مَغْلُوبًا. وَفِي أ:
«وإسلامها» . وَالْإِسْلَام: الانقياد.
[٥] الْإِيَاس: الْيَأْس.
[٦] القلاص من الْإِبِل: الْفتية.
[٧] الأحلاس: جمع حلْس، وَهُوَ كسَاء من جلد يوضع على ظهر الْبَعِير، ثمَّ يوضع عَلَيْهِ الرحل، ليقيه من الدبر.
مَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنْهُ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعِهِ، يَقُولُ:
يَا ذَرِيحُ [١]، أَمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ يَصِيحُ، يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رَجُلٌ يَصِيحُ، بِلِسَانٍ فَصِيحٍ، يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَأَنْجَاسِهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا مِنْ الْكُهَّانِ مِنْ الْعَرَب.
إنذار يهود بِرَسُولِ اللهِ ﷺ
(إنْذَارُ الْيَهُودِ بِهِ ﷺ، وَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ [٢] بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا [٣]: إنَّ مِمَّا دَعَانَا إلَى الْإِسْلَامِ، مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَدَاهُ لَنَا، لَمَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، (وَ) [٣] كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوَثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ لَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا لَنَا: إنَّهُ (قَدْ) [٣] تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أَجَبْنَاهُ، حِينَ دَعَانَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَنَا بِهِ، فَبَادَرْنَاهُمْ إلَيْهِ، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ مِنْ الْبَقَرَةِ: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ٢: ٨٩.
-----------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول. وَلَعَلَّه نِدَاء للعجل الْمَذْبُوح، لقَولهم: أَحْمَر ذريحى، أَي شَدِيد الْحمرَة. فَصَارَ وَصفا للعجل الذَّبِيح من أجل الدَّم.
ويروى: «يَا جليح»، وَيُقَال إِن جليح: اسْم شَيْطَان. والجليح (لُغَة): مَا تطاير من رُءُوس النَّبَات وخف، نَحْو الْقطن وَشبهه، الْوَاحِدَة: جليحة، وَهُوَ على هَذَا الْمَعْنى اللّغَوِيّ وصف للعجل أَيْضا، على أَن الْعجل قد جلح: أَي كشف عَنهُ الْجلد.
[٢] كَذَا فِي أوتراجم رجال. وَفِي سَائِر الْأُصُول هُنَا: «عَمْرو»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:33 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (24)
صــ 211إلى صــ 220
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسْتَفْتِحُونَ: يَسْتَنْصِرُونَ، وَيَسْتَفْتِحُونَ (أَيْضًا) [١]:
يَتَحَاكَمُونَ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ٧: ٨٩.
(حَدِيثُ سَلَمَةَ عَنْ الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَنْذَرَ بِالرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ مَحْمُودِ ابْن لَبِيدٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَنْ سَلَمَةَ [٢] بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ [٣]، وَكَانَ سَلَمَةُ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ، قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودَ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ:
فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ- قَالَ سَلَمَةُ: وَأَنَا يَوْمئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ مَنْ فِيهِ سِنًّا، عَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي، مُضْطَجِعٌ فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي- فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ وَالْبَعْثَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوَثَانٍ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ أَوَتَرَى هَذَا كَائِنًا، أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، وَلَوَدَّ أَنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَعْظَمَ تَنُّورٍ فِي الدَّارِ، يَحْمُونَهُ ثُمَّ يُدْخِلُونَهُ إيَّاهُ فَيُطَيِّنُونَهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَنْجُوَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا، فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ! فَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، فَقَالُوا: وَمَتَى تَرَاهُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إلَيَّ وَأَنَا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: إنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الْغُلَامُ عُمْرَهُ يُدْرِكْهُ. قَالَ سَلمَة:
فو الله مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا رَسُولَهُ ﷺ، وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ أَلَسْتَ الَّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ.
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] هُوَ سَلمَة بن سَلامَة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الْأَشْهَل الْأنْصَارِيّ، وَأمه سلمى بنت سَلمَة بن خَالِد بن عدي أنصارية حارثية، ويكنى أَبَا عَوْف. شهد الْعقبَة الأولى والعقبة الْآخِرَة، فِي قَول جَمِيعهم، ثمَّ شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا. وَاسْتَعْملهُ عمر رضي الله عنه على الْيَمَامَة، وَتوفى سنة خمس وَأَرْبَعين بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ ابْن سبعين سنة.
(رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٣] هُوَ بِالْفَتْح، وَقيل بِالتَّحْرِيكِ. (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة وقش) .
(إسْلَامُ ثَعْلَبَةَ وَأَسِيدِ ابْنَيْ سَعْيَةَ، وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ لِي: هَلْ تَدْرِي عَمَّ كَانَ إسْلَامُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وَأَسِيدِ [١] بْنِ سَعْيَةَ وَأَسَدِ ابْن عُبَيْدٍ [٢]، نَفَرٍ مِنْ بَنِي هَدْلٍ، إخْوَةِ [٣] بَنِي قُرَيْظَةَ، كَانُوا مَعَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ثُمَّ كَانُوا سَادَتَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ: قُلْتُ: لَا وَاَللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ رَجُلًا مِنْ يَهُودَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْهَيْبَانِ [٤]، قَدِمَ عَلَيْنَا قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بِسِنِينَ، فَحَلَّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، لَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطْ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَفَضْلَ مِنْهُ، فَأَقَامَ عِنْدَنَا فَكُنَّا إذَا قَحِطَ عَنَّا الْمَطَرُ قُلْنَا لَهُ: اُخْرُجْ يَا بن الْهَيْبَانِ فَاسْتَسْقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً، فَنَقُولُ لَهُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ: فَنُخْرِجُهَا ثُمَّ يَخْرُجُ بِنَا إلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا فَيَسْتَسْقِي الله لنا. فو اللَّهُ مَا يَبْرَحُ مَجْلِسَهُ حَتَّى يَمُرَّ السَّحَابُ وَنُسْقَى، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ. قَالَ: ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عِنْدَنَا. فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالَ: قُلْنَا: إنَّكَ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنِّي إنَّمَا قَدِمْتُ هَذِهِ
---------------------------
[١] قَالَ السهيليّ فِي الرَّوْض عِنْد الْكَلَام على ضبط أسيد هَذَا: «وَأما أسيد بن سعية، فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمدنِي عَن ابْن إِسْحَاق، وَهُوَ أحد رُوَاة الْمَغَازِي، عَنهُ: أسيد بن سعية، بِضَم الْألف. وَقَالَ يُونُس بن بكير عَن ابْن إِسْحَاق، وَهُوَ قَول الْوَاقِدِيّ وَغَيره: أسيد، بِفَتْحِهَا قَالَ الدارقطنيّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَلَا يَصح مَا قَالَه إِبْرَاهِيم عَن ابْن إِسْحَاق» . وسعية أبوهم، وَيُقَال لَهُ ابْن العريض.
[٢] عبارَة الطَّبَرِيّ والاستيعاب عِنْد الْكَلَام على أَسد بن عبيد الْقرظِيّ، وَأسيد وثعلبة ابْني سعية:
«وهم نفر من بنى هدل، لَيْسُوا من بنى قُرَيْظَة وَلَا النَّضِير، نسبهم فَوق ذَلِك، هم بَنو عَم الْقَوْم» .
[٣] فِي الرَّوْض: «أَو أَسد بن سعية» . وَفِي هَؤُلَاءِ أنزل الله عز وجل: «من أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ٣: ١١٣» ... الْآيَة.
[٤] هُوَ من المسمين بِالصِّفَاتِ. يُقَال: قطن هيبان، أَي منتفش خَفِيف. قَالَ ذُو الرمة:
تمج اللغام الهيبان كَأَنَّهُ ... جنى عشر تنفيه أشداقها الهدل
(رَاجع اللِّسَان وَالرَّوْض) .
الْبَلْدَةَ أتَوَكَّفُ [١] خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ [٢] زَمَانُهُ، وَهَذِهِ الْبَلْدَةُ مُهَاجَرُهُ، فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُبْعَثَ فَأَتَّبِعَهُ، وَقَدْ أَظَلَّكُمْ زَمَانُهُ، فَلَا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَاصَرَ بَنِي [٣] قُرَيْظَةَ، قَالَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ، وَكَانُوا شَبَابًا أَحْدَاثًا: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاَللَّهِ إنَّهُ لِلنَّبِيِّ الَّذِي كَانَ عَهِدَ إلَيْكُمْ فِيهِ ابْنُ الْهَيْبَانِ، قَالُوا: لَيْسَ بِهِ، قَالُوا: بَلَى وَاَللَّهِ، إنَّهُ لَهُوَ بِصِفَّتِهِ، فَنَزَلُوا وَأَسْلَمُوا، وَأَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا عَنْ أَخْبَارِ يَهُودَ.
حَدِيثُ إسْلَامِ سَلْمَانَ رضي الله عنه
(كَانَ سَلْمَانُ مَجُوسِيًّا، فَمَرَّ بِكَنِيسَةٍ فَتَطَلَّعَ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمْرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ ابْن لَبِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَأَنَا أَسْمَعُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ [٤] مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا جَيُّ [٥]، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ [٦] قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ، لَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطْنَ النَّارِ [٧]
-----------------------------
[١] أتوكف: أنْتَظر.
[٢] أظل: أشرف وَقرب.
[٣] يُرِيد حِين غزا ﷺ بنى قُرَيْظَة عقب مُنْصَرفه من غَزْوَة الخَنْدَق.
[٤] أَصْبَهَان (بِفَتْح الْهمزَة وَهُوَ الْأَكْثَر، وَقيل بكثرها): مَدِينَة عَظِيمَة مَشْهُورَة من أَعْلَام المدن وأعيانها، ويسرفون فِي وصف عظمها حَتَّى يتجاوزوا حد الاقتصاد إِلَى غَايَة الْإِسْرَاف. وأصبهان: اسْم للإقليم بأسره، وَكَانَت مدينتها أَولا جيا، ثمَّ صَارَت الْيَهُودِيَّة، وَقيل فِي سَبَب تَسْمِيَة أَصْبَهَان أَقْوَال كَثِيرَة.
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت) .
[٥] كَذَا فِي أومعجم الْبلدَانِ. وجى (بِالْفَتْح ثمَّ التَّشْدِيد): مَدِينَة نَاحيَة أَصْبَهَان الْقَدِيم. وَهِي الْآن كالخراب مُنْفَرِدَة، وَتسَمى الْآن عِنْد الْعَجم شهرستان. وَعند الْمُحدثين الْمَدِينَة.
[٦] الدهْقَان: شيخ الْقرْيَة الْعَارِف بالفلاحة وَمَا يصلح بِالْأَرْضِ، يلجأ إِلَيْهِ فِي معرفَة ذَلِك.
[٧] قطن النَّار: خَادِمهَا الّذي يخدمها ويمنعها من أَن تخبو، لتعظيمهم إِيَّاهَا.
الَّذِي يُوقِدُهَا، لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً. قَالَ: وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، إنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ إلَيْهَا فَاطَّلَعَهَا. وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَا تَحْتَبِسُ عَنِّي فَإِنَّكَ إنْ احْتَبَسْتَ عَنِّي كُنْتُ أَهَمَّ إلَيَّ مِنْ ضَيْعَتِي، وَشَغَلَتْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي. قَالَ: فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ الَّتِي بَعَثَنِي إلَيْهَا، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ، لِحَبْسِ أَبِي إيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَتْنِي صَلَاتُهُمْ وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ وَقُلْتُ: هَذَا وَاَللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحن عَلَيْهِ، فو الله مَا بَرِحْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ. فَرَجَعْتُ إلَى أَبِي، وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَيْنَ كُنْتَ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِأُنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ من دينهم، فو الله مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَلَّا وَاَللَّهِ، إنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ:
فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ.
(اتِّفَاقُ سَلْمَانَ وَالنَّصَارَى عَلَى الْهَرَبِ):
قَالَ: وَبَعَثْتُ إلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنْ النَّصَارَى، فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إلَى بِلَادِهِمْ، فَآذَنُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إلَى بِلَادِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيَّ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ. فَلَمَّا قَدِمْتُهَا، قُلْتُ: مَنْ أَفَضْلُ أَهْلُ هَذَا الدِّينِ عِلْمًا؟ قَالُوا: الْأُسْقُفُ [١] فِي الْكَنِيسَةِ.
---------------------------
[١] الأسقف (بِالتَّشْدِيدِ وبالتخفيف أَيْضا): عَالم النَّصَارَى الّذي يُقيم لَهُم أَمر دينهم.
(سَلْمَانُ وَأُسْقُفُ النَّصَارَى السَّيِّئُ):
قَالَ فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، فَأَحْبَبْتُ أَنَّ أَكُونَ مَعَكَ، وَأَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ، فَأَتَعَلَّمَ مِنْكَ، وَأُصَلِّيَ مَعَكَ، قَالَ: اُدْخُلْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلُ سَوْءٍ، يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا [١] اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ. قَالَ: فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، يَأْمُركُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا، اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَقَالُوا لِي: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُمْ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ، قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَوَرِقًا. قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. قَالَ:
فَصَلَبُوهُ، وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ، فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ.
(سَلْمَانُ وَالْأُسْقُفُ الصَّالِحُ):
قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ (وَ) [٢] أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَرْغَبَ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبَ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ.
قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَهُ [٣] . قَالَ: فَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا طَوِيلًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ:
أَيْ بُنَيَّ، وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَحَدًا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ، وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ، وَهُوَ فُلَانٌ، وَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ بِهِ.
------------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فيهم» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... قبله مثله» .
(سَلْمَانُ وَصَاحِبُهُ بِالْمُوصِلِ):
قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ.
فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إلَيْكَ، وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مِنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ:
يَا بُنَيَّ، وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ، إلَّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ [١]، وَهُوَ فُلَانٌ، فَالْحَقْ بِهِ.
(سَلْمَانُ وَصَاحِبُهُ بِنَصِيبِينَ):
فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبُهُ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِيهِ. فَأَقَمْتُ مَعَ خير رجل، فو الله مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حُضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إنَّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَى بِي إلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إلَيْكَ، قَالَ: فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إلَّا رَجُلًا بِعَمُورِيَّةَ [٢] مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا.
(سَلْمَانُ وَصَاحِبُهُ بِعَمُورِيَّةَ):
فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُورِيَّةَ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَ خَيْرِ رَجُلٍ، عَلَى هُدَى أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ. قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا حُضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ، فَأَوْصَى بِي إلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إلَى
-----------------------
[١] نَصِيبين (بِالْفَتْح ثمَّ الْكسر ثمَّ بَاء وعلامة الْجمع الصَّحِيح): مَدِينَة من بِلَاد الجزيرة على جادة القوافل من الْموصل إِلَى الشَّام، وَكَانَ فِيهَا وَفِي قراها- على مَا ذكر أَهلهَا- أَرْبَعُونَ ألف بُسْتَان. وَبَينهَا وَبَين الْموصل سِتَّة أَيَّام. وَكَانَت الرّوم قد بنت عَلَيْهَا سورا وأتمه أنوشروان الْملك عِنْد فَتحه إِيَّاهَا.
[٢] عمّورية (بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه): بلد فِي بِلَاد الرّوم غزاه المعتصم.
وَسميت بعمورية بنت الرّوم بن اليفز بن سَام بن نوح. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ بِهِ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجَرُهُ إلَى أَرْضٍ بَيْنَ [١] حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى، يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ.
(سَلْمَانُ وَنَقْلَتُهُ إلَى وَادِي الْقُرَى ثُمَّ إلَى الْمَدِينَةِ، وسماعه بِبَعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، وَمَكَثْتُ بِعَمُورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارٌ، فَقُلْتُ لَهُمْ: احْمِلُونِي إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ، قَالُوا: نَعَمْ. فأعْطَيْتُهُمُوها وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتَّى إذَا بَلَغُوا وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي، فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقْ فِي نَفْسِي، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ، إذْ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَة، فو الله مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتهَا [٢] بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا، وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ، لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذكَرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة، فو الله إنِّي لَفِي رَأْسِ عِذْقٍ [٣] لِسَيِّدِي أَعْمَلُ لَهُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتِي، إذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ، وَاَللَّهِ إنَّهُمْ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ [٤] عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ.
(نَسَبُ قَيْلَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْلَةُ: بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُودِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، أُمُّ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ.
------------------------
[١] الْحرَّة: كل أَرض ذَات حِجَارَة سود متشيطة من أثر احتراق بركانى.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عرفتها» .
[٣] العذق (بِالْفَتْح): النَّخْلَة. والعذق (بِالْكَسْرِ): الكباسة.
[٤] قبَاء (بِالضَّمِّ) أَصله اسْم بِئْر عرفت الْقرْيَة بهَا، وَهِي مسَاكِن بنى عَمْرو بن عَوْف من الْأَنْصَار.
وَتَقَع قَرْيَة قبَاء على ميلين من الْمَدِينَة على يسَار القاصد إِلَى مَكَّة. رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ يَمْدَحُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ:
بَهَالِيلُ [١] مِنْ أَوْلَادِ قَيْلَةَ لَمْ يَجِدْ ... عَلَيْهِمْ خَلِيطٌ فِي مُخَالَطَةِ عَتْبَا
مَسَامِيحُ أَبْطَالٌ يَرَاحُونَ لِلنَّدَى ... يَرَوْنَ عَلَيْهِمْ فِعْلَ آبَائِهِمْ نَحْبَا
[٢] وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ. فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالْعُرَوَاءُ: الرِّعْدَةُ مِنْ الْبَرْدِ وَالِانْتِفَاضُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَرَقٌ فَهِيَ الرُّحَضَاءُ، وَكِلَاهُمَا مَمْدُودٌ- حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي، فَنَزَلْتُ عَنْ النَّخْلَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ؟ (مَاذَا تَقُولُ) [٢]؟
فَغَضِبَ سَيِّدِي، فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟ أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ.
قَالَ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، إنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَهُ عَمَّا قَالَ.
(سَلْمَانُ بَيْنَ يَدَيْ الرَّسُولِ ﷺ بِهَدِيَّتِهِ يَسْتَوْثِقُ):
(قَالَ) [٣]: وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ ذَهَبْتُ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءَ [٤]، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ قَدْ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، قَالَ: فَقَرَّبْتُهُ إلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ. قَالَ:
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِهِ فَقُلْتُ لَهُ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا. قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ ثِنْتَانِ،
-----------------------
[١] البهاليل: جمع بهْلُول، وَهُوَ السَّيِّد.
[٢] المساميح: الأجواد الْكِرَام. ويراحون: يهتزون. والنحب: النّذر، وَمَا يَجعله الْإِنْسَان على نَفسه.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ٤ ص ٢١٨ من هَذَا الْجُزْء) .
ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ [١]، قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ [٢]، (وَ) [٣] عَلَيَّ شَمْلَتَانِ [٤] لِي، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدْبَرْتُهُ [٥] عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَحَوَّلْ، فَتَحَوَّلْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا بن عَبَّاسٍ، فَأَعْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْمِعَ ذَلِكَ أَصْحَابَهُ. ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ.
(أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَلْمَانَ بِالْمُكَاتَبَةِ لِيَخْلُصَ مِنْ الرِّقِّ):
قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ، فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِ ماِئَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ [٦]، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: أَعِينُوا أَخَاكُمْ، فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ، الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً [٧]، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَدِيَةً، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يُعِينُ الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُ ماِئَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ [٨] لَهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ
----------------------
[١] بَقِيع الْغَرْقَد: مَقْبرَة أهل الْمَدِينَة، وَهِي دَاخل الْمَدِينَة.
[٢] هُوَ كُلْثُوم بن الْهدم، وَكَانَ هُوَ أول من توفى من الْمُسلمين بعد مقدمه ﷺ الْمَدِينَة، لم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى مَاتَ. (رَاجع الطَّبَرِيّ، وَالرَّوْض، وَشرح السِّيرَة) .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] الشملة: الكساء الغليظ يشْتَمل بِهِ الْإِنْسَان، أَي يلتحف بِهِ.
[٥] ويروى: «أستدير بِهِ» .
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول. أَي بِالْحفرِ وبالغرس، يُقَال: فقرت الأَرْض: إِذا حفرتها، وَمِنْه سميت الْبِئْر: فَقِيرا.
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «بالتفقير» . مصدر «فقر» . وَلَعَلَّ هَذِه الرِّوَايَة أنسب.
[٧] الودية: وَاحِدَة الودي، وَهُوَ فراخ النّخل الصغار.
[٨] فقر: احْفِرْ.
فَأْتِنِي أَكُنْ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ. قَالَ: فَفَقَّرْتُ وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إذَا فَرَغْتُ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعِي إلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ إلَيْهِ الْوَدِيَّ، وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، حَتَّى فَرغْنَا. فو الّذي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ [١] . قَالَ: فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ. فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ، مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ [٢]، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ خُذْ هَذِهِ، فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ» قَالَ: قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ. قَالَ: فَأَخَذْتهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا، وَاَلَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ مِنْهَا، وَعَتَقَ سَلْمَانُ. فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْخَنْدَقَ حُرًّا، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ سَلْمَانَ: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِنْ الَّذِي عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَلَّبَهَا عَلَى لِسَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: خُذْهَا فَأَوْفِهِمْ مِنْهَا، فَأَخَذْتهَا، فَأَوْفَيْتهمْ مِنْهَا حَقَّهُمْ كُلَّهُ، أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: أَنَّهُ قَالَ:
(سَلْمَانُ وَالرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ بَيْنَ غَيْضَتَيْنِ بِعَمُورِيَّةَ):
حُدِّثْتُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ أَخْبَرَهُ خَبَرَهُ: إنَّ صَاحِبَ عَمُورِيَّةَ قَالَ لَهُ: ائْتِ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَإِنَّ بِهَا رَجُلًا بَيْنَ غَيْضَتَيْنِ [٣]، يَخْرُجُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ هَذِهِ الْغَيْضَةِ إلَى هَذِهِ الْغَيْضَةِ مُسْتَجِيزًا، يَعْتَرِضُهُ ذَوُو الْأَسْقَامِ، فَلَا يَدْعُو لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا شُفِيَ، فَاسْأَلْهُ عَنْ هَذَا
------------------------
[١] وَيُقَال: إِن سلمَان غرس بِيَدِهِ، ودية وَاحِدَة، وغرس رَسُول الله ﷺ سائرها فَعَاشَتْ كلهَا إِلَّا الَّتِي غرس سلمَان. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] الْمَعَادِن: جمع مَعْدن (كمجلس): مَا تستخرج مِنْهُ الْجَوَاهِر من ذهب وَفِضة وحديد وَنَحْوه.
[٣] الغيضة: الشّجر الملتف.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:37 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (25)
صــ 221إلى صــ 230
الدِّينِ الَّذِي تَبْتَغِي، فَهُوَ يُخْبِرُكَ عَنْهُ. قَالَ سَلْمَانُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ حَيْثُ وُصِفَ لِي، فَوَجَدْتُ النَّاسَ قَدْ اجْتَمَعُوا بِمَرْضَاهُمْ هُنَالِكَ، حَتَّى خَرَجَ لَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، مُسْتَجِيزًا مِنْ إحْدَى الْغَيْضَتَيْنِ إلَى أُخْرَى، فَغَشِيَهُ النَّاسُ بِمَرْضَاهُمْ، لَا يَدْعُو لِمَرِيضٍ إلَّا شُفِيَ، وَغَلَبُونِي عَلَيْهِ، فَلَمْ أَخْلُصْ إلَيْهِ حَتَّى دَخَلَ الْغَيْضَةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ، إلَّا مَنْكِبِهِ. قَالَ: فَتَنَاوَلْتُهُ: فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَالْتَفَتَ إلَيَّ، فَقُلْتُ:
يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: إنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ بِهَذَا الدِّينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَأْتِهِ فَهُوَ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَلْمَانَ: لَئِنْ كُنْتَ صَدَّقْتَنِي يَا سَلْمَانُ، لَقَدْ لَقِيتُ عِيسَى بن مَرْيَمَ [١]، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ [٢]
(بَحْثُهُمْ فِي الْأَدْيَانِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا فِي عِيدٍ لَهُمْ عِنْدَ صَنَمٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ، كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيَنْحَرُونَ لَهُ، وَيَعْكُفُونَ عِنْدَهُ، وَيُدِيرُونَ [٣] بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِيدًا لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا، فَخَلَصَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ نَجِيًّا [٤]، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَصَادَقُوا وَلْيَكْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالُوا: أَجَلْ. وَهُمْ: وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ،
----------------------------
[١] قَالَ السهيليّ عِنْد الْكَلَام على هَذَا الحَدِيث: «إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مَقْطُوع. وَفِيه رجل مَجْهُول، وَيُقَال إِن الرجل هُوَ الْحسن بن عمَارَة، وَهُوَ ضَعِيف بِإِجْمَاع مِنْهُم فان صَحَّ الحَدِيث فَلَا نَكَارَة فِي مَتنه» .
ثمَّ تصدى السهيليّ لتأييده على فرض صِحَّته نَاقِلا عَن الطَّبَرِيّ فِي كَلَام طَوِيل رَأينَا أَن نجتزئ هُنَا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «أَمر النَّفر الْأَرْبَعَة المتفرقين فِي عبَادَة الْأَوْثَان فِي طلب الْأَدْيَان» .
[٣] فِي أ: «يدورون» . وهما بِمَعْنى.
[٤] النجي: الْجَمَاعَة يتحدثون سرا عَن غَيرهم، وَيَقَع للاثنين وَالْجَمَاعَة بِلَفْظ وَاحِد.
وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ ابْن دُودَانَ [١] بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُثْمَانِ ابْن الْحُوَيْرِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَزَيْدِ [٢] بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ ابْن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ [٣] بْنِ رَزَاحِ [٤] بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ ابْن لُؤَيٍّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَلَّمُوا وَاَللَّهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ! لَقَدْ أَخْطَئُوا دِينَ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ! مَا حَجَرٌ نُطِيفُ بِهِ، لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، يَا قَوْمِ الْتَمِسُوا لِأَنْفُسِكُمْ (دِينًا) [٥]، فَإِنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ. فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ يَلْتَمِسُونَ الْحَنِيفِيَّةَ، دِينَ إبْرَاهِيمَ.
(مَا وَصَلَ إلَيْهِ وَرَقَةُ وَابْنُ جَحْشٍ):
فَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَاسْتَحْكَمَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَاتَّبَعَ الْكُتُبَ مِنْ أَهْلِهَا، حَتَّى عَلِمَ عِلْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، فَأَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً، فَلَمَّا قَدِمَهَا تَنَصَّرَ، وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ، حَتَّى هَلَكَ هُنَالِكَ نَصْرَانِيًّا.
(مَا كَانَ يَفْعَلُهُ ابْنُ جَحْشٍ بَعْدَ تَنَصُّرِهِ بِمُسْلِمِي الْحَبَشَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ ابْن جَحْشٍ حِينَ تَنَصَّرَ يَمُرُّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَيَقُولُ: فَقَّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ، أَيْ أَبْصَرْنَا وَأَنْتَمِ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ،
------------------------------
[١] كَذَا فِي أوالقاموس وَشَرحه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «داودان» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] وَأم زيد: الحيداء بنت خَالِد الفهمية، وَهِي امْرَأَة جده نفَيْل، ولدت لَهُ الْخطاب، فَهُوَ أَخُو الْخطاب لأمه وَابْن أُخْته، وَكَانَ ذَلِك مُبَاحا فِي الْجَاهِلِيَّة. (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] الْمَعْرُوف فِي نسب عمر بن الْخطاب، وَهُوَ ابْن عَم زيد بن عَمْرو، أَنه: عمر بن الْخطاب بن نفَيْل بن ريَاح بن عبد الله بن قرط بن رزاح، بِتَقْدِيم «ريَاح» على «عبد الله» . (رَاجع الرَّوْض الْأنف)
[٤] رزاح: بِفَتْح الرَّاء. وَقيل بِكَسْرِهَا، وَقيل: إِن الّذي بِالْكَسْرِ هُوَ رزاح بن ربيعَة، أَخُو قصي لأمه. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٥] زِيَادَة عَن أ.
وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ. وَذَلِكَ أَنَّ وَلَدَ الْكَلْبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ، صَأْصَأَ لِيَنْظُرَ. وَقَوْلُهُ: فَقَّحَ: فَتَّحَ عَيْنَيْهِ.
(زَوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ امْرَأَةِ ابْنِ جَحْشٍ بَعْدَ مَوْتِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ فِيهَا إلَى النَّجَاشِيِّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ، فَخَطَبَهَا عَلَيْهِ النَّجَاشِيُّ، فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا، وَأَصْدَقَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ ماِئَةِ دِينَارٍ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَا نَرَى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَقَفَ صَدَاقَ النِّسَاءِ عَلَى أَرْبَعِ ماِئَةِ دِينَارٍ إلَّا عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَ الَّذِي أَمْلَكَهَا النَّبِيَّ [١] ﷺ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ ابْن الْعَاصِ.
(تَنَصُّرُ ابْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَذَهَابُهُ إلَى قَيْصَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَقَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرّوم، فتنصّر وحسلت مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِعُثْمَانَ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عِنْدَ قَيْصَرَ حَدِيثٌ، مَنَعَنِي مِنْ ذِكْرِهِ مَا ذَكَرْتُ فِي حَدِيثِ حَرْبِ الْفِجَارِ
[٢] .
(زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو وَمَا وَصَلَ إلَيْهِ، وَشَيْءٌ عَنْهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَوَقَفَ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ، وَفَارَقَ دِينَ قَوْمِهِ، فَاعْتَزَلَ الْأَوْثَانَ وَالْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَالذَّبَائِحَ الَّتِي
-----------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «للنّبيّ» . وَالْمَعْرُوف أَن: «أملك» . تتعدى إِلَى مفعولين.
[٢] وَهَذَا الحَدِيث هُوَ أَن قَيْصر كَانَ قد توج عُثْمَان وولاه أَمر مَكَّة، فَلَمَّا جَاءَهُم بذلك أنفوا من أَن يدينوا لملك، وَصَاح الْأسود بن أَسد بن عبد الْعُزَّى: أَلا إِن مَكَّة حَيّ لقاح لَا تدين لملك، فَلم يتم لَهُ مُرَاده، وَقيل غير هَذَا.
وَكَانَ يُقَال لعُثْمَان هَذَا: البطريق، وَلَا عقب لَهُ، وَمَات بِالشَّام مسموما، سمه عَمْرو بن جَفْنَة الغساني الْملك. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
تُذْبَحُ عَلَى الْأَوْثَانِ [١] وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْمَوْءُودَةِ [٢]، وَقَالَ: أَعْبُدُ رَبَّ إبْرَاهِيمَ، وَبَادَى قَوْمَهُ بِعَيْبِ مَا هُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ أَسَمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ شَيْخًا كَبِيرًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَلَّذِي نَفْسُ زَيْدِ ابْن عَمْرٍو بِيَدِهِ، مَا أَصْبَحَ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ غَيْرِي، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهمّ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَيَّ الْوُجُوهِ أَحَبُّ إلَيْكَ عَبَدَتْكَ بِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُهُ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى رَاحَتِهِ.
-----------------------------
[١] قَالَ السهيليّ بعد مَا تعرض للْكَلَام على ترك زيد لما ذبح على النصب: «وَفِيه سُؤال، يُقَال: كَيفَ وفْق الله زيدا إِلَى ترك أكل مَا ذبح على النصب، وَمَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ، وَرَسُول الله ﷺ كَانَ أولى بِهَذِهِ الْفَضِيلَة فِي الْجَاهِلِيَّة؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث حِين لقِيه ببلدح (يُشِير إِلَى لِقَاء رَسُول الله ﷺ ببلدح قبل أَن ينزل الْوَحْي، فَقدمت إِلَى النَّبِي ﷺ سفرة، فَأبى زيد أَن يَأْكُل مِنْهَا، وَقَالَ: إِنِّي لست آكل مَا يذبح على النصب، وَلَا آكل إِلَّا مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ)، فَقدمت إِلَيْهِ السفرة أَن رَسُول الله ﷺ أكل مِنْهَا، وَإِنَّمَا فِي الحَدِيث أَن زيدا قَالَ حِين قدمت السفرة: لَا آكل مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ.
الْجَواب الثَّانِي: أَن زيدا إِنَّمَا فعل ذَلِك بِرَأْي رَآهُ، لَا بشرع مُتَقَدم، وَإِنَّمَا تقدم شرع إِبْرَاهِيم بِتَحْرِيم الْميتَة، لَا بِتَحْرِيم مَا ذبح لغير الله وَإِنَّمَا نزل تَحْرِيم ذَلِك فِي الْإِسْلَام. وَبَعض الْأُصُولِيِّينَ يَقُول: الْأَشْيَاء قبل وُرُود الشَّرْع على الْإِبَاحَة، فَإِن قُلْنَا بِهَذَا، وَقُلْنَا: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْكُل مِمَّا ذبح على النصب، فَإِنَّمَا فعل أمرا مُبَاحا، وَإِن كَانَ لَا يَأْكُل مِنْهُ فَلَا إِشْكَال. وَإِن قُلْنَا أَيْضا: إِنَّهَا لَيست على الْإِبَاحَة، وَلَا على التَّحْرِيم، وَهُوَ الصَّحِيح، فالذبائح خَاصَّة لَهَا أصل فِي تَحْلِيل الشَّرْع الْمُتَقَدّم كالشاة وَالْبَعِير، وَنَحْو ذَلِك، مِمَّا أحله الله تَعَالَى فِي دين من كَانَ قبلنَا، وَلم يقْدَح فِي ذَلِك التَّحْلِيل الْمُتَقَدّم مَا ابتدعوه حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام، وَأنزل الله سُبْحَانَهُ: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ ٦: ١٢١.
أَلا ترى كَيفَ بقيت ذَبَائِح أهل الْكتاب عندنَا على أصل التَّحْلِيل بِالشَّرْعِ الْمُتَقَدّم وَلم يقْدَح فِي ذَلِك التَّحْلِيل مَا أحدثوه من الْكفْر وَعبادَة الصلبان، فَكَذَلِك كَانَ مَا ذبحه أهل الْأَوْثَان محلا بِالشَّرْعِ الْمُتَقَدّم، حَتَّى خصّه الْقُرْآن بِالتَّحْرِيمِ.
[٢] وَكَانَ زيد- فِيمَا يُقَال- يَقُول للرجل إِذا أَرَادَ أَن يقتل ابْنَته: لَا تقتلها، أكفيك مئونتها، فيأخذها، فَإِذا ترعرعت قَالَ لأَبِيهَا: إِن شِئْت دفعتها إِلَيْك، وَإِن شِئْت كفيتك مئونتها.
وَقد كَانَ صعصعة بن مُعَاوِيَة جد الفرزدق رحمه الله يفعل مثل ذَلِك، وَلما أسلم سَأَلَ رَسُول الله ﷺ: هَل لي فِي ذَلِك أجر؟ فَقَالَ: لَك من أجره إِذْ من الله عَلَيْك بِالْإِسْلَامِ. وَفِي الْفَخر بِمُعَاوِيَة يَقُول الفرزدق:
وَمنا الّذي منع الوائدات ... وَأَحْيَا الوئيد فَلم يوأد
١٥- سيرة ابْن هِشَام- ١
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّ ابْنَهُ، سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، قَالَا لرَسُول الله ﷺ: أنستغفر [١] لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ.
(شِعْرُ زَيْدٍ فِي فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ):
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ، وَمَا كَانَ لَقِيَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ:
أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ ... أَدِينُ إذَا تُقُسِّمَتْ الْأُمُورُ
عَزَلْتُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [٢] جَمِيعًا ... كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصَّبُورُ
فَلَا الْعُزَّى أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا ... وَلَا صَنَمَيْ بَنِي عَمْرٍو أَزُورُ [٣]
وَلَا هُبَلًا أَدِينُ وَكَانَ رَبًّا [٤] ... لَنَا فِي الدَّهْرِ إذْ حِلْمِي يَسِيرُ
عَجِبْتُ وَفِي اللَّيَالِي مُعْجَبَاتٌ ... وَفِي الْأَيَّامِ يَعْرِفُهَا الْبَصِيرُ
بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْنَى رِجَالًا ... كَثِيرًا كَانَ شَأْنَهُمْ الْفُجُورُ [٥]
وَأَبْقَى آخَرِينَ بِبِرِّ قَوْمٍ ... فَيَرْبِلُ مِنْهُمْ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ [٦]
-----------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أسْتَغْفر» .
[٢] وَكَانَت الْعُزَّى نخلات مجتمعة، وَكَانَ عَمْرو بن لحي قد أخْبرهُم، فِيمَا ذكر، أَن الرب يشتى بِالطَّائِف عِنْد اللات، ويصيف بالعزى، فعظموها وَبَنُو لَهَا بَيْتا، وَكَانُوا يهْدُونَ لَهَا كَمَا يهْدُونَ إِلَى الْكَعْبَة، وَهِي الَّتِي بعث رَسُول الله ﷺ خَالِد بن الْوَلِيد ليهدمها، فَقَالَ لَهُ سادنها: يَا خَالِد احذرها فإنّها تجذع وتكتع، فَهَدمهَا خَالِد، وَترك مِنْهَا جذمها وأساسها، فَقَالَ قيمها: وَالله لتعودن ولتنتقمن مِمَّن فعل بهَا هَذَا، ثمَّ كَانَ أَن أَمر رَسُول الله ﷺ خَالِدا باستئصال بقيتها، فَفعل.
[٣] كَذَا فِي الْأُصُول: يُرِيد قبيل أَبِيه. وَفِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ (ص ٢٢)، وبلوغ الأرب (ج ٢ ص ٢٢٠): «بنى غنم» .
[٤] كَذَا فِي كتاب الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، وهبل (كصرد): صنم لَهُم. وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ، وَفِي جَمِيع الْأُصُول: «وَلَا غنما» . وَلم نجد بَين أصنام الْعَرَب صنما لَهُ هَذَا الِاسْم.
[٥] رِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الأغاني:
ألم تعلم بِأَن الله أفنى ... رجَالًا كَانَ شَأْنهمْ الْفُجُور
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول وبلوغ الأرب. وربل الطِّفْل يربل (من بَابي نصر وَضرب): إِذا شب وَعظم وَكبر. وَفِي الأغاني: «فيربو» .
وَبَيْنَا الْمَرْءُ يَفْتَرُّ [١] ثَابَ [٢] يَوْمًا ... كَمَا يُتَرَوَّحُ الْغُصْنُ الْمَطِيرُ [٣]
وَلَكِنْ أَعْبُدُ الرَّحْمَنَ رَبِّي ... لِيَغْفِرَ ذَنْبِي الرَّبُّ الْغَفُورُ
فَتَقْوَى الله ربّكم احفظ هَا ... مَتَى مَا تَحْفَظُوهَا لَا تَبُورُوا
تَرَى الْأَبْرَارَ دَارُهُمْ جِنَانٌ ... وَلِلْكَفَّارِ حَامِيَةً سَعِيرُ
وَخِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ يَمُوتُوا ... يُلَاقُوا مَا تَضِيقُ بِهِ الصُّدُورُ
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلٍ أَيْضًا- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، إلَّا الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَالْبَيْتَ الْخَامِسَ وَآخِرَهَا بَيْتًا. وَعَجُزُ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ-:
إلَى اللَّهِ أُهْدِي مِدْحَتِي وَثَنَائِيَا ... وَقَوْلًا رَصِينًا [٤] لَا يَنِي الدَّهْرَ بَاقِيَا [٥]
إلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقه ... إِلَه وَلَا رَبٌّ يَكُونُ مُدَانِيَا
أَلَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إيَّاكَ وَالرَّدَى [٦] ... فَإِنَّكَ لَا تُخْفِي مِنْ اللَّهِ خَافِيَا
وَإِيَّاكَ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ... فَإِنَّ سَبِيلَ الرُّشْدِ أَصْبَحَ بَادِيَا
حَنَانَيْكَ [٧] إنَّ الْحِنَّ [٨] كَانَتْ رجاءهم ... وَأَنت إلهي رَبَّنَا وَرَجَائِيَا
----------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والأغاني وبلوغ الأرب. وَفِي أ: «يفتر» . وفتر الشَّيْء يفتر (من بَابي نصر وَضرب): سكن بعد حِدته، ولان بعد شدته وَضعف.
[٢] ثاب: رَجَعَ.
[٣] يتروح: يَهْتَز ويخضر، وينبت ورقه بعد سُقُوطه.
[٤] كَذَا فِي أ. والرصين: الثَّابِت الْمُحكم. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وقولا رَضِينَا» .
[٥] لَا ينى: لَا يفتر وَلَا يضعف.
[٦] الردى: الْهَلَاك وَالْمَوْت، وَلَيْسَ المُرَاد تحذيره الْمَوْت، وَإِنَّمَا المُرَاد تحذيره مَا يأتى بِهِ الْمَوْت ويبديه ويكشفه من جَزَاء الْأَعْمَال.
[٧] حنانيك: أَي حنانا بعد حنان، كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى التَّضْعِيف والتكرار، لَا إِلَى الْقصر على اثْنَيْنِ خَاصَّة دون مزِيد، وَيجوز أَن يكون المُرَاد: حنانا فِي الدُّنْيَا وَحَنَانًا فِي الْآخِرَة، وَإِذا خُوطِبَ بِهَذَا اللَّفْظ مَخْلُوق، كَقَوْل طرفَة:
حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض
فَإِنَّمَا يُرِيد حنان دفع، وحنان نفع، لِأَن كل من أمل ملكا، فَإِنَّمَا يؤمله ليدفع عَنهُ ضيرا أَو ليجلب إِلَيْهِ خيرا.
[٨] قَوْله: إِن الحن. قَالَ فِي الْقَامُوس: «والحن (بِالْكَسْرِ): حَيّ من الْجِنّ، مِنْهُم الْكلاب السود البهم، أَو سفلَة الْجِنّ وضعفاؤهم، أَو كلابهم، أَو خلق بَين الْجِنّ وَالْإِنْس» انْتهى.
رَضِيتُ بِكَ اللَّهمّ رَبًّا فَلَنْ أرى ... أدين إِلَهًا [١] غَيْرَكَ اللَّهُ [٢] ثَانِيَا
(أَدِينُ لِرَبٍّ يُسْتَجَابُ وَلَا أَرَى ... أَدِينُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ الدَّهْرَ دَاعِيَا) [٣]
وَأَنْتَ الَّذِي مِنْ فَضْلِ مَنٍّ وَرَحْمَةٍ ... بَعَثْتَ إلَى مُوسَى رَسُولًا مُنَادِيَا
فَقُلْتُ لَهُ يَا اذْهَبْ [٤] وَهَارُونَ [٥] فَادْعُوَا ... إلَى اللَّهِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كَانَ طَاغِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ [٦] ... بِلَا وَتَدٍ حَتَّى اطْمَأَنَّتْ كَمَا هِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ رَفَّعْتَ هَذِهِ [٧] ... بِلَا عُمُدٍ أَرْفِقْ إذَا بِكَ بَانِيَا [٨]
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ سَوَّيْتَ وَسْطَهَا ... مُنِيرًا إذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ هَادِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُرْسِلُ الشَّمْسَ غُدْوَةً ... فَيُصْبِحُ مَا مَسَّتْ مِنْ الْأَرْضِ ضَاحِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُنْبِتُ الْحَبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصْبِحُ مِنْهُ الْبَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا [٩]
وَيُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ فِي رُءُوسِهِ ... وَفِي ذَاكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا
وَأَنْتَ بِفَضْلٍ مِنْكَ نَجَّيْتَ يُونُسَا ... وَقَدْ بَاتَ فِي أَضْعَافِ حُوتٍ لَيَالِيَا
وَإِنِّي [١٠] (وَ) [١١] لَوْ سَبَّحْتُ بِاسْمِكَ رَبَّنَا ... لَأُكْثِرُ، إلَّا مَا غَفَرْتَ، خَطَائِيَا [١٢]
------------------------------
[١] أدين إِلَهًا: أَي أدين لإله، وَحذف اللَّام وعدي الْفِعْل، لِأَنَّهُ فِي معنى: أعبد إِلَهًا.
[٢] يُرِيد: يَا الله.
[٣] زِيَادَة عَن الأغاني.
[٤] يَا اذْهَبْ: على حذف الْمُنَادِي. كَأَنَّهُ قَالَ: أَلا يَا هَذَا اذْهَبْ، كَمَا قرئَ: «أَلا يَا اسجدوا» يُرِيد: يَا قوم اسجدوا، وكما قَالَ غيلَان ذُو الرمة:
أَلا يَا أسلمي يَا دَار مي على البلى
[٥] يَصح عطف «هَارُون» على الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الْفِعْل «اذْهَبْ» مَعَ عدم توكيده بضمير فصل وَهُوَ قَبِيح. والجيد نصب هَارُون على الْمَفْعُول مَعَه.
[٦] يُرِيد الأَرْض، وَأَشَارَ إِلَيْهَا للْعلم بهَا.
[٧] يُرِيد السَّمَاء.
[٨] أرْفق: فعل تعجب، وَعَلِيهِ فالباء فِي «بك» زَائِدَة. وَهِي فِي مَحل رفع فَاعل. وَيكون الْمَعْنى:
رفقت.
[٩] رابيا: ظَاهرا على وَجه الأَرْض.
[١٠] ويروى: «وَإِنِّي إِن ... إِلَخ» .
[١١] زِيَادَة عَن أ.
[١٢] يُرِيد: إِنِّي لأكْثر من هَذَا الدُّعَاء الّذي هُوَ: بِاسْمِك رَبنَا إِلَّا مَا غفرت، وَمَا بعد إِلَّا زَائِدَة، وَلَو سبحت: اعْتِرَاض بَين اسْم إِن وخبرها. وَالتَّسْبِيح (هُنَا): الصَّلَاة: أَي لَا. أعْتَمد وَإِن صليت إِلَّا على دعائك واستغفارك من خطاياي.
فَرَبَّ الْعِبَادِ أَلْقِ سَيْبًا وَرَحْمَةً [١] ... عَلَيَّ وَبَارِكْ فِي بَنِيَّ وَمَالِيَا
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو يُعَاتِبُ امْرَأَتَهُ صَفِيَّةَ بِنْتَ الْحَضْرَمِيِّ-
(نَسَبُ الْحَضْرَمِيِّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ الْحَضْرَمِيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمَادِ [٢] (بْنِ أَكْبَرَ) [٣] أَحَدُ الصَّدِفِ، وَاسْمُ الصَّدِفِ: عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ أَحَدُ السَّكُونِ بْنِ أَشْرَسَ بْنِ كِنْدَى، وَيُقَالُ: كِنْدَةُ بْنُ ثَوْرِ بْنِ مُرَتِّعِ بْنِ عُفَيْرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ أَدَدَ ابْن زَيْدِ بْنِ مِهْسَعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: مُرَتِّعُ ابْن مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ.
(شِعْرُ زَيْدٍ فِي عِتَابَ زَوْجَتِهِ عَلَى اتِّفَاقِهَا مَعَ الْخَطَّابِ فِي مُعَاكَسَتِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ أَجْمَعَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لِيَضْرِبَ فِي الْأَرْضِ يَطْلُبُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إبْرَاهِيمَ ﷺ، فَكَانَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيِّ كَلَّمَا رَأَتْهُ قَدْ تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ وَأَرَادَهُ آذَنَتْ بِهِ الْخَطَّابَ بْنَ نُفَيْلٍ، وَكَانَ الْخَطَّابُ ابْن نُفَيْلٍ عَمَّهُ [٤] وَأَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَكَانَ يُعَاتِبُهُ عَلَى فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ، وَكَانَ الْخَطَّابُ قَدْ وَكَّلَ صَفِيَّةَ بِهِ، وَقَالَ: إذَا رَأَيْتِيهِ قَدْ هَمَّ بِأَمْرٍ فَآذِنِينِي بِهِ- فَقَالَ زَيْدٌ:
لَا تحبسينى فِي الهوان ... صَفِيُّ مَا دَابِي وَدَابُهُ [٥]
إنِّي إِذا خفت الهوان ... مُشَيَّعٌ ذُلُلَ رِكَابِهِ [٦]
دعموص [٧] أَبْوَاب الْمُلُوك ... وَجَائِبٌ لِلْخِرَقِ نَابَهُ [٨]
-------------------------------
[١] السيب: الْعَطاء.
[٢] فِي الْأُصُول: «عباد» . والتصويب عَن شرح السِّيرَة وَالرَّوْض والاستيعاب.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] وَذَلِكَ أَن أم زيد، وَهِي جيداء بنت خَالِد بن جَابر بن أَبى حبيب بن فهم، كَانَت عِنْد نفَيْل بن عبد الْعُزَّى، فَولدت لَهُ الْخطاب، أَبَا عمر بن الْخطاب، ثمَّ مَاتَ عَنْهَا نفَيْل، فَتَزَوجهَا ابْنه عَمْرو، فَولدت لَهُ زيدا، وَكَانَ هَذَا نِكَاحا ينكحه أهل الْجَاهِلِيَّة. (رَاجع الأغاني ج ٣ ص ١٣٣ طبع دَار الْكتب) .
[٥] الدأب: الْعَادة. وسهلت همزته للقافية.
[٦] المشيع: الجريء الشجاع. والذلل: السهلة قد ارتاضت.
[٧] الدعموص: دويبة تغوص فِي المَاء مرّة بعد مرّة، يشبه بهَا الرجل الّذي يكثر الولوج فِي الْأَشْيَاء يُرِيد: وَلَا جافى أَبْوَاب الْمُلُوك، وَأَنه يكثر الدُّخُول عَلَيْهِم.
[٨] جائب: قَاطع، والخرق: الفلاة الواسعة.
قطّاع أَسبَاب تذلّ ... بِغَيْرِ أَقْرَانٍ صِعَابُهْ [١]
وَإِنَّمَا أَخذ الهوان ... الْعِيرَ إذْ يُوهَى إهَابُهْ [٢]
وَيَقُولُ إنِّي لَا أَذِّلُ ... بِصَكِّ جَنْبَيْهِ صِلَابُهْ [٣]
وَأَخِي ابْنُ أمّى ثمَّ ... عمي لَا يُوَاتِينِي خِطَابُهُ [٤]
وَإِذَا يُعَاتِبُنِي بِسُوء ... قُلْتُ أَعْيَانِي جَوَابُهُ
وَلَوْ أَشَاءَ لَقُلْتُ مَا ... عِنْدِي مَفَاتِحُهُ وَبَابُهُ
[٥]
(شِعْرُ زَيْدٍ حِينَ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثَتْ (عَنْ) [٦] بَعْضِ أَهْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أَنَّ زَيْدًا كَانَ إذَا اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا.
عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمْ ... مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَهُوَ قَائِمُ
إذْ قَالَ:
أَنْفِي لَكَ اللَّهمّ عَانٍ رَاغِمُ ... مَهْمَا تُجَشِّمُنِي فَإِنِّي جَاشِمُ
[٧] الْبِرَّ أَبْغِي لَا الْخَالَ [٨]، لَيْسَ مُهَجِّرٌ كَمَنْ [٩] قَالَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْبِرُّ أَبْقَى لَا الْخَالُ، لَيْسَ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ. قَالَ وَقَوْلُهُ «مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ» عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلٍ:
-----------------------------
[١] الأقران: جمع قرن، وَهُوَ الْحَبل.
[٢] يوهى: يشق. وإهاب: جلد. وَفِي الْبَيْت خرم.
[٣] أَي يَقُول العير ذَلِك بصك جَنْبَيْهِ، أَي صلاب مَا يوضع عَلَيْهِ. وأضافها إِلَى العير لِأَنَّهَا عبؤه وَحمله.
[٤] لَا يواتينى: لَا يوافقني.
[٥] فِي الْبَيْت خرم.
[٦] زِيَادَة عَن أ. وَفِي السبرة على هَامِش الرَّوْض الْأنف وَحدث بعض.
[٧] العاني: الْأَسير. وتجشمنى: تكلفني.
[٨] الْخَال: الْخُيَلَاء وَالْكبر.
[٩] المهجر: الّذي يسير فِي الهاجرة: أَي القائلة، وَقَالَ يقيل: إِذا نَام فِي القائلة: أَي لَيْسَ من هجر كمن آثر الرَّاحَة فِي القائلة وَالنَّوْم.
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا
دَحَاهَا [١] فَلَمَّا رَآهَا اسْتَوَتْ ... عَلَى الْمَاءِ أَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا [٢]
إذَا هِيَ سِيقَتْ إلَى بَلْدَةٍ ... أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالًا
[٣]
(الْخَطَّابُ وَوُقُوفُهُ فِي سَبِيلِ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، وَخُرُوجُ زَيْدٍ إلَى الشَّامِ وَمَوْتُهُ):
وَكَانَ الْخَطَّابُ قَدْ آذَى زَيْدًا، حَتَّى أَخْرَجَهُ إلَى أَعَلَى مَكَّةَ، فَنَزَلَ حِرَاءَ [٤] مُقَابِلَ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِهِ الْخَطَّابُ شَبَابًا مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ وَسُفَهَاءَ مِنْ سُفَهَائِهَا، فَقَالَ لَهُمْ:
لَا تَتْرُكُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا سِرًّا مِنْهُمْ، فَإِذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ آذَنُوا بِهِ الْخَطَّابَ فَأَخْرَجُوهُ وَآذَوْهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَأَنْ يُتَابِعَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى فِرَاقِهِ. فَقَالَ وَهُوَ يُعَظِّمُ حُرْمَتَهُ عَلَى مَنْ اسْتَحَلَّ مِنْهُ مَا اسْتَحَلَّ مِنْ قَوْمِهِ:
لَا هَمَّ إنِّي مُحْرِمٌ لَا حِلَّهْ [٥] ... وَإِنَّ بَيْتِي أَوْسَطَ الْمَحِلَّهْ
عِنْدَ الصَّفَا لَيْسَ بِذِي مُضِلَّهُ
ثُمَّ خَرَجَ يَطْلُبُ دِينَ إبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَيَسْأَلُ الرُّهْبَانَ وَالْأَحْبَارَ، حَتَّى بَلَغَ الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ كُلَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ فَجَالَ الشَّامَ كُلَّهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى رَاهِبٍ بِمَيْفَعَةٍ [٦] مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ [٧] كَانَ يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، فَسَأَلَهُ عَنْ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: إنَّكَ لَتَطْلُبُ دِينًا مَا أَنْتَ بِوَاجِدٍ مَنْ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِكَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا، يُبْعَثُ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ، فَالْحَقُّ بِهَا، فَإِنَّهُ مَبْعُوثٌ الْآنَ، هَذَا زَمَانُهُ. وَقَدْ كَانَ
------------------------------
[١] دحاها: بسطها. وأرسى: أثبت عَلَيْهَا وثقلها بهَا.
[٢] المزن: السَّحَاب، وَقيل الْأَبْيَض مِنْهَا.
[٣] السجال: جمع سجل، وَهِي الدَّلْو المملوءة مَاء، فاستعارها لِكَثْرَة الْمَطَر.
[٤] حراء (بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَالْمدّ): جبل بَينه وَبَين مَكَّة نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال، على الْيَسَار الذَّاهِب إِلَى منى.
[٥] محرم: سَاكن بِالْحرم. والحلة: أهل الْحل، يُقَال للْوَاحِد وَالْجمع: حلَّة.
[٦] الْمِيفَعَة بِفَتْح الْمِيم: الأَرْض المرتفعة.
[٧] البلقاء: كورة من أَعمال دمشق بَين الشَّام ووادي الْقرى قصبتها عمان وفيهَا قرى كَثِيرَة ومزارع وَاسِعَة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 12:40 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (26)
صــ 231إلى صــ 240
شَامَّ [١] الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، فَلَمْ يَرْضَ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَخَرَجَ سَرِيعًا، حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّاهِبُ مَا قَالَ، يُرِيدُ مَكَّةَ، حَتَّى إذَا تَوَسَّطَ بِلَادَ لَخْمٍ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.
فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسد يبكيه:
(رثاء ورقة لزيد):
رَشَدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَإِنَّمَا [٢] ... تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا مِنْ النَّارِ حَامِيَا
بِدِينِكَ رَبًّا لَيْسَ رَبٌّ كَمِثْلِهِ ... وَتَرْكُكَ أَوْثَانَ الطَّوَاغِي كَمَا هِيَا [٣]
وَإِدْرَاكُكَ الدِّينَ الَّذِي قَدْ طَلَبْتَهُ ... وَلَمْ تَكُ عَنْ تَوْحِيدِ رَبِّكَ سَاهِيَا
فَأَصْبَحْتَ فِي دَارٍ كَرِيمٍ مُقَامُهَا ... تُعَلَّلُ فِيهَا بِالْكَرَامَةِ لَاهِيَا
تُلَاقِي خَلِيلَ اللَّهِ فِيهَا وَلَمْ تَكُنْ ... مِنْ النَّاسِ جَبَّارًا إلَى النَّارِ هَاوَيَا
وَقَدْ تُدْرِكُ الْإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ ... وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ وَادِيَا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرْوَى لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الْبَيْتَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْهَا، وَآخِرُهَا بَيْتًا فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَقَوْلُهُ: «أَوْثَانِ الطَّوَاغِي» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
صِفَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْإِنْجِيلِ
(تَبْشِيرٌ يَحْنُسَ الْحَوَارِيِّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ، فِيمَا بَلَغَنِي عَمَّا كَانَ وَضَعَ عِيسَى بن مَرْيَمَ فِيمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ فِي الْإِنْجِيلِ لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِمَّا أَثَبَتَ يُحَنَّسُ الْحَوَارِيُّ لَهُمْ، حِينَ نَسَخَ لَهُمْ الْإِنْجِيلَ عَنْ عَهْدِ عِيسَى بن مَرْيَمَ عليه السلام[١] شام: استخبر، استعاره من الشم.
[٢] أَنْعَمت: أَي بالغت فِي الرشد.
[٣] الطواغي: جمع طاغية، وَهُوَ (هُنَا): مَا عبد من دون الله.
[٤] نصب «سبعين» على الْحَال، لِأَنَّهُ قد يكون صفة للنكرة، كَمَا قَالَ:
فَلَو كنت فِي جب ثَمَانِينَ قامة
وَمَا يكون صفة للنكرة يكون حَالا من الْمعرفَة وَهُوَ هُنَا حَال من «الْبعد»، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَو بَعدت تَحت الأَرْض سبعين، كَمَا تَقول: بعد طَويلا، أَي بعدا طَويلا، وَإِذا حذفت الْمصدر وأقمت الصّفة مقَامه لم تكن إِلَّا حَالا.
فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الرَّبَّ، وَلَوْلَا أَنِّي صَنَعْتُ بِحَضْرَتِهِمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أَحَدٌ قَبْلِي، مَا كَانَتْ لَهُمْ خَطِيئَةٌ، وَلَكِنْ مِنْ الْآنَ بَطِرُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَعِزُّونَنِي [١]، وَأَيْضًا لِلرَّبِّ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الَّتِي فِي النَّامُوسِ: أَنَّهُمْ أَبْغَضُونِي مَجَّانًا [٢]، أَيْ بَاطِلًا. فَلَوْ قَدْ جَاءَ الْمُنْحَمَنَّا هَذَا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْكُمْ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، (وَ) [٣] رُوحُ الْقُدُسِ [٤]، هَذَا الَّذِي مِنْ عِنْدَ الرَّبِّ خَرَجَ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيَّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا، لِأَنَّكُمْ قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي فِي هَذَا قُلْتُ لَكُمْ: لِكَيْمَا لَا تَشْكُوَا.
وَالْمُنْحَمَنَّا (بِالسُّرْيَانِيَّةِ) [٣]: مُحَمَّدٌ: وَهُوَ بِالرُّومِيَّةِ: الْبَرْقَلِيطِسُ، صلى الله عليه وآله وسلم.
مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٥]: فَلَمَّا بَلَغَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ [٦] اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا، وَكَانَ اللَّهُ تبارك وتعالى قَدْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ قَبْلَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ، فَأَدَّوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقِّ فِيهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ٣: ٨١، قَالَ:[١] يعزونني: يغلبوننى، يُقَال: عز الرجل الرجل: إِذا غَلبه.
[٢] وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحِكْمَة: يَا بن آدم، علم مجَّانا، كَمَا علمت مجَّانا: أَي بِلَا ثمن.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والقدس: التَّطْهِير. وَفِي أ: «الْقسْط» . والقسط: الْعدْل.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام، قَالَ حَدثنَا زِيَاد ابْن عبد الله البكائي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي قَالَ ... إِلَخ» .
[٦] وَيُقَال إِن بَعثه ﷺ كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ، ويستدلون على ذَلِك بقوله ﷺ لِبلَال: لَا يفتك صِيَام يَوْم الِاثْنَيْنِ، فإنّي قد ولدت فِيهِ، وَبعثت فِيهِ، وأموت فِيهِ. وَقيل غير ذَلِك (رَاجع شرح الْمَوَاهِب، وَالرَّوْض) .
أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ٣: ٨١: أَيْ ثِقَلَ مَا حَمَّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي قالُوا أَقْرَرْنا، قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ٣: ٨١. فَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ جَمِيعًا بِالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ لَهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، وَأَدَّوْا ذَلِكَ إلَى مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ.
(أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ النُّبُوَّةِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ، الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، لَا يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُؤْيَا فِي نُوُمِهِ إلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ. قَالَتْ: وَحَبَّبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ وَحْدَهُ.
(تَسْلِيمُ الْحِجَارَةِ وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ ابْن جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ وَاعِيَةً [١]، عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَهُ اللَّهُ بِكَرَامَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِالنُّبُوَّةِ، كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتَّى تَحَسَّرَ [٢] عَنْهُ الْبُيُوتُ وَيُفْضِي إلَى شِعَابِ [٣] مَكَّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إلَّا قَالَ:
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ [٤] . قَالَ: فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَوْلَهُ[١] وَاعِيَة: حَافِظًا، وَالتَّاء فِيهِ للْمُبَالَغَة.
[٢] تحسر عَنهُ الْبيُوت: تبعد عَنهُ ويتخلى عَنْهَا.
[٣] الشعاب: الْمَوَاضِع الْخفية بَين الْجبَال.
[٤] قَالَ السهيليّ: «وَهَذَا التَّسْلِيم الْأَظْهر فِيهِ أَن يكون حَقِيقَة، وَأَن يكون الله أنطقه إنطاقا كَمَا خلق الحنين فِي الْجذع، وَلَكِن لَيْسَ من شَرط الْكَلَام الّذي هُوَ صَوت وحرف، الْحَيَاة وَالْعلم والإرادة، لِأَنَّهُ صَوت كَسَائِر الْأَصْوَات، وَالصَّوْت عرض فِي قَول الْأَكْثَرين، وَلم يُخَالف فِيهِ إِلَّا النظام، فَإِنَّهُ زعم أَنه جسم، وَجعله الْأَشْعَرِيّ اصطكاكا فِي الْجَوَاهِر بَعْضهَا لبَعض. وَقَالَ أَبُو بكر: لَيْسَ الصَّوْت نفس الاصطكاك، وَلكنه معنى زَائِد عَلَيْهِ..» إِلَى أَن قَالَ: وَلَو قدرت الْكَلَام صفة قَائِمَة بِنَفس الْحجر وَالشَّجر وَالصَّوْت عبارَة عَنهُ، لم يكن بُد من اشْتِرَاط الْحَيَاة وَالْعلم مَعَ الْكَلَام، وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ: أَكَانَ كلَاما مَقْرُونا بحياة وَعلم، فَيكون الْحجر بِهِ مُؤمنا، أَو كَانَ صَوتا مُجَردا غير مقترن بحياة، وَفِي
وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلْفِهِ، فَلَا يَرَى إلَّا الشَّجَرَ وَالْحِجَارَةَ. فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ، وَهُوَ بِحِرَاءٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
(ابْتِدَاءُ نُزُولِ جِبْرِيلَ عليه السلام):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ [١]، مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ. قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللَّيْثَيَّ: حَدِّثْنَا يَا عُبَيْدُ، كَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ النُّبُوَّةِ، حِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام؟ قَالَ: فَقَالَ: عُبَيْدٌ- وَأَنَا حَاضِرٌ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ ابْن الزُّبَيْرِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ النَّاسِ-: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ [٢] فِي حِرَاءٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَحَنَّثَ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّة. والتحنث التبرّر.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:
وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ ... وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ
(بَحْثٌ لُغَوِيٌّ لِابْنِ هِشَامٍ فِي مَعْنَى التَّحَنُّثِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ: التَّحَنُّثُ وَالتَّحَنُّفُ، يُرِيدُونَ الْحَنَفِيَّةَ فَيُبْدِلُونَ الْفَاءَ [٣] مِنْ الثَّاءِ، كَمَا قَالُوا: جَدَثَ، وَجَدَفَ، يُرِيدُونَ الْقَبْرَ. قَالَ رُؤْبَةُ ابْن الْعَجَّاجِ:[()] كلا الْوَجْهَيْنِ هُوَ علم من أَعْلَام النُّبُوَّة ... وَقد يحْتَمل تَسْلِيم الْحِجَارَة أَن يكون مُضَافا فِي الْحَقِيقَة إِلَى مَلَائِكَة يسكنون تِلْكَ الْأَمَاكِن ويعمرونها، فَيكون مجَازًا من بَاب قَوْله تَعَالَى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ١٢: ٨٢.
[١] هُوَ وهب بن كيسَان الْقرشِي مولى آل الزبير أَبُو نعيم الْمدنِي الْمعلم المكيّ. روى عَن أَسمَاء بنت أَبى بكر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير وَغَيرهم. وَعنهُ هِشَام بن عُرْوَة وَأَيوب وَعبد الله بن عمر وَغَيرهم. توفى سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، وَقيل سنة تسع (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
[٢] يجاور: يعْتَكف.
[٣] وَفِي الرَّد على ابْن هِشَام. قَالَ أَبُو ذَر: «... والجيد فِيهِ أَن يكون فِيهِ التحنث هُوَ الْخُرُوج من الْحِنْث: أَي الْإِثْم، كَمَا يكون التأثم، الْخُرُوج عَن الْإِثْم، لِأَن تفعل قد تسْتَعْمل فِي الْخُرُوج من الشَّيْء، وَفِي الانسلاخ عَنهُ، وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْإِبْدَال الّذي ذكره ابْن هِشَام» .
لَوْ كَانَ أَحْجَارِي مَعَ الْأَجْدَافِ [١]
يُرِيدُ: الْأَجْدَاثَ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَبَيْتُ أَبِي طَالِبٍ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فَمَّ، فِي مَوْضِعِ ثُمَّ، يُبْدِلُونَ الْفَاءَ مِنْ الثَّاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: قَالَ عُبَيْدٌ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ ذَلِكَ الشَّهْرَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، يُطْعِمُ مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِوَارَهُ مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ، كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ، إذَا انْصَرَفَ مِنْ جِوَارِهِ، الْكَعْبَةَ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَيَطُوفُ بِهَا سَبْعًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ، حَتَّى إذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، مِنْ السّنة الَّتِي بَعثه اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَذَلِكَ الشَّهْرُ (شَهْرُ) [٢] رَمَضَانَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى حِرَاءٍ، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ، حَتَّى إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ، وَرَحِمَ الْعِبَادَ بِهَا، جَاءَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ، وَأَنَا نَائِمٌ، بِنَمَطٍ [٣] مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ [٤]، فَقَالَ اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَقْرَأُ [٥]؟ قَالَ: فَغَتَّنِي [٦] بِهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَغَتَّنِي بِهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: مَاذَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَغَتَّنِي بِهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ[١] فِي هَذَا الشّعْر شَاهد ورد على ابْن جنى حَيْثُ زعم أَن «جدف» بِالْفَاءِ لَا يجمع على أجداف (رَاجع الرَّوْض وَانْظُر ديوَان رؤبة طبعة ليبسج ص ١٠٠ وَفِيه أَحْجَار) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] النمط: وعَاء كالسفط.
[٤] قَالَ بعض الْمُفَسّرين: فِي قَوْله تَعَالَى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ٢: ١- ٢ إِنَّهَا إِشَارَة إِلَى الْكتاب الّذي جَاءَ بِهِ جِبْرِيل حِين قَالَ لَهُ: اقْرَأ. (رَاجع الرَّوْض) .
[٥] كَذَا فِي الْأُصُول والطبري وَفِي شرح الْمَوَاهِب: «مَا أَنا بقارئ» . يُرِيد أَن حكمي كَسَائِر النَّاس من أَن حُصُول الْقِرَاءَة إِنَّمَا هُوَ بالتعلم، وَعدمهَا بِعَدَمِهِ.
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول والطبري. والغت: حبس النَّفس. وَفِي الْمَوَاهِب: «فغطني» . وَهِي بِمَعْنى غت.
الْمَوْتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي [١]، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَاذَا أَقْرَأُ؟ مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلَّا افْتِدَاءً مِنْهُ أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ مَا صَنَعَ بِي، فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.
عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ٩٦: ١- ٥. قَالَ: فَقَرَأْتهَا ثُمَّ انْتَهَى فَانْصَرَفَ عَنِّي وَهَبَبْتُ مِنْ [٢] نَوْمِي، فَكَأَنَّمَا كَتَبْتُ فِي قَلْبِي كِتَابًا. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إذَا كُنْتُ فِي وَسَطٍ مِنْ الْجَبَلِ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ، قَالَ:
فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلَى السَّمَاءِ أَنْظُرُ، فَإِذَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَا أَتَقَدَّمُ وَمَا أَتَأَخَّرُ، وَجَعَلْتُ أَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، قَالَ:
فَلَا أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إلَّا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ، فَمَا زِلْتُ وَاقِفًا مَا أَتَقَدَّمُ أَمَامِي وَمَا أَرْجِعُ وَرَائِي حَتَّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا أَعْلَى مَكَّةَ وَرَجَعُوا إلَيْهَا وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مَكَانِي ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي.
(رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى خَدِيجَةَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ جِبْرِيلَ مَعَهُ):
وَانْصَرَفْتُ رَاجِعًا إلَى أَهْلِي حَتَّى أَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَجَلَسْتُ إلَى فَخِذِهَا مُضِيفًا [٣] إلَيْهَا:
فَقَالَتْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَيْن كنت؟ فو الله لَقَدْ بَعَثَتْ رُسُلِي فِي طَلَبكَ حَتَّى بَلَغُوا مَكَّةَ[١] لَعَلَّ الْحِكْمَة فِي تَكْرِير: «اقْرَأْ ١٧: ١٤» الْإِشَارَة إِلَى انحصار الْإِيمَان الّذي ينشأ عَنهُ الْوَحْي بِسَبَبِهِ فِي ثَلَاث:
القَوْل، وَالْعَمَل، وَالنِّيَّة، وَأَن الْوَحْي يشْتَمل على ثَلَاث: التَّوْحِيد. وَالْأَحْكَام. والقصص. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٢] قَالَ السهيليّ: «قَالَ فِي الحَدِيث: فأتانى وَأَنا نَائِم، وَقَالَ فِي آخِره: فهببت من نومي، فَكَأَنَّمَا كتبت فِي قلبِي كتابا. وَلَيْسَ ذكر النّوم فِي حَدِيث عَائِشَة وَلَا غَيرهَا، بل فِي حَدِيث عُرْوَة مَا يدل ظَاهره على أَن نزُول جِبْرِيل حِين نزل بِسُورَة «اقْرَأ» كَانَ فِي الْيَقَظَة، لِأَنَّهَا قَالَت فِي أول الحَدِيث: أول مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول الله ﷺ الرُّؤْيَا الصادقة، كَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح، ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء ... إِلَى قَوْلهَا: حَتَّى جَاءَهُ الْحق، وَهُوَ بِغَار حراء، فَجَاءَهُ جِبْرِيل. فَذكرت فِي هَذَا الحَدِيث أَن الرُّؤْيَا كَانَت قبل نزُول جِبْرِيل على النَّبِي عليه الصلاة والسلام بِالْقُرْآنِ، وَقد يُمكن الْجمع بَين الْحَدِيثين بِأَن النَّبِي ﷺ جَاءَهُ جِبْرِيل فِي الْمَنَام قبل أَن يَأْتِيهِ فِي الْيَقَظَة، تَوْطِئَة وتيسيرا عَلَيْهِ، ورفقا بِهِ، لِأَن أَمر النُّبُوَّة عَظِيم، وعبئها ثقيل، والبشر ضَعِيف» .
[٣] مضيفا: ملتصقا، يُقَال: أضفت إِلَى الرجل، إِذا ملت نَحوه ولصقت بِهِ، وَمِنْه سمى الضَّيْف ضيفا.
وَرَجَعُوا لِي، ثُمَّ حَدَّثْتهَا بِاَلَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ يَا بن عمّ واثبت، فو الّذي نَفْسُ خَدِيجَةَ بِيَدِهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
(خَدِيجَةُ بَيْنَ يَدَيْ وَرَقَةَ تُحَدِّثُهُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
ثُمَّ قَامَتْ فَجَمَعَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ انْطَلَقَتْ إلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ وَرَقَةُ قَدْ تَنَصَّرَ وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ رَأَى وَسَمِعَ، فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ [١]، وَاَلَّذِي نَفْسُ وَرَقَةَ بِيَدِهِ، لَئِنْ كُنْتِ صَدَّقْتِينِي يَا خَدِيجَةُ لَقَدْ جَاءَهُ النَّامُوسُ [٢] الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَإِنَّهُ لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقُولِي لَهُ: فَلْيَثْبُتْ. فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِوَارَهُ وَانْصَرَفَ، صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ فَطَافَ بِهَا، فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ: يَا بن أَخِي أَخْبِرْنِي بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكَ لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَقَدْ جَاءَكَ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي جَاءَ مُوسَى وَلَتُكَذَّبَنَّهُ وَلَتُؤْذَيَنَّهُ وَلَتُخْرَجَنَّهُ وَلَتُقَاتَلَنَّهُ [٣]، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَأَنْصُرَنَّ اللَّهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ أَدْنَى رَأْسَهُ مِنْهُ، فَقَبَّلَ يَافُوخَهُ [٤]، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْزِلِهِ.
(امْتِحَانُ خَدِيجَةَ بُرْهَانَ الْوَحْيِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ [٥] مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ حُدِّثَ[١] قدوس قدوس: أَي طَاهِر طَاهِر، وَأَصله من التَّقْدِيس، وَهُوَ التَّطْهِير.
[٢] الناموس (فِي الأَصْل): صَاحب سر الرجل فِي خَيره وشره، فَعبر عَن الْملك الّذي جَاءَهُ بِالْوَحْي بِهِ.
[٣] الْهَاء فِي هَذِه الْأَفْعَال للسكت.
[٤] اليافوخ: وسط الرَّأْس.
[٥] هُوَ إِسْمَاعِيل بن أَبى حَكِيم الْقرشِي. روى عَن سعيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعبيدَة بن شعْبَان الحضرميّ وَغَيرهم، وَعنهُ مَالك وَابْن إِسْحَاق وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَأَبُو الْأسود وَغَيرهم. وَكَانَ عَاملا لعمر بن عبد الْعَزِيز. وَتوفى سنة ١٣٠. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
عَنْ خَدِيجَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيْ ابْنَ عَمِّ، أَتَسْتَطِيعُ أَنَّ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَكَ فَأَخْبِرْنِي بِهِ. فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَدِيجَةَ: يَا خَدِيجَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي، قَالَتْ: قُمْ يَا بن عَمِّ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى، قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَتُحَوَّلْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى، قَالَتْ: فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ عَلَى فَخِذِهَا الْيُمْنَى، فَقَالَتْ:
هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي، قَالَتْ: فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ فِي حِجْرِهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
فَتَحَسَّرَتْ وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ يَا بن عَمِّ، اثْبتْ وأبشر، فو الله إنَّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثْتُ عَبْدَ اللَّهِ [١] بْنَ حَسَنٍ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ أُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ تُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ خَدِيجَةَ، إلَّا أَنِّي سَمِعْتُهَا تَقُولُ: أَدْخَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا، فَذَهَبَ عِنْدَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَقَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذَا لَمَلَكٌ وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ.
ابْتِدَاءُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّنْزِيلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، بِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ٢: ١٨٥[١] هُوَ عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أَبى طَالب، وَأمه فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن أُخْت سكينَة، وَاسْمهَا آمِنَة، وسكينة لقب لَهَا، الَّتِي كَانَت ذَات دعابة ومزح. وَفِي سكينَة وَأمّهَا الربَاب يَقُول الْحُسَيْن ابْن على:
كَأَن اللَّيْل مَوْصُول بلَيْل ... إِذا زارت سكينَة والرباب
(أَي زارت قَومهَا، وهم بَنو عليم بن جناب بن كلب) وَعبد الله بن حسن هُوَ وَالِد الطالبيين القائمين على بنى الْعَبَّاس، وهم: مُحَمَّد وَيحيى وَإِدْرِيس. مَاتَ إِدْرِيس فِي إفريقية فَارًّا من الرشيد. (رَاجع الرَّوْض) .
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ٢: ١٨٥. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ٩٧: ١- ٥. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ٤٤: ١- ٥. وَقَالَ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ٨: ٤١. وَذَلِكَ مُلْتَقَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ تَتَامَّ الْوَحْيُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهُوَ مُؤْمِنٌ باللَّه مُصَّدِّقٌ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، قَدْ قَبِلَهُ بِقَبُولِهِ، وَتَحَمَّلَ مِنْهُ مَا حَمَلَهُ عَلَى رِضَا الْعِبَادِ وَسَخَطِهِمْ، وَالنُّبُوَّةُ أَثْقَالٌ وَمُؤْنَةٌ، لَا يَحْمِلُهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ بِهَا إلَّا أهل القوّة والعرم مِنْ الرُّسُلِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ، لَمَا يَلْقَوْنَ مِنْ النَّاسِ وَمَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مِمَّا جَاءُوا بِهِ عَنْ اللَّهِ سبحانه وتعالى.
قَالَ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، عَلَى مَا يَلْقَى مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْأَذَى.
إسْلَامُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ
وَآمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَصَدَّقَتْ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ، وَوَازَرَتْهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنْ باللَّه وَبِرَسُولِهِ، وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَ مِنْهُ. فَخَفَّفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، لَا يَسْمَعُ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُهُ مِنْ رَدٍّ عَلَيْهِ وَتَكْذِيبٍ لَهُ، فَيُحْزِنُهُ ذَلِكَ، إلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا إذَا رَجَعَ إلَيْهَا، تُثَبِّتُهُ وَتُخَفِّفُ عَلَيْهِ، وَتُصَدِّقُهُ وَتُهَوِّنُ عَلَيْهِ أَمْرَ النَّاسِ، رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
(تَبْشِيرُ الرَّسُولِ لِخَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُبَشِّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبٌ فِيهِ وَلَا نَصَبٌ [١] .
قَالَ ابْنُ هِشَام: الْقصب (هَاهُنَا) [٢]: اللُّؤْلُؤُ الْمُجَوَّفُ.
(جِبْرِيلُ يُقْرِئ خَدِيجَةَ السَّلَامَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أُقْرِئْ خَدِيجَةَ السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا خَدِيجَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ مِنْ رَبِّكَ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ:
اللَّهُ السَّلَامُ، وَمِنْهُ السَّلَامُ، وَعَلَى جِبْرِيلِ السَّلَامُ.
(فَتْرَةُ الْوَحْيِ وَنُزُولُ سُورَةِ الضُّحَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْرَةً مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَحْزَنَهُ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الضُّحَى، يُقْسِمُ لَهُ رَبُّهُ، وَهُوَ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ، مَا وَدَّعَهُ وَمَا قَلَاهُ، فَقَالَ تَعَالَى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ٩٣: ١- ٣. يَقُولُ: مَا صَرَمَكَ فَتَرَكَكَ، وَمَا أَبْغَضَكَ مُنْذُ أَحَبَّكَ. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ٩٣: ٤: أَيْ لِمَا عِنْدِي مِنْ مَرْجِعِكَ إلَيَّ، خَيْرٌ لَكَ مِمَّا عَجَّلْتَ لَكَ مِنْ الْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ٩٣: ٥ مِنْ الْفُلْجِ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى. وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ٩٣: ٦- ٨ يُعَرِّفُهُ اللَّهُ مَا ابْتَدَأَهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، وَمَنِّهِ عَلَيْهِ فِي يُتْمِهِ وَعَيْلَتِهِ وَضَلَالَتِهِ، وَاسْتِنْقَاذِهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِرَحْمَتِهِ.[١] هَذَا حَدِيث مُرْسل، وَقد رَوَاهُ مُسلم مُتَّصِلا عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، «قَالَت:
مَا غرت على أحد، مَا غرت على خَدِيجَة، وَلَقَد هَلَكت قبل أَن يَتَزَوَّجنِي رَسُول الله ﷺ بِثَلَاث سِنِين، وَلَقَد أَمر أَن يبشرها بِبَيْت من قصب فِي الْجنَّة» . (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
١٦- سيرة ابْن هِشَام- ١
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 04:53 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (27)
صــ 241إلى صــ 250
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِمُفْرَدَاتِ سُورَةِ الضُّحَى):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَجَى: سُكْنٌ. قَالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ:
إذْ أَتَى مَوْهِنَا وَقَدْ نَامَ صَحْبِي ... وَسَجَا اللَّيْلُ بِالظَّلَامِ الْبَهِيمِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ لِلْعَيْنِ إذَا سَكَنَ طَرَفُهَا: سَاجِيَةٌ، وَسَجَا طَرَفُهَا.
قَالَ جَرِيرُ (بْنُ الْخَطَفَى) [٢]:
وَلَقَدْ رَمَيْنَكَ حِينَ رُحْنَ بِأَعْيُنٍ ... يَقْتُلْنَ مِنْ خَلَلِ السُّتُورِ سُوَاجِي
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْعَائِلُ: الْفَقِيرُ. قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ:
إلَى بَيْتِهِ يَأْوِي الضَّرِيكُ إذَا شَتَا ... وَمُسْتَنْبَحٌ بَالِي الدَّرِيسَيْنِ عَائِلُ [٣]
وَجَمْعُهُ: عَالَةٌ وَعَيْلٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْعَائِلُ (أَيْضًا) [٢]: الَّذِي يَعُولُ الْعِيَالَ. وَالْعَائِلُ (أَيْضًا) [٢]: الْخَائِفُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ٤: ٣. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يُخِسُّ شَعِيرَةً ... لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلٍ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا. وَالْعَائِلُ (أَيْضًا) [٢]:
الشَّيْء المثقل المعيى. يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ عَالَنِي هَذَا الْأَمْرُ: أَيْ أَثْقَلَنِي وَأَعْيَانِي.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ [٤]:
------------------------
[١] الموهن: سَاعَة من اللَّيْل. والبهيم: الشَّديد السوَاد لَيْسَ فِيهِ ضِيَاء.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] الضريك: الْفَقِير والضعيف الْمُضْطَر. والمستنبح: الّذي يضل عَن الطَّرِيق فِي ظلمَة اللَّيْل، فينبح نباح الْكلاب لتسمعه الْكلاب فتجاوبه، فَيعلم مَوضِع الْبيُوت فيقصدها. والدريس: الثَّوْب الْخلق، وثناه لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِزَار والرداء، وَهُوَ أقل مَا يكون للرجل من اللبَاس.
[٤] يمدح الفرزدق بِهَذَا الشّعْر سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة، وَكَانَ حِينَئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة رحمه الله، وَكَانَ يوليه مُعَاوِيَة سنة، ويولى مَرْوَان سنة أُخْرَى، فَأَنْشد الفرزدق سعيد بن الْعَاصِ بِحَضْرَة مَرْوَان هَذِه القصيدة، وفيهَا:
قيَاما ينظرُونَ إِلَى سعيد ... كَأَنَّهُمْ يرَوْنَ بِهِ الهلالا
فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: بل قعُودا ينظرُونَ، فَقَالَ: لَا أَقُول إِلَّا قيَاما، وَإنَّك يَا أَبَا عبد الْملك لصافن من بَينهم (صفن الْفرس: إِذا وقف على ثَلَاث قَوَائِم وَرفع وَاحِدَة. وصفن الرجل أَيْضا: إِذا رفع إِحْدَى قَدَمَيْهِ ووقف على الْأُخْرَى) . (رَاجع الرَّوْض، وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر الخشنيّ، والأغاني) .
تَرَى الْغُرَّ الْجَحَاجِحَ مِنْ قُرَيْشٍ ... إذَا مَا الْأَمْرُ فِي الْحَدَثَانِ عَالَا [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ٩٣: ٩- ١٠: أَيْ لَا تَكُنْ جَبَّارًا وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشًا فَظًّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٩٣: ١١: أَيْ بِمَا جَاءَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ مِنْ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ، أَيْ اُذْكُرْهَا وَادْعُ إلَيْهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعِبَادِ بِهِ مِنْ النُّبُوَّةِ سِرًّا إلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ.
ابْتِدَاءُ فَرْضِ الصَّلَاةِ [٢]
وَافْتُرِضَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَآلِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
(اُفْتُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَتْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: اُفْتُرِضَتْ الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَا اُفْتُرِضَتْ عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، كُلَّ صَلَاةٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَأَقَرَّهَا فِي السَّفَرِ عَلَى فَرْضِهَا الْأَوَّلِ رَكْعَتَيْنِ [٣] .
---------------------
[١] الغر: المشهورون. وَأَصله الْبيض، وَهُوَ جمع أغر. والجحاجح: السَّادة، واحدهم:
جحجاح. وَكَانَ الْوَجْه أَن يُقَال الجحاجيح (بِالْيَاءِ) فحذفها لإِقَامَة وزن الشّعْر. والحدثان: حوادث الدَّهْر.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ابْتِدَاء مَا افْترض الله سبحانه وتعالى على النَّبِي ﷺ من الصَّلَاة وأوقاتها» .
[٣] قَالَ السهيليّ: «وَذكر الْمُزنِيّ أَن الصَّلَاة قبل الْإِسْرَاء كَانَت صَلَاة قبل غرُوب الشَّمْس، وَصَلَاة قبل طُلُوعهَا، وَيشْهد لهَذَا القَوْل قَوْله سُبْحَانَهُ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ٤٠: ٥٥. وَقَالَ يحيى ابْن سَلام مثله، وَقَالَ: كَانَ الْإِسْرَاء وَفرض الصَّلَوَات الْخمس قبل الْهِجْرَة بعام، فعلى هَذَا يحْتَمل قَول عَائِشَة: «فزيد فِي صَلَاة الْحَضَر» . أَي زيد فِيهَا حِين أكملت خمْسا، فَتكون الزِّيَادَة فِي الرَّكْعَات وَفِي عدد الصَّلَوَات، وَيكون قَوْلهَا: «فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ»: أَي قبل الْإِسْرَاء، وَقد قَالَ بِهَذَا طَائِفَة من السّلف، مِنْهُم ابْن عَبَّاس. وَيجوز أَن يكون معنى قَوْلهَا: «فرضت الصَّلَاة»: أَي لَيْلَة الْإِسْرَاء، حِين فرضت الْخمس فرضت رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ زيد فِي صَلَاة الْحَضَر بعد ذَلِك، وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ عَن بعض رُوَاة هَذَا الحَدِيث
(تَعْلِيمُ جِبْرِيلَ الرَّسُولَ ﷺ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الصَّلَاةَ حِينَ اُفْتُرِضَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ عَيْنٌ، فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ عليه السلام، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ، لِيُرِيَهُ كَيْفَ الطُّهُورُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا رَأَى جِبْرِيلَ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ بِهِ جِبْرِيلُ فَصَلَّى بِهِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ انْصَرف جِبْرِيل عليه السلام.
(تَعْلِيمُ الرَّسُولِ ﷺ خَدِيجَةَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ):
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ، فَتَوَضَّأَ لَهَا لِيُرِيَهَا كَيْفَ الطُّهُورُ لِلصَّلَاةِ كَمَا أَرَاهُ جِبْرِيلُ فَتَوَضَّأَتْ كَمَا تَوَضَّأَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام، ثُمَّ صَلَّى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام كَمَا صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ فَصَلَّتْ بِصَلَاتِهِ [١] .
------------------------
[()] عَن عَائِشَة. وَمِمَّنْ رَوَاهُ هَكَذَا الْحسن وَالشعْبِيّ أَن الزِّيَادَة فِي صَلَاة الْحَضَر كَانَت بعد الْهِجْرَة بعام أَو نَحوه، وَقد ذكره أَبُو عمر، وَقد ذكره البُخَارِيّ من رِوَايَة معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة، قَالَت: «فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ هَاجر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، فَفرضت أَرْبعا» . هَكَذَا لفظ حَدِيثه. وَهَاهُنَا سُؤال، يُقَال: أهذه الزِّيَادَة فِي الصَّلَاة نسخ أم لَا؟ فَيُقَال: أما زِيَادَة رَكْعَتَيْنِ أَو رَكْعَة إِلَى مَا قبلهَا من الرُّكُوع حَتَّى تكون صَلَاة وَاحِدَة فنسخ، لِأَن النّسخ رفع الحكم، وَقد ارْتَفع حكم الْإِجْزَاء من الرَّكْعَتَيْنِ، وَصَارَ من سلم مِنْهُمَا عَامِدًا أفسدهما، وَإِن أَرَادَ أَن يتم صلَاته بعد مَا سلم، وتحدث عَامِدًا لم يجزه، إِلَّا أَن يسْتَأْنف الصَّلَاة من أَولهَا. فقد ارْتَفع حكم الْإِجْزَاء بالنسخ. وَأما الزِّيَادَة فِي عدد الصَّلَوَات حِين أكملت خمْسا بعد مَا كَانَت اثْنَتَيْنِ، فيسمى نسخا على مَذْهَب أَبى حنيفَة، فان الزِّيَادَة عِنْده على النَّص نسخ، وَجُمْهُور الْمُتَكَلِّمين على أَنه لَيْسَ بنسخ، ولاحتجاج الْفَرِيقَيْنِ مَوضِع غير هَذَا» .
[١] قَالَ السهيليّ: «هَذَا الحَدِيث مَقْطُوع فِي السِّيرَة، وَمثله لَا يكون أصلا فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَلكنه قد روى مُسْندًا إِلَى زيد بن حَارِثَة يرفعهُ. غير أَن هَذَا الحَدِيث الْمسند يَدُور على عبد الله بن لَهِيعَة، وَقد ضعف وَلم يخرج عَنهُ مُسلم، وَلَا البُخَارِيّ، لِأَنَّهُ يُقَال إِن كتبه احترقت، فَكَانَ يحدث من حفظه. وَكَانَ مَالك ابْن أنس يحسن فِيهِ القَوْل. وَيُقَال: إِنَّه الّذي روى عَنهُ حَدِيث بيع العربان فِي الْمُوَطَّأ: مَالك عَن الثِّقَة عِنْده، عَن عَمْرو بن شُعَيْب. فَيُقَال: إِن الثِّقَة هَاهُنَا ابْن لَهِيعَة. وَيُقَال: إِن ابْن وهب حدث بِهِ عَن ابْن لَهِيعَة، وَحَدِيث ابْن لَهِيعَة هَذَا أخبرنَا بِهِ أَبُو بكر الْحَافِظ مُحَمَّد بن العربيّ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو المطهر سعد بن عبد الله ابْن أَبى الرَّجَاء، عَن أَبى نعيم الْحَافِظ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن يُوسُف الْعَطَّار، قَالَ: حَدثنَا ابْن
(تَعْيِينُ جِبْرِيلَ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ لِلرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَكَانَ نَافِعُ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اُفْتُرِضَتْ الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام، فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ مَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ جَاءَهُ فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ مِنْ غَدٍ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلِيَّهُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ لِوَقْتِهَا بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الصُّبْحَ مُسْفِرًا غَيْرَ مُشْرِقٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، الصَّلَاةُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ وَصَلَاتِكَ بِالْأَمْسِ [١]
ذِكْرُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَوَّلُ ذَكَرٍ أَسْلَمَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ مِنْ النَّاسِ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَلَّى مَعَهُ وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْن هَاشِمٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ.
(نَشَأَتْهُ فِي حِجْرِ الرَّسُولِ ﷺ وَسَبَبُ ذَلِكَ):
وَكَانَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ (بِهِ) عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْإِسْلَامِ
-------------------------
[()] أَبى أُسَامَة، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن مُوسَى، عَن ابْن لَهِيعَة، عَن عقيل بن خَالِد، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة عَن أُسَامَة بن زيد، قَالَ: حَدثنِي زيد بن حَارِثَة: أَن رَسُول الله ﷺ أول مَا أوحى إِلَيْهِ، أَتَاهُ جِبْرِيل عليه السلام فَعلمه الْوضُوء، فَلَمَّا فرغ من الْوضُوء أَخذ غرفَة من مَاء، فنضح بهَا فرجه. وَحدثنَا بِهِ أَيْضا أَبُو بكر مُحَمَّد بن طَاهِر، عَن أَبى على الغساني، عَن أَبى عمر النمري، عَن أَحْمد بن قَاسم، عَن قَاسم ابْن أصبغ، عَن الْحَارِث بن أَبى أُسَامَة بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم.
فالوضوء على هَذَا الحَدِيث مكي بِالْفَرْضِ، مدنِي بالتلاوة، لِأَن آيَة الْوضُوء مَدَنِيَّة.
[١] قَالَ السهيليّ: «وَهَذَا الحَدِيث لم يكن يَنْبَغِي أَن يذكرهُ فِي هَذَا الْموضع، لِأَن أهل الصَّحِيح متفقون على أَن هَذِه الْقِصَّة كَانَت فِي الْغَد من لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَذَلِكَ بعد مَا نبئ بِخَمْسَة أَعْوَام. وَقد قيل: إِن الْإِسْرَاء كَانَ قبل الْهِجْرَة بعام وَنصف، وَقيل بعام، فَذكره ابْن إِسْحَاق فِي بَدْء نزُول الْوَحْي، وَأول أَحْوَال الصَّلَاة» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهَدِ بْنِ جَبْرٍ [١] أَبِي الْحَجَّاجِ، قَالَ: كَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُ، وَأَرَادَهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ، أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ، وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ، يَا عَبَّاسُ: إنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ [٢]، فَانْطَلِقْ بِنَا إلَيْهِ، فَلْنُخَفِّفْ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وَتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا، فَنَكِلُهُمَا عَنْهُ [٣]، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ، فَقَالَا لَهُ: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفِّفَ عَنْكَ مِنْ عِيَالِكَ حَتَّى يَنْكَشِفَ عَنْ النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلًا فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَقِيلًا وَطَالِبًا [٤] .
فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، فَضَمَّهُ إلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تبارك وتعالى نَبِيًّا، فَاتَّبَعَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه، وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ.
(خُرُوجُ عَلِيٍّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى شِعَابِ مَكَّةَ يُصَلِّيَانِ، وَوُقُوفُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَمْرِهِمَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلَى شِعَابِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ. وَمِنْ جَمِيعِ أَعْمَامِهِ وَسَائِرِ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّيَانِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا،
--------------------------
[١] كَذَا فِي أوتهذيب التَّهْذِيب. وَهُوَ مُجَاهِد بن جبر المكيّ أَبُو الْحجَّاج المَخْزُومِي الْمقري مولى السَّائِب ابْن أَبى السَّائِب. روى عَن على وَسعد بن أَبى وَقاص والعبادلة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم، وَعنهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَغَيرهم. وَكَانَ مولده سنة إِحْدَى وَعشْرين فِي خلَافَة عمر، وَمَات سنة أَربع وَمِائَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «.... جبر بن أَبى الْحجَّاج» . وَكلمَة «ابْن» مقحمة.
[٢] الأزمة: الشدَّة، وَأَرَادَ بهَا سنة الْقَحْط والجوع.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول «فنكفهما» .
[٤] وَكَانَ من ولد أَبى طَالب غير هَؤُلَاءِ جَعْفَر. وَكَانَ على أَصْغَر من جَعْفَر بِعشر سِنِين، وجعفر أَصْغَر من عقيل بِعشر سِنِين، وَعقيل أَصْغَر من طَالب بِعشر سِنِين. وَكلهمْ أسلم إِلَّا طَالبا.
فَإِذَا أَمْسَيَا رَجَعَا. فَمَكَثَا كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَا. ثُمَّ إنَّ أَبَا طَالِبٍ عَثَرَ عَلَيْهِمَا يَوْمًا وَهُمَا يُصَلِّيَانِ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا بن أَخِي! مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَرَاكَ تَدِينُ بِهِ؟ قَالَ: أَيْ عَمِّ، هَذَا دِينُ اللَّهِ، وَدِينُ مَلَائِكَتِهِ، وَدِينُ رُسُلِهِ، وَدِينُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ- أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ- بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ رَسُولًا إلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ أَيْ عَمِّ، أَحَقُّ مَنْ بَذَلْتُ لَهُ النَّصِيحَةَ، وَدَعَوْتُهُ إلَى الْهُدَى، وَأَحَقُّ مَنْ أَجَابَنِي إلَيْهِ وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ، أَوْ كَمَا قَالَ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَيْ ابْنَ أَخِي، إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَارِقَ دِينَ آبَائِي وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ وَاَللَّهِ لَا يَخْلُصُ [١] إلَيْكَ بِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ مَا بَقِيتُ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: أَيْ بُنَيَّ، مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ:
يَا أَبَتِ، آمَنْتُ باللَّه وَبِرَسُولِ اللَّهِ، وَصَدَّقْتُهُ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ للَّه وَاتَّبَعْتُهُ. فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَمَا إنَّهُ لَمْ يَدْعُكَ إلَّا إلَى خَيْرٍ فَالْزَمْهُ.
إسْلَامُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ثَانِيًا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْن امْرِئِ الْقِيسِ الْكَلْبِيُّ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ، وَصَلَّى بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
(نَسَبُهُ وَسَبَبُ تَبَنِّي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ ابْن عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللَّاتِ [٢] بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ.
وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ قَدِمَ مِنْ الشَّامِ بِرَقِيقٍ [٣]، فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَصِيفٌ
--------------------------
[١] لَا يخلص إِلَيْك: لَا يُوصل إِلَيْك.
[٢] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الله» .
[٣] وَذَلِكَ أَن أم زيد، وَهِي سعدى بنت ثَعْلَبَة، من بنى معن من طيِّئ، كَانَت قد خرجت بزيد لتزيره أَهلهَا، فأصابته خيل من بنى الْقَيْن بن جسر، فباعوه بسوق حُبَاشَة، وَهِي من أسواق الْعَرَب، وَزيد يَوْمئِذٍ ابْن ثَمَانِيَة أَعْوَام.
فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا: اخْتَارِي يَا عَمَّةُ أَيَّ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ شِئْتِ فَهُوَ لَكَ، فَاخْتَارَتْ زَيْدًا فَأَخَذَتْهُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَبَنَّاهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ.
(شِعْرُ حَارِثَةَ حِينَ فَقَدْ ابْنَهُ زَيْدًا، وَقُدُومُهُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ يَسْأَلُهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ):
وَكَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا، وَبَكَى عَلَيْهِ حِينَ فَقَدَهُ، فَقَالَ:
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ ... أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دونه الْأَجَل
فو الله مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ ... أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ [١]
وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرُ أَوْبَةٌ ... فَحَسْبِي مِنْ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لِي بَجَلْ [٢]
تُذَكِّرْنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا ... وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إذَا غَرْبُهَا أَفَلْ [٣]
وَإِنْ هَبَّتْ الْأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ ... فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ [٤]
سَأُعْمِلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا ... وَلَا أُسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ [٥]
حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي ... فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الْأَمَلُ [٦]
ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ شِئْتَ فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شِئْتَ فَانْطَلِقْ مَعَ أَبِيكَ، فَقَالَ: بَلْ أُقِيمُ عِنْدَكَ. فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ فَصَدَّقَهُ [٧] وَأَسْلَمَ،
-------------------------
[١] غال: أهلك.
[٢] بجل. بِمَعْنى حسب.
[٣] الأفول: غياب الشَّمْس. وَنسب الأفول إِلَى الْغُرُوب اتساعا ومجازا.
[٤] الْأَرْوَاح: جمع ريح، جمعه على الأَصْل، لِأَن الأَصْل فِيهِ الْوَاو. والوجل: الْخَوْف
[٥] النَّص: أرفع السّير.
[٦] وَزَاد السهيليّ بعد هَذَا الْبَيْت:
سأوصى بِهِ قيسا وعمرا كليهمَا ... وَأوصى يزيدا ثمَّ أوصى بِهِ جبل
(يعْنى بِيَزِيد: كَعْبًا، وَهُوَ ابْن عَم زيد وَأَخُوهُ، ويعنى بجبل: جبلة بن حَارِثَة أَخا زيد، وَكَانَ أسن مِنْهُ)
[٧] وَيُقَال إِنَّه لما بلغ زيدا قَول أَبِيه قَالَ:
أحن إِلَى أَهلِي وَإِن كنت نَائِيا ... بأنى قعيد الْبَيْت عِنْد المشاعر
وَصَلَّى مَعَهُ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ٣٣: ٥. قَالَ: أَنَا زَيْدُ ابْن حَارِثَةَ.
إسْلَامُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وَشَأْنُهُ
(نَسَبُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهُ عَتِيقٌ، وَاسْمُ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي بَكْرٍ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَتِيقٌ: لَقَبٌ لِحَسَنٍ وَجْهُهُ وَعِتْقُهُ [١]
(إِسْلَامُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَظْهَرَ إسْلَامَهُ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ.
----------------------
[()]
فكفوا من الوجد الّذي قد شجاكم ... وَلَا تعملوا فِي الأَرْض نَص الأباعر
فإنّي بِحَمْد الله فِي خير أسرة ... كرام معد كَابِرًا بعد كَابر
فَبلغ أَبَاهُ، فجَاء هُوَ وَعَمه كَعْب، حَتَّى وَقفا على رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة، وَذَلِكَ قبل الْإِسْلَام، فَقَالَا لَهُ: يَا بن عبد الْمطلب: يَا بن سيد قومه، أَنْتُم جيران الله، وتفكون العاني، وتطعمون الجائع، وَقد جئْتُك فِي ابننا عَبدك، فتحسن إِلَيْنَا فِي فدائه، فَقَالَ: أوغير ذَلِك؟ فَقَالَا: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: أَدْعُوهُ، وأخيره، فَإِن اختاركما فَذَاك، وَإِن اختارني فو الله مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار على من اختارني أحدا، فَقَالَا لَهُ:
قد زِدْت على النّصْف، فَدَعَاهُ رَسُول الله ﷺ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: من هَذَانِ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبى حَارِثَة بن شرَاحِيل، وَهَذَا عمى كَعْب بن شرَاحِيل، فَقَالَ: قد خيرتك: إِن شِئْت ذهبت مَعَهُمَا، وَإِن شِئْت أَقمت معى، فَقَالَ: بل أقيم مَعَك، فَقَالَ لَهُ أَبوهُ: يَا زيد، أتختار العبوديّة على أَبِيك وأمك وبلدك وقومك؟ فَقَالَ: إِنِّي قد رَأَيْت من هَذَا الرجل شَيْئا، وَمَا أَنا بِالَّذِي أفارقه أبدا، فَعِنْدَ ذَلِك أَخذ رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ، وَقَامَ بِهِ إِلَى الْمَلأ من قُرَيْش فَقَالَ: اشْهَدُوا أَن هَذَا ابْني وَارِثا وموروثا.
فطابت نفس أَبِيه عِنْد ذَلِك، وَكَانَ يدعى زيد بن مُحَمَّد، حَتَّى أنزل الله تَعَالَى ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ٣٣: ٥.
[١] وَقيل سمى عتيقا، لِأَن أمه كَانَت لَا يعِيش لَهَا ولد، فنذرت إِن ولد لَهَا ولد أَن تسميه عبد الْكَعْبَة وَتَتَصَدَّق بِهِ عَلَيْهَا فَلَمَّا عَاشَ وشب سمى عتيقا كَأَنَّهُ أعتق من الْمَوْت، وَكَانَ يُسمى أَيْضا عبد الْكَعْبَة إِلَى أَن أسلم، فَسَماهُ رَسُول الله ﷺ: عبد الله. وَقيل سمى عتيقا، لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ حِين أسلم: أَنْت عَتيق من النَّار، وَقيل بل كَانَ لِأَبِيهِ ثَلَاثَة من الْوَلَد: مُعتق ومعيتق وعتيق، وَهُوَ أَبُو بكر.
(مَنْزِلَتُهُ فِي قُرَيْشٍ، وَدَعْوَتُهُ لِلْإِسْلَامِ):
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ [١] رَجُلًا مَأْلَفًا [٢] لِقَوْمِهِ، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وَكَانَ أَنْسَبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ، وَأَعْلَمَ قُرَيْشٍ بِهَا، وَبِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا، ذَا خُلُقٍ وَمَعْرُوفٍ، وَكَانَ رِجَالُ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ وَيَأْلَفُونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرِ، لِعِلْمِهِ وَتِجَارَتِهِ وَحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ وَثِقَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، مِمَّنْ يَغْشَاهُ وَيَجْلِسُ إلَيْهِ.
ذِكْرُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِدَعْوَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه
(إسْلَامُ عُثْمَانَ، وَالزَّبِيرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ وَطَلْحَةَ):
قَالَ: فَأَسْلَمَ بِدُعَائِهِ- فِيمَا بَلَغَنِي- عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ [٣] وَالزُّبَيْرُ [٤] بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ
---------------------
[١] وَأم أَبى بكر: أم الْخَيْر بنت صَخْر بن عَمْرو، بنت عَم أَبى قُحَافَة، وَاسْمهَا سلمى، وَهِي من المبايعات، وَأم أَبِيه عُثْمَان أَبى قُحَافَة: قيلة بنت أذاة بن ريَاح بن عبد الله بن قرط، وَامْرَأَة أَبى بكر، أم ابْنه عبد الله، قيلة بنت عبد الْعُزَّى.
(اعتمدنا أُمَّهَات المراجع فِي التَّرْجَمَة لكل من سيرد عَنْهُم شَيْء هُنَا مِمَّن أَسْلمُوا، كالاستيعاب، والإصابة، وَأسد الغابة، والتهذيب. وَنحن نكتفي بِالْإِشَارَةِ هُنَا إِلَى هَذِه المراجع، تفاديا من تكْرَار الْإِشَارَة إِلَيْهَا عِنْد كل تَرْجَمَة) .
[٢] كَذَا فِي أ. والمألف: الّذي يألفه الْإِنْسَان، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مؤلفا» .
[٣] ويكنى عُثْمَان أَبَا عبد الله وَأَبا عَمْرو، كنيتان مشهورتان لَهُ، وَأَبُو عَمْرو أشهرهما، قيل إِنَّه ولدت لَهُ رقية بنت رَسُول الله ﷺ ابْنا فَسَماهُ عبد الله، واكتنى بِهِ وَمَات، ثمَّ ولد لَهُ عَمْرو، فاكتنى بِهِ إِلَى أَن مَاتَ رحمه الله. وَقيل إِنَّه كَانَ يكنى أَبَا ليلى. وَولد عُثْمَان فِي السّنة السَّادِسَة بعد الْفِيل، وَأمه أروى بنت كرز بن ربيعَة، وَأمّهَا الْبَيْضَاء أم حَكِيم بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله ﷺ.
هَاجر إِلَى الْحَبَشَة فَارًّا بِدِينِهِ مَعَ زَوجته رقية، وَكَانَ أول خَارج إِلَيْهَا ثمَّ تَابعه سَائِر الْمُهَاجِرين. وَلم يشْهد بَدْرًا لتخلفه على تمريض زَوجته رقية، وَكَانَت عليلة، فَأمره رَسُول الله ﷺ بالتخلف عَلَيْهَا.
وَقيل: بل تخلف لِأَنَّهُ كَانَ مَرِيضا بالجدري. وَهُوَ أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ.
[٤] ويكنى أَبَا عبد الله، وَأمه صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب بن هَاشم، عمَّة رَسُول الله ﷺ.
وَأسلم الزبير وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة، وَقيل وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة، كَمَا قيل إِنَّه أسلم هُوَ وعَلى وهما ابْنا ثَمَانِي سِنِين، وَولد الزبير هُوَ وعَلى وَطَلْحَة وَسعد بن أَبى وَقاص فِي عَام وَاحِد. وَلم يتَخَلَّف الزبير عَن
ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ [١] بْنِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ ابْن زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَسَعْدُ [٢] بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ أُهَيْبُ [٣] بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَطَلْحَةُ [٤] بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ ابْن سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَجَاءَ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
----------------
[()] غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله ﷺ، وآخى رَسُول الله ﷺ بَينه وَبَين عبد الله بن مَسْعُود حِين آخى بَين الْمُهَاجِرين بِمَكَّة، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة وآخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار آخى بَين الزبير وَبَين سَلمَة بن سَلامَة بن وقش، وَيُقَال إِن الزبير أول رجل سل سَيْفه فِي الْإِسْلَام، كَمَا يُقَال: إِنَّه كَانَ لَهُ ألف مَمْلُوك يؤدون إِلَيْهِ الْخراج، فَمَا يدْخل بَيته مِنْهَا دِرْهَم وَاحِد. يعْنى أَنه كَانَ يتَصَدَّق بذلك كُله. وَقتل رحمه الله فِي مُنْصَرفه من وقْعَة الْجمل، قَتله عميرَة بن جرموز وفضالة بن حَابِس ونقيع، وَكَانَت سنه إِذْ ذَاك سبعا وَسِتِّينَ، وَقيل سِتا وَسِتِّينَ.
وَكَانَ للزبير من الْوَلَد عشرَة: عبد الله وَعُرْوَة وَمصْعَب وَالْمُنْذر وَعَمْرو وَعبيدَة وجعفر وعامر وَعُمَيْر وَحَمْزَة.
[١] ويكنى أَبَا مُحَمَّد، وَكَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة عبد عَمْرو، وَقيل عبد الْكَعْبَة، فَسَماهُ رَسُول الله ﷺ: عبد الرَّحْمَن. وَأمه الشِّفَاء بنت عَوْف بن عبد بن الْحَارِث بن زهرَة. ولد بعد الْفِيل بِعشر سِنِين وَأسلم قبل أَن يدْخل رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم. وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، جمع الهجرتين جَمِيعًا، هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ قدم قبل الْهِجْرَة وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة. وآخى رَسُول الله ﷺ بَينه وَبَين سعد بن الرّبيع. شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ. وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى دومة الجندل إِلَى بنى كلب، وَقَالَ لَهُ: إِن فتح الله عَلَيْك فَتزَوج بنت شريفهم، وَكَانَ الْأَصْبَغ بن ثَعْلَبَة الْكَلْبِيّ شريفهم، فَتزَوج بنته تماضر بنت الْأَصْبَغ، وَهِي أم ابْنه أَبى سَلمَة الْفَقِيه.
وَتوفى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة، وَدفن بِالبَقِيعِ.
[٢] وَأم سعد: حمدونة بنت سُفْيَان بن أُميَّة بن عبد شمس، ويكنى أَبَا إِسْحَاق، وَهُوَ أحد الْعشْرَة، دَعَا لَهُ النَّبِي ﷺ أَن يسدد الله سَهْمه، وَأَن يُجيب دَعوته، فَكَانَ دعاؤه أسْرع الدُّعَاء إِجَابَة.
وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: احْذَرُوا دَعْوَة سعد، وَلَقَد مَاتَ سعد فِي خلَافَة مُعَاوِيَة.
[٣] وأهيب هَذَا هُوَ عَم آمِنَة بنت وهب، أم النَّبِي ﷺ.
[٤] وَأمه الحضرمية، اسْمهَا الصعبة بنت عبد الله بن عماد بن مَالك بن ربيعَة بن أكبر بن مَالك بن عويف بن مَالك بن الْخَزْرَج، وَيعرف أَبوهَا عبد الله بالحضرمي. ويكنى طَلْحَة أَبَا مُحَمَّد الْفَيَّاض. وَلما قدم طَلْحَة الْمَدِينَة آخى رَسُول الله ﷺ بَينه وَبَين كَعْب بن مَالك، حِين آخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. وَقتل طَلْحَة رحمه الله وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة يَوْم الْجمل.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 04:56 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (28)
صــ 251إلى صــ 260
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ فَأَسْلَمُوا وَصَلَّوْا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إلَى الْإِسْلَامِ إلَّا كَانَتْ فِيهِ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ [١]، وَنَظَرٌ وَتَرَدُّدٌ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، مَا عَكَمَ عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ لَهُ، وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: «بِدُعَائِهِ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: عَكَمَ: تَلَبَّثَ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
وَانْصَاعَ [٢] وَثَّابٌ بِهَا وَمَا عَكَمَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا النَّاسَ بِالْإِسْلَامِ، فَصَلَّوْا وَصَدَّقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ.
(إسْلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَالْأَرْقَمِ، وَأَبْنَاءِ مَظْعُونٍ، وَعُبَيْدَةَ ابْن الْحَارِثِ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَامْرَأَتِهِ، وَأَسْمَاءَ، وَعَائِشَةَ، وَخَبَّابٍ):
ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ [٣] بْنُ الْجَرَّاحِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ [٤] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ [٥] بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. وَأَبُو سَلَمَةُ [٦]، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْن عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ
---------------------------
[١] الكبوة: التَّأْخِير وَقلة الْإِجَابَة. وَهُوَ من قَوْلهم: كبا الزند: إِذا لم يور نَارا.
[٢] انصاع: ذهب.
[٣] وَأم أَبى عُبَيْدَة أُمَيْمَة بنت غنم بن جَابر بن عبد الْعُزَّى بن عامرة بن وَدِيعَة. شهد بَدْرًا مَعَ النَّبِي ﷺ وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد كلهَا، وَهُوَ الّذي انتزع من وَجه رَسُول الله ﷺ حلقتى الدرْع يَوْم أحد، فَسَقَطت ثنيتاه، وَهُوَ أحد الْعشْرَة الَّذين شهد لَهُم رَسُول الله ﷺ بِالْجنَّةِ. وَتوفى رَحْمَة الله عَلَيْهِ، وَهُوَ ابْن ثَمَان وَخمسين سنة فِي طاعون عمواس سنة ثَمَانِي عشرَة بالأردن من الشَّام، وَبهَا قَبره.
[٤] وَقيل اسْمه عبد الله بن عَامر. وَالصَّحِيح أَن اسْمه عَامر. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٥] فِي الِاسْتِيعَاب: «حَلَال» .
[٦] وَأمه برة بنت عبد الْمطلب بن هَاشم. وَكَانَ مِمَّن هَاجر بامرأته أم سَلمَة بنت أَبى أُميَّة إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ شهد بَدْرًا بعد أَن هَاجر الهجرتين، وجرح يَوْم بدر جرحا اندمل، ثمَّ انْتقض فَمَاتَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لثلاث مضين لجمادى الْآخِرَة سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة. وَتزَوج رَسُول الله ﷺ امْرَأَته أم سَلمَة.
ابْن لُؤَيٍّ، وَالْأَرْقَمُ [١] بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ. وَاسْمُ أَبِي الْأَرْقَمِ عَبْدُ مَنَافِ بْنِ أَسَدٍ- وَكَانَ أَسَدٌ يُكَنَّى أَبَا جُنْدُبِ- بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ ابْن لُؤَيٍّ. وَعُثْمَانُ [٢] بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ بْنِ عَمْرِو ابْن هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَأَخَوَاهُ قَدَامَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ.
وَعُبَيْدَةُ [٣] بْنُ الْحَارِثِ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَسَعِيدُ [٤] بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
----------------------
[١] ويكنى أَبَا عبد الله. وَأمه من بنى سهم بن عَمْرو بن هصيص، وَاسْمهَا أُمَيْمَة بنت عبد الْحَارِث.
وَيُقَال: بل اسْمهَا تماضر بنت حذيم، من بنى سهم. وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، أسلم بعد عشرَة أنفس. وَفِي دَار الأرقم بن أَبى الأرقم هَذَا، كَانَ النَّبِي ﷺ مستخفيا من قُرَيْش بِمَكَّة، يَدْعُو النَّاس فِيهَا إِلَى الْإِسْلَام فِي أول الْإِسْلَام حَتَّى خرج عَنْهَا، وَكَانَت دَاره بِمَكَّة على الصَّفَا، فَأسلم فِيهَا جمَاعَة كَثِيرَة، وَهُوَ صَاحب حلف الفضول، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ فِي دَار ابى الأرقم عِنْد الصَّفَا حَتَّى تكاملوا أَرْبَعِينَ رجلا مُسلما. وَكَانَ آخِرهم إسلاما عمر بن الْخطاب، فَلَمَّا تكاملوا أَرْبَعِينَ رجلا خَرجُوا. وَتوفى الأرقم يَوْم مَاتَ أَبُو بكر الصّديق رضي الله عنه، وَقيل توفى سنة خمس وَخمسين بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ ابْن بضع وَثَمَانِينَ سنة.
[٢] ويكنى أَبَا السَّائِب. وَأمه سخيلة بنت العنبس بن أهبان بن حذافة بن حجح. وَهِي أم السَّائِب وَعبد الله. وَأسلم عُثْمَان بن مَظْعُون بعد ثَلَاثَة عشر رجلا، وَهَاجَر الهجرتين وَشهد بَدْرًا. وَكَانَ أول رجل مَاتَ بِالْمَدِينَةِ من الْمُهَاجِرين بعد مَا رَجَعَ من بدر، وَكَانَ أول من دفن ببقيع الْغَرْقَد.
وَكَانَ عُثْمَان بن مَظْعُون أحد من حرم الْخمر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ: لَا أشْرب شرابًا يذهب عَقْلِي، ويضحك بى من هُوَ أدنى منى، ويحملني على أَن أنكح كَرِيمَتي. فَلَمَّا حرمت الْخمر أَتَى وَهُوَ بالعوالي، فَقيل لَهُ: يَا عُثْمَان، قد حرمت: فَقَالَ: تَبًّا لَهَا، قد كَانَ بصرى فِيهَا ثاقبا (وَفِي هَذَا نظر لِأَن تَحْرِيم الْخمر عِنْد أَكْثَرهم بعد أحد) .
[٣] ويكنى أَبَا الْحَارِث، وَقيل أَبَا مُعَاوِيَة: وَكَانَ أسن من رَسُول الله ﷺ بِعشر سِنِين، وَكَانَ إِسْلَامه قبل دُخُول رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم، وَكَانَت هجرته إِلَى الْمَدِينَة مَعَ أَخَوَيْهِ الطُّفَيْل وَالْحصين، وَكَانَ لعبيدة بن الْحَارِث قدر ومنزلة عِنْد رَسُول الله ﷺ.
[٤] ويكنى أَبَا الْأَعْوَر، وَأمه فَاطِمَة بنت بعجة بن خلف الْخُزَاعِيَّة. وَهُوَ ابْن عَم عمر بن الْخطاب وصهره، وَكَانَت تَحْتَهُ فَاطِمَة بنت الْخطاب أُخْت عمر بن الْخطاب، وَكَانَت أُخْته عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو تَحت عمر بن الْخطاب. وبسبب زَوْجَة سعيد كَانَ إِسْلَام عمر بن الْخطاب.
وَقد أقطع عُثْمَان سعيدا أَرضًا بِالْكُوفَةِ، فنزلها وسكنها إِلَى أَن مَاتَ، وسكنها من بعده من بنيه الْأسود ابْن سعيد، وَكَانَ لَهُ غير الْأسود: عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَزيد، وَكلهمْ أعقب وأنجب. وَتوفى سعيد بِأَرْض العقيق. وَدفن رحمه الله بِالْمَدِينَةِ فِي أَيَّام مُعَاوِيَة سنة خمسين أَو إِحْدَى وَخمسين، وَهُوَ ابْن بضع وَسبعين سنة.
ابْن قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ [١] بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أُخْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَأَسْمَاءُ [٢] بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ. وَعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ صَغِيرَةٌ. وَخَبَّابُ [٣] بْنُ الْأَرَتِّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: هُوَ مِنْ خُزَاعَةَ.
(إسْلَامُ عُمَيْرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الْقَارِّيِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُمَيْرُ [٤] بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَخُو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
وَعَبْدُ اللَّهِ [٥] بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ [٦]
---------------------------
[١] فِي الِاسْتِيعَاب: «... عبد الْعُزَّى بن رَبَاح بن عبد الله بن قرط» وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا عِنْد الْكَلَام على نسب زيد بن عَمْرو بن نفَيْل.
[٢] وَأم أَسمَاء: قيلة، وَقيل: قتيلة بنت عبد الْعُزَّى بن عبد أَسد. وَكَانَت أَسمَاء تَحت الزبير بن الْعَوام وَكَانَ إسْلَامهَا قَدِيما بِمَكَّة، وَهَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة وَهِي حَامِل بِعَبْد الله بن الزبير. وَتوفيت أَسمَاء بِمَكَّة فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسبعين بعد قتل ابْنهَا عبد الله بن الزبير بِيَسِير، وَكَانَت تسمى ذَات النطاقين.
وَيُقَال: إِنَّهَا عمرت مائَة سنة.
[٣] اخْتلف فِي نسب خباب كَمَا ترى، فَقيل: إِنَّه خزاعيّ، وَقيل تميمى، وَالصَّحِيح أَنه تميمى النّسَب، لحقه سباء فِي الْجَاهِلِيَّة فاشترته امْرَأَة: (هِيَ أم أَنْمَار بنت سِبَاع الْخُزَاعِيَّة) من خُزَاعَة وأعتقته.
وَكَانَت من حلفاء بنى عَوْف بن عبد عَوْف بن عبد الْحَارِث بن زهرَة، فَهُوَ تميمى بِالنّسَبِ، خزاعيّ بِالْوَلَاءِ زهري بِالْحلف. وَهُوَ خباب بن الْأَرَت بن جندلة بن سعد بن خُزَيْمَة بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَكَانَ قينا يعْمل السيوف فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقد شهد بَدْرًا، وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد. ويكنى أَبَا عبد الله، وَقيل:
أَبُو يحيى، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد، وَكَانَ قديم الْإِسْلَام مِمَّن عذب فِي الله وصبر على دينه. نزل الْكُوفَة وَمَات بهَا سنة سبع وَثَلَاثِينَ. وَكَانَت سنه ثَلَاثًا وَسِتِّينَ. وَقيل: بل مَاتَ سنة تسع عشرَة بِالْمَدِينَةِ.
[٤] وَقد قتل عُمَيْر هَذَا يَوْم بدر، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد استصغر سنه يَوْمهَا، وَأَرَادَ أَن يردهُ فَبكى، ثمَّ أجَازه بعد قَتله، فَقتل يَوْمئِذٍ وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٥] سَاق نسبه ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب، وَهُوَ يخْتَلف عَمَّا هُنَا، قَالَ: «عبد الله بن مَسْعُود بن غافل (بالغين المنقوطة وَالْفَاء) بن حبيب بن شمخ بن فار بن مَخْزُوم»، ثمَّ اتّفق مَعَ الأَصْل فِيمَا بعد ذَلِك.
[٦] يرْوى بِفَتْح الْهَاء، كَأَنَّهُ سمى بِالْفِعْلِ من كَاهِل يكاهل: إِذا أسن وقوى.
ابْن الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ [١] . وَمَسْعُودُ بْنُ الْقَارِّيِّ، وَهُوَ مَسْعُودُ [٢] ابْن رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ [٣] بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَمَالَةَ بْنِ غَالِبِ بْنِ مُحَلِّمِ بْنِ عَائِذَةَ ابْن سُبَيْعِ [٤] بْنِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ الْقَارَّةِ.
(شَيْءٌ عَنْ الْقَارَّةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالْقَارَّةُ [٥]: لَقَبٌ (لَهُمْ) [٦] وَلَهُمْ يُقَالُ:
قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَّةَ مَنْ رَامَاهَا [٧]
وَكَانُوا قَوْمًا رُمَاةً [٨] .
---------------------------
[١] ويكنى عبد الله: أَبَا عبد الرَّحْمَن. وَأم عبد الله: أم عبد بنت عبد ود بن سَوَاء بن قديم بن صاهلة، من بنى هُذَيْل أَيْضا. وَكَانَ إِسْلَامه قَدِيما فِي أول الْإِسْلَام حِين أسلم سعيد بن زيد وَزَوجته فَاطِمَة، وَكَانَ سَبَب إِسْلَامه أَنه كَانَ يرْعَى غنما لعقبة بن أَبى معيط، فَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَأخذ شَاة حَائِلا من تِلْكَ الْغنم، فَدرت عَلَيْهِ لَبَنًا غزيرا، وَلَقَد شهد بَدْرًا والحديبيّة. وَشهد لَهُ الرَّسُول ﷺ بِالْجنَّةِ، وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَدفن بِالبَقِيعِ، وَكَانَ يَوْم توفى ابْن بضع وَسِتِّينَ سنة.
[٢] ويكنى أَبَا عُمَيْر. وَقد أسلم مَسْعُود قبل دُخُول رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم وَشهد بَدْرًا، وَهُوَ أحد حلفاء بنى زهرَة، وَقد مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ، وَقد زَادَت سنه على السِّتين.
[٣] فِي الِاسْتِيعَاب: «عَمْرو بن عبد الْعُزَّى» .
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي م: «سبع» . وَفِي ر: «سميع» .
[٥] والقارة قَبيلَة، وهم عضل والديش ابْنا الْهون بن خُزَيْمَة. وَإِنَّمَا سموا قارة لِاجْتِمَاعِهِمْ لما أَرَادَ الشداخ أَن يُفَرِّقهُمْ فِي بنى كنَانَة، فَقَالَ شَاعِرهمْ:
دَعونَا قارة لَا تذعرونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] هَذَا مثل، يُقَال إِنَّه قيل فِي حَرْب كَانَت بَين قُرَيْش وَبَين بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة.
وَكَانَت القارة مَعَ قُرَيْش، وهم قوم رُمَاة. فَلَمَّا التقى الْفَرِيقَانِ راماهم الْآخرُونَ، فَقيل: قد أنصفهم هَؤُلَاءِ، إِذْ ساووهم فِي الْعَمَل الّذي هُوَ شَأْنهمْ وصناعتهم. (رَاجع الْأَمْثَال، وفرائد اللآل، وَالرَّوْض) .
[٨] يَزْعمُونَ أَن رجلَيْنِ التقيا أَحدهمَا قارى، فَقَالَ الْقَارِي: إِن شِئْت صارعتك، وَإِن شِئْت سابقتك، وَإِن شِئْت راميتك، فَقَالَ الآخر: قد اخْتَرْت المراماة، فَقَالَ الْقَارِي: قد أنصفتنى، وَأَنْشَأَ يَقُول:
قد علمت سلمى وَمن والاها ... أَنا نرد الْخَيل عَن هَواهَا
نردها رامية كلاها ... قد أنصف القارة من راماها
إِنَّا إِذا مَا فِئَة نلقاها ... نرد أولاها على أخراها
(رَاجع الْأَمْثَال، وَالرَّوْض) .
(إسْلَامُ سَلِيطٍ وَأَخِيهِ، وَعَيَّاشٍ وَامْرَأَتِهِ، وَخُنَيْسٍ، وَعَامِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَلِيطُ [١] بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ (حِسْلِ بْنِ) [٢] عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، (وَأَخُوهُ حَاطِبُ بْنُ عَمْرٍو) [٣] وَعَيَّاشُ [٣] بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ [٤] بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ ابْن مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَامْرَأَتُهُ أَسَمَاءُ [٥] بِنْتُ سَلَامَةَ [٦] ابْن مُخَرَّبَةِ التَّمِيمِيَّةُ [٧] . وَخُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [٨] بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو ابْن هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَعَامِرُ [٩] بْنُ رَبِيعَةَ،
---------------------
[١] وَهُوَ أَخُو سُهَيْل بن عَمْرو، وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، وَهُوَ الّذي بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى هَوْذَة بن على الْحَنَفِيّ وَإِلَى ثُمَامَة بن أَثَال الْحَنَفِيّ، وهما رَئِيسا الْيَمَامَة، وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ أَو سبع.
وَقتل سليط سنة أَربع عشرَة.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] ويكنى عَيَّاش: أَبَا عبد الرَّحْمَن، وَقيل أَبُو عبد الله، وَهُوَ أَخُو أَبى جهل بن هِشَام لأمه، أمهما أم الْجلاس أَسمَاء بنت مخرمَة. وأخو عبد الله بن أَبى ربيعَة لِأَبِيهِ وَأمه. وَكَانَ إِسْلَامه قبل أَن يدْخل رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم. وَهَاجَر عَيَّاش إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَعَ امْرَأَته أَسمَاء بنت سَلمَة، وَولد لَهُ بهَا ابْنه عبد الله، ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، وَمَات بِمَكَّة.
[٤] وَاسم أَبى ربيعَة: عَمْرو.
[٥] وَكَانَت من الْمُهَاجِرَات، هَاجَرت مَعَ زَوجهَا إِلَى الْحَبَشَة. وَولدت لَهُ عبد الله، ثمَّ هَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة، وتكنى أم الْجلاس.
[٦] وَقيل: أَسمَاء بنت سَلمَة.
[٧] وَكَانَ خُنَيْس على حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ قبله، وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، شهد بَدْرًا بعد هجرته إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ شهد أحدا ونالته جِرَاحَة مَاتَ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَخُو عبد الله ابْن حذافة السَّهْمِي.
[٨] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب، وَشرح السِّيرَة. وَفِي الْأُصُول: «سعيد» وَهُوَ تَحْرِيف. قَالَ السهيليّ «وحيثما تكَرر نسب عدي بن سعد بن سهم، يَقُول فِيهِ ابْن إِسْحَاق: سعيد. وَالنَّاس على خِلَافه، إِنَّمَا هُوَ سعد ... وَإِنَّمَا سعيد بن سهم أَخُو سعد، وَهُوَ جد آل عَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل بن هَاشم بن سعيد ابْن سهم. وَفِي سهم سعيد آخر وَهُوَ ابْن سعد الْمَذْكُور، وَهُوَ جد الْمطلب بن أَبى ودَاعَة. وَاسم أَبى ودَاعَة عَوْف بن جبيرَة بن سعيد بن سعد» .
[٩] فِي نسب عَامر خلاف، فَمن النسابين من ينْسبهُ إِلَى عنز، وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى مذْحج فِي الْيمن، إِلَّا أَنهم مجمعون على أَنه حَلِيف للخطاب بن نفَيْل، لِأَنَّهُ تبناه. وَأسلم عَامر وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة مَعَ امْرَأَته، ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، وَشهد بَدْرًا وَسَائِر الْمشَاهد، وَتوفى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ، وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، كَمَا قيل سنة خمس وَثَلَاثِينَ، وَكَانَ يكنى أَبَا عبد الله.
مِنْ [١] عَنْزِ [٢] بْنِ وَائِلٍ، حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْزُ بْنُ وَائِلِ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ.
(إسْلَامُ ابْنَيْ جَحْشٍ، وَجَعْفَرٍ وَامْرَأَتِهِ، وَأَوْلَادِ الْحَارِثِ وَنِسَائِهِمْ، وَالسَّائِبِ، وَالْمُطَّلِبِ وَامْرَأَتِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ [٣] بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ [٤] بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَأَخُوهُ أَبُو أَحَمْدَ بْنُ جَحْشٍ، حَلِيفَا بَنِي أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ [٥] . وَجَعْفَرِ [٦] بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَامْرَأَتُهُ أَسَمَاءُ [٧] بِنْتُ عُمَيْسٍ [٨] بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ، مِنْ خَثْعَمَ [٩] .
وَحَاطِبُ [١٠] بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ بْنِ
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ابْن» وَهُوَ تَحْرِيف لِأَن بَين ربيعَة وعنز غير وَاحِد من الْآبَاء.
[٢] هُوَ بِسُكُون النُّون، وَقيل بِفَتْحِهَا، والسكون أعرف. (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] وَأم عبد الله أُمَيْمَة بنت عبد الْمطلب، وَكَانَ عبد الله حليفا لبني عبد شمس، أسلم قبل دُخُول رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم، وَكَانَ هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمد عبد بن من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، مِمَّن هَاجر الهجرتين. وَلَقَد تنصر أخوهما عبيد الله بن بِأَرْض الْحَبَشَة، وَمَات بهَا نَصْرَانِيّا، وَتزَوج رَسُول الله ﷺ زَوجته أم حَبِيبَة، وَلَقَد شهد عبد الله بَدْرًا، وَاسْتشْهدَ يَوْم أحد
[٤] فِي الِاسْتِيعَاب: «ابْن كثير» .
[٥] وَقيل بل كَانَا حليفين لِحَرْب بن أُميَّة. (رَاجع الِاسْتِيعَاب فِي تَرْجَمَة عبد الله وأخيه أَبى أَحْمد) .
[٦] وَكَانَ جَعْفَر يكنى أَبَا عبد الله، وَكَانَ أشبه النَّاس خلقا وخلقا برَسُول الله ﷺ، وَكَانَ أكبر من على بِعشر سِنِين، كَمَا كَانَ عقيل أكبر من جَعْفَر بِعشر سِنِين، وَكَانَ طَالب أكبر من عقيل بِعشر سِنِين. وَلَقَد هَاجر جَعْفَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَقدم مِنْهَا على رَسُول الله ﷺ حِين فتح خَيْبَر، فَتَلقاهُ النَّبِي ﷺ واعتنقه وَقَالَ: مَا أدرى بِأَيِّهِمَا أَنا أَشد فَرحا بقدوم جَعْفَر، أم بِفَتْح خَيْبَر؟ وَقتل جَعْفَر فِي غَزْوَة مُؤْتَة.
[٧] وَأم أَسمَاء هِنْد بنت عَوْف بن زُهَيْر، وَأَسْمَاء أُخْت مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ، وَأُخْت لبَابَة أم الْفضل زَوْجَة الْعَبَّاس. وَهَاجَرت أَسمَاء مَعَ زَوجهَا جَعْفَر إِلَى الْحَبَشَة فَولدت لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا وَعبد الله وعونا ثمَّ هَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا قتل جَعْفَر زَوجهَا تزَوجهَا أَبُو بكر، فَولدت لَهُ مُحَمَّد بن أَبى بكر، ثمَّ مَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوجهَا على بن أَبى طَالب، فَولدت لَهُ يحيى بن على بن أَبى طَالب.
[٨] فِي الِاسْتِيعَاب: «عُمَيْس بن مَالك بن النُّعْمَان ... إِلَخ» .
[٩] وَقيل فِي نَسَبهَا: إِنَّهَا أَسمَاء بنت عُمَيْس بن سعد بن الْحَارِث بن تيم بن كَعْب بن مَالك بن قُحَافَة ابْن عَامر بن ربيعَة بن عَامر بن مُعَاوِيَة بن زيد بن مَالك بن بشر بن وهب بن شَهْرَان بن عفرس بن خلف ابْن أقبل، وَهُوَ جمَاعَة خثعم بن أَنْمَار.
[١٠] وَلَقَد مَاتَ حَاطِب بِأَرْض الْحَبَشَة، وَكَانَ خرج إِلَيْهَا مَعَ امْرَأَته فَاطِمَة بنت المجلل مُهَاجِرين، وَولدت لَهُ فَاطِمَة هُنَاكَ ابنيه: مُحَمَّد بن حَاطِب، والْحَارث بن حَاطِب، وأتى بهما من هُنَاكَ غلامين.
١٧- سيرة ابْن هِشَام- ١
عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلَّلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ وَأَخُوهُ حَطَّابُ [١] بْنُ الْحَارِثِ، وَامْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ. وَمَعْمَرُ [٢] بْنُ الْحَارِثِ ابْن مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالسَّائِبُ [٣] بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبٍ. وَالْمُطَّلَبُ [٤] ابْن أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَامْرَأَتُهُ: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ [٥] بْنِ سَعِيدِ (بْنِ سَعْدِ) [٦] بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالنَّحَّامُ، وَاسْمُهُ نُعَيْمُ [٧] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ، أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ.
(إسْلَامُ نُعَيْمٍ وَنَسَبُهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدِ [٨] بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ
-----------------------
[١] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي الْأُصُول خطاب «بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة» وَهُوَ تَصْحِيف، وَلَقَد هَاجر حطاب مَعَ أَخِيه إِلَى أَرض الْحَبَشَة، فَمَاتَ فِي الطَّرِيق. وَقيل إِنَّه مَاتَ فِي الطَّرِيق مُنْصَرفه مِنْهَا.
[٢] وَهُوَ أَخُو حَاطِب وحطاب، وَهُوَ مِمَّن أَسْلمُوا قبل دُخُول رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم، وَلَقَد شهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا، وَتوفى فِي خلَافَة عمر رضي الله عنه.
[٣] وَلَقَد هَاجر السَّائِب مَعَ أَبِيه عُثْمَان بن مَظْعُون، وَمَعَ عميه قدامَة وَعبد الله إِلَى أَرض الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة، وَقتل السَّائِب وَهُوَ ابْن بضع وَثَلَاثِينَ سنة، قتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا.
[٤] وَهُوَ أَخُو عبد الرَّحْمَن وطليب ابْني أَزْهَر، وَكَانَ الْمطلب وطليب من مهاجرة الْحَبَشَة وَبهَا مَاتَا، وَكَانَ خُرُوج الْمطلب إِلَى الْحَبَشَة مَعَ امْرَأَته رَملَة، وَقد ولدت لَهُ بِأَرْض الْحَبَشَة عبد الله بن الْمطلب.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «ضبيرة»، بالضاد الْمُعْجَمَة، وَهِي لُغَة فِيهِ. وَهُوَ الّذي كَانَ شَابًّا جميلا يلبس حلَّة وَيَقُول للنَّاس: هَل ترَوْنَ بى بَأْسا؟ إعجابا بِنَفسِهِ فأصابته الْمنية بَغْتَة فَقَالَ الشَّاعِر فِيهِ:
من يَأْمَن الْحدثَان بعد ... ضبيرة الْقرشِي مَاتَا
سبقت منيته المشيب ... وَكَأن ميتَته افتلاتا
[٦] زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق. (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ص ٢٧٤) .
[٧] وَيُقَال إِن نعيم هَذَا أسلم بعد عشرَة نفر قبل إِسْلَام عمر بن الْخطاب، وَكَانَ يكتم إِسْلَامه، وَمنعه قومه لشرفه فيهم من الْهِجْرَة، لِأَنَّهُ كَانَ ينْفق على أرامل بنى عدي وأيتامهم ويمونهم، وَقتل بأجنادين شَهِيدا سنة ثَلَاث عشرَة فِي آخر خلَافَة أَبى بكر، وَقيل: قتل يَوْم اليرموك شَهِيدا فِي رَجَب سنة خمس عشرَة، فِي خلَافَة عمر.
[٨] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب وَشرح السِّيرَة. وَفِي الْأُصُول: «... أسيد بن عبد الله بن عَوْف ... إِلَخ» وَهُوَ تَحْرِيف.
ابْن عَوِيجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّحَّامَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ نَحْمَهُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَحْمُهُ: صَوْتُهُ. (وَنَحْمُهُ) [١]: حِسُّهُ [٢] .
(إسْلَامُ عَامِرِ بْنِ فَهَيْرَةَ وَنَسَبُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ [٣] مُوَلَّدٌ مِنْ مُوَلَّدِي الْأَسْدِ، أَسْوَدُ اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه مِنْهُمْ.
(إسْلَامُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَامْرَأَتُهُ أَمِينَةُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ [٤] بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَامْرَأَتُهُ أَمِينَةُ [٥] بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسَعْدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ جُعْثُمَةَ [٦] بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: هُمَيْنَةُ [٧] بِنْتُ خَلَفٍ.
(إسْلَامُ حَاطِبٍ وَأَبِي حُذَيْفَةَ وَإِسْلَامُ وَاقِدٍ، وَشَيْءٌ عَنْهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو [٨] بن عبد شمس بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ
---------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حسنه» .
[٣] وفهيرة أمه، وَكَانَ عبدا للطفيل بن الْحَارِث بن سَخْبَرَة. وَأسلم عَامر قبل دُخُول النَّبِي ﷺ دَار الأرقم، وَقَتله عَامر بن الطُّفَيْل يَوْم بِئْر مَعُونَة.
[٤] ويكنى خَالِد: أَبَا سعيد، وَيُقَال: إِنَّه أسلم بعد أَبى بكر الصّديق، فَكَانَ ثَالِثا أَو رَابِعا، وَقيل: كَانَ خَامِسًا. وَقد هَاجر إِلَى الْحَبَشَة مَعَ امْرَأَته الْخُزَاعِيَّة، وَولد لَهُ بهَا ابْنه سعيد بن خَالِد، وَابْنَته أم خَالِد، وَهَاجَر مَعَه إِلَى أَرض الْحَبَشَة أَخُوهُ عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ.
[٥] فِي الِاسْتِيعَاب: «أُمَيْمَة» وَقد نَص أَبُو ذَر على أَن مَا أَثْبَتْنَاهُ هُوَ الصَّوَاب.
[٦] فِي الْأُصُول: خثعمة. والتصويب عَن شرح السِّيرَة.
[٧] فِي الِاسْتِيعَاب وَفِي الْأُصُول: «هميمة» .
[٨] وَهُوَ أَخُو سُهَيْل وسليط والسكران أَبنَاء عَمْرو، وَقد أسلم حَاطِب قبل دُخُول الرَّسُول ﷺ دَار الأرقم، وَقد هَاجر إِلَى الْحَبَشَة الهجرتين جَمِيعًا، وَهُوَ أول من قدم الْحَبَشَة فِي الْهِجْرَة الأولى
ابْن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ. وَأَبُو حُذَيْفَةَ، وَاسْمُهُ مُهَشَّمٌ [١]- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَوَاقِدُ [٢] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عبد منَاف ابْن عَرِينَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ ابْن كَعْبٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَاءَتْ بِهِ بَاهِلَةُ، فَبَاعُوهُ مِنْ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَتَبَنَّاهُ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ٣٣: ٥ قَالَ: أَنَا وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِيمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ.
(إسْلَامُ بَنِي الْبَكِيرِ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدٌ [٣] وَعَامِرٌ [٤] وَعَاقِلٌ [٥] وَإِيَاسٌ [٦] بَنُو الْبَكِيرِ [٧]
-----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: قَالَ ابْن هِشَام: واسْمه مهشم، وَهُوَ وهم عِنْد أهل النّسَب، فَإِن مهشما إِنَّمَا هُوَ أَبُو حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة أَخُو هَاشم وَهِشَام ابْني الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم، وَأما أَبُو حُذَيْفَة بن عتبَة فاسمه قيس فِيمَا ذكرُوا.
[٢] وَلَقَد أسلم وَاقد قبل دُخُول رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم، وَهُوَ الّذي قتل عَمْرو ابْن الحضرميّ، وَشهد وَاقد مَعَ الرَّسُول ﷺ بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا، وَتوفى فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب.
[٣] وَلَقَد شهد هُوَ وَإِخْوَته بَدْرًا، وَقتل يَوْم الرجيع فِي صفر سنة أَربع من الْهِجْرَة، وَكَانَ يَوْم قتل ابْن أَربع وَثَلَاثِينَ سنة، وَكَانَت السّريَّة يَوْم الرجيع مَعَ عَاصِم بن ثَابت بن أَبى الْأَفْلَح، ومرثد بن أَبى مرْثَد الغنوي، قَاتلُوا هذيلا ورهطا من عضل والفارة حَتَّى قتلوا وَمن مَعَهم، وَأخذ خبيب بن عدي ثمَّ صلب، وَله يَقُول حسان:
أَلا لَيْتَني فِيهَا شهِدت ابْن طَارق ... وزيدا وَمَا تغني الْأَمَانِي ومرثدا
فدافعت عَن حبي خبيب وَعَاصِم ... وَكَانَ شِفَاء لَو تداركت خَالِدا
[٤] وَشهد عَامر بَدْرًا مَعَ إخْوَته، وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا.
[٥] شهد مَعَ إخْوَته بَدْرًا وَقتل بهَا، قَتله مَالك بن زُهَيْر الخطميّ، وَهُوَ ابْن أَربع وَثَلَاثِينَ سنة، وَكَانَ اسْمه غافلا، فَلَمَّا أسلم سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ عَاقِلا، وَكَانَ من أول من أسلم وَبَايع رَسُول الله ﷺ فِي دَار الأرقم.
[٦] وَلَقَد شهد إِيَاس بَدْرًا وأحدا وَالْخَنْدَق والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ، وَكَانَ إِسْلَامه وَإِسْلَام أَخِيه عَامر فِي دَار الأرقم. وَإيَاس هَذَا هُوَ وَالِد مُحَمَّد بن إِيَاس بن البكير الّذي يرْوى عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وأبى هُرَيْرَة، فِيمَن طلق امْرَأَته ثَلَاثًا قبل أَن يَمَسهَا أَنَّهَا لَا تحل لَهُ.
[٧] قَالَ ابْن عبد الْبر: «هَذَا كَلَام ابْن إِسْحَاق وَغَيره. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ ... أَبى الْكَبِير» .
ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ نَاشِبِ بْنِ غَيْرَةَ بْنِ [١] سَعْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةِ بْنِ كِنَانَةِ حَلْفَاءُ بَنِي [٢] عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ [٣]، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَنْسِيٌّ مِنْ مَذْحِجَ [٤] .
(إسْلَامُ صُهَيْبٍ وَنَسَبُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ [٥]، أَحَدُ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، حَلِيفُ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّمِرُ بْنُ قَاسِطِ بْنِ هِنْبٍ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ ابْن رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنُ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدٍ، وَيُقَالُ:
صُهَيْبٌ: مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ [٦] بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ،
---------------------
[١] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «غيرَة من بنى سعد» .
[٢] وَذَلِكَ أَن عبد ياليل كَانَ قد حَالف فِي الْجَاهِلِيَّة نفَيْل بن عبد الْعُزَّى جد عمر بن الْخطاب رضي الله عنه.
[٣] وَكَانَ عمار وَأمه سميَّة مِمَّن عذب فِي الله، ثمَّ أَعْطَاهُم عمار مَا أَرَادوا بِلِسَانِهِ، وَاطْمَأَنَّ بِالْإِيمَان قلبه، فَنزلت فِيهِ: إِلَّا من أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ١٦: ١٠٦. وَهَاجَر عمار إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَلَقَد شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا، وأبلى ببدر بلَاء حسنا، ثمَّ شهد الْيَمَامَة فأبلى فِيهَا أَيْضا، ويومئذ قطعت أُذُنه، وَقيل فِي صفّين، وَكَانَت سنه إِذْ ذَاك تزيد على التسعين.
[٤] وَقَالَ الْوَاقِدِيّ، وَطَائِفَة من أهل الْعلم بِالنّسَبِ وَالْخَبَر: «إِن ياسرا وَالِد عمار عرنى قحطانى مذحجى من عنس فِي مذْحج، إِلَّا أَن ابْنه عمارا مولى لبني مَخْزُوم، لِأَن أَبَاهُ ياسرا تزوج أمة لبَعض بنى مَخْزُوم، فَولدت لَهُ عمارا، وَذَلِكَ أَن ياسرا وَالِد عمار قدم مَكَّة مَعَ أَخَوَيْنِ لَهُ، أَحدهمَا يُقَال لَهُ الْحَارِث وَالثَّانِي مَالك، فِي طلب أَخ لَهُم رَابِع، فَرجع الْحَارِث وَمَالك إِلَى الْيمن، وَأقَام يَاسر بِمَكَّة، فحالف أَبَا حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم، فَزَوجهُ أَبُو حُذَيْفَة أمة لَهُ يُقَال لَهَا سميَّة بنت خياط فَولدت لَهُ عمارا، فَأعْتقهُ أَبُو حُذَيْفَة، فَمن هَذَا هُوَ عمار مولى لبني مَخْزُوم ... وللحلف وَالْوَلَاء الّذي بَين بنى مَخْزُوم وَابْن عمار وَأَبِيهِ يَاسر كَانَ اجْتِمَاع بنى مَخْزُوم إِلَى عُثْمَان حِين نَالَ من عمار غلْمَان عُثْمَان، مَا نالوا من الضَّرْب حَتَّى انفتق لَهُ فتق فِي بَطْنه. فاجتمعت بَنو مَخْزُوم وَقَالُوا: وَالله لَئِن مَاتَ مَا قتلنَا بِهِ أحدا غير عُثْمَان» .
[٥] وَهُوَ مِمَّن شهد بَدْرًا مَعَ رَسُول الله ﷺ. وَكَانَ إِسْلَامه هُوَ وعمار بن يَاسر فِي يَوْم وَاحِد، وَمَات صُهَيْب بِالْمَدِينَةِ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ فِي شَوَّال، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَقيل ابْن تسعين وَدفن بِالبَقِيعِ.
[٦] وَذَلِكَ أَن أَبَاهُ سِنَان بن مَالك، أَو عَمه، كَانَ عَاملا لكسرى على الأبلة، وَكَانَت مَنَازِلهمْ بِأَرْض الْموصل فِي قَرْيَة من شط الْفُرَات مِمَّا يَلِي الجزيرة والموصل، فأغارت الرّوم على تِلْكَ النَّاحِيَة فسبت صهيبا وَهُوَ غُلَام صَغِير، فَنَشَأَ صُهَيْب بالروم، فَصَارَ ألكن، فابتاعته مِنْهُم كلب، ثمَّ قدمت بِهِ مَكَّة، فَاشْتَرَاهُ
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 04:58 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (29)
صــ 261إلى صــ 270
وَيُقَالُ: إنَّهُ رُومِيٌّ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، إنَّمَا كَانَ أَسِيرًا فِي أَرْضِ الرُّومِ، فَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: صُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ.
مباداة رَسُول الله ﷺ قومه، وَمَا كَانَ مِنْهُم
(أَمْرُ اللَّهِ لَهُ ﷺ بِمُبَادَاةِ قَوْمِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْسَالًا مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى فَشَا ذِكْرُ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، وَتُحَدِّثَ بِهِ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عز وجل أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، وَأَنْ يُبَادِيَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ وَاسْتَتَرَ بِهِ إلَى أَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِظْهَارِ دِينِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ- فِيمَا بَلَغَنِي- مِنْ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ:
فَاصْدَعْ [١] بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ١٥: ٩٤. وَقَالَ تَعَالَى: وَأَنْذِرْ ٦: ٥١------------------------------
[()] عبد الله بن جدعَان التَّيْمِيّ مِنْهُم، فَأعْتقهُ، فَأَقَامَ مَعَه بِمَكَّة حَتَّى هلك عبد الله بن جدعَان، وَبعث النَّبِي ﷺ. وَأما صُهَيْب وَولده، فيزعمون أَنه إِنَّمَا هرب من الرّوم حِين عقل وَبلغ، فَقدم مَكَّة فحالف عبد الله بن جدعَان، وَأقَام مَعَه إِلَى أَن هلك.
[١] قَالَ السهيليّ: «وَالْمعْنَى: اصدع بِالَّذِي تُؤمر بِهِ، وَلكنه لما عدي الْفِعْل إِلَى الْهَاء حسن حذفهَا، وَكَانَ الْحَذف هَاهُنَا أحسن من ذكرهَا، لِأَن «مَا» فِيهَا من الْإِبْهَام أَكثر مِمَّا يَقْتَضِيهِ «الّذي» . وَقَوْلهمْ «مَا» مَعَ الْفِعْل بِتَأْوِيل الْمصدر، رَاجع إِلَى معنى «الّذي» إِذا تأملته، وَذَلِكَ أَن «الّذي» تصلح فِي كل مَوضِع تصلح فِيهِ «مَا» الَّتِي يسمونها المصدرية. نَحْو قَول الشَّاعِر:
عَسى الْأَيَّام أَن يرجعن ... قوما كَالَّذي كَانُوا
أَي كَمَا كَانُوا. فَقَوْل الله عز وجل إِذن: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ١٥: ٩٤»: إِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ: بِالَّذِي تُؤمر بِهِ من التَّبْلِيغ وَنَحْوه، وَإِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ: اصدع بِالْأَمر الّذي تؤمره، كَمَا تَقول: عجبت ... من الضَّرْب الّذي تضربه، فَتكون «مَا» هَاهُنَا عبارَة عَن الْأَمر الّذي هُوَ أَمر الله تَعَالَى، وَلَا يكون للباء فِيهِ دُخُول وَلَا تَقْدِير. وعَلى الْوَجْه الأول تكون «مَا» مَعَ صلتها عبارَة عَمَّا هُوَ فعل للنّبيّ ﷺ.
وَالْأَظْهَر أَنَّهَا مَعَ صلتها، عبارَة عَن الْأَمر الّذي هُوَ قَول الله ووحيه، بِدَلِيل حذف الْهَاء الراجعة إِلَى مَا، وَإِن كَانَت بِمَعْنى الّذي فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، إِلَّا أَنَّك إِذا أردْت معنى الْأَمر لم تحذف إِلَّا الْهَاء وَحدهَا، وَإِذا أردْت معنى الْمَأْمُور بِهِ حذفت بَاء وهاء، فَحذف وَاحِد أيسر من حذفين، مَعَ أَن صدعه وَبَيَانه إِذا علقته بِأَمْر الله ووحيه كَانَ حَقِيقَة، وَإِذا علقته بِالْفِعْلِ الّذي أَمر بِهِ كَانَ مجَازًا، وَإِذا صرحت بِلَفْظ الّذي
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٢٦: ٢١٤- ٢١٥.
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ١٥: ٨٩.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْمُفْرَدَاتِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اصْدَعْ: اُفْرُقْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ، وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ، يَصِفُ أُتُنَ [١] وَحْشٍ وَفَحْلَهَا:
وَكَأَنَّهُنَّ رِبَابَةٌ وَكَأَنَّهُ ... يَسَرٌ يُفِيضُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُ [٢]
أَيْ يُفَرَّقُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيُبَيِّنُ أَنْصِبَاءَهَا. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ رُؤْبَةُ ابْن الْعَجَّاجِ:
أَنْتَ الْحَلِيمُ وَالْأَمِيرُ الْمُنْتَقِمُ ... تَصْدَعُ بِالْحَقِّ وَتَنْفِي مَنْ ظَلِمْ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ [٣] فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
(خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ إلَى شِعَابِ مَكَّةَ، وَمَا فَعَلَهُ سَعْدٌ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا صَلَّوْا، ذَهَبُوا فِي الشِّعَابِ، فَاسْتَخْفَوْا بِصَلَاتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَبَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ، إذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَنَاكَرُوهُمْ، وَعَابُوا عَلَيْهِمْ مَا يَصْنَعُونَ حَتَّى قَاتَلُوهُمْ، فَضَرَبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِلَحْيِ [٤] بَعِيرٍ، فَشَجَّهُ [٥]، فَكَانَ أوّل دم هريق فِي الْإِسْلَامِ.
------------------------
[()] لم يكن حذفهَا بذلك الْحسن، وتأمله فِي الْقُرْآن تَجدهُ كَذَلِك، نَحْو قَوْله تَعَالَى: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٢: ٣٣. وَإِنَّمَا كَانَ الْحَذف مَعَ «مَا» أحسن لما قدمْنَاهُ من إبهامها، فَالَّذِي فِيهَا من الْإِبْهَام قربهَا من «مَا» الَّتِي هِيَ للشّرط لفظا وَمعنى.
[١] الأتن: جمع أتان، وَهِي الْأُنْثَى من الْحمر.
[٢] الربابة (بِكَسْر الرَّاء): خرقَة تلف فِيهَا القداح. وَتَكون أَيْضا جلدا. واليسر: الّذي يدْخل فِي الميسر. والقداح: جمع قدح، وَهُوَ السهْم.
[٣] هَذَا على أَنَّهُمَا من مشطور الرجز.
[٤] اللحى: الْعظم الّذي على الْفَخْذ، وَهُوَ من الْإِنْسَان: الْعظم الّذي تنْبت عَلَيْهِ اللِّحْيَة.
[٥] شجه: جرحه.
(إظْهَارُ قَوْمِهِ ﷺ الْعَدَاوَةَ لَهُ، وَحَدَبُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ)
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ بِالْإِسْلَامِ وَصَدَعَ بَهْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ- فِيمَا بَلَغَنِي- حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَعْظَمُوهُ وَنَاكَرُوهُ، وَأَجْمَعُوا خِلَافَهُ وَعَدَاوَتَهُ، إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ، وَحَدِبَ [١] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، مُظْهِرًا لِأَمْرِهِ، لَا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْتِبُهُمْ [٢] مِنْ شَيْءٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، مِنْ فِرَاقِهِمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حَدِبَ عَلَيْهِ، وَقَامَ دُونَهُ، فَلَمْ يُسْلِمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ، عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ. وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَاسْمُهُ الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ ابْن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: الْعَاصِ بْنُ هَاشِمٍ [٣] .
----------------------------
[١] أصل الحدب: الانحناء فِي الظّهْر، ثمَّ استعير فِيمَن عطف على غَيره ورق لَهُ، كَمَا قَالَ النَّابِغَة:
حدبت على بطُون ضبة كلهَا ... إِن ظَالِما فيهم وَإِن مَظْلُوما
وَقد يكون الحدب أَيْضا مُسْتَعْملا فِي معنى الْمُخَالفَة إِذا قرن بالقعس، كَقَوْل الشَّاعِر:
وَإِن حدبوا فاقعس وَإِن هم تقاعسوا ... لينتزعوا مَا خلف ظهرك فاحدب
[٢] لَا يعتبهم من شَيْء: أَي لَا يرضيهم، يُقَال: استعتبني فأعتبته: أَي أرضيته وأزلت العتاب عَنهُ.
[٣] قَالَ السهيليّ: «الّذي قَالَه ابْن إِسْحَاق، هُوَ قَول ابْن الْكَلْبِيّ، والّذي قَالَه ابْن هِشَام، هُوَ قَول الزبير بن أَبى بكر وَقَول مُصعب، وَهَكَذَا وجدت فِي حَاشِيَة كتاب الشَّيْخ أَبى بَحر سُفْيَان بن الْعَاصِ» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَأَبُو جَهْلٍ- وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ- بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ ابْن مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ [١] بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ.
(وَفْدُ قُرَيْشٍ مَعَ أَبِي طَالِبٍ فِي شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَوْ مَنْ مَشَى مِنْهُمْ. فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفَّهُ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا، وَإِمَّا أَنَّ تُخِلِّي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فَنَكْفِيكَهُ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا، وَرَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلًا، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ.
(اسْتِمْرَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَعْوَتِهِ، وَرُجُوعُ وَفْدِ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ ثَانِيَةً):
وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، يُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ، وَيَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ شَرَى [٢] الْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى تَبَاعَدَ الرِّجَالُ وَتَضَاغَنُوا [٣]، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهَا، فَتَذَامَرُوا [٤] فِيهِ، وَحَضَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُمْ مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالُوا لَهُ:
يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّ لَكَ سِنًّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِينَا، وَإِنَّا قَدْ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَلَمْ تَنْهَهُ عَنَّا، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا، حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ
----------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: هِشَام.
[٢] شرى: كثر وَاشْتَدَّ.
[٣] تضاغنوا: تعادوا.
[٤] تذامروا: حض بَعضهم بَعْضًا.
الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُ. (ثُمَّ) [١] انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ وَلَا خِذْلَانِهِ.
(طَلَبُ أَبِي طَالِبٍ إلَى الرَّسُولِ ﷺ الْكَفَّ عَنْ الدَّعْوَةِ وَجَوَابُهُ لَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ قَالُوا لِأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، بَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَاءُونِي، فَقَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي كَانُوا قَالُوا لَهُ، فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ، وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنْ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ، قَالَ: فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ بَدَاءٌ [٢] أَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ، وَأَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِهِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَمُّ، وَاَللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي [٣] عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَى ثُمَّ قَامَ، فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: أَقْبِلْ يَا بن أَخِي، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: اذْهَبْ يَا بن أَخِي، فَقُلْ مَا أَحْبَبْت، فو الله لَا أُسْلِمُكَ لِشَيْءِ أَبَدًا.
(مَشْيُ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ ثَالِثَةً بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا حِينَ عَرَفُوا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَبَى خِذْلَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِسْلَامَهُ، وَإِجْمَاعَهُ لِفِرَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ وَعَدَاوَتِهِمْ، مَشَوْا إلَيْهِ بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا لَهُ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَا أَبَا طَالِبٍ، هَذَا عُمَارَةُ
---------------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. والبداء: الِاسْم من بدا. يُرِيد: ظهر لَهُ رأى، فَسمى الرأى بداء، لِأَنَّهُ شَيْء يَبْدُو بعد مَا خَفِي. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بَدو» .
[٣] قَالَ السهيليّ: «خص الشَّمْس بِالْيَمِينِ لِأَنَّهَا الْآيَة المبصرة، وَخص الْقَمَر بالشمال لِأَنَّهَا الْآيَة الممحوة وَقد قَالَ عمر رحمه الله لرجل قَالَ لَهُ: إِنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن الشَّمْس وَالْقَمَر يقتتلان، وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا نُجُوم، فَقَالَ عمر: مَعَ أَيهمَا كنت؟ فَقَالَ: مَعَ الْقَمَر، قَالَ: كنت مَعَ الْآيَة الممحوة، اذْهَبْ فَلَا تعْمل لي عملا. وَكَانَ عَاملا لَهُ فَعَزله، فَقتل الرجل فِي صفّين مَعَ مُعَاوِيَة، واسْمه حَابِس بن سعد.
وَخص رَسُول الله ﷺ النيرين حِين ضرب الْمثل بهما، لِأَن نورهما محسوس، والنور الّذي جَاءَ بِهِ من عِنْد الله» .
ابْن الْوَلِيدِ، أَنْهَدُ [١] فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنَصْرُهُ، وَاِتَّخِذْهُ وَلَدًا فَهُوَ لَكَ، وَأَسْلِمْ إلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ هَذَا، الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ، وَسَفَّهُ أَحْلَامَهُمْ، فَنَقْتُلَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ بِرَجُلِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي [٢] ! أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ، وَأُعْطِيكُمْ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ! هَذَا وَاَللَّهِ مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا. قَالَ: فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ: وَاَللَّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وَجَهَدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُهُ، فَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلْمُطْعِمِ: وَاَللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، أَوْ كَمَا قَالَ. فَحَقَبَ [٣] الْأَمْرُ، وَحَمِيَتْ الْحَرْبُ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ، وَبَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
(شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي التَّعْرِيضِ بِالْمُطْعِمِ وَمَنْ خَذَلَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ):
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ عِنْدَ ذَلِكَ، يُعَرِّضُ بِالْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَيَعُمُّ مَنْ خَذَلَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَمَنْ عَادَاهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، وَيَذْكُرُ مَا سَأَلُوهُ، وَمَا تَبَاعَدَ مِنْ أَمرهم:
أَلا قل لِعَمْرٍو وَالْوَلِيدِ وَمُطْعِمٍ ... أَلَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ بَكْرُ [٤]
مِنْ الْخُورِ [٥] حَبْحَابٌ [٦] كَثِيرٌ رُغَاؤُهُ ... يَرُشُّ عَلَى السَّاقَيْنِ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرُ
-------------------------------
[١] أنهد: أَشد وَأقوى. وأصل هَذِه الْكَلِمَة للتقدم، يُقَال: نهد ثدي الْجَارِيَة، أَي برز قدما.
[٢] تسوموننى: تكلفوننى.
[٣] حقب: زَاد وَاشْتَدَّ: وَهُوَ من قَوْلك. حقب الْبَعِير: إِذا راغ عَنهُ الحقب من شدَّة الْجهد وَالنّصب، وَإِذا عسر عَلَيْهِ الْبَوْل أَيْضا لشدَّة الحقب على ذَلِك الْموضع
[٤] يُرِيد: أَي أَن بكرا من الْإِبِل أَنْفَع لي مِنْكُم، فليته لي بَدَلا من حياطتكم، كَمَا قَالَ طرفَة فِي عَمْرو ابْن هِنْد:
لَيْت لنا مَكَان الْملك عَمْرو ... رغوثا حول قبتنا تخور
[٥] الخور: الضِّعَاف.
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول. والحبحاب: الْقصير. ويروى: «جبجاب» بِالْجِيم. وَهُوَ الْكثير الهدر.
كَمَا يرْوى «خبخاب» بِالْخَاءِ، وَهُوَ الضَّعِيف.
تَخَلَّفَ خَلْفَ الْوِرْدِ لَيْسَ بِلَاحِقِ ... إذَا مَا عَلَا الْفَيْفَاءَ قِيلَ لَهُ وَبْرُ [١]
أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمِّنَا ... إذَا سُئِلَا قَالَا إلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ
بَلَى لَهُمَا أَمْرٌ وَلَكِنْ تَجَرْجَمَا [٢] ... كَمَا جُرْجِمَتْ مِنْ رَأْسِ ذِي [٣] عَلَقِ الصَّخْرِ [٤]
أَخُصُّ خُصُوصًا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا ... هُمَا نَبَذَانَا مِثْلَ مَا يُنْبَذُ الْجَمْرُ
هُمَا أَغْمَزَا [٥] لِلْقَوْمِ فِي أَخَوَيْهِمَا ... فَقَدْ أَصْبَحَا مِنْهُمْ أَكُفُّهُمَا [٦] صِفْرُ [٧]
هُمَا أَشْرَكَا فِي الْمَجْدِ مَنْ لَا أَبَا لَهُ ... مِنْ النَّاسِ إلَّا أَنْ يُرَسَّ [٨] لَهُ ذِكْرُ
وَتَيْمٌ وَمَخْزُومٌ وَزُهْرَةُ مِنْهُمْ ... وَكَانُوا لَنَا مَوْلًى إذَا بغى النّصر
فو الله لَا تَنْفَكُّ مِنَّا عَدَاوَةٌ ... وَلَا مِنْهُمْ مَا كَانَ مِنْ نَسْلِنَا شَفْرُ [٩]
فَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُهُمْ وَعُقُولُهُمْ ... وَكَانُوا كَجَفْرٍ بِئْسَ مَا صَنَعَتْ جَفْرُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتَيْنِ أَقْذَعَ فِيهِمَا.
(ذِكْرُ مَا فَتَنَتْ بَهْ قُرَيْشٌ الْمُؤْمِنِينَ وَعَذَّبَتْهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا تَذَامَرُوا بَيْنَهُمْ عَلَى مَنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ
--------------------------
[١] الْوَبر: دويبة على شكل الْهِرَّة. يُشبههُ بهَا لصغره، وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أَنه يصغر فِي الْعين لعلو الْمَكَان وَبعده.
[٢] تجرجم: سقط وَانْحَدَرَ.
[٣] ذُو علق: جبل فِي ديار بنى أَسد.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «صَخْر» . وعَلى الرِّوَايَة الأولى يكون حذف التَّنْوِين من «علق لالتقاء الساكنين، كَمَا قرئَ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، الله الصَّمَدُ ١١٢: ١- ٢. بِحَذْف التَّنْوِين من «أحد» . وعَلى الرِّوَايَة الثَّانِيَة يكون ترك صرف «علق» على أَنه اسْم بقْعَة، وَإِمَّا لِأَنَّهُ اسْم علم، وَترك صرف الِاسْم الْعلم سَائِغ فِي الشّعْر، وَإِن لم يكن مؤنثا وَلَا أعجميا، نَحْو قَول عَبَّاس بن مرداس:
وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ مرداس فِي الْمجمع
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وأغمز فلَان فِي فلَان: إِذا اسْتَضْعَفَهُ وعابه وَصغر شَأْنه. وَفِي أ:
«أغمرا» .
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أكفهم» .
[٧] الصفر: الْخَالِي.
[٨] يرس: يذكر. يُقَال: رسست الحَدِيث، إِذا حدثت بِهِ فِي خَفَاء.
[٩] شفر: أحد.
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَعَهُ، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَهُمْ، وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَمَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْهُمْ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قَامَ أَبُو طَالِبٍ، حِينَ رَأَى قُرَيْشًا يَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ، فَدَعَاهُمْ إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالْقِيَامِ دُونَهُ، فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَقَامُوا مَعَهُ، وَأَجَابُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ، عَدُوِّ اللَّهِ الْمَلْعُونِ.
(شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي مَدْحِ قَوْمِهِ لِحَدَبِهِمْ عَلَيْهِ):
فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مَا سَرَّهُ فِي جَهْدِهِمْ مَعَهُ، وَحَدَبِهِمْ عَلَيْهِ، جَعَلَ يَمْدَحُهُمْ وَيَذْكُرُ قَدِيمَهُمْ، وَيَذْكُرُ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ، وَمَكَانَهُ مِنْهُمْ، لِيَشُدَّ لَهُمْ رَأْيَهُمْ، وَلِيَحْدَبُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَالَ:
إذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا قُرَيْشٌ لِمَفْخَرٍ ... فَعَبْدُ مَنَافٍ سِرُّهَا وَصَمِيمُهَا [١]
وَإِنْ حَصَلَتْ أَشْرَافُ عَبْدِ مَنَافِهَا [٢] ... فَفِي هَاشِمٍ أَشْرَافُهَا وَقَدِيمُهَا
وَإِنْ فَخَرَتْ يَوْمًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا ... هُوَ الْمُصْطَفَى مَنْ سِرِّهَا وَكَرِيمُهَا
تَدَاعَتْ قُرَيْشٌ غَثَّهَا وَسَمِينُهَا ... عَلَيْنَا فَلَمْ تَظْفَرْ وَطَاشَتْ حُلُومُهَا [٣]
وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً ... إذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا [٤]
وَنَحْمِي حِمَاهَا كُلَّ يَوْمٍ كَرِيهَةً ... وَنَضْرِبُ عَنْ أَجْحَارِهَا مَنْ يَرُومُهَا [٥]
بِنَا انْتَعَشَ الْعُودُ الذَّوَاءُ وَإِنَّمَا ... بِأَكْنَافِنَا تَنْدَى وَتَنْمَى أُرُومُهَا [٦]
----------------------
[١] سرها، وَسطهَا. وصميمها: خالصها.
[٢] وَفِي رِوَايَة: «أَنْسَاب» .
[٣] الغث: فِي الأَصْل، اللَّحْم الضَّعِيف فاستعاره هُنَا لمن لَيْسَ نسبه هُنَالك. وطاشت: ذهبت.
[٤] ثنوا: عطفوا. وصعر الخدود: المائلة. يُقَال: صعر خَدّه، إِذا أماله إِلَى جِهَة، فعل المتكبر قَالَ الله تَعَالَى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ٣١: ١٨.
[٥] كَذَا فِي الْأُصُول. يُرِيد بهَا حصونها ومعاقلها. وَفِي رِوَايَة: «أحجارها» . والأحجار: جمع حجر، وَالْحجر (هُنَا): مستعار، وَإِنَّمَا يُرِيد: عَن بيوتها ومساكنها.
[٦] الذواء: الّذي جَفتْ رطوبته. والأروم: جمع أرومة، وَهِي الأَصْل.
تَحَيُّرُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِيمَا يَصِفُ بِهِ الْقُرْآنَ
(اجْتِمَاعُهُ بِنَفَرِ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَبِيتُوا ضِدَّ النَّبِيِّ ﷺ، وَاتِّفَاقُ قُرَيْشٍ أَنْ يَصِفُوا الرَّسُولَ ﷺ بِالسَّاحِرِ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ):
ثُمَّ إنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَيَرُدَّ قَوْلُكُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا، قَالُوا:
فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ [١] بِهِ، قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا أَسْمَعْ، قَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنِ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْكُهَّانَ فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ [٢] الْكَاهِنِ وَلَا سَجْعِهِ، قَالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونِ.
لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ، فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ، وَلَا تَخَالُجِهِ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ، قَالُوا:
فَنَقُولُ: شَاعِرٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرِ، لَقَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ رَجَزَهُ وَهَزَجَهُ وَقَرِيضَهُ وَمَقْبُوضَهُ وَمَبْسُوطَهُ، فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ، قَالُوا: فَنَقُولُ: سَاحِرٌ، قَالَ:
مَا هُوَ بِسَاحِرِ، لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِمْ وَلَا عَقْدِهِمْ [٣]، قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَعَذِقٌ [٤]، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجُنَاةٌ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ لَغَدِقٌ [٥]- وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لَأَنْ تَقُولُوا سَاحِرٌ، جَاءَ بِقَوْلٍ هُوَ سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ
--------------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نقل» .
[٢] الزمزمة: الْكَلَام الخلفى الّذي لَا يسمع.
[٣] إِشَارَة إِلَى مَا كَانَ يفعل السَّاحر بِأَن يعْقد خيطا ثمَّ ينفث فِيهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: وَمن شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ١١٣: ٤. يعْنى الساحرات.
[٤] العذق (بِالْفَتْح): النَّخْلَة. يُشبههُ بالنخلة الَّتِي ثَبت أَصْلهَا وقوى وطاب فرعها إِذا جنى.
[٥] الغدق: المَاء الْكثير. وَمِنْه يُقَال: غيدق الرجل: إِذا كثر بصاقه. وَكَانَ أحد أجداد النَّبِي ﷺ يُسمى الغيدق، لِكَثْرَة عطائه.
وَزَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ. فَتُفَرِّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النَّاسِ حِينَ قَدِمُوا الْمَوْسِمَ، لَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا حَذَّرُوهُ إيَّاهُ، وَذَكَرُوا لَهُمْ أَمْرَهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَفِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ذَرْنِي وَمن خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا ٧٤: ١١- ١٦: أَيْ خَصِيمًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنِيدٌ: مُعَانِدٌ مُخَالِفٌ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
وَنَحْنُ ضَرَّابُونَ رَأْسَ [١] الْعُنَّدِ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٧٤: ١٧- ٢٢.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَسَرَ: كَرَّهَ وَجْهَهُ. قَالَ الْعَجَّاجُ:
مُضَبَّرُ اللَّحْيَيْنِ بَسْرًا مِنْهَسَا [٣]
يَصِفُ كَرَاهِيَةَ وَجْهِهِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ:
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ٧٤: ٢٣- ٢٥.
(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ الْمُغِيرَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [٤]: فِي النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يُصَنِّفُونَ الْقَوْلَ
------------------------
[١] فِي أ: «هام» .
[٢] فِي استشهاد ابْن هِشَام بِبَيْت رؤبة عقب تَفْسِيره لكلمة «العنيد» مَا يشْعر بِأَن «عِنْد»: جمع «لعنيد» . والّذي فِي اللِّسَان والراغب أَن عِنْد: جمع لعاند، وَهِي مماتة.
[٣] المضبر: الشَّديد الْخلق. واللحيان: العظمان اللَّذَان فِي الْوَجْه، والمنهس: الّذي يَأْخُذ اللَّحْم بِمقدم أَسْنَانه، وَقد روى هَذَا الْبَيْت فِي اللِّسَان (مادتي ضبر ونهس) هَكَذَا:
مضبر اللحيين نسرا منهسا
وَنسبه ابْن مَنْظُور فِي مَادَّة (نهس) للعجاج، قَالَ: «... وَفِي الحَدِيث: أَنه أَخذ عظما فنهس مَا عَلَيْهِ من اللَّحْم» أَي أَخذه بِفِيهِ، ونسر منهس. قَالَ العجاج ثمَّ سَاق الْبَيْت.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أنزل الله تَعَالَى فِي رَسُول الله ﷺ، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ من الله تَعَالَى و... إِلَخ» .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 07:39 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (30)
صــ 271إلى صــ 280
فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ. فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ١٥: ٩٠- ٩٣.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاحِدَةُ الْعِضِينَ: عِضَةٌ، يَقُولُ: عَضَّوْهُ: فَرَّقُوهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمُعَضَّى
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
(تَفَرُّقُ النَّفَرِ فِي قُرَيْشٍ يُشَوِّهُونَ رِسَالَةَ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَعَلَ أُولَئِكَ النَّفَرُ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ لَقُوا مِنْ النَّاسِ، وَصَدَرَتْ الْعَرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا.
(شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي اسْتِعْطَافِ قُرَيْشٍ):
فَلَمَّا خَشِيَ أَبُو طَالِبٍ دَهْمَاءَ الْعَرَبِ أَنْ يَرْكَبُوهُ مَعَ قَوْمِهِ، قَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي تَعَوَّذَ فِيهَا بِحَرَمِ مَكَّةَ وَبِمَكَانِهِ مِنْهَا، وَتَوَدَّدَ فِيهَا أَشْرَافُ قَوْمِهِ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ يُخْبِرُهُمْ وَغَيْرَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ شِعْرِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَا تَارِكُهُ لِشَيْءِ أَبَدًا حَتَّى يَهْلِكَ دُونَهُ، فَقَالَ:
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدَّ فِيهِمْ ... وَقَدْ قَطَعُوا كُلَّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ
وَقَدْ صَارَحُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى ... وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوِّ الْمُزَايِلِ
وَقَدْ حَالَفُوا قَوْمًا عَلَيْنَا أَظِنَّةً ... يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفَنَا بِالْأَنَامِلِ
صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسِي بِسَمْرَاءَ سَمْحَةٍ ... وَأَبْيَضَ عَضْبٍ مِنْ تُرَاثِ الْمَقَاوِلِ [١]
--------------------------
[١] المقاول: الْمُلُوك، يُرِيد بهم آباءه، وَلم يَكُونُوا ملوكا وَلَا كَانَ فيهم من ملك، بِدَلِيل حَدِيث أَبى سُفْيَان حِين قَالَ لَهُ هِرقل: هَل كَانَ فِي آبَائِهِ من ملك؟ فَقَالَ: لَا، وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا السَّيْف الّذي ذكره أَبُو طَالب من هبات الْمُلُوك لِأَبِيهِ، فقد وهب ابْن ذِي يزن لعبد الْمطلب هبات جزيلة حِين وَفد عَلَيْهِ مَعَ قُرَيْش يهنئونه بظفره بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ بعد مولد رَسُول الله ﷺ بعامين.
وَأَحْضَرْتُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَهْطِي وَإِخْوَتِي ... وَأَمْسَكْتُ مِنْ أَثْوَابهِ بِالْوَصَائِلِ [١]
قِيَامًا مَعًا مُسْتَقْبِلِينَ رِتَاجَهُ ... لُدًى حَيْثُ يَقْضِي حَلْفَهُ كُلُّ نَافِلِ [٢]
وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ... بِمُفْضَى السُّيُولِ مِنْ إسَافٍ وَنَائِلِ
مُوَسَّمَةُ الْأَعْضَادِ أَوْ قَصَرَاتُهَا ... مُخَيَّسَةٌ بَيْنَ السَّدِيسِ وَبَازِلِ [٣]
تَرَى الْوَدْعَ فِيهَا وَالرُّخَامَ وَزِينَةً ... بِأَعْنَاقِهَا مَعْقُودَةٌ كَالْعَثَاكِلِ [٤]
أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ ... عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِلِ
وَمِنْ كَاشِحٍ يَسْعَى لَنَا بِمَعِيبَةٍ ... وَمِنْ مُلْحِقٍ فِي الدِّينِ مَا لَمْ نُحَاوِلْ
وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ ... وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ [٥]
وَبِالْبَيْتِ، حَقُّ الْبَيْتِ، مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ ... وباللَّه إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ
وَبِالْحَجَرِ الْمُسْوَدِّ إذْ يَمْسَحُونَهُ ... إذَا اكْتَنَفُوهُ بِالضُّحَى وَالْأَصَائِلِ [٦]
وَمَوْطِئِ [٧] إبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ ... عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
-------------------------
[١] الوصائل: ثِيَاب حمر فِيهَا خطوط، كَانَ يكسى بهَا الْبَيْت.
[٢] كل نافل: أَي كل متبرئ، يُقَال: انتفل من كَذَا، إِذا تَبرأ مِنْهُ، فَاسْتعْمل اسْم الْفَاعِل من الثلاثي غير الْمَزِيد. قَالَ الْأَعْشَى:
لَا تلفنا من دِمَاء الْقَوْم ننتفل
[٣] موسمة: معلمة، وَيُقَال لذَلِك الوسم الّذي فِي الأعضاد: السطاع والرقمة أَيْضا، وللذي فِي الْفَخْذ: الْخياط، وللذي فِي الكشح: الكشاح، وَلما فِي قصرة الْعُنُق: العلاط. والقصرات: جمع قصرة، وَهِي أصل الْعُنُق، وخفضها بالْعَطْف على الأعضاد. والمخيسة: المذللة. والسديس من الْإِبِل:
الّذي دخل فِي السّنة الثَّامِنَة. والبازل: الّذي خرج نابه، وَذَلِكَ فِي السّنة التَّاسِعَة.
[٤] الودع (بِالسُّكُونِ وَالْفَتْح): خَرَزَات تنظم ويتحلى بهَا النِّسَاء وَالصبيان. قَالَ الشَّاعِر:
إِن الروَاة بِلَا فهم لما حفظوا ... مثل الْجمال عَلَيْهَا يحمل الودع
لَا الودع يَنْفَعهُ حمل الْجمال لَهُ ... وَلَا الْجمال بِحمْل الودع تنْتَفع
والرخام: أَي مَا قطع من الرخام. والعثاكل الأغصان الَّتِي ينْبت عَلَيْهَا الثَّمر وَاحِدهَا عثكول وَجَمعهَا.
عثاكيل، وحذفت الْيَاء للضَّرُورَة.
[٥] ثَوْر وثبير وحراء. جبال بِمَكَّة، وَيُقَال إِن ثبيرا سمى كَذَلِك باسم رجل من هُذَيْل مَاتَ فِيهِ فَعرف بِهِ.
[٦] اكتنفوه: أحاطوا بِهِ.
[٧] يعْنى مَوضِع قَدَمَيْهِ، وَذَلِكَ فِيمَا يُقَال: حِين غسلت كنته رَأسه وَهُوَ رَاكب، فاعتمد بقدمه على الصَّخْرَة حَتَّى أمال رَأسه ليغسل، وَكَانَت سارة قد أخذت عَلَيْهِ عهدا حِين استأذنها فِي أَن يطالع تركته بِمَكَّة، فَحلف لَهَا أَنه لَا ينزل عَن دَابَّته، وَلَا يزِيد على السَّلَام واستطلاع الْحَال، غيرَة من سارة عَلَيْهِ من هَاجر، فحين اعْتمد على الصَّخْرَة أبقى الله فِيهَا أثر قدمه آيَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
١٨- سيرة ابْن هِشَام- ١
وَأَشْوَاطٌ بَيْنَ الْمَرْوَتَيْنِ إلَى الصّفَا ... وَمَا فِيهِمَا مِنْ صُورَةٍ وَتَمَاثُلِ [١]
وَمنْ حَجَّ بَيْتِ اللهِ مِنْ كُلِّ رَاكِبٍ ... وَمِنْ كُلِّ ذِي نَذْرٍ وَمِنْ كُلِّ رَاجِلِ
وَبِالْمُشْعِرِ [٢] الْأَقْصَى إذَا عَمَدُوا لَهُ ... إلَالٌ إلَى مُفْضَى الشِّرَاجِ الْقَوَابِلِ [٣]
وَتَوْقَافِهِمْ فَوْقَ الْجِبَالِ عَشِيَّةً ... يُقِيمُونَ بِالْأَيْدِي صُدُورَ الرَّوَاحِلِ
وَلَيْلَةِ جَمْعٍ [٤] وَالْمَنَازِلِ مِنْ مِنًى ... وَهَلْ فَوْقَهَا مِنْ حُرْمَةٍ ومنازل
وَجمع إِذْ مَا الْمُقْرَبَاتِ أَجَزْنَهُ ... سِرَاعًا كَمَا يَخْرُجْنَ مِنْ وَقْعِ وَابِلِ [٥]
وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى إذَا صَمَدُوا لَهَا ... يَؤُمُّونَ قَذْفًا رَأْسَهَا بِالْجَنَادِلِ
وَكِنْدَةُ إذَا هُمْ بِالْحِصَابِ عَشِيَّةً ... تُجِيزُ بِهِمْ حُجَّاجُ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ [٦]
حَلِيفَانِ شَدَّا عَقْدَ مَا احْتَلَفَا لَهُ ... وَرَدَّا عَلَيْهِ عَاطِفَاتِ الْوَسَائِلِ
وَحَطْمِهِمْ [٧] سُمْرَ [٨] الصَّفَاحِ [٩] وَسَرْحُهُ [١٠]
-----------------
................[١] الشوط: الجرى إِلَى الْغَايَة مرّة وَاحِدَة، وَأَرَادَ بالأشواط السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة. والمروتين:
يُرِيد الصَّفَا والمروة، فغلب. والتماثيل: الصُّور، وَأَصلهَا تماثيل، وواحدها تِمْثَال، وَأسْقط الْيَاء ضَرُورَة.
[٢] الْمشعر الْأَقْصَى: عَرَفَة.
[٣] إلال (كسحاب وَكتاب): جبل بِعَرَفَات، أَو جبل رمل عَن يَمِين الإِمَام بِعَرَفَة. قَالَ النَّابِغَة:
يزرن إلالا سيرهن التدافع
وسمى كَذَلِك لِأَن الحجيج إِذا رَأَوْهُ ألوا فِي السّير: أَي اجتهدوا فِيهِ ليدركوا الْموقف. قَالَ الراجز:
مهر أَبى الحبحاب لَا تشلى ... بَارك فِيك الله من ذِي أل
أَي من فرس ذِي سرعَة. والشراج: جمع شرج، وَهُوَ مسيل المَاء. والقوابل: المتقابلة.
[٤] جمع: الْمزْدَلِفَة، معرفَة، وَسميت الْمزْدَلِفَة بذلك لِاجْتِمَاع النَّاس بهَا.
[٥] المقربات: الْخَيل الَّتِي تقرب مرابطها من الْبيُوت لكرمها، والوابل: الْمَطَر الشَّديد.
[٦] الحصاب: مَوضِع رمى الْجمار، مَأْخُوذ من الْحَصْبَاء، وَهُوَ مصدر نقل إِلَى مَكَان.
[٧] الحطم: الْكسر.
[٨] قَالَ أَبُو ذَر. والسمر: «من شجر الطلح، وَسكن الْمِيم تَخْفِيفًا، كَمَا قَالُوا فِي عضد: عضد (بالإسكان) . وَمن ضم السِّين فَإِنَّهُ نقل حَرَكَة الْمِيم إِلَيْهَا، ثمَّ أسكن الْمِيم. وَقَالَ السهيليّ:
«يجوز أَن يكون أَرَادَ بِهِ السمر، يُقَال فِيهِ سمر وَسمر (بِسُكُون الْمِيم)، وَيجوز نقل ضمة الْمِيم إِلَى مَا قبلهَا إِلَى السِّين، كَمَا قَالُوا فِي حسن: حسن، وَكَذَا وَقع فِي الأَصْل بِضَم السِّين، غير أَن هَذَا النَّقْل إِنَّمَا يَقع غَالِبا فِيمَا يُرَاد بِهِ الْمَدْح أَو الذَّم نَحْو حسن وقبح، كَمَا قَالَ: وَحسن ذَا أدبا، أَي حسن ذَا أدبا.
وَجَائِز أَن يُرَاد بالسمر هَاهُنَا: جمع أسمر وسمراء، وَيكون وَصفا للنبات وَالشَّجر، كَمَا يُوصف بالدهمة إِذا كَانَ مخضرا. وَفِي التَّنْزِيل: مُدْهامَّتانِ ٥٥: ٦٤. أَي خضراوان إِلَى السوَاد.
[٩] كَذَا فِي أوالصفاح: جمع صفح، وَهُوَ عرض الْجَبَل، وَيُقَال هُوَ أَسْفَله حَيْثُ يسيل مَاؤُهُ.
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الرماح» .
[١٠] السَّرْح: شجر عِظَام، وَقيل: كل شجر لَا شوك لَهُ.
.............. وَشَبْرِقَهٌ ... [١] وَخْدَ النَّعَامِ الْجَوَافِلِ [٢]
فَهَلْ بَعْدَ هَذَا مِنْ مُعَاذٍ لِعَائِذٍ ... وَهَلْ مِنْ مُعِيذٍ يَتَّقِي اللَّهَ عَاذِلِ
يُطَاعُ بِنَا الْعُدَّى وَوَدُّوا لَوْ انَّنَا [٣] ... تُسَدُّ بِنَّا أَبْوَابُ تُرْكٍ وَكَابُلِ [٤]
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَتْرُكُ مَكَّةَ ... وَنَظْعَنُ إلَّا أَمْرُكُمْ فِي بَلَابِلِ [٥]
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْزَى مُحَمَّدًا ... وَلَمَّا نُطَاعِنُ دُونَهُ وَنُنَاضِلْ [٦]
وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ... وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ [٧]
وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ [٨] إلِيْكُمُ ... نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ [٩]
وَحَتَّى تَرَى ذَا الضِّغْنِ يَرْكَبُ رَدْعَهُ ... مِنْ الطَّعْنِ فِعْلَ الْأَنْكَبِ الْمُتَحَامِلِ [١٠]
وَإِنَّا لَعَمْرُ اللَّهِ إنْ جَدَّ مَا أَرَى ... لَتَلْتَبِسَنَّ أَسْيَافُنَا بِالْأَمَاثِلِ
بِكَفَّيْ فَتًى مِثْلَ الشِّهَابِ سَمَيْدَعِ ... أَخِي ثِقَةٍ حَامِي الْحَقِيقَةِ بَاسِلِ [١١]
--------------------------
[١] الشبرق: نَبَات يُقَال ليابسه الْحلِيّ، ولرطبه الشبرق.
[٢] الوخد: السّير السَّرِيع. والجوافل: الذاهبة المسرعة.
[٣] كَذَا ورد هَذَا الشّطْر فِي أ. والعدي: جمع عَاد، من عدا عَلَيْهِ يعدو. كَمَا قَالُوا: غاز وغزي، وعاف وَعفى. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
يطاع بِنَا أَمر الْعَدَاوَة أننا
[٤] ترك وكابل: جيلان من النَّاس. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٥] كَذَا فِي الْأُصُول. والبلابل: وساوس الهموم، وَاحِدهَا بلبال. ويروى: فِي «تلاتل» . أَي فِي حَرَكَة واضطراب.
[٦] نبزى مُحَمَّدًا: أَي نسلبه ونغلب عَلَيْهِ. وَرِوَايَة اللِّسَان وَالنِّهَايَة: يبزى مُحَمَّد أَي يقهر ويغلب، أَرَادَ «لَا يبزى» فَحذف «لَا» من جَوَاب الْقسم وَهِي مُرَادة. ونناضل: نرامى بِالسِّهَامِ.
[٧] الحلائل: الزَّوْجَات، واحدتها: حَلِيلَة.
[٨] فِي أ: «فِي الْحَدِيد» .
[٩] الروايا: الْإِبِل الَّتِي تحمل المَاء والأسقية، واحدتها: راوية. وأصل هَذَا الْجمع: رواوى، ثمَّ يصير فِي الْقيَاس روائى، مثل حوائل جمع حَائِل. وَلَكنهُمْ قلبوا الكسرة فَتْحة بعد مَا قدمُوا الْيَاء قبلهَا، وَصَارَ وَزنه فوالع. وَإِنَّمَا قلبوه كَرَاهِيَة اجْتِمَاع واوين: وَاو فواعل وَالْوَاو الَّتِي هِيَ عين الْفِعْل. وَوجه آخر:
وَهُوَ أَن الْوَاو الثَّانِيَة قياسها أَن تنْقَلب همزَة فِي الْجمع لوُقُوع الْألف بَين واوين، فَلَمَّا انقلبت همزَة قلبوها يَاء كَمَا فعلوا فِي خَطَايَا وبابه، مِمَّا الْهمزَة فِيهِ مُعْتَرضَة فِي الْجمع. والصلاصل: المزادات لَهَا صلصلة بِالْمَاءِ.
[١٠] الضغن: الْعَدَاوَة. وَركب ردعه: إِذا خر صَرِيعًا لوجهه. والأنكب: المائل إِلَى جِهَة، والّذي مَشى على شقّ.
[١١] السميدع: السَّيِّد. والباسل: الشجاع.
شُهُورًا وَأَيَّامًا وَحَوْلًا مُجَرَّمًا [١] ... عَلَيْنَا وَتَأْتِي حَجَّةٌ بَعْدَ قَابِلِ
وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ، لَا أَبَا لَكَ، سَيِّدًا ... يَحُوطُ الذِّمَارَ غَيْرَ ذَرْبٍ مُوَاكِلِ [٢]
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ [٣]
يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّافُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَة وفواضل
لَعَمْرِي لَقَدْ أَجْرَى أُسَيْدٌ وَبِكْرُهُ ... إلَى بُغْضِنَا وَجَزَّآنَا لِآكُلْ [٤]
وَعُثْمَانُ لَمْ يَرْبَعْ عَلَيْنَا وَقُنْفُذٌ [٥] ... وَلَكِنْ أَطَاعَا أَمْرَ تِلْكَ الْقَبَائِلِ
أَطَاعَا أُبَيًّا وَابْنَ عَبْدِ يُغِوثْهُمْ ... وَلَمْ يَرْقُبَا فِينَا مَقَالَةَ قَائِلِ
كَمَا قَدْ لَقِينَا مِنْ سُبَيْعٍ وَنَوْفَلٍ ... وَكُلٌّ تَوَلَّى مُعْرِضًا لَمْ يُجَامِلْ
فَإِنْ يُلْقِيَا [٦] أَوْ يُمْكِنْ اللَّهُ مِنْهُمَا ... نَكِلْ لَهُمَا صَاعًا بِصَاعِ الْمُكَايِلِ
وَذَاكَ أَبُو عَمْرٍو أَبَى غَيْرَ بُغْضِنَا ... لِيَظْعَنَنَا فِي أَهْلِ شَاءٍ وَجَامِلِ [٧]
يُنَاجِي بِنَا فِي كُلِّ مُمْسًى وَمُصْبَحٍ ... فَنَاجِ أَبَا عَمْرٍو بِنَا ثُمَّ خَاتِلِ [٨]
وَيُؤْلَى [٩] لَنَا باللَّه مَا إنْ يَغُشُّنَا ... بَلَى قَدْ نَرَاهُ جَهْرَةً غَيْرَ حَائِلِ
أَضَاقَ عَلَيْهِ بُغْضُنَا كُلَّ تَلْعَةٍ ... مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ أَخْشُبٍ فَمُجَادِلِ [١٠]
----------------------
[١] حولا مجرما: حولا كَامِلا، يُقَال: تجرم الْعَام، والشتاء، والصيف: تصرم. وجرمناه قطعناه، وأتممناه، وعام مجرم، وَفِي الْأُصُول: «محرما» بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] الذمار: مَا يلزمك حمايته. والذرب (مخففا): الْفَاحِش الْمنطق. والمواكل: الّذي لَا جد عِنْده، فَهُوَ يكل أُمُوره إِلَى غَيره.
[٣] ثمال الْيَتَامَى: الّذي يثملهم وَيقوم بهم، يُقَال: هُوَ ثمال مَال: أَي يقوم بِهِ.
[٤] سيعرض ابْن إِسْحَاق للْكَلَام على الْأَعْلَام الَّتِي وَردت فِي هَذِه القصيدة بعد الْفَرَاغ مِنْهَا.
[٥] لم يربع: لم يقم وَلم يعْطف.
[٦] كَذَا فِي أ. وَيُرِيد بالإلقاء: التَّسْلِيم والخضوع. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يلفيا» بِالْفَاءِ.
[٧] كَذَا فِي أ. وَالشَّاء: اسْم للْجمع. والجامل: اسْم لجَماعَة الْجمال، وَمثله الباقر، اسْم لجَماعَة الْبَقر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ليطغنا ... إِلَخ» .
[٨] الختل: الخداع وَالْمَكْر.
[٩] يُولى: يقسم وَيحلف.
[١٠] التلعة: المشرف من الأَرْض. وأخشب (بِضَم) الشين. جمع الأخشبين، وَهِي جبلان بِمَكَّة، جمعهَا مَعَ اتَّصل بهما على غير قِيَاس، إِذْ الْقيَاس: أخاشب، ويروى، بِفَتْح الشين على الْإِفْرَاد، وَيُرَاد بِهِ التَّثْنِيَة لشهرة الأخشبين. والمجادل: الْقُصُور والحصون فِي رُءُوس الْجبَال. كَأَنَّهُ يُرِيد مَا بَين جبال مَكَّة فقصور الشَّام وَالْعراق.
وَسَائِلْ أَبَا الْوَلِيدِ مَاذَا حَبَوْتَنَا ... بِسَعْيِكَ فِينَا مُعْرِضًا كَالْمُخَاتِلِ
وَكُنْتَ امْرَأً مِمَّنْ يُعَاشُ بِرَأْيِهِ ... وَرَحْمَتُهُ فِينَا وَلَسْتَ بِجَاهِلِ
فَعُتْبَةُ لَا تَسْمَعْ بِنَا قَوْلَ كَاشِحٍ [١] ... حَسُودٍ كَذُوبٍ مُبْغِضٍ ذِي دَغَاوِلِ [٢]
وَمَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عَنِّي مُعْرِضًا ... كَمَا مَرَّ قَيْلٌ [٣] مِنْ عِظَامِ الْمَقَاوِلِ
يَفِرُّ إلَى نَجْدٍ وَبَرْدِ مِيَاهِهِ ... وَيَزْعُمُ أَنِّي لَسْتُ عَنْكُمْ بِغَافِلِ
وَيُخْبِرُنَا فِعْلَ الْمُنَاصِحِ أَنَّهُ ... شَفِيقٌ وَيُخْفِي عَارِمَاتِ [٤] الدَّوَاخِلِ [٥]
أَمُطْعِمُ لَمْ أَخْذُلْكَ فِي يَوْمٍ نَجْدَةٍ ... وَلَا مُعْظِمٍ عِنْدَ الْأُمُورِ الْجَلَائِلِ
وَلَا يَوْمَ خَصْمٍ [٦] إذَا أَتَوْكَ أَلِدَّةً [٧] ... أُولِي جَدَلٍ مِنْ الْخُصُومِ الْمَسَاجِلِ [٨]
أَمُطْعِمُ إنَّ الْقَوْمَ سَامُوكَ خُطَّةً ... وَإِنِّي مَتَى أُوكَلْ فَلَسْتُ بِوَائِلِ [٩]
جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا ... عُقُوبَةَ شَرٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلِ
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يُخِسُّ [١٠] شَعِيرَةً ... لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرَ عَائِلٍ [١١]
--------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كاسح» بِالسِّين، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] الدغاول: الْأُمُور الْفَاسِدَة، وَقيل: الدغاول: الغوائل.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قبل» بِالْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. والعارمات: الشديدات. ويروى: «عازمات» بالزاي. أَي الَّتِي عزم على إنقاذها.
[٥] كَذَا فِي الْأُصُول. والدواخل: النمائم والإفساد بِهن بَين النَّاس. ويروى: «الذواحل» . والذواحل العداوات، مَأْخُوذ من الذحل. وَهُوَ الثأر.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «خسم» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٧] فِي أ: «أشدة» .
[٨] كَذَا فِي الْأُصُول. والمساجل: الَّذين يعارضونه فِي الْخُصُومَة ويغالبونه، وَأَصله من المساجلة، وَهُوَ أَن يأتى الرجل بِمثل مَا أَتَى بِهِ صَاحبه. ويروى: «بالمساحل» بِالْحَاء الْمُهْملَة. والمساحل: الخطباء البلغاء، واحدهم: مسحل.
[٩] ساموك خطة: كلفوك. وَلست بوائل: لست بناج. يُقَال: مَا وأل من كَذَا: أَي مَا نجا.
وَفِي الْخَبَر: فَلَا وألت نفس الجبان: أَي لَا نجت.
[١٠] كَذَا فِي أ. وأخس: أنقص. وَفِي سَائِر الْأُصُول: لَا يخيس، وَهُوَ من قَوْلهم: خاس بالعهد، إِذا نقضه وأفسده ويروى: «يحص» بالصَّاد. من حص الشّعْر: إِذا أذهبه.
[١١] العائل: الحائر.
لَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا ... بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا وَالْغَيَاطِلِ [١]
وَنَحْنُ الصَّمِيمُ مِنْ ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ ... وَآلِ قُصَيٍّ فِي الْخُطُوبِ الْأَوَائِلِ
وَسَهْمٌ وَمَخْزُومٌ تَمَالَوْا وَأَلَّبُوا ... عَلَيْنَا الْعِدَا مِنْ كُلِّ طِمْلٍ وَخَامِلٍ [٢]
فَعَبْدُ مَنَافٍ أَنْتُمْ خَيْرُ قَوْمِكُمْ ... فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْرِكُمْ كُلَّ وَاغِلِ [٣]
لَعَمْرِي لَقَدْ وَهَنْتُمْ وَعَجَزْتُمْ ... وَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ مُخْطِئٍ لِلْمَفَاصِلِ [٤]
وَكُنْتُمْ حَدِيثًا حَطْبَ قِدْرٍ وَأَنْتُمْ ... الْآنَ حِطَابُ أَقْدُرٍ وَمَرَاجِلِ [٥]
لِيَهْنِئْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عُقُوقُنَا ... وَخِذْلَانُنَا وَتَرْكُنَا فِي الْمَعَاقِلِ
فَإِنْ نَكُ قَوْمًا نَتَّئِرْ مَا صَنَعْتُمْ [٦] ... وَتَحْتَلِبُوهَا لِقْحَةً غَيْرَ بَاهِلِ [٧]
وَسَائِطُ كَانَتْ فِي لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... نَفَاهُمْ إلَيْنَا كُلُّ صَقْرٍ حُلَاحِلِ [٨]
وَرَهْطُ نُفَيْلٍ شَرُّ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى ... وَأَلْأَمُ حَافٍ مِنْ مَعَدِّ وَنَاعِلِ
فَأَبْلِغْ قُصَيًّا أَنْ سَيُنْشَرُ أَمْرُنَا ... وَبَشِّرْ قُصَيًّا بَعْدَنَا بِالتَّخَاذُلِ
وَلَوْ طَرَقَتْ لَيْلًا قُصَيًّا عَظِيمَةٌ ... إِذا مَا لَجَأْنَا دُونَهُمْ فِي الْمَدَاخِلِ
وَلَوْ صَدَقُوا ضَرْبًا خِلَالَ بُيُوتِهِمْ ... لَكُنَّا أُسًى عِنْدَ النِّسَاءِ الْمَطَافِلِ [٩]
فَكُلُّ صَدِيقٍ وَابْنِ أُخْتٍ نَعُدُّهُ ... لَعَمْرِي وَجَدْنَا غِبَّهُ غَيْرَ طَائِلِ
---------------------
[١] قيضا: عوضا. والغياطل: بَنو سهم، قيل سموا كَذَلِك لِأَن رجلا مِنْهُم قتل جانا طَاف بِالْبَيْتِ سبعا، ثمَّ خرج من الْمَسْجِد فَقتله، فأظلمت مَكَّة حَتَّى فزعوا من شدَّة الظلمَة الَّتِي أَصَابَتْهُم. والغيطلة: الظلمَة الشَّدِيدَة.
[٢] ألبوا: اجْتَمعُوا. والطمل: الرجل الْفَاحِش، وَالْفَقِير أَيْضا.
[٣] الواغل: الدَّاخِل على الْقَوْم وهم يشربون وَلم يدع.
[٤] مُخطئ للمفاصل: أَي بعيد عَن الجادة وَالصَّوَاب.
[٥] حطب: اسْم للْجمع، مثل ركب، وَلَيْسَ بِجمع، لِأَنَّك تَقول فِي تصغيره: حطيب. وحطاب:
جمع حَاطِب. والمراجل: الْقُدُور، وَاحِدهَا: مرجل. وَقيل: هن الْقُدُور من النّحاس خَاصَّة، وَمعنى الْبَيْت: كُنْتُم متفقين لَا تحتطبون إِلَّا لقدر وَاحِدَة، فَأنْتم الْآن بِخِلَاف ذَلِك.
[٦] كَذَلِك فِي الْأُصُول. ونتئر: نَأْخُذ بثأرنا مِنْكُم. ويروى: «نبتئر» أَي ندخره حَتَّى ننتصف مِنْكُم، يُقَال: ابتأرت الشَّيْء: إِذا خبأته وادخرته.
[٧] اللقحة: النَّاقة ذَات اللَّبن. والباهل: النَّاقة الَّتِي لَا صرار على أخلافها، فَهِيَ مُبَاحَة الْحَلب.
[٨] الحلاحل: السَّيِّد فِي عشيرته، الشجاع الركين فِي مَجْلِسه، وَهَذَا الْبَيْت والّذي بعده ساقطان من.
[٩] الأسى: جمع أُسْوَة، أَي لاقتدى بَعْضنَا بِبَعْض فِي الدّفع عَنْهُم. والمطافل: ذَوَات الْأَطْفَال.
سِوَى أَنَّ رَهْطًا مِنْ كِلَابِ بْنِ مُرَّةٍ ... بَرَاءٌ [١] إلَيْنَا مِنْ مَعَقَّةِ خَاذِلِ
وَهَنَّا لَهُمْ حَتَّى تَبَدَّدَ جَمْعُهُمْ ... وَيَحْسُرَ عَنَّا كُلَّ بَاغٍ وَجَاهِلِ [٢]
وَكَانَ لَنَا حَوْضُ السِّقَايَةِ فِيهِمْ ... وَنَحْنُ الْكُدَى مِنْ غَالِبٍ وَالْكَوَاهِلِ [٣]
شَبَابٌ مِنْ الْمُطَيِّبِينَ وَهَاشِمٍ ... كَبِيضِ السُّيُوفِ بَيْنَ أَيْدِي الصَّيَاقِلِ
فَمَا أَدْرَكُوا ذَحْلًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا ... وَلَا حَالَفُوا إلَّا شِرَارَ الْقَبَائِلِ
بِضَرْبٍ تَرَى الْفِتْيَانَ فِيهِ كَأَنَّهُمْ ... ضَوَارِي أُسُودٍ فَوْقَ لَحْمٍ خَرَادِلِ [٤]
بَنِي أَمَةٍ مَحْبُوبَةٍ هِنْدِكِيَّةٍ [٥] ... بَنِي جُمَحٍ عُبَيْدِ قَيْسِ بْنِ عَاقِلِ
وَلَكِنَّنَا نَسْلٌ كِرَامٌ لِسَادَةٍ ... بِهِمْ نُعِيَ الْأَقْوَامُ عِنْدَ الْبَوَاطِلِ
وَنِعْمَ ابْنِ أُخْتِ الْقَوْمِ غَيْرَ مُكَذَّبٍ ... زُهَيْرٌ حُسَامًا مُفْرَدًا مِنْ حَمَائِلِ
أَشَمُّ مِنْ الشُّمِّ الْبَهَالِيلِ يَنْتَمِي ... إلَى حَسَبٍ فِي حَوْمَةِ الْمَجْدِ فَاضِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ كُلِّفْتُ وَجْدًا بِأَحْمَدَ ... وَإِخْوَتِهِ دَأْبَ الْمُحِبِّ الْمُوَاصِلِ
فَلَا [٦] زَالَ فِي الدُّنْيَا جَمَالًا لِأَهْلِهَا ... وَزِيَنًا لِمَنْ وَالَاهُ رَبُّ الْمَشَاكِلِ [٧]
------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «يُقَال قوم برَاء، (بِالْفَتْح وبالكسر) . فَأَما برَاء (بِالْكَسْرِ) فَجمع بَرِيء، مثل كريم وكرام. وَأما برَاء (بِالْفَتْح) فمصدر مثل سَلام. والهمزة فِيهِ وَفِي الّذي قبله لَام الْفِعْل، يُقَال:
رجل برَاء ورجلان برَاء. وَإِذا كسرتها أَو ضممتها لم يجز فِي الْجمع. وَأما برَاء (بِضَم الْبَاء) فَالْأَصْل فِيهِ بُرَآء مثل كرماء، فاستثقلوا اجْتِمَاع الهمزتين فحذفوا الأولى، وَكَانَ وَزنه فعلاء، فَلَمَّا حذفوا الَّتِي هِيَ لَام الْفِعْل صَار وَزنه فعاء وَانْصَرف لِأَنَّهُ أشبه فعالا. وَالنّسب إِلَيْهِ، إِذا سميت بِهِ براوى. وَالنّسب إِلَى الآخرين: برائى وبرائى. وَزعم بَعضهم إِلَى أَن برَاء (بِضَم أَوله) من الْجمع الّذي جَاءَ على فعال» .
[٢] هَذَا الْبَيْت والأبيات السِّتَّة الَّتِي بعده غير مَوْجُودَة فِي أ.
[٣] الكدى: جمع كدية، وَهِي الصفاة الْعَظِيمَة الشَّدِيدَة. يشبههم بهَا فِي الْمَنْفَعَة والعزة، والكواهل:
جمع كَاهِل، وَهُوَ سَنَد الْقَوْم وعهدتهم.
[٤] الخرادل: الْقطع الْعَظِيمَة.
[٥] هندكى (بِكَسْر الْهَاء وَالدَّال): من أهل الْهِنْد، وَلَيْسَ من لَفظه، لِأَن الْكَاف لَيست من حُرُوف الزِّيَادَة وَقد تكون عَلامَة للنسب من بعض اللُّغَات.
[٦] هَذَا الْبَيْت سَاقِط فِي أ.
[٧] كَذَا فِي الأَصْل، وَلَعَلَّه يُرِيد بهَا العظيمات من الْأُمُور. وَإِن صَحَّ أَن هَذَا اللَّفْظ من هَذَا الْبَيْت فَمَا أقربه بِهِ إِلَى أَنه مَصْنُوع، ويلاحظ أَن الأبيات الَّتِي استبعدتها «أ» وَلم تثبتها، على أَكْثَرهَا، إِن لم يكن كلهَا مسحة الضعْف والانحطاط عَن مستوى القصيدة، حَتَّى ليكاد يبلغ الظَّن بهَا إِلَى أَنَّهَا دخيلة، ويرجح ذَلِك عدم تعرض السهيليّ وأبى ذَر لَهَا بِشَيْء مِمَّا يدل على أَنَّهُمَا لم يقعا على شَيْء مِنْهَا.
فَمَنْ مِثْلُهُ فِي النَّاسِ أَيُّ مُؤَمَّلٍ ... إذَا قَاسَهُ الْحُكَّامُ عِنْدَ التَّفَاضُلِ
حَلِيمٌ رَشِيدٌ عَادِلٌ غَيْرُ طائش ... يوالي إِلَهًا لَيْسَ عَنهُ بغافل
فو الله لَوْلَا أَنْ أَجِيءَ بِسُنَّةٍ [١] ... تَجُرُّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ
لَكِنَّا اتَّبَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ... مِنْ الدَّهْرِ جِدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ... لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
فَأَصْبَحَ فِينَا أَحَمْدٌ فِي أَرُومَةٍ ... تُقَصِّرُ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ [٢]
حَدِبْتُ بِنَفْسِي دُونَهُ وَحَمَيْتُهُ ... ودافعت عَنهُ بالذّرى وَالْكَلَاكِلِ [٣]
فَأَيَّدَهُ رَبُّ الْعِبَادِ بِنَصْرِهِ ... وَأَظْهَرَ دِينًا حَقُّهُ غَيْرُ بَاطِلِ [٤]
رِجَالٌ كِرَامٌ غَيْرُ مِيلٍ نَمَاهُمْ ... إلَى الْخَيْرِ آبَاءٌ كِرَامُ الْمَحَاصِلِ [٥]
فَإِنْ تَكُ كَعْبٌ مِنْ لُؤَيٍّ صُقَيْبَةً [٦] ... فَلَا بُدَّ يَوْمًا مَرَّةً مِنْ تَزَايُلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لِي مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ أَكْثَرَهَا.
(دَعَا ﷺ لِلنَّاسِ حِينَ أَقْحَطُوا، فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَوَدَّ لَوْ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَيٌّ، فَرَأَى ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قَالَ: أَقْحَطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَاسْتَسْقَى، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ مِنْ الْمَطَرِ مَا أَتَاهُ أَهْلُ الضَّوَاحِي [٧] يَشْكُونَ
-----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بسبة» .
[٢] السُّورَة «بِضَم السِّين»: الْمنزلَة. وَالسورَة (بِفَتْح السِّين): الشدَّة والبطش.
[٣] حدبت: عطفت ومنعت. والذرا: جمع ذرْوَة، وَهِي أَعلَى ظهر الْبَعِير. والكلاكل: جمع كلكل، وَهُوَ عظم الصَّدْر.
[٤] هَذَا الْبَيْت والبيتان اللَّذَان بعده سَاقِطَة فِي أ.
[٥] ميل: جمع أميل، وَهُوَ الجبان والّذي لَا يحسن الرّكُوب، أَو الّذي لَا يمِيل عَن الْحق.
[٦] الصقب (بِوَزْن فَرح) الْقَرِيب.
[٧] الضواحي: جمع ضاحية، وَهِي الأَرْض البرَاز الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَا يكن من الْمَطَر وَلَا منجاة من للسيول. وَقيل: ضاحية كل بلد: خَارِجَة.
مِنْهُ الْغَرَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهمّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا [١]، فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنْ الْمَدِينَةِ فَصَارَ حَوَالَيْهَا كَالْإِكْلِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْيَوْمَ لَسَرَّهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
قَالَ: أَجَلْ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلُهُ «وَشَبْرِقَهٌ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(الْأَسْمَاءُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي قَصِيدَةِ أَبِي طَالِبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْغَيَاطِلِ: مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنُ هُصَيْصٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ ابْن حَرْبِ ابْن أُمَيَّةَ. وَمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَزُهَيْرُ
-------------------
[١] هُوَ من حسن الْأَدَب فِي الدُّعَاء: لِأَنَّهَا رَحْمَة الله وَنعمته الْمَطْلُوبَة مِنْهُ، فَكيف يطْلب مِنْهُ رفع نعْمَته وكشف رَحمته؟
[٢] قَالَ السهيليّ: «فان قيل كَيفَ قَالَ أَبُو طَالب:
وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ
وَلم يره قطّ استسقى وَإِنَّمَا كَانَت استسقا آته عليه الصلاة والسلام بِالْمَدِينَةِ فِي سفر وَحضر وفيهَا شوهد مَا كَانَ من سرعَة إِجَابَة الله لَهُ؟ فَالْجَوَاب: أَن أَبَا طَالب قد شَاهد من ذَلِك أَيْضا فِي حَيَاة عبد الْمطلب مَا دله على مَا قَالَ.
روى أَبُو سُلَيْمَان حمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البستي النيسابورىّ أَن رقيقَة بنت أَبى صَيْفِي بن هَاشم قَالَت: تَتَابَعَت على قُرَيْش سنو جَدب قد أقحلت الظلْف وأرقت الْعظم، فَبينا أَنا رَاقِدَة للهم أَو مهدمة ومعى صنوي. إِذا أَنا بهاتف صيت يصْرخ بِصَوْت صَحِلَ يَقُول: يَا معشر قُرَيْش: إِن هَذَا النَّبِي الْمَبْعُوث مِنْكُم، هَذَا إبان نجومه، فَحَيَّهَلا بالحيا وَالْخصب، أَلا فانظروا مِنْكُم رجلا طوَالًا عظاما أَبيض أَشمّ الْعرنِين لَهُ فَخر يَكْظِم عَلَيْهِ، أَلا فليخص هُوَ وَولده وليدلف إِلَيْهِ من كل بطن رجل فليشنوا من المَاء وليمسوا من الطّيب وليطوفوا بِالْبَيْتِ سبعا إِلَّا وَفِيهِمْ الطّيب الطَّاهِر لذاته، أَلا فَليدع الرجل وليؤمن الْقَوْم، إِلَّا فغثتم أبدا مَا عشتم. قَالَت:
فَأَصْبَحت مَذْعُورَة قد قف جلدي، وَوَلِهَ عَقْلِي، فَاقْتَصَصْت رُؤْيَايَ، فو الْحُرْمَة وَالْحرم، إِن بَقِي أبطحي إِلَّا قَالَ هَذَا شيبَة الْحَمد، وتتامت عِنْده قُرَيْش وانقض إِلَيْهِ النَّاس من كل بطن رجل فَشُنُّوا وَمَسُّوا واستلموا وطوفوا، ثمَّ ارْتَقَوْا أَبَا قبيس وطفق الْقَوْم يدقون حوله مَا إِن يدْرك سَعْيهمْ مهلة حَتَّى قروا بِذرْوَةِ الْجَبَل، واستكفوا جنابيه. فَقَامَ عبد الْمطلب فاعتضد ابْن ابْنه مُحَمَّدًا ﷺ فرفعه على عَاتِقه وَهُوَ يَوْمئِذٍ غُلَام قد أَيفع، أَو قد كرب ثمَّ قَالَ: اللَّهمّ سَاد الْخلَّة وَكَاشف الْكُرْبَة أَنْت عَالم غير معلم، وَمَسْئُول غير مبخل، وَهَذِه عبداؤك وإماؤك بِعَذِرَاتٍ حَرمك يَشكونَ إِلَيْك سنتهمْ فاسمعن اللَّهمّ وأمطرن علينا غيثا مريعا مُغْدِقًا. فَمَا راموا وَالْبَيْت حَتَّى انفجرت السَّمَاء بِمَائِهَا وكظ الْوَادي بثجيجه» .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 07:41 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (31)
صــ 281إلى صــ 290
ابْن أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَسِيدٌ، وَبِكْرُهُ: عَتَّابُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعَيْصِ بْنِ أُمَيَّةَ ابْن عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ. وَعُثْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ. وَقُنْفُذُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ. وَأَبُو الْوَلِيدِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وَأُبَيٌّ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْأَخْنَسُ. لِأَنَّهُ خَنَسَ بِالْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا اسْمُهُ أُبَيٌّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عِلَاجٍ، وَهُوَ عِلَاجُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْبَةَ.
وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ. وَسُبَيْعُ ابْن خَالِدٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْن قُصَيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْعَدَوِيَّةِ. وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ الَّذِي قَرَنَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما فِي حَبْلٍ حِينَ أَسْلَمَا، فَبِذَلِكَ كَانَا يُسَمَّيَانِ الْقَرِينَيْنِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبى طَالب عليه السلام يَوْمَ بَدْرٍ.
وَأَبُو عَمْرٍو قَرَظَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. «وَقَوْمٌ عَلَيْنَا أَظِنَّةٌ»: بَنُو بَكْرِ ابْن عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَدَّدَ أَبُو طَالِبٍ فِي شِعْرِهِ مِنْ الْعَرَبِ.
(انْتِشَارُ ذِكْرِ الرَّسُولِ فِي الْقَبَائِلِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ):
فَلَمَّا انْتَشَرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرَبِ، وَبَلَغَ الْبُلْدَانَ، ذُكِرَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ الْعَرَبِ أَعْلَمَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذُكِرَ، وَقَبْلَ أَنْ يُذْكَرَ مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، وَكَانُوا لَهُمْ حُلَفَاءَ، وَمَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا وَقَعَ ذِكْرُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَتَحَدَّثُوا بِمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ. قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ [١] . أَخُو بَنِي وَاقِفٍ.
(نَسَبُ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَسَبُ ابْنِ إسْحَاقَ أَبَا قَيْسٍ هَذَا هَاهُنَا إلَى بَنِي وَاقِفٍ، وَنَسَبُهُ
--------------------
[١] وَاسم الأسلت: عَامر.
فِي حَدِيثِ الْفِيلِ إلَى خَطْمَةَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَنْسِبُ الرَّجُلَ إلَى أَخِي جَدِّهِ الَّذِي هُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ مِنْ وَلَدِ نُعَيْلَةَ أَخِي غِفَارٍ. وَهُوَ غِفَارُ بْنُ مُلَيْلٍ، وَنُعَيْلَةُ بْنُ مُلَيْلِ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ ابْن عَبْدِ مَنَاةَ، وَقَدْ قَالُوا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورٍ وَسُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ: مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَوَائِلٌ، وَوَاقِفٌ، وَخَطْمَةُ إخْوَةٌ مِنْ الْأَوْسِ.
(شِعْرُ ابْنُ الْأَسْلَتِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ- وَكَانَ يُحِبُّ قُرَيْشًا، وَكَانَ لَهُمْ صِهْرًا، كَانَتْ عِنْدَهُ أَرْنَبُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَكَانَ يُقِيمُ عِنْدَهُمْ السِّنِينَ بِامْرَأَتِهِ- قَصِيدَةً يُعَظِّمُ فِيهَا الْحُرْمَةَ، وَيَنْهَى قُرَيْشًا فِيهَا عَنْ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُمْ وَأَحْلَامَهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُذَكِّرُهُمْ بَلَاءَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ، وَدَفْعَهُ عَنْهُمْ الْفِيلَ وَكَيْدَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ:
يَا رَاكِبًا إمَّا عَرَضَتْ فَبَلِّغْنَ ... مُغَلْغِلَةً عَنِّي لُؤَيَّ بْنَ غَالِبِ [١]
رَسُولُ امْرِئٍ قَدْ رَاعَهُ ذَاتُ بَيْنِكُمْ ... عَلَى النَّأْيِ مَحْزُونٍ بِذَلِكَ نَاصِبِ [٢]
وَقَدْ كَانَ عِنْدِي لِلْهُمُومِ مَعَرَّسٌ ... فَلَمْ أَقْضِ مِنْهَا حَاجَتِي وَمَآرِبِي [٣]
نُبَيِّتُكُمْ شَرْجَيْنِ كُلَّ قَبِيلَةٍ ... لَهَا أَزْمَلٌ مِنْ بَيْنِ مُذْكٍ وَحَاطِبِ [٤]
-------------------
[١] المغلغلة. الرسَالَة. وَقَالَ السهيليّ: «المغلغلة: الدَّاخِلَة إِلَى أقْصَى مَا يُرَاد بُلُوغه مِنْهَا» .
[٢] الناصب: المعيى التَّعَب.
[٣] المعرس: الْمَكَان ينزل فِيهِ المسافرون فِي آخر اللَّيْل، يقفون فِيهِ وَقْفَة للاستراحة ثمَّ يرتحلون.
[٤] شرجين: نَوْعَيْنِ. والأزمل: الصَّوْت الْمُخْتَلط. والمذكى: الّذي يُوقد النَّار. والحاطب: الّذي يحطب لَهَا. ضرب هَذَا مثلا لنار الْحَرْب. كَمَا قَالَ الآخر:
أرى خلل الرماد وميض نَار ... ويوشك أَن يكون لَهَا ضرام
فَإِن النَّار بالعودين تذكى ... وَإِن الْحَرْب أَولهَا كَلَام
أُعِيذُكُمْ باللَّه مِنْ شَرِّ صُنْعِكُمْ ... وَشَرِّ تَبَاغِيكُمْ وَدَسِّ الْعَقَارِبِ
وَإِظْهَارِ أَخْلَاقٍ وَنَجْوَى سَقِيمَةٍ ... كَوَخْزِ الْأَشَافِي وَقْعُهَا حَقُّ صَائِبِ [١]
فَذَكِّرْهُمْ باللَّه أَوَّلَ وَهْلَةٍ ... وَإِحْلَالِ أَحْرَامِ الظِّبَاءِ الشَّوَازِبِ [٢]
وَقُلْ لَهُمْ وَاَللَّهُ يَحْكُمُ حُكْمَهُ ... ذَرُوا الْحَرْبَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ فِي الْمَرَاحِبِ [٣]
مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً ... هِيَ الْغُولُ لِلْأَقْصَيْنَ أَوْ لِلْأَقَارِبِ [٤]
تُقَطِّعُ أَرْحَامًا وَتُهْلِكُ أُمَّةً ... وَتَبْرِي السَّدِيفَ مِنْ سَنَامٍ وَغَارِبِ [٥]
وَتَسْتَبْدِلُوا بِالْأَتْحَمِيَّةِ بَعْدَهَا ... شَلِيلًا وَأَصْدَاءً ثِيَابَ الْمُحَارِبِ [٦]
وَبِالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ غُبْرًا سَوَابِغًا ... كَأَنَّ قَتِيرَيْهَا عُيُونُ الْجَنَادِبِ [٧]
فَإِيَّاكُمْ وَالْحَرْبَ لَا تَعْلَقَنَّكُمْ ... وَحَوْضًا وَخِيمَ الْمَاءِ مُرَّ الْمَشَارِبِ
تَزَيَّنُ لِلْأَقْوَامِ ثُمَّ يَرَوْنَهَا ... بِعَاقِبَةٍ إذْ بَيَّنَتْ، أُمَّ صَاحِبِ [٨]
تُحَرِّقُ لَا تُشْوِي ضَعِيفًا وَتَنْتَحِي ... ذَوِي الْعِزِّ مِنْكُمْ بِالْحُتُوفِ الصَّوَائِبِ [٩]
أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ ... فَتَعْتَبِرُوا أَوْ كَانَ فِي حَرْبِ حَاطِبِ [١٠]
وَكَمْ قَدْ أَصَابَتْ مِنْ شَرِيفٍ مُسَوَّدٍ ... طَوِيلِ الْعِمَادِ ضَيْفُهُ غَيْرُ خَائِبِ
-----------------------
[١] الأشافي: جمع إشفى، وَهِي المخرز.
[٢] أحرام الظباء: هِيَ الَّتِي يحرم صيدها فِي الْحرم. يُقَال لمن دخل فِي الشَّهْر الْحَرَام، أَو فِي الْبَلَد الْحَرَام محرم. والشوازب: الضامرة الْبُطُون. أَي إِن بلدكم بلد حرَام تأمن فِيهِ الظباء الشوازب الَّتِي تَأتيه من بعد لتأمن فِيهِ، فَهِيَ شازبة ضامرة من بعد الْمسَافَة، وَإِذا لم تحلوا بالظباء فِيهِ فأحرى أَلا تحلوا بدمائكم.
[٣] المراحب: الْمَوَاضِع المتسعة.
[٤] الغول: الْهَلَاك.
[٥] تبرى: تقطع. والسديف: لحم السنام. وَالْغَارِب: أَعلَى الظّهْر.
[٦] الأتحمية: ثِيَاب رقاق تصنع بِالْيمن. والشليل: درع قَصِيرَة. والأصداء: جمع صدأ: الْحَدِيد.
[٧] القتير: حلق الدرْع، شبهها بعيون الْجَرَاد. وَأخذ هَذَا الْمَعْنى التنوخي فَقَالَ:
كأثواب الأراقم مزقتها ... فخاطتها بأعينها الْجَرَاد
[٨] بيّنت: اتضحت. وَأم صَاحب: أَي عجوزا كَأُمّ صَاحب لَك، إِذْ لَا يصحب الرجل إِلَّا رجل فِي سنه.
[٩] لَا تشوى: لَا تخطئ. وتنتحى: تقصد.
[١٠] سيعرض ابْن إِسْحَاق للْكَلَام على داحس وحاطب بعد الِانْتِهَاء من القصيدة.
عَظِيمِ رَمَادِ النَّارِ يُحْمَدُ أَمْرُهُ ... وَذِي شِيمَةٍ مَحْضٍ كَرِيمٍ الْمَضَارِبِ [١]
وَمَاءِ هُرِيقَ فِي الضَّلَالِ [٢] كَأَنَّمَا ... أَذَاعَتْ بِهِ رِيحُ الصَّبَا وَالْجَنَائِبِ [٣]
يُخَبِّرُكُمْ عَنْهَا امْرُؤٌ حَقُّ عَالِمٌ ... بِأَيَّامِهَا وَالْعِلْمُ عِلْمُ التَّجَارِبِ
فَبِيعُوا الْحِرَابَ مِلْمُحَارِبِ وَاذْكُرُوا ... حِسَابَكُمْ وَاَللَّهُ خَيْرُ مُحَاسِبِ
وَلِيُّ امْرِئٍ فَاخْتَارَ دِينًا فَلَا يَكُنْ ... عَلَيْكُمْ رَقِيبًا غَيْرَ رَبِّ الثَّوَاقِبِ [٤]
أَقِيمُوا لَنَا دِينًا حَنِيفًا فَأَنْتُمْ ... لَنَا غَايَةٌ قَدْ يُهْتَدَى بِالذَّوَائِبِ [٥]
وَأَنْتُمْ لِهَذَا النَّاسِ نُورٌ وَعِصْمَةٌ ... تُؤَمُّونَ، وَالْأَحْلَامُ غَيْرُ عَوَازِبِ [٦]
وَأَنْتُمْ، إذَا مَا حُصِّلَ النَّاسُ، جَوْهَرٌ ... لَكُمْ سُرَّةُ الْبَطْحَاءِ شُمُّ الْأَرَانِبِ [٧]
تَصُونُونَ أَجْسَادًا كِرَامًا عَتِيقَةً ... مُهَذَّبَةَ الْأَنْسَابِ غَيْرَ أَشَائِبِ [٨]
تَرَى طَالِبَ الْحَاجَاتِ نَحْوَ بُيُوتِكُمْ ... عَصَائِبَ هَلْكَى تَهْتَدِي بِعَصَائِبِ
لَقَدْ عَلِمَ الْأَقْوَامُ أَنَّ سَرَاتَكُمْ ... عَلَى كُلِّ حَالٍ خَيْرُ أَهْلِ الْجَبَاجِبِ [٩]
وَأَفْضَلُهُ رَأْيًا وَأَعْلَاهُ سُنَّةً ... وَأَقْوَلُهُ لِلْحَقِّ وَسْطَ الْمَوَاكِبِ
فَقُومُوا فَصَلُّوا رَبَّكُمْ وَتَمَسَّحُوا ... بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ [١٠]
فَعِنْدَكُمْ مِنْهُ بَلَاءٌ وَمَصْدَقٌ ... غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ هَادِي الْكَتَائِبِ
كَتِيبَتُهُ بِالسَّهْلِ تُمْسِي وَرَجْلُهُ ... عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ [١١]
-------------------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول. يُرِيد أَن مضَارب سيوفه غير مذمومة وَلَا رَاجِعَة عَلَيْهِ إِلَّا بالثناء وَالْوَصْف بالمكارم. ويروى الضرائب. والضرائب: الطباع.
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول. ويروى: «فِي الصلال» . والصلال: جمع صلَة، وَهِي الأَرْض الَّتِي لَا تمسك المَاء.
[٣] أذاعت بِهِ: بددته. والجنائب: جمع جنوب. يُرِيد ريح الشمَال وريح الْجنُوب.
[٤] الثواقب: النُّجُوم.
[٥] الذوائب: الأعالي.
[٦] الأحلام: الْعُقُول. وعوازب: بعيدَة.
[٧] سرة الشَّيْء: خَيره وَأَعلاهُ. وشم: مُرْتَفعَة. والأرانب: جمع أرنبة، وَهِي الَّتِي فِيهَا ثقب الْألف
[٨] غير أشائب: غير مختلطة، يعْنى أَنَّهَا خَالِصَة النّسَب.
[٩] الجباجب: الْمنَازل. وَاحِدهَا جبجبة.
[١٠] صلوا: ادعوا. والأخاشب: أَرَادَ الأخشبين، وهما جبلا مَكَّة، فجمعهما مَعَ مَا حولهما.
[١١] القاذفات: أعالى الْجبَال. والمناقب: الطّرق فِي أعالى الجبالى، وَاحِدهَا: منقبة.
فَلَمَّا أَتَاكُمْ نَصْرُ ذِي الْعَرْشِ رَدَّهُمْ ... جُنُودُ الْمَلِيكِ بَيْنَ سَافٍ وَحَاصِبِ [١]
فَوَلَّوْا سِرَاعًا هَارِبِينَ وَلَمْ يَؤُبْ ... إلَى أَهْلِهِ مِلْحُبْشِ [٢] غَيْرُ عَصَائِبِ
فَإِنْ تَهْلِكُوا نَهْلِكْ وَتَهْلِكْ مَوَاسِمٌ ... يُعَاشُ بِهَا، قَوْلُ امْرِئٍ غَيْرِ كَاذِبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ: «وَمَاءٌ هُرِيقَ»، وَبَيْتَهُ: «فَبِيعُوا الْحِرَابَ»، وَقَوْلَهُ: «وَلِيُّ امْرِئِ فَاخْتَارَ»، وَقَوْلَهُ:
عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ
أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ.
(حَرْبٌ دَاحِسً):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ:
أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ
فَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحَوِيُّ: أَنَّ دَاحِسًا فَرَسٌ كَانَ لِقَيْسِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عَبْسِ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ ابْن غَطَفَانَ، أَجْرَاهُ مَعَ فَرَسٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ [٣] بْنِ جُؤَيَّةَ بْنِ لَوْذَانِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ فَزَارَةَ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، يُقَالُ لَهَا: الْغَبْرَاءُ. فَدَسَّ حُذَيْفَةُ قَوْمًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوا وَجْهَ دَاحِسٍ إنْ رَأَوْهُ قَدْ جَاءَ سَابِقًا، فَجَاءَ دَاحِسٌ سَابِقًا فَضَرَبُوا وَجْهَهُ، وَجَاءَتْ الْغَبْرَاءُ. فَلَمَّا جَاءَ فَارِسُ دَاحِسٍ أَخْبَرَ قَيْسًا الْخَبَرَ، فَوَثَبَ أَخُوهُ مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ فَلَطَمَ وَجْهَ الْغَبْرَاءِ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ فَلَطَمَ مَالِكًا. ثُمَّ إنَّ أَبَا الْجُنَيْدِبِ الْعَبْسِيَّ لَقِيَ عَوْفَ بْنَ حُذَيْفَةَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ لَقِيَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مَالِكًا فَقَتَلَهُ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ أَخُو حُذَيْفَةَ ابْن بَدْرٍ:
------------------------
[١] السافي: الّذي أَصَابَهُ الْغُبَار. والحاصب الّذي أَصَابَته الْحَصْبَاء، وَهُوَ على معنى النّسَب، كَمَا قَالُوا:
تامر وَلابْن. وَقد يكون السافي: الّذي يثير الْغُبَار، والحاصب: الّذي يثير الْحَصْبَاء، أَي يقتلعها.
[٢] فِي أ: «ملجيش» .
[٣] فِي أ: «... بن عَمْرو بن جؤية ... إِلَخ» .
قَتَلْنَا بِعَوْفٍ مَالِكًا وَهُوَ ثَأْرُنَا ... فَإِنْ تَطْلُبُوا مِنَّا سِوَى الْحَقِّ تَنْدَمُوا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبْسِيُّ:
أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ ... تَرْجُو النِّسَاءُ عَوَاقِبَ الْأَطْهَارِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
فَوَقَعَتْ الْحَرْبُ بَيْنَ عَبْسٍ وَفَزَارَةَ، فَقُتِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ بَدْرٍ وَأَخُوهُ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ يَرْثِي حُذَيْفَةَ، وَجَزِعَ عَلَيْهِ:
كَمْ فَارِسٍ يُدْعَى وَلَيْسَ بِفَارِسٍ ... وَعَلَى الْهَبَاءَةِ فَارِسٌ ذُو مَصْدَقِ [٢]
فَابْكُوا حُذَيْفَةَ لَنْ تُرَثُّوا مِثْلَهُ [٣] ... حَتَّى تَبِيدَ قَبَائِلٌ لَمْ تُخْلَقْ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ قَيْسُ (بْنُ) [٤] زُهَيْرٍ:
عَلَى أَنَّ الْفَتَى حَمَلَ بْنَ بَدْرٍ ... بَغَى وَالظُّلْمُ [٥] مَرْتَعُهُ وَخِيمُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ أَخُو قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ:
تَرَكْتُ عَلَى الْهَبَاءَةِ غَيْرَ فَخْرٍ ... حُذَيْفَةُ عِنْدَهُ قَصْدُ الْعَوَالِي [٦]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَرْسَلَ قَيْسٌ دَاحِسًا وَالْغَبْرَاءَ، وَأَرْسَلَ حُذَيْفَةُ الْخَطَّارَ وَالْحَنْفَاءَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ الْحَدِيثَيْنِ. وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ قَطْعُهُ حَدِيثَ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(حَرْبُ حَاطِبٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: «حَرْبُ حَاطِبٍ» . فَيَعْنِي حَاطِبَ بْنَ الْحَارِثِ
---------------------
[١] الْأَطْهَار: جمع طهر. وَهُوَ كَقَوْل الأخطل:
قوم إِذا حَاربُوا شدوا مآزرهم ... دون النِّسَاء وَلَو باتت بأطهار
[٢] الهباءة: مَوضِع فِي بِلَاد غطفان.
[٣] لن ترثوا: من الرثاء. وَمن رَوَاهُ: تربوا، (بِضَم التَّاء) فَهُوَ من التربية. وَمن رَوَاهُ:
تربوا (بِفَتْح التَّاء) فَمَعْنَاه تصيرونه رَبًّا عَلَيْكُم، أَي أَمِيرا.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] فِي أ: «وَالْبَغي» .
[٦] الْقَصْد: جمع قصدة، وَهِي الْقطعَة المتكسرة. والعوالي: الرماح.
ابْن قَيْسِ بْنِ هَيْشَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو ابْن عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، كَانَ قَتَلَ يَهُودِيَّا جَارًا لِلْخَزْرَجِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ يَزِيدُ [١] بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَحْمَرَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ- وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ فُسْحُمٍ، وَفُسْحُمٌ [٢] أُمُّهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ- لَيْلًا فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَقَتَلُوهُ، فَوَقَعَتْ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَ الظَّفَرُ لِلْخَزْرَجِ عَلَى الْأَوْسِ، وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ سُوَيْدُ بْنُ صَامِتِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ حَوْطِ ابْن حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، قَتَلَهُ الْمُجَذَّرُ بْنُ [٣] ذِيَادٍ الْبَلَوِيُّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَخَرَجَ مَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدِ ابْن صَامِتٍ، فَوَجَدَ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ غِرَّةً [٤] مِنْ الْمُجَذَّرِ فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ. وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ مَنَعَنِي مِنْ ذِكْرِهَا وَاسْتِقْصَاءِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْتُ فِي (حَدِيثِ) [٥] حَرْبِ دَاحِسٍ.
(شِعْرُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ فِي صَدِّ قَوْمِهِ عَنْ عَدَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السُّلَمِيُّ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَدْ أَسْلَمَ، يُوَرِّعُ [٦] قَوْمَهُ عَمَّا أَجَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا مُطَاعًا:
--------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زيد» . وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة: فسحم) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قسحم» بِالْقَافِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ تَصْحِيف. (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة: فسحم) .
[٣] ضبط فِي شرح: أَسمَاء أهل بدر للجبرتى المخطوط وَالْمَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية (تَحت رقم ١٤٢٠ تَارِيخ) بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة ثمَّ رَاء. وذياد: بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة من تَحت بعْدهَا ألف آخِره دَال مُهْملَة، وَيُقَال فِيهِ ذياد بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة.
[٤] غرَّة: غَفلَة.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] يورع: يصرف وَيرد.
هَلْ قَائِلٌ قَوْلًا هُوَ [١] الْحَقُّ قَاعِدٌ ... عَلَيْهِ وَهَلْ غَضْبَانُ لِلرُّشْدِ سَامِعُ
وَهَلْ سَيِّدٌ تَرْجُو الْعَشِيرَةُ نَفْعَهُ ... لِأَقْصَى الْمَوَالِي وَالْأَقَارِبِ جَامِعُ
تَبَرَّأْتُ إلَّا وَجْهَ مَنْ يَمْلِكُ الصِّبَا ... وَأَهْجُرُكُمْ مَا دَامَ مُدْلٍ وَنَازِعُ [٢]
وَأُسْلِمُ وَجْهِي لِلْإِلَهِ وَمَنْطِقِي ... وَلَوْ رَاعَنِي مِنْ الصَّدِيقِ رَوَائِعُ
ذِكْرُ لُقَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ
(سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وَرَمْيُهُ ﷺ بِالسِّحْرِ وَالْجُنُونِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا اشْتَدَّ أَمْرُهُمْ لِلشَّقَاءِ الَّذِي أَصَابَهُمْ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْهُمْ، فَأَغْرَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سُفَهَاءَهُمْ، فَكَذَّبُوهُ وَآذَوْهُ، وَرَمَوْهُ بِالشِّعْرِ وَالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالْجُنُونِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُظْهِرٌ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَسْتَخْفِي بِهِ، مُبَادٍ لَهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ عَيْبِ دِينِهِمْ، وَاعْتِزَالِ أَوْثَانِهِمْ، وَفِرَاقِهِ إيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
(حَدِيثُ ابْنِ الْعَاصِ عَنْ أَكْثَرِ مَا رَأَى قُرَيْشًا نَالَتْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ قَالَ:
حَضَرْتُهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي [٣] الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَمَا قَالُوا: فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ إذْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ [٤]
--------------------------
[١] كَذَا فِي أوفي سَائِر الْأُصُول: «من الْحق» .
[٢] المدلي: الْمُرْسل الدَّلْو. والنازع: الجاذب لَهَا.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: يوافي الْحجر، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] غَمَزُوهُ: طعنوا فِيهِ.
(١٩) - سيرة ابْن هِشَام- ١
بِبَعْضِ الْقَوْلِ. قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَوَقَفَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ [١] . قَالَ: فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً [٢] قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ [٣] بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ، حَتَّى إنَّهُ لِيَقُولَ:
انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِم، فو الله مَا كُنْتَ جَهُولًا. قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إذَا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ:
ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتَّى إذَا بَادَاكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ طَلَعَ (عَلَيْهِمْ) [٤] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَثَبُوا إلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَحَاطُوا بِهِ، يَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، لِمَا كَانَ يَقُولُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ: أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ. قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه دُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا نَالُوا مِنْهُ قَطُّ.
(بَعْضُ مَا نَالَ أَبَا بَكْرٍ فِي سَبِيلِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ:
(لَقَدْ) [٤] رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ وَقَدْ صَدَعُوا [٥] فَرْقَ [٦] رَأْسِهِ، مِمَّا جَبَذُوهُ بِلِحْيَتِهِ وَكَانَ رَجُلًا. كَثِيرَ الشَّعْرِ.
-------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَالنِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير (مَادَّة رفأ) . وَلَعَلَّه مجَاز عَن الْهَلَاك. وَمِنْه فِي حَدِيث الْقَضَاء:
من تصدى للْقَضَاء وتولاه، فقد تعرض للذبح فليتحذره. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الذَّبِيح» .
[٢] الوصاة: الْوَصِيَّة.
[٣] يرفؤه: يهدئه ويسكنه ويرفق بِهِ وَيَدْعُو لَهُ.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] صدعوا: شَقوا.
[٦] الْفرق: حَيْثُ يتفرق الشّعْر من مقدم الْجَبْهَة إِلَى وسط الرَّأْس.
(أَشَدُّ مَا أُوذِيَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَشَدَّ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا فَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا كَذَّبَهُ وَآذَاهُ، لَا حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْزِلِهِ، فَتَدَثَّرَ مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ [١] ٧٤: ١- ٢.
إسْلَامُ حَمْزَةَ رحمه الله [٢]
(أَذَاةُ أَبِي جَهْلٍ لِلرَّسُولِ ﷺ، وَوُقُوفُ حَمْزَةَ عَلَى ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، كَانَ وَاعِيَةً: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ، وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنْ الْعَيْبِ لِدِينِهِ، وَالتَّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ
-----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «قَالَ بعض أهل الْعلم: فِي تَسْمِيَته إِيَّاه بالمدثر فِي هَذَا الْمقَام ملاطفة وتأنيس، وَمن عَادَة الْعَرَب إِذا قصدت الملاطفة أَن تسمى الْمُخَاطب باسم مُشْتَقّ من الْحَالة الَّتِي هُوَ فِيهَا، كَقَوْلِه عليه الصلاة والسلام لِحُذَيْفَة: قُم يَا نومان. وَقَوله لعلى بن أَبى طَالب وَقد ترب جنبه قُم أَبَا تُرَاب. فَلَو ناداه سُبْحَانَهُ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال من الكرب باسمه، أَو بِالْأَمر الْمُجَرّد من هَذِه الملاطفة لهاله ذَلِك، وَلَكِن لما بُدِئَ بيا أَيهَا المدثر أنس، وَعلم أَن ربه رَاض عَنهُ، أَلا ترَاهُ كَيفَ قَالَ عِنْد مَا لَقِي من أهل الطَّائِف من شدَّة الْبلَاء وَالْكرب مَا لَقِي: رب إِن لم يكن بك غضب على فَلَا أبالى. إِلَى آخر الدُّعَاء، فَكَانَ مَطْلُوبَة رضَا ربه، وَبِه كَانَت تهون عَلَيْهِ الشدائد» . ثمَّ قَالَ: «فان قيل: كَيفَ يَنْتَظِم «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ٧٤: ١» مَعَ قَوْله: «قُمْ فَأَنْذِرْ ٧٤: ٢»؟ وَمَا الرابط بَين الْمَعْنيين حَتَّى يلتئما فِي قانون البلاغة، ويتشاكلا فِي حكم الفصاحة؟ قُلْنَا: من صفته عليه الصلاة والسلام، مَا وصف بِهِ نَفسه حِين قَالَ: أَنا النذير الْعُرْيَان. وَهُوَ مثل مَعْرُوف عِنْد الْعَرَب، يُقَال لمن أنذر بِقرب الْعَدو، وَبَالغ فِي الْإِنْذَار: هُوَ النذير الْعُرْيَان. وَذَلِكَ أَن النذير الجاد يجرد ثَوْبه، وَهُوَ يُشِير بِهِ إِذا خَافَ أَن يسْبق الْعَدو صَوته. وَقد قيل: إِن أصل الْمثل لرجل من خثعم، سلبه الْعَدو ثَوْبه، وَقَطعُوا يَده، فَانْطَلق إِلَى قومه نذيرا على تِلْكَ الْحَال، فَقَوله عليه الصلاة والسلام: أَنا النذير الْعُرْيَان أَي مثلي مثل ذَلِك. والنذير بالثياب، مضاد للتعرى، فَكَانَ فِي قَوْله: «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ٧٤: ١» . مَعَ قَوْله «قُمْ فَأَنْذِرْ ٧٤: ٢»، والنذير الجاد يُسمى الْعُرْيَان، تشاكل بَين، والتئام بديع، وسياقة فِي الْمَعْنى، وجزالة فِي اللَّفْظ» .
[٢] وَأم حَمْزَة: هَالة بنت أهيب بن عبد منَاف بن زهرَة، وأهيب عَم آمِنَة بنت وهب، تزَوجهَا عبد الْمطلب وَتزَوج ابْنه عبد الله آمِنَة فِي سَاعَة وَاحِدَة، فَولدت هَالة لعبد الْمطلب حَمْزَة، وَولدت آمِنَة لعبد الله رَسُول الله ﷺ، ثمَّ أرضعتهما ثويبة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 07:43 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (32)
صــ 291إلى صــ 300
فِي مَسْكَنٍ لَهَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَعَمَدَ إلَى نَادٍ [١] مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه أَنْ أَقْبَلَ مُتَوَشِّحًا [٢] قَوْسَهُ، رَاجِعًا مِنْ قَنْصٍ [٣] لَهُ، وَكَانَ صَاحِبَ قَنْصٍ يَرْمِيهِ وَيَخْرُجُ لَهُ، وَكَانَ إذَا رَجَعَ مِنْ قَنْصِهِ لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا وَقَفَ وَسَلَّمَ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَعَزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وَأَشَدَّ شَكِيمَةً. فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَوْلَاةِ، وَقَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ، قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بن هِشَام: وجنده هَاهُنَا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ، وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
(إيقَاعُ حَمْزَةَ بِأَبِي جَهْلٍ وَإِسْلَامُهُ):
فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ، مُعِدًّا لِأَبِي جَهْلٍ إذَا لَقِيَهُ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَهُ بِهَا فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، ثُمَّ قَالَ: أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ؟ فَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ إنْ اسْتَطَعْتُ. فَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أَبَا عُمَارَةَ، فَإِنِّي وَاَللَّهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا، وَتَمَّ حَمْزَةُ رضي الله عنه عَلَى إسْلَامِهِ، وَعَلَى مَا تَابَعَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ. فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَزَّ وَامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَنَالُونَ [٤] مِنْهُ.
--------------------------
[١] النادي: مجْلِس الْقَوْم وَقد يُسمى الْقَوْم المجتمعون نَادِيًا، وَمِنْه «فَليدع نَادِيه» .
[٢] متوشحا: مُتَقَلِّدًا.
[٣] القنص (بِالْفَتْح وبالتحريك): الصَّيْد.
[٤] وَزَاد غير ابْن إِسْحَاق فِي إِسْلَام حَمْزَة أَنه قَالَ: لما احتملنى الْغَضَب وَقلت: أَنا على قَوْله، أدركنى النَّدَم على فِرَاق دين آبَائِي وقومي، وَبت من الشَّك فِي أَمر عَظِيم، لَا أكتحل بنوم، ثمَّ أتيت الْكَعْبَة وتضرعت إِلَى الله سُبْحَانَهُ أَن يشْرَح صَدْرِي للحق، وَيذْهب عَنى الريب، فَمَا استتممت دعائي حَتَّى زاح عَنى الْبَاطِل، وامتلأ قلبِي يَقِينا، فَغَدَوْت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ من أمرى، فَدَعَا
قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(مَا دَارَ بَيْنَ عُتْبَةَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ:
حُدِّثْتُ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ سَيِّدًا، قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَلَا أَقُومُ إلَى مُحَمَّدٍ فَأُكَلِّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا فَنُعْطِيهِ أَيَّهَا شَاءَ، وَيَكُفُّ عَنَّا؟ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ، وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ، فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ، قُمْ إلَيْهِ فَكَلِّمْهُ، فَقَامَ إلَيْهِ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا بن أَخِي، إنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنْ السِّطَةِ [١] فِي الْعَشِيرَةِ، وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرِ عَظِيمٍ فَرَّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ وَسَفَّهْتَ بِهِ أَحْلَامَهُمْ وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ وَكَفَّرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنِّي أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنْهَا [٢] بَعْضَهَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، أَسْمَعْ، قَالَ: يَا بن أَخِي، إنْ كُنْتَ إنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رِئْيًا [٣] تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ، طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ، وَبَذَلْنَا فِيهِ
----------------------
[()] لي بِأَن يثبتني الله. وَقَالَ حَمْزَة حِين أسلم أبياتا، مِنْهَا:
حمدت الله حِين هدى فُؤَادِي ... إِلَى الْإِسْلَام وَالدّين الحنيف
لدين جَاءَ من رب عَزِيز ... خَبِير بالعباد بهم لطيف
إِذا تليت رسائله علينا ... تحدر دمع ذِي اللب الحصيف
رسائل جَاءَ أَحْمد من هداها ... بآيَات مبينَة الْحُرُوف
[١] كَذَا فِي أ. والسطة: الشّرف. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «البسطة» .
[٢] فِي أ: «منا» .
[٣] الرئى (بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا): مَا يتَرَاءَى للْإنْسَان من الْجِنّ.
أَمْوَالَنَا حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التَّابِعُ [١] عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُدَاوَى مِنْهُ أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ. حَتَّى إذَا فَرَغَ عُتْبَةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَمِعُ مِنْهُ، قَالَ: أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْمَعْ مِنِّي، قَالَ: أَفْعَلُ، فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ٤١: ٠- ٥ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ. فَلَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ عُتْبَةُ، أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا، فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ، فَأَنْتَ وَذَاكَ.
(مَا أَشَارَ بِهِ عُتْبَةُ عَلَى أَصْحَابِهِ):
فَقَامَ عُتْبَةُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: نَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ. فَلَمَّا جَلَسَ إلَيْهِمْ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ:
وَرَائِي أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا وَاَللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، وَلَا بِالسِّحْرِ، وَلَا بِالْكِهَانَةِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا بِي، وَخَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ فاعتزلوه، فو الله لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، قَالُوا: سَحَرَكَ وَاَللَّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ، قَالَ: هَذَا رَأْيِي فِيهِ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ.
مَا دَارَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ، وَتَفْسِيرٌ لِسُورَةِ الْكَهْفِ
(اسْتِمْرَارُ قُرَيْشٍ عَلَى تَعْذِيبِ مَنْ أَسْلَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الْإِسْلَامَ جَعَلَ يَفْشُو بِمَكَّةَ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقُرَيْشٌ تَحْبِسُ مَنْ قَدَرَتْ عَلَى حَبْسِهِ، وَتَفْتِنُ مَنْ اسْتَطَاعَتْ
--------------------------
[١] التَّابِع: من يتبع النَّاس من الْجِنّ.
فِتْنَتَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ إنَّ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:
(حَدِيثُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ):
اجْتَمَعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالنَّضْرُ ابْن الْحَارِثِ (بْنِ كَلَدَةَ) [١]، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ السَّهْمِيَّانِ [٢]، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ مَنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ. قَالَ: اجْتَمِعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: ابْعَثُوا إلَى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّى تُعْذِرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أَشْرَافَ قَوْمِكَ قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فَأْتِهِمْ، فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا، وَهُوَ يَظُنُّ أَنْ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِيمَا كَلَّمَهُمْ فِيهِ بَدَاءٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا يُحِبُّ رُشْدَهُمْ، وَيَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهُمْ [٣]، حَتَّى جَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّا قَدْ بَعَثْنَا إلَيْكَ لِنُكَلِّمَكَ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ، وَعِبْتَ الدِّينَ، وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ، وَسَفَّهْتَ الْأَحْلَامَ، وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ، فَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قَبِيحٌ إلَّا قَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ- أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُ- فَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فِينَا، فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رِئْيًا تَرَاهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ- وَكَانُوا يُسَمُّونَ التَّابِعَ مِنْ الْجِنِّ رِئْيًا- فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ، بَذَلْنَا لَكَ أَمْوَالَنَا فِي طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، أَوْ نُعْذِرَ فِيكَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
-------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... الْحجَّاج والسهميان» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] الْعَنَت: مَا شقّ على الْإِنْسَان فعله.
مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ. قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا شَيْئًا مِمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَضْيَقَ بَلَدًا، وَلَا أَقَلَّ مَاءً، وَلَا أَشَدَّ عَيْشًا مِنَّا، فَسَلْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا، وَلْيَبْسُطْ لَنَا بِلَادَنَا، وَلْيُفَجِّرْ [١] لَنَا فِيهَا أَنَهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخَ صِدْقٍ، فَنَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَقُولُ: أَحَقُّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَصَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ صَدَّقْنَاكَ، وَعَرَفْنَا بِهِ مَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ. فَقَالَ لَهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: مَا بِهَذَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ، إنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ اللَّهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، وَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ إلَيْكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي [٢] وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: فَإِذَا لَمْ تَفْعَلْ هَذَا لَنَا،
------------------------
[١] فِي أ: «وليخرق» .
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَذكر مَا سَأَلَهُ قومه من الْآيَات وَإِزَالَة الْجبَال عَنْهُم وإنزال الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ وَغير ذَلِك جهلا مِنْهُم بحكمة الله تَعَالَى فِي امتحانه الْخلق وتعبدهم بِتَصْدِيق الرُّسُل، وَأَن يكون إِيمَانهم عَن نظر وفكر فِي الْأَدِلَّة فَيَقَع الثَّوَاب على حسب ذَلِك وَلَو كشف الغطاء وَحصل لَهُم الْعلم الضروريّ بطلت الْحِكْمَة الَّتِي من أجلهَا يكون الثَّوَاب وَالْعِقَاب إِذْ لَا يُؤجر الْإِنْسَان على مَا لَيْسَ من كَسبه كَمَا لَا يُؤجر على مَا خلق فِيهِ من لون وَشعر وَنَحْو ذَلِك، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُم من الدَّلِيل مَا يَقْتَضِي النّظر فِيهِ الْعلم الكسبي، وَذَلِكَ لَا يحصل إِلَّا بِفعل من أَفعَال الْقلب وَهُوَ النّظر فِي الدَّلِيل وَفِي وَجه دلَالَة المعجزة على صدق الرَّسُول، وَإِلَّا فقد كَانَ قَادِرًا سُبْحَانَهُ أَن يَأْمُرهُم بِكَلَامِهِ يسمعونه ويغنيهم عَن إرْسَال الرُّسُل إِلَيْهِم، وَلكنه سُبْحَانَهُ قسم الْأَمر بَين الدَّاريْنِ فَجعل الْأَمر بِعلم فِي الدُّنْيَا بِنَظَر واستدلال وتفكر وَاعْتِبَار، لِأَنَّهَا دَار تعبد واختبار، وَجعل الْأَمر بِعلم فِي الْآخِرَة بمعاتبة واضطرار لَا يسْتَحق بِهِ ثَوَاب وَلَا جَزَاء، وَإِنَّمَا يكون الْجَزَاء فِيهَا على مَا سبق فِي الدَّار الأولى، حِكْمَة دبرهَا وَقَضِيَّة أحكمها، وَقد قَالَ الله تَعَالَى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ١٧: ٥٩، يُرِيد فِيمَا قَالَ أهل التَّأْوِيل: أَن التَّكْذِيب بِالْآيَاتِ نَحْو مَا سَأَلُوهُ من إِزَالَة الْجبَال عَنْهُم، وإنزال الْمَلَائِكَة يُوجب فِي حكم الله
فَخُذْ لِنَفْسِكَ، سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ وَسَلْهُ فَلْيَجْعَلْ لَكَ جَنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ كَمَا نَقُومُ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، حَتَّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا، وَمَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ بِهَذَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا- أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قَالُوا: فَأَسْقِطْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا كِسَفًا كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إنْ شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّا لَا نُؤْمِنُ لَكَ إلَّا أَنْ تَفْعَلَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكُمْ فَعَلَ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَفَمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ وَنَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ، وَنَطْلُبُ مِنْكَ مَا نَطْلُبُ، فَيَتَقَدَّمَ إلَيْكَ فَيُعَلِّمَكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، وَيُخْبِرُكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا، إذْ لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتنَا بِهِ! إنَّهُ قَدْ بَلَغْنَا أَنَّكَ إنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ: الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا بَلَغْتَ منّا حَتَّى نملكك، أَوْ تُهْلِكَنَا. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا باللَّه وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا.
----------------------
[()] أَلا يلبث الْكَافرين بهَا، وَأَن يعاجلهم بالنقمة كَمَا فعل بِقوم صَالح وبآل فِرْعَوْن، فَلَو أَعْطَيْت قُرَيْش مَا سَأَلُوهُ من الْآيَات وجاءهم بِمَا اقترحوا ثمَّ كذبُوا لم يَلْبَثُوا، وَلَكِن الله أكْرم مُحَمَّدًا فِي الْأمة الَّتِي أرْسلهُ إِلَيْهِم، إِذْ قد سبق فِي علمه أَن يكذب بِهِ من يكذب وَيصدق من يصدق، وابتعثه رَحْمَة للْعَالمين بر وَفَاجِر، أما الْبر فرحمته إيَّاهُم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَأما الْفَاجِر فإنّهم أمنُوا من الْخَسْف وَالْغَرق وإرسال حاصب عَلَيْهِم من السَّمَاء، كَذَلِك قَالَ بعض أهل التَّفْسِير فِي قَوْله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ٢١: ١٠٧. مَعَ أَنهم لم يسْأَلُوا مَا سَأَلُوا من الْآيَات إِلَّا تعنتا واستهزاء لَا على جِهَة الاسترشاد وَدفع الشَّك، فقد رَأَوْا من دَلَائِل النُّبُوَّة مَا فِيهِ شِفَاء لمن أنصف، قَالَ الله سُبْحَانَهُ: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ٢٩: ٥١ الْآيَة. وَفِي هَذَا الْمَعْنى قيل:
لَو لم تكن فِيهِ آيَات مبينَة ... كَانَت بداهته تنبيك بالْخبر
وَقد ذكر ابْن إِسْحَاق فِي غير هَذِه الرِّوَايَة أَنهم سَأَلُوهُ أَن يَجْعَل لَهُم الصَّفَا ذَهَبا، فهم رَسُول الله ﷺ أَن يَدْعُو الله لَهُم فَنزل جِبْرِيل فَقَالَ لَهُم: مَا شِئْتُم، إِن شِئْتُم فعلت مَا سَأَلْتُم، ثمَّ لَا نلبثكم إِن كَذبْتُمْ بعد مُعَاينَة الْآيَة، فَقَالُوا لَا حَاجَة لنا بهَا.
(حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَامَ عَنْهُمْ، وَقَامَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْن أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ، فَهُوَ لِعَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ. عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ مَا عَرَضُوا فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا لِيَعْرِفُوا بِهَا مَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، وَيُصَدِّقُوكَ وَيَتَّبِعُوكَ فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تَأْخُذَ لِنَفْسِكَ مَا يَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَكَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ بَعْضَ مَا تُخَوِّفُهُمْ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ، فَلَمْ تَفْعَلْ- أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ- فو الله لَا أُومِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا، ثُمَّ تَرْقَى فِيهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْكَ حَتَّى تَأْتِيَهَا، ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ، وَاَيْمُ اللَّهِ، لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَا ظَنَنْتُ أَنِّي أُصَدِّقُكَ [١]، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ حَزِينًا آسِفًا لِمَا فَاتَهُ مِمَّا كَانَ يَطْمَعُ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ إيَّاهُ.
(مَا تَوَعَّدَ بِهِ أَبُو جَهْلٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ):
فَلَمَّا قَامَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إلَّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا، وَشَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامنَا، وَشتم آلِهَتنَا، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ- أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلَاتِهِ فَضَخْتُ بِهِ رَأْسَهُ، فَأَسْلِمُونِي عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ، قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نُسْلِمُكَ لِشَيْءِ أَبَدًا، فَامْضِ لِمَا تُرِيدُ.
(مَا حَدَثَ لِأَبِي جَهْلٍ حِينَ هَمَّ بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ):
فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو جَهْلٍ، أَخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُهُ، وَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَغْدُو. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ وَقِبْلَتُهُ إلَى الشَّامِ، فَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَّى بَيْنَ
----------------------
[١] وَقد أسلم أَبُو أُميَّة قبل فتح مَكَّة.
الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ [١] الْأَسْوَدِ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَقَدْ غَدَتْ قُرَيْشٌ فَجَلَسُوا فِي أَنْدِيَتِهِمْ يَنْتَظِرُونَ مَا أَبُو جَهْلٍ فَاعِلٌ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ [٢] مَرْعُوبًا قَدْ يَبِسَتْ يَدَاهُ عَلَى حَجَرِهِ، حَتَّى قَذَفَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِهِ، وَقَامَتْ إلَيْهِ رِجَالُ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ:
مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: قُمْتُ إلَيْهِ لِأَفْعَلَ بِهِ مَا قُلْتُ لَكُمْ الْبَارِحَةَ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنْ الْإِبِلِ، لَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتهِ، وَلَا مِثْلَ قَصَرَتِهِ [٣] وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، فَهَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي [٤] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ عليه السلام، لَوْ دَنَا لَأَخَذَهُ.
(نَصِيحَةُ النَّضْرِ لِقُرَيْشِ بِالتَّدَبُّرِ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ):
فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ، قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ ابْن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّهُ وَاَللَّهِ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ مَا أَتَيْتُمْ لَهُ بِحِيلَةِ بَعْدُ، قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلَامًا حَدَثًا أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ، وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتَّى إذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغَيْهِ الشَّيْبَ، وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ، قُلْتُمْ
--------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... بَين الرُّكْنَيْنِ البراني وَالْأسود» . وَقد عرض ابْن بطوطة فِي رحلته فِي الْجُزْء الأول (ص ٣١٥ طبع أوربا) للْكَلَام على الْأَركان فَقَالَ: «وَمن عِنْد الْحجر الْأسود مُبْتَدأ الطّواف، وَهُوَ أول الْأَركان الَّتِي يلقاها الطَّائِف، فَإِذا استلمه تقهقر عَنهُ قَلِيلا، وَجعل الْكَعْبَة الشَّرِيفَة عَن يسَاره وَمضى فِي طَوَافه، ثمَّ بعده الرُّكْن الْعِرَاقِيّ وَهُوَ إِلَى جِهَة الشمَال، ثمَّ ألْقى الرُّكْن الشَّامي وَهُوَ إِلَى جِهَة الغرب، ثمَّ يلقى الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهُوَ إِلَى جِهَة الْمغرب، ثمَّ يعود إِلَى الْحجر الْأسود وَهُوَ إِلَى جِهَة الشرق» .
[٢] منتقع: متغير.
[٣] القصرة: أصل الْعُنُق.
[٤] وروى هَذَا الحَدِيث النَّسَائِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبى هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ أَبُو جهل، وَذكر الحَدِيث «... فَقَالُوا مَا لَك؟ فَقَالَ: إِن بيني وَبَينه لَخَنْدَقًا من نَار وَهولا وَأَجْنِحَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ:
لَو دنا لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَة عضوا عضوا» . (رَاجع الرَّوْض) .
سَاحِرٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا السَّحَرَةَ وَنَفْثَهُمْ وَعَقْدَهُمْ [١]، وَقُلْتُمْ كَاهِنٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، قَدْ رَأَيْنَا الْكَهَنَةَ وَتَخَالُجَهُمْ وَسَمِعْنَا سَجْعَهُمْ، وَقُلْتُمْ شَاعِرٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، قَدْ رَأَيْنَا الشِّعْرَ، وَسَمِعْنَا أَصْنَافَهُ كُلَّهَا:
هَزَجَهُ وَرَجَزَهُ، وَقُلْتُمْ مَجْنُونٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ، وَلَا تَخْلِيطِهِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَانْظُرُوا فِي شَأْنِكُمْ، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ.
(مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ):
وَكَانَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَنْصِبُ لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْحِيرَةَ، وَتَعَلَّمَ بِهَا أَحَادِيثَ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَأَحَادِيثَ رُسْتُمَ وَاسْبِنْدِيَارَ [٢]، فَكَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا فَذَكَّرَ فِيهِ باللَّه، وَحَذَّرَ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الْأُمَمِ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ، خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ، فَهَلُمَّ إلَيَّ، فَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسَ وَرُسْتُمَ وَاسْبِنْدِيَارَ [٢]، ثمَّ يَقُول: بِمَاذَا مُحَمَّدٌ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنِّي؟.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيمَا بَلَغَنِي: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: نَزَلَ فِيهِ ثَمَانِ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ: قَوْلُ اللَّهِ عز وجل: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قَالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ٦٨: ١٥. وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْأَسَاطِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ.
(أَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ النَّضْرَ وَابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى أَحْبَارِ يَهُودَ يَسْأَلَانِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ):
فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بَعَثُوهُ، وَبَعَثُوا مَعَهُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُمَا: سَلَاهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصِفَا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرَاهُمْ بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأُوَلِ، وَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ
----------------------
[١] العقد: بِفَتْح وَسُكُون، أَو بِضَم فَفتح على أَن يكون جمع عقدَة، وَهِي الَّتِي يعقدها السَّاحر فِي الْخَيط ينْفخ فِيهَا بِشَيْء يَقُوله بِلَا ريق أَو مَعَه.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي م: «إسفنديار» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «اسفندياذ» .
الْأَنْبِيَاءِ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَوَصَفَا لَهُمْ أَمْرَهُ، وَأَخْبَرَاهُمْ بِبَعْضِ قَوْلِهِ، وَقَالَا لَهُمْ: إنَّكُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا، فَقَالَتْ لَهُمَا أَحْبَارُ يَهُودَ: سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ. سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ أَمْرُهُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجَبٌ، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا مَا كَانَ نَبَؤُهُ، وَسَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ مَا هِيَ؟ فَإِذَا أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوَّلٌ، فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ. فَأَقْبَلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ حَتَّى قَدِمَا مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، قَدْ أَخْبَرَنَا أَحْبَارُ يَهُودَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ أَمَرُونَا بِهَا، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ عَنْهَا فَهُوَ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ.
(سُؤَالُ قُرَيْشٍ لَهُ ﷺ عَنْ أَسْئِلَةٍ وَإِجَابَتُهُ لَهُمْ):
فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ قِصَّةٌ عَجَبٌ، وَعَنْ رَجُلٍ كَانَ طَوَّافًا قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَأَخْبِرْنَا عَنْ الرُّوحِ مَا هِيَ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ [١]، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- خَمْسَ عَشْرَةَ [٢] لَيْلَةً لَا يُحْدِثُ اللَّهُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا، وَلَا يَأْتِيهِ جِبْرِيل، حَتَّى أرحف [٣] أَهْلُ مَكَّةَ، وَقَالُوا: وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا، وَالْيَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، قَدْ أَصْبَحْنَا مِنْهَا لَا يُخْبِرُنَا بِشَيْءِ مِمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ، وَحَتَّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُكْثُ الْوَحْيِ
----------------------
[١] كَذَا فِي أ. يُرِيد: لم يقل: إِن شَاءَ الله. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لم يسْتَثْن» .
[٢] وَفِي سير التَّيْمِيّ ومُوسَى بن عقبَة: إِن الْوَحْي إِنَّمَا أَبْطَأَ عَنهُ ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ جَاءَهُ جِبْرِيل بِسُورَة الْكَهْف. (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] أرجف الْقَوْم: خَاضُوا فِي الْأَخْبَار السَّيئَة، وَذكر الْفِتَن على أَن يوقعوا فِي النَّاس الِاضْطِرَاب من غير أَن يَصح عِنْدهم شَيْء.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 07:44 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (32)
صــ 301إلى صــ 310
عَنْهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ: ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ عز وجل بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وَخَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الْفِتْيَةَ، وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ، وَالرُّوحِ.
(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي قُرَيْشٍ حِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَغَابَ عَنْهُ الْوَحْيُ مُدَّةً):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ حِينَ جَاءَهُ: لَقَدْ احْتَبَسْتَ عَنِّي يَا جِبْرِيلُ حَتَّى سُؤْتُ ظَنًّا، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ١٩: ٦٤. فَافْتَتَحَ السُّورَةَ تبارك وتعالى بِحَمْدِهِ وَذِكْرِ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ، لِمَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ ١٨: ١ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، إنَّكَ رَسُولٌ مِنِّي: أَيْ تَحْقِيقٌ لِمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ نُبُوَّتِكَ. وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا ١٨: ١- ٢: أَيْ مُعْتَدِلًا، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ. لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ١٨: ٢: أَيْ عَاجِلَ عُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا. وَعَذَابًا أَلِيمًا فِي الْآخِرَةِ: أَيْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ الَّذِي بَعَثَ رَسُولًا. وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ١٨: ٢- ٣: أَيْ دَارُ الْخُلْدِ. لَا يَمُوتُونَ فِيهَا الَّذِينَ صَدَّقُوكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا كَذَّبَكَ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرْتهمْ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ١٨: ٤ يَعْنِي قُرَيْشًا فِي قَوْلِهِمْ: إنَّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ. مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ ١٨: ٥ الَّذِينَ أَعْظَمُوا فِرَاقَهُمْ وَعَيْبَ دِينِهِمْ. كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ١٨: ٥: أَيْ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ١٨: ٥- ٦ يَا مُحَمَّدُ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ١٨: ٦: أَيْ لِحُزْنِهِ عَلَيْهِمْ حِينَ فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ: أَيْ لَا تَفْعَلْ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَاخِعٌ نَفْسَكَ، أَيْ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ.
قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ ... لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ
وَجَمْعُهُ: بَاخِعُونَ وَبَخَعَةٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ بَخَعْتُ
لَهُ نُصْحِي وَنَفْسِي، أَيْ جَهَدْتُ لَهُ. إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ١٨: ٧.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ أَيُّهُمْ أَتْبَعُ لِأَمْرِي، وَأَعْمَلُ بِطَاعَتِي. وَإِنَّا لَجاعِلُونَ مَا عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا ١٨: ٨: أَيْ الْأَرْضِ، وَإِنَّ مَا عَلَيْهَا لَفَانٍ وَزَائِلٌ، وَإِنَّ الْمَرْجِعَ إلَيَّ، فَأَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، فَلَا تَأْسَ وَلَا يَحْزُنْكَ مَا تَسْمَعُ وَتَرَى فِيهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصَّعِيدُ: الْأَرْضُ، وَجَمْعُهُ: صُعُدٌ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ظَبْيًا صَغِيرًا:
كَأَنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ... دَبَّابَةٌ فِي عِظَامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصَّعِيدُ (أَيْضًا): الطَّرِيقُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:
إيَّاكُمْ وَالْقُعُودَ عَلَى الصُّعَدَاتِ. يُرِيدُ الطُّرُقَ. وَالْجُرُزُ: الْأَرْضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَجَمْعُهَا: أَجْرَازٌ. وَيُقَالُ: سَنَةٌ جُرُزٌ، وَسُنُونَ أَجْرَازٌ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا مَطَرٌ، وَتَكُونُ فِيهَا جُدُوبَةٌ وَيُبْسٌ وَشِدَّةٌ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ إبِلا:
طوى النحز [٢] وَالْأَجْرَازُ مَا فِي بُطُونِهَا ... فَمَا بَقِيَتْ إلَّا الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ [٣]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَ قِصَّةَ الْخَبَرِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ شَأْنِ الْفِتْيَةِ، فَقَالَ:
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا ١٨: ٩: أَيْ قَدْ كَانَ مِنْ آيَاتِي فِيمَا وَضَعْتُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ حُجَجِي مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالرَّقِيمُ: الْكِتَابُ الَّذِي رُقِمَ فِيهِ بِخَبَرِهِمْ [٤]، وَجَمْعُهُ: رُقُمٌ.
قَالَ الْعَجَّاجُ:
---------------------------
[١] كَذَا فِي أ. والدبابة: الْخمر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ذُبَابَة» . وَهُوَ تَصْحِيف. والخرطوم:
الْخمر أَيْضا.
[٢] كَذَا فِي أ. والنحز: النخس. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «النَّحْر» . بالراء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] الجراشع: المنتفخة المتسعة، وَاحِدهَا: جرشع.
[٤] كَمَا قيل بِأَن الرقيم هُوَ اسْم الْجَبَل الّذي كَانَ فِيهِ الْكَهْف، أَو اسْم الْقرْيَة الَّتِي كَانُوا فِيهَا، كَمَا قيل بِأَنَّهُ الدواة، حَكَاهُ ابْن دُرَيْد.
وَمُسْتَقَرُّ الْمُصْحَفِ الْمُرَقَّمِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا. فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا. ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا ١٨: ١٠- ١٢. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ١٨: ١٣: أَيْ بِصِدْقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا، لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا ١٨: ١٣- ١٤: أَيْ لَمْ يُشْرِكُوا بِي كَمَا أَشْرَكْتُمْ بِي مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالشَّطَطُ: الْغُلُوُّ وَمُجَاوَزَةُ الْحَقِّ. قَالَ أَعْشَى بَنِي [١] قَيْسِ ابْن ثَعْلَبَةَ:
لَا يَنْتَهُونَ وَلَا يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ [٢] فِيهِ الزَّيْتُ وَالْفَتْلُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ١٨: ١٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ بِحُجَّةٍ بَالِغَةٍ.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ، وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ١٨: ١٥- ١٧.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَزَاوَرُ: تَمِيلُ، وَهُوَ مِنْ الزُّورِ. وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنِ حَجَرٍ
------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بن» .
[٢] فِي أ: «يهْلك» .
وَإِنِّي زَعِيمٌ [١] إنْ رَجَعْتُ مُمَلَّكًا ... بِسَيْرٍ تَرَى مِنْهُ الْفُرَانِقَ أَزْوَرَا [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو الزّحف الكليبي [٣] يَصِفُ بَلَدًا:
جَأْبُ [٤] الْمُنَدَّى [٥] عَنْ هَوَانَا أَزْوَرُ ... يُنْضِي الْمَطَايَا خِمْسُهُ الْعَشَنْزَرُ [٦]
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ [٧] فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وتَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ ١٨: ١٧: تُجَاوِزُهُمْ وَتَتْرُكُهُمْ عَنْ شِمَالِهَا. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
إلَى ظُعْنٍ يَقْرِضْنَ أَقْوَازَ مُشْرِفٍ ... شِمَالًا وَعَنْ أَيْمَانِهِنَّ الْفَوَارِسُ [٨]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْفَجْوَةُ: السَّعَةُ، وَجَمْعُهَا: الْفِجَاءُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلْبَسْتَ قَوْمَكَ مَخْزَاةً وَمَنْقَصَةً ... حَتَّى أُبِيحُوا وَخَلَّوْا فَجْوَةَ الدَّارِ
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ ٧: ٢٦ أَيْ فِي الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِمَّنْ أَمَرَ هَؤُلَاءِ بِمَسْأَلَتِكَ عَنْهُمْ فِي صِدْقِ نُبُوَّتِكَ بِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ.
مَنْ يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ، وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ١٨: ١٧- ١٨.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَصِيدُ: الْبَابُ. قَالَ الْعَبْسِيُّ، وَاسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ:
بِأَرْضٍ فَلَاةٍ لَا يُسَدُّ وَصِيدُهَا ... عَلَيَّ وَمَعْرُوفِي بِهَا غَيْرُ مُنْكَرِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَالْوَصِيدُ (أَيْضًا): الْفِنَاءُ، وَجَمْعُهُ: وَصَائِدُ، وَوُصُدٌ، وَوُصْدَانُ، وَأُصُدٌ، وَأُصْدَانٌ.
-----------------------
[١] فِي لِسَان الْعَرَب (مَادَّة فرنق): «أذين» .
[٢] الفرانق: الّذي يسير بالكنب على رجلَيْهِ، وَالْأَزْوَر: المائل.
[٣] كَذَا فِي أواللسان مَادَّة (عشنزر)، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْكَلْبِيّ» .
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. والجأب: الغليظ الجافي. وَفِي لِسَان الْعَرَب «مَادَّة (عشنزر): «جَدب» .
[٥] المندى: مرعى الْإِبِل إِذا امْتنعت عَن شرب المَاء.
[٦] ينضى: يهزل. وَخَمْسَة: هُوَ أَن ترد الْإِبِل المَاء عَن خَمْسَة أَيَّام. والعشنزر: الشَّديد الْخلق.
[٧] هَذَا على أَنَّهُمَا من مشطور الرجز.
[٨] الظعن: الْإِبِل الَّتِي عَلَيْهَا الهوادج. وأقواز: جمع قوز، وَهُوَ المستدير من الرمل. ومشرف:
مَوضِع. والفوارس (هُنَا): رمال بِعَينهَا. ويروى:
إِلَى ظعن يقرضن أجواز.
.. إِلَخ.
والأجواز: جمع جوز، وَهُوَ الْوسط.
٢٠- سيرة ابْن هِشَام- ١
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا، وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ١٨: ١٨ ... إلَى قَوْلِهِ: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ ١٨: ٢١ أَهْلُ السُّلْطَانِ وَالْمُلْكِ مِنْهُمْ:
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، سَيَقُولُونَ ١٨: ٢١- ٢٢ يَعْنِي أَحْبَارَ يَهُودَ الَّذِينَ أَمَرُوهُمْ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، رَجْمًا بِالْغَيْبِ ١٨: ٢٢: أَيْ لَا عِلْمَ لَهُمْ. وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا ١٨: ٢٢: أَيْ لَا تُكَابِرْهُمْ. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ١٨: ٢٢ فَإِنَّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِمْ. وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ [١] اللَّهُ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ١٨: ٢٣- ٢٤: أَيْ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءِ سَأَلُوكَ عَنْهُ كَمَا قُلْتُ فِي هَذَا: إنِّي مُخْبِرُكُمْ غَدًا. وَاسْتَثْنِ شِيئَةَ [٢] اللَّهِ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي ١٨: ٢٤ لِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ رَشَدًا، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَنَا صَانِعٌ فِي ذَلِكَ. وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [٣] وَازْدَادُوا تِسْعًا ١٨: ٢٥: أَيْ سَيَقُولُونَ ذَلِكَ. قُلِ اللَّهِ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا، لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ١٨: ٢٦ أَيْ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا سَأَلُوكَ عَنْهُ.
(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي خَبَرِ الرَّجُلِ الطَّوَّافِ):
وَقَالَ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرجل الطوّاف: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ١٨: ٨٣-----------------------
[١] فِي الْكَلَام حذف وإضمار تَقْدِيره: وَلا تَقُولَنَّ ١٨: ٢٣ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا ١٨: ٢٣ إِلَّا ذَاكِرًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله، ١٨: ٢٤ أَو ناطقا بِأَن يَشَاء الله.
[٢] كَذَا فِي أور. والشيئة: مصدر شَاءَ يَشَاء. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَشِيئَة» .
[٣] كَانَ الْقيَاس أَن يَقُول «سنة» بَدَلا من: «سِنِين» . وَلَكِن سِنِين هُنَا بدل مِمَّا قبله وَلَيْسَت مُضَافَة.
وَفِي الْعُدُول عَن الْإِضَافَة إِلَى الْبَدَل حِكْمَة عَظِيمَة، لِأَنَّهُ لَو قَالَ «سنة» لَكَانَ الْكَلَام كَأَنَّهُ جَوَاب لطائفة وَاحِدَة من النَّاس. وَالنَّاس فيهم طَائِفَتَانِ: طَائِفَة عرفُوا طول لبثهم وَلم يعلمُوا مِقْدَار السنين، فعرفهم أَنَّهَا ثَلَاث مائَة، وَطَائِفَة لم يعرفوا طول لبثهم وَلَا شَيْئا من خبرهم، فَلَمَّا قَالَ ثَلَاث مائَة مُعَرفا للأولين بالمدة الَّتِي شكوا فِيهَا، مُبينًا للآخرين أَن هَذِه الثَّلَاث مائَة سنُون وَلَيْسَت أَيَّامًا وَلَا شهورا. فانتظم الْبَيَان للطائفتين من ذكر الْعدَد. وَجمع الْمَعْدُود وَتبين أَنه بدل، إِذْ الْبَدَل يُرَاد بِهِ تبين مَا قبله. (رَاجع الرَّوْض) .
قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا ١٨: ٨٣- ٨٥ حَتَّى انْتَهَى إلَى آخِرِ قِصَّةِ خَبَرِهِ.
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّهُ أُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَمُدَّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ حَتَّى انْتَهَى مِنْ الْبِلَادِ إلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَا يَطَأُ أَرْضًا إلَّا سُلِّطَ عَلَى أَهْلِهَا، حَتَّى انْتَهَى مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلَى مَا لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْ الْخَلْقِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ عَنْ الْأَعَاجِمِ فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِهِ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. اسْمُهُ مَرْزُبَانُ بْنُ مَرْذُبَةَ الْيُونَانِيُّ، مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ الْإِسْكَنْدَرُ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكُلَاعِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [١] فَقَالَ: مَلِكٌ مَسَحَ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا بِالْأَسْبَابِ. وَقَالَ خَالِدٌ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهمّ غَفْرًا، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تَسَمَّوْا بِالْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَسَمَّيْتُمْ بِالْمَلَائِكَةِ [٢] .
-----------------------
[١] عقد السهيليّ عَن ذِي القرنين وَالْخلاف فِي اسْمه فصلا طَويلا رَأينَا أَن نمسك عَنهُ إِذْ الْخلاف فِيهِ كثير وَلَا طائل تَحْتَهُ.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَكَانَ مَذْهَب عمر رحمه الله كَرَاهِيَة التسمي بأسماء الْأَنْبِيَاء، فقد أنكر على الْمُغيرَة تكنيته بِأبي عِيسَى، وَأنكر على صُهَيْب تكنيته بِأبي يحيى، فَأخْبرهُ كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ كناه بذلك فَسكت. وَكَانَ عمر إِنَّمَا كره من ذَلِك الْإِكْثَار، وَأَن يظنّ أَن للْمُسلمين شرفا فِي الِاسْم إِذا سمى باسم نَبِي، أَو أَنه يَنْفَعهُ ذَلِك فِي الْآخِرَة، فَكَأَنَّهُ استشعر من رَعيته هَذَا الْغَرَض أَو نَحوه. وَهُوَ أعلم بِمَا كره من ذَلِك، وَإِلَّا فقد سمى بِمُحَمد طَائِفَة من الصَّحَابَة مِنْهُم أَبُو بكر وعَلى وَطَلْحَة، وَكَانَ لطلْحَة عشرَة من الْوَلَد كل يُسمى باسم نَبِي، مِنْهُم مُوسَى بن طَلْحَة وَعِيسَى، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، وَإِبْرَاهِيم، وَمُحَمّد. وَكَانَ للزبير عشرَة كلهم يُسمى باسم شَهِيد، فَقَالَ لَهُ طَلْحَة: أَنا أسميهم بأسماء الْأَنْبِيَاء وَأَنت تسميهم بأسماء الشُّهَدَاء؟ فَقَالَ لَهُ الزبير: فإنّي أطمع أَن يكون بنى شُهَدَاء وَلَا تطمع أَنْت أَن يكون بنوك أَنْبيَاء. وسمى رَسُول الله ﷺ ابْنه إِبْرَاهِيم. والْآثَار فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة.
وَفِي السّنَن لأبى دَاوُد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: سموا بأسماء الْأَنْبِيَاء، وَهَذَا مَحْمُول على الْإِبَاحَة لَا على الْوُجُوب. وَأما التسمي بِمُحَمد، فَفِي مُسْند الْحَارِث عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من كَانَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد وَلم يسم أحدهم بِمُحَمد فقد جهل. وَفِي المعيطي عَن مَالك أَنه سُئِلَ عَمَّن اسْمه مُحَمَّد ويكنى أَبَا الْقَاسِم، فَلم ير بِهِ بَأْسا. فَقيل لَهُ: أكنيت ابْنك أَبَا الْقَاسِم واسْمه مُحَمَّد؟ فَقَالَ: مَا كنيته بهَا، وَلَكِن أَهله يكنونه بهَا. وَلم أسمع فِي ذَلِك نهيا وَلَا أرى بذلك بَأْسا، وَهَذَا يدل على أَن مَالِكًا لم يبلغهُ أَو لم يَصح عِنْده
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، أَقَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَمْ لَا؟ (فَإِنْ كَانَ قَالَهُ) [١]، فَالْحَقُّ [٢] مَا قَالَ.
(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ الرُّوحِ):
وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمر الرّوح: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ١٧: ٨٥.
(سُؤَالُ يَهُودِ الْمَدِينَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ١٧: ٨٥.):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: يَا مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ: وَما أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ١٧: ٨٥ إيَّانَا تُرِيدُ، أَمْ قَوْمَكَ؟ قَالَ: كُلًّا، قَالُوا:
فَإِنَّكَ تَتْلُو فِيمَا جَاءَكَ: أَنَّا قَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وَعِنْدَكُمْ فِي ذَلِكَ مَا يَكْفِيكُمْ لَوْ أَقَمْتُمُوهُ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِك: وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٣١: ٢٧: أَيْ أَنَّ التَّوْرَاةَ فِي هَذَا مِنْ عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ.
(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَأْنِ طَلَبِهِمْ تَسْيِيرَ الْجِبَالِ):
قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلَهُ قَوْمُهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ،
------------------------
[()] حَدِيث النهى عَن ذَلِك، وَقد رَوَاهُ أهل الصَّحِيح فاللَّه أعلم. وَلَعَلَّه بلغه حَدِيث عَائِشَة أَنه عليه الصلاة والسلام قَالَ: مَا الّذي أحل اسمى وَحرم كنيتي؟ وَهَذَا هُوَ النَّاسِخ لحَدِيث النهى. وَالله أعلم. وَكَانَ ابْن سِيرِين يكره لكل أحد أَن يتكنى بِأبي الْقَاسِم، كَانَ اسْمه مُحَمَّدًا أَو لم يكن. وَطَائِفَة إِنَّمَا يكرهونه لمن اسْمه مُحَمَّد. وَفِي المعيطي أَيْضا: أَنه سُئِلَ عَن التَّسْمِيَة بمهدى فكره وَقَالَ وَمَا علمه بِأَنَّهُ مهْدي. وأباح التَّسْمِيَة بالهادي الْهَادِي وَقَالَ: لِأَنَّهُ هُوَ الّذي يهدى إِلَى الطَّرِيق. وَقد قدمنَا كَرَاهِيَة مَالك التسمي بِجِبْرِيل. وَقد ذكر ابْن إِسْحَاق كَرَاهِيَة عمر للتسمى بأسماء الْمَلَائِكَة، وَكره مَالك التسمي بياسين» .
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي الْأُصُول: «الْحق» .
وَتَقْطِيعِ الْأَرْضِ، وَبَعْثِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ مِنْ الْمَوْتَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى، بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ١٣: ٣١: أَيْ لَا أَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا شِئْتَ.
(مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَى قَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ: خُذْ لِنَفْسِكَ):
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ: خُذْ لِنَفْسِكَ، مَا سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جَنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا، وَيَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا يُصَدِّقُهُ بِمَا يَقُولُ، وَيَرُدُّ عَنْهُ:
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ ٢٥: ٧- ١٠: أَيْ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ فِي الْأَسْوَاقِ وَتَلْتَمِسَ الْمَعَاشَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ٢٥: ١٠.
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ، وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً، أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ٢٥: ٢٠: أَيْ جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ بَلَاءً لِتَصْبِرُوا، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَجْعَلَ الدُّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يُخَالَفُوا لَفَعَلْتُ.
(مَا أَنْزَلَهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ):
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ١٧: ٩٠- ٩٣.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْيَنْبُوعُ: مَا نَبَعَ مِنْ الْمَاءِ مِنْ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، وَجَمْعُهُ
يَنَابِيعُ. قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ، وَاسْمُهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ [١] الْفِهْرِيُّ [٢] .
وَإِذَا هَرَقْتَ بِكُلِّ دَارٍ [٣] عَبْرَةً ... نُزِفَ الشُّئُونُ وَدَمْعُكَ الْيَنْبُوعُ [٤]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْكِسَفُ: الْقِطَعُ مِنْ الْعَذَابِ، وَوَاحِدَتُهُ: كِسْفَةٌ، مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ. وَهِيَ أَيْضًا: وَاحِدَةُ الْكِسْفِ. وَالْقَبِيلُ: يَكُونُ مُقَابَلَةً وَمُعَايَنَةً، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ١٨: ٥٥: أَيْ عِيَانًا.
وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ لِأَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
أُصَالِحُكُمْ حَتَّى تَبُوءُوا بِمِثْلِهَا ... كَصَرْخَةِ حُبْلَى يَسَّرَتْهَا قَبِيلُهَا
يَعْنِي الْقَابِلَةُ، لِأَنَّهَا تُقَابِلُهَا وَتَقْبُلُ وَلَدَهَا. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَيُقَالُ:
الْقَبِيلُ: جَمْعُهُ قُبُلٌ، وَهِيَ الْجَمَاعَاتُ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ٦: ١١١ فَقُبُلٌ: جَمْعُ قَبِيلٍ، مِثْلُ سُبُلٍ: جَمْعُ سَبِيلٍ، وَسُرُرٍ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وَقُمُصٍ: جَمْعُ قَمِيصٍ. وَالْقَبِيلُ (أَيْضًا): فِي مَثَلٍ مِنْ الْأَمْثَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: مَا يَعْرِفُ قَبِيلًا مِنْ دَبِيرٍ: أَيْ لَا يَعْرِفُ مَا أَقْبَلَ مِمَّا أَدْبَرَ، قَالَ الْكُمَيْتُ ابْن زَيْدٍ:
تَفَرَّقَتْ الْأُمُورُ بِوَجْهَتَيْهِمْ ... فَمَا عَرَفُوا الدَّبِيرَ مِنْ الْقَبِيلِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ: إنَّمَا أُرِيدَ بِهَذَا (الْقَبِيلِ) [٥]: الْفَتْلُ، فَمَا فُتِلَ إلَى الذِّرَاعِ فَهُوَ الْقَبِيلُ، وَمَا فُتِلَ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَهُوَ الدَّبِيرُ، وَهُوَ مِنْ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ الَّذِي ذَكَرْتُ. وَيُقَالُ: فَتْلُ الْمِغْزَلِ. فَإِذَا فُتِلَ (الْمِغْزَلُ) [٥] إلَى الرُّكْبَةِ
----------------------
[١] كَذَا فِي الرَّوْض والأغاني. وَفِي الْأُصُول: «إِبْرَاهِيم بن عبد الله» .
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول. وَابْن هرمة خلجى، قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي الطَّبَقَات: «هُوَ من الخلج من قيس عيلان وَيُقَال إِنَّهُم من قُرَيْش» . وَفِي الأغاني: أَن نسبه ينتهى إِلَى قيس بن الْحَارِث: وَقيس هم الخلج، وَكَانُوا فِي عدوان، ثمَّ انتقلوا إِلَى بنى نصر بن مُعَاوِيَة بن بكر فَلَمَّا اسْتخْلف عمر أَتَوْهُ ليفرض لَهُم فَأنْكر نسبهم، فَلَمَّا تولى عُثْمَان أثبتهم فِي بنى الْحَارِث بن فهر، وَجعل لَهُم ديوانا فسموا الخلج، لأَنهم اختلجوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ من عدوان، وَقيل لأَنهم نزلُوا بِموضع فِيهِ خلج من مَاء ونسبوا إِلَيْهِ.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَاد» .
[٤] الشئون: مجاري الدمع. ونزف: ذهب.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
فَهُوَ الْقَبِيلُ، وَإِذَا فُتِلَ إلَى الْوَرِكِ فَهُوَ الدَّبِيرُ. وَالْقَبِيلُ (أَيْضًا): قَوْمُ الرَّجُلِ.
وَالزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وَالْمُزَخْرَفُ: الْمُزَيَّنُ بِالذَّهَبِ. قَالَ الْعَجَّاجُ:
مِنْ طَلَلٍ أَمْسَى تَخَالُ الْمُصْحَفَا ... رُسُومَهُ وَالْمُذْهَبَ الْمُزَخْرَفَا [١]
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ [٢] فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِكُلِّ مُزَيَّنٍ: مُزَخْرَفٌ.
(مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَى قَوْلِهِمْ: إنَّمَا يُعَلِّمُكَ رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّا قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ إنَّمَا يُعَلِّمُكَ رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ، يُقَالُ لَهُ الرَّحْمَنُ [٣]، وَلَنْ نُؤْمِنَ بِهِ أَبَدًا: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ، قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْهِ مَتابِ ١٣: ٣٠.
(مَا أَنْزَلَهُ تَعَالَى فِي أَبِي جَهْلٍ وَمَا هَمَّ بِهِ):
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَمَا هَمَّ بِهِ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ، كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ٩٦: ٩- ١٩.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَنَسْفَعًا: لَنَجْذِبَنْ وَلَنَأْخُذَنْ. قَالَ الشَّاعِرُ:
قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصُّرَاخَ رَأَيْتَهُمْ ... مِنْ بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أَوْ سَافِعِ [٤]
وَالنَّادِي: الْمَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْقَوْمُ وَيَقْضُونَ [٥] فِيهِ أُمُورَهُمْ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ
------------------
[١] هَذَا على أَنه من مشطور الرجز.
[٢] هَذَا على أَنَّهُمَا من مشطور الرجز.
[٣] كَانَ مُسَيْلمَة بن حبيب الْحَنَفِيّ ثمَّ أحد بنى الدول قد تسمى بالرحمن فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ من المعمرين.
ذكر وثيمة بن مُوسَى أَن مُسَيْلمَة تسمى بالرحمن قبل أَن يُولد عبد الله أَبُو رَسُول الله ﷺ.
(رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] الصُّرَاخ: الاستغاثة. والسافع: الْآخِذ بالناصية.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ويقصون» بالصَّاد الْمُهْملَة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 07:47 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (33)
صــ 311إلى صــ 320
تَعَالَى: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ٢٩: ٢٩ وَهُوَ النَّدِيُّ. (قَالَ [١] عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ:
اذْهَبْ إلَيْكَ فَإِنِّي مِنْ بَنِي أَسَدٍ ... أَهْلُ النَّدِيِّ وَأَهْلُ الْجُودِ وَالنَّادِي) [٢]
وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ١٩: ٧٣. وَجَمْعُهُ: أَنْدِيَةٌ. فَلْيَدْعُ أَهْلَ نَادِيهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ١٢: ٨٢ يُرِيدُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ:
يَوْمَانِ يَوْمُ مَقَامَاتٍ وَأَنْدِيَةٍ ... وَيَوْمُ سَيْرٍ إلَى الْأَعْدَاءِ تَأْوِيبِ [٣]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
لَا مَهَاذِيرَ فِي الندىّ مكاثير ... وَلَا مُصْمِتِينَ بِالْإِفْحَامِ [٤]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَيُقَالُ: النَّادِي: الْجُلَسَاءُ. وَالزَّبَانِيَةُ: الْغِلَاظُ الشِّدَادُ، وَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: خَزَنَةُ النَّارِ. وَالزَّبَانِيَةُ (أَيْضًا) فِي الدُّنْيَا: أَعْوَانُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَخْدُمُونَهُ وَيُعِينُونَهُ، وَالْوَاحِدُ: زِبْنِيَةٌ. قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى فِي ذَلِكَ:
مَطَاعِيمُ فِي الْمَقْرَى مَطَاعِينُ فِي الْوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلْبٌ عِظَامٌ حُلُومُهَا [٥]
يَقُولُ: شَدَّادٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ صَخْرُ الْغَيِّ:
وَمِنْ كَبِيرٍ [٦] نَفَرٌ زَبَانِيَهْ [٧]
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ:
[٢] ويروى:
أهل القباب وَأهل الجرد والنادي
[٣] التأويب: سير النَّهَار كُله.
[٤] المهاذير: جمع مهذار، وَهُوَ الْكثير الْكَلَام من غير فَائِدَة.. وأصمت: تسْتَعْمل لَازِمَة ومتعدية.
والإفحام: انْقِطَاع الرجل عَن الْكَلَام، إِمَّا عيا وَإِمَّا غَلَبَة.
[٥] الْمقري: من الْقرى، وَهُوَ الطَّعَام الّذي يصنع للضيف. والوغى: الْحَرْب. والغلب: الْغِلَاظ الشداد.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَالرَّوْض وَشرح السِّيرَة. وكبير: حَيّ من هُذَيْل، وَهُوَ كَبِير بن طابخة ابْن لحيان بن سعد بن هُذَيْل. وَفِي أَسد أَيْضا: كَبِير بن غنم بن دودان بن أَسد، وَمن ذُريَّته بَنو ابْن رَيَّان بن يعمر بن صبوة بن مرّة بن كَبِير. وَلَعَلَّ الراجز أَرَادَ هَؤُلَاءِ فإنّهم أشهر. وَبَنُو كَبِير أَيْضا:
بطن من بنى غامد، وهم من الأزد. وَفِي أ: «كثير» .
[٧] وَبعده:
لَو أَن أصحابى بَنو مُعَاوِيَة ... مَا تركونى للذئاب العادية
وَلَا لبرذون أغر الناصية
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
(مَا أَنْزَلَهُ تَعَالَى فِيمَا عَرَضُوهُ عَلَيْهِ، عليه الصلاة والسلام مِنْ أَمْوَالِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا عَرَضُوا (عَلَيْهِ) [١] مِنْ أَمْوَالِهِمْ:
قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٣٤: ٤٧.
(اسْتِكْبَارُ قُرَيْشٍ عَنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ):
فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ، وَعَرَفُوا صِدْقَهُ فِيمَا حَدَّثَ، وَمَوْقِعَ نُبُوَّتِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمِ الْغُيُوبِ حِينَ سَأَلُوهُ عَمَّا سَأَلُوا عَنْهُ، حَالَ الْحَسَدُ مِنْهُمْ لَهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ، فَعَتَوْا عَلَى اللَّهِ وَتَرَكُوا أَمْرَهُ عِيَانًا، وَلَجُّوا فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ، ٤١: ٢٦ أَيْ اجْعَلُوهُ لَغْوًا وَبَاطِلًا، وَاِتَّخِذُوهُ هُزُوًا لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ إنْ نَاظَرْتُمُوهُ أَوْ خَاصَمْتُمُوهُ يَوْمًا غَلَبَكُمْ.
(تَهَكُّمُ أَبِي جَهْلٍ بِالرَّسُولِ ﷺ وَتَنْفِيرُ النَّاسِ عَنْهُ):
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمًا وَهُوَ يَهْزَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْحَقِّ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّمَا جُنُودُ اللَّهِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَكُمْ فِي النَّارِ وَيَحْبِسُونَكُمْ فِيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَأَنْتُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ عَدَدًا، وَكَثْرَةً، أَفَيَعْجِزُ [٢] كُلُّ ماِئَةِ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً، وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ٧٤: ٣١ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ، جَعَلُوا إذَا جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي، يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَسْتَمِعُوا لَهُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ مَا يَتْلُو مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي، اسْتَرَقَ [٣] السَّمْعَ دُونَهُمْ فَرَقًا مِنْهُمْ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُمْ
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فيعجز» .
[٣] فِي أ: «أَتَى سرا واستمع دونهم ... إِلَخ» .
قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعْ، وَإِنْ خَفَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ، فَظَنَّ الَّذِي يَسْتَمِعُ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَمِعُونَ شَيْئًا مِنْ قِرَاءَتِهِ، وَسَمِعَ هُوَ شَيْئًا دُونَهُمْ أَصَاخَ لَهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ.
(سَبَبُ نُزُولِ آيَةِ: وَلا تَجْهَرْ ١٧: ١١٠ ... إلَخْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، أَنَّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما حَدَّثَهُمْ:
إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ١٧: ١١٠ مِنْ أَجْلِ أُولَئِكَ النَّفَرِ. يَقُولُ: لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ فَيَتَفَرَّقُوا عَنْكَ، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا فَلَا يَسْمَعْهَا مَنْ يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَهَا مِمَّنْ يَسْتَرِقُ ذَلِكَ دُونَهُمْ لَعَلَّهُ يَرْعَوِي إلَى بَعْضِ مَا يَسْمَعُ فَيَنْتَفِعَ بِهِ.
أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَمَا نَالَهُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي سَبِيلِ جَهْرِهِ بِالْقُرْآنِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: اجْتَمَعَ يَوْمًا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا:
وَاَللَّهِ مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا الْقُرْآنَ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ قَطُّ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ؟
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [١]: أَنَا، قَالُوا: إنَّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْكَ، إنَّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ مِنْ الْقَوْمِ إنْ أَرَادُوهُ، قَالَ: دَعُونِي فَإِنَّ اللَّهَ سَيَمْنَعُنِي. قَالَ:
فَغَدَا ابْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى الْمَقَامَ فِي الضُّحَى، وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا، حَتَّى قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ ثُمَّ قَرَأَ [٢]: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١: ١ رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٥٥: ١- ٢ قَالَ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا يَقْرَؤُهَا. قَالَ: فَتَأَمَّلُوهُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَاذَا قَالَ
--------------------------
[١] هُوَ عبد الله بن مَسْعُود بن عَمْرو بن عُمَيْر، عَم جُبَير بن أَبى جُبَير، أَخُو أَبى عبيد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، اسْتشْهد مَعَ أَخِيه فِي الجسر.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَقَالَ» .
ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؟ قَالَ: ثُمَّ قَالُوا: إنَّهُ لَيَتْلُو بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فَقَامُوا إلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ فِي وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنَّ يَبْلُغَ. ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى أَصْحَابِهِ وَقَدْ أَثَّرُوا فِي وَجْهِهِ [١]، فَقَالُوا لَهُ: هَذَا الَّذِي خَشِينَا عَلَيْكَ، فَقَالَ: مَا كَانَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْهُمْ الْآنَ، وَلَئِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنَّهُمْ بِمِثْلِهَا غَدًا، قَالُوا: لَا، حَسْبُكَ، قَدْ أَسْمَعْتَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ.
قِصَّةُ اسْتِمَاعِ قُرَيْشٍ إلَى قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ
(أَبُو سُفْيَانَ وَأَبُو جَهْلٍ وَالْأَخْنَسُ، وَحَدِيثُ اسْتِمَاعِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ، حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا.
فَجَمَعَهُمْ الطَّرِيقُ، فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ، عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ أَلَا نَعُودَ: فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا.
(ذَهَابُ الْأَخْنَسِ إلَى أَبِي سُفْيَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ مَعْنَى مَا سَمِعَ):
فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا، وَسَمِعْتُ أَشْيَاءَ مَا عَرَفْتُ مَعْنَاهَا،
------------------------
[١] فِي أ: «يوجهه» .
وَلَا مَا يُرَادُ بِهَا، قَالَ الْأَخْنَسُ: وَأَنَا الَّذِي حَلَفْتَ بِهِ (كَذَلِكَ) [١] .
(ذَهَابُ الْأَخْنَسِ إلَى أَبِي جَهْلٍ يَسْأَلُهُ عَنْ مَعْنَى مَا سَمِعَ):
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ:
يَا أَبَا الْحَكَمِ، مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: مَاذَا سَمِعْتُ، تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ، أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا، حَتَّى إذَا تَجَاذَيْنَا [١] عَلَى الرَّكْبِ، وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ، وَاَللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ وَتَرَكَهُ.
(تَعَنُّتُ قُرَيْشٍ فِي عَدَمِ اسْتِمَاعِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ، وَمَا أَنْزَلَهُ تَعَالَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا تَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، قَالُوا يَهْزَءُونَ بِهِ: (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ٤١: ٥) [١] لَا نَفْقَهُ مَا تَقُولُ (وَفي آذانِنا وَقْرٌ ٤١: ٥) لَا نَسْمَعُ مَا تَقُولُ (وَمن بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ٤١: ٥) قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ (فَاعْمَلْ ٤١: ٥) بِمَا أَنْتَ عَلَيْهِ (إِنَّنا عامِلُونَ ٤١: ٥) بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ، إنَّا لَا نَفْقَهُ عَنْكَ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (عَلَيْهِ) [٢] فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ١٧: ٤٥ [٣] ... إلَى قَوْلِهِ وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا ١٧: ٤٦:
أَيْ كَيْفَ فَهِمُوا تَوْحِيدَكَ رَبَّكَ إنْ كُنْتُ جَعَلْتُ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا بِزَعْمِهِمْ، أَيْ إنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، وَإِذْ هُمْ نَجْوى، إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ١٧: ٤٧: أَيْ ذَلِكَ مَا تَوَاصَوْا بِهِ مِنْ تَرْكِ مَا بَعَثْتُكَ بِهِ إلَيْهِمْ. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ١٧: ٤٨
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. وتجاذى: أقعى. وَرُبمَا جعلُوا الجاذى والجائي سَوَاء. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تحاذينا» بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] مسطورا: ساترا.
: أَيْ أَخْطَئُوا الْمَثَلَ الَّذِي ضَرَبُوا (لَكَ) [١]، فَلَا يُصِيبُونَ بِهِ هُدًى، وَلَا يَعْتَدِلُ لَهُمْ فِيهِ قَول وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ١٧: ٤٩: أَيْ قَدْ جِئْتَ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِنَا إذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا، وَذَلِكَ مَا لَا يَكُونُ. قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا، قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ١٧: ٥٠- ٥١: أَيْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِمَّا تَعْرِفُونَ، فَلَيْسَ خَلْقُكُمْ مِنْ تُرَابٍ بِأَعَزَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ١٧: ٥١ مَا الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِهِ؟ فَقَالَ: الْمَوْتُ.
ذِكْرُ عُدْوَانِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِمَّنْ أَسْلَمَ بِالْأَذَى وَالْفِتْنَةِ
(قَسْوَةُ قُرَيْشٍ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّهُمْ عَدَوْا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَاتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهُمْ وَيُعَذِّبُونَهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَبِرَمْضَاءِ مَكَّةَ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، مَنْ اُسْتُضْعِفُوا مِنْهُمْ، يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُفْتَنُ مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ الَّذِي يُصِيبُهُ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَصْلُبُ لَهُمْ، وَيَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنْهُمْ.
(مَا كَانَ يَلْقَاهُ بِلَالٌ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي تَخْلِيصِهِ):
وَكَانَ بَلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما، لِبَعْضِ بَنِي جُمَحٍ، مُوَلَّدًا مِنْ مُوَلَّدِيهِمْ، وَهُوَ بَلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، وَكَانَ اسْمُ أُمِّهِ حَمَامَةَ، وَكَانَ صَادِقَ الْإِسْلَامِ طَاهِرَ الْقَلْبِ، وَكَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ يُخْرِجُهُ إذَا
---------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
حَمِيَتْ الظَّهِيرَةُ، فَيَطْرَحَهُ عَلَى ظَهْرِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بالصّخرة الْعَظِيمَة فتتوضع عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: (لَا وَاَللَّهِ) [١] لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدِ، وَتَعْبُدَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، فَيَقُولُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ: أَحَدٌ أَحَدٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَمُرُّ بِهِ وَهُوَ يُعَذَّبُ بِذَلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَيَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ وَاَللَّهِ يَا بِلَالُ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَمَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِهِ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَيَقُولُ أَحْلِفُ باللَّه لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا لَأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا [٢]، حَتَّى مَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ) [١] رضي الله عنه يَوْمًا، وَهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ بِهِ، وَكَانَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي جُمَحٍ، فَقَالَ لِأُمَيَّةِ بْنِ خَلَفٍ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ؟
حَتَّى مَتَى؟ قَالَ: أَنْتَ الَّذِي أَفْسَدْتَهُ فَأَنْقِذْهُ مِمَّا تَرَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَفْعَلُ، عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ مِنْهُ وَأَقْوَى، عَلَى دِينِكَ، أُعْطِيكَهُ بِهِ، قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ فَقَالَ: هُوَ لَكَ. فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه غُلَامَهُ ذَلِكَ، وَأَخَذَهُ فَأَعْتَقَهُ
(مَنْ أَعْتَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ مَعَ بِلَالٍ):
ثُمَّ أَعْتَقَ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِينَةِ سِتَّ رِقَابٍ، بِلَالٌ سَابِعُهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأُمُّ عُبَيْسٍ [٣] وَزِنِّيرَةُ [٤]، وَأُصِيبَ بَصَرُهَا حِينَ أَعْتَقَهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا أَذْهَبَ بَصَرَهَا إلَّا اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَقَالَتْ: كَذَبُوا وَبَيْتِ اللَّهِ مَا تَضُرُّ اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَا تَنْفَعَانِ، فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرَهَا.
وَأَعْتَقَ النَّهْدِيَّةَ وَبِنْتَهَا، وَكَانَتَا لِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَمَرَّ بِهِمَا وَقَدْ بَعَثَتْهُمَا
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن.
[٢] أَي لأجعلن قَبره مَوضِع حنان: أَي عطف وَرَحْمَة، فأتمسح بِهِ متبركا، كَمَا يتمسح بقبور الصَّالِحين وَالشُّهَدَاء.
[٣] قَالَ الزرقانى: «وَهِي بِعَين مُهْملَة مَضْمُومَة فنون، وَقيل بموحدة، فتحتية فسين مُهْملَة» .
[٤] هِيَ بزاى مَكْسُورَة بعْدهَا نون مَكْسُورَة مُشَدّدَة. وَبَعْضهمْ يَقُول فِيهَا: زنبرة بِفَتْح الزاى وَسُكُون النُّون وباء بعْدهَا رَاء. وَلَا تعرف زنبرة فِي النِّسَاء. وَأما فِي الرِّجَال فزنبرة بن زبير بن مَخْزُوم بن صاهلة ابْن كَاهِل، وَابْنه خَالِد بن زنبرة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
سَيِّدَتُهُمَا بِطَحِينٍ لَهَا، وَهِيَ تَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أُعْتِقُكُمَا أَبَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: حِلِّ [١] يَا أُمَّ فُلَانٍ، فَقَالَتْ: حِلَّ، أَنْتَ أَفْسَدْتَهُمَا فَأَعْتِقْهُمَا، قَالَ:
فَبِكَمْ هُمَا؟ قَالَتْ: بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُمَا وَهُمَا حُرَّتَانِ، أَرْجِعَا إلَيْهَا طَحِينَهَا، قَالَتَا: أَوَنَفْرُغُ مِنْهُ يَا أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ نَرُدُّهُ إلَيْهَا؟ قَالَ: وَذَلِكَ إنْ شِئْتُمَا.
وَمَرَّ بِجَارِيَةِ بَنِي مُؤَمِّلٍ، حَيٌّ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعَذِّبُهَا لِتَتْرُكَ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَهُوَ يَضْرِبُهَا، حَتَّى إذَا مَلَّ قَالَ: إنِّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ، إِنِّي لم أتركك إلَّا مَلَالَةً، فَتَقُولُ: كَذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ. فَابْتَاعَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْتَقَهَا.
(لَامَ أَبُو قُحَافَةَ ابْنَهُ لِعِتْقِهِ مِنْ أَعْتَقَ فَرَدَّ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَامِرِ [٢] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ:
قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا بُنَيَّ، إنِّي أَرَاكَ تُعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ إذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ دُونَكَ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: يَا أَبَتْ، إنِّي إنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ [٣]، للَّه (عز وجل) [٤] .
قَالَ: فَيُتَحَدَّثُ أَنَّهُ مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إلَّا فِيهِ، وَفِيمَا قَالَ لَهُ أَبُوهُ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ٩٢: ٥- ٦ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى ٩٢: ١٩- ٢١.
(تَعْذِيبُ قُرَيْشٍ لَابْنِ يَاسِرٍ، وَتَصْبِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمَّارِ [٥] بْنِ يَاسِرٍ، وَبِأَبِيهِ
------------------------
[١] حل: يُرِيد: تحللى من يَمِينك وَاسْتثنى فِيهَا، وَأكْثر مَا تَقوله الْعَرَب بِالنّصب.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَا أُرِيد يعْنى للَّه» . وَلَا معنى لهَذِهِ الزِّيَادَة.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَبى عَامر» . وَهُوَ تَحْرِيف: (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] روى أَن عمارا قَالَ لرَسُول الله ﷺ: لقد بلغ منا الْعَذَاب كل مبلغ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: صبرا أَبَا الْيَقظَان، ثمَّ قَالَ: اللَّهمّ لَا تعذب أحدا من آل عمار بالنَّار. وعمار وَالْحُوَيْرِث وعبود بَنو يَاسر. وَمن ولد عمار عبد الله بن سعد، وَهُوَ الْمَقْتُول بالأندلس، قَتله عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة.
وَأُمِّهِ [١]، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ إسْلَامٍ، إذَا حَمِيَتْ الظَّهِيرَةُ، يُعَذِّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ [٢] مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، مَوْعِدُكُمْ الْجَنَّةُ. فَأَمَّا أُمُّهُ فَقَتَلُوهَا، وَهِيَ تَأْبَى إلَّا الْإِسْلَامَ.
(مَا كَانَ يُعَذِّبُ بِهِ أَبُو جَهْلٍ مَنْ أَسْلَمَ):
وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ الَّذِي يُغْرِي بِهِمْ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، إذَا سَمِعَ بِالرَّجُلِ قَدْ أَسْلَمَ، لَهُ شَرَفٌ وَمَنَعَةٌ، أَنَّبَهُ وَأَخْزَاهُ [٣] وَقَالَ: تَرَكْتَ دِينَ أَبِيكَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، لَنُسَفِّهَنَّ حِلْمَكَ، وَلَنُفَيِّلَنَّ [٤] رَأْيَكَ، وَلَنَضَعَنَّ شَرَفَكَ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا قَالَ: وَاَللَّهِ لَنُكَسِّدَنَّ تِجَارَتَكَ، وَلَنُهْلِكَنَّ مَالَكَ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وَأَغْرَى بِهِ.
(سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُذْرِ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ لِسَبَبِ تَعْذِيبِهِ فَأَجَازَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْعَذَابِ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِي تَرْكِ دِينِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، إنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أَحَدَهُمْ وَيُجِيعُونَهُ وَيُعَطِّشُونَهُ حَتَّى مَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ [٥] جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتَّى يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوهُ مِنْ الْفِتْنَةِ، حَتَّى يَقُولُوا لَهُ، آللَّاتُ وَالْعُزَّى إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، حَتَّى إنَّ الْجُعَلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَهَذَا الْجُعَلُ إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، افْتِدَاءً مِنْهُمْ مِمَّا يَبْلُغُونَ مِنْ جَهْدِهِ.
---------------------
[١] وَاسْمهَا سميَّة: وَهِي بنت خياط، كَانَت مولاة لأبى حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، واسْمه مهشم، وَهُوَ عَم أَبى جهل، وَقد غلط ابْن قُتَيْبَة فِيهَا، فَزعم أَن الْأَزْرَق مولى الْحَارِث بن كلدة خلف عَلَيْهَا بعد يَاسر، فَولدت لَهُ سَلمَة بن الْأَزْرَق، وَالصَّحِيح أَن أم سَلمَة بن الْأَزْرَق سميَّة أُخْرَى، وَهِي أم زِيَاد بن أَبى سُفْيَان لَا أم عمار.
[٢] الرمضاء: الرمل الحارة من شدَّة حرارة الشَّمْس.
[٣] فِي الْأُصُول: «أخذاه» . ويروى: «خذله»: أَي ذلله.
[٤] لنفيلن رَأْيك: أَي لنقبحنه ونخطئنه.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: لَا «وَأَن يَسْتَوِي» وَلَا معنى لَهُ.
(رَفْضُ هِشَامٍ تَسْلِيمَ أَخِيهِ لِقُرَيْشِ لِيَقْتُلُوهُ عَلَى إسْلَامِهِ، وَشِعْرِهِ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عُكَاشَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ مَشَوْا إلَى هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ، حِينَ أَسْلَمَ أَخُوهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ (بْنِ الْمُغِيرَةِ) [١]، وَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا فِتْيَةً مِنْهُمْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا، مِنْهُمْ: سَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ. قَالَ: فَقَالُوا لَهُ:
وَخَشُوا شَرَّهُمْ: إنَّا قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نُعَاتِبَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ عَلَى هَذَا الدِّينِ الَّذِي أَحْدَثُوا، فَإِنَّا نَأْمَنُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ [٢] . قَالَ: هَذَا، فَعَلَيْكُمْ بِهِ، فَعَاتِبُوهُ وَإِيَّاكُمْ وَنَفْسَهُ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَلَا لَا يُقْتَلَنَّ أَخِي عُيَيْسٍ [٣] ... فَيَبْقَى بَيْنَنَا أَبَدًا تَلَاحِي
احْذَرُوا عَلَى نَفْسِهِ، فَأُقْسِمُ اللَّهَ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأَقْتُلَنَّ أَشْرَفَكُمْ رَجُلًا. قَالَ: فَقَالُوا:
اللَّهمّ الْعَنْهُ، مَنْ يُغَرِّرُ بِهَذَا الحَدِيث [٤]، فو الله لَوْ أُصِيبَ فِي أَيْدِينَا لَقُتِلَ أَشْرَفُنَا رَجُلًا. (قَالَ) [١]، فَتَرَكُوهُ وَنَزَعُوا عَنْهُ. قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا دَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُمْ.
ذِكْرُ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ
(إشَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٥]: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ [٦] عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ، قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا
-------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] عبارَة ر هَكَذَا: فَإنَّا لَا نَأْمَن بذلك فِي غَيره.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عييش» .
[٤] كَذَا فِي أ. يُرِيد أَي من يلطخ نَفسه بِهِ ويؤذيها. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يغرر بِهَذَا الْخَبيث» .
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام، قَالَ حَدثنَا زِيَاد بن عبد الله البكائي، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي، قَالَ ...» . هُوَ ابْتِدَاء الْجُزْء الْخَامِس من السِّيرَة، كَمَا فِي أَبى ذَر.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَابْن عَمه» وَهُوَ تَحْرِيف.
٢١- سيرة ابْن هِشَام- ١
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 07:50 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (35)
صــ 321إلى صــ 330
مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ. فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ، وَفِرَارًا إلَى اللَّهِ بِدِينِهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ.
(مَنْ هَاجَرُوا الْهِجْرَةَ الْأُولَى إلَى الْحَبَشَةِ):
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ: سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ. وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ:
الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْن عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ (بْنِ) [١] الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ ابْن يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ [٢] هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو [٣] بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ. وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ- (قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مِنْ عَنَزَةَ ابْن أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ) [٤]- مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ (بْنِ حُذَافَةَ) [٤] بْنِ غَانِمِ (ابْن عَامِرِ) [٤] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ
---------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَابْن هِلَال» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عمر» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
ابْن عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: بَلْ أَبُو حَاطِبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ (بْنِ لُؤَيٍّ) [١]، وَيُقَالُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَهَا. وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ.
فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْعَشْرَةِ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فِيمَا بَلَغَنِي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى اجْتَمَعُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَكَانُوا بِهَا، مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِأَهْلِهِ مَعَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ لَا أَهْلَ لَهُ مَعَهُ.
(مَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ):
(و) [١] مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ بْنِ خَثْعَمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، رَجُلٌ.
(مَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ):
وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ابْن أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ابْن مُحَرِّثِ (بْنِ خُمْلِ) [١] بْنِ شِقِّ بْنِ رَقَبَةَ بْنِ مُخْدِجٍ الْكِنَانِيُّ، وَأَخُوهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ جُعْثُمَةَ [٢] بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ، وَأَمَةَ بِنْتَ خَالِدٍ،
---------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي الْأُصُول: «خثعمة» . وَقد تقدم الْكَلَام على ذَلِك.
فَتَزَوَّجَ أَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
(مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ، وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ابْن جَحْشٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَقَيْسُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ بَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، مَوْلَاةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ. وَهَؤُلَاءِ آلُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، سَبْعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُعَيْقِيبُ مِنْ دَوْسٍ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ ابْن رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ آلِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، رَجُلَانِ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ):
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ وهب بن نسيب بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، رَجُلٌ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ ابْن أَسَدٍ. وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ: طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَبِيرِ [١] بْنِ عَبْدِ (ابْن قُصَيٍّ) [٢]، رَجُلٌ.
----------------------------
[١] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول والاستيعاب: «كثير» .
[٢] زِيَادَة عَن شرح السِّيرَة لأبى ذَر.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَسُوَيْبِطُ [١] بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْلَةَ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَجَهْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَرْمَلَةَ بِنْتُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ أُقَيْشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ جُعْثُمَةَ [٢] بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ، وَابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ وَخُزَيْمَةُ [٣] بْنُ جَهْمٍ، وَأَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الدَّارِ، وَفِرَاسُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الدَّارِ، خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ):
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ ابْن الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبُو وَقَّاصٍ، مَالِكُ بْنُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن زُهْرَةَ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ ابْن زُهْرَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُطَّلِبِ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ):
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ هُذَيْلٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ. وَأَخُوهُ:
عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَهْرَاءَ):
وَمِنْ بَهْرَاءَ: الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ مَطْرُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ لُؤَيِّ [٤] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الشَّرِّيدِ
-------------------------
[١] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سويط بن حُرَيْمِلَة» .
[٢] فِي الْأُصُول: «خثعمة» وَهُوَ تَحْرِيف. وَقد تقدم الْكَلَام على ذَلِك.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «خُزَيْمَة بنت جِهَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] فِي الْأُصُول: «ثَوْر» والتصويب عَن شرح السِّيرَة لأبى ذَر الخشنيّ (ص ٩٩ طبع الْقَاهِرَة سنة ١٣٢٩) .
ابْن أَبِي أَهْوَزَ [١] بْنِ أَبِي فَائِشِ بْنِ دُرَيْمِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ أَهْوَدَ [٢] بْنِ بَهْرَاءَ بْنِ عَمْرِو ابْن الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ هَزْلُ بْنُ فَاسِ [٣] بْنِ ذَرِّ، وَدُهَيْرُ [٤] بْنُ ثَوْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ (بْنِ وَهْبِ) [٥] ابْن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَبَنَّاهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَالَفَهُ سِتَّةُ نَفَرٍ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي تَيْمٍ):
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ: الْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ (بْنِ عَمْرِو) [٥] ابْن كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ [٦] بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُوسَى بْنَ الْحَارِثِ، وَعَائِشَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَزَيْنَبَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَفَاطِمَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَعَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، رَجُلَانِ.
(مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ، وَاسْمُ أُمِّ سَلَمَةَ: هِنْدٌ: وَشَمَّاسُ (بْنُ) [٥] عُثْمَانَ بْنِ [٧] الشَّرِّيدِ ابْن سُوَيْدِ بْنِ هَرْمِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ.
(اسْمُ الشَّمَّاسِ وَشَيْءٌ عَنْهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ شَمَّاسٍ: عُثْمَانُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَمَّاسًا، لِأَنَّ شَمَّاسًا مِنْ
--------------------------
[١] فِي الْأُصُول: «بن هزل بن فائش» . والتصويب عَن شرح السِّيرَة. وَقد عرض لهَذَا ابْن هِشَام بعد أسطر.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: أهوذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
[٣] كَذَا فِي أوفي سَائِر الْأُصُول: «قاش» .
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «وروى أَيْضا: دهير (بِالتَّصْغِيرِ) . وروى أَيْضا: دهير (بِالْيَاءِ الْمُوَحدَة مَفْتُوحَة) وَالصَّوَاب فِيهِ: دهير بِفَتْح الدَّال وَكسر الْهَاء.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب. وَفِي أ: «... بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب ... إِلَخ» .
[٦] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي أَكثر الْأُصُول: «جبيلة» . وَفِي أ: «حبيلة» .
[٧] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي أَكثر الْأُصُول: «... بن عبد بن الشريد» .
الشَّمَامِسَةِ [١]، قَدِمَ مَكَّةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ جَمِيلًا فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ جَمَالِهِ، فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ خَالَ شَمَّاسٍ: أَنَا آتِيكُمْ بِشَمَّاسِ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَجَاءَ بِابْنِ أُخْتِهِ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ، فَسُمِّيَ شَمَّاسًا. فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ، وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
(مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: مُعَتِّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ كُلَيْبِ ابْن حَبَشِيَّةَ بن سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ:
عَيْهَامَةُ، ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ حَبَشِيَّةُ بْنُ سَلُولَ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مُعَتِّبُ بْنُ حَمْرَاءَ.
(مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي جُمَحٍ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ ابْن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، وَابْنُهُ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَخَوَاهُ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَظْعُونٍ، وَحَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ ابْن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلَّلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَابْنَاهُ: مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، وَهُمَا لِبِنْتِ الْمُجَلَّلِ، وَأَخُوهُ حَطَّابُ بْنُ الْحَارِثِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ ابْن جُمَحٍ، مَعَهُ ابْنَاهُ جَابِرُ بْنُ سُفْيَانَ، وَجُنَادَةُ بْنُ سُفْيَانَ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ حَسَنَةُ، وَهِيَ أُمُّهُمَا [٢]، وَأَخُوهُمَا مِنْ أُمِّهِمَا شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، أَحَدُ الْغَوْثِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شُرَحْبِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ الْغَوْثِ بْنِ مُرٍّ، أَخِي تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ.
-------------------------
[١] الشمامسة: هم الرهبان. لأَنهم يشمسون أنفسهم. يُرِيدُونَ تَعْذِيب النُّفُوس بذلك.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أمهَا» وَهُوَ تَحْرِيف.
(مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أَهْبَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْلٍ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ [٢] بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ ابْن عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ، وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] ابْن سَهْمٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ، وَأَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ، وَالسَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] ابْن سَهْمٍ، وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ مُهَشَّمِ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ. وَمَحْمِيَّةُ بْنُ الْجَزَاءِ [٣]، حَلِيفٌ لَهُمْ، مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
(مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيٍّ، وَعُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَرْثَانَ ابْن عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيٍّ، وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَرْثَانَ
-----------------------
[١] فِي الْأُصُول: «سعيد. وَهُوَ تَحْرِيف. وَقد تقدم الْكَلَام على ذَلِك فِي هَذَا الْجُزْء.
[٢] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: بن قيس بن حذافة بن قيس بن عدي ... إِلَخ.
وَالظَّاهِر أَن فِي النّسَب إقحاما.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب، وَأسد الغابة: «الْجُزْء» . وَفِي أ: «الْجَزَاء» . قَالَ أَبُو ذَر «ومحمية بن الْجَزَاء، ويروى هُنَا أَيْضا: ابْن الجز بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وبالزاي الْمُشَدّدَة، والصوب فِيهِ الجز وَالله أعلم» .
ابْن عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيٍّ، وَابْنُهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَدِيٍّ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لِآلِ الْخَطَّابِ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ ابْن غَانِمٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ [١] بْنِ لُؤَيٍّ: أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ ابْن حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ ابْن نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ ابْن عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَسُلَيْطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ ابْن عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَأَخُوهُ السَّكْرَانُ بْنُ عَمْرٍو، مَعَهُ امْرَأَتُهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ زَمَعَةَ [٢] بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ ابْن نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ عَمْرَةُ بِنْتُ السَّعْدِيِّ بْنِ وَقْدَانَ ابْن عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَحَاطِبُ [٣] بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَسَعْدُ ابْن خَوْلَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ مِنْ الْيَمَنِ.
(مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ [٤]،
------------------------
[١] ذكر الْمُؤلف فِي ص ٣٤٥ من هَذَا الْجُزْء من هَاجر من بنى عَامر وَذكر أَبَا سُبْرَة هَذَا.
[٢] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ربيعَة» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول هُنَا، وَفِيمَا تقدم من جَمِيع الْأُصُول: «وَأَبُو حَاطِب» وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ. (رَاجع أَسد الغابة) .
[٤] زِيَادَة عَن أ.
وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ ابْن الْحَارِثِ، وَلَكُنَّ أُمَّهُ غَلَبَتْ عَلَى نَسَبِهِ، فَهُوَ يُنْسَبُ إلَيْهَا، وَهِيَ دَعْدُ بِنْتُ جَحْدَمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَكَانَتْ تُدْعَى بَيْضَاءَ، وَعَمْرُو ابْن أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَيُقَالُ:
بَلْ رَبِيعَةُ بْنُ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبَّةَ (بْنِ الْحَارِثِ) [١]، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُثْمَانُ [٢] ابْن عَبْدِ غَنْمِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ (بْنِ فِهْرٍ) [١] وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ [٣] بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
(عَدَدُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الْحَبَشَةِ):
فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهَاجَرَ إلَيْهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، سِوَى أَبْنَائِهِمْ الَّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ مَعَهُمْ صِغَارًا وَوُلِدُوا بِهَا، ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، إنْ كَانَ عَمَّارُ ابْن يَاسِرٍ فِيهِمْ، وَهُوَ يُشَكُّ فِيهِ.
(شِعْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ فِي الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ):
وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي الْحَبَشَةِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ ابْن سَعْدِ [٤] بْنِ سَهْمٍ، حِينَ أَمِنُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَحَمِدُوا جِوَارَ النَّجَاشِيِّ، وَعَبَدُوا اللَّهَ لَا يَخَافُونَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدًا، وَقَدْ أَحْسَنَ النَّجَاشِيُّ جِوَارَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِهِ، قَالَ:
يَا رَاكِبًا بَلِّغَنْ عَنَّى مُغَلْغِلَةً [٥] ... مَنْ كَانَ يَرْجُو بَلَاغَ اللَّهِ وَالدِّينِ
--------------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَمْرو» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بن فهر بن لَقِيط» . وَفِي النّسَب إقحام.
[٤] فِي الْأُصُول: «سعيد» . (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ٨ ص ٢٥٦ من هَذَا الْجُزْء) .
[٥] المغلغلة: الرسَالَة ترسل من بلد إِلَى بلد.
كُلُّ امْرِئِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مُضْطَهَدٌ ... بِبَطْنِ مَكَّةَ مَقْهُورٍ وَمَفْتُونِ
أَنَّا وَجَدْنَا بِلَادَ اللَّهِ وَاسِعَةً ... تُنْجِي مِنْ الذُّلِّ وَالْمَخْزَاةِ وَالْهُونِ
فَلَا تُقِيمُوا عَلَى ذلّ الْحَيَاة وخزى ... فِي الْمَمَاتِ وَعَيْبٍ غَيْرِ مَأْمُونِ
إنَّا تَبِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَاطَّرَحُوا ... قَوْلَ النَّبِيِّ وَعَالُوا [١] فِي الْمَوَازِينِ
فَاجْعَلْ عَذَابَكَ بِالْقَوْمِ [٢] الَّذِينَ بَغَوْا ... وَعَائِذًا [٣] بِكَ أَنْ يَعْلُوَا [٤] فَيُطْغُونِي
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا، يَذْكُرُ نَفْيَ قُرَيْشٍ إيَّاهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَيُعَاتِبُ بَعْضَ قَوْمِهِ فِي ذَلِكَ:
أَبَتْ كَبِدِي، لَا أَكْذِبَنْكَ، قِتَالَهُمْ ... عَلَيَّ وَتَأْبَاهُ عَلَيَّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ قِتَالِي مَعْشَرًا أَدَّبُوكُمْ ... عَلَى الْحَقِّ أَنْ لَا تَأْشِبُوهُ بِبَاطِلِ [٥]
نَفَتْهُمْ عِبَادُ الْجِنِّ مِنْ حُرِّ أَرْضِهِمْ ... فَأَضْحَوْا عَلَى أَمْرٍ شَدِيدِ الْبَلَابِلِ [٦]
فَإِنْ تَكُ كَانَتْ فِي عَدِيٍّ أَمَانَةٌ ... عَدِيِّ بْنِ سَعْدٍ عَنْ تُقًى أَوْ تَوَاصُلِ
فَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنَّ ذَلِكَ فِيكُمْ ... بِحَمْدِ الَّذِي لَا يُطَّبَى بِالْجَعَائِلِ [٧]
وبدّلت شبلا شل كُلِّ خَبِيثَةٍ ... بِذِي فَجْرٍ مَأْوَى الضِّعَافِ الْأَرَامِلِ [٨]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا:
وَتِلْكَ قُرَيْشٌ تَجْحَدُ اللَّهَ حَقَّهُ ... كَمَا جَحَدَتْ عَادٌ وَمَدْيَنُ وَالْحِجْرُ [٩]
فَإِنْ أَنَا لَمْ أُبْرِقْ فَلَا يَسَعَنَّنِي ... مِنْ الْأَرْضِ بَرٌّ ذُو فَضَاءٍ وَلَا بَحْرُ [١٠]
بِأَرْضٍ بِهَا عَبَدَ الْإِلَهَ مُحَمَّدٌ ... أُبَيِّنُ مَا فِي النَّفْسِ إذْ بُلِغَ النَّقْرُ [١١]
----------------------
[١] عَال فِي الْمِيزَان يعول: خَان.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فِي الْقَوْم» .
[٣] كَذَا فِي أ. وَنصب «عائذا» على الْفِعْل الْمَتْرُوك إِظْهَاره. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وعائذ» .
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يغلوا» . (بالغين الْمُعْجَمَة) .
[٥] يأشبه: يخلطه.
[٦] حر أَرضهم: أَرضهم الْكَرِيمَة. والبلابل: وساوس الأحزان.
[٧] لَا يطبى: لَا يستمال وَلَا يستدعى. والجعائل: جمع جعَالَة (بِالْفَتْح) وَهِي الرِّشْوَة.
[٨] الْفجْر: الْعَطاء الْكثير.
[٩] الْحجر: يُرِيد أهل الْحجر، وهم ثَمُود.
[١٠] أبرق: أهدد.
[١١] النقر: الْبَحْث عَن الشَّيْء، ويروى: «النَّفر» بِالْفَاءِ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-28-2026, 07:24 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (36)
صــ 331إلى صــ 340
فَسُمِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ- يَرْحَمُهُ اللَّهُ- لَبَيْتِهِ الَّذِي قَالَ: «الْمُبْرِقُ» .
(شِعْرُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي ذَلِكَ):
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ يُعَاتِبُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، وَكَانَ يُؤْذِيهِ فِي إسْلَامِهِ، وَكَانَ أُمَيَّةُ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ:
أَتَيْمَ بْنَ عَمْرٍو لِلَّذِي جَاءَ بِغْضَةً [١] ... وَمِنْ دُونِهِ الشَّرْمَانُ وَالْبَرْكُ أَكْتَعُ [٢]
أَأَخْرَجْتَنِي مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ آمِنًا ... وَأَسْكَنْتنِي فِي صَرْحِ بَيْضَاءَ [٣] تَقْذَعُ [٤]
تَرِيشُ نِبَالًا لَا يُوَاتِيكَ رِيشُهَا [٥] ... وَتُبْرَى نِبَالًا رِيشُهَا لَكَ أَجْمَعُ
وَحَارَبْتَ أَقْوَامًا كِرَامًا أَعِزَّةً ... وَأَهْلَكْتَ أَقْوَامًا بِهِمْ كُنْتَ تَفْزَعُ [٦]
سَتَعْلَمُ إنْ نَابَتْكَ يَوْمًا مُلِمَّةٌ ... وَأَسْلَمَكَ الْأَوْبَاشُ مَا كُنْتَ تَصْنَعُ [٧]
وَتَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، الَّذِي يَدْعُو عُثْمَانَ، جُمَحُ، كَانَ اسْمُهُ تَيْمًا [٨] .
---------------------------
[١] أَرَادَ عجبا للَّذي جَاءَ وَالْعرب تكتفى بِهَذِهِ اللَّام فِي التَّعَجُّب كَقَوْلِه عليه الصلاة والسلام: لهَذَا العَبْد الحبشي جَاءَ من أرضه وسمائه إِلَى الأَرْض الَّتِي خلق مِنْهَا. قَالَه فِي عبد حبشِي دفن فِي الْمَدِينَة. وَقَالَ فِي جَنَازَة سعد بن معَاذ وَهُوَ وَاقِف على قَبره وتقهقر، ثمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الله! لهَذَا العَبْد الصَّالح ضم عَلَيْهِ الْقَبْر، ثمَّ فرج عَنهُ.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: والشرمان (بِالْفَتْح): مَوضِع. وَمن رَوَاهُ الشرمان (بِكَسْر النُّون) فَهُوَ تَثْنِيَة شرم، وَهُوَ لجة الْبَحْر. والبرك: جمَاعَة الْإِبِل الباركة، وَقيل هُوَ اسْم مَوضِع هُنَا، وَهُوَ أشبه. وَقَوله:
«والبرك أَكْتَع» هَذِه رِوَايَة غَرِيبَة، لِأَنَّهُ أكد بأكتع دون أَن يتقدمه أجمع.
[٣] صرح بَيْضَاء، يُرِيد مَدِينَة الْحَبَشَة. وأصل الصرح: الْقصر، يُرِيد أَنه سَاكن عِنْد قصر النَّجَاشِيّ، ويروى: صرح بيطاء (بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا) . والبيطاء: اسْم سفينة.
[٤] تقذع: تكره، كَأَنَّهُ من أقذعت الشَّيْء: إِذا صادفته قذعا، وَيُقَال أَيْضا: قذعت الرجل إِذا رميته بالفحش. يُرِيد أَن أَرض الْحَبَشَة مقذوعة. ويروى «نقدع» بِالدَّال الْمُهْملَة، وتقدع: تدفع.
قَالَ السهيليّ مَا مَعْنَاهُ: وأحسب أَن «صرح بَيْضَاء تقذع» محرفة عَن: «صرح بيطاء تقدع» .
[٥] ريشها، من رَوَاهُ بِفَتْح الرَّاء، فَهُوَ مصدر راشه يريشه ريشا: إِذا نَفعه وجبره، وَمن رَوَاهُ بِكَسْر الرَّاء فَهُوَ جمع ريشة.
[٦] تفزع: تغيث وَتَنصر. ويروى: «تقرع»: أَي تضارب.
[٧] الأوباش: الضُّعَفَاء الداخلون فِي الْقَوْم وَلَيْسوا مِنْهُم.
[٨] كَذَا فِي أ، ط. وسمى تيم بن عَمْرو جمح، لِأَن أَخَاهُ سهم بن عَمْرو، وَكَانَ اسْمه زيدا، سابقه إِلَى غَايَة فجمح عَنْهَا تيم، فَسمى جمح، ووقف عَلَيْهَا زيد فَقيل: قد سهم زيد فَسمى سَهْما. وَفِي سَائِر الْأُصُول «وتيم بن عَمْرو الّذي كَانَ يدعى عُثْمَان بن جمح» وَهُوَ تَحْرِيف.
إرْسَالُ قُرَيْشٍ إلَى الْحَبَشَةِ فِي طَلَبِ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهَا
(رَسُولَا قُرَيْشٍ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِاسْتِرْدَادِ الْمُهَاجِرِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا بِهَا دَارًا وَقَرَارًا، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنَّ يَبْعَثُوا فِيهِمْ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ جَلْدَيْنِ إلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ، لِيَفْتِنُوهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دَارِهِمْ، الَّتِي اطْمَأَنُّوا بِهَا وَأَمِنُوا فِيهَا، فَبَعَثُوا عَبْدَ اللَّهِ [١] بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَجَمَعُوا لَهُمَا هَدَايَا لِلنَّجَاشِيِّ وَلِبَطَارِقَتِهِ [٢]، ثُمَّ بَعَثُوهُمَا إلَيْهِ [٣] فِيهِمْ.
(شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّجَاشِيِّ يَحُضُّهُ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْمُهَاجِرِينَ):
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ، حِينَ رَأَى ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِمْ وَمَا بَعَثُوهُمَا فِيهِ، أَبْيَاتًا لِلنَّجَاشِيِّ يَحُضُّهُ عَلَى حُسْنِ جِوَارِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ فِي النَّأْيِ [٤] جَعْفَرٌ ... وَعَمْرٌو وَأَعْدَاءُ الْعَدُوِّ الْأَقَارِبُ
------------------------------
[١] وَعبد الله بن أَبى ربيعَة هَذَا كَانَ اسْمه بحيرى، فَسَماهُ رَسُول الله ﷺ حِين أسلم عبد الله. وَأَبوهُ: أَبُو ربيعَة ذُو الرمحين، وَفِيه يَقُول ابْن الزبعري:
بحيرى بن ذِي الرمحين قرب مجلسى ... وَرَاح علينا فَضله وَهُوَ غَانِم
وَاسم أَبى ربيعَة: عَمْرو:، وَقيل حُذَيْفَة. وَأم عبد الله بن أَبى ربيعَة أَسمَاء بنت مخربة التميمية، وَهِي:
أم أَبى جهل بن هِشَام. وَعبد الله بن أَبى ربيعَة هَذَا هُوَ وَالِد عمر بن عبد الله بن أَبى ربيعَة الشَّاعِر، ووالد الْحَارِث أَمِير الْبَصْرَة الْمَعْرُوف بالقباع، وَكَانَ فِي أَيَّام عمر واليا على الْجند وَفِي أَيَّام عُثْمَان، فَلَمَّا سمع بحصر عُثْمَان جَاءَهُ لِيَنْصُرهُ فَسقط عَن دَابَّته فَمَاتَ.
[٢] البطارقة: جمع بطرِيق، وَهُوَ الْقَائِد أَو الحاذق بِالْحَرْبِ.
[٣] وَيُقَال إِن قُريْشًا بعثت مَعَ ابْن أَبى ربيعَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ، عمَارَة بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، الّذي عرضته قُرَيْش على أَبى طَالب ليأخذه، وَيدْفَع إِلَيْهِم مُحَمَّدًا ليقتلوه. وَالظَّاهِر أَن إرسالهم إِيَّاه مَعَ عَمْرو كَانَ فِي الْمرة الْأُخْرَى، ويروون فِيهَا: أَن عمرا سَافر بامرأته، فَلَمَّا ركبُوا الْبَحْر، وَكَانَ عمَارَة قد هوى امْرَأَة عَمْرو وهويته، فعزما على دفع عَمْرو فِي الْبَحْر، فدفعاه فَسقط فِيهِ ثمَّ سبح، ونادى أَصْحَاب السَّفِينَة فَأَخَذُوهُ ورفعوه إِلَى السَّفِينَة، وأضمرها عَمْرو فِي نَفسه، وَلم يبدها لعمارة. فَلَمَّا أَتَيَا أَرض الْحَبَشَة مكر بِهِ عَمْرو، فِي حَدِيث طَوِيل ذكره أَبُو الْفرج الْأَصْفَهَانِي فِي كِتَابه الأغاني.
[٤] النأى: الْبعد.
وَهَلْ [١] نَالَتْ أَفْعَالُ النَّجَاشِيِّ جَعْفَرًا ... وَأَصْحَابَهُ أَوْ عَاقَ ذَلِكَ شَاغِبُ [٢]
تَعَلَّمْ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ، أَنَّكَ مَاجِدٌ ... كَرِيمٌ فَلَا يَشْقَى لَدَيْكَ الْمُجَانِبُ [٣]
تَعَلَّمْ بِأَنَّ اللَّهَ زَادَكَ بَسْطَةً ... وَأَسْبَابَ خَيْرٍ كُلُّهَا بِكَ لَازِبُ [٤]
وَأَنَّكَ فَيْضٌ ذُو سِجَالٍ غَزِيرَةٍ ... يَنَالُ الْأَعَادِي نَفْعَهَا وَالْأَقَارِبُ [٥]
(حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولَيْ قُرَيْشٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْن الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأُدْمُ [٦]، فَجَمَعُوا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَأَمَرُوهُمَا بِأَمْرِهِمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعَا إلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمَا إلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلَاهُ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إلَيْكُمَا قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بِطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إلَّا دَفَعَا إلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، وَقَالَا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إنَّهُ قَدْ ضَوَى [٧] إلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَهَل نَالَ أَفعَال» .
[٢] عَاق: منع. وشاغب: من الشغب، ويروى: شاعب (بِالْعينِ الْمُهْملَة) . والشاعب: المفرق.
[٣] أَبيت اللَّعْن: هِيَ تَحِيَّة كَانُوا يحيون بهَا الْمُلُوك فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمَعْنَاهُ: أَبيت أَن تأتى مَا تذم عَلَيْهِ.
وَقيل مَعْنَاهُ: أَبيت أَن تذم من يقصدك. والمجانب: الدَّاخِل فِي حمى الْإِنْسَان المنضوى إِلَى جَانِبه.
[٤] لازب: لاصق.
[٥] الْفَيْض: الْجواد. والسجال: العطايا، وَاحِدهَا: سجل، وأصل السّجل: الدَّلْو المملوءة، ثمَّ يستعار للعطية.
[٦] الْأدم: الْجُلُود، وَهُوَ اسْم جمع.
[٧] ضوى: لَجأ ولصق وأتى لَيْلًا.
سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينِ مُبْتَدَعٍ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافَ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَلِّمَهُمْ إلَيْنَا وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا [١]، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ. ثُمَّ إنَّهُمَا قَدَّمَا هَدَايَاهُمَا إلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ ابْتَدَعُوهُ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو ابْن الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ النَّجَاشِيُّ. قَالَتْ: فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقَا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَأَسْلِمْهُمْ إلَيْهِمَا فَلْيَرُدَّاهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ. قَالَتْ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: لَاهَا اللَّهِ، إذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إلَيْهِمَا، وَلَا يَكَادُ قَوْمٌ جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلَادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ، حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ عَمَّا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتهمْ إلَيْهِمَا، وَرَدَدْتُهُمْ إلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي.
(إِحْضَار النَّجَاشِيّ للمهاجرين، وَسُؤَالُهُ لَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَجَوَابُهُمْ عَنْ ذَلِكَ):
قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إذَا جِئْتُمُوهُ؟
قَالُوا: نَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا عَلِمْنَا، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا جَاءُوا، وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ [٢]، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي قَدْ فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا (بِهِ) [٣]
--------------------------
[١] أَعلَى بهم عينا: أبْصر بهم: اى عينهم وأبصارهم فَوق عين غَيرهم.
[٢] الأساقفة: عُلَمَاء النَّصَارَى الَّذين يُقِيمُونَ لَهُم دينهم، واحدهم أَسْقُف، وَقد يُقَال بتَشْديد الْفَاء.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
فِي دِينِي، وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْمِلَلِ؟ قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [١]، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ- قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ- فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إلَى بِلَادِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ:
فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ، قَالَتْ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ: «كهيعص ١٩: ١» . قَالَتْ: فَبَكَى وَاَللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ [٢] لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُّوا مَصَاحِفَهُمْ، حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ (لَهُمْ) [١] النَّجَاشِيُّ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى [٣] لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ [٤] وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا،
----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. واخضلت لحيته: ابتلت. وَفِي أ: «حَتَّى أخضل لحيته»: أَي بلها.
[٣] فِي أ: «مُوسَى» .
[٤] الْمشكاة: قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب: «وَفِي حَدِيث النَّجَاشِيّ: إِنَّمَا يخرج من مشكاة وَاحِدَة. الْمشكاة:
الكوة غير النافذة، وَقيل هِيَ الحديدة الَّتِي يعلق عَلَيْهَا الْقنْدِيل» أَرَادَ أَن الْقُرْآن وَالْإِنْجِيل كَلَام الله تَعَالَى، وأنهما من شَيْء وَاحِد.
فَلَا وَاَللَّهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إلَيْكُمَا، وَلَا يُكَادُونَ [١] .
(مَقَالَةُ الْمُهَاجِرِينَ فِي عِيسَى عليه السلام عِنْدَ النَّجَاشِيِّ):
قَالَتْ: فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاَللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا عَنْهُمْ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ [٢] . قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي ربيعَة، وَكَانَ أثقى [٣] الرَّجُلَيْنِ فِينَا: لَا نَفْعَلُ، فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا، قَالَ: وَاَللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى بن مَرْيَمَ عَبْدٌ. قَالَتْ: ثُمَّ غَدًا عَلَيْهِ (مِنْ) [٤] الْغَدِ فَقَالَ (لَهُ) [٤]: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إلَيْهِمْ فَسَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ. قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا قَطُّ. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَمَ إذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاَللَّهِ مَا قَالَ اللَّهُ، وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ، (يَقُولُ) [٤]: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا عَدَا عِيسَى بن مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ [٥]، قَالَتْ: فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاَللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي- وَالشُّيُومُ [٦]: الْآمِنُونَ- مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَبَّكُمْ
--------------------------
[١] فِي أ: «أكاد» .
[٢] خضراءهم: شجرتهم الَّتِي مِنْهَا تفرعوا.
[٣] فِي أ: «أبقى» .
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] كَذَا فِي أ. وَهَذَا الْعود: مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة: أَي مِقْدَار هَذَا الْعود. يُرِيد أَن قَوْلك لم يعد عِيسَى بن مَرْيَم بِمِقْدَار هَذَا الْعود. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَا عدا عِيسَى ابْن مَرْيَم مِمَّا قلت» .
[٦] قَالَ السهيليّ: «يحْتَمل أَن تكون لَفْظَة حبشية غير مُشْتَقَّة، وَيحْتَمل أَن يكون لَهَا أصل فِي الْعَرَبيَّة، وَأَن تكون من شمت السَّيْف، أَي أغمدته، لِأَن الآمن مغمد عَنهُ السَّيْف أَو لِأَنَّهُ مصون فِي حرز كالسيف فِي غمده.
٣٢- سيرة ابْن هِشَام- ١
غَرِمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ [١] . مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَيُقَالُ: فَأَنْتُمْ سُيُومٌ وَالدَّبَرُ:
(بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ): الْجَبْلُ- رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لي بهَا، فو الله مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، مَعَ خَيْرِ جَارٍ.
(فَرَحُ الْمُهَاجِرِينَ بِنُصْرَةِ النَّجَاشِيِّ عَلَى عدوه):
قَالَت: فو الله إنَّا لِعَلَى ذَلِكَ، إذْ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ الْحَبَشَةِ يُنَازِعُهُ فِي ملكه.
قَالَت: فو الله مَا عَلِمْتُنَا حَزِنَّا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ (عَلَيْنَا) [٢] مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِي رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ. قَالَتْ: وَسَارَ إلَيْهِ النَّجَاشِيُّ، وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقِيعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِينَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا.
قَالُوا: فَأَنْتَ. وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا. قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ. قَالَتْ: فَدَعَوْنَا اللَّهَ تَعَالَى لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَاده. قَالَت: فو الله إنَّا لَعَلَى ذَلِكَ مُتَوَقِّعُونَ لِمَا هُوَ كَائِنٌ، إذْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ يَسْعَى، فَلَمَعَ [٣] بِثَوْبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا أَبْشِرُوا، فَقَدْ ظَفِرَ [٤] النَّجَاشِيُّ، وَأَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُ، وَمَكَّنَّ لَهُ فِي بِلَاده. قَالَت: فو الله مَا عَلِمْتنَا فَرِحْنَا فَرْحَةً قَطُّ مِثْلَهَا.
قَالَتْ: وَرَجَعَ النَّجَاشِيُّ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ [٥] عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ.
---------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَقد وَردت هَذِه الْعبارَة فِي أمكررة مرَّتَيْنِ فَقَط.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] لمع بِثَوْبِهِ وألمع بِهِ: إِذا رَفعه وحركه ليراه غَيره فَيَجِيء إِلَيْهِ.
[٤] فِي أ: «ظهر» .
[٥] كَذَا فِي أد ط. واستوسق: تتَابع وَاسْتمرّ وَاجْتمعَ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «استوثق» .
قِصَّةُ تَمَلُّكِ النَّجَاشِيِّ عَلَى الْحَبَشَةِ
(قَتْلُ أَبِي النَّجَاشِيِّ، وَتَوْلِيَةُ عَمِّهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَحَدَّثْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدِيثَ أَبِي بَكْرِ ابْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ: مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ [١] فَأُطِيعَ النَّاسَ فِيهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إلَّا النَّجَاشِيَّ، وَكَانَ لِلنَّجَاشِيِّ عَمٌّ، لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ مَمْلَكَةِ الْحَبَشَةِ، فَقَالَتْ الْحَبَشَةُ بَيْنَهَا: لَوْ أَنَّا قَتَلْنَا أَبَا النَّجَاشِيِّ وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ فَإِنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْغُلَامِ، وَإِنَّ لِأَخِيهِ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَتَوَارَثُوا مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ، بَقِيَتْ الْحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْرًا، فَغَدَوْا عَلَى أَبِي النَّجَاشِيِّ فَقَتَلُوهُ، وَمَلَّكُوا أَخَاهُ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ حِينًا.
(غَلَبَةُ النَّجَاشِيِّ عَمَّهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَسَعْيُ الْأَحْبَاشِ لِإِبْعَادِهِ):
وَنَشَأَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمِّهِ، وَكَانَ لَبِيبًا حَازِمًا مِنْ الرِّجَالِ، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ، وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلِّ مَنْزِلَةٍ، فَلَمَّا رَأَتْ الْحَبَشَةُ مَكَانَهُ (مِنْهُ) [٢] قَالَتْ بَيْنَهَا: وَاَللَّهِ لَقَدْ غَلَبَ هَذَا الْفَتَى عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ، وَإِنَّا لَنَتَخَوَّفُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَلَيْنَا، وَإِنْ مَلَّكَهُ عَلَيْنَا لَيَقْتُلنَا أَجْمَعِينَ، لَقَدْ عَرَفَ أَنَّا نَحْنُ قَتَلْنَا أَبَاهُ. فَمَشَوْا إلَى عَمِّهِ فَقَالُوا: إمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الْفَتَى، وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَإِنَّا قَدْ خِفْنَاهُ عَلَى أَنْفُسِنَا، قَالَ:
وَيْلَكُمْ! قَتَلْتُ أَبَاهُ بِالْأَمْسِ، وَأَقْتُلهُ الْيَوْمَ! بَلْ أُخْرِجُهُ مِنْ بِلَادِكُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجُوا بِهِ إلَى السُّوقِ، فَبَاعُوهُ مِنْ رَجُلٍ مِنْ التُّجَّارِ بِسِتِّ ماِئَةِ دِرْهَمٍ، فَقَذَفَهُ فِي سَفِينَةٍ فَانْطَلَقَ بِهِ، حَتَّى إذَا كَانَ الْعَشِيُّ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَائِبِ الْخَرِيفِ فَخَرَجَ عَمُّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا، فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ. قَالَتْ: فَفَزِعَتْ الْحَبَشَةُ إلَى
----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول هُنَا: «فِيهِ» .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
وَلَدِهِ، فَإِذَا هُوَ مُحَمَّقٌ، لَيْسَ فِي وَلَدِهِ خَيْرٌ، فَمَرَجَ عَلَى الْحَبَشَةِ أَمْرُهُمْ [١] .
(تَوَلِّيهِ الْمُلْكَ بِرِضَا الْحَبَشَةِ):
فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: تَعْلَمُوا وَاَللَّهِ أَنَّ مَلِكَكُمْ الَّذِي لَا يُقِيمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ لَلَّذِي بِعْتُمْ غَدْوَةً، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ الْحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوهُ (الْآنَ) [٢] . قَالَتْ: فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، وَطَلَبِ الرَّجُلِ الَّذِي بَاعُوهُ مِنْهُ حَتَّى أَدْرَكُوهُ، فَأَخَذُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ، وَأَقْعَدُوهُ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ، فَمَلَّكُوهُ.
(حَدِيثُ التَّاجِرِ الَّذِي ابْتَاعَ النَّجَاشِيَّ):
فَجَاءَهُمْ التَّاجِرُ الَّذِي كَانُوا بَاعُوهُ مِنْهُ، فَقَالَ: إمَّا أَنْ تُعْطُونِي مَالِي، وَإِمَّا أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: لَا نُعْطِيكَ شَيْئًا، قَالَ: إذَنْ وَاَللَّهِ أُكَلِّمُهُ، قَالُوا:
فَدُونَكَ وَإِيَّاهُ. قَالَتْ: فَجَاءَهُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، ابْتَعْتُ غُلَامًا مِنْ قَوْمٍ بِالسُّوقِ بِسِتِّ ماِئَةِ دِرْهَمٍ، فَأَسْلَمُوا إلَيَّ غُلَامِي وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي، حَتَّى إذَا سِرْتُ بِغُلَامِي أَدْرَكُونِي، فَأَخَذُوا غُلَامِي، وَمَنَعُونِي دَرَاهِمِي. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُمْ النَّجَاشِيُّ: لَتُعْطُنَّهُ دَرَاهِمَهُ، أَوْ لَيَضَعَنَّ غُلَامُهُ يَدَهُ فِي يَدِهِ، فَلَيَذْهَبَنَّ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، قَالُوا: بَلْ نُعْطِيهِ دَرَاهِمُهُ. قَالَتْ: فَلِذَلِكَ يَقُولُ: مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي رِشْوَةً حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَ النَّاسَ فِيهِ.
قَالَتْ: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا خُبِرَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي دينه، وعدله فِي حُكْمِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ، كَانَ يُتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ.
خُرُوجُ الْحَبَشَةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اجْتَمَعَتْ الْحَبَشَةُ
---------------------------
[١] مرج: قلق وَاخْتَلَطَ وَهَذَا يدل على طول الْمدَّة فِي مغيب النَّجَاشِيّ عَنْهُم. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
فَقَالُوا لِلنَّجَاشِيِّ: إنَّكَ قَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَ إلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَهَيَّأَ لَهُمْ سُفُنًا، وَقَالَ: ارْكَبُوا فِيهَا وَكُونُوا كَمَا أَنْتُمْ، فَإِنْ هُزِمْتُ فَامْضُوا حَتَّى تَلْحَقُوا بِحَيْثُ شِئْتُمْ، وَإِنْ ظَفِرْتُ فَاثْبُتُوا. ثُمَّ عَمَدَ إلَى كِتَابٍ فَكَتَبَ فِيهِ: هُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى بن مَرْيَمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ، ثُمَّ جَعَلَهُ فِي قُبَائِهِ عِنْدَ الْمَنْكِبِ الْأَيْمَنِ، وَخَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَصُفُّوا لَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَبَشَةِ، أَلَسْتُ أَحَقَّ النَّاسِ بِكُمْ؟
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ سِيرَتِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ سِيرَةٍ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ [١]؟
قَالُوا: فَارَقْتَ دِينَنَا، وَزَعَمْتَ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ، قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِي عِيسَى؟
قَالُوا: نَقُولُ هُوَ ابْنُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ عَلَى قُبَائِهِ:
هُوَ يَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَعْنِي [٢] مَا كَتَبَ، فَرُضُّوا وَانْصَرَفُوا (عَنْهُ) [٣] . فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ صَلَّى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ [٤]
-----------------------
[١] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَمَا لكم» .
[٢] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذَا الْكتاب: «وَفِيه من الْفِقْه أَنه لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن يكذب كذبا صراحا، وَلَا أَن يعْطى بِلِسَانِهِ الْكفْر وَإِن أكره، مَا أمكنته الْحِيلَة، وَفِي المعاريض مندوحة عَن الْكَذِب، وَكَذَلِكَ قَالَ أهل الْعلم فِي قَول النَّبِي عليه الصلاة والسلام: لَيْسَ بالكاذب. من أصلح بَين اثْنَيْنِ فَقَالَ خيرا. روته أم كُلْثُوم بنت عقبَة، قَالُوا: مَعْنَاهُ أَن يعرض وَلَا يفصح بِالْكَذِبِ، مثل أَن يَقُول: سمعته يسْتَغْفر لَك وَيَدْعُو لَك، وَهُوَ يعْنى أَنه سَمعه يسْتَغْفر للْمُسلمين وَيَدْعُو لَهُم، لِأَن الآخر من جملَة الْمُسلمين، ويحتال فِي التَّعْرِيض مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يختلق الْكَذِب اختلاقا، وَكَذَلِكَ فِي خدعة الْحَرْب، يورى ويكنى وَلَا يختلق الْكَذِب يستحله، بِمَا جَاءَ من إِبَاحَة الْكَذِب فِي خدع الْحَرْب. هَذَا كُله مَا وجد إِلَى الْكِنَايَة سَبِيلا.
[٣] زِيَادَة عَن.
[٤] وَكَانَ موت النَّجَاشِيّ فِي رَجَب من سنة تسع، ونعاه رَسُول الله ﷺ إِلَى النَّاس فِي الْيَوْم الّذي مَاتَ فِيهِ، وَصلى عَلَيْهِ بِالبَقِيعِ، رفع إِلَيْهِ سَرِيره بِأَرْض الْحَبَشَة حَتَّى رَآهُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، فصلى عَلَيْهِ، وَتكلم المُنَافِقُونَ، فَقَالُوا: أيصلى على هَذَا العلج؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: وَإِنَّ من أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ٣: ١٩٩.
وَيُقَال: إِن أَبَا نيزر، مولى على بن أَبى طَالب، كَانَ ابْنا للنجاشي نَفسه، وَإِن عليا وجده عِنْد تَاجر بِمَكَّة، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأعْتقهُ، مُكَافَأَة لما صنع أَبوهُ مَعَ الْمُسلمين. وَيُقَال: إِن الْحَبَشَة مرج عَلَيْهَا أمرهَا بعد النَّجَاشِيّ، وَإِنَّهُم أرْسلُوا وَفْدًا مِنْهُم إِلَى أَبى نيزر وَهُوَ مَعَ على ليملكوه ويتوجوه، وَلم يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَأبى وَقَالَ: مَا كنت لأطلب الْملك بعد أَن من الله على بِالْإِسْلَامِ، وَكَانَ أَبُو نيزر من أطول النَّاس قامة وَأَحْسَنهمْ
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-28-2026, 07:27 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (37)
صــ 341إلى صــ 350
إسْلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه
(اعْتِزَازُ الْمُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ عُمَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُدْرِكُوا مَا طَلَبُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَدَّهُمَا النَّجَاشِيُّ بِمَا يَكْرَهُونَ، وَأَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ رَجُلًا ذَا شَكِيمَةٍ لَا يُرَامُ مَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ، امْتَنَعَ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِحَمْزَةِ حَتَّى عَازُوا قُرَيْشًا [١]، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نُصَلِّيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ (بْنُ الْخَطَّابِ) [٢]، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتَّى صَلَّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ بَعْدَ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْحَبَشَةِ.
قَالَ الْبُكَائِيُّ [٣]، قَالَ: حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ إسْلَامَ عُمَرَ كَانَ فَتْحًا، وَإِنَّ هِجْرَتَهُ كَانَتْ نَصْرًا، وَإِنَّ إمَارَتَهُ كَانَتْ رَحْمَةً، وَلَقَدْ كُنَّا مَا نُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتَّى صَلَّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ.
(حَدِيثُ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَتْ:
وَاَللَّهِ إنَّا لَنَتَرَحَّلُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامِرٌ فِي بعض حاجاتنا، إِذا
-------------------------------
[()] وَجها، وَلم يكن لَونه كألوان الْحَبَشَة، وَلَكِن إِذا رَأَيْته قلت: هَذَا رجل من الْعَرَب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[١] عازوا قُريْشًا: غلبوهم.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام ... إِلَخ» .
أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ- قَالَتْ: وَكُنَّا نَلْقَى مِنْهُ الْبَلَاءَ أَذًى لَنَا وَشِدَّةً عَلَيْنَا- قَالَتْ: فَقَالَ: إنَّهُ لَلِانْطِلَاقُ يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَتْ:
فَقُلْتُ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، لَنَخْرُجَنَّ فِي أَرْضِ اللَّهِ، آذَيْتُمُونَا وَقَهَرْتُمُونَا، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ مَخْرَجًا [١] . قَالَتْ: فَقَالَ: صَحِبَكُمْ اللَّهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ رِقَّةً لَمْ أَكُنْ أَرَاهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ أَحْزَنَهُ- فِيمَا أَرَى- خُرُوجُنَا. قَالَتْ: فَجَاءَ عَامِرٌ بِحَاجَتِهِ تِلْكَ، فَقُلْتُ لَهُ:
يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَ عُمَرَ آنِفًا وَرِقَّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَيْنَا. قَالَ: أَطَمِعْتِ فِي إسْلَامِهِ؟
قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا يُسْلِمُ الَّذِي رَأَيْتِ حَتَّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطَّابِ، قَالَتْ:
يَأْسًا مِنْهُ، لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ غِلْظَتِهِ وَقَسْوَتِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ.
(حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ بَعْلُهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُمَا مُسْتَخْفِيَانِ بِإِسْلَامِهِمَا مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ [٢]، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَانَ أَيْضًا يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِ فَرَقًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ [٣] يَخْتَلِفُ إلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخَطَّابِ يُقْرِئُهَا الْقُرْآنَ، فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَهْطًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ ذُكِرُوا لَهُ أَنَّهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمُّهُ حَمْزَةُ
---------------------------
[١] فِي أ: «فرجا» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي أَكثر الْأُصُول: «... النحام من مَكَّة ... إِلَخ» .
[٣] وَكَانَ خباب تميميا بِالنّسَبِ، كَمَا كَانَ خزاعيا بِالْوَلَاءِ لأم أَنْمَار بنت سِبَاع الْخُزَاعِيّ، وَكَانَ قد وَقع عَلَيْهِ سباء، فاشترته وأعتقته، فولاؤه لَهَا. وَكَانَ أَبوهَا حليفا لعوف بن عبد عَوْف بن عبد الْحَارِث ابْن زهرَة، فَهُوَ زهري بِالْحلف. وَهُوَ ابْن الْأَرَت بن جندلة بن سعد بن خُزَيْمَة بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، كَانَ قينا يعْمل السيوف فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقد قيل: إِن أمه كَانَت أم سِبَاع الْخُزَاعِيَّة، وَلم يلْحقهُ سباء، وَلكنه انْتَمَى إِلَى حلفاء أمه بنى زهرَة، ويكنى أَبَا عبد الله وَقيل أَبَا يحيى، وَقيل أَبَا مُحَمَّد. مَاتَ بِالْكُوفَةِ سنة تسع وَثَلَاثِينَ بعد مَا شهد صفّين مَعَ على والنهروان. وَقيل: مَاتَ سنة سبع وَثَلَاثِينَ. ذكر أَن عمر بن الْخطاب سَأَلَهُ عَمَّا لَقِي فِي ذَات الله، فكشف ظَهره. فَقَالَ عمر: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ! فَقَالَ:
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لقد أوقدت لي نَار، فَمَا أطفأها إِلَّا شحمي.
ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ الصِّدِّيقُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رضي الله عنهم، مِمَّنْ كَانَ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَخْرَجْ فِيمَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ مُحَمَّدًا هَذَا الصَّابِئَ، الَّذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ، وَسَفَّهُ أَحْلَامَهَا، وَعَابَ دِينَهَا، وَسَبَّ آلِهَتَهَا، فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ: وَاَللَّهِ لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ مِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ، أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيكَ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا! أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى أَهْلِ بَيْتِكَ فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ؟ قَالَ: وَأَيُّ أَهْلِ بَيْتِي؟
قَالَ: خَتَنُكَ وَابْنُ عَمِّكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُخْتُكَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَسْلَمَا، وَتَابَعَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، فَعَلَيْكَ بِهِمَا، قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ عَامِدًا إلَى أُخْتِهِ وَخَتَنِهِ، وَعِنْدَهُمَا خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ مَعَهُ صَحِيفَةٌ، فِيهَا: «طَه» يُقْرِئُهُمَا إيَّاهَا، فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ، تَغَيَّبْ خَبَّابٌ فِي مِخْدَعٍ [١] لَهُمْ، أَوْ فِي بَعْضِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ الصَّحِيفَةَ فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِهَا، وَقْدَ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إلَى الْبَيْتِ قِرَاءَةَ خَبَّابٍ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ [٢] الَّتِي سَمِعْتُ؟ قَالَا لَهُ: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا، قَالَ: بَلَى وَاَللَّهِ، لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ لَتَكُفَّهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَهَا فَشَجَّهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وَخَتَنُهُ: نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنَّا باللَّه وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنْ الدَّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاِرْعَوى [٣]، وَقَالَ لِأُخْتِهِ: أَعْطِينِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَءُونَ آنِفًا أَنْظُرْ مَا هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إنَّا نَخْشَاكَ عَلَيْهَا، قَالَ: لَا تَخَافِي، وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ لَيَرُدَّنَّهَا إذَا قَرَأَهَا إلَيْهَا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، طَمِعَتْ فِي إسْلَامِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، إنَّكَ نَجِسٌ، عَلَى
------------------------
[١] المخدع: الْبَيْت الصَّغِير الّذي يكون دَاخل الْبَيْت الْكَبِير، وتضم ميمه وتفتح: (رَاجع النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير) .
[٢] الهينمة: صَوت كَلَام لَا يفهم.
[٣] ارعوى: رَجَعَ.
شِرْكِكَ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهَا إلَّا الطَّاهِرُ [١]، فَقَامَ عُمَرُ فَاغْتَسَلَ، فَأَعْطَتْهُ الصَّحِيفَةَ، وَفِيهَا: «طَه ٢٠: ١» [٢] . فَقَرَأَهَا، فَلَمَّا قَرَأَ مِنْهَا صَدْرًا، قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبَّابٌ خَرَجَ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَصَّكَ بِدَعْوَةِ نَبِيَّهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ أَمْسِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهمّ أَيِّدْ الْإِسْلَامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، أَوْ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ، فاللَّه اللَّهَ يَا عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُمَرُ: فَدُلَّنِي يَا خَبَّابُ عَلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ خَبَّابٌ:
هُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشَّحَهُ، ثُمَّ عَمَدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْبَابَ، فَلَمَّا سَمِعُوا
---------------------------------
[١] قَالَ السهيليّ عِنْد الْكَلَام على تَطْهِير عمر ليمس الْقُرْآن وَقَول أُخْته لَهُ: «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٥٦: ٧٩»:
والمطهرون فِي هَذِه الْآيَة هم الْمَلَائِكَة، وَهُوَ قَول مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَاحْتج بِالْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِي سُورَة عبس وَلَكنهُمْ وَإِن كَانُوا الْمَلَائِكَة، فَفِي وَصفهم بِالطَّهَارَةِ مَقْرُونا بِذكر الْمس مَا يَقْتَضِي أَلا يمسهُ إِلَّا طَاهِر، اقْتِدَاء بِالْمَلَائِكَةِ المطهرين، فقد تعلق الحكم بِصفة التَّطْهِير، وَلكنه حكم مَنْدُوب إِلَيْهِ، وَلَيْسَ مَحْمُولا على الْفَرْض وَإِن كَانَ الْفَرْض فِيهِ أبين مِنْهُ فِي الْآيَة، لِأَنَّهُ جَاءَ بِلَفْظ النهى عَن مَسّه على غير طَهَارَة، وَلَكِن فِي كتاب إِلَى هِرقل بِهَذِهِ الْآيَة: يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ ٣: ٦٤ دَلِيل على مَا قُلْنَاهُ. وَقد ذهب دَاوُد وَأَبُو ثَوْر، وَطَائِفَة مِمَّن سلف، مِنْهُم: الحكم بن عتيبة وَحَمَّاد بن أَبى سُلَيْمَان، إِلَى إِبَاحَة مس الْمُصحف على غير طَهَارَة، وَاحْتَجُّوا بِمَا ذكرنَا من كِتَابه إِلَى هِرقل، وَقَالُوا: حَدِيث عَمْرو بن حزم مُرْسل، فَلم يروه حجَّة، والدارقطنيّ قد أسْندهُ من طرق حسان، أقواها رِوَايَة أَبى دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن الزُّهْرِيّ، عَن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، عَن أَبِيه، عَن جد. وَمِمَّا يقوى أَن المطهرين فِي الْآيَة هم الْمَلَائِكَة، أَنه لم يقل: «المتطهرون»، وَإِنَّمَا قَالَ: «الْمُطَهَّرُونَ ٥٦: ٧٩» . وَفرق مَا بَين المتطهر والمطهر، أَن المتطهر من فعل الطّهُور، وَأدْخل نَفسه فِيهِ، كالمتفقه من يدْخل نَفسه فِي الْفِقْه، وَكَذَلِكَ (المتفعل) فِي أَكثر الْكَلَام. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ:
وَقيس عيلان وَمن تقيسا
فالآدميون متطهرون إِذا تطهروا، وَالْمَلَائِكَة خلقَة، والآدميات إِذا تطهرن متطهرات. وَفِي التَّنْزِيل:
فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ من حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ٢: ٢٢٢. والحور الْعين: مطهرات. وَفِي التَّنْزِيل: لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ٢: ٢٥. وَهَذَا فرق بَين، وَقُوَّة لتأويل مَالك رحمه الله، وَالْقَوْل عِنْدِي فِي الرَّسُول عليه الصلاة والسلام أَنه متطهر ومطهر، أما متطهر، فَلِأَنَّهُ بشر آدَمِيّ يغْتَسل من الْجَنَابَة، وَيتَوَضَّأ من الْحَدث، وَأما مطهر فَلِأَنَّهُ قد غسل بَاطِنه، وشق عَن قلبه، وملئ حِكْمَة وإيمانا، فَهُوَ مطهر ومتطهر» .
[٢] وَفِي رِوَايَة: أَن عمر حِين قَرَأَ فِي الصَّحِيفَة سُورَة «طه» انْتهى مِنْهَا إِلَى قَوْله: لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ٢٠: ١٥. فَقَالَ: مَا أطيب هَذَا الْكَلَام وَأحسنه! وَقيل: إِن الصَّحِيفَة كَانَ فِيهَا مَعَ سُورَة طه: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ٨١: ١. وَإِن عمر انْتهى فِي قرَاءَتهَا إِلَى قَوْله: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ٨١: ١٤.
صَوْتَهُ، قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فَزِعٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ (جَاءَ) يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّجُلُ، وَنَهَضَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى لَقِيَهُ فِي الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَ حُجْزَتَهُ [١]، أَوْ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ، ثُمَّ جَبَذَهُ (بِهِ) [٢] جَبْذَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا بن الخطّاب؟ فو الله مَا أَرَى أَنْ تَنْتَهِيَ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ قَارِعَةً [٣]، فَقَالَ عُمَرُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُكَ لِأُومِنَ باللَّه وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَةً عَرَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ.
فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَانِهِمْ، وَقَدْ عَزُّوا [٤] فِي أَنْفُسِهِمْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ مَعَ إسْلَامِ حَمْزَةَ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمَا [٥] سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَنْتَصِفُونَ بِهِمَا مِنْ عَدُوِّهِمْ. فَهَذَا حَدِيثُ الرُّوَاةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ أَسْلَمَ.
(رِوَايَةُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ: عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، أَوْ عَمَّنْ رَوَى ذَلِكَ: أَنَّ إسْلَامَ عُمَرَ فِيمَا تَحَدَّثُوا بِهِ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
كُنْتُ لِلْإِسْلَامِ مُبَاعِدًا، وَكُنْتُ صَاحِبَ خَمْرٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أُحِبُّهَا وَأُسِرُّ بِهَا، وَكَانَ لَنَا مَجْلِسٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْحَزْوَرَةِ [٦]، عِنْدَ دُورَ آلِ عُمَرَ
--------------------------
[١] الحجزة: مَوضِع شدّ الْإِزَار.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] القارعة: الداهية.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَقد عزما فِي أنفسهم» .
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَنهم» وَلَا يَسْتَقِيم بهَا الْكَلَام.
[٦] الْحَزْوَرَة بِالْفَتْح ثمَّ السّكُون وَفتح الْوَاو وَرَاء وهاء، والمحدثون يفتحون الرَّاء ويشددون الْوَاو،
ابْن عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ: فَخَرَجْتُ لَيْلَةً أُرِيدُ جُلَسَائِي أُولَئِكَ فِي مَجْلِسِهِمْ ذَلِكَ، قَالَ: فَجِئْتهمْ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَدًا [١] . قَالَ: فَقُلْتُ: لَوْ أَنِّي جِئْتُ فُلَانًا الْخَمَّارَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ يَبِيعُ الْخَمْرَ، لَعَلِّي أَجِدُ عِنْدَهُ خَمْرًا فَأَشْرَبَ مِنْهَا.
قَالَ: فَخَرَجْتُ فَجِئْتُهُ فَلَمْ أَجِدْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَلَوْ أَنِّي جِئْتُ الْكَعْبَةَ فَطُفْتُ بِهَا سَبْعًا أَوْ سَبْعِينَ. قَالَ: فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ أُرِيدُ أَنْ أَطُوِّفَ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، وَكَانَ إذَا صَلَّى اسْتَقْبَلَ الشَّامَ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ، وَكَانَ مُصَلَّاهُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ.
قَالَ: فَقُلْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ، وَاَللَّهِ لَوْ أَنِّي اسْتَمَعْتُ لِمُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَسْمَعَ مَا يَقُولُ! (قَالَ) [٢] فَقُلْتُ: لَئِنْ دَنَوْتُ مِنْهُ أَسْتَمِعُ مِنْهُ لَأُرَوِّعَنَّهُ، فَجِئْتُ مِنْ قِبَلِ الْحِجْرِ، فَدَخَلْتُ تَحْتَ ثِيَابِهَا، فَجَعَلْتُ أَمْشِي رُوَيْدًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، حَتَّى قُمْتُ فِي قِبْلَتِهِ مُسْتَقْبِلَهُ، مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إلَّا ثِيَابُ الْكَعْبَةِ.
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ الْقُرْآنَ رَقَّ لَهُ قَلْبِي، فَبَكَيْتُ وَدَخَلَنِي الْإِسْلَامُ، فَلَمْ أَزَلْ قَائِمًا فِي مَكَانِي ذَلِكَ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَكَانَ إذَا انْصَرَفَ خَرَجَ عَلَى دَارِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، وَكَانَتْ طَرِيقَهُ، حَتَّى يَجْزَعَ [٣] الْمَسْعَى، ثُمَّ يَسْلُكُ بَيْنَ دَارِ عَبَّاسِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَبَيْنَ دَارِ ابْنِ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، ثُمَّ عَلَى دَارِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ. وَكَانَ مَسْكَنُهُ ﷺ فِي الدَّارِ الرَّقْطَاءِ [٤]، الَّتِي كَانَتْ بِيَدَيْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فَتَبِعْتُهُ حَتَّى إذَا دَخَلَ بَيْنَ دَارِ عَبَّاسٍ، وَدَارِ ابْن أَزْهَرَ، أَدْرَكْتُهُ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِسِّي عَرَفَنِي، فَظَنَّ
--------------------------
[()] وَهُوَ تَصْحِيف: كَانَت سوق مَكَّة، وَقد دخلت فِي الْمَسْجِد لما زيد فِيهِ. وَفِي الحَدِيث: وقف النَّبِي ﷺ بالحزورة فَقَالَ: يَا بطحاء مَكَّة، مَا أطيبك من بَلْدَة وَأَحَبَّك إِلَى! وَلَوْلَا أَن قومِي أخرجونى مِنْك مَا سكنت غَيْرك.
[١] كَذَا فِي أ، ط، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أحد» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ. ويجزع الْمَسْعَى: يقطعهُ، يُقَال جزعت الْوَادي: إِذا قطعته. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«حَتَّى يُجِيز على الْمَسْعَى» .
[٤] الرقطاء: الَّتِي فِيهَا ألوان.
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي إنَّمَا تَبِعْتُهُ لِأُوذِيَهُ فَنَهَمَنِي [١]، ثُمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا بن الْخَطَّابِ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: (جِئْتُ) [٢] لِأُومِنَ باللَّه وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ:
قَدْ هَدَاكَ اللَّهُ يَا عُمَرُ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي، وَدَعَا لِي بِالثَّبَاتِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ [٣] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
(ذِكْرُ قُوَّةِ عُمَرَ فِي الْإِسْلَامِ وَجَلَدِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
لَمَّا أَسْلَمَ أَبِي عُمَرُ قَالَ: أَيُّ قُرَيْشٍ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ؟ فَقِيلَ [٤] لَهُ: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ [٥]
---------------------------
[١] نهمنى: زجرني.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] وَذكر ابْن سنجر زِيَادَة فِي إِسْلَام عمر قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة قَالَ: حَدثنَا صَفْوَان بن عَمْرو قَالَ: حَدثنِي شُرَيْح بن عبيد قَالَ: قَالَ عمر بن الْخطاب: خرجت أتعرض رَسُول الله ﷺ قبل أَن أسلم فَوَجَدته قد سبقني إِلَى الْمَسْجِد، فَقُمْت خَلفه، فَاسْتَفْتَحَ «سُورَة الحاقة» فَجعلت أتعجب من تأليف الْقُرْآن. قَالَ: قلت: هَذَا وَالله شَاعِر كَمَا قَالَت قُرَيْش، فَقَرَأَ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ٦٩: ٤٠- ٤١ قَالَ: قلت كَاهِن علم مَا فِي نَفسِي، فَقَالَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ٦٩: ٤٢ إِلَى آخر السُّورَة، قَالَ: فَوَقع الْإِسْلَام فِي قلبِي كل موقع، ويذكرون أَن عمر قَالَ حِين أسلم:
الْحَمد الله ذِي الْمَنّ الّذي وَجَبت ... لَهُ علينا أياد مَا لَهَا غير
وَقد بدأنا فكذبنا فَقَالَ لنا ... صدق الحَدِيث نَبِي عِنْده الْخَبَر
وَقد ظلمت ابْنة الْخطاب ثمَّ هدى ... ربى عَشِيَّة قَالُوا قد صبا عمر
وَقد نَدِمت على مَا كَانَ من زلل ... بظلمها حِين تتلى عِنْدهَا السُّور
لما دعت رَبهَا ذَا الْعَرْش جاهدة ... والدمع من عينهَا عجلَان يبتدر
أيقنت أَن الّذي تَدعُوهُ خَالِقهَا ... فكاد تسبقني من عِبْرَة دُرَر
فَقلت اشْهَدْ أَن الله خالقنا ... وَأَن أَحْمد فِينَا الْيَوْم مشتهر
نَبِي صدق أَتَى بِالْحَقِّ من ثِقَة ... وافى الْأَمَانَة مَا فِي عوده خور
(رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ قيل» .
[٥] وَجَمِيل هَذَا هُوَ الّذي كَانَ يُقَال لَهُ: ذُو القلبين، وَفِيه نزلت، فِي أحد الْأَقْوَال: مَا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ من قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ٣٣: ٤. وَفِيه قيل:
وَكَيف ثرائى بِالْمَدِينَةِ بعد مَا ... قضى وطرا مِنْهَا جميل بن معمر
الْجُمَحِيُّ. قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَغَدَوْتُ أَتْبَعُ أَثَرَهُ، وَأَنْظُرُ مَا يَفْعَلُ، وَأَنَا غُلَامٌ أَعْقِلُ كُلَّ مَا رَأَيْتُ، حَتَّى جَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَعَلِمْتَ يَا جَمِيلُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ: وَدَخَلْتُ فِي دِينِ مُحَمَّد؟ قَالَ: فو الله مَا رَاجَعَهُ حَتَّى قَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَاتَّبَعَهُ عُمَرُ، وَاتَّبَعْتُ أَبِي، حَتَّى إذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَهُمْ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ [١]، أَلَا إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ.
قَالَ: (و) [٢] يَقُولُ عُمَرُ مِنْ خَلْفِهِ: كَذَبَ، وَلَكِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَشَهِدْتُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَثَارُوا إلَيْهِ، فَمَا بَرِحَ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتَّى قَامَتْ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِهِمْ. قَالَ: وَطَلِحَ [٣]، فَقَعَدَ وَقَامُوا عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَأَحْلِفُ باللَّه أَنْ لَوْ قَدْ كُنَّا ثَلَاثَ ماِئَةِ رَجُلٍ (لَقَدْ) [٢] تَرَكْنَاهَا لَكُمْ، أَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَنَا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حِبْرَةٌ [٤]، وَقَمِيصٌ مُوَشًّى، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟
قَالُوا: صَبَا عُمَرُ، فَقَالَ: فَمَهْ، رَجُلٌ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا فَمَاذَا تُرِيدُونَ؟
أَتَرَوْنَ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ يُسْلِمُونَ لَكُمْ صَاحِبَهُمْ هَكَذَا! خَلُّوا عَنْ الرجل. قَالَ:
فو الله لَكَأَنَّمَا كَانُوا ثَوْبًا كُشِطَ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ:
يَا أَبَتْ، مَنْ الرَّجُلُ: الَّذِي زَجَرَ الْقَوْمَ عَنْكَ بِمَكَّةَ يَوْمَ أَسْلَمْتُ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَكَ؟
فَقَالَ: ذَاكَ، أَيْ بُنَيَّ، الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا أَبَتْ، مَنْ الرَّجُلُ الَّذِي زَجَرَ الْقَوْمَ عَنْكَ (بِمَكَّةَ) [٢] يَوْمَ أَسْلَمْتَ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَكَ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
--------------------------
[()] وَهُوَ الْبَيْت الّذي تغني بِهِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فِي منزله، وَاسْتَأْذَنَ عمر فَسَمعهُ وَهُوَ يتَغَنَّى وينشد بالركبانية:
(وَهُوَ غناء يحدى بِهِ الركاب) . فَلَمَّا دخل عمر قَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن: إِنَّا إِذا خلونا قُلْنَا مَا يَقُول النَّاس فِي بُيُوتهم، وَقد قلب الْمبرد هَذَا الحَدِيث، وَجعل المنشد عمر، والمستأذن عبد الرَّحْمَن، وَفِيمَا ذهب إِلَيْهِ الْمبرد بعد عَن الصَّوَاب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حول بَاب الْكَعْبَة» .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] طلح: أعيا.
[٤] الْحبرَة: ضرب من برود الْيمن.
قَالَ: يَا بُنَيَّ، ذَاكَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَعْضِ آلِ عُمَرَ، أَوْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَمَّا أَسْلَمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، تَذَكَّرْتُ أَيَّ أَهْلِ مَكَّةَ أَشَدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَدَاوَةً حَتَّى آتِيَهُ فَأُخْبِرَهُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ:
قُلْتُ: أَبُو جَهْلٍ- وَكَانَ عُمَرُ لِحَنْتَمَةَ بِنْتِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ- قَالَ: فَأَقْبَلْتُ حِينَ أَصْبَحْتُ حَتَّى ضَرَبْتُ عَلَيْهِ بَابَهُ. قَالَ: فَخَرَجَ إلَيَّ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِ أُخْتِي، مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ [١]: جِئْتُ لِأُخْبِرَكَ أَنِّي قَدْ آمَنْتُ باللَّه وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَصَدَّقْتُ بِمَا جَاءَ بِهِ، قَالَ: فَضَرَبَ الْبَابَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ.
خَبَرُ الصَّحِيفَةِ
(تَحَالُفُ الْكُفَّارِ ضِدَّ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَزَلُوا بَلَدًا أَصَابُوا بِهِ أَمْنًا وَقَرَارًا، وَأَنَّ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَنَعَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ، فَكَانَ هُوَ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ الْإِسْلَامُ يَفْشُو فِي الْقَبَائِلِ، اجْتَمَعُوا وَائْتَمَرُوا (بَيْنَهُمْ) [٢] أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ، عَلَى أَنْ لَا يُنْكِحُوا إلَيْهِمْ وَلَا يُنْكَحُوهُمْ، وَلَا يَبِيعُوهُمْ شَيْئًا، وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ كَتَبُوهُ [٣] فِي صَحِيفَةٍ، ثُمَّ تَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّقُوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ ابْن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ- فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَشُلَّ بَعْضُ أَصَابِعِهِ.
-------------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ قلت ... إِلَخ» .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كتبُوا» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ انْحَازَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ إلَى أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي شِعْبِهِ وَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبُو لَهَبٍ، عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إلَى قُرَيْشٍ، فَظَاهَرَهُمْ.
(تَهَكُّمُ أَبِي لَهَبٍ بِالرَّسُولِ ﷺ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَبَا لَهَبٍ لَقِيَ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، حِينَ فَارَقَ قَوْمَهُ، وَظَاهَرَ عَلَيْهِمْ قُرَيْشًا، فَقَالَ: يَا بِنْتَ عُتْبَةَ، هَلْ نَصَرْتِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَفَارَقْتِ مَنْ فَارَقَهُمَا وَظَاهَرَ عَلَيْهِمَا [١]؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا أَبَا عُتْبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُ: يَعِدُنِي مُحَمَّدٌ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا، يَزْعُمُ أَنَّهَا كَائِنَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَمَاذَا وَضَعَ فِي يَدَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِي يَدَيْهِ وَيَقُولُ: تَبًّا لَكُمَا، مَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [٢] ١١١: ١.
--------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَلَيْهَا» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] قَالَ السهيليّ: «هَذَا الّذي ذكره بن إِسْحَاق يشبه أَن يكون سَببا لذكر الله سُبْحَانَهُ «يَدَيْهِ» حَيْثُ يَقُول: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ١١١: ١. وَأما قَوْله «وَتب» . فتفسير مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح من رِوَايَة مُجَاهِد وَسَعِيد ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما أنزل الله تَعَالَى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ٢٦: ٢١٤. خرج رَسُول الله ﷺ حَتَّى أَتَى الصَّفَا، فَصَعدَ عَلَيْهِ فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاه. فَلَمَّا اجْتَمعُوا إِلَيْهِ قَالَ: أَرَأَيْتُم: لَو أَخْبَرتكُم أَن خيلا تخرج من سفح هَذَا الْجَبَل.، أَكُنْتُم مصدقي؟ قَالُوا: مَا جربنَا عَلَيْك كذبا، قَالَ: «فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ٣٤: ٤٦» . فَقَالَ أَبُو لَهب: تَبًّا لَك أَلِهَذَا جمعتنَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ.
وَتَبَّ ١١١: ١ هَكَذَا قَرَأَ مُجَاهِد وَالْأَعْمَش وَهِي- وَالله أعلم- قِرَاءَة مَأْخُوذَة عَن ابْن مَسْعُود، لِأَن فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود ألفاظا كَثِيرَة تعين على التَّفْسِير. قَالَ مُجَاهِد: لَو كنت قَرَأت قِرَاءَة ابْن مَسْعُود قبل أَن أسأَل ابْن عَبَّاس مَا احتجت أَن أسأله عَن كثير مِمَّا سَأَلته، وَكَذَلِكَ زِيَادَة «قد» فِي هَذِه الْآيَة فسرت أَنه خبر من الله تَعَالَى، وَأَن الْكَلَام لَيْسَ على جِهَة الدُّعَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى قاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ ٩: ٣٠ أَي أَنهم أهل أَن يُقَال لَهُم هَذَا. ف تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ١١١: ١: لَيْسَ من بَاب «قاتَلَهُمُ الله ٩: ٣٠»، وَلكنه خبر مَحْض بِأَن قد خسر أَهله وَمَاله وَالْيَدَانِ آلَة الْكسْب وَأَهله وَمَاله مِمَّا كسب.، فَقَوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ١١١: ١. يفسره قَوْله: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ١١١: ٢. وَولد الرجل من كَسبه كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: أَي خسرت يَدَاهُ هَذَا الّذي كسبت. وَقَوله «وَتب» . تَفْسِير: سَيَصْلى نَارا ذاتَ لَهَبٍ ١١١: ٣. أَي قد خسر نَفسه بِدُخُولِهِ النَّار. وَقَول أَبى لَهب تَبًّا لَكمَا، مَا أرى فيكما شَيْئا، يعْنى يَدَيْهِ، سَبَب لنزول «تَبَّتْ يَدا ١١١: ١» كَمَا تقدم.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-28-2026, 07:30 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (38)
صــ 351إلى صــ 360
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَبَّتْ: خَسِرَتْ. وَالتَّبَابُ: الْخُسْرَانُ. قَالَ حَبِيبُ بْنُ خُدْرَةَ [١] الْخَارِجِيُّ: أَحَدُ بَنِي هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ:
يَا طَيِّبُ إنَّا فِي مَعْشَرٍ ذَهَبَتْ ... مَسْعَاتُهُمْ فِي التَّبَارِ وَالتَّبَبِ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي قُرَيْشٍ حِينَ تَظَاهَرُوا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ، وَصَنَعُوا فِيهِ الَّذِي صَنَعُوا.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ:
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي عَلَى ذَاتِ [٣] بَيْنِنَا [٤] ... لُؤَيًّا وَخُصَّا مِنْ لُؤَيٍّ بَنِي كَعْبِ
أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّا وَجَدْنَا مُحَمَّدًا ... نَبِيًّا كَمُوسَى خُطَّ فِي أَوَّلِ الْكُتُبِ
وَأَنَّ عَلَيْهِ فِي الْعِبَادِ مَحَبَّةً ... وَلَا خَيْرَ مِمَّنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِالْحُبِّ [٥]
--------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، بخاء مُعْجمَة مَضْمُومَة ودال سَاكِنة وَفِي أ: «جدرة» بِالْجِيم وَالدَّال المفتوحتين. ويروى أَيْضا: «جدره» . بجيم مَكْسُورَة ودال سَاكِنة. وَهَذِه كلهَا رِوَايَات فِيهِ.
[٢] التبار: الْهَلَاك. والتبب كالتباب والتتبيب، وَهِي الْهَلَاك.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَفِي م: «ذَات وبيننا» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] ذَات بَيْننَا، وَذَات يَده، وَمَا كَانَ نَحوه: صفة لمَحْذُوف مؤنث، كَأَنَّهُ يُرِيد الْحَال الَّتِي هِيَ ذَات بَينهم، كَمَا قَالَ الله سُبْحَانَهُ: وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ٨: ١. فَكَذَلِك إِذا قلت ذَات يَده تُرِيدُ أَمْوَاله أَو مكتسباته.
وَكَذَلِكَ إِذا قلت: لَقيته ذَات يَوْم: أَي لقاءة، أَو مرّة ذَات يَوْم. فَلَمَّا حذف الْمَوْصُوف وَبقيت الصّفة صَارَت كالحال.
[٥] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على الشّطْر الْأَخير من هَذَا الْبَيْت: «وَهُوَ مُشكل جدا، لِأَن: «لَا» .
فِي بَاب التبرئة لَا تنصب مثل هَذَا إِلَّا منونا، تَقول: لَا خيرا من زيد فِي الدَّار، وَلَا شرا من فلَان، وَإِنَّمَا تنصب بِغَيْر تَنْوِين إِذا كَانَ الِاسْم غير مَوْصُول بِمَا بعده كَقَوْلِه تَعَالَى: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ١٢: ٩٢.
لِأَن «عَلَيْكُم» لَيْسَ من صلَة التثريب، لِأَنَّهُ فِي مَوضِع الْخَبَر. وأشبه مَا يُقَال فِي بَيت أَبى طَالب أَن «خيرا» مخفف من خير (كهين وميت) . وَفِي التَّنْزِيل: خَيْراتٌ حِسانٌ ٥٥: ٧٠. وَهُوَ مخفف من خيرات، وَقَوله: «مِمَّن» . من مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا خير أخير مِمَّن خصّه الله. وَخير وأخير: لفظان من جنس وَاحِد، فَحسن الْحَذف استثقالا لتكرار اللَّفْظ. وَفِيه وَجه آخر، وَهُوَ أَن يكون حذف التَّنْوِين مُرَاعَاة لأصل الْكَلِمَة: لِأَن «خيرا من زيد، إِنَّمَا مَعْنَاهُ أخير من زيد» . وَكَذَلِكَ: «شَرّ من فلَان» .
إِنَّمَا أَصله أشر، على وزن أفعل، وحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا،. وأفعل لَا ينْصَرف، فَإِذا انحذفت الْهمزَة انْصَرف وَنون، فَإِذا توهمتها غير سَاقِطَة التفاتا إِلَى أصل الْكَلِمَة لم يبعد حذف التَّنْوِين على هَذَا الْوَجْه مَعَ مَا يقويه من ضَرُورَة الشّعْر» .
وَأَنَّ الَّذِي أَلْصَقْتُمْ مِنْ كِتَابكُمْ ... لَكُمْ كَائِنٌ نَحْسًا كَرَاغِيَةِ السَّقْبِ [١]
أَفِيقُوا أَفِيقُوا قَبْلَ أَنْ يُحْفَرَ الثَّرَى ... وَيُصْبِحَ مَنْ لَمْ يَجْنِ ذَنْبًا كَذِي الذَّنْبِ
وَلَا تَتْبَعُوا أَمْرَ الْوُشَاةِ وَتَقْطَعُوا ... أَوَاصِرَنَا بَعْدَ الْمَوَدَّةِ وَالْقُرْبِ [٢]
وَتَسْتَجْلِبُوا حَرْبًا عَوَانًا [٣] وَرُبَّمَا ... أَمُرُّ عَلَى مَنْ ذَاقَهُ جَلَبُ الْحَرْبِ
فَلَسْنَا وَرَبِّ الْبَيْتِ نُسْلِمُ أَحْمَدًا ... لِعَزَّاءِ [٤] مَنْ عَضَّ الزَّمَانُ وَلَا كَرْبِ [٥]
وَلَمَّا تَبِنْ مِنَّا وَمِنْكُمْ سَوَالِفُ [٦] ... وَأَيْدٍ أُتِرَّتْ بِالْقَسَاسِيَّةِ الشُّهْبِ [٧]
بِمُعْتَرَكٍ ضَيْقٍ تَرَى كَسْرَ الْقَنَا ... بِهِ وَالنُّسُورَ الطُّخْمَ يَعْكُفْنَ كَالشَّرْبِ [٨]
كَأَنَّ مُجَالَ [٩] الْخَيْلِ فِي حَجَرَاتِهِ [١٠] ... وَمَعْمَعَةَ الْأَبْطَالِ مَعْرَكَةُ الْحَرْبِ
أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدَّ أَزْرَهُ ... وَأَوْصَى بَنِيهِ بِالطِّعَانِ وَبِالضَّرْبِ
وَلَسْنَا نَمَلُّ الْحَرْبَ حَتَّى تَمَلَّنَا ... وَلَا نَشْتَكِي مَا قَدْ يَنُوبُ مِنْ النَّكْبِ
وَلَكِنَّنَا أَهْلُ الْحَفَائِظِ وَالنُّهَى ... إذَا طَارَ أَرْوَاحُ الْكُمَاةِ مِنْ الرُّعْبِ [١١]
فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى جَهَدُوا لَا يَصِلُ إلَيْهِمْ شَيْءٌ، إلَّا سِرًّا مُسْتَخْفِيًا (بِهِ) [١٢] مَنْ أَرَادَ صِلَتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ.
(تَعَرُّضُ أَبِي جَهْلٍ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَتَوَسُّطُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ):
وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ
----------------------------
[١] كراغية السقب: هُوَ من الرُّغَاء، وَهُوَ أصوات الْإِبِل. والسقب: ولد النَّاقة، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا ولد نَاقَة صَالح عليه السلام.
[٢] الأواصر: أَسبَاب الْقَرَابَة والمودة.
[٣] الْحَرْب الْعوَان: الَّتِي قوتل فِيهَا مرَارًا.
[٤] العزاء: الشدَّة.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وعض الزَّمَان: شدته. وَفِي أ: «عظ الزَّمَان» . والعظ: الشدَّة.
[٦] السوالف: صفحات الْأَعْنَاق.
[٧] أترت: قطعت. والقساسية: سيوف تنْسب إِلَى قساس، وَهُوَ جبل لبني أَسد فِيهِ مَعْدن الْحَدِيد.
[٨] الطخم: السود الرُّءُوس. ويعكفن: يقمن ويلازمن. وَالشرب: الْجَمَاعَة من الْقَوْم يشربون.
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ضحال» وَلَا معنى لَهَا.
[١٠] الحجرات: النواحي.
[١١] الرعب (بِالْفَتْح): الْوَعيد.
[١٢] زِيَادَة عَن أ.
٢٣- سيرة ابْن هِشَام- ١
ابْن أَسَدٍ، مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَهُ فِي الشِّعْبِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ وَاَللَّهِ لَا تَبْرَحُ أَنْتَ وَطَعَامُكَ حَتَّى أفضحك بِمَكَّة. فَجَاءَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ ابْن هَاشِمِ [١] بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسد، فَقَالَ: مَالك وَلَهُ؟ فَقَالَ: يَحْمِلُ الطَّعَامَ إلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَقَالَ (لَهُ) [٢] أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ بَعَثَتْ إلَيْهِ (فِيهِ) [٢] أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا! خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ، فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَخَذَ (لَهُ) [٢] أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَحْيَ بَعِيرٍ فَضَرَبَهُ بِهِ فشجّه، ووطئه وطأ شَدِيدًا، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَرِيبٌ يَرَى ذَلِكَ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، فَيَشْمَتُوا بِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَسِرًّا وَجَهَارًا، مُبَادِيًا [٣] بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَتَّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ.
ذِكْرُ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْأَذَى
(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي لَهَبٍ):
فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَقَامَ عَمُّهُ وَقَوْمُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ دُونَهُ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ [٤] وَبَيْنَ مَا أَرَادُوا مِنْ الْبَطْشِ بِهِ، يهمزونه ويستهزءون بِهِ وَيُخَاصِمُونَهُ، وَجَعَلَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِي قُرَيْشٍ بِأَحْدَاثِهِمْ، وَفِيمَنْ نُصِبَ لِعَدَاوَتِهِ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سُمِّيَ لَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فِي عَامَّةِ مَنْ ذُكِرَ اللَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ، فَكَانَ مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عَمُّهُ أَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
--------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: هِشَام.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مناديا» .
[٤] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بَينه» .
وَامْرَأَتُهُ أُمُّ جَمِيلٍ [١] بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ- فِيمَا بَلَغَنِي- تَحْمِلُ الشَّوْكَ فَتَطْرَحَهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ يَمُرُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ، سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [٢] ١١١: ١- ٥.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْجِيدُ: الْعُنُقُ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
يَوْمَ تُبْدَى لَنَا قُتَيْلَةُ عَنْ جِيدٍ ... أَسِيلٍ [٣] تُزَيِّنُهُ الْأَطْوَاقُ [٤]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُهُ: أَجْيَادٌ. وَالْمَسَدُّ: شَجَرٌ يُدَقُّ كَمَا يُدَقُّ الْكَتَّانُ فَتُفْتَلُ مِنْهُ حِبَالٌ. قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ، وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ:
مَقْذُوفَةٍ بِدَخِيسِ النَّحْضِ بَازِلُهَا ... لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ الْقَعْوِ بِالْمَسَدِ [٥]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَوَاحِدَتُهُ: مَسَدَةٌ.
(أُمُّ جَمِيلٍ وَرَدُّ اللَّهِ كَيْدَهَا عَنْ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي: أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، حِينَ سَمِعَتْ
----------------------
[١] وَهِي عمَّة مُعَاوِيَة.
[٢] لما كنى الله تَعَالَى عَن ذَلِك الشوك بالحطب، والحطب لَا يكون إِلَّا فِي حَبل، من ثمَّ جعل الْحَبل فِي عُنُقهَا ليقابل الْجَزَاء الْفِعْل.
[٣] جيد أسيل: فِيهِ طول. والأطواق: جمع طوق، وَهِي القلادة.
[٤] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذَا الْبَيْت: «وَقَوله: تزينه: أَي نزينه حسنا، وَهَذَا من الْقَصْد فِي الْكَلَام، وَقد أَبى المولدون إِلَّا الغلو فِي هَذَا الْمَعْنى وَأَن يقلبوه. فَقَالَ فِي الحماسة حُسَيْن بن مطير:
مبتلة الْأَطْرَاف زانت عقودها ... بِأَحْسَن مِمَّا زينتها عقودها
وَقَالَ خَالِد الْقَسرِي لعمر بن عبد الْعَزِيز: وَمن تكن الْخلَافَة زينته فَأَنت زينتها، وَمن تكن شرفته فَأَنت شرفتها، وَأَنت كَمَا قَالَ:
وتزيدين أطيب الطّيب طيبا ... أَن تمسيه أَيْن مثلك أَيّنَا
وَإِذا الدّرّ زَان حسن وُجُوه ... كَانَ للدر حسن وَجهك زينا
فَقَالَ عمر: إِن صَاحبكُم أعْطى مقولا، وَلم يُعْط معقولا» . ثمَّ سَاق السهيليّ أبياتا كَثِيرَة فِي هَذَا الْمَعْنى اجتزأنا مِنْهَا بذلك.
[٥] الدخيس: اللَّحْم الْكثير. والنحض: اللَّحْم. وبازلها: نابها. والصريف: الصَّوْت. والقعو:
الّذي تَدور فِيهِ البكرة، إِذا كَانَ من خشب، فَإِن كَانَ من حَدِيد فَهُوَ الخطاف.
مَا نَزَلَ فِيهَا، وَفِي زَوْجِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ [١] مِنْ حِجَارَةٍ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيْهِمَا أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَا تَرَى إلَّا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ: أَيْنَ صَاحِبُكَ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ يَهْجُونِي، وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَضَرَبْتُ بِهَذَا الْفِهْرِ فَاهُ، أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَشَاعِرَةٌ، ثُمَّ قَالَتْ [٢]:
مُذَمَّمًا عَصَيْنَا ... وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا
وَدِينَهُ قَلَيْنَا [٣]
ثُمَّ انْصَرَفَتْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَرَاهَا رَأَتْكَ؟ فَقَالَ: مَا رَأَتْنِي، لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا عَنِّي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهَا «
وَدِينَهُ قَلَيْنَا
» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُذَمَّمًا، ثُمَّ يَسُبُّونَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَلَا تَعْجَبُونَ لِمَا يَصْرِفُ [٤] اللَّهُ عَنِّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ، يَسُبُّونَ وَيَهْجُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ.
(ذِكْرُ مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ):
وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، كَانَ إذَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَمَزَهُ وَلَمَزَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ، نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ١٠٤: ١- ٩.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْهُمَزَةُ: الَّذِي يَشْتُمُ الرَّجُلَ عَلَانِيَةً، وَيَكْسِرُ عَيْنَيْهِ عَلَيْهِ، وَيَغْمِزُ بِهِ. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
---------------------------
[١] الفهر: حجر على مِقْدَار ملْء الْكَفّ. وَالْمَعْرُوف فِي الفهر التَّأْنِيث، إِلَّا أَنه وَقع هُنَا مذكرا.
[٢] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَقَالَت» .
[٣] قلينا: أبغضنا.
[٤] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «صرف» .
هَمَزْتُكَ فَاخْتَضَعْتُ لِذُلِّ نَفْسٍ ... بِقَافِيَةٍ تَأَجَّجُ كَالشُّوَاظِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُهُ: هَمَزَاتٌ. وَاللُّمَزَةُ: الَّذِي يَعِيبُ النَّاسَ سِرًّا وَيُؤْذِيهِمْ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
فِي ظِلِّ عَصْرِي بَاطِلِي وَلَمْزِي [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَجَمْعُهُ: لَمَزَاتٌ.
(مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ الْعَاصِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمَا نَزَلَ فِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، كَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَيْنًا بِمَكَّةَ يَعْمَلُ السُّيُوفَ، وَكَانَ قَدْ بَاعَ مِنْ الْعَاصِ ابْن وَائِلٍ سُيُوفًا عَمِلَهَا لَهُ حَتَّى كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا خَبَّابُ أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ صَاحِبُكُمْ هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَى دِينِهِ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مَا ابْتَغَى أَهْلُهَا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ ثِيَابٍ، أَوْ خَدَمٍ! قَالَ خَبَّابٌ: بَلَى. قَالَ: فَأَنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَا خَبَّابُ حَتَّى أَرْجِعَ إلَى تِلْكَ الدَّارِ فَأَقْضِيَكَ هُنَالك حقّك، فو الله لَا تَكُونُ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ [٣] يَا خَبَّابُ آثَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنِّي، وَلَا أَعْظَمَ حَظًّا فِي ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ١٩: ٧٧- ٧٨ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ، وَيَأْتِينا فَرْدًا ١٩: ٨٠.
(مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ أَبُو جَهْلٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمَا نَزَلَ فِيهِ):
وَلَقِيَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- فَقَالَ لَهُ:
وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَتَتْرُكَنَّ سَبَّ آلِهَتِنَا، أَوْ لَنَسُبَّنَّ إلَهَكَ الَّذِي تَعْبُدُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ:
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ٦: ١٠٨. فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَفَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، وَجَعَلَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ.
----------------------------
[١] اختضعت: تذللت. وتأجج: تتوقد. والشواظ: لَهب النَّار.
[٢] الْبَيْت ال ٤٢ من الأرجوزة ال ٢٣ يمدح بهَا أبان بن الْوَلِيد البَجلِيّ (ديوانه طبع ليبسج.
سنة ١٩٠٣ ص ٦٤) .
[٣] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَأَصْحَابك» .
(مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ النَّضْرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمَا نَزَلَ فِيهِ):
وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ [١] بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، كَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا، فَدَعَا فِيهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وتلا فِيهِ الْقُرْآنَ، وَحَذَّرَ (فِيهِ) [٢] قُرَيْشًا مَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ رُسْتُمَ السِّنْدِيدِ [٣]، وَعَنْ أَسْفِنْدِيَارَ، وَمُلُوكِ فَارِسَ، ثُمَّ يَقُولُ وَاَللَّهِ مَا مُحَمَّدٌ بِأَحْسَنَ حَدِيثًا مِنِّي، وَمَا حَدِيثُهُ إلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، اكْتَتَبَهَا كَمَا اكْتَتَبْتهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ٢٥: ٥- ٦. وَنَزَلَ فِيهِ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قَالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ٦٨: ١٥. وَنَزَلَ فِيهِ: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ٤٥: ٧- ٨ كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا، فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ٣١: ٧.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَفَّاكُ: الْكَذَّابُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ٣٧: ١٥١- ١٥٢. وَقَالَ رُؤْبَةُ (بْنُ الْعَجَّاجِ) [٢]
مَا لِامْرِئٍ أَفَّكَ قَوْلًا إفْكًا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ [٤] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا- فِيمَا بَلَغَنِي- مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ، وَفِي الْمَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَفْحَمَهُ،
--------------------------
[١] فِي الْأُصُول: «ابْن كلدة بن عَلْقَمَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر. والسنديد (بلغَة فَارس): طُلُوع الشَّمْس، وهم ينسبون إِلَيْهِ كل جميل. وَفِي الْأُصُول: «الشَّديد» .
[٤] ديوانه طبعة ليبسج سنة ١٩٠٣ وَهُوَ الْبَيْت السَّادِس فِي الأرجوزة ٤٤ يعْتَذر فِيهَا إِلَى مَوْلَاهُ، وَيَلُوم حساده.
ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ، لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوها، وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ، لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ، وَهُمْ فِيها لَا يَسْمَعُونَ ٢١: ٩٨- ١٠٠. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَصَبُ جَهَنَّمَ: كُلُّ مَا أُوقِدَتْ بِهِ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ، وَاسْمُهُ خُوَيْلِدِ بْنُ خَالِدٍ:
فَأَطْفِئْ وَلَا تُوقِدْ وَلَا تَكُ مِحْضَأً ... لِنَارِ [١] الْعُدَاةِ أَنْ تَطِيرَ شَكَاتُهَا [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَيُرْوَى «وَلَا تَكُ مِحْضَأً [٣]» . قَالَ الشَّاعِرُ:
حَضَأْتُ لَهُ نَارِي فَأَبْصَرَ [٤] ضَوْءَهَا ... وَمَا كَانَ لَوْلَا حَضْأَةِ النَّارِ يَهْتَدِي
(مَقَالَةُ ابْنِ الزِّبَعْرَى، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى: وَاَللَّهِ مَا قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لَابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ آنِفًا وَمَا قَعَدَ، وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ، فَسَلُوا مُحَمَّدًا: أَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي جَهَنَّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ؟
فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، وَالنَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى بن مَرْيَمَ (عليهما السلام) [٥]، فَعَجِبَ الْوَلِيدُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى، وَرَأَوْا أَنَّهُ قَدْ احْتَجَّ وَخَاصَمَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّ) [٥] كُلَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، إنَّهُمْ إنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ، وَمَنْ أَمَرَتْهُمْ بِعِبَادَتِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى، أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، وَهُمْ ٢١: ١٠١- ١٠٢----------------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لنا العداة»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] الشكاة: الشدَّة. وَفِي اللِّسَان: «
لنار الأعادي أَن تطير شداتها
» .
[٣] المحضأ: الْعود الّذي تحرّك بِهِ النَّار لتلتهب.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَأَبْصَرت»، وَلَا يَسْتَقِيم بهَا الْكَلَام.
[٥] زِيَادَة عَن أ، ط.
فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ ٢١: ١٠٢: أَيْ عِيسَى بن مَرْيَمَ، وَعُزَيْرًا، وَمَنْ عُبِدُوا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَاِتَّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ، أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَأَنَّهَا بَنَاتُ اللَّهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ٢١: ٢٦- ٢٧ ... إلَى قَوْلِهِ: وَمن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ٢١: ٢٩.
وَنَزَلَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى بن مَرْيَمَ أَنَّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَعَجَبِ الْوَلِيدِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجَّتِهِ وَخُصُومَتِهِ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ٤٣: ٥٧: أَيْ يَصُدُّونَ عَنْ أَمْرِكَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ [١] ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى بن مَرْيَمَ فَقَالَ: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ، وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ٤٣: ٥٩- ٦١: أَيْ مَا وَضَعْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السَّاعَةِ، يَقُولُ: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ، هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ٤٣: ٦١.
(الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ):
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ) [٢]: وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْقَوْمِ وَمِمَّنْ يُسْتَمَعُ مِنْهُ، فَكَانَ يُصِيبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ٦٨: ١٠- ١١ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: زَنِيمٍ ٦٨: ١٣، وَلَمْ يَقُلْ: «زَنِيمٍ» لِعَيْبِ فِي نَسَبِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَعِيبُ أَحَدًا بِنَسَبِ، وَلَكِنَّهُ حَقَّقَ
---------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَوْله» .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
بِذَلِكَ نَعْتَهُ لِيُعْرَفَ. وَالزَّنِيمُ: الْعَدِيدُ [١] لِلْقَوْمِ. وَقَدْ قَالَ الْخَطِيمُ التَّمِيمِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ:
زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَةً ... كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الْأَدِيمِ الْأَكَارِعُ [٢] .
(الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ):
وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَيُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأُتْرَكُ وَأَنَا كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا! وَيُتْرَكُ أَبُو مَسْعُودٍ عَمْرُو بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ سَيِّدُ ثَقِيفٍ، وَنَحْنُ عَظِيمَا الْقَرْيَتَيْنِ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، فِيمَا بَلَغَنِي: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ٤٣: ٣١ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّا يَجْمَعُونَ ٤٣: ٣٢.
(أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا):
وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَا مُتَصَافِيَيْنِ، حَسَّنَا مَا بَيْنَهُمَا. فَكَانَ عُقْبَةُ قَدْ جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيًّا، فَأَتَى عُقْبَةَ فَقَالَ (لَهُ) [٣]: أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكَ جَالَسْتَ مُحَمَّدًا وَسَمِعْتَ مِنْهُ! [٤]- وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ أَنْ أُكَلِّمَكَ- وَاسْتَغْلَظَ مِنْ الْيَمِينِ- إنْ أَنْتَ جَلَسْتَ إلَيْهِ أَوْ سَمِعْتَ مِنْهُ، أَوْ لَمْ تَأْتِهِ فَتَتْفُلَ فِي وَجْهِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ لَعَنَهُ اللَّهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٥: ٢٧ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْإِنْسانِ خَذُولًا ٢٥: ٢٩.
وَمَشَى أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَظْمٍ بَالٍ قَدْ ارْفَتَّ [٥]، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرَمَّ [٦]، ثُمَّ فَتَّهُ[١] العديد: من يعد فِي الْقَوْم، وَهُوَ الدعي.
[٢] الأكارع: جمع كرَاع. والكراع من الْإِنْسَان: مَا دون الرّكْبَة إِلَى الكعب، وَمن الدَّوَابّ:
مَا دون الكعب.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي الْأُصُول: «... قَالَ: وَجْهي ... إِلَخ» .
[٥] أرفت: تحطم وتكسر.
[٦] أرم: بلَى.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 09:05 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (39)
صــ 361إلى صــ 370
فِي يَدِهِ [١]، ثُمَّ نَفَخَهُ فِي الرِّيحِ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ وَإِيَّاكَ بَعْدَ مَا تَكُونَانِ هَكَذَا، ثُمَّ يُدْخِلُكَ اللَّهُ النَّارَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ: من يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ٣٦: ٧٨- ٨٠.
(سَبَبُ نُزُولِ سُورَةِ «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ»):
وَاعْتَرَضَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ- فِيمَا بَلَغَنِي- الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ فِي قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا:
يَا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ، وَتَعْبُدُ مَا نَعْبُدُ، فَنَشْتَرِكُ نَحْنُ وَأَنْتَ فِي الْأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي تَعْبُدُ خَيْرًا مِمَّا نَعْبُدُ، كُنَّا قَدْ أَخَذْنَا بِحَظِّنَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَا نَعْبُدُ خَيْرًا مِمَّا تَعْبُدُ، كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنْهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ١٠٩: ١- ٦ أَيْ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ، إلَّا أَنْ أَعْبُدَ مَا تَعْبُدُونَ، فَلَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ مِنْكُمْ، لَكُمْ دِينُكُمْ جَمِيعًا، وَلِي دِينِي.
(أَبُو جَهْلٍ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ):
وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عز وجل شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَخْوِيفًا بِهَا لَهُمْ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَلْ تَدْرُونَ مَا شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي يُخَوِّفُكُمْ بِهَا مُحَمَّدٌ؟
قَالُوا: لَا، قَالَ: عَجْوَةُ [٢] يَثْرِبَ بِالزُّبْدِ، وَاَللَّهِ لَئِنْ اسْتَمْكَنَّا مِنْهَا لَنَتَزَقَّمَنَّها [٣] تَزَقُّمًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ٤٤: ٤٣- ٤٦: أَيْ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ.
--------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بِيَدِهِ» .
[٢] الْعَجْوَة: ضرب من التَّمْر.
[٣] تزقم: ابتلع.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُهْلُ: كُلُّ شَيْءٍ أَذَبْتُهُ، مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ.
(كَيْفَ فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ «الْمُهْلَ»):
وَبَلَغَنَا عَنْ الْحَسَنِ (الْبَصْرِيِّ) [١] أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالِيًا لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ يَوْمًا بِفِضَّةٍ فَأُذِيبَتْ، فَجُعِلَتْ تُلَوَّنُ أَلْوَانًا، فَقَالَ: هَلْ بِالْبَابِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَأَدْخِلُوهُمْ، فَأُدْخِلُوا فَقَالَ: إنَّ أَدْنَى مَا أَنْتُمْ رَاءُونَ شَبَهًا بِالْمُهْلِ، لَهَذَا [٢] . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَسْقِيهِ رَبِّي حَمِيمَ الْمُهْلِ يَجْرَعُهُ ... يَشْوِي الْوُجُوهَ فَهُوَ فِي بَطْنِهِ صِهَرُ [٣]
وَيُقَالُ: إنَّ الْمُهْلَ: صَدِيدُ الْجَسَدِ.
(اسْتِشْهَادٌ فِي تَفْسِيرِ «الْمُهْلِ» بِكَلَامِ لِأَبِي بَكْرٍ):
بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه لَمَّا حُضِرَ أَمَرَ بِثَوْبَيْنِ لَبِيسَيْنِ يُغْسَلَانِ فَيُكَفَّنُ فِيهِمَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: قَدْ أَغْنَاكَ اللَّهُ يَا أَبَتِ عَنْهُمَا، فَاشْتَرِ كَفَنًا، فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ حَتَّى يَصِيرَ إلَى الْمُهْلِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
شَابَ بِالْمَاءِ مِنْهُ مُهْلًا كَرِيهًا ... ثُمَّ عَلَّ الْمُتُونَ بَعْدَ النِّهَالِ [٤]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا ١٧: ٦٠.
(ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَنُزُولُ سُورَةِ «عَبَسَ»):
وَوَقَفَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُهُ، وَقَدْ طَمِعَ فِي إسْلَامِهِ، فَبَيْنَا هُوَ فِي ذَلِكَ، إذْ مَرَّ بِهِ
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «إِن أدنى مَا رَأَيْتُمْ رأون شبها بالمهل لهَذَا» .
[٣] صهر: ذائب. وَقد زَادَت «م» بعد هَذَا الْبَيْت:
وَقَالَ عبد الله بن الزبير «بِفَتْح الزاى» الْأَسدي:
فَمن عَاشَ مِنْهُم عَاشَ عبدا وَإِن يمت ... فَفِي النَّار يسقى مهلها وصديدها
وَهَذَا الْبَيْت فِي قصيدة لَهُ.
[٤] الْعِلَل: الشّرْب بعد الشّرْب. والمتون: الظُّهُور. والنهال: جمع نهل، وَهُوَ الشّرْب الأول.
ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَجَعَلَ يَسْتَقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَشَقَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَضْجَرَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ شَغَلَهُ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْوَلِيدِ، وَمَا طَمِعَ فِيهِ مِنْ إسْلَامِهِ. فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ انْصَرَفَ عَنْهُ عَابِسًا وَتَرَكَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ٨٠: ١- ٢ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ٨٠: ١٣- ١٤ أَيْ إنَّمَا بَعَثْتُكَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، لَمْ أَخُصَّ بِكَ أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ، فَلَا تَمْنَعُهُ مِمَّنْ ابْتَغَاهُ، وَلَا تَتَصَدَّيَنَّ بِهِ لِمَنْ لَا يُرِيدُهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ابْنُ أمّ مَكْتُوم، أحدا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو.
ذِكْرُ مَنْ عَادَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ لَمَّا بَلَغَهُمْ إسْلَامُ أَهْلِ مَكَّةَ
(سَبَبُ رُجُوعِ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الَّذِينَ خَرَجُوا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، إسْلَامُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَقْبَلُوا لِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إذَا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ، بَلَغَهُمْ أَنَّ مَا كَانُوا تَحَدَّثُوا بِهِ مِنْ إسْلَامِ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ بَاطِلًا، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا بِجِوَارٍ أَوْ مُسْتَخْفِيًا [١] .
-------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وَسبب ذَلِك: أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ سُورَة النَّجْم، فَألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته: أَي فِي تِلَاوَته، عِنْد ذكر اللات والعزى، وَأَنَّهُمْ لَهُم الغرانقة الْعلَا وَأَن شفاعتهم لترتجى. فطار ذَلِك بِمَكَّة، فسر الْمُشْركُونَ وَقَالُوا: قد ذكر آلِهَتنَا بِخَير. فَسجدَ رَسُول الله ﷺ فِي آخرهَا، وَسجد الْمُشْركُونَ والمسلمون، وَأنزل الله تَعَالَى: فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ٢٢: ٥٢ ... الْآيَة. فَمن هَاهُنَا اتَّصل بهم فِي أَرض الْحَبَشَة أَن قُريْشًا قد أَسْلمُوا. ذكره مُوسَى بن عقبَة وَابْن إِسْحَاق من غير رِوَايَة البكائي، وَأهل الْأُصُول يدْفَعُونَ هَذَا الحَدِيث بِالْحجَّةِ، وَمن صَححهُ قَالَ فِيهِ أقوالا، مِنْهَا أَن الشَّيْطَان قَالَ ذَلِك وأذاعه، وَالرَّسُول عليه الصلاة والسلام لم ينْطق بِهِ. وَهَذَا جيد لَوْلَا أَن فِي حَدِيثهمْ أَن جِبْرِيل قَالَ لمُحَمد: مَا أَتَيْتُك بِهَذَا! إِن النَّبِي ﷺ قَالَهَا من قبل نَفسه، وعنى بهَا الْمَلَائِكَة أَن شفاعتهم لترتجى. وَمِنْهَا:
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
فَكَانَ مِمَّنْ [١] قَدِمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا (وَأُحُدًا) [٢]، وَمَنْ حُبِسَ عَنْهُ حَتَّى فَاتَهُ بَدْرٌ وَغَيْرُهُ، وَمَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ابْن أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، (وَ) [٢] مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، (وَ) [٢] امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ (بْنِ عَمْرٍو) [٢] .
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ.
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ):
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، مِنْ قَيْسِ (بْنِ) [٢] عَيْلَانَ.
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ.
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ، (بْنِ عَبْدِ الدَّارِ) [٢] . وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ [٣] .
------------------------
[()] أَن النَّبِي عليه الصلاة والسلام قَالَه حاكيا عَن الْكَفَرَة، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِك، فَقَالَهَا مُتَعَجِّبا من كفرهم.
والْحَدِيث على مَا خيلت غير مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ، وَالله أعلم» .
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «من» .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ، ط، والاستيعاب، وَأسد الغابة، والإصابة. وَهُوَ سويبط بن سعد بن حَرْمَلَة بن مَالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدَّار بن قصي بن كلاب الْقرشِي، وَأمه امْرَأَة من خُزَاعَة تسمى هنيدة. وَلَقَد شهد سويبط رضي الله عنه بَدْرًا، وَكَانَ مزاحا يفرط فِي الدعابة، وَله قصَّة ظريفة مَعَ نعيمان وأبى بكر للصديق رضي الله عنهم، وَهِي: أَن أَبَا بكر رضي الله عنه خرج فِي تِجَارَة إِلَى بصرى قبل موت النَّبِي ﷺ بعام، وَمَعَهُ نعيمان وسويبط، وَكَانَا قد شَهدا بَدْرًا، وَكَانَ نعيمان على الزَّاد، فَقَالَ لَهُ سويبط: أطعمنى، فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَجِيء أَبُو بكر، فَقَالَ: أما وَالله لأغيظنك، فَمروا بِقوم فَقَالَ لَهُم سويبط: تشترون منى عبدا؟ فَقَالُوا: نعم: قَالَ: إِنَّه عبد لَهُ كَلَام، وَهُوَ قَائِل لكم إِنِّي حر، فان
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ: طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ [١] بْنِ عَبْدٍ.
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ (بْنِ) [٢] الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو. حَلِيفٌ لَهُمْ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ.
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَشَمَّاسُ [٣]
--------------------
[()] كُنْتُم إِذا قَالَ لكم هَذِه الْمقَالة تَرَكْتُمُوهُ، فَلَا تفسدوا على عَبدِي، قَالُوا: بل نشتريه مِنْك، قَالَ: فاشتروه مِنْهُ بِعشر قَلَائِص. قَالَ: فَجَاءُوا فوضعوا فِي عُنُقه عباءة أَو حبلا، فَقَالَ نعيمان: إِن هَذَا يستهزئ بكم، وَإِنِّي حر لست بِعَبْد، قَالُوا: قد أخبرنَا خبرك، فَانْطَلقُوا بِهِ، فجَاء أَبُو بكر رضي الله عنه، فَأخْبرهُ سويبط، فأتبعهم، فَرد عَلَيْهِم القلائص وَأَخذه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سويبط بن سعد بن حُرَيْمِلَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[١] فِي أ: «طليب بن وهب بن أَبى كَبِير بن عبد» . فِي سَائِر الْأُصُول والاستيعاب: «طليب بن وهب بن أَبى كثير بن عبد» . وَالظَّاهِر أَن كليهمَا محرف عَمَّا أَثْبَتْنَاهُ. قَالَ السهيليّ: وَذكر فيهم طليبا، وَقَالَ فِي نسبه: ابْن أَبى كَبِير بن عبد بن قصي، وَزِيَادَة «أَبى كَبِير» فِي هَذَا الْموضع لَا يُوَافق عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ وجدت فِي حَاشِيَة كتاب الشَّيْخ التَّنْبِيه على هَذَا. وَذكره أَبُو عمر، وَنسبه كَمَا نسبه ابْن إِسْحَاق بِزِيَادَة أَبى كَبِير» . وَقَالَ أَبُو ذَر: «فِي نسب طليب: ابْن وهب بن أَبى كَبِير بن عبد. كَذَا وَقع، وَإِنَّمَا هُوَ ابْن عبد بن قصي» .
وَلَقَد شهد طيب بَدْرًا، وَقتل بأجنادين شَهِيدا لَيْسَ لَهُ عقب، وَقيل: قتل باليرموك. وَيُقَال: إِن طليبا لما أسلم فِي دَار الأرقم خرج فَدخل على أمه أروى بنت عبد الْمطلب، فَقَالَ: اتبعت مُحَمَّدًا وَأسْلمت للَّه عز وجل، فَقَالَت أمه: إِن أَحَق من وازرت وعضدت ابْن خَالك، وَالله لَو كُنَّا نقدر على مَا يقدر عَلَيْهِ الرِّجَال لمنعناه وذببنا عَنهُ» .
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط. والاستيعاب، والإصابة، وَأسد الغابة.
[٣] وَاسم شماس: عَامر، وشماس: لقب غلب عَلَيْهِ. وَأمه صَفِيَّة بنت ربيعَة بن عبد شمس، وَلَقَد شهد بَدْرًا، وَقتل يَوْم أحد شَهِيدا، وَكَانَ يَوْم قتل ابْن أَربع وَثَلَاثِينَ سنة. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول: مَا وجدت لشماس شبها إِلَّا الْجنَّة. يعْنى مِمَّا يُقَاتل عَن رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ وَكَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يرْمى ببصره يَمِينا وَلَا شمالا إِلَّا رأى شماسا فِي ذَلِك الْوَجْه يذب بِسَيْفِهِ، حَتَّى غشي رَسُول الله ﷺ فترس بِنَفسِهِ دونه حَتَّى قتل، فَحمل إِلَى الْمَدِينَة وَبِه رَمق، فَأدْخل على عَائِشَة رضي الله عنها، فَقَالَت أم سَلمَة: ابْن عمى يدْخل على غَيْرِي! فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
ابْن عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ هَرْمِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ. وَسَلَمَةُ [١] بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَبَسَهُ عَمُّهُ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَقْدَمْ إلَّا بَعْدَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، هَاجَرَ مَعَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَحِقَ بَهْ أَخَوَاهُ لِأُمِّهِ:
أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَرَجَعَا بِهِ إلَى مَكَّةَ فَحَبَسَاهُ [٢] بِهَا حَتَّى مَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عُمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، يُشَكُّ فِيهِ، أَكَانَ خَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ أَمْ لَا؟
وَمُعَتِّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرٍ مِنْ خُزَاعَةَ.
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي جُمَحٍ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ ابْن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ. وَابْنُهُ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَقُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَظْعُونٍ.
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: خُنَيْسُ [٣] بْنُ حُذَافَةَ بْنِ
----------------------------
[()] وَسلم: احملوه إِلَى أم سَلمَة، فَحمل إِلَيْهَا، فَمَاتَ عِنْدهَا، فَأمر رَسُول الله ﷺ:
أَن يرد إِلَى أحد فيدفن هُنَالك كَمَا هُوَ فِي ثِيَابه الَّتِي مَاتَ فِيهَا، بعد أَن مكث يَوْمًا وَلَيْلَة. وَفِي رثائه يَقُول حسان بن ثَابت:
اقنى حياءك فِي ستر وَفِي كرم ... فَإِنَّمَا كَانَ شماس من النَّاس
قد ذاق حَمْزَة سيف الله فاصطبرى ... كأسا رواء ككأس الْمَرْء شماس
[١] كَانَ سَلمَة من خِيَار الصَّحَابَة وفضلائهم، وَكَانَ أحد إخْوَة خَمْسَة: أَبى جهل والْحَارث وَسَلَمَة وَالْعَاص وخَالِد، فَأَما أَبُو جهل وَالْعَاص فقتلا ببدر كَافِرين، وَأسر خَالِد يَوْمئِذٍ، ثمَّ فدى وَمَات كَافِرًا، وَأسلم الْحَارِث وَسَلَمَة، وَكَانَا من خِيَار الْمُسلمين رضي الله عنهما. وَكَانَ سَلمَة قديم الْإِسْلَام، وَاحْتبسَ بِمَكَّة، وعذب فِي الله عز وجل، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَدْعُو لَهُ فِي صلَاته، وَقتل يَوْم خرج فِي خلَافَة عمر، وَقيل: بل قتل بأجنادين قبل موت أَبى بكر رضي الله عنه بِأَرْبَع وَعشْرين سَاعَة سنة ١٣ هـ
[٢] يذكر فِي ذَلِك أَنَّهُمَا قَالَا لَهُ حَتَّى خدعاه: إِن أمه حَلَفت أَلا يدْخل رَأسهَا دهن وَلَا تَغْتَسِل حَتَّى ترَاهُ، فَرجع مَعَهُمَا، فَأَوْثَقَاهُ رِبَاطًا، وحبساه بِمَكَّة، فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَدْعُو لَهُ.
[٣] كَانَ خُنَيْس بن حذافة على حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ، وَقد شهد بَدْرًا، ثمَّ شهد أحدا، ونالته ثمَّة جِرَاحَة مَاتَ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ.
قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، حُبِسَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى قَدِمَ بَعْدَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ.
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ [١] بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، مَعَه امْرَأَتُهُ لَيْلَى [٢] بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ (بْنِ حُذَافَةَ) [٣] بْنِ غَانِمٍ.
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَبْدُ اللَّهِ [٤] بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسٍ:
وَعَبْدُ اللَّهِ [٥] بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ حُبِسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، فَانْحَازَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَالسَّكْرَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ، مَاتَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
----------------------
[١] فِي نسب عَامر هَذَا خلاف، فَمنهمْ من ينْسبهُ إِلَى عنز بن وَائِل، كَمَا ينْسبهُ بَعضهم إِلَى مذْحج فِي الْيمن، إِلَّا أَنه لَا خلاف فِي أَنه حَلِيف للخطاب بن نفَيْل. وَلَقَد شهد بَدْرًا وَسَائِر الْمشَاهد، وَتوفى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ، وَقيل: سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، كَمَا قيل سنة خمس وَثَلَاثِينَ، بعد قتل عُثْمَان بأيام.
[٢] يُقَال: إِنَّهَا أول ظَعِينَة دخلت الْمَدِينَة مهاجرة، وَقيل: بل تِلْكَ أم سلمى.
[٣] زِيَادَة عَن الِاسْتِيعَاب.
[٤] يكنى عبد الله: أَبَا مُحَمَّد، وَأمه أم نهيك بنت صَفْوَان من بنى مَالك بن كنَانَة، وَلَقَد آخى رَسُول الله ﷺ بَينه وَبَين فَرْوَة بن عمر، وَلَقَد شهد بَدْرًا وَسَائِر الْمشَاهد، وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة، وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة، وَمن وَلَده: نَوْفَل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمَة.
[٥] يكنى عبد الله: أَبَا سُهَيْل، وَكَانَ الّذي حَبسه، هُوَ أَبوهُ، أَخذه عِنْد مَا رَجَعَ من الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة، فأوثقه عِنْده، وفتنه فِي دينه. وَلَقَد شهد مَعَ رَسُول الله ﷺ غير بدر الْمشَاهد كلهَا، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة، وَهُوَ أحد الشُّهُود فِي صلح الحديبيّة، وَهُوَ الّذي أَخذ الْأمان لِأَبِيهِ يَوْم الْفَتْح، أَتَى رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَبى تؤمنه؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ:
نعم هُوَ آمن بِأَمَان الْإِلَه، فليظهر، ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ لمن حوله: من رأى سُهَيْل بن عَمْرو فَلَا يشد إِلَيْهِ النّظر، فلعمري إِن سهيلا لَهُ عقل وَشرف. وَلَقَد اسْتشْهد عبد الله يَوْم الْيَمَامَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة، وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَلَاثِينَ سنة.
إلَى الْمَدِينَةِ، فَخَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَتِهِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ [١] .
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ [٢] .
(مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ):
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْن الْجَرَّاحِ، وَعَمْرُو [٣] بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ، وَسُهَيْلُ [٤] بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ [٥]، وَعَمْرُو [٦] بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ ابْن هِلَالٍ.
(عَدَدُ الْعَائِدِينَ مِنْ الْحَبَشَةِ، وَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي جِوَارٍ):
فَجَمِيعُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا.
فَكَانَ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ بِجِوَارٍ، فِيمَنْ سُمِّيَ لَنَا: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ الْجُمَحِيُّ، دَخَلَ بِجِوَارِ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ [٧]، دَخَلَ بِجِوَارٍ مِنْ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ خَالَهُ. وَأُمُّ أَبِي سَلَمَةَ: بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
---------------------------
[١] هَذَا قَول ابْن إِسْحَاق والواقدي. وَأما مُوسَى بن عقبَة وَأَبُو معشر، فَيَقُولَانِ: إِن السَّكْرَان مَاتَ بِالْحَبَشَةِ.
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي الِاسْتِيعَاب: «سعد بن خولى» . قَالَ ابْن عبد الْبر: «سعد بن خولى من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين ذكر إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن إِسْحَاق، قَالَ: وَمِمَّنْ شهد بَدْرًا من بنى عَامر بن لؤيّ:
سعد بن خولى، حَلِيف لَهُم من أهل الْيمن» .
[٣] وَيُقَال فِيهِ: عَامر بن الْحَارِث، وَلم يذكرهُ ابْن عقبَة وَلَا أَبُو معشر فِيمَن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَذكره ابْن عقبَة فِي الْبَدْرِيِّينَ.
[٤] يكنى سُهَيْل: أَبَا أُميَّة، فِيمَا زعم بَعضهم. والبيضاء أمه، الَّتِي كَانَ ينْسب إِلَيْهَا، اسْمهَا: دعد بنت الجحدم، وَلَقَد قدم سُهَيْل على النَّبِي ﷺ، فَأَقَامَ مَعَه حَتَّى هَاجر، وَمَات بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ سنة تسع من الْهِجْرَة.
[٥] وَقيل هُوَ: سُهَيْل بن عَمْرو بن وهب بن ربيعَة بن هِلَال.
[٦] ويكنى عَمْرو: أَبَا سعيد. وَشهد مَعَ أَخِيه وهب بن أَبى سرح بَدْرًا، وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة ثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان.
[٧] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد بن هِلَال المَخْزُومِي» .
٢٤- سيرة ابْن هِشَام- ١
قِصَّةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي رَدِّ جِوَارِ الْوَلِيدِ
(تَأَلُّمُهُ لِمَا يُصِيبُ إِخْوَانَهُ فِي اللَّهِ، وَمَا حَدَثَ لَهُ فِي مَجْلِسِ لَبِيدَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَإِنَّ صَالِحَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنِي عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّا رَأَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مَا فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْبَلَاءِ، وَهُوَ يَغْدُو وَيَرُوحُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ غُدُوِّي وَرَوَاحِي آمِنًا بِجِوَارِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَأَصْحَابِي وَأَهْلُ دِينِي يَلْقَوْنَ مِنْ الْبَلَاءِ وَالْأَذَى فِي اللَّهِ مَا لَا يُصِيبُنِي، لَنَقْصٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِي. فَمَشَى إلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، وَفَّتْ ذِمَّتُكَ، قَدْ رَدَدْتُ إلَيْكَ جِوَارَكَ، فَقَالَ لَهُ: (لِمَ) [١] يَا بن أَخِي؟ لَعَلَّهُ آذَاكَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي، قَالَ:: لَا، وَلَكِنِّي أَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِهِ؟ قَالَ: فَانْطَلِقْ إلَى الْمَسْجِدِ، فَارْدُدْ عَلَيَّ جِوَارِي عَلَانِيَةً كَمَا أَجَرْتُكَ عَلَانِيَةً. قَالَ: فَانْطَلَقَا فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: هَذَا عُثْمَانُ قَدْ جَاءَ يَرُدُّ عَلَيَّ جِوَارِي، قَالَ: صَدَقَ، قَدْ وَجَدْتُهُ وَفِيًّا كَرِيمَ الْجِوَارِ، وَلَكِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ جِوَارَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عُثْمَانُ، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ فِي مَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُنْشِدُهُمْ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ لَبِيدٌ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
قَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ. قَالَ (لَبِيدٌ) [١]:
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
قَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ، نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللَّهِ مَا كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ، فَمَتَى حَدَثَ هَذَا فِيكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إنَّ هَذَا سَفِيهٌ فِي سُفَهَاءَ مَعَهُ، قَدْ فَارَقُوا دِينَنَا، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حَتَّى شَرِيَ [٢] أَمْرُهُمَا، فَقَامَ إلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلَطَمَ عَيْنَهُ فَخَضَّرَهَا [٣]
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] شرى: زَاد وَعظم.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فخصرها» . وَهُوَ تَصْحِيف.
وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَرِيبٌ يَرَى مَا بَلَغَ مِنْ عُثْمَانَ، فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا بن أَخِي إنْ كَانَتْ عَيْنُكَ عَمَّا أَصَابَهَا لَغَنِيَّةٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ. قَالَ: يَقُولُ عُثْمَانُ: بَلْ وَاَللَّهِ إنَّ عَيْنِي الصَّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إلَى مِثْلِ مَا أَصَابَ أُخْتَهَا فِي اللَّهِ، وَإِنِّي لَفِي جِوَارِ مَنْ هُوَ أَعَزُّ مِنْكَ وَأَقْدَرُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: هَلُمَّ يَا بن أَخِي، إنْ شِئْتَ فَعُدْ إلَى جِوَارِكَ، فَقَالَ: لَا.
قِصَّةُ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنه فِي جِوَارِهِ
(ضَجَرُ الْمُشْرِكِينَ بِأَبِي طَالِبٍ لِإِجَارَتِهِ، وَدِفَاعُ أَبِي لَهَبٍ، وَشِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، فَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمَّا اسْتَجَارَ بِأَبِي طَالِبٍ، مَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالُوا (لَهُ) [١]: يَا أَبَا طَالِبٍ، لَقَدْ [٢] مَنَعْتَ مِنَّا ابْنَ أَخِيكَ مُحَمَّدًا، فَمَا لَكَ وَلِصَاحِبِنَا تَمْنَعُهُ مِنَّا؟ قَالَ: إنَّهُ اسْتَجَارَ بِي، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِي، وَإِنْ أَنَا لَمْ أَمْنَعْ ابْنَ أُخْتِي لَمْ أَمْنَعْ ابْنَ أَخِي، فَقَامَ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللَّهِ لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ، مَا تَزَالُونَ تَوَثَّبُونَ [٣] عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، وَاَللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ عَنْهُ أَوْ لَنَقُومَنَّ مَعَهُ فِي كُلِّ مَا قَامَ فِيهِ، حَتَّى يَبْلُغَ مَا أَرَادَ. قَالَ: فَقَالُوا: بَلْ نَنْصَرِفُ عَمَّا تَكْرَهُ يَا أَبَا عُتْبَةَ، وَكَانَ لَهُمْ وَلِيًّا وَنَاصِرًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَبْقَوْا عَلَى ذَلِكَ. فَطَمِعَ فِيهِ أَبُو طَالِبٍ حَيْنَ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا يَقُولُ، وَرَجَا أَنْ يَقُومَ مَعَهُ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ يُحَرِّضُ أَبَا لَهَبٍ عَلَى نُصْرَتِهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
وَإِنَّ امْرَأً أَبُو عُتَيْبَةَ عَمُّهُ ... لَفِي رَوْضَةٍ مَا إنْ يُسَامُ الْمَظَالِمَا [٤]
أَقُولُ لَهُ، وَأَيْنَ مِنْهُ نَصِيحَتِي ... أَبَا مُعْتِبٍ ثَبِّتْ سَوَادَكَ قَائِمًا [٥]
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ:
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «هَذَا منعت ... إِلَخ» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تتواثبون» .
[٤] يسأم: يُكَلف.
[٥] السوَاد (هُنَا): الشَّخْص.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 09:08 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (40)
صــ 371إلى صــ 380
وَلَا تَقْبَلَنَّ الدَّهْرَ مَا عِشْت خطة ... تُسَبُّ بِهَا إمَّا هَبَطْتَ الْمَوَاسِمَا
وَوَلِّ سَبِيلَ الْعَجْزِ غَيْرَكَ مِنْهُمْ ... فَإِنَّكَ لَمْ تُخْلَقْ عَلَى الْعَجْزِ لَازِمَا
وَحَارِبْ فَإِنَّ الْحَرْبَ نُصْفٌ وَلَنْ تَرَى [١] ... أَخَا الْحَرْبِ يُعْطَى الْخَسْفَ حَتَّى يُسَالَمَا
وَكَيْفَ وَلَمْ يَجْنُوا عَلَيْكَ عَظِيمَةً ... وَلَمْ يَخْذُلُوكَ غَانِمًا أَوْ مُغَارِمَا
جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا ... وَتَيْمًا وَمَخْزُومًا عُقُوقًا وَمَأْثَمَا
بِتَفْرِيقِهِمْ مِنْ بَعْدِ وُدٍّ وَأُلْفَةٍ ... جَمَاعَتَنَا كَيْمَا يَنَالُوا الْمَحَارِمَا [٢]
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْزَى مُحَمَّدًا ... وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا لَدَى الشِّعْبِ قَائِمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نُبْزَى: نُسْلَبُ [٣] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَقِيَ مِنْهَا بَيْتٌ تَرَكْنَاهُ.
دُخُولُ أَبِي بَكْرٍ فِي جِوَارِ ابْنِ الدُّغُنَّةِ وَرَدُّ جِوَارِهِ عَلَيْهِ
(سَبَبُ جِوَارِ ابْنِ الدُّغُنَّةِ لِأَبِي بَكْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْن مُسْلِمِ (ابْنِ شِهَابٍ) [٤] الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما، حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وَأَصَابَهُ فِيهَا الْأَذَى، وَرَأَى مِنْ تَظَاهُرِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مَا رَأَى، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا [٥]، حَتَّى إذَا سَارَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، لَقِيَهُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ [٦]، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ.
---------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَالنّصف: الْإِنْصَاف. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نصف مَا ترى» . والمواسم: مَوَاطِن اجْتِمَاعهم فِي الْحَج أَو فِي الْأَسْوَاق الْمَشْهُورَة.
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ينَال» .
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ. وَفِي اللِّسَان: يبزى مُحَمَّد. قَالَ شمر: مَعْنَاهُ: يقهر ويستذل. وَأَرَادَ: لَا يبزى،
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مُهَاجرا مَعَه» . وَلَا يَسْتَقِيم الْكَلَام بِهَذِهِ الزِّيَادَة.
[٦] وَاسم ابْن الدغنة: مَالك، وَقد ضَبطه الْقُسْطَلَانِيّ بِفَتْح الدَّال وَكسر الْغَيْن وَفتح النُّون مُخَفّفَة، الْغَيْن بِضَم الدَّال وَفتح النُّون مُشَدّدَة.
(الْأَحَابِيشُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَحَابِيشُ: بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَالْهُونُ ابْن خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَحَالَفُوا جَمِيعًا، فَسُمُّوا الْأَحَابِيشَ (لِأَنَّهُمْ تَحَالَفُوا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الْأَحْبَشُ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ) [١] لِلْحِلْفِ [٢] .
وَيُقَالُ: ابْنُ الدُّغَيْنَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ (بْنِ الزُّبَيْرِ) [١]، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَقَالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ: أَيْنَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي وَآذَوْنِي، وَضَيَّقُوا عَلَيَّ، قَالَ: وَلم؟ فو الله إنَّكَ لَتَزِينُ الْعَشِيرَةَ، وَتُعِينُ عَلَى النَّوَائِبِ، وَتَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ [٣]، ارْجِعْ فَأَنْتَ فِي جِوَارِي.
فَرَجَعَ مَعَهُ، حَتَّى إذَا دَخَلَ مَكَّةَ، قَامَ [٤] ابْنُ الدُّغُنَّةِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَلَا يَعْرِضَنَّ لَهُ أَحَدٌ إلَّا بِخَيْرِ. قَالَتْ: فَكَفُّوا عَنْهُ.
(سَبَبُ خُرُوجِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ جِوَارِ ابْنِ الدُّغُنَّةِ):
قَالَتْ: وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَسْجِدٌ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ فِي بَنِي جُمَحٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا، إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ اسْتَبْكَى. قَالَتْ: فَيَقِفُ عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ، يَعْجَبُونَ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ هَيْئَتِهِ. قَالَتْ: فَمَشَى رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى ابْنِ الدُّغُنَّةِ، فَقَالُوا (لَهُ) [١]: يَا بن الدُّغُنَّةِ، إنَّكَ لَمْ تُجِرْ هَذَا الرَّجُلَ لِيُؤْذِيَنَا! إنَّهُ رَجُلٌ إذَا صَلَّى وَقَرَأَ مَا جَاءَ بَهْ مُحَمَّدٌ يَرِقُّ وَيَبْكِي [٥]، وَكَانَتْ لَهُ هَيْئَةٌ وَنَحْوٌ، فَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ عَلَى صِبْيَانِنَا وَنِسَائِنَا وَضَعَفَتِنَا أَنْ يَفْتِنَهُمْ، فَأْتِهِ فَمُرْهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَلْيَصْنَعْ فِيهِ مَا شَاءَ. قَالَتْ: فَمَشَى ابْنُ الدُّغُنَّةِ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ،
---------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] وَيُقَال: إِنَّهُم تحالفوا عِنْد جبيل يُقَال لَهُ: حبشِي، فاشتق لَهُم مِنْهُ هَذَا الِاسْم.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول: أَي تكسب غَيْرك مَا هُوَ مَعْدُوم عِنْده. وَقَالَ ابْن سراج: الْمَعْدُوم هُنَا النفيس. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وتكسب المعدم» .
[٤] فِي أ: «قَالَ» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
إنِّي لَمْ أُجِرْكَ لِتُؤْذِيَ قَوْمَكَ، إنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَكَانَكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، وَتَأَذَّوْا بِذَلِكَ مِنْكَ، فَادْخُلْ بَيْتَكَ، فَاصْنَعْ فِيهِ مَا أَحْبَبْتَ، قَالَ: أَوَأَرُدُّ عَلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَارْدُدْ عَلَيَّ جِوَارِي، قَالَ: قَدْ رَدَدْتُهُ عَلَيْكَ. قَالَتْ [١]:
فَقَامَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ قَدْ رَدَّ عَلَيَّ جِوَارِي فَشَأْنُكُمْ بِصَاحِبِكُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَقِيَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ عَامِدٌ إلَى الْكَعْبَةِ، فَحَثَا عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا. قَالَ: فَمَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، أَوْ الْعَاصُ [٢] بْنُ وَائِلٍ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَا تَرَى إلَى مَا يَصْنَعُ هَذَا السَّفِيهُ؟ قَالَ: أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ.
قَالَ [٣]: وَهُوَ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، مَا أَحْلَمَكَ! أَيْ رَبِّ، مَا أَحْلَمَكَ! أَيْ رَبِّ، مَا أَحْلَمَكَ!.
حَدِيثُ نَقْضِ الصَّحِيفَةِ
(بَلَاءُ هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي مَنْزِلِهِمْ الَّذِي تَعَاقَدَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَيْهِمْ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبُوهَا، ثُمَّ إنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ تِلْكَ الصَّحِيفَةِ الَّتِي تَكَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُبْلَ فِيهَا أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ [٤] بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ [٥] بْنِ نَصْرِ بْنِ (جَذِيمَةَ) [٦] ابْن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ ابْن عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ، فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ [٧] وَاصَلًا، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ،
-------------------------
[١] فِي الْأُصُول: «قَالَ» . ويلاحظ أَن رَاوِي الْخَبَر هُوَ عَائِشَة.
[٢] فِي أ: «وَالْعَاص بن وَائِل» . وَلَا يَسْتَقِيم بهَا الْكَلَام.
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] كَذَا فِي أ، ط، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «هَاشم» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] كَذَا فِي أ، ط، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «خبيب» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَكَانَ هَاشم لبني هِشَام» وَهُوَ تَحْرِيف.
فَكَانَ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَأْتِي بِالْبَعِيرِ، وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ لَيْلًا، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا، حَتَّى إذَا أَقْبَلَ بِهِ فَمَ الشِّعْبِ خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ، فَيَدْخُلُ الشِّعْبَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بَزًّا [١]، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
(سَعْيُ هِشَامٍ فِي ضَمِّ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ لَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّهُ مَشَى إلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا زُهَيْرُ، أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ، وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ، وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَلَا يَنْكِحُونَ وَلَا يُنْكَحُ إلَيْهِمْ؟ أَمَا إنِّي أَحْلِفُ باللَّه أَنْ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، ثُمَّ دَعَوْتَهُ إلَى (مِثْلِ) [٢] مَا دَعَاكَ إلَيْهِ مِنْهُمْ، مَا أَجَابَكَ إلَيْهِ [٣] أَبَدًا، قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا حَتَّى أَنْقُضَهَا، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلًا قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ: أَبْغِنَا رَجُلًا ثَالِثًا
(سَعْيُ هِشَامٍ فِي ضَمِّ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ لَهُ):
فَذَهَبَ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ (بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) [٢]، فَقَالَ لَهُ: يَا مُطْعِمُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، مُوَافِقٌ لِقُرَيْشِ فِيهِ! أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنَّهُمْ [٤] إلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا، قَالَ [٥] وَيْحَكَ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ ثَانِيًا، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: أَبْغِنَا ثَالِثًا، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ:
زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: أَبْغِنَا رَابِعًا.
(سَعْيُ هِشَامٍ فِي ضَمِّ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ إلَيْهِ):
فَذَهَبَ إلَى الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَام، فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ،
------------------------
[١] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول برا قَالَ السهيليّ: «بزا» (بالزاي الْمُعْجَمَة)، وَفِي غير نُسْخَة الشَّيْخ أَبى بَحر: «برا»، وَفِي رِوَايَة يُونُس: «بزا أَو برا» على الشَّك من الراويّ» .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «إِلَيْك» .
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لتجدنها» .
[٥] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَقَالَ» وَهُوَ تَحْرِيف.
فَقَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ ابْن أَبِي أُمَيَّةَ، وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَنَا مَعَكَ، قَالَ: أَبْغِنَا خَامِسًا.
(سَعْيُ هِشَامٍ فِي ضَمِّ زَمْعَةَ لَهُ):
فَذَهَبَ إلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، فَكَلَّمَهُ، وَذكر لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُونِي إلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ:
نَعَمْ، ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْقَوْمَ.
(مَا حَدَثَ بَيْنَ هِشَامٍ وَزُمَلَائِهِ، وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ، حِينَ اعْتَزَمُوا تَمْزِيقَ الصَّحِيفَةِ):
فَاتَّعَدُوا خَطْمَ الْحَجُونِ [١] لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ. فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَتَعَاقَدُوا [٢] عَلَى الْقِيَامِ فِي [٣] الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يُبَاعُ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَاَللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ.
قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كَذَبْتَ وَاَللَّهِ لَا تُشَقُّ، قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاَللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حَيْثُ كُتِبَتْ، قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ:
صَدَقَ زَمْعَةُ، لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا، وَلَا نُقِرُّ بِهِ، قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ:
صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْهَا، وَمِمَّا كُتِبَ فِيهَا، قَالَ هِشَامُ ابْن عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلِ، تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ. (قَالَ) [٤]: وَأَبُو طَالِبٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ الْمُطْعِمُ إلَى الصَّحِيفَةِ لِيَشُقَّهَا، فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا، إلَّا «بِاسْمِكَ اللَّهمّ» .
------------------------
[١] الْحجُون: مَوضِع بِأَعْلَى مَكَّة. وخطمه: مقدمه.
[٢] فِي أ: «وتعاهدوا» .
[٣] فِي أ: «فِي أَمر الصَّحِيفَة» .
[٤] زِيَادَة عَن أ.
(كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ وَشَلُّ يَدِهِ):
وَكَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ [١] بْنُ عِكْرِمَةَ. فَشُلَّتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
(إخْبَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَكْلِ الْأَرَضَةِ لِلصَّحِيفَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الْقَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ)
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ، إنَّ رَبِّي اللَّهَ قَدْ سَلَّطَ الْأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا هُوَ للَّه إلَّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا، وَنَفَتْ مِنْهُ الظُّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتَانَ، فَقَالَ:
أَرَبُّكَ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فو الله مَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا، فَهَلُمَّ صَحِيفَتُكُمْ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي، فَانْتَهُوا عَنْ قَطِيعَتِنَا، وَانْزِلُوا عَمَّا فِيهَا، وَإِنْ يَكُنْ كَاذِبًا دَفَعْتُ إلَيْكُمْ ابْنَ أَخِي، فَقَالَ الْقَوْمُ: رَضِينَا، فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرُوا، فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ شَرًّا. فَعِنْدَ ذَلِكَ صَنَعَ الرَّهْطُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ مَا صَنَعُوا [٢] .
(شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي مَدْحِ النَّفَرِ الَّذِينَ نَقَضُوا الصَّحِيفَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا مُزِّقَتْ الصَّحِيفَةُ وَبَطَلَ مَا فِيهَا. قَالَ أَبُو طَالِبٍ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ قَامُوا فِي نَقْضِهَا يَمْدَحُهُمْ:
-------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وللنساب من قُرَيْش فِي كَاتب الصَّحِيفَة قَولَانِ: أَحدهمَا أَن كَاتب الصَّحِيفَة هُوَ بغيض بن عَامر بن هَاشم بن عبد الدَّار، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه مَنْصُور بن عبد شُرَحْبِيل بن هَاشم من بنى عبد الدَّار أَيْضا وَهُوَ خلاف قَول ابْن إِسْحَاق، وَلم يذكر الزبير فِي كَاتب الصَّحِيفَة غير هذَيْن الْقَوْلَيْنِ، والزبيريون أعلم بأنساب قَومهمْ» .
[٢] يحْكى أَن الْمُؤمنِينَ جهدوا من ضيق الْحصار، حَتَّى إِنَّهُم كَانُوا يَأْكُلُون الْخبط، وورق السمر، حَتَّى إِن أحدهم ليضع كَمَا تضع الشَّاة. وَكَانَ فيهم سعد بن أَبى وَقاص، روى أَنه قَالَ: لقد جعت حَتَّى إِنِّي وطِئت ذَات لَيْلَة على شَيْء رطب، فَوَضَعته فِي فمي وبلعته، وَمَا أدرى مَا هُوَ إِلَى الْآن. وَكَانُوا إِذا قدمت العير مَكَّة، وأتى أحدهم السُّوق ليشترى شَيْئا من الطَّعَام لِعِيَالِهِ، يقوم أَبُو لَهب عَدو الله فَيَقُول: يَا معشر التُّجَّار، غالوا على أَصْحَاب مُحَمَّد حَتَّى لَا يدركوا مَعكُمْ شَيْئا، فقد علمْتُم مَالِي ووفاء ذِمَّتِي، فَأَنا ضَامِن أَن لَا خسار عَلَيْكُم. فيزيدون عَلَيْهِم فِي السّلْعَة قيمتهَا أضعافا، حَتَّى يرجع إِلَى أطفاله، وهم يتضاغون من الْجُوع، وَلَيْسَ فِي يَدَيْهِ شَيْء يُطعمهُمْ بِهِ، وَيَغْدُو التُّجَّار على أَبى لَهب فيربحهم فِيمَا اشْتَروا من الطَّعَام واللباس، حَتَّى جهد الْمُسلمُونَ، وَمن مَعَهم جوعا وعريا» .
أَلَا هَلْ أَتَى بَحْرِيَّنَا صُنْعُ رَبِّنَا ... عَلَى نَأْيِهِمْ وَاَللَّهُ بِالنَّاسِ أَرْوَدُ [١]
فَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ الصَّحِيفَةَ مُزِّقَتْ ... وَأَنْ كُلُّ مَا لَمْ يَرْضَهُ اللَّهُ مُفْسَدُ
تُرَاوِحُهَا إفْكٌ وَسِحْرٌ مُجَمَّعٌ ... وَلَمْ يُلْفَ سِحْرٌ آخِرَ الدَّهْرِ يَصْعَدُ
تَدَاعَى لَهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِقَرْقَرٍ [٢] ... فَطَائِرُهَا فِي رَأْسِهَا يَتَرَدَّدُ [٣]
وَكَانَتْ كِفَاءً رَقْعَةٌ بِأَثِيمَةٍ ... لِيُقْطَعَ مِنْهَا سَاعِدٌ وَمُقَلَّدُ [٤]
وَيَظْعَنُ أَهْلُ الْمَكَّتَيْنِ فَيَهْرُبُوا ... فَرَائِصُهُمْ مِنْ خَشْيَةِ الشَّرِّ تُرْعَدُ [٥]
وَيُتْرَكُ حَرَّاثٌ يُقَلِّبُ أَمْرَهُ ... أَيُتْهِمُ فِيهِمْ [٦] عِنْدَ ذَاكَ وَيُنْجِدُ [٧]
وَتَصْعَدُ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ كَتِيبَةٌ [٨] ... لَهَا حُدُجٌ [٩] سَهْمٌ وَقَوْسٌ وَمِرْهَدُ [١٠]
فَمَنْ يَنْشَ [١١] مِنْ حُضَّارِ مَكَّةَ عِزُّهُ ... فَعِزَّتُنَا فِي بَطْنِ مَكَّةَ أَتْلَدُ
نَشَأْنَا بِهَا وَالنَّاسُ فِيهَا قَلَائِلُ ... فَلَمْ نَنْفَكِكْ نَزْدَادُ خَيْرًا وَنَحْمَدُ [١٢]
------------------------------
[١] البحري (هُنَا): من كَانَ هَاجر من الْمُسلمين إِلَى الْحَبَشَة فِي الْبَحْر. وأرود: أرْفق.
[٢] القرقر: اللين السهل. يُرِيد: من لَيْسَ فِيهَا بذليل. وَيجوز أَنه يُرِيد بِهِ: لَيْسَ بِذِي هزل، لِأَن القرقرة: الضحك.
[٣] يُرِيد حظها من الشؤم وَالشَّر. وَفِي التَّنْزِيل: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ١٧: ١٣.
[٤] الْمُقَلّد: الْعُنُق.
[٥] الفرائص: جمع فريصة، وَهِي بضعَة فِي الْجنب ترْعد إِذا فزع الْإِنْسَان.
[٦] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فِيهَا» .
[٧] الحراث: المكتسب. وأتهم: أَتَى تهَامَة، وَهِي مَا انخفض عَن أَرض الْحجاز إِلَى الْبَحْر. وأنجد:
أَتَى نجدا، وَهِي مَا ارْتَفع عَن أَرض الْحجاز إِلَى الشرق.
[٨] الأخشبان: جبلان بِمَكَّة. والكتيبة: الْجَيْش.
[٩] حدج (بِضَمَّتَيْنِ): جمع حدج (بِالْكَسْرِ)، وَهُوَ الْحمل (بِالْكَسْرِ): أَي أَن يقوم مقَام الْحمل سهم وقوس ومرهد. وَقيل: هُوَ من الحدج بِمَعْنى الحسك، فَجعل السهْم وَغَيره كالحسك.
[١٠] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ، ط: «مزهد» . قَالَ السهيليّ: «... ومرهد هَكَذَا فِي الأَصْل بالراء وَكسر الْمِيم، فَيحْتَمل أَن يكون من: رهد الثَّوْب: إِذا مزقه، ويعنى بِهِ رمحا أَو سَيْفا، وَيحْتَمل أَن يكون من الرهيد، وَهُوَ الناعم، أَي ينعم صَاحبه بالظفر، أَو ينعم هُوَ بِالريِّ من الدَّم. وَفِي بعض النّسخ (مزهد) بِفَتْح الْمِيم، والزاى، فَإِن صحت الرِّوَايَة بِهِ، فَمَعْنَاه: مزهد فِي الْحَيَاة وحرص على الْمَمَات» .
وَقَالَ أَبُو ذَر: «ومرهد: رمح لين. وَمن رَوَاهُ: فرهد، فَمَعْنَاه: الرمْح الّذي إِذا طعن بِهِ وسع الْخرق.
وَمن رَوَاهُ: مزهد، بالزاء، فَهُوَ ضَعِيف لَا معنى لَهُ، إِلَّا أَن يُرَاد بِهِ الشدَّة على معنى الِاشْتِقَاق» .
[١١] كَذَا فِي أ، ط. أَرَادَ: ينشأ، فَحذف الْهمزَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ينسى» . بِالسِّين الْمُهْملَة.
[١٢] كَذَا فِي ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَلم تنفكك تزداد خيرا وتحمد» .
وَنُطْعِمُ حَتَّى يَتْرُكَ النَّاسُ فَضْلَهُمْ ... إذَا جُعِلَتْ أَيْدِي الْمُفِيضِينَ تُرْعَدُ [١]
جَزَى اللَّهُ رَهْطًا بِالْحَجُونِ تَبَايَعُوا [٢] ... عَلَى مَلَأٍ يُهْدِي لِحَزْمٍ وَيُرْشِدُ
قُعُودًا لَدَى خَطْمِ الْحَجُونِ كَأَنَّهُمْ ... مَقَاوِلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزُّ وَأَمْجَدُ [٣]
أَعَانَ عَلَيْهَا كُلُّ صَقْرٍ كَأَنَّهُ ... إذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدِّرْعِ أَحْرَدُ [٤]
جَرِيٌّ عَلَى جُلَّى [٥] الْخُطُوبِ كَأَنَّهُ ... شِهَابٌ بِكَفَّيْ قَابِسٍ يَتَوَقَّدُ
مِنْ الْأَكْرَمِينَ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... إذَا سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ يَتَرَبَّدُ [٦]
طَوِيلُ النِّجَادِ خَارِجٌ نِصْفُ سَاقِهِ ... عَلَى وَجْهِهِ يُسْقَى الْغَمَامُ وَيُسْعِدُ
عَظِيمُ الرَّمَادِ سَيِّدٌ وَابْنُ سَيِّدٍ ... يَحُضُّ عَلَى مَقْرَى الضُّيُوفِ وَيَحْشِدُ [٧]
وَيَبْنِي لِأَبْنَاءِ الْعَشِيرَةِ صَالِحًا ... إذَا نَحْنُ طُفْنَا فِي الْبِلَادِ وَيَمْهَدُ
أَلَظَّ [٨] بِهَذَا الصُّلْحِ كُلُّ مُبَرَّأٍ ... عَظِيمِ اللِّوَاءِ أَمْرُهُ ثَمَّ يُحْمَدُ
قَضَوْا مَا قَضَوْا فِي لَيْلِهِمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا ... عَلَى مَهَلٍ وَسَائِرُ النَّاسِ رُقَّدُ
هُمٌ رَجَعُوا سَهْلَ بْنَ بَيْضَاءَ [٩] رَاضِيًا ... وَسُرَّ أَبُو بَكْرٍ بِهَا وَمُحَمَّدُ
مَتَى شُرِّكَ الْأَقْوَامُ فِي جُلِّ أَمْرِنَا ... وَكُنَّا قَدِيمًا قَبْلَهَا نُتَوَدَّدُ
وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً ... وَنُدْرِكُ مَا شِئْنَا وَلَا نتشدّد
-------------------------
[١] المفيضون: الضاربون بقداح الميسر. وَكَانَ لَا يفِيض مَعَهم فِي الميسر إِلَّا سخى، ويسمون من لَا يدْخل مَعَهم فِي ذَلِك: الْبرم. وَقَالَت امْرَأَة لبعلها، وَكَانَ برما بَخِيلًا، ورأته يقرن بضعتين فِي الْأكل:
أبرما قرونا!
[٢] كَذَا فِي ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تتابعوا» .
[٣] المقاولة: الْمُلُوك.
[٤] كَذَا فِي ط. ورفرف الدرْع: مَا فضل مِنْهُ. وأحرد: بطيء الْمَشْي لثقل الدرْع الّذي عَلَيْهِ.
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... أجرد» (بِالْجِيم) وَهُوَ تَصْحِيف.
[٥] كَذَا فِي ط، والجلي: الْأَمر الْعَظِيم. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «جلّ» . وَجل الخطوب:
معظمها» .
[٦] سيم: كلف. والخسف: الذل. ويتربد: يتَغَيَّر إِلَى السوَاد.
[٧] مقرى الضيوف: طعامهم. والقرى: مَا يصنع للضيف من الطَّعَام.
[٨] ألظ: لزم وألح.
[٩] سهل هَذَا هُوَ ابْن وهب بن ربيعَة بن هِلَال بن ضبة بن الْحَارِث بن فهر، فَهُوَ يعرف بِابْن الْبَيْضَاء، وَهِي أمه، وَاسْمهَا دعد بنت جحدم بن أُميَّة بن ضرب بن الْحَارِث بن فهر، ولسهل أَخَوان: سُهَيْل، وَصَفوَان، وهم جَمِيعًا بَنو الْبَيْضَاء.
فيا لقصىّ هَلْ لَكُمْ فِي نُفُوسِكُمْ ... وَهَلْ لَكُمْ فِيمَا يَجِيءُ بَهْ غَدُ
فَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ قَائِلٌ ... لَدَيْكَ الْبَيَانُ لَوْ تَكَلَّمْتَ أَسْوَدُ [١]
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي رِثَاءِ الْمُطْعِمِ، وَذِكْرُ نَقْضِهِ الصَّحِيفَةَ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَبْكِي الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ حِينَ مَاتَ، وَيَذْكُرُ قِيَامَهُ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ:
أَيَا عَيْنُ [٢] فَابْكِي سَيِّدَ الْقَوْمِ [٣] وَاسْفَحِي [٤] ... بِدَمْعٍ وَإِنْ أَنْزَفْتِهِ فَاسْكُبِي الدَّمَا [٥]
وَبَكِّي عَظِيمَ الْمَشْعَرَيْنِ كِلَيْهِمَا ... عَلَى النَّاسِ مَعْرُوفًا لَهُ مَا تَكَلَّمَا
فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلَدُ الدَّهْرَ وَاحِدًا ... مِنْ النَّاسِ، أَبْقَى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمَا [٦]
أَجَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا ... عَبِيدَكَ مَا لَبَّى مُهِلٌّ وَأَحْرَمَا
فَلَوْ سُئِلَتْ عَنْهُ مَعَدٌّ بِأَسْرِهَا ... وَقَحْطَانُ أَوْ بَاقِي بَقِيَّةِ جُرْهُمَا
لَقَالُوا هُوَ الْمُوفِي بِخُفْرَةِ [٧] جَارِهِ ... وَذِمَّتِهِ يَوْمًا إذَا مَا تَذَمَّمَا [٨]
فَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ فَوْقَهُمْ ... عَلَى مِثْلِهِ فِيهِمْ أَعَزَّ وَأَعْظَمَا
وَآبَى إذَا يَأْبَى وَأَلْيَنَ [٩] شِيمَةً ... وَأَنْوَمَ عَنْ جَارٍ إذَا اللَّيْلُ أَظْلَمَا
----------------------------
[١] أسود: اسْم جبل كَانَ قد قتل فِيهِ قَتِيل فَلم يعرف قَاتله، فَقَالَ أَوْلِيَاء الْمَقْتُول هَذِه الْمقَالة، فَذَهَبت مثلا.
[٢] فِي أ، ط: «أعيني أَلا أبكى ... إِلَخ» .
[٣] فِي أ: «النَّاس» .
[٤] اسفحى: أسيلى.
[٥] أنزفته: أنفدته.
[٦] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذَا الْبَيْت: «وَهَذَا عِنْد النَّحْوِيين من أقبح الضَّرُورَة، لِأَنَّهُ قدم الْفَاعِل وَهُوَ مُضَاف إِلَى ضمير الْمَفْعُول، فَصَارَ فِي الضَّرُورَة مثل قَوْله:
جزى ربه عَنى عدي بن حَاتِم
غير أَنه فِي هَذَا الْبَيْت أشبه قَلِيلا، لتقدم ذكر (مطعم) فَكَأَنَّهُ قَالَ: أبقى مجد هَذَا الْمَذْكُور الْمُتَقَدّم ذكره مطعما، وَوضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر كَمَا لَو قلت: إِن زيدا ضربت جَارِيَته زيدا، أَي ضربت جَارِيَته إِيَّاه. وَلَا بَأْس بِمثل هَذَا، وَلَا سِيمَا إِذا قصدت قصد التَّعْظِيم وتفخيم ذكر الممدوح، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
وَمَا لي أَن أكون أعيب يحيى ... وَيحيى طَاهِر الأثواب بر
[٧] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والخفرة: الْعَهْد. وَفِي أ: «حُفْرَة» . بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٨] تذمم: طلب الذِّمَّة، وَهِي الْعَهْد.
[٩] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَأعظم» .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «كِلَيْهِمَا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(كَيْفَ أَجَارَ الْمُطْعِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: «أَجَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهُمْ»، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا انْصَرَفَ عَنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَلَمْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، مِنْ تَصْدِيقِهِ وَنُصْرَتِهِ، صَارَ إلَى حِرَاءٍ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ:
أَنَا حَلِيفٌ، وَالْحَلِيفُ لَا يُجِيرُ. فَبَعَثَ إلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: إنَّ بَنِي عَامِرٍ لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ. فَبَعَثَ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَسَلَّحَ الْمُطْعِمُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا الْمَسْجِدَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ اُدْخُلْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى عِنْدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَعْنِي حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ.
(مَدْحُ حَسَّانَ لِهِشَامِ بْنِ عَمْرٍو لِقِيَامِهِ فِي الصَّحِيفَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ (الْأَنْصَارِيُّ) [١] أَيْضًا: يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو [٢] لِقِيَامِهِ فِي الصَّحِيفَةِ:
هَلْ يُوَفِّيَنَّ بَنُو أُمَيَّةَ ذِمَّةً ... عقدا كَمَا أَو فِي جِوَارُ هِشَامِ
مِنْ مَعْشَرٍ لَا يَغْدِرُونَ بِجَارِهِمْ ... لِلْحَارِثِ بْنِ حُبَيِّبِ [٣] بْنِ سُخَامِ
وَإِذَا بَنُو حِسْلٍ أَجَارُوا ذِمَّةً ... أَوْفَوْا وَأَدَّوْا جَارَهُمْ بِسَلَامِ
وَكَانَ هِشَامٌ أَحَدَ [٤] سُحَامِ [٥] (بِالضَّمِّ) [١]
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] وَقد أسلم هِشَام بن عَمْرو هَذَا، وَهُوَ مَعْدُود فِي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا فِيمَا ذكرُوا
[٣] هُوَ حبيب بِالتَّخْفِيفِ، تَصْغِير (حب) . وَجعله حسان تَصْغِير (حبيب) فشدده، وَلَيْسَ هَذَا من بَاب الضَّرُورَة، إِذْ لَا يسوغ أَن يُقَال فِي فَلَيْسَ: فَلَيْسَ، وَلَا فِي كُلَيْب: كُلَيْب، فِي شعر وَلَا فِي غَيره، وَلَكِن لما كَانَ الْحبّ والحبيب بِمَعْنى وَاحِد جعل أَحدهمَا مَكَان الآخر. وَهُوَ حسن فِي الشّعْر وسائغ فِي الْكَلَام. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَخا» .
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول،: «سخام» . قَالَ السهيليّ: «وَقَوله (ابْن سخام) هُوَ اسْم أمه، وَأكْثر أهل النّسَب يَقُولُونَ فِيهِ (شخام) بشين مُعْجمَة. وألفيت فِي حَاشِيَة كتاب الشَّيْخ أَن أَبَا عُبَيْدَة النسابة وعوانة يَقُولَانِ فِيهِ (سحام) بسين وحاء مهملتين. والّذي فِي الأَصْل من قَول ابْن هِشَام (سخام)
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 09:12 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (41)
صــ 381إلى صــ 390
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: سُخَامٌ [١] .
قِصَّةُ إسْلَامِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ
(تَحْذِيرُ قُرَيْشٍ لَهُ مِنْ الِاسْتِمَاعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَلَى مَا يَرَى مِنْ قَوْمِهِ، يَبْذُلُ لَهُمْ النَّصِيحَةَ، وَيَدْعُوهُمْ إلَى النَّجَاةِ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ، حِينَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، يُحَذِّرُونَهُ النَّاسَ وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَرَبِ.
وَكَانَ الطُّفَيْلُ بْنُ [٢] عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا، فَمَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ الطُّفَيْلُ رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا، فَقَالُوا لَهُ: يَا طُفَيْلُ، إنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أَعْضَلَ [٣] بِنَا، وَقَدْ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتْ أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ كَالسِّحْرِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قَوْمِكَ مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا، فَلَا تُكَلِّمَنَّهُ وَلَا تَسْمَعَنَّ مِنْهُ شَيْئًا.
(اسْتِمَاعُهُ لِقَوْلِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ عُدُولُهُ وَسَمَاعُهُ مِنَ الرَّسُول):
قَالَ: فو الله مَا زَالُوا بِي حَتَّى أَجْمَعْتُ أَنْ لَا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أُكَلِّمَهُ، حَتَّى حَشَوْتُ فِي أُذُنَيَّ حِينَ غَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا [٤] فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ. قَالَ: فَغَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَقُمْتُ مِنْهُ قَرِيبًا، فَأَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ. قَالَ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفسِي:
--------------------------
[()] بسين مُهْملَة وخاء مُعْجمَة. وَلَفظ (شخام) من شخم الطَّعَام: إِذا تَغَيَّرت رَائِحَته. قَالَه أَبُو حنيفَة» .
[١] فِي ط: «شخام» .
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَبُو عَمْرو» . وعَلى هَذِه الرِّوَايَة، فَهُوَ مكنى بِابْنِهِ عَمْرو.
[٣] أعضل: اشْتَدَّ أمره.
[٤] الكرسف: الْقطن.
وَا ثكل أُمِّي، وَاَللَّهِ إنِّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عَلَيَّ الْحَسَنُ مِنْ الْقَبِيحِ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقُولُ! فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَأْتِي بَهْ حَسَنًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْتُهُ.
(الْتِقَاؤُهُ بِالرَّسُولِ وَقَبُولُهُ الدَّعْوَةَ):
قَالَ: فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، حَتَّى إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ قَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، للَّذي قَالُوا، فو الله مَا بَرِحُوا يُخَوِّفُونَنِي أَمْرَكَ حَتَّى سَدَدْتُ أُذُنَيَّ بِكُرْسُفٍ لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ، ثُمَّ أَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي قَوْلَكَ، فَسَمِعْتُهُ قَوْلًا حَسَنًا، فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ. قَالَ: فَعَرَضَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيَّ الْقُرْآنَ، فَلَا وَاَللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ.
قَالَ: فَأَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَأَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِمْ، وَدَاعِيهمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهمّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً.
(الْآيَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ):
قَالَ: فَخَرَجْتُ إلَى قَوْمِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةٍ [١] تُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ [٢] وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ، فَقُلْتُ: اللَّهمّ فِي غَيْرِ وَجْهِي، إنِّي أَخْشَى، أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلَةٌ وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِي دِينَهُمْ. قَالَ: فَتَحَوَّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي. قَالَ: فَجَعَلَ الْحَاضِرُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ، وَأَنَا أَهْبِطُ إلَيْهِمْ مِنْ الثَّنِيَّةِ، قَالَ: حَتَّى جِئْتُهُمْ فَأَصْبَحْتُ فِيهِمْ.
(دَعْوَتُهُ أَبَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ):
قَالَ: فَلَمَّا نَزَلْتُ أَتَانِي أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَالَ: فَقُلْتُ: إلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَتِ، فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي، قَالَ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَسْلَمْتُ وَتَابَعْت دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، فَدِينِي دِينُكَ، قَالَ:
------------------------
[١] الثَّنية: الفرجة بَين الجبلين.
[٢] الْحَاضِر: الْقَوْم النازلون على المَاء.
فَقُلْتُ: فَاذْهَبْ فَاغْتَسِلْ وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَعَالَ حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا عُلِّمْتُ. قَالَ:
فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ.
(دَعْوَتُهُ زَوْجَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ):
(قَالَ) [١]: ثُمَّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي، فَقُلْتُ: إلَيْكَ عَنِّي، فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي، قَالَتْ: لِمَ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: (قُلْتُ: قَدْ) [٢] فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْإِسْلَامُ، وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ، قَالَ: قُلْتُ:
فَاذْهَبِي إلَى حِنَا ذِي الشَّرَى- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حِمَى [٣] ذِي الشَّرَى- فَتَطَهَّرِي مِنْهُ.
(قَالَ) [٤]: وَكَانَ ذُو الشَّرَى صَنَمًا لِدَوْسٍ، وَكَانَ الْحِمَى حِمَى حَمَوْهُ لَهُ، (وَ) [٤] بِهِ وَشَلٌ [٥] مِنْ مَاءٍ يَهْبِطُ مِنْ جَبَلٍ.
قَالَ: فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَتَخْشَى عَلَى الصَّبِيَّةِ مِنْ ذِي الشَّرَى شَيْئًا، قَالَ:
قُلْتُ: لَا، أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فَذَهَبَتْ فَاغْتَسَلَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَتْ.
(دَعْوَتُهُ قَوْمَهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْهُمْ، وَلِحَاقُهُمْ بِالرَّسُولِ):
ثُمَّ دَعَوْتُ دَوْسًا إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبْطَئُوا عَلَيَّ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهُ قَدْ غَلَبَنِي على دوس الزّنا [٦]، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهمّ اهْدِ دَوْسًا، ارْجِعْ إلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] قَالَ السهيليّ: «فَإِن صحت رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فالنون قد تبدل من الْمِيم كَمَا قَالُوا: حلان وحلام، للجدى، وَيجوز أَن يكون من حنوت الْعود، وَمن محنية الْوَادي، وَهُوَ مَا انحنى مِنْهُ.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] الوشل: المَاء الْقَلِيل.
[٦] الزِّنَا: لَهو مَعَ شغل قلب وبصر.
ﷺ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعِي مِنْ قَوْمِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرِ، حَتَّى نَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، ثُمَّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرِ، فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
(ذَهَابُهُ إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ ليحرقه، وشعره فِي ذَلِك):
ثُمَّ لَمْ أَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْنِي إلَى ذِي الْكَفَّيْنِ، صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ حَتَّى أُحْرِقَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ طُفَيْلٌ يُوقِدُ عَلَيْهِ النَّارَ وَيَقُولُ:
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا [١] ... مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
إنِّي حَشَوْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا
(جِهَادُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ قَبْضِ الرَّسُولِ، ثُمَّ رُؤْيَاهُ وَمَقْتَلُهُ):
قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ. فَلَمَّا ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ، خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ طُلَيْحَةَ، وَمِنْ أَرْضِ نَجْدٍ كُلِّهَا. ثُمَّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْيَمَامَةِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ، فَرَأَى رُؤْيَا وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْيَمَامَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا فَاعْبُرُوهَا لِي، رَأَيْتُ أَنَّ رَأْسِي حُلِقَ، وَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ، وَأَنَّهُ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَأَدْخَلَتْنِي فِي فَرْجِهَا، وَأَرَى ابْنِي يَطْلُبُنِي حَثِيثًا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ حُبِسَ عَنِّي، قَالُوا: خَيْرًا، قَالَ: أَمَّا أَنَا وَاَللَّهِ فَقَدْ أَوَّلْتُهَا، قَالُوا: مَاذَا؟ قَالَ: أَمَّا حَلْقُ رَأْسِي فَوَضْعُهُ، وَأَمَّا الطَّائِرُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَرُوحِي، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَدَخَلَتْنِي فَرْجَهَا فَالْأَرْضُ تُحْفَرُ لِي، فَأُغَيَّبُ فِيهَا، وَأَمَّا طَلَبُ ابْنِي إيَّايَ ثُمَّ حَبْسُهُ عَنِّي، فَإِنِّي أُرَاهُ سَيَجْهَدُ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَنِي. فَقُتِلَ رحمه الله شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ، وَجُرِحَ ابْنُهُ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ اسْتَبَلَّ [٢] مِنْهَا، ثُمَّ قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رضي الله عنه شَهِيدًا.
-----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: قَوْله: «
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لست من عبادكا
» أَرَادَ: الْكَفَّيْنِ (بِالتَّشْدِيدِ) فَخفف للضَّرُورَة.
[٢] استبل: أَفَاق وشفى.
٢٥- سيرة ابْن هِشَام- ١
أَمْرُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
(شِعْرُهُ فِي مَدْحِ الرَّسُولِ عِنْدَ مَقْدَمِهِ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ خَالِدِ السَّدُوسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ ابْن عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:
أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا ... وَبِتَّ كَمَا بَاتَ السَّلِيمُ مُسَهَّدَا [١]
وَمَا ذَاكَ مِنْ عِشْقِ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا ... تَنَاسَيْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ صُحْبَةَ [٢] مَهْدَدَا [٣]
وَلَكِنْ أَرَى الدَّهْرَ الَّذِي هُوَ خَائِنٌ ... إذَا أَصْلَحَتْ كَفَّايَ عَادَ فَأَفْسَدَا
كُهُولًا وَشُبَّانًا فَقَدْتُ وَثَرْوَةً ... فَلِلَّهِ هَذَا الدَّهْرُ كَيْفَ تَرَدَّدَا
وَمَا زِلْتُ أَبْغِي الْمَالَ مُذْ أَنَا يَافِعٌ ... وَلِيدًا وَكَهْلًا حِينَ شِبْتُ وَأَمْرَدَا [٤]
وَأَبْتَذِلُ الْعِيسَ الْمَرَاقِيلَ تَغْتَلِي ... مَسَافَةَ مَا بَيْنَ النُّجَيْرِ فَصَرْخَدَا [٥]
أَلَا أَيُّهَذَا السَّائِلِي أَيْنَ يَمَّمَتْ ... فَإِنَّ لَهَا فِي أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا [٦]
فَإِنْ تَسْأَلِي عَنِّي فَيَا رُبَّ سَائِلٍ ... حَفِيٍّ عَنْ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا [٧]
أَجَدَّتْ بِرِجْلَيْهَا النَّجَاءَ وَرَاجَعَتْ ... يَدَاهَا خِنَافًا لَيِّنًا غَيْرَ أَحْرَدَا [٨]
-------------------------
[١] الأرمد: الّذي يشتكي عَيْنَيْهِ من الرمد. والسليم: الملدوغ. والمسهد: الّذي منع من النّوم.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول، وَشرح قصيدة الْأَعْشَى (المخطوط وَالْمَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية برقم ١٧٣٦ أدب): «خلة» وَكَذَلِكَ فِي شرح للسيرة لأبى ذَر صفحة ١١٠.
[٣] مهدد: اسْم امْرَأَة، وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم، ووزنه: فعلل.
[٤] اليافع: الّذي قَارب الِاحْتِلَام.
[٥] العيس: الْإِبِل الْبيض تخالطها حمرَة. والمراقيل: من الإرقال، وَهُوَ السرعة فِي السّير. وتغتلى:
يزِيد بَعْضهَا على بعض فِي السّير. والنجير: مَوضِع فِي حَضرمَوْت من الْيمن. وصرخد: مَوضِع بالجزيرة.
[٦] يممت: قصدت.
[٧] أصعد: ذهب.
[٨] النَّجَاء: السرعة. والخناف: أَن تلوي يَديهَا فِي السّير من النشاط. والأحرد: الّذي لَا ينبعث فِي الْمَشْي ويعتقل.
وَفِيهَا إذَا مَا هَجَّرَتْ عَجْرَفِيَّةٌ ... إذَا خِلْتُ حِرْبَاءَ الظَّهِيرَةِ أَصْيَدَا [١]
وَآلَيْتُ لَا آوِي [٢] لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ ... وَلَا مِنْ حَفًى [٣] حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدَا
مَتَى مَا تُنَاخِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ ... تُرَاحِي وَتَلْقَيْ مِنْ فَوَاضِلِهِ نَدَى [٤]
نَبِيًّا يَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَذِكْرُهُ ... أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا [٥]
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبُّ وَنَائِلٌ ... وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ غَدَا [٦]
أَجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ مُحَمَّدٍ ... نَبِيِّ الْإِلَهِ حَيْثُ أَوْصَى وَأَشْهَدَا
إذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادِ مَنْ الْتَقَى ... وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ ... فَتُرْصِدَ لِلْأَمْرِ [٧] الَّذِي كَانَ أَرْصَدَا [٨]
فَإِيَّاكَ وَالْمَيْتَاتِ لَا تَقْرَبَنَّهَا ... وَلَا تَأْخُذَنْ سَهْمًا حَدِيدًا لِتُفْصِدَا
وَذَا النُّصَبَ [٩] الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ ... وَلَا تَعْبُدْ الْأَوْثَانَ وَاَللَّهَ فَاعْبُدَا [١٠]
--------------------------
[١] هجرت: مشت فِي الهاجرة، وَهِي القائلة. والحرباء: دويبة أكبر من العظاءة يَدُور بِوَجْهِهِ مَعَ الشَّمْس حَيْثُ دارت. والأصيد: المائل الْعُنُق تكبرا أَو من دَاء أَصَابَهُ. وَلما كَانَ الحرباء يَدُور بِوَجْهِهِ مَعَ الشَّمْس كَيفَ دارت كَانَ فِي وسط السَّمَاء فِي أول الزَّوَال كالأصيد، وَذَلِكَ أحر مَا تكون الرمضاء.
يصف نَاقَته بالنشاط وَقُوَّة الْمَشْي فِي ذَلِك الْوَقْت.
[٢] لَا آوى: لَا أشْفق وَلَا أرْحم. ويروى: لَا أرثى، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
[٣] ويروى: «وجى»، وَهُوَ بِمَعْنى الحفي.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. والندى: الْجُود. ويروى: «يدا» . وَالْيَد: النِّعْمَة.
[٥] أغار: بلغ الْغَوْر، وَهُوَ مَا انخفض من الأَرْض. وأنجد: بلغ النجد، وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض.
[٦] أَي لَيْسَ الْعَطاء الّذي يُعْطِيهِ الْيَوْم مَانِعا لَهُ غَدا من أَن يُعْطِيهِ، فالهاء عَائِدَة على الممدوح، فَلَو كَانَت عَائِدَة على الْعَطاء لقَالَ:
وَلَيْسَ عَطاء الْيَوْم مانعه هُوَ،
بإبراز الضَّمِير الْفَاعِل، لِأَن الصّفة إِذا جرت على غير من هِيَ لَهُ برز الضَّمِير الْمُسْتَتر بِخِلَاف الْفِعْل. وَلَو «نصب الْعَطاء» لجَاز على إِضْمَار الْفِعْل الْمَتْرُوك إِظْهَاره، لِأَنَّهُ من بَاب اشْتِغَال الْفِعْل عَن الْمَفْعُول بضميره، وَيكون اسْم لَيْسَ على هَذَا مضمرا فِيهَا عَائِدًا على النَّبِي ﷺ.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «للْمَوْت» .
[٨] أرصد: أعد.
[٩] كَذَا فِي أ، ط، وَشرح قصيدة الْأَعْشَى. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَلَا النصب» .
[١٠] وقف على النُّون الْخَفِيفَة بِالْألف هُنَا، وَفِي غير هَذَا من الْأَفْعَال الْآتِيَة، وَقد قيل إِنَّه لم يرد النُّون الْخَفِيفَة، وَإِنَّمَا خَاطب الْوَاحِد بخطاب الِاثْنَيْنِ.
وَلَا تَقْرَبَنَّ حُرَّةً [١] كَانَ سِرُّهَا ... عَلَيْكَ حَرَامًا فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَبَّدَا [٢]
وَذَا الرَّحِمِ الْقُرْبَى فَلَا تَقْطَعَنَّهُ ... لِعَاقِبَةِ وَلَا الْأَسِيرَ الْمُقَيَّدَا
وَسَبِّحْ عَلَى حِينِ الْعَشِيَّاتِ وَالضُّحَى ... وَلَا تَحْمَدْ الشَّيْطَانَ وَاَللَّهَ فَاحْمَدَا
وَلَا تَسْخَرًا مِنْ بَائِسٍ ذِي ضَرَارَةٍ [٣] ... وَلَا تَحْسَبَنَّ الْمَالَ لِلْمَرْءِ مُخْلِدَا
(رُجُوعُهُ لَمَّا عَلِمَ بِتَحْرِيمِ الرَّسُولِ لِلْخَمْرِ، وَمَوْتُهُ):
فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاءَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ:
يَا أَبَا بَصِيرٍ، إنَّهُ يُحَرِّمُ الزِّنَا، فَقَالَ الْأَعْشَى: وَاَللَّهِ إنَّ ذَلِكَ لَأَمْرٌ مَا لِي فِيهِ مِنْ أَرَبٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَصِيرٍ، فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ الْأَعْشَى: أمّا هَذِه فو الله إنَّ فِي النَّفْسِ مِنْهَا لَعُلَالَاتٍ، وَلَكِنِّي مُنْصَرِفٌ فَأَتَرَوَّى مِنْهَا عَامِي هَذَا، ثُمَّ آتِيهِ فَأُسْلِمُ.
فَانْصَرَفَ فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [٤] .
(ذُلُّ أَبِي جَهْلٍ لِلرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ مَعَ عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبُغْضِهِ إيَّاهُ، وَشِدَّتِهِ عَلَيْهِ، يُذِلُّهُ اللَّهُ لَهُ إذَا رَآهُ.
------------------------
[١] فِي ط: «جَارة» .
[٢] السِّرّ: النِّكَاح. وتأبد: تعزب وَبعد عَن النِّسَاء.
[٣] ذُو ضرارة: مُضْطَر. ويروى: ذُو ضَرُورَة. كَمَا يرْوى: ذُو ضراعة.
[٤] قَالَ السهيليّ: «وَهَذِه غَفلَة من ابْن هِشَام وَمن قَالَ بقوله، فَإِن النَّاس مجمعون على أَن الْخمر لم ينزل تَحْرِيمهَا إِلَّا بِالْمَدِينَةِ بعد أَن مَضَت بدر وَأحد، وَحرمت فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَهِي من آخر مَا نزل.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من ذَلِك قصَّة حَمْزَة حِين شربهَا وغنته الْقَيْنَتَانِ. فَإِن صَحَّ خبر الْأَعْشَى، وَمَا ذكر لَهُ فِي الْخمر، فَلم يكن هَذَا بِمَكَّة، وَإِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَيكون الْقَائِل لَهُ: «أما علمت أَنه يحرم الْخمر» من الْمُنَافِقين أَو من الْيَهُود. وَفِي القصيدة مَا يدل على هَذَا، وَهُوَ قَوْله:
فَإِن لَهَا فِي أهل يثرب موعدا
وَقد ألفيت للقالى رِوَايَة عَن أَبى حَاتِم عَن أَبى عُبَيْدَة، قَالَ: لَقِي الْأَعْشَى عَامر بن الطُّفَيْل فِي بِلَاد قيس، وَهُوَ مقبل إِلَى رَسُول الله ﷺ، فَذكر لَهُ أَنه يحرم الْخمر فَرجع. فَهَذَا أولى بِالصَّوَابِ» .
أَمْرُ الْإِرَاشِيِّ الَّذِي بَاعَ أَبَا جَهْلٍ إبِلَهُ
(مُمَاطَلَةُ أَبِي جَهْلٍ لَهُ، وَاسْتِنْجَادُهُ بِقُرَيْشِ، وَاسْتِخْفَافُهُمْ بِالرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ وَاعِيَةً، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إرَاشٍ [١]- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إرَاشَةَ [٢]- بِإِبِلِ لَهُ مَكَّةَ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ، فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا. فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَنْ رَجُلٌ يُؤَدِّينِي [٣] عَلَى أَبِي [٤] الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ، ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقِّي؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ: أَتَرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الْجَالِسَ- لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَهْزَءُونَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ- اذْهَبْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيكَ عَلَيْهِ.
(إنْصَافُ الرَّسُولِ لَهُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ):
فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إنَّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقٍّ لِي قِبَلَهُ، وَأَنَا (رَجُلٌ) [٥] غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ سَأَلْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدِّينِي عَلَيْهِ، يَأْخُذُ لِي حَقِّي مِنْهُ، فَأَشَارُوا لِي إلَيْكَ، فَخُذْ لِي حَقِّي مِنْهُ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: انْطَلِقْ إلَيْهِ، وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ. قَالُوا لِرَجُلِ مِمَّنْ مَعَهُمْ: اتْبَعْهُ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ.
قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ.
--------------------------
[١] إراش هُوَ ابْن الْغَوْث، أَو ابْن عَمْرو بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبإ، وَهُوَ وَالِد أَنْمَار الّذي ولد بجيلة وخثعم.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وإراشة، الّذي ذكر ابْن هِشَام: بطن من خثعم، وإراشة مَذْكُورَة فِي العماليق فِي نسب فِرْعَوْن صَاحب مصر، وَفِي بلَى أَيْضا بَنو إراشة» .
[٣] يؤدينى: يُعِيننِي على أَخذ حَقي.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَبَا» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] زِيَادَة عَن أ، ط.
فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَاخْرُجْ إلَيَّ، فَخَرَجَ إلَيْهِ، وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ [١]، قَدْ اُنْتُقِعَ [٢] لَوْنُهُ، فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ، قَالَ: نَعَمْ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُعْطِيَهُ الَّذِي لَهُ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. (قَالَ) [٣]:
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ لِلْإِرَاشِيِّ: الْحَقْ بِشَأْنِكَ، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَخَذَ لِي حَقِّي.
(مَا رَوَاهُ أَبُو جَهْلٍ عَنْ سَبَبِ خَوْفِهِ مِنْ الرَّسُولِ):
قَالَ: وَجَاءَ الرَّجُلُ الَّذِي بَعَثُوا مَعَهُ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ! مَاذَا رَأَيْتُ؟ قَالَ:
عَجَبًا مِنْ الْعَجَبِ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا مَعَهُ رُوحُهُ فَقَالَ لَهُ: أَعْطِ هَذَا حَقَّهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُخْرِجَ إلَيْهِ حَقَّهُ، فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ. قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَبُو جَهْلٍ أَنْ جَاءَ، فَقَالُوا (لَهُ) [٣] وَيْلَكَ! مَا لَكَ؟ وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتُ قَطُّ! قَالَ: وَيْحَكُمْ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيَّ بَابِي، وَسَمِعْتُ صَوْتَهُ، فَمُلِئَتْ رُعْبًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إلَيْهِ، وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلًا مِنْ الْإِبِلِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ، وَلَا قَصَرَتِهِ [٤]، وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، وَاَللَّهِ لَوْ أَبَيْتُ لَأَكَلَنِي.
أَمْرُ رُكَانَةَ الْمُطَّلِبِيِّ وَمُصَارَعَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ
(غَلَبَةُ النَّبِيِّ لَهُ، وَآيَةُ الشَّجْرَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: كَانَ رُكَانَةُ [٥]
---------------------------
[١] أَي بَقِيَّة روح، فَكَأَن مَعْنَاهُ: روح بَاقِيَة، فَلذَلِك جَاءَ بِهِ على وزن فاعلة. وَالدَّلِيل على أَنه أَرَادَ معنى الرّوح، وَإِن جَاءَ بِهِ على بِنَاء فاعلة، مَا جَاءَ فِي آخر الحَدِيث: خرج إِلَى وَمَا عِنْده روحه. وَقيل يُرِيد:
مَا فِي وَجهه قَطْرَة من دم.
[٢] انتقع لَونه: تغير. ويروى: امتقع، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] القصرة: أصل الْعُنُق.
[٥] توفى ركَانَة فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، وَهُوَ الّذي طلق امْرَأَته الْبَتَّةَ، فَسَأَلَهُ رَسُول الله ﷺ
ابْن عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَشَدَّ قُرَيْشٍ، فَخَلَا يَوْمًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا رُكَانَةُ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ وَتَقْبَلُ مَا أَدْعُوكَ إلَيْهِ؟ قَالَ: إنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ لَاتَّبَعْتُكَ، فَقَالَ (لَهُ) [١] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفَرَأَيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ مَا أَقُولُ حَقٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقُمْ حَتْي أُصَارِعَكَ. قَالَ:
فَقَامَ إلَيْهِ رُكَانَةُ يُصَارِعُهُ، فَلَمَّا بَطَشَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَضْجَعَهُ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: عُدْ يَا مُحَمَّدُ، فَعَادَ فَصَرَعَهُ، فَقَالَ- يَا مُحَمَّدُ، وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَلْعَجْبُ، أَتَصْرَعُنِي! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إنْ شِئْتَ أَنْ أُرِيَكَهُ، إنْ اتَّقَيْتَ اللَّهَ وَاتَّبَعْتَ أَمْرِي، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ:
أَدْعُو لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَرَى فَتَأْتِينِي، قَالَ: اُدْعُهَا، فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إلَى مَكَانِكَ. قَالَ: فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا. قَالَ: فَذَهَبَ رُكَانَةُ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، سَاحِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أهل الأَرْض، فو الله مَا رَأَيْتُ أَسْحَرَ مِنْهُ قَطُّ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِاَلَّذِي رَأَى وَاَلَّذِي صَنَعَ.
أَمْرُ وَفْدِ النَّصَارَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا
(مُحَاوَلَةُ أَبِي جَهْلٍ رَدَّهَمُ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَإِخْفَاقِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ النَّصَارَى، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنْ الْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسُوا إلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى اللَّهِ عز وجل وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا سَمِعُوا
------------------------
[()] عَن نِيَّته. فَقَالَ: إِنَّمَا أردْت وَاحِدَة، فَردهَا عَلَيْهِ. وَمن حَدِيثه عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «إِن لكل دين خلقا وَخلق هَذَا الدَّين الْحيَاء» . ولابنه يزِيد بن ركَانَة صُحْبَة أَيْضا.
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-30-2026, 10:05 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (42)
صــ 391إلى صــ 400
الْقُرْآنَ فَاضَتْ أَعَيْنُهُمْ مِنْ الدَّمْعِ، ثُمَّ اسْتَجَابُوا للَّه [١]، وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ. فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ! بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ، حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ. أَوْ كَمَا قَالُوا. فَقَالُوا لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا خَيْرًا [٢] .
(مَوَاطِنُهُمْ وَمَا نَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ):
وَيُقَالُ: إنَّ النَّفَرَ مِنْ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، فاللَّه أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
فَيُقَالُ- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ٢٨: ٥٢- ٥٣ ... إلَى قَوْلِهِ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ٢٨: ٥٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِيمَنْ أُنْزِلْنَ فَقَالَ لِي: مَا أَسْمَعُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُنَّ أُنْزِلْنَ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ. وَالْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٥: ٨٢ ... إلَى قَوْلِهِ: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥: ٨٣.
(تَهَكُّمُ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَنُزُولُ آيَاتٍ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ إلَيْهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: خَبَّابٌ، وَعَمَّارٌ، وَأَبُو فَكِيهَةَ يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثٍ، وَصُهَيْبٌ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هَزِئَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ:: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ كَمَا تَرَوْنَ، أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالْهُدَى وَالْحَقِّ! لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بَهْ مُحَمَّدٌ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إلَيْهِ،
========================
[١] فِي أ: «ثمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ» .
[٢] أَي نقصرها عَن بُلُوغ الْخَيْر. يُقَال: مَا ألوت أَن أَفعلهُ كَذَا وَكَذَا أَي مَا قصرت.
وَمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ دُونَنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا، فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٦: ٥٢- ٥٤
(ادِّعَاءُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ بِتَعْلِيمِ جَبْرٍ لَهُ، وَمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ):
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إلَى مَبْيَعَةِ غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ، يُقَالُ لَهُ: جَبْرٌ، عَبْدٌ لِبَنِي الْحَضْرَمِيِّ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَاَللَّهِ مَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مِمَّا يَأْتِي بَهْ إلَّا جَبْرٌ النَّصْرَانِيُّ، غُلَامُ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ١٦: ١٠٣.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُلْحِدُونَ إلَيْهِ: يَمِيلُونَ إلَيْهِ. وَالْإِلْحَادُ: الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ.
قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
إذَا تَبِعَ الضَّحَّاكَ كُلُّ مُلْحِدٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي الضَّحَّاكَ الْخَارِجِيَّ، وَهَذَا الْبَيْت فِي أُرْجُوزَةٌ لَهُ.
نُزُولُ سُورَةِ الْكَوْثَرِ
(مَقَالَةُ الْعَاصِ فِي الرَّسُولِ، وَنُزُولُ سُورَةِ الْكَوْثَرِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ- فِيمَا بَلَغَنِي- إذَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: دَعُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ أَبْتَرُ لَا عَقِبَ لَهُ، لَوْ مَاتَ لَانْقَطَعَ ذِكْرُهُ وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ١٠٨: ١ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَالْكَوْثَرُ: الْعَظِيمُ.
(صَاحِبَا مَلْحُوبٍ وَالرِّدَاعِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الْكِلَابِيُّ:
وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ [١] فُجِعْنَا بِيَوْمِهِ [٢] ... وَعِنْدَ الرِّدَاعِ [٣] بَيْتُ آخِرَ كَوْثَرِ
يَقُولُ: عَظِيمٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ: عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، مَاتَ بِمَلْحُوبِ. وَقَوْلُهُ: «
وَعِنْدَ الرِّدَاعِ بَيْتُ آخِرَ كَوْثَرِ
»: يَعْنِي شُرَيْحَ بْنَ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ [٤]، مَاتَ بِالرِّدَاعِ.
وَكَوْثَرٌ: أَرَادَ: الْكَثِيرَ. وَلَفْظُهُ مُشْتَقٌّ مِنْ لَفْظِ الْكَثِيرِ. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ:
وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ ... وَكَانَ أَبُوكَ ابْنُ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عَائِذٍ الْهُذَلِيُّ يَصِفُ حِمَارَ وَحْشٍ:
يُحَامِي الْحَقِيقَ إذَا مَا احْتَدَمْنَ ... وحَمْحَمْنَ فِي كَوْثَرٍ كَالْجِلَالْ [٥]
يَعْنِي بِالْكَوْثَرِ: الْغُبَارَ الْكَثِيرَ، شَبَّهَهُ لِكَثْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالْجِلَالِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْكَوْثَرِ مَا هُوَ؟ فَأَجَابَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو [٦]
------------------------
[١] ملحوب: اسْم مَاء لبني أَسد بن خُزَيْمَة، وَقيل: قَرْيَة لبني عبد الله بن الدول بن حنيفَة بِالْيَمَامَةِ.
[٢] فِي مُعْجم الْبلدَانِ عِنْد الْكَلَام على «ملحوب» و«رداع»: بِمَوْتِهِ. وَكَذَلِكَ فِي اللِّسَان.
[٣] الرداع: مَاء لبني الْأَعْرَج بن كَعْب.
[٤] ذهب ياقوت فِي مُعْجَمه عِنْد الْكَلَام على «الرداع» إِلَى أَن الّذي مَاتَ بالرداع هُوَ عَوْف.
[٥] كَذَا ورد هَذَا الْبَيْت فِي لِسَان الْعَرَب (مَادَّة كثر) . والحقيق: حُرْمَة الْإِنْسَان وَمَا يحميه، وَيُرِيد بِهِ هُنَا أتانه. والجلال: جمع جلّ (بِالضَّمِّ وَالْفَتْح)، وَهُوَ مَا تلبسه الدَّابَّة لتصان بِهِ. وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الأَصْل:
يحمى الْحقيق، إِذا مَا احتدمن ... حمحم فِي كوثر كالجلال
واحتدمن: أسر عَن الجرى فأكثرته.
[٦] فِي الْأُصُول: «جَعْفَر بن جَعْفَر بن عَمْرو بن عَمْرو بن أُميَّة الضمريّ» وَالْمَعْرُوف أَن جَعْفَر بن عَمْرو الّذي يرْوى عَنهُ ابْن إِسْحَاق هُوَ هَذَا الّذي أَثْبَتْنَاهُ والّذي كَانَت وَفَاته سنة ٩٦ هـ. وبعيد أَن يكون مَا ذهبت إِلَيْهِ الْأُصُول صَحِيحا، إِذْ لَو صَحَّ هَذَا لكَانَتْ وَفَاة جَعْفَر الّذي ذهبت إِلَيْهِ الْأُصُول فِي حُدُود سنة ٢٠٠ أَي بعد وَفَاة ابْن إِسْحَاق، وَيظْهر أَن مَا زَاد فِي النّسَب جَاءَ مقحما من النساخ. (رَاجع الْأَنْسَاب للسمعاني والطبري وتهذيب التَّهْذِيب وتراجم رجال) .
ابْن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي مُحَمَّدِ (بْنِ مُسْلِمِ) [١] بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ؟ قَالَ: نَهْرٌ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إلَى أَيْلَةَ [٢]، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، تَرِدُهُ طُيُورٌ لَهَا أَعْنَاقٌ كَأَعْنَاقِ الْإِبِلِ. قَالَ:
يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنَّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ: آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ: مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا.
نُزُولُ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ٦: ٨
(مَقَالَةُ زَمْعَةَ وَصَحْبِهِ، وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَكَلَّمَهُمْ فَأَبْلَغَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ (لَهُ) [٣] زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يَا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النَّاسَ وَيُرَى [٤] مَعَكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ٦: ٨- ٩.
نُزُولُ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ٦: ١٠
(مَقَالَةُ الْوَلِيدِ وَصَحْبِهِ، وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- بِالْوَلِيدِ
=======================
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] أَيْلَة: هِيَ الْعقبَة الْآن.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ويروى» .
ابْن الْمُغِيرَةِ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَهَمَزُوهُ [١] وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، فَغَاظَهُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ٦: ١٠
ذِكْرُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ قَالَ:
ثُمَّ أُسْرِيَ [٢] بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ إيلِيَاء [٣]، وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ فِي قُرَيْشٍ، وَفِي الْقَبَائِلِ كُلِّهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ (الْبَصْرِيِّ)، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، مَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، كُلٌّ يُحَدِّثُ عَنْهُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِهِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ ﷺ، وَكَانَ فِي مَسْرَاهُ، وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ، وَأَمْرٌ مِنْ أَمْرِ
========================
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَغَمَزُوهُ وهمزوه ... إِلَخ» .
[٢] قَالَ السهيليّ: «اتّفقت الروَاة على تَسْمِيَته إسراء وَلم يسمه أحد مِنْهُم «سرى» وَإِن كَانَ أهل اللُّغَة قد قَالُوا: سرى وَأسرى، بِمَعْنى وَاحِد، فَدلَّ على أَن أهل اللُّغَة لم يحققوا الْعبارَة، وَذَلِكَ أَن الْقُرَّاء لم يَخْتَلِفُوا فِي التِّلَاوَة من قَوْله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ١٧: ١. وَلم يقل: سرى، وَقَالَ: اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ٨٩: ٤.
وَلم يقل: «يسرى» فَدلَّ على أَن «السّري» من «سريت» إِذا سرت لَيْلًا وَهِي مُؤَنّثَة تَقول: طَالَتْ سراك اللَّيْلَة والاسراء مُتَعَدٍّ فِي الْمَعْنى، وَلَكِن حذف مَفْعُوله كثيرا حَتَّى ظن أهل اللُّغَة أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد لما رأوهما غير متعديين إِلَى مفعول فِي اللَّفْظ، وَإِنَّمَا «أَسْرى بِعَبْدِهِ ١٧: ١»: أَي جعل الْبراق يسرى كَمَا تَقول: أمضيته أَي جعلته يمضى. لَكِن كثر حذف الْمَفْعُول لقُوَّة الدّلَالَة عَلَيْهِ أَو للاستغناء عَن ذكره، إِذْ الْمَقْصُود بالْخبر ذكر مُحَمَّد لَا ذكر الدَّابَّة الَّتِي سَارَتْ بِهِ، وَجَاز فِي قصَّة لوط عليه السلام أَن يُقَال لَهُ: «فَأسر بأهلك» أَي سر بهم، وَأَن يقْرَأ: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ١١: ٨١ بِالْقطعِ، أَي فَأسر بهم مَا يتحملون عَلَيْهِ من دَابَّة أَو نَحْوهَا، وَلم يتَصَوَّر ذَلِك فِي السّري بالنبيّ ﷺ، إِذْ لَا يجوز أَن يُقَال: «سرى بِعَبْدِهِ» بِوَجْه من الْوُجُوه، فَلذَلِك لم تأت التِّلَاوَة إِلَّا بِوَجْه وَاحِد فِي هَذِه الْقِصَّة» .
[٣] إيلياء (بِكَسْر أَوله وَاللَّام وياء وَألف ممدودة): مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس.
اللَّهِ (عز وجل) [١] فِي قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَثَبَاتٌ لِمَنْ آمَنَ وَصَدَّقَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ سبحانه وتعالى عَلَى يَقِينٍ، فَأَسْرَى بَهْ سبحانه وتعالى كَيْفَ شَاءَ، لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ مَا أَرَادَ، حَتَّى عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِهِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَقُدْرَتِهِ الَّتِي يَصْنَعُ بِهَا مَا يُرِيدُ.
(رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ- فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ- يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبُرَاقِ- وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، تَضَعُ حَافِرَهَا فِي مُنْتَهَى طَرْفِهَا- فَحُمِلَ عَلَيْهَا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ صَاحِبُهُ، يَرَى الْآيَاتِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى انْتَهَى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ جُمِعُوا لَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ. ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ، إنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ خَمْرٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ. (قَالَ) [١] .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيَّ: إنْ أَخَذَ الْمَاءَ غَرِقَ وَغَرِقَتْ أُمَّتُهُ، وَإِنْ أَخَذَ الْخَمْرَ غَوَى وَغَوَتْ أُمَّتُهُ، وَإِنْ أَخَذَ اللَّبَنَ هُدِيَ وَهُدِيَتْ أُمَّتُهُ. قَالَ: فَأَخَذْتُ إنَاءَ اللَّبَنِ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام: هُدِيتَ وَهُدِيَتْ أُمَّتُكَ يَا مُحَمَّدُ.
(حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، إذْ جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَعُدْتُ إلَى مَضْجَعِي، فَجَاءَنِي الثَّانِيَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَعُدْتُ إلَى مَضْجَعِي، فَجَاءَنِي الثَّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأَخَذَ بِعَضُدِي، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَخَرَجَ (بِي) [١] إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا دَابَّةٌ أَبْيَضُ، بَيْنَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، فِي فَخِذَيْهِ جَنَاحَانِ يَحْفِزُ [٢] بِهِمَا رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعِي لَا يَفُوتُنِي وَلَا أَفُوتُهُ.
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] يحفز: يدْفع.
(حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ لِأَرْكَبَهُ شَمَسَ [١]، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرَفَتِهِ [٢]، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحِي يَا بُرَاقُ [٣] مِمَّا تصنع، فو الله مَا رَكِبَكَ عَبْدٌ للَّه قَبْلَ مُحَمَّدٍ أَكْرَمُ عَلَيْهِ [٤] مِنْهُ. قَالَ: فَاسْتَحْيَا حَتَّى ارْفَضَّ [٥] عَرَقًا، ثُمَّ قَرَّ حَتَّى رَكِبْتُهُ
(عَوْدٌ إلَى حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ وَسَبَبُ تَسْمِيَةِ أَبِي بَكْرٍ:
الصِّدِّيقَ):
قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَضَى جِبْرِيلُ عليه السلام مَعَهُ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِنَاءَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا خَمْرٌ، وَفِي الْآخَرِ لَبَنٌ. قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَاءَ اللَّبَنِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَتَرَكَ إنَاءَ الْخَمْرِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ:
هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ، وَهُدِيَتْ أُمَّتُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْخَمْرُ. ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ. فَقَالَ أَكْثَرُ النَّاسِ: هَذَا وَاَللَّهِ الْإِمْرُ [٦] الْبَيِّنُ، وَاَللَّهِ إنَّ الْعِيرَ لَتُطْرَدُ، شَهْرًا مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ مُدْبِرَةً، وَشَهْرًا مُقْبِلَةً، أَفَيَذْهَبُ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَرْجِعُ إلَى مَكَّةَ! قَالَ: فَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ أَسْلَمَ، وَذَهَبَ النَّاسُ إلَى أَبِي بَكْرٍ،
=======================
[١] يُقَال: شمس الْفرس: إِذا لم يُمكن أحدا من ظَهره وَلَا من الإسراج والإلجام، وَلَا يكَاد يسْتَقرّ.
[٢] الْمعرفَة: اللَّحْم الّذي ينْبت عَلَيْهِ شعر الْعرف.
[٣] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على شماس الْبراق وَقَول جِبْرِيل لَهُ: أما تَسْتَحي ... إِلَخ «فقد قيل فِي نفرته مَا قَالَ ابْن بطال فِي شرح الْجَامِع الصَّحِيح، قَالَ: كَانَ ذَلِك لبعد عهد الْبراق بالأنبياء وَطول الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد عليهما السلام. وروى غَيره فِي ذَلِك سَببا آخر، قَالَ فِي رِوَايَته فِي حَدِيث الْإِسْرَاء: قَالَ جِبْرِيل لمُحَمد عليه الصلاة والسلام حِين شمس بِهِ الْبراق: لَعَلَّك يَا مُحَمَّد مسست الصَّفْرَاء الْيَوْم فَأخْبرهُ النَّبِي ﷺ أَنه مَا مَسهَا إِلَّا أَنه مر بهَا، فَقَالَ: تَبًّا لمن يعبدك من دون الله، وَمَا مَسهَا إِلَّا لذَلِك» . والصفراء: صنم بعضه من ذهب، كسرهَا رَسُول الله ﷺ يَوْم الْفَتْح.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «على الله» .
[٥] ارْفض: سَالَ وترشش.
[٦] الإمر (بِكَسْر الْهمزَة): العجيب الْمُنكر.
فَقَالُوا لَهُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فِي صَاحِبِكَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَصَلَّى فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إنَّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا بَلَى، هَا هُوَ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ قَالَهُ لَقَدْ صَدَقَ، فَمَا يُعْجِبُكُمْ من ذَلِك! فو الله إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي أَنَّ الْخَبَرَ لَيَأْتِيهِ (مِنْ اللَّهِ) [١] مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَأُصَدِّقُهُ، فَهَذَا أَبْعَدُ [٢] مِمَّا تَعْجَبُونَ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَحَدَّثْتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنَّكَ جِئْتَ بَيْتَ [٣] الْمَقْدِسِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَصِفْهُ لِي، فَإِنِّي قَدْ جِئْتُهُ- قَالَ الْحَسَنُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَرُفِعَ لِي حَتَّى نَظَرْتُ إلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصِفُهُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، كَلَمَّا وَصَفَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، حَتَّى (إذَا) [١] انْتَهَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَيَوْمَئِذٍ سَمَّاهُ الصِّدِّيقَ. قَالَ الْحَسَنُ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ ارْتَدَّ عَنْ إسْلَامِهِ لِذَلِكَ: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ، فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا ١٧: ٦٠.
فَهَذَا حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ.
(حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَسْرَى بِرُوحِهِ.
---------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] فِي ط: «أعجب» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أتيت الْمُقَدّس» .
(حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: كَانَتْ رُؤْيَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى صَادِقَةً.
(جَوَازُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْرَاءُ رُؤْيَا):
فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا، لِقَوْلِ الْحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، قَوْلُ اللَّهِ تبارك وتعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ١٧: ٦٠، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْخَبَرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عليه السلام إذْ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ٣٧: ١٠٢ ثُمَّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ. فَعَرَفْتُ أَنَّ الْوَحْيَ مِنْ اللَّهِ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ أَيْقَاظًا وَنِيَامًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَقُولُ: تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ، وَعَايَنَ فِيهِ مَا عَايَنَ، مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، عَلَى أَيِّ حَالَيْهِ كَانَ: نَائِمًا، أَوْ يَقْظَانَ، كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ.
(وَصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَفَ لِأَصْحَابِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى حِينَ رَآهُمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ:
أَمَّا إبْرَاهِيمُ، فَلَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ (قَطُّ) [١] بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ أَقْنَى [٢] كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ [٣]، وَأَمَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَرَجُلٌ أَحْمَرُ، بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، سَبْطُ الشَّعَرِ، كَثِيرُ خِيلَانِ [٤] الْوَجْهِ، كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ [٥]، تَخَالُ رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً، وَلَيْسَ بِهِ مَاءٌ، أَشْبَهُ رِجَالِكُمْ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ.
======================
[١] زِيَادَة عَن ط.
[٢] الضَّرْب من الرِّجَال: الْخَفِيف اللَّحْم. والجعد: المتكسر الشّعْر، والأقنى: الْمُرْتَفع قَصَبَة الْأنف.
[٣] شنُوءَة، قَبيلَة من الأزد.
[٤] الخيلان: جمع خَال، وَهُوَ الشامة السَّوْدَاء.
[٥] الديماس (بِالْفَتْح وَيكسر): الْحمام.
(وَصْفُ عَلِيٍّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا- ذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام، إذَا نَعَتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ [١]، وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ. وَكَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ [٢] وَلَا السَّبِطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا [٣]، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ [٤] وَلَا الْمُكَلْثَمِ [٥]، وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا، أَدْعَجَ [٦] الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبَ [٧] الْأَشْفَارِ، جَلِيلَ الْمُشَاشِ [٨] وَالْكَتَدِ [٩]، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ [١٠]، أَجْرَدَ [١١] شَثْنِ [١٢] الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إذَا مَشَى تَقَلَّعَ [١٣]، كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ [١٤]، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ (ﷺ) [١٥] خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ كَفًّا، وَأَجْرَأُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً [١٦]، وَأَوْفَى النَّاسِ ذِمَّةً [١٧]، وَأَلْيَنُهُمْ
========================
[١] كَذَا فِي الْأُصُول، ويروى: «الممعط» بِالْعينِ الْمُهْملَة، والممغط والممعط: الممتد. وَقيل:
الممعط (بِالْعينِ الْمُهْملَة): المضطرب الْخلق.
[٢] القطط: الشَّديد جعودة الشّعْر.
[٣] رجلا: مسرح الشّعْر.
[٤] المطهم: الْعَظِيم الْجِسْم.
[٥] المكلثم: المستدير الْوَجْه فِي صغر.
[٦] الأدعج: الْأسود الْعَينَيْنِ.
[٧] أهدب الأشفار: طويلها.
[٨] المشاش: عِظَام رُءُوس المفاصل.
[٩] الكتد (بِفتْحَتَيْنِ وبفتح فَكسر): مَا بَين الْكَتِفَيْنِ.
[١٠] المسربة: الشّعْر الّذي يَمْتَد من الصَّدْر إِلَى السُّرَّة.
[١١] الأجرد: الْقَلِيل شعر الْجِسْم.
[١٢] الشثن: الغليظ.
[١٣] تقلع: لم يثبت قَدَمَيْهِ.
[١٤] الصبب: مَا انحدر من الأَرْض.
[١٥] زِيَادَة عَن أ، ط.
[١٦] أصل اللهجة: طرف اللِّسَان، ويكنى بِصدق اللهجة عَن الصدْق.
[١٧] الذِّمَّة: الْعَهْد.
٢٦- سيرة ابْن هِشَام- ١
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-30-2026, 10:08 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (43)
صــ 401إلى صــ 410
عَرِيكَةً [١]، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً [٢] هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ﷺ.
(حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنها، وَاسْمُهَا هِنْدٌ، فِي مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:
مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي، نَامَ [٣] عِنْدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِي، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ نَامَ وَنِمْنَا، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبَّنَا [٤] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، قَالَ: يَا أُمَّ هَانِئٍ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمْ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، ثُمَّ قَدْ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمْ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَأَخَذْتُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ، فَتَكَشَّفَ عَنْ بَطْنِهِ كَأَنَّهُ قُبْطِيَّةٌ [٥] مَطْوِيَّةٌ، فَقُلْتُ لَهُ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا تُحَدِّثْ بِهَذَا النَّاسَ فَيُكَذِّبُوكَ وَيُؤْذُوكَ، قَالَ: وَاَللَّهِ لِأُحَدِّثَنَّهُمُوهُ.
قَالَتْ: فَقُلْتُ لِجَارِيَةٍ لِي حَبَشِيَّةٍ: وَيْحَكَ اتْبَعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَسْمَعِي مَا يَقُولُ لِلنَّاسِ، وَمَا يَقُولُونَ لَهُ. فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى النَّاسِ أَخْبَرَهُمْ، فَعَجِبُوا وَقَالُوا: مَا آيَةُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَإِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا قَطُّ، قَالَ: آيَةُ ذَلِكَ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ بِوَادِي كَذَا وَكَذَا، فَأَنْفَرَهُمْ حسّ الدابّة، فندلّهم بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَا مُوَجَّهٌ إلَى الشَّامِ. ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إذَا كُنْتُ بِضَجَنَانَ [٦] مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ، فَوَجَدْتُ الْقَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهِ بِشَيْءِ، فَكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتُ مَا فِيهِ،
====================
[١] العريكة (فِي الأَصْل): لحم ظهر الْبَعِير، فَإِذا لانت سهل ركُوبه. يُرِيد أَنه أحْسنهم معاشرة.
[٢] بديهة: ابْتِدَاء.
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نَائِم» .
[٤] أهبنا: أيقظنا.
[٥] الْقبْطِيَّة (بِالضَّمِّ وتكسر): ثِيَاب من كتَّان تنسج بِمصْر منسوبة إِلَى القبط على غير قِيَاس.
[٦] ضجنَان (بِالتَّحْرِيكِ): جبل بِنَاحِيَة تهَامَة، وَيُقَال: هُوَ على بريد من مَكَّة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ:
بَين ضجنَان وَمَكَّة خَمْسَة وَعِشْرُونَ ميلًا.
ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ عِيرَهُمْ الْآنَ يَصُوبُ [١] مِنْ الْبَيْضَاءِ [٢]، ثَنِيَّةِ التَّنْعِيمِ [٣]، يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ [٤]، عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ، إحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ، وَالْأُخْرَى بَرْقَاءُ [٥] . قَالَتْ: فَابْتَدَرَ الْقَوْمُ الثَّنِيَّةَ فَلَمْ يَلْقَهُمْ أَوَّلُ مِنْ [٦] الْجَمَلِ كَمَا وَصَفَ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُمْ عَنْ الْإِنَاءِ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ مَمْلُوءًا مَاءً ثُمَّ غَطَّوْهُ، وَأَنَّهُمْ هَبُّوا فَوَجَدُوهُ مُغَطًّى كَمَا غَطَّوْهُ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً. وَسَأَلُوا الْآخَرِينَ وَهُمْ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: صَدَقَ وَاَللَّهِ، لَقَدْ أُنْفِرْنَا فِي الْوَادِي الَّذِي ذَكَرَ، وَنَدَّ لَنَا بَعِيرٌ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إلَيْهِ، حَتَّى أَخَذْنَاهُ.
قِصَّةُ الْمِعْرَاجِ
(حَدِيثُ الْخُدْرِيِّ عَنِ الْمِعْرَاجِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ، وَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّ إلَيْهِ مَيِّتُكُمْ عَيْنَيْهِ إذَا حُضِرَ، فَأَصْعَدَنِي صَاحِبِي فِيهِ، حَتَّى انْتَهَى بِي إلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، يُقَالُ لَهُ: بَابُ الْحَفَظَةِ، عَلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ لَهُ: إسْمَاعِيلُ، تَحْتَ يَدَيْهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ- قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ- فَلَمَّا دُخِلَ بِي، قَالَ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: (هَذَا) [٧] مُحَمَّدُ.
قَالَ: أَوَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا لِي بِخَيْرِ: وَقَالَهُ.
=================
[١] يصوب: ينزل من عل.
[٢] الْبَيْضَاء: عقبَة قرب مَكَّة تهبطك إِلَى فخ، وَأَنت مقبل من الْمَدِينَة تُرِيدُ مَكَّة، أَسْفَل مَكَّة من قبل ذِي طوى.
[٣] التَّنْعِيم: مَوضِع بِمَكَّة فِي الْجَبَل، وَهُوَ بَين مَكَّة وسرف على فرسخين من مَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ)
[٤] الأورق: الّذي لَونه بَين الغبرة والسواد.
[٥] البرقاء: الَّتِي فِيهَا ألوان مُخْتَلفَة.
[٦] يُرِيد أَن الْجمل كَانَ أول مَا لَقِيَهُمْ.
[٧] زِيَادَة عَن أ.
(عَدَمُ ضَحِكِ خَازِنِ النَّارِ لِلرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: تَلَقَّتْنِي الْمَلَائِكَةُ حِينَ دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَلْقَنِي مَلَكٌ إلَّا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، يَقُولُ خَيْرًا وَيَدْعُو بِهِ، حَتَّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا، وَدَعَا بِمِثْلِ مَا دَعَوْا بِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَضْحَكْ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ مَا رَأَيْتُ مِنْ غَيْرِهِ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الْمَلَكُ الَّذِي قَالَ لِي كَمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ وَلَمْ يَضْحَكْ (إلَيَّ)، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ [١]؟ قَالَ: فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: أَمَا إنَّهُ لَوْ ضَحِكَ إلَى أَحَدٍ كَانَ قَبْلَكَ، أَوْ كَانَ ضَاحِكًا إلَى أَحَدٍ بَعْدَكَ، لَضَحِكَ إلَيْكَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَضْحَكُ، هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ [٢] النَّارِ [٣] . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ، وَهُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَكَانِ الَّذِي وُصِفَ لَكُمْ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ٨١: ٢١: أَلَا تَأْمُرُهُ أَنْ يُرِيَنِي النَّارَ؟ فَقَالَ:
بَلَى، يَا مَالِكُ، أَرِ مُحَمَّدًا النَّارَ. قَالَ: فَكَشَفَ عَنْهَا غِطَاءَهَا، فَفَارَتْ وَارْتَفَعَتْ، حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَأْخُذَنَّ مَا أَرَى. قَالَ: فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ، مُرْهُ فَلْيَرُدَّهَا إلَى مَكَانِهَا. قَالَ: فَأَمَرَهُ، فَقَالَ لَهَا: اُخْبِي [٤]، فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ.
فَمَا شَبَّهْتُ رُجُوعَهَا إلَّا وُقُوعَ الظِّلِّ. حَتَّى إذَا دَخَلَتْ مِنْ حَيْثُ خَرَجَتْ رَدَّ عَلَيْهَا غِطَاءَهَا.
=================
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «من غَيره» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «صَاحب» .
[٣] قَالَ السهيليّ بعد ذكر هَذَا الْخَبَر وَعدم ضحك مَالك إِلَى رَسُول الله ﷺ: «وَذَلِكَ أَنه لم يضْحك لأحد قبله، وَلَا هُوَ ضَاحِك لأحد، ومصداق هَذَا فِي كتاب الله تَعَالَى، قَالَ الله سُبْحَانَهُ:
عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ ٦٦: ٦. وهم موكلون بغضب الله تَعَالَى، فالغضب لَا يزايلهم أبدا. وَفِي هَذَا الحَدِيث مُعَارضَة للْحَدِيث الّذي فِي صفة مِيكَائِيل، أَنه مَا ضحك مُنْذُ خلق الله جَهَنَّم، وَكَذَلِكَ يُعَارضهُ مَا خرج الدارقطنيّ أَن رَسُول الله ﷺ تَبَسم فِي الصَّلَاة، فَلَمَّا انْصَرف سُئِلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: رَأَيْت مِيكَائِيل رَاجعا من طلب الْقَوْم وعَلى جناحيه الْغُبَار، فَضَحِك إِلَى، فتبسمت إِلَيْهِ. وَإِذا صَحَّ الحديثان فَوجه الْجمع بَينهمَا أَن يكون: لم يضْحك مُنْذُ خلق الله النَّار إِلَى هَذِه الْمدَّة الَّتِي ضحك فِيهَا لرَسُول الله ﷺ، فَيكون الحَدِيث عَاما يُرَاد بِهِ الْخُصُوص، أَو يكون الحَدِيث الأول حدث بِهِ رَسُول الله ﷺ قبل هَذَا الحَدِيث الْأَخير، ثمَّ حدث بِمَا حدث بِهِ من ضحكه إِلَيْهِ»
[٤] خبت النَّار: زَاد لهيبها.
(عَوْدٌ إلَى حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ عَنْ الْمِعْرَاجِ):
(وَ) [١] قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: إنَّ [٢] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، رَأَيْتُ بِهَا رَجُلًا جَالِسًا تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ، فَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَيُسَرُّ بِهِ، وَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ، وَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ: أُفٍّ، وَيَعْبِسُ بِوَجْهِهِ وَيَقُولُ:: رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ، فَإِذَا مَرَّتْ بِهِ رُوحُ الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ سُرَّ بِهَا. وَقَالَ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ. وَإِذَا مَرَّتْ بَهْ رُوحُ الْكَافِرِ مِنْهُمْ أَفَّفَ [٣] مِنْهَا وَكَرِهَهَا، وَسَاءَ ذَلِكَ، وَقَالَ: روح خبيثة خرجت مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ.
(صِفَةُ أَكَلَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى):
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ [٤] الْإِبِلِ، فِي أَيْدِيهمْ قِطَعٌ مِنْ نَارٍ كَالْأَفْهَارِ [٥]، يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا.
(صِفَةُ أَكَلَةِ الرِّبَا):
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ [٦]، يَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ كَالْإِبِلِ الْمَهْيُومَةِ [٧] حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ، يَطَئُونَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا.
===================
[١] زِيَادَة عَن: أ.
[٢] كَذَا فِي ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَن» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط: وأفف: قَالَ أُفٍّ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أنف» .
[٤] المشافر: جمع مشفر. ومشفر الْإِبِل: شفته.
[٥] الأفهار: جمع فهر، وَهُوَ حجر على مِقْدَار ملْء الْكَفّ
[٦] خص آل فِرْعَوْن، لأَنهم أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ تَعَالَى أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ٤٠: ٤٦.
[٧] المهيومة: العطاش. وَكَانَ قِيَاس هَذَا الْوَصْف أَلا يُقَال فِيهِ (مهيومة) كَمَا لَا يُقَال معطوشة، إِنَّمَا يُقَال: هائم وهيمان، وَقد يُقَال: هيوم، وَيجمع على هيم.
وَلَكِن جَاءَ فِي الحَدِيث (مهيومة) كَأَنَّهُ شَيْء فعل بِهِ، كالمجمومة والمختونة.
(صِفَةُ الزُّنَاةِ):
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ ثَمِينٌ طَيِّبٌ، إلَى جَنْبِهِ لَحْمٌ غَثٌّ مُنْتِنٌ، يَأْكُلُونَ مِنْ الْغَثِّ [١] الْمُنْتِنِ، وَيَتْرُكُونَ السَّمِينَ الطَّيِّبَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَذْهَبُونَ إلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُنَّ.
(صِفَةُ النِّسَاءِ اللَّاتِي يُدْخِلْنَ عَلَى الْأَزْوَاجِ مَا لَيْسَ مِنْهُمْ):
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ نِسَاءً مُعَلَّقَاتٍ بِثُدِيِّهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ:
هَؤُلَاءِ اللَّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو [٢]، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَأَكَلَ حَرَائِبَهُمْ [٣]، وَاطَّلَعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ.
(عَوْدٌ إلَى حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ عَنْ الْمِعْرَاجِ):
ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا فِيهَا ابْنَا [٤] الْخَالَةِ: عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ صُورَتُهُ كَصُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا [٥] يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ. قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ فَسَأَلْتُهُ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: هَذَا إدْرِيسُ- قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا- قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ
===================
[١] الغث: الضَّعِيف المهزول.
[٢] هُوَ جَعْفَر بن عَمْرو بن أُميَّة الضمريّ الْمدنِي، وَهُوَ أَخُو عبد الْملك بن مَرْوَان من الرضَاعَة، روى عَن أَبِيه ووحش بن حَرْب وَأنس. وَعنهُ أَبُو سَلمَة وَأَبُو قلَابَة وَسليمَان بن يسَار وَأَخُوهُ الزبْرِقَان وَغَيرهم، وَمَات جَعْفَر فِي خلَافَة الْوَلِيد. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب وتراجم رجال) .
[٣] الحرائب: جمع حريبة، وَهِي المَال. يُرِيد أَن الْوَلَد إِذا كَانَ لغير رشدة نسب إِلَى الّذي ولد على فرَاشه فيأكل من مَاله صَغِيرا، وَينظر إِلَى بَنَاته من غير أمه، وَإِلَى أخواته ولسن بعمات لَهُ، وَإِلَى أمه وَلَيْسَت بجدة لَهُ، وَهَذَا فَسَاد كَبِير.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ابْن» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «هُوَ» .
فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، عَظِيمُ الْعُثْنُونِ [١]، لَمْ أَرَ كَهْلًا أَجْمَلَ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْمُحَبَّبُ فِي قَوْمِهِ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ.
قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ آدَمُ [٢] طَوِيلٌ أَقْنَى [٣]، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ. ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ إلَى بَابِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَرْجِعُونَ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إبْرَاهِيمُ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ بِي الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا جَارِيَةً لَعْسَاءَ [٤]، فَسَأَلْتهَا: لِمَنْ أَنْتِ؟ وَقَدْ أَعْجَبَتْنِي حِينَ رَأَيْتُهَا، فَقَالَتْ: لِزَيْدِ ابْن حَارِثَةَ، فَبَشَّرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ حَدِيثِ (عَبْدِ اللَّهِ) [٥] بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي: أَنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَصْعَدْ بِهِ إلَى سَمَاءٍ مِنْ السَّمَوَاتِ إلَّا قَالُوا لَهُ حِينَ يَسْتَأْذِنُ فِي دُخُولِهَا: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُونَ:
أَوَقَدْ بُعِثَ [٦]؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُونَ: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَصَاحِبٍ! حَتَّى انْتَهَى بِهِ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثُمَّ انْتَهَى بِهِ إلَى رَبِّهِ، فَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ.
(مَشُورَةُ مُوسَى عَلَى الرَّسُولِ عليهما السلام فِي شَأْنِ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ):
(قَالَ) [٥]: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَقْبَلْتُ رَاجِعًا، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِمُوسَى (بْنِ) [٥] عِمْرَانَ، وَنِعْمَ الصَّاحِبُ كَانَ لَكُمْ، سَأَلَنِي كَمْ فُرِضَ عَلَيْكَ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَقُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ ثَقِيلَةٌ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ ضَعِيفَةٌ، فَارْجِعْ إلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ وَعَنْ أُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُ
======================
[١] العثنون: اللِّحْيَة.
[٢] الآدم: الْأسود.
[٣] الأقنى: مَا ارْتَفع أَعلَى أَنفه واحدودب وَسطه وسبغ طرفه.
[٤] اللعس فِي الشفاه: حمرَة تضرب إِلَى السوَاد.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أوقد بعث إِلَيْهِ ... إِلَخ» .
رَبِّي أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي وَعَنْ أُمَّتِي، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا. ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُ رَبِّي [١]، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا. ثُمَّ انْصَرَفْتُ [٢] فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ [٣] فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، كُلَّمَا رَجَعْتُ إلَيْهِ، قَالَ: فَارْجِعْ [٤] فَاسْأَلْ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إلَى أَنْ وَضَعَ ذَلِكَ عَنِّي، إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ رَاجَعْتُ رَبِّي وَسَأَلْتُهُ، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، فَمَا أَنَا بِفَاعِلِ.
فَمَنْ أَدَّاهُنَّ مِنْكُمْ إيمَانًا بِهِنَّ، وَاحْتِسَابًا لَهُنَّ، كَانَ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ صَلَاةً (مَكْتُوبَةً) [٥] .
كِفَايَةُ الله أَمر المستهزءين
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُؤَدِّيًا إلَى قَوْمِهِ النَّصِيحَةَ عَلَى مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ التَّكْذِيبِ وَالْأَذَى (وَالِاسْتِهْزَاءِ) [٥] . وَكَانَ عُظَمَاء المستهزءين، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ [٦]، عَنْ عُرْوَةَ [٧] بْنِ الزُّبَيْرِ، خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ وَشَرَفٍ فِي قَومهمْ.
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَسَأَلت ربى أَن يُخَفف عَنى، وَعَن أمتى. .. إِلَخ» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «رجعت» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَسَأَلت ربى. .. إِلَخ» .
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَارْجِع إِلَيْهِ فسل رَبك. .. إِلَخ» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] هُوَ يزِيد بن رُومَان الْأَسدي أَبُو روح الْمدنِي مولى آل الزبير. روى عَن ابْن الزبير، وَأنس، وَعبيد الله وَسَالم ابْني عبد الله بن عمر وَغَيرهم. وَعنهُ هِشَام بن عُرْوَة، وَعبيد الله بن عمر، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار وَغَيرهم، وَتوفى يزِيد سنة ١٠٣ هـ، وَكَانَ عَالما كثير الحَدِيث ثِقَة. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
[٧] هُوَ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد، روى عَن أَبِيه وأخيه عبد الله وَأمه أَسمَاء وَغَيرهم، وَعنهُ أَوْلَاده: عبد الله، وَعُثْمَان، وَهِشَام، وَمُحَمّد، وَيحيى، وَابْن ابْنه عمر بن عبد الله بن عُرْوَة وَغَيرهم. مَاتَ سنة ٩٩، وَقيل سنة ١٠١ هـ، وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك ٦٧ سنة.
(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ أَبُو زَمَعَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- قَدْ دَعَا عَلَيْهِ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتِهْزَائِهِ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهمّ أَعْمِ بَصَرَهُ، وأثكله وَلَده.
(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ):
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن زهرَة.
(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ابْن مَخْزُوم.
(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِل بن هَاشم بْنِ سُعَيْدِ بن سهم.
(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ خُزَاعَةَ):
وَمِنْ بَنِي خُزَاعَةَ: الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ [١] بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ (لُؤَيِّ بْنِ) [٢] مَلَكَانَ [٣] .
فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الشَّرِّ، وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِهْزَاءَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ١٥: ٩٤- ٩٦.
===================
[١] الطُّلَاطِلَة (لُغَة): الداهية، وَهِي اسْم أمه، قَالَ ذَلِك أَبُو الْوَلِيد الوقشى، وَنَقله عَنهُ ابْن إِسْحَاق، وَخَالَفَهُمَا ابْن الْكَلْبِيّ فِي اسْمه فَقَالَ: هُوَ الْحَارِث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم. والّذي فِي السِّيرَة الشامية: أَن اسْمه مَالك، وَأَن الطُّلَاطِلَة أَبوهُ.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] ملكان: هُوَ بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام، أَو بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام. وَقيل: إِنَّه لَيْسَ فِي النَّاس ملكان (بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام) إِلَّا ملكان بن جرم بن ربان، وملكان بن عباد بن عِيَاض، وَغَيرهمَا ملكان بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام، وَزَاد بَعضهم ملكان (بِفَتْح الْمِيم) فِي خُزَاعَة (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
(مَا أصَاب المستهزءين):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةِ خَضْرَاءَ، فَعَمِيَ. وَمَرَّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ.، فَأَشَارَ إلَى بَطْنِهِ، فَاسْتَسْقَى (بَطْنُهُ) [١] فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا [٢] . وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَشَارَ إلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ، كَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ [٣]، وَهُوَ يَجُرُّ سَبَلَهُ [٤]، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلِ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ، فَخَدَشَ فِي رِجْلِهِ ذَلِكَ الْخَدْشَ، وَلَيْسَ بِشَيْءِ، فَانْتَقَضَ [٥] بِهِ فَقَتَلَهُ.
وَمَرَّ بَهْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، فَأَشَارَ إلَى أَخْمَصِ [٦] رِجْلِهِ وَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطَّائِفَ، فَرَبَضَ بِهِ عَلَى شُبَارِقَةٍ [٧]، فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ.
وَمَرَّ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ، فَأَشَارَ إلَى رَأْسِهِ، فَامْتَخَضَ [٨] قَيْحًا، فَقَتَلَهُ.
قِصَّةُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدَّوْسِيِّ
(وُصَاتُهُ لِبَنِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا حَضَرَتْ الْوَلِيدَ الْوَفَاةُ دَعَا بَنِيهِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً: هِشَامَ ابْن الْوَلِيدِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْ بَنِيَّ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثِ، فَلَا تُضَيِّعُوا فِيهِنَّ: دَمِي فِي خُزَاعَةَ فَلَا تَطُلُّنَّهُ [٩]، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُمْ
=====================
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والحبن (محركة): انتفاخ الْبَطن من دَاء. وَفِي أ: «حنبا» .
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] السبل: فضول الثِّيَاب.
[٥] انْتقض الْجرْح: إِذا تجدّد بعد مَا بري.
[٦] الأخمص من بَاطِن الْقدَم: مَا لم يصب الأَرْض.
[٧] الشبارقة: شَجَرَة عالية، وَفِي طبعة بِهَامِش الرَّوْض الْأنف: شبْرقَة.
[٨] كَذَا فِي أ، ط: أَي أَن الْقَيْح تحرّك فِي رَأسه وانتشر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فامتحض» بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٩] طل الدَّم وأطله: هدره، فَلم يثأر بِهِ.
مِنْهُ بُرَآءُ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُسَبُّوا بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَرِبَايَ فِي ثَقِيفٍ، فَلَا تَدَعُوهُ حَتَّى تَأْخُذُوهُ، وَعُقْرِي [١] عِنْدَ أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَلَا يَفُوتَنَّكُمْ بِهِ. وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ قَدْ زَوَّجَهُ بِنْتًا، ثُمَّ أَمْسَكَهَا عَنْهُ، فَلَمْ يُدْخِلْهَا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
(مُطَالَبَةُ بَنِي مَخْزُومٍ خُزَاعَةَ بِدَمِ أَبِي أُزَيْهِرٍ):
فَلَمَّا هَلَكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَثَبَتْ بَنُو مَخْزُومٍ عَلَى خُزَاعَةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ عَقْلَ [٢] الْوَلِيدِ، وَقَالُوا: إنَّمَا قَتَلَهُ سَهْمُ صَاحِبِكُمْ- وَكَانَ لِبَنِي كَعْبٍ حِلْفٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ- فَأَبَتْ عَلَيْهِمْ خُزَاعَةُ ذَلِكَ، حَتَّى تَقَاوَلُوا أَشْعَارًا، وَغَلُظَ بَيْنَهُمْ الْأَمْرُ- وَكَانَ الَّذِي أَصَابَ الْوَلِيدَ سَهْمُهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ- فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الله بن عمر بْنِ مَخْزُومٍ:
إنِّي زَعِيمٌ أَنْ تَسِيرُوا فَتَهْرُبُوا ... وَأَنْ تَتْرُكُوا الظَّهْرَانَ تَعْوِي ثَعَالِبُهُ [٣]
وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا ... وَأَنْ تَسْأَلُوا: أَيُّ الْأَرَاكِ أَطَايِبُهُ؟ [٤]
فَإِنَّا أَنَاسٌ لَا تُطَلُّ [٥] دِمَاؤُنَا ... وَلَا يَتَعَالَى [٦] صَاعِدًا مَنْ نُحَارِبُهُ
وَكَانَتْ الظَّهْرَانُ وَالْأَرَاكُ مَنَازِلَ بَنِي كَعْبٍ، مِنْ خُزَاعَةَ. فَأَجَابَهُ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ، أَخُو بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرِو الْخُزَاعِيِّ، فَقَالَ:
وَاَللَّهِ لَا نُؤْتِي الْوَلِيدَ ظُلَامَةً ... وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا تَزُولُ كَواكِبُهْ
وَيُصْرَعُ مِنْكُمْ مُسْمِنٌ بَعْدَ مُسْمِنٍ ... وَتُفْتَحُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَسْرًا مَشَارِبُهْ [٧]
======================
[١] الْعقر (بِضَم الْعين): دِيَة الْفرج الْمَغْصُوب.
[٢] كَذَا فِي أ. وَالْعقل: الدِّيَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «العفل»، بِالْفَاءِ وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] الزعيم (هُنَا): الضَّامِن، والظهران: وَاد قرب مَكَّة.
[٤] الجزعة والجزع: مُعظم الْوَادي، وَقيل: مَا انثنى مِنْهُ. وأطرقا: اسْم علم لموْضِع، سمى بِفعل الْأَمر للاثنين، فَهُوَ محكي لَا يعرب.
[٥] طل دَمه (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول): هدر وَلم يثأر بِهِ.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يتعاطى» .
[٧] كَذَا ورد هَذَا الْبَيْت فِي أ. والمسمن: السمين، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الظَّاهِر فِي النَّاس. والمشارب:
جمع مشربَة، وَهِي الغرفة. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
ويسرع مِنْكُم مسمن عِنْد مسمن ... وَيفتح بعد الْمَوْت قسرا مشاربه
وَهُوَ ظَاهر التحريف، وقسرا: قهرا.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-30-2026, 10:11 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (44)
صــ 411إلى صــ 420
إذَا مَا أَكَلْتُمْ خُبْزَكُمْ وَخَزِيرَكُمْ [١] ... فَكُلُّكُمْ بَاكِي الْوَلِيدِ وَنَادِبُهْ
ثُمَّ إنَّ النَّاسَ تَرَادُّوا وَعَرَفُوا أَنَّمَا يَخْشَى الْقَوْمُ السُّبَّةَ، فَأَعْطَتْهُمْ خُزَاعَةُ بَعْضَ الْعَقْلِ، وَانْصَرَفُوا عَنْ بَعْضٍ. فَلَمَّا اصْطَلَحَ الْقَوْمُ قَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ:
وَقَائِلَةٍ لَمَّا اصْطَلَحْنَا تَعَجُّبًا ... لِمَا قَدْ حَمَلْنَا لِلْوَلِيدِ وَقَائِلِ
أَلَمْ تُقْسِمُوا تُؤْتُوا [٢] الْوَلِيدَ ظُلَامَةً ... وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا كَثِيرَ الْبَلَابِلِ [٣]
فَنَحْنُ خَلَطْنَا الْحَرْبَ بِالسِّلْمِ فَاسْتَوَتْ ... فَأَمَّ هَوَاهُ آمِنًا كُلُّ رَاحِلِ
ثُمَّ لَمْ يَنْتَهِ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ حَتَّى افْتَخَرَ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَصَابُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا. فَلَحِقَ بِالْوَلِيدِ [٤] (وَ) [٥] بِوَلَدِهِ وَقَوْمِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا حَذَّرَهُ [٦]، فَقَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ:
أَلَا زَعَمَ الْمُغِيرَةُ أَنَّ كَعْبًا ... بِمَكَّةَ مِنْهُمْ قَدْرٌ كَثِيرُ [٧]
فَلَا تَفْخَرْ مُغِيرَةُ أَنْ تَرَاهَا ... بِهَا يَمْشِي الْمُعَلْهَجُ وَالْمَهِيرُ [٨]
بِهَا آبَاؤُنَا وَبِهَا وُلِدْنَا ... كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ [٩]
وَمَا قَالَ الْمُغِيرَةُ ذَاكَ إلَّا ... لِيَعْلَمَ شَأْنَنَا أَوْ يَسْتَثِيرُ
فَإِنَّ دَمَ الْوَلِيدِ يُطَلُّ إنَّا ... نَطُلُّ دِمَاءً أَنْتَ بِهَا خَبِيرُ
كَسَاهُ الْفَاتِكُ الْمَيْمُونُ سَهْمًا ... زُعَافًا وَهْوَ مُمْتَلِئٌ بَهِيرُ [١٠]
==================
[١] الخزير: شبه عصيدة بِلَحْم، وَبلا لحم، وَقيل: هِيَ حساء يتَّخذ بشحم، أَو هِيَ مرقة من بلالة النخالة.
[٢] يُرِيد: أَن تُؤْتوا، وَمَعْنَاهُ: أَن لَا تُؤْتوا. كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل: يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ٤: ١٧٦.
[٣] البلابل: وساوس الأحزان.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْوَلِيد» .
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَا حذر» .
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كَبِير» .
[٨] المعلهج: المطعون فِي نسبه، كَأَنَّهُ منحوت من أصلين، من «العلج» لِأَن الْأمة علجة، وَمن اللهج» كَأَن واطئ الْأمة قد لهج بهَا. والمهير: الصَّحِيح النّسَب يُرِيد أَن أمه حرَّة تزوجت بِمهْر.
[٩] ثبير: جبل بِمَكَّة.
[١٠] الذعاف: السم، أَو سم السَّاعَة. والبهير: الْمُنْقَطع النَّفس، من البهر بِضَم الْبَاء.
فَخَرَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مُسْلَحِبًّا ... كَأَنَّهُ عِنْدَ وَجْبَتِهِ بَعِيرُ [١]
سَيَكْفِينِي مِطَالَ أَبِي هِشَامٍ ... صِغَارٌ جَعْدَةُ الْأَوْبَارِ خُورُ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا أُقْذِعَ فِيهِ [٣] .
(مَقْتَلُ أَبِي أُزَيْهِرٍ وَثَوْرَةُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لِذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عَدَا هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَهُوَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ (عَاتِكَةُ) [٤] بِنْتُ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ رَجُلًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ- فَقَتَلَهُ بِعُقْرِ الْوَلِيدِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، لِوَصِيَّةِ أَبِيهِ إيَّاهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَمَضَى بَدْرٌ، وَأُصِيبَ بَهْ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَمَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بِذِي الْمَجَازِ، فَقَالَ النَّاس:
أَخْفَر [٥] أَبُو سُفْيَانَ فِي صِهْرِهِ، فَهُوَ ثَائِرٌ بِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بِاَلَّذِي صَنَعَ ابْنُهُ يَزِيدُ- وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلًا حَلِيمًا مُنْكَرًا [٦]، يُحِبُّ قَوْمَهُ حُبًّا شَدِيدًا- انْحَطَّ سَرِيعًا إلَى مَكَّةَ، وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حَدَثٌ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَأَتَى ابْنَهُ وَهُوَ فِي الْحَدِيدِ، فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُطَيِّبِينَ، فَأَخَذَ الرُّمْحَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً هَدَّهُ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ، قَبَّحَكَ اللَّهُ! أَتُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَ قُرَيْشًا بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ. سَنُؤْتِيهِمْ الْعَقْلَ إنْ قَبِلُوهُ، وَأَطْفَأَ ذَلِكَ الْأَمْرَ.
فَانْبَعَثَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ فِي دَمِ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَيُعَيِّرُ أَبَا سُفْيَانَ خُفْرَتَهُ وَيُجْبِنُهُ، فَقَالَ:
=================
[١] المسلحب: الممتد. والوجبة: السقطة.
[٢] الخور: الغزار اللَّبن.
[٣] أقذع: أفحش فِي الْمقَال.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] الخفر: الْغدر، وَنقض الْعَهْد.
[٦] رجل مُنكر: أَي داهية فطن.
غَدَا أَهْلُ ضَوْجَيْ ذِي الْمَجَازِ كِلَيْهِمَا ... وَجَارَ ابْنُ حَرْبٍ بِالْمُغَمَّسِ مَا يَغْدُو [١]
وَلَمْ يَمْنَعْ الْعَيْرُ الضَّرُوطُ ذِمَارَهُ ... وَمَا مَنَعَتْ مَخْزَاةَ وَالِدِهَا هِنْدُ [٢]
كَسَاكَ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ ثِيَابَهُ ... فَأَبْلِ وَأَخْلِفْ مِثْلَهَا جُدُدًا بَعْدُ
قَضَى وَطَرًا مِنْهُ فَأَصْبَحَ مَاجِدًا ... وَأَصْبَحْتَ رَخْوًا مَا تُخِبُّ وَمَا تَعْدُو [٣]
فَلَوْ أَنَّ أَشْيَاخًا بِبَدْرٍ تَشَاهَدُوا ... لَبَلَّ نِعَالَ الْقَوْمِ مُعْتَبِطٌ وَرْدُ [٤]
فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ قَوْلُ حَسَّانَ قَالَ: يُرِيدُ حَسَّانُ أَنْ يَضْرِبَ بَعْضَنَا بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ! بِئْسَ وَاَللَّهِ مَا ظَنَّ!
(مُطَالَبَةُ خَالِدٍ بِرِبَا أَبِيهِ، وَمَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ):
وَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي رِبَا الْوَلِيدِ، الَّذِي كَانَ فِي ثَقِيفٍ، لِمَا كَانَ أَبُوهُ أَوْصَاهُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا بِأَيْدِي النَّاسِ نَزَلْنَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَلَبِ خَالِدٍ الرِّبَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢: ٢٧٨ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فِيهَا.
(ثَوْرَةُ دَوْسٍ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَحَدِيثُ أُمِّ غَيْلَانَ):
وَلَمْ يَكُنْ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ ثَأْرٌ نَعْلَمُهُ، حَتَّى حَجَزَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ النَّاسِ، إلَّا أَنَّ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْفِهْرِيَّ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَرْضِ دَوْسٍ، فَنَزَلُوا عَلَى امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ غَيْلَانَ، مَوْلَاةٌ لِدَوْسٍ، وَكَانَتْ تَمْشُطُ النِّسَاءَ، وَتُجَهِّزُ الْعَرَائِسَ، فَأَرَادَتْ دَوْسٌ قَتْلَهُمْ بِأَبِي أُزَيْهِرٍ، فَقَامَتْ دُونَهُمْ أُمُّ غَيْلَانَ وَنِسْوَةٌ مَعَهَا، حَتَّى مَنَعَتْهُمْ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ:
==================
[١] الضوج: جَانب الْوَادي وَمَا انعطف مِنْهُ. والمغمس: مَوضِع بطرِيق الطَّائِف، فِيهِ قبر أَبى رِغَال دَلِيل أَبْرَهَة.
[٢] العير: الْحمار. والذمار: مَا تحق حمايته. وَهِنْد: هِيَ بنت أَبى سُفْيَان. وَقد ورد هَذَا الْبَيْت فِي أ، ط بعد الْبَيْت الأول. وَورد فِي سَائِر الْأُصُول فِي آخر الأبيات.
[٣] تخب: من الخبب: وَهُوَ ضرب من السّير.
[٤] يعْنى بالمعتبط الْورْد: الدَّم العبيط، وَهُوَ الطري.
جَزَى اللَّهُ عَنَّا أُمَّ غَيْلَانَ صَالِحًا ... وَنِسْوَتَهَا إذْ هُنَّ شُعْثٌ [١] عَوَاطِلُ
فَهُنَّ دَفَعْنَ الْمَوْتَ بَعْدَ اقْتِرَابِهِ ... وَقَدْ بَرَزَتْ لِلثَّائِرِينَ الْمَقَاتِلُ
دَعَتْ دَعْوَةً دَوْسًا فَسَالَتْ شِعَابُهَا [٢] ... بِعِزٍّ وَأَدَّتْهَا الشَّرَاجُ [٣] الْقَوَابِلُ [٤]
وَعَمْرًا جًزًاهُ اللهُ خَيْرًا فَمَا وَنَى ... وَمَا بَردَتْ مِنْهُ لَدَيَّ الْمَفَاصِلُ
فَجَرَّدْتُ سَيْفِي ثُمَّ قُمْتُ بِنَصْلِهِ ... وَعَنْ أَيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقَاتِلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ الَّتِي قَامَتْ دُونَ ضِرَارٍ أُمُّ جَمِيلٍ، وَيُقَالُ أُمُّ غَيْلَانَ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ غَيْلَانَ قَامَتْ مَعَ أُمِّ جَمِيلٍ فِيمَنْ قَامَ دُونَهُ.
(أُمُّ جَمِيلٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ):
فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَتَتْهُ أُمُّ جَمِيلٍ، وَهِيَ تُرَى أَنَّهُ أَخُوهُ: فَلَمَّا انْتَسَبَتْ لَهُ عَرَفَ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ بِأَخِيهِ إلَّا فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ غَازٍ، وَقَدْ عَرَفْتُ مِنَّتَكَ عَلَيْهِ، فَأَعْطَاهَا عَلَى أَنَّهَا ابْنَةُ سَبِيلٍ.
(ضِرَارٌ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ):
قَالَ الرَّاوِي: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ ضِرَارٌ لَحِقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِعَرْضِ الرُّمْحِ وَيَقُولُ: اُنْجُ يَا بن الْخَطَّابِ لَا أَقْتُلُكَ، فَكَانَ عُمَرُ يَعْرِفُهَا لَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ [٥] .
وَفَاةُ أَبِي طَالب وَخَدِيجَة
(صَبر الرَّسُول على إِيذَاء الْمُشْركين):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ النَّفَرُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
====================
[١] الشعث: المتغبرات الشُّعُور. والعواطل: اللَّاتِي لَا حلى عليهنّ.
[٢] الشعاب: جمع شعب، وَهِي مسيل المَاء فِي الْحرَّة (عَن أَبى ذَر) .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والشراج: جمع شرج، وَهُوَ مسيل مَاء من الْحرَّة إِلَى السهل، وَفِي أ:
السراج» بِالسِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] القوابل: الَّتِي تقَابل بَعْضهَا بَعْضًا.
[٥] هَذِه الْعبارَة من قَوْله: قَالَ ابْن هِشَام إِلَى قَوْله: «بعد إِسْلَامه» سَاقِطَة فِي أ.
فِي بَيْتِهِ: أَبَا [١] لَهَبٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعَدِيَّ بْنَ حَمْرَاءَ الثَّقَفِيَّ، وَابْنَ الْأَصْدَاءِ الْهُذَلِيَّ، وَكَانُوا جِيرَانَهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- يَطْرَحُ عَلَيْهِ ﷺ رَحِمَ الشَّاةِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُهَا فِي بُرْمَتِهِ [٢] إذَا نُصِبَتْ لَهُ، حَتَّى اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِجْرًا [٣] يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْهُمْ إذَا صَلَّى، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا طَرَحُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَذَى، كَمَا حَدَّثَنِي عُمَرُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، يَخْرُجُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعُودِ، فَيَقِفُ بِهِ عَلَى بَابِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا! ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ.
(طَمَعُ الْمُشْرِكِينَ فِي الرَّسُولِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَصَائِبُ بِهُلْكِ خَدِيجَةَ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ، يَشْكُو إلَيْهَا، وَبِهُلْكِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ لَهُ عَضُدًا وَحِرْزًا فِي أَمْرِهِ، وَمَنَعَةً وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ، نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ التُّرَابَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا:
لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ. قَالَ: وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ.
=================
[١] كَذَا فِي ط، وَفِي سَائِر الْأُصُول «أَبُو» .
[٢] البرمة: الْقدر من الْحجر.
[٣] الْحجر: كل مَا حجرته من حَائِط.
(الْمُشْرِكُونَ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا ثَقُلَ بِهِ الْمَرَضُ، يَطْلُبُونَ عَهْدًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ، وَبَلَغَ قُرَيْشًا [١] ثِقَلُهُ، قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضِ: إنَّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ قَدْ أَسْلَمَا، وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، فَانْطَلِقُوا بِنَا إلَى أَبِي طَالِبٍ، فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، وَلْيُعْطِهِ مِنَّا، وَاَللَّهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَبْتَزُّونَا [٢] أَمْرَنَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ (بْنِ عَبَّاسٍ) [٣] عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلَّمُوهُ، وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى، وَتَخَوَّفْنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَادْعُهُ، فَخُذْ لَهُ مِنَّا، وَخُذْ لَنَا مِنْهُ، لِيَكُفَّ عَنَّا، وَنَكُفَّ عَنْهُ، وَلِيَدَعَنَا وَدِينَنَا، وَنَدَعَهُ وَدِينَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ: يَا بن أَخِي: هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ قَوْمِكَ، قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ، لِيُعْطُوكَ، وَلِيَأْخُذُوا مِنْكَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ [٤]، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُعْطُونِيهَا تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: نَعَمْ وَأَبِيكَ، وَعَشْرَ كَلِمَاتٍ، قَالَ: تَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ.
قَالَ: فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا، إنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ! (قَالَ) [٥]: ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ، فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ.
قَالَ: ثُمَّ تَفَرَّقُوا.
=====================
[١] فِي م: «قُرَيْش» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] ابتزه أمره: سلبه إِيَّاه وغلبه عَلَيْهِ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي م، ر: «يَا عَم» .
[٥] زِيَادَة عَن أ، ط.
٢٧- سيرة ابْن هِشَام- ١
(طَمَعُ الرَّسُولِ فِي إسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ، وَحَدِيثُ ذَلِكَ):
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَاَللَّهِ يَا بن أَخِي، مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا، قَالَ: فَلَمَّا قَالَهَا أَبُو طَالِبٍ طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إسْلَامِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، فَأَنْتَ فَقُلْهَا أَسْتَحِلَّ لَكَ بِهَا الشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَى حِرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا بن أَخِي، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ السُّبَّةِ عَلَيْكَ وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي، وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إنَّمَا قُلْتهَا جَزَعًا مِنْ الْمَوْتِ لَقُلْتهَا، لَا أَقُولُهَا إلَّا لِأَسُرَّكَ بِهَا. قَالَ: فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَ: نَظَرَ الْعَبَّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ: فَأَصْغَى إلَيْهِ بِأُذُنِهِ، قَالَ: فَقَالَ يَا بن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا، قَالَ:
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ أَسْمَعْ [١] .
(مَا نَزَلَ فِيمَنْ طَلَبُوا الْعَهْدَ عَلَى الرَّسُولِ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ):
قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّهْطِ الَّذِينَ كَانُوا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا رَدُّوا: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ٣٨: ١- ٢ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ. مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ٣٨: ٥- ٧
=======================
[١] شَهَادَة الْعَبَّاس لأبى طَالب لَو أَدَّاهَا بعد مَا أسلم لكَانَتْ مَقْبُولَة، وَلم يرد بقوله «لم أسمع»، لِأَن الشَّاهِد الْعدْل إِذا قَالَ: سَمِعت، وَقَالَ من هُوَ أعدل مِنْهُ: لم أسمع، أَخذ بقوله من أثبت السماع، لِأَن عدم السماع يحْتَمل أسبابا منعت الشَّاهِد من السّمع، وَلَكِن الْعَبَّاس شهد بذلك قبل أَن يسلم. مَعَ أَن الصَّحِيح من الْأَثر قد أثبت لأبى طَالب الْوَفَاة على الْكفْر والشرك، وَأثبت نزُول هَذِه الْآيَة فِيهِ: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ٩: ١١٣. وَثَبت فِي الصَّحِيح أَيْضا أَن الْعَبَّاس قَالَ لرَسُول الله ﷺ:
إِن أَبَا طَالب كَانَ يحوطك وينصرك ويغضب لَك، فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك؟ قَالَ: نعم، وجدته فِي غَمَرَات من النَّار، فَأَخْرَجته إِلَى ضحضاح. وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ دخل على أَبى طَالب عِنْد مَوته وَعِنْده أَبُو جهل وَعبد الله ابْن أَبى أُميَّة، فَقَالَ: يَا عَم، قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، كلمة أشهد لَك بهَا عِنْد الله، فَقَالَ أَبُو جهل وَابْن أَبى أُميَّة: أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب، فَقَالَ: أَنا على مِلَّة عبد الْمطلب. وَظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن عبد الْمطلب مَاتَ على الشّرك. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
يَعْنُونَ النَّصَارَى، لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ٥: ٧٣- إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ ٣٨: ٧ ثُمَّ هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ.
سَعْيُ الرَّسُولِ إلَى ثَقِيفٍ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ مِنْهُ فِي حَيَاةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الطَّائِفِ، يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ اللَّهِ عز وجل، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وَحْدَهُ.
(نُزُولُ الرَّسُولِ بِثَلَاثَةِ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَتَحْرِيضُهُمْ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ:
لَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الطَّائِفِ، عَمَدَ إلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، هُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ، وَهُمْ إخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ يَالَيْلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ، وَعِنْدَ أَحَدِهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَجَلَسَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، وَكَلَّمَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ لَهُ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ:
هُوَ يَمْرُطُ [١] ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ! وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا. لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، لَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ الْكَلَامَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ يئس من خبر ثَقِيفٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي-: إذَا فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَنِّي، وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْلُغَ قَوْمَهُ عَنْهُ، فَيُذْئِرَهُمْ [٢] ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ:
======================
[١] يمرطه: أَي يَنْزعهُ ويرمى بِهِ.
[٢] يذئرهم عَلَيْهِ: يثيرهم عَلَيْهِ ويجرئهم.
وَلَقَدْ أَتَانِي عَنْ تَمِيمٍ أَنَّهُمْ ... ذَئِرُوا لِقَتْلَى عَامِرٍ وَتَعَصَّبُوا [١]
فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ، يَسُبُّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَلْجَئُوهُ إلَى حَائِطٍ [٢] لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُمَا فِيهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ مِنْ سُفَهَاءِ ثَقِيفٍ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ، فَعَمَدَ إلَى ظِلِّ حَبَلَةٍ [٣] مِنْ عِنَبٍ، فَجَلَسَ فِيهِ. وَابْنَا رَبِيعَةَ يَنْظُرَانِ إلَيْهِ، وَيَرَيَانِ مَا لَقِيَ مِنْ سُفَهَاءِ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَقَدْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- الْمَرْأَةَ الَّتِي مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَقَالَ لَهَا: مَاذَا لَقِينَا مِنْ أَحْمَائِكَ [٤]؟
(تَوَجُّهُهُ ﷺ إلَى رَبِّهِ بِالشَّكْوَى):
فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ- فِيمَا ذُكِرَ لِي-: اللَّهمّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي [٥]؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ [٦]، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ.
===================
[١] فِي ط: «وتغضبوا» .
[٢] الْحَائِط: الْبُسْتَان.
[٣] الحبلة: شَجَرَة الْعِنَب، أَو قضبانها.
[٤] هِيَ الْمَرْأَة الَّتِي ذكر أَنَّهَا عِنْد وَاحِد من النَّفر الثَّلَاثَة الثقفيين الَّذين نزل بهم الرَّسُول والأحماء: أقَارِب الزَّوْج.
[٥] تجهمه: استقبله بِوَجْه كريه.
[٦] الْوَجْه، إِذا جَاءَ ذكره فِي الْكتاب وَالسّنة، فَهُوَ يَنْقَسِم فِي الذّكر إِلَى موطنين: موطن تقرب واسترضاء بِعَمَل، كَقَوْلِه تَعَالَى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ٦: ٥٢، وَكَقَوْلِه: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٩٢: ٢٠، فالمطلوب فِي هَذَا الموطن رِضَاهُ وقبوله للْعَمَل، وإقباله على العَبْد الْعَامِل، وَأَصله أَن من رضى عَنْك أقبل عَلَيْك، وَمن غضب عَلَيْك أعرض عَنْك، وَلم يَرك وَجهه.
والموطن الثَّانِي من مَوَاطِن ذكر الْوَجْه يُرَاد بِهِ مَا ظهر إِلَى الْقُلُوب والبصائر من أَوْصَاف جَلَاله ومجده، كَقَوْلِه تَعَالَى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ٥٥: ٢٧. وَالْوَجْه لُغَة: مَا ظهر من الشَّيْء معقولا كَانَ أَو محسوسا.
أما النُّور فعبارة عَن الظُّهُور وانكشاف الْحَقَائِق الإلهية. وَبِه أشرقت الظُّلُمَات، أَي أشرقت محالها، وَهِي الْقُلُوب الَّتِي كَانَت فِيهَا ظلمات الْجَهَالَة والشكوك. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
(قِصَّةُ عَدَّاسٍ النَّصْرَانِيِّ مَعَهُ ﷺ):
قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ ابْنَا رَبِيعَةَ، عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ، وَمَا لَقِيَ، تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا [١]، فَدَعَوْا غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا، يُقَالُ لَهُ عَدَّاسٌ، فَقَالَا لَهُ: خُذْ قِطْفًا (مِنْ هَذَا) [٢] الْعِنَبِ، فَضَعْهُ فِي هَذَا الطَّبَقِ، ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقُلْ لَهُ يَأْكُلُ مِنْهُ.
فَفَعَلَ عَدَّاسٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُلْ، فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ يَدَهُ، قَالَ:
بِاسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمِنْ أَهْلِ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ، وَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى [٢]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ، فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ [٣] .
قَالَ: يَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ. فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ، قَالَا لَهُ: وَيْلَكَ يَا عدّاس! مَا لَك تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ؟ قَالَ: يَا سَيِّدِي مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرِ مَا يَعْلَمُهُ إلَّا نَبِيٌّ، قَالَا لَهُ: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ، لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ.
(أَمْرُ الْجِنِّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ):
قَالَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ الطَّائِفِ رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ،
--------------------------
[١] الرَّحِم: الصِّلَة والقرابة.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] قَالَ السهيليّ: «وَزَاد التَّيْمِيّ فِيهَا: أَن عداسا حِين سَمعه يذكر ابْن مَتى، قَالَ: وَالله لقد خرجت مِنْهَا- يعْنى نِينَوَى- وَمَا فِيهَا عشرَة يعْرفُونَ مَا مَتى، فَمن أَيْن عرفت أَنْت مَتى، وَأَنت أمى وَفِي أمة أُميَّة؟
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: هُوَ أخى، إِلَى آخر الْقِصَّة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-31-2026, 08:54 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (45)
صــ 421إلى صــ 430
حِينَ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، حَتَّى إذَا كَانَ بِنَخْلَةَ [١] قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَمَرَّ بِهِ النَّفَرُ مِنْ الْجِنِّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تبارك وتعالى، وَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ أَهْلِ نَصِيبِينَ [٢]، فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إلَى مَا سَمِعُوا. فَقَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ ﷺ، قَالَ اللَّهُ عز وجل: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ٤٦: ٢٩ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ٤٦: ٣١. وَقَالَ تبارك وتعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ٧٢: ١ ... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
عَرْضُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ
(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَقَوْمُهُ أَشَدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ وَفِرَاقِ دِينِهِ، إلَّا قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ، مِمَّن آمن بِهِ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ، إذَا كَانَتْ، عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَيِّنَ (لَهُمْ) [٣] اللَّهُ مَا بَعَثَهُ بِهِ [٤] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ أَصْحَابِنَا، مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ [٥] عَنْ
===============
[١] نَخْلَة: أحد واديين على لَيْلَة من مَكَّة، يُقَال لأَحَدهمَا نَخْلَة الشامية، وَللْآخر نَخْلَة اليمانية.
[٢] نَصِيبين: قَاعِدَة ديار ربيعَة.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي أ: «لَهُ» .
[٥] هُوَ زيد بن أسلم الْعَدوي أَبُو أُسَامَة. وَيُقَال أَبُو عبد الله الْمدنِي النقير، مولى عمر. روى عَن أَبِيه وَابْن عمر وأبى هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَجَابِر وَرَبِيعَة هَذَا وَغَيرهم. وَعنهُ أَوْلَاده الثَّلَاثَة أُسَامَة وَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن أَو مَالك وَابْن عجلَان وَغَيرهم. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدِّيلِيِّ [١]، أَوْ مَنْ [٢] حَدَّثَهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْهُ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَبِيعَةُ ابْن عَبَّادٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ [٣] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّادٍ، يُحَدِّثُهُ أَبِي، قَالَ: إنِّي لَغُلَامٌ شَابٌّ مَعَ أَبِي بِمِنًى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ عَلَى مَنَازِلِ الْقَبَائِلِ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَقُولُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي، وَتُصَدِّقُوا بِي، وَتَمْنَعُونِي، حَتَّى أُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ. قَالَ: وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ [٤] عَلَيْهِ حُلَّةٌ عَدَنِيَّةٌ. فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا دَعَا إلَيْهِ، قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنَّ هَذَا إنَّمَا يَدْعُوكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَحَلْفَاءَكُمْ مِنْ الْجِنِّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ [٥]، إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَلَا تُطِيعُوهُ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، مَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ؟ قَالَ:
هَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو لَهَبٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ النَّابِغَةُ:
==================
[١] كَذَا فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب فِي تَرْجَمَة زيد بن أسلم، وتراجم رجال ص ٦٥. وَفِي الْأُصُول «الدؤَلِي» وَهِي رِوَايَة فِيهِ. وَعباد. بِكَسْر الْمُهْملَة، وخفة الْمُوَحدَة. (كَذَا فِي الْمَوَاهِب) وَفِي كنَانَة بن خُزَيْمَة الديل (بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء) ابْن بكر بن عبد مَنَاة، رَهْط أَبى الْأسود الديليّ، واسْمه ظَالِم بن عَمْرو، وَقيل: هم ثَلَاثَة: الدول بن حنيفَة (سَاكن الْوَاو) والديل فِي عبد الْقَيْس (سَاكن الْيَاء)، والدؤل فِي كنَانَة رَهْط أَبى الْأسود، (الْوَاو مَهْمُوزَة) وَقيل: فِي عبد الْقَيْس: أَيْضا:
الديل بن عَمْرو بن وَدِيعَة بن أفصى، وَفِي الأزد: الديل بن هداد بن زيد مَنَاة بن حجر، وَفِي تغلب وَفِي ربيعَة أَيْضا.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَمن» .
[٣] هُوَ الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَبُو عبد الله الْهَاشِمِي الْمدنِي. روى عَن ربيعَة هَذَا وَعِكْرِمَة، وروى عَنهُ غير ابْن إِسْحَاق، ابْن عجلَان، وَابْن جريج وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهم.
وَتوفى الْحُسَيْن سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. (رَاجع تراجم رجال) .
[٤] الغديرة: الذؤابة من الشّعْر.
[٥] إِلَى هَذَا الْحَيّ من الْجِنّ «بنى أقيش» تنْسب الْإِبِل الأقيشية، وَهِي غير عتاق تنفر من كل شَيْء.
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ [١] رِجْلَيْهِ بِشَنِّ [٢]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أَنَّهُ أَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: مُلَيْحٌ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي كَلْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ، إلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ.
(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ [٣] فِي مَنَازِلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ أَقْبَحَ عَلَيْهِ رَدًّا مِنْهُمْ.
(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي عَامِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ- يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرَةُ ابْن فِرَاسٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِرَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ (الْخَيْرِ) [٤] بْنِ قُشَيْرِ ابْن كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ-: وَاَللَّهِ، لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، لَأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ [٥] عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ
===============
[١] ويروى: «بَين» .
[٢] الشن: الْقرْبَة الْخلق. وَالْجمع: شنان. يُشِير إِلَى أَنه يُحَرك هَذَا الْجلد الْيَابِس لِلْإِبِلِ لتفزع.
وَمِنْه الْمثل: «فلَان لَا يقعقع لَهُ بالشنان»: أَي لَا يخدع وَلَا يروع.
[٣] وَاسم حنيفَة: أَثَال بن لجيم (على التصغير) ابْن صَعب بن على بن بكر بن وَائِل، وسمى:
حنيفَة، لحنف كَانَ فِي رجلَيْهِ (أَي اعوجاج)، وَقيل: بل حنيفَة أمّهم، وَهِي بنت كَاهِل بن أَسد، عرفُوا بهَا، وهم أهل الْيَمَامَة وَأَصْحَاب مُسَيْلمَة الْكذَّاب.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] كَذَا فِي أ: وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تابعناك» .
أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَفَتُهْدَفُ [١] نَحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمْ الْمَوَاسِمَ، فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَامَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا:
جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَدْعُونَا إلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إلَى بِلَادِنَا. قَالَ: فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ، هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ، هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مَطْلَبٍ [٢]، وَاَلَّذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تَقَوَّلَهَا إسْمَاعِيلِيٌّ [٣] قَطُّ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عَنْكُمْ.
(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي الْمَوَاسِمِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ مِنْ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ لَا يَسْمَعُ بِقَادِمِ يَقْدَمُ مَكَّةَ مِنْ الْعَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ، إلَّا تَصَدَّى لَهُ، فَدَعَاهُ إلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ.
(سُوَيْدُ بْنُ صَامِتٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ الظَّفَرِيُّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا:
قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ [٤] صَامِتٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا،
==================
[١] تهدف: أَي تصير هدفا يرْمى.
[٢] هَذَا مثل يضْرب لما فَاتَ. وَأَصله من «ذنابى الطَّائِر» إِذا أفلت من الحبالة فطلبت الْأَخْذ.
[٣] أَي مَا ادّعى النُّبُوَّة كَاذِبًا أحد من بنى إِسْمَاعِيل
[٤] هُوَ سُوَيْد بن الصَّامِت بن حوط بن حبيب بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس، وَأمه ليلى بنت عَمْرو النجارية، أُخْت سلمى بنت عَمْرو، أم عبد الْمطلب بن هَاشم. فَهُوَ على هَذَا ابْن خَالَة عبد الْمطلب. وَبنت سُوَيْد، هِيَ أم عَاتِكَة، أُخْت سعيد بن زيد، امْرَأَة عمر بن الْخطاب، فَهُوَ جدها لأمها، وَاسم أمهَا زَيْنَب، وَقيل: جليسة بنت سُوَيْد (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
وَكَانَ سُوَيْدُ إنَّمَا يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ فِيهِمْ: الْكَامِلَ، لِجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ وَشَرَفِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَوْ تَرَى ... مَقَالَتَهُ بِالْغَيْبِ سَاءَكَ مَا يَفْرِي [١]
مَقَالَتُهُ كَالشَّهْدِ مَا كَانَ شَاهِدًا ... وَبِالْغَيْبِ مَأْثُورٌ عَلَى ثُغْرَةِ النَّحْرِ [٢]
يَسُرُّكَ بَادِيهِ وَتَحْتَ أَدِيَمِهِ ... نَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقَبَ الظَّهْرِ [٣]
تُبِينُ لَكَ الْعَيْنَانِ مَا هُوَ كَاتِمٌ ... مِنْ الْغِلِّ وَالْبَغْضَاءِ بِالنَّظَرِ الشَّزْرِ
فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طَالَمَا قَدْ بَرَيْتنِي [٤] ... فَخَيْرُ [٥] الْمَوَالِي مَنْ يَرِيشُ وَلَا يَبْرِي
وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: وَنَافَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي زِعْبِ [٦] بن مَالك مائَة نَاقَةٍ، إلَى كَاهِنَةٍ مِنْ كُهَّانِ الْعَرَبِ، فَقَضَتْ لَهُ. فَانْصَرَفَ عَنْهَا هُوَ وَالسُّلَمِيُّ، لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرُهَا، فَلَمَّا فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الطَّرِيق، قَالَ: مَا لي، يَا أَخَا بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: أَبْعَثُ إلَيْكَ بِهِ، قَالَ: فَمَنْ لِي بِذَلِكَ إذَا فُتَّنِي بِهِ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: كَلَّا، وَاَلَّذِي نَفْسُ سُوَيْدٍ بِيَدِهِ، لَا تُفَارِقَنِّي حَتَّى أُوتَى بِمَالِي، فَاِتَّخَذَا [٧] فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَوْثَقَهُ رِبَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى بَعَثَتْ إلَيْهِ سُلَيْمٌ بِاَلَّذِي لَهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
لَا تَحْسَبَنِّي يَا بْنَ زِعْبِ بْنِ مَالِكٍ ... كَمَنْ كُنْتَ تُرْدِي بِالْغُيُوبِ وَتَخْتِلُ [٨]
تَحَوَّلْتَ قِرْنًا إذْ صُرِعْتَ بِعِزَّةٍ [٩] ... كَذَلِكَ إِنَّ الْحَازِمَ الْمُتَحَوِّلُ
================
[١] يفرى: يختلق.
[٢] الْمَأْثُور: السَّيْف الْمُوشى.
[٣] تبترى: تقطع. وعقب الظّهْر (بِالتَّحْرِيكِ): عصبه.
[٤] راشه: أَي قواه. وبراه: أَي أضعفه.
[٥] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَخير» .
[٦] قَالَ أَبُو ذَر فِي الْكَلَام على «زعب»: «وَقع هُنَا بالروايات الثَّلَاث، بِفَتْح الزاى وَضمّهَا وَكسرهَا، الْعين مُهْملَة، وزغب، بالزاي الْمَكْسُورَة والغين الْمُعْجَمَة، قَيده الدارقطنيّ، وَذكر أَن الطَّبَرِيّ حَكَاهُ كَذَلِك» .
[٧] اتخذا: أَخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه فِي قتال أَو نَحوه.
[٨] يردى: يهْلك. ويختل: يخدع.
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بغرة» .
ضَرَبْتُ بِهِ إِبْطَ «الشَّمَالِ فَلَمْ يَزَلْ ... عَلَى كُلِّ حَالٍ خَدُّهُ هُوَ أَسْفَلُ
فِي أَشْعَارٍ كَثِيرَةٍ كَانَ يَقُولُهَا.
فَتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ بِهِ، فَدَعَاهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلُ الَّذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا الَّذِي مَعَكَ؟ قَالَ: مَجَلَّةُ [١] لُقْمَانَ [٢]- يَعْنِي حِكْمَةَ لُقْمَانَ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اعْرِضْهَا عَلَيَّ، فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ:
إنَّ هَذَا لَكَلَامٌ حَسَنٌ، وَاَلَّذِي مَعِي أَفَضْلُ مِنْ هَذَا، قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ، هُوَ هُدًى وَنُورٌ. فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا لَقَوْلٌ حَسَنٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قتلته الْخَزْرَج، فان كَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ لَيَقُولُونَ:
إنَّا لَنَرَاهُ قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ. وَكَانَ قَتْلُهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعَاثٍ [٣] .
إسْلَامُ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ وَقِصَّةُ أَبِي الْحَيْسَرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، مَكَّةَ وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِيهِمْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ الْخَزْرَجِ، سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْكِتَابَ. قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَقَالَ إيَاسُ
==============
[١] الْمجلة: الصَّحِيفَة وَفِي رِوَايَة: حِكْمَة.
[٢] قَالَ السهيليّ: «ولقمان كَانَ نوبيا من أهل أَيْلَة، وَهُوَ لُقْمَان بن عنقاء بن سرُور، فِيمَا ذكرُوا، وَابْنه الّذي ذكر فِي الْقُرْآن هُوَ ثاران، فِيمَا ذكر الزّجاج وَغَيره، وَقد قيل فِي اسْمه غير ذَلِك، وَلَيْسَ بلقمان بن عَاد الْحِمْيَرِي» وَالله أعلم.
[٣] بُعَاث (بِالْعينِ الْمُهْملَة، ويروى بالغين الْمُعْجَمَة أَيْضا): مَوضِع كَانَت فِيهِ حَرْب بَين الْأَوْس والخزرج.
ابْن مُعَاذٍ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: أَيْ قَوْمِ، هَذَا وَاَللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ. قَالَ: فَيَأْخُذُ أَبُو الْحَيْسَرِ، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ الْبَطْحَاءِ، فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إيَاسِ ابْن مُعَاذٍ، وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا. قَالَ: فَصَمَتَ إيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ.
قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ. قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا، لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعَ.
بَدْءُ إسْلَامِ الْأَنْصَارِ
(رَسُولُ اللَّهِ وَرَهْطٌ مِنْ الْخَزْرَجِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عز وجل إظْهَارَ دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنْ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، قَالَ: أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟
قَالُوا: بَلَى. فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ [١] فِي الْإِسْلَامِ، أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ وَأَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قَدْ غَزَوْهُمْ [٢] بِبِلَادِهِمْ، فَكَانُوا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ: إنَّ
==============
[١] كَذَا فِي ط، فِي أ: «مِمَّا صنع الله بِهِ فِي الْإِسْلَام»، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مِمَّا صنع الله لَهُم بِهِ فِي الْإِسْلَام» .
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول ولعلها محرفة عَن «عزوهم» بتَشْديد الزاى أَي غلبوهم.
نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ، قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ النَّفَرَ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: يَا قَوْمِ، تَعْلَمُوا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا تَسْبِقُنَّكُمْ إلَيْهِ.
فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: إنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا، وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ اللَّهُ بِكَ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ، فَنَدْعُوهُمْ إلَى أَمْرِكَ، وَتَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ.
ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا.
(أَسَمَاءُ الرَّهْطِ الْخَزْرَجِيِّينَ الَّذِينَ الْتَقَوْا بِالرَّسُولِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي-: سِتَّةُ نَفَرٍ مِنْ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ- وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ- ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ: أَسْعَدُ [١] بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفُ [٢] بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَعَفْرَاءُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ [٣] بْنِ غَنْمِ ابْن مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ ابْن غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ: رَافِعُ [٤] بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ.
=================
[١] كَانَ أسعد نَقِيبًا، شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة، وَبَايع فيهمَا. وَيُقَال: إِنَّه أول من بَايع النَّبِي ﷺ يَوْم الْعقبَة. وَمَات قبل بدر، أَخَذته الذبْحَة وَالْمَسْجِد يبْنى، فكواه النَّبِي ﷺ، وَمَات فِي تِلْكَ الْأَيَّام. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٢] شهد عَوْف بَدْرًا مَعَ أَخَوَيْهِ معَاذ ومعوذ. وَقتل هُوَ ومعوذ شهيدين يَوْم بدر (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب وَفِي أ: «وعفراء ابْنة عبيد بن ثَعْلَبَة بن غنم»
[٤] يكنى رَافع: أَبَا مَالك، وَقيل: أَبُو رِفَاعَة. وَهُوَ نقيب بَدْرِي، شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة،
قَالَ [١] ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَامِرُ بْنُ الْأَزْرَقِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ [٢] بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ [٣] ابْن جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: قُطْبَةُ [٤] ابْن عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، وَلَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: غَنْمٌ [٥] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ:
عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ [٦] بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ.
وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: جَابِرُ [٧] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْن رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ.
فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ إلَى قَوْمِهِمْ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَدَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
================
[()] وَشهد بَدْرًا. وَلم يذكرهُ ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ. وَذكر فيهم ولديه رِفَاعَة وخلادا. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[١] مَكَان هَذِه الْعبارَة فِي أ، ط: بعد كلمة «الْخَزْرَج» وَقبل كلمة «رَافع»
[٢] سَلمَة: بِكَسْر اللَّام، كَمَا ذكر السهيليّ. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم: سلمى (بِالْفَتْح)
[٣] كَذَا فِي أ، وَالرَّوْض الْأنف، وَفِي جَمِيع الْأُصُول فِيمَا سَيَأْتِي وَلَا يعرف فِي الْعَرَب تزيد (بِالتَّاءِ) إِلَّا هَذَا. وتزيد بن الحاف بن قضاعة، وهم الَّذين تنْسب إِلَيْهِم الثِّيَاب التزيدية. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«يزِيد» بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة، وَهُوَ تَصْحِيف
[٤] وَيُقَال: قُطْبَة بن عَمْرو. ويكنى أَبَا زيد. شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة وبدرا وأحدا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ. وَكَانَت مَعَه راية بنى سَلمَة يَوْم الْفَتْح. وجرح يَوْم أحد تسع جراحات.
وَتوفى زمن عُثْمَان رضي الله عنه. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٥] تقدم عَن ابْن إِسْحَاق فِي سِيَاق قبيل «قُطْبَة» مَا يُؤَيّد مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن هِشَام
[٦] شهد «عقبَة» بَدْرًا بعد شُهُوده الْعقبَة الأولى، ثمَّ شهد أحدا فَأعْلم بعصابة خضراء فِي مغْفرَة. وَلَقَد شهد الخَنْدَق وَسَائِر الْمشَاهد. وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٧] شهد جَابر بَدْرًا وأحدا وَالْخَنْدَق وَسَائِر الْمشَاهد مَعَ رَسُول الله ﷺ. وَهُوَ أول من أسلم من الْأَنْصَار قبل الْعقبَة الأولى بعام. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) وَجَابِر هَذَا غير جَابر بن عبد الله بن عَمْرو بن حرَام الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ (الزرقانى على الْمَوَاهِب)
الْعَقَبَةُ الْأُولَى وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ
حَتَّى إذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنْ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَلَقَوْهُ بِالْعَقَبَةِ. (قَالَ) [١]: وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ [٢]، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ الْحَرْبُ.
(رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي النَّجَّارِ):
مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفٌ، وَمُعَاذٌ، ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ.
(رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ):
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ [٣] بْنِ عَامِرٍ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ بْنِ مُخْلِدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَكْوَانُ، مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ.
(رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي عَوْفٍ):
وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفِ [٤] بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ [٥]: عُبَادَةُ بْنُ [٦] الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ [٧]
================
[١] زِيَادَة عَن أ
[٢] قد ذكر الله تَعَالَى بيعَة النِّسَاء فِي الْقُرْآن، فَقَالَ: يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ٦٠: ١٢ فَأَرَادَ ببيعة النِّسَاء أَنهم لم يبايعوه على الْقِتَال. وَكَانَت مبايعته للنِّسَاء أَنه يَأْخُذ عليهنّ الْعَهْد والميثاق. فَإِذا أقررن بألسنتهن، قَالَ: قد بايعتكن. (رَاجع الرَّوْض الْأنف)
[٣] فِي أهنا: «وَمن بنى عَامر بن زُرَيْق»
[٤] فِي أ: «ثمَّ من بنى غنم بن عَوْف بن الْخَزْرَج»
[٥] سيعرض ابْن هِشَام لتفسير كلمة «القواقل» بعد قَلِيل
[٦] يكنى عبَادَة: أَبَا الْوَلِيد. وَأمه: قُرَّة الْعين بنت عبَادَة بن نَضْلَة بن مَالك بن العجلان وَكَانَ عبَادَة نَقِيبًا شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة وَشهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا. ثمَّ وَجهه عمر إِلَى الشَّام قَاضِيا ومعلما، فَأَقَامَ بحمص ثمَّ انْتقل إِلَى فلسطين وَمَات بهَا وَدفن بِبَيْت الْمُقَدّس، وقبره مَعْرُوف بهَا إِلَى الْيَوْم.
وَفِي وَفَاته أَقْوَال أُخْرَى. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٧] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب، وَفِي أ: «أحرم»
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-31-2026, 08:58 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (46)
صــ 431إلى صــ 440
ابْن فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمَةَ [١] ابْن أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمَّارَةَ [٢]، مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ، مِنْ بَلِيٍّ، حَلِيفٌ لَهُمْ.
(مَقَالَةُ ابْنِ هِشَامٍ فِي اسْمِ الْقَوَاقِلِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ الْقَوَاقِلُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ الرَّجُلُ دَفَعُوا لَهُ سَهْمًا، وَقَالُوا لَهُ: قَوْقِلْ بِهِ بِيَثْرِبَ حَيْثُ شِئْتَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقَوْقَلَةُ: ضَرْبٌ مِنْ الْمَشْيِ.
(رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَالِمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ [٣] بْنِ نَضَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ.
(رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، بِلَامِ مَكْسُورَةٍ):
وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَلِمَةَ: عُقْبَةُ بْنُ [٤] عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ.
(رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَوَادٍ):
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ قُطْبَةُ بْنُ [٥] عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ ابْن عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادِ.
---------------------
[١] قَالَ الطَّبَرِيّ: خزمة (بِفَتْح الزاى) فِيمَا ذكر الدارقطنيّ. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق وَابْن الْكَلْبِيّ:
خزمة (بِسُكُون الزاى) وَهُوَ الصَّوَاب. قَالَ أَبُو عمر: لَيْسَ فِي الْأَنْصَار خزمة، بِالتَّحْرِيكِ عَن الِاسْتِيعَاب
[٢] عمَارَة: هُوَ بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْمِيم. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٣] شهد الْعَبَّاس بيعَة العقبتين، وَأقَام مَعَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة حَتَّى هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فَكَانَ يُقَال لَهُ: مُهَاجِرِي أنصارى: قتل يَوْم أحد شَهِيدا، وَلم يشْهد بَدْرًا (عَن الِاسْتِيعَاب)
[٤] رَاجع التَّعْرِيف بِهِ فِي الْحَاشِيَة (رقم ٦ ص ٤٣٠)
[٥] رَاجع التَّعْرِيف بِهِ فِي الْحَاشِيَة (رقم ٤ ص ٤٣٠)
(رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ الْأَوْسِ):
وَشَهِدَهَا مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ:
أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ [١] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: التَّيِّهَانُ: يُخَفَّفُ وَيُثَقَّلُ، كَقَوْلِهِ مَيْتٌ وَمَيِّتٌ.
(رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي عَمْرٍو):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ [٢] .
(عَهْدُ الرَّسُولِ عَلَى مُبَايِعِي الْعَقَبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ (أَبِي) [٣] مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الصَّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ:
كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ، عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ باللَّه شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ. فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ.
وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُكُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل إنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ.
--------------------------------
[١] هُوَ مَالك بن التيهَان بن مَالك بن عبيد بن عَمْرو بن عبد الأعلم بن عَامر، أَبُو الْهَيْثَم الْبلوى، من بلَى ابْن الحاف بن قضاعة حَلِيف بنى عبد الْأَشْهَل، شهد بيعَة الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة، وَكَانَ أحد السِّتَّة الَّذين لقوا قبل ذَلِك رَسُول الله ﷺ بِالْعقبَةِ. قيل: إِنَّه هُوَ أول من بَايع النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْعقبَة، شهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا. وَتوفى فِي خلَافَة عمر سنة عشْرين أَو إِحْدَى وَعشْرين، وَقيل بل قتل يَوْم صفّين مَعَ على سنة سبع وَثَلَاثِينَ. وَقيل: بل بَقِي حَتَّى مَاتَ بعْدهَا بِيَسِير. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، والاستيعاب)
[٢] هُوَ عويم بن سَاعِدَة بن عائش بن قيس بن النُّعْمَان بن زيد بن أُميَّة بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف، ويكنى: أَبَا عبد الرَّحْمَن. وَكَانَ ابْن إِسْحَاق يَقُول فِي نسبه: عويم بن سَاعِدَة بن صلجعة، وَأَنه من بلَى بن عَمْرو بن الحاف بن قضاعة. حَلِيف لبني أُميَّة بن زيد، وَلم يذكر ذَلِك غَيره شهد عويم- على قَول الْوَاقِدِيّ- العقبتين جَمِيعًا، وَشهد بَدْرًا وأحدا وَالْخَنْدَق. وَمَات فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ، وَقيل: بل مَاتَ فِي خلَافَة عمر بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ ابْن خمس أَو سِتّ وَسِتِّينَ سنة.
(عَن الِاسْتِيعَاب)
[٣] زِيَادَة عَن أ ٢٨- سيرة ابْن هِشَام- ١
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَائِذِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ أَبِي إدْرِيسَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ باللَّه شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ (شَيْئًا) [١] فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، إنْ شَاءَ عَذَّبَ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ.
(إرْسَالُ الرَّسُولِ مُصْعَبًا مَعَ وَفْدِ الْعَقَبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ مُصْعَبَ [٢] بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ [٣] بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمْ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَكَانَ يُسَمَّى الْمُقْرِئَ بِالْمَدِينَةِ: مُصْعَبٌ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ [٤] عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، وَذَلِكَ
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ
[٢] يكنى مُصعب: أَبَا عبد الله، وَكَانَ من جلة الصَّحَابَة وفضلائهم، هَاجر إِلَى الْحَبَشَة فِي أول من هَاجر إِلَيْهَا. ثمَّ شهد بَدْرًا. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد بَعثه إِلَى الْمَدِينَة قبل الْهِجْرَة بعد الْعقبَة الثَّانِيَة، يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن، ويفقههم فِي الدَّين، وَكَانَ مُصعب بن عُمَيْر فَتى مَكَّة شبَابًا وجمالا وتيها. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يذكرهُ وَيَقُول: مَا رَأَيْت بِمَكَّة أحسن لمة، وَلَا أرق حلَّة، وَلَا أنعم نعْمَة من مُصعب بن عُمَيْر. وَقتل مُصعب يَوْم أحد شَهِيدا، قَتله ابْن قميئة اللَّيْثِيّ، وَلم يخْتَلف أهل السّير فِي أَن راية رَسُول الله ﷺ كَانَت مَعَ مُصعب يَوْم بدر وَأحد، ثمَّ إِنَّه لما قتل يَوْم أحد أَخذهَا على بن أَبى طَالب. (رَاجع الِاسْتِيعَاب وَالرَّوْض الْأنف)
[٣] فِي أ: «هِشَام» . وَهُوَ تَحْرِيف
[٤] قَالَ السهيليّ عِنْد الْكَلَام على: «وَكَانَ منزله ... إِلَخ» . منزل: (بِفَتْح الزاى)، وَكَذَلِكَ كل مَا وَقع فِي هَذَا الْبَاب من منزل فلَان على فلَان، فَهُوَ بِالْفَتْح، لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمصدر وَلم يرد الْمَكَان، وَكَذَلِكَ قَيده الشَّيْخ أَبُو بَحر (بِفَتْح الزاى)
أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمَّهُ بَعْضٌ.
أَوَّلُ جُمُعَةٍ أَقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ
(أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَإِقَامَةُ أَوَّلِ جُمُعَةٍ بِالْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي، كَعْبِ ابْن مَالِكٍ، حِينَ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَكُنْتُ إذَا خَرَجْتُ بِهِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَسَمِعَ الْأَذَانَ بِهَا صَلَّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. قَالَ: فَمَكَثَ حِينًا عَلَى ذَلِكَ: لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ إلَّا صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا بِي لَعَجْزٌ، أَلَّا أَسْأَلَهُ مَا لَهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ كَمَا كُنْتُ أَخْرُجُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، مَا لَكَ إذَا سَمِعْتَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّيْتَ عَلَى أَبِي أُمَامَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ [١]، مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ، قَالَ قُلْتُ: وَكَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا.
(أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَإِسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ ظَفَرٍ كَعْبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو
---------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: هزم النبيت: جبل على بريد من الْمَدِينَة، وَأنكر ياقوت أَن يكون «هزم النبيت» جبلا، لِأَن «الهزم» لُغَة: المطمئن من الأَرْض، وَاسْتحْسن نصا ذكر عَن بعض أهل المغاربة، وَقَالَ:
إِن صَحَّ فَهُوَ الْمعول عَلَيْهِ، وَهُوَ: «جمع بِنَا فِي هزم بنى النبيت من حرَّة بنى بياضة فِي نَقِيع يُقَال لَهُ:
نَقِيع الْخضمات»
ابْن مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ- قَالَا: عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ مَرَقٍ [١]، فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: لَا أَبَا لَكَ، انْطَلِقْ إلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَيْنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا، فَازْجُرْهُمَا وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا، قَالَ: فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ ابْن زُرَارَةَ، قَالَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ، فَاصْدُقْ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ مُصْعَبٌ: إنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ. قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَانَا إنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ؟ قَالَ: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَقَالَا: فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا: وَاَللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي إشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي. فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إنَّ وَرَائِي رَجُلًا إنْ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إلَيْكُمَا الْآنَ، سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا، قَالَ:
أَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: كلّمت الرجلَيْن، فو الله مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا، فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ، لِيُخْفِرُوكَ [٢] .
قَالَ: فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا، تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ
--------------------------------
[١] قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: «بِئْر مرق: بِالْمَدِينَةِ، ذكر فِي الْهِجْرَة، ويروى بِسُكُون الرَّاء»
[٢] كَذَا فِي أ. والإخفار: نقض الْعَهْد والغدر.. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ليحقروك»
مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنَّيْنِ، عَرَفَ سَعْدٌ أَنَّ أُسَيْدًا إنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، (أَمَا وَاَللَّهِ) [١]، لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ- وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ ابْن زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَيْ مُصْعَبُ، جَاءَكَ وَاَللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ، إنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْكَ مِنْهُمْ اثْنَانِ- قَالَ: فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ؟
قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْتَ. ثُمَّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَا: فَعَرَفْنَا وَاَللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.
قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا، قَالُوا: نَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ رَجَعَ إلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا (وَأَوْصَلُنَا) [١] وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا باللَّه وبرسوله [٢] .
قَالَا: فو الله مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً، وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ وَوَاقِفٍ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللَّهِ، وَهُمْ مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ، وَهُوَ صَيْفِيٌّ، وَكَانَ شَاعِرًا لَهُمْ قَائِدًا يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ، فَوَقَفَ بِهِمْ عَنْ
----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط
[٢] كَذَا فِي أ: «قَالَ» وَفِي م، ر. وَفِي ط: «وَرَسُوله فو الله» .
الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، وَقَالَ فِيمَا رَأَى مِنْ الْإِسْلَامِ، وَمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ:
أَرَبَّ النَّاسِ أَشْيَاءُ أَلَمَّتْ ... يُلَفُّ الصَّعْبُ مِنْهَا بِالذَّلُولِ
أَرَبَّ النَّاسِ أَمَّا إذْ ضَلِلْنَا ... فَيَسِّرْنَا لِمَعْرُوفِ السَّبِيلِ
فَلَوْلَا رَبُّنَا كُنَّا يَهُودًا ... وَمَا دِينُ الْيَهُودِ بِذِي شُكُولِ [١]
وَلَوْلَا رَبُّنَا كُنَّا نَصَارَى ... مَعَ الرُّهْبَانِ فِي جَبَلِ الْجَلِيلِ [٢]
وَلَكِنَّا خُلِقْنَا إذْ خُلِقْنَا ... حَنِيفًا دِينُنَا عَنْ كُلِّ جِيلِ
نَسُوقُ الْهَدْيَ تَرْسُفُ مُذْعِنَاتٍ ... مُكَشِّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ: فَلَوْلَا رَبُّنَا، وَقَوْلَهُ: لَوْلَا رَبُّنَا، وَقَوْلَهُ: مُكَشِّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ، رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَوْ مِنْ خُزَاعَةَ.
أَمْرُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ
(مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ [٤] الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ مَعَ حَجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ، وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
=====================
[١] الشكول: جمع شكل، وشكل الشَّيْء (بِالْفَتْح): مثله. فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن دين الْيَهُود بدع فَلَيْسَ لَهُ شكول: أَي لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي الْحَقَائِق، وَلَا مثيل يعضده من الْأَمر الْمَعْرُوف المقبول، وَقد قَالَ الطَّائِي:
وَقلت أخى قَالُوا أَخ من قرَابَة ... فَقلت لَهُم إِن الشكول أقَارِب
قريبي فِي رَأْيِي وديني ومذهبي ... وَإِن باعدتنا فِي الخطوب الْمُنَاسب
[٢] كَذَا فِي أ، ط. والجليل: جبل بِالشَّام مَعْرُوف، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْخَلِيل» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] ترسف: تمشى مَشى الْمُقَيد. ومذعنات: منقادات. والجلول جمع جلّ (بِالضَّمِّ وبالفتح)، وَهُوَ مَا تلبسه الدَّابَّة لتصان بِهِ.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «إِلَى» وَهُوَ تَحْرِيف.
(الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَصَلَاتُهُ إلَى الْكَعْبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبًا حَدَّثَهُ، وَكَانَ كَعْبٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا، قَالَ: خَرَجْنَا فِي حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ [١]، سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا، فَلَمَّا وَجَّهْنَا [٢] لِسَفَرِنَا، وَخَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْبَرَاءُ لَنَا: يَا هَؤُلَاءِ، إنِّي قَدْ رَأَيْت رَأيا، فو الله مَا أَدْرِي، أَتُوَافِقُونَنِي عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟ قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ لَا أَدَعَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، يَعْنِي الْكَعْبَةَ، وَأَنْ أُصَلِّيَ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا، وَاَللَّهِ مَا بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ يُصَلِّي إلَّا إلَى الشَّامِ [٣]، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ. قَالَ: فَقَالَ:
إنِّي لَمُصَلٍّ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: لَكِنَّا لَا نَفْعَلُ. قَالَ: فَكُنَّا إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ صَلَّيْنَا إلَى الشَّامِ، وَصَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ. قَالَ: وَقَدْ كُنَّا عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَأَبَى إلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ لِي: يَا بن أَخِي، انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى نَسْأَلَهُ عَمَّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ خِلَافِكُمْ إيَّايَ فِيهِ.
قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنَّا لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَقِينَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّهُ؟
قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ- قَالَ: وَقَدْ كُنَّا نَعْرِفُ الْعَبَّاسَ، كَانَ لَا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا- قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فَهُوَ الرَّجُلُ الْجَالِسُ مَعَ الْعَبَّاسِ. قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا الْعَبَّاسُ جَالِسٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ مَعَهُ، فَسَلَّمْنَا ثُمَّ
-----------------------
[١] يكنى الْبَراء بن معْرور: أَبَا بشر، بِابْنِهِ بشر. وَهُوَ الّذي أكل مَعَ رَسُول الله ﷺ من الشَّاة المسمومة، فَمَاتَ. ومعرور: اسْم أَبِيه. وَمَعْنَاهُ: مَقْصُود، يُقَال: عره واعتره: إِذا قَصده.
والبراء هَذَا، مِمَّن صلى رَسُول الله ﷺ على قَبره بعد مَوته.
[٢] وجهنا: اتجهنا.
[٣] يعْنى بَيت الْمُقَدّس.
جَلَسْنَا إلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ (بْنُ) [١] مَالك. قَالَ: فو الله مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُول الله ﷺ: لشاعر؟
قَالَ: نَعَمْ. (قَالَ) [١]: فَقَالَ (لَهُ) [١] الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي خَرَجْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، وَقَدْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، فَرَأَيْتُ أَنْ لَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، فَصَلَّيْتُ إلَيْهَا، وَقَدْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي فِي ذَلِكَ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (قَدْ) [١] كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ [٢] عَلَيْهَا. قَالَ: فَرَجَعَ الْبَرَاءُ إلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَلَّى مَعَنَا إلَى الشَّامِ. قَالَ: وَأَهْلُهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى مَاتَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ [٣] كَمَا قَالُوا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَوْنُ بْنُ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ:
وَمِنَّا الْمُصَلِّي أَوَّلَ النَّاسِ مُقْبِلًا ... عَلَى كَعْبَةِ الرَّحْمَنِ بَيْنَ الْمَشَاعِرِ
يَعْنِي الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(إسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، قَالَ كَعْبٌ: ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَقَبَةِ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهَا، وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو
-----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذَا الحَدِيث «قَوْله: لَو صبرت عَلَيْهَا، إِنَّه لم يَأْمُرهُ بِإِعَادَة مَا قد صلى، لِأَنَّهُ كَانَ متأولا وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يصلى بِمَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس. وَقَالَت طَائِفَة: مَا صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَّا مذ قدم الْمَدِينَة سَبْعَة عشر شهرا أَو سِتَّة عشر شهرا فعلى هَذَا يكون فِي الْقبْلَة نسخان: نسخ سنة بِسنة وَنسخ سنة بقرآن. وَقد بَين حَدِيث ابْن عَبَّاس منشأ الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فروى عَنهُ من طرق صِحَاح: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا صلى بِمَكَّة اسْتقْبل بَيت الْمُقَدّس، وَجعل الْكَعْبَة بَينه وَبَين بَيت الْمُقَدّس، فَلَمَّا كَانَ عليه السلام يتحَرَّى الْقبْلَتَيْنِ جَمِيعًا لم يبن توجهه إِلَى بَيت الْمُقَدّس للنَّاس حَتَّى خرج من مَكَّة» .
[٣] فِي أ: «وَلَيْسَ كَذَلِك نَحن ... إِلَخ» .
ابْن حرَام أَبُو جَابِرٌ، سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا [١]، أَخَذْنَاهُ مَعَنَا، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمْرَنَا، فَكَلَّمْنَاهُ وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ، إنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، ثُمَّ دَعَوْنَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّانَا الْعَقَبَةَ. قَالَ: فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا.
قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا: نُسَيْبَةُ [٢] بِنْتُ كَعْبٍ، أُمُّ عُمَارَةَ، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ.
(الْعَبَّاسُ يَتَوَثَّقُ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام):
قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ (عَمُّهُ) [٣] الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ وَيَتَوَثَّقَ لَهُ. فَلَمَّا جَلَسَ كَانَ أَوَّلَ [٤] مُتَكَلِّمٍ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ- قَالَ: وَكَانَتْ الْعَرَبُ إنَّمَا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ: الْخَزْرَجَ، خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا-: إنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا، مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، فَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إلَّا الِانْحِيَازَ إلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ
=======================
[١] الْعبارَة «وشريف من أشرافنا» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] هِيَ امْرَأَة زيد بن عَاصِم، وَقد شهِدت بيعَة الْعقبَة وبيعة الرضْوَان، كَمَا شهِدت يَوْم الْيَمَامَة وباشرت الْقِتَال بِنَفسِهَا. وشاركت ابْنهَا عبد الله فِي قتل مُسَيْلمَة، فَقطعت يَدهَا. وجرحت اثنى عشر جرحا، ثمَّ عاشت بعد ذَلِك دهرا. ويروى أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله ﷺ: مَا أرى كل شَيْء إِلَّا للرِّجَال، وَمَا أرى للنِّسَاء شَيْئا! فَأنْزل الله تَعَالَى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ٣٣: ٣٥ ... الْآيَة.
[٣] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٤] فِي أ: «أول من تكلم» .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
01-31-2026, 09:00 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (47)
صــ 441إلى صــ 450
كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ بِهِ إلَيْكُمْ، فَمِنْ الْآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتُ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتُ.
(عَهْدُ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام عَلَى الْأَنْصَارِ):
قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ (نَبِيًّا) [١]، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا [٢]، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ [٣] الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ [٤]، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا (عَنْ كَابِرٍ) [١] . قَالَ:
فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ، وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ [٥]، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا- يَعْنِي الْيَهُودَ- فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ [٦]، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ.
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] أزرنا، أَي نِسَاءَنَا. وَالْمَرْأَة قد يكنى عَنْهَا بالإزار، كَمَا يكنى أَيْضا بالإزار عَن النَّفس، وَيجْعَل الثَّوْب عبارَة عَن لابسه. قَالَ الشَّاعِر:
رَمَوْهَا بأثواب خفاف فَلَا ترى ... لَهَا شبها إِلَّا النعام المنفرا
وعَلى هَذَا يَصح أَن يحمل قَول الْبَراء على إِرَادَة الْمَعْنيين جَمِيعًا.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أهل» .
[٤] الْحلقَة، أَي السِّلَاح.
[٥] التيهَان: يرْوى بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها.
[٦] قَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَت الْعَرَب تَقول عِنْد عقد الْحلف والجوار: دمي دمك، وهدمي هدمك:
أَي مَا هدمت من الدِّمَاء هدمته أَنا.
ويروى أَيْضا: بل اللدم اللدم، وَالْهدم الْهدم. وَأنْشد:
ثمَّ الحقي بهدمى ولدمى
فاللدم: جمع لادم، وهم أَهله الَّذين يلتدمون عَلَيْهِ إِذا مَاتَ، وَهُوَ من لدمت صدرها، إِذا ضَربته
قَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال: الْهَدْمَ [١] الْهَدْمَ: (يَعْنِي الْحُرْمَةَ) [٢] . أَيْ ذِمَّتِي ذِمَّتُكُمْ [٣]، وَحُرْمَتِي حُرْمَتُكُمْ [٤] .
قَالَ كَعْبُ (بْنُ مَالِكٍ) [٢]: وَقَدْ (كَانَ) [٢] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَخْرِجُوا إلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ. فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، تِسْعَةً مِنْ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةً مِنْ الْأَوْسِ.
أَسَمَاءُ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَتَمَامُ خَبَرِ الْعَقَبَةِ
(نُقَبَاءُ الْخَزْرَجِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ الْخَزْرَجِ- فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْن إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ-: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنُ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ [٥] بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، وَسَعْدُ ابْن الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ ابْن الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ [٦] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ابْن عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ (الْأَكْبَرِ) [٧] بْنِ مَالِكٍ (الْأَغَرِّ) [٧] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ ابْن الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَادِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ ابْن زُرَيْقِ [٨] بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْبَرَاءُ
-------------------------
[١] الْهدم (بِالْفَتْح): الْمصدر: (وبالتحريك) كل مَا تهدم.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] فِي أ: «يَقُول: حرمتي حرمتكم، وَدمِي دمكم» .
[٤] قَالَ السهيليّ: «وَإِنَّمَا كنى ابْن هِشَام عَن حُرْمَة الرجل وَأَهله «بالهدم»، لأَنهم كَانُوا أهل نجعة وارتحال، وَلَهُم بيُوت يستخفونها يَوْم ظعنهم، فَكلما ظعنوا هدموها. وَالْهدم: بِمَعْنى المهدوم.
ثمَّ جعلُوا الْهدم، وَهُوَ الْبَيْت المهدوم، عبارَة عَمَّا حوى.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري. وَفِي أ «تيم الله بن عَمْرو ... إِلَخ» .
[٦] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي أ. «وَعبد الله بن رَوَاحَة بن امْرِئ الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس بن مَالك ... إِلَخ»، وَقد سَقَطت «ابْن ثَعْلَبَة» الأولى، من سَائِر الْأُصُول.
[٧] زِيَادَة عَن الِاسْتِيعَاب.
[٨] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... ابْن عَامر بن زُرَيْق بن عَامر بن زُرَيْق ... إِلَخ» .
ابْن مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعُبَادَةُ ابْن الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي حَزِيمَةَ [١] بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ- قَالَ [٢] ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ خُنَيْسٍ [٣] .
(نُقَبَاءُ الْأَوْسِ):
وَمِنْ الْأَوْسِ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ابْن زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُبَيْرِ [٤] بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو ابْن عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
-------------------------------
[١] فِي الْأُصُول والاستيعاب: «خُزَيْمَة» بخاء مُعْجمَة مَضْمُومَة وزاي مَفْتُوحَة، والتصويب عَن أَبى ذَر، فقد ضَبطه بالعبارة بِالْحَاء الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة والزاى الْمَكْسُورَة. وَزَاد ابْن عبد الْبر فِيهِ رِوَايَة، يُقَال: «وَيُقَال: ابْن أَبى حليمة» .
[٢] هَذِه الْعبارَة: «قَالَ ابْن هِشَام ... خُنَيْس» سَاقِطَة فِي أ.
[٣] فِي م: «خنيش» .
[٤] كَذَا فِي أ، ط، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زنير» .
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي حَصْرِ النُّقَبَاءِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعُدُّونَ فِيهِمْ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ، وَلَا يَعُدُّونَ رِفَاعَةَ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُهُمْ، فِيمَا أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ:
أَبْلِغْ أُبَيًّا أَنَّهُ فَالَ رَأْيُهُ ... وَحَانَ غَدَاةَ الشِّعْبِ وَالْحَيْنُ وَاقِعُ [١]
أَبَى اللَّهُ مَا مَنَّتْكَ نَفْسُكَ إنَّهُ ... بِمِرْصَادِ أَمْرِ النَّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ
وَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ قَدْ بَدَا لَنَا ... بِأَحْمَدَ نُورٌ مِنْ هُدَى اللَّهِ سَاطِعُ
فَلَا تَرْغَبَنْ [٢] فِي حَشْدِ أَمْرٍ تُرِيدُهُ ... وَأَلِّبْ وَجَمِّعْ كُلَّ مَا أَنْتَ جَامِعُ
وَدُونَكَ فَاعْلُمْ أَنَّ نَقْضَ عُهُودِنَا ... أَبَاهُ عَلَيْكَ الرَّهْطُ حِينَ تَتَابَعُوا [٣]
أَبَاهُ الْبَرَاءُ وَابْنُ عَمْرٍو كِلَاهُمَا ... وَأَسْعَدُ يَأْبَاهُ عَلَيْكَ وَرَافِعُ
وَسَعْدٌ أَبَاهُ السَّاعِدِيُّ وَمُنْذِرٌ ... لِأَنْفِكَ إنْ حَاوَلْتَ ذَلِكَ جَادِعُ [٤]
وَمَا ابْنُ رَبِيعٍ إنْ تَنَاوَلْتَ عَهْدَهُ ... بِمُسْلِمِهِ لَا يَطْمَعَنْ ثَمَّ طَامِعُ
وَأَيْضًا فَلَا يُعْطِيكَهُ ابْنُ رَوَاحَةَ ... وَإِخْفَارُهُ مِنْ دُونِهِ السُّمُّ نَاقِعُ [٥]
وَفَاءً بِهِ وَالْقَوْقَلِيُّ بْنُ صَامِتٍ ... بِمَنْدُوحَةِ عَمَّا تُحَاوِلُ يَافِعُ [٦]
أَبُو هَيْثَمٍ أَيْضًا وَفِيٌّ بِمِثْلِهَا ... وَفَاءً بِمَا أَعْطَى مِنْ الْعَهْدِ خَانِعُ [٧]
وَمَا ابْنُ حُضَيْرٍ إنْ أَرَدْتَ بِمَطْمَعِ ... فَهَلْ أَنْتَ عَنْ أُحْمُوقَةِ الْغَيِّ نَازِعُ
وَسَعْدٌ أَخُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَإِنَّهُ ... ضَرُوحٌ لِمَا حَاوَلْتَ مِلْأَمْرِ مَانِعُ [٨]
أُولَاكَ نُجُومٌ لَا يُغِبُّكَ مِنْهُمْ ... عَلَيْكَ بِنَحْسٍ فِي دُجَى اللَّيْلِ طَالِعُ
فَذَكَرَ كَعْبٌ فِيهِمْ «أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ» وَلَمْ يَذْكُرْ «رِفَاعَةَ» .
--------------------------
[١] فال: بَطل.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي ط: «فَلَا ترعين»: أَي فَلَا تبقين، يُقَال: مَا أرعى عَلَيْهِ: أَي مَا أبقى عَلَيْهِ.
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تبايعوا» .
[٤] جادع: قَاطع.
[٥] الإخفار: نقض الْعَهْد.
[٦] اليافع: الْموضع الْمُرْتَفع. ويروى: «باقع»: أَي بعيد.
[٧] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والخانع: الْمقر المتذلل. وَفِي ط: «خَالع» .
[٨] ضروح: أَي مَانع ودافع عَن نَفسه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ: أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلَاءُ، كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي- يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ [١]- قَالُوا: نَعَمْ.
(كَلِمَةُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُبَادَةَ فِي الْخَزْرَجِ قَبْلَ الْمُبَايَعَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟
قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ مِنْ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إذَا نُهِكَتْ أَمْوَالُكُمْ مُصِيبَةً، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنْ الْآنَ، فَهُوَ وَاَللَّهِ إنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ عَلَى نَهْكَةِ [٢] الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاَللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا (بِذَلِكَ) [٣]؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالُوا: اُبْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ. وَأَمَّا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ إلَّا لِيَشُدَّ الْعَقْدَ [٤] لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَعْنَاقِهِمْ.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ إلَّا لِيُؤَخِّرَ الْقَوْمَ تَلِكَ اللَّيْلَةَ، رَجَاءَ أَنْ يَحْضُرَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ، فَيَكُونَ أَقْوَى لِأَمْرِ الْقَوْمِ.
فاللَّه أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
(نَسَبُ سَلُولَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَلُولُ: امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهِيَ أُمُّ أُبَيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ
------------------------
[١] هَذِه الْجُمْلَة: «يعْنى الْمُسلمين» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] نهكة الْأَمْوَال: نَقصهَا.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْعقل» وَهُوَ تَحْرِيف.
(أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ الرَّسُولِ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَنُو النَّجَّارِ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ، وَبَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَقُولُونَ: بَلْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا مَعْبَدُ [١] بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَحَدَّثَنِي فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثُمَّ بَايَعَ بَعْدُ [٢] الْقَوْمُ.
(تَنْفِيرُ الشَّيْطَانِ لِمَنْ بَايَعَ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ):
فَلَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ- وَالْجُبَاجِبُ: الْمَنَازِلُ [٣]- هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ [٤] وَالصُّبَاةُ [٥] مَعَهُ، قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا أَزَبُّ [٦] الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ أُزَيْبٍ [٧]- أَتَسْمَعُ [٨] أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاَللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ.
(اسْتِعْجَالُ الْمُبَايِعِينَ لِلْإِذْنِ بِالْحَرْبِ):
قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ارْفَضُّوا [٩] إلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ:
----------------------
[١] كَذَا فِي ط. وَفِي أ: «قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَحَدثني معبد بن كَعْب فِي حَدِيثه ... إِلَخ» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن إِسْحَاق: قَالَ الزُّهْرِيّ: حَدثنِي معبد بن كَعْب بن مَالك، فَحَدثني فِي حَدِيثه ... إِلَخ»
[٢] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ، ط.
[٣] الْمنَازل: منَازِل منى. وأصل إِطْلَاق «الجباجب» على الْمنَازل، مَأْخُوذ من أَن الأوعية من الْأدم، كالزنبيل وَنَحْوه، تسمى: جبجبة، فَجعل الْخيام والمنازل لأَهْلهَا كالأوعية.
[٤] المذمم: المذموم جدا.
[٥] الصباة: جمع صابى، وَهُوَ الصَّابِئ (بِالْهَمْز) . وَكَانَ يُقَال للرجل إِذا أسلم فِي زمن النَّبِي ﷺ: «صابئ» . وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي الْأُصُول محرفة.
[٦] أزب الْعقبَة: اسْم شَيْطَان، ويروى بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الزاى. والأرب: الْقصير أَيْضا
[٧] فِي هَامِش الأَصْل: أزيب (الأولى): بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الزاى وَفتح الْيَاء (وَالثَّانيَِة) بِضَم الْهمزَة وَفتح الزاى وَسُكُون الْيَاء، كَمَا ضبط كَذَلِك فِي بعض النّسخ» . إِلَّا أَن هَذِه الصِّيغَة الثَّانِيَة لم ينص عَلَيْهَا فِي كتب اللُّغَة.
[٨] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول. «اسْتمع» .
[٩] ارفضوا: تفَرقُوا.
فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَاَللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ: إنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ [١] عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ارْجِعُوا إلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ: فَرَجَعْنَا إلَى مَضَاجِعِنَا، فَنِمْنَا عَلَيْهَا حَتَّى أَصْبَحْنَا.
(غُدُوُّ قُرَيْشٍ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي شَأْنِ الْبَيْعَةِ):
(قَالَ) [٢]: فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا جُلَّةُ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَاءُونَا فِي مَنَازِلِنَا، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إلَى صَاحِبِنَا هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاَللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ أَبْغَضُ إلَيْنَا، أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، مِنْكُمْ. قَالَ: فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا يَحْلِفُونَ باللَّه مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْنَاهُ. قَالَ: وَقَدْ صَدَقُوا، لَمْ يَعْلَمُوهُ. قَالَ: وَبَعْضُنَا يَنْظُرُ إلَى بَعْضٍ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ، وَفِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ لَهُ جَدِيدَانِ [٣] . قَالَ فَقُلْتُ لَهُ كَلِمَةً- كَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْرَكَ الْقَوْمَ بِهَا فِيمَا قَالُوا-: يَا أَبَا جَابِرٍ، أَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّخِذَ، وَأَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ؟
قَالَ: فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فَخَلَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَمَى بِهِمَا إلَيَّ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لِتَنْتَعِلَنَّهُمَا. قَالَ: يَقُولُ: أَبُو جَابِرٍ: مَهْ، أَحْفَظْتَ [٤] وَاَللَّهِ الْفَتَى، فَارْدُدْ إلَيْهِ نَعْلَيْهِ. قَالَ: قُلْتُ: وَاَللَّهِ لَا أَرُدُّهُمَا [٥]، فَأْلٌ وَاَللَّهِ صَالِحٌ، لَئِنْ صَدَقَ الْفَأْلُ لَأَسْلُبَنَّهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُمْ أَتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ
----------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لتميلن» بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «جديدتان» قَالَ السهيليّ: «... والنعل مُؤَنّثَة، وَلَكِن لَا يُقَال: جَدِيدَة فِي الفصيح من الْكَلَام، وَإِنَّمَا يُقَال: ملحفة جَدِيد، لِأَنَّهَا فِي معنى مجدودة، أَي مَقْطُوعَة فَهِيَ من بَاب: كف خضيب، وَامْرَأَة قَتِيل. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمن قَالَ: جَدِيدَة، فَإِنَّمَا أَرَادَ معنى حَدِيثَة.
أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَن حَدِيثَة بِمَعْنى حَادِثَة، وكل فعيل بِمَعْنى فَاعل يدْخلهُ التَّاء فِي الْمُؤَنَّث» .
[٤] أحفظت: أغضبت.
[٥] فِي أ: «قَالَ» . وَهُوَ تَصْحِيف.
ابْن سَلُولَ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ كَعْبٌ مِنْ الْقَوْلِ، فَقَالَ لَهُمْ: (وَاَللَّهِ) [١] إنَّ هَذَا الْأَمْرَ جَسِيمٌ، مَا كَانَ قَوْمِي لِيَتَفَوَّتُوا [٢] عَلَيَّ بِمِثْلِ هَذَا، وَمَا عَلِمْتُهُ كَانَ. قَالَ:
فَانْصَرَفُوا عَنْهُ.
(خُرُوجُ قُرَيْشٍ فِي طَلَبِ الْأَنْصَارِ):
قَالَ: وَنَفَرَ النَّاسُ مِنْ مِنًى، فَتَنَطَّسَ [٣] الْقَوْمُ الْخَبَرَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ كَانَ، وَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَذَاخِرَ [٤]، وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكِلَاهُمَا كَانَ نَقِيبًا. فَأَمَّا الْمُنْذِرُ فَأَعْجَزَ الْقَوْمَ، وَأَمَّا سَعْدٌ فَأَخَذُوهُ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ إلَى عُنُقِهِ بِنِسْعِ [٥] رَحْلِهِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا بِهِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ يَضْرِبُونَهُ، وَيَجْذِبُونَهُ بِجُمَّتِهِ [٦]، وَكَانَ ذَا شَعَرٍ كَثِيرٍ.
(خَلَاصُ ابْنِ عُبَادَةَ مِنْ أَسْرِ قُرَيْشٍ، وَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ شِعْرٍ):
قَالَ سعد: فو الله إنِّي لَفِي أَيْدِيهمْ إذْ طَلَعَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ رَجُلٌ وَضِيءٌ أَبْيَضُ، شَعْشَاعٌ، حُلْوٌ مِنْ الرِّجَالِ [٧] .
قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إنْ يَكُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ هَذَا، قَالَ:
فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَفَعَ يَدَهُ فَلَكَمَنِي [٨] لَكْمَةً شَدِيدَةً. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا وَاَللَّهِ
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] تفوت عَلَيْهِ بِكَذَا: فَاتَهُ بِهِ.
[٣] تنطس الْقَوْم الْخَبَر: أَي أَكْثرُوا الْبَحْث عَنهُ. والتنطس: تدقيق النّظر. قَالَ الراجز:
وَقد أكون عِنْدهَا نقريسا ... طِبًّا بأدواء النسا نطيسا
[٤] قَالَ ياقوت: «أذاخر (بِالْفَتْح وَالْخَاء الْمُعْجَمَة مَكْسُورَة) قَالَ ابْن إِسْحَاق: لما وصل رَسُول الله ﷺ إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح دخل من أذاخر، حَتَّى نزل بِأَعْلَى مَكَّة، وَضربت هُنَاكَ قُبَّته» .
[٥] النسع: الشرَاك الّذي يشد بِهِ الرحل.
[٦] الجمة: مُجْتَمع شعر الرَّأْس، وَهِي أَكثر من الوفرة، وَالْجمع: جمم.
[٧] كَذَا فِي أ. وَقد زَادَت سَائِر الْأُصُول بَين كلمتي «الرِّجَال» و«قَالَ» الْعبارَة الْآتِيَة: قَالَ ابْن هِشَام: الشعشاع الطَّوِيل الْحسن. قَالَ رؤبة:
يمطوه من شعشاع غير مودن
يعْنى: عنق الْبَعِير غير قصير، يَقُول: مودن الْيَد، أَي نَاقص الْيَد. يمطوه من السّير شعشاع حُلْو من الرِّجَال» .
[٨] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. واللكم: الضَّرْب بِجمع الْكَفّ. وَفِي أ: «لطمني» .
٢٩- سيرة ابْن هِشَام- ١
مَا عِنْدَهُمْ بَعْدَ هَذَا مِنْ خير. قَالَ: فو الله إنِّي لَفِي أَيْدِيهِمْ يَسْحَبُونَنِي إذْ أَوَى [١] لِي رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَقَالَ وَيْحَكَ! أَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ جِوَارٌ وَلَا عَهْدٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، وَاَللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُ أُجِيرُ لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ ابْن نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ تِجَارَةً [٢]، وَأَمْنَعُهُمْ مِمَّنْ أَرَادَ ظُلْمَهُمْ بِبِلَادِي، وَلِلْحَارِثِ ابْن حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، قَالَ: وَيْحَكَ! فَاهْتِفْ بِاسْمِ الرَّجُلَيْنِ، وَاذْكُرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمَا. قَالَ: فَفَعَلْتُ، وَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلَيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: إنَّ رَجُلًا مِنْ الْخَزْرَجِ الْآنَ يُضْرَبُ بِالْأَبْطَحِ وَيَهْتِفُ [٣] بِكُمَا، وَيَذْكُرُ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمَا جِوَارًا، قَالَا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَا: صَدَقَ وَاَللَّهِ، إنْ كَانَ لَيُجِيرُ لَنَا تِجَارَنَا، وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يُظْلَمُوا بِبَلَدِهِ. قَالَ: فَجَاءَا فَخَلَّصَا سَعْدًا مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَانْطَلَقَ. وَكَانَ الَّذِي لَكَمَ [٤] سَعْدًا، سُهَيْلَ بن عَمْرو، أَخُو [٥] بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي أَوَى إلَيْهِ، أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ [٦] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْهِجْرَةِ بَيْتَيْنِ، قَالَهُمَا ضِرَارُ [٧] بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ (فَقَالَ):
تَدَارَكْتَ سَعْدًا [٨] عَنْوَةً فَأَخَذْتَهُ
-------------------------
[١] أَوَى لَهُ: رَحمَه ورق لَهُ. قَالَ الشَّاعِر: «
لَو أننى استأويته مَا أَوَى ليا
»
[٢] كَذَا فِي أ، ط. والتجار (بِكَسْر فَفتح، وبضم التَّاء مَعَ تَشْدِيد الْجِيم وَفتحهَا): جمع تَاجر.
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تِجَارَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ليهتف» .
[٤] فِي أ: «لطم» .
[٥] فِي أ: «أحد» .
[٦] فِي أ: «هَاشم» .
[٧] كَانَ ضرار شَاعِر قُرَيْش وفارسها، وَلم يكن فِي قُرَيْش أشعر مِنْهُ، ثمَّ ابْن الزبعري. وَكَانَ جد ضرار، وَهُوَ مرداس، رَئِيس بنى محَارب بن فهر فِي الْجَاهِلِيَّة، يسير فيهم بالرباع، وَهُوَ ربع الْغَنِيمَة، وَكَانَ أَبوهُ أَيَّام الْفجار رَئِيس بنى محَارب بن فهر. وَأسلم ضرار عَام الْفَتْح.
[٨] فِي الرَّوْض الْأنف: «عَمْرو» وَقَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق عَلَيْهِ: يعْنى «بعمر»: عَمْرو بن خُنَيْس وَالِد الْمُنْذر. يَقُول: لست إِلَيْهِ وَلَا إِلَى ابْنه الْمُنْذر، أَي أَنْت أقل من ذَلِك.
وَكَانَ شِفَاءً لَوْ تَدَارَكْتَ مُنْذِرَا [١] ... وَلَوْ نِلْتُهُ طُلَّتْ هُنَاكَ جِرَاحُهُ [٢]
وَكَانَتْ حَرِيًّا أَنْ يُهَانَ وَيُهْدَرَا [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
وَكَانَ حَقِيقًا أَنْ يُهَانَ وَيُهْدَرَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِيهِمَا [٤] فَقَالَ:
لَسْتَ إلَى سَعْدٍ وَلَا الْمَرْءِ مُنْذِرٍ ... إذَا مَا مَطَايَا الْقَوْمِ أَصْبَحْنَ ضُمَّرَا
فَلَوْلَا أَبُو وَهْبٍ لَمَرَّتْ قَصَائِدٌ ... عَلَى شَرَفِ الْبَرْقَاءِ يَهْوِينَ حُسَّرًا [٥]
أَتَفْخُرُ بِالْكَتَّانِ لَمَّا لَبِسْتَهُ ... وَقَدْ تَلْبَسُ الْأَنْبَاطُ رَيْطًا مُقَصَّرَا [٦]
فَلَا تَكُ كَالْوَسْنَانِ يَحْلُمُ أَنَّهُ ... بِقَرْيَةِ كِسْرَى أَوْ بِقَرْيَةِ قَيْصَرَا [٧]
وَلَا تَكُ كَالثَّكْلَى وَكَانَتْ بِمَعْزِلٍ ... عَنْ الثُّكْلِ لَوْ كَانَ الْفُؤَادُ تَفَكَّرَا [٨]
وَلَا تَكُ كَالشَّاةِ الَّتِي كَانَ حتفها ... بِحَفر ذِرَاعَيْهَا فَلَمْ تَرْضَ مَحْفَرَا [٩]
وَلَا تَكُ كَالْعَاوِي فَأَقْبَلَ نَحْرَهُ ... وَلَمْ يَخْشَهُ، سَهْمًا مِنْ النَّبْلِ مُضْمَرَا [١٠]
------------------------------
[١] عنْوَة: قسرا وقهرا. وَيُرِيد «الْمُنْذر» الْمُنْذر بن عَمْرو الّذي تقدم ذكره مَعَ سعد بن عبَادَة، والّذي أعجز الْقَوْم فَلم يلحقوه. يلومهما لتخليصهما سَعْدا، ويتمنى أَن لَو كَانَ سعيهما لطلب الْمُنْذر واللحاق بِهِ، لَا إِلَى تَخْلِيص سعد.
[٢] يُقَال: طل دَمه (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول وبالبناء للمعلوم، وَالْأول أَكثر): إِذا هدر وَلم يثأر بِهِ.
[٣] فِي أ:
وَكَانَ جراحا أَن تهان وتهدرا
[٤] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] قَالَ ياقوت: «البرقاء فِي الْبَادِيَة. قَالَ الراجز: «
يتْرك بالبرقاء شَيخا قد ثلب
» أَي سَاءَ جِسْمه وهزل. وحسرا: أضناها الإعياء.
[٦] الأنباط: قوم من الْعَجم. والريط: الملاحف الْبيض، الْوَاحِدَة: ريطة.
[٧] الْوَسْنَان: النَّائِم. وكسرى: لقب ملك الْفرس، وَقَيْصَر: لقب ملك الرّوم.
[٨] الثكلى: الَّتِي فقدت وَلَدهَا.
[٩] يُشِير بِهَذَا الْبَيْت إِلَى الْمثل الْقَدِيم فِيمَن أثار على نَفسه شرا: كالباحث عَن المدية.
وَأنْشد أَبُو عُثْمَان عَمْرو بن بَحر:
وَكَانَ يجير النَّاس من سيف مَالك ... فَأصْبح يبغى نَفسه من يجيرها
وَكَانَ كعنز السوء قَامَت بظلفها ... إِلَى مدية تَحت التُّرَاب تثيرها
[١٠] فِي ديوَان حسان طبع أوربا:
فَلَا تَكُ كالغاوى ... إِلَخ
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
02-02-2026, 11:08 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (48)
صــ 451إلى صــ 460
فَإِنَّا وَمَنْ يُهْدِي الْقَصَائِدَ نَحْوَنَا ... كَمُسْتَبْضِعٍ تَمْرًا إلَى أَرْضِ [١] خَيْبَرَا [٢]
قِصَّةُ صَنَمِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ
(عُدْوَانُ قَوْمِ عَمْرٍو عَلَى صَنَمِهِ):
فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِهَا، وَفِي قَوْمِهِمْ بَقَايَا مِنْ شُيُوخٍ لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ مِنْ الشِّرْكِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ ابْن كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ، وَكَانَ ابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلِمَةَ، وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ قَدْ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مِنْ خَشَبٍ، يُقَالُ لَهُ: مَنَاةُ [٣]، كَمَا كَانَتْ الْأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، تَتَّخِذُهُ إلَهًا تُعَظِّمُهُ وَتُطَهِّرُهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلِمَةَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو (بْنِ الْجَمُوحِ) [٤]، فِي فِتْيَانٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، كَانُوا يُدْلِجُونَ بِاللَّيْلِ عَلَى صَنَمِ عَمْرٍو ذَلِكَ، فَيَحْمِلُونَهُ فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ [٥] النَّاسِ، مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ! مَنْ عَدَا عَلَى آلِهَتِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ:
ثُمَّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ، حَتَّى إذَا وَجَدَهُ غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ لَأُخْزِيَنَّهُ. فَإِذَا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوْا [٦] عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَغْدُو فَيَجِدُهُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْأَذَى، فَيَغْسِلُهُ وَيُطَهِّرُهُ وَيُطَيِّبُهُ، ثُمَّ يَعْدُونَ عَلَيْهِ إذَا أَمْسَى، فَيَفْعَلُونَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ،
-----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أهل» .
[٢] يُشِير بالشطر الثَّانِي إِلَى الْمثل الْمَعْرُوف: كمستبضع التَّمْر إِلَى خَيْبَر. وخيبر: موطن التَّمْر.
وَفِي معنى هَذَا الْبَيْت يَقُول النَّابِغَة الجعديّ:
وَإِن امْرأ أهْدى إِلَيْك قصيدة ... كمستبضع تَمرا إِلَى أَرض خيبرا
[٣] مَنَاة: مَأْخُوذ من قَوْلك: منيت الدَّم وَغَيره، إِذا صببته، لِأَن الدِّمَاء كَانَت تمنى عِنْده، تقربا إِلَيْهِ، وَمِنْه سميت الْأَصْنَام الدمى.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] الْعذر: جمع عذرة، وَهِي فضلات النَّاس.
[٦] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «غدوا» بالغين الْمُعْجَمَة.
اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ يَوْمًا، فَغَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا تَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ. فَلَمَّا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيِّتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلِ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلِمَةَ، فِيهَا عِذَرٌ مِنْ عِذَرِ النَّاسِ، ثُمَّ غَدَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ.
(إسْلَامُ عَمْرٍو، وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ):
فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ مُنَكَّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبِ مَيِّتٍ، فَلَمَّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شَأْنَهُ، وَكَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ (رِجَالِ) [١] قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ وَعَرَفَ مِنْ اللَّهِ مَا عَرَفَ، وَهُوَ يَذْكُرُ صَنَمَهُ ذَلِكَ وَمَا أَبْصَرَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَمَى وَالضَّلَالَةِ:
وَاَللَّهِ لَوْ كُنْتَ إلَهًا لَمْ تَكُنْ ... أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ [٢]
أُفٍّ لِمَلْقَاكَ إلَهًا مُسْتَدَنْ [٣] ... الْآنَ فَتَّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الْغَبَنْ [٤]
الْحَمْدُ للَّه الْعَلِيِّ ذِي المِنَنْ ... الْوَاهِبِ الرَّزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ [٥]
هُوَ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ ... أَكُونَ فِي ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ
بِأَحْمَدَ الْمَهْدِيِّ النَّبِيِّ الْمُرْتَهِنْ [٦]
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] الْقرن: الْحَبل.
[٣] قَالَ أَبُو ذَر: «مستدن: ذليل مستعبد» . وَقَالَ السهيليّ: «مستدن، من السدَانَة، وَهِي خدمَة الْبَيْت وتعظيمه» .
[٤] الْغبن: السَّفه.
[٥] قَالَ السهيليّ فِي الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت: وَقَوله «ديان الدَّين»، الدَّين: جمع دينة، وَهِي الْعَادة، وَيُقَال لَهَا: دين (أَيْضا) . وَقَالَ ابْن الطثرية، واسْمه يزِيد:
أرى سَبْعَة يسعون للوصل كلهم ... لَهُ عِنْد ليلى دينة يستدينها
فألقيت سهمي بَينهم حِين أوخشوا ... فَمَا صَار لي فِي الْقسم إِلَّا ثمينها
وَيجوز أَن يكون أَرَادَ «بِالدّينِ»: الْأَدْيَان، أَي هُوَ ديان أهل الْأَدْيَان، وَلَكِن جمعهَا على الدَّين، لِأَنَّهَا ملل وَنحل، كَمَا قَالُوا فِي جمع «الْحرَّة» حرائر، لِأَنَّهُنَّ فِي معنى الكرائم والعقائل، وَكَذَلِكَ مرائر الشّجر، وَإِن كَانَت الْوَاحِدَة مرّة، وَلكنهَا فِي معنى فعيلة، لِأَنَّهَا عسيرة فِي الذَّوْق، وشديدة على الْأكل، وكريهة إِلَيْهِ» .
[٦] هَذَا الشّطْر سَاقِط فِي أ، ط.
شُرُوطُ الْبَيْعَةِ فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ [١] بَيْعَةَ الْحَرْبِ، حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ (ﷺ) [٢] فِي الْقِتَالِ شُرُوطًا سِوَى شَرْطِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى، كَانَتْ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي الْحَرْبِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، أَخَذَ لِنَفْسِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْقَوْمِ لِرَبِّهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، قَالَ:
بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ الْحَرْبِ- وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
أَسَمَاءُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ
(عَدَدُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَذَا تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ الْأَوْسِ ابْنُ حَارِثَةَ وَبَنِيَّ عَبْدِ الْأَشْهَلِ):
شَهِدَهَا مِنْ الْأَوْس بن حَارِثَة بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ابْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ [٣] مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ أُسَيْدُ [٤]
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَكَانَ» .
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] فِي أهنا «عَمْرو بن عَامر ... إِلَخ» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] يكنى أسيد: أَبَا عِيسَى، وَقيل غير ذَلِك. أسلم قبل سعد بن معَاذ على يَد مُصعب بن عُمَيْر، وجرح
ابْن حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، نَقِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا. وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَاسْمُهُ [١] مَالِكٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشِ بْنِ زِغْبَةَ [٢] بْنِ زَعُورَاءَ [٣] بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ [٤]، شَهِدَ بَدْرًا، ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: ابْنُ زَعَوْرَاءَ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ) .
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: ظُهَيْرُ [٥] بْنُ رَافِعِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمَ بْنِ حَارِثَةَ. وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ [٦]، وَاسْمُهُ هَانِئُ بْنِ نِيَارِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ [٧] بْنِ كِلَابِ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ غَنْمِ ابْن ذُبْيَانَ بْنِ هُمَيْمِ بْنِ كَامِلِ [٨] بْنِ ذُهْلِ بْنِ هَنِيِّ [٩] . بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، شَهِدَ بَدْرًا [١٠] . وَنُهَيْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ، مِنْ بَنِي نَابِي بْنِ مَجْدَعَةَ ابْن حَارِثَةَ، (بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ) [١١]، (ثُمَّ
-------------------------
[()] يَوْم أحد سبع جراحات، وَثَبت مَعَ رَسُول الله ﷺ حِين انْكَشَفَ النَّاس، وَكَانَت وَفَاته فِي شعْبَان سنة ٢٠ هـ، وَقيل: إِحْدَى وَعشْرين.
[١] هُوَ مَالك بن التيهَان بن مَالك بن عبيد بن عمر بن عبد الأعلم، أَبُو الْهَيْثَم الْبلوى، من بلَى بن الحاف ابْن قضاعة. ثمَّ الْأنْصَارِيّ، حَلِيف بنى عبد الْأَشْهَل، شهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا، وَتوفى فِي خلَافَة عمر بِالْمَدِينَةِ سنة ٢٠ هـ، وَقيل غير ذَلِك.
[٢] كَذَا فِي أ، والاستيعاب والقاموس (مَادَّة وقش) . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زعبة» بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب. وَفِي أ: «زعوار» .
[٤] وَأم سَلمَة: سلمى بنت سَلمَة بن خَالِد بن عدي، أنصارية حارثية. ويكنى سَلمَة: أَبَا عَوْف، شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا، وَاسْتَعْملهُ عمر رضي الله عنه على الْيَمَامَة، وَتوفى سنة خمس وَأَرْبَعين.
[٥] هُوَ عَم رَافع بن خديج، ووالد أسيد بن ظهير. لم يشْهد بَدْرًا، وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد هُوَ وَأَخُوهُ مظهر بن رَافع.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، والاستيعاب. والقاموس (مَادَّة نير) . وَفِي م: «دِينَار» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٧] فِي أ: «عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذهل بن هميم بن كَاهِل بن ذهل» .
[٨] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب، وَفِي الْأُصُول: «كَاهِل» .
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ذهني» .
[١٠] وَشهد هَانِئ أَيْضا سَائِر الْمشَاهد، وَمَات سنة خمس وَأَرْبَعين، وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين.
[١١] زِيَادَة عَن أ.
مِنْ آلِ السَّوَّافِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ) [١] . ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ابْن مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، فَقُتِلَ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنَسَبَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي غَنْمِ ابْن السَّلْمِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتْ دَعْوَةُ الرَّجُلِ فِي الْقَوْمِ، وَيَكُونُ فِيهِمْ فَيُنْسَبُ إلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرَ [٢] بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ [٣] بْنِ زَيْدِ ابْن مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرٍو، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النُّعْمَانِ ابْن أُمَيَّةَ بْنِ الْبُرَكِ- وَاسْمُ الْبُرَكِ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو (بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ) [٤]- شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ، وَيُقَالُ: أُمَيَّةُ بْنُ الْبَرْكِ [٥]، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ [٦] بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ (حَارِثَةَ) [٤] بْنِ ضُبَيْعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَمَشَاهِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهَا، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه. وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَوْسِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ الْخَزْرَجِ بْنُ حَارِثَةَ):
وَشَهِدَهَا مِنْ الْخَزْرَجِ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ: أَبُو أَيُّوبَ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي م: «زنير» . وَفِي الِاسْتِيعَاب: «زبير» .
[٣] فِي م: «ابْن أَبى أُميَّة» .
[٤] زِيَادَة عَن أ:
[٥] فِي هَامِش م: «البرك (الأولى) بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء، (وَالثَّانيَِة) بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون الرَّاء» .
[٦] فِي أ: «الْحل»، وَهُوَ تَحْرِيف.
ابْن كُلَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، مَاتَ بِأَرْضِ الرُّومِ غَازِيًا فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَمُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ. وَأَخُوهُ عَوْفُ [١] بْنُ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهِ شَهِيدًا، وَهُوَ (لِعَفْرَاءَ. وَأَخُوهُ مُعَوَّذُ بْنُ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهِ شَهِيدًا) [٢]، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ لِعَفْرَاءَ- وَيُقَالُ: رِفَاعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ.
شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه. وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، نَقِيبٌ، مَاتَ قَبْلَ بَدْرٍ وَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُبْنَى، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ. سِتَّةُ نَفَرٍ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ- وَمَبْذُولٌ: عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ-: سَهْلُ ابْن عَتِيكِ بْنِ نُعْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو، شَهِدَ بَدْرًا. رَجُلٌ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمْ بَنُو حُدَيْلَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُدَيْلَةُ:
بِنْتُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ [٣] بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ ابْن الْخَزْرَجِ- أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ (بْنِ النَّجَّارِ) [٢]، شَهِدَ بَدْرًا [٤] . وَأَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ زَيْدُ [٥] بْنُ سَهْلِ
------------------------
[١] وَيُقَال فِيهِ: عوذ (بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] فِي م: «زيد الله» .
[٤] وَقتل أَوْس يَوْم أحد شَهِيدا، وَهُوَ أَخُو حسان بن ثَابت الشَّاعِر.
[٥] وَهُوَ ربيب أنس بن مَالك، وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَخمسين.
ابْن الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ (بْنِ النَّجَّارِ) [١] شَهِدَ بَدْرًا. رَجُلَانِ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ):
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ:
عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَعَلَهُ عَلَى السَّاقَةِ يَوْمئِذٍ. وَعَمْرُو بْنُ غُزَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ [٢] خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ. رَجُلَانِ. فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.
(تَصْوِيبُ نَسَبِ عَمْرِو بْنِ غُزَيَّةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ غُزَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَنْسَاءَ، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، إنَّمَا هُوَ غُزَيَّةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَلْحارثِ بْنِ الْخَزْرَجِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَلْحارثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكٍ (الْأَغَرِّ) [٣] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ ابْن أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكِ (الْأَغَرِّ) [٣] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ ابْن الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ (ابْنِ ثَعْلَبَةَ) [٣] بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ (الْأَكْبَرِ) [٣] بْنِ مَالِكِ (الْأَغَرِّ) [٣] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَشَاهِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهَا، إلَّا الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ، وَقُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيدًا أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خِلَاسِ [٤] بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، أَبُو النُّعْمَانِ
-----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ:
[٢] فِي أ: «بن ثَعْلَبَة بن عَطِيَّة ... إِلَخ» .
[٣] زِيَادَة عَن الِاسْتِيعَاب.
[٤] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب، وَفِي أَكثر الْأُصُول: «جلاس» بِالْجِيم. وَقد سقط فِي أمعظم هَذَا السَّنَد.
ابْن بَشِيرٍ، شَهِدَ بَدْرًا [١] . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [٢] بْنِ زَيْدِ (مَنَاةِ) [٣] ابْن الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ [٤]، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ لِلصَّلَاةِ، فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ [٥] . وَخَلَّادُ بْنُ سُوِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو ابْن حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكِ (الْأَغَرِّ) [٦] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ [٤]، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَقُتِلَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ شَهِيدًا، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحَى مِنْ أُطُمٍ مِنْ أُطَامِهَا فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ-: إنَّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ. وَعُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَسِيرَةَ ابْن عُسَيْرةَ بْنِ جَدَارَةَ [٧] بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ (بْنِ الْخَزْرَجِ) [٣]، وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَانَ أَحْدَثَ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ سِنًّا، (مَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ) [٨]، لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا.
سَبْعَةُ نَفَرٍ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي بَياضَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ (بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ) [٨]: زِيَادُ بْنُ لَبِيَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ ابْن بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا [٩] . وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَذْفَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَدْفَةُ [١٠] .
-------------------------
[١] وَشهد بشير أحدا والمشاهد بعْدهَا، وَيُقَال: إِنَّه هُوَ أول من بَايع أَبَا بكر الصّديق يَوْم السَّقِيفَة من الْأَنْصَار، وَقيل وَهُوَ مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد بِعَين التَّمْر فِي خلَافَة أَبى بكر.
[٢] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب، وَفِي الْأُصُول «عبد ربه» .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي م: «ابْن الْخَزْرَج بن الْحَارِث» .
[٥] وَتوفى عبد الله بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
[٦] زِيَادَة عَن الِاسْتِيعَاب.
[٧] جدارة، هُوَ بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا، وَقَيده الدارقطنيّ بِكَسْر الْجِيم، ويروى «خدارة» بخاء مُعْجمَة مَضْمُومَة، وَهُوَ أَخُو خدرة الّذي ينْسب إِلَيْهِ أَبُو سعيد الخدريّ.
[٨] زِيَادَة عَن م.
[٩] وَشهد زِيَاد أَيْضا أحدا وَالْخَنْدَق والمشاهد كلهَا، وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ على حَضرمَوْت. وَمَات زِيَاد فِي خلَافَة مُعَاوِيَة.
[١٠] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي الِاسْتِيعَاب: «ودفة» قَالَ السهيليّ فِي الْكَلَام على «وذفة»: «وَذكر فِي بنى بياضة: عَمْرو بن وذقة، بذال مُعْجمَة. وَقَالَ ابْن هِشَام: ودفة: بدال مُهْملَة، وَهُوَ الْأَصَح ...
قَالَ ابْنُ إسْحَاقٍ: وَخَالِدُ بْنُ قِيسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ [١] بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ):
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ ابْن الْخَزْرَجِ: رَافِعُ [٢] بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، نَقِيبٌ.
وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قِيسِ بْنِ خَلْدَةَ بْنِ مُخَلَّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَكَانَ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مَعَهُ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَعَبَّادُ [٣] بْنُ قِيسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ خَلْدَةَ [٤] بْنِ مُخَلَّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَالْحَارِثُ بْنُ قِيسِ بْنِ خَالِدِ [٥] بْنِ مُخَلَّدِ [٦] بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَهُوَ أَبُو خَالِدٍ [٦] شَهِدَ بَدْرًا. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدٍ):
وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ ابْن صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمٍ، نَقِيبٌ، وَهُوَ الَّذِي تَزْعُمُ
---------------------------
[()] وَعمر بن ودفة هَذَا هُوَ البياضي الّذي روى عَنهُ مَالك فِي كتاب الصَّلَاة وَلم يسمعهُ» . وَقَالَ أَبُو ذَر: «ذكره ابْن إِسْحَاق»: وذفة، أعنى بذال مُعْجمَة. قَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال: ودفة، يعْنى بدال مُهْملَة. وَمن رَوَاهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، فَهُوَ من: توذف فِي مشيته إِذا تبختر، وَيُقَال: إِذا أسْرع، وَمن رَوَاهُ بِالدَّال الْمُهْملَة فَهُوَ من ودفت الشحمة: إِذا قطرت، واستودفتها أَنا، وبالدال الْمُهْملَة ذكره صَاحب كتاب الْعين، قَالَ:
ودفة: اسْم رجل. وَقَالَ ابْن الظريف: ودف الْمَطَر، وَغَيره ودفا قطر، وَقد قَالُوا أَيْضا: وذف (بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة) بذلك الْمَعْنى» .
[١] فِي الِاسْتِيعَاب: «الْجعلَان» .
[٢] يكنى رَافع: أَبَا مَالك، وَقد قتل يَوْم أحد شَهِيدا.
[٣] فِي أ: «عبَادَة»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «خَالِد» .
[٥] كَذَا فِي أ، ط، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «خلدَة» .
[٦] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
بَنُو سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَرَطَ لَهُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ قَبْلَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَابْنُهُ بِشْرُ بْنُ الْبَراء بن معزور، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَاتَ بِخَيْبَرٍ مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّ فِيهَا- وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَيْنَ سَأَلَ بَنِي سَلَمَةَ: مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟
فَقَالُوا: الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، عَلَى بُخْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
وَأَيُّ دَاءٍ أَكْبَرُ مِنْ الْبُخْلِ! سَيِّدُ بَنِي سَلِمَةَ الْأَبْيَضُ الْجَعْدُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ [١]-. وَسِنَانُ بْنُ صَيْفَى بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، (وَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا) [٢] . وَالطُّفَيْلُ [٣] بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا. وَمَعْقِلُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَرْحِ ابْن خُنَاسِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، [٤] شَهِدَ بَدْرًا. و(أَخُوهُ) [٢] يَزِيدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، شَهِدَ بَدْرًا. وَمَسْعُودُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَالضَّحَّاكُ ابْن حَارِثَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَيَزِيدُ بْنُ حَرَامِ [٥] بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَجُبَارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جَبَّارُ [٦] بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خُنَاسٍ [٧] .
-------------------------
[١] وروى عَن الزُّهْرِيّ وعامر الشّعبِيّ أَنَّهُمَا قَالَا فِي هَذَا الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ: «بل سيدكم عَمْرو بن الجموح» . وَقَالَ شَاعِر الْأَنْصَار فِي ذَلِك:
وَقَالَ رَسُول الله وَالْحق قَوْله ... لمن قَالَ منا: من تَعدونَ سيدا
فَقَالُوا لَهُ جد بن قيس على الَّتِي ... نبخله فِينَا وَمَا كَانَ أسودا
فسود عَمْرو بن الجموح لجوده ... وَحقّ لعَمْرو عندنَا أَن يسودا
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] وَيُقَال: هُوَ الطُّفَيْل بن مَالك بن النُّعْمَان ... إِلَخ.
[٤] فِي الْأُصُول هُنَا: «عبد» (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٥] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي الْأُصُول: «خذام» .
[٦] فِي هَامِش م: «جَبَّار (هُنَا): بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَضبط الأول بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة» .
[٧] لَعَلَّه «خُنَيْس» . (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
02-02-2026, 11:11 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (49)
صــ 461إلى صــ 470
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالطُّفَيْلُ [١] بْنُ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا.
أَحَدَ [٢] عَشَرَ رَجُلًا.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ سَوَادٍ:
كَعْبُ [٣] بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ كَعْبٍ. رَجُلٌ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ):
وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: سُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُدَيْدَةَ ابْن عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ [٤] بْنِ حُدَيْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ [٥]، شَهِدَ بَدْرًا. و(أَخُوهُ) [٦] يَزِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حُدَيْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، وَهُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ، شَهِدَ بَدْرًا. وَأَبُو الْيَسَرِ، وَاسْمُهُ كَعْبُ [٧] بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَمْرِو ابْن غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا [٨] . وَصَيْفِيُّ بْنُ سَوَادِ بْنِ عَبَّادِ [٩] بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(تَصْوِيبُ اسْمِ صَيْفِيٍّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَيْفِيُّ بْنُ أَسْوَدَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ، وَلَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: غَنْمٌ.
---------------------------
[١] تقدم فِي الْكَلَام على بنى سَلمَة اسْم الطُّفَيْل بن النُّعْمَان، وَذكر هُنَا باسم الطُّفَيْل بن مَالك بن النُّعْمَان.
وَقد ذكر ابْن عبد الْبر أَنَّهُمَا شخص وَاحِد.
[٢] فِي م: «إِحْدَى» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] وَلم يشْهد كَعْب بَدْرًا، وَشهد أحدا والمشاهد كلهَا حاشا تَبُوك، وَتوفى فِي زمن مُعَاوِيَة سنة ٥٠ هـ.
[٤] وَيُقَال: «عَمْرو» .
[٥] سَاق ابْن عبد الْبر نسب قُطْبَة هَذَا نقلا عَن ابْن إِسْحَاق فَقَالَ: هُوَ قُطْبَة بن عَامر بن حَدِيدَة بن عمر ابْن سَواد بن غنم بن كَعْب بن سَلمَة الخزرجي.
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] فِي الِاسْتِيعَاب: «كَعْب بن عمر بن عباد بن عمر بن سَواد» .
[٨] وَمَات كَعْب بِالْمَدِينَةِ سنة ٥٥ هـ.
[٩] فِي م: «عَبَّاس»، وَهُوَ تَحْرِيف.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي نَابِي بْنِ عَمْرٍو):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي نَابِي بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ:
ثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي [١]، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِالْخَنْدَقِ شَهِيدًا. وَعَمْرُو ابْن غَنَمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، وَعَبْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، شَهِدَ بَدْرًا.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ. وَخَالِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي.
خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَابْنُهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَمَعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ يَزِيدَ [٢] بْنِ حَرَامٍ، شَهِدَ بَدْرًا [٣] . وَثَابِتُ بْنُ الْجِذْعِ- وَالْجِذْعُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ- شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِالطَّائِفِ شَهِيدًا. وَعُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ [٤] بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ لَبْدَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَدِيجُ [٥] بْنُ سَلَامَةَ بْنِ أَوْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْفُرَافِرِ [٦]، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ. وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ بْنِ عَائِذِ [٧] بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَدَّى [٨] بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدٍ، وَيُقَالُ: أَسَدُ بْنُ سَارِدَةَ
-------------------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول وَأسد الغابة. وَفِي الِاسْتِيعَاب: «هَانِئ» .
[٢] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي الْأُصُول: «زيد» .
[٣] وَمَات معَاذ فِي خلَافَة عُثْمَان رضي الله عنه.
[٤] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ثَعْلَبَة بن زيد بن الْحَارِث» .
[٥] خديج، بخاء منقوطة مَفْتُوحَة، ودال مَكْسُورَة، كَذَا ذكره الدارقطنيّ وَغَيره. وَذكر الطَّبَرِيّ وَقَالَ: شهد الْعقبَة وَلم يشْهد بَدْرًا. وَقَالَ: يكنى أَبَا رشيد. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٦] الفرافر، يرْوى بِالْفَاءِ وَالْقَاف، قَيده الدارقطنيّ لَا غير (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٧] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي الْأُصُول: «عَائِد بن عدي بن كَعْب» .
[٨] كَذَا فِي الرَّوْض الْأنف، وَفِي أ: «أذن» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أد» وَهُوَ تَحْرِيف. قَالَ
ابْن تَزِيدَ [١] بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ فِي بَنِي سَلَمَةَ، شَهِدَ بَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا وَمَاتَ بِعِمْوَاسَ [٢]، عَامَ الطَّاعُونِ بِالشَّامِ، فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَإِنَّمَا ادَّعَتْهُ بَنُو سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ أَخَا سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ قِيسِ بْنِ صَخْرِ ابْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ لِأُمِّهِ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.
(تَصْوِيبُ نَسَبِ خَدِيجِ بْنِ سَلَامَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسٌ: ابْنُ عَبَّادِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُذَنِ [٣] بْنِ سَعْدٍ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو ابْن عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قِيسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ ابْن الْخَزْرَجِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعِجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَأَقَامَ مَعَهُ بِهَا، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ [٤]: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا.
--------------------------
[()] السهيليّ: «وَذكر معَاذ بن جبل وَنسبه إِلَى أدّى بن سعد بن على، أخى سَلمَة. وَقد انقرض عقب أدّى، وَآخر من مَاتَ مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن معَاذ بن جبل. وَقد يُقَال فِي أدّى (أَيْضا) أذن، فِي غير رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَابْن هِشَام» .
[١] فِي الِاسْتِيعَاب: «يزِيد» .
[٢] عمواس (بِكَسْر أَوله وَسُكُون الثَّانِي، أَو بِفَتْح أَوله وثانيه): كورة بفلسطين بِالْقربِ من بَيت الْمُقَدّس. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] فِي الْأُصُول: هُنَا «أدّى» وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أصوب، تمشيا مَعَ مَا سقناه عَن السهيليّ فِي الْحَاشِيَة الأولى من هَذِه الصفحة.
[٤] فِي م: «لَهَا»، وَهُوَ تَحْرِيف.
وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ [١] يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزَمَةَ [٢] بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمَّارَةَ [٣]، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ [٤] مِنْ بَلِيٍّ. وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ لَبْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ [٥] .
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ بَنُو الْحُبُلِيِّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْحُبُلِيُّ [٦]: سَالِمُ بْنُ غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ «الْحُبُلِيَّ- لِعِظَمِ بَطْنِهِ-: رِفَاعَةُ ابْن عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَبُو الْوَلِيدِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رِفَاعَةُ: ابْنُ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ: ابْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كِلْدَةَ بْنِ الْجَعْدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ابْن عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قِيسِ بْنِ عَيْلَانَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرًا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَجُلَانِ.
-----------------------
[١] فِي م: «وَأَبُو عبد الرَّحْمَن بن يزِيد»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] خزمة، هُوَ بِسُكُون الزاى عِنْد ابْن إِسْحَاق وَابْن الْكَلْبِيّ، وبتحريكها عِنْد الطَّبَرِيّ، وَهُوَ الصَّوَاب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف والاستيعاب) .
[٣] عمَارَة، هِيَ بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْمِيم، وَلَا يعرف «عمَارَة» فِي الْعَرَب إِلَّا هَذَا، كَمَا لَا يعرف «عمَارَة» بِكَسْر الْعين إِلَّا أَبى بن عمَارَة الّذي يرْوى حَدِيثا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَقد قيل فِيهِ: عمَارَة بِضَم الْعين. وَأما مَا سوى هذَيْن فعمارة بِالضَّمِّ. (رَاجع الرَّوْض، ومختلف الْقَبَائِل ومختلفها والمشتبه للذهبى) .
[٤] فِي أ: «عصينة» بِالْعينِ الْمُهْملَة.
[٥] قد تقدم الْكَلَام على القواقل فِي هَذَا الْجُزْء.
[٦] قَالَ السهيليّ: «وَذكر بنى الحبلى، وَالنّسب إِلَيْهِم: حُبْلَى، بِضَم الْحَاء وَالْبَاء، قَالَه سِيبَوَيْهٍ على غير قِيَاس النّسَب، وتوهم بعض من ألف فِي الْعَرَبيَّة أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ فِيهِ: حُبْلَى، بِفَتْح الْبَاء لما ذكره مَعَ جذمي فِي النّسَب إِلَى «جذيمة» . وَلم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ مَعَه لِأَنَّهُ على وَزنه، وَلَكِن لِأَنَّهُ شَاذ مثله فِي الْقيَاس الّذي ذَكرْنَاهُ عَن سِيبَوَيْهٍ من تقيده بِالضَّمِّ، ذكره أَبُو على القالي فِي البارع. وَقَالَ: هَكَذَا تقيد فِي النّسخ الصَّحِيحَة من سِيبَوَيْهٍ، فَدلَّ هَذَا كُله على غلط من نسب إِلَى سِيبَوَيْهٍ أَنه فتح الْبَاء» .
٣٠- سيرة ابْن هِشَام- ١
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ [١] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، نَقِيبٌ [٢] وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدَّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن جُشَمِ [٣] بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَعْنَقَ لِيَمُوتَ [٤] . رَجُلَانِ.
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْمُنْذِرُ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ خَنْشٍ) [٥] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ مِنْهُمْ، يُزْعِمُونَ أَنَّهُمَا قَدْ بَايَعَتَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَافِحُ النِّسَاءَ، إنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا أَقْرَرْنَ، قَالَ: اذْهَبْنَ فَقَدْ بَايَعَتْكُنَّ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ):
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ مِنْ مَبْذُولِ ابْن عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ، وَهِيَ أُمُّ عِمَارَةَ، كَانَتْ شَهِدَتْ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَتْ مَعَهَا أُخْتُهَا. وَزَوْجُهَا زَيْدُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ كَعْبٍ.
وَابْنَاهَا: حَبِيبُ [٦] بْنُ زَيْدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُهَا حَبِيبٌ [٦] الَّذِي أَخَذَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ الْحَنَفِيُّ، صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَفَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ، فَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتَّى مَاتَ فِي يَدِهِ، لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، إذَا ذُكِرَ لَهُ
--------------------------
[١] وَيُقَال: ابْن أَبى حليمة.
[٢] مَاتَ سعد بحوران من أَرض الشَّام لِسنتَيْنِ وَنصف مضتا من خلَافَة عمر، وَقيل بل مَاتَ فِي خلَافَة أَبى بكر سنة إِحْدَى عشرَة.
[٣] فِي الِاسْتِيعَاب: «ابْن ثَعْلَبَة بن الْخَزْرَج» .
[٤] وَقيل: «المعنق للْمَوْت» . رَاجع الِاسْتِيعَاب والإعناق: ضرب من السّير السَّرِيع.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] فِي م: «خبيب» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آمَنَ بِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا ذُكِرَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ قَالَ:
لَا أَسْمَعُ- فَخَرَجَتْ إلَى الْيَمَامَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَاشَرَتْ الْحَرْبَ بِنَفْسِهَا. حَتَّى قَتَلَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ، وَرَجَعَتْ. وَبِهَا اثْنَا عَشَرَ جُرْحًا، مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ.
(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ):
وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ: أُمُّ مَنِيعٍ، وَاسْمُهَا: أَسَمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ.
نُزُولُ الْأَمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِتَالِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْبُكَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْحَرْبِ وَلَمْ تُحَلَّلْ لَهُ الدِّمَاءُ، إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى، وَالصُّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اضْطَهَدَتْ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى فَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَنَفَوْهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَهُمْ مِنْ بَيْنِ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ، وَمِنْ بَيْنِ مُعَذَّبٍ فِي أَيْدِيهِمْ، وَبَيْنِ هَارِبٍ فِي الْبِلَادِ فِرَارًا مِنْهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي كُلٍّ وَجْهٌ، فَلَمَّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللَّهِ عز وجل، وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا أَرَادَهُمْ بِهِ مِنْ الْكَرَامَةِ، وَكَذَّبُوا نَبِيَّهُ ﷺ، وَعَذَّبُوا وَنَفَوْا مَنْ عَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ وَصَدَّقَ نَبِيَّهُ، وَاعْتَصَمَ بِدِينِهِ، أَذِنَ اللَّهُ عز وجل لِرَسُولِهِ ﷺ فِي الْقِتَالِ وَالِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي إذْنِهِ لَهُ فِي الْحَرْبِ، وَإِحْلَالِهِ لَهُ الدِّمَاءَ وَالْقِتَالَ، لِمَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، قَوْلُ اللَّهِ تبارك وتعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا
الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ٢٢: ٣٩- ٤١-:
أَيْ أَنِّي إنَّمَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ الْقِتَالَ لِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، إلَّا أَنَّ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وَأَنَّهُمْ إذَا ظَهَرُوا أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ٢٢: ٤١ [١]، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَلَيْهِ: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ٢: ١٩٣: أَيْ حَتَّى لَا يُفْتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ٢: ١٩٣: أَيْ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ، لَا يَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرُهُ.
(إذْنُهُ ﷺ لِمُسْلِمِي مَكَّةَ بِالْهِجْرَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ﷺ فِي الْحَرْبِ، وَبَايَعَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالنُّصْرَةِ لَهُ وَلِمَنْ اتَّبَعَهُ، وَأَوَى إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ مَعَهُ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالْهِجْرَةِ إلَيْهَا، وَاللُّحُوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ بِهَا. فَخَرَجُوا أَرْسَالًا [٢]، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، وَالْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ.
ذِكْرُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الْمَدِينَةِ
(هِجْرَةُ أَبِي سَلَمَةَ وَزَوْجُهُ، وَحَدِيثُهَا عَمَّا لَقِيَا):
فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ، هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ بَيْعَةِ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ بِسَنَةٍ، وَكَانَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا آذَتْهُ قُرَيْشٌ وَبَلَغَهُ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَنْصَارِ، خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا.
------------------------
[١] الْعبارَة من قَوْله «أَي أَنى» إِلَى هُنَا سَاقِطَة فِي أ.
[٢] أَرْسَالًا: جمَاعَة فِي إِثْر جمَاعَة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ابْن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ:
لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ هَذِهِ؟ عَلَامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ؟ قَالَتْ: فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ. قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالُوا: لَا وَاَللَّهِ، لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا.
قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بَنِي سَلِمَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: فَفَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطُحِ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي، حَتَّى أَمْسَى سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلَا تُخْرِجُونَ [١] هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ، فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا! قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكَ إنْ شِئْتِ. قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي. قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَتَبَلَّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيَّ زَوْجِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ [٢] لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لِي: إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ:
أَوَمَا مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا وَاَللَّهِ، إلَّا اللَّهُ وَبُنَيَّ هَذَا. قَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكَ مِنْ مَتْرَكٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ، فَانْطَلَقَ مَعِي يهوى بى، فو الله مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطُّ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، حَتَّى إذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطَّ عَنْهُ، ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرَةِ، ثُمَّ تَنَحَّى
---------------------
[١] فِي الْأُصُول: «أَلا تخرجُونَ من هَذِه ... إِلَخ» .
[٢] التَّنْعِيم: مَوضِع بَين مَكَّة وسرف، على فرسخين من مَكَّة.
(عَنِّي) [١] إلَى شَجَرَةٍ، فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ، قَامَ إلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَلَهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، وَقَالَ: ارْكَبِي. فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ، فَقَادَهُ، حَتَّى يَنْزِلَ بِي. فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، قَالَ: زَوْجُكَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ- وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا- فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ.
قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ [٢]: وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ [٣] .
(هِجْرَةُ عَامِرٍ وَزَوْجُهُ وَهِجْرَةُ بَنِي جَحْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ أَبِي سَلَمَةَ: عَامِرُ ابْن رَبِيعَةَ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَثِيرِ [٤] بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، احْتَمَلَ بِأَهْلِهِ وَبِأَخِيهِ عَبْدِ بْنِ جَحْشٍ، وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ- وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَكَانَ يَطُوفُ مَكَّةَ، أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، بِغَيْرِ قَائِدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ الفرعة بنت أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ- فَغُلِّقَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ [٥] هِجْرَةً، فَمَرَّ بِهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهِيَ دَارُ أَبَانَ
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن ط.
[٢] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ، ط.
[٣] قد كَانَ عُثْمَان يَوْم هجرته بِأم سَلمَة على الْكفْر، وَإِنَّمَا أسلم فِي هدنة الحديبيّة، وَهَاجَر قبل الْفَتْح مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد، وَقتل يَوْم أحد إخْوَته مسافع وكلاب والْحَارث وأبوهم، وَقتل عَمه عُثْمَان بن أَبى طَلْحَة أَيْضا يَوْم أحد كَافِرًا، وَبِيَدِهِ كَانَت مَفَاتِيح الْكَعْبَة. وَدفعهَا رَسُول الله ﷺ عَام الْفَتْح إِلَى عُثْمَان بن طَلْحَة بن أَبى طَلْحَة وَإِلَى عَمه شيبَة بن عُثْمَان بن أَبى طَلْحَة، وَهُوَ جد بنى شيبَة، حجبة الْكَعْبَة.
وَاسم أَبى طَلْحَة، جدهم: عبد الله بن عبد الْعُزَّى. وَقتل عُثْمَان رحمه الله شَهِيدا بأجنادين فِي أول خلَافَة عمر.
[٤] كَذَا فِي ط، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كَبِير» .
[٥] قَالَ السهيليّ فِي ذكر بنى غير من ذكر ابْن إِسْحَاق: «وَزَيْنَب بنت أم الْمُؤمنِينَ،
ابْن عُثْمَانَ الْيَوْمَ الَّتِي بِالرَّدْمِ [١]، وَهُمْ مُصْعِدُونَ إلَى أَعَلَى مَكَّةَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا يَبَابًا [٢]، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَلَمَّا رَآهَا كَذَلِكَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، ثُمَّ قَالَ:
وَكُلُّ دَارٍ وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهَا ... يَوْمًا سَتُدْرِكُهَا النَّكْبَاءُ وَالُحُوبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْت لأبى دؤاد الْإِيَادِيِّ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالُحُوبُ: التَّوَجُّعُ، (وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْحَاجَةُ، وَيُقَالُ: الْحُوبُ: الْإِثْمُ) [٣] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ (بْنُ رَبِيعَةَ) [٣]: أَصْبَحَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ خَلَاءً مِنْ أَهْلِهَا! فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَمَا تَبْكِي عَلَيْهِ مِنْ قُلِّ بْنِ قُلٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقُلُّ: الْوَاحِدُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
كُلُّ بَنِي حُرَّةٍ مُصِيرُهُمْ ... قُلُّ وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ الْعَدَدِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ أَخِي هَذَا، فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتْ أَمْرَنَا وَقَطَعَ بَيْنَنَا. فَكَانَ مَنْزِلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ،
----------------------
[()] الَّتِي كَانَت عِنْد زيد بن حَارِثَة، وَنزلت فِيهَا: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها ٣٣: ٣٧. وَأم حبيب بنت الَّتِي كَانَت تستحاض، وَكَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَحمْنَة بنت ، الَّتِي كَانَت تَحت مُصعب بن عُمَيْر، وَكَانَت تستحاض أَيْضا. وَقد روى أَن زَيْنَب استحيضت أَيْضا. وَوَقع فِي الْمُوَطَّأ «أَن زَيْنَب بنت الَّتِي كَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَانَت تستحاض وَلم تَكُ قطّ زَيْنَب عِنْد عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف، وَلَا قَالَه أحد، والغلط لَا يسلم مِنْهُ بشر. وَإِنَّمَا كَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن أُخْتهَا أم حبيب، وَيُقَال فِيهَا: أم حَبِيبَة، غير أَن شَيخنَا أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن نجاح أخبرنى أَن أم حبيب كَانَ اسْمهَا: زَيْنَب، فهما زينبان، غلبت على إِحْدَاهمَا الكنية، فعلى هَذَا لَا يكون فِي حَدِيث الْمُوَطَّأ وهم وَلَا غلط، وَالله أعلم.
وَكَانَ اسْم زَيْنَب بنت : برة، سَمَّاهَا رَسُول الله ﷺ: زَيْنَب، وَكَذَلِكَ زَيْنَب بنت أم سَلمَة ربيبته عليه السلام، كَانَ اسْمهَا: برة، فسماها: «زَيْنَب» . كَأَنَّهُ كره أَن تزكّى الْمَرْأَة نَفسهَا بِهَذَا الِاسْم.
وَكَانَ اسْم « بن رِئَاب»: «برة» . (بِضَم الْبَاء)، فَقَالَت زَيْنَب لرَسُول الله ﷺ: يَا رَسُول الله، لَا غيرت اسْم أَبى، فان الْبرة صَغِيرَة؟ فَقيل: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهَا: لَو أَبوك مُسلما لَسَمَّيْته باسم من أسمائنا أهل الْبَيْت، ولكنى قد سميته: ا، وال أكبر من الْبرة» . وَقد فَاتَ السهيليّ فِيمَا استدركه أَن ابْن إِسْحَاق ذكر هَؤُلَاءِ بعد قَلِيل.
[١] الرَّدْم: مَوضِع بِمَكَّة.
[٢] اليباب: القفر.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
02-02-2026, 11:13 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (50)
صــ 471إلى صــ 480
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، عَلَى مُبْشَرِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُنْبُرٍ بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ أَرْسَالًا [١]، وَكَانَ بَنُو غَنْمِ ابْنِ دُودَانَ أَهْلَ إسْلَامٍ، قَدْ أَوْعَبُوا [٢] إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هِجْرَة رِجَالهمْ ونساءهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ ابْن جَحْشٍ، وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَشُجَاعٌ، وَعُقْبَةٌ، ابْنَا وَهْبٍ، وَأَرْبَدُ ابْن حُمَيِّرَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ حُمَيْرَةَ [٣] .
(هِجْرَةُ قَوْمٍ شَتَّى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمُنْقِذُ بْنُ نُبَاتَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ رُقَيْشٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيْشٍ، وَقَيْسُ بْنُ جَابِرٍ، وَعَمْرُو بْنُ مِحْصَنٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَثَقْفُ [٤] بْنُ عَمْرٍو، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَتَمَّامُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَسَخْبَرَةُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ.
(هِجْرَةُ نِسَائِهِمْ):
وَمِنْ نِسَائِهِمْ: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ جَحْشٍ، وَجُذَامَةُ بِنْتُ جَنْدَلٍ، وَأُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مُحْصَنٍ، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ ثُمَامَةَ، وَآمِنَةُ [٥] بِنْتُ رُقَيْشٍ، وَسَخْبَرَةُ بِنْتُ تَمِيمٍ، وحَمْنةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
(شِعْرُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ فِي هِجْرَةِ بَنِي أَسَدٍ):
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَهُوَ يَذْكُرُ هِجْرَةَ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ قَوْمِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَإِيعَابُهُمْ فِي ذَلِكَ حَيْنَ دُعُوا إلَى الْهِجْرَةِ:
وَلَوْ حَلَفَتْ بَيْنَ الصَّفَا أُمُّ أَحُمَدٍ ... وَمَرْوَتِهَا باللَّه بَرَّتْ يَمِينُهَا
---------------------
[١] أَرْسَالًا: جمَاعَة إِثْر جمَاعَة.
[٢] يُقَال: جَاءُوا موعبين: إِذا جمعُوا مَا اسْتَطَاعُوا من جمع.
[٣] كَذَا فِي الْأُصُول، وَقد ضبط بالشكل فِي (أ) الْمرة الأولى بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْيَاء مَكْسُورَة، وَفِي الثَّانِيَة بِضَم الْحَاء وَإِسْكَان الْيَاء وَفتح ثَانِيهمَا، وَهُوَ فِي الِاسْتِيعَاب: «أَرْبَد بن حمير» .
[٤] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ثَقِيف» .
[٥] قَالَ أَبُو ذَر: «قَالَ الأقشى: صَوَابه: أُمَيْمَة» .
لَنَحْنُ الْأُلَى كُنَّا بِهَا ثُمَّ لَمْ نَزَلْ ... بِمَكَّةَ حَتَّى عَادَ غَثًّا سَمِينُهَا
بِهَا خَيَّمَتْ غَنْمُ بْنُ دُودَانَ وَابْتَنَتْ ... وَمَا [١] إنْ غَدَتْ غَنْمُ وَخَفَّ قَطِينُهَا [٢]
إلَى اللَّهِ تَغْدُو بَيْنَ مَثْنَى وَوَاحِدٍ ... وَدِينُ رَسُولِ اللَّهِ بِالْحَقِّ دِينُهَا
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ أَيْضًا:
لَمَّا رَأَتْنِي أُمُّ أَحْمَدَ غَادِيًا ... بِذِمَّةِ مَنْ أَخْشَى بِغَيْبٍ وَأَرْهَبُ [٣]
تَقُولُ: فَإِمَّا كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا ... فَيَمِّمْ بِنَا الْبُلْدَانَ ولتَنْأَ يَثْرِبَ [٤]
فَقُلْتُ لَهَا: بَلْ يَثْرِبُ الْيَوْمَ وَجْهُنَا [٥] ... وَمَا يَشإِ الرَّحْمَنُ فَالْعَبْدُ يَرْكَبُ
إلَى اللَّهِ وَجْهِي وَالرَّسُولِ وَمَنْ يُقِمْ ... إلَى اللَّهِ يَوْمًا وَجْهَهُ لَا يُخَيَّبُ
فَكَمْ قَدْ تَرَكْنَا مِنْ حَمِيمٍ مُنَاصِحٍ ... وَنَاصِحَةٍ تَبْكِي بِدَمْعٍ وَتَنْدُبُ
تَرَى أَنَّ وِتْرًا [٦] نَأْيُنَا عَنْ بِلَادِنَا [٧] ... وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الرَّغَائِبَ نَطْلُبُ
دَعَوْتُ بَنِي غَنْمٍ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ ... وَلِلْحَقِّ لَمَّا لَاحَ لِلنَّاسِ مَلْحَبُ [٨]
أَجَابُوا بِحَمْدِ اللَّهِ لَمَّا دَعَاهُمْ ... إلَى الْحَقِّ دَاعٍ وَالنَّجَاحُ [٩] فَأَوْعَبُوا [١٠]
وَكُنَّا وَأَصْحَابًا لَنَا فَارَقُوا الْهُدَى ... أَعَانُوا عَلَيْنَا بِالسِّلَاحِ وأجْلَبوا [١١]
كَفَوْجَيْنِ: أَمَّا مِنْهُمَا فَمُوَفَّقٌ ... عَلَى الْحَقِّ مَهْدِيٌّ، وَفَوْجٌ مُعَذَّبُ [١٢]
طَغَوْا وَتَمَنَّوْا كِذْبَةً وَأَزَلَّهُمْ ... عَنْ الْحَقِّ إبْلِيسُ فَخَابُوا وَخُيِّبُوا
-----------------------
[١] فِي أ: «وَمِنْهَا غَدَتْ» .
[٢] القطين: الْقَوْم المقيمون.
[٣] الذِّمَّة: الْعَهْد.
[٤] يمم: قصد. وتنأى: تبعد.
[٥] فِي أ، ط: «
فَقلت لَهَا يثرب منا مَظَنَّة
»
[٦] الْوتر: طلب الثأر.
[٧] فِي أ: «بلادها» .
[٨] ملحب: طَرِيق بَين وَاضح.
[٩] فِي أ: «النُّحَاة» .
[١٠] أوعبوا: اجْتَمعُوا وكثروا.
[١١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَفِي أ: «فأحلبوا» . وَمن رَوَاهُ بِالْجِيم، فَمَعْنَاه: صاحوا. وَمن رَوَاهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه: أعانوا.
[١٢] الفوج: الْجَمَاعَة من النَّاس.
وَرِعْنَا إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... فَطَابَ وُلَاةُ الْحَقِّ مِنَّا وطُيِّبوا [١]
نَمُتُّ بِأَرْحَامٍ إلَيْهِمْ قَرِيبَةٍ ... وَلَا قُرْبَ بِالْأَرْحَامِ إذْ لَا نُقَرَّبُ [٢]
فَأَيُّ ابْنِ أُخْتٍ بَعْدَنَا يَأْمَنَنَّكُمْ ... وَأَيَّةُ صِهْرٍ بَعْدَ صِهْرِي تُرْقَبُ
سَتَعْلَمُ يَوْمًا أَيُّنَا إذْ تُزَايِلُوا ... وَزُيِّلَ أَمْرُ النَّاسِ لِلْحَقِّ أَصْوَبُ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «وَلْتَنْأَ يَثْرِبَ»، وَقَوْلُهُ «إذْ لَا نَقْرَبُ»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: «إذْ» إذَا، كَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل: إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ٣٤: ٣١. قَالَ أَبُو النَّجْمِ الْعِجْلِيُّ:
ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إذْ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي الْعَلَالِيِّ وَالْعُلَا
هِجْرَةُ عُمَرَ وَقِصَّةُ عَيَّاشٍ مَعَهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ. فَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: اتَّعَدْتُ، لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ التَّناضِبَ [٤] مِنْ أَضَاةِ [٥] بَنِي غِفَارٍ، فَوْقَ سَرِفٍ [٦]، وَقُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ.
قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّنَاضُبِ، وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَفُتِنَ فَافْتُتِنَ.
(تَغْرِيرُ أَبِي جَهْلٍ وَالْحَارِثِ بِعَيَّاشٍ):
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَزَلْنَا فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، وَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ
-----------------------
[١] ورعنا: أَي رَجعْنَا.
[٢] نمت: نتقرب.
[٣] تزايلوا: تفَرقُوا.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «التَّنَاضِب»، يُقَال: هُوَ اسْم مَوضِع، وَمن رَوَاهُ بِالْكَسْرِ، فَهُوَ جمع تنضب وَهُوَ شجر، واحدته تنضبة، وَقَيده الوقشى: «التَّنَاضِب»، بِكَسْر الضَّاد. كَمَا ذكرنَا.
[٥] أضاة بنى غفار: على عشرَة أَمْيَال من مَكَّة.
[٦] سرف: مَوضِع على سِتَّة أَمْيَال من مَكَّة. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر، ومعجم الْبلدَانِ، ومعجم مَا استعجم للبكرى) .
وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إلَى عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا، حَتَّى قَدِمَا عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَكَلَّمَاهُ وَقَالَا:
إنَّ أُمَّكَ قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهَا مُشْطٌ حَتَّى تَرَاكَ، وَلَا تَسْتَظِلَّ مِنْ شَمْسٍ حَتَّى تَرَاكَ، فَرَقَّ لَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَيَّاشُ، إنَّهُ وَاَللَّهِ إنْ يُرِيدَكَ الْقَوْمُ إلَّا لِيَفْتِنُوكَ عَنْ دينك فَاحْذَرْهُمْ، فو الله لَوْ قَدْ آذَى أُمَّكَ الْقَمْلُ لَامْتَشَطَتْ، وَلَوْ قَدْ اشْتَدَّ عَلَيْهَا حَرُّ مَكَّةَ لَاسْتَظَلَّتْ. قَالَ: فَقَالَ: أَبَرُّ قَسَمَ أُمِّي، وَلِي هُنَالِكَ مَالٌ فَآخُذُهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، فَلَكَ نِصْفُ مَالِي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا. قَالَ: فَأَبَى عَلَيَّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا، فَلَمَّا أَبَى إلَّا ذَلِكَ، قَالَ:
قُلْتُ لَهُ: أَمَّا إذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ، فَإِنَّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ ذَلُولٌ، فَالْزَمْ ظَهْرَهَا، فَإِنْ رَابَكَ مِنْ الْقَوْمِ رَيْبٌ، فَانْجُ عَلَيْهَا.
فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَا بن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ اسْتَغْلَظْتُ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلَا تُعْقِبَنِي عَلَى نَاقَتِكَ هَذِهِ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَأَنَاخَ، وَأَنَاخَا لِيَتَحَوَّلَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَوْا بِالْأَرْضِ عَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَوْثَقَاهُ وَرَبَطَاهُ، ثُمَّ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ، وَفَتَنَاهُ فَافْتُتِنَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بِهِ بَعْضُ آلِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنَّهُمَا حَيْنَ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ دَخَلَا بِهِ نَهَارًا مُوثَقًا، ثُمَّ قَالَا: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ، كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا.
(كِتَابُ عُمَرَ إلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِي):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ: فَكُنَّا نَقُولُ: مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِمَّنْ اُفْتُتِنَ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا تَوْبَةً، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْكُفْرِ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ! قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ.
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ، وَفِي قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ
ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٣٩: ٥٣- ٥٥.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَكَتَبْتهَا بِيَدِي فِي صَحِيفَةٍ، وَبَعَثْتُ بِهَا إلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِي قَالَ: فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِي: فَلَمَّا أَتَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا بِذِي طُوًى [١]، أُصَعِّدُ بِهَا فِيهِ وَأُصَوِّبُ وَلَا أَفْهَمُهَا، حَتَّى قُلْتُ: اللَّهمّ فَهِّمْنِيهَا. قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِي أَنَّهَا إنَّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا، وَفِيمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا وَيُقَالُ فِينَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إلَى بَعِيرِي، فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ.
(خُرُوجُ الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ إلَى مَكَّةَ فِي أَمْرِ عَيَّاشٍ وَهِشَامٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ لِي بِعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامِ بْنِ الْعَاصِي؟ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِهِمَا، فَخَرَجَ إلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيَ امْرَأَةً تَحْمِلُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ هَذَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ- تَعْنِيهِمَا- فَتَبِعَهَا حَتَّى عَرَفَ مَوْضِعَهُمَا، وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ فِي بَيْتٍ لَا سَقْفَ لَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى تَسَوَّرَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ مَرْوَةَ [٢] فَوَضَعَهَا تَحْتَ قَيْدَيْهِمَا، ثُمَّ ضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا، فَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِهِ: «ذُو الْمَرْوَةِ» لِذَلِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِ، وَسَاقَ بِهِمَا، فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ، فَقَالَ:
هَلْ أَنْتِ إلَّا أُصْبُعٌ دَمَيْتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقَيْتِ
ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ.
مَنَازِلُ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ
(مَنْزِلُ عُمَرَ وَأَخِيهِ وَابْنَا سُرَاقَةَ وَبَنُو الْبَكِيرِ وَغَيْرِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، وَأَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَمْرٌو وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَخُنَيْسُ
-------------------------
[١] ذُو طوى (مَقْصُورا): مَوضِع بِأَسْفَل مَكَّة.
[٢] الْمَرْوَة: الْحجر.
ابْن حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ- وَكَانَ صِهْرَهُ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ- وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَخَوْلِيُّ بْنُ أَبِي خَوْلِيٍّ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي خَوْلِيٍّ، حَلِيفَانِ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو خَوْلِيٍّ: مِنْ بَنِي عِجْلِ بْنِ لُجَيْمِ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ ابْن وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو الْبُكَيْرِ أَرْبَعَتُهُمْ: إيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاقِلُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، عَلَى رِفَاعَةَ ابْن عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، وَقَدْ كَانَ مَنْزِلُ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ مَعَهُ عَلَيْهِ حَيْنَ قَدِمَا الْمَدِينَةَ.
(مَنْزِلُ طَلْحَةَ وَصُهَيْبٍ):
ثُمَّ تَتَابَعَ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ عَلَى خُبَيْبِ [١] بْنِ إِسَافٍ [٢]، أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بِالسُّنْحِ [٣] . وَيُقَالُ [٤]:
بَلْ نَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، أَخِي بَنِي النَّجَّارِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذُكِرَ لِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهَيْبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ، وَاَللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: رَبِحَ صُهَيْبٌ، رَبِحَ صُهَيْبٌ.
------------------
[١] خبيب هَذَا هُوَ الّذي خلف على بنت خَارِجَة بعد أَبى بكر الصّديق، وَاسْمهَا حَبِيبَة. وَمَات خبيب فِي خلَافَة عُثْمَان، وَهُوَ جد خبيب بن عبد الرَّحْمَن الّذي يرْوى عَنهُ مَالك فِي موطئِهِ.
[٢] وَيُقَال فِيهِ: يسَاف، بياء مَفْتُوحَة فِي رِوَايَة الْكتاب. وَهُوَ ابْن عتبَة، وَلم يكن حِين نزُول الْمُهَاجِرين عَلَيْهِ مُسلما، بل أخر إِسْلَامه حَتَّى خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى بدر. (عَن الِاسْتِيعَاب)
[٣] هِيَ بعوالي الْمَدِينَة، وَبَينهَا وَبَين منزل النَّبِي ﷺ ميل. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] وزادت (م) قبل هَذِه الْكَلِمَة. قَالَ ابْن هِشَام: «وَيُقَال: يسَاف، فِيمَا أخبرنى عَنهُ ابْن إِسْحَاق»
(مَنْزِلُ حَمْزَةَ وَزَيْدٍ وَأَبِي مَرْثَدٍ وَابْنِهِ وَأَنَسَةَ وَأَبِي كَبْشَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو مَرْثَدٍ كَنَّازُ بْنُ حِصْنٍ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، ابْنُ حُصَيْنٍ- وَابْنُهُ مَرْثَدٌ الْغَنَوِيَّانِ، حَلِيفَا حَمْزَةَ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَنَسَةُ [١]، وَأَبُو كَبْشَةَ [٢]، مَوْلِيَّا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ [٣]: وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلُوا عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ، وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، أَخِي بَنِي النَّجَّارِ. كُلُّ ذَلِكَ يُقَالُ
: (مَنْزِلُ عُبَيْدَةَ وَأَخِيهِ الطَّفِيلِ وَغَيْرِهِمَا):
وَنَزَلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَأَخُوهُ الطُّفَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْحُصَيْنُ ابْن الْحَارِثِ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حُرَيْمِلَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَخَبَّابٌ [٤]، مَوْلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، أَخِي بَلْعِجْلَانَ بقُباءٍ.
--------------------------
[١] كَانَ أنسة من مولدِي السراة، ويكنى أَبَا مسروح، وَقيل: أَبَا مشروح، شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ، وَمَات فِي خلَافَة أَبى بكر.
[٢] أصل أَبى كَبْشَة من فَارس، وَيُقَال: بل هُوَ مولد من مولدِي أَرض دوس، وَاسم أَبى كَبْشَة:
سليم، وَقد شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ، وَمَات فِي خلَافَة عمر فِي الْيَوْم الّذي ولد فِيهِ عُرْوَة بن الزبير.
وَأما الّذي كَانَت كفار قُرَيْش تذكره، وتنسب النَّبِي ﷺ إِلَيْهِ وَتقول: قَالَ ابْن أَبى كَبْشَة، وَفعل ابْن أَبى كَبْشَة، فَقيل فِيهِ أَقْوَال، قيل: إِنَّهَا كنية أَبِيه لأمه، وهب بن عبد منَاف، وَقيل: كنية أَبِيه من الرضَاعَة الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى، وَقيل: إِن سلمى أُخْت عبد الْمطلب كَانَ يكنى أَبوهَا: أَبَا كَبْشَة، وَهُوَ عَمْرو بن لبيد. وَأشهر من هَذِه الْأَقْوَال كلهَا عِنْد النَّاس، أَنهم شبهوه بِرَجُل كَانَ يعبد الشعرى وَحده دون الْعَرَب، فنسبوه إِلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَن دين قومه.
[٣] قبَاء: على فَرسَخ من الْمَدِينَة.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «وخباب، مولى عتبَة، كَذَا وَقع هُنَا بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء، وروى أَيْضا: حباب، بحاء مُهْملَة مَضْمُومَة وباء مُخَفّفَة. وخباب، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُشَدّدَة، قَيده الدارقطنيّ» .
(مَنْزِلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ):
وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فِي دَارِ بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
(مَنْزِلُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو سَبْرَةَ):
وَنَزَلَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، عَلَى مُنْذِرِ ابْن مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بِالْعُصْبَةِ، دَارِ بَنِي جَحْجَبَى.
(مَنْزِلُ مُصْعَبٍ):
وَنَزَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ.
(مَنْزِلُ أَبِي حُذَيْفَةَ وعُتْبَةَ):
وَنَزَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ سَائِبَةٌ [١]، لِثُبَيْتَةَ [٢] بِنْتِ يَعَارِ [٣] بْنِ زَيْدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، سَيَّبْتُهُ فَانْقَطَعَ إلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَتَبَنَّاهُ، فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَيُقَالُ: كَانَتْ ثُبَيْتَةُ بِنْتُ يَعَارَ تَحْتَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَأَعْتَقَتْ سَالِمًا سَائِبَةً.
فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ عَلَى عَبَّادِ بْنِ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِي دَارِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ.
(مَنْزِلُ عُثْمَانَ):
وَنَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى أَوْسِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَخِي حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي دَارِ بَنِي النَّجَّارِ، فَلِذَلِكَ كَانَ حَسَّانٌ يُحِبُّ عُثْمَانَ وَيَبْكِيهِ حَيْنَ قُتِلَ.
----------------------------
[١] سائبة: أَي لَا وَلَاء عَلَيْهِ لأحد.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول «نبيتة» وَهِي رِوَايَة أُخْرَى فِيهَا. (رَاجع الْقَامُوس وَشَرحه مادتي ثَبت وَنبت) . كَمَا قيل فِيهَا: عمْرَة، وسلمى.
[٣] وَيُقَال فِيهَا أَيْضا: «بنت تعار» .
وَكَانَ يُقَالُ: نَزَلَ الْأَعْزَابُ [١] مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبًا، فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
هِجْرَةُ الرَّسُولِ ﷺ
(تَأَخُّرُ عَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ):
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مَعَهُ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَّا مَنْ حُبِسَ أَوْ فُتِنَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنهما، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا مَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا، فَيَطْمَعُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَكُونَهُ.
(اجْتِمَاعُ الْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَتَشَاوُرُهُمْ فِي أَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَارَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَةً، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَجَمَعَ لِحَرْبِهِمْ. فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ- وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إلَّا فِيهَا- يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَيْنَ خَافُوهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جُبَيْرٍ [٢] أَبِي الْحَجَّاجِ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا أَجَمَعُوا لِذَلِكَ، وَاتَّعَدُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّعَدُوا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمَّى يَوْمَ الزَّحْمَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ إبْلِيسُ فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ، [٣]
------------------------
[١] فِي الْأُصُول: «العزاب» . والتصويب عَن شرح السِّيرَة لأبى ذَر.
[٢] كَذَا فِي أ، وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حبر»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] جليل، أَي حسن، يُقَال: جلّ الرجل، وجلت الْمَرْأَة: إِذا أَسِنَت. قَالَ الشَّاعِر:
«وَمَا حظها إِن قيل عزت وجلت
»
عَلَيْهِ بَتْلَةٌ [١]، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا، قَالُوا: مَنْ الشَّيْخُ؟
قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ [٢] سَمِعَ بِاَلَّذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَنْ لَا يُعْدِمَكُمْ مِنْهُ رَأْيًا وَنُصْحًا، قَالُوا: أَجَلْ، فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ ابْن رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ. وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ ابْن هِشَامٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ:
أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ. وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: نُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ:
أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا. قَالَ: فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنْ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ، زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ، وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، مِنْ هَذَا الْمَوْتِ، حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ [٣]، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ. وَاَللَّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الَّذِي أَغْلَقْتُمْ
---------------------------
[١] فِي أ «بت» . والبتلة والبت: الكساء الغليظ.
[٢] قَالَ السهيليّ ... وَإِنَّمَا قَالَ لَهُم: إِنِّي من أهل نجد، فِيمَا ذكر بعض أهل السِّيرَة، لأَنهم قَالُوا:
لَا يدخلن مَعكُمْ فِي الْمُشَاورَة أحد من أهل تهَامَة، لِأَن هواهم مَعَ مُحَمَّد، فَلذَلِك تمثل لَهُم فِي صُورَة شيخ نجدى.
وَقد ذكر فِي خبر بُنيان الْكَعْبَة أَنه تمثل فِي صُورَة شيخ نجدى أَيْضا، حِين حكمُوا لرَسُول الله ﷺ فِي أَمر الرُّكْن من يرفعهُ، فصاح الشَّيْخ النجدي: يَا معشر قُرَيْش، أقد رَضِيتُمْ أَن يَلِيهِ هَذَا الْغُلَام دون أشرافكم وذوى أسنانكم؟ فان صَحَّ هَذَا الْخَبَر فلمعنى آخر تمثل نجديا، وَذَلِكَ أَن نجدا مِنْهَا يطلع قرن الشَّيْطَان كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ حِين قيل لَهُ: وَفِي نجدنا يَا رَسُول الله قَالَ:
هُنَاكَ الزلازل والفتن، وَمِنْهَا يطلع قرن الشَّيْطَان. فَلم يُبَارك عَلَيْهَا كَمَا بَارك على الْيمن وَالشَّام وَغَيرهَا.
وَحَدِيثه الآخر: أَنه نظر إِلَى الْمشرق، فَقَالَ: إِن الْفِتْنَة هَاهُنَا، من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان. وَفِي حَدِيث ابْن عمر: أَنه حِين قَالَ هَذَا الْكَلَام وقف عِنْد بَاب عَائِشَة وَنظر إِلَى الْمشرق فقاله. وَفِي وُقُوفه عِنْد بَاب عَائِشَة نَاظرا إِلَى الْمشرق يحذر من الْفِتَن وفكر فِي خُرُوجهَا إِلَى الْمشرق عِنْد وُقُوع الْفِتْنَة نفهم من الْإِشَارَة، واضمم إِلَى هَذَا قَوْله عليه الصلاة والسلام حِين ذكر نزُول الْفِتَن: «أيقظوا صَوَاحِب الْحجر» .
[٣] كَانَ صَاحب هَذَا الرأى والمشير بِهِ أَبَا البخْترِي بن هِشَام.
٣١- سيرة ابْن هِشَام- ١
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 08:51 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (51)
صــ 481إلى صــ 490
دُونَهُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ، فَيَنْزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ، حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ، فَتَشَاوَرُوا.
ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أخرج عنّا فو الله مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ، وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، إذَا غَابَ عَنَّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ [١] . فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ، وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ، وَغَلَبَتِهِ عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ، دَبِّرُوا [٢] فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ إنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ، قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا [٣] فِينَا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعْمِدُوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ. فَإِنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ.
(خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِخْلَافُهُ عَلِيًّا عَلَى فِرَاشِهِ):
فَأَتَى جِبْرِيلُ عليه السلام رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتَمَةٌ مِنْ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُمْ، قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي وَتَسَجَّ [٤] بِبُرْدِي هَذَا
----------------------
[١] صَاحب هَذَا الرأى أَبُو الْأسود ربيعَة بن عَامر، أحد بنى عَامر بن لؤيّ.
[٢] فِي أ: «أديروا» .
[٣] الْوَسِيط: الشريف فِي قومه.
[٤] تسجى بِالثَّوْبِ: غطى بِهِ جسده وَوَجهه.
الْحَضْرَمِيِّ الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ فِي بُرْدِهِ ذَلِكَ إذَا نَامَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ:
لَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الْأُرْدُنِّ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، ثُمَّ جُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا.
قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أَنْتَ أَحَدُهُمْ. وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، فَلَا يَرَوْنَهُ، فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس:
يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ٣٦: ١- ٥ ... إلَى قَوْلِهِ: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ٣٦: ٩ حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ، فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ هَاهُنَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا، قَالَ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ! قَدْ وَاَللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ؟ قَالَ: فَوَضَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَلَّعُونَ فَيَرَوْنَ عَلِيًّا عَلَى الْفِرَاشِ مُتَسَجِّيًا بِبُرْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَمُحَمَّدٌ نَائِمًا، عَلَيْهِ بُرْدُهُ. فَلَمْ يَبْرَحُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا [١] فَقَامَ عَلِيٌّ رضي الله عنه عَنْ الْفِرَاشِ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ صَدَقَنَا الَّذِي حَدَّثَنَا.
--------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وَذكر بعض أهل التَّفْسِير السَّبَب الْمَانِع لَهُم من التقحم عَلَيْهِ فِي الدَّار مَعَ قصر الْجِدَار وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا لقَتله، فَذكر فِي الْخَبَر أَنهم هموا بالولوج عَلَيْهِ، فصاحت امْرَأَة من الدَّار، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: وَالله إِنَّهَا للسبة فِي الْعَرَب أَن يتحدث عَنَّا أَنا تسورنا الْحِيطَان على بَنَات الْعم، وهتكنا ستر حرمتنا، فَهَذَا هُوَ الّذي أقامهم بِالْبَابِ. أَصْبحُوا ينتظرون خُرُوجه، ثمَّ طمست أَبْصَارهم على من خرج» .
(مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي تَرَبُّصِ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل مِنْ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ ٨: ٣٠، وَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ. قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ٥٢: ٣٠- ٣١.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَنُونُ: الْمَوْتُ. وَرَيْبُ الْمَنُونِ: مَا يَرِيبُ وَيَعْرِصُ مِنْهَا.
قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ:
أَمِنْ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ ... وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ فِي الْهِجْرَةِ.
(طَمَعُ أَبِي بَكْرٍ فِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ النَّبِيِّ فِي الْهِجْرَةِ، وَمَا أَعَدَّ لِذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكَانَ حَيْنَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَعْجَلْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَجِدُ لَكَ صَاحِبًا، قَدْ طَمِعَ بِأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إنَّمَا يَعْنِي نَفْسَهُ، حَيْنَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَابْتَاعَ رَاحِلَتَيْنِ، فَاحْتَبَسَهُمَا فِي دَارِهِ، يَعْلِفُهُمَا إعْدَادًا لِذَلِكَ.
(حَدِيثُ هِجْرَتِهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لَا يُخْطِئُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، إمَّا بُكْرَةً، وَإِمَّا عَشِيَّةً، حَتَّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا.
قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: مَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ السَّاعَةَ إلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ، تَأَخَّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا أَنَا وَأُخْتِي أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَخْرِجْ عَنِّي مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ [١]، وَمَا ذَاكَ؟ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصُّحْبَة.
قَالَت: فو الله مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتهمَا لِهَذَا. فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَطِ- رَجُلًا مِنْ بَنِي الدُّئَلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا- يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عِنْدَهُ يَرْعَاهُمَا لِمِيعَادِهِمَا.
(مَنْ كَانَ يَعْلَمُ بِهِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَعْلَمْ فِيمَا بَلَغَنِي، بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ، حَيْنَ خَرَجَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ. أَمَا عَلِيٌّ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ، حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ، الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُخْشَى عَلَيْهِ إلَّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ، لِمَا يُعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ ﷺ.
(قِصَّةُ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُرُوجَ، أَتَى أَبَا بَكْرِ ابْن أَبِي قُحَافَةَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثُمَّ عَمَدَ إلَى غَارٍ بِثَوْرٍ- جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ- فَدَخَلَاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَسَمَّعَ لَهُمَا مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِمَا نَهَارَهُ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْخَبَرِ، وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ نَهَارَهُ، ثُمَّ يُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا، يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فِي الْغَارِ. وَكَانَتْ أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنْ الطَّعَامِ إذَا أَمْسَتْ بِمَا يُصْلِحُهُمَا.
-----------------------
[١] فِي جَامع البُخَارِيّ: «إِنَّمَا هم أهلك» . وَقد كَانَ أَبُو بكر أنكح عَائِشَة من رَسُول الله ﷺ قبل ذَلِك.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إلَى الْغَارِ لَيْلًا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَسَ الْغَارَ، لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ.
(ابْنَا أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ فهَيْرَة يقومُونَ بشئون الرَّسُولِ وَصَاحِبِهِ وَهُمَا فِي الْغَارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ حِين فقدوه مائَة نَاقَةٍ، لِمَنْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نَهَارَهُ مَعَهُمْ، يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ. وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، يَرْعَى فِي رَعْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ، فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غَدَا مِنْ عِنْدِهِمَا إلَى مَكَّةَ، اتَّبَعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ حَتَّى يُعَفِّي عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا مَضَتْ الثَّلَاثُ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا النَّاسُ أَتَاهُمَا صَاحِبُهُمَا الَّذِي اسْتَأْجَرَاهُ بِبَعِيرَيْهِمَا وَبَعِيرٍ لَهُ، وَأَتَتْهُمَا أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما بِسُفْرَتِهِمَا، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا فَلَمَّا ارْتَحَلَا ذَهَبَتْ لِتُعَلِّقَ السُّفْرَةَ، فَإِذَا لَيْسَ لَهَا عِصَامٌ، [١] فَتَحِلُّ نِطَاقَهَا فَتَجْعَلُهُ عِصَامًا، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا بِهِ.
(سَبَبُ تَسْمِيَةِ أَسْمَاءَ بِذَاتِ النِّطَاقِ):
فَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النِّطَاقِ، لِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ.
وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّهَا لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَلِّقَ السُّفْرَةَ شَقَّتْ نِطَاقَهَا بِاثْنَيْنِ، فَعَلَّقَتْ السُّفْرَةَ بِوَاحِدٍ، وَانْتَطَقَتْ بِالْآخَرِ.
(أَبُو بَكْرٍ يُقَدِّمُ رَاحِلَةً لِلرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَرَّبَ أَبُو بَكْرٍ، رضي الله عنه، الرَّاحِلَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدَّمَ لَهُ أَفَضْلَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي،
---------------------
[١] العصام: الْحَبل أَو شبهه يشد على فَم المزادة وَنَحْوهَا ليحفظ بَاقِيهَا أَو تعلق مِنْهَا فِي وتد وَنَحْوه.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي، قَالَ: فَهِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مَا الثَّمَنُ الَّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ؟ قَالَ:
كَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتهَا بِهِ، قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ [١] . فَرَكِبَا وَانْطَلَقَا وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ خَلْفَهُ، لِيَخْدِمَهُمَا فِي الطَّرِيقِ.
(ضَرْبُ أَبِي جَهْلٍ لِأَسْمَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي.
(خَبَرُ الْهَاتِفِ مِنْ الْجِنِّ عَنْ طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ):
قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَمَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ. وَمَا نَدْرِي أَيْنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِنَاءِ الْعَرَبِ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدٍ
لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِمَرْصَدِ [٢]
(نَسَبُ أُمِّ مَعْبَدٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ مَعْبَدٍ [٣] بِنْتُ كَعْبٍ، امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، مِنْ خُزَاعَةَ.
-------------------------
[١] إِنَّمَا لم يقبل رَسُول الله ﷺ الرَّاحِلَة مِنْهُ إِلَّا بِثمنِهَا رَغْبَة مِنْهُ عليه الصلاة والسلام فِي استكمال فضل الْهِجْرَة، وَأَن تكون الْهِجْرَة وَالْجهَاد على أتم أحوالهما.
[٢] ويروى أَن حسان بن ثَابت لما بلغه شعر الجنى وَمَا هتف بِهِ فِي مَكَّة قَالَ أبياتا، مطْلعهَا:
لقد خَابَ قوم غَابَ عَنْهُم نَبِيّهم ... وَقد سر من يسرى إِلَيْهِم ويغتدى
[٣] وَاسم أم معبد: عَاتِكَة بنت خَالِد. ويحكى أَن رَسُول الله ﷺ مر على خيمتها هُوَ وَأَبُو بكر وَمولى أَبى بكر عَامر بن فهَيْرَة وَدَلِيلهمَا، وَكَانَت أم معبد بَرزَة جلدَة تختبئ بِفنَاء الْقبَّة، ثمَّ
وَقَوْلُهُ «حلا خَيْمَتي»، و«هما نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ، عَرَفْنَا حَيْثُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ وَجْهَهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، وَعَامِرُ ابْن فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَطَ دَلِيلُهُمَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ.
(أَبُو قُحَافَةَ وَأَسْمَاءُ بَعْدَ هِجْرَةِ أَبِي بَكْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَاهُ عَبَّادًا حَدَّثَهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةُ آلَافٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَا أَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ:
كَلَّا يَا أَبَتِ! إنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا فَوَضَعْتهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
لَا بَأْسَ، إذَا كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. وَلَا وَاَللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُسَكِّنَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ.
--------------------
[()] تسقى وَتطعم، فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا يشترونه مِنْهَا، فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا شَيْئا، وَكَانَ الْقَوْم مُرْمِلِينَ مُسنَّتَيْنِ، فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى شَاة بِكَسْر الْخَيْمَة، فَقَالَ: مَا هَذِه الشَّاة يَا أم معبد؟ قَالَت: شَاة خلفهَا الْجهد عَن الْغنم، فَقَالَ: هَل بهَا من لبن؟ قَالَت: هِيَ أجهد من ذَلِك، قَالَ: أَتَأْذَنِينَ لي أَن أَحْلَبَهَا؟
قَالَت: بِأبي أَنْت وأمى! إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فاحلبها. فَدَعَا بهَا رَسُول الله ﷺ فَمسح بِيَدِهِ ضرْعهَا، فَسمى الله تَعَالَى، ودعا لَهَا فِي شَأْنهَا، فتفاجت عَلَيْهِ، وَدرت واجترت، ودعا بِإِنَاء يريض الرَّهْط، فَحلبَ فِيهِ ثَجًّا، حَتَّى علاهُ لَبنهَا، ثمَّ سَقَاهَا حَتَّى رويت، وَسَقَى أَصْحَابه حَتَّى رووا، وَشرب آخِرهم، ثمَّ أراضوا، ثمَّ صب فِيهِ ثَانِيًا بعد بَدْء حَتَّى مَلأ الْإِنَاء، ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا، ثمَّ بَايَعَهَا على الْإِسْلَام، ثمَّ ارتحلوا عَنْهَا. فَمَا لَبِثت حَتَّى جَاءَ زَوجهَا أَبُو معبد يَسُوق أَعْنُزًا عِجَافًا، فَلَمَّا رأى أَبُو معبد اللَّبن عجب وَقَالَ: من أَيْن لَك هَذَا يَا أم معبد؟ وَالشَّاة عَازِب حِيَال، وَلَا حَلُوب فِي الْبَيْت؟ قَالَت: لَا وَالله، إِلَّا أَنه مر بِنَا رجل مبارك، من حَاله كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَفيه يَا أم معبد، فوصفته لَهُ فِي كَلَام طَوِيل، كُله الْحق، قَالَ أَبُو معبد: هَذَا وَالله صَاحب قُرَيْش، الّذي ذكر لنا من أمره مَا ذكر بِمَكَّة، لقد هَمَمْت أَن أَصْحَبهُ، وَلَأَفْعَلَن إِن وجدت إِلَى ذَلِك سَبِيلا.
(سُرَاقَةُ وَرُكُوبُهُ فِي أَثَرِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ حَدَّثَهُ.
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ [١]، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إلَى الْمَدِينَةِ، جَعَلَتْ قُرَيْش فِيهِ مائَة نَاقَةٍ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَّا، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَكْبَهُ ثَلَاثَةً مَرُّوا عَلَيَّ آنِفًا، إنِّي لَأَرَاهُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ: فَأَوْمَأْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي: أَنْ اُسْكُتْ، ثُمَّ قُلْتُ: إنَّمَا هُمْ بَنُو فُلَانٍ، يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ، قَالَ: لَعَلَّهُ، ثُمَّ سَكَتَ. قَالَ: ثُمَّ مَكَثْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي، ثُمَّ أَمَرْتُ بِفَرَسِي، فَقُيِّدَ لِي إلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَأَمَرْتُ بِسِلَاحِي، فَأُخْرِجَ لِي مِنْ دُبُرِ حُجْرَتِي، ثُمَّ أَخَذْتُ قِدَاحِي الَّتِي أَسَتَقْسِمُ بِهَا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ، فَلَبِسْتُ لَأْمَتِي [٢]، ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرُّهُ» [٣] .
قَالَ: وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى قُرَيْش، فآخذ الْمِائَة النَّاقَةِ. قَالَ: فَرَكِبْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَبَيْنَمَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ:
ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرُّهُ» . قَالَ:
فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ. قَالَ: فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ، فَبَيْنَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي، عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟، قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرُّهُ»، قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ.
فَلَمَّا بَدَا لِي الْقَوْمُ وَرَأَيْتهمْ، عَثَرَ بِي فَرَسِي، فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الْأَرْضِ، وَسَقَطْتُ عَنْهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، وَتَبِعَهُمَا دُخَانٌ كَالْإِعْصَارِ [٤] . قَالَ: فَعَرَفْتُ حَيْنَ رَأَيْتُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ. قَالَ: فَنَادَيْتُ الْقَوْمَ: فَقُلْتُ: أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ: انظرونى أكلمكم، فو الله لَا أَرَيْبُكُمْ، وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ
---------------------
[١] وينتهى نسب سراقَة إِلَى بنى مُدْلِج، وهم بَنو مُدْلِج بن مرّة بن تيم بن عبد منَاف بن كنَانَة. (رَاجع المقتضب، والمعارف، والاستيعاب، وَالرَّوْض) .
[٢] اللأمة: الدرْع وَالسِّلَاح.
[٣] لَا يضرّهُ: أَي السهْم الْمَكْتُوب فِيهِ هَذِه الْكَلِمَة.
[٤] الإعصار: ريح مَعهَا غُبَار.
تَكْرَهُونَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: قُلْ لَهُ: وَمَا تَبْتَغِي مِنَّا؟ قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: تَكْتُبُ لِي كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَالَ: اُكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ.
(إسْلَامُ سُرَاقَةَ):
(قَالَ) [١]: فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْمٍ، أَوْ فِي رُقْعَةٍ، أَوْ فِي خَزَفَةٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ إلَيَّ، فَأَخَذَتْهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ [٢]، فَسَكَتُّ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ حَتَّى إذَا كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، خَرَجْتُ وَمَعِي الْكِتَابَ لَأَلْقَاهُ، فَلَقِيتُهُ بِالْجِعْرَانَةِ [٣] . قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي كَتِيبَةٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَنِي بِالرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ: إلَيْكَ (إلَيْكَ) [١]، مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ [٤] كَأَنَّهَا جُمَّارَةٌ. قَالَ: فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كِتَابُكَ (لِي) [١]، أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، ادْنُهْ. قَالَ:
فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ. ثُمَّ تَذَكَّرْتُ شَيْئًا أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَمَا أَذْكُرُهُ، إلَّا أَنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الضَّالَّةُ مِنْ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي، وَقَدْ مَلَأْتهَا لِإِبِلِي، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي أَنْ أَسْقِيَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى قَوْمِي، فَسُقْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدَقَتِي.
--------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] ويحكى أَن أَبَا جهل لَام سراقَة حِين رَجَعَ بِلَا شَيْء، فَقَالَ سراقَة:
أَبَا حكم وَالله لَو كنت شَاهدا ... لأمر جوادي إِذْ تَسُوخ قوائمه
علمت وَلم تشكك بِأَن مُحَمَّدًا ... رَسُول ببرهان فَمن ذَا يقاومه
عَلَيْك بكف الْقَوْم عَنهُ فاننى ... أرى أمره يَوْمًا ستبدو معالمه
بِأَمْر يود النَّاس فِيهِ بأسرهم ... بِأَن جَمِيع النَّاس طرا يسالمه
(رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] الْجِعِرَّانَة (بِكَسْر أَوله، وَقيل: بِكَسْر عينه، وَتَشْديد رائه): مَاء بَين الطَّائِف وَمَكَّة، وَهِي إِلَى مَكَّة أقرب. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] الغرز للرحل: بِمَنْزِلَة الركاب للسرج.
(تَصْوِيبُ نَسَبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْشُمِيِّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ.
(طَرِيقُهُ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَطَ، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أَمَجَ، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتَّى عَارَضَ بِهِمَا الطَّرِيقَ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيْدًا، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الْخَرَّارَ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْمَرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، لَفْتَا. قَالَ مَعْقِلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيُّ:
نَزِيعًا مُحْلِبًا مِنْ أَهْلِ لَفْتٍ ... لِحَيٍّ بَيْنَ أَثْلَةَ وَالنِّحَامِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ لِقْفٍ ثُمَّ اسْتَبْطَنَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ مَحَاجَّ- وَيُقَالُ: مِجَاجٍ [١]، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِحَ مَحَاجَّ، ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا مَرْجِحَ مِنْ ذِي الْغَضْوَيْنِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعُضْوَيْنِ- ثُمَّ بَطْنَ ذِي كَشْرٍ [٢]، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الْجَدَاجِدِ، ثُمَّ عَلَى الْأَجْرَدِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَمٍ، مِنْ بَطْنِ أَعْدَاءِ مَدْلِجَةٍ تِعْهِنِ [٣]، ثُمَّ عَلَى الْعَبَابِيدِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ: الْعَبَابِيبُ، وَيُقَالُ: الْعِثْيَانَةَ. يُرِيدُ: الْعَبَابِيبَ-.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا الْفَاجَّةَ، وَيُقَالُ: الْقَاحَّةُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ هَبَطَ بِهِمَا الْعَرْجَ، وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمَا بَعْضُ ظَهْرِهِمْ، فَحَمَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ: أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ، عَلَى جَمَلٍ لَهُ- يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الرِّدَاءِ- إلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ غُلَامًا لَهُ، يُقَالُ لَهُ:
--------------------
[١] قَالَ ياقوت، وَقد ذكر هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ: «وَالصَّحِيح عندنَا فِيهِ غير مَا روياه، جَاءَ فِي شعر ذكره الزبير بن بكار، وَهُوَ مجاح، بِفَتْح الْمِيم ثمَّ جِيم وَآخره حاء. وَالشعر هُوَ:
لعن الله بطن لقف مسيلا ... ومجاحا وَمَا أحب مجاحا
لقِيت نَاقَتي بِهِ وبلقف ... بَلَدا مجدبا وأرضا شحاحا
[٢] فِي الْأُصُول: «كشد»، وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] تعهن: اسْم عين مَاء على ثَلَاثَة أَمْيَال من السقيا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 08:54 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (52)
صــ 491إلى صــ 500
مَسْعُودُ بْنُ هُنَيْدَةَ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا مِنْ الْعَرَجِ، فَسَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْعَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةٍ- وَيُقَالُ. ثَنِيَّةُ الْغَائِرِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- حَتَّى هَبَطَ بِهِمَا بَطْنَ رِئْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا قُبَاءٍ، عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدَّ الضَّحَاءُ، وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَعْتَدِلُ.
(قُدُومُهُ ﷺ قُبَاءَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ سَاعِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالُوا: لَمَّا سَمِعْنَا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَتَوَكَّفْنَا [١] قُدُومَهُ، كُنَّا نَخْرُجُ إذَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ، إلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا نَنْتَظِرُ رَسُول الله ﷺ، فو اللَّهِ مَا نَبْرَحُ حَتَّى تَغْلِبَنَا الشَّمْسُ عَلَى الظِّلَالِ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلًّا دَخَلْنَا، وَذَلِكَ فِي أَيَّامٍ حَارَّةٍ. حَتَّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ ظِلٌّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَى مَا كُنَّا نَصْنَعُ، وَأَنَّا نَنْتَظِرُ قُدُومَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ [٢]، هَذَا جَدُّكُمْ قَدْ جَاءَ. قَالَ:
فَخَرَجْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فِي مِثْلِ سِنِّهِ، وَأَكْثَرُنَا لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَكِبَهُ النَّاسُ [٣] وَمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، حَتَّى زَالَ الظِّلُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَظَلَّهُ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ [٤] .
----------------------
[١] توكفنا قدومه: استشعرناه وانتظرناه.
[٢] بَنو قيلة، هم الْأَنْصَار، وقيلة: اسْم جدة كَانَت لَهُم.
[٣] رَكبه النَّاس: أَي ازدحموا عَلَيْهِ.
[٤] كَانَ قدوم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ لاثنى عشرَة من ربيع الأول، وَقيل:
قدمهَا لثمان خلون من ربيع الأول. كَمَا قيل: إِن خُرُوجه عليه الصلاة والسلام من الْغَار كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ أول يَوْم من ربيع الأول.
(مَنَازِلُهُ ﷺ بقُباءٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- عَلَى كُلْثُومِ [١] بْنِ هِدْمٍ، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي عُبَيْدٍ: وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ. وَيَقُولُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ: إنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِ كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ جَلَسَ لِلنَّاسِ فِي بَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبًا لَا أَهْلَ لَهُ، وَكَانَ مَنْزِلُ الْأَعْزَابِ [٢] مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَمِنْ هُنَالِكَ يُقَالُ: نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ، وَكَانَ يُقَالُ لِبَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ: بَيْتُ الْأَعْزَابِ. فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، كُلًّا قَدْ سَمِعْنَا.
(مَنْزِلُ أَبِي بَكْرٍ بقُباءٍ):
وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إِسَافٍ، أَحَدِ بَنِي الْحَارِثِ الْخَزْرَجَ بِالسُّنْحِ. وَيَقُولُ قَائِلٌ: كَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
(مَنْزِلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بقُباءٍ):
وَأَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام بِمَكَّةَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَيَّامِهَا، حَتَّى أَدَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهَا، لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ مَعَهُ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ.
(ابْنُ حُنَيْفٍ وَتَكْسِيرُهُ الْأَصْنَامَ):
فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إقَامَتُهُ بقُباءٍ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ يَقُولُ: كَانَتْ بقُباءٍ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا، مُسْلِمَةٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ إنْسَانًا يَأْتِيهَا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بَابَهَا، فَتَخْرَجُ إلَيْهِ فَيُعْطِيَهَا شَيْئًا مَعَهُ فَتَأْخُذَهُ. قَالَ: فَاسْتَرَبْتُ
----------------------
[١] هُوَ كُلْثُوم بن الْهدم بن امْرِئ الْقَيْس بن الْحَارِث بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس، وَكَانَ شَيخا كَبِيرا، مَاتَ بعد قدوم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة بِيَسِير، وَهُوَ أول من مَاتَ من الْأَنْصَار بعد قدوم النَّبِي ﷺ، ثمَّ مَاتَ بعده أسعد بن زُرَارَة بأيام. وَكَانَ كُلْثُوم يكنى أَبَا قيس. (رَاجع الِاسْتِيعَاب: وَالرَّوْض) .
[٢] فِي الْأُصُول: «العزاب»، وَهُوَ تَحْرِيف.
بِشَأْنِهِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَضْرِبُ عَلَيْكَ بَابَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَتَخْرُجِينَ إلَيْهِ فَيُعْطِيَكَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنْتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَا زَوْجَ لَكَ؟
قَالَتْ: هَذَا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبٍ، قَدْ عَرَفَ أَنِّي امْرَأَةٌ لَا أَحَدَ لِي، فَإِذَا أَمْسَى عَدَا عَلَى أَوْثَانِ قَوْمِهِ فَكَسَّرَهَا، ثُمَّ جَاءَنِي بِهَا، فَقَالَ: احْتَطِبِي بِهَذَا، فَكَانَ عَلِيٌّ رضي الله عنه يَأْثُرُ [١] ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ بِالْعِرَاقِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هَذَا، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، هِنْدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، رضي الله عنه.
(بِنَاءُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُ [٢]
(خُرُوجُهُ ﷺ مِنْ قُبَاءٍ وَسَفَرُهُ إلَى الْمَدِينَةِ):
ثُمَّ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُزْعِمُونَ أَنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. فَأَدْرَكَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَصَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَادِي رَانُونَاءَ [٣]، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا بِالْمَدِينَةِ.
(اعْتِرَاضُ الْقَبَائِلِ لَهُ ﷺ تَبْغِي نُزُولَهُ عِنْدَهَا):
فَأَتَاهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ ابْن عَوْفٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَقِمْ عِنْدَنَا فِي الْعَدَدِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَنَعَةِ، قَالَ:
خَلُّوا سَبِيلَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، لِنَاقَتِهِ: فَخَلُّوا سَبِيلهَا، فَانْطَلَقَتْ حَتَّى إذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي بَيَّاضَةَ، تَلَقَّاهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي بَيَّاضَةَ[١] يأثر ذَلِك: يحدث بِهِ.
[٢] ذكر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ أول من وضع حجرا فِي قبلته، ثمَّ جَاءَ أَبُو بكر بِحجر فَوَضعه إِلَى حجر رَسُول الله ﷺ، ثمَّ أَخذ النَّاس فِي الْبُنيان. وَكَانَ مَسْجِد قبَاء أول مَسْجِد بنى فِي الْإِسْلَام.
[٣] فِي غير سيرة ابْن إِسْحَاق: أَن رَسُول الله ﷺ صلى بهم فِي بطن الْوَادي فِي بنى سَالم.
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ عِنْد الْكَلَام على رَانُونَاء) .
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلُمَّ إلَيْنَا، إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَنَعَةِ، قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهَا. فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إذَا مَرَّتْ بِدَارِ بَنِي سَاعِدَةَ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلُمَّ إلَيْنَا إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَنَعَةِ، قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ ابْن الرَّبِيعِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ ابْن الْخَزْرَجِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إلَيْنَا إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَنَعَةِ قَالَ:
خَلُّوا سَبِيلَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهَا. فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إذَا مَرَّتْ بِدَارِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ دِنْيَا- أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو، إحْدَى نِسَائِهِمْ- اعْتَرَضَهُ سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَبُو سَلِيطٍ، أُسَيْرَةُ بْنُ أَبِي خَارِجَةَ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلُمَّ إلَى أَخْوَالِكَ، إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَنَعَةِ، قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ.
(مَبْرَكَ نَاقَتهُ ﷺ بِدَارِ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ):
حَتَّى إذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، بَرَكَتْ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ ﷺ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِرْبَدٌ [١] لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، سَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو. فَلَمَّا بَرَكَتْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا لَمْ يَنْزِلْ، وَثَبَتَ فَسَارَتْ غَيْرَ بِعِيدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يَثْنِيهَا بِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إلَى خَلْفِهَا، فَرَجَعَتْ إلَى مَبْرَكِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَبَرَكَتْ فِيهِ، ثُمَّ تَحَلْحَلَتْ وَزَمَّتْ [٢] وَوَضَعَتْ
----------------------------
[١] المربد: الْموضع الّذي يجفف فِيهِ التَّمْر.
[٢] قَالَ السهيليّ عِنْد الْكَلَام على معنى (تحلحلت): وَفَسرهُ ابْن قُتَيْبَة على «تلحلح»: أَي لزم مَكَانَهُ وَلم يبرح، وَأنْشد:
أنَاس إِذا قيل انفروا قد أتيتم ... أَقَامُوا على أثقالهم وتلحلحوا
قَالَ: وَأما تحلحل (بِتَقْدِيم الْحَاء على اللَّام) فَمَعْنَاه: زَالَ عَن مَوْضِعه. وَهَذَا الّذي قَالَه قوى من جِهَة الِاشْتِقَاق، فَإِن (التلحلح) يشبه أَن يكون من: لححت عينه: إِذا التصقت، وَهُوَ ابْن عمى لحا. وَأما (التحلحل) فاشتقاقه من الْحل، والانحلال بَين، لِأَنَّهُ انفكاك شَيْء من شَيْء. وَلَكِن الرِّوَايَة فِي سيرة ابْن
جِرَانَهَا [١]، فَنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٢]، فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ ابْن زَيْدٍ رَحْلَهُ، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَسَأَلَ عَنْ الْمِرْبَدِ لِمَنْ هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ مَعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو [٣]، وَهُمَا يَتِيمَانِ لِي، وَسَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ، فَاِتَّخِذْهُ مَسْجِدًا.
(بِنَاءُ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَسَاكِنِهِ ﷺ):
قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى بَنَى مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُرَغِّبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَمَلِ فِيهِ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَدَأَبُوا فِيهِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلِّلُ
وَارْتَجَزَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ يَبْنُونَهُ يَقُولُونَ:
لَا عَيْشَ إلَّا عَيْشَ الْآخِرَهْ ... اللَّهمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا كَلَامٌ وَلَيْسَ بِرَجَزٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا عَيْشَ إلَّا عَيْشَ الْآخِرَةِ، اللَّهمّ ارْحَمْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
(إخْبَارُ الرَّسُولِ لِعَمَّارٍ بِقَتْلِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ لَهُ):
قَالَ: فَدَخَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَدْ أَثْقَلُوهُ بِاللَّبِنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
-------------------------
[()] إِسْحَاق (تحلحلت) بِتَقْدِيم الْحَاء على اللَّام، وَهُوَ خلاف الْمَعْنى، إِلَّا أَن يكون مقلوبا من (تلحلحت) فَيكون مَعْنَاهُ: لصقت بموضعها وأقامت، على الْمَعْنى الّذي فسره بِهِ ابْن قُتَيْبَة فِي (تلحلحت) . وَقَالَ أَبُو ذَر: «تحلحلت: مَعْنَاهُ: تحركت وانزجرت» . يُقَال: رزمت النَّاقة رزوما، وَذَلِكَ إِذا أَقَامَت من الكلال.
[١] الجران: مَا يُصِيب الأَرْض من صدر النَّاقة وباطن حلقها.
[٢] وَيُقَال: إِن النَّاقة لما أَلْقَت بِجِرَانِهَا فِي دَار بنى النجار جعل رجل من بنى سَلمَة، وَهُوَ جَبَّار بن صَخْر، ينخسها رَجَاء أَن تقوم فتبرك فِي دَار بنى سَلمَة، فَلم تفعل.
[٣] سهل وَسُهيْل، هما ابْنا رَافع بن عَمْرو بن أَبى عَمْرو بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار.
وَقد شهد سُهَيْل بَدْرًا والمشاهد كلهَا، وَمَات فِي خلَافَة عمر، وَلم يشْهد سهل بَدْرًا وَشهد غَيرهَا، وَمَات قبل أَخِيه سُهَيْل.
قَتَلُونِي، يَحْمِلُونَ عَلَيَّ مَا لَا يَحْمِلُونَ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ:
فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْفُضُ وَفْرَتَهُ بِيَدِهِ، وَكَانَ رَجُلًا جَعْدًا، وَهُوَ يَقُولُ: وَيْحَ ابْنَ سُمَيَّةَ، لَيْسُوا بِاَلَّذِينَ يَقْتُلُونَكَ، إنَّمَا تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ.
(ارْتِجَازُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ):
وَارْتَجَزَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه يَوْمئِذٍ:
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا ... يَدْأَبُ فِيهِ قَائِمًا وَقَاعِدًا
وَمَنْ يُرَى عَنْ الْغُبَارِ حَائِدًا [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَلْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، عَنْ هَذَا الرَّجَزِ، فَقَالُوا:
بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ارْتَجَزَ بِهِ، فَلَا يُدْرَى: أَهُوَ قَائِلُهُ أَمْ غَيْرُهُ.
(مَا كَانَ بَيْنَ عَمَّارٍ وَأَحَدِ الصَّحَابَةِ مِنْ مُشَادَّةٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخَذَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ بِهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا أَكْثَرَ، ظَنَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا يُعَرِّضُ بِهِ، فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِي، عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَقَدْ سَمَّى ابْنُ إسْحَاقَ الرَّجُلَ [٢] .
(وَصَاةُ الرَّسُولِ ﷺ بِعَمَّارٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ مَا تَقُولُ مُنْذُ الْيَوْمِ يَا بن سُمَيَّةَ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُرَانِي سَأَعْرِضُ هَذِهِ الْعَصَا لِأَنْفِكَ. قَالَ: وَفِي يَدِهِ عَصًا. قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَهُمْ وَلِعَمَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلَى النَّارِ، إنَّ عَمَّارًا جِلْدَةٌ مَا بَيْنَ عَيْنِيَّ وَأَنْفِي، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ الرَّجُلِ فَلَمْ يُسْتَبْقَ فَاجْتَنِبُوهُ.
--------------------------
[١] حائدا: مائلا.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَقد سمى ابْن إِسْحَاق الرجل، وَكره ابْن هِشَام أَن يُسَمِّيه كي لَا يذكر أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بمكروه، فَلَا يَنْبَغِي أبدا الْبَحْث عَن اسْمه» .
وَقَالَ أَبُو ذَر: «وَقد سمى ابْن إِسْحَاق الرجل فَقَالَ: إِن هَذَا الرجل هُوَ عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه» وَفِي الْمَوَاهِب اللدنية: أَنه عُثْمَان بن مَظْعُون.
٣٢- سيرة ابْن هِشَام- ١
(مَنْ بَنَى أَوَّلَ مَسْجِدٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُييْنَةَ عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ [١] .
(مَنْزِلُهُ ﷺ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ، وَشَيْءٌ مِنْ أَدَبِهِ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ، حَتَّى بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُهُ وَمَسَاكِنُهُ [٢]، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَسَاكِنِهِ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ [٣]، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اليَزَنيِّ، عَنْ أَبِي رُهْمٍ السَّمَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، نَزَلَ فِي السُّفْلِ، وَأَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ، فَقُلْتُ لَهُ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إنِّي لَأَكْرَهُ وَأُعْظِمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ، وَتَكُونَ تَحْتِي، فَاظْهَرْ أَنْتَ فَكُنْ فِي الْعُلْوِ، وَنَنْزِلَ نَحْنُ فَنَكُونَ فِي السُّفْلِ، فَقَالَ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، إنَّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا، أَنْ نَكُونَ فِي سُفْلِ الْبَيْتِ. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سُفْلِهِ، وَكُنَّا فَوْقَهُ فِي الْمَسْكَنِ،
--------------------------
[١] يعْنى بِهَذَا الحَدِيث مَسْجِد قبَاء، لِأَن عمارا هُوَ الّذي أَشَارَ على النَّبِي ﷺ ببنيانه، وَهُوَ جمع الْحِجَارَة لَهُ، فَلَمَّا أسسه رَسُول الله ﷺ استتم بُنْيَانه عمار. (انْظُر الرَّوْض) .
[٢] كَانَت بيوته عليه الصلاة والسلام تِسْعَة، بَعْضهَا من جريد مطين بالطين وسقفها جريد، وَبَعضهَا من حِجَارَة مرصوصة بَعْضهَا فَوق بعض مسقفة بِالْجَرِيدِ أَيْضا.
وَقَالَ الْحسن بن أَبى الْحسن: كنت أَدخل بيُوت النَّبِي عليه الصلاة والسلام وَأَنا غُلَام مراهق، فأنال السّقف بيَدي.
وَكَانَت حجره عليه الصلاة والسلام أكسية من شعر مربوطة فِي خشب عرعر. وَفِي تَارِيخ البُخَارِيّ:
أَن بَابه عليه الصلاة والسلام كَانَ يقرع بالأظافر: أَي لَا حلق لَهُ.
وَلما توفيت أَزوَاجه عليه الصلاة والسلام خلطت الْبيُوت وَالْحجر بِالْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ فِي زمن عبد الْملك، فَلَمَّا ورد كِتَابه بذلك ضج أهل الْمَدِينَة بالبكاء كَيَوْم وَفَاته عليه الصلاة والسلام.
وَكَانَ سَرِيره خشبات مشدودة بالليف بِيعَتْ زمن بنى أُميَّة، فاشتراها رجل بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم.
[٣] وَقد صَار منزل أَبى أَيُّوب هَذَا بعده إِلَى أَفْلح، مولى أَبى أَيُّوب، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، بعد مَا خرب وتثلمت حيطانه، الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بِأَلف دِينَار، ثمَّ أصلحه الْمُغيرَة، وَتصدق بِهِ على أهل بَيت من فُقَرَاء الْمَدِينَة.
فَلَقَدْ انْكَسَرَ حُبٌّ [١] لَنَا فِيهِ مَاءٌ فَقُمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ بِقَطِيفَةٍ لَنَا، مَا لَنَا لِحَافٌ غَيْرَهَا، نُنَشِّفُ بِهَا الْمَاءَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَقْطُرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُؤْذِيَهُ.
قَالَ: وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ الْعَشَاءَ، ثُمَّ نَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ، حَتَّى بَعَثْنَا إلَيْهِ لَيْلَةً بِعَشَائِهِ وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ بَصَلًا أَوْ ثُومًا، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ أَرَ لِيَدِهِ فِيهِ أَثَرًا. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، رَدَدْتَ عَشَاءَكَ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ مَوْضِعَ يَدِكَ، وَكُنْتَ إذَا رَدَدْتُهُ عَلَيْنَا، تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِكَ، نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ، قَالَ: إنِّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَأَنَا رَجُلٌ أُنَاجِي، فَأَمَّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ. قَالَ: فَأَكَلْنَاهُ، وَلَمْ نَصْنَعْ لَهُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ [٢] بَعْدُ.
(تَلَاحُقُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَلَاحَقَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إلَّا مَفْتُونٌ أَوْ مَحْبُوسٌ، وَلَمْ يُوعَبْ أَهْلُ هِجْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَى اللَّهِ تبارك وتعالى وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَهْلُ دُورٍ مُسَمَّوْنَ: بَنُو مَظْعُونٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، وَبَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنُو الْبُكَيْرِ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنَّ دُورَهُمْ غُلِّقَتْ بِمَكَّةَ هِجْرَةً، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ.
(عُدْوَانُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى دَارِ بَنِي جَحْشٍ، وَالْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ):
وَلَمَّا خَرَجَ بَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ مِنْ دَارِهِمْ، عَدَا عَلَيْهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَبَاعَهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا بَلَغَ بَنِي جَحْشٍ مَا صَنَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِدَارِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ بِهَا دَارًا خَيْرًا مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ لَكَ. فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ
-------------------------
[١] الْحبّ: الجرة، أَو الضخمة مِنْهَا.
[٢] وَفِي هَذَا يرْوى: إِن الْمَلَائِكَة تتأذى بِمَا يتَأَذَّى بِهِ الْإِنْس.
ﷺ مَكَّةَ، كَلَّمَهُ أَبُو أَحْمَدَ [١] فِي دَارِهِمْ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي أَحْمَدَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ تَرْجِعُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أُصِيبَ مِنْكُمْ فِي اللَّهِ عز وجل، فَأَمْسَكَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ:
أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ ... أَمْرٍ عَوَاقِبُهُ نَدَامَهْ
دَارَ ابْنِ عَمِّكَ بِعْتَهَا ... تَقْضِي بِهَا عَنْكَ الْغَرَامَهْ
وَحَلِيفُكُمْ باللَّه ... رَبِّ النَّاسِ مُجْتَهَدُ الْقَسَامَهْ
اذْهَبْ بِهَا، اذْهَبْ بِهَا ... طُوِّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَهْ [٢]
(انْتِشَارُ الْإِسْلَامَ وَمَنْ بَقِيَ عَلَى شِرْكِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ إذْ قَدِمَهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، إلَى صَفَرٍ مِنْ السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ، حَتَّى بُنِيَ لَهُ فِيهَا مَسْجِدُهُ وَمَسَاكِنُهُ، وَاسْتَجْمَعَ لَهُ إسْلَامُ هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا أَسْلَمَ أَهْلُهَا، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خَطْمَةَ، وَوَاقِفٍ، وَوَائِلٍ، وَأُمَيَّةَ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللَّهِ، وَهُمْ حَيٌّ مِنْ الْأَوْسِ، فَإِنَّهُمْ أَقَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ.
(أَوَّلُ خُطَبِهِ عليه الصلاة والسلام):
وَكَانَتْ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- نَعُوذُ باللَّه أَنْ نَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ. تَعَلَّمُنَّ وَاَللَّهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ، وَلَيْسَ لَهُ تَرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكَ، وَآتَيْتُكَ مَالًا وَأَفْضَلْتُ [٣] عَلَيْكَ؟ فَمَا قَدَّمْتَ
--------------------------
[١] اسْم أَبى أَحْمد هَذَا: عبد، وَقيل: ثُمَامَة، وَالْأول أصح. وَكَانَت عِنْده الفارعة بنت أَبى سُفْيَان، وَبِهَذَا السَّبَب تطرق أَبُو سُفْيَان إِلَى بيع دَار بنى ، إِذْ كَانَت بنته فيهم. وَقد مَاتَ أَبُو أَحْمد بعد أُخْته زَيْنَب أم الْمُؤمنِينَ فِي خلَافَة عمر.
[٢] جعله كطوق الْحَمَامَة: لِأَن طوقها لَا يفارقها، وَلَا تلقيه عَن نَفسهَا أبدا.
[٣] ويروى: ألم أوتك مَالا، وجعلتك تربع وتدسع: أَي تَأْخُذ المرباع، وتعطى من تشَاء.
لِنَفْسِكَ؟ فَلَيَنْظُرَنَّ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ. فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنْ النَّارِ وَلَوْ بِشِقٍّ مِنْ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنَّ بِهَا تُجْزَى الْحَسَنَةُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، إلَى سَبْعِ ماِئَةِ ضَعْفٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
(خُطْبَتُهُ الثَّانِيَةُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: إنَّ الْحَمْدَ للَّه، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، نَعُوذُ باللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. إنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تبارك وتعالى، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيَّنَهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَدْخَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَاخْتَارَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ، إنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَبْلَغُهُ، أَحِبُّوا مَا أَحَبَّ اللَّهُ، أَحِبُّوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تَمَلُّوا كَلَامَ اللَّهِ وَذِكْرَهُ، وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّهُ مِنْ كُلِّ مَا يَخْلُقُ اللَّهُ يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي، قَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ خِيرَتَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ، وَمُصْطَفَاهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَالصَّالِحَ مِنْ الْحَدِيثِ، وَمِنْ كُلِّ مَا أُوتِيَ النَّاسُ [١] الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، فَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاصْدُقُوا اللَّهَ صَالِحَ مَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ، وَتَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ بَيْنَكُمْ، إنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ أَنْ يُنْكَثَ عَهْدُهُ، وَالسِّلَامُ عَلَيْكُمْ.
(كِتَابُهُ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُوَادَعَةُ يَهُودَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، إنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ، الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ [٢] يَتَعَاقَلُونَ،
-----------------------
[١] فِي م، ر: «من الْحَلَال» .
[٢] الربعة: الْحَال الَّتِي جَاءَ الْإِسْلَام وهم عَلَيْهَا.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 08:57 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (53)
صــ 501إلى صــ 510
بَيْنَهُمْ، وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ [١] بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ [٢] الْأُولَى، كُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا [١] بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلِهِمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو النَّجَّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو النَّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا [٣] بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُفْرَحُ: الْمُثْقَلُ بِالدَّيْنِ وَالْكَثِيرُ الْعِيَالِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا أَنْتَ لم تَبْرَح تؤدّى أَمَانَةً ... وَتَحْمِلُ أُخْرَى أَفْرَحَتْكَ الْوَدَائِعُ [٤]
وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ [٥] ظُلْمٍ، أَوْ إثْمٍ، أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ، وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ، وَإِنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ
------------------------
[١] العاني: الْأَسير.
[٢] المعاقل: الدِّيات، الْوَاحِدَة: معقلة.
[٣] ويروى: «مفرجا» وَهُوَ بِمَعْنى المفرح بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٤] هَذَا الْبَيْت من شعر لبيهس العذري.
[٥] الدسيعة: الْعَظِيمَة، وَهِي فِي الأَصْل: مَا يخرج من حلق الْبَعِير إِذا رغا. وَأَرَادَ بهَا هَاهُنَا: مَا ينَال عَنْهُم من ظلم.
مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ، وَإِنَّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ وَالْأُسْوَةَ، غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلَّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّ كُلَّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يُعْقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِن الْمُؤمنِينَ يبيء بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ، وَإِنَّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لقريش وَلَا نفسا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ، وَإِنَّهُ مَنْ اعْتَبَطَ [١] مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ بِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إلَّا قِيَامٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرَّ بِمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَآمَنَ باللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا وَلَا يُؤْوِيهِ، وَأَنَّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَإِنَّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَإِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ [٢] إلَّا نَفْسَهُ، وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ إلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنَّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ لِبَنِي الشَّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، وَإِنَّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ بِطَانَةَ [٣] يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ، وَإِنَّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، إلَّا مِنْ ظَلَمَ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَبَرِّ هَذَا [٤]، وَإِنَّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ
------------------------
[١] اعتبطه: أَي قَتله بِلَا جِنَايَة مِنْهُ توجب قَتله.
[٢] يوتغ: يهْلك.
[٣] بطانة الرجل: خاصته وَأهل بَيته.
[٤] على أبر هَذَا: أَي على الرِّضَا بِهِ.
وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ، وَالْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ، وَإِنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلُومِ، وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنَّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٌ، وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا، وَإِنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ [١]، وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، فَإِنَّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، وَإِنَّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إلَّا مَنْ حَارَبَ فِي الدِّينِ، عَلَى كُلِّ أُنَاسٍ حِصَّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الَّذِي قِبَلَهُمْ، وَإِنَّ يَهُودَ الْأَوْسِ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. مَعَ الْبِرِّ الْمَحْضِ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مَعَ الْبِرِّ الْمُحْسِنُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. [٢] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ، وَإِنَّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِمٍ، وَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ، وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ، وَإِنَّ اللَّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٣] .
الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
(مَنْ آخَى بَيْنَهُمْ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ
---------------------
[١] أَي أَن الله وَحزبه الْمُؤمنِينَ على الرِّضَا بِهِ.
[٢] فِي م، ر: «الْحسن» .
[٣] يُقَال: إِن رَسُول الله ﷺ كتب هَذَا الْكتاب قبل أَن تفرض الْجِزْيَة، وَإِذ كَانَ الْإِسْلَام ضَعِيفا، وَكَانَ للْيَهُود إِذْ ذَاك نصيب فِي الْمغنم إِذا قَاتلُوا مَعَ الْمُسلمين، كَمَا شَرط عَلَيْهِم فِي هَذَا الْكتاب النَّفَقَة مَعَهم فِي الحروب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ- فِيمَا بَلَغَنَا، وَنَعُوذُ باللَّه أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُقَلْ-: تَآخَوْا فِي اللَّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا أَخِي [١] .
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ، وَرَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ [٢] وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، أَخَوَيْنِ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ ﷺ، وَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَخَوَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَخَوَيْنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمئِذٍ غَائِبًا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ زُهَيْرٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ أَخَوَيْنِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ ابْن الرَّبِيعِ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ. وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَسَلَامَةُ ابْن سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ. وَيُقَالُ: بَلْ الزُّبَيْرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، حَلِيفُ، بَنِي زُهْرَةَ، أَخَوَيْنِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَوْسُ ابْن ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، أَخَوَيْنِ. وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَعْبُ ابْن مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَخَوَيْنِ. وَسَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُبَيُّ
------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «آخى رَسُول الله ﷺ بَين أَصْحَابه حِين نزلُوا بِالْمَدِينَةِ، ليذْهب عَنْهُم وَحْشَة الغربة، ويؤنسهم من مُفَارقَة الْأَهْل وَالْعشيرَة، ويشد أزر بَعضهم بِبَعْض. فَلَمَّا عز الْإِسْلَام، وَاجْتمعَ الشمل، وَذَهَبت الوحشة، أنزل الله سُبْحَانَهُ: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ الله ٨: ٧٥»: أعنى فِي الْمِيرَاث. ثمَّ جعل الْمُؤمنِينَ كلهم إخْوَة فَقَالَ: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ٤٩: ١٠»: يعْنى فِي التوادد، وشمول الدعْوَة.
[٢] الخطير: النظير والمثل.
ابْن كَعْبٍ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ: أَخَوَيْنِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ: أَخَوَيْنِ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَخَوَيْنِ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ عَبْسٍ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَخَوَيْنِ. وَيُقَالُ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: أَخَوَيْنِ.
وَأَبُو ذَرٍّ، وَهُوَ بُرَيْرُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ، الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، الْمُعْنِقُ [١] لِيَمُوتَ، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: أَخَوَيْنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: أَبُو ذَرٍّ: جُنْدَبُ [٢] ابْن جُنَادَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ [٣]، حَلِيفُ بَنِي أَسَدِ [٤] بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَخَوَيْنِ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، عُوَيْمِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: عُوَيْمِرُ بْنُ زَيْدٍ [٥] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبِلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما، مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو رُوَيْحَةَ [٦]، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَثْعَمِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ
----------------------------
[١] أَي أَن الْمنية أسرعت بِهِ وساقته للْمَوْت.
[٢] هَذَا هُوَ الْأَكْثَر وَالأَصَح. وَفِي اسْمه خلاف كثير.
[٣] اسْم أَبى بلتعة: عَمْرو بن أَشد بن معَاذ. والبلتعة، من قَوْلهم: تبتلع الرجل: إِذا تظرف.
[٤] وَيُقَال: إِنَّه لم يكن حليفا لبني أَسد، بل كَانَ عبدا لِعبيد الله بن حميد بن زُهَيْر بن أَسد بن عبد الْعُزَّى، كَمَا قيل إِنَّه كَانَ من مذْحج، وَالْأَشْهر أَنه من لخم بن عدي. (رَاجع الرَّوْض) .
[٥] وَقيل: هُوَ عُوَيْمِر بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن قيس بن أُميَّة، من بلحارث بن الْخَزْرَج، وَأمه محبَّة بنت وَاقد بن عَمْرو بن الإطنابة، وَامْرَأَته أم الدَّرْدَاء، اسْمهَا خيرة بنت أَبى حدرة. وَقد مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاء بِدِمَشْق سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقيل سنة أَربع وَثَلَاثِينَ.
[٦] ويروى أَن رَسُول الله ﷺ عقد لأبى رويحة هَذَا لِوَاء عَام الْفَتْح، وَأمره أَن يُنَادى:
من دخل تَحت لِوَاء أَبى رويحة فَهُوَ آمن.
الْفَزَعِ [١]، أَخَوَيْنِ. فَهَؤُلَاءِ مَنْ سُمِّيَ لَنَا، مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخَى بَيْنَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ.
(بِلَالٌ يُوصِي بِدِيوَانِهِ لِأَبِي رُوَيْحَةَ):
فَلَمَّا دَوَّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الدَّوَاوِينَ بِالشَّامِ، وَكَانَ بِلَالٌ قَدْ خَرَجَ إلَى الشَّامِ، فَأَقَامَ بِهَا مُجَاهِدًا، فَقَالَ عُمَرُ لِبِلَالٍ: إلَى مَنْ تَجْعَلُ دِيوَانَكَ يَا بِلَالُ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي رُوَيْحَةَ، لَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنِي، فَضَمَّ إلَيْهِ، وَضُمَّ دِيوَانُ الْحَبَشَةِ إلَى خَثْعَمَ، لِمَكَانِ بِلَالٍ مِنْهُمْ، فَهُوَ فِي خَثْعَمَ إلَى هَذَا الْيَوْمِ بِالشَّامِ.
أَبُو أُمَامَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَلَكَ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ أَبُو أُمَامَةَ، أَسَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى، أَخَذَتْهُ الذِّبْحَةُ أَوْ الشَّهْقَةُ.
(مَوْتُهُ وَمَا قَالَهُ الْيَهُودُ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: بِئْسَ الْمَيِّتُ أَبُو أُمَامَةَ، لَيَهُودُ وَمُنَافِقِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ، وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي وَلَا لِصَاحِبِي مِنْ اللَّهِ شَيْئًا.
(بِمَوْتِهِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ نَقِيبًا لِبَنِي النَّجَّارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَبُو أُمَامَةَ، أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، اجْتَمَعَتْ بَنُو النَّجَّارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ نَقِيبَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هَذَا قَدْ كَانَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، فَاجْعَلْ مِنَّا رَجُلًا مَكَانَهُ يُقِيمُ مِنْ أَمْرِنَا مَا كَانَ يُقِيمُ، فَقَالَ
--------------------
[١] الْفَزع (هَذَا): بِفَتْح الزاى، وينتهى نسبه إِلَى خثعم، وَأما الْفَزع (بسكونها) فَهُوَ الْفَزع بن عبد الله بن ربيعَة، وَكَذَلِكَ الْفَزع فِي خُزَاعَة وَفِي كلب. (رَاجع مؤتلف الْقَبَائِل ومختلفها لِابْنِ حبيب، وَالرَّوْض الْأنف) .
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ: أَنْتُمْ أَخْوَالِي، وَأَنَا بِمَا فِيكُمْ، وَأَنَا نَقِيبُكُمْ، وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَخُصَّ بِهَا بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ. فَكَانَ مِنْ فَضْلِ بَنِي النَّجَّارِ الَّذِي يَعُدُّونَ عَلَى قَوْمِهِمْ، أَنْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ نقيبهم.
خبر الْأَذَان
(التَّفْكِيرُ فِي اتِّخَاذِ بُوقٍ أَوْ نَاقُوسٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ إخْوَانُهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَاجْتَمَعَ أَمْرُ الْأَنْصَارِ، اسْتَحْكَمَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ، فَقَامَتْ الصَّلَاةُ، وَفُرِضَتْ الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ، وَقَامَتْ الْحُدُودُ، وَفُرِضَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَتَبَوَّأَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ هُمْ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ قَدِمَهَا إنَّمَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ لِحِينِ مَوَاقِيتِهَا، بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ قَدِمَهَا أَنْ يَجْعَلَ بُوقًا كَبُوقِ يَهُودَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ لِصَلَاتِهِمْ، ثُمَّ كَرِهَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالنَّاقُوسِ، فَنُحِتَ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلْمُسْلِمَيْنِ لِلصَّلَاةِ.
(رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْأَذَانِ):
فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إذْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، النِّدَاءَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ طَافَ بِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ طَائِفٌ: مَرَّ بِي رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
(تَعْلِيمُ بِلَالٍ الْأَذَانَ):
فَلَمَّا أَخْبَرَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا، فَإِنَّهُ أَنْدَى [١] صَوْتًا مِنْكَ.
فَلَمَّا أَذَّنَ بِهَا بِلَالٌ سَمِعَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ.
(رُؤْيَا عُمَرُ فِي الْأَذَانِ، وَسَبْقُ الْوَحْيِ بِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: ائْتَمَرَ [٢] النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالنَّاقُوسِ لِلِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَاةِ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ خَشَبَتَيْنِ لِلنَّاقُوسِ، إذْ رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْمَنَامِ: لَا تَجْعَلُوا النَّاقُوسَ، بَلْ أَذِّنُوا لِلصَّلَاةِ. فَذَهَبَ عُمَرُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِاَلَّذِي رَأَى، وَقَدْ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ الْوَحْيُ بِذَلِكَ، فَمَا رَاعَ عُمَرُ إلَّا بِلَالٌ يُؤَذِّنُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ: قَدْ سَبَقَكَ بِذَلِكَ الْوَحْيُ.
(مَا كَانَ يَقُولُهُ بِلَالٌ قَبْلَ الْأَذَانِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ لِلْفَجْرِ كُلَّ غَدَاةٍ، فَيَأْتِي بِسَحَرٍ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْتَظِرُ الْفَجْرَ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهمّ إنِّي أَحَمْدُكَ وَأَسْتَعِينُكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى دِينِكَ. قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ كَانَ يَتْرُكُهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً.
------------------
[١] اندى: أنفذ وَأبْعد.
[٢] ائتمر: تشَاور.
أَبُو قَيْسِ بْنُ أَبِي أَنَسٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَارُهُ، وَأَظْهَرَ اللَّهُ بِهَا دِينَهُ، وَسَرَّهُ بِمَا جَمَعَ إلَيْهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، قَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ، أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ.
(نَسَبُهُ):
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو قَيْسٍ، صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسِ بْنِ صِرْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ.
(إِسْلَامُهُ وَشَيْءٌ مِنْ شِعْرِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَجُلًا قَدْ تَرَهَّبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَفَارَقَ الْأَوْثَانَ، وَاغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَتَطَهَّرَ مِنْ الْحَائِضِ مِنْ النِّسَاءِ، وَهَمَّ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْهَا، وَدَخَلَ بَيْتًا لَهُ، فَاِتَّخَذَهُ مَسْجِدًا لَا تَدْخُلُهُ عَلَيْهِ فِيهِ طَامِثٌ وَلَا جُنُبٌ، وَقَالَ: أَعْبُدُ رَبَّ إبْرَاهِيمَ، حَيْنَ فَارَقَ الْأَوْثَانَ وَكَرِهَهَا، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَكَانَ قَوَّالًا بِالْحَقِّ مُعَظِّمًا للَّه عز وجل فِي جَاهِلِيَّتِهِ، يَقُولُ أَشْعَارًا فِي ذَلِكَ حِسَانًا- وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبَحَ غَادِيًا: ... أَلَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ وَصَاتَى فَافْعَلُوا
فَأُوصِيكُمْ باللَّه وَالْبِرِّ وَالتُّقَى ... وَأَعْرَاضِكُمْ، وَالْبِرُّ باللَّه أَوَّلُ
وَإِنْ قَوْمُكُمْ سَادُوا فَلَا تَحْسُدُنَّهُمْ ... وَإِنْ كُنْتُم أهل الرِّئَاسَة فَاعْدِلُوا
وَإِنْ نَزَلَتْ إحْدَى الدَّوَاهِي بِقَوْمِكُمْ ... فَأَنْفُسَكُمْ دُونَ الْعَشِيرَةِ فَاجْعَلُوا
وَإِنْ نَابَ غُرْمٌ فَادِحٌ فَارْفُقُوهُمْ ... وَمَا حَمَّلُوكُمْ فِي الْمُلِمَّاتِ فَاحْمِلُوا [١]
وَإِنْ أَنْتُمْ أَمْعَرْتُمْ [٢] فَتَعَفَّفُوا ... وَإِنْ كَانَ فَضْلُ الْخَيْرِ فِيكُمْ فَأَفْضِلُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
وَإِنْ نَابَ أَمْرٌ فَادِحٌ فَارْفِدُوهُمْ
--------------------
[١] الفادح: المثقل، يُقَال: فدحه الْأَمر: إِذا أثقله. والملمات: النَّوَازِل.
[٢] أمعرتم: افتقرتم. ويروى: «أمعزتم» بالزاي. وأمعزتم: أَي أَصَابَتْكُم شدَّة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةَ أَيْضًا:
سَبِّحُوا اللَّهَ شَرْقَ كُلِّ صَبَاحٍ ... طَلَعَتْ شَمْسُهُ وَكُلِّ هِلَالِ [١]
عَالِمَ السِّرِّ وَالْبَيَانِ لَدَيْنَا ... لَيْسَ مَا قَالَ رَبُّنَا بِضَلَالِ
وَلَهُ الطَّيْرُ تَسْتَرِيدُ وَتَأْوِي ... فِي وُكُورٍ مِنْ آمِنَاتِ الْجِبَالِ [٢]
وَلَهُ الْوَحْشُ بِالْفَلَاةِ تَرَاهَا ... فِي حِقَافٍ وَفِي ظِلَالِ الرِّمَالِ [٣]
وَلَهُ هَوَّدَتْ يَهُودُ وَدَانَتْ ... كُلَّ دِينٍ إذَا ذَكَرْتَ عُضَالِ [٤]
وَلَهُ شَمَّسَ النَّصَارَى وَقَامُوا ... كُلَّ عِيدٍ لِرَبِّهِمْ وَاحْتِفَالِ [٥]
وَلَهُ الرَّاهِبُ الْحَبِيسُ تَرَاهُ ... رَهْنَ بُوْسٍ وَكَانَ نَاعِمَ بَالِ [٦]
يَا بَنِيَّ الْأَرْحَامَ لَا تَقْطَعُوهَا ... وَصِلُوهَا قَصِيرَةً مِنْ طِوَالِ [٧]
وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي ضِعَافِ الْيَتَامَى ... رُبَّمَا يُسْتَحَلُّ غَيْرُ الْحَلَالِ
وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلْيَتِيمِ وَلِيًّا ... عَالِمًا يَهْتَدِي بِغَيْرِ السُّؤَالِ
ثُمَّ مَالَ الْيَتِيمِ لَا تَأْكُلُوهُ ... إنَّ مَالَ الْيَتِيمِ يَرْعَاهُ وَالِي
يَا بَنِيَّ، التُّخُومَ لَا تَخْزِلُوهَا ... إنَّ خَزْلَ التُّخُومِ ذُو عُقَّالِ [٨]
يَا بَنِيَّ الْأَيَّامَ لَا تَأْمَنُوهَا ... وَاحْذَرُوا مَكْرَهَا وَمَرَّ اللَّيَالِي
--------------------
[١] الشرق هُنَا: طُلُوع الشَّمْس، أَو الضَّوْء.
[٢] تستريد: تذْهب وَترجع. والوكور: جمع وكر، وَهُوَ عش الطَّائِر.
[٣] الحقاف: جمع حقف، وَهُوَ الكدس المستدير من الرمل.
[٤] هودت: أَي ثَابت وَرجعت.
[٥] شمس: نعْبد.
[٦] الحبيس: الّذي حبس نَفسه عَن اللَّذَّات.
[٧] صلوها قَصِيرَة من طوال: أَي صلوا قصرهَا من طولكم، أَي كونُوا أَنْتُم طوَالًا بالصلة وَالْبر إِن قصرت هِيَ. وَفِي الحَدِيث: «أَسْرَعكُنَّ لُحُوقا بى أَطْوَلكُنَّ يدا» أَرَادَ الطول بِالصَّدَقَةِ وَالْبر. أَو يُرِيد بهَا مدح قومه بِأَن أرحامهم قَصِيرَة النّسَب، وَلكنهَا من قوم طوال، كَمَا قَالَ:
أحب من النسوان كل طَوِيلَة ... لَهَا نسب فِي الصَّالِحين قصير
وَالنّسب الْقصير، أَن تَقول: أَنا ابْن فلَان، فَيعرف، وَتلك صفة الْأَشْرَاف، وَمن لَيْسَ بشريف لَا يعرف حَتَّى تأتى بِنِسْبَة طَوِيلَة يبلغ بهَا رَأس الْقَبِيلَة.
[٨] التخوم: الْحُدُود بَين الْأَرْضين. وتخزلوها: تقطعوها. والعقال: مَا يمْنَع الرجل من الْمَشْي ويعقلها، يُرِيد أَن الظُّلم يخلف صَاحبه ويعقله عَن السباق.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 10:57 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (54)
صــ 511إلى صــ 520
وَاعْلَمُوا أَنَّ مرّها لنفاد ... الْخلق مَا كَانَ مِنْ جَدِيدٍ وَبَالِي
وَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ على البرّ والتّقوى ... وَتَرْكِ الْخَنَا وَأَخْذِ الْحَلَالِ
وَقَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ أَيْضًا، يَذْكُرُ مَا أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ تبارك وتعالى بِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ نُزُولِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ:
ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا [١]
وَيَعْرِضُ فِي أَهْلِ الْمَوَاسِمِ نَفْسَهُ ... فَلَمْ ير من يؤوى وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا
فَلَمَّا أَتَانَا أَظْهَرَ اللَّهُ دِينَهُ ... فَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بطِيبةَ رَاضِيَا
وَأَلْفَى صِدِّيقًا وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ النَّوَى ... وَكَانَ لَهُ عَوْنًا مِنْ اللَّهِ بَادِيَا
يَقُصُّ لَنَا مَا قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ ... وَمَا قَالَ مُوسَى إذْ أَجَابَ الْمُنَادِيَا
فَأَصْبَحَ لَا يَخْشَى مِنْ النَّاسِ وَاحِدًا ... قَرِيبًا وَلَا يَخْشَى مِنْ النَّاسِ نَائِيَا [٢]
بَذَلْنَا لَهُ الْأَمْوَالَ مِنْ حِلِّ [٣] مَالِنَا ... وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الْوَغَى والتَّآسِيا [٤]
وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَفْضَلُ هَادِيَا
نُعَادِي الَّذِي عَادَى مِنْ النَّاسِ كلِّهُمْ ... جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُصَافِيَا
أَقُولُ إذَا أَدْعُوكَ فِي كُلِّ بَيْعَةٍ: ... تَبَارَكْتَ قَدْ أَكْثَرْتُ لِاسْمِكَ دَاعِيَا [٥]
أَقُولُ إذَا جَاوَزْتُ أَرْضًا مَخُوفَةً ... حَنانَيْكَ لَا تُظْهِرْ عَلَيَّ الْأَعَادِيَا [٦]
فَطَأْ مُعْرِضًا إنَّ الْحُتُوفَ كَثِيرَةٌ ... وَإِنَّكَ لَا تُبْقِي لنَفسك [٧] بَاقِيا [٨]
فو الله مَا يَدْرِي الْفَتَى كَيْفَ يَتَّقِي ... إذَا هُوَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ اللَّهُ وَاقِيَا
وَلَا تَحْفِلُ النَّخْلُ الْمُعِيمَةُ رَبَّهَا ... إذَا أَصبَحت ريّا وأصبحت ثَاوِيَا [٩]
-----------------------
[١] ثوى: أَقَامَ. ومواتيا: مُوَافقا.
[٢] نَائِيا: بَعيدا.
[٣] فِي أ: «جلّ» .
[٤] الوغى: الْحَرْب. والتآسي: التعاون.
[٥] يُرِيد «بالبيعة»: الْمَسْجِد. وَهِي فِي الأَصْل: متعبد النَّصَارَى.
[٦] حنانيك: أَي تحننا بعد تَحَنن، والتحنن: الرأفة وَالرَّحْمَة.
[٧] فِي أ: «بِنَفْسِك» .
[٨] فطأ معرضًا: أَي متسعا. والحتوف: أَسبَاب الْمَوْت وأنواعه.
[٩] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والمعيمة: العاطشة. وَفِي أ: «المقيمة» وريا: مروية. وثاويا:
مُقيما. ويروى: «تاويا»: أَي هَالكا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْبَيْتُ الَّذِي أَوَّلُهُ:
فَطَأْ مُعْرِضًا إنَّ الْحُتُوفَ كَثِيرَةٌ
وَالْبَيْتُ الّذي يَلِيهِ:
فو الله مَا يَدْرِي الْفَتَى كَيْفَ يَتَّقِي
لِأَفْنُونَ [١] التَّغْلِبِيِّ، وَهُوَ صُرَيْمُ بْنُ مَعْشَرٍ، فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
الْأَعْدَاءُ مِنْ يَهُودَ
(سَبَب عداوتهم للْمُسلمين):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَصَبَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أَحْبَارُ يَهُودَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَدَاوَةَ، بَغْيًا وَحَسَدًا وَضِغْنًا، لِمَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْعَرَبَ مِنْ أَخْذِهِ رَسُولَهُ مِنْهُمْ، وَانْضَافَ إلَيْهِمْ رِجَالٌ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، مِمَّنْ كَانَ عَسِيَ [٢] عَلَى جَاهِلِيَّتِهِ فَكَانُوا أَهْلَ نِفَاقٍ عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ مِنْ الشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ، إلَّا أَنَّ الْإِسْلَامَ قَهَرَهُمْ بِظُهُورِهِ وَاجْتِمَاعِ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِ، فَظَهَرُوا بِالْإِسْلَامِ، وَاِتَّخَذُوهُ جُنَّةً مِنْ الْقَتْلِ وَنَافَقُوا فِي السِّرِّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ يَهُودَ، لِتَكْذِيبِهِمْ النَّبِيَّ ﷺ، وَجُحُودِهِمْ الْإِسْلَامَ. وَكَانَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ هُمْ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيَتَعَنَّتُونَهُ [٣]، وَيَأْتُونَهُ بِاللَّبْسِ، لِيَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، فَكَانَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِيهِمْ فِيمَا يَسْأَلُونَ عَنْهُ، إلَّا قَلِيلًا مِنْ الْمَسَائِلِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَ عَنْهَا.
-------------------------
[١] وَسبب قَول أفنون لهذين الْبَيْتَيْنِ أَنه خرج فِي ركب فَمروا بِرَبْوَةٍ تعرف بالإلهة، وَكَانَ الكاهن قبل ذَلِك قد حَدثهُ أَنه يَمُوت بهَا، فَمر بهَا فِي ذَلِك الركب، فَلَمَّا أشرفوا عَلَيْهَا وَأعلم باسمها كره الْمُرُور بهَا، وأبى أَصْحَابه إِلَّا أَن يمروا بهَا، وَقَالُوا لَهُ: لَا تنزل عِنْدهَا، وَلَكِن تجوزها سعيا، فَلَمَّا دنا مِنْهَا بَركت نَاقَته على حَيَّة، فَنزل لينْظر، فنهشته الْحَيَّة فَمَاتَ، فقبره هُنَالك. وَعند مَا أحس الْمَوْت، قَالَ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ، وبعدهما:
كفى حزنا أَن يرحل الركب غدْوَة ... وأترك فِي جنب الإلهة ثاويا
[٢] عَسى: أَي بَقِي.
[٣] يتعنتونه: يشقون عَلَيْهِ.
٣٣- سيرة ابْن هِشَام- ١
(الْأَعْدَاءُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ):
مِنْهُمْ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَأَخَوَاهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَجُدَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَسَلَّامُ بْنُ مُشْكِمٍ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَسَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ [١]، أَبُو رَافِعٍ الْأَعْوَرُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرٍ- وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَعَمْرُو بْنُ جَحَّاشٍ، وَكَعْبُ ابْن الْأَشْرَفِ، وَهُوَ مِنْ طيِّئ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ، وَأُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَكَرْدَمُ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ.
(مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ):
وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ ابْنُ الفِطْيَوْنِ [٢]: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا [٣] الْأَعْوَرُ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْحِجَازِ فِي زَمَانِهِ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالتَّوْرَاةِ مِنْهُ، وَابْنُ صَلُوبا، وَمُخَيْرِيقٌ، وَكَانَ حَبْرَهُمْ، أَسْلَمَ.
(مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ):
وَمِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ: زَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ- وَيُقَالُ: ابْنُ اللُّصَيتِ [٤]- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَسَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ سَيْحَانَ، وَعُزَيْزُ بْنُ أَبِي عُزَيْزٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيْفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ ضَيْفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَفِنْحَاصُ، وَأَشْيَعُ، وَنُعْمَانُ بْنُ أضَا، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيٍّ، وَشَأْسُ ابْن قَيْسٍ، وَزَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنُعْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَسُكَيْنُ بْنُ أَبِي سُكَيْنٍ، وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَبِي أَوْفَى، أَبُو أَنَسٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ دَحْيَةَ، وَمَالِكُ ابْن صَيْفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ ضَيْفٍ.
-----------------------
[١] وزادت أ. بعد هَذِه الْكَلِمَة وَقبل قَوْله: «أَبُو رَافع»: «وَأَخُوهُ سَلام بن الرّبيع. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَهُوَ» .
[٢] قَالَ السهيليّ: «الفطيون: كلمة عبرانية، وَهِي تطلق على كل من ولى أَمر الْيَهُود وملكهم» .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ «صورى»، وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع الْقَامُوس مَادَّة صور) .
[٤] فِي أهنا: «اللصيب» فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقد ضبطا بالقلم فِيهَا على صِيغَة التصغير.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَعْبُ بْنُ رَاشِدٍ، وَعَازِرٌ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَخَالِدٌ وَأَزَارُ بْنُ أَبِي أَزَارٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: آزِرُ بْنُ آزِرُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ حَبْرَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ. فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ.
(مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ):
وَمِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ: الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا بْنُ وَهْبٍ، وَعَزَّالُ بْنُ شَمْوِيلٍ [١]، وَكَعْبُ ابْن أَسَدٍ، وَهُوَ صَاحِبُ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ الَّذِي نُقِضَ عَامَ الْأَحْزَابِ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٍ، وَجَبَلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُكَيْنَةَ، وَالنَّحَّامُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ، وَوَهْبُ ابْن زَيْدٍ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَأَبُو نَافِعٍ، وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَكَرْدَمُ بْنُ زَيْدٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَرَافِعُ بْنُ رُمَيْلَةَ، وَجَبَلُ بْنُ أَبِي قُشَيْرٍ، وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ.
(مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ):
وَمِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، وَهُوَ الَّذِي أَخَّذَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ [٢] .
------------------
[١] كَذَا فِي أ، والطبري. وَفِي سَائِر الْأُصُول «سموال» .
[٢] أَخذ، من الأخذة، وَهِي ضرب من السحر. قَالَ السهيليّ: «وَهَذَا الحَدِيث مَشْهُور عِنْد النَّاس ثَابت عِنْد أهل الحَدِيث، غير أَنى لم أجد فِي الْكتب الْمَشْهُورَة كم لبث رَسُول الله ﷺ بذلك السحر حَتَّى شفى مِنْهُ. ثمَّ وَقعت على الْبَيَان فِي جَامع معمر بن رَاشد. روى معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: سحر رَسُول الله ﷺ سنة، يخيل إِلَيْهِ أَنه يفعل الْفِعْل وَهُوَ لَا يَفْعَله. وَقد طعنت الْمُعْتَزلَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَطَوَائِف من أهل الْبدع، وَقَالُوا: لَا يجوز على الْأَنْبِيَاء أَن يسحروا، وَلَو جَازَ أَن يسحروا لجَاز أَن يجنوا. وَنزع بَعضهم بقوله عز وجل: وَالله يَعْصِمُكَ من النَّاسِ ٥: ٦٧.
والْحَدِيث ثَابت خرجه أهل الصَّحِيح وَلَا مطْعن فِيهِ من جِهَة النَّقْل، وَلَا من جِهَة الْعقل، لِأَن الْعِصْمَة إِنَّمَا وَجَبت لَهُم فِي عُقُولهمْ وأديانهم وَأما أبدانهم فإنّهم يبتلون فِيهَا، ويخلص إِلَيْهِم بالجراحة وَالضَّرْب والسموم وَالْقَتْل. والأخذة الَّتِي أَخذهَا رَسُول الله ﷺ من هَذَا الْفَنّ إِنَّمَا كَانَت فِي بعض جوارحه دون بعض»
(مِنْ بَنِي حَارِثَةَ):
وَمِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ: كِنَانَةُ بْنُ صُورِيَّا.
(مِنْ بَنِي عَمْرٍو):
وَمِنْ يَهُودِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: قَرْدَمُ بْنُ عَمْرٍو.
(مِنْ بَنِي النَّجَّارِ):
وَمِنْ يَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ: سِلْسِلَةُ بْنُ بَرْهَامَ.
فَهَؤُلَاءِ أَحْبَارُ الْيَهُودِ، أَهْلُ الشُّرُورِ وَالْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَأَصْحَابُ الْمَسْأَلَةِ، وَالنَّصْبُ لِأَمْرِ الْإِسْلَامِ الشُّرُورَ لِيُطْفِئُوهُ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ [١] وَمُخَيْرِيقٍ.
إسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ
(كَيْفَ أَسْلَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِهِ عَنْهُ وَعَنْ إسْلَامِهِ حَيْنَ أَسْلَمَ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، قَالَ: لَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَزَمَانَهُ الّذي كنّا تتوكّف [٢] لَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ، صَامِتًا عَلَيْهِ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعَمَلُ فِيهَا، وعمتي خالدة بنت الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةٌ، فَلَمَّا سَمِعْتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَبَّرْتُ، فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي، حَيْنَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي: خَيَّبَكَ اللَّهُ، وَاَللَّهِ لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ قَادِمًا مَا زِدْتَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ عَمَّةُ، هُوَ وَاَللَّهِ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَعَلَى دِينِهِ، بُعِثَ
-----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «سَلام، هُوَ بتَخْفِيف اللَّام، وَلَا يُوجد من اسْمه سَلام بِالتَّخْفِيفِ فِي الْمُسلمين، لِأَن السَّلَام من أَسمَاء الله، فَيُقَال: عبد السَّلَام. وَيُقَال: سَلام (بِالتَّشْدِيدِ)، وَهُوَ كثير، وَإِنَّمَا سَلام (بِالتَّخْفِيفِ) فِي الْيَهُود، وَهُوَ وَالِد عبد الله بن سَلام» .
[٢] نتوكف: نترقب ونتوقع.
بِمَا بُعِثَ بِهِ. قَالَ: فَقَالَتْ: أَيْ ابْنَ أَخِي، أَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُ يُبْعَثُ مَعَ نَفْسِ السَّاعَةِ [١]؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَتْ: فَذَاكَ إِذا. قَالَ:
ثُمَّ خَرَجْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى أَهْلِ بَيْتِي، فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا.
(قَوْمُهُ يُكَذِّبُونَهُ وَلَا يَتَّبِعُونَهُ):
قَالَ: وَكَتَمْتُ إسْلَامِي مِنْ يَهُودَ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ يَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ [٢]، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي بَعْضِ بُيُوتِكَ، وَتُغَيِّبَنِي عَنْهُمْ، ثُمَّ تَسْأَلُهُمْ عَنِّي، حَتَّى يُخْبِرُوكَ كَيْفَ أَنَا فِيهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَإِنَّهُمْ إنْ عَلِمُوا بِهِ بَهَتُونِي وَعَابُونِي. قَالَ: فَأَدْخَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَكَلَّمُوهُ وَسَاءَلُوهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّ رَجُلٍ الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَحَبْرُنَا وَعَالِمُنَا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَوْلِهِمْ خَرَجْتُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُم بِهِ، فو الله إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ إنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِفُهُ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ ثُمَّ وَقَعُوا بِي، قَالَ: فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلَمْ أُخْبِرْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ! قَالَ: فَأَظْهَرْتُ إسْلَامِي وَإِسْلَامُ أَهْلِ بَيْتِي، وَأَسْلَمَتْ عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَحَسُنَ إسْلَامُهَا.
-------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: هَذَا الْكَلَام فِي معنى قَوْله عليه الصلاة والسلام: إِنِّي لأجد نفس السَّاعَة بَين كَتِفي. وَفِي معنى قَوْله: نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد. وَمن كَانَ بَين يَدي طَالبه فَنَفْس الطَّالِب بَين كَتفيهِ.
وَكَأن النَّفس فِي هَذَا الحَدِيث عبارَة عَن الْفِتَن المؤذنة بِقِيَام السَّاعَة، وَكَانَ بدؤها حِين ولى أمته ظَهره خَارِجا من بَين ظهرانيهم إِلَى الله تَعَالَى، أَلا ترَاهُ يَقُول فِي حَدِيث آخر: أَنا أَمَان لأمتى، فَإِذا ذهبت أَتَى أمتى مَا يوعدون. فَكَانَت بعده الْفِتْنَة ثمَّ الْهَرج الْمُتَّصِل بِيَوْم الْقِيَامَة. وَنَحْو من هَذَا قَوْله عليه الصلاة والسلام: «بعثت أَنا والساعة كهاتين» يعْنى السبابَة وَالْوُسْطَى.
[٢] البهت: الْبَاطِل.
حَدِيثُ مُخَيْرِيقٍ
(إِسْلَامُهُ وَمَوْتُهُ وَوُصَاتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ مُخَيْرِيقٍ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، وَكَانَ رَجُلًا غَنِيًّا كَثِيرَ الْأَمْوَالِ مِنْ النَّخْلِ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِصِفَتِهِ، وَمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ إلْفُ دِينِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ. قَالُوا: إنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لَا سَبْتَ لَكُمْ.
ثُمَّ أَخَذَ سِلَاحَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُحُدٍ، وَعَهِدَ إلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ: إنْ قُتِلْتُ هَذَا الْيَوْمَ، فَأَمْوَالِي لِمُحَمَّدٍ (ﷺ) يَصْنَعُ فِيهَا مَا أَرَاهُ اللَّهُ. فَلَمَّا اقْتَتَلَ النَّاسُ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَقُولُ: مخيريق خير [١] يهود. وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْوَالَهُ، فَعَامَّةُ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا.
شَهَادَةٌ عَنْ صَفِيَّةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ
-----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «ومخيريق مُسلم، وَلَا يجوز أَن يُقَال فِي مُسلم: هُوَ خير النَّصَارَى وَلَا خير الْيَهُود، لِأَن أفعل من كَذَا، إِذا أضيف فَهُوَ بعض مَا أضيف إِلَيْهِ. فَإِن قيل: وَكَيف جَازَ هَذَا؟ قُلْنَا:
لِأَنَّهُ قَالَ: خير يهود، وَلم يقل: خير الْيَهُود. ويهود اسْم علم كثمود، يُقَال: إِنَّهُم نسبوا إِلَى يهوذ ابْن يَعْقُوب، ثمَّ عربت الذَّال دَالا. فَإِذا قلت الْيَهُود بِالْألف وَاللَّام، احْتمل وَجْهَيْن: النّسَب وَالدّين، الّذي هُوَ الْيَهُودِيَّة، أما النّسَب فعلى حد قَوْلهم التيم فِي التيميين، وَأما الدَّين، فعلى حد قَوْلك: النَّصَارَى وَالْمَجُوس، أعنى أَنَّهَا صفة لَا أَنَّهَا نسب إِلَى أَب. وَفِي الْقُرْآن لفظ ثَالِث لَا يتَصَوَّر فِيهِ إِلَّا معنى وَاحِد، وَهُوَ الدَّين دون النّسَب، وَهُوَ قَوْله سُبْحَانَهُ: وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى ٢: ١٣٥ بِحَذْف الْيَاء، وَلم يقل:
«كونُوا يهود» لِأَنَّهُ أَرَادَ التهود، وَهُوَ التدين بدينهم.
أَبِي إلَيْهِ، وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، لَمْ أَلْقَهُمَا قَطُّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا إلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ. قَالَتْ:
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ قُبَاءَ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، غَدَا عَلَيْهِ أَبِي، حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، مُغَلِّسَيْنِ. قَالَتْ: فَلَمْ يَرْجِعَا حَتَّى كَانَا مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَتْ: فَأَتَيَا كَالَّيْنِ كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَى. قَالَتْ: فَهَشِشْتُ إلَيْهِمَا كَمَا كنت أصنع، فو الله مَا الْتَفَتَ إلَيَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنْ الْغَمِّ. قَالَتْ: وَسَمِعْتُ عَمِّي أَبَا يَاسِرٍ، وَهُوَ يَقُولُ لِأَبِي حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاَللَّهِ مَا بَقِيتُ.
مِنْ اجْتَمَعَ إلَى يَهُودَ مِنْ مُنَافِقِي الْأَنْصَارِ
(مِنْ بَنِي عَمْرٍو):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّنْ انْضَافَ إلَى يَهُودَ، مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مِنْ الْأَوْسِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي لَوْذَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: زُوَيُّ بْنُ الْحَارِثِ.
(من بنى حبيب):
وَمن بنى حبيب بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: جُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَخُوهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ.
(شَيْءٌ عَنْ جُلَاسَ):
وَجُلَاسُ الَّذِي قَالَ- وَكَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ- لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ صَادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنْ الْحُمُرِ. فَرَفَعَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، أَحَدُهُمْ، وَكَانَ فِي حِجْرِ جُلَاسَ، خَلَفَ جُلَاسَ عَلَى أُمِّهِ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ: وَاَللَّهِ يَا جُلَاسُ، إنَّكَ لَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا، وَأَعَزُّهُمْ عَلَيَّ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ رَفَعْتُهَا عَلَيْكَ لَأَفْضَحَنَّكَ، وَلَئِنْ صَمَتُّ عَلَيْهَا
لَيَهْلِكَنَّ دِينِي، وَلَإِحْدَاهُمَا أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الْأُخْرَى. ثُمَّ مَشَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ جُلَاسُ، فَحَلَفَ جُلَاسُ باللَّه لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ عُمَيْرٌ، وَمَا قُلْتُ مَا قَالَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا، وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ، وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ٩: ٧٤.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَلِيمُ: الْمُوجِعُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ إبِلًا:
وَتَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ ... يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ [١] أَلِيمُ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّهُ تَابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، حَتَّى عُرِفَ مِنْهُ الْخَيْرُ وَالْإِسْلَامُ.
(شَيْءٌ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ):
وَأَخُوهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، الَّذِي قَتَلَ الْمُجَذَّرَ بْنَ ذِيَادٍ الْبَلَوِيَّ، وَقَيْسَ بْنَ زَيْدٍ، أَحَدَ بَنِي ضُبَيْعَةَ، يَوْمَ أُحُدٍ. خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ عَدَا عَلَيْهِمَا، فَقَتَلَهُمَا ثُمَّ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادٍ قَتَلَ سُوَيْدَ بْنَ صَامِتٍ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ طَلَبَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ غُرَّةَ الْمُجَذَّرِ بْنِ ذِيَادٍ، لِيَقْتُلهُ بِأَبِيهِ، فَقَتَلَهُ وَحْدَهُ، وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ قَيْسَ بْنَ زَيْدٍ، أَنَّ ابْنَ إسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، قَتَلَ سُوَيْدَ بْنَ صَامِتٍ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ غِيلَةً، فِي غَيْرِ حَرْبٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعَاثٍ.
----------------------
[١] الشمردلات (هُنَا): الْإِبِل الطوَال. والوهج: شدَّة الْحر.
[٢] فِي لِسَان الْعَرَب (مَادَّة ألم): «خدودها» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- قَدْ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِقَتْلِهِ إنْ هُوَ ظَفِرَ بِهِ، فَفَاتَهُ، فَكَانَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى أَخِيهِ جُلَاسَ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، لِيَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى فِيهِ- فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ-: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، وَالله لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٣: ٨٦ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
(مِنْ بَنِي ضَبِيعَةَ):
وَمِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: بِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرٍ.
(مِنْ بَنِي لَوْذَانَ):
وَمِنْ بَنِي لَوْذَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى نَبْتَلَ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا أَذْلَمَ [١] ثَائِرَ [٢] شَعْرِ الرَّأْسِ أَحْمَرَ.
الْعَيْنَيْنِ أَسْفَعَ [٣] الْخَدَّيْنِ وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلَى الْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: إنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَنْ حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِ: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ، قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٩: ٦١.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ رِجَالِ بَلْعِجْلَانَ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ إنَّهُ يَجْلِسُ إلَيْكَ رَجُلٌ أَذْلَمُ، ثَائِرُ شَعْرِ الرَّأْسِ، أَسْفَعُ الْخَدَّيْنِ أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ، كَأَنَّهُمَا قِدْرَانِ مِنْ صُفْرٍ، كَبِدُهُ
---------------------
[١] الأذلم: الْأسود الطَّوِيل، وَيُقَال: هُوَ المسترخى الشفتين.
[٢] ثَائِر شعر الرَّأْس: أَي مُرْتَفعَة منتزه.
[٣] السفعة: حمرَة تضرب إِلَى السوَاد.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-05-2026, 11:22 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (55)
صــ 521إلى صــ 530
أَغْلَظُ مِنْ كَبِدِ الْحِمَارِ، يَنْقُلُ حَدِيثَكَ إلَى الْمُنَافِقِينَ، فَاحْذَرْهُ. وَكَانَتْ تِلْكَ صِفَّةُ نَبْتَلِ بْنِ الْحَارِثِ، فِيمَا يَذْكُرُونَ.
(مِنْ بَنِي ضَبِيعَةَ):
وَمِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ [١]: أَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ، وَكَانَ مِمَّنْ بَنَى مَسْجِدَ الضِّرَارِ وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَهُمَا اللَّذَانِ عَاهَدَا اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ، إلَخْ الْقِصَّةِ. وَمُعَتِّبٌ الَّذِي قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ ٣: ١٥٤ ...
يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا ٣: ١٥٤ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. وَهُوَ الَّذِي قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْغَائِطِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِ: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ٣٣: ١٢ وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ.
(مُعَتِّبٌ وَابْنَا حَاطِبٍ بَدْرِيُّونَ وَلَيْسُوا مُنَافِقِينَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَثَعْلَبَةُ وَالْحَارِثُ ابْنَا حَاطِبٍ، وَهُمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَلَيْسُوا مِنْ الْمُنَافِقِينَ فِيمَا ذَكَرَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ ثَعْلَبَةَ وَالْحَارِثَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ فِي أَسْمَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبَّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَبَحْزَجُ، وَهُمْ مِمَّنْ كَانَ بَنَى مَسْجِدَ الضِّرَارِ، وَعَمْرُو بْنُ خِذَامٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلَ.
(مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ):
وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: جَارِيَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ الْعَطَّافِ، وَابْنَاهُ:
زَيْدٌ وَمُجَمَّعٌ، ابْنَا جَارِيَةَ، وَهُمْ مِمَّنْ اتَّخَذَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ. وَكَانَ مُجَمَّعٌ غُلَامًا حَدَثًا قَدْ جَمَعَ مِنْ الْقُرْآنِ أَكْثَرَهُ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا أُخْرِبَ الْمَسْجِدُ، وَذَهَبَ
--------------------
[١] لَعَلَّه غير ضبيعة بن زيد، الّذي تقدم.
رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَانُوا يُصَلُّونَ بِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي مَسْجِدِهِمْ، وَكَانَ زَمَانُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كُلِّمَ فِي مُجَمَّعٍ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ، فَقَالَ: لَا، أَوَلَيْسَ بِإِمَامِ الْمُنَافِقِينَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ؟ فَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَلَكِنِّي كُنْتُ غُلَامًا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، وَكَانُوا لَا قُرْآنَ مَعَهُمْ، فَقَدَّمُونِي أُصَلِّي بِهِمْ، وَمَا أَرَى أَمْرَهُمْ، إلَّا عَلَى أَحْسَنِ مَا ذَكَرُوا.
فَزَعَمُوا أَنَّ عُمَرَ تَرَكَهُ فَصَلَّى بِقَوْمِهِ.
(مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ):
وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ: وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ مِمَّنْ بَنَى مَسْجِدَ الضِّرَارِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ٩: ٦٥ ... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
(مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ):
وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ: خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ الَّذِي أُخْرِجَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ مِنْ دَارِهِ، وَبِشْرٌ وَرَافِعٌ، ابْنَا زَيْدٍ [١] .
(مِنْ بَنِي النَّبِيتِ):
وَمِنْ بَنِي النَّبِيتِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّبِيتُ: عَمْرُو بْنُ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: مِرْبَعُ بْنُ قَيْظِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ أَجَازَ فِي حَائِطِهِ [٢] وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِدٌ إلَى أُحُدٍ:
لَا أُحِلُّ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، أَنْ تَمُرَّ فِي حَائِطِي، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَذَا التُّرَابِ غَيْرَكَ لَرَمَيْتُكَ بِهِ، فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهُ، فَهَذَا الْأَعْمَى، أَعْمَى الْقَلْبِ، أَعْمَى الْبَصِيرَةِ. فَضَرَبَهُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو
-------------------------
[١] فِي م، ر: «قَالَ ابْن هِشَام: وَبشر وَرَافِع ... إِلَخ» .
[٢] الْحَائِط: الْبُسْتَان.
بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بِالْقَوْسِ فَشَجَّهُ، وَأَخُوهُ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، فَأْذَنْ لَنَا فَلْنَرْجِعْ إلَيْهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا ٣٣: ١٣.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَوْرَةٌ، أَيْ مُعْوَرَةٌ لِلْعَدُوِّ وَضَائِعَةٌ، وَجَمْعُهَا: عَوْرَاتٌ.
قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ:
مَتَى تَلْقَهُمْ لَا تَلْقَ لِلْبَيْتِ عَوْرَةً ... وَلَا الْجَارَ مَحْرُومًا وَلَا الْأَمْرَ ضَائِعًا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَالْعَوْرَةُ (أَيْضًا): عَوْرَةُ الرَّجُلِ، وَهِيَ حُرْمَتُهُ.
وَالْعَوْرَةُ (أَيْضًا) السَّوْأَةُ.
(مِنْ بَنِي ظُفَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي ظَفَرٍ، وَاسْمُ ظَفَرٍ: كَعْبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ حَاطِبُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ رَافِعٍ، وَكَانَ شَيْخًا جَسِيمًا قَدْ عَسَا [١] فِي جَاهِلِيَّتِهِ وَكَانَ لَهُ ابْنٌ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ. يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ حَاطِبٍ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى أَثَبَتَتْهُ الْجِرَاحَاتُ، فَحُمِلَ إلَى دَارِ بَنِي ظَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ إلَيْهِ مَنْ بِهَا مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ وَنِسَائِهِمْ وَهُوَ بِالْمَوْتِ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ أَبْشِرْ يَا بن حَاطِبٍ بِالْجَنَّةِ. قَالَ فَنَجَمَ [٢] نِفَاقُهُ حِينَئِذٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ أَبُوهُ أَجَلْ جَنَّةٌ وَاَللَّهِ مِنْ حَرْمَلٍ، غَرَرْتُمْ وَاَللَّهِ هَذَا الْمِسْكِينُ مِنْ نَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبُشَيْرُ [٣] بْنُ أُبَيْرِقٍ، وَهُوَ أَبُو طُعْمَةَ، سَارِقُ الدِّرْعَيْنِ، الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [٤] ٤: ١٠٧، وَقُزْمَانُ: حَلِيفٌ لَهُمْ.
---------------------
[١] عسا: أسن وَولى.
[٢] نجم: ظهر.
[٣] قَالَ أَبُو ذَر: كَذَا وَقع هُنَا (بشير) بِفَتْح الْبَاء. وَقَالَ الدارقطنيّ: إِنَّمَا هُوَ (بشير) بِضَم الْبَاء.
[٤] وقصة ذَلِك: أَن بنى أُبَيْرِق، وَكَانُوا ثَلَاثَة: بشير ومبشر وَبشر، نقبوا مشربَة، أَو نقبها بشر وَحده، وَكَانَت الْمشْربَة لِرفَاعَة بن زيد، وسرقوا أدراعا لَهُ وَطَعَامًا، فعثر على ذَلِك، فجَاء ابْن أَخِيه قَتَادَة بن النُّعْمَان يشكوهم إِلَى رَسُول الله ﷺ، فجَاء أسيد بن عُرْوَة بن أُبَيْرِق إِلَى رَسُول
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ [١]: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: إنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قَتَلَ بِضْعَةَ [٢] نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَاتُ، فَحُمِلَ إلَى دَارِ بَنِي ظَفَرٍ، فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَبْشِرْ يَا قُزْمَانُ، فَقَدْ أَبْلَيْتَ الْيَوْمَ، وَقَدْ أَصَابَكَ مَا تَرَى فِي الله. قَالَ: بِمَاذَا أبشر، فو اللَّهِ مَا قَاتَلْتُ إلَّا حَمِيَّةً عَنْ قَوْمِي، فَلَمَّا اشْتَدَّتْ بِهِ جِرَاحَاتُهُ وَآذَتْهُ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَقَطَعَ بِهِ رَوَاهِشَ [٣] يَدِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ يَعْلَمُ، إلَّا أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ ثَابِتٍ، أَحَدِ بَنِي كَعْبٍ، رَهْطِ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ، قَدْ كَانَ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ وَحُبِّ يَهُودَ.
قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
مَنْ مُبْلِغُ الضَّحَّاكَ أَنَّ عُرُوقَهُ ... أَعْيَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَنْ تَتَمَجَّدَا
--------------------
[()] الله ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن هَؤُلَاءِ عَمدُوا إِلَى أهل بَيت، هم أهل صَلَاح وَدين فأبنوهم بِالسَّرقَةِ، ورموهم بهَا من غير بَيِّنَة، وَجعل يُجَادِل عَنْهُم حَتَّى غضب رَسُول الله ﷺ على قَتَادَة وَرِفَاعَة، فَأنْزل الله تَعَالَى: وَلا تُجادِلْ ٤: ١٠٧ الْآيَة، وَأنزل الله تَعَالَى: وَمن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا ٤: ١١٢، وَكَانَ البريء الّذي رَمَوْهُ بِالسَّرقَةِ لبيد بن سهل، قَالُوا: مَا سرقناه، وَإِنَّمَا سَرقه لبيد بن سهل، فبرأه الله. فَلَمَّا أنزل الله تَعَالَى مَا أنزل هرب ابْن أُبَيْرِق السَّارِق إِلَى مَكَّة، وَنزل على سلافة بنت سعد بن شهيب، فَقَالَ فِيهَا حسان بن ثَابت:
وَمَا سَارِق الدرعين إِذْ كنت ذَاكِرًا ... بِذِي كرم بَين الرِّجَال أوادعه
وَقد أنزلته بنت سعد فَأَصْبَحت ... ينازعها جَار استها وتنازعه
ظننتم بِأَن يخفى الّذي قد صَنَعْتُم ... وَفِيكُمْ نَبِي عِنْده الْوَحْي وَاضعه
فَقَالَت: إِنَّمَا أهديت لي شعر حسان، وَأخذت رَحْله، وطرحته خَارج الْمنزل، فهرب إِلَى خَيْبَر، ثمَّ إِنَّه نقب بَيْتا ذَات لَيْلَة، فَسقط الْحَائِط عَلَيْهِ فَمَاتَ.
[١] عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة بن النُّعْمَان الْأنْصَارِيّ الظفري أَبُو عَمْرو الْمدنِي. وَثَّقَهُ ابْن معِين وَابْن سعد وَقَالَ: كَانَ لَهُ علم بالسيرة توفى، سنة عشْرين وَمِائَة، أَو سبع وَعشْرين أَو تسع وَعشْرين.
[٢] فِي أ: «تِسْعَة» .
[٣] الرواهش: عصب ظَاهر الْيَد وعروق فِي بطن الذِّرَاع «التَّاج» .
أَتُحِبُّ يُهْدَانَ الْحِجَازِ وَدِينَهُمْ ... كِبْدَ الْحِمَارِ، وَلَا تُحِبُّ مُحَمَّدًا
دِينًا لَعَمْرِي لَا يُوَافِقُ دِينَنَا ... مَا اسْتَنَّ آلٌ فِي الْفَضَاءِ وَخَوَّدَا
وَكَانَ جُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صَامِتٍ قَبْلَ تَوْبَتِهِ- فِيمَا بَلَغَنِي- وَمُعَتِّبُ ابْن قُشَيْرٍ، وَرَافِعُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِشْرٌ، وَكَانُوا يُدْعَوْنَ بِالْإِسْلَامِ، فَدَعَاهُمْ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي خُصُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَوْهُمْ إلَى الْكُهَّانِ، حُكَّامُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا ٤: ٦٠ ... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
(مِنَ الْخَزْرَجِ):
وَمِنْ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ: رَافِعُ بْنُ وَدِيعَةَ، وَزَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ.
(مِنْ بَنِي جُشَمَ):
وَمِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ائْذَنْ لِي، وَلَا تَفْتِنِّي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي، وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ... ٩: ٤٩. إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
(مِنْ بَنِي عَوْفٍ):
وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَكَانَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ وَإِلَيْهِ يَجْتَمِعُونَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَفِي قَوْلِهِ ذَلِكَ، نَزَلَتْ سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْرِهَا. وَفِيهِ وَفِي وَدِيعَةَ- رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَوْفٍ- وَمَالِكِ بْنِ أَبِي قَوْقَلَ، وَسُوَيْدٍ، وَدَاعِسٌ، وَهُمْ مِنْ رَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ. فَهَؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَدُسُّونَ إلَى بَنِي النَّضِيرِ حَيْنَ حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَن اثبتوا، فو الله لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا
أَبَدًا، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ، وَالله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ٥٩: ١١، ثُمَّ الْقِصَّةُ مِنْ السُّورَةِ حَتَّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ٥٩: ١٦.
مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ نِفَاقًا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [١]: وَكَانَ مِمَّنْ تَعَوَّذَ بِالْإِسْلَامِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَظْهَرَهُ وَهُوَ مُنَافِقٌ، مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ.
(مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ):
مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ: سَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى بْنُ عَمْرٍو، وَعُثْمَانُ بْنُ أَوْفَى. وَزَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ، الَّذِي قَاتَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ، حَيْنَ ضَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَجَاءَهُ الْخَبَرُ بِمَا قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ فِي رَحْلِهِ، وَدَلَّ اللَّهُ تبارك وتعالى رَسُولَهُ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ «إنَّ قَائِلًا قَالَ:
يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ، وَلَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ إلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، فَهِيَ فِي هَذَا الشِّعْبِ، قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَذَهَبَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَدُوهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَمَا وَصَفَ. وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنَا- حَيْنَ مَاتَ: قَدْ مَاتَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ
-------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك ابْن هِشَام، قَالَ: حَدثنَا زِيَاد بن عبد الله البكائي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي قَالَ» .
هَبَّتْ عَلَيْهِ الرِّيحُ، وَهُوَ قَافِلٌ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِ حَتَّى أَشْفَقَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَخَافُوا، فَإِنَّمَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَدَ رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي هَبَّتْ فِيهِ الرِّيحُ. وَسِلْسِلَةَ ابْن بِرْهامٍ. وَكِنَانَةَ بْنَ صُورِيَّا.
(طَرْدُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ):
وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ فَيَسْتَمِعُونَ أَحَادِيثَ الْمُسلمين، ويسخرون ويستهزءون بِدِينِهِمْ، فَاجْتَمَعَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ مِنْهُمْ نَاسٌ، فَرَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، خَافِضِي أَصْوَاتَهُمْ، قَدْ لَصِقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُخْرِجُوا مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ، خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْب، إِلَى عمر بْنِ قَيْسٍ، أَحَدِ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ- كَانَ صَاحِبَ آلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَذَ بِرِجْلِهِ فَسَحَبَهُ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَتُخْرِجُنِي يَا أَبَا أَيُّوبَ مِنْ مِرْبَدِ بَنِي ثَعْلَبَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ أَيْضًا إلَى رَافِعِ بْنِ وَدِيعَةَ، أَحَدِ بَنِي النَّجَّارِ فَلَبَّبَهُ بِرِدَائِهِ ثمَ نَتَرَهُ [١] نَتْرًا شَدِيدًا، وَلَطَمَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَأَبُو أَيُّوبَ يَقُولُ لَهُ: أُفٍّ لَكَ مُنَافِقًا خَبِيثًا: أَدْرَاجَكَ يَا مُنَافِقُ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَيْ ارْجِعْ مِنْ الطَّرِيقِ الَّتِي جِئْتَ مِنْهَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَوَلَّى وَأَدْبَرَ أَدْرَاجَهُ ... وَقَدْ بَاءَ بِالظُّلْمِ مَنْ كَانَ ثَمَّ [٢]
وَقَامَ عِمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إلَى زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَادَهُ بِهَا قَوْدًا عَنِيفًا حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَمَعَ عِمَارَةُ يَدَيْهِ فَلَدَمَهُ بِهِمَا فِي صَدْرِهِ لَدْمَةً خَرَّ مِنْهَا. قَالَ: يَقُولُ: خَدَشْتَنِي يَا عِمَارَةُ، قَالَ:
-------------------
[١] نتره: جذبه.
[٢] هَذِه الْعبارَة من قَوْله: قَالَ ابْن هِشَام، إِلَى آخر الْبَيْت، سَاقِطَة فِي أ.
أَبْعَدَكَ اللَّهُ يَا مُنَافِقُ، فَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ الْعَذَابِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تَقْرَبَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللَّدْمُ: الضَّرْبُ بِبَطْنِ الْكَفِّ. قَالَ تَمِيمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ مُقْبِلٍ:
وَلِلْفُؤَادِ وَجِيبٌ تَحْتَ أَبْهَرِهِ ... لَدْمَ الْوَلِيدِ وَرَاءَ الْغَيْبِ بِالْحَجَرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْغَيْبُ: مَا انْخَفَضَ مِنْ الْأَرْضِ. وَالْأَبْهَرُ: عِرْقُ الْقَلْبِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَامَ أَبُو مُحَمَّدٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، كَانَ بَدْرِيًّا، وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَصْرَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ إلَى قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، وَكَانَ قَيْسٌ غُلَامًا شَابًّا، وَكَانَ لَا يُعْلَمُ فِي الْمُنَافِقِينَ شَابٌّ غَيْرُهُ، فَجَعَلَ يَدْفَعُ فِي قَفَاهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ.
وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَلْخُدْرَةَ [١] بْنِ الْخَزْرَجِ، رَهْطِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، يُقَالُ لَهُ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، حَيْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ ذَا جُمَّةٍ، فَأَخَذَ بِجُمَّتِهِ فَسَحَبَهُ بِهَا سَحْبًا عَنِيفًا، عَلَى مَا مَرَّ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَالَ:
يَقُولُ الْمُنَافِقُ: لَقَدْ أَغْلَظْتَ يَا بن الْحَارِثِ، فَقَالَ لَهُ، إنَّكَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، أَيْ عَدُوُّ اللَّهِ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، فَلَا تَقْرَبَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّكَ نَجِسٌ.
وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إلَى أَخِيهِ زُوَيِّ بْنِ الْحَارِثِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، وَأَفَّفَ [٢] مِنْهُ، وَقَالَ: غَلَبَ عَلَيْكَ الشَّيْطَانُ وَأَمْرُهُ.
فَهَؤُلَاءِ مَنْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ يَوْمئِذٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهِمْ.
--------------------
[١] بلخدرة، يُرِيد بنى الخدرة: وَقد ذكر أَبُو ذَر فِيهِ رِوَايَة أُخْرَى على أَنَّهَا فِي الأَصْل، فَقَالَ:
«وَقَامَ رجل من بلبجرة، صَوَابه: من بلأبجر، يُرِيد بنى الأبجر، فَحذف، كَمَا يُقَال فِي بنى الْحَارِث:
بلحارث. وَقد يخرج مَا ذكر على نقل الْحَرَكَة. وَرَوَاهُ بَعضهم بلخدرة، يُرِيد بنى الخدرة» .
[٢] أفف مِنْهُ، أَي قَالَ لَهُ: أُفٍّ.
٣٤- سيرة ابْن هِشَام- ١
مَا نَزَلَ مِنْ الْبَقَرَةِ فِي الْمُنَافِقِينَ وَيَهُودَ
(مَا نَزَلَ فِي الْأَحْبَارِ):
فَفِي هَؤُلَاءِ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ الْبَقَرَة إِلَى الْمِائَة مِنْهَا- فِيمَا بَلَغَنِي- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ٢: ١- ٢، أَيْ لَا شَكَّ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَةَ [١] الْهُذَلِيُّ:
فَقَالُوا عَهِدْنَا الْقَوْمَ قَدْ حَصَرُوا بِهِ ... فَلَا رَيْبَ أَنْ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَالرَّيْبُ (أَيْضًا): الرِّيبَةُ. قَالَ خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ الْهُذَلِيُّ:
كَأَنَّنِي أَرْبِبُهُ بِرَيْبٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِنْهُمْ مَنْ يرويهِ:
كأننى أريته بِرَيْبٍ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ [٣] لَهُ. وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ.
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ٢: ٢، أَيْ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنْ اللَّهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنْ الْهُدَى، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْهُ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ٢: ٣ أَيْ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ بِفَرْضِهَا، وَيُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ احْتِسَابًا لَهَا. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ٢: ٤، أَيْ يُصَدِّقُونَكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ اللَّهِ عز وجل، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلُكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَجْحَدُونَ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ.
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٢: ٤، أَيْ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ
-----------------
[١] فِي م، «جؤبة»، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] حصروا بِهِ: أَحدقُوا. ولحيم: أَي قَتِيل.
[٣] وَقد قَالَهَا خَالِد حِين اتهمه أَبُو ذُؤَيْب بامرأته، والأبيات هِيَ:
يَا قوم مَا لي وَأَبا ذُؤَيْب ... كنت إِذا أَتَيْته من غيب
يشم عطفي ويبر ثوبي ... كأننى أريته بريب
وَالْمِيزَانِ، أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا كَانَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِمَا جَاءَكَ مِنْ رَبِّكَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ٢: ٥، أَيْ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ وَاسْتِقَامَةٍ عَلَى مَا جَاءَهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢: ٥، أَيْ الَّذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا وَنَجَوْا مِنْ شَرِّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ٢: ٦، أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ، وَإِنْ قَالُوا إنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا جَاءَنَا قَبْلَكَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢: ٦، أَيْ أَنَّهُمْ قَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذِكْرِكَ، وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقُ لَكَ، فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكَ وَبِمَا عِنْدَهُمْ، مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرُكَ، فَكَيْفَ يَسْتَمِعُونَ مِنْكَ إنْذَارًا أَوْ تَحْذِيرًا، وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِكَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ٢: ٧، أَيْ عَنْ الْهُدَى أَنْ يُصِيبُوهُ أَبَدًا، يَعْنِي بِمَا كَذَّبُوكَ بِهِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ رَبِّكَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِ، وَإِنْ آمَنُوا بِكُلِّ مَا كَانَ قَبْلَكَ، وَلَهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِكَ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
فَهَذَا فِي الْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ، فِيمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ بَعْدَ مُعْرِفَتِهِ.
(مَا نَزَلَ فِي مُنَافِقِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ):
وَمن النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ٢: ٨ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرِهِمْ. يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ٢: ٩- ١٠، أَيْ شَكٌّ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ٢: ١٠، أَيْ شَكًّا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ٢: ١٠- ١١، أَيْ إنَّمَا نُرِيدُ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لَا يَشْعُرُونَ.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ، قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لَا يَعْلَمُونَ. وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ ٢: ١٢- ١٤ مِنْ يَهُودَ، الَّذِينَ يَأْمُرُونَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، وَخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ٢: ١٤، أَيْ إنَّا عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ٢: ١٤: أَيْ إنَّمَا نَسْتَهْزِئُ بِالْقَوْمِ، وَنَلْعَبُ بِهِمْ. يَقُولُ
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-06-2026, 10:40 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (56)
صــ 531إلى صــ 540
اللَّهُ عز وجل: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ٢: ١٥.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْمَهُونَ: يَحَارُونَ. تَقُولُ الْعَرَبُ: رَجُلٌ عَمِهٌ وَعَامِهٌ: أَيْ حَيَرَانُ قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ يَصِفُ بَلَدًا:
أَعْمَى الْهُدَى بِالْجَاهِلِينَ الْعُمَّهِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. فَالْعُمَّهُ: جَمْعُ عَامِهٍ، وَأَمَّا عَمِهٌ، فَجَمْعُهُ: عَمِهُونَ.
وَالْمَرْأَةُ: عَمِهَةٌ وَعَمْهَاءُ.
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ٢: ١٦: أَيْ الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ٢: ١٦.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا، فَقَالَ تَعَالَى كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ ٢: ١٧ أَيْ لَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ وَيَقُولُونَ بِهِ حَتَّى إذَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ أَطْفَئُوهُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ وَنِفَاقِهِمْ فِيهِ، فَتَرَكَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى، وَلَا يَسْتَقِيمُونَ عَلَى حَقٍّ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ٢: ١٨: أَيْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى الْهُدَى، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَنْ الْخَيْرِ، لَا يَرْجِعُونَ إلَى خَيْرٍ وَلَا يُصِيبُونَ نَجَاةً مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَالله مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ٢: ١٩.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصَّيِّبُ: الْمَطَرُ، وَهُوَ مِنْ صَابَ يَصُوبُ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ:
السَّيِّدُ، مَنْ سَادَ يَسُودُ، وَالْمَيِّتُ: مَنْ مَاتَ يَمُوتُ، وَجَمْعُهُ: صَيَائِبُ. قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ، أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ:
كَأَنَّهُمْ صابت عَلَيْهِم حابة ... صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
وَفِيهَا:
فَلَا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّرٍ [١] ... سَقَتْكَ رَوَايَا الْمُزْنِ حَيْثُ تَصُوبُ
-------------------
[١] المغمر: الّذي لم يجرب الْأُمُور.
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ هُمْ مِنْ ظُلْمَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْحَذَرِ مِنْ الْقَتْلِ، مِنْ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّخَوُّفِ لَكُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا وُصِفَ، مِنْ الَّذِي هُوَ (فِي) [١] ظُلْمَةِ الصَّيِّبِ، يَجْعَلُ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنِيهِ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ.
يَقُولُ [٢]: وَاَللَّهُ مُنْزِلُ ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ النِّقْمَةِ، أَيْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ٢: ٢٠: أَيْ لِشِدَّةِ ضَوْءِ الْحَقِّ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ٢: ٢٠، أَيْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ، فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ فِي الْكُفْرِ قَامُوا مُتَحَيِّرِينَ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ٢: ٢٠، أَيْ لِمَا تَرَكُوا مِنْ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢: ٢٠.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ٢: ٢١، لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا، وَالسَّماءَ بِناءً، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢: ٢١- ٢٢.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَنْدَادُ: الْأَمْثَالُ، وَأَحَدُهُمْ نِدٌّ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
أَحْمَدُ اللَّهَ فَلَا نِدَّ لَهُ ... بِيَدَيْهِ الْخَيْرُ مَا شَاءَ فَعَلَ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قصيدة لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ لَا تُشْرِكُوا باللَّه غَيْرَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزُقكُمْ غَيْرُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ. وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ٢: ٢٣ أَيْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ٢: ٢٣،
-------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يَقُول الله وَالله ... إِلَخ» .
أَيْ مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَعْوَانِكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ٢: ٢٣- ٢٤ فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ الْحَقُّ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ٢: ٢٤، أَيْ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ.
ثُمَّ رَغَّبَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ نُقْضَ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ لِنَبِيِّهِ ﷺ إذَا جَاءَهُمْ، وَذَكَرَ لَهُمْ بَدْءَ خَلْقِهِمْ حَيْنَ خَلَقَهُمْ، وَشَأْنَ أَبِيهِمْ آدَمَ عليه السلام وَأَمْرَهُ، وَكَيْفَ صَنَعَ بِهِ حَيْنَ خَالَفَ عَنْ طَاعَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ ٢: ٤٠ لِلْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ٢: ٤٠. أَيْ بَلَائِي عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ آبَائِكُمْ، لَمَّا كَانَ نَجَّاهُمْ بِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ٢: ٤٠ الَّذِي أَخَذْتُ فِي أَعْنَاقِكُمْ لِنَبِيِّي أَحْمَدَ إذَا جَاءَكُمْ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ٢: ٤٠ أُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ بِوَضْعِ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقِكُمْ بِذُنُوبِكُمْ الَّتِي كَانَتْ مِنْ أَحْدَاثِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ٢: ٤٠ أَيْ أَنْ أُنْزِلَ بِكُمْ مَا أَنَزَلْتُ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ مِنْ النِّقْمَاتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ، مِنْ الْمَسْخِ وَغَيْرِهِ.
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ، وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ٢: ٤١ وَعِنْدَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ فِيهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ. وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢: ٤١- ٤٢، أَيْ لَا تَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ الْمُعْرِفَةِ بِرَسُولِي وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ٢: ٤٤، أَيْ أَتَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنْ الْكُفْرِ بِمَا عِنْدَكُمْ مِنْ النُّبُوَّةِ وَالْعَهْدِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَتَتْرُكُونَ أَنَفْسَكُمْ، أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إلَيْكُمْ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِي، وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي، وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ أَحْدَاثَهُمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ الْعِجْلَ وَمَا صَنَعُوا فِيهِ، وَتَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِقَالَتَهُ إيَّاهُمْ، ثُمَّ قَوْلَهُمْ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ٤: ١٥٣.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَهْرَةً، أَيْ ظَاهِرًا لَنَا لَا شَيْءَ يَسْتُرهُ عَنَّا. قَالَ أَبُو الْأَخْزَرِ الْحَمَانِيُّ، وَاسْمُهُ قُتَيْبَةُ:
يَجْهَرُ أَجْوَافَ الْمِيَاهِ السَّدُمِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
يَجْهَرُ: يَقُولُ: يُظْهِرُ الْمَاءَ، وَيَكْشِفُ عَنْهُ مَا يَسْتُرُهُ مِنْ الرَّمْلِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْذَ الصَّاعِقَةِ إيَّاهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِغِرَّتِهِمْ، ثُمَّ إحْيَاءَهُ إيَّاهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَتَظْلِيلَهُ عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ، وَإِنْزَالَهُ عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَقَوْلُهُ لَهُمْ:
ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ٢: ٥٨، أَيْ قُولُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ أَحُطُّ بِهِ ذُنُوبَكُمْ عَنْكُمْ، وَتَبْدِيلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ اسْتِهْزَاءً بِأَمْرِهِ، وَإِقَالَتَهُ إيَّاهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ هُزْئِهِمْ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَنُّ: شَيْءٌ كَانَ يَسْقُطُ فِي السَّحَرِ عَلَى شَجَرِهِمْ، فَيَجْتَنُونَهُ حُلْوًا مِثْلَ الْعَسَلِ، فَيَشْرَبُونَهُ وَيَأْكُلُونَهُ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
لَوْ أُطْعِمُوا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مَكَانَهُمْ ... مَا أَبْصَرَ النَّاسُ طُعْمًا فِيهُمُ نَجَعَا [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالسَّلْوَى: طَيْرٌ، وَاحِدَتُهَا: سَلْوَاةٌ، وَيُقَالُ: إنَّهَا السُّمَانِيُّ، وَيُقَالُ لِلْعَسَلِ (أَيْضًا): السَّلْوَى. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ الْهُذَلِيُّ:
وَقَاسَمَهَا باللَّه حَقًّا لَأَنْتُمْ ... أَلَذُّ مِنْ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ [٣] . وَحِطَّةٌ: أَيْ حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ تَبْدِيلِهِمْ ذَلِكَ، كَمَا حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ صَالح مولى التّوأمة بِنْتِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: دَخَلُوا الْبَابَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهُ سُجَّدًا يَزْحَفُونَ، وَهُمْ يَقُولُونَ حِنْطٌ فِي شَعِيرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتِسْقَاءَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، وَأَمْرَهُ (إيَّاهُ) [٤] أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ
------------------------
[١] الْمِيَاه السدم: الْقَدِيمَة الْعَهْد بالواردة، حَتَّى كَادَت تندفن.
[٢] نجع: نفع.
[٣] الْعبارَة من قَوْله «والسلوى» إِلَى قَوْله «فِي قصيدة لَهُ» سَاقِطَة فِي أ.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
الْحَجَرَ، فَانْفَجَرَتْ لَهُمْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْنًا، لِكُلِّ سِبْطٍ [١] عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا، قَدْ عَلِمَ كُلُّ سِبْطٍ عَيْنَهُ الَّتِي مِنْهَا يَشْرَبُ، وَقَوْلَهُمْ لِمُوسَى عليه السلام: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها ٢: ٦١.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُوَمُ: الْحِنْطَةُ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ:
فَوْقَ شِيزَى مِثْلِ الْجَوَابِي عَلَيْهَا ... قِطَعٌ كَالْوَذِيلِ فِي نقى قوم [٢]
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَذِيلُ: قِطَعُ الْفِضَّةِ (وَالْفُوَمُ: الْقَمْحُ) [٣]، وَاحِدَتُهُ:
فُومَةٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَعَدَسِها وَبَصَلِها قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ. اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ٢: ٦١.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَرَفْعَهُ الطُّورَ فَوْقَهُمْ لِيَأْخُذُوا مَا أُوتُوا، وَالْمَسْخَ الَّذِي كَانَ فِيهِمْ، إذْ جَعَلَهُمْ قِرَدَةً بِأَحْدَاثِهِمْ، وَالْبَقَرَةَ الَّتِي أَرَاهُمْ اللَّهُ عز وجل بِهَا الْعِبْرَةَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، حَتَّى بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ أَمْرَهُ، بَعْدَ التَّرَدُّدِ عَلَى مُوسَى عليه السلام فِي صِفَّةِ الْبَقَرَةِ، وَقَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ٢: ٧٤، أَيْ وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنُ مِنْ قُلُوبِكُمْ عَمَّا تَدْعُونَ إلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٢: ٧٤.
ثُمَّ قَالَ لِمُحَمَّدِ عليه الصلاة والسلام وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يُؤَيِّسُهُمْ مِنْهُمْ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ ٢: ٧٥---------------------
[١] الأسباط فِي بنى إِسْحَاق، كالقبائل فِي بنى إِسْمَاعِيل.
[٢] الشيزى: جفان تصنع من خشب يُقَال لَهُ: الشيز وَهُوَ خشب أسود والجوابى: جمع جابية.
وَهِي الْحِيَاض يجبى فِيهَا المَاء، أَي يجمع.
[٣] زِيَادَة عَن ط.
يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٢: ٧٥، وَلَيْسَ قَوْلُهُ يَسْمَعُونَ التَّوْرَاةَ، أَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ سَمِعَهَا، وَلَكِنَّهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، أَيْ خَاصَّةٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [١]، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: قَالُوا لِمُوسَى: يَا مُوسَى، قَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رُؤْيَةِ اللَّهِ، فَأَسْمِعْنَا كَلَامَهُ حَيْنَ يُكَلِّمُكَ، فَطَلَبَ ذَلِكَ مُوسَى عليه السلام مِنْ رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، مُرْهُمْ فَلْيَطَّهَّرُوا، أَوْ لِيُطَهِّرُوا ثِيَابَهُمْ، وَلْيَصُومُوا، فَفَعَلُوا. ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ حَتَّى أَتَى بِهِمْ الطُّورَ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ الْغَمَامُ أَمَرَهُمْ مُوسَى فَوَقَعُوا سُجَّدًا، وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، فَسَمِعُوا كَلَامَهُ تبارك وتعالى، يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ، حَتَّى عَقَلُوا عَنْهُ مَا سَمِعُوا، ثُمَّ انْصَرَفَ بِهِمْ إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ حَرَّفَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَقَالُوا، حَيْنَ قَالَ مُوسَى لِبَنِي إسْرَائِيلَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ ذَلِكَ الْفَرِيقُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عز وجل: إنَّمَا قَالَ كَذَا وَكَذَا، خِلَافًا لِمَا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ، فَهُمْ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ عز وجل لِرَسُولِهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ٢: ١٤، أَيْ بِصَاحِبِكُمْ [٢] رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ إلَيْكُمْ خَاصَّةً. وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا ٢: ٧٦: لَا تُحَدِّثُوا الْعَرَبَ بِهَذَا، فَإِنَّكُمْ قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ فِيهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِمْ: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ٢: ٧٦، أَيْ تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّهُ قَدْ أُخِذَ لَهُ الْمِيثَاقُ عَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا، اجْحَدُوهُ وَلَا تُقِرُّوا لَهُمْ بِهِ. يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ ٢: ٧٧- ٧٨.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: إلَّا أَمَانِيَّ: إلَّا قِرَاءَةً، لِأَنَّ الْأُمِّيَّ: الَّذِي
------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] فِي م، ر: «أَي أَن صَاحبكُم ... إِلَخ» .
يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ. يَقُولُ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا (أَنَّهُمْ) [١] يَقْرَءُونَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٢]: عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَيُونُسَ أَنَّهُمَا تَأَوَّلَا ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: تَمَنَّى، فِي مَعْنَى قَرَأَ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تبارك وتعالى:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ٢٢: ٥٢. قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ... وَآخِرَهُ وَافَى حِمَامُ الْمَقَادِرِ
وَأَنْشَدَنِي أَيْضًا:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ فِي اللَّيْلِ خَالِيًا ... تَمَنِّيَ دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رِسْلِ
وَوَاحِدَةُ الْأَمَانِيِّ: أُمْنِيَّةٌ. وَالْأَمَانِيُّ (أَيْضًا): أَنْ يَتَمَنَّى الرَّجُلُ الْمَالَ أَوْ غَيْرَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢: ٧٨: أَيْ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ، وَهُمْ يَجْحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِالظَّنِّ. وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٢: ٨٠.
(دَعْوَى الْيَهُودَ قِلَّةَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَرَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَوْلًى لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ ابْن جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَالْيَهُودُ تَقُولُ: إنَّمَا مُدَّةُ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ اللَّهُ [٣] النَّاسَ فِي النَّارِ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا فِي النَّارِ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً. قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ ٢: ٨٠-----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] كَذَا فِي أ. وَقد وَردت هَذِه الْعبارَة مضطربة فِي سَائِر الْأُصُول.
[٣] فِي ط: «وَإِنَّمَا يعذب النَّاس ... إِلَخ» .
عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ٢: ٨٠- ٨١. أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمِثْلِ أَعْمَالِكُمْ، وَكَفَرَ بِمِثْلِ مَا كَفَرْتُمْ بِهِ، يُحِيطُ كُفْرُهُ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حَسَنَةٍ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ٢: ٨١ أَيْ خُلْدٌ أَبَدًا. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ٢: ٨٢: أَيْ مَنْ آمَنَ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ، وَعَمِلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينِهِ، فَلَهُمْ الْجَنَّةُ خَالِدِينَ فِيهَا، يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الثَّوَابَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مُقِيمٌ عَلَى أَهْلِهِ أَبَدًا، لَا انْقِطَاعَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ (اللَّهُ عز وجل) [١] يُؤَنِّبُهُمْ: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ٢: ٨٣، أَيْ مِيثَاقَكُمْ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا، وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ٢: ٨٣، أَيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ بِالتَّنَقُّصِ. وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ٢: ٨٤
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَسْفِكُونَ: تَصُبُّونَ. تَقُولُ الْعَرَبُ: سَفَكَ دَمَهُ، أَيْ صَبَّهُ، وَسَفَكَ الزِّقَّ، أَيْ هَرَاقَهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكُنَّا إذَا مَا الضَّيْفُ حَلَّ بِأَرْضِنَا ... سَفَكْنَا دِمَاءَ الْبُدْنِ فِي تُرْبَةِ الْحَالِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي «بِالْحَالِ»: الطِّينِ الَّذِي يُخَالِطُهُ الرَّمْلُ، وَهُوَ الَّذِي تَقُولُ لَهُ الْعَرَبُ: السَّهْلَةُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ [٢]: أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ ١٠: ٩٠ أَخَذَ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ [٣] (وَحَمَأَتِهِ) [٤]، فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَ فِرْعَوْنَ. (وَالْحَالُ: مِثْلُ الْحَمْأَةِ) [٥] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٦]: وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ٢: ٨٤.
--------------------
[١] زِيَادَة عَن ط.
[٢] فِي أ، ط: «وَفِي الحَدِيث» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الأَرْض» .
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٦] زِيَادَة عَن ط.
عَلَى أَنَّ هَذَا حَقٌّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ٢: ٨٥، أَيْ أَهْلَ الشِّرْكِ، حَتَّى يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ مَعَهُمْ، وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مَعَهُمْ. وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ ٢: ٨٥ وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ٢: ٨٥: فِي كِتَابِكُمْ إِخْراجُهُمْ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ٢: ٨٥، (أَيْ) [١] أَتُفَادُونَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَتُخْرِجُونَهُمْ كُفَّارًا بِذَلِكَ. فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ٢: ٨٥- ٨٦. فَأَنَّبَهُمْ اللَّهُ عز وجل بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ.
فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ، مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَلَفُّهُمْ [٢]، حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ، وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةَ وَلَفُّهُمْ، حُلَفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانُوا إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ.
خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الْخَزْرَجِ وَخَرَجَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إخْوَانِهِ، حَتَّى يَتَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَبِأَيْدِيهِمْ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ:
لَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً، وَلَا كِتَابًا، وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [٣] افْتَدَوْا أُسَارَاهُمْ [٤] تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأَخَذَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَنْ [٥] كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيَدِي الْأَوْسِ وَتَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا فِي أَيَدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ. وَيُطِلُّونَ [٦] مَا أَصَابُوا مِنْ
------------------------
[١] زِيَادَة عَن ط.
[٢] لفهم: أَي من عد فيهم.
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ، ط.
[٤] فِي م: «أسارهم» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] كَذَا فِي ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَا» .
[٦] يطلون: يبطلون.
الدِّمَاءِ، وَقَتْلَى مَنْ قُتِلُوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ حَيْنَ أَنَّبَهُمْ [١] بِذَلِكَ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ٢: ٨٥، أَيْ تُفَادِيهِ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَتَقْتُلُهُ، وَفِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ أَنْ لَا تَفْعَلَ، تَقْتُلُهُ وَتُخْرِجُهُ مِنْ دَارِهِ وَتُظَاهِرُ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ باللَّه، وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ، ابْتِغَاءَ عَرَضِ الدُّنْيَا. فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ- فِيمَا بَلَغَنِي- نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ٢: ٨٧، أَيْ الْآيَاتُ الَّتِي وُضِعَتْ [٢] عَلَى يَدَيْهِ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِهِ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، وَالْخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْغُيُوبِ مِمَّا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ [٣] التَّوْرَاةِ مَعَ الْإِنْجِيلِ، الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَقَالَ: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ، فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ٢: ٨٧، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ٢: ٨٨: فِي أَكِنَّةٍ. يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ٢: ٨٨- ٨٩.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ:
قَالُوا: فِينَا وَاَللَّهِ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ، كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ ظَهْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فَكَانُوا يَقُولُونَ لَنَا: إنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ فَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ. يَقُولُ اللَّهُ:
--------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أنبأهم»، وَلَا يَسْتَقِيم بهَا الْكَلَام.
[٢] كَذَا فِي ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وضع» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَعَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل» .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-07-2026, 08:40 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (57)
صــ 541إلى صــ 550
فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ٢: ٨٩- ٩٠، أَيْ أَنْ جَعَلَهُ فِي غَيرهم فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ٢: ٩٠.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ: أَيْ اعْتَرَفُوا بِهِ وَاحْتَمَلُوهُ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
أُصَالِحُكُمْ حَتَّى تَبُوءُوا بِمِثْلِهَا ... كَصَرْخَةِ حُبْلَى يَسَّرَتْهَا قَبِيلُهَا [١]
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسَّرَتْهَا: أَجَلَسَتْهَا لِلْوِلَادَةِ) [٢] . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَالْغَضَبُ عَلَى الْغَضَبِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضَيَّعُوا مِنْ التَّوْرَاةِ، وَهِيَ مَعَهُمْ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أَنَّبَهُمْ بِرَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ، وَاِتِّخَاذِهِمْ الْعِجْلَ إلَهًا دُونَ رَبِّهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٢: ٩٤، أَيْ اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْذَبُ عِنْدَ اللَّهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ عليه الصلاة والسلام: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ٢: ٩٥، أَيْ بِعِلْمِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِكَ، وَالْكُفْرِ بِذَلِكَ [٣]، فَيُقَالُ: لَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إلَّا مَاتَ. ثُمَّ ذَكَرَ رَغْبَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَطُولَ الْعُمْرِ، فَقَالَ تَعَالَى:
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ٢: ٩٦ الْيَهُودَ وَمن الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ٢: ٩٦،
---------------------------
[١] الْقَبِيل: الْقَابِلَة.
[٢] زِيَادَة عَن ط.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي ط: «بك» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَذَلِك» .
أَيْ مَا هُوَ بِمُنْجِيهِ مِنْ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَرْجُو بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ يُحِبُّ طُولَ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّ قَدْ عَرَفَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخِزْيِ بِمَا ضَيَّعَ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ٢: ٩٧.
(سُؤَالُ الْيَهُودِ الرَّسُولَ، وَإِجَابَتُهُ لَهُمْ عليه الصلاة والسلام):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (عَبْدِ) [١] الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ اتَّبَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَآمَنَّا بِكَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أَنَا أَخْبَرْتُكُمْ بِذَلِكَ لَتُصَدِّقُنَّنِي، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْأَلُوا عَمَّا بَدَا لَكُمْ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أُمَّهُ، وَإِنَّمَا النُّطْفَةُ مِنْ الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُنْشِدُكُمْ باللَّه وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ نُطْفَةَ الرَّجُلِ بَيْضَاءُ غَلِيظَةٌ، وَنُطْفَةَ الْمَرْأَةِ صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ، فَأَيَّتُهُمَا عَلَتْ صَاحِبَتَهَا كَانَ لَهَا الشَّبَهُ؟ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالُوا:
فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ نَوْمُكَ؟ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ باللَّه وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ نَوْمَ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنِّي لَسْتُ بِهِ تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ يَقْظَانُ؟ فَقَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالَ: فَكَذَلِكَ نَوْمِي، تَنَامُ عَيْنِيَّ وَقَلْبِي يَقْظَانُ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَمَّا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ باللَّه وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَ الْإِبِلِ وَلُحُومَهَا، وَأَنَّهُ اشْتَكَى شَكْوَى، فَعَافَاهُ اللَّهُ مِنْهَا، فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ شُكْرًا للَّه، فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا؟ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ الرُّوحِ؟ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ باللَّه وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِينِي؟ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ يَا مُحَمَّدُ لَنَا عَدُوٌّ، وَهُوَ مَلَكٌ، إنَّمَا يَأْتِي بِالشِّدَّةِ وَبِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْنَاكَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِمْ: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا ٢: ٩٧----------------------
[١] زِيَادَة عَن ط.
لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢: ٩٧ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ٢: ١٠٠- ١٠٢، أَيْ السِّحْرُ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ٢: ١٠٢.
(إنْكَارُ الْيَهُودِ نُبُوَّةَ دَاوُدَ عليه السلام، وَرَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- لَمَّا ذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ فِي الْمُرْسَلِينَ، قَالَ بَعْضُ أَحْبَارِهِمْ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ، يَزْعُمُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ كَانَ نَبِيًّا، وَاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ٢: ١٠٢، أَيْ بِاتِّبَاعِهِمْ السِّحْرَ وَعَمَلِهِمْ بِهِ. وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ٢: ١٠٢.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ زَائِدَتَا الْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَانِ وَالشَّحْمَ، إلَّا مَا كَانَ عَلَى الظَّهْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يُقَرَّبُ لِلْقُرْبَانِ، فَتَأْكُلَهُ النَّارُ.
(كِتَابُهُ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، فِيمَا حَدَّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، صَاحِبِ مُوسَى وَأَخِيهِ، وَالْمُصَدِّقُ لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى: أَلَا إنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ، وَإِنَّكُمْ لَتَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ٤٨: ٢٩.
وَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ باللَّه، وَأَنْشُدُكُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلَّذِي أَطْعَمَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَسْبَاطِكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلَّذِي أَيْبَسَ الْبَحْرَ لِآبَائِكُمْ حَتَّى أَنَجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، إلَّا أَخْبَرْتُمُونِي: هَلْ تَجِدُونَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمُحَمِّدٍ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ فَلَا كُرْهَ عَلَيْكُمْ. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ ٢: ٢٥٦- فَأَدْعُوكُمْ إلَى اللَّهِ وَإِلَى نَبِيِّهِ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْن هِشَام: شطوه: فِرَاخُهُ، وَوَاحِدَتُهُ: شِطْأَةٌ. تَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ أَشْطَأَ الزَّرْعُ، إذَا أَخْرَجَ فِرَاخَهُ. وَآزَرَهُ: عَاوَنَهُ، فَصَارَ الَّذِي قَبْلَهُ مِثْلَ الْأُمَّهَاتِ.
قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ الْكِنْدِيُّ:
بمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضَّالَّ نَبْتُهَا ... مَجَرَّ جُيُوشٍ غَانِمِينَ وَخُيَّبِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ الْأَرْقَطُ، أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ ابْن زَيْدِ مَنَاةَ:
زَرْعًا وَقَضْبًا مُؤْزَرَ النَّبَاتِ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَسُوقُهُ (غَيْرُ مَهْمُوزٍ): جَمْعُ سَاقٍ، لِسَاقِ [٣] الشَّجَرَةِ.
(مَا نَزَلَ فِي أَبِي يَاسِرٍ وَأَخِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، بِخَاصَّةٍ مِنْ الْأَحْبَارِ وَكُفَّارِ يَهُودَ، الَّذِي كَانُوا يَسْأَلُونَهُ وَيَتَعَنَّتُونَهُ لِيَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ- فِيمَا ذُكِرَ لِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ- أَنَّ أَبَا يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَتْلُو فَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ٢: ١- ٢.
------------------------
[١] المحنية: مَا انحنى من الْوَادي وانعطف. والضال: شجر يشبه السدر تعْمل مِنْهُ القسي.
[٢] القضب: الفصفصة الرّطبَة.
[٣] فِي أ: «كساق» .
٣٥- سيرة ابْن هِشَام- ١
فَأَتَى أَخَاهُ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ فِي رِجَالٍ مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: تَعْلَمُوا وَاَللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ ٢: ١- ٢، فَقَالُوا: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: نعم فمثنى حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ يَهُودَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ يُذْكَرْ لَنَا أَنَّكَ تَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ: الم ذلِكَ الْكِتابُ ٢: ١- ٢؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلَى، قَالُوا: أَجَاءَكَ بِهَا جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَكَ أَنْبِيَاءَ، مَا نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنْهُمْ مَا مُدَّةُ مُلْكِهِ، وَمَا أَكْلُ [١] أُمَّتِهِ غَيْرَكَ، فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، فَهَذِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، أَفَتَدْخُلُونَ فِي دِينٍ إنَّمَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وَأَكْلُ أُمَّتِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ: المص ٧: ١. قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالصَّادُ تِسْعُونَ [٢]، فَهَذِهِ إِحْدَى وستّون [٣] وَمِائَة سَنَةٍ، هَلْ مَعَ هَذَا يَا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ الر ١٠: ١. قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ ومائتان، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: نَعَمْ المر ١٣: ١. قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِائَتَا سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ لُبِّسَ عَلَيْنَا أَمْرُكَ يَا مُحَمَّدُ، حَتَّى مَا نَدْرِي أَقَلِيلًا أُعْطِيتَ أَمْ كَثِيرًا؟ ثُمَّ قَامُوا عَنْهُ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ لِأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَحْبَارِ: مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذَا كُلُّهُ لِمُحَمَّدٍ، إحْدَى وَسَبْعُونَ، وَإِحْدَى وَسِتُّونَ وَمِئَةً، وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ ومائتان، وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِئَتَانِ، فَذَلِكَ سَبْعُ مِئَةٍ وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً [٤]، فَقَالُوا: لَقَدْ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ
-------------------------
[١] الْأكل (بِالضَّمِّ): الرزق وَالطَّعَام. وَيُرِيد «بِأَكْل أمته»: طول مدتهم.
[٢] فِي أ: «سِتُّونَ»، وَهُوَ خطأ.
[٣] فِي أ: «إِحْدَى وَثَلَاثُونَ»، وَهُوَ خطأ مبْنى على التَّقْدِير السَّابِق للصاد.
[٤] فِي أ: «وَأَرْبع سِنِين»، وَهُوَ خطأ أَيْضا.
الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ٣: ٧. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنَّمَا أُنْزِلْنَ فِي أَهْلِ نَجْرَانَ، حَيْنَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ عِيسَى بن مَرْيَمَ عليه السلام.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنَّمَا أُنْزِلْنَ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ، وَلَمْ يُفَسِّرْ ذَلِكَ لِي. فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
(كُفْرُ الْيَهُودِ بِهِ ﷺ بَعْدَ اسْتِفْتَاحِهِمْ بِهِ، وَمَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ ابْن جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ. فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَّتِهِ، فَقَالَ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، أَحَدُ بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ بِاَلَّذِي كُنَّا نَذْكُرُهُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ٢: ٨٩.
(مَا نَزَلَ فِي نُكْرَانِ مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ [١]، حَيْنَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، - وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَهُ مِنْ الْمِيثَاقِ، وَمَا عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ فِيهِ:
وَاَللَّهِ مَا عُهِدَ إلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ عَهْدٌ، وَمَا أُخِذَ لَهُ عَلَيْنَا مِنْ مِيثَاقٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ:
------------------------
[١] فِي أ: «الضَّيْف» بالضاد الْمُعْجَمَة، وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ.
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢: ١٠٠
(مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي صَلُوبا: «مَا جِئْتنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ»):
وَقَالَ أَبُو [١] صَلُوبا الْفَطْيُونِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، مَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ لَهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ ٢: ٩٩.
(مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبٍ):
وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
يَا مُحَمَّدُ، ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنَهَارًا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ، وَمن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ٢: ١٠٨.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَوَاءُ السَّبِيلِ: وَسَطُ السَّبِيلِ. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِهِ ... بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:
(مَا نَزَلَ فِي صَدِّ حُيَيٍّ وَأَخِيهِ النَّاسَ عَنْ الْإِسْلَامِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَخُوهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، مِنْ أَشَدِّ يَهُودَ لِلْعَرَبِ حَسَدًا، إذْ خَصَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ، وَكَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدِّ النَّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ بِمَا اسْتَطَاعَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢: ١٠٩.
----------------------------
[١] فِي م، ر: «ابْن» .
[٢] الملحد: الْقَبْر.
(تَنَازُعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنْ النَّصَارَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَتْهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَكَفَرَ بِعِيسَى وَبِالْإِنْجِيلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ النَّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسَى وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ، كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٢: ١١٣، أَيْ كُلٌّ يَتْلُو فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقَ مَا كَفَرَ بِهِ، أَيْ يَكْفُرُ الْيَهُودُ بِعِيسَى، وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى عليه السلام بِالتَّصْدِيقِ بِعِيسَى عليه السلام، وَفِي الْإِنْجِيلِ مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى عليه السلام، مِنْ تَصْدِيقِ مُوسَى عليه السلام، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ التَّوْرَاةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلٌّ يَكْفُرُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ.
(مَا نَزَلَ فِي طَلَبِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
يَا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، فَقُلْ للَّه فَلْيُكَلِّمْنَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَقال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ، أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ٢: ١١٨.
(مَا نَزَلَ فِي سُؤَالِ ابْنِ صُورِيَّا لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام بِأَنْ يَتَهَوَّدَ):
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ الْفَطْيُونِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
مَا الْهُدَى إلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وَقَالَتْ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيَّا وَمَا قَالَتْ النَّصَارَى: وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا، قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٢: ١٣٥. ثُمَّ الْقِصَّةَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ،
لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ، وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ٢: ١٣٤.
(مَقَالَةُ الْيَهُودِ عِنْدَ صَرْفِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ عَنْ الشَّامِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَصُرِفَتْ فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَرْدَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالُوا:
يَا مُحَمَّدُ، مَا وَلَّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ؟ ارْجِعْ إلَى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ٢: ١٤٢- ١٤٣، أَيْ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ٢: ١٤٣، أَيْ مِنْ الْفِتَنِ: أَيْ الَّذِينَ ثَبَّتَ اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ٢: ١٤٣، أَيْ إيمَانَكُمْ بِالْقِبْلَةِ الْأُولَى، وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيَّكُمْ، وَاتِّبَاعَكُمْ إيَّاهُ إلَى الْقِبْلَةِ الْآخِرَةِ، وَطَاعَتَكُمْ نَبِيَّكُمْ فِيهَا: أَيْ لَيُعْطِيَنَّكُمْ أَجْرَهُمَا جَمِيعًا إِنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ٢: ١٤٣.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ٢: ١٤٤.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَطْرَهُ: نَحْوَهُ وَقَصْدَهُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ أَحْمَرَ الْبَاهِلِيُّ- وَبَاهِلَةُ ابْن يَعْصِرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ- يَصِفُ نَاقَةً لَهُ:
تَعْدُو بِنَا شَطْرَ جَمْعٍ وَهِيَ عَاقِدَةٌ ... قَدْ كارَبَ الْعَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الْحَقَبَا [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيُّ يَصِفُ نَاقَتَهُ:
إنَّ النَّعُوسَ [٢] بِهَا دَاءٌ مُخَامِرُهَا ... فَشَطْرَهَا نَظَرُ الْعَيْنَيْنِ مَحْسُورُ [٣]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ [٤]:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالنَّعُوسُ: نَاقَتُهُ، وَكَانَ بِهَا دَاءٌ فَنَظَرَ إلَيْهَا نَظَرَ حَسِيرٍ، مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ حَسِيرٌ.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ٢: ١٤٤- ١٤٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ- فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٢: ١٤٧.
(كِتْمَانُهُمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ الْحَقِّ):
وَسَأَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ.
مَا فِي التَّوْرَاةِ، فَكَتَمُوهُمْ إيَّاهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُخْبِرُوهُمْ عَنْهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ٢: ١٥٩.
----------------------
[١] عاقدة: يصف نَاقَته بِأَنَّهَا عقدت ذنبها بَين فخذيها، وَذَلِكَ أول مَا تحمل. والإيفاد: الإشراف.
والحقب: حَبل يشد بِهِ الرحل إِلَى بطن الْبَعِير.
[٢] النعوس: الْكَثِيرَة النعاس. ويروى: «العسير»، وَهِي النَّاقة الَّتِي تركب قبل أَن ترَاض وتلين
[٣] مخامرها: مخالطها. ومحسور: أَي معجز.
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-08-2026, 07:58 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (58)
صــ 551إلى صــ 560
(جَوَابُهُمْ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ):
قَالَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَى الْإِسْلَامِ وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ، وَحَذَّرَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ، فَقَالَ لَهُ رَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ، وَمَالِكُ ابْن عَوْفٍ: بَلْ نَتْبَعُ يَا مُحَمَّدُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، فَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ وَخَيْرًا مِنَّا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ٢: ١٧٠.
(جَمْعُهُمْ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ):
وَلَمَّا أَصَابَ اللَّهُ عز وجل قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ قُرَيْشًا، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغِرُّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا أَغْمَارًا [١] لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إنَّكَ وَاَللَّهِ لَوْ قَاتَلْتنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ، قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَالله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ٣: ١٢- ١٣.
(دُخُولُهُ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ):
قَالَ: وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ [٢] عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ يَهُودَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، قَالَا: فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلُمَّ إلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ،
------------------------
[١] الأغمار: جمع غمر، وَهُوَ الّذي لم يجرب الْأُمُور.
[٢] كَذَا فِي أ. وَبَيت الْمِدْرَاس: هُوَ بَيت الْيَهُود حَيْثُ يتدارسون فِيهِ كِتَابهمْ. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«بَيت الْمدَارِس»
فَأَبَيَا عَلَيْهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ ٣: ٢٣- ٢٤.
(اخْتِلَافُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي إبْرَاهِيمَ عليه السلام):
وَقَالَ أَحْبَارُ يَهُودَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ، حَيْنَ اجْتَمَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنَازَعُوا، فَقَالَتْ الْأَحْبَارُ: مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ إلَّا يَهُودِيًّا، وَقَالَتْ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ: مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ إلَّا نَصْرَانِيًّا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِمْ: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ٣: ٦٥- ٦٨.
(مَا نَزَلَ فِيمَا هَمَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ غَدْوَةً، وَالْكُفْرِ عَشِيَّةً):
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيْفٍ [١]، وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نُؤْمِنْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غُدْوَةً، وَنَكْفُرْ بِهِ عَشِيَّةً، حَتَّى نَلْبِسَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَصْنَعُونَ كَمَا نَصْنَعُ، وَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ، وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَالله واسِعٌ عَلِيمٌ ٣: ٧١- ٧٣.
-----------------------------
[١] فِي أ: «ضيف» بالضاد الْمُعْجَمَة، وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ.
(مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي رَافِعٍ وَالنَّجْرَانِيِّ «أَتُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ كَمَا تَعْبُدُ النَّصَارَى عِيسَى»):
وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ الْقُرَظِيُّ، حَيْنَ اجْتَمَعَتْ الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ: أَتُرِيدُ مِنَّا يَا مُحَمَّدُ أَنْ نَعْبُدَكَ كَمَا تَعْبُدُ النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَمَ؟ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ نَصْرَانِيٌّ، يُقَالُ لَهُ: الرِّبَيِّسُ، (وَيُرْوَى: الرَّيِّسُ، وَالرَّئِيسُ) [١]: أَوَذَاكَ تُرِيدُ مِنَّا يَا مُحَمَّدُ وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا؟ أَوْ كَمَا قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أَوْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ، فَمَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي اللَّهُ، وَلَا أَمَرَنِي، أَوْ كَمَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ، وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ٣: ٧٩ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ٨٠.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّبَّانِيُّونَ: الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ السَّادَةُ، وَاحِدُهُمْ: رَبَّانِيٌّ [٢] .
قَالَ الشَّاعِرُ:
لَوْ كُنْتُ مُرْتَهِنًا [٣] فِي الْقَوْسِ أَفْتَنَنِي ... مِنْهَا الْكَلَامُ وَرَبَّانِيَّ أَحْبَارِ
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقَوْسُ: صَوْمَعَةُ الرَّاهِبِ. وَأَفْتَنَنِي، لُغَةُ تَمِيمٍ. وَفَتَنَنِي، لُغَةُ قَيْسٍ [٤] .
قَالَ جَرِيرٌ:
------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] وَقيل الربانيون: الَّذين يربون النَّاس بصغار الْعلم قبل كباره، وَقيل: نسبوا إِلَى علم الرب وَالْفِقْه فِيمَا أنزل، وزيدت فِيهِ الْألف وَالنُّون لتضخيم الِاسْم (عَن السهيليّ) .
[٣] مرتهنا: أَي مُقيما. ويروى: «مرتهبا» بِالْبَاء بدل النُّون، وَهُوَ من الرهبانية، وَهِي عبَادَة النَّصَارَى.
[٤] قَالَ السهيليّ: ومآل هَذَا الْفرق إِلَى أَن «فتنته» صرفته، فجَاء على وَزنه، لِأَن الْمفْتُون مَصْرُوف عَن حق، و«أفتنته» أضللته وأغويته، فجَاء على وزن مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ. وَأما «فتنت» الحديدة فِي النَّار، فعلى وزن فعلت لَا غير، لِأَنَّهَا فِي معنى خبرتها وبلوتها وَنَحْو ذَلِك.
لَا وَصْلَ إذْ صَرَمَتْ هِنْدٌ وَلَوْ وَقَفَتْ ... لَاسْتَنْزَلَتْنِي وَذَا الْمِسْحَيْنِ فِي الْقَوْسِ
أَيْ صَوْمَعَةَ الرَّاهِبِ. وَالرَّبَّانِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنْ الرَّبِّ، وَهُوَ السَّيِّدُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ:
فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ١٢: ٤١، أَيْ سَيِّدَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ٨٠.
(مَا نَزَلَ فِي أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ الْمِيثَاقِ بِتَصْدِيقِهِ إذْ هُوَ جَاءَهُمْ، وَإِقْرَارَهُمْ، فَقَالَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي، قالُوا أَقْرَرْنا، قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ٣: ٨١ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
(سَعْيُهُمْ فِي الْوَقِيعَةِ بَيْنَ الْأَنْصَارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسَا [١]، عَظِيمَ الْكُفْرِ شَدِيدَ الضَّغَنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، شَدِيدَ الْحَسَدِ لَهُمْ، عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. فِي مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهُمْ، يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ أُلْفَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ مَلَأُ [٢] بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، لَا وَاَللَّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إذَا اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ. فَأَمَرَ فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ كَانَ مَعَهُمْ، فَقَالَ: اعْمِدْ إلَيْهِمْ، فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، ثُمَّ اُذْكُرْ يَوْمَ بُعَاثَ [٣] وَمَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا تَقَاوَلُوا فِيهِ مِنْ الْأَشْعَارِ.
(شَيْءٌ عَنْ يَوْمِ بُعَاثَ):
وَكَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانَ الظَّفْرُ فِيهِ يَوْمئِذٍ
-----------------------
[١] عسا: أسن وَولى.
[٢] مَلأ الْقَوْم: أَشْرَافهم، وَقيل: جَمَاعَتهمْ.
[٣] بُعَاث: يرْوى بِالْعينِ الْمُهْملَة وَلَيْسَ بالغين الْمُعْجَمَة.
لِلْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ، وَكَانَ عَلَى الْأَوْسِ يَوْمئِذٍ حُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ الْأَشْهَلِيُّ، أَبُو أُسَيْدِ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ البَيَاضِيُّ، فَقُتِلَا جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ:
عَلَى أَنْ قَدْ فُجِعْتُ بِذِي حِفَاظٍ ... فَعَاوَدَنِي لَهُ حُزْنٌ رَصِينُ [١]
فَإِمَّا تَقْتُلُوهُ فَإِنَّ عَمْرًا ... أَعَضَّ بِرَأْسِهِ عَضْبٌ سَنِينُ [٢]
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَحَدِيثُ يَوْمِ بُعَاثَ أَطْوَلُ مِمَّا ذَكَرْتُ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْتُ مِنْ الْقَطْعِ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
[٣] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَنِينُ: مَسْنُونٌ، مِنْ سَنَّهُ، إذَا شَحَذَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَفَعَلَ. فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَنَازَعُوا وَتَفَاخَرُوا حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلَانِ مِنْ الْحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكْبِ، أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ، مِنْ الْأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلَا ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ رَدَدْنَاهَا الْآنَ جَذَعَةً [٤]، فَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، مَوْعِدُكُمْ الظَّاهِرَةُ- وَالظَّاهِرَةُ: الْحرَّةُ- السِّلَاحَ السِّلَاحَ.
فَخَرَجُوا إلَيْهَا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى جَاءَهُمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهَ اللَّهَ، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمْ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ [٥] مِنْ الشَّيْطَانِ، وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَبَكَوْا وَعَانَقَ الرِّجَالُ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أَطْفَأَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَيْدَ عَدُوِّ اللَّهِ شَأْسِ بْنِ قَيِّسْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ
---------------------------
[١] الْحفاظ: الْغَضَب. ورصين: ثَابت دَائِم.
[٢] الْغَضَب: السَّيْف الْقَاطِع.
[٣] هَذِه الْعبارَة من قَوْله «قَالَ» إِلَى قَوْله «شحذه» سَاقِطَة فِي أ.
[٤] رددناها الْآن جَذَعَة: أَي رددنا الآخر إِلَى أَوله.
[٥] النزغة: الْإِفْسَاد بَين النَّاس.
تَعَالَى فِي شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ وَمَا صَنَعَ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وَالله شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا، وَأَنْتُمْ شُهَداءُ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٣: ٩٨- ٩٩.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وَجَبَّارِ بْنِ صَخْرٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا الَّذِينَ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا عَمَّا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ شَأْسٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَمن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ١٠٠- ١٠٢ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ٣: ١٠٥.
(مَا نَزَلَ فِي قَوْلِهِمْ: «مَا آمَنَ إلَّا شِرَارُنَا»):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ مَعَهُمْ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَرَسَخُوا فِيهِ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ، أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا اتَّبَعَهُ إلَّا شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَخْيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ وَذَهَبُوا إلَى غَيْرِهِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ٣: ١١٣.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آنَاءَ اللَّيْلِ: سَاعَاتِ اللَّيْلِ: وَوَاحِدُهَا: إنْيٌ. قَالَ الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَلِيُّ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عُوَيْمِرٍ، يَرْثِي أُثَيْلَةَ ابْنَهُ:
حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ الْقِدْحِ شِيمَتُهُ ... فِي كُلِّ إنْيٍ قَضَاهُ اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، يَصِفُ حِمَارَ وَحْشٍ:
------------------------------
[١] الْقدح: السهْم.
يُطَرِّبُ آنَاءَ النَّهَارِ كَأَنَّهُ ... غَوِيٌّ [١] سَقَاهُ فِي التِّجَارِ [٢] نَدِيمُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ: إنًى (مَقْصُورٌ) [٣]، فِيمَا أَخْبَرَنِي يُونُسُ [٤] .
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ٣: ١١٤.
(مَا نَزَلَ فِي نَهْيِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُبَاطَنَةِ الْيَهُودِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنْ الْيَهُودِ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِوَارِ وَالْحِلْفِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ يَنْهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ، وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ ٣: ١١٨- ١١٩، أَيْ تُؤْمِنُونَ بِكِتَابِكُمْ، وَبِمَا مَضَى مِنْ الْكُتُبِ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكِتَابِكُمْ، فَأَنْتُمْ كُنْتُمْ أَحَقَّ بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ مِنْهُمْ لَكُمْ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ٣: ١١٩ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
(مَا كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَفِنْحَاصٍ):
وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ [٥] عَلَى يَهُودَ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ اجْتَمَعُوا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصُ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ، وَمَعَهُ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِهِمْ، يُقَالُ لَهُ: أَشْيَعُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِفِنْحَاصٍ: وَيْحَكَ يَا فَنُحَاصُ! اتَّقِ الله وَأسلم، فو اللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا لَرَسُولُ اللَّهِ، قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَقَالَ فِنْحَاصُ
--------------------------
[١] الغوى: الْمُفْسد.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والتجار: جمع تَاجر، وَهُوَ بَائِع الْخمر، وَفِي أ: «النجار» بالنُّون
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] قَالَ السهيليّ: وَهَذِه لُغَة الْقُرْآن. قَالَ تَعَالَى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ٣٣: ٥٣.
[٥] كَذَا فِي أ. وَبَيت الْمِدْرَاس: هُوَ الْبَيْت الّذي يتدارس فِيهِ الْيَهُود كِتَابهمْ. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«الْمدَارِس» .
لِأَبِي بَكْرٍ: وَاَللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا بِنَا إلَى اللَّهِ مِنْ فَقْرٍ، وَإِنَّهُ إلَيْنَا لَفَقِيرٌ، وَمَا نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَمَا يَتَضَرَّعُ إلَيْنَا، وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ، وَمَا هُوَ عَنَّا بِغَنِيٍّ، وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا اسْتَقْرَضَنَا أَمْوَالَنَا، كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ، يَنْهَاكُمْ عَنْ الرِّبَا وَيُعْطِينَاهُ وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا أَعْطَانَا الرِّبَا. قَالَ: فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ، فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، لَضَرَبْتُ رَأْسَكَ، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ. قَالَ: فَذَهَبَ فِنْحَاصُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اُنْظُرْ مَا صَنَعَ بِي صَاحِبُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا، إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ للَّه مِمَّا قَالَ، وَضَرَبْتُ وَجْهَهُ. فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ، وَقَالَ: مَا قُلْتُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا قَالَ فِنْحَاصُ رَدًّا عَلَيْهِ، وَتَصْدِيقًا لِأَبِي بَكْرٍ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، سَنَكْتُبُ مَا قالُوا، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ٣: ١٨١.
وَنَزَلَ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، وَمَا بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَضَبِ:
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمن الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا. وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ٣: ١٨٦.
ثُمَّ قَالَ فِيمَا قَالَ فِنْحَاصُ وَالْأَحْبَارُ مَعَهُ مِنْ يَهُودَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ. لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٣: ١٨٧- ١٨٨ يَعْنِي فِنْحَاصَ، وَأَشْيَعَ وَأَشْبَاهَهُمَا مِنْ الْأَحْبَارِ، الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُونَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَا زَيَّنُوا لِلنَّاسِ مِنْ الضَّلَالَةِ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: عُلَمَاءُ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْمٍ، لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى وَلَا حَقٍّ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ:
قَدْ فَعَلُوا.
(أَمْرُهُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبُخْلِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ كَرْدَمُ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، يَأْتُونَ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا يُخَالِطُونَهُمْ، يَنْتَصِحُونَ [١] لَهُمْ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ:
لَا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمْ الْفَقْرَ فِي ذَهَابِهَا، وَلَا تُسَارِعُوا فِي النَّفَقَةِ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ عَلَامَ يَكُونُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ٤: ٣٧، أَيْ مِنْ التَّوْرَاةِ، الَّتِي فِيهَا تَصْدِيقُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا.
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ٤: ٣٧- ٣٨ ... إلَى قَوْلِهِ: وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ٤: ٣٩.
(جَحْدُهُمُ الْحَقَّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، إذَا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَوَى لِسَانَهُ، وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ يَا مُحَمَّدُ، حَتَّى نُفْهِمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَابَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَالله أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا، وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا. مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَراعِنا ٤: ٤٤- ٤٦، (أَيْ رَاعِنَا سَمْعَكَ) [٢] لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَطَعْنًا فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا، لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ٤: ٤٦.
وَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُؤَسَاءَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ
--------------------------
[١] وَفِي أ: «يتنصحون» .
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
ابْن صُورِيَّا [١] الْأَعْوَرُ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا الله وَأَسْلمُوا، فو اللَّهَ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئتُكُمْ بِهِ الحقّ، قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ: فَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا، وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها، أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ٤: ٤٧.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَطْمِسَ: نَمْسَحَهَا فَنُسَوِّيهَا، فَلَا يُرَى فِيهَا عَيْنٌ وَلَا أَنْفٌ وَلَا فَمٌ، وَلَا شَيْءٌ مِمَّا يُرَى فِي الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ٥٤: ٣٧.
الْمَطْمُوسُ الْعَيْنُ: الَّذِي لَيْسَ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شِقٌّ. وَيُقَالُ: طَمَسْتُ الْكِتَابَ وَالْأَثَرَ، فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ. قَالَ الْأَخْطَلُ، وَاسْمُهُ الْغَوْثُ [٢] بْنُ هُبَيْرَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّغْلِبِيُّ، يَصِفُ إبِلًا كَلَّفَهَا مَا ذَكَرَ:
وتَكْلِيفُناها كُلَّ طَامِسَةٍ الصُّوَى ... شَطُونٍ تَرَى حِرْبَاءَهَا يَتَمَلْمَلُ [٣]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاحِدَةُ الصُّوَى: صُوَّةٌ. وَالصُّوَى: الْأَعْلَامُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الطُّرُقِ وَالْمِيَاهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَقُولُ: مُسِحَتْ فَاسْتَوَتْ بِالْأَرْضِ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ نَاتِئٌ.
(النَّفَرُ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ وَبَنْي قُرَيْظَةَ:
حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَسِلَامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، أَبُو رَافِعٍ [٤]، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَبُو عَمَّارٍ، وَوَحْوَحُ بْنُ عَامِرٍ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ. فَأَمَّا وَحْوَحُ،
---------------------
[١] فِي بعض الْأُصُول هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي: «صورى»، وَهِي رِوَايَة فِيهِ (رَاجع الْقَامُوس وَشَرحه، مَادَّة صور) .
[٢] الْمَشْهُور أَن اسْم الأخطل: غياث بن غوث بن الصَّلْت.
[٣] شطون: بعيد. والحرباء: دويبة أكبر من العظاءة، يسْتَقْبل الشَّمْس ويدور مَعهَا أَيْنَمَا دارت ويتململ: يتقلب من شدَّة الْحر.
[٤] فِي م، ر: «وَأَبُو رَافع» .
٣٦- سيرة ابْن هِشَام- ١
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-09-2026, 11:50 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (59)
صــ 561إلى صــ 570
وَأَبُو عَمَّارٍ، وَهَوْذَةُ، فَمِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَكَانَ سَائِرُهُمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: هَؤُلَاءِ أَحْبَارُ يَهُودَ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ، فَسَلُوهُمْ:
دِينُكُمْ خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ؟ فَسَأَلُوهُمْ، فَقَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ وَمِمَّنْ اتَّبَعَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ٤: ٥١.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْجِبْتُ (عِنْدَ الْعَرَبِ): مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تبارك وتعالى.
وَالطَّاغُوتُ: كُلُّ مَا أَضَلَّ عَنْ الْحَقِّ. وَجَمْعُ الْجِبْتِ: جُبُوتٌ، وَجَمْعُ الطَّاغُوتِ طَوَاغِيتُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنَا عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّهُ قَالَ: الْجِبْتُ: السَّحَرُ وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ.
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ٤: ٥١.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ٤: ٥٤.
(إِنْكَارُهُمُ التَّنْزِيلَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ سُكَيْنٌ وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ، مَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ مُوسَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ، وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ، وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٤: ١٦٣- ١٦٥.
وَدَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا وَاَللَّهِ
إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ إلَيْكُمْ، قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، وَمَا نَشْهَدُ عَلَيْهِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لكِنِ اللَّهِ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ٤: ١٦٦.
(اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَرْحِ الصَّخْرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. فَلَمَّا خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ قَالُوا:
لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ، فَمَنْ رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيَطْرَحَ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحَنَا مِنْهُ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ جَحَّاشِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَفِيمَا أَرَادَ هُوَ وَقَوْمُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ٥: ١١.
(ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ أَحِبَّاءُ اللَّهِ):
وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نُعْمَانُ بْنُ أَضَاءَ، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ، فَقَالُوا: مَا تُخَوِّفُنَا يَا مُحَمَّدُ، نَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ٥: ١٨
(إنْكَارُهُمْ نُزُولَ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى عليه السلام):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ إلَى الْإِسْلَامِ وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ، وَحَذَّرَهُمْ غَيْرَ اللَّهِ وَعُقُوبَتَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتّقوا الله، فو اللَّهَ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْلَ
مَبْعَثِهِ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا قَطُّ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بَعْدَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَالله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٥: ١٩.
ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِمْ خَبَرَ مُوسَى وَمَا لَقِيَ مِنْهُمْ، وَانْتِقَاضَهُمْ [١] عَلَيْهِ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ حَتَّى تَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً.
(رُجُوعُهُمْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حُكْمِ الرَّجْمِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أَحْبَارَ يَهُودَ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ [٢]، حَيْنَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بَعْدَ إحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ مِنْ يَهُودَ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَقَالُوا: ابْعَثُوا بِهَذَا الرَّجُلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةِ إلَى مُحَمَّدٍ، فَسَلُوهُ كَيْفَ الْحُكْمُ فِيهِمَا، وَوَلُّوهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ عَمِلَ فِيهِمَا بِعَمَلِكُمْ مِنْ التَّجْبِيَةِ- وَالتَّجْبِيَةُ: الْجَلْدُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ مَطْلِيٍّ بِقَارٍ، ثُمَّ تُسَوَّدُ وُجُوهُهُمَا، ثُمَّ يُحْمَلَانِ عَلَى حِمَارَيْنِ، وَتُجْعَلُ وُجُوهُهُمَا مِنْ قِبَلِ أَدْبَارِ الْحِمَارَيْنِ- فَاتَّبِعُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ مَلَكٌ، وَصَدِّقُوهُ، وَإِنْ هُوَ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرَّجْمِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يَسْلُبَكُمُوهُ. فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا رَجُلٌ قَدْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَاحْكُمْ فِيهِمَا، فَقَدْ وَلَّيْنَاكَ الْحُكْمَ فِيهِمَا. فَمَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى أَحْبَارَهُمْ فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَخْرِجُوا إلَيَّ عُلَمَاءَكُمْ، فَأُخْرِجَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، ابْن صُورِيَّا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ: أَنَّهُمْ قَدْ أَخَرَجُوا إلَيْهِ يَوْمئِذٍ، مَعَ ابْنِ صُورِيَّا، أَبَا يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَوَهْبَ بْنَ يَهُوذَا، فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ عُلَمَاؤُنَا.
------------------------
[١] انتقاضهم: افتراقهم.
[٢] فِي م، ر: «الْمدَارِس» .
فَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى [١] حَصَّلَ أَمْرَهُمْ، إلَى أَنْ قَالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ ابْن صُورِيَّا: هَذَا [٢] أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالتَّوْرَاةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ قَوْلِهِ: «وَحَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ- إلَى «أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالتَّوْرَاةِ» مِنْ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.
فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ غُلَامًا شَابًّا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَأَلَظَّ بِهِ [٣] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ، يَقُولُ لَهُ: يَا بن صُورِيَّا، أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَأُذَكِّرُكَ بِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِيمَنْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بِالرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: اللَّهمّ نَعَمْ، أَمَا وَاَللَّهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ أَنَّكَ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكَ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ فِي بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ.
ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُورِيَّا، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمن الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ٥: ٤١ أَيْ الَّذِينَ بَعَثُوا مِنْهُمْ مَنْ بَعَثُوا وَتَخَلَّفُوا، وَأَمَرُوهُمْ بِمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ تَحْرِيفِ الْحُكْمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ. ثُمَّ قَالَ: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ ٥: ٤١، أَيْ الرَّجْمَ فَاحْذَرُوا ٥: ٤١ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا، فَرُجِمَا بِبَابِ مَسْجِدِهِ، فَلَمَّا وَجَدَ الْيَهُودِيُّ مَسَّ الْحِجَارَةِ قَامَ إلَى صَاحِبَتِهِ فَجَنَأَ عَلَيْهَا [٤]، يَقِيهَا مَسَّ الْحِجَارَةِ، حَتَّى قُتِلَا جَمِيعًا.
-----------------------
[١] كَذَا فِي ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول «ثمَّ» .
[٢] فِي م، ر: «هَذَا من أعلم من ... إِلَخ» .
[٣] ألظ بِهِ: ألح عَلَيْهِ.
[٤] جنأ عَلَيْهَا: أَي انحنى عَلَيْهَا.
قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي تَحْقِيقِ الزِّنَا مِنْهُمَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا حَكَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهِمَا، دَعَاهُمْ بِالتَّوْرَاةِ، وَجَلَسَ حَبْرٌ مِنْهُمْ يَتْلُوهَا، وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، قَالَ: فَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ يَدَ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ آيَةُ الرَّجْمِ، يَأْبَى أَنْ يَتْلُوَهَا عَلَيْكَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! مَا دَعَاكُمْ إلَى تَرْكِ حُكْمِ اللَّهِ وَهُوَ بِأَيْدِيكُمْ؟ قَالَ: فَقَالُوا: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّهُ قَدْ كَانَ فِينَا يُعْمَلُ بِهِ، حَتَّى زَنَى رَجُلٌ مِنَّا بَعْدَ إحْصَانِهِ، مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ وَأَهْلِ الشَّرَفِ، فَمَنَعَهُ الْمُلْكُ مِنْ الرَّجْمِ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ بَعْدَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهُ، فَقَالُوا: لَا وَاَللَّهِ، حَتَّى تَرْجُمَ فُلَانًا، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَأَصْلَحُوا أَمْرَهُمْ عَلَى التَّجْبِيَةِ، وَأَمَاتُوا ذِكْرَ الرَّجْمِ وَالْعَمَلَ بِهِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَ اللَّهِ وَكِتَابَهُ وَعَمِلَ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا.
(ظُلْمُهُمْ فِي الدِّيَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي داوُدَ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:
أَنَّ الْآيَاتِ مِنْ الْمَائِدَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا. وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ٥: ٤٢ إنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَكَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، يُؤَدُّونَ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ (كَانُوا) [١] يُؤَدُّونَ نِصْفَ الدِّيَةِ، فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَوَاءً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
---------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
(قَصْدُهُمُ الْفِتْنَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَابْنُ صَلُوبَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إلَى مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنَا نَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَتُهُمْ، وَأَنَّا إنْ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَتْكَ يَهُودُ، وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَأَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةٌ، أَفَنُحَاكِمُهُمْ إلَيْكَ فَتَقْضِيَ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ.
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وَمن أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ٥: ٤٩- ٥٠
(جُحُودُهُمْ نُبُوَّةِ عِيسَى عليه السلام):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْهُمْ: أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَعَازِرُ بْنُ أَبِي عَازِرٍ، وَخَالِدٌ، وَزَيْدٌ، وَإِزَارُ بْنُ أَبِي إزَارٍ، وَأَشْيَعُ، فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنْ الرُّسُلِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: نؤمن باللَّه وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا، وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ، وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى، وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ٢: ١٣٦. فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى بن مَرْيَمَ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَقَالُوا: لَا نُؤْمِنُ بِعِيسَى بن مَرْيَمَ وَلَا بِمَنْ آمَنَ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ٥: ٥٩
(ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ):
وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ، وَسَلَامُ [١] بْنُ مِشْكَمٍ،
------------------------
[١] يرْوى «سَلام» بتَشْديد اللَّام كَمَا يرْوى بتخفيفها. وَمن يرويهِ بِالتَّخْفِيفِ يستشهد بقول الشَّاعِر:
سقاني فأروانى كميتا مدامة ... على عجل منى سَلام بن مشْكم
وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ [١]، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، وَتُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَنَا مِنْ التَّوْرَاةِ، وَتَشْهَدُ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ حَقٌّ؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ وَجَحَدْتُمْ مَا فِيهَا مِمَّا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْمِيثَاقِ فِيهَا، وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ، فَبَرِئْتُ مِنْ إحْدَاثِكُمْ، قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُ بِمَا فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّا عَلَى الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَلَا نُؤْمِنُ بِكَ، وَلَا نَتَّبِعُكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ٥: ٦٨
(إِشْرَاكُهُمْ باللَّه):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ النَّحَّامُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَرْدَمُ ابْن كَعْبٍ، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، بِذَلِكَ بُعِثْتُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَدْعُو. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي قَوْلِهِمْ: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً، قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمن بَلَغَ، أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى، قُلْ لَا أَشْهَدُ، قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٦: ١٩- ٢٠.
(نَهْيُهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَادَّتِهِمْ):
وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ وَنَافَقَا فَكَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٥: ٥٧ ... إلَى قَوْله:
------------------------
[١] فِي أ: «الضَّيْف، بالضاد الْمُعْجَمَة، وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ.
وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا، وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ، وَالله أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ٥: ٦١.
(سُؤَالُهُمْ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ):
وَقَالَ جَبَلُ بْنُ أَبِي قُشَيْرٍ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٍ، لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَمَا تَقُولُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فيهمَا:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، لَا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٧: ١٨٧.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَيَّانَ مُرْسَاهَا: مَتَى مُرْسَاهَا. قَالَ قَيْسُ بْنُ الْحُدَادِيَّةِ [١] الْخُزَاعِيُّ:
فَجِئْتُ وَمُخْفَى السِّرِّ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... لِأَسْأَلَهَا أَيَّانَ [٢] مَنْ سَارَ رَاجِعُ؟
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَمُرْسَاهَا: مُنْتَهَاهَا، وَجَمْعُهُ: مَرَاسٍ. قَالَ الْكُمَيْتُ ابْن زَيْدٍ الْأَسْدِيُّ:
وَالْمُصِيبِينَ بَابَ مَا أَخطَأ النّاس ... وَمُرْسَى قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَمُرْسَى السَّفِينَةِ: حَيْثُ تَنْتَهِي. وَحَفِيٌّ عَنْهَا (عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ) . يَقُولُ: يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ فَتُخْبِرَهُمْ بِمَا لَا تُخْبِرُ بِهِ [٣] غَيْرَهُمْ. وَالْحَفِيُّ: الْبَرُّ الْمُتَعَهِّدُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ١٩: ٤٧.
وَجَمْعُهُ: أَحْفِيَاءُ. وَقَالَ أُعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
فَإِنْ تَسْأَلِي عَنِّي فَيَا رُبَّ سَائِلٍ ... حَفِيٌّ عَنْ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا [٤]
--------------------------
[١] فِي ر: «الْحداد» .
[٢] فِي م، ر: «أَيْن» .
[٣] فِي م، ر: «لَا تخبرهم غَيرهم» .
[٤] أصعد فِي الْبِلَاد: سَار فِيهَا وَمضى وَذهب.
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْحَفِيُّ (أَيْضًا): الْمُسْتَحْفِي عَنْ عِلْمِ الشَّيْءِ، الْمُبَالِغِ فِي طَلَبِهِ.
(ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَنُعْمَانُ ابْن أَوْفَى أَبُو أَنَسٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ دِحْيَةَ، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ [١]، فَقَالُوا لَهُ: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنَا، وَأَنْتَ لَا تَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ٩: ٣٠ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْن هِشَام: يضاهون: أَيْ يُشَاكِلُ قَوْلُهُمْ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، نَحْوَ أَنْ تُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ، فَيُحَدِّثَ آخَرُ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ يُضَاهِيكَ.
(طَلَبُهُمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَحْمُودُ بْنُ سَيْحَانَ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَضَاءَ، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَعُزَيْرُ بْنُ أَبِي عُزَيْرٍ، وَسَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، فَقَالُوا: أَحَقٌّ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ لَحَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَإِنَّا لَا نَرَاهُ مُتَّسِقًا كَمَا تَتَّسِقُ التَّوْرَاةُ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْرِفُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مَا جَاءُوا بِهِ، فَقَالُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَهُمْ جَمِيعٌ:
فَتَحَاصَّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا، وَابْنُ صَلُوبَا، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَشْيَعُ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٍ، وَجَبَلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُكَيْنَةَ:
يَا مُحَمَّدُ، أَمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا إنْسٌ وَلَا جِنٌّ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ: تَجِدُونَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ لِرَسُولِهِ إذَا بَعَثَهُ مَا يَشَاءُ
----------------------------
[١] فِي أ: «الضَّيْف» بالضاد الْمُعْجَمَة، وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ.
وَيَقْدِرُ مِنْهُ عَلَى مَا أَرَادَ، فَأَنْزِلْ عَلَيْنَا كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ وَنَعْرِفُهُ، وَإِلَّا جِئْنَاكَ بِمِثْلِ مَا تَأْتِي بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ وَفِيمَا قَالُوا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ١٧: ٨٨.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الظَّهِيرُ: الْعَوْنُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: تَظَاهَرُوا عَلَيْهِ، أَيْ تَعَاوَنُوا عَلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا سَمِيَّ النَّبِيِّ أَصْبَحْتَ لِلدِّينِ ... قَوَّامًا وَلِلْإِمَامِ ظَهِيرَا
أَيْ عَوْنًا، وَجَمْعُهُ: ظُهَرَاءُ.
(سُؤَالُهُمْ لَهُ ﷺ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَأَبُو رَافِعٍ، وَأَشْيَعُ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٍ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ أَسْلَمَ: مَا تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِي الْعَرَبِ وَلَكِنَّ صَاحِبَكَ مَلَكٌ. ثُمَّ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، مِمَّا كَانَ قَصَّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُمْ كَانُوا مِمَّنْ أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يَسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، حَيْنَ بَعَثُوا إلَيْهِمْ النَّضْرَ بن الْحَارِث، وَعقبَة بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ.
(تَهَجُّمُهُمْ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ، وَغَضَبُ الرَّسُولِ ﷺ لِذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [١]: وَحُدِّثْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَهْطٌ مِنْ يَهُودَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اُنْتُقِعَ [٢] لَوْنُهُ، ثُمَّ سَاوَرَهُمْ [٣] غَضَبًا لِرَبِّهِ. قَالَ: فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فَسَكَّنَهُ، فَقَالَ: خَفِّضْ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَجَاءَهُ مِنْ اللَّهِ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١١٢: ١-----------------
[١] فِي أ: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٢] انتقع لَونه: تغير.
[٣] ساورهم: واثبهم وباطشهم.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-10-2026, 10:37 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (60)
صــ 571إلى صــ 580
اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ١١٢: ٢- ٤.
قَالَ: فَلَمَّا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ، قَالُوا: فَصِفْ لَنَا يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ خَلْقُهُ؟ كَيْفَ ذِرَاعُهُ؟ كَيْفَ عَضُدُهُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ الْأَوَّلِ، وَسَاوَرَهُمْ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَجَاءَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٣٩: ٦٧.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ [١]، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ابْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يُوشِكُ النَّاسُ أَنْ يَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ١١٢: ١- ٤. ثُمَّ لِيَتْفُلْ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلِيَسْتَعِذْ باللَّه مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصَّمَدُ: الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ، وَيُفْزَعُ إلَيْهِ، قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ مَعْبَدِ بْنِ نَضْلَةَ تَبْكِي عَمْرَو بْنَ مَسْعُودٍ، وَخَالِدَ بْنَ نَضْلَةَ، عَمَّيْهَا الْأَسَدِيَّيْنِ، وَهُمَا اللَّذَانِ قَتَلَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيُّ، وَبَنَى الْغَرِيَّيْنِ [٢] اللَّذَيْنِ بِالْكُوفَةِ عَلَيْهِمَا:
أَلَا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ ... بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ [٣]
------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تَمِيم» .
[٢] الغريان: بناءان طويلان: يُقَال هما قبر مَالك وَعقيل نديمى جذيمة الأبرش، وسميا الغريين، لِأَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر كَانَ يغريهما بِدَم من يقْتله فِي يَوْم بؤسه. (عَن لِسَان الْعَرَب) .
[٣] الناعي: الّذي يأتى بِخَبَر الْمَيِّت.
أَمْرُ السَّيِّدِ وَالْعَاقِبِ وَذِكْرُ الْمُبَاهَلَةِ
(مَعْنَى الْعَاقِبِ وَالسَّيِّدِ وَالْأَسْقَفِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، سِتُّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ، أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَاَلَّذِي لَا يُصْدِرُونَ إلَّا عَنْ رَأْيِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ، لَهُمْ ثِمَالُهُمْ [١]، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، أَسْقُفُهُمْ [٢] وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ، وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ.
(مَنْزِلَةُ أَبِي حَارِثَةَ عِنْدَ مُلُوكِ الرُّومِ):
وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ، وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ، حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ، لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ.
(سَبَبُ إسْلَامِ كُوزِ بْنِ عَلْقَمَةَ):
فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَجْرَانَ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجِّهًا (إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) [٣]، وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: كُرْزٌ [٤]- فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كُوزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ: يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:
فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ! فَقَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ، فَقَالَ لَهُ كُوزٌ: مَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إلَّا خِلَافَهُ، فَلَوْ فَعَلْتُ
-------------------------
[١] ثمال الْقَوْم: هُوَ أصلهم الّذي يقصدون إِلَيْهِ، وَيقوم بأمورهم وشئونهم.
[٢] الأسقف (بتَشْديد الْفَاء وتخفيفها): عَظِيم النَّصَارَى.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي الْأُصُول: «كور»، وَهُوَ تَحْرِيف، وَمَا أَثْبَتْنَاهُ هما الرِّوَايَتَانِ المعروفتان فِي اسْم بن عَلْقَمَة، (رَاجع الْقَامُوس مادتي كوز وكرز) .
نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى. فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَهُوَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَلَغَنِي.
(رُؤَسَاءُ نَجْرَانَ وَإِسْلَامُ أَحَدِهِمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رُؤَسَاءَ نَجْرَانَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ كُتُبًا عِنْدَهُمْ. فَكُلَّمَا مَاتَ رَئِيسٌ مِنْهُم فأفضت الرِّئَاسَة إلَى غَيْرِهِ، خَتَمَ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ خَاتَمًا مَعَ الْخَوَاتِمِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَكْسِرْهَا، فَخَرَجَ الرَّئِيسُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَمْشِي فَعَثَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ! يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَاسْمُهُ فِي الْوَضَائِعِ، يَعْنِي الْكُتُبَ.
فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَكُنْ لِابْنِهِ هِمَّةٌ إلَّا أَنْ شَدَّ فَكَسَرَ الْخَوَاتِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَحَجَّ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَضِينُ: الْحِزَامُ، حِزَامُ النَّاقَةِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ [١]: وَزَادَ فِيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ:
مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
فَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ فَأَنْشَدْنَاهُ فِيهِ.
(صَلَاتُهُمْ إِلَى الْمَشْرِقِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ [٢]، جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ، فِي جَمَالِ رِجَالِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ.
قَالَ: يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمئِذٍ: مَا رَأَيْنَا وَفْدًا مِثْلَهُمْ، وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهُمْ، فَصَلَّوْا إلَى الْمَشْرِقِ.
-----------------------
[١] فِي م، ر: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٢] الحبرات: برود من برود الْيمن، الْوَاحِدَة: حبرَة.
(أَسْمَاءُ الْوَفْدِ وَمُعْتَقَدِهِمْ، وَمُنَاقَشَتِهِمْ الرَّسُولَ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَتْ [١] تَسْمِيَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ، الَّذِينَ يَئُولُ إلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ:
الْعَاقِبُ، وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ وَهُوَ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَوْسٌ، وَالْحَارِثُ، وَزَيْدٌ، وَقَيْسٌ، وَيَزِيدُ، وَنَبِيُّهُ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعَمْرو، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَيُحَنَّسُ، فِي سِتِّينَ رَاكِبًا. فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ [٢] أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالْأَيْهَمُ السَّيِّدُ- وَهُمْ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ، مَعَ اخْتِلَافِ مَنْ أَمَرَهُمْ، يَقُولُونَ: هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: «هُوَ اللَّهُ» بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تبارك وتعالى: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ١٩: ٢١.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ «إنَّهُ وَلَدُ (اللَّهِ) [٣]» بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعْلَمُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ، وَهَذَا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: «إنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ» بِقَوْلِ اللَّهِ: فَعَلْنَا، وَأَمَرْنَا، وَخَلَقْنَا، وَقَضَيْنَا، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إلَّا فَعَلْتُ، وَقَضَيْتُ، وَأَمَرْتُ، وَخَلَقْتُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَمُ. فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ- فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَسْلِمَا، قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا، قَالَ: إنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا (فَأَسْلِمَا) [٤]، قَالَا: بَلَى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ:
قَالَ: كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنْ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا للَّه وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ، قَالَا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُمَا.
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَكَانَ» .
[٢] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
(مَا نَزَلَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ فِيهِمْ):
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ كُلِّهِ، صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: الم اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٣: ١- ٢. فَافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَمَّا قَالُوا، وَتَوْحِيدِهِ إيَّاهَا بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، رَدًّا عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوا مِنْ الْكُفْرِ، وَجَعَلُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ، وَاحْتِجَاجًا بِقَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي صَاحِبِهِمْ، لِيُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ ضَلَالَتَهُمْ، فَقَالَ:
الم اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ ٣: ١- ٢ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ شَرِيكٌ فِي أَمْرِهِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢: ٢٥٥ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَقَدْ مَاتَ عِيسَى وَصُلِبَ فِي قَوْلِهِمْ. وَالْقَيُّومُ: الْقَائِمُ عَلَى مَكَانِهِ مِنْ سُلْطَانِهِ فِي خَلْقِهِ لَا يَزُولُ، وَقَدْ زَالَ عِيسَى فِي قَوْلِهِمْ عَنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ٣: ٣، أَيْ بِالصَّدْقِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ٣: ٣: التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى، وَالْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى، كَمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ٣: ٤، أَيْ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَالله عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ٣: ٤، أَيْ أَنَّ اللَّهَ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا، وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا جَاءَ مِنْهُ فِيهَا. إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ٣: ٥، أَيْ قَدْ عَلِمَ مَا يُرِيدُونَ وَمَا يَكِيدُونَ وَمَا يُضَاهُونَ بِقَوْلِهِمْ فِي عِيسَى، إذْ جَعَلُوهُ إلَهًا وَرَبًّا، وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، غِرَّةً باللَّه، وَكُفْرًا بِهِ. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ٣: ٦، أَيْ قَدْ كَانَ عِيسَى مِمَّنْ صُوِّرَ فِي الْأَرْحَامِ، لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ، كَمَا صُوِّرَ غَيْرُهُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى إنْزَاهًا لِنَفْسِهِ، وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمَّا جَعَلُوا مَعَهُ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٣: ٦، الْعَزِيزُ فِي انْتِصَارِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ إذَا شَاءَ الْحَكِيمُ فِي حُجَّتِهِ وَعُذْرِهِ إلَى عِبَادِهِ. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ٣: ٧ فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ٣: ٧ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ، ابْتَلَى اللَّهُ
فِيهِنَّ الْعِبَادَ، كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، أَلَّا [١] يُصْرَفْنَ إلَى الْبَاطِلِ، وَلَا يُحَرَّفْنَ عَنْ الْحَقِّ. يَقُولُ عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ٣: ٧، أَيْ مَيْلٌ عَنْ الْهُدَى فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ٣: ٧، أَيْ مَا تَصَرَّفَ مِنْهُ، لِيُصَدِّقُوا بِهِ مَا ابْتَدَعُوا وَأَحْدَثُوا، لِتَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ، وَلَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا شُبْهَةَ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ٣: ٧، أَيْ اللَّبْسِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ٣: ٧. ذَلِكَ عَلَى مَا رَكِبُوا مِنْ الضَّلَالَةِ فِي قَوْلِهِمْ: خَلَقْنَا وَقَضَيْنَا. يَقُولُ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ٣: ٧، أَيْ الَّذِي بِهِ أَرَادُوا مَا أَرَادُوا إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ٣: ٧ فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ، مِنْ رَبٍّ وَاحِدٍ. ثُمَّ رَدُّوا تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحَكِّمَةِ الَّتِي لَا تَأْوِيلَ لِأَحَدٍ فِيهَا إلَّا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ، وَاتَّسَقَ بِقَوْلِهِمْ الْكِتَابُ، وَصَدَّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَنَفَذَتْ بِهِ الْحُجَّةُ، وَظَهَرَ بِهِ الْعُذْرُ، وَزَاحَ بِهِ الْبَاطِلَ، وَدَمَغَ بِهِ الْكُفْرَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ هَذَا: وَما يَذَّكَّرُ ٢: ٢٦٩ فِي مِثْلِ هَذَا إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ٣: ٧- ٨:
أَيْ لَا تُمِلْ قُلُوبَنَا، وَإِنْ مِلْنَا بِأَحْدَاثِنَا. وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٣: ٨. ثُمَّ قَالَ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ٣: ١٨ بِخِلَافِ مَا قَالُوا قائِمًا بِالْقِسْطِ ٣: ١٨، أَيْ بِالْعَدْلِ (فِيمَا يُرِيدُ) [٢] لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ٣: ١٨- ١٩، أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ: التَّوْحِيدُ لِلرَّبِّ، وَالتَّصْدِيقُ لِلرُّسُلِ. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ ٣: ١٩، أَيْ الَّذِي جَاءَكَ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، وَمن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. فَإِنْ حَاجُّوكَ ٣: ١٩- ٢٠، أَيْ بِمَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَلَقْنَا وَفَعَلْنَا وَأَمَرْنَا، فَإِنَّمَا هِيَ شُبْهَةُ بَاطِلٍ قَدْ عَرَفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ٣: ٢٠، أَيْ وَحْدَهُ وَمن اتَّبَعَنِ، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ ٣: ٢٠---------
[١] فِي ط: «لَا يصرفن» .
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ، ط.
٣٧- سيرة ابْن هِشَام- ١
الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ أَأَسْلَمْتُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ٣: ٢٠.
(مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِيمَا أَحْدَثَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى):
ثُمَّ جَمَعَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا، وَذَكَرَ مَا أَحْدَثُوا وَمَا ابْتَدَعُوا، مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ٣: ٢١، إلَى قَوْلِهِ:
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ٣: ٢٦، أَيْ رَبَّ الْعِبَادِ، وَالْمَلِكُ الَّذِي لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرُهُ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ ٣: ٢٦، أَيْ لَا إلَهَ غَيْرُكَ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٣: ٢٦، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُكَ بِسُلْطَانِكَ وَقُدْرَتِكَ. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ٣: ٢٧ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ٣: ٢٧ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُكَ، وَلَا يَصْنَعُهُ إلَّا أَنْتَ، أَيْ [١] فَإِنْ كُنْتُ سَلَّطْتُ عِيسَى عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي بِهَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ إلَهٌ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ وَالْخَلْقِ لِلطَّيْرِ مِنْ الطِّينِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ الْغُيُوبِ، لِأَجْعَلَهُ بِهِ آيَةً لِلنَّاسِ، وَتَصْدِيقًا لَهُ فِي نُبُوَّتِهِ الَّتِي بَعَثْتُهُ بِهَا إلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي مَا لَمْ أُعْطِهِ تَمْلِيكَ الْمُلُوكِ بِأَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَوَضْعَهَا حَيْثُ شِئْتَ، وَإِيلَاجَ اللَّيْلِ فِي النَّهَارِ، وَالنَّهَارِ فِي اللَّيْلِ، وَإِخْرَاجَ الْحَيِّ مِنْ الْمَيِّتِ، وَإِخْرَاجَ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ، وَرِزْقَ مَنْ شِئْتَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ أُسَلِّطْ عِيسَى عَلَيْهِ، وَلَمْ أُمَلِّكْهُ إيَّاهُ، أَفَلَمْ [٢] تَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ وَبَيِّنَةٌ! أَنْ لَوْ كَانَ إلَهًا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي عِلْمِهِمْ يَهْرَبُ مِنْ الْمُلُوكِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْهُمْ فِي الْبِلَادِ، مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ.
(مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي وَعْظِ الْمُؤْمِنِينَ):
ثُمَّ وَعَظَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَذَّرَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ٣: ٣١،
------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي ط.
[٢] فِي أ: «فَلم تكن» .
أَيْ إنْ كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلِكُمْ حَقًّا، حُبًّا للَّه وَتَعْظِيمًا لَهُ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ٣: ٣١، أَيْ مَا مَضَى مِنْ كُفْرِكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ٣: ٣١- ٣٢ فَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ وَتَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ فَإِنْ تَوَلَّوْا ٣: ٣٢، أَيْ عَلَى كُفْرِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ٣: ٣٢.
(مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي خَلْقِ عِيسَى):
ثُمَّ اسْتَقْبَلَ لَهُمْ أَمْرَ عِيسَى (عليه السلام) [١]، وَكَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا أَرَادَ الله بِهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ، وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣: ٣٣- ٣٤. ثُمَّ ذَكَرَ أَمْرَ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَقَوْلَهَا: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ٣: ٣٥، أَيْ نَذَرْتُهُ فَجَعَلْتُهُ [٢] عَتِيقًا، تَعَبُّدُهُ للَّه، لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى، وَالله أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى ٣: ٣٥- ٣٦، أَيْ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى لِمَا جَعَلْتهَا مُحَرَّرًا [٣] لَكَ [٤] نَذِيرَةً وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ، وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ٣: ٣٦. يَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا، وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ٣: ٣٧ بَعْدَ أَبِيهَا وَأُمِّهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَفَّلَهَا: ضَمَّهَا.
(خَبَرُ زَكَرِيَّا وَمَرْيَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَّرَهَا بِالْيُتْمِ، ثُمَّ قَصَّ خَبَرَهَا وَخَبَرَ زَكَرِيَّا، وَمَا دَعَا بِهِ، وَمَا أَعْطَاهُ إذْ وَهَبَ لَهُ يَحْيَى. ثُمَّ ذَكَرَ مَرْيَمَ، وَقَوْلَ الْمَلَائِكَةِ لَهَا:
---------------------------
[١] زِيَادَة عَن ط.
[٢] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَحَملته» .
[٣] فِي م: «محررة» . وَعبارَة كتب اللُّغَة تفِيد أَن الْمُحَرر يُطلق على النذير والنذيرة أَي شخصا محررا
[٤] فِي أ: «لَهُ» .
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ٣: ٤٢- ٤٣. يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ٣: ٤٤، أَيْ مَا كُنْتَ مَعَهُمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ٣: ٤٤.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَقْلَامَهُمْ: سِهَامَهُمْ، يَعْنِي قِدَاحَهُمْ الَّتِي اسْتَهَمُوا بِهَا عَلَيْهَا، فَخَرَجَ قَدَحُ زَكَرِيَّا فَضَمَّهَا، فِيمَا قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ.
(كَفَالَةُ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ لِمَرْيَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَفَّلَهَا هَاهُنَا جُرَيْجٌ [١] الرَّاهِبُ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ نَجَّارٌ، خَرَجَ السَّهْمُ عَلَيْهِ بِحَمْلِهَا، فَحَمَلَهَا، وَكَانَ زَكَرِيَّا قَدْ كَفَّلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَصَابَتْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَعَجَزَ زَكَرِيَّا عَنْ حَمْلِهَا، فَاسْتَهَمُوا عَلَيْهَا أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ بِكُفُولِهَا فَكَفَلَهَا. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٣: ٤٤، أَيْ مَا كُنْتَ مَعَهُمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا. يُخْبِرُهُ بِخَفِيِّ مَا كَتَمُوا مِنْهُ مِنْ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ، لِتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ وَالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِمَّا أَخْفَوْا مِنْهُ.
ثُمَّ قَالَ: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ٣: ٤٥، أَيْ هَكَذَا كَانَ أَمْرُهُ، لَا كَمَا تَقُولُونَ فِيهِ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ٣: ٤٥ أَيْ عِنْدَ اللَّهِ وَمن الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمن الصَّالِحِينَ ٣: ٤٥- ٤٦ يُخْبِرُهُمْ بِحَالَاتِهِ الَّتِي يَتَقَلَّبُ فِيهَا فِي عُمْرِهِ، كَتَقَلُّبِ بَنِي آدَمَ فِي أَعْمَارِهِمْ، صِغَارًا وَكِبَارًا، إلَّا أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ بِالْكَلَامِ فِي مَهْدِهِ آيَةً لِنُبُوَّتِهِ، وَتَعْرِيفًا لِلْعِبَادِ بِمَوَاقِعِ قُدْرَتِهِ. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؟ قَالَ كَذلِكِ اللَّهِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ ٣: ٤٧، أَيْ يَصْنَعُ مَا أَرَادَ، وَيَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مِنْ بَشَرٍ أَوْ غَيْرِ بَشَرٍ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ ٣: ٤٧ مِمَّا يَشَاءُ وَكَيْفَ شَاءَ، فَيَكُونُ ٣: ٤٧ كَمَا أَرَادَ.
----------------------
[١] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «جريح» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
(مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ آيَاتِ عِيسَى عليه السلام):
ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِمَا يُرِيدُ بِهِ، فَقَالَ: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ ٣: ٤٨ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى قَبْلَهُ وَالْإِنْجِيلَ ٣: ٤٨، كِتَابًا آخَرَ أَحْدَثَهُ اللَّهُ عز وجل إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إلَّا ذِكْرُهُ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ٣: ٤٩، أَيْ يُحَقِّقُ بِهَا نُبُوَّتِي، أَنِّي رَسُولٌ مِنْهُ إلَيْكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ٣: ٤٩ الَّذِي بَعَثَنِي إلَيْكُمْ، وَهُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ٣: ٤٩.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَكْمَهَ: الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
هَرَّجْتُ [١] فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الْأَكْمَهِ
(وَجَمْعُهُ: كُمْهٌ) [٢] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَرَّجْتُ: صِحْتُ بِالْأَسَدِ، وَجَلَبْتُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أرجوزة [٣] لَهُ.
وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ ٣: ٤٩ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ إلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ٣: ٤٩- ٥٠، أَيْ لِمَا سَبَقَنِي عَنْهَا وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ٣: ٥٠، أَيْ أُخْبِرُكُمْ بِهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْكُمْ حَرَامًا فَتَرَكْتُمُوهُ، ثُمَّ أُحِلُّهُ لَكُمْ تَخْفِيفًا عَنْكُمْ، فَتُصِيبُونَ يُسْرَهُ وَتَخْرُجُونَ مِنْ تِبَاعَاتِهِ [٤] وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ٣: ٥٠- ٥١، أَيْ تبريًّا مِنْ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِيهِ، وَاحْتِجَاجًا لِرَبِّهِ عَلَيْهِمْ، فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ٣: ٥١، أَيْ هَذَا الَّذِي قَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ وَجِئْتُكُمْ
---------------------
[١] ويروى: «هزجت» بالزاي الْمُعْجَمَة، أَي زجرت.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فِي قصيدة» .
[٤] التباعات: جمع تباعة (بِالْكَسْرِ) وَهِي التبعة والظلامة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-11-2026, 11:13 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (61)
صــ 581إلى صــ 590
بِهِ. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ٣: ٥٢ وَالْعُدْوَانَ عَلَيْهِ، قَالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ، قَالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ ٣: ٥٢ هَذَا قَوْلُهُمْ الَّذِي أَصَابُوا بِهِ الْفَضْلَ مِنْ رَبِّهِمْ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٣: ٥٢ لَا مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَاجُّونَكَ فِيهِ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٣: ٥٣، أَيْ هَكَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ.
(رَفْعُ عِيسَى عليه السلام):
ثُمَّ ذَكَرَ (سبحانه وتعالى) [١] رَفْعَهُ عِيسَى إلَيْهِ حَيْنَ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِهِ، فَقَالَ:
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ ٣: ٥٤. ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَقَرُّوا لِلْيَهُودِ بِصَلْبِهِ، كَيْفَ رَفَعَهُ وَطَهَّرَهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ٣: ٥٥، إذْ هَمُّوا مِنْكَ بِمَا هَمُّوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ٣: ٥٥.
ثُمَّ الْقِصَّةُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ٣: ٥٨ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٣: ٥٨ الْقَاطِعِ الْفَاصِلِ الْحَقِّ، الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ الْبَاطِلُ، مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى، وَعَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَا تَقْبَلَنَّ خَبَرًا غَيْرَهُ. إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ ٣: ٥٩ فَاسْتَمِعْ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ٣: ٥٩- ٦٠، أَيْ مَا جَاءَكَ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٣: ٦٠، أَيْ قَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَمْتَرِيَنَّ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا:
خُلِقَ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقْتُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ أُنْثَى وَلَا ذَكَرٍ، فَكَانَ كَمَا كَانَ عِيسَى لَحْمًا وَدَمًا، وَشَعْرًا وَبَشَرًا، فَلَيْسَ خَلْقُ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ٣: ٦١، أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِنْ خَبَرِهِ، وَكَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ، فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ٣: ٦١.
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن ط.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَبْتَهِلْ: نَدْعُو بِاللَّعْنَةِ، قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ ابْن ثَعْلَبَةَ:
لَا تَقْعُدَنَّ وَقَدْ أَكَّلْتَهَا حَطَبًا ... نَعُوذُ مِنْ شَرِّهَا يَوْمًا وَنَبْتَهِلُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ [١] . يَقُولُ: نَدْعُو بِاللَّعْنَةِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بَهَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَيْ لَعَنَهُ، وَعَلَيْهِ بَهْلَةُ اللَّهِ. (قَالَ ابْنُ هِشَامٍ) [٢]: وَيُقَالُ: بَهْلَةُ اللَّهِ [٢]، أَيْ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَنَبْتَهِلْ أَيْضًا: نَجْتَهِدْ، فِي الدُّعَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: «إِنَّ هَذَا ٣: ٦٢» الَّذِي جِئْتُ بِهِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ٣: ٦٢ مِنْ أَمْرِهِ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٣: ٦٢- ٦٤. فَدَعَاهُمْ إلَى النَّصَفِ، وَقَطَعَ عَنْهُمْ الْحُجَّةَ.
(إبَاؤُهُمْ الْمُلَاعَنَةَ):
فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ اللَّهِ عَنْهُ، وَالْفَصْلُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ إنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعَاهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتنَا إلَيْهِ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا:
يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ، مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَإِنَّهُ لَلِاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إلَّا إلْفَ دِينِكُمْ، وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرَّجُلَ، ثُمَّ انْصَرِفُوا إلَى بِلَادِكُمْ. فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
------------------------
[١] وزادت أبعد هَذِه الْكَلِمَة: «نبتهل: نَتَضَرَّع» .
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة من أ.
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلَّا نُلَاعِنَكَ، وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنْ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُمْ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًا.
(تَوْلِيَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ أُمُورَهُمْ):
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمْ الْقَوِيَّ الْأَمِينَ. قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَطُّ حُبِّي إيَّاهَا يَوْمئِذٍ، رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَهَا، فَرُحْتُ إلَى الظُّهْرِ مُهَجِّرًا، فَلَمَّا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَلَّمَ، ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِي، فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيْدَةَ ابْن الْجَرَّاحِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَهُمْ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
قَالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ.
نُبَذٌ مِنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ
(ابْنُ أُبَيٍّ وَابْنُ صَيْفِيٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ- كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ- وَسَيِّدُ أَهْلِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ (ابْنُ) [١] سَلُولَ الْعَوْفِيُّ.
ثُمَّ أَحَدُ بَنِي الْحُبْلَى، لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ فِي شَرَفِهِ (مِنْ قَوْمِهِ) [١] اثْنَانِ، لَمْ تَجْتَمِعْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، غَيَّرَهُ، وَمَعَهُ فِي الْأَوْسِ رَجُلٌ، هُوَ فِي قَوْمِهِ مِنْ الْأَوْسِ شَرِيفٌ مُطَاعٌ، أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، أَحَدُ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ أَبُو حَنْظَلَةَ، الْغَسِيلُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ قَدْ تَرَهَّبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ:
الرَّاهِبُ. فَشَقِيَا بِشَرَفِهِمَا وَضَرَّهُمَا.
(إسْلَامُ ابْنِ أُبَيٍّ):
فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَظَمُوا لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ ثُمَّ يُمَلِّكُوهُ
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
عَلَيْهِمْ [١]، فَجَاءَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَوْمُهُ عَنْهُ إلَى الْإِسْلَامِ ضَغِنَ [٢]، وَرَأَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ اسْتَلَبَهُ مُلْكًا. فَلَمَّا رَأَى قَوْمَهُ قَدْ أَبَوْا إلَّا الْإِسْلَامِ دَخَلَ فِيهِ كَارِهًا مُصِرًّا عَلَى نِفَاقٍ وَضِغْنٍ.
(إصْرَارُ ابْنِ صَيْفِيٍّ عَلَى كُفْرِهِ):
وَأَمَّا أَبُو عَامِرٍ فَأَبَى إلَّا الْكُفْرَ وَالْفِرَاقَ لِقَوْمِهِ حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ إلَى مَكَّةَ بِبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مُفَارِقًا لِلْإِسْلَامِ وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ بَعْضِ آلِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ-: لَا تَقُولُوا: الرَّاهِبَ، وَلَكِنْ قُولُوا: الْفَاسِقَ.
(مَا نَالَ ابْنَ صَيْفِيٍّ جَزَاءَ تَعْرِيضِهِ بِالرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ وَسَمِعَ، وَكَانَ رَاوِيَةً: أَنَّ أَبَا عَامِرٍ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: جِئْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: فَأَنَا عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَسْتَ عَلَيْهَا، قَالَ: بَلَى قَالَ: إنَّكَ أَدَخَلْتَ يَا مُحَمَّدُ فِي الْحَنِيفِيَّةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا قَالَ: مَا فَعَلْتُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، قَالَ: الْكَاذِبُ أَمَاتَهُ اللَّهُ طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا- يُعَرِّضُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ- أَيْ أَنَّكَ [٣] جِئْتَ بِهَا
--------------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «... وَذَلِكَ أَن الْأَنْصَار يمن، وَقد كَانَ الْمُلُوك المتوجون من الْيمن فِي آل قحطان وَكَانَ أول من تتوج مِنْهُم سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وَلم يتوج من الْعَرَب إِلَّا قحطانى كَذَلِك.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: فَقيل لَهُ: قد تتوج هَوْذَة بن على الْحَنَفِيّ صَاحب الْيَمَامَة، وَقَالَ فِيهِ الْأَعْشَى:
من يلق هَوْذَة يسْجد غير متئب ... إِذا تعمم فَوق التَّاج أَو وضعا
وَفِي الخرزات الَّتِي بِمَعْنى التَّاج يَقُول الشَّاعِر:
رعى خَرَزَات الْملك عشْرين حجَّة ... وَعشْرين حَتَّى فاد والشيب شَامِل
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لم يكن تاجا، وَإِنَّمَا كَانَت خَرَزَات تنظم. وَكَانَت سَبَب تتوج هَوْذَة، أَنه أَجَارَ لطيمة لكسرى، فَلَمَّا وَفد عَلَيْهِ توجه لذَلِك وَملكه» .
[٢] ضغن: اعْتقد الْعَدَاوَة.
[٣] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَا جِئْت» .
كَذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَجَلْ، فَمَنْ كَذَبَ فَفَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِهِ. فَكَانَ هُوَ ذَلِكَ عَدُوَّ اللَّهِ، خَرَجَ إلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ خَرَجَ إلَى الطَّائِفِ. فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ لَحِقَ بِالشَّامِ. فَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا.
(الِاحْتِكَامُ إلَى قَيْصَرَ فِي مِيرَاثِهِ):
وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَكِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ، فَلَمَّا مَاتَ اخْتَصَمَا فِي مِيرَاثِهِ إلَى قَيْصَرَ، صَاحِبِ الرُّومِ. فَقَالَ قَيْصَرُ: يَرِثُ أَهْلُ الْمَدَرِ [١] أَهْلَ الْمَدَرِ، وَيَرِثُ أَهْلُ الْوَبَرِ أَهْلَ الْوَبَرِ، فَوَرِثَهُ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ بِالْمَدَرِ دُونَ عَلْقَمَةَ.
(هِجَاءُ كَعْبٍ لِابْنِ صَيْفِيٍّ):
فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لِأَبِي عَامِرٍ فِيمَا صَنَعَ:
مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ عَمَلٍ خَبِيثٍ ... كَسَعْيِكَ فِي الْعَشِيرَةِ عَبْدَ عَمْرٍو
فَإِمَّا قُلْتَ لِي شرف ونخل ... فقد مَا بِعْتَ إيمَانًا بِكُفْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
فَإِمَّا قُلْتَ لِي شَرَفٌ وَمَالٌ
قَالَ [٢] ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَأَقَامَ عَلَى شَرَفِهِ فِي قَوْمِهِ مُتَرَدِّدًا، حَتَّى غَلَبَهُ الْإِسْلَامُ، فَدَخَلَ فِيهِ كَارِهًا.
(خُرُوجُ قَوْمِ ابْنِ أُبَيٍّ عَلَيْهِ وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، حِبِّ [٣] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَعُودُهُ مِنْ شَكْوٍ أَصَابَهُ عَلَى
------------------------------
[١] أهل الْمدر: يُرِيد بهم من لَا يسكنون الْخيام فِي الْبَادِيَة وَإِنَّمَا يسكنون بُيُوتًا مَبْنِيَّة.
[٢] يُلَاحظ أَن هَذَا الْخَبَر جَاءَ مكررا فقد سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ.
[٣] الْحبّ: المحبوب.
حِمَارٍ عَلَيْهِ إكَافٌ [١]، فَوْقَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ [٢] مُخْتَطِمَةٌ [٣] بِحَبْلِ مِنْ لِيفٍ، وَأَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ. قَالَ: فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَي، وَهُوَ (فِي) [٤] ظِلِّ مُزَاحِمٍ أُطُمِهِ [٥] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُزَاحِمٌ: اسْمُ الْأُطُمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَوْلَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَذَمَّمَ [٦] مِنْ أَنْ يُجَاوِزَهُ حَتَّى يَنْزِلَ فَنَزَلَ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قَلِيلًا فَتَلَا الْقُرْآنَ وَدَعَا إلَى اللَّهِ عز وجل، وَذَكَّرَ باللَّه وَحَذَّرَ، وَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ قَالَ: وَهُوَ زَامٌّ [٧] لَا يَتَكَلَّمُ، حَتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَقَالَتِهِ، قَالَ: يَا هَذَا، إنَّهُ لَا أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِكَ هَذَا إنْ كَانَ حَقًّا فَاجْلِسْ فِي بَيْتِكَ فَمَنْ جَاءَكَ لَهُ فَحَدِّثْهُ إيَّاهُ، (و) [٨] مَنْ لَمْ يأتك فَلَا تغتّه [٩] بِهِ، وَلَا تَأْتِهِ فِي مَجْلِسِهِ بِمَا يَكْرَهُ مِنْهُ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي رِجَالٍ كَانُوا عِنْدَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: بَلَى، فاغشنا بِهِ، وائتنا فِي مَجَالِسِنَا وَدُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَهُوَ وَاَللَّهِ مِمَّا نُحِبُّ، وَمِمَّا أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ وَهَدَانَا لَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ رَأَى مِنْ خِلَافِ قَوْمِهِ مَا رَأَى:
مَتَى مَا يَكُنْ مَوْلَاكَ خَصْمَكَ لَا تَزَلْ ... تَذِلُّ وَيَصْرَعْكَ الَّذِينَ تُصَارِعُ [١٠]
وَهَلْ يَنْهَضُ الْبَازِي بِغَيْرِ جَنَاحِهِ ... وَإِنْ جُذَّ يَوْمًا رِيشُهُ فَهُوَ وَاقِعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْبَيْتُ الثَّانِي عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
--------------------------
[١] الإكاف: البرذعة بأداتها.
[٢] فَدَكِيَّة: منسوبة إِلَى فدك، وَهِي قَرْيَة بالحجاز بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة يَوْمَانِ.
[٣] الاختطام: أَن يَجْعَل على رَأس الدَّابَّة وأنفها حَبل تمسك بِهِ.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] الأطم: الْحصن. قَالَ السهيليّ: «آطام الْمَدِينَة: سطوح، وَلها أَسمَاء، فَمِنْهَا: مُزَاحم، وَمِنْهَا:
الزَّوْرَاء، أَطَم بنى الجلاح، وَمِنْهَا: معرض: أَطَم بنى سَاعِدَة ... وعد كثيرا غير هَذِه» .
[٦] تذمم: استنكف واستحيا
[٧] زام: سَاكِت.
[٨] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٩] لَا تغته: أَي لَا تثقل عَلَيْهِ وَلَا تكده وَيُقَال: غته بِالْأَمر: إِذا كده. قَالَ أَبُو ذَر: «وَقد يكون مَعْنَاهُ: لَا تعذبه، يُقَال: غتهم الله بِعَذَاب، أَي غطاهم بِهِ. ويروى: «فَلَا تغشه بِهِ»، أَي لَا تأته بِهِ.
[١٠] يُقَال إِن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لخفاف بن ندبة.
(غَضَبُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ كَلَامِ ابْنِ أُبَيٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَفِي وَجْهِهِ مَا قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأَرَى فِي وَجْهِكَ شَيْئًا، لَكَأَنَّكَ سَمِعْتَ شَيْئًا تَكْرَهُهُ، قَالَ: أَجَلْ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ: فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْفُقْ بِهِ، فو الله لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ، وَإِنَّا لَنَنْظِمُ لَهُ الخرز لنتوجّه، فو الله إنَّهُ لَيَرَى أَنْ قَدْ سَلَبْتُهُ مُلْكًا.
ذِكْرُ مَنْ اعْتَلَّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(مَرَضُ أَبِي بَكْرٍ وَعَامِرٍ وَبِلَالٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَعُمَرُ [١] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأَ أَرْضِ اللَّهِ مِنْ الْحُمَّى، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسَقَمٌ، فَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ. قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَبِلَالٍ، مَوْلَيَا أَبِي بَكْرٍ، مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، فَأَصَابَتْهُمْ الْحُمَّى، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَعُودُهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، وَبِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْوَعْكِ [٢]، فَدَنَوْتُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَتْ؟ فَقَالَ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ [٣]
--------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَمْرو» وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع شرح السِّيرَة وتراجم رجال) .
[٢] الوعك: شدَّة ألم الْمَرَض.
[٣] هَذَا الْبَيْت والّذي بعده لعَمْرو بن مامة.
قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ: ثُمَّ دَنَوْتُ إلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ؟ فَقَالَ:
لَقَدْ وَجَدْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... إنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
كُلُّ امْرِئٍ مُجَاهَدٌ بِطَوْقِهِ ... كَالثَّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ [١]
(بِطَوْقِهِ) [٢] يُرِيدُ: بِطَاقَتِهِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٣]: قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عَامِرٌ مَا يَقُولُ! قَالَتْ: وَكَانَ بِلَالٌ إذَا تَرَكَتْهُ الْحُمَّى اضْطَجَعَ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ [٤] فَقَالَ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِفَخٍّ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ [٥]
وَهَلْ أَرِدَنْ [٥] يَوْمًا مِيَاهَ مَجِنَّةٍ [٦] ... وَهَلْ يَبْدُونَ لِي شَامَةٌ وَطُفَيْلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَامَةٌ وَطُفَيْلٌ: جَبَلَانِ بِمَكَّةَ.
(دُعَاءُ الرَّسُولِ ﷺ بِنَقْلِ وَبَاءِ الْمَدِينَةِ إلَى مَهْيَعَةَ):
قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: إنَّهُمْ لَيَهْذُونَ وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهمّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إلَيْنَا مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا [٧] وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إلَى مَهْيَعَةَ» ومَهْيَعَةُ، الْجُحْفَةُ [٨] .
-----------------------------
[١] الروق: الْقرن.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] فِي ط: «الطوق: الكلفة والروق: الْقرن. قَالَ رؤبة بن العجاج يصف الثور وَالْكلاب» ثمَّ سَاق شَاهدا من شعره نستطع تصويبه فأهملناه.
[٤] رفع عقيرته، أَي رفع صَوته.
[٥] فخ (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالجيم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَريّ: فخ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة): مَوضِع خَارج مَكَّة. والإذخر: نَبَات طيب الرَّائِحَة. والجليل: النمام.
[٦] مجنة: اسْم سوق للْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهِي بِأَسْفَل مَكَّة، على قدر بريد مِنْهَا.
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٧] يعْنى الطَّعَام الّذي يُكَال بِالْمدِّ وبالصاع. وَالْمدّ: رطلان عِنْد أهل الْعرَاق، ورطل وَثلث عِنْد أهل الْحجاز. والصاع: أَرْبَعَة أَمْدَاد عِنْد الْحِجَازِيِّينَ.
[٨] وَقيل. مهيعة: قريب من الْجحْفَة. وَهِي مِيقَات أهل الشَّام.
(مَا جَهَدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْوَبَاءِ):
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَذكر ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بن العَاصِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَصَابَتْهُمْ حُمَّى الْمَدِينَةِ، حَتَّى جَهَدُوا مَرَضًا، وَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، حَتَّى كَانُوا مَا يُصَلُّونَ إلَّا وَهُمْ قُعُودٌ، قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يُصَلُّونَ كَذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: اعْلَمُوا أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ. قَالَ: فَتَجَشَّمَ [١] الْمُسْلِمُونَ الْقِيَامَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ الضَّعْفِ وَالسَّقَمِ الْتِمَاسَ الْفَضْلِ.
(بَدْءُ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَهَيَّأَ لِحَرْبِهِ، قَامَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ جِهَادِ عَدُوِّهِ، وَقِتَالِ مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّنْ يَلِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
تَارِيخُ الْهِجْرَةِ
بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدَّ الضَّحَاءُ، وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَعْتَدِلَ، لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّارِيخُ، (فِيمَا) [٢] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ عز وجل بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَشَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَجُمَادَيَيْنِ، وَرَجَبًا، وَشَعْبَانَ، وَشَهْرَ رَمَضَانَ، وَشَوَّالًا، وَذَا الْقِعْدَةِ، وَذَا الْحَجَّةِ- وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجَّةَ الْمُشْرِكُونَ- وَالْمُحَرَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا فِي صَفَرَ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ.
---------------------------
[١] تجشم: تكلّف.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ.
غَزْوَةُ وَدَّانَ وَهِيَ أَوَّلُ غَزَوَاتِهِ عليه الصلاة والسلام
(مُوَادَعَةُ بَنِي ضَمْرَةَ وَالرُّجُوعُ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ وَدَّانَ [١]، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ [٢]، يُرِيدُ قُرَيْشًا وَبَنِيَّ ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَوَادَعَتْهُ فِيهَا بَنُو ضَمْرَةَ، وَكَانَ الَّذِي وَادَعَهُ [٣] مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو الضَّمَرِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ.
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ صَفَرٍ، وَصَدْرًا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا.
سَرِيَّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَهِيَ أَوَّلُ رَايَةٍ عَقَدَهَا عليه الصلاة والسلام
(مَا وَقَعَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَإِصَابَةُ سَعْدٍ) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِي مُقَامِهِ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ فِي سِتِّينَ أَوْ ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ مَاءً بِالْحِجَازِ، بِأَسْفَلَ ثَنِيَّةِ الْمُرَّةِ، فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، إلَّا أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَدْ رُمِيَ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوَّلَ سَهْمٍ رُمِيَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ.
-----------------------
[١] ودان (بِفَتْح الْوَاو وَشد الْمُهْملَة فألف فنون): قَرْيَة جَامِعَة من أُمَّهَات الْقرى من عمل الْفَرْع، وَقيل: وَاد على الطَّرِيق يقطعهُ المصعدون من حجاج الْمَدِينَة.
[٢] الْأَبْوَاء: قَرْيَة من عمل الْفَرْع، بَينهَا وَبَين الْجحْفَة من جِهَة الْمَدِينَة ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ميلًا.
[٣] وادعه: سالمه وعاهده أَن لَا يحاربه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-13-2026, 10:19 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (62)
صــ 591إلى صــ 600
(مَنْ فَرَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ):
ثُمَّ انْصَرَفَ الْقَوْمُ عَنْ الْقَوْمِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ حَامِيَةٌ. وَفَرَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (إلَى) [١] الْمُسْلِمِينَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو الْبَهْرَانِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ ابْن جَابِرٍ الْمَازِنِيُّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَكِنَّهُمَا خَرَجَا لِيَتَوَصَّلَا بِالْكُفَّارِ [٢] . وَكَانَ عَلَى الْقَوْمِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَنِيِّ: أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ مِكْرَزُ [٣] بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، أَحَدُ بَنِي مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
(شِعْرُ أَبِي بَكْرٍ فِيهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، فِي غَزْوَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ لِأَبِي بَكْرٍ [٤] رضي الله عنه-:
أَمِنْ طَيْفِ سَلْمَى بِالْبِطَاحِ الدَّمَائِثِ ... أَرِقْتَ وَأَمْرٍ فِي الْعَشِيرَةِ حَادِثِ [٥]
تَرَى مِنْ لُؤَيًّ فِرْقَةً لَا يَصُدُّهَا ... عَنْ الْكُفْرِ تَذْكِيرٌ وَلَا بَعْثُ بَاعِثِ
رَسُولٌ أَتَاهُمْ صَادِقٌ فَتَكَذَّبُوا ... عَلَيْهِ وَقَالُوا: لَسْتَ فِينَا بِمَاكِثِ
إذَا مَا دَعَوْنَاهُمْ إلَى الْحَقِّ أَدْبَرُوا ... وَهَرُّوا هَرِيرَ الْمُجْحَرَاتِ اللَّوَاهِثِ [٦]
فَكَمْ قَدْ مَتَتْنَا [٧] فِيهِمْ بِقَرَابَةٍ ... وَتَرْكُ التُّقَى شَيْءٌ لَهُمْ غَيْرُ كَارِثِ [٨]
-----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] ليتوصلا بالكفار: أَي أَنَّهُمَا جعلا خروجهما مَعَ الْكفَّار وَسِيلَة للوصول إِلَى الْمُسلمين.
[٣] روى «مكرز» بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا مَعَ سُكُون الْكَاف وَفتح الرَّاء وزاي، كَمَا يرْوى بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء. وَالْمُعْتَمد فِيهِ كسر الْمِيم. (رَاجع الرَّوْض الْأنف والمؤتلف والمختلف وَشرح الْمَوَاهِب اللدنية) .
[٤] وَمِمَّا يقوى قَول ابْن هِشَام فِي نفى هَذَا الشّعْر عَن أَبى بكر، مَا روى من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَت: كذب من أخْبركُم أَن أَبَا بكر قَالَ بَيت شعر فِي الْإِسْلَام.
[٥] الدمائث: الرمال اللينة.
[٦] هروا: وَثبُوا كَمَا تثب الْكلاب. والمجحرات: الْكلاب الَّتِي أجحرت، أَي ألجأت إِلَى موَاضعهَا.
[٧] كَذَا فِي أ، ط. ومتتنا: اتصلنا وَفِي سَائِر الْأُصُول، «منينا» .
[٨] غير كارث، أَي غير محزن.
فَإِنْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَعُقُوقِهِمْ ... فَمَا طَيِّبَاتُ الْحِلِّ مِثْلُ الْخَبَائِثِ
وَإِنْ يَرْكَبُوا طُغْيَانَهُمْ وَضَلَالَهُمْ ... فَلَيْسَ عَذَابُ اللَّهِ عَنْهُمْ بِلَابِثِ [١]
وَنَحْنُ أَنَاسٌ مِنْ ذُؤَابَةَ غَالِبٌ ... لَنَا الْعِزُّ مِنْهَا فِي الْفُرُوعِ الْأَثَائِثِ [٢]
فَأُولِي بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ عَشِيَّةً ... حَراجِيجُ [٣] تُحْدَى [٤] فِي السَّرِيحِ الرَّثَائِثِ [٥]
كَأُدْمِ ظِبَاءٍ حَوْلَ مَكَّةَ عُكَّفٍ ... يَرِدْنَ حِيَاضَ الْبِئْرِ ذَاتِ النَّبَائِثِ [٦]
لَئِنْ لَمْ يُفِيقُوا عَاجِلًا مِنْ ضَلَالِهِمْ ... وَلَسْتُ إذَا آلَيْت قولا بجانث
لَتَبْتَدِرَنَّهُمْ غَارَةٌ ذَاتُ مَصْدَقٍ ... تُحَرِّمُ أَطْهَارَ النِّسَاءِ الطَّوَامِثِ [٧]
تُغَادِرُ قَتْلَى تَعْصِبُ الطَّيْرُ حَوْلَهُمْ ... وَلَا تَرْأَفُ الْكُفَّارَ رَأَفَ ابْنِ حَارِثِ [٨]
فَأَبْلِغْ بَنِي سَهْمٍ لَدَيْكَ رِسَالَةً ... وَكُلَّ كَفُورٍ يَبْتَغِي الشَّرَّ بَاحِثِ
فَإِنْ تَشْعَثُوا عِرْضِي عَلَى سُوءِ رَأْيكُمْ ... فَإِنِّي مِنْ أَعْرَاضِكُمْ غَيْرُ شَاعِثِ [٩]
(شِعْرُ ابْنِ الزِّبَعْرَى فِي الرِّدِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ):
فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ، فَقَالَ:
أَمِنْ رَسْمِ دَارٍ أَقْفَرَتْ بِالْعَثَاعِثِ ... بَكَيْتَ بِعَيْنٍ دَمْعُهَا غَيْرُ لَابِثِ [١٠]
وَمِنْ عَجَبِ الْأَيَّامِ وَالدَّهْرُ كُلُّهُ ... لَهُ عَجَبٌ مِنْ سَابِقَاتٍ وَحَادِثِ
---------------------------
[١] بلابث، أَي بمبطئ.
[٢] الأثائث: الْكَثِيرَة المجتمعة.
[٣] أولى، أَي أَحْلف وَأقسم. وَيُرِيد ب «الراقصات»: الْإِبِل والرقص: ضرب من الْمَشْي.
وحراجيج: طوال، الْوَاحِد: حرجوج. ويروى: «عناجيج»، أَي حسان.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وتحدى: تساق ويغنى لَهَا. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تخدى» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وخدي الْبَعِير خدي (من بَاب ضرب) أسْرع وزج بقوائمه.
[٥] السريح: قطع جلد ترْبط فِي أَخْفَاف الْإِبِل مَخَافَة أَن تصيبها الْحِجَارَة. والرثائث: البالية الْخلقَة.
[٦] الْأدم من الظباء: السمر الظُّهُور الْبيض الْبُطُون. وَعَكَفَ: مُقِيمَة. والنبائث جمع نبيثة، وَهِي تُرَاب يخرج من الْبِئْر إِذا نقيت.
[٧] الطوامث: جمع طامث، وَهِي الْحَائِض.
[٨] تعصب: تَجْتَمِع وتحيط. وَابْن حَارِث: عُبَيْدَة بن الْحَارِث.
[٩] تشعثوا: تغيرُوا وَتَفَرَّقُوا.
[١٠] العثائث: أكداس الرمل الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا، وَاحِدهَا: عثعث. وَغير لابث: غير مُتَوَقف.
٣٨- سيرة ابْن هِشَام- ١
لِجَيْشٍ أَتَانَا ذِي عُرَامٍ يَقُودُهُ ... عُبَيْدَةُ يُدْعَى فِي الْهِيَاجِ ابْنَ حَارِثِ [١]
لِنَتْرُكَ أَصْنَامًا بِمَكَّةَ عُكَّفَا ... مَوَارِيثَ مَوْرُوثٍ كَرِيمٍ لِوَارِثِ
فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ بِسُمْرِ رُدَيْنَةَ ... وَجُرْدٍ عِتَاقٍ فِي الْعَجَاجِ لَوَاهِثِ [٢]
وَبِيضٍ [٣] كَأَنَّ الْمِلْحَ فَوْقَ مُتُونِهَا ... بِأَيْدِي كُمَاةٍ كَاللُّيُوثِ الْعَوَائِثِ [٤]
نُقِيمُ بِهَا إصْعَارَ مَنْ كَانَ مَائِلًا ... وَنَشْفِي الذُّحُولَ عَاجِلًا غَيْرَ لَابِثِ [٥]
فَكَفَوْا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ وَهَيْبَةٍ ... وَأَعْجَبَهُمْ أَمْرٌ لَهُمْ أَمْرُ [٦] رَائِثِ [٧]
وَلَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا نَاحَ نِسْوَةٌ ... أَيَامَى لَهُمْ، من بَين نسأ وَطَامِثِ [٨]
وَقَدْ غُودِرَتْ قَتْلَى يُخْبِرُ عَنْهُمْ ... حَفِيٌّ بِهِمْ أَوْ غَافِلٌ غَيْرُ بَاحِثِ [٩]
فَأَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ لَدَيْكَ رِسَالَةً ... فَمَا أَنْتَ عَنْ أَعْرَاضِ فِهْرٍ بِمَاكِثِ
وَلَمَّا تَجِبْ مِنِّي يَمِينٌ غَلِيظَةٌ ... تُجَدِّدُ حَرْبًا حَلْفَةً غَيْرَ حَانِثِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ لِابْنِ الزِّبَعْرَى.
(شِعْرُ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي رَمْيَتِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي رَمْيَتِهِ تِلْكَ فِيمَا يَذْكُرُونَ:
أَلَا هَلْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي ... حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي
أَذُودُ بِهَا أَوَائِلَهُمْ ذِيَادًا ... بِكُلِّ حُزُونَةٍ وَبِكُلِّ سَهْلِ [١٠]
-------------------------
[١] العرام: الْكَثْرَة والشدة. والهياج: الْحَرْب.
[٢] السمر: الرماح. وردينة: امْرَأَة تنْسب الرماح إِلَيْهَا. والجرد: الْخَيل القصيرات الشّعْر، وَيُقَال: السريعة. والعجاج: الْغُبَار، وَيُرِيد بِهِ هُنَا الْحَرْب لِكَثْرَة مَا يثار فِيهَا من الْغُبَار.
[٣] الْبيض: السيوف.
[٤] كَذَا فِي أ. و«العوائث»: المفسدات. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «العوابث» .
[٥] الإصعار: الْميل ... والذحول: جمع ذحل، وَهُوَ طلب الثأر.
[٦] فِي ط: «غير» .
[٧] رائث: متمهل فِي الْأَمر مُقَدّر لعواقبه.
[٨] النسء بِتَثْلِيث النُّون: الْمُتَأَخِّرَة الْحيض المظنون بهَا الْحمل. والطامث: الْحَائِض.
[٩] حفى بهم، أَي كثير السُّؤَال عَنْهُم.
[١٠] الحزونة: الوعر من الأَرْض.
فَمَا يَعْتَدُّ رَامٍ فِي عَدُوٍّ ... بِسَهْمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلِي
وَذَلِكَ أَنَّ دِينَكَ دِينُ صِدْقٍ ... وَذُو حَقٍّ أَتَيْتَ بِهِ وَعَدْلِ
يُنَجَّى الْمُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيُجْزَى ... بِهِ الْكُفَّارُ عِنْدَ مَقَامِ مَهْلِ [١]
فَمَهْلًا قَدْ غَوِيتَ فَلَا تَعِبْنِي ... غَوِيَّ الْحَيِّ وَيْحَكَ يَا بْنَ جَهْلِ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِسَعْدٍ.
(أَوَّلُ رَايَةٍ فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لِعُبَيْدَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَتْ رَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ- فِيمَا بَلَغَنِي- أَوَّلَ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ، لِأَحَدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ حِينَ أَقْبَلَ مِنْ غَزْوَةِ الْأَبْوَاءِ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَدِينَةِ.
سَرِيَّةُ حَمْزَةَ إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ
(مَا جَرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ):
وَبَعَثَ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ، حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ، فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ.
فَلَقِيَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ بِذَلِكَ السَّاحِلِ فِي ثَلَاثِ ماِئَةِ رَاكِبٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ. وَكَانَ مُوَادِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، فَانْصَرَفَ بَعْضُ الْقَوْمِ عَنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ.
(كَانَتْ رَايَةُ حَمْزَةَ أَوَّلَ رَايَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَشِعْرُ حَمْزَةَ فِي ذَلِكَ):
وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: كَانَتْ رَايَةُ حَمْزَةَ أَوَّلَ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَحَدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ [٣] . وَذَلِكَ أَنَّ بَعْثَهُ وَبَعْثَ عُبَيْدَةَ كَانَا مَعًا، فَشُبِّهَ
-----------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. ومقام مهل: أَي إمهال وَتثبت. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سهل» .
[٢] يُرِيد ب «ابْن جهل»: عِكْرِمَة بن أَبى جهل، وَكَانَ على الْكفَّار كَمَا تقدم.
[٣] وَإِلَى ذَلِك ذهب ابْن عبد الْبر.
ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ حَمْزَةَ قَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ رَايَتَهُ أَوَّلُ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ كَانَ حَمْزَةُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَدَقَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَكُنْ يَقُولُ إلَّا حَقًّا، فاللَّه أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ. فَأَمَّا مَا سَمِعْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَنَا. فَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَوَّلُ مَنْ عُقِدَ لَهُ. فَقَالَ حَمْزَةُ فِي ذَلِكَ، فِيمَا يَزْعُمُونَ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشِّعْرَ لِحَمْزَةِ رضي الله عنه:
أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلتَّحَلُّمِ وَالْجَهْلِ ... وَلِلنَّقْصِ مِنْ رَأْيِ الرِّجَالِ وَلِلْعَقْلِ
وَلِلرَّاكِبِينَا بِالْمَظَالِمِ لَمْ نَطَأْ ... لَهُمْ حُرُمَاتٍ مِنْ سَوَامٍ وَلَا أَهْلِ [١]
كَأَنَّا تَبَلْنَاهُمْ وَلَا تَبْلَ عِنْدَنَا [٢] ... لَهُمْ غَيْرُ أَمْرٍ بِالْعَفَافِ [٣] وَبِالْعَدْلِ
وَأَمْرٍ بِإِسْلَامٍ فَلَا يَقْبَلُونَهُ ... وَيَنْزِلُ مِنْهُمْ مِثْلَ مَنْزِلَةِ الْهَزْلِ
فَمَا بَرِحُوا حَتَّى انْتَدَبْتُ [٤] لِغَارَةِ ... لَهُمْ حَيْثُ حَلُّوا ابْتَغَى رَاحَةَ الْفَضْلِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، أَوَّلُ خَافِقٍ ... عَلَيْهِ لِوَاءٌ لَمْ يَكُنْ لَاحَ مِنْ قَبْلِي
لِوَاءٌ لَدَيْهِ النَّصْرُ مِنْ ذِي كَرَامَةٍ ... إلَهٍ عَزِيزٍ فِعْلُهُ أَفَضْلُ الْفِعْلِ
عَشِيَّةَ سَارُوا حَاشِدِينَ وَكُلُّنَا ... مَرَاجِلُهُ مِنْ غَيْظِ أَصْحَابِهِ تَغْلِي [٥]
فَلَمَّا تَرَاءَيْنَا أَنَاخُوا فَعَقَّلُوا ... مَطَايَا وَعَقَّلْنَا مُدَى غَرَضِ [٦] النَّبْلِ [٧]
فَقُلْنَا لَهُمْ: حَبْلُ الْإِلَهِ نَصِيرُنَا ... وَمَا لَكُمْ إلَّا الضَّلَالَةُ مِنْ حَبْلٍ
فَثَارَ أَبُو جَهْلٍ هُنَالِكَ بَاغِيًا ... فَخَابَ وَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَ أَبِي جَهْلِ
وَمَا نَحْنُ إلَّا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا ... وَهُمْ مِائَتَانِ بَعْدُ وَاحِدَةٍ فَضْلِ
-------------------------
[١] السوام: الْإِبِل الْمُرْسلَة فِي المرعى.
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وتبلناهم، أَي عاديناهم، والتبل: الْعَدَاوَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نبلناهم وَلَا نبل» بالنُّون فيهمَا.
[٣] فِي أ: «بالعقاب» .
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. يُقَال: انتدبته لِلْأَمْرِ فَانْتدبَ هُوَ لَهُ، أَي دَعوته لَهُ فَأجَاب، لَازم مُتَعَدٍّ.
وَفِي أ: «ابْتَدَرْت بغارة» .
[٥] المراجل: جمع مرجل، وَهُوَ الْقدر. وَقيل: هُوَ قدر النّحاس لَا غير.
[٦] فِي أ: «عرض» وَهُوَ تَصْحِيف.
[٧] مدى غَرَض النبل، أَي أَنهم أناخوا قريبين بَعضهم من بعض، فَكَانَ الْمسَافَة بَينهم مرمى النبل.
فَيَا لَلُؤَىَ لَا تُطِيعُوا غُوَاتَكُمْ ... وَفِيئُوا إلَى الْإِسْلَامِ وَالْمَنْهَجِ السَّهْلِ [١]
فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْكُمْ ... عَذَابٌ فَتَدْعُوَا بِالنَّدَامَةِ وَالثُّكْلِ [٢]
(شِعْرُ أَبِي جَهْلٍ فِي الرَّدِّ عَلَى حَمْزَةَ):
فَأَجَابَهُ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
عَجِبْتُ لِأَسْبَابِ الْحَفِيظَةِ وَالْجَهْلِ ... وَلِلشَّاغِبِينَ بِالْخِلَافِ وَبِالْبُطْلِ [٣]
وَلِلتَّارِكِينَ مَا وَجَدْنَا جُدُودَنَا ... عَلَيْهِ ذَوِي الْأَحْسَابِ وَالسُّؤْدُدِ الْجَزْلِ [٤]
أَتَوْنَا بِإِفْكٍ كَيْ يُضِلُّوا عُقُولَنَا ... وَلَيْسَ مُضِلًّا إفْكُهُمْ عَقْلَ ذِي عَقْلِ [٥]
فَقُلْنَا لَهُمْ: يَا قَوْمَنَا لَا تُخَالِفُوا ... عَلَى قَوْمِكُمْ إنَّ الْخِلَافَ مُدَى الْجَهْلِ
فَإِنَّكُمْ إنْ تَفْعَلُوا تَدْعُ نِسْوَةٌ ... لَهُنَّ بَوَاكٍ بِالرَّزِيَّةِ وَالثُّكْلِ
وَإِنْ تَرْجِعُوا عَمَّا فَعَلْتُمْ فَإِنَّنَا ... بَنُو عَمِّكُمْ أَهْلُ الْحَفَائِظِ وَالْفَضْلِ
فَقَالُوا لَنَا: إنَّا وَجَدْنَا مُحَمَّدًا ... رِضًا لِذَوِي الْأَحْلَامِ مِنَّا وَذِي الْعَقْلِ
فَلَمَّا أَبَوْا إلَّا الْخِلَافَ وَزَيَّنُوا ... جِمَاعَ الْأُمُورِ بِالْقَبِيحِ مِنْ الْفِعْلِ
تَيَمَّمْتُهُمْ بِالسَّاحِلَيْنِ بِغَارَةٍ ... لِأَتْرُكَهُمْ كَالْعَصْفِ لَيْسَ بِذِي أصل [٦]
فورّعنى [٧] مَجْدِيٌّ [٨] عَنْهُمْ وَصُحْبَتِي ... وَقَدْ وَازَرُونِي بِالسُّيُوفِ وَبِالنَّبْلِ
لِإِلٍّ عَلَيْنَا وَاجِبٍ لَا نُضَيِّعُهُ ... أَمِينٌ قَوَاهُ غَيْرُ مُنْتَكِثِ الْحَبْلِ [٩]
فَلَوْلَا ابْنُ عَمْرٍو كُنْتُ غَادَرْتُ مِنْهُمْ ... مَلَاحِمَ لِلطَّيْرِ الْعُكُوفِ بِلَا تَبْلِ [١٠]
----------------------------
[١] فيئوا: ارْجعُوا. والمنهج: الطَّرِيق الْوَاضِح.
[٢] الثكل: الْفَقْد والحزن.
[٣] الحفيظة: الْغَضَب.
[٤] الجزل: الْعَظِيم.
[٥] الْإِفْك: الْكَذِب.
[٦] العصف: ورق الزَّرْع الّذي يصفر على سَاقه. وَيُقَال: هُوَ دقاق التِّبْن.
[٧] كَذَا فِي أ. وورعني: أَي كفني، وَهُوَ من الْوَرع عَن الْمَحَارِم: أَي الْكَفّ عَنْهَا. وَفِي ط: «فروغنى» وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فوزعنى» .
[٨] مجدي، هُوَ مجدي بن عَمْرو الجهنيّ. وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى أَنه حجز بَين الْقَوْم.
[٩] الإل: الْعَهْد. وَغير منتكث: غير منتقض.
[١٠] العكوف: المقيمة اللَّازِمَة.
وَلَكِنَّهُ آلَى بِإِلٍّ فَقَلَّصَتْ ... بِأَيْمَانِنَا حَدُّ السُّيُوفِ عَنْ الْقَتْلِ [١]
فَإِنْ تُبْقِنِي الْأَيَّامُ أَرْجِعْ عَلَيْهِمْ ... بِبِيضٍ رِقَاقِ الْحَدِّ مُحْدَثَةِ الصُّقْلِ
بِأَيْدِي حُمَاةٍ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامٍ الْمَسَاعِي فِي الْجُدُوبَةِ وَالْمَحْلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشِّعْرَ لِأَبِي جَهْلٍ.
غَزْوَةُ بُوَاطٍ
(يَوْمُهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يُرِيدُ قُرَيْشًا.
(ابْنُ مَظْعُونٍ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ السَّائِبَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
(الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ بُوَاطٍ [٢]، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَلَبِثَ بِهَا بَقِيَّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَبَعْضَ جُمَادَى الْأُولَى.
غَزْوَةُ الْعَشِيرَةِ
(أَبُو سَلَمَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ):
ثُمَّ غَزَا قُرَيْشًا، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
(الطَّرِيقُ إلَى الْعَشِيرَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ عَلَى نَقْبِ بَنِي دِينَارٍ، ثُمَّ عَلَى فَيْفَاءِ الْخَبَارِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ بِبَطْحَاءِ ابْنِ أَزْهَرَ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ السَّاقِ، فَصَلَّى عِنْدَهَا. فَثَمَّ
-------------------------
[١] قلصت: تقلصت وَلم تمض.
[٢] بواط (بِفَتْح الْمُوَحدَة وَضمّهَا): جبل من جبال جُهَيْنَة، بِقرب يَنْبع، على أَرْبَعَة برد من الْمَدِينَة. وَقَالَ السهيليّ «وبواط: جبلان فرعان لأصل وَاحِد، أَحدهمَا: جلسى، وَالْآخر غورى وَفِي الجلسى بَنو دِينَار، ينسبون إِلَى دِينَار مولى عبد الْملك بن مَرْوَان» .
مَسْجِدُهُ ﷺ، وَصُنِعَ لَهُ عِنْدَهَا طَعَامٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَأَكَلَ النَّاسُ مَعَهُ، فَمَوْضِعُ أَثَافِيِّ الْبُرْمَةِ مَعْلُومٌ هُنَالِكَ، وَاسْتُقِيَ لَهُ مِنْ مَاءٍ بِهِ، يُقَالُ لَهُ:
الْمُشْتَرِبُ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَ الْخَلَائِقَ [١] بِيَسَارِ، وَسَلَكَ شُعْبَةً يُقَالُ لَهَا: شُعْبَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَذَلِكَ اسْمُهَا الْيَوْمُ، ثُمَّ صَبَّ لِلْيَسَارِ [٢] حَتَّى هَبَطَ يَلَيْلَ [٣]، فَنَزَلَ بِمُجْتَمَعِهِ وَمُجْتَمَعِ الضَّبُوعَةِ، وَاسْتَقَى مِنْ بِئْرٍ بِالضَّبُوعَةِ، ثُمَّ سَلَكَ الْفَرْشَ: فَرْشَ مَلَلٍ، حَتَّى لَقِيَ الطَّرِيقَ بِصُحَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمَّ اعْتَدَلَ بِهِ الطَّرِيقُ، حَتَّى نَزَلَ الْعُشَيْرَةَ مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ. فَأَقَامَ بِهَا جُمَادَى الْأُولَى وَلَيَالِيَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة، وادع فِيهَا بَنِي مُدْلِجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
(تَكْنِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ لِعَلِيِّ بِأَبِي تُرَابٍ):
وَفِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ قَالَ لِعَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام مَا قَالَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْثَمٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْثَمٍ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَفِيقَيْنِ فِي غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقَامَ بِهَا، رَأَيْنَا أُنَاسًا مِنْ بَنِي مُدْلِجَ يَعْمَلُونَ فِي عَيْنٍ لَهُمْ وَفِي نَخْلٍ، فَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، هَلْ لَكَ فِي أَنْ تَأْتِيَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَنَنْظُرُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: إنْ شِئْتَ، قَالَ: فَجِئْنَاهُمْ، فَنَظَرْنَا إلَى عَمَلِهِمْ سَاعَةً، ثُمَّ غَشِيَنَا النَّوْمُ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ حَتَّى اضْطَجَعْنَا فِي صُورٍ [٤] مِنْ النَّخْلِ، وَفِي دَقْعَاءَ [٥] مِنْ التُّرَاب فنمنا، فو الله مَا أَهَبَّنَا [٦] إلَّا رَسُولُ اللَّهِ،
--------------------------
[١] قَالَ ياقوت: «... وَكَانَ لعبد الله بن أَحْمد بن أَرض يُقَال لَهَا الْخَلَائق بنواحي الْمَدِينَة» .
[٢] فِي أ: «للساد» . وَهُوَ تَحْرِيف. رَاجع شرح السِّيرَة.
[٣] يليل (بتكرير الْيَاء مفتوحتين ولامين): قَرْيَة قرب وَادي الصَّفْرَاء من أَعمال الْمَدِينَة، وَفِيه عين كَبِيرَة تسمى: الْبحيرَة.
[٤] صور النّخل: صغاره.
[٥] الدقعاء: التُّرَاب اللين.
[٦] أهبنا: أيقظنا.
ﷺ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ. وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ الَّتِي نِمْنَا فِيهَا، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: مَا لَكَ يَا أَبَا تُرَابٍ [١]؟
لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُودٍ [٢] الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَاَلَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ- وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ- حَتَّى يَبُلَّ مِنْهَا هَذِهِ. وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا سَمَّى عَلِيًّا أَبَا تُرَابٍ، أَنَّهُ كَانَ إذَا عَتَبَ عَلَى فَاطِمَةَ فِي شَيْءٍ لَمْ يُكَلِّمْهَا، وَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا تَكْرَهُهُ، إلَّا أَنَّهُ يَأْخُذُ تُرَابًا فَيَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَأَى عَلَيْهِ التُّرَابَ عَرَفَ أَنَّهُ عَاتِبٌ عَلَى فَاطِمَةَ، فَيَقُولُ: مَا لَكَ يَا أَبَا تُرَابٍ؟ فاللَّه أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
سَرِيَّةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
(ذَهَابُهُ إِلَى الْخَرَّارِ وَرُجُوعُهُ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فِي ثَمَانِيَةِ رَهْطٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَخَرَجَ حَتَّى بَلَغَ الْخَرَّارَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ بَعْثَ سَعْدٍ هَذَا كَانَ بَعْدَ حَمْزَةَ.
----------------------
[١] قَالَ السهيليّ. «وَصَحَّ من ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي جَامعه، وَهُوَ أَن رَسُول الله ﷺ وجده فِي الْمَسْجِد نَائِما وَقد ترب جنبه، فَجعل يحت التُّرَاب عَن جنبه وَيَقُول: قُم أَبَا تُرَاب. وَكَانَ قد خرج إِلَى الْمَسْجِد مغاضبا لفاطمة. وَهَذَا معنى الحَدِيث. وَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق من حَدِيث عمار مُخَالف لَهُ إِلَّا أَن يكون رَسُول الله ﷺ كناه بهَا مرَّتَيْنِ: مرّة فِي الْمَسْجِد، وَمرَّة فِي هَذِه الْغَزْوَة» . وَقد ذكر ابْن إِسْحَاق بعد قَلِيل سَببا آخر لهَذِهِ التكنية قَرِيبا مِمَّا ذكره السهيليّ.
[٢] أُحَيْمِر ثَمُود: هُوَ الّذي عقر نَاقَة صَالح، واسْمه قدار بن سالف، فِيمَا يرْوى.
غَزْوَةُ صَفْوَانَ وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى
(إِغَارَةُ كُرْزٍ وَالْخُرُوجُ فِي طَلَبِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يُقِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ إلَّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ لَا تَبْلُغُ الْعَشْرَ، حَتَّى أَغَارَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى سَرْحِ [١] الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
(فَوَاتُ كُرْزٍ وَالرُّجُوعُ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: سَفْوَانُ، مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ، فَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى. ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ.
سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ونزول: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ٢: ٢١٧
(بَعْثُهُ وَالْكِتَابُ الَّذِي حَمَلَهُ):
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيَّ فِي رَجَبٍ، مَقْفَلَهُ مِنْ بَدْرٍ الْأُولَى، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ، فَيَمْضِيَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلَا يَسْتَكْرِهَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا.
(أَصْحَابُ ابْنِ جَحْشٍ فِي سَرِيَّتِهِ)
وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ. ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَمِنْ حَلْفَائِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ ابْن جَحْشٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ، أَحَدُ بَنِي أَسَدِ
------------------------
[١] السَّرْح: الْإِبِل والمواشي الَّتِي تسرح للرعي بِالْغَدَاةِ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-14-2026, 09:58 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (63)
صــ 601إلى صــ 610
ابْن خُزَيْمَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَرِينِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، أَحَدُ بَنِي تَمِيمٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ.
(فَضُّ ابْنِ جَحْشٍ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَمُضِيُّهُ لِطَيَّتِهِ):
فَلَمَّا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ، فَنَظَرَ فِيهِ فَإِذَا فِيهِ: إذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، فَتَرَصَّدْ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعَلَّمْ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ. فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فِي الْكِتَابِ، قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَمْضِيَ إلَى نَخْلَةَ، أَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا، حَتَّى آتِيَهُ مِنْهُمْ بِخَبَرِ، وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ.
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ، فَأَمَّا أَنَا فَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَضَى وَمَضَى مَعَهُ أَصْحَابُهُ، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
(تَخَلُّفُ الْقَوْمِ بِمَعْدِنَ):
وَسَلَكَ عَلَى الْحِجَازِ، حَتَّى إذَا كَانَ بِمَعْدِنَ، فَوْقَ الْفُرُعِ، يُقَالُ لَهُ: بَحْرَانُ، أَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا، كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ.
فَتَخَلَّفَا عَلَيْهِ فِي طَلَبِهِ. وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَبَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشِ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأَدَمًا [١]، وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةِ قُرَيْشٍ، فِيهَا عَمْرُو ابْن الْحَضْرَمِيِّ.
(اسْمُ الْحَضْرَمِيِّ وَنَسَبُهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ الْحَضْرَمِيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّادٍ، (وَيُقَالُ: مَالِكُ
-------------------------
[١] الْأدم: الْجلد.
ابْن عَبَّادٍ) أَحَدُ الصَّدِفِ، وَاسْمُ الصَّدِفِ: عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، أَحَدُ السَّكُونِ [١] بْنِ أَشْرَسَ بْنِ كِنْدَةَ، وَيُقَالُ: كِنْدِيٌّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَخْزُومِيَّانِ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
(مَا جَرَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَمَا خَلَصَ بِهِ ابْنُ جَحْشٍ):
فَلَمَّا رَآهُمْ الْقَوْمُ هَابُوهُمْ وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمِنُوا، وَقَالُوا عَمَّارٌ، لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ.
وَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ فِيهِمْ وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ فَقَالَ الْقَوْمُ وَاَللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُمْ الْقَوْمَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلُنَّ الْحَرَمَ، فَلَيَمْتَنِعُنَّ مِنْكُمْ بِهِ وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلُنَّهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَتَرَدَّدَ الْقَوْمُ، وَهَابُوا الْإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ. فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمِ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَأْسَرَ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَكَمَ ابْنَ كَيْسَانَ، وَأَفْلَتَ الْقَوْمَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْجَزَهُمْ. وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَبِالْأَسِيرَيْنِ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنَّ لِرَسُولِ الله ﷺ مِمَّا غنمتا الْخُمُسَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ تَعَالَى الْخُمُسَ مِنْ الْمَغَانِمِ- فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ الْعِيرِ، وَقَسَّمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ.
(نُكْرَانُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى ابْنِ جَحْشٍ قِتَالَهُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٢]: فَلَمَّا قَدمِوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَالَ: مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. فَوَقَّفَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ. وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُقِطَ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ،
-----------------------
[١] فِي م، ر: «السّكُون بن الْمُغيرَة بن أَشْرَس» .
[٢] فِي م، ر: «قَالَ ابْن هِشَام» .
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وَعَنَّفَهُمْ إخْوَانُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الْأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ، فَقَالَ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ: إنَّمَا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا فِي شَعْبَانَ.
(تَوَقَّعَ الْيَهُودُ بِالْمُسْلِمِينَ الشَّرَّ):
وَقَالَتْ يَهُودُ- تَفَاءَلَ بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَتَلَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَمْرٌو، عَمُرَتْ الْحَرْبُ، وَالْحَضْرَمِيُّ، حَضَرَتْ الْحَرْبُ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدَتْ الْحَرْبُ. فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ.
(نُزُولُ الْقُرْآنِ فِي فِعْلِ ابْنِ جَحْشٍ وَإِقْرَارُ الرَّسُولِ لَهُ ﷺ فِي فِعْلِهِ):
فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ على رَسُوله ﷺ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ٢: ٢١٧ أَيْ إنْ كُنْتُمْ قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَدْ صَدُّوكُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ الْكُفْرِ بِهِ، وَعَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِخْرَاجُكُمْ مِنْهُ وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ، أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ٢: ٢١٧: أَيْ قَدْ كَانُوا يَفْتِنُونَ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ، حَتَّى يَرُدُّوهُ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إيمَانِهِ، فَذَلِكَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ٢: ٢١٧: أَيْ ثُمَّ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى أَخْبَثِ ذَلِكَ وَأَعْظَمِهِ، غَيْرَ تَائِبِينَ وَلَا نَازِعِينَ. فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَذَا مِنْ الْأَمْرِ، وَفَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الشَّفَقِ [١] قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَكَمِ ابْنِ كَيْسَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا نُفْدِيكُمُوهَا حَتَّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا- يَعْنِي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ- فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا، نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ. فَقَدِمَ سَعْدٌ وَعُتْبَةُ، فَأُفْدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ.
-------------------------
[١] الشَّفق. الْخَوْف.
(إسْلَامُ ابْنِ كَيْسَانَ وَمَوْتُ عُثْمَانَ كَافِرًا):
فَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا. وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا.
(طَمَعُ ابْنِ جَحْشٍ فِي الْأَجْرِ وَمَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ):
فَلَمَّا تَجَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانُوا فِيهِ حِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ، طَمِعُوا فِي الْأَجْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَطْمَعُ، أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةٌ نُعْطَى فِيهَا أَجْرَ الْمُجَاهِدِينَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِمْ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢: ٢١٨، فَوَضَعَهُمْ اللَّهُ عز وجل مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَعْظَمِ الرَّجَاءِ.
وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا عَنْ الزُّهْرِيِّ وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنَّ اللَّهَ عز وجل قَسَمَ الْفَيْءَ حِينَ أَحَلَّهُ، فَجَعَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ لِمَنْ أَفَاءَهُ اللَّهُ، وَخُمُسًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَوَقَعَ عَلَى مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ صَنَعَ فِي تِلْكَ الْعِيرِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أَوَّلُ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ. وَعَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلُ مَنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ أَوَّلُ مَنْ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ.
(شِعْرٌ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ يُنْسَبُ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَإِلَى ابْنِ جَحْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه فِي غَزْوَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَيُقَالُ: بَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ قَالَهَا، حِينَ قَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ أَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ وَأَخَذُوا فِيهِ الْمَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ:
تَعُدُّونَ قَتْلًا فِي الْحَرَامِ عَظِيمَةً ... وَأَعْظَمُ مِنْهُ لَوْ يَرَى الرُّشْدَ رَاشِدُ
صُدُودُكُمْ عَمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ... وَكُفْرٌ بِهِ وَاَللَّهُ رَاءٍ وَشَاهِدُ
وَإِخْرَاجُكُمْ مِنْ مَسْجِدِ اللَّهِ أَهْلَهُ ... لِئَلَّا يُرَى للَّه فِي الْبَيْتِ سَاجِدُ
فَإِنَّا وَإِنْ عَيَّرْتُمُونَا بِقَتْلِهِ ... وَأَرْجَفَ بِالْإِسْلَامِ بَاغٍ وَحَاسِدُ
سَقَيْنَا مِنْ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ رِمَاحَنَا ... بِنَخْلَةَ لَمَّا أَوْقَدَ الْحَرْبَ وَاقِدُ
دَمًا وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانُ بَيْنَنَا ... يُنَازِعُهُ غُلٌّ مِنْ الْقَدِّ عَانِدُ [١]
صَرْفُ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُقَالُ: صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ [٢] .
غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى
(عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ مُقْبِلًا مِنْ الشَّأْمِ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ، فِيهَا أَمْوَالٌ لِقُرَيْشِ وَتِجَارَةٌ مِنْ تِجَارَاتِهِمْ وَفِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ أَرْبَعُونَ، مِنْهُمْ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ.
(نَدْبُ الْمُسْلِمِينَ لِلْعِيرِ وَحَذَرُ أَبِي سُفْيَانَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمٍ [٣] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ فَاجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ فِيمَا سُقْتُ مِنْ حَدِيثِ بَدْرٍ [٤]، قَالُوا: لَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ
------------------------
[١] الْقد: شرك يقطع من الْجلد. وعاند: سَائل بِالدَّمِ لَا يَنْقَطِع.
[٢] كَانَ ﷺ يصلى إِلَى صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس قبل أَن تحول الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة.
(رَاجع شرح الْمَوَاهِب اللدنية) .
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي ط.
[٤] بدر: اسْم بِئْر حفرهَا رجل من غفار اسْمه بدر، وَقيل: هُوَ بدر بن قُرَيْش بن يخلد الّذي سميت قُرَيْش بِهِ. وَقيل: إِن (بَدْرًا) اسْم رجل كَانَت لَهُ بدر، وَهِي على أَربع مراحل من الْمَدِينَة.
(رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح الْمَوَاهِب، ومعجم الْبلدَانِ) .
مُقْبِلًا مِنْ الشَّامِ، نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ وَقَالَ هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ فَاخْرُجُوا إلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنْفِلُكُمُوهَا. فَانْتَدَبَ النَّاسُ فَخَفَّ بَعْضُهُمْ وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ يلقى خربا وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دَنَا مِنْ الْحِجَازِ يُتَحَسَّسُ [١] الْأَخْبَارَ وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنْ الرُّكْبَانِ تَخَوُّفًا عَلَى [٢] أَمْرِ النَّاسِ. حَتَّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ: أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ اسْتَنْفَرَ أَصْحَابَهُ لَكَ وَلِعِيرِكَ فَحَذِرَ عِنْدَ ذَلِكَ. فَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ، فَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّة، وَأمره أَنْ يَأْتِيَ قُرَيْشًا فَيَسْتَنْفِرَهُمْ إلَى أَمْوَالِهِمْ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَرَضَ لَهَا [٣] فِي أَصْحَابِهِ. فَخَرَجَ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو سَرِيعًا إلَى مَكَّةَ.
ذِكْرُ رُؤْيَا عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
(عَاتِكَةُ تَقُصُّ رُؤْيَاهَا عَلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَزِيدُ ابْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: وَقَدْ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَبْلَ قُدُومِ ضَمْضَمٍ مَكَّةَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، رُؤْيَا أَفْزَعَتْهَا. فَبَعَثَتْ إلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا أَفْظَعَتْنِي [٤]، وَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ وَمُصِيبَةٌ، فَاكْتُمْ عَنِّي [٥] مَا أُحَدِّثُكَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: وَمَا رَأَيْتِ؟
قَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، حَتَّى وَقَفَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا انْفِرُوا يَا لَغُدُرَ [٦] لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَأَرَى النَّاسَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ،
---------------------------
[١] التحسس: أَن تتسمع الْأَخْبَار بِنَفْسِك، وَأما التَّجَسُّس (بِالْجِيم): أَن تبحث عَنْهَا بغيرك.
[٢] فِي م، ر: «عَن» .
[٣] فِي م، ر: «لنا» .
[٤] أفظعتنى: اشتدت على.
[٥] فِي م، ر: «منى» .
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «يَا آل غدر» . وَفِي ط: «يَا أهل غدر» . قَالَ السهيليّ:
«هُوَ بِضَم الْغَيْن وَالدَّال، جمع غدور، وَلَا تصح رِوَايَة من رَوَاهُ بِفَتْح الدَّال مَعَ كسر الرَّاء وَلَا فتحهَا، لِأَنَّهُ لَا يُنَادى وَاحِدًا، وَلِأَن لَام الاستغاثة لَا تدخل على مثل هَذَا الْبناء فِي النداء، وَإِنَّمَا يُقَال: يَا لغدر
ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلَهُ مَثَلَ بِهِ [١] بَعِيرُهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صَرَخَ بِمِثْلِهَا: أَلَا انْفِرُوا يَا لَغُدُرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ: ثُمَّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ [٢]، فَصَرَخَ بِمِثْلِهَا. ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةً فَأَرْسَلَهَا. فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي، حَتَّى إذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضَّتْ [٣]، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ وَلَا دَارٌ إلَّا دَخَلَتْهَا مِنْهَا فَلِقَةٌ، قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا، وَأَنْتِ فَاكْتُمِيهَا، وَلَا تَذْكُرِيهَا لِأَحَدِ.
(الرُّؤْيَا تَذِيعُ فِي قُرَيْشٍ):
ثُمَّ خَرَجَ الْعَبَّاسُ، فَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ لَهُ صِدِّيقًا، فَذَكَرَهَا لَهُ، وَاسْتَكْتَمَهُ إيَّاهَا. فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةَ، فَفَشَا الْحَدِيثُ بِمَكَّةَ، حَتَّى تَحَدَّثَتْ بِهِ قُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا.
(مَا جَرَى بَيْنَ أَبى جهل وللعباس بِسَبَبِ الرُّؤْيَا):
قَالَ الْعَبَّاسُ: فَغَدَوْتُ لِأَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمَّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ إذَا فَرَغْتَ مِنْ طَوَافِكَ فَأَقْبِلْ إلَيْنَا، فَلَمَّا فَرَغْتُ أَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَهُمْ، فَقَالَ لِي أَبُو جَهْلٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، مَتَى حَدَثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تِلْكَ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَتْ عَاتِكَةُ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا رَأَتْ؟ قَالَ:
يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُكُمْ، قَدْ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنَّهُ قَالَ: انْفِرُوا فِي ثَلَاثٍ، فَسَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ، وَإِنْ تَمْضِ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، نَكْتُبْ
--------------------------
[()] انفروا، تحريضا لَهُم، أَي إِن تخلفتم فَأنْتم غدر لقومكم. وَفتحت لَام الاستغاثة لِأَن الْمُنَادِي قد وَقع موقع الِاسْم الْمُضمر، وَلذَلِك بنى، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ لَام الاستغاثة، وَهِي لَام جر، فتحت كَمَا تفتح لَام الْجَرّ إِذا دخلت على الْمُضْمرَات. وَهَذَا القَوْل إِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة الشَّيْخ وَمَا وَقع فِي أَصله، وَأما أَبُو عبيد فَقَالَ فِي المُصَنّف: تَقول: يَا غدر، أَي يَا غادر. فَإِذا جمعت قلت: يَا آل غدر» .
[١] مثل بِهِ: قَامَ بِهِ.
[٢] يُقَال: إِن هَذَا الْجَبَل سمى كَذَلِك بِرَجُل هلك فِيهِ من جرهم، اسْمه: قبيس بن شالخ.
[٣] ارفضت: تفتت.
عَلَيْكُمْ كِتَابًا أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ. قَالَ العبّاس: فو الله مَا كَانَ مِنِّي إلَيْهِ كَبِيرٌ، إلَّا أَنِّي جَحَدْتُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرْتُ أَنْ تَكُونَ رَأَتْ شَيْئًا. قَالَ: ثُمَّ تَفَرَّقْنَا.
(نِسَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَلُمْنَ الْعَبَّاسَ لِلِينِهِ مَعَ أَبِي جَهْلٍ):
فَلَمَّا أَمْسَيْتُ، لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَّا أَتَتْنِي، فَقَالَتْ: أَقْرَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمَّ قَدْ تَنَاوَلَ النِّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ غِيَرٌ [١] لِشَيْءِ مِمَّا سَمِعْتَ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ وَاَللَّهِ فَعَلْتُ، مَا كَانَ مِنِّي إلَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ. وَاَيْمُ اللَّهِ لَأَتَعَرَّضَنَّ لَهُ، فَإِن عَاد لأكفينّكه.
(الْعَبَّاسُ يَقْصِدُ أَبَا جَهْلٍ لِيَنَالَ مِنْهُ، فَيَصْرِفُهُ عَنْهُ تَحَقُّقُ الرُّؤْيَا):
قَالَ: فَغَدَوْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ أُرَى أَنِّي قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبُّ أَنْ أُدْرِكَهُ مِنْهُ. قَالَ: فَدَخَلْتُ الْمَسْجِد فرأيته، فو الله إنِّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ أَتَعَرَّضُهُ، لِيَعُودَ لِبَعْضِ مَا قَالَ فَأَقَعَ بِهِ، وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا، حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ، حَدِيدَ النَّظَرِ. قَالَ: إذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَشْتَدُّ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا لَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ، أَكُلُّ هَذَا فَرَقٌ مِنِّي أَنْ أُشَاتِمَهُ! قَالَ: وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ: صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ، وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ جَدَّعَ بَعِيرَهُ [٢]، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اللَّطِيمَةَ [٣] اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ.
قَالَ: فَشَغَلَنِي عَنْهُ وَشَغَلَهُ عَنِّي مَا جَاءَ مِنْ الْأَمْرِ.
(تَجَهُّزُ قُرَيْشٍ لِلْخُرُوجِ):
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا، وَقَالُوا: أَيَظُنُّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، كَلَّا وَاَللَّهِ لِيَعْلَمُنَّ غَيْرَ ذَلِكَ. فَكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إمَّا خَارِجٍ وَإِمَّا بَاعِثٍ مَكَانَهُ رَجُلًا. وَأَوْعَبَتْ [٤] قُرَيْشٌ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ أَشْرَافِهَا أَحَدٌ.
-----------------------
[١] أَي تَغْيِير وإنكار. وَفِي م، ر: «غيرَة» .
[٢] جدع بعيره: قطع أَنفه.
[٣] اللطيمة: الْإِبِل الَّتِي تحمل الْبَز وَالطّيب.
[٤] يُقَال: أوعب الْقَوْم: إِذا خَرجُوا كلهم إِلَى الْغَزْو.
٣٩- سيرة ابْن هِشَام- ١
إلَّا أَنَّ أَبَا لَهَبِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَخَلَّفَ، وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَكَانَ قَدْ لَاطَ [١] لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ، أَفْلَسَ بِهَا، فَاسْتَأْجَرَهُ بِهَا عَلَى أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ، بَعَثَهُ فَخَرَجَ عَنْهُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو لَهَبٍ.
(عُقْبَةُ يَتَهَكَّمُ بِأُمَيَّةِ لِقُعُودِهِ فَيَخْرُجُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ أَجْمَعَ الْقُعُودَ، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا جَسِيمًا ثَقِيلًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ، بِمَجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا، فِيهَا نَارٌ وَمَجْمَرٌ [٢]، حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، اسْتَجْمِرْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ النِّسَاءِ، قَالَ:
قَبَّحَكَ اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ تَجَهَّزَ فَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ.
(الْحَرْبُ بَيْنَ كِنَانَةَ وَقُرَيْشٍ وَتَحَاجُزُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ جَهَازِهِمْ، وَأَجْمَعُوا الْمَسِيرَ، ذَكَرُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِنْ الْحَرْبِ، فَقَالُوا: إنَّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، وَكَانَتْ الْحَرْبُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ- كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ- فِي ابْنٍ لِحَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، أَحَدِ بَنِي مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، خَرَجَ يَبْتَغِي ضَالَّةً لَهُ بِضَجْنَانَ، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثَ فِي رَأْسِهِ ذُؤَابَةٌ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ، وَكَانَ غُلَامًا وَضِيئًا [٣] نَظِيفًا، فَمَرَّ بِعَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُلَوَّحِ، أَحَدِ بَنِي يَعْمُرَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَهُوَ بِضَجْنَانَ، وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُ فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: أَنَا ابْنٌ لِحَفْصِ ابْنِ الْأَخْيَفِ الْقُرَشِيِّ. فَلَمَّا وَلَّى الْغُلَامُ، قَالَ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ: يَا بَنِي بَكْرٍ، مَا لَكُمْ فِي قُرَيْشٍ مِنْ دَمٍ؟ قَالُوا: بَلَى وَاَللَّهِ، إنَّ لَنَا فِيهِمْ لَدِمَاءً، قَالَ: مَا كَانَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ بِرَجُلِهِ إلَّا كَانَ قَدْ اسْتَوْفَى دَمَهُ. قَالَ: فَتَبِعْهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَقَتَلَهُ
--------------------------
[١] لَاطَ: احْتبسَ وامتسك.
[٢] المجمر: الْعود يتبخر بِهِ.
[٣] الوضيء: الْحسن.
بِدَمِ كَانَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ، فَتَكَلَّمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ يَزِيدَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ كَانَتْ لَنَا فِيكُمْ دِمَاءٌ، فَمَا شِئْتُمْ. إنْ شِئْتُمْ فَأَدُّوا عَلَيْنَا مَا لَنَا قِبَلَكُمْ، وَنُؤَدِّي مَا لَكُمْ قِبَلَنَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّمَا هِيَ الدِّمَاءُ: رَجُلٌ بِرَجُلِ، فَتَجَافَوْا عَمَّا لَكُمْ قِبَلَنَا، وَنَتَجَافَى عَمَّا لَنَا قِبَلَكُمْ، فَهَانَ ذَلِكَ الْغُلَامُ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا:
صَدَقَ، رَجُلٌ بِرَجُلِ. فَلَهَوْا عَنْهُ [١]، فَلَمْ يُطْلِبُوا بِهِ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا أَخُوهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ يَسِيرُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، إذْ نَظَرَ إلَى عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُلَوَّحِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَقْبَلَ إلَيْهِ حَتَّى أَنَاخَ بِهِ، وَعَامِرٌ مُتَوَشِّحٌ سَيْفَهُ، فَعَلَاهُ مِكْرَزٌ بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ خَاضَ بَطْنَهُ بِسَيْفِهِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ مَكَّةَ، فَعَلَّقَهُ مِنْ اللَّيْلِ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ رَأَوْا سَيْفَ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ مُعَلَّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَعَرَفُوهُ، فَقَالُوا: إنَّ هَذَا لَسَيْفُ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَدَا عَلَيْهِ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَتَلَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ حَرْبِهِمْ، حَجَزَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ النَّاسِ، فَتَشَاغَلُوا بِهِ، حَتَّى أَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ الْمَسِيرَ إلَى بَدْرٍ، فَذَكَرُوا الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ فَخَافُوهُمْ.
(شِعْرُ مِكْرَزٍ فِي قَتْلِهِ عَامِرًا):
وَقَالَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فِي قَتْلِهِ عَامِرًا:
لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُ هُوَ عَامِرٌ ... تَذَكَّرْتُ أَشْلَاءَ الْحَبِيبِ الْمُلَحَّبِ [٢]
وَقُلْتُ لِنَفْسِي: إنَّهُ هُوَ عَامِرٌ ... فَلَا تَرْهَبِيهِ، وَانْظُرِي أَيَّ مَرْكَبِ
وَأَيْقَنْتُ أَنِّي إنْ أُجَلِّلَهُ ضَرْبَةً ... مَتَى مَا أُصِبْهُ بِالْفَرَافِرِ يَعْطَبْ
خَفَضْتُ لَهُ جَأْشِي وَأَلْقَيْتُ كَلْكَلِي [٣] ... عَلَى بَطَلٍ شَاكِّي السِّلَاحِ مُجَرَّبِ [٣]
وَلَمْ أَكُ لَمَّا الْتَفَّ رُوعِي وَرُوعُهُ ... عُصَارَةَ هُجُنٍ مِنْ نِسَاءٍ وَلَا أَبِ
-----------------------
[١] فِي أ: «مِنْهُ» . قَالَ الْأَصْمَعِي: «لهيت عَن فلَان وَمِنْه، فَأَنا ألهى: تركته» .
[٢] الأشلاء: البقايا. والملحب: الّذي ذهب لَحْمه.
[٣] فِي أ: «حفظت» . والجأش: النَّفس. والكلكل: الصَّدْر. وشاكي السِّلَاح: محدده.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-16-2026, 12:13 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (64)
صــ 611إلى صــ 620
حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَلَمْ أَنْسَ ذَحْلَهُ [١] ... إذَا مَا تَنَاسَى ذَحْلَهُ كُلُّ عَيْهَبِ [٢]
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَرَافِرُ (فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ): الرَّجُلُ الْأَضْبَطُ، «وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ»: السَّيْفُ) [٣]، وَالْعَيْهَبُ: الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ، وَيُقَالُ لِتَيْسِ الظِّبَاءِ وَفَحْلِ النَّعَامِ: الْعَيْهَبُ. (قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَيْهَبُ: الرَّجُلُ الضَّعِيفُ عَنْ إدْرَاكِ وِتْرِهِ) [٣] .
(إبْلِيسُ يُغْرِي قُرَيْشًا بِالْخُرُوجِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا أَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ الْمَسِيرَ ذَكَرَتْ الَّذِي كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ، فَكَادَ ذَلِكَ يُثْنِيهِمْ، فَتَبَدَّى لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَكُمْ جَارٌ مِنْ أَنْ تَأْتِيَكُمْ كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا.
(خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي لَيَالٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ [٤] فِي أَصْحَابِهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَرَجَ (يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) [٣] لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ- وَاسْتَعْمَلَ عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ- وَيُقَالُ اسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَدَّ أَبَا لُبَابَةَ مِنْ الرَّوْحَاءِ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ.
(صَاحِبُ اللِّوَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ أَبْيَضَ.
(رَايَتَا الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَايَتَانِ سَوْدَاوَانِ،
-----------------------
[١] الذحل: الثأر.
[٢] «فِي أ، ط: «الغيهب» بالغين الْمُعْجَمَة. وَهِي «كالعيهب»، الّذي لَا عقل لَهُ.
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] وَقيل إِن خُرُوجه ﷺ لثنتى عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان، كَمَا قيل إِن خُرُوجه كَانَ يَوْم السبت. (رَجَعَ شرح الْمَوَاهِب) .
إحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ، وَالْأُخْرَى مَعَ بَعْضِ الْأَنْصَارِ.
(عَدَدُ إبِلِ الْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ إبِلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَعِيرًا، فَاعْتَقَبُوهَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو كَبْشَةَ، وَأَنَسَةُ، مَوْلَيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَجَعَلَ عَلَى السَّاقَةِ قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ أَخَا بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ. وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
(طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ إلَى بَدْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ طَرِيقَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، عَلَى نَقْبِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَلَى الْعَقِيقِ، ثُمَّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ عَلَى أُولَاتِ الْجَيْشِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَاتِ الْجَيْشِ.
(الرَّجُلُ الَّذِي اعْتَرَضَ الرَّسُولَ وَجَوَابُ سَلَمَةَ لَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَرَّ عَلَى تُرْبَانَ [١]، ثُمَّ عَلَى مَلَلٍ، ثُمَّ غَمِيسِ الْحَمَامِ مِنْ مَرَيَيْنِ، ثُمَّ عَلَى صُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمَّ عَلَى السَّيَّالَةِ، ثُمَّ عَلَى فَجِّ الرَّوْحَاءِ، ثُمَّ عَلَى شَنُوكَةَ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمُعْتَدِلَةُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الظَّبْيَةُ: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ- لَقُوا رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ النَّاسِ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: سَلِّمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ:
أَوَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَمَّا فِي بَطْنِ نَاقَتِي هَذِهِ. قَالَ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقَشٍ: لَا تَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبِلْ عَلَيَّ فَأَنَا أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ. نَزَوْتَ عَلَيْهَا، فَفِي بَطْنِهَا مِنْكَ سَخْلَةٌ [٢]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَهْ، أَفْحَشْتَ عَلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ أَعَرَضَ عَنْ سَلَمَةِ.
-------------------------
[١] تربان (بِالضَّمِّ): دَار بَين الحفير وَالْمَدينَة.
[٢] السخلة: الصَّغِيرَة من الضَّأْن، قَالَ أَبُو ذَر: «استعارها هُنَا لولد النَّاقة» .
(بَقِيَّةُ الطَّرِيقِ إلَى بَدْرٍ):
وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْسَجَ، وَهِيَ بِئْرُ الرَّوْحَاءِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْهَا، حَتَّى إذَا كَانَ بِالْمُنْصَرَفِ، تَرَكَ طَرِيقَ مَكَّةَ بِيَسَارٍ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى النَّازِيَةِ، يُرِيدُ بَدْرًا، فَسَلَكَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، حَتَّى جَزَعَ [١] وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ رُحْقَانُ، بَيْنَ النَّازِيَةِ وَبَيْنَ مَضِيقِ الصَّفْرَاءِ، (ثُمَّ عَلَى الْمَضِيقِ) [٢]، ثُمَّ انْصَبَّ مِنْهُ، حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الصَّفْرَاءِ، بَعَثَ بَسْبَسَ [٣] بْنَ الْجُهَنِيِّ، حَلِيفَ بَنِي سَاعِدَةَ، وَعَدِيَّ بْنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ [٤] الْجُهَنِيَّ، حَلِيفَ بَنِي النَّجَّارِ، إلَى بَدْرٍ يَتَحَسَّسَانِ لَهُ الْأَخْبَارَ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ قَدِمَهَا. فَلَمَّا اسْتَقْبَلَ الصّفراء، وَهِي قريبَة بَيْنَ جَبَلَيْنِ، سَأَلَ عَنْ جَبَلَيْهِمَا مَا اسْمَاهُمَا؟ فَقَالُوا: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا، هَذَا مُسْلِحٌ، وَلِلْآخَرِ: هَذَا مُخْرِئٌ، وَسَأَلَ عَنْ أَهْلِهِمَا، فَقِيلَ: بَنُو النَّارِ وَبَنُو حُرَاقٍ، بَطْنَانِ مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَكَرِهَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُرُورُ بَيْنَهُمَا، وَتَفَاءَلَ بِأَسْمَائِهِمَا وَأَسْمَاءِ [٥] أَهْلِهِمَا. فَتَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالصَّفْرَاءَ بِيَسَارِ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ: ذَفِرَانَ، فَجَزَعَ فِيهِ، ثُمَّ نَزَلَ.
(أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَالْمِقْدَادُ وَكَلِمَاتُهُمْ فِي الْجِهَادِ):
وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ، وَأَخْبَرَهُمْ
------------------------
[١] جزع الْوَادي: قطعه عرضا.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] قَالَ السهيليّ: «فِي مُصَنف أَبى دَاوُد: (بسبسة) مَكَان بسبس، وَبَعض رُوَاة أَبى دَاوُد يَقُول:
بسبسه (بِضَم الْبَاء) . وَكَذَلِكَ وَقع فِي كتاب مُسلم، وَنسبه ابْن إِسْحَاق إِلَى جُهَيْنَة، وَنسبه غَيره إِلَى ذبيان، وَقَالَ: هُوَ بسبس بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن خَرشَة بن عَمْرو بن سعد بن ذبيان» .
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول «الزعباء» بِالْعينِ الْمُهْملَة وَهُوَ تَصْحِيف (رَاجع الطَّبَرِيّ والاستيعاب) .
[٥] قَالَ السهيليّ: «لَيْسَ هَذَا من بَاب الطَّيرَة الَّتِي نهى عَنْهَا رَسُول الله ﷺ، وَلَكِن من بَاب كَرَاهِيَة الِاسْم الْقَبِيح، فقد كَانَ عليه الصلاة والسلام يكْتب إِلَى أمرائه إِذا أبردتم إِلَى بريدا فَاجْعَلُوهُ حسن الْوَجْه حسن الِاسْم. وَقد قَالَ عليه الصلاة والسلام فِي لقحة: من يحلب هَذِه؟ فَقَامَ رجل فَقَالَ: أَنا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: مَا اسْمك؟ فَقَالَ: مرّة، فَقَالَ: اقعد، حَتَّى قَالَ آخِرهم: اسمى يعِيش قَالَ: احلب فَقَامَ عمر فَقَالَ: لَا أدرى أأقول أم أسكت؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: قل، فَقَالَ: قد كنت نَهَيْتنَا عَن التطير؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: مَا تطيرت، ولكنى آثرت الِاسْم الْحسن» .
عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ. ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ٥: ٢٤. وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ [١] لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِهِ.
(اسْتِيثَاقُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ أَمْرِ الْأَنْصَارِ):
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ. وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَدُ النَّاسِ، وَأَنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّا بُرَاءٌ مِنْ ذِمَامِكَ حَتَّى تَصِلَ إلَى دِيَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْتَ إلَيْنَا، فَأَنْتَ فِي ذِمَّتِنَا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّفُ أَلَّا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوٍّ مِنْ بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُول الله ﷺ، قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَجَلْ، قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنحْن مَعَك، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ. لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي الْآنَ أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ.
(الرَّسُولُ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَتَعَرَّفَانِ أَخْبَارَ قُرَيْشٍ):
ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَفِرَانَ، فَسَلَكَ عَلَى ثَنَايَا. يُقَالُ لَهَا
-------------------------
[١] برك الغماد، مَوضِع بِنَاحِيَة الْيمن، وَقيل: هُوَ أقْصَى حجر. وَقَالَ السهيليّ (٢، ٦٥) وجدت فِي بعض كتب التَّفْسِير أَنَّهَا مَدِينَة الْحَبَشَة.
الْأَصَافِرُ، ثُمَّ انْحَطَّ مِنْهَا إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ: الدَّبَّةُ، وَتَرَكَ الْحَنَّانَ بِيَمِينٍ وَهُوَ كَثِيبٌ عَظِيمٌ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، فَرَكِبَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّجُلُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَيْخٍ مِنْ الْعَرَبِ، فَسَأَلَهُ عَنْ قُرَيْشٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذَا أَخْبَرْتنَا أَخْبَرْنَاكَ. قَالَ: أَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الشَّيْخُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الَّذِي أَخْبَرَنِي، فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الَّذِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا لِلْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَحْنُ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. قَالَ يَقُولُ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ، أَمِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ؟ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: ذَلِكَ الشَّيْخُ: سُفْيَانُ الضَّمَرِيُّ.
(ظَفَرُ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ يَقِفَانِهِمْ عَلَى أَخْبَارِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إلَى مَاءِ بَدْرٍ، يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ لَهُ عَلَيْهِ- كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ- فَأَصَابُوا رَاوِيَةً [١] لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَسْلَمَ، غُلَامُ بَنِي الْحَجَّاجِ، وَعَرِيضٌ أَبُو يَسَارٍ، غُلَامُ بَنِي الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ، فَأَتَوْا بِهِمَا فَسَأَلُوهُمَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَا: نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ، بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنْ الْمَاءِ. فَكَرِهَ الْقَوْمُ خَبَرَهُمَا، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَا لِأَبِي سُفْيَانَ، فَضَرَبُوهُمَا. فَلَمَّا أَذْلَقُوهُمَا [٢] قَالَا: نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ، فَتَرَكُوهُمَا. وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
---------------------
[١] الراوية: الْإِبِل الَّتِي يستقى عَلَيْهَا المَاء.
[٢] أذلقوهما: بالغوا فِي ضربهما.
وَسَجَدَ سَجْدَتَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَقَالَ: إذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، وَاَللَّهِ إنَّهُمَا لِقُرَيْشِ، أَخْبِرَانِي عَنْ قُرَيْشٍ؟ قَالَا: هُمْ وَاَللَّهِ وَرَاءَ هَذَا الْكَثِيبِ الَّذِي تَرَى بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى- وَالْكَثِيبُ: الْعَقَنْقَلُ- فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَمْ الْقَوْمُ؟ قَالَا: كَثِيرٌ، قَالَ: مَا عِدَّتُهُمْ؟
قَالَا: لَا نَدْرِي، قَالَ: كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَا: يَوْمًا تِسْعًا، وَيَوْمًا عَشْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْقَوْمُ فِيمَا بَين التسع مائَة وَالْأَلْفِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ؟ قَالَا: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَالنَّضْرُ بْنِ الْحَارِثِ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهُ، وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إلَيْكُمْ أَفْلَاذَ [١] كَبِدِهَا.
(بَسْبَسُ وَعَدِيُّ يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَارَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَدِيُّ بْنُ أَبِي الزَّغْبَاءِ قَدْ مَضَيَا حَتَّى نَزَلَا بَدْرًا، فَأَنَاخَا إلَى تَلٍّ قَرِيبٍ مِنْ الْمَاءِ، ثُمَّ أَخَذَا شَنًّا لَهُمَا [٢] يَسْتَقِيَانِ فِيهِ، ومَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ عَلَى الْمَاءِ. فَسَمِعَ عَدِيٌّ وَبَسْبَسُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ جِوَارِي الْحَاضِرِ [٣]، وَهُمَا يَتَلَازَمَانِ [٤] عَلَى الْمَاءِ، وَالْمَلْزُومَةُ [٥] تَقُولُ لِصَاحِبَتِهَا: إنَّمَا تَأْتِي الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَأَعْمَلُ لَهُمْ، ثُمَّ أَقْضِيكَ الَّذِي لَكَ. قَالَ مَجْدِيٌّ:
صَدَقْتِ، ثُمَّ خَلَّصَ بَيْنَهُمَا. وَسَمِعَ ذَلِكَ عَدِيٌّ وَبَسْبَسُ، فَجَلَسَا عَلَى بَعِيرَيْهِمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَاهُ بِمَا سَمِعَا.
-----------------------
[١] الأفلاذ: الْقطع، الْوَاحِدَة فلذة: حِدة.
[٢] الشن: الزق الْبَالِي.
[٣] الْحَاضِر: الْقَوْم النازلون على المَاء.
[٤] التلازم: تعلق الْغَرِيم بغريمه.
[٥] الملزومة: الْمَدِينَة.
(حَذَرُ أَبِي سُفْيَانَ وَهَرَبُهُ بِالْعِيرِ):
وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، حَتَّى تَقَدَّمَ الْعِيرَ حَذَرًا، حَتَّى وَرَدَ الْمَاءَ، فَقَالَ لِمَجْدِيِّ بْنِ عَمْرٍو: هَلْ أَحْسَسْتَ أَحَدًا، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْكَرَهُ، إلَّا أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ قَدْ أَنَاخَا إلَى هَذَا التَّلِّ، ثُمَّ اسْتَقَيَا فِي شَنٍّ لَهُمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا.
فَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ مُنَاخَهُمَا، فَأَخَذَ مِنْ أَبْعَارِ بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتَّهُ، فَإِذَا فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ. فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ سَرِيعًا، فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ عَنْ الطَّرِيقِ، فَسَاحَلَ [١] بِهَا، وَتَرَكَ بَدْرًا بِيَسَارِ، وَانْطَلَقَ حَتَّى أَسْرَعَ.
(رُؤْيَا جُهَيْمِ بْنِ الصَّلْتِ فِي مَصَارِعِ قُرَيْشٍ):
(قَالَ) [٢]: وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا نَزَلُوا الْجُحْفَةَ، رَأَى جُهَيْمُ بْنُ الصَّلْتِ ابْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رُؤْيَا، فَقَالَ: إنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، وَإِنِّي لَبَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقِظَانِ. إذْ نَظَرْتُ إلَى رَجُلٍ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ حَتَّى وَقَفَ، وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَعَدَّدَ رِجَالًا مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ ضَرَبَ فِي لَبَّةِ بَعِيرِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلَّا أَصَابَهُ نَضْحٌ [٣] مِنْ دَمِهِ.
قَالَ: فَبَلَّغْتُ أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ: وَهَذَا أَيْضًا نَبِيٌّ آخَرُ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، سَيَعْلَمُ غَدًا مَنْ الْمَقْتُولُ إنْ نَحْنُ الْتَقَيْنَا.
(رِسَالَةُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى قُرَيْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ، أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ:
إنَّكُمْ إنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَرِجَالَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، فَقَدْ نَجَّاهَا اللَّهُ، فَارْجِعُوا، فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا- وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلَّ عَامٍ- فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ،
---------------------
[١] سَاحل بهَا، أَي أَخذ بهَا جِهَة السَّاحِل.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] نضح: أَي لطخ.
وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَنُسْقِي الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا الْقِيَانُ [١]، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا، فَامْضُوا.
(رُجُوعُ الْأَخْنَسِ بِبَنِي زُهْرَةَ):
وَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ: يَا بَنِي زُهْرَةَ، قَدْ نَجَّى اللَّهُ لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَخَلَّصَ لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَإِنَّمَا نَفَرْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ، فَاجْعَلُوا لِي جُبْنَهَا وَارْجِعُوا، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ بِأَنْ تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ ضَيْعَةٍ [٢]، لَا مَا يَقُولُ هَذَا، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ.
فَرَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيٌّ وَاحِدٌ، أَطَاعُوهُ وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا. وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلَّا وَقَدْ نَفَرَ مِنْهُمْ نَاسٌ، إلَّا بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَرَجَعَتْ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ أَحَدٌ، وَمَشَى الْقَوْمُ. وَكَانَ بَيْنَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- وَكَانَ فِي الْقَوْمِ- وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ مُحَاوَرَةٌ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَقَدْ عَرَفْنَا يَا بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ مَعَنَا، أَنَّ هَوَاكُمْ لَمَعَ مُحَمَّدٍ. فَرَجَعَ طَالِبٌ إلَى مَكَّةَ مَعَ مَنْ رَجَعَ. وَقَالَ طَالِبُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ:
لَا هُمَّ إمَّا يَغْزُوَنَّ طَالِبْ ... فِي عُصْبَةٍ مُحَالِفٌ مُحَارِبْ [٣]
فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبِ ... فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السَّالِبِ [٤]
وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ»، وَقَوْلُهُ «وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ» عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الرِّوَاةِ لِلشِّعْرِ.
(نُزُولُ قُرَيْشٍ بِالْعُدْوَةِ وَالْمُسْلِمِينَ بِبَدْرِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَضَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلُوا بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنْ الْوَادِي، خَلْفَ الْعَقَنْقَلِ وَبَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ يَلَيْلُ، بَيْنَ بَدْرٍ وَبَيْنَ الْعَقَنْقَلِ،
-------------------------
[١] القيان: الْجَوَارِي.
[٢] فِي السِّيرَة الحلبية: «فِي غير مَنْفَعَة» .
[٣] محالف: متحالفين. ومحارب جمع محرب: أَي شجعان.
[٤] المقنب: الْجَمَاعَة من الْخَيل، مِقْدَار ثَلَاث مائَة أَو نَحْوهَا. عَن أَبى ذَر.
الْكَثِيبُ الَّذِي خَلْفَهُ قُرَيْشٌ، وَالْقُلُبُ [١] بِبَدْرِ فِي الْعُدْوَةِ الدُّنْيَا مِنْ بَطْنِ يَلَيْلَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَبَعَثَ اللَّهُ السَّمَاءَ، وَكَانَ الْوَدْيُ دَهْسًا [٢]، فَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنْهَا مَا [٣] لَبَّدَ لَهُمْ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ عَنْ السَّيْرِ وَأَصَابَ قُرَيْشًا مِنْهَا مَا [٣] لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبادرهم إِلَى المَاء، حَتَّى إذَا جَاءَ أَدُنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نَزَلَ بِهِ.
(مَشُورَةُ الْحُبَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدِّثْتُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا: أَنَّ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ، وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟
قَالَ: بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُغَوِّرُ [٤] مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ. فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ، فَسَارَ حَتَّى إذَا أَتَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ نَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْقُلُبِ فَغُوِّرَتْ، وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْقَلِيبِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ، فَمُلِئَ مَاءً، ثُمَّ قَذَفُوا فِيهِ الْآنِيَةَ.
(بِنَاءُ الْعَرِيشِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلَا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا [٥] تَكُونُ فِيهِ، وَنُعِدُّ عِنْدَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ
----------------------
[١] الْقلب: جمع قليب، وَهُوَ الْبِئْر.
[٢] الدهس: كل مَكَان لين لم يبلغ أَن يكون رملا.
[٣] فِي م ر: «مَاء» .
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول: والتغوير: الدّفن والطمس. وَفِي أ: «نعور» بِالْعينِ الْمُهْملَة.
وللتعوير: الْإِفْسَاد.
[٥] الْعَريش شبه الْخَيْمَة يستظل بِهِ.
كَانَتْ الْأُخْرَى، جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ لَكَ حُبًّا مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُونَ مَعَكَ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرِ. ثُمَّ بُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرِيشٌ، فَكَانَ فِيهِ.
(ارْتِحَالُ قُرَيْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ ارْتَحَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أَصْبَحَتْ، فَأَقْبَلَتْ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصَوَّبَ مِنْ الْعَقَنْقَلِ- وَهُوَ الْكَثِيبُ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ إلَى الْوَادِي- قَالَ: اللَّهمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا [١] وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ [٢] وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهمّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتنِي، اللَّهمّ أَحِنْهُمْ [٣] الْغَدَاةَ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- (وَقَدْ) [٤] رَأَى عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي الْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ- إنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا. وَقَدْ كَانَ خُفَافُ بْنُ أَيْمَاءَ بْنِ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، أَوْ أَبُوهُ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، بَعَثَ إلَى قُرَيْشٍ، حِينَ مَرُّوا بِهِ، ابْنَا لَهُ بِجَزَائِرِهِ [٥] أَهْدَاهَا لَهُمْ، وَقَالَ:
إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ نُمِدَّكُمْ بِسِلَاحِ وَرِجَالٍ فَعَلْنَا. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ: أَنْ وَصَلَتْكَ رَحِمٌ، قَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ، فَلَعَمْرِي لَئِنْ كُنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ فَمَا بِنَا مِنْ ضَعْفٍ عَنْهُمْ، وَلَئِنْ كُنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُ اللَّهَ، كَمَا يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ، فَمَا لِأَحَدِ باللَّه مِنْ طَاقَةٍ.
---------------------
[١] الْخُيَلَاء: الْكبر والإعجاب.
[٢] تُحَادك: تعاديك.
[٣] أحنهم، أَي أهلكهم.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] الجزائر: الذَّبَائِح، الْوَاحِدَة: جزور.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-17-2026, 05:41 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (65)
صــ 621إلى صــ 630
(إسْلَامُ ابْنِ حِزَامٍ):
فَلَمَّا نَزَلَ النَّاسُ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهُمْ. فَمَا شَرِبَ مِنْهُ رَجُلٌ يَوْمَئِذٍ إلَّا قُتِلَ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَكَانَ إذَا اجْتَهَدَ فِي يَمِينِهِ، قَالَ: لَا وَاَلَّذِي نَجَّانِي مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ.
(تَشَاوُرُ قُرَيْشٍ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الْقِتَالِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: لَمَّا اطْمَأَنَّ الْقَوْمُ، بَعَثُوا عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الجُمَحِيُّ فَقَالُوا: احْزُرُوا [١] لَنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ الْعَسْكَرِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: ثَلَاث مائَة رَجُلٍ، يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، وَلَكِنْ أَمْهِلُونِي حَتَّى أَنْظُرَ أَلِلْقَوْمِ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ؟ قَالَ: فَضَرَبَ فِي الْوَادِي حَتَّى أَبْعَدَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَكِنِّي قَدْ رَأَيْتُ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، الْبَلَايَا [٢] تَحْمِلُ الْمَنَايَا، نَوَاضِحُ [٣] يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النَّاقِعَ [٤]، قَوْمٌ لَيْسَ مَعَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلَّا سُيُوفُهُمْ، وَاَللَّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَرُوا رَأْيَكُمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى فِي النَّاسِ، فَأَتَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَقَالَ:
يَا أَبَا الْوَلِيدِ، إنَّكَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، وَالْمُطَاعُ فِيهَا، هَلْ لَكَ إلَى أَنْ لَا تَزَالَ تُذْكَرُ فِيهَا بِخَيْرِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا حَكِيمُ؟ قَالَ: تَرْجِعُ بِالنَّاسِ، وَتَحْمِلُ أَمْرَ حَلِيفِكَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، أَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ حَلِيفِي، فَعَلَيَّ عَقْلُهُ وَمَا أُصِيبَ مِنْ مَالِهِ، فَأْتِ ابْنَ الْحَنْظَلِيَّةِ.
--------------------
[١] الحزر: التَّقْدِير بالحدس وَالظَّن.
[٢] البلايا: جمع بلية، وَهِي النَّاقة أَو الدَّابَّة ترْبط على قبر الْمَيِّت فَلَا تعلف وَلَا تسقى حَتَّى تَمُوت،.
وَكَانَ بعض الْعَرَب مِمَّن يقر بِالْبَعْثِ يَقُول: إِن صَاحبهَا يحْشر عَلَيْهَا.
[٣] النَّوَاضِح: الْإِبِل الَّتِي يستقى عَلَيْهَا المَاء.
[٤] الناقع: الثَّابِت الْبَالِغ فِي الإفناء.
(نَسَبُ الْحَنْظَلِيَّةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالْحَنْظَلِيَّةُ أُمُّ أَبِي جَهْلٍ، وَهِيَ أَسَمَاءُ بِنْتُ مُخَرَّبَةَ، أَحَدُ بَنِي نَهْشِلْ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ- فَإِنِّي لَا أَخْشَى أَنْ يَشْجُرَ [١] أَمْرَ النَّاسِ غَيْرُهُ، يَعْنِي أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَام. ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ خَطِيبًا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا تَصْنَعُونَ بِأَنْ تَلَقَّوْا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ شَيْئًا، وَاَللَّهِ لَئِنْ أَصَبْتُمُوهُ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَجُلٍ يَكْرَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ، قَتَلَ ابْنَ عَمِّهِ أَوْ ابْنَ خَالِهِ، أَوْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهِ، فَارْجِعُوا وَخَلُّوا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ أَصَابُوهُ فَذَاكَ الَّذِي أَرَدْتُمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَلْفَاكُمْ وَلَمْ تَعَرَّضُوا مِنْهُ مَا تُرِيدُونَ.
قَالَ حَكِيمٌ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى جِئْتُ أَبَا جَهْلٍ، فَوَجَدْتهُ قَدْ نَثَلَ [٢] دِرْعًا لَهُ مِنْ جِرَابِهَا، فَهُوَ يُهَنِّئُهَا [٣] . - (قَالَ ابْنُ هِشَامٍ) [٤]: يُهَيِّئُهَا- فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحَكَمِ إنَّ عُتْبَةَ أَرْسَلَنِي إلَيْكَ بِكَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي قَالَ، فَقَالَ: انْتَفَخَ وَاَللَّهِ سَحْرُهُ [٥] حِينَ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، كَلَّا وَاَللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أَكَلَةُ جَزُورٍ، وَفِيهِمْ ابْنُهُ، فَقَدْ تَخَوَّفَكُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ بَعَثَ إلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَالَ: هَذَا حَلِيفُكَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَكَ بِعَيْنِكَ، فَقُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ [٦]، وَمَقْتَلَ أَخِيكَ.
فَقَامَ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فَاكْتَشَفَ ثمَّ صرخَ: وَا عمراه، وَا عمراه، فَحَمِيَتْ الْحَرْبُ، وَحَقِبَ [٧] النَّاسُ، وَاسْتَوْسَقُوا [٨] عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرِّ، وَأُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ الرَّأْيُ الَّذِي دَعَاهُمْ إلَيْهِ عُتْبَةُ.
------------------------
[١] يشجر أَمر النَّاس: أَي يحالف بَينهم، من المشاجرة، وَهِي الْمُخَالفَة والمخاصمة.
[٢] نثل: أخرج.
[٣] يهنئها: يطليها بعكر الزَّيْت. وَقَالَ أَبُو ذَر: «يهنئها: يتفقدها» .
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] انتفاخ السحر: كِنَايَة عَن الْجُبْن.
[٦] أنْشد خفرتك، أَي اطلب من قُرَيْش الْوَفَاء بخفرتهم لَك، أَي عَهدهم، لِأَنَّهُ كَانَ حليفا لَهُم وجارا.
[٧] حقب: اشْتَدَّ.
[٨] استوسقوا: اجْتَمعُوا.
فَلَمَّا بَلَغَ عُتْبَةَ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ «انْتَفَخَ وَاَللَّهِ سَحْرُهُ»، قَالَ: سَيَعْلَمُ مُصَفِّرُ اسْتِهِ [١] مَنْ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، أَنَا أَمْ هُوَ؟.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السَّحْرُ: الرِّئَةُ وَمَا حَوْلَهَا مِمَّا يَعْلَقُ بِالْحُلْقُومِ مِنْ فَوْقِ السُّرَّةِ.
وَمَا كَانَ تَحْتَ السُّرَّةِ، فَهُوَ الْقُصْبُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ.
ثُمَّ الْتَمَسَ عُتْبَةُ بَيْضَةً لِيُدْخِلَهَا فِي رَأْسِهِ، فَمَا وَجَدَ فِي الْجَيْشِ بَيْضَةً تَسَعُهُ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اعْتَجَرَ [٢] عَلَى رَأْسِهِ بِبُرْدٍ لَهُ.
(مَقْتَلُ الْأَسْوَدِ الْمَخْزُومِيِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ خَرَجَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا شَرِسًا سَيِّئَ الْخُلُقِ، فَقَالَ: أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ، أَوْ لَأَهْدِمَنَّهُ، أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ، خَرَجَ إلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا الْتَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَأَطَنَّ [٣] قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، وَهُوَ دُونَ الْحَوْضِ، فَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ تَشْخَبُ [٤] رِجْلُهُ دَمًا نَحْوَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ حَبَا إلَى الْحَوْضِ حَتَّى اقْتَحَمَ فِيهِ، يُرِيدُ
--------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «قَوْله: مصفر استه، كلمة لم يخترعها عتبَة وَلَا هُوَ بِأبي عذرتها، قد قيلت قبله يقالوس بن النُّعْمَان أَو لقابوس بن الْمُنْذر، لِأَنَّهُ كَانَ مرفها لَا يَغْزُو فِي الحروب، فَقيل لَهُ: مصفر استه، يُرِيدُونَ صفرَة الخلوق وَالطّيب.
وَقد قَالَ هَذِه الْكَلِمَة قيس بن زُهَيْر فِي حُذَيْفَة يَوْم الهباءة. وَلم يقل أحد إِن حُذَيْفَة كَانَ مستوها، فَإِذا لَا يَصح قَول من قَالَ فِي أَبى جهل، من قَول عتبَة فِيهِ هَذِه الْكَلِمَة، إِنَّه كَانَ مستوها.
وسَادَة الْعَرَب لَا تسْتَعْمل الخلوق وَالطّيب إِلَّا فِي الدعة والخفض، وتعيبه فِي الْحَرْب أَشد الْعَيْب. وأحسب أَن أَبَا جهل لما سلمت العير وَأَرَادَ أَن ينْحَر الجزر وَيشْرب الْخمر ببدر، وتعزف عَلَيْهِ القيان بهَا، اسْتعْمل الطّيب أَو هم بِهِ، فَلذَلِك قَالَ لَهُ عتبَة هَذِه الْمقَالة، أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر فِي بنى مَخْزُوم:
وَمن جهل أَبُو جهل أخوكم ... غزا بَدْرًا بمجمرة وتور
يُرِيد: أَنه تبخر وتطيب فِي الْحَرْب.
وَقَوله «مصفر استه» إِنَّمَا أَرَادَ مصفر بدنه، وَلكنه قصد الْمُبَالغَة فِي الذَّم فَخص مِنْهُ بِالذكر مَا يسوء أَن تذكر» .
[٢] اعتجر: نعمم بِغَيْر تلح، أَي لم يَجْعَل تَحت لحيته مِنْهَا شَيْئا.
[٣] أطن: أطار.
[٤] تشخب: تسيل بِصَوْت.
- (زَعَمَ) [١]- أَنْ يُبِرَّ يَمِينَهُ، وَأَتْبَعَهُ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَوْضِ.
(دُعَاءُ عُتْبَةَ إلَى الْمُبَارَزَةِ):
قَالَ: ثمَّ خرج بعده عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، حَتَّى إذَا فَصَلَ مِنْ الصَّفِّ دَعَا إلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فِتْيَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ثَلَاثَةٌ، وَهُمْ: عَوْفٌ، وَمُعَوِّذٌ، ابْنَا الْحَارِثِ- وَأُمُّهُمَا عَفْرَاءُ- وَرَجُلٌ آخَرُ، يُقَالُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ. ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْرِجْ إِلَيْنَا أكفاءنا عَن قَوْمِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ، وَقُمْ يَا عَلِيُّ، فَلَمَّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ، قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالَ عُبَيْدَةُ:
عُبَيْدَةُ، وَقَالَ حَمْزَةُ: حَمْزَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ: عَلِيٌّ، قَالُوا: نَعَمْ، أَكْفَاءٌ كِرَامٌ. فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ، وَكَانَ أَسَنَّ الْقَوْمِ، عُتْبَةَ (بْنَ) [٢] رَبِيعَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ. فَأَمَّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِلْ الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ، كِلَاهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ [٣]، وَكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ بِأَسْيَافِهِمَا عَلَى عُتْبَةَ فَذَفَّفَا [٤] عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلَا صَاحِبَهُمَا فَحَازَاهُ إلَى أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ لِلْفِتْيَةِ مِمَّنْ الْأَنْصَارُ، حِينَ انْتَسَبُوا: أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، إنَّمَا نُرِيدُ قَوْمَنَا.
(الْتِقَاءُ الْفَرِيقَيْنِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ تَزَاحَفَ النَّاسُ وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَحْمِلُوا حَتَّى يَأْمُرَهُمْ، وَقَالَ: إنْ اكْتَنَفَكُمْ الْقَوْمُ
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي م.
[٣] أثبت صَاحبه: جرحه جِرَاحَة لم يقم مَعهَا.
[٤] ذففا عَلَيْهِ: أَسْرعَا قَتله.
٤٠- سيرة ابْن هِشَام- ١
فَانْضَحُوهُمْ [١] عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ، مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.
فَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَمَا حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.
(ابْنُ غَزِيَّةَ وَضَرْبُ الرَّسُولِ لَهُ فِي بَطْنِهِ بِالْقَدَحِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَدَّلَ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ قِدْحٌ [٢] يُعَدِّلُ بِهِ الْقَوْمَ، فَمَرَّ بِسَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ، حَلِيفِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٣]: يُقَالُ، سَوَّادٌ، مُثَقَّلَةٌ، وَسَوَادٌ فِي الْأَنْصَارِ غَيْرُ هَذَا، مُخَفَّفٌ [٤]- وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ [٥] مِنْ الصَّفِّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُسْتَنْصِلٌ [٦] مِنْ الصَّفِّ- فَطُعِنَ فِي بَطْنِهِ بِالْقِدْحِ، وَقَالَ: اسْتَوِ يَا سَوَّادُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْجَعْتنِي وَقَدْ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، قَالَ: فَأَقِدْنِي [٧] . فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ: اسْتَقِدْ، قَالَ: فَاعْتَنَقَهُ فَقَبَّلَ بَطْنَهُ: فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَّادُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْعَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْرِ، وَقَالَهُ لَهُ.
(مُنَاشَدَةُ الرَّسُولِ رَبَّهُ النَّصْرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عَدَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّفُوفَ، وَرَجَعَ إلَى
------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «فانضخوهم» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. والنضح والنضخ بِمَعْنى. يُقَال:
نضحه بِالنَّبلِ ونضخه، إِذا رَمَاه بِهِ.
[٢] الْقدح: السهْم.
[٣] هَذِه الْعبارَة المعترضة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «وبالتخفيف قَيده الدارقطنيّ، وَعبد الْغنى» .
[٥] مستنتل: مُتَقَدم.
[٦] مستنصل: خَارج.
[٧] أقدنى، أَي اقْتصّ لي من نَفسك.
الْعَرِيشِ فَدَخَلَهُ، وَمَعَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، لَيْسَ مَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاشِدُ [١] رَبَّهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ النَّصْرِ، وَيَقُولُ فِيمَا يَقُولُ: اللَّهمّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ الْيَوْمَ لَا تُعْبَدْ، وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: بَعْضَ مُنَاشَدَتِكَ رَبَّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مُنْجِّزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ. وَقَدْ خَفَقَ [٢] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَفْقَةً وَهُوَ فِي الْعَرِيشِ، ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ. هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسٍ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ [٣] .
(مَقْتَلُ مِهْجَعٍ وَابْنِ سُرَاقَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ رُمِيَ مِهْجَعٌ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِسَهْمِ فَقُتِلَ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رُمِيَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ، أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ يَشْرَبُ مِنْ الْحَوْضِ، بِسَهْمِ فَأَصَابَ نَحْرَهُ، فَقُتِلَ.
(تَحْرِيضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ):
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى النَّاسِ فَحَرَّضَهُمْ، وَقَالَ:
وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُقَاتِلُهُمْ الْيَوْمَ رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَفِي يَدِهِ تَمَرَاتٍ يَأْكُلُهُنَّ: بَخْ بَخْ [٤]، أَفَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَذَفَ التَّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ عَوْفَ [٥] بْنَ الْحَارِثِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُضْحِكُ [٦] الرَّبَّ مِنْ عَبْدِهِ؟ قَالَ: غَمْسُهُ
------------------------
[١] يناشد ربه: يسْأَله ويرغب إِلَيْهِ.
[٢] خَفق: نَام نوما يَسِيرا.
[٣] النَّقْع: الْغُبَار.
[٤] بخ (بِكَسْر الْخَاء وإسكانها) كلمة تقال فِي مَوضِع الْإِعْجَاب.
[٥] وَقد قيل فِي «عَوْف»: عوذ (بِالذَّالِ المنقوطة) . ويقوى هَذَا القَوْل أَن أَخَوَيْهِ معَاذ ومعوذ.
(رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٦] يضْحك الرب، أَي يرضيه غَايَة الرِّضَا.
يَدَهُ فِي الْعَدُوِّ حَاسِرًا. فَنَزَعَ دِرْعًا كَانَتْ عَلَيْهِ فَقَذَفَهَا، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ.
(اسْتِفْتَاحُ أَبِي جَهْلٍ بِالدُّعَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيِّ، حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ لَمَّا الْتَقَى النَّاسُ، وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: اللَّهمّ أَقْطَعَنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا يُعْرَفُ، فَأَحِنْهُ [١] الْغَدَاةَ. فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَفْتِحَ [٢] .
(رَمْيُ الرَّسُولِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْحَصْبَاءِ فَاسْتَقْبَلَ قُرَيْشًا بِهَا، ثُمَّ قَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ، ثُمَّ نَفَحَهُمْ بِهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: شِدُّوا، فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ، فَقَتَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قُتِلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ. فَلَمَّا وَضَعَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ يَأْسِرُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مُتَوَشِّحَ السَّيْفِ، فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَخَافُونَ عَلَيْهِ كَرَّةَ الْعَدُوِّ، وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- فِي وَجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النَّاسَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ [٣] يَا سَعْدُ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ الْقَوْمَ، قَالَ: أَجَلْ وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ أَوَّلَ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا (اللَّهُ) [٤] بِأَهْلِ الشِّرْكِ.
فَكَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِ.
(نَهْيُ النَّبِيِّ أَصْحَابَهُ عَنْ قَتْلِ نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ،
-------------------------
[١] أحنه: أهلكه.
[٢] المستفتح: الْحَاكِم على نَفسه بِهَذَا الدُّعَاء.
[٣] فِي أ: «لكأنّي بك» .
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: إنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أَخْرَجُوا كُرْهًا، لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ أَسَدٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَتَنَا [١] وَعَشِيرَتَنَا. وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ، وَاَللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأُلْحِمَنَّهُ [٢] السَّيْفَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لَأُلْجِمَنَّهُ [٣] (السَّيْفَ) [٤]- قَالَ: فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَبَا حَفْصٍ- قَالَ عُمَرُ:
وَاَللَّهِ إنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّانِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي حَفْصٍ- أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقه بِالسَّيْفِ، فو الله لَقَدْ نَافَقَ. فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ: مَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُ يَوْمَئِذٍ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا، إلَّا أَنْ تُكَفِّرَهَا عَنِّي الشَّهَادَةُ. فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٥]: وَإِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ أَكَفَّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ لَا يُؤْذِيهِ، وَلَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَكَانَ مِمَّنْ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَتْ قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ. فَلَقِيَهُ الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادٍ الْبَلَوِيُّ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ الْمُجَذَّرُ لِأَبِي الْبَخْتَرِيِّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا عَنْ قَتْلِكَ- وَمَعَ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ زَمِيلٌ [٦] لَهُ، قَدْ خَرَجَ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ جُنَادَةُ بْنُ مُلَيْحَةَ بِنْتِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ،
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «إِخْوَاننَا» .
[٢] لألحمنه: أَي لأطعنن لَحْمه بِالسَّيْفِ، ولأخالطنه بِهِ.
[٣] لألجمنه: أَي لأضربنه بِهِ فِي وَجهه.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٦] الزميل: الّذي يركب مَعَه على بعير وَاحِد.
وَجُنَادَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ. وَاسْمُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ: الْعَاصِ- قَالَ: وَزَمِيلِي؟
فَقَالَ لَهُ الْمُجَذَّرُ: لَا وَاَللَّهِ، مَا نَحْنُ بِتَارِكِي زَمِيلِكَ، مَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِكَ وَحْدَكَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ، إذَنْ لَأَمُوتَنَّ أَنَا وَهُوَ جَمِيعًا، لَا تَتَحَدَّثُ عَنِّي نِسَاءُ مَكَّةَ أَنِّي تَرَكْتُ زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ. فَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ حِينَ نَازَلَهُ الْمُجَذَّرُ وَأَبَى إلَّا الْقِتَالَ، يَرْتَجِزُ:
لَنْ يُسْلِمَ ابْنُ حُرَّةَ زَمِيلَهُ ... حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرَى سَبِيلَهُ
فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَهُ الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادٍ. وَقَالَ الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادٍ [١] فِي قَتْلِهِ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ:
إمَّا جَهِلْتَ أَوْ نَسِيتَ نَسَبِي ... فَأَثْبِتْ النِّسْبَةَ أَنِّي مَنْ بَلِيَ
الطَّاعِنِينَ بِرِمَاحِ الْيَزْنِيِّ ... وَالضَّارِبِينَ الْكَبْشَ حَتَّى يَنْحَنِيَ [٢]
بَشِّرْ بِيُتْمِ مَنْ أَبُوهُ الْبَخْتَرِيِّ ... أَوْ بَشِّرْنَ بِمِثْلِهَا مِنِّي بَنِي
أَنَا الَّذِي يُقَالُ أَصْلِي مَنْ بَلِيَ ... أَطْعَنُ بِالصَّعْدَةِ حَتَّى تَنْثَنِيَ [٣]
وَأَعْبِطْ الْقِرْنَ بِعَضْبِ مَشْرَفِيِّ ... أُرْزِمُ لِلْمَوْتِ كَإِرْزَامِ الْمَرِيِّ [٤]
فَلَا تَرَى مُجَذَّرًا يَفْرِي فَرِيِّ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «الْمَرِيُّ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. وَالْمَرِيُّ [٦]: النَّاقَةُ الَّتِي يُسْتَنْزَلُ لَبَنُهَا عَلَى عُسْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الْمُجَذَّرَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ:
وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ جَهَدْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْسِرَ فَآتِيكَ بِهِ، (فَأَبَى) [٧] إلَّا أَنْ يُقَاتِلَنِي، فَقَاتَلْتُهُ فَقَتَلْتُهُ.
--------------------------
[١] زَادَت (أ) بعد هَذِه الْكَلِمَة: «وَيُقَال: المجذر بن ذئاب» .
[٢] برماح منسوبة إِلَى ذِي يزن، وَهُوَ ملك من مُلُوك الْيمن. والكبش: رَئِيس الْقَوْم.
[٣] الصعدة: عَصا الرمْح، ثمَّ سمى الرمْح: صعدة.
[٤] أعبط: أقتل. والقرن: المقاوم فِي الْحَرْب. والعضب: السَّيْف الْقَاطِع. والمشرفي: مَنْسُوب إِلَى المشارف، وَهِي قرى بِالشَّام. وأرزم: أحن والإرزام: رُغَاء النَّاقة بجنان.
[٥] يُقَال: فرى يفرى فريا، إِذا أَتَى بِأَمْر عَجِيب.
[٦] وَقيل المري: النَّاقة الغزيرة اللَّبن.
[٧] زِيَادَة عَن أ، ط.
قَالَ ابْنَ هِشَامٌ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ [١] بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ.
(مَقْتَلُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِيهِ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: كَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ لِي صَدِيقًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ اسْمِي عَبْدَ عَمْرٍو، فَتَسَمَّيْتُ، حِينَ أَسْلَمْتُ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَكَانَ يَلْقَانِي إذْ نَحْنُ بِمَكَّةَ فَيَقُولُ:
يَا عَبْدَ عَمْرٍو، أَرَغِبْتَ عَنْ اسْمٍ سَمَّاكَهُ أَبَوَاكَ؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَيْئًا أَدْعُوكَ بِهِ، أَمَّا أَنْتَ فَلَا تُجِيبُنِي بِاسْمِكَ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَدْعُوكَ بِمَا لَا أَعْرِفُ، قَالَ: فَكَانَ إذَا دَعَانِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، لَمْ أُجِبْهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، اجْعَلْ مَا شِئْتَ، قَالَ: فَأَنْتَ عَبْدُ الْإِلَهِ، قَالَ:
فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكُنْتُ إذَا مَرَرْتُ بِهِ قَالَ: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ فَأُجِيبُهُ، فَأَتَحَدَّثُ مَعَهُ. حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، مَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ ابْنِهِ، عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ، آخُذُ بِيَدِهِ، وَمَعِي أَدْرَاعٌ [٢]، قَدْ اسْتَلَبْتُهَا، فَأَنَا أَحْمِلُهَا. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي:
يَا عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ لَكَ فِيَّ، فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَاعِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، هَا اللَّهِ ذَا [٣] . قَالَ:
فَطَرَحْتُ الْأَدْرَاعَ مِنْ يَدِي، وَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ، أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللَّبَنِ؟ (قَالَ) [٤]: ثُمَّ خَرَجْتُ أَمْشِي بِهِمَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرِيدُ بِاللَّبَنِ، أَنَّ مَنْ أَسَرَنِي افْتَدَيْتُ مِنْهُ بِإِبِلِ كَثِيرَةِ اللَّبَنِ.
-----------------------------
[١] فِي أ: «هَاشم» .
[٢] فِي م، ر: «أَدْرَاع لي» .
[٣] كَذَا فِي شرح السِّيرَة وَالرَّوْض. قَالَ السهيليّ: «هَا: تَنْبِيه. وَذَا: إِشَارَة إِلَى نَفسه وَقَالَ:
بَعضهم إِلَى الْقسم، أَي هَذَا قسمي. وأراها إِشَارَة إِلَى الْمقسم، وخفض اسْم الله بِحرف الْقسم أضمره وَقَامَ التَّنْبِيه مقَامه، كَمَا يقوم الِاسْتِفْهَام مقَامه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَا أَنا ذَا مقسم. وَفصل بِالِاسْمِ الْمقسم بِهِ بَين (هَا) و(ذَا) فَعلم أَنه هُوَ الْمقسم، فاستغنى عَن أَنا. وَكَذَلِكَ قَول أَبى بكر: لَا هَا الله ذَا، وَقَول زُهَيْر:
تعلمن هَا لعَمْرو الله ذَا قسما
أكد بِالْمَصْدَرِ قسمه الّذي دلّ عَلَيْهِ لَفظه الْمُتَقَدّم» .
[٤] زِيَادَة عَن أ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-18-2026, 06:15 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (66)
صــ 631إلى صــ 640
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعْدِ [١] بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ [٢] عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ لِي أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ، آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ، مَنْ الرَّجُلُ مِنْكُمْ الْمُعْلَمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟
قَالَ: قُلْتُ: ذَاكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: ذَاكَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ، قَالَ عبد الرَّحْمَن: فو الله إنِّي لَأَقُودُهُمَا إذْ رَآهُ بِلَالٌ مِعَى- وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُعَذِّبُ بِلَالًا بِمَكَّةَ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ، فَيُخْرِجُهُ إلَى رَمْضَاءَ [٣] مَكَّةَ إذَا حَمَيْتُ، فَيُضْجِعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا أَوْ تُفَارِقَ دِينَ مُحَمَّدٍ، فَيَقُولُ بِلَالٌ: أَحَدٌ أَحَدٌ. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ، قَالَ: رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا [٤] . قَالَ: قُلْتُ: أَيْ بِلَالٌ، أَبِأَسِيرَيَّ. [٥] قَالَ: لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا. قَالَ: قُلْتُ: أَتَسْمَعُ يَا بن السَّوْدَاءِ، قَالَ: لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا. قَالَ: ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَنْصَارَ اللَّهِ، رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا. قَالَ: فَأَحَاطُوا بِنَا حَتَّى جَعَلُونَا فِي مِثْلِ الْمُسْكَةِ [٦] وَأَنَا أَذُبُّ عَنْهُ.
قَالَ: فَأَخْلَفَ [٧] رَجُلٌ السَّيْفَ، فَضَرَبَ رِجْلَ ابْنِهِ فَوَقَعَ، وَصَاحَ أُمَيَّةُ صَيْحَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ. قَالَ: فَقُلْتُ: اُنْجُ بِنَفْسِكَ، وَلَا نجاء بك [٨] فو الله مَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا. قَالَ: فَهَبِرُوهُمَا [٩] بِأَسْيَافِهِمْ، حَتَّى فَرَغُوا مِنْهُمَا. قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ بِلَالًا، ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي وَفَجَعَنِي بِأَسِيرَيَّ.
------------------------
[١] فِي أ: «سعيد» . وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب وتراجم رجال) .
[٢] فِي الْأُصُول: «عَن عبد الرَّحْمَن» . وَظَاهر أَن كلمة «عَن» مقحمة.
[٣] الرمضاء: الرمل الْحَار من الشَّمْس.
[٤] فِي أ، ط: «لَا نجوت إِن نجوت» بِضَم التَّاء الأولى وَفتح الثَّانِيَة.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أسيرى» .
[٦] فِي مثل المسكة، أَي جعلونا فِي حَلقَة كالسوار وَأَحْدَقُوا بِنَا.
[٧] يُقَال: أخلف الرجل السَّيْف: إِذا سَله من غمده.
[٨] فِي أ: «بِهِ» .
[٩] هبروهما: قطعوهما.
(شُهُودُ الْمَلَائِكَةِ وَقْعَةَ بَدْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدِّثَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي حَتَّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ، وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ، نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ [١]، فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الْجَبَلِ، إذْ دَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ، فَسَمِعْنَا فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَقَدِمَ حَيْزُومُ [٢]، فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ، فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكِدْتُ أَهْلَكَ، ثُمَّ تَمَاسَكْتُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ، بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ:
لَوْ كُنْتُ الْيَوْمَ بِبَدْرِ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمْ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ فِيهِ وَلَا أَتَمَارَى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ [٣] الْمَازِنِيِّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ: إنِّي لَأَتَّبِعُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ، إذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا قَدْ أَرْسَلُوهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عَمَائِمَ حُمْرًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْعَمَائِمُ: تِيجَانُ الْعَرَبِ، وَكَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا قَدْ أَرْخَوْهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ، إلَّا جِبْرِيلُ فَإِنَّهُ كَانَتْ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ.
--------------------------------
[١] الدبرة: الدائرة.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «قَالَ ابْن سراج: أقدم: كلمة تزجر بهَا الْخَيل. وحيزوم: اسْم فرس جِبْرِيل عليه السلام. وَيُقَال: فِيهِ جيزون» .
[٣] اسْم أَبى دَاوُد هَذَا: عَمْرو، وَقيل: عُمَيْر بن عَامر، (رَاجع الرَّوْض) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
وَلَمْ تُقَاتِلْ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنْ الْأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ.
(مَقْتَلُ أَبِي جَهْلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَئِذٍ يَرْتَجِزُ، وَهُوَ يُقَاتِلُ وَيَقُولُ:
مَا تَنْقِمُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ مِنِّي ... بَازِلُ عَامَيْنِ حَدِيثٌ سنى [١]
لِمِثْلِ هَذَا وَلَدَتْنِي أُمِّي [٢]
(شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ بِبَدْرِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ شِعَارُ [٣] أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: أَحَدٌ أَحَدٌ.
(عَوْدٌ إلَى مَقْتَلِ أَبِي جَهْلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَدُوِّهِ، أَمَرَ بِأَبِي جَهْلٍ أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى.
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ، كَمَا حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا قَدْ حَدَّثَنِي ذَلِكَ، قَالَا: قَالَ مُعَاذُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ وَأَبُو جَهْلٍ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَرَجَةُ: الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ:
أَنَّهُ سَأَلَ أَعْرَابِيًّا عَنْ الْحَرَجَةِ، فَقَالَ: هِيَ شَجَرَةٌ مِنْ [٤] الْأَشْجَارِ لَا يُوصَلُ إلَيْهَا- وَهُمْ يَقُولُونَ: أَبُو الْحَكَمِ لَا يُخْلَصُ إلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا جَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي، فَصَمَدْتُ [٥] نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَطَنَّتْ [٦] قَدَمَهُ
------------------------
[١] الْحَرْب الْعوَان: الَّتِي قوتل فِيهَا مرّة، فَهِيَ لذَلِك أَشد الحروب. والبازل من الْإِبِل: الّذي خرج نابه، وَهُوَ فِي ذَلِك السن تكمل قوته.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «وَيُقَال: هَذَا الرجز لَيْسَ لأبى جهل وَإِنَّمَا تمثل بِهِ» .
[٣] الشعار: الْعَلَاء.
[٤] فِي أ: (بَين) .
[٥] صمدت: قصدت.
[٦] أطنت قدمه: أطارتها.
بِنصْف سَاقه، فو الله مَا شَبَّهْتهَا حِينَ طَاحَتْ إلَّا بِالنَّوَاةِ تُطِيحُ [١] مِنْ تَحْتِ مِرْضَخَةِ [٢] النَّوَى حِينَ يُضْرَبُ بِهَا. قَالَ: وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي، فَطَرَحَ يَدِي، فَتَعَلَّقَتْ بِجَلْدَةٍ مِنْ جَنْبِي، وَأَجْهَضَنِي [٣] الْقِتَالُ عَنْهُ، فَلَقَدْ قَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي، وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عَلَيْهَا قَدَمِي، ثُمَّ تَمَطَّيْتُ بِهَا عَلَيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٤]: ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ.
ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ عَقِيرٌ، مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ، فَضَرَبَهُ حَتَّى أَثْبَتَهُ، فَتَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ. وَقَاتَلَ مُعَوِّذٌ [٥] حَتَّى قُتِلَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِأَبِي جَهْلٍ، حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- اُنْظُرُوا، إنْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ فِي الْقَتْلَى، إلَى أَثَرِ جُرْحٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَإِنِّي ازْدَحَمْتُ يَوْمًا أَنَا وَهُوَ عَلَى مَأْدُبَةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ، وَنَحْنُ غُلَامَانِ، وَكُنْتُ أَشَفَّ مِنْهُ بِيَسِيرٍ، فَدَفَعْتُهُ فَوَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَجُحِشَ [٦] فِي إحْدَاهُمَا جَحْشًا لَمْ يَزَلْ أَثَرُهُ بِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَوَجَدْتُهُ بِآخِرِ رَمَقٍ فَعَرَفْتُهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ- قَالَ: وَقَدْ كَانَ ضَبَثَ بِي مَرَّةً بِمَكَّةَ، فَآذَانِي وَلَكَزَنِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عَدُوَّ الله؟ قَالَ: وَبِمَاذَا أَخْزَانِي، أَعْمَدُ
--------------------
[١] تطيح: تذْهب.
[٢] المرضخة: الَّتِي يدق بهَا النَّوَى للعلف.
[٣] أجهضنى: غلبني وَاشْتَدَّ على.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٥] قَالَ السهيليّ: «... وَذكر الغلامين اللَّذين قتلا أَبَا جهل، وأنهما معَاذ بن عَمْرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء. وَفِي صَحِيح مُسلم أَنَّهُمَا معَاذ بن عفراء ومعاذ بن عَمْرو بن الجموح. وعفراء هِيَ بنت عبيد ابْن ثَعْلَبَة بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار، عرف بهَا بَنو عفراء. وأبوهم الْحَارِث بن رِفَاعَة ابْن سَواد، على اخْتِلَاف فِي ذَلِك، وَرِوَايَة ابْن إِدْرِيس عَن ابْن إِسْحَاق، كَمَا فِي كتاب مُسلم: قَالَ أَبُو عَمْرو وَأَصَح من هَذَا كُله حَدِيث أنس حِين قَالَ النَّبِي ﷺ: من يأتينى بِخَبَر أَبى جهل؟ (الحَدِيث) وَفِيه: أَن ابْني عفراء قتلاه» .
[٦] : خدش.
مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ [١]، أَخْبِرْنِي لِمَنْ الدَّائِرَةُ الْيَوْمَ؟ قَالَ: قُلْتُ: للَّه وَلِرَسُولِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ضَبَثَ: قَبَضَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ. قَالَ ضَابِئُ بْنُ الْحَارِثِ الْبُرْجُمِيُّ [٢]
فَأَصْبَحْتُ مِمَّا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ... مِنْ الْوُدِّ مِثْلَ الضَّابِثِ الْمَاءَ بِالْيَدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَعَارٌ عَلَى رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنْ الدَّائِرَةُ [٣] الْيَوْمَ؟
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ:
قَالَ لِي: لَقَدْ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِي الْغَنَمِ قَالَ: ثمَّ احتززت رَأْسَهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: آللَّه [٤] الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ- قَالَ: وَكَانَتْ يَمِينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ، ثُمَّ أَلْقَيْتُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي: أَنَّ عُمَرَ ابْن الْخَطَّابِ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَمَرَّ بِهِ: إنِّي أَرَاكَ كَأَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا، أَرَاكَ تَظُنُّ أَنِّي قَتَلْتُ أَبَاكَ، إنِّي لَوْ قَتَلْتُهُ لَمْ أَعْتَذِرْ إلَيْكَ مِنْ قَتْلِهِ، وَلَكِنِّي قَتَلْتُ
--------------------
[١] وَيُقَال: «أعمد من رجل قَتله قومه» . قَالَ السهيليّ: «أَي هَل فَوق رجل قَتله قومه. وَهُوَ معنى تَفْسِير ابْن هِشَام حَيْثُ قَالَ: أَي لَيْسَ عَلَيْهِ عَار. وَالْأول تَفْسِير أَبى عُبَيْدَة فِي غَرِيب الحَدِيث. وَقد ذكر شَاهدا عَلَيْهِ:
وأعمد من قوم كفاهم أخوهم ... صدام الأعادي حِين فَلت نيوبها
قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي من قَوْلهم: عمد الْبَعِير يعمد، إِذا تفسخ سنامه فَهَلَك: أَي أهلك من رجل قَتله قومه.
وَقَالَ أَبُو ذَر: «يُرِيد: أكبر من رجل قَتَلْتُمُوهُ، على سَبِيل التحقير مِنْهُ لفعلهم بِهِ» .
[٢] وزادت م: «قبيل من تَمِيم»، يُرِيد أَن البرجمي مَنْسُوب إِلَى البراجم وهم أَحيَاء من بنى تَمِيم.
[٣] فِي أ: «لمن الدبرة» .
[٤] قَالَ السهيليّ: «آللَّه الّذي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، هُوَ بالخفض عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَغَيره، لِأَن الِاسْتِفْهَام عوض من الْخَافِض عِنْده، وَإِذا كنت مخبرا قلت: الله. بِالنّصب، لَا يُجِيز الْمبرد غَيره، وَأَجَازَ سِيبَوَيْهٍ الْخَفْض أَيْضا، لِأَنَّهُ قسم، وَقد عرف أَن الْمقسم بِهِ مخفوض بِالْبَاء أَو بِالْوَاو، وَلَا يجوز إِضْمَار حُرُوف الْجَرّ إِلَّا فِي مثل هَذَا الْموضع، أَو مَا كثر اسْتِعْمَاله جدا، كَمَا روى أَن رؤبة كَانَ يَقُول: إِذا قيل لَهُ كَيفَ أَصبَحت: خير، عافاك الله» .
خَالِي الْعَاصِ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَأَمَّا أَبُوكَ فَإِنِّي مَرَرْتُ (بِهِ) [١] وَهُوَ يَبْحَثُ بَحْثَ الثَّوْرِ بِرَوْقِهِ [٢] فَحُدْتُ [٣] عَنْهُ، وَقَصَدَ لَهُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ.
(قِصَّةُ سَيْفِ عُكَّاشَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَاتَلَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ الْأَسَدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفِهِ حَتَّى انْقَطَعَ فِي يَدِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ جِذْلًا [٤] مِنْ حَطَبٍ، فَقَالَ: قَاتِلْ بِهَذَا يَا عُكَّاشَةُ فَلَمَّا أَخَذَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَزَّهُ، فَعَادَ سَيْفًا فِي يَدِهِ طَوِيلَ الْقَامَةِ، شَدِيدَ الْمَتْنِ، أَبْيَضَ الْحَدِيدَةِ، فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسَمَّى: الْعَوْنَ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُتِلَ فِي الرَّدَّةِ، وَهُوَ عِنْدَهُ، قَتَلَهُ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ طُلَيْحَةُ فِي ذَلِكَ:
فَمَا ظَنُّكُمْ بِالْقَوْمِ إذْ تَقْتُلُونَهُمْ ... أَلَيْسُوا وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا بِرِجَالِ
فَإِنْ تَكُ أَذَاوُدٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ ... فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبَالِ [٥]
نَصَبْتُ لَهُمْ صَدْرَ الْحِمَالَةِ [٦] إنَّهَا ... مُعَاوِدَةٌ قِيلَ [٧] الْكُمَاةُ نَزَالُ [٨]
فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الْجِلَالِ مَصُونَةً ... وَيَوْمًا تَرَاهَا غَيْرَ ذَاتِ جِلَالِ [٩]
عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَقْرَمَ ثَاوِيًا ... وَعُكَّاشَةُ الْغَنْمِيُّ عِنْدَ حِجَالِ [١٠]
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] الروق: الْقرن.
[٣] حدت: عدلت.
[٤] الجذل: أصل الشَّجَرَة.
[٥] الأذواد: جمع ذود، وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة من الْإِبِل. وَالْفَرغ: أَن يطلّ الدَّم وَلَا يطْلب بثأره. وحبال: هُوَ ابْن أخى طليحة لَا ابْنه كَمَا قَالَ ابْن هِشَام بعد، وَهُوَ حبال بن مسلمة بن خويلد، ومسلمة أَبوهُ، هُوَ الّذي قتل عكاشة، اعتنقه مسلمة، وضربه طليحة على فرس يُقَال لَهُ: اللزام.
[٦] كَذَا فِي أ، ط. وَهِي اسْم فرس طليحة، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الجالة» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قتل» .
[٨] الكماة: الشجعان، واحدهم: كمي، ونزال: اسْم فعل أَمر بِمَعْنى انْزِلْ.
[٩] الْجلَال: جمع جلّ. والجل للدابة: كَالثَّوْبِ للْإنْسَان تصان بِهِ.
[١٠] ثاويا: مُقيما.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حِبَالُ: ابْنُ طُلَيْحَةَ [١] بْنِ خُوَيْلِدٍ. وَابْنُ أَقْرَمَ: ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ الْأَنْصَارِيُّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ:
إنَّكَ مِنْهُمْ، أَوْ اللَّهمّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ وَبَرَدَتْ الدَّعْوَةُ [٢] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ أَهْلِهِ: مِنَّا خَيْرُ فَارِسٍ فِي الْعَرَبِ، قَالُوا: وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيُّ: ذَاكَ رَجُلٌ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَيْسَ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُ مِنَّا لِلْحِلْفِ.
(حَدِيثٌ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ بَدْرٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنَادَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: أَيْنَ مَالِي يَا خَبِيثُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
لَمْ يَبْقَ غَيْرُ شِكَّةٍ ويَعْبُوبْ ... وَصَارِمٌ يَقْتُلُ ضُلَّالِ الشِّيبْ [٣]
فِيمَا ذُكِرَ لِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ.
(طَرْحُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْقَلِيبِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي الْقَلِيبِ [٤]، طُرِحُوا فِيهِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَإِنَّهُ انْتَفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا، فَذَهَبُوا لِيُحَرِّكُوهُ [٥]، فَتَزَايَلَ [٦] لَحْمُهُ، فَأَقَرُّوهُ، وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مَا غَيَّبَهُ مِنْ التُّرَابِ
------------------------
[١] انْظُر الْحَاشِيَة (رقم ٥ ص ٦٧٣ من هَذَا الْجُزْء) .
[٢] بردت الدعْوَة، أَي ثبتَتْ. وَيُقَال: برد لي حق على فلَان، أَي ثَبت.
[٣] الشكة: السِّلَاح. واليعبوب: الْفرس الْكثير الجرى. والصارم: السَّيْف الْقَاطِع.
[٤] القليب: الْبِئْر.
[٥] فِي أ: «ليخرجوه» .
[٦] تزايل: تفرق.
وَالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا أَلْقَاهُمْ فِي الْقَلِيبِ، وَقَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُكَلِّمُ قَوْمًا مَوْتَى؟
فَقَالَ لَهُمْ: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَا وَعَدَهُمْ رَبُّهُمْ حَقًّا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: لَقَدْ سَمِعُوا مَا قُلْتُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ عَلِمُوا [١] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، فَعَدَّدَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي الْقَلِيبِ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا [٢]؟ قَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أنُ يُجِيبُونِي. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ، وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ لِلْمَقَالَةِ الَّتِي قَالَ.
(شِعْرُ حَسَّانَ فِيمَنْ أَلَقُوا فِي الْقَلِيبِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
عَرَفْتُ دِيَارَ زَيْنَبَ بِالْكَثِيبِ ... كَخَطِّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ [٣]
-----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وَعَائِشَة لم تحضر، وَغَيرهَا مِمَّن حضر أحفظ للفظه عليه الصلاة والسلام» .
[٢] جيفوا، أَي صَارُوا جيفا.
[٣] الْكَثِيب: كدس الرمل. والقشيب: الْجَدِيد. قَالَ السهيليّ: «وَلَا معنى لَهُ فِي هَذَا الْبَيْت، لأَنهم إِذا وصفوا الرسوم وشبهوها بالكتب فِي الْوَرق، فَإِنَّمَا يصفونَ الْخط حِينَئِذٍ بالدروس والامحاء، فَإِن ذَلِك أدل على عفاء الديار وطموس الْآثَار، وَكَثْرَة ذَلِك فِي الشّعْر تغني عَن الاستشهاد عَلَيْهِ. وَلَكِن أَرَادَ حسان بالقشيب هُنَا: الّذي خالطه مَا يُفْسِدهُ إِمَّا من دنس وَإِمَّا من قدم، يُقَال: طَعَام مقشب: إِذا كَانَ فِيهِ السم» .
تَدَاوَلُهَا الرِّيَاحُ وَكُلُّ جَوْنٍ ... مِنْ الْوَسْمِيِّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ [١]
فَأَمْسَى رَسْمُهَا خَلَقًا وَأَمْسَتْ ... يَبَابًا بَعْدَ سَاكِنِهَا الْحَبِيبِ [٢]
فَدَعْ عَنْكَ التَّذَكُّرَ كُلَّ يَوْمٍ ... وَرُدَّ حَرَارَةَ الصَّدْرِ الْكَئِيبِ
وَخَبَّرَ بِاَلَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ ... بِصِدْقِ غَيْرِ إخْبَارِ الْكَذُوبِ
بِمَا صَنَعَ الْمَلِيكُ غَدَاةَ بَدْرٍ ... لَنَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ النَّصِيبِ
غَدَاةَ كَأَنَّ جَمْعَهُمْ حِرَاءٌ ... بَدَتْ أَرْكَانُهُ جُنْحَ الْغُرُوبِ [٣]
فَلَاقَيْنَاهُمْ مِنَّا بِجَمْعٍ ... كَأُسْدِ الْغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ
أَمَامَ مُحَمَّدٍ قَدْ وَازَرُوهُ ... عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي لَفْحِ الْحُرُوبِ [٤]
بِأَيْدِيهِمْ صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ ... وَكُلُّ مُجَرَّبٍ خَاظِي الْكُعُوبِ [٥]
بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفُ وَازَرَتْهَا ... بَنُو النَّجَّارِ فِي الدِّينِ الصَّلِيبِ [٦]
فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا ... وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ [٧]
وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ ... ذَوِي حَسَبٍ إذَا نُسِبُوا حَسِيبِ
يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا ... قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ [٨]
أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقًّا ... وَأَمْرُ اللَّهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ؟
فَمَا نَطَقُوا، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا: ... صَدَقْتَ وَكُنْتَ ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ!
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُلْقَوْا فِي الْقَلِيبِ، أُخِذَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَسُحِبَ إلَى الْقَلِيبِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَإِذَا هُوَ كَئِيبٌ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَقَالَ:
يَا أَبَا حُذَيْفَةَ، لَعَلَّكَ قَدْ دَخَلَكَ مِنْ شَأْنِ أَبِيكَ شَيْءٌ؟ أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ، فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي أَبِي وَلَا فِي مَصْرَعِهِ،
----------------------
[١] الوسمي: مطر الخريف.
[٢] يبابا: قفرا.
[٣] حراء بِمَكَّة. وجنح الْغُرُوب: حِين تميل الشَّمْس للغروب.
[٤] وازروه: أعانوه. ولفح الحروب: نارها وحرها. ويروى: «لقح» وَمَعْنَاهُ التزيد والنمو، يُقَال لقحت الْحَرْب. إِذا تزيدت.
[٥] الصوارم المرهفات: السيوف القاطعة. والخاظى: المكتنز. والكعوب: عقد الْقَنَاة.
[٦] الغطارف: السَّادة، واحدهم غطريف: وحذفت الْيَاء من الغطاريف» لإِقَامَة وزن الشّعْر.
والصليب: الشَّديد.
[٧] الجبوب: وَجه الأَرْض. وَقيل: هُوَ الْمدر، الْوَاحِدَة: جبوبة.
[٨] كباكب: جماعات.
وَلَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ مَنْ أَبِي رَأْيًا وَحِلْمًا وَفَضْلًا، فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ ذَلِكَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا أَصَابَهُ، وَذَكَرْتُ مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ، بَعْدَ الَّذِي كُنْتُ أَرْجُو لَهُ، أَحْزَنَنِي ذَلِكَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْرٍ، وَقَالَ لَهُ خَيْرًا.
(ذِكْرُ الْفِتْيَةِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ٤: ٩٧) .
وَكَانَ الْفِتْيَةُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ الْقُرْآنِ، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا ٤: ٩٧ فتية مسمّين [١] . مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ أَسَدٍ.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ: عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: الْعَاصِ بْنُ مُنَبَّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ ابْنِ سَهْمٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَسْلَمُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَعَشَائِرُهُمْ بِمَكَّةَ وَفَتَنُوهُمْ فَافْتَتَنُوا، ثُمَّ سَارُوا مَعَ قَوْمِهِمْ إلَى بَدْرٍ فَأُصِيبُوا بِهِ جَمِيعًا.
(ذِكْرُ الْفَيْءِ بِبَدْرِ وَالْأُسَارَى):
ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِمَا فِي الْعَسْكَرِ، مِمَّا جَمَعَ النَّاسُ، فَجَمَعَ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَقَالَ مَنْ جَمَعَهُ: هُوَ لَنَا، وَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ وَيَطْلُبُونَهُ: وَاَللَّهِ لَوْلَا نَحْنُ مَا أَصَبْتُمُوهُ لَنَحْنُ شَغَلَنَا عَنْكُمْ الْقَوْمُ حَتَّى أَصَبْتُمْ مَا أَصَبْتُمْ، وَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَخَافَة أَن
--------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مُسلمين» .
٤١- سيرة ابْن هِشَام- ١
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-23-2026, 09:54 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (67)
صــ 641إلى صــ 650
أَنْ يُخَالِفَ إلَيْهِ الْعَدُوُّ: وَاَللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنَّا، وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ الْعَدُوَّ إذْ مَنَحَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَكْتَافَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ الْمَتَاعَ حِينَ لَمْ يَكُنْ دُونَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ وَلَكِنَّا خِفْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَرَّةَ الْعَدُوِّ، فَقُمْنَا دُونَهُ، فَمَا أَنْتُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنَّا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ- وَاسْمُهُ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنْ الْأَنْفَالِ، فَقَالَ: فِينَا أَصْحَابُ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا، فَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِهِ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ. يَقُولُ: عَلَى السَّوَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَصَبْتُ سَيْفَ بَنِي عَائِذٍ [١] الْمَخْزُومِيِّينَ الَّذِي يُسَمَّى الْمَرْزُبَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يَرُدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ النَّفَلِ، أَقْبَلْتُ حَتَّى أَلْقَيْتُهُ فِي النَّفَلِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا سُئِلَهُ، فَعَرَفَهُ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ، فَسَأَلَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ.
(بَعْثُ ابْنِ رَوَاحَةَ وَزَيْدِ بَشِيرِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الْفَتْحِ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ رَوَاحَةَ بَشِيرًا إلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عز وجل عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ:
فَأَتَانَا الْخَبَرُ- حِينَ سَوَّيْنَا التُّرَابَ عَلَى رُقَيَّةَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلَّفَنِي عَلَيْهَا مَعَ
----------------------
[١] فِي الْأُصُول: «بنى عَائِذ» وَفِي الرَّوْض: «سيف بنى عَابِد» . قَالَ السهيليّ: «بَنو عَابِد فِي مَخْزُوم، وهم بَنو عَابِد بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم، وَأما بَنو عَائِذ (بِالْيَاءِ والذال الْمُعْجَمَة) فهم بَنو عَائِذ ابْن عمرَان بن مَخْزُوم، رَهْط آل الْمسيب، والأولون رَهْط آل بنى السَّائِب» .
عُثْمَانَ- أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (قَدْ) [١] قَدِمَ. قَالَ: فَجِئْتُهُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْمُصَلَّى قَدْ غَشِيَهُ النَّاسُ، وَهُوَ يَقُولُ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْعَاصِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهُ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتْ، أَحَقٌّ هَذَا؟ قَالَ:
نَعَمْ، وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّ.
(قُفُولُ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ بَدْرٍ):
ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلًا إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ الْأُسَارَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِمْ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَاحْتَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ النَّفَلَ الَّذِي أُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَ عَلَى النَّفَلِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، فَقَالَ رَاجِزٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: إنَّهُ عَدِيُّ بْنُ أَبِي الزَّغْبَاءِ:
أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ ... لَيْسَ بِذِي الطَّلْحِ لَهَا مُعَرَّسُ
وَلَا بِصَحْرَاءِ غُمَيرٍ [٢] مَحْبَسُ ... إنَّ مَطَايَا الْقَوْمِ لَا تُخَيَّسُ [٣]
فَحَمْلُهَا عَلَى الطَّرِيقِ أَكْيَسُ ... قَدْ نَصَرَ اللَّهُ وَفَرَّ الْأَخْنَسُ
ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- حَتَّى إذَا خَرَجَ مِنْ مَضِيقِ الصَّفْرَاءِ نَزَلَ عَلَى كَثِيبٍ بَيْنَ الْمَضِيقِ وَبَيْنَ النَّازِيَةِ- يُقَالُ لَهُ: سَيْرٌ- إلَى سَرْحَةٍ بِهِ.
فَقَسَمَ هُنَالِكَ النَّفَلَ الَّذِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى السَّوَاءِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ يُهَنِّئُونَهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ- كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ-: مَا الَّذِي تهنئوننا بِهِ؟ فو الله إنْ لَقِينَا
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عُمَيْر» . قَالَ أَبُو ذَر: «يرْوى هُنَا بالغين وبالعين، وغمير بالغين مُعْجمَة هُوَ الْمَشْهُور فِيهِ» .
[٣] فِي م، ر: «لَا تحبس» وهما بِمَعْنى.
إلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا كَالْبُدْنِ الْمُعَقَّلَةِ، فَنَحَرْنَاهَا، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: أَيْ ابْنَ أَخِي، أُولَئِكَ الْمَلَأُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَلَأُ: الْأَشْرَافُ وَالرُّؤَسَاءُ.
(مَقْتَلُ النَّضْرِ وَعُقْبَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى إذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّفْرَاءِ قُتِلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَمَا أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ قُتِلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عِرْقُ الظَّبْيَةِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاَلَّذِي أَسَرَ عُقْبَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلِمَةَ [١] أَحَدُ بَنِي الْعَجْلَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ عُقْبَةُ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ:
فَمَنْ لِلصِّبْيَةِ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: النَّارُ. فَقَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامَ: وَيُقَالُ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَبُو هِنْدٍ، مَوْلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَيَّاضِي بِحَمِيتٍ مَمْلُوءٍ حَيْسًا [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَمِيتُ: الزِّقُّ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، ثُمَّ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ كَانَ حَجَّامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّمَا هُوَ أَبُو هِنْد امْرُؤ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَنْكِحُوهُ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ، فَفَعَلُوا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْأُسَارَى بِيَوْمِ.
----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وَسَلَمَة هَذَا بِكَسْر اللَّام، وَهُوَ سَلمَة بن ملك، أحد بنى العجلان، بلوى النّسَب، أنصارى بِالْحلف، قتل يَوْم أحد شَهِيدا» .
[٢] الحيس: السّمن يخلط بِالتَّمْرِ والأقط.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَسَعْدَ [١] بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: قُدِمَ بِالْأُسَارَى حِينَ قُدِمَ بِهِمْ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ آلِ عَفْرَاءَ، فِي مَنَاحَتِهِمْ عَلَى عَوْفٍ وَمُعَوِّذٍ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ.
قَالَ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَعِنْدَهُمْ إذْ أُتِينَا، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى، قَدْ أُتِيَ بِهِمْ. قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إلَى بَيْتِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، وَإِذَا أَبُو يَزِيدَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ، مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ قَالَتْ: فَلَا وَاَللَّهِ مَا مَلَكْتُ نَفْسِي حِينَ رَأَيْتُ أَبَا يَزِيدَ كَذَلِكَ أَنْ قُلْتُ: أَيْ أَبَا يَزِيدَ: أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، أَلَا متم كراما، فو الله مَا أَنْبَهَنِي إلَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْبَيْتِ: يَا سَوْدَةُ، أَعَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ تُحَرِّضِينَ؟ قَالَتْ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا مَلَكْتُ نَفْسِي حِينَ رَأَيْتُ أَبَا يَزِيدَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أَنْ قُلْتُ مَا قُلْتُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نُبِيُّهُ بْنُ وَهْبٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَقْبَلَ بِالْأُسَارَى فَرَّقَهُمْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا. قَالَ: وَكَانَ أَبُو عَزِيزٍ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي الْأُسَارَى. قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَزِيزٍ: مَرَّ بِي أَخِي مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْسِرُنِي، فَقَالَ: شُدَّ يَدَيْكَ بِهِ، فَإِنَّ أُمَّهُ ذَاتُ مَتَاعٍ، لَعَلَّهَا تَفْدِيهِ مِنْكَ، قَالَ وَكُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بِي مِنْ بَدْرٍ، فَكَانُوا إذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصُّونِي بِالْخُبْزِ، وَأَكَلُوا التَّمْرَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهُمْ بِنَا، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إلَّا نَفَحَنِي بِهَا. قَالَ: فَأَسْتَحْيِيَ فَأَرُدُّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ [٢]، فَيَرُدُّهَا عَلَيَّ مَا يَمَسُّهَا.
-------------------
[١] فِي م، ر: «سعد» .
[٢] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
(بُلُوغُ مُصَابِ قُرَيْشٍ إلَى مَكَّةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ أَبُو عَزِيزٍ صَاحِبَ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرِ بَعْدً النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، فَلَمَّا قَالَ أَخُوهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ لِأَبِي الْيَسَرِ، وَهُوَ الَّذِي أَسَرَهُ، مَا قَالَ قَالَ لَهُ أَبُو عَزِيزٍ: يَا أَخِي، هَذِهِ وَصَاتُكَ بِي، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: إنَّهُ أَخِي دُونَكَ.
فَسَأَلَتْ أُمُّهُ عَنْ أَغْلَى مَا فُدِيَ بِهِ قُرَشِيٌّ، فَقِيلَ لَهَا: أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَبَعَثَتْ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَفَدَتْهُ بِهَا [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ (بمصاب) [٢] قُرَيْش الجيسمان بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَنُبَيِّهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، فَلَمَّا جَعَلَ يُعَدِّدُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ، قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الْحِجْرِ: وَاَللَّهِ إنْ يَعْقِلُ هَذَا فَاسْأَلُوهُ عَنِّي، فَقَالُوا: (و) [٢] مَا فَعَلَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَاكَ جَالِسًا فِي الْحِجْرِ، وَقَدْ وَاَللَّهِ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتِلَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ دَخَلَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَأَسْلَمَ الْعَبَّاسُ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ وَأَسْلَمْتُ وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَهَابُ قَوْمَهُ وَيَكْرَهُ خِلَافَهُمْ وَكَانَ يَكْتُمُ إسْلَامَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، فَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِي بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا صَنَعُوا، لَمْ يَتَخَلَّفْ رَجُلٌ إلَّا بَعَثَ مَكَانَهُ رَجُلًا، فَلَمَّا جَاءَهُ الْخَبَرُ عَنْ مُصَابِ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَبَتَهُ [٣] اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا قُوَّةً وَعِزًّا.
-------------------------
[١] وَاسم أَبُو عَزِيز: زُرَارَة، وَأمه الَّتِي أرْسلت فِي فدائه: أم الخناس بنت مَالك العامرية، وَهِي أم أَخِيه مُصعب وَأُخْته هِنْد بنت عُمَيْر، وَهِنْد: هِيَ أم شيبَة بن عُثْمَان حَاجِب الْكَعْبَة، جد بنى شيبَة. وَقد أسلم أَبُو عَزِيز هَذَا. (رَاجع الرَّوْض) .
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] كبته الله: أذله.
قَالَ: وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، وَكُنْتُ أَعْمَلُ الْأَقْدَاحَ. أَنْحَتُهَا فِي حجرَة زَمْزَم، فو الله إنِّي لَجَالِسٌ فِيهَا أنْحَتُ أَقْدَاحِي، وَعِنْدِي أُمُّ الْفَضْلِ جَالِسَةٌ، وَقَدْ سَرَّنَا مَا جَاءَنَا مِنْ الْخَبَرِ، إذْ أَقْبَلَ أَبُو لَهَبٍ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ بِشَرٍّ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ [١] .
الْحُجْرَةِ، فَكَانَ ظَهْرُهُ إلَى ظَهْرِي، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ إذْ قَالَ النَّاسُ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ- قَدْ قَدِمَ قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَلُمَّ إلَيَّ، فَعِنْدَكَ لَعَمْرِي الْخَبَرُ، قَالَ: فَجَلَسَ (إلَيْهِ) [٢] وَالنَّاسُ قِيَامٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بن أَخِي، أَخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ أَمْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ لَقِينَا الْقَوْمَ فَمَنَحْنَاهُمْ أَكْتَافَنَا يَقُودُونَنَا كَيْفَ شَاءُوا، وَيَأْسِرُونَنَا كَيْفَ شَاءُوا، وَاَيْمُ اللَّهِ مَعَ ذَلِكَ مَا لُمْتُ النَّاسَ، لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا، عَلَى خَيْلٍ بَلْقٍ، بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَاَللَّهِ مَا تُلِيقُ [٣] شَيْئًا، وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَرَفَعْتُ طُنُبَ الْحُجْرَةِ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قُلْتُ: تِلْكَ وَاَللَّهِ الْمَلَائِكَةُ، قَالَ:
فَرَفَعَ أَبُو لَهَبٍ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهِي ضَرْبَةً شَدِيدَة. قَالَ: وثاورته [٤] فَاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِي الْأَرْضَ، ثُمَّ بَرَكَ عَلَيَّ يَضْرِبُنِي، وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، فَقَامَتْ أُمُّ الْفَضْلِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِ الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَتْهُ فَضَرَبَتْهُ بِهِ ضَرْبَة فلعت [٥] فِي رَأْسِهِ شَجَّةً مُنْكَرَةً، وَقَالَتْ: اسْتَضْعَفَتْهُ أَنْ غَابَ عَنْهُ سَيِّدُهُ، فَقَامَ مولّيا ذليلا، فو الله مَا عَاشَ إلَّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتَّى رَمَاهُ اللَّهُ بِالْعَدَسَةِ [٦] فَقَتَلَتْهُ.
(نُوَاحُ قُرَيْشٍ عَلَى قَتْلَاهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، قَالَ: نَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهُمْ، ثُمَّ قَالُوا: لَا تَفْعَلُوا فَيَبْلُغُ مُحَمَّدًا
----------------------
[١] طُنب الْحُجْرَة: طرفها.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] مَا تلِيق: مَا تبقى.
[٤] ثاورته: وَثَبت إِلَيْهِ.
[٥] فلعت: شقَّتْ.
[٦] العدسة: قرحَة قاتلة كالطاعون. وَقد عدس الرجل: إِذا أَصَابَهُ ذَلِك.
وَأَصْحَابه، فيشتموا بِكُمْ، وَلَا تَبْعَثُوا فِي أَسْرَاكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنُوا [١] بِهِمْ لَا يَأْرَبُ [٢] عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْفِدَاءِ. قَالَ: وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ قَدْ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ، زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعَقِيلُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى بَنِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنْ اللَّيْلِ، فَقَالَ لِغُلَامِ لَهُ:
وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: اُنْظُرْ هَلْ أُحِلَّ النَّحْبُ، هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا؟
لَعَلِّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حَكِيمَةَ، يَعْنِي زَمَعَةَ، فَإِنَّ جَوْفِي قَدْ احْتَرَقَ. قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ إلَيْهِ الْغُلَامُ قَالَ: إنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أَضَلَّتْهُ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الْأَسْوَدُ:
أَتَبْكِي أَنْ يَضِلَّ لَهَا بَعِيرٌ ... وَيَمْنَعُهَا مِنْ النَّوْمِ السُّهُودُ
فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ ... عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتْ الْجُدُودُ [٣]
عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ ... وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ
وَبَكِّي إنْ بَكَّيْتِ عَلَى عَقِيلٍ ... وَبَكِّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ
وَبَكِّيهِمْ وَلَا تَسَمِي جَمِيعًا ... وَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ [٤]
أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمْ رِجَالٌ ... وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا إقْوَاءٌ [٥]، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَشْعَارِهِمْ، وَهِيَ عِنْدَنَا إكْفَاءٌ [٦] . وَقَدْ أَسْقَطْنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ هَذَا [٧] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو وَدَاعَةَ بْنُ ضُبَيْرَةَ السَّهْمِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ لَهُ بِمَكَّةَ ابْنَا كَيِّسًا تَاجِرًا ذَا مَال: وكأنّكم بِهِ قَدْ جَاءَكُمْ فِي طَلَبِ فِدَاءِ أَبِيهِ، فَلَمَّا قَالَتْ قُرَيْشٌ لَا تَعْجَلُوا [٨] بِفِدَاءِ أُسَرَائِكُمْ،
-------------------------
[١] حَتَّى تستأنوا بهم، أَي تؤخروا فداءهم.
[٢] لَا يأرب: لَا يشْتَد.
[٣] الْبكر: الْفَتى من الْإِبِل.
[٤] وَلَا تسمى، أَي وَلَا تسأمى، فَنقل حَرَكَة الْهمزَة ثمَّ حذفهَا. والنديد: الشبيه والمثل.
[٥] الإقواء: اخْتِلَاف فِي حَرَكَة الروي.
[٦] قَالَ أَبُو ذَر: «الإكفاء اخْتِلَاف الْحُرُوف فِي القوافي» .
[٧] تعقيب ابْن هِشَام على الشّعْر سَاقِط فِي أ، ط.
[٨] فِي: «لَا تجْعَلُوا» وَهُوَ تَحْرِيف.
لَا يَأْرَبُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ- وَهُوَ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِّي-: صَدَقْتُمْ، لَا تَعْجَلُوا، وَانْسَلَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذَ أَبَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَانْطَلَقَ بِهِ.
(أَمْرُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَفِدَاؤُهُ):
(قَالَ) [١]: ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، فَقَدِمَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ ابْن الْأَخْيَفِ فِي فَدَاءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ الَّذِي أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ:
أَسَرْتُ سُهَيْلًا فَلَا أَبْتَغِي ... أَسِيرًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ
وَخِنْدَفُ تَعْلَمُ أَنَّ الْفَتَى ... فَتَاهَا سُهَيْلٌ إذَا يُظَّلَمْ [٢]
ضَرَبْتُ بِذِي الشَّفْرِ حَتَّى انْثَنَى ... وَأَكْرَهْتُ نَفْسِي عَلَى ذِي الْعَلَمِ [٣]
وَكَانَ سُهَيْلٌ رَجُلًا أَعْلَمَ [٤] مِنْ شَفَتِهِ السُّفْلَى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشِّعْرَ لِمَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ:
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيَّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَيَدْلَعُ [٥] لِسَانَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا أُمَثِّلُ بِهِ فَيُمَثِّلُ اللَّهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيًّا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعُمَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمُّهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَ ذَلِكَ الْمَقَامِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَاوَلَهُمْ فِيهِ مِكْرَزٌ وَانْتَهَى إلَى رِضَاهُمْ، قَالُوا: هَاتِ الَّذِي
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] يظلم، أَي يُرَاد ظلمه.
[٣] ذُو الشفر: السَّيْف، والشفر: حَده.
[٤] الأعلم: المشقوق الشّفة الْعليا. وَأما المشقوق الشّفة السُّفْلى فَهُوَ الْأَفْلَح.
[٥] يدلع: يخرج.
لَنَا، قَالَ: اجْعَلُوا رِجْلِي مَكَانَ رِجْلِهِ، وَخَلُّوا سَبِيلَهُ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْكُمْ بِفِدَائِهِ.
فَخَلَّوْا سَبِيلَ سُهَيْلٍ، وَحَبَسُوا مِكْرِزًا مَكَانَهُ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ مِكْرَزٌ:
فَدَيْتُ بِأَذْوَادٍ ثَمَانٍ سِبَا فَتَى [١] ... يَنَالُ الصَّمِيمَ غُرْمُهَا [٢] لَا الْمُوَالَيَا
رَهَنْتُ يَدَيَّ وَالْمَالُ أَيْسَرُ مِنْ يَدَيَّ ... عَلَيَّ وَلَكِنِّي خَشِيتُ الْمَخَازِيَا
وَقُلْتُ سُهَيْلٌ خَيْرُنَا فَاذْهَبُوا بِهِ ... لِأَبْنَائِنَا حَتَّى نُدِيرُ الْأَمَانِيَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا لِمِكْرِزٍ.
(أَسْرُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَإِطْلَاقُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَ لِبِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِنْتُ أَبِي [٣] عَمْرٍو، وَأُخْتُ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو- أَسِيرًا فِي يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَقِيلَ لِأَبِي سُفْيَانَ: افْدِ عَمْرًا ابْنَكَ، قَالَ: أَيُجْمَعُ [٤] عَلَيَّ دَمِي وَمَالِي! قَتَلُوا حَنْظَلَةَ، وَأَفْدِي عَمْرًا! دَعُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ يُمْسِكُوهُ مَا بَدَا لَهُمْ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، مَحْبُوسٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ خَرَجَ سَعْدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ أَكَّالٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي مُعَاوِيَةَ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ مُرَيَّةٌ [٥] لَهُ، وَكَانَ شَيْخًا مُسْلِمًا، فِي غَنَمٍ لَهُ بِالنَّقِيعِ [٦]، فَخرج من
-----------------------
[١] ثَمَان، قَالَ أَبُو ذَر: من رَوَاهُ بِكَسْر الثَّاء، فَهُوَ جمع ثمين بِمَعْنى غال. وَمن رَوَاهُ بِفَتْحِهَا فَهُوَ الْعدَد الْمَعْرُوف.
[٢] فِي م، ر: «عرها» والعر: الشَّرّ والأذى.
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ابْنة عَمْرو» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] فِي م، ر: «أيجتمع» .
[٥] مرية: تَصْغِير (امْرَأَة) .
[٦] كَذَا فِي أ، ط. والنقيع: مَوضِع قرب الْمَدِينَة. وَفِي م، ر: «بِالبَقِيعِ» وَهُوَ مَوضِع دَاخل الْمَدِينَة، وَفِيه مقبرتها. وَالْأول هُوَ المُرَاد هُنَا.
هُنَالك مُعْتَمِرًا، وَلَا يَخْشَى الَّذِي صُنِعَ بِهِ، لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ يُحْبَسُ بِمَكَّةَ، إنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا. وَقَدْ كَانَ عَهِدَ قُرَيْشًا لَا يَعْرِضُونَ لِأَحَدٍ جَاءَ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا إلَّا بِخَيْرٍ، فَعَدَا عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِمَكَّةَ فَحَبَسَهُ بِابْنِهِ عَمْرٍو، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ:
أَرَهْطَ ابْنِ أَكَّالٍ أَجِيبُوا دُعَاءَهُ ... تَعَاقَدْتُمْ لَا تُسْلِمُوا السَّيِّدَ الْكَهْلَا
فَإِنَّ بَنِي عَمْرٍو لِئَامٌ أَذِلَّةٌ ... لَئِنْ لَمْ يَفُكُّوا [١] عَنْ أَسِيرِهِمْ الْكَبْلَا
فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ:
لَوْ كَانَ سَعْدٌ يَوْمَ مَكَّةَ مُطْلَقًا ... لَأَكْثَرَ فِيكُمْ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ الْقَتْلَا
بِعَضْبِ حُسَامٍ أَوْ بِصَفْرَاءَ نَبْعَةٍ ... تَحِنُّ إذَا مَا أُنْبِضَتْ تَحْفِزُ النَّبْلَا [٢]
وَمَشَى بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَيَفُكُّوا [٣] بِهِ صَاحِبَهُمْ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَبَعَثُوا بِهِ إلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَخَلَّى سَبِيلَ سَعْدٍ.
(أَسْرُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، خَتَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَزَوْجُ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ خِرَاشُ [٤] بْنُ الصِّمَّةَ، أَحَدُ بَنِي حَرَامٍ.
(سَبَبُ زَوَاجِ أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَبَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ مِنْ رِجَالِ مَكَّةَ الْمَعْدُودِينَ: مَالًا، وَأَمَانَةً، وَتِجَارَةً، وَكَانَ لِهَالَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ خَالَتَهُ. فَسَأَلَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَوِّجَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُخَالِفُهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَزَوَّجَهُ، وَكَانَتْ تَعُدُّهُ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا. فَلَمَّا
-----------------
[١] فِي م، ر: «يكفوا» .
[٢] العضب: السَّيْف الْقَاطِع: والصفراء: الْقوس. والنبع: شجر تصنع مِنْهُ القسي.
وتحن: أَي يصوت وترها. وأنبضت، أَي مد وترها. والإنباض: أَن يُحَرك وتر الْقوس ويعد. وتحفز النبل، أَي تقذف بِهِ وترميه.
[٣] فِي م، ر: «فيكفوا» .
[٤] وَقيل: بل الّذي أسر أَبَا الْعَاصِ هُوَ عبد الله بن جُبَير.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
__________________
ابو الوليد المسلم
04-24-2026, 09:46 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (68)
صــ 651إلى صــ 660
أَكْرَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِنُبُوَّتِهِ آمَنَتْ بِهِ خَدِيجَة وَبنَاته، فصدّقنه، وَشَهِدْنَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْحَقُّ، وَدِنَّ بِدِينِهِ، وَثَبَتَ أَبُو الْعَاصِ عَلَى شِرْكِهِ.
(سَعْيُ قُرَيْشٍ فِي تَطْلِيقِ بَنَاتِ الرَّسُولِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ):
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ زَوَّجَ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ رُقَيَّةَ، أَوْ أُمَّ كُلْثُومٍ [١] . فَلَمَّا بَادَى قُرَيْشًا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالْعَدَاوَةِ، قَالُوا: إِنَّكُم قد فرّغتم مُحَمَّدًا مِنْ هَمِّهِ، فَرُدُّوا عَلَيْهِ بَنَاتِهِ، فَاشْغَلُوهُ بِهِنَّ. فَمَشَوْا إلَى أَبِي الْعَاصِ فَقَالُوا لَهُ: فَارِقْ صَاحِبَتَكَ وَنَحْنُ نُزَوِّجُكَ أَيَّ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ شِئْتَ، قَالَ:
لَا وَاَللَّهِ، إنِّي [٢] لَا أُفَارِقُ صَاحِبَتِي، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِامْرَأَتِي امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُثْنِي عَلَيْهِ فِي صِهْرِهِ خَيْرًا، فِيمَا [٣] بَلَغَنِي. ثُمَّ مَشَوْا إلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَقَالُوا لَهُ: طَلِّقْ بِنْتَ مُحَمَّدٍ وَنَحْنُ نُنْكِحُكَ أَيَّ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ شِئْتُ، فَقَالَ: إنْ زَوَّجْتُمُونِي بِنْتَ أَبَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَوْ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَارَقْتُهَا. فَزَوَّجُوهُ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَفَارَقَهَا، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، فَأَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنْ يَدِهِ كَرَامَةً لَهَا، وَهَوَانًا لَهُ، وَخَلَفَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بَعْدَهُ.
(أَبُو الْعَاصِ عِنْدَ الرَّسُولِ وَبَعْثُ زَيْنَبَ فِي فِدَائِهِ):
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُحِلُّ بِمَكَّةَ وَلَا يُحَرِّمُ، مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَسْلَمَتْ وَبَيْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، إلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَتْ مَعَهُ عَلَى إسْلَامِهَا وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَارَتْ قُرَيْشٌ إِلَى بدر، صارفهم أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ
------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «كَانَت رقية بنت رَسُول الله ﷺ تَحت عتبَة بن أَبى لَهب، وَأم كُلْثُوم تَحت عتيبة، فطلقاهما بعزم أَبِيهِمَا عَلَيْهِمَا وأمهما حِين نزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ١١١: ١. فَأَما عتيبة، فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ أَن يُسَلط الله عَلَيْهِ كَلْبا من كلابه، فافترسه الْأسد من بَين أَصْحَابه وهم نيام حوله، وَأما عتبَة ومعتب ابْنا أَبى لَهب فَأَسْلمَا، وَلَهُمَا عقب» .
[٢] فِي الْأُصُول: «إِذا» .
[٣] فِي م، ر «فَمَا» وَهُوَ تَحْرِيف.
فَأُصِيبَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَانَ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهِمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنَى عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ: إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا مَالَهَا، فَافْعَلُوا، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَطْلَقُوهُ، وَرَدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا.
خُرُوجُ زَيْنَبَ إلَى الْمَدِينَةِ
(تَأَهُّبُهَا وَإِرْسَالُ الرَّسُولِ رَجُلَيْنِ لِيَصْحَبَاهَا):
(قَالَ) [١]: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ، أَوْ وَعَدَ [٢] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إلَيْهِ، أَوْ كَانَ فِيمَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِي إطْلَاقِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْلَمُ مَا هُوَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ إلَى مَكَّةَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مَكَانَهُ، فَقَالَ: كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ [٣] حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ، فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَانِي بِهَا. فَخَرَجَا مَكَانَهُمَا، وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرِ أَوْ شَيْعِهِ [٤]، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ مَكَّةَ أَمَرَهَا بِاللُّحُوقِ بِأَبِيهَا، فَخَرَجَتْ تَجَهَّزَ.
(هِنْدُ تُحَاوِلُ تَعْرِفَ أَمْرَ زَيْنَبَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ زَيْنَبَ
------------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي م، ر: «وأوعد» .
[٣] يأجج: مَوضِع على ثَمَانِيَة أَمْيَال من مَكَّة.
[٤] شيعه: قريب مِنْهُ.
أَنَّهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا أَتَجَهَّزُ بِمَكَّةَ لِلُّحُوقِ بِأَبِي لَقِيَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ:
يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ، أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكَ تُرِيدِينَ اللُّحُوقَ بِأَبِيكَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا أَرَدْتُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَيْ ابْنَةَ عَمِّي، لَا تَفْعَلِي، إنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ بِمَتَاعِ مِمَّا يَرْفُقُ بِكَ فِي سَفَرِكَ، أَوْ بِمَالٍ تَتَبَلَّغِينَ بِهِ إلَى أَبِيكَ، فَإِنَّ عِنْدِي حَاجَتَكَ، فَلَا تَضْطَنِي [١] مِنِّي، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْنَ النِّسَاءِ مَا بَيْنَ الرِّجَالِ. قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا أَرَاهَا قَالَتْ ذَلِكَ إلَّا لِتَفْعَلَ، قَالَتْ: وَلَكِنِّي خِفْتُهَا، فَأَنْكَرْتُ أَنْ أَكُونَ أُرِيدُ ذَلِكَ، وَتَجَهَّزْتُ.
(مَا أَصَابَ زَيْنَبَ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ خُرُوجِهَا وَمَشُورَةُ أَبِي سُفْيَانَ):
فَلَمَّا فَرَغَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَهَازِهَا قَدَّمَ لَهَا حَمُوهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخُو زَوْجِهَا بَعِيرًا، فَرَكِبَتْهُ، وَأَخَذَ قَوْسَهُ وَكِنَانَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا نَهَارًا يَقُودُ بِهَا، وَهِيَ فِي هَوْدَجٍ لَهَا. وَتَحَدَّثَ بِذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهَا حَتَّى أَدْرَكُوهَا بِذِي طُوًى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَالْفِهْرِيُّ [٢]، فَرَوَّعَهَا هَبَّارٌ بِالرُّمْحِ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا- فِيمَا يَزْعُمُونَ- فَلَمَّا رِيعَتْ طَرَحَتْ ذَا بَطْنِهَا [٣]، وَبَرَكَ حَمُوهَا كِنَانَةُ، وَنَثَرَ كِنَانَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا يَدْنُو مِنِّي رَجُلٌ إلَّا وَضَعْتُ فِيهِ سَهْمًا، فَتَكَرْكَرَ [٤] النَّاسُ عَنْهُ. وَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ فِي جُلَّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، كُفَّ عَنَّا نَبْلَكَ حَتَّى نُكَلِّمَكَ، فَكَفَّ، فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إنَّكَ لَمْ تُصِبْ، خَرَجْتَ بِالْمَرْأَةِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ عَلَانِيَةً، وَقَدْ عَرَفْتَ مُصِيبَتَنَا وَنَكْبَتَنَا، وَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا مِنْ مُحَمَّدٍ، فَيَظُنُّ النَّاسُ إذَا خَرَجْتَ
--------------------
[١] لَا تضطني: لَا تستحيي. وَأَصله: الْهَمْز، يُقَال: اضطنأت الْمَرْأَة، إِذا استحيت، فَحذف الْهمزَة تَخْفِيفًا. ويروى: «فَلَا تظطنى» (بالظاء الْمُعْجَمَة) وَهُوَ من ظَنَنْت، بِمَعْنى اتهمت، أَي لَا تتهمينى وَلَا تستريبى منى.
[٢] فِي الْأُصُول: «الفِهري» بِدُونِ وَاو. والتصويب عَن الرَّوْض الْأنف. قَالَ السهيليّ: «قَالَ:
وَسبق إِلَيْهَا هَبَّار بن الْأسود والفهري، وَلم يسم ابْن إِسْحَاق الفِهري، وَقَالَ ابْن هِشَام هُوَ نَافِع بن عبد قيس وَفِي غير السِّيرَة أَنه خَالِد بن عبد قيس. هَكَذَا ذكره الْبَزَّار فِيمَا بَلغنِي» . وَسَيذكر ابْن هِشَام اسْمه بعد قَلِيل.
[٣] وَذكر عَن غير ابْن إِسْحَاق أَن هَبَّارًا نخس بهَا الرَّاحِلَة فَسَقَطت على صَخْرَة وَهِي حَامِل، فَهَلَك جَنِينهَا وَلم تزل تهريق الدِّمَاء حَتَّى مَاتَت بِالْمَدِينَةِ بعد إِسْلَام بَعْلهَا أَبى الْعَبَّاس. (رَاجع الِاسْتِيعَاب وَالرَّوْض) .
[٤] تكركر النَّاس عَنهُ: رجعُوا وَانْصَرفُوا.
بِابْنَتِهِ إلَيْهِ عَلَانِيَةً عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، أَنَّ ذَلِكَ عَنْ ذُلٍّ أَصَابَنَا عَنْ مُصِيبَتِنَا الَّتِي كَانَتْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَّا ضَعْفٌ وَوَهْنٌ، وَلَعَمْرِي مَا لَنَا بِحَبْسِهَا عَنْ أَبِيهَا مِنْ حَاجَةٍ، وَمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنْ ثَوْرَةٍ [١]، وَلَكِنْ ارْجِعْ بِالْمَرْأَةِ، حَتَّى إذَا هَدَأَتْ الْأَصْوَاتُ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنْ قَدْ رَدَدْنَاهَا، فَسُلَّهَا سِرًّا، وَأَلْحِقْهَا بِأَبِيهَا، قَالَ:
فَفَعَلَ. فَأَقَامَتْ لَيَالِيَ، حَتَّى إذَا هَدَأَتْ الْأَصْوَاتُ خَرَجَ بِهَا لَيْلًا حَتَّى أَسْلَمَهَا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَصَاحِبِهِ، فَقَدِمَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(شِعْرٌ لِأَبِي خَيْثَمَةَ فِيمَا حَدَثَ لِزَيْنَبَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، أَوْ أَبُو خَيْثَمَةَ، أَخُو بَنِي سَالِمِ ابْنِ عَوْفٍ، فِي الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ زَيْنَبَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِأَبِي خَيْثَمَةَ-:
أَتَانِي الَّذِي لَا يَقْدُرُ النَّاسُ قَدْرَهُ ... لِزَيْنَبَ فِيهِمْ مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثَمِ
وَإِخْرَاجُهَا لَمْ يُخْزَ فِيهَا مُحَمَّدٌ ... عَلَى مَأْقِطٍ وَبَيْنَنَا عِطْرُ مَنْشَمِ [٢]
وَأَمْسَى أَبُو سُفْيَانَ مِنْ حِلْفِ ضَمْضَمٍ ... وَمِنْ حَرْبِنَا فِي رَغْمِ أَنْفٍ وَمَنْدَمٍ
قَرَنَّا ابْنَهُ عَمْرًا وَمَوْلَى يَمِينِهِ ... بِذِي حَلَقٍ جَلْدِ الصَّلَاصِلِ مُحْكَمِ [٣]
فَأَقْسَمْتُ لَا تَنْفَكُّ مِنَّا كَتَائِبُ ... سُرَاةُ خَمِيسٍ فِي [٤] لُهَامٍ مُسَوَّمِ [٥]
------------------
[١] الثؤرة: طلب الثأر.
[٢] المأقط: معترك الْحَرْب. وعطر منشم: كِنَايَة عَن شدَّة الْحَرْب، وَهُوَ مثل، وَأَصله فِيمَا زَعَمُوا، أَن منشم كَانَت امْرَأَة من خُزَاعَة تبيع الْعطر وَالطّيب، فيشترى مِنْهَا للموتى، حَتَّى تشاءموا بهَا لذَلِك.
وَقيل: إِن قوما تحالفوا على الْمَوْت فغمسوا أَيْديهم فِي طيب منشم الْمَذْكُورَة تَأْكِيدًا للحلف، فَضرب طيبها مثلا فِي شدَّة الْحَرْب.
وَقيل: منشم امْرَأَة من غُدَانَة، وَهُوَ بطن من تَمِيم، ثمَّ من بنى يَرْبُوع بن حَنْظَلَة، وَأَن هَذِه الْمَرْأَة هِيَ صَاحِبَة يسَار، الّذي يُقَال لَهُ: يسَار الكواعب، وَأَنه كَانَ عبدا لَهَا، وَأَنه راودها عَن نَفسهَا، فَقَالَت لَهُ: أمهلنى حَتَّى أشمك طيب الجزائر. فَلَمَّا أمكنها من أَنفه أنحت عَلَيْهِ بِالْمُوسَى، حَتَّى أوعبته جدعا، فَقيل فِي الْمثل: لَاقَى الّذي لَاقَى يسَار الكواعب، فَقيل: عطر منشم. (رَاجع الْأَمْثَال وفرائد اللآل، وَالرَّوْض)
[٣] بِذِي حلق، يعْنى الغل. والصلاصل: جمع صلصلة، وَهِي صَوت الْحَدِيد.
[٤] فِي م، ر: «من» .
[٥] الْكَتَائِب: العساكر. والسراة: السَّادة. وَالْخَمِيس: الْجَيْش: واللهام: الْكثير. والمسوم:
الْمعلم، من السمة، وَهِي الْعَلامَة.
نَزُوعُ قُرَيْشَ الْكُفْرَ حَتَّى نَعُلَّهَا [١] ... بِخَاطِمَةٍ فَوْقَ الْأُنُوفِ بِمِيسَمِ [٢]
نُنَزِّلُهُمْ أَكْنَافَ نَجْدٍ وَنَخْلَةٍ ... وَإِنْ يُتْهِمُوا بِالْخَيْلِ وَالرَّجْلِ نُتْهِمُ [٣]
يَدَ الدَّهْرِ حَتَّى لَا يُعَوَّجَ سِرْبُنَا [٤] ... وَنُلْحِقُهُمْ آثَارَ عَادٍ وَجُرْهُمِ [٥]
وَيَنْدَمَ قَوْمٌ لَمْ يُطِيعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى أَمْرِهِمْ وَأَيُّ حِينٍ تَنَدُّمُ
فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ إمَّا لَقِيتُهُ ... لَئِنْ أَنْتَ لَمْ تُخْلِصْ سُجُودًا وَتُسْلِمْ
فَأَبْشِرْ بِخِزْيٍ فِي الْحَيَاةِ مُعَجَّلِ ... وَسِرْبَالِ قَارٍ خَالِدًا فِي جَهَنَّمَ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَسِرْبَالِ نَارٍ.
(الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ إسْحَاقَ وَابْنِ هِشَامٍ فِي مَوْلَى يَمِينِ أَبِي سُفْيَانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَوْلَى يَمِينِ أَبِي سُفْيَانَ، الَّذِي يَعْنِي: عَامِرَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ:
كَانَ فِي الْأُسَارَى، وَكَانَ حِلْفُ الْحَضْرَمِيِّ إلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَوْلَى يَمِينِ أَبِي سُفْيَانَ، الَّذِي يَعْنِي: عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَأَمَّا عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فَقُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ.
(شِعْرُ هِنْدٍ وَكِنَانَةُ فِي خُرُوجِ زَيْنَبَ):
وَلَمَّا انْصَرَفَ الَّذِينَ خَرَجُوا إلَى زَيْنَبَ لَقِيَتْهُمْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ لَهُمْ:
أَفِي السِّلْمِ أَعْيَارٌ جَفَاءً وَغِلْظَةً ... وَفِي الْحَرْبِ أَشْبَاهُ النِّسَاءِ الْعَوَارِكِ [٧]
وَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ، حِينَ دَفَعَهَا إلَى الرَّجُلَيْنِ [٨]:
-------------------------------
[١] كَذَا فِي أ. ونزوع قُرَيْش الْكفْر: نسوقهم كَمَا تساق الْإِبِل. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نروع»
[٢] نعلها، أَي نستذلهم، ونعيد عَلَيْهِم الكرة، وبخاطمة، أَي بِمَا تخطمهم بِهِ. يُقَال خطمه بالخطام، أَي جعله على أَنفه، يُرِيد الْقَهْر وَالْغَلَبَة. والميسم: الحديدة الَّتِي توسم بهَا الْإِبِل.
[٣] الأكناف: النواحي. ونجد: يُرِيد بِهِ مَا ارْتَفع من أَرض الْحجاز. ونخلة: مَوضِع قريب من مَكَّة: وأتهم: إِذا أَتَى تهَامَة، وَهِي مَا انخفض من الأَرْض.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَيَد الدَّهْر، أَي أَبَد الدَّهْر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بدا الدَّهْر» .. وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] السرب (بِالْكَسْرِ): الطَّرِيق. (وبالفتح): المَال الّذي يرْعَى. وَعَاد وجرهم: أمتان قديمتان.
[٦] القار: الزفت.
[٧] السّلم (بِفَتْح السِّين وَكسرهَا): الصُّلْح. والأعيار جمع: عير، وَهُوَ الْحمار. وَالنِّسَاء العوارك:
الْحيض، يُقَال: عركت الْمَرْأَة: إِذا حَاضَت.
[٨] يُرِيد «بِالرجلَيْنِ»: زيد بن حَارِثَة والأنصاري الّذي كَانَ مَعَه.
عَجِبْتُ لِهَبَّارٍ وَأَوْبَاشِ قَوْمِهِ ... يُرِيدُونَ إخْفَارِي بِبِنْتِ مُحَمَّدِ [١]
وَلَسْتُ أُبَالِي مَا حَيِيتُ عَدِيدَهُمْ ... وَمَا اسْتَجْمَعْتُ قَبْضًا يَدِي بِالْمُهَنَّدِ [٢]
(الرَّسُولُ يُحِلُّ دَمَ هَبَّارٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الدَّوْسِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً أَنَا فِيهَا، فَقَالَ لَنَا: إنْ ظَفِرْتُمْ بِهَبَّارِ ابْن الْأَسْوَدِ، أَوْ الرَّجُلِ (الْآخَرِ) [٣] الَّذِي سَبَقَ مَعَهُ إلَى زَيْنَبَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَقَدْ سَمَّى ابْنُ إسْحَاقَ الرَّجُلَ فِي حَدِيثِهِ (وَقَالَ: هُوَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ) [٣]- فَحَرَّقُوهُمَا بِالنَّارِ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَعَثَ إلَيْنَا، فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ بِتَحْرِيقِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إنْ أَخَذْتُمُوهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا اللَّهُ، فَإِنْ ظَفَرْتُمْ بِهِمَا فَاقْتُلُوهُمَا.
إسْلَامُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ
(اسْتِيلَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تِجَارَةٍ مَعَهُ وَإِجَارَةُ زَيْنَبَ لَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَقَامَ أَبُو الْعَاصِ بِمَكَّةَ، وَأَقَامَتْ زَيْنَبُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، حِينَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامُ، حَتَّى إذَا كَانَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ، خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ تَاجِرًا إلَى الشَّامِ، وَكَانَ رَجُلًا مَأْمُونًا، بِمَالٍ لَهُ وَأَمْوَالٍ لِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، أَبْضَعُوهَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ وَأَقْبَلَ قَافِلًا، لَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَصَابُوا مَا مَعَهُ، وَأَعْجَزَهُمْ هَارِبًا، فَلَمَّا قَدِمَتْ السَّرِيَّةُ بِمَا أَصَابُوا مِنْ مَالِهِ، أَقْبَلَ أَبُو الْعَاصِ تَحْتَ اللَّيْلِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَجَارَ بِهَا، فَأَجَارَتْهُ، وَجَاءَ فِي طَلَبِ مَالِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الصُّبْحِ- كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ-
-------------------------
[١] أوباش الْقَوْم: ضُعَفَاؤُهُمْ الَّذين يلصقون بهم ويتبعونهم. وإخفاري، أَي نقض عهدي.
[٢] كَذَا فِي أ، ط. والعديد: الْكَثْرَة وَالْجَمَاعَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فديدهم» . والفديد:
الصُّرَاخ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
٤٢- سيرة ابْن هِشَام- ١
فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، صَرَخَتْ زَيْنَبُ مِنْ صُفَّةِ [١] النِّسَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ. قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسِ، هَلْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى سَمِعْتُ مَا سَمِعْتُمْ، إنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ. ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، أَكْرِمِي مَثْوَاهُ، وَلَا يَخْلُصُنَّ إلَيْكَ، فَإِنَّكَ لَا تَحِلِّينَ لَهُ.
(الْمُسْلِمُونَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِ مَالَهُ ثُمَّ يُسْلِمُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَى السَّرِيَّةِ الَّذِينَ أَصَابُوا مَالَ أَبِي الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا، فَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَرُدُّوا عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ فَيْءُ اللَّهِ الَّذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ، فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ، فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لِيَأْتِيَ بِالدَّلْوِ، وَيَأْتِيَ الرَّجُلُ بِالشَّنَّةِ [٢] وَبِالْإِدَاوَةِ [٣]، حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ لِيَأْتِيَ بِالشِّظَاظِ [٤]، حَتَّى رَدُّوا عَلَيْهِ مَالَهُ بِأَسْرِهِ، لَا يَفْقِدُ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ احْتَمَلَ إلَى مَكَّةَ، فَأَدَّى إلَى كُلِّ ذِي مَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَالَهُ، وَمَنْ كَانَ أَبْضَعَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَلْ بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ عِنْدِي مَالٌ لَمْ يَأْخُذْهُ، قَالُوا: لَا. فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَجَدْنَاكَ وَفِيًّا كَرِيمًا قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَاَللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنْ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ إلَّا تَخَوُّفُ أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ آكُلَ أَمْوَالَكُمْ، فَلَمَّا أَدَّاهَا اللَّهُ إلَيْكُمْ وَفَرَغْتُ مِنْهَا أَسْلَمْتُ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(زَوْجَتُهُ تَرِدُ إِلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
---------------------------
[١] الصّفة: السَّقِيفَة.
[٢] الشنة: السقاء الْبَالِي.
[٣] الْإِدَاوَة: إِنَاء صَغِير من جلد.
[٤] الشظاظ: خَشَبَة عقفاء تدخل فِي عروتي الجوالق، وَالْجمع: أشظة.
رَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا [١] (بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ) [٢] .
(مَثَلٌ مِنْ أَمَانَةِ أَبِي الْعَاصِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ لَمَّا قَدِمَ مِنْ الشَّامِ وَمَعَهُ أَمْوَالُ الْمُشْرِكِينَ، قِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُسْلِمَ وَتَأْخُذَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ، فَإِنَّهَا أَمْوَالُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ أَبُو الْعَاصِ: بِئْسَ مَا أَبْدَأُ بِهِ إسْلَامِي أَنْ أَخُونَ أَمَانَتِي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، بِنَحْوِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْعَاصِ.
(الَّذِينَ أَطْلَقُوا مِنْ غَيْرِ فِدَاءٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا مِنْ الْأُسَارَى مِمَّنْ مُنَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسِ مَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ بُعِثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفِدَائِهِ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ (بْنِ يَقَظَةَ) [٢]: الْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، كَانَ لِبَعْضِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَتَرَكَ فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى خَلَّوْا سَبِيلَهُ. فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، أَبُو أَيُّوبَ (الْأَنْصَارِيُّ) [٣]، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ.
--------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «ويعارض هَذَا الحَدِيث مَا رَوَاهُ عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ: ردهَا عَلَيْهِ بِنِكَاح جَدِيد. وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الّذي عَلَيْهِ الْعَمَل، وَإِن كَانَ حَدِيث دَاوُد بن الْحصين أصح إِسْنَادًا عِنْد أهل الحَدِيث. وَلَكِن لم يقل بِهِ أحد من الْفُقَهَاء فِيمَا علمت، لِأَن الْإِسْلَام قد كَانَ فرق بَينهمَا قَالَ الله تَعَالَى: لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ٦٠: ١٠. وَمن جمع بَين الْحَدِيثين قَالَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: معنى ردهَا عَلَيْهِ على النِّكَاح الأول، أَي على مثل النِّكَاح الأول فِي الصَدَاق والحباء، لم يحدث على ذَلِك من شَرط وَلَا غَيره» .
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصَيْفِيُّ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدِ [١] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، تُرِكَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ فِي فِدَائِهِ أَخَذُوا عَلَيْهِ لِيَبْعَثُنَّ إلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمْ يَفِ لَهُمْ بِشَيْءٍ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
وَمَا كَانَ صَيْفِيٌّ لِيُوفِيَ ذِمَّةً [٢] ... قَفَا ثَعْلَبٍ أَعْيَا بِبَعْضِ الْمَوَارِدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو عَزَّةَ، عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ حُذَافَةَ ابْن جُمَحَ، كَانَ مُحْتَاجًا ذَا بَنَاتٍ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، لقد عرفت مَالِي مِنْ مَالٍ، وَإِنِّي لَذُو حَاجَةٍ، وَذُو عِيَالٍ، فَامْنُنْ عَلَيَّ، فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَلَّا يُظَاهِرَ [٣] عَلَيْهِ أَحَدًا. فَقَالَ أَبُو عَزَّةَ فِي ذَلِكَ، يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ فِي قَوْمِهِ:
مَنْ مُبَلِّغٌ عَنِّي الرَّسُولَ مُحَمَّدًا ... بِأَنَّكَ حَقٌّ وَالْمَلِيكُ حَمِيدُ
وَأَنْتَ امْرُؤ تَدْعُو إِلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى ... عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ الْعَظِيمِ شَهِيدُ
وَأَنْتَ امْرُؤُ بُوِّئْتَ فِينَا مَبَاءَةً ... لَهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعُودُ [٤]
فَإِنَّكَ مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ ... شَقِيٌّ وَمَنْ سَالَمَتْهُ لَسَعِيدُ
وَلَكِنْ إذَا ذُكِّرْتُ بَدْرًا وَأَهْلَهُ ... تَأَوَّبَ مَا بِي: حَسْرَةٌ وَقُعُودُ [٥]
(ثَمَنُ الْفِدَاءِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَانَ فِدَاءُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِلرَّجُلِ، إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، إلَّا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، فَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ.
-------------------------
[١] فِي الْأُصُول: «عَائِذ» . والتصويب عَن شرح السِّيرَة لأبى ذَر. قَالَ أَبُو ذَر: «قَالَ الزبير ابْن بكار فِيمَا حكى الدارقطنيّ عَنهُ: كل من كَانَ من ولد عمر بن مَخْزُوم فَهُوَ عَابِد، يعْنى بِالْبَاء وَالدَّال الْمُهْملَة: وكل من كَانَ من ولد عمرَان بن مَخْزُوم فَهُوَ عَائِذ، يعْنى بِالْيَاءِ المهموزة والذال الْمُعْجَمَة» .
[٢] كَذَا فِي ديوَان حسان طبع أوربا: «ذمَّة» وَفِي الأَصْل: «أَمَانَة» .
[٣] المظاهرة: المعاونة.
[٤] بوئت فِينَا مباءة، أَي نزلت فِينَا منزلَة.
[٥] تأوب: رَجَعَ.
إسْلَامُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ
(صَفْوَانُ يُحَرِّضُهُ عَلَى قَتْلِ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: جَلَسَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْحِجْرِ بِيَسِيرٍ، وَكَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ شَيْطَانًا مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَيَلْقَوْنَ مِنْهُ عَنَاءً وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ ابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي أُسَارَى بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ أَحَدُ بَنِي زُرَيْقٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: فَذَكَرَ أَصْحَابَ الْقَلِيبِ وَمُصَابَهُمْ، فَقَالَ صَفْوَانُ: وَاَللَّهِ إنْ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ، قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: صَدَقَتْ وَاَللَّهِ، أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيْعَةَ بَعْدِي، لَرَكِبْتُ إلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَإِنَّ لِي قِبَلَهُمْ عِلَّةً: ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ، قَالَ: فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ: عَلَيَّ دَيْنُكَ، أَنَا أَقْضِيهِ عَنْكَ، وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجِزُ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأْنَكَ، قَالَ: أَفْعَلُ.
(رُؤْيَةُ عُمَرَ لَهُ وَإِخْبَارُهُ الرَّسُولَ بِأَمْرِهِ):
قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ، فَشُحِذَ لَهُ وَسُمَّ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِهِ، وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إذْ نَظَرَ عُمَرُ إلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، فَقَالَ: هَذَا الْكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، وَاَللَّهِ مَا جَاءَ إلَّا لِشَرٍّ، وَهُوَ الَّذِي حَرَّشَ [١] بَيْنَنَا، وَحَزَرْنَا [٢] لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ.
ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا عَدُوُّ
--------------------
[١] حرش: أفسد.
[٢] الحزر: تَقْدِير الْعدَد تخمينا.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-27-2026, 07:19 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (69)
صــ 661إلى صــ 670
اللَّهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ قَدْ جَاءَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، قَالَ: فَأَدْخَلَهُ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتَّى أَخَذَ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ فَلَبَّبَهُ بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالٍ مِمَّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ: اُدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(الرَّسُولُ يُحَدِّثُهُ بِمَا بَيَّتَهُ هُوَ وَصَفْوَانُ فَيُسْلِمُ):
فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، قَالَ: أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اُدْنُ يَا عُمَيْرُ، فَدَنَا ثُمَّ قَالَ: انْعَمُوا صَبَاحًا، وَكَانَتْ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِتَحِيَّةِ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتِكَ يَا عُمَيْرُ، بِالسَّلَامِ: تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ: فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتُ بِهَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ، قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟ قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الْأَسِيرِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ، قَالَ: فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنُقِكَ؟ قَالَ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا؟ قَالَ: اُصْدُقْنِي، مَا الَّذِي جِئْتَ لَهُ؟ قَالَ:
مَا جِئْتُ إلَّا لِذَلِكَ، قَالَ: بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْتُلَ مُحَمَّدًا، فَتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بِدَيْنِكَ وَعِيَالِكَ، عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاَللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتُ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنْ الْوَحْيِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلَّا أَنا وَصَفوَان، فو الله إنِّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إلَّا اللَّهُ، فَالْحَمْدُ للَّه الَّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ، ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ. وَأَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ، وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ، فَفَعَلُوا.
(رُجُوعُهُ إِلَى مَكَّة يَدْعُو لِلْإِسْلَامِ):
ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ جَاهِدًا عَلَى إطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، شَدِيدَ الْأَذَى لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ اللَّهِ عز وجل، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَقْدَمَ مَكَّةَ، فَأَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَإِلَى الْإِسْلَامِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ،
وَإِلَّا آذَيْتُهُمْ فِي دِينِهِمْ كَمَا كُنْتُ أُوذِي أَصْحَابَكَ فِي دِينِهِمْ؟ قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَحِقَ بِمَكَّةَ. وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ حِينَ خَرَجَ عُمَيْرُ ابْن وَهْبٍ، يَقُولُ: أَبْشِرُوا بِوَقْعَةٍ تَأْتِيكُمْ الْآنَ فِي أَيَّامٍ، تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ، وَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْهُ الرُّكْبَانَ، حَتَّى قَدِمَ رَاكِبٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ إسْلَامِهِ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا، وَلَا يَنْفَعَهُ بِنَفْعِ أَبَدًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمَ عُمَيْرٌ مَكَّةَ، أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ، وَيُؤْذِي مَنْ خَالَفَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ.
(هُوَ أَوِ ابْنُ هِشَامٍ الَّذِي رَأَى إِبْلِيسَ. وَمَا نَزَلَ فِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، أَوْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، قَدْ ذُكِرَ لِي أَحَدُهُمَا، الَّذِي رَأَى إبْلِيسَ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: أَيْن، أَي سراق؟ وَمَثَلَ [١] عَدُوُّ اللَّهِ فَذَهَبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقال لَا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ٨: ٤٨. فَذَكَرَ اسْتِدْرَاجَ إبْلِيسَ إيَّاهُمْ، وَتَشَبُّهَهُ بِسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَهُمْ، حِينَ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ فِي الْحَرْبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ ٨: ٤٨ وَنَظَرَ عَدُوُّ اللَّهِ إلَى جُنُودِ اللَّهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، قَدْ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ ٨: ٤٨.
وَصَدَقَ عَدُوُّ اللَّهِ، رَأَى مَا لَمْ يَرَوْا، وَقَالَ: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، وَالله شَدِيدُ الْعِقابِ ٨: ٤٨. فَذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ لَا يُنْكِرُونَهُ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَأَوْرَدَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَكَصَ: رَجَعَ. قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ، أَحَدُ بَنِي أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ:
---------------------------
[١] مثل، أَي لطئ بِالْأَرْضِ واختفى، وَهُوَ من الأضداد، يكون الماثل: الْقَائِم:، وَيكون الماثل (أَيْضا): اللاطئ بِالْأَرْضِ.
نَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ يَوْمَ [١] جِئْتُمْ ... تُزَجُّونَ أَنْفَالَ الْخَمِيسِ الْعَرَمْرَمِ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
(شِعْرٌ لِحَسَّانَ فِي الْفَخْرِ بِقَوْمِهِ وَمَا كَانَ مِنْ تَغْرِيرِ إبْلِيسَ بِقُرَيْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
قَوْمِي الَّذِينَ هُمْ آوَوْا نَبِيَّهُمْ ... وَصَدَّقُوهُ وَأَهْلُ الْأَرْضِ كُفَّارُ
إلَّا خَصَائِصَ أَقْوَامٍ هُمْ سَلَفٌ ... لِلصَّالِحِينَ مَعَ الْأَنْصَارِ أَنْصَارُ
مُسْتَبْشِرِينَ بِقَسْمِ اللَّهِ قَوْلُهُمْ ... لَمَّا أَتَاهُمْ كَرِيمُ الْأَصْلِ مُخْتَارُ: [٣]
أَهْلًا وَسَهْلًا فَفِي أَمْنٍ وَفِي سَعَةٍ ... نِعْمَ النَّبِيُّ وَنِعْمَ الْقَسْمُ وَالْجَارُ
فَأَنْزَلُوهُ بِدَارِ لَا يُخَافُ بِهَا ... مَنْ كَانَ جَارَهُمْ دَارًا هِيَ الدَّارُ
وَقَاسَمُوهُ بِهَا الْأَمْوَالَ إذْ قَدِمُوا ... مُهَاجِرِينَ وَقَسْمُ الْجَاحِدِ النَّارُ
سِرْنَا وَسَارُوا إلَى بَدْرٍ لِحَيْنِهِمْ ... لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الْعِلْمِ مَا سَارُوا
دَلَّاهُمْ بِغُرُورٍ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ ... إنَّ الْخَبِيثَ لِمَنْ وَالَاهُ غَرَّارُ
وَقَالَ إنِّي لَكُمْ جَارٌ فَأَوْرَدَهُمْ ... شَرَّ الْمَوَارِدِ فِيهِ الْخِزْي وَالْعَارُ
ثُمَّ الْتَقَيْنَا فَوَلَّوْا عَنْ سَرَاتِهِمْ ... مِنْ مُنْجِدِينَ وَمِنْهُمْ فِرْقَةٌ غَارُوا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ «
لَمَّا أَتَاهُمْ كَرِيمُ الْأَصْلِ مُخْتَارُ
» أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ.
الْمُطْعِمُونَ مِنْ قُرَيْشٍ
(مِنْ بَنِي هَاشِمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْمُطْعِمُونَ [٥] مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ.
----------------------------
[١] فِي أ: «ثمَّ» .
[٢] تزجون تساقون سوقا رَفِيقًا، وَفعله: زجى يزجى (بالتضعيف) . وَالْخَمِيس: الْجَيْش.
والعرمرم: الْكثير الْمُجْتَمع.
[٣] الْقسم: الْحَظ والنصيب.
[٤] سراة الْقَوْم: خيارهم. وغاروا: قصدُوا الْغَوْر، وَهُوَ مَا انخفض من الأَرْض، يُرِيد:
تشتتوا.
[٥] المطعمون: من كَانُوا يطْعمُون الْحَاج فِي كل موسم يعدون لَهُم طَعَاما وينحرون لَهُم إبِلا فيطعمونهم ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
(مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ):
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: الْحَارِثَ بْنَ عَامِرِ [١] بْنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، يَعْتَقِبَانِ ذَلِكَ.
(مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ.
وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ: يَعْتَقِبَانِ ذَلِكَ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ.
(نَسَبُ النَّضْرِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الدَّارِ.
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: أَبَا [٢] جَهْلِ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
(مِنْ بَنِي جُمَحَ):
وَمِنْ بَنَى جُمَحَ: أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ.
(مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: نُبَيْهًا وَمُنَبِّهًا ابْنَيْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، يَعْتَقِبَانِ ذَلِكَ.
---------------------------
[١] فِي م، ر: «عَمْرو» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] فِي م، ر: «أَبُو» وَهُوَ تَحْرِيف.
(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: سُهَيْلَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ [١] .
أَسَمَاءُ خَيْلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْخَيْلِ، فَرَسُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: السَّبَلُ [٢]، وَفَرَسُ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيِّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: بَعْزَجَةُ، وَيُقَالُ: سَبْحَةُ، وَفَرَسُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْيَعْسُوبُ.
(خَيْلُ الْمُشْرِكِينَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَعَ الْمُشْركين مائَة فَرَسٍ [٣] .
نُزُولُ سُورَةِ الْأَنْفَالِ
(مَا نَزَلَ فِي تَقْسِيمِ الْأَنْفَالِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٤]: فَلَمَّا انْقَضَى أَمْرُ بَدْرٍ، أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ الْأَنْفَالَ بِأَسْرِهَا، فَكَانَ مِمَّا نَزَلَ مِنْهَا فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي النَّفَلِ حِينَ اخْتلفُوا فِيهِ:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨: ١.
فَكَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ- فِيمَا بَلَغَنِي- إذَا سُئِلَ عَنْ الْأَنْفَالِ، قَالَ: فِينَا مَعْشَرَ أَهْلِ [٥] بَدْرٍ نَزَلَتْ، حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا حِينَ سَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَرَدَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَسَمَهُ بَيْنَنَا
-----------------------------
[١] إِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء التَّاسِع من سيرة ابْن هِشَام بِحَسب تقسيمه.
[٢] فِي الْأُصُول: «السَّيْل» بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة، وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر والقاموس وَشَرحه) .
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ. وَقد زَادَت ط عَلَيْهَا: «فِيمَا ذكر لي عمر مولى غفرة» .
[٤] فِي م، ر: «قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام قَالَ: حَدثنَا زِيَاد بن عبد الله البكائي عَن مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق المطلبي، قَالَ» .
[٥] فِي أ، ط: «أَصْحَاب» .
عَنْ بَوَاءٍ- يَقُولُ: عَلَى السَّوَاءِ- وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ ﷺ، وَصَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ.
(مَا نَزَلَ فِي خُرُوجِ الْقَوْمِ مَعَ الرَّسُولِ لِمُلَاقَاةِ قُرَيْشٍ):
ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْمَ وَمَسِيرَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ عَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ سَارُوا إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا يُرِيدُونَ الْعِيرَ طَمَعًا فِي الْغَنِيمَةِ، فَقَالَ:
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ٨: ٥- ٦: أَيْ كَرَاهِيَةً لِلِقَاءِ الْقَوْمِ [١]، وَإِنْكَارًا لِمَسِيرِ قُرَيْشٍ، حِينَ ذُكِرُوا لَهُمْ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ٨: ٧: أَيْ الْغَنِيمَةَ دُونَ الْحَرْبِ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ٨: ٧: أَيْ بِالْوَقْعَةِ الَّتِي أَوْقَعَ بِصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَقَادَتِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ٨: ٩: أَيْ لِدُعَائِهِمْ حِينَ نَظَرُوا إلَى كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ ٨: ٩ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدُعَائِكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ٨: ٩.
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ٨: ١١: أَيْ أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ الْأَمَنَةَ حِينَ نِمْتُمْ لَا تَخَافُونَ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً ٨: ١١ لِلْمَطَرِ الَّذِي أَصَابَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَحَبَسَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَسْبِقُوا إلَى الْمَاءِ، وَخَلَّى سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ٨: ١١: أَيْ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ شَكَّ الشَّيْطَانِ، لِتَخْوِيفِهِ إيَّاهُمْ عَدُوَّهُمْ، وَاسْتِجْلَادِ [٢] الْأَرْضِ لَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إلَى مَنْزِلِهِمْ الَّذِي سَبَقُوا إلَيْهِ عَدُوَّهُمْ.
(مَا نَزَلَ فِي تَبْشِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسَاعَدَةِ وَالنَّصْرِ، وَتَحْرِيضِهِمْ):
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ٨: ١٢:
-----------------------------
[١] فِي أ: «الْعَدو» .
[٢] استجلاد الأَرْض: شدتها.
أَيْ آزِرُوا [١] الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمن يُشاقِقِ اللَّهِ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ٨: ١٢- ١٣، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٨: ١٥- ١٦: أَيْ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ لِئَلَّا يَنْكُلُوا عَنْهُمْ إذَا لَقُوهُمْ، وَقَدْ وَعَدَهُمْ اللَّهُ فِيهِمْ مَا وَعَدَهُمْ.
(مَا نَزَلَ فِي رَمْيِ الرَّسُولِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ):
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي رَمْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهُمْ بِالْحَصْبَاءِ مِنْ يَدِهِ، حِينَ رَمَاهُمْ: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ٨: ١٧: أَيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِكَ، لَوْلَا الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ نَصْرِكَ، وَمَا أَلْقَى فِي صُدُورِ عَدُوِّكَ مِنْهَا حِينَ هَزَمَهُمْ اللَّهُ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا ٨: ١٧: أَيْ لِيُعَرِّفَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ فِي إظْهَارِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقَّهُ، وَيَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ.
(مَا نزل فِي الاستفتاح):
ثُمَّ قَالَ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ٨: ١٩: أَيْ لِقَوْلِ أَبِي جَهْلٍ:
اللَّهمّ أَقْطَعَنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا يُعْرَفُ، فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ. وَالِاسْتِفْتَاحُ: الْإِنْصَافُ فِي الدُّعَاءِ.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنْ تَنْتَهُوا ٨: ١٩: أَيْ لِقُرَيْشِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ٨: ١٩: أَيْ بِمِثْلِ الْوَقْعَةِ الَّتِي أَصَبْنَاكُمْ بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ٨: ١٩: أَيْ أَنَّ عَدَدَكُمْ وَكَثْرَتَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَإِنِّي مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْصُرهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ.
-------------------------
[١] فِي أ، ط: «وازروا» وهما بِمَعْنى.
(مَا نَزَلَ فِي حَضِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَاعَةِ الرَّسُولِ):
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ٨: ٢٠: أَيْ لَا تُخَالِفُوا أَمْرَهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ لِقَوْلِهِ، وَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مِنْهُ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ٨: ٢١: أَيْ كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَيُسِرُّونَ لَهُ الْمَعْصِيَةَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ٨: ٢٢: أَيْ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ، بُكْمٌ عَنْ الْخَيْرِ، صُمٌّ عَنْ الْحَقِّ، لَا يَعْقِلُونَ: لَا يَعْرِفُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّقْمَةِ وَالتَّبَاعَةِ [١] وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ٨: ٢٣، أَيْ لَأَنْفَذَ لَهُمْ قَوْلَهُمْ الَّذِي قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَكِنَّ الْقُلُوبَ خَالَفَتْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَو خَرجُوا مَعكُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ٨: ٢٣، مَا وَفَوْا لَكُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا خَرَجُوا عَلَيْهِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ٨: ٢٤: أَيْ لِلْحَرْبِ الَّتِي أَعَزَّكُمْ اللَّهُ بِهَا بَعْدَ الذُّلِّ، وَقَوَّاكُمْ بِهَا بَعْدَ الضَّعْفِ، وَمَنَعَكُمْ بِهَا مِنْ عَدُوِّكُمْ بَعْدَ الْقَهْرِ مِنْهُمْ لَكُمْ، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ، فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨: ٢٦- ٢٧ أَيْ لَا تُظْهِرُوا لَهُ مِنْ الْحَقِّ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْكُمْ، ثُمَّ تُخَالِفُوهُ فِي السِّرِّ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هَلَاكٌ لِأَمَانَاتِكُمْ، وَخِيَانَةٌ لِأَنْفُسِكُمْ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٨: ٢٩: أَيْ فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، لِيُظْهِرَ اللَّهُ بِهِ حَقَّكُمْ، وَيُطْفِئَ بِهِ بَاطِلَ مَنْ خَالَفَكُمْ.
(مَا نَزَلَ فِي ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الرَّسُولِ):
ثُمَّ ذَكَّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، حِينَ مَكَرَ بِهِ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يُثْبِتُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ ٨: ٣٠: أَيْ فَمَكَرْتُ بِهِمْ بِكَيْدِي الْمَتِينِ حَتَّى خَلَّصْتُكَ مِنْهُمْ.
--------------------
[١] التباعة: والتبعة: طلب الْمَرْء بِمَا ارْتكب عَن مظالم.
(مَا نَزَلَ فِي غِرَّةِ قُرَيْشٍ وَاسْتِفْتَاحِهِمْ):
ثُمَّ ذَكَرَ غِرَّةَ قُرَيْشٍ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، إذْ قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ٨: ٣٢ أَيْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ٨: ٣٢ كَمَا أَمْطَرْتهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ٨: ٣٢ أَيْ بَعْضِ مَا عَذَّبْتُ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُنَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُهُ، وَلَمْ يُعَذِّبْ أُمَّةً وَنَبِيُّهَا مَعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا. وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ، يَذْكُرُ جَهَالَتَهُمْ وَغِرَّتَهُمْ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، حِينَ نَعَى سُوءَ أَعْمَالِهِمْ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ٨: ٣٣ أَيْ لِقَوْلِهِمْ: إنَّا نَسْتَغْفِرُ وَمُحَمَّدٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، ثُمَّ قَالَ وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ٨: ٣٤ وَإِنْ كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ كَمَا يَقُولُونَ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ٨: ٣٤: أَيْ مَنْ آمَنَ باللَّه وَعَبْدَهُ: أَيْ أَنْتَ وَمَنْ اتَّبَعَكَ، وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ٨: ٣٤ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ حُرْمَتَهُ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ عِنْدَهُ: أَيْ أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ بِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٨: ٣٤.
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ٨: ٣٥ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْهُمْ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ٨: ٣٥.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ. وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ. قَالَ عَنْتَرَةُ بْنُ عَمْرٍو (ابْنُ شَدَّادٍ) [١] الْعَبْسِيُّ:
وَلَرُبَّ قِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ مُجَدَّلًا ... تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الْأَعْلَمِ [٢]
يَعْنِي: صَوْتَ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الطَّعْنَةِ، كَأَنَّهُ الصَّفِيرُ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الطِّرِمَّاحُ بْنُ حَكِيمٍ الطَّائِيُّ:
-----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] مجدلا: أَي لاصقا بالجدالة، وَهِي الأَرْض. والفريصة: بضعَة فِي مرجع الْكَتف. وَيُرِيد «بالأعلم»: الْجمل. وَهُوَ فِي الأَصْل: المشقوق شفته الْعليا.
لَهَا كُلَّمَا رِيعَتْ صَدَاةٌ وَرَكْدَةٌ ... بِمُصْدَانَ أَعْلَى ابْنَيْ شَمَامِ الْبَوَائِنِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَعْنِي الْأُرْوِيَّةَ، يَقُولُ: إذَا فَزِعَتْ قَرَعَتْ بِيَدِهَا الصَّفَاةَ ثُمَّ رَكَدَتْ تَسْمَعُ صَدَى قَرْعِهَا بِيَدِهَا الصَّفَاةَ مِثْلُ التَّصْفِيقِ. وَالْمُصْدَانَ: الْحِرْزُ [٢] .
وَابْنَا شَمَامِ: جَبَلَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ عز وجل وَلَا يُحِبُّهُ، وَلَا مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، وَلَا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ٣: ١٠٦: أَيْ لِمَا أَوْقَعَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْقَتْلِ.
(الْمُدَّةُ بَيْنَ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ٧٣: ١ وَبَدْرٌ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ بَيْنَ نُزُولِ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ٧٣: ١، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا:
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا. إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا. وَطَعامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا ٧٣: ١١- ١٣ إلَّا يَسِيرٌ، حَتَّى أَصَابَ اللَّهُ قُرَيْشًا بِالْوَقْعَةِ يَوْمَ بَدْرٍ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَنْكَالُ: الْقُيُودُ، وَاحِدُهَا: نِكْلٌ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
يَكْفِيكَ نِكْلِي بَغْيَ كُلِّ نِكْلِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
(مَا نَزَلَ فِيمَنْ عَاوَنُوا أَبَا سُفْيَانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ٨: ٣٦ يَعْنِي النَّفَرَ الَّذِينَ مَشَوْا إلَى أَبِي سُفْيَانَ، وَإِلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِلْكَ التِّجَارَةِ، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُقَوُّوهُمْ بِهَا عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَعَلُوا.
--------------------------
[١] صداة، أَي تصفير. والركدة: السّكُون. والمصدان: جمع مصاد، وَهُوَ الْجِدَار. وَابْن شمام:
هضبتان تتصلان بجبل شمام. وَقيل: إنَّهُمَا رأسان للجبل وتسميهما الْعَرَب أبانين والبوائن: الَّتِي بَان بَعْضهَا عَن بعض.
[٢] كَذَا فِي أ، ط. والحرز: الْمَانِع الّذي يحرز من لَجأ إِلَيْهِ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْحزن» .
وَلَعَلَّه محرف عَن الْجدر. (انْظُر مُعْجم مَا استعجم للبكرى «شمام») .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
04-30-2026, 11:16 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (70)
صــ 671إلى صــ 680
ثُمَّ قَالَ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا ٨: ٣٨ لِحَرْبِكَ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ٨: ٣٨ أَيْ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
(الْأَمْرُ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ):
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ٨: ٣٩: أَيْ حَتَّى لَا يُفْتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ، وَيَكُونَ التَّوْحِيدُ للَّه خَالِصًا لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ، وَيُخْلَعَ مَا دُونَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَإِنْ تَوَلَّوْا ٨: ٣٩- ٤٠ عَنْ أَمْرِكَ إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ٨: ٤٠ الَّذِي أَعَزَّكُمْ وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فِي كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ٨: ٤٠.
(مَا نَزَلَ فِي تَقْسِيمِ الْفَيْءِ):
ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ مَقَاسِمَ الْفَيْءِ وَحُكْمَهُ فِيهِ، حِينَ أَحَلَّهُ لَهُمْ، فَقَالَ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَالله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٨: ٤١ أَيْ يَوْمَ فَرَّقْتُ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِقُدْرَتِي يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا ٨: ٤٢ مِنْ الْوَادِي وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ٨: ٤٢ مِنْ الْوَادِي إلَى مَكَّةَ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ٨: ٤٢: أَيْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ الَّتِي خَرَجْتُمْ لِتَأْخُذُوهَا وَخَرَجُوا لِيَمْنَعُوهَا عَنْ غَيْرِ مِيعَادٍ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ٨: ٤٢ أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ مِيعَادٍ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ ثُمَّ بَلَغَكُمْ كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ، وَقِلَّةُ عَدَدِكُمْ مَا لَقِيتُمُوهُمْ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا ٨: ٤٢ أَيْ لِيَقْضِيَ مَا أَرَادَ بِقُدْرَتِهِ مِنْ إعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَنْ غَيْرِ بَلَاءٍ [١] مِنْكُمْ فَفَعَلَ مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ، ثُمَّ قَالَ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٨: ٤٢---------------------------
[١] فِي أ، ط: «ملاء» .
أَيْ لِيَكْفُرَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ الْحُجَّةِ لِمَا رَأَى مِنْ الْآيَةِ وَالْعِبْرَةِ، وَيُؤْمِنُ مَنْ آمَنَ عَلَى مِثْلِ ذلكَ.
(مَا نَزَلَ فِي لُطْفِ اللَّهِ بِالرَّسُولِ):
ثُمَّ ذَكَرَ لُطْفَهُ بِهِ وَكَيْدَهُ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ٨: ٤٣، فَكَانَ مَا أَرَاكَ مِنْ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، شَجَّعَهُمْ بِهَا عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَكَفَّ بِهَا عَنْهُمْ مَا تُخُوِّفَ [١] عَلَيْهِمْ مِنْ ضَعْفِهِمْ، لِعِلْمِهِ بِمَا فِيهِمْ.
- قَالَ [٢] ابْنُ هِشَامٍ: تُخُوِّفَ: مُبَدَّلَةٌ مِنْ كَلِمَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ وَلَمْ أَذْكُرْهَا [٣] وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا ٨: ٤٤: أَيْ لِيُؤَلِّفَ بَيْنَهُمْ عَلَى الْحَرْبِ لِلنِّقْمَةِ مِمَّنْ أَرَادَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ، وَالْإِنْعَامَ عَلَى مَنْ أَرَادَ إتْمَامَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ.
(مَا نَزَلَ فِي وَعْظِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعْلِيمِهِمْ خُطَطَ الْحَرْبِ):
ثُمَّ وَعَظَهُمْ وَفَهَّمَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا بِهِ فِي حَرْبِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً ٨: ٤٥ تُقَاتِلُونَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ٨: ٤٥ الَّذِي لَهُ بَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَالْوَفَاءَ لَهُ بِمَا أَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ بَيْعَتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا ٨: ٤٥- ٤٦: أَيْ لَا تَخْتَلِفُوا فَيَتَفَرَّقَ أَمْرُكُمْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ٨: ٤٦ أَيْ وَتَذْهَبَ حِدَّتُكُمْ [٤] وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ٨: ٤٦ أَيْ إنِّي مَعَكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ ٨: ٤٧:
أَيْ لَا تَكُونُوا كَأَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ قَالُوا: لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَأْتِيَ بَدْرًا فَنَنْحَرَ بِهَا
----------------------------
[١] فِي أ: «يتخوف» .
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] قَالَ أَبُو ذَر: «يُقَال: الْكَلِمَة (تخويف) بِفَتْح التَّاء وَالْخَاء وَالْوَاو، وَقيل: كَانَت (تخوفت) وَأصْلح ذَلِك ابْن هِشَام لشناعة اللَّفْظ فِي حق الله عز وجل» .
[٤] فِي أ: «وَيذْهب حدكم» وهما بِمَعْنى.
٤٣- سيرة ابْن هِشَام- ١
الْجُزُرَ وَتُسْقَى بِهَا الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا فِيهَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعُ الْعَرَبُ: أَيْ لَا يَكُونُ أَمْرُكُمْ رِيَاءً، وَلَا سُمْعَةً، وَلَا الْتِمَاسَ مَا عِنْدَ النَّاسِ وَأَخْلِصُوا للَّه النِّيَّةَ وَالْحِسْبَةَ فِي نَصْرِ دِينِكُمْ، وَمُوَازَرَةِ نَبِيِّكُمْ، لَا تَعْمَلُوا إلَّا لِذَلِكَ وَلَا تَطْلُبُوا غَيْرَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقال لَا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ٨: ٤٨.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْكُفْرِ، وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وَوَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ، وَأَخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ عَنْهُمْ، حَتَّى انْتَهَى إلَى أَنْ قَالَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٨: ٥٧ أَيْ فَنَكِّلْ بِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْقِلُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمن رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ٨: ٦٠.. إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ٨: ٦٠: أَيْ لَا يَضِيعُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَعَاجِلٌ خِلَفَهُ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ٨: ٦١: أَيْ إنْ دَعَوْكَ إلَى السَّلْمِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَصَالِحْهُمْ عَلَيْهِ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ٨: ٦١ إنَّ اللَّهَ كَافِيكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٨: ٦١.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَنَحُوا لِلسَّلْمِ: مَالُوا إلَيْكَ لِلسَّلْمِ. الْجُنُوحُ: الْمَيْلُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
جُنُوحُ الْهَالِكِيَّ عَلَى يَدَيْهِ ... مُكِبًّا يَجْتَلِي نُقَبَ النِّصَالِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ (يُرِيدُ: الصَّيْقَلَ الْمُكِبَّ عَلَى عَمَلِهِ. النَّقْبُ صَدَأُ السَّيْفِ.
يَجْتَلِي: يَجْلُو السَّيْفَ) [٢] . وَالسَّلْمُ (أَيْضًا): الصُّلْحُ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل:
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ٤٧: ٣٥، وَيُقْرَأُ: «إلَى السِّلم»، وَهُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى. قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى:
------------------------
[١] الهالكى: الْحداد والصيقل، نِسْبَة إِلَى الْهَالِك بن أَسد أول من عمل الْحداد.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
وَقَدْ قُلْتُمَا إنْ نُدْرِكْ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنْ الْقَوْلِ نَسْلَمْ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ٨: ٦١ لِلْإِسْلَامِ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ٢: ٢٠٨، وَيُقْرَأُ «فِي السَّلْم»، وَهُوَ الْإِسْلَامُ. قَالَ أُمَيَّةُ ابْن أَبِي الصَّلْتِ:
فَمَا أَنَابُوا لِسَلْمٍ حِينَ تُنْذِرُهُمْ ... رُسْلَ الْإِلَهِ وَمَا كَانُوا لَهُ عَضُدَا [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِدَلْوٍ تُعْمَلُ مُسْتَطِيلَةً: السَّلْمُ. قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ، أَحَدُ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، يَصِفُ نَاقَةً لَهُ:
لَهَا مِرْفَقَانِ أَفْتَلَانِ كَأَنَّمَا ... تَمُرُّ بِسَلْمَى دَالِحٍ مُتَشَدِّدٍ [٢]
(وَيُرْوَى: دَالِجٍ) [٣] . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ٨: ٦٢ هُوَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ.
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ٨: ٦٢ بَعْدَ الضَّعْفِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ٨: ٦٢- ٦٣ عَلَى الْهُدَى الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ٨: ٦٣ بِدِينِهِ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٨: ٦٣.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمن اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ٨: ٦٤- ٦٥: أَيْ لَا يُقَاتِلُونَ عَلَى نِيَّةٍ وَلَا حَقٍّ وَلَا مَعْرِفَةٍ بِخَيْرٍ وَلَا شَرٍّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ
---------------------------
[١] أناب: رَجَعَ.
[٢] الدالح: الّذي يمشى بِحمْلِهِ منقبض الخطو لثقله عَلَيْهِ.
[٣] زِيَادَة عَن أ. والدالج: الّذي يمشى بالدلو بَين الْحَوْض والبئر.
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ اشْتَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْظَمُوا أَنْ يُقَاتل عشرُون مِائَتَيْنِ، وَمِائَة أَلْفًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى، فَقَالَ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ ٨: ٦٦. قَالَ: فَكَانُوا إذَا كَانُوا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ لَمْ يَنْبَغِ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا مِنْهُمْ، وَإِذَا كَانُوا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ قِتَالُهُمْ وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَوَّزُوا عَنْهُمْ.
(مَا نَزَلَ فِي الْأُسَارَى وَالْمَغَانِمِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأُسَارَى، وَأَخْذِ الْمَغَانِمِ [١]، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَأْكُلُ مَغْنَمًا مِنْ عَدُوٍّ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا [٢] وَطَهُورًا، وَأُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحْلَلْ لِنَبِيٍّ كَانَ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، خَمْسٌ لَمْ يُؤْتَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ: مَا كانَ لِنَبِيٍّ ٨: ٦٧: أَيْ قَبْلَكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ٨: ٦٧ مِنْ عَدُوِّهِ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ٨: ٦٧، أَيْ يُثْخِنَ [٣] عَدُوَّهُ، حَتَّى يَنْفِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ٨: ٦٧: أَيْ الْمَتَاعَ، الْفِدَاءَ بِأَخْذِ الرِّجَالِ وَالله يُرِيدُ الْآخِرَةَ ٨: ٦٧: أَيْ قَتْلَهُمْ لِظُهُورِ الدِّينِ الَّذِي يُرِيدُ إظْهَارَهُ، وَاَلَّذِي تُدْرَكُ بِهِ الْآخِرَةُ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ ٨: ٦٨: أَيْ مِنْ الْأُسَارَى وَالْمَغَانِمِ عَذابٌ عَظِيمٌ ٨: ٦٨: أَيْ لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنِّي لَا أُعَذِّبُ إلَّا بَعْدَ النَّهْيِ وَلَمْ يَكُ نَهَاهُمْ، لَعَذَّبْتُكُمْ فِيمَا صَنَعْتُمْ، ثُمَّ أَحَلَّهَا لَهُ وَلَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ، وَعَائِدَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٨: ٦٩.
------------------------
[١] فِي أ: «الْغَنَائِم» .
[٢] فِي أ: «مَسَاجِد» .
[٣] الْإِثْخَان: التَّضْيِيق على الْعَدو.
ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهِ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ ٨: ٧٠.
(مَا نَزَلَ فِي التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ):
وَحَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّوَاصُلِ، وَجَعَلَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدِّينِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَجَعَلَ الْكُفَّارَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ٨: ٧٣ أَيْ إلَّا يُوَالِ الْمُؤْمِنُ الْمُؤْمِنَ مِنْ دُونِ الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ بِهِ: تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ ٨: ٧٣ أَيْ شُبْهَةٌ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَظُهُورِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِتَوَلِّي الْمُؤْمِنِ الْكَافِرَ دُونَ الْمُؤْمِنِ.
ثُمَّ رَدَّ الْمَوَارِيثَ إلَى الْأَرْحَامِ مِمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْوَلَايَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ دُونَهُمْ إلَى الْأَرْحَامِ الَّتِي بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ٨: ٧٥ أَيْ بِالْمِيرَاثِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٨: ٧٥.
مَنْ حَضَرَ بَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ
(مِنْ بنى هَاشم وَالْمطلب):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مِنْ (قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ) [١] بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ ابْن مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ.
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ [٢]، ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، أَسَدُ اللَّهِ، وَأَسَدُ رَسُولِهِ، عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ،
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي أ: «الْمُسلمين» .
وَزَيْدُ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْكَلْبِيُّ، أَنْعَمَ (اللَّهُ) [١] عَلَيْهِ وَرَسُولُهُ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ [٢] بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ ابْن عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بن زيد اللّات بْنِ رُفَيْدَةَ [٣] بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ وَبْرَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنَسَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَأَبُو كَبْشَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَسَةُ: حَبَشِيٌّ، وَأَبُو كَبْشَةَ: فَارِسِيٌّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَأَبُو مَرْثَدٍ كَنَّازُ بْنُ حِصْنِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعِ ابْن خَرَشَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ جِلَّانَ [٤] بْنِ غَنْمِ بْنِ غَنِيِّ بْنِ يَعْصُرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَنَّازُ بْنُ حُصَيْنٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَابْنُهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، حَلِيفَا حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ [٥] بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَأَخَوَاهُ الطُّفَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ، وَمِسْطَحٌ، وَاسْمُهُ: عَوْفُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ. اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ابْن عَبْدِ شَمْسٍ، تَخَلَّفَ عَلَى امْرَأَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمِهِ، قَالَ: وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
---------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] وبهذه الرِّوَايَة ذكره ابْن عبد الْبر.
[٣] كَذَا فِي م، ر. والاستيعاب. وَفِي أ: «زفيدة» بالزاي.
[٤] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ «حلان» بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَالَ أَبُو ذَر: «وَقع هُنَا بِالْجِيم والحاء الْمُهْملَة أَيْضا، وَصَوَابه بِالْجِيم» .
[٥] فِي م، ر،: «عبيد» . وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع الطَّبَرِيّ والاستيعاب) .
قَالَ: وَأَجْرُكَ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَسَالِمٌ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي حُذَيْفَةَ: مِهْشَمٌ [١] .
(نَسَبُ سَالِمٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَالِمٌ، سَائِبَةٌ لِثُبَيْتَةَ بِنْتِ يَعَارَ بْنِ زَيْدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، سَيَّبَتْهُ فَانْقَطَعَ إلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فَتَبَنَّاهُ، وَيُقَالُ: كَانَتْ ثُبَيْتَةُ بِنْتُ يَعَارَ تَحْتَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَأَعْتَقَتْ سَالِمًا سَائِبَةً، فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمُوا أَنَّ صُبَيْحًا مَوْلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ تَجَهَّزَ لِلْخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ مَرِضَ، فَحَمَلَ عَلَى بَعِيرِهِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، ثُمَّ شَهِدَ صُبَيْحٌ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: عَبْدُ اللَّهِ ابْن جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ [٢] بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ ابْن أَسَدٍ، وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُرَّةَ (بْنِ) [٣] كَبِيرِ ابْن غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ، وَشُجَاعُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ صُهَيْبِ ابْن مَالِكِ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ، وَأَخُوهُ عُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ، وَيَزِيدُ ابْن رُقَيْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ ابْن أَسَدٍ، وَأَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ بْنِ قَيْسٍ، أَخُو عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وَابْنُهُ سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [٤] بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ
--------------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «اسْم أَبى حُذَيْفَة هَذَا قيس، وَأما مهشم، فَهُوَ أَبُو حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة بن عبد الله أَبُو مُحَمَّد بن مَخْزُوم» .
[٢] فِي الِاسْتِيعَاب: «كثير» .
[٣] زِيَادَة عَن أ، ط، والاستيعاب وَأسد الغابة.
[٤] فِي م، ر: «عبيد الله» . وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
ابْن غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ بْنِ سَخْبَرَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُكَيْزِ ابْن عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ.
(مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي كَبِيرٍ):
وَمِنْ حُلَفَاءِ بَنِي كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ: ثَقْفُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَخَوَاهُ: مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِدْلَاجُ [١] بْنُ عَمْرٍو.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهُمْ مِنْ بَنِي حَجْرٍ، آلِ بَنِي سُلَيْمٍ. وَأَبُو مَخْشِيٍّ، حَلِيفٌ لَهُمْ. سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو مَخْشِيٍّ طَائِيٌّ، وَاسْمُهُ: سُوَيْدُ بْنُ مَخْشِيٍّ.
(مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرِ ابْن وَهْبِ بْنِ نُسَيْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَخَبَّابٌ، مَوْلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ- رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَسَعْدٌ مَوْلَى حَاطِبٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَاسْمُ أَبِي بَلْتَعَةَ: عَمْرٌو، لَخْمِيٌّ، وَسَعْدٌ مَوْلَى حَاطِبٍ، كَلْبِيٌّ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ ابْن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حُرَيْمِلَةَ بْنِ مَالِكِ ابْن عُمَيْلَةَ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي زُهْرَةَ):
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ
----------------------------
[١] وبالروايتين ذكره ابْن عبد الْبر فِي كِتَابه «الِاسْتِيعَاب» .
ابْن الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ- وَأَبُو وَقَّاصٍ [١] مَالِكُ بْنُ أُهَيْبِ ابْن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ. وَأَخُوهُ عُمَيْرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ مَطْرُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ ثَوْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الشَّرِيدِ بْنِ هَزْلِ ابْن قَائِشِ بْنِ دُرَيْمِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ أَهْوَدَ بْنِ بَهْرَاءَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: هَزْلُ بْنُ قَاسِ بْنِ ذَرٍّ- وَدَهِيرُ بْنُ ثَوْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَمَالَةَ بْنِ غَالِبِ بْنِ مُحَلِّمِ بْنِ عَائِذَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ، مِنْ الْقَارَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقَارَةُ: لَقَبٌ لَهُمْ. وَيُقَالُ:
قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا
وَكَانُوا رُمَاةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذُو الشِّمَالَيْنِ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ بْنِ [٢] غُبْشَانَ بْنِ سُلَيْمِ ابْن مَلَكَانِ بْنِ أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: ذُو الشِّمَالَيْنِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَعْسَرَ، وَاسْمُهُ عُمَيْرٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَلَهُ عَقِبٌ، وَهُمْ بِالْكُوفَةِ، وَيُقَالُ: خَبَّابٌ مِنْ خُزَاعَةَ [٣] .
--------------------
[١] فِي أ: «وَسعد بن أَبى وَقاص مَالك بن أهيب ... إِلَخ» .
[٢] فِي م، ر: «من» .
[٣] وَالصَّحِيح أَنه تميمى النّسَب لحقه السباء فِي الْجَاهِلِيَّة، فاشترته امْرَأَة من خُزَاعَة وأعتقته، وَكَانَت من حلفاء بنى عَوْف بن عبد عَوْف بن عبد الْحَارِث بن زهرَة، فَهُوَ تميمى بِالنّسَبِ، خزاعيّ بِالْوَلَاءِ، زهري بِالْحلف. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-03-2026, 10:06 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (71)
صــ 681إلى صــ 690
(مِنْ بنى تيم):
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، أَبُو (بَكْرٍ) [١] الصِّدِّيقُ، وَاسْمُهُ عَتِيقُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ أَبِي بَكْرٍ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَتِيقٌ: لَقَبٌ، لِحُسْنِ وَجْهِهِ وَعِتْقِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبِلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- وَبِلَالٌ مُوَلَّدٌ مِنْ مُوَلَّدِي بَنِي جُمَحَ، اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَهُوَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، لَا عَقِبَ لَهُ- وَعَامِرُ ابْن فُهَيْرَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مُوَلَّدٌ مِنْ مُوَلَّدِي الْأَسْدِ، أَسْوَدُ، اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، مِنْ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ.
(نَسَبُ النَّمِرِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّمِرُ: ابْنُ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ ابْن رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنُ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: صُهَيْبٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وَيُقَالُ: إنَّهُ رُومِيٌّ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ: إنَّمَا كَانَ أَسِيرًا فِي الرُّومِ فَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: صُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، كَانَ بِالشَّأْمِ، فَقَدِمَ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ، فَكَلَّمَهُ، فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، فَقَالَ: وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَأَجْرُكَ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ
---------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ هَرْمِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ.
(سَبَبُ تَسْمِيَةِ الشَّمَّاسِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ شَمَّاسٍ: عُثْمَانُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَمَّاسًا، لِأَنَّ شَمَّاسًا مِنْ الشَّمَامِسَةِ قَدِمَ مَكَّةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ جَمِيلًا، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ جَمَالِهِ. فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ خَالَ شَمَّاسٍ: هَا أَنَا آتِيكُمْ بِشَمَّاسٍ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَأَتَى بِابْنِ أُخْتِهِ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ فَسُمِّيَ شَمَّاسًا، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ، وَاسْمُ أَبِي [١] الْأَرْقَمِ: عَبْدُ مَنَافِ بْنِ أَسَدٍ، وَكَانَ أَسَدٌ يُكَنَّى: أَبَا جُنْدُبِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَعَمَّارُ ابْن يَاسِرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، عَنْسِيٌّ، مِنْ مَدْحِجٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمُعَتِّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ حُبْشِيَّةَ بن سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى: عَيْهَامَةَ [٢] . خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي عَدِيٍّ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ ابْن عَبْدِ اللَّهِ [٣] بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيٍّ، وَأَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَمِهْجَعٌ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، رُمِيَ بِسَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِهْجَعٌ، مِنْ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَمْرُو بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ أَذَاةَ [٤] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
-----------------------
[١] فِي م، ر: «وَأَبُو الأرقم» .
[٢] العيهامة: الطَّوِيل الْعُنُق.
[٣] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب وَالرَّوْض. وَفِي الْأُصُول: «... بن عبد الله بن قرط بن ريَاح» . وَالْمَعْرُوف فِي نِسْبَة تَقْدِيم ريَاح على عبد الله.
[٤] كَذَا فِي م، ر. وَفِي سَائِر الْأُصُول والاستيعاب: «أَدَاة» بِالدَّال الْمُهْملَة. قَالَ أَبُو ذَر:
«وأداة، كَذَا وَقع هُنَا بِالدَّال الْمُهْملَة، وبالذال الْمُعْجَمَة، ذكره أَبُو عبيد عَن ابْن الْكَلْبِيّ» .
ابْن قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُرَاقَةَ، وَوَاقِدُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَرِينِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَخَوْلِيُّ بْنُ أَبِي خَوْلِيٍّ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي خَوْلِيٍّ، حَلِيفَانِ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو خَوْلِيٍّ، مِنْ بَنِي عِجْلِ بْنِ لُجَيْمِ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْزُ بْنُ وَائِلٍ: ابْنُ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: أَفْصَى: ابْنُ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ نَاشِبِ بْنِ غَيْرَةَ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، وَعَاقِلُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَإِيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ، حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَدِمَ مِنْ الشَّأْمِ بَعْدَ مَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ، فَكَلَّمَهُ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمِهِ، قَالَ: وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَأَجْرُكَ. أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
(مِنْ بَنِي جُمَحَ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ ابْن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَابْنُهُ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَخَوَاهُ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَظْعُونٍ، وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ ابْن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ ابْن عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ. رَجُلٌ.
----------------------------
[١] فِي الْأُصُول: «سعيد» وَهُوَ تَحْرِيف. وَقد تقدم التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الْجُزْء الأول.
(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ: أَبُو سَبْرَةَ بْنِ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بن ابْن نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ- كَانَ خَرَجَ مَعَ أَبِيهِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمَّا نَزَلَ النَّاسُ بَدْرًا فَرَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَشَهِدَهَا مَعَهُ- وَعُمَيْرُ بْنُ عَوْفٍ، مَوْلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، مِنْ الْيَمَنِ.
(مِنْ بَنِي الْحَارِثِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَبِي أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَخُوهُ صَفْوَانُ بْنُ وَهْبٍ، وَهُمَا ابْنَا بَيْضَاءَ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(عَدَدُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ):
فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَمَنْ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، غَيْرَ ابْنِ إسْحَاقَ، يَذْكُرُونَ فِي الْمُهَاجِرِينَ بِبَدْرٍ، فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: وَهْبَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَحَاطِبَ بْنَ عَمْرٍو، وَفِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: عِيَاضَ [١] بْنَ زُهَيْرٍ.
-----------------------------
[١] كَذَا فِي الرَّوْض والاستيعاب. وَفِي الْأُصُول: «عِيَاض بن أَبى زُهَيْر» وَهُوَ تَحْرِيف.
الْأَنْصَارُ وَمَنْ مَعَهُمْ
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَعَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ وَالْحَارِثُ بْنِ أَنَسِ بْنِ رَافِعِ ابْن امْرِئِ الْقَيْسِ.
(مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ كَعْبٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ: سَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدِ.
وَمِنْ بَنِي زَعُورَا بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: زَعْوَرَا [١]- سَلَمَةُ ابْن سَلَامَةَ بْنِ وَقَشِ بْنِ زُغْبَةَ [٢] وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقَشٍ بْنِ زُغْبَةَ بْنِ زَعُورَا، وَسَلَمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقَشٍ، وَرَافِعُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ كُرْزِ بْنِ سَكَنِ بْنِ زَعُورَا، وَالْحَارِثُ بْنُ خَزْمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُبَيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَمُحَمَّدُ ابْن مَسْلَمَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسَلَمَةُ بْنُ أسلم بن حريش بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسْلَمُ: بْنُ حَرِيسِ بْنِ عَدِيٍّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ، وَعُبَيْدُ بْنُ التَّيْهَانِ.
----------------------
[١] فِي هَامِش م: «قَوْله: وَيُقَال «زعورا» ضبط فِي بعض النّسخ الأول بِفَتْح الزاى وَضم الْعين وَسُكُون الْوَاو، وَضبط الثَّانِي بِفَتْح الزاى وَسُكُون الْعين وَفتح الْوَاو» . وَهَكَذَا ضبط فِي (أ) بالقلم، وبهذه الْأَخِيرَة ضَبطه الْقَامُوس (مَادَّة زعر) .
[٢] فِي م، ر، هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي: «زعبة» بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف. (رَاجع الِاسْتِيعَاب، وَأَسْمَاء من شهد بَدْرًا، والإصابة، والقاموس) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَتِيكُ بْنُ التَّيْهَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ. خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ: أَخُو بَنِي زَعُورَا، وَيُقَالُ: مِنْ غَسَّانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَنْ بَنِي ظَفَرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَعْبٌ: هُوَ ظَفَرٌ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ظَفَرٌ: ابْنُ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ الْأَوْسِ:
قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَوَادٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَوَادٍ.
رَجُلَانِ.
(سَبَبُ تَسْمِيَةِ عُبَيْدٍ بِمِقْرَنٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُبَيْدُ بْنُ أَوْسٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مُقَرَّنٌ، لِأَنَّهُ قَرَنَ أَرْبَعَةَ أَسْرَى فِي يَوْمِ بَدْرٍ. وَهُوَ الَّذِي أَسَرَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ بن رَزَاحَ وَحُلَفَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ كَعْبٍ: نَصْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدٍ، وَمُعَتِّبُ بْنُ عَبْدٍ [١] .
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ [٢]، مِنْ بَلِيٍّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي حَارِثَةَ):
وَمِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: مَسْعُودُ ابْن سَعْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ جُشَمِ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مَسْعُودُ بْنُ عَبْدِ سَعْدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمِ بْنِ مَجْدَعَةَ ابْن حَارِثَةَ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، ثُمَّ مِنْ بَلِيٍّ: أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نَيَّارٍ، وَاسْمُهُ: هَانِئُ بْنُ نَيَّارِ بْنِ عَمْرِو ابْن عُبَيْدِ بْنِ كِلَابِ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ غَنَمِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ هُمَيْمِ بْنِ كَاهِلِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ هُنَيِّ بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
--------------------------
[١] فِي م، ر: «عبيد» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] فِي م، ر: «وَمن حلفائهم ثمَّ من بلَى» .
(مِنْ بَنِي عَمْرٍو):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ وَقَيْسُ أَبُو الْأَقْلَحِ بْنُ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَمَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ- وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرِ بْنِ مُلَيْلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْعَطَّافِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، وَأَبُو مُلَيْلِ بْنُ الْأَزْعَرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْعَطَّافِ ابْن ضُبَيْعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْبَدِ بْنِ الْأَزْعَرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْعَطَّافِ بْنِ ضُبَيْعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُمَيْرُ بْنُ مَعْبَدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبِ [١] بْنِ الْعُكَيْمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ الْحَارِثِ: ابْنِ عَمْرٍو، وَعَمْرٌو [٢] الَّذِي يُقَالُ لَهُ: بَحْزَجُ [٣] بْنُ حَنَسِ [٤] ابْن عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ):
وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ: مُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ قَيْسِ ابْن عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ: وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَرَافِعُ بْنُ عُنْجُدَةَ- وَعُنْجُدَةُ أُمُّهُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَعُبَيْدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ [٥]، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ.
وَزَعَمُوا أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَالْحَارِثَ بْنَ حَاطِبٍ خَرَجَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَّعَهُمَا، وَأَمَّرَ أَبَا لُبَابَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَ لَهُمَا بِسَهْمَيْنِ مَعَ أَصْحَابِ بَدْرٍ. تِسْعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَدَّهُمَا مِنْ الرَّوْحَاءِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ وَاسْمُ أَبِي لُبَابَةَ: بَشِيرٌ.
---------------------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول والطبري. وَفِي الِاسْتِيعَاب: «وهب» .
[٢] فِي م، ر: «وَهُوَ الّذي ... إِلَخ» .
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي ط: «تخرج» وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يخرج» .
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ابْن خنس» وَفِي الِاسْتِيعَاب: «ابْن خناس، وَيُقَال:
ابْن خنساء» .
[٥] ضبط بالقلم فِي بعض النّسخ بِضَم وبفتح. وبفتح ثمَّ كسر.
(مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ: أُنَيْسُ بْنُ قَتَادَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ابْن خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَلِيٍّ: مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ ضُبَيْعَةَ وَثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ [١] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ ابْن عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَرِبْعِيُّ ابْنُ رَافِعِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ. وَخَرَجَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ مَعَ أَصْحَابِ بَدْرٍ [٢] . سَبْعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ):
وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الْبُرَكِ [٣]- وَاسْمُ الْبُرَكِ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ ثَعْلَبَةَ- وَعَاصِمُ بْنُ قَيْسٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَاصِمُ بْنُ قَيْسٍ: ابْنُ ثَابِتِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ابْن ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو ضَيَّاحِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَأَبُو حَنَّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَخُو أَبِي ضَيَّاحٍ، وَيُقَالُ: أَبُو حَبَّةَ [٤] . وَيُقَالُ لِامْرِئِ الْقَيْسِ: الْبُرَكُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَالِمُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ابْن ثَعْلَبَةَ.
------------------------------
[١] كَذَا فِي أ، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَرقم» .
[٢] كَانَ سَبَب رد رَسُول الله ﷺ لعاصم أَنه بلغه شَيْء عَن أهل مَسْجِد الضرار، وَكَانَ قد اسْتَخْلَفَهُ على قبَاء والعالية، فَرده لينْظر فِي ذَلِك (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] يرْوى بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون الرَّاء، كَمَا يرْوى أَيْضا بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء.
[٤] وَيُقَال فِيهِ أَيْضا: أَبُو حَيَّة (بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة) وَصَوَابه (كَمَا فِي الِاسْتِيعَاب) بِالْمُوَحَّدَةِ التَّحْتِيَّة، كَمَا قَالَ ابْن هِشَام.
٤٤- سيرة ابْن هِشَام- ١
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ثَابِتٌ: ابْنُ عَمْرِو [١] بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النُّعْمَانِ، ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمٍ مَعَ أَصْحَابِ بَدْرٍ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي جُحْجَبِىٍّ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي جَحْجَبِيِّ بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: مُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْن عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجِلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جَحْجَبِيِّ بْنِ كُلْفَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْحَرِيسُ بْنُ جَحْجَبِيٍّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي أُنَيْفٍ: أَبُو عُقَيْلِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن بَيْحَانَ [٢] بْنِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن تَيْمِ بْنِ إرَاشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُمَيْلَةَ [٣] بْنِ قَسْمِيلِ [٤] بْنِ فَرَانَ [٥] بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو ابْن الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ تَمِيمُ بْنُ إرَاشَةَ، وَقِسْمِيلُ بْنُ فَارَانَ.
(مِنْ بَنِي غُنْمٍ):
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ ابْن غَنْمٍ، وَمُنْذِرُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ عَرْفَجَةَ، وَمَالِكُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ عَرْفَجَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَرْفَجَةُ: ابْنُ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنَمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَارِثُ بْنُ عَرْفَجَةَ، وَتَمِيمٌ، مَوْلَى بَنِي غَنَمٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَمِيمٌ: مَوْلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ.
--------------------------
[١] فِي الِاسْتِيعَاب: «ثَابت بن كلفة بن ثَعْلَبَة» .
[٢] كَذَا فِي أ. والقاموس (مَادَّة يَوْم)، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تيجان» .
[٣] فِي الِاسْتِيعَاب: «عبيلة» .
[٤] فِي م، ر: «قسمل» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] يرْوى بتَخْفِيف الرَّاء وتشديدها.
(مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ وَحُلَفَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ:
جَبْرُ [١] بْنُ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ هَيْشَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَمَالِكُ بْنُ نُمَيْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ عَصَرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(عَدَدُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَوْسِ):
فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَوْسِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، أَحَدٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا.
(مِنْ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ مِنْ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ ابْن الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَسَعْدُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَخَلَّادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي زَيْدٍ):
وَمِنْ بَنِي زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ:
بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خِلَاسِ بْنِ زَيْدٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جُلَاسٌ، وَهُوَ عِنْدَنَا خَطَأٌ- وَأَخُوهُ سِمَاكُ بْنُ سَعْدٍ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي عَدِيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سُبَيْعُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَيْشَةَ [٢] بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَعَبَّادُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَيْشَةَ، أَخُوهُ.
-----------------------
[١] وَيُقَال فِيهِ: «جَابر» (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٢] وَيُقَال: ابْن عَائِشَة، (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-05-2026, 06:24 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (72)
صــ 691إلى صــ 700
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَيْسٌ: ابْنُ عَبَسَةَ بْنِ أُمَيَّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْسٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي أَحْمَرَ):
وَمِنْ بَنِي أَحْمَرَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ:
يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَحْمَرَ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ فُسْحُمَ.
رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فُسْحُمُ أُمُّهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ.
(مِنْ بَنِي جُشَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَزَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ ابْن الْخَزْرَجِ، وَهُمَا التَّوْأَمَانِ: خُبَيْبُ بْنُ إسَافِ بْنِ عُتْبَةَ [١] بْنِ عَمْرِو بْنِ خَدِيجِ ابْن عَامِرِ بْنِ جُشَمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَخُوهُ حُرَيْثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، زَعَمُوا، وَسُفْيَانُ بْنُ بَشْرٍ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سُفْيَانُ بْنُ نَسْرِ [٢] بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زَيْدٍ.
(مِنْ بَنِي جِدَارَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي جِدَارَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: تَمِيمُ بْنُ يَعَارَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ جِدَارَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ جِدَارَةَ [٣] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَيْدُ بْنُ الْمُزَيَّنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ جِدَارَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ الْمُرِّيِّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْفُطَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ جِدَارَةَ.
أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
--------------------------
[١] عتبَة، بِكَسْر الْعين وَفتح التَّاء، وَهُوَ الصَّوَاب فِي ضَبطه. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٢] وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْأَصَح. (رَاجع الِاسْتِيعَاب وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٣] الِاسْتِيعَاب «حذارة» بِالْحَاء الْمُعْجَمَة.
(مِنْ بَنِي الْأَبْجَرِ):
وَمِنْ بَنِي الْأَبْجَرِ، وَهُمْ بَنُو خُدْرَةَ [١]، بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْأَبْجَرِ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي عَوْفٍ):
وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمِ ابْن عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ بَنُو الْحُبْلَى- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُبْلَى: سَالِمُ بْنُ غَنْمِ ابْن عَوْفٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحُبْلَى، لِعِظَمِ بَطْنِهِ-: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ (الْمَشْهُورُ بِابْنِ سَلُولَ) [٢]، وَإِنَّمَا سَلُولُ امْرَأَةٌ، وَهِيَ أُمُّ أُبَيٍّ: وَأَوْسُ بْنُ خَوْلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي جُزْءٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي جَزْءِ [٣] بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ: زَيْدُ بْنُ وَدِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ جَزْءٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كَلَدَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ ابْن غَنْمٍ، وَعَامِرُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ عَامِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ وَهُوَ مِنْ بَلِيٍّ، مِنْ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو حُمَيْضَةَ [٤] مَعْبَدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ قُشَيْرِ بْنِ الْمُقَدَّمِ بْنِ سَالِمِ ابْنِ غَنْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَعْبَدُ بْنُ عبَادَة بن قشعر [٥] بْنِ الْمُقَدَّمِ، وَيُقَالُ: عُبَادَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْقُدْمِ [٦] .
-----------------------------
[١] فِي م، ر: «حدرة» بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] قَالَ السهيليّ: «وَذكر أَبُو بَحر أَنه قَيده عَن أَبى الْوَلِيد (جُزْء) بِسُكُون الزاى وَأَنه لم يجده عَن غَيره إِلَّا بِكَسْر الزاى» .
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَبُو خميصة»، وَمَا أَثْبَتْنَاهُ عَن (أ، ط) ذكره ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب، ثمَّ قَالَ: «كَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن إِسْحَاق: أَبُو حميضة، وَغَيره بقول فِيهِ: أَبُو حميصة» .
[٥] فِي م، ر: «... عباد بن قشعر بن الفدم» .
[٦] فِي م، ر: «... عباد بن قيس بن الفدم» .
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ، حَلِيفٌ لَهُمْ. سِتَّةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَامِرُ بْنُ الْعُكَيْرِ، وَيُقَالُ: عَاصِمُ بْنُ الْعُكَيْرِ.
(مِنْ بَنِي سَالِمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ ابْن الْعَجْلَانِ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي أَصْرَمَ):
وَمِنْ بَنِي أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَغَنْمُ بْنُ سَالِمٍ، الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ-: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ ابْن أَصْرَمَ، وَأَخُوهُ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي دَعْدٍ):
وَمِنْ بَنِي دَعْدِ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنَمٍ: النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ دَعْدٍ، وَالنُّعْمَانُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ. قَوْقَلُ [١] . رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي قُرْيُوشِ [٢] بْنِ غَنْمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ سَالِمٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ قُرْيُوسُ بْنُ غَنْمٍ- ثَابِتُ بْنُ هَزَّالِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قُرْيُوشٍ. رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي مَرْضَخَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ بْنِ مَرْضَخَةَ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ: ابْنُ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ بْنِ مَرْضَخَةَ.
(مِنْ بَنِي لَوْذَانَ وُحَلَفَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي لَوْذَانَ بْنِ سَالِمٍ: رَبِيعُ بْنُ إيَاسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ ابْن أُمَيَّةَ بْنِ لَوْذَانَ، وَأَخُوهُ وَرَقَةُ بْنُ إيَاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ إيَاسٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
--------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط والاستيعاب. وسمى كَذَلِك. لِأَن النُّعْمَان كَانَ عَزِيزًا فَكَانَ يُقَال للقائف إِذا جَاءَهُ: قوقل حَيْثُ شِئْت فَأَنت آمن. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فوقل» بِالْفَاءِ وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] فِي م، ر هُنَا: «قربوس» .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ إيَاسٍ، أَخُو رَبِيعٍ وَوَرَقَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَلِيٍّ، ثُمَّ مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
غُصَيْنَةُ، أُمُّهُمْ، وَأَبُوهُمْ عَمْرُو بْنُ عِمَارَةَ- الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زُمْزُمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمَارَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غُصَيْنَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ بُتَيْرَةَ بْنِ مَشْنُوِّ بْنِ قَسْرِ بْنِ تَيْمِ بْنِ إرَاشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُمَيْلَةَ بْنِ قِسْمِيلِ بْنِ فَرَانَ [١] بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَسْرُ [٢] بْنُ تَمِيمِ بْنِ إرَاشَةَ، وَقِسْمِيلُ بْنُ فَارَانَ [٣] .
وَاسْمُ الْمُجَذَّرِ: عَبْدُ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُبَادَةُ بْنُ الْخَشْخَاشِ [٤] بْنِ عَمْرِو بْنِ زُمْزُمَةَ، وَنَحَّابُ [٥] بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَزَمَةَ [٦] بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمَارَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ بَحَّاثُ [٧] بْنُ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَزَمَةَ بْنِ أَصْرَمَ. وَزَعَمُوا أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ- حَلِيفٌ لَهُمْ- مِنْ بَهْرَاءَ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، خَمْسَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُتْبَةَ بْنُ بَهْزٍ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ.
(مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ: أَبُو دُجَانَةَ، سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ.
------------------------
[١] يرْوى بتَخْفِيف الرَّاء وبتشديدها، وبتخفيفها ذكره ابْن دُرَيْد.
[٢] فِي م، ر: «قشر» .
[٣] فِي م، ر: «ناران» .
[٤] فِي م، ر: «عباد» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب، وَفِي أ: «نجاب» بِالْجِيم، وَفِيه رِوَايَات غَيرهَا.
[٦] الْأُصُول: «خزمة» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ تَصْحِيف. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نحاث» . وكلا الرِّوَايَتَيْنِ ذكرهمَا ابْن عبد الْبر وَنسب الأول لِابْنِ الْكَلْبِيّ، وَالثَّانيَِة إِلَى إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن إِسْحَاق، ثمَّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو: القَوْل عِنْدهم قَول ابْن الْكَلْبِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو دُجَانَةَ: (سِمَاكُ) [١] بْنُ أَوْسِ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ ابْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْمُنْذِرُ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ خَنْبَشَ [٢] .
(مِنْ بَنِي الْبَدِّيِّ وَحُلَفَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي الْبَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ: أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْبَدِيِّ [٣]، وَمَالِكُ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ إلَى الْبَدِيِّ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَالِكُ بْنُ مَسْعُودٍ: ابْنُ الْبَدِيِّ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(مِنْ بَنِي طَرِيفٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ: عَبْدُ رَبِّهِ بْنِ حَقِّ ابْن أَوْسِ بْنِ وَقَشٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفٍ. رَجُلٌ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، مِنْ جُهَيْنَةَ: كَعْبُ بْنُ حِمَارِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: كَعْبٌ: ابْنُ جَمَّازٍ، وَهُوَ مِنْ غُبْشَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَضَمْرَةُ وَزِيَادٌ وَبَسْبَسُ، بَنُو عَمْرٍو.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ضَمْرَةُ وَزِيَادٌ، ابْنَا بَشْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، مِنْ بَلِيٍّ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي جُشَمَ):
وَمِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ ابْن تَزِيدَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: خِرَاشُ بْنُ الصِّمَّةِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَالْحُبَابُ
----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «خُنَيْس» .
[٣] فِي الِاسْتِيعَاب: «الْبدن» .
ابْن الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَعُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ ابْنِ حَرَامٍ، وَتَمِيمٌ مَوْلَى خِرَاشِ بْنِ الصِّمَّةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ وَمُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَمُعَوِّذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ وَخَلَّادُ ابْن عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَعُقْبَةُ [١] بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَسْوَدَ [٢]، مَوْلَى لَهُمْ، وَثَابِتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَيْدِ ابْن الْحَارِثِ ابْن حَرَامٍ وَثَعْلَبَةُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْجَذَعُ، وَعُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ابْن حَرَامٍ. اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
(نَسَبُ الْجَمُوحِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكُلُّ مَا كَانَ هَاهُنَا الْجَمُوحُ، (فَهُوَ الْجَمُوحُ) [٣] بْنُ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ جَدِّ الصِّمَّةِ (بْنِ عَمْرٍو) [٤]، فَإِنَّهُ الْجَمُوحُ بْنُ حَرَامٍ [٥] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ: ابْنُ لَبْدَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
(مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ: بُشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ مَالِكِ ابْن خَنْسَاءَ، وَالطُّفَيْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَالطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَسِنَانُ بْنُ صَيْفِيِّ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَدِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَخْرِ ابْن خَنْسَاءَ، وَعُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُمَيِّرَ [٦]، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيِّرَ، حَلِيفَانِ لَهُمْ مِنْ أَشْجَعَ، مِنْ بَنِي دُهْمَانَ. تِسْعَةُ نَفَرٍ.
-----------------------
[١] فِي أ: «عتبَة» وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع الِاسْتِيعَاب والطبري وَابْن الْأَثِير) .
[٢] فِي أ: «الْأسود» .
[٣] زِيَادَة عَن م، ر.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] وزادت م: بعد هَذِه الْكَلِمَة هَذِه الْعبارَة: «قَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال: الصمَّة بن عَمْرو بن الجموح ابْن حرَام» وَلَا معنى لهَذِهِ الزِّيَادَة.
[٦] قَالَ أَبُو ذَر بعد أَن ذكر (حمير) وَضَبطه بالقلم بِضَم فَفتح ثمَّ يَاء مُشَدّدَة مَكْسُورَة: «كَذَا وَقع
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جَبَّارٌ: بن صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خُنَاسٍ.
(مِنْ بَنِي خَنَّاسٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي خُنَاسِ بْنِ سِنَانَ بْنِ عُبَيْدِ: يَزِيدُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَرْحِ بْنِ خِنَاسٍ، وَمَعْقِلُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَرْحِ بْنِ خِنَاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ ابْن بَلْدَمَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: بُلْذُمَةُ وَبُلْدُمَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالضَّحَّاكُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيٍّ، وَسَوَادُ بْنُ زُرَيْقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: سَوَادٌ: ابْنُ رِزْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعْبَدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ صَخْرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ. وَيُقَالُ: مَعْبَدُ بْنُ قَيْسٍ: ابْنُ صَيْفِيِّ بْنِ صَخْرِ بْنِ حَرَامِ ابْنِ رَبِيعَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ صَخْرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمٍ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي النُّعْمَانِ):
وَمِنْ بَنِي النُّعْمَانِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ: وَخُلَيْدَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ.
وَالنُّعْمَانُ بْنُ سِنَانٍ [١]، مَوْلَى لَهُمْ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي سَوَادٍ):
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو [٢]
--------------------------
[()] هُنَا ويروى أَيْضا: ابْن حمير. بتَخْفِيف الْيَاء، وخمير، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، قَيده الدارقطنيّ، قَالَ: وَيُقَال فِيهِ: حمير» .
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «يسَار» وَالرِّوَايَة الأولى أصح، إِلَّا أَنَّهَا لَيست رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَقد تكون صححت فِي إِحْدَى الطبعات. قَالَ أَبُو ذَر: «وَقَوله: النُّعْمَان بن يسَار، كَذَا وَقع هُنَا، وَقَالَ فِيهِ مُوسَى بن عقبَة وَأَبُو عَمْرو بن عبد الْبر: النُّعْمَان بن سِنَان» .
[٢] فِي م، ر: «عمر» .
ابْن غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو [١] بْنُ سَوَادٍ، لَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ غَنْمٌ-: أَبُو الْمُنْذِرِ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَسُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَدِيدَةَ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَعَنْتَرَةُ مَوْلَى سُلَيْمِ بْنِ عَمْرٍو. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْتَرَةُ، مِنْ بَنِي سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي ذَكْوَانَ.
(مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ نَابِي):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ نَابِي بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمٍ: عَبْسُ ابْن عَامِرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ [٢] بْنِ عَدِيٍّ، وَأَبُو الْيَسَرِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ، وَسَهْلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَوَادٍ، وَعَمْرُو بْنِ طَلْقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ كَعْبِ ابْن غَنْمٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَدِيِّ ابْن أُدَيِّ [٣] بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَرِيدَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. سِتَّةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسٌ: ابْنُ عَبَّادِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُدَيِّ بْنِ سَعْدٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فِي بَنِي سَوَادٍ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ فِيهِمْ.
(تَسْمِيَةُ مَنْ كَسَرُوا آلِهَةَ بَنِي سَلِمَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاَلَّذِينَ كَسَرُوا آلِهَةَ بَنِي سَلِمَةَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْن أُنَيْسٍ وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ [٤] وَهُمْ فِي بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنَمٍ.
(مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ
---------------------------
[١] فِي م، ر: «عمر» .
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب. وَفِي أ: «عنمة» بِالْعينِ الْمُهْملَة.
[٣] فِي م، ر: «أذن» . وَقد مر الْكَلَام عَلَيْهِ.
[٤] فِي أ: «عنمة» (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ٣ ص ٣٥٦ من هَذَا الْجُزْء) .
ابْن غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مُخَلَّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَامِرٌ: ابْنُ الْأَزْرَقِ-: قَيْسُ بْنُ مُحْصِنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُخَلَّدٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَيْسٌ: ابْنُ حِصْنٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو خَالِدٍ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُخَلَّدِ وَجُبَيْرُ ابْن إيَاسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُخَلَّدٍ، وَأَبُو عُبَادَةَ، وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَلَدَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ وَأَخُوهُ عُقْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنُ خَلَدَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ ابْن مُخَلَّدٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ خَلَدَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُخَلَّدٍ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي خَالِدٍ):
وَمِنْ بَنِي خَالِدِ [١] بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ: عَبَّادُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ خَالِدٍ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي خَلْدَةَ):
وَمن بنى خالدة بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ: أَسَعْدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَلَدَةَ وَالْفَاكِهُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَلَدَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بُسْرُ بْنُ الْفَاكِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمُعَاذُ بْنُ مَاعِصِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ، وَأَخُوهُ: عَائِذُ بْنُ مَاعِصِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ):
وَمِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ: رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ الْعَجْلَانِ وَأَخُوهُ خَلَّادُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ وَعُبَيْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْعَجْلَانِ.
ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ):
وَمِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ: زِيَادُ بْنُ لَبِيَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عَامِرِ ابْن عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ بَيَاضَةَ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَذْفَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَدْفَةُ.
------------------------
[١] فِي م، ر: «خلدَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، وَرُجَيْلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رُخَيْلَةُ [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَطِيَّةُ بْنُ نُوَيْرَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، وَخُلَيْفَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ بْنِ بَيَاضَةَ. سِتَّةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عُلَيْفَةُ.
(مِنْ بَنِي حَبِيبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ ابْن الْخَزْرَجِ: رَافِعُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ لَوْذَانَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ حَبِيبٍ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي النَّجَّارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمٍ:
أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي عَسِيرَةَ):
وَمِنْ بَنِي عُسَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ [٢] بْنِ غَنْمٍ [٣]: ثَابِتُ بْنُ خَالِدِ بْنِ النُّعْمَانِ ابْن خَنْسَاءَ بْنِ عُسَيْرَةَ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَال: (عسير، و) [٤] عشيرة.
-----------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «ورجيلة بن ثَعْلَبَة، كَذَا وَقع هُنَا بِالْجِيم، فِي قَول ابْن إِسْحَاق، وبالخاء الْمُعْجَمَة، فِي قَول ابْن هِشَام. ورخيلة (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة) قَيده الدارقطنيّ فِي قَول ابْن إِسْحَاق. ورحيلة (بِالْحَاء الْمُهْملَة) قَيده أَبُو عَمْرو فِي قَول ابْن هِشَام» . وَقد ذكره ابْن عبد الْبر فِي «رجيلة» وَذكر فِيهِ أقوالا قريبَة من هَذِه.
[٢] فِي م، ر: «عبد بن عَوْف» .
[٣] فِي م، ر: «بن ثَابت» بِزِيَادَة (بن) وَهِي مقحمة.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-07-2026, 08:03 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (73)
صــ 701إلى صــ 710
(مِنْ بَنِي عَمْرٍو):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَبْدِ عَوْفِ [١] بْنِ غَنْمٍ: عُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ ابْن زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَمْرٍو، وَسُرَاقَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ غَزِيَّةَ بْنِ عَمْرٍو.
رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ):
وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَسُلَيْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ: وَاسْمُ قَهْدٍ: خَالِدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدٍ رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ: ابْنُ نَفْعِ [٢] بْنِ زَيْدٍ.
(مِنْ بَنِي عَائِذٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَائِذِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ- وَيُقَالُ عَابِدٌ [٣] فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ-: سُهَيْلُ بْنُ رَافِعِ [٤] بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ وَعَدِيُّ بْنُ الزَّغْبَاءِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي زَيْدٍ):
وَمِنْ بَنِي زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ: مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبُو خُزَيْمَةَ ابْن أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ زَيْدِ، وَرَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادِ بْنِ زَيْدٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ
(مِنْ بَنِي سَوَادٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمٍ: عَوْفٌ، وَمُعَوِّذٌ، وَمُعَاذٌ، بَنُو الْحَارِثِ ابْن رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادٍ، وَهُمْ بَنُو عَفْرَاءَ.
(نَسَبُ عَفْرَاءَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَفْرَاءُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ ابْن النَّجَّارِ، وَيُقَالُ: رِفَاعَةُ: ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ.
--------------------------
[١] فِي م، ر: «عبد بن عَوْف»:
[٢] يرْوى بِالْفَاءِ وبالقاف، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٣] فِي م، ر: «عَائِذ» . وَظَاهر انه تَحْرِيف.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «ويروى أَيْضا: سهل بن رَافع، وهما أَخَوان. والّذي شهد بَدْرًا مِنْهُمَا هُوَ سُهَيْل. قَالَه أَبُو عَمْرو رحمه الله» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالنُّعْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادٍ، وَيُقَالُ: نُعَيْمَانُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ مُخَلِّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ ابْن خَالِدِ بْنِ خَلَّدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ، وَعُصَيْمَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ أَشْجَعَ، وَوَدِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَثَابِتُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَوَادٍ. (و) [١] زَعَمُوا أَنَّ أَبَا الْحَمْرَاءِ، مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا.
عَشَرَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو الْحَمْرَاءِ، مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ.
(مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ- وَعَامِرٌ: مَبْذُولٌ- ثُمَّ مِنْ بَنِي عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ: ثَعْلَبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحْصَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكٍ، وَسَهْلُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَتِيكِ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكٍ، كُسِرَ بِهِ بِالرَّوْحَاءِ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمِهِ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ- وَهُمْ بَنُو حُدَيْلَةَ [٢]- ثُمَّ مِنْ بَنِي قَيْسِ ابْن عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ.
(نَسَبُ حُدَيْلَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُدَيْلَةُ [٣] بِنْتُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ ابْن مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهِيَ أُمُّ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَبَنُو مُعَاوِيَةَ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسٍ، وَأَنَسُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ بْنِ قَيْسٍ. رَجُلَانِ.
-----------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي م: «حذيلة» بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] فِي م: «حذيلة» بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
(مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَمْرٍو):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُمْ بَنُو مَغَالَةَ بِنْتِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ ابْن كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَيُقَالُ: إنَّهَا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَهِيَ أُمُّ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَبَنُو عَدِيٍّ يُنْسَبُونَ إلَيْهَا-:
أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيٍّ، وَأَبُو شَيْخِ أُبَيِّ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو شَيْخِ أُبَيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخُو حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيٍّ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ (بَنِي) [١] عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ النَّجَّارِ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرٍ، وَعَمْرُو بْنُ ثَعْلَبَةَ ابْن وَهْبِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ أَبُو حَكِيمٍ، وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرٍ، وَأَبُو سَلِيطٍ، وَهُوَ أُسَيْرَةُ ابْن عَمْرٍو، وَعَمْرُو أَبُو خَارِجَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرٍ، وَثَابِتُ بْنُ خَنْسَاءَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرٍ، وَعَامِرُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسْحَاسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ ابْن عَامِرٍ، وَسَوَادُ بْنُ غَزِيَّةَ بْنِ أُهَيْبٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: سَوَّادٌ.
(مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ جُنْدَبَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ
------------------------
[١] زِيَادَة عَن.
ابْن النَّجَّارِ: أَبُو زَيْدٍ، قَيْسُ بْنُ سَكَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَعُورَاءَ [١] بْنِ حَرَامٍ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمِ بْنِ عَبْسِ بْنِ حَرَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَبُو الْأَعْوَرِ: الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسُلَيْمُ بْنُ مِلْحَانَ، وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ- وَاسْمُ مِلْحَانَ:
مَالِكُ بْنُ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي مَازِنِ بن النجار وحلفائهم)
وَمن بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ ابْن مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ- وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ: عَمْرُو بْنُ زَيْدِ ابْن عَوْفٍ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَعُصَيْمَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولٍ):
وَمِنْ بَنِي خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ: أَبُو دَاوُدَ عُمَيْرُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَسُرَاقَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنٍ):
وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: قَيْسُ بْنُ مُخَلَّدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَخْرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ):
وَمِنْ بَنِي دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَسْعُودِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنِ حَارِثَةَ ابْنِ دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ: النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو ابْن مَسْعُودٍ، وَسُلَيْمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ دِينَارٍ، وَهُوَ أَخُو الضَّحَّاكِ وَالنُّعْمَانُ ابْنَيْ عَبْدِ عَمْرٍو، لِأُمِّهِمَا، وَجَابِرُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ ابْنِ حَارِثَةَ، وَسَعْدُ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
--------------------------
[١] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زعور» .
[٢] فِي الِاسْتِيعَاب: أَن اسْم أَبى الْحَارِث: كَعْب، وَأَنه هُوَ ابْن الْحَارِث لَا الْحَارِث نَفسه، كَمَا قَالَ ابْن هِشَام.
٤٥- سيرة ابْن هِشَام- ١
وَمِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ: كَعْبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قَيْسٍ: وَبُجَيْرُ بْنُ أَبِي بُجَيْرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بُجَيْرٌ: مِنْ عَبْسِ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ رَوَاحَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا من الْخَزْرَج مائَة وَسَبْعُونَ رَجُلًا.
(مَنْ فَاتَ ابْنَ إِسْحَاقَ ذِكْرُهُمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِي الْخَزْرَجِ بِبَدْرٍ، فِي بَنِي الْعَجْلَانِ ابْنَ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عِتْبَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَجْلَانِ، وَمُلَيْلُ بْنُ وَبَرَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَعِصْمَةَ ابْن الْحُصَيْنِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَجْلَانِ.
وَفِي بَنِي حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ فِي بَنِي زُرَيْقِ هِلَالِ بْنِ الْمُعَلَّى بْنِ لَوْذَانَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ حَبِيبٍ.
(عَدَدُ الْبَدْرِيِّينَ جَمِيعًا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ شَهِدَهَا مِنْهُمْ، وَمَنْ ضُرِبَ لَهُ بسهمه وأجره، ثَلَاث ماِئَةِ رَجُلٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا، وَمِنْ الْأَوْسِ وَاحِدٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمن الْخَزْرَج مائَة وَسَبْعُونَ رَجُلًا.
مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ
(الْقُرَشِيُّونَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، قَتَلَهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، قَطَعَ رِجْلَهُ، فَمَاتَ بِالصَّفْرَاءِ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي زُهْرَةَ):
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ. عُمَيْرُ [١] بْنُ أَبِي وَقَّاصِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن زُهْرَةَ، وَهُوَ أَخُو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَذُو الشِّمَالَيْنِ ابْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي غُبْشَانَ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي عَدِّيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَاقِلُ بْنُ الْبُكَيْرِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَمِهْجَعٌ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ):
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: صَفْوَانُ بْنُ بَيْضَاءَ رَجُلٌ. سِتَّةُ نَفَرٍ.
(وَمِنَ الْأَنْصَارِ):
وَمِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وَمُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ):
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ:
ابْنُ فُسْحُمَ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي سَلَمَةَ):
وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنَمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ:
عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي حَبِيبٍ):
وَمِنْ بَنِي حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمٍ: رَافِعُ بْنُ الْمُعَلَّى. رَجُلٌ.
------------------------
[١] ذكر الْوَاقِدِيّ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ قد رد عُمَيْرًا هَذَا فِي ذَلِك الْيَوْم لِأَنَّهُ استصغره، فَبكى عُمَيْر، فَلَمَّا رأى النَّبِي ﷺ بكاءه أذن لَهُ فِي الْخُرُوج مَعَه، فَقتل وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة، قَتله الْعَاصِ بن سعيد. (رَاجع الْمَغَازِي لِلْوَاقِدِي وَالرَّوْض) .
(مِنْ بَنِي النَّجَّارِ):
وَمِنْ بَنِي النَّجَّارِ: حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْحَارِثِ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي غُنْمٍ):
وَمِنْ بَنِي غَنَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ، ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ ابْن سَوَادٍ، وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ. رَجُلَانِ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
مَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ
(مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
وَقُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ:
حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، قَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ اشْتَرَكَ فِيهِ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَارِثُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ حَلِيفَانِ لَهُمْ قَتَلَ عَامِرًا: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَتَلَ الْحَارِثَ: النُّعْمَانُ بْنُ عَصْرٍ، حَلِيفٌ لِلْأَوْسِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. وَعُمَيْرُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، وَابْنُهُ: مَوْلَيَانِ لَهُمْ. قَتَلَ عُمَيْرَ بْنَ أَبِي عُمَيْرٍ: سَالِمٌ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُبَيْدَةُ بْنُ سَعِيدِ (بْنِ) [١] الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، قَتَلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَالْعَاصِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [٢] . وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، قَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، صَبْرًا [٣] .
------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي قتل على للعاص بن سعيد خلاف، فَيُقَال إِن عليا لم يقْتله، وَإِنَّمَا الّذي قَتله سعد بن أَبى وَقاص، كَمَا أَن بعض أهل التَّفْسِير يَقُولُونَ إِن الّذي قَتله أَبُو الْيَسِير، كَعْب بن عَمْرو. (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] يُقَال للرجل إِذا شدت يَدَاهُ وَرجلَاهُ أَو أمْسكهُ رجل آخر حَتَّى يضْرب عُنُقه، أَو حبس على الْقَتْل حَتَّى يقتل: قتل صبرا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، قَتَلَهُ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ ابْن الْمُطَّلِبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اشْتَرَكَ فِيهِ هُوَ وَحَمْزَةُ وَعَلِيٌّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي أَنْمَارِ بْنِ بَغِيضٍ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
(مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ):
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: الْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَتَلَهُ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- خَبِيبُ بْنُ إسَافٍ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ ابْن أَسَدٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَهُ ثَابِتُ بْنُ الْجِذْعِ، أَخُو بَنِي حَرَامٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
وَيُقَالُ: اشْتَرَكَ فِيهِ حَمْزَةُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَثَابِتٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ، قَتَلَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَعُقَيْلُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ، اشْتَرَكَا فِيهِ- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَهُوَ الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، قَتَلَهُ الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادٍ الْبَلَوِيُّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: الْعَاصِ بْنُ هَاشِمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْعَدَوِيَّةِ، عَدِيِّ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الَّذِي قَرَنَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ حِينَ أَسْلَمَا فِي حَبْلٍ، فَكَانَا [١] يُسَمَّيَانِ: الْقَرِينَيْنِ لِذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ- قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
-------------------------
[١] فِي م، ر. «فَكَأَنَّمَا» وَهُوَ تَحْرِيف.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
وَمِنْ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الدَّارِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَبْرًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّفْرَاءِ، فِيمَا يَذْكُرُونَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِالْأُثَيْلِ [١] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ:
ابْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَيْدُ بْنُ مُلَيْصٍ، مَوْلَى عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَ زَيْدَ بْنَ مُلَيْصٍ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَزَيْدٌ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَيُقَالُ:
قَتَلَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو.
(مِنْ بَنِي تَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ: عُمَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ ابْن سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، قَتَلَهُ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ- وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ- ضَرَبَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، وَضَرَبَ ابْنُهُ عِكْرِمَةُ يَدَ مُعَاذٍ فَطَرَحَهَا، ثُمَّ ضَرَبَهُ مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ حَتَّى أَثْبَتَهُ [٢]، ثُمَّ تَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ: ثُمَّ ذَفَّفَ عَلَيْهِ [٣] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ،
----------------------------
[١] الأثيل: مَوضِع قرب الْمَدِينَة.
[٢] أثْبته: جرحه جِرَاحَة لَا يقوم مَعهَا.
[٣] ذفف عَلَيْهِ: أسْرع قَتله.
وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [١] أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى- وَالْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، قَتَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَكَانَ شُجَاعًا، قَتَلَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو مُسَافِعٍ الْأَشْعَرِيُّ، حَلِيفٌ لَهُمْ، قَتَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ السَّاعِدِيُّ- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَحَرْمَلَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفٌ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
قَتَلَهُ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْر، أَخُو بلحارث بْنِ الْخَزْرَجِ، وَيُقَالُ: بَلْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- (فِيمَا) [٢] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَحَرْمَلَةُ، مِنْ الْأَسَدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَسْعُودُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرِفَاعَةُ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدِ [٣] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ الرّبيع، أَخُو بلحارث بْنِ الْخَزْرَجِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالْمُنْذِرُ ابْن أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدٍ قَتَلَهُ مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ حَلِيفُ بَنِي عُبَيْدِ ابْن زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدٍ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالسَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ شَرِيكُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نِعْمَ الشَّرِيكُ السَّائِبُ،
----------------------------
[١] فِي م، ر: «... بِهِ أَن يلْتَمس» بِزِيَادَة (بِهِ)، وَلَا معنى لَهَا.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي: «عَائِذ» وَهُوَ تَحْرِيف، قَالَ أَبُو ذَر: «قَالَ الزبير بن بكار فِيمَا حكى الدارقطنيّ عَنهُ: كل من كَانَ من ولد عمر بن مَخْزُوم فَهُوَ عَابِد، يعْنى بِالْبَاء وَالدَّال الْمُهْملَة، وكل من كَانَ ولد عمرَان بن مَخْزُوم فَهُوَ عَائِذ، يعْنى بِالْيَاءِ المهموزة والذال الْمُعْجَمَة» .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-09-2026, 07:25 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (74)
صــ 711إلى صــ 716
لَا يُشَارَى وَلَا يُمَارَى، وَكَانَ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ- فِيمَا بَلَغَنَا- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ السَّائِبَ [١] ابْن أَبِي السَّائِبِ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَعْطَاهُ يَوْمَ الْجِعِرَّانَةِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ: أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَاجِبُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ عَمْرِو ابْن عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَائِذٌ: ابْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَيُقَالُ: حَاجِزُ بْنُ السَّائِبِ- وَاَلَّذِي قَتَلَ حَاجِبَ بْنَ السَّائِبِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُوَيْمِرُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، قَتَلَهُ النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ الْقَوْقَلِيُّ مُبَارَزَةً، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ، وَجَابِرُ بْنُ سُفْيَانَ، حَلِيفَانِ لَهُمْ مِنْ طيِّئ قَتَلَ عَمْرًا يَزِيدُ بْنُ رُقَيْشٍ، وَقَتَلَ جَابِرًا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نَيَّارٍ، (فِيمَا) [٢] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
(مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: مُنَبِّهُ بْنُ الْحَجَّاجِ
---------------------------------
[١] فِي إِسْلَام السَّائِب وَقَتله مُشْركًا خلاف عرض لَهُ السهيليّ وَابْن عبد الْبر. وَقد ذكر السهيليّ قصَّة عَن ابْن الزبير تدل على إِسْلَام السَّائِب، قَالَ: مر مُعَاوِيَة وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ وَمَعَهُ جنده فزحموا السَّائِب فَسقط، فَوقف عَلَيْهِ مُعَاوِيَة، وَهُوَ يَوْمئِذٍ خَليفَة، فَقَالَ: ارْفَعُوا الشَّيْخ. فَلَمَّا قَامَ قَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاوِيَة؟
تصرعوننا حول الْبَيْت! أما وَالله لقد أردْت أَن أَتزوّج أمك، فَقَالَ مُعَاوِيَة: ليتك فعلت فَجَاءَت بِمثل أَبى السَّائِب، يعْنى عبد الله بن السَّائِب.
وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه أدْرك الْإِسْلَام وعَلى أَنه من المعمرين.
ثمَّ ذكر السهيليّ حَدِيث الشّركَة، وَالِاخْتِلَاف فِيمَن كَانَت الشّركَة مَعَه، أهوَ أَبُو السَّائِب هَذَا أم غَيره، فِي حَدِيث طَوِيل اجتزأنا مِنْهُ بِمَا ذكرنَا وَكله لَا يخرج عَن الرأيين اللَّذين عرض لَهما ابْن إِسْحَاق وَابْن هِشَام فِي كفر أَبى السَّائِب وإسلامه.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
ابْن عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، قَتَلَهُ أَبُو الْيَسَرِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَابْنُهُ الْعَاصِ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَنُبَيْهُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ عَامِرٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ اشْتَرَكَا فِيهِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الْعَاصِ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] ابْن سَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ الْقَوْقَلِيُّ، وَيُقَالُ: أَبُو دُجَانَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَاصِمُ بْنُ [٢] عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ [٣] بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، قَتَلَهُ أَبُو الْيَسَرِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي جُمَحَ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ ابْن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي مَازِنٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: بَلْ قَتَلَهُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَخَبِيبُ ابْن إسَافٍ، اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قَتَلَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأَوْسُ ابْن مِعْيَرِ [٤] بْنِ لَوْذَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ جُمَحَ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، اشْتَرَكَا فِيهِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: مُعَاوِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
-----------------------
[١] فِي الْأُصُول: «سعيد» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] فِي الْأُصُول: «ابْن أَبى عَوْف» وَهُوَ تَحْرِيف. ويكنى عَوْف هَذَا: أَبَا ودَاعَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] فِي م، ر: «صبيرة» بالصَّاد الْمُهْملَة، وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ.
[٤] فِي م، ر: «معبر» بِالْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع الطَّبَرِيّ وَابْن الْأَثِير) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعْبَدُ بْنُ وَهْبٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي كَلْبِ بْنِ عَوْفِ ابْن كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثٍ، قَتَلَ مَعْبَدًا خَالِدٌ وَإِيَاسُ ابْنَا الْبُكَيْرِ، وَيُقَالُ:
أَبُو دُجَانَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. رَجُلَانِ.
(عَدَدُهُمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [١]: فَجَمِيعُ مَنْ أُحْصِيَ لَنَا مِنْ قَتْلَى قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. خَمْسُونَ رَجُلًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: أَنَّ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، وَالْأَسْرَى كَذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تبارك وتعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها ٣: ١٦٥ يَقُولُهُ لِأَصْحَابِ أُحُدٍ- وَكَانَ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا- يَقُولُ: قَدْ أَصَبْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، سَبْعِينَ قَتِيلًا وَسَبْعِينَ أَسِيرًا. وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
فَأَقَامَ بِالْعَطَنِ الْمُعَطَّنِ مِنْهُمْ ... سَبْعُونَ، عُتْبَةُ مِنْهُمْ وَالْأَسْوَدُ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي قَتْلَى بَدْرٍ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي حَدِيثِ يَوْمِ أُحُدٍ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهَا.
(مَنْ فَاتَ ابْنَ إِسْحَاقَ ذِكْرُهُمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمَّنْ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ الْقَتْلَى
: (مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: وَهْبُ بْنُ الْحَارِثِ، مِنْ بَنِي أَنْمَارِ بْنِ بَغِيضٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَعَامِرُ بْنُ زَيْدٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ الْيَمَنِ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: عُقْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ الْيَمَنِ، وَعُمَيْرٌ مَوْلًى لَهُمْ. رَجُلَانِ.
----------------------------
[١] فِي م، ر: (قَالَ ابْن إِسْحَاق) .
[٢] العطن (فِي الأَصْل): مبرك الْإِبِل حول المَاء، فاستعاره هُنَا لقتلى يَوْم بدر من الْمُشْركين.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: نُبَيْهُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مُلَيْصٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ سَلِيطٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ قَيْسٍ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بنى تيم):
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ: مَالِكُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ [١] بْنِ عُثْمَانَ (وَهُوَ أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ) [٢] أُسِرَ فَمَاتَ فِي الْأُسَارَى، فَعُدَّ فِي الْقَتْلَى، وَيُقَالُ: وَعَمْرُو ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: حُذَيْفَةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ سَعْدُ ابْن أَبِي وَقَّاصٍ وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، وَزُهَيْرُ ابْن أَبِي رِفَاعَةَ، قَتَلَهُ أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالسَّائِبُ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ، قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَائِذُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، أُسِرَ ثُمَّ اُفْتُدِيَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ مِنْ جِرَاحَةٍ جَرَحَهُ إيَّاهَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُمَيْرٌ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ طيِّئ، وَخِيَارٌ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ الْقَارَّةِ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي جُمَحَ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرٍو: سَبْرَةُ بْنُ مَالِكٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو. الْحَارِثُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَتَلَهُ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، وَعَامِرُ بْنُ [٣] عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ [٤]، أَخُو عَاصِمِ بْنِ ضُبَيْرَةَ، قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيُّ، وَيُقَالُ: أَبُو دُجَانَةَ. رَجُلَانِ.
-----------------------------
[١] فِي أ: «عبد الله» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] رَاجع الْحَاشِيَة رقم ٢ ص ٧١٣ من هَذَا الْجُزْء.
[٤] فِي م، ر: «صبيرة» بالصَّاد الْمُهْملَة وهما لُغَتَانِ فِيهِ.
انْتهى الْقسم الأول من سيرة ابْن هِشَام، وَهُوَ الّذي يتَضَمَّن الجزءين الأول وَالثَّانِي ويليه الْقسم الثَّانِي، وَهُوَ الّذي يتَضَمَّن الجزءين الثَّالِث وَالرَّابِع وأوله: ذكر أسرى قُرَيْش يَوْم بدر
انتهى المجلد الاول
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-11-2026, 11:27 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (75)
صــ 3إلى صــ 12
[المجلد الثَّانِي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ذِكْرُ أَسْرَى قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ
(مِنْ بَنِي هَاشِمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأُسِرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عَقِيلُ [١] بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَنَوْفَلُ [٢] بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ [٣] .
(مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ):
وَمِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: السَّائِبُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَنُعْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ. رَجُلَانِ.
----------------------------
[١] أسلم عقيل عَام الحديبيّة وَحسن إِسْلَامه، وَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: يَا أَبَا يزِيد، إِنِّي أحبك حبين: حبا لقرابتك منى، وحبا لما أعلم من حب عمى إياك. وَقد سكن عقيل الْبَصْرَة، وَمَات بِالشَّام فِي خلَافَة مُعَاوِيَة.
[٢] أسلم نَوْفَل عَام الخَنْدَق، وَهَاجَر، وَقيل: بل أسلم حِين أسر، وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: أفد نَفسك، قَالَ: لَيْسَ لي مَال أفتدي بِهِ! قَالَ: أفد نَفسك بأرماحك الَّتِي بجدة، قَالَ:
وَالله مَا علم أحد أَن لي بجدة أرماحا غير الله، وَأشْهد أَنَّك رَسُول الله. وَهُوَ مِمَّن ثَبت مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم حنين، وأعان رَسُول الله ﷺ عِنْد الْخُرُوج إِلَيْهَا بِثَلَاثَة آلَاف رمح، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: كأنى انْظُر إِلَى أرماحك هَذِه تقصف ظُهُور الْمُشْركين.
وَمَات نَوْفَل بِالْمَدِينَةِ سنة خمس عشرَة، وَصلى عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب، رضي الله عنهما.
[٣] قَالَ أَبُو ذَر: «وَلم يذكر مَعَهُمَا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، لِأَنَّهُ كَانَ أسلم، وَكَانَ يكتم إِسْلَامه خوف قومه» .
(مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ ابْن عَبْدِ شَمْسٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي وَجْزَةَ [١] بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي وَحْرَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ (عَبْدِ) [٣] شَمْسٍ، وَأَبُو الْعَاصِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: أَبُو رِيشَةَ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ الْأَزْرَقِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عَدِيُّ بْنُ الْخِيَارِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ شَمْسِ ابْنِ أَخِي غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: أَبُو عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَيَقُولُونَ: نَحْنُ بَنُو الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرِ ابْن عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ السَّبَّاقِ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَحُلَفَائِهِمْ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: السَّائِبُ [٤] بْنُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ الْمُطَّلِبِ ابْن أَسَدٍ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَسَدٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَائِذِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَسَدٍ.
-----------------------------
[١] فِي م، ر: «وجرة» وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر «كَذَا قَيده الدَّار قطنى كَمَا قَالَ ابْن هِشَام» .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] والسائب هَذَا، أَخُو فَاطِمَة بنت أَبى حُبَيْش الْمُسْتَحَاضَة، وَهُوَ الّذي قَالَ فِيهِ عمر بن الْخطاب:
ذَاك رجل لَا أعلم فِيهِ عَيْبا، وَمَا أحد إِلَّا وَأَنا أقدر أَن أعيبه بعد رَسُول الله ﷺ. وَقد قيل:
إِن هَذِه الْمقَالة قَالَهَا عمر فِي ابْنه عبد الله بن السَّائِب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَالِمُ بْنُ شَمَّاخٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: خَالِدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ [١]، وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَصَيْفِيُّ ابْن أَبِي رِفَاعَة بن عابا [٢] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَبُو الْمُنْذِرِ [٣] بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ ابْن عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَبُو عَطَاءٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي [٤] السَّائِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَهُوَ كَانَ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- أَوَّلُ مَنْ وَلَّى فَارًّا مُنْهَزِمًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
وَلَسْنَا عَلَى الْأَدْبَارِ تَدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمُ [٥]
تِسْعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: «لَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ» .
وَخَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ، مِنْ خُزَاعَةَ، وَيُقَالُ: عُقَيْلِيٌّ.
(مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصٍ بْنِ كَعْبٍ: أَبُو وَدَاعَةَ ابْن ضُبَيْرَةَ [٦] بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، كَانَ أَوَّلَ أَسِيرٍ أَفْتُدِيَ مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ افْتَدَاهُ ابْنُهُ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، وَفَرْوَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حُذَافَةَ
------------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وَذكره- يُرِيد خَالِدا- بَعضهم فِي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم» .
[٢] كَذَا فِي أهنأ وَفِيمَا سَيَأْتِي، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَائِذ» قَالَ أَبُو ذَر: «كل مَا كَانَ من ولد بن مَخْزُوم فَهُوَ عَابِد، يعْنى بِالْبَاء وَالدَّال الْمُهْملَة، وكل من كَانَ من ولد عمرَان بن مَخْزُوم فَهُوَ عَائِذ، يعْنى بِالْيَاءِ المهموزة والذال الْمُعْجَمَة» .
[٣] قَالَ أَبُو ذَر: «ويروى أَيْضا: الْمُنْذر بن أَبى رِفَاعَة. وَكَذَا قَالَ فِيهِ مُوسَى بن عقبَة فِي الْمَغَازِي» .
[٤] فِي أ: «عبد الله بن السَّائِب» وَالظَّاهِر أَنه تَحْرِيف، إِذْ الْمَعْرُوف أَن أَبَا السَّائِب هُوَ ابْن عَائِذ ابْن عبد الله، وَأَن لَهُ ابْنا يُقَال لَهُ: السَّائِب.
[٥] الكلوم: الْجِرَاحَات.
[٦] فِي م، ر: «صبيرة» بالصَّاد الْمُهْملَة وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ.
ابْن سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ قَبِيصَةَ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَالْحَجَّاجُ [٢] ابْن قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي جُمَحَ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصٍ بْنِ كَعْبٍ: عَبْدُ اللَّهِ [٣] بْنُ أُبَيِّ بْنِ خَلَفِ ابْن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَأَبُو عَزَّةَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ وُهَيْبِ [٤] بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَالْفَاكِهُ، مَوْلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ادَّعَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ رَبَاحُ بْنُ الْمُغْتَرِفِ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ بَنِي شَمَّاخِ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ- وَيُقَالُ: إنَّ الْفَاكِهَ:
ابْنَ جَرْوَلِ بْنِ حِذْيَمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَضْبِ بْنِ شَمَّاخِ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ- وَوَهْبُ [٥] بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَرَبِيعَةُ ابْن دَرَّاجِ بْنِ الْعَنْبَسِ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: سُهَيْلُ [٦] بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ، أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدُ [٧] بْنُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَشْنُوءِ [٨] بْنِ وَقْدَانُ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ. ثَلَاثَةُ نفر.
------------------------------
[١] فِي الْأُصُول هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي فِي نسب الْحجَّاج: «سعيد» وَهُوَ تَحْرِيف. وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا فِي الْجُزْء الأول من هَذِه الطبعة.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وأحسب ذكر الْحجَّاج فِي هَذَا الْموضع وهما، فَإِنَّهُ من مهاجرة الْحَبَشَة، وَقدم الْمَدِينَة بعد أحد، فَكيف يعد فِي أسرى الْمُشْركين يَوْم بدر!» .
[٣] أسلم عبد الله هَذَا يَوْم الْفَتْح وَقتل يَوْم الْجمل.
[٤] فِي م، ر: «أهيب» .
[٥] أسلم وهب بعد أَن جَاءَ أَبوهُ عُمَيْر فِي فدائه، فَأَسْلمَا جَمِيعًا.
[٦] أسلم سُهَيْل وَمَات بِالشَّام شَهِيدا، وَهُوَ خطيب قُرَيْش.
[٧] هُوَ أَخُو سَوْدَة بنت زَمعَة، أسلم. وَهُوَ الّذي خاصمه سعد بن أَبى وَقاص فِي أَخِيه من أَبِيه عبد الرَّحْمَن ابْن زَمعَة بن وليدة زَمعَة. وَهُوَ الّذي قَالَ فِيهِ النَّبِي ﷺ: هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف والاستيعاب فِي ترجمتى عبد بن زَمعَة وَعبد الرَّحْمَن أَخِيه) .
[٨] فِي أ: «منشوء» .
(من بى الْحَارِثِ):
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: الطُّفَيْلُ بْنُ أَبِي قُنَيْعٍ، وَعَتَبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَحْدَمٍ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ حُفِظَ لَنَا مِنْ الْأُسَارَى ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا.
(مَا فَاتَ ابْنُ إسْحَاقَ ذِكْرَهُمْ) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَعَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَدَدِ رَجُلٌ لَمْ نَذْكُرْ اسْمَهُ، وَمِمَّنْ لَمْ نَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ الْأُسَارَى:
(مِنْ بَنِي هَاشِمٍ):
مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي فِهْرٍ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ):
وَمِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عَقِيلُ [١] بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَأَخُوهُ تَمِيمُ بْنُ عَمْرٍو، وَابْنُهُ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: خَالِدُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ، وَأَبُو الْعَرِيضِ يَسَارٌ، مَوْلَى الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ):
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: نَبْهَانُ، مَوْلًى لَهُمْ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: عَبْدُ اللَّهِ [٢] بْنُ حُمَيْدٍ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ.
رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: عَقِيلٌ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ الْيَمَنِ. رَجُلٌ.
---------------------------
[١] فِي م، ر: «عليل» .
[٢] قَالَ السهيليّ: «الْمَعْرُوف فِيهِ: عبيد الله بن حميد، وَكَذَلِكَ ذكره ابْن قُتَيْبَة وَأَبُو عَمْرو الكلاباذي وَأَبُو نصر، وَهُوَ مولى حَاطِب بن أَبى بلتعة» .
(مِنْ بنى تيم):
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ: مُسَافِعُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وَجَابِرُ بْنُ الزَّبِيرِ، حَلِيفٌ لَهُمْ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: قَيْسُ بْنُ السَّائِبِ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي جُمَحَ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرٍو: عَمْرُو بْنُ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وَأَبُو رُهْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَحَلِيفٌ لَهُمْ ذَهَبَ عَنِّي اسْمُهُ، وَمَوْلَيَانِ لِأُمَيَّةِ بْنِ خَلَفٍ، أَحَدُهُمَا نِسْطَاسٌ [١]، وَأَبُو رَافِعٍ، غُلَامُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. سِتَّةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: أَسْلَمَ، مَوْلَى نُبَيْهِ بْنِ الْحَجَّاجِ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: حَبِيبُ بْنُ جَابِرٍ، وَالسَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي الْحَارِثِ):
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: شَافِعُ وَشَفِيعٌ، حَلِيفَانِ لَهُمْ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ.
رَجُلَانِ.
مَا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي يَوْمِ بَدْرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَتَرَادَّ بَهْ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ لِمَا كَانَ فِيهِ، قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَرْحَمُهُ اللَّهُ:
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا وَنَقِيضَتَهَا-:
أَلَمْ تَرَ أَمْرًا كَانَ مِنْ عَجْبِ الدَّهْرِ ... وَلِلْحَيْنِ أَسِبَابٌ مُبَيَّنَةُ الْأَمْرِ [٢]
----------------------------
[١] أسلم نسطاس بعد أحد، فِيمَا يُقَال.
[٢] الْحِين: الْهَلَاك.
وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ قَوْمًا أَفَادَهُمْ ... فَحَانُوا تَوَاصٍ بِالْعُقُوقِ وَبِالْكُفْرِ [١]
عَشِيَّةَ رَاحُوا نَحْوَ بَدْرٍ بِجَمْعِهِمْ ... فَكَانُوا رُهُونًا لِلرَّكِيَّةِ مِنْ بَدْرِ [٢]
وَكُنَّا طَلَبْنَا الْعِيرَ لَمْ نَبْغِ غَيْرَهَا ... فَسَارُوا إِلَيْنَا فالتقنا عَلَى قَدْرِ
فَلَمَّا الْتَقَيْنَا لَمْ تَكُنْ مَثْنَوِيَّةٌ ... لَنَا غَيْرَ طَعْنٍ بِالْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ [٣]
وَضَرْبٍ بِبِيضٍ يَخْتَلِي الْهَامَ حَدُّهَا ... مُشْهِرَةُ الْأَلْوَانِ بَيِّنَةُ الْأُثُرِ [٤]
وَنَحْنُ تَرَكْنَا عُتْبَةَ الْغَيَّ ثَاوِيًا ... وَشَيْبَةَ فِي الْقَتْلَى تَجْرَجَمُ فِي الْجَفْرِ [٥]
وَعَمْرٌو ثَوَى فِيمَنْ ثَوَى مِنْ حُمَاتِهِمْ ... فَشُقَّتْ جُيُوبُ النَّائِحَاتِ عَلَى عَمْرِو
جُيُوبُ نِسَاءٍ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامٍ تَفَرَّعْنَ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرِ [٦]
أُولَئِكَ قَوْمٌ قُتِّلُوا فِي ضَلَالِهِمْ ... وَخَلَّوْا لِوَاءً غَيْرَ مُحْتَضَرِ النَّصْرُ
لِوَاءُ ضَلَالٍ قَادَ إبْلِيسُ أَهْلَهُ ... فَخَاسَ بِهِمْ، إنَّ الْخَبِيثَ إلَى غَدْرِ [٧]
وَقَالَ لَهُمْ، إذْ عَايَنَ الْأَمْرَ وَاضِحًا ... بَرِئْتُ إلَيْكُمْ مَا بِي الْيَوْمَ مِنْ صَبْرِ
فَإِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَإِنَّنِي ... أَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ وَاَللَّهُ ذُو قَسْرِ [٨]
فَقَدَّمَهُمْ لِلْحَيْنِ حَتَّى تَوَرَّطُوا ... وَكَانَ بِمَا لَمْ يَخْبُرْ الْقَوْمُ ذَا خُبْرِ [٩]
فَكَانُوا غَدَاةَ الْبِئْرِ أَلْفًا وَجَمْعُنَا ... ثَلَاثُ مِئِينٍ كَالْمُسْدَمَةِ الزُّهْرِ [١٠]
وَفِينَا جُنُودُ اللَّهِ حَيْنَ يُمِدُّنَا ... بِهِمْ فِي مَقَامٍ ثُمَّ مُسْتَوْضَحِ الذِّكْرِ [١١]
فَشَدَّ بِهِمْ جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا ... لَدَى مَأْزِقٍ فِيهِ مَنَايَاهُمْ تَجْرِي [١١]
---------------------------
[١] أفادهم: أهلكهم، يُقَال: فاد الرجل: إِذا مَاتَ. وتواص، تفَاعل، من الْوَصِيَّة، وَهُوَ الْفَاعِل للْفِعْل (أفادهم) .
[٢] الرهون، جمع رهن. والركية: الْبِئْر غير المطوية.
[٣] مثنوية: أَي رُجُوع وانصراف. والمثقفة: الرماح المقومة.
[٤] يخْتَلى: يقطع. والهام: الرُّءُوس. والأثر (بِضَم الْهمزَة): وشي السَّيْف وفرنده.
[٥] ثاويا: مُقيما. وتجرجم: تسْقط. والحفر: الْبِئْر المتسعة.
[٦] تفرعن: علون. والذوائب: الأعالي.
[٧] خاس: غدر.
[٨] القسر: الْقَهْر وَالْغَلَبَة.
[٩] تورطوا: وَقَعُوا فِي الهلكة.
[١٠] المسدمة: الفحول من الْإِبِل. والزهر: الْبيض.
[١١] فِي أ: «منايا بهم تجرى» .
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ:
أَلَا يَا لِقَوْمِي [١] لِلصَّبَابَةِ [٢] وَالْهَجْرِ ... وَلِلْحُزْنِ مِنِّي وَالْحَرَارَةِ فِي الصَّدْرِ
وَلِلدَّمْعِ مِنْ عَيْنَيَّ جُودَا كَأَنَّهُ ... فَرِيدٌ هَوَى مِنْ سِلْكِ نَاظِمِهِ يَجْرِي [٣]
عَلَى الْبَطَلِ الْحُلْوِ الشَّمَائِلِ إذْ ثَوَى ... رَهِينَ مَقَامٍ لِلرَّكِيَّةِ مِنْ بَدْرِ
فَلَا تَبْعُدْنَ يَا عَمْرُو مِنْ ذِي قُرَابَةٍ ... وَمِنْ ذِي نِدَامٍ كَانَ ذَا خُلُقٍ غَمْرِ [٤]
فَإِنْ يَكُ قَوْمٌ صَادَفُوا مِنْكَ دَوْلَةً ... فَلَا بُدَّ لِلْأَيَّامِ مِنْ دُوَلِ الدَّهْرِ
فَقَدْ كُنْتَ فِي صَرْفِ الزَّمَانِ الَّذِي مَضَى ... تُرِيهِمْ هَوَانًا مِنْكَ ذَا سُبُلٍ وَعْرِ
فَإِلَّا أَمُتْ يَا عَمْرو أتركك ثَائِرًا ... وَلَا أُبْقِ بُقْيَا فِي إخَاءٍ وَلَا صِهْرِ [٥]
وَأَقْطَعُ ظَهْرًا مِنْ رِجَالٍ بِمَعْشَرٍ ... كِرَامٍ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا قَطَعُوا ظَهْرِي
أَغَرَّهُمْ مَا جَمَّعُوا مِنْ وَشِيظَةٍ ... وَنَحْنُ الصَّمِيمُ فِي الْقَبَائِلِ مِنْ فِهْرِ [٦]
فِيَالَ لُؤَيٍّ ذَبِّبُوا عَنْ حَرِيمِكُمْ ... وَآلِهَةٍ لَا تَتْرُكُوهَا لِذِي الْفَخْرِ [٧]
تَوَارَثَهَا آبَاؤُكُمْ وَوَرِثْتُمْ ... أَوَاسِيَّهَا وَالْبَيْتَ ذَا السَّقْفِ وَالسِّتْرِ [٨]
فَمَا لِحَلِيمٍ قَدْ أَرَادَ هَلَاكَكُمْ ... فَلَا تَعْذِرُوهُ آلَ غَالِبٍ مِنْ عُذْرٍ [٩]
وَجِدُّوا لِمِنْ عَادَيْتُمْ وَتَوَازَرُوا ... وَكُونُوا جَمِيعًا فِي التَّأَسِّي وَفِي الصَّبْرِ [١٠]
لَعَلَّكُمْ أَنْ تَثْأَرُوا بِأَخِيكُمْ ... وَلَا شَيْءَ إنَّ لَمْ تَثْأَرُوا بِذَوِي عَمْرِو [١١]
------------------------
[١] فِي أ: «أَلا يَا لقوم» .
[٢] الصبابة: رقة الشوق.
[٣] الْجُود: الْكثير: يُقَال: جَادَتْ السَّمَاء تجود جودا (بِالْفَتْح): إِذا كثر مطرها. والفريد:
الذَّهَب والدر.
[٤] كَذَا فِي أ. والغمر: الْوَاسِع الْخلق، يُقَال: رجل غمر الْخلق: إِذا كَانَ واسعها حسنها.
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَمْرو» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] ثَائِر: ذُو ثأر. وَفِي أ: «ثابرا» . والثابر: الخاسر.
[٦] الوشيظة: الأتباع وَمن لَيْسَ من خَالص الْقَوْم. والصميم: الخالصون فِي أَوْلِيَائِهِمْ.
[٧] ذببوا: ادفعوا وامنعوا.
[٨] الأواسى: جمع آسِيَة، وَهِي مَا أسس عَلَيْهِ الْبناء.
[٩] غَالب (هُنَا): اسْم قَبيلَة، وَلذَلِك لم يصرفهُ.
[١٠] توازروا: تعاونوا.
[١١] تثأروا بأخيكم، أَي تَأْخُذُوا بثأره.
بِمُطَّرِدَاتِ فِي الْأَكُفِّ كَأَنَّهَا ... وَمِيضٌ تُطِيرُ الْهَامَ بَيِّنَةَ الْأُثْرِ [١]
كَأَنَّ مُدِبَّ الذَّرِّ فَوْقَ مُتُونِهَا ... إذَا جُرِّدَتْ يَوْمًا لِأَعْدَائِهَا الْخُزْرِ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبْدَلْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ كَلِمَتَيْنِ مِمَّا رَوَى ابْنُ إسْحَاقَ، وَهُمَا «الْفَخْرُ» فِي آخر الْبَيْت، و«فَمَا لِحَلِيمِ»، فِي أَوَّلِ الْبَيْتِ، لِأَنَّهُ نَالَ فِيهِمَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي يَوْمِ بَدْرٍ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَعْرِفُهَا وَلَا نَقِيضَتَهَا، وَإِنَّمَا كَتَبْنَاهُمَا لِأَنَّهُ يُقَالُ: إنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي الْقَتْلَى، وَذَكَرَهُ فِي هَذَا الشِّعْرِ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَبْلَى رَسُولَهُ ... بَلَاءَ عَزِيزٍ ذِي اقْتِدَارِ وَذِي فَضْلٍ [٣]
بِمَا أَنْزَلَ الْكُفَّارَ دَارَ مَذَلَّةٍ ... فَلَاقَوْا هَوَانَا مِنْ إسَارٍ وَمِنْ قَتْلِ
فَأَمْسَى رَسُولُ اللَّهِ قَدْ عَزَّ نَصْرُهُ ... وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ أُرْسِلَ بِالْعَدْلِ
فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ مِنْ اللَّهِ مُنْزَلٍ ... مُبَيَّنَةٍ آيَاتُهُ لِذَوِي الْعَقْلِ
فَآمَنَ أَقْوَامٌ بِذَاكَ وَأَيْقَنُوا ... فَأَمْسَوْا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْتَمِعِي الشَّمْلِ
وَأَنْكَرَ أَقْوَامٌ فَزَاغَتْ قُلُوبُهُمْ ... فَزَادَهُمْ ذُو الْعَرْشِ خَبْلًا عَلَى خَبْلُ. [٤]
وَأَمْكَنَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَهُ ... وَقَوْمًا غِضَابًا فِعْلُهُمْ أَحْسَنُ الْفِعْلِ
بِأَيْدِيهِمْ بِيضٌ خِفَافٌ عَصَوْا بِهَا ... وَقَدْ حَادَثُوهَا بِالْجِلَاءِ وَبِالصَّقْلِ [٥]
فَكَمْ تَرَكُوا مِنْ نَاشِئٍ ذِي حَمِيَّةٍ ... صَرِيعًا وَمِنْ ذِي نَجْدَةٍ مِنْهُمْ كَهْلِ
----------------------------
[١] بمطردات، أَي بسيوف مهتزات. والوميض: ضوء الْبَرْق. والهام: الرموس.
[٢] الذَّر: صغَار النَّمْل. والخزر: جمع أخزر، وَهُوَ الّذي ينظر بمؤخر عينه كبرا وعجبا.
[٣] أبلى: أَي من عَلَيْهِ وأنعم، وصنع لَهُ صنعا حسنا. قَالَ زُهَيْر:
فأبلى هُنَا خير الْبلَاء الّذي يبلو
[٤] زاغت: مَالَتْ عَن الْحق. والخبل: الْفساد.
[٥] بيض خفاف، يعْنى السيوف. وعصوا بهَا: ضربوا، يُقَال: عصيت بِالسَّيْفِ، إِذا ضربت بِهِ. وحادثوها: تعهدوها.
تَبِيتُ عُيُونُ النَّائِحَاتِ عَلَيْهِمْ ... تَجُودُ بِأَسْبَالِ الرَّشَاشِ وَبِالْوَبْلِ [١]
نَوَائِحَ تَنْعَى عُتْبَةَ الْغَيَّ وَابْنَهُ ... وَشَيْبَةَ تَنْعَاهُ وَتَنْعَى أَبَا جَهْلٍ
وَذَا الرَّجُلِ تَنْعَى وَابْنَ جُدْعَانَ فِيهِمْ ... مُسَلِّبَةً حَرَّى مُبَيَّنَةَ الثُّكْلِ [٢]
ثَوَى [٣] مِنْهُمْ فِي بِئْرِ بَدْرٍ عِصَابَةٌ ... ذَوِي نَجَدَاتٍ فِي الْحُرُوبِ وَفِي الْمَحْلِ
دَعَا الْغَيُّ مِنْهُمْ مَنْ دَعَا فَأَجَابَهُ ... وَلِلْغَيِّ أَسِبَابٌ مُرَمَّقَةُ الْوَصْلِ [٤]
فَأَضْحَوْا لَدَى دَارِ الْجَحِيمِ بِمَعْزِلٍ ... عَنْ الشَّغْبِ وَالْعُدْوَانِ فِي أَشْغَلْ الشُّغْلِ [٥]
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ:
عَجِبْتُ لِأَقْوَامٍ تَغَنَّى سَفِيهُهُمْ ... بِأَمْرٍ سَفَاهٍ ذِي اعْتِرَاضٍ وَذِي بُطْلٍ
تَغَنَّى بِقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ تَتَابَعُوا ... كِرَامِ الْمَسَاعِي مِنْ غُلَامٍ وَمِنْ كَهْلٍ
مَصَالِيتَ [٦] بِيضٍ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ [٧] ... مَطَاعِينَ فِي الْهَيْجَا مَطَاعِيمَ فِي الْمَحْلِ [٨]
أُصِيبُوا كِرَامًا لَمْ يَبِيعُوا عَشِيرَةً ... بِقَوْمِ سِوَاهُمْ نَازِحِي الدَّارِ وَالْأَصْلِ
كَمَا أَصْبَحَتْ غَسَّانُ فِيكُمْ بِطَانَةً [٩] ... لَكُمْ بَدَلًا مِنَّا فِيَا لَكَ مِنْ فِعْلِ
عُقُوقًا وَإِثْمًا بَيِّنًا وَقَطِيعَةً ... يَرَى جوركم فِيهَا ذُو والرأى وَالْعَقْلِ
فَإِنْ يَكُ قَوْمٌ قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ... وَخَيْرُ الْمَنَايَا مَا يَكُونُ مِنْ الْقَتْلِ
فَلَا تَفْرَحُوا أَنْ تَقْتُلُوهُمْ فَقَتْلُهُمْ ... لَكُمْ كَائِنٌ خَبْلًا مُقِيمًا عَلَى خَبْلِ
فَإِنَّكُمْ لَنْ تَبْرَحُوا بَعْدَ قَتْلِهِمْ ... شَتِيتًا [١٠] هَوَاكُمْ غَيْرُ مُجْتَمِعِي الشَّمْلِ
---------------------------
[١] الإسبال: الْإِرْسَال، يُقَال: أسبل دمعه، وَذَلِكَ إِذا رسله. والرشاش: الْمَطَر الضَّعِيف.
والوبل: الْكثير، واستعارها هُنَا لقَلِيل الدمع وغزيره.
[٢] يُرِيد «بِذِي الرجل»: الْأسود الّذي قطع حَمْزَة رجله عِنْد الْحَوْض. والمسلبة: الَّتِي لبست السلاب، وَهِي خرقَة سَوْدَاء تلبسها الثكلى. وحرى: محرقة الْجوف من الْحزن. والثكل: الْفَقْد.
[٣] فِي أ: «ترى» .
[٤] مرمقة: ضَعِيفَة، من الرمق، وَهُوَ الشَّيْء الْيَسِير الضَّعِيف.
[٥] الشغب: التشغيب.
[٦] المصاليت: الشجعان.
[٧] فِي أ: «من ذؤابة غَالب» وذؤابة كل شَيْء: أَعْلَاهُ.
[٨] مطاعين، جمع مطعان، وَهُوَ الّذي يكثر الطعْن فِي الْحَرْب. والهيجاء (بِالْمدِّ، وَقصر للشعر):
الْحَرْب. والمطاعيم: جمع مطعام، وَهُوَ الّذي يكثر الْإِطْعَام. وَالْمحل: الْقَحْط والجدب.
[٩] بطانة الرجل: خاصته.
[١٠] الشتيت: المتفرق.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-14-2026, 08:27 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (76)
صــ 13إلى صــ 22
بِفَقْدِ ابْنِ جُدْعَانَ الْحَمِيدِ فِعَالُهُ ... وَعُتْبَةُ وَالْمَدْعُوُّ فِيكُمْ أَبَا جَهْلِ
وَشَيْبَةَ فِيهِمْ وَالْوَلِيدَ وَفِيهِمْ ... أُمَيَّةَ مَأْوَى الْمُعْتَرِينَ وَذُو الرِّجْلِ [١]
أُولَئِكَ فَابْكِ ثُمَّ لَا تَبْكِ غَيْرَهُمْ ... نَوَائِحُ تَدْعُو بِالرَّزِيَّةِ وَالثُّكْلِ
وَقُولُوا لِأَهْلِ الْمَكَّتَيْنِ تَحَاشَدُوا ... وَسِيرُوا إلَى آطَامِ يَثْرِبَ ذِي النَّخْلِ [٢]
جَمِيعًا وَحَامُوا آلَ كَعْبٍ وَذَبِّبُوا ... بِخَالِصَةِ الْأَلْوَانِ مُحْدَثَةِ الصَّقْلِ [٣]
وَإِلَّا فَبُيِّتُوا خَائِفِينَ وَأَصْبِحُوا ... أَذَلَّ لِوَطْءِ الْوَاطِئِينَ مِنْ النَّعْلِ
عَلَى أَنَّنِي وَاللَّاتِ يَا قَوْمُ فَاعْلَمُوا ... بِكَمْ وَاثِقٌ أَنْ لَا تُقِيمُوا عَلَى تَبْلِ [٤]
سِوَى جَمْعِكُمْ لِلسَّابِغَاتِ وَلِلْقَنَا ... وَلِلْبَيْضِ وَالْبِيضِ الْقَوَاطِعِ وَالنَّبْلِ [٥]
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ [٦] بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، فِي يَوْمِ بَدْرٍ:
عَجِبْتُ لِفَخْرِ الْأَوْسِ وَالْحَيْنُ دَائِرٌ ... عَلَيْهِمْ غَدًا وَالدَّهْرُ فِيهِ بَصَائِرُ
وَفَخْرُ بَنِي النَّجَّارِ إنْ كَانَ مَعْشَرٌ ... أُصِيبُوا بِبَدْرٍ كُلُّهُمْ ثَمَّ صَابِرُ
فَإِنْ تَكُ قَتْلَى غُودِرَتْ مِنْ رِجَالِنَا ... فَإِنَّا رِجَالٌ [٧] بَعْدَهُمْ سَنُغَادِرُ
وَتَرْدِي بِنَا الْجُرْدُ الْعَنَاجِيجُ وَسَطكُمْ ... بَنِي الْأَوْسِ حَتَّى يَشْفِي النَّفْسَ ثَائِرٌ [٨]
وَوَسْطَ بَنِي النَّجَّارِ سَوْفَ نَكُرُّهَا ... لَهَا بالقنا وَالدَّار عين زَوَافِرُ [٩]
فَنَتْرُكُ صَرْعَى تَعْصِبُ الطَّيْرُ حَوْلَهُمْ ... وَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا الْأَمَانِيُّ نَاصِرُ [١٠][١] المعترون: المحتاجون المتعرضون للمسألة. ويروى: «المقترون» والمقتر: الْفَقِير. وَذُو الرجل: الْأسود الّذي قطع حَمْزَة رجله عِنْد الْحَوْض.
[٢] مكتين: أَي مَكَّة والطائف. والآطام: جمع أَطَم، وَهُوَ الْحصن.
[٣] ذببوا، أَي امنعوا وادفعوا.
[٤] التبل: الْعَدَاوَة وَطلب الثأر.
[٥] السابغات: الدروع.
[٦] فِي م: «الْخَطِيب» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٧] فِي م: «رجَالًا» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٨] تردى: تسرع. والجرد: الْخَيل الْعتاق القصيرات الشّعْر. والعناجيج: جمع عنجوج، وَهُوَ الطَّوِيل السَّرِيع. والثائر: الطَّالِب بثأره.
[٩] الزوافر: جمع زافرة، وَهِي الْحَامِلَات للثقل.
[١٠] تعصب: تَجْتَمِع عصائب عصائب.
وَتَبْكِيهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ نِسْوَةٌ ... لَهُنَّ [١] بِهَا لَيْلٌ عَنْ النَّوْمِ سَاهِرُ
وَذَلِكَ أَنَّا لَا تَزَالُ سُيُوفُنَا ... بِهِنَّ دَمٌ مِمَّنْ [٢] يُحَارَبْنَ مَائِرُ [٣]
فَإِنْ تَظْفَرُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ فَإِنَّمَا ... بِأَحْمَدَ أَمْسَى جَدُّكُمْ وَهُوَ ظَاهِرُ
وَبِالنَّفَرِ الْأَخْيَارِ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ ... يُحَامُونَ فِي الَّلأْوَاءِ وَالْمَوْتُ حَاضِرُ [٤]
يُعَدُّ أَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ فِيهِمْ ... وَيُدْعَى عَلِيٌّ وَسْطَ مَنْ أَنْتَ ذَاكِرُ
وَيُدْعَى أَبُو حَفْصٍ وَعُثْمَانُ مِنْهُمْ ... وَسَعْدٌ إذَا مَا كَانَ فِي الْحَرْبِ حَاضِرُ
أُولَئِكَ لَا مَنْ نَتَّجَتْ فِي دِيَارِهَا ... بَنُو الْأَوْسِ وَالنَّجَّارِ حَيْنَ تُفَاخِرُ [٥]
وَلَكِنْ أَبُوهُمْ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... إذَا عُدَّتْ الْأَنْسَابُ كَعْبٌ وَعَامِرُ
هُمْ الطَّاعِنُونَ الْخَيْلَ فِي كُلِّ مَعْرَكٍ ... غَدَاةَ الْهِيَاجِ الْأَطْيَبُونَ الْأَكَاثِرُ [٦]
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ:
عَجِبْتُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَاَللَّهُ قَادِرٌ ... عَلَى مَا أَرَادَ، لَيْسَ للَّه قَاهِرُ
قَضَى يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ نُلَاقِيَ مَعْشَرًا ... بَغَوْا وَسَبِيلُ الْبَغْي بِالنَّاسِ جَائِرُ
وَقَدْ حَشَدُوا وَاسْتَنْفَرُوا مِنْ يَلِيهِمْ ... مِنْ النَّاسِ حَتَّى جَمْعُهُمْ مُتَكَاثَرُ
وَسَارَتْ إلَيْنَا لَا تُحَاوِلُ غَيْرَنَا ... بِأَجْمَعِهَا كَعْبٌ جَمِيعًا وَعَامِرُ
وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَالْأَوْسُ حَوْلَهُ ... لَهُ مَعْقِلٌ مِنْهُمْ عَزِيزٌ وَنَاصِرُ [٧]
وَجَمْعُ بَنِي النَّجَّارِ تَحْتَ لِوَائِهِ ... يُمَشَّوْنَ [٨] فِي الْمَاذِيَّ وَالنَّقْعُ ثَائِرُ [٩]
فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ وَكُلٌّ مُجَاهِدٌ ... لِأَصْحَابِهِ مُسْتَبْسِلُ النَّفْسِ صَابِرُ
شَهِدْنَا بِأَنَّ اللَّهَ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ... وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِالْحَقِّ ظَاهِرُ[١] فِي م: «لَهُم» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] فِي م: «مِمَّا» .
[٣] مائر: سَائل.
[٤] اللأواء: الشدَّة.
[٥] نتجت: ولدت
[٦] فِي م، ر: «الأكابر» .
[٧] المعقل: الْموضع الْمُمْتَنع.
[٨] ويروى: «يميسون» . والميس: التَّبَخْتُر والاختيال.
[٩] الماذي: الدروع الْبيض اللينة. وَالنَّقْع: الْغُبَار.
وَقَدْ عُرِّيَتْ بِيضٌ خِفَافٌ كَأَنَّهَا ... مَقَابِيسُ يُزْهِيهَا [١] لِعَيْنَيْكَ شَاهِرُ
بِهِنَّ أَبَدْنَا جَمْعَهُمْ فَتَبَدَّدُوا ... وَكَانَ يُلَاقِي الْحَيْنَ مَنْ هُوَ فَاجِرُ [٢]
فَكُبَّ أَبُو جَهْلٍ صَرِيعًا لِوَجْهِهِ ... وَعُتْبَةُ قَدْ غَادَرْنَهُ وَهُوَ عَاثِرُ [٣]
وَشَيْبَةُ وَالتَّيْمِيُّ غَادَرْنَ فِي الْوَغَى ... وَمَا مِنْهُمْ [٤] إلَّا بِذِي الْعَرْشِ كَافِرُ
فَأَمْسَوْا وَقُودَ النَّارِ فِي مُسْتَقَرِّهَا ... وَكُلُّ كَفَوْرٍ فِي جَهَنَّمَ صَائِرُ
تَلَظَّى عَلَيْهِمْ وَهِيَ قَدْ شَبَّ حَمْيُهَا ... بِزُبَرِ الْحَدِيدِ وَالْحِجَارَةِ سَاجِرُ [٥]
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ قَالَ أَقْبِلُوا ... فَوَلَّوْا وَقَالُوا: إِنَّمَا أَنْتَ سَاحِرُ
لِأَمْرِ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَهْلَكُوا بِهِ ... وَلَيْسَ لِأَمْرٍ حَمَّهُ اللهُ زَاجِرُ [٦]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبْعَرَى السَّهْمِيُّ يَبْكِي قَتْلَى بدر:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لِلْأَعْشَى بْنِ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ، أَحَدُ بَنِي أُسَيْدِ ابْن عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ:
مَاذَا عَلَى بَدْرٍ وَمَاذَا حَوْلَهُ ... مِنْ فِتْيَةٍ بِيضِ الْوُجُوهِ كِرَامٍ
تَرَكُوا نُبَيْهًا خَلْفَهُمْ وَمُنَبِّهًا ... وَابْنَيْ رَبِيعَةَ خَيْرَ خَصْمٍ فِئَامِ [٧]
وَالْحَارِثَ الْفَيَّاضَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ ... كَالْبَدْرِ جَلَّى لَيْلَةَ الْإِظْلَامِ [٨]
وَالْعَاصِيَ بْنَ مُنَبِّهٍ ذَا مِرَّةٍ ... رُمْحًا تَمِيمًا غَيْرَ ذِي أَوْصَامِ [٩][١] يزهيها: يستخفها ويحركها.
[٢] أبدنا: أهلكنا.
[٣] كَذَا فِي الْأُصُول. والعاثر: السَّاقِط. ويروى: «عافر» بِالْفَاءِ، وَهُوَ الّذي لصق بالعفر، وَهُوَ التُّرَاب.
[٤] فِي أ: «وَمَا مِنْهُمَا» .
[٥] تلظى: تلهّب. وشب: أوقد. وزبر الْحَدِيد (بِفَتْح الْبَاء وَسكن للشعر): قطعه. وساجر:
موقد، يُقَال: سجرت التَّنور: إِذا أوقدته نَارا.
[٦] حمه الله: قدره.
[٧] الفئام: الْجَمَاعَات من النَّاس.
[٨] الْفَيَّاض: الْكثير الْإِعْطَاء.
[٩] الْمرة: الْقُوَّة والشدة. والتميم (هُنَا): الطَّوِيل. والأوصام: الْعُيُوب، الْوَاحِد: وصم.
تَنَمَّى بَهْ أَعْرَاقُهُ وَجُدُودُهُ ... وَمَآثِرُ الْأَخْوَالِ وَالْأَعْمَامِ [١]
وَإِذَا بَكَى بَاكٍ فَأَعْوَلَ شَجْوَهُ ... فَعَلَى الرَّئِيسِ الْمَاجِدِ ابْنِ هِشَامِ [٢]
حَيَّا الْإِلَهُ أَبَا الْوَلِيدِ وَرَهْطَهُ ... رَبَّ الْأَنَامِ، وَخَصَّهُمْ [٣] بِسَلَامِ
فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ:
ابْكِ بَكَتْ عَيْنَاكَ ثُمَّ تَبَادَرَتْ ... بِدَمِ تُعَلُّ غُرُوبُهَا سَجَّامِ [٤]
مَاذَا بَكَيْتَ بِهِ الَّذِينَ تَتَايَعُوا [٥] ... هَلَّا ذَكَرْتَ مَكَارِمَ الْأَقْوَامِ
وَذَكَرْتَ مِنَّا مَاجِدًا ذَا هِمَّةٍ ... سَمْحَ الْخَلَائِقِ صَادِقَ الْإِقْدَامِ
أَعْنِي النَّبِيَّ أَخَا الْمَكَارِمِ وَالنَّدَى ... وَأَبَرَّ مَنْ يُولَى عَلَى الْإِقْسَامِ [٦]
فَلِمِثْلِهِ وَلِمِثْلِ مَا يَدْعُو لَهُ ... كَانَ الْمُمَدَّحَ ثَمُّ غَيْرُ كَهَامِ [٧]
(شِعْرٌ لِحَسَّانَ فِي بَدْرٍ أَيْضًا):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَيْضًا:
تَبَلَتْ فُؤَادَكَ فِي الْمَنَامِ خَرِيدَةً ... تَسْقِى [٨] الضَّجِيعَ بِبَارِدِ بَسَّامِ [٩]
كَالْمِسْكِ تَخْلِطُهُ بِمَاءِ سَحَابَةٍ ... أَوْ عَاتِقٍ كَدَمِ الذَّبِيحِ مُدَامِ [١٠]
نُفُجُ الْحَقِيبَةِ بُوصُهَا مُتَنَضِّدٌ ... بَلْهَاءُ غَيْرُ وَشِيكَةِ الْأَقْسَامِ [١١][١] المآثر: جمع مأثرة، وَهِي مَا يتحدث بِهِ عَن الرجل من خير وَفعل حسن.
[٢] الإعوال: رفع الصَّوْت بالبكاء. والشجو: الْحزن.
[٣] فِي م: «وَخَصه» .
[٤] تعل: تكَرر. مَأْخُوذ من الْعِلَل، وَهُوَ الشّرْب بعد الشّرْب. والغروب: جمع غرب. وَهُوَ مجْرى الدمع. والسجام: السَّائِل.
[٥] تتايعوا، أَي ألقوا بنفسهم فِي التَّهْلُكَة.
[٦] يُولى: يحلف.
[٧] الكهام: الضَّعِيف.
[٨] كَذَا فِي الدِّيوَان. وَفِي الْأُصُول: «تشفى» .
[٩] تبلت: أسقمت. والخريدة: الْجَارِيَة الْحَسَنَة الناعمة.
[١٠] العاتق: الْخمر الْقَدِيمَة. قَالَ أَبُو ذَر: «وَمن رَوَاهُ بِالْكَاف، فَهُوَ أَيْضا الْخمر الْقَدِيمَة الَّتِي حمرت. والقوس إِذا قدمت واحمرت قيل لَهَا: عَاتِكَة، وَبهَا سميت الْمَرْأَة» . والمدام: اسْم من أَسمَاء الْخمر.
[١١] نفج (بِالْجِيم): مُرْتَفعَة. ويروى بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَمَعْنَاهُ: متسعة، وَالْأول أحسن. والحقيبة:
بُنِيَتْ عَلَى قَطَنٍ أَجَمَّ كَأَنَّهُ ... فُضُلًا إذَا قَعَدَتْ مَدَاكُ رُخَامِ [١]
وَتَكَادُ تكسل أَن تَجِيء فِرَاشُهَا ... فِي جِسْمِ خَرْعَبَةٍ وَحُسْنِ قَوَامِ [٢]
أَمَّا النَّهَارَ فَلَا أُفَتِّرُ ذِكْرَهَا ... وَاللَّيْلُ تُوزِعُنِي بِهَا أَحْلَامِي [٣]
أَقْسَمْتَ أَنْسَاهَا وَأَتْرُكُ ذِكْرَهَا ... حَتَّى تُغَيَّبَ فِي الضَّرِيحِ عِظَامِي [٤]
يَا مَنْ لِعَاذِلَةٍ تَلُومُ سَفَاهَةً ... وَلَقَدْ عَصَيْتُ عَلَى الْهَوَى لُوَّامِي
بَكَرَتْ عَلَيَّ بِسُحْرَةٍ بَعْدَ الْكَرَى ... وَتَقَارُبٍ مِنْ حَادِثِ الْأَيَّامِ
زَعَمَتْ بأنّ الْمَرْء معديكرب عُمْرَهُ ... عَدَمٌ لِمُعْتَكِرٍ مِنْ الْأَصْرَامِ [٥]
إنَّ كُنْتِ كَاذِبَةَ الَّذِي حَدَّتْتِنِي ... فَنَجَوْتِ مَنْجَى الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ
تَرَكَ الْأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُمْ ... وَنَجَا بِرَأْسِ طِمرَّةٍ وَلِجَامِ [٦]
تَذَرُ الْعَنَاجِيجُ الْجِيَادُ بِقَفْرَةٍ ... مَرَّ الدَّمُوكِ بِمُحْصَدٍ وَرِجَامِ [٧][()] مَا يَجعله الرَّاكِب وَرَاءه، فاستعارها هُنَا لردف الْمَرْأَة. والبوص (بِالضَّمِّ وبالفتح): الردف. ومتنضد، أَي علا بعضه بَعْضًا، من قَوْلك: نضدت الْمَتَاع، إِذا جعلت بعضه فَوق بعض. وبلهاء: غافلة. ووشيكة.
سريعة. والأقسام (بِالْفَتْح): جمع قسم، وَهُوَ الْيَمين، (وبالكسر) الْمصدر من أقسم.
[١] الْقطن: مَا بَين الْوَرِكَيْنِ إِلَى بعض الظّهْر. وأجم: ممتلئ بِاللَّحْمِ غَائِب الْعِظَام. والمداك: الْحجر الّذي يسحق عَلَيْهِ الطّيب.
قَالَ السهيليّ: «نصب فضلا على الْحَال، أَي كَأَن قطنها إِذا كَانَت فضلا، فَهُوَ حَال من الْهَاء فِي كَأَنَّهُ، وَإِن كَانَ الْفضل من صفة الْمَرْأَة لَا من صفة الْقطن، وَلَكِن لما كَانَ الْقطن بَعْضهَا صَار كَأَنَّهُ حَال مِنْهَا، وَلَا يجوز أَن يكون حَالا من الضَّمِير فِي «قعدت»، لِاسْتِحَالَة أَن يعْمل مَا بعد إِذا فِيمَا قبلهَا. وَالْفضل من النِّسَاء وَالرِّجَال: المتوشح فِي ثوب وَاحِد» .
[٢] الخرعبة: اللينة الْحَسَنَة الْخلق. وأصل الخرعبة: الْغُصْن الناعم.
[٣] توزعني: تغريني وتولعنى.
[٤] وأنساها: لَا أَنْسَاهَا الضريح: شقّ الْقَبْر، يُقَال: ضرح الأَرْض: إِذا شقها.
[٥] معديكرب: يحزن، من الكرب، وَهُوَ الْحزن. وعمره، أَي مُدَّة عمره. ويروى: «يَوْمه»، كَمَا فِي ديوَان حسان. والمعتكر: الْإِبِل الَّتِي ترجع بَعْضهَا على بعض، فَلَا يُمكن عدهَا لكثرتها. والأصرام:
جمع صرم (بِكَسْر فَفتح)، وصرم: جمع صرمة (بِالْكَسْرِ) . وَهِي الْقطعَة من الْإِبِل.
[٦] الطمرة: الْفرس الْكَثِيرَة الجرى. وَزَاد الدِّيوَان بعد هَذَا الْبَيْت:
جرداء تمزع فِي الْغُبَار كَأَنَّهَا ... سرحان غَابَ فِي ظلال غمام
[٧] العناجيج: جمع عنجوج، وَهُوَ الطَّوِيل السَّرِيع. والدموك: البكرة بآلتها. والمحصد: الْحَبل الشَّديد الفتل. والرجام: حجر يرْبط فِي الدَّلْو، ليَكُون أسْرع لَهَا عِنْد إرسالها فِي الْبِئْر.
قَالَ السهيليّ: «والرجام: وَاحِد الرجامين، وهما الخشبتان اللَّتَان تلقّى عَلَيْهِمَا البكرة» .
٢- سيرة ابْن هِشَام- ٢
مَلَأَتْ بِهِ الفرجين فار مدّت بِهِ ... وَثَوَى أَحِبَّتُهُ بِشَرِّ مَقَامِ [١]
وَبَنُو أَبِيهِ وَرَهْطُهُ فِي مَعْرَكٍ ... نَصَرَ الْإِلَهُ بِهِ ذَوِي الْإِسْلَامِ
طَحَنَتْهُمْ، وَاَللَّهُ يُنْفِذُ أَمْرَهُ، ... حَرْبٌ يُشَبُّ [٢] سَعِيرُهَا بِضِرَامِ [٣]
لَوْلَا الْإِلَهُ وَجَرْيُهَا لَتَرَكْنَهُ ... جَزَرَ السِّبَاعِ وَدُسْنَهُ بحَوَامِي [٤]
مِنْ بَيْنَ مَأْسُورٍ يُشَدُّ وَثَاقُهُ ... صَقْرٍ إذَا لَاقَى الْأَسِنَّةَ حَامِي [٥]
وَمُجَدَّلٍ لَا يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةٍ ... حَتَّى تَزُولَ شَوَامِخُ الْأَعْلَامِ [٦]
بِالْعَارِ وَالذُّلِّ الْمُبَيَّنِ إذْ [٧] رَأَى ... بِيضَ السُّيُوفِ تَسُوقُ كُلَّ هُمَامِ [٨]
بِيَدَيْ أَغَرَّ إذَا انْتَمَى لَمْ يُخْزِهِ ... نَسَبُ الْقِصَارِ سَمَيْدَعٍ مِقْدَامِ [٩]
بِيضٌ إذَا لَاقَتْ حَدِيدًا صَمَّمَتْ ... كَالْبَرْقِ تَحْتَ ظِلَالِ كُلِّ غَمَامِ
(شِعْرُ الْحَارِثِ فِي الرِّدِّ عَلَى حَسَّانَ):
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
اللَّهُ أَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ قِتَالَهُمْ ... حَتَّى حَبَوْا مُهْرِي بِأَشْقَرَ مُزْبِدِ [١٠]
وَعَرَفْتُ أَنِّي إنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا ... أُقْتَلْ وَلَا يَنْكِي [١١] عَدُوِّي مَشْهَدِي
فَصَدَدْتُ عَنْهُمْ وَالْأَحِبَّةُ فِيهِمْ ... طَمَعًا لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدٍ [١٢]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَهَا الْحَارِثُ يَعْتَذِرُ مِنْ فِرَارِهِ يَوْمَ بَدْرٍ.[١] الفرجان (هُنَا): مَا بَين يَديهَا وَمَا بَين رِجْلَيْهَا. وارمدت: أسرعت. وثوى: أَقَامَ
[٢] كَذَا فِي أ. ويشب: يُوقد. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يشيب» .
[٣] الضرام: مَا توقد بِهِ النَّار.
[٤] دسنه: وطئنه، والحوامي: جمع حامية، وَهِي مَا عَن يَمِين سنبك الْفرس وشماله.
[٥] رِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان:
من كل مأسور يشد صفاده ... صقر إِذا لَاقَى الكتيبة حامي
[٦] المجدل: الصريع على الأَرْض. والأعلام: جمع علم، هُوَ الْجَبَل العالي.
[٧] فِي م، ر: «إِذا» .
[٨] الْهمام: السَّيِّد الّذي إِذا هم بِأَمْر فعله.
[٩] الْقصار: الَّذين قصر سَعْيهمْ عَن طلب المكارم، وَلم يرد بهم قصار القامات. والسميدع: السَّيِّد.
[١٠] يُرِيد «بالأشقر»: الدَّم. والمزبد: الّذي قد علاهُ الزّبد.
[١١] ينكى: يؤلم ويوجع.
[١٢] يُرِيد «بالأحبة» من قتل أَو أسر من رهطه وَإِخْوَته.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْ قَصِيدَةِ حَسَّانَ ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا، لِأَنَّهُ أَقْذَعَ فِيهَا [١] .
(شِعْرٌ لِحَسَّانَ فِيهَا أَيْضًا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ... غَدَاةَ الْأَسْرِ وَالْقَتْلِ الشَّدِيدِ
بِأَنَّا حَيْنَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي ... حُمَاةُ الْحَرْبِ يَوْمَ أَبِي الْوَلِيدِ [٢]
قَتَلْنَا ابْنَيْ رَبِيعَةَ يَوْمَ سَارا ... إلَيْنَا فِي مُضَاعَفَةِ الْحَدِيدِ [٣]
وَفَرَّ بِهَا حَكِيمٌ يَوْمَ جَالَتْ ... بَنُو النَّجَّارِ تَخْطِرُ كَالْأُسُودِ [٤]
وَوَلَّتْ عِنْدَ ذَاكَ جَمُوعُ فِهْرٍ ... وَأَسْلَمَهَا الْحُوَيْرِثُ مِنْ بِعِيدِ
لَقَدْ لَاقَيْتُمْ ذُلًّا وَقَتْلًا ... جَهِيزًا نَافِذًا تَحْتَ الْوَرِيدِ [٥]
وَكُلُّ الْقَوْمِ قَدْ وَلَّوْا جَمِيعًا ... وَلَمْ يَلْوُوا عَلَى الْحَسَبِ التَّلِيدِ [٦]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
يَا حَارِ قَدْ عَوَّلْتَ غَيْرَ مُعَوَّلٍ ... عِنْدَ الْهِيَاجِ وَسَاعَةَ الْأَحْسَابِ [٧]
إذْ تَمْتَطِي سُرُحَ الْيَدَيْنِ نَجِيبَةً ... مَرْطَى الْجِرَاءِ طَوِيلَةَ الْأَقْرَابِ [٨]
وَالْقَوْمُ خَلْفَكَ قَدْ تَرَكْتَ قِتَالَهُمْ ... تَرْجُو النَّجَاءَ وَلَيْسَ حَيْنَ ذَهَابِ[١] فِي الدِّيوَان بعد هَذَا الْبَيْت خَمْسَة أَبْيَات لَا ثَلَاثَة.
[٢] تشتجر: تختلط وتسشتبك. والعوالي: أعالى الرماح. وَقد ورد هَذَا الشّعْر بَين أَبْيَات سَبْعَة لِلْحَارِثِ فِي شرح الحماسة بِبَعْض اخْتِلَاف.
[٣] يُرِيد «بمضاعفة الْحَدِيد»: الدروع الَّتِي ضوعف نسجها.
[٤] فر، قَالَ أَبُو ذَر: من رَوَاهُ بِالْقَافِ، فَهُوَ من بَاب التَّقْرِيب، وَهُوَ فَوق الْمَشْي، وَدون الجرى. وَمن رَوَاهُ بِالْفَاءِ، فَهُوَ من الْفِرَار، وَهُوَ مَعْلُوم. وتخطر: تهتز وتتجرد فِي الْمَشْي إِلَى لِقَاء أعدائها.
[٥] جهيزا: سَرِيعا، يُقَال: أجهز على الجريح، وَذَلِكَ إِذا أسْرع قَتله. والوريد: عرق فِي صفحة الْعُنُق.
[٦] التليد: الْقَدِيم.
[٧] عولت: عزمت. والهياج: الْحَرْب.
[٨] تمتطى: تركب. وسرح الْيَدَيْنِ، أَي سريعة الْيَدَيْنِ، وَيُرِيد بهَا فرسا. والنجيبة: العتيقة.
ومرطى: سريعة: يُقَال: هُوَ يعدو المرطى: إِذا أسْرع. والجراء: الجرى. والأقراب: جمع قرب، وَهِي الخاصرة وَمَا يَليهَا.
أَلَّا عَطَفْتُ عَلَى ابْنِ أُمِّكَ إذْ ثَوَى [١] ... قَعْصَ الْأَسِنَّةِ ضَائِعَ الْأَسْلَابِ [٢]
عَجَّلَ الْمَلِيكُ لَهُ فَأَهْلَكَ جَمْعَهُ ... بِشَنَارِ مُخْزِيَةٍ وَسُوءِ عَذَابِ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا أَقْذَعَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: بَلْ قَالَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ السَّهْمِيُّ [٤]:
مُسْتَشْعِرِي حَلَقِ الْمَاذِيِّ يَقْدُمُهُمْ ... جَلْدُ النَّحِيزَةِ مَاضٍ غَيْرُ رِعْدِيدِ [٥]
أَعْنِي رَسُولَ إلَهِ الْخَلْقِ [٦] فَضَّلَهُ ... عَلَى الْبَرِّيَّةِ بِالتَّقْوَى وَبِالْجُودِ
وَقَدْ زَعَمْتُمْ بِأَنْ تَحْمُوا ذِمَارَكُمْ ... وَمَاءُ بَدْرٍ زَعَمْتُمْ غَيْرُ مَوْرُودِ
ثُمَّ وَرَدْنَا وَلَمْ نَسْمَعْ لِقَوْلِكُمْ ... حَتَّى شَرِبْنَا رَوَاءً غَيْرَ تَصْرِيدِ [٧]
مُسْتَعْصِمِينَ [٨] بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْجَذِمٍ [٩] ... مُسْتَحْكَمٍ مِنْ حِبَالِ اللَّهِ مَمْدُودِ
فِينَا الرَّسُولُ وَفِينَا الْحَقُّ نَتْبَعُهُ ... حَتَّى الْمَمَاتِ وَنَصْرٌ غَيْرُ مَحْدُودِ [١٠]
وَافٍ وَمَاضٍ شِهَابٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... بَدْرٌ أَنَارَ عَلَى كُلِّ الْأَمَاجِيدِ [١١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَيْتُهُ: «
مُسْتَعْصِمِينَ بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْجَذِمٍ
» عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:[١] فِي م، ر: «توى» «(بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة) . وتوى: هلك.
[٢] القعص: الْقَتْل بِسُرْعَة. والأسلاب: جمع سلب، وَهُوَ مَا سلب من سلَاح أَو ثوب أَو غير ذَلِك.
[٣] الشنار: الْعَيْب والعار.
[٤] جَاءَت هَذِه القصيدة فِي ديوَان حسان منسوبة إِلَيْهِ من غير اخْتِلَاف فِي ذَلِك.
[٥] يُقَال: استشعرت الثَّوْب، وَذَلِكَ إِذا لبسته على جسمك من غير حاجز، وَمِنْه: الشعار، وَهُوَ مَا ولى الْجِسْم من الثِّيَاب. والماذي: الدروع الْبيض اللينة. والنحيزة: الطبيعة والرعديد: الجبان.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْحق» .
[٧] الرواء (بِفَتْح الرَّاء)، التملؤ من المَاء. (وبكسر الرَّاء): جمع راو. والتصريد: تقليل الشّرْب.
[٨] هَذَا الشّطْر والشطر الْأَخير من الْبَيْت السَّابِق ساقطان فِي أ.
[٩] منجذم: مُنْقَطع.
[١٠] غير مَحْدُود، أَي غير مَمْنُوع.
[١١] الأماجيد: الْأَشْرَاف.
خَابَتْ [١] بَنُو أَسَدٍ وَآبَ غُزِيِّهُمْ ... يَوْم القليب بسوأة وَفُضُوحِ [٢]
مِنْهُمْ أَبُو الْعَاصِي تَجَدَّلَ مُقْعَصًا ... عَنْ ظَهْرِ صَادِقَةِ النَّجَاءِ سَبُوحِ [٣]
حَيْنًا لَهُ مِنْ مَانِعٍ بِسِلَاحِهِ ... لَمَّا ثَوَى بِمَقَامِهِ الْمَذْبُوحِ
وَالْمَرْءُ زَمْعَةُ قَدْ تَرَكْنَ وَنَحْرُهُ ... يَدْمَى بِعَانِدٍ مُعْبَطٍ مَسْفُوحِ [٤]
مُتَوَسِّدًا حُرَّ الْجَبِينِ مُعَفَّرًا ... قَدْ عُرَّ مَارِنُ أَنْفِهِ بِقُبُوحِ [٥]
وَنَجَا ابْنُ قَيْسٍ فِي بَقِيَّةَ رَهْطِهِ ... بِشَفَا الرِّمَاقِ مُوَلِّيًا بِجُرُوحِ [٦]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَتَى أَهْلَ مَكَّةَ ... إبَارَتُنَا الْكُفَّارَ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ [٧]
قَتَلْنَا سَرَاةَ الْقَوْمِ عِنْدَ مَجَالِنَا ... فَلَمْ يَرْجِعُوا إلَّا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ [٨]
قَتَلْنَا أَبَا جَهْلٍ وَعُتْبَةَ قَبْلَهُ ... وَشَيْبَةُ يَكْبُو لِلْيَدَيْنِ وَلِلنَّحْرِ [٩]
قَتَلْنَا سُوَيْدًا ثُمَّ عُتْبَةَ بَعْدَهُ ... وَطُعْمَةَ أَيْضًا عِنْدَ [١٠] ثَائِرَةِ الْقَتْرِ [١١]
فَكَمْ قَدْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ مُرَزَّإٍ ... لَهُ حَسَبٌ فِي قَوْمِهِ نَابَهُ الذِّكْرُ
تَرَكْنَاهُمْ لِلْعَاوِيَاتِ يَنُبْنَهُمْ ... وَيَصْلَوْنَ نَارًا بَعْدُ حَامِيَةَ الْقَعْرِ [١٢][١] قَالَ أَبُو ذَر: «خابت»، من رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، فَهُوَ من الخيبة، وَمن رَوَاهُ (حانت) بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَهُوَ من الْحِين، وَهُوَ الْهَلَاك.
[٢] الغزى: جمَاعَة الْقَوْم الَّذين يغزون.
[٣] تجدل: صرع على الأَرْض. وَاسم الأَرْض: الجدالة. ومقصعا: أَي مقتولا قتلا سَرِيعا. وَيُرِيد «بصادقة النَّجَاء»»: فرسا سريعة. والنجاء: السرعة. والسبوح: الَّتِي تسبح فِي جريها كَأَنَّهَا تعوم.
[٤] العاند: الّذي يجرى وَلَا يَنْقَطِع، والمعبط: الدَّم الطري. والمسفوح: السَّائِل المنصب.
[٥] معفرا، أَي لاصقا بالعفر، وَهُوَ التُّرَاب. وعر: لطخ. ومارن الْأنف: مَا لَان مِنْهُ.
[٦] شفا كل شَيْء: حَده وطرفه. والرماق: بَقِيَّة الْحَيَاة.
[٧] إبارتنا، أَي إهلاكنا، تَقول: أبرنا الْقَوْم: أَي أهلكناهم.
[٨] سراة الْقَوْم: سادتهم وخيارهم. وَيُرِيد «بقاصمة الظّهْر»: الداهية الَّتِي تقصم الظُّهُور، أَي تكسرها فتبينها. يُقَال: قَصم الشَّيْء إِذا كَسره فأبانه، فَإِذا لم يبنه قيل: فصمه (بِالْفَاءِ) .
[٩] يكبو: يسْقط.
[١٠] فِي م، ر: «عبد» .
[١١] يُرِيد «بثائرة القتر»: مَا ثار من الْغُبَار وارتفع. والقتر: الْغُبَار.
[١٢] العاويات: الذئاب وَالسِّبَاع. وينبنهم، أَي يأتونهم مرّة بعد مرّة. ويروى: ينشنهم، أَي يتناولنهم.
لَعَمْرُكَ مَا حَامَتْ فَوَارِسُ مَالِكٍ ... وَأَشْيَاعُهُمْ يَوْمَ الْتَقَيْنَا عَلَى بَدْرٍ [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ بَيْتَهُ:
قَتَلْنَا أَبَا جَهْلٍ وَعُتْبَةَ قَبْلَهُ ... وَشَيْبَةُ يَكْبُو لِلْيَدَيْنِ وَلِلنَّحْرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
نَجَّى حَكِيمًا يَوْمَ بَدْرٍ شَدُّهُ ... كَنَجَاءِ مُهْرٍ مِنْ بَنَاتِ الْأَعْوَجِ [٢]
لَمَّا رَأَى بَدْرًا تَسِيلُ جِلَاهُهُ ... بِكَتِيبَةٍ خَضْرَاءَ مِنْ بَلْخَزْرَجِ [٣]
لَا ينكلون إِذا لقرا [٤] أَعْدَاءَهُمْ ... يَمْشُونَ عَائِدَةَ الطَّرِيقِ الْمَنْهَجِ [٥]
كَمْ فِيهِمْ مِنْ مَاجِدٍ ذِي مَنْعَةٍ [٦] ... بَطَلٌ بِمَهْلَكَةِ الْجَبَانِ الْمُحْرَجِ [٧]
وَمُسَوَّدٍ يُعْطِي الْجَزِيلَ بِكَفِّهِ ... حَمَّالَ أَثْقَالِ الدِّيَاتِ مُتَوَّجٍ
زَيْنِ النَّدِيِّ مُعَاوِدٍ يَوْمَ الْوَغَى ... ضَرْبَ الْكُمَاةِ بِكُلِّ أَبْيَضَ سَلْجَجِ [٨]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ سَلْجَجُ، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ أَيْضًا:
فَمَا نَخْشَى بِحَوْلِ [٩] اللَّهِ قَوْمًا ... وَإِنْ كَثُرُوا وَأُجْمِعَتْ الزُّحُوفُ [١٠][١] قَالَ أَبُو ذَر: «مَا حامت، من رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، فَمَعْنَاه: جبنت. وَمن رَوَاهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَهُوَ من الحماية، أَي الِامْتِنَاع» . وَقد ورد هَذَا الشّعْر فِي ديوَان حسان طبع أوربة باخْتلَاف كثير فِي أَلْفَاظه وَبَعض أبياته عَمَّا هَاهُنَا.
[٢] الشد (هُنَا): الجرى. والأعوج: اسْم فرس مَشْهُور فِي الْجَاهِلِيَّة.
[٣] الجلاه: مَا استقبلك من حُرُوف الْوَادي، الْوَاحِدَة: جلهة (بِالْفَتْح)، وخضراء، أَي سَوْدَاء لما يعلوها من الْحَدِيد. وَالْعرب تجْعَل الْأسود أَخْضَر، فَتَقول: ليل أَخْضَر.
[٤] فِي م، ر: «بقوا» بِالْبَاء الْمُوَحدَة.
[٥] عَائِدَة الطَّرِيق: حَاشِيَته. والمنهج: المتسع.
[٦] المنعة: الشدَّة والامتناع، ويروى: «ميعة» بِالْيَاءِ، وَهِي النشاط.
[٧] المحرج: الْمضيق عَلَيْهِ.
[٨] الندى: الْمجْلس، والوغى: الْحَرْب. والأبيض: السَّيْف. والسلجج: الْمَاضِي الّذي يقطع الضريبة بسهولة.
[٩] فِي أ: «بِحَمْد» .
[١٠] الزحوف: جمع زحف، وَهِي الْجَمَاعَة تزحف إِلَى مثلهَا، أَي تسرع وتسبق.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-16-2026, 11:17 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (77)
صــ 23إلى صــ 32
إذَا مَا أَلَّبُوا جَمْعًا عَلَيْنَا ... كَفَانَا حَدَّهُمْ رَبٌّ رَءُوفٌ [١]
سَمَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالْعَوَالِي ... سِرَاعًا مَا تُضَعْضِعُنَا الْحُتُوفُ [٢]
فَلَمْ تَرَ عُصْبَةً فِي النَّاسِ أَنْكَى ... لِمَنْ عَادَوْا إذَا لَقِحَتْ كُشُوفٌ [٣]
وَلَكِنَّا تَوَكَّلْنَا وَقُلْنَا ... مَآثِرُنَا وَمَعْقِلُنَا السُّيُوفُ [٤]
لَقِينَاهُمْ بِهَا لَمَّا سَمَوْنَا ... وَنَحْنُ عِصَابَةٌ وَهُمْ أُلُوفٌ
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، يَهْجُو بَنِي جُمَحَ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ:
جَمَحَتْ بَنُو جُمَحٍ لِشِقْوَةِ جَدِّهِمْ ... إنَّ الذَّلِيلَ مُوَكَّلٍ بِذَلِيلٍ [٥]
قُتِلَتْ بَنُو جُمَحٍ بِبَدْرٍ عَنْوَةً ... وَتَخَاذَلُوا سَعْيًا بِكُلِّ سَبِيلٍ [٦]
جَحَدُوا الْكِتَابَ وَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ... وَاَللَّهُ يُظْهِرُ دِينَ كُلِّ رَسُولٍ
لَعَنَ الْإِلَهُ أَبَا خُزَيْمَةَ وَابْنَهُ ... وَالْخَالِدَيْنِ، وَصَاعِدَ بْنَ عَقِيلٍ
(شِعْرُ عَبِيدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي قَطْعِ رِجْلِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَفِي قَطْعِ رِجْلِهِ حَيْنَ أُصِيبَتْ، فِي مُبَارَزَتِهِ هُوَ وَحَمْزَةُ وَعَلِيٌّ حِينَ بَارَزُوا عَدُوَّهُمْ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِعُبَيْدَةَ:
سَتَبْلُغُ عَنَّا أَهْلَ مَكَّةَ وَقْعَةٌ ... يَهُبُّ لَهَا مَنْ كَانَ عَنْ ذَاكَ نَائِيًا [٧]
بِعُتْبَةَ إذْ وَلَّى وَشَيْبَةُ بَعْدَهُ ... وَمَا كَانَ فِيهَا بِكْرُ عُتْبَةَ رَاضِيًا [٨]
---------------------------
[١] ألبوا: جمعُوا.
[٢] مَا تضعضعنا، أَي مَا تذلنا وَلَا تنقص من شجاعتنا. والحتوف: جمع حتف، وَهُوَ الْمَوْت.
[٣] لقحت: حملت. والكشوف (بِفَتْح الْكَاف): النَّاقة الَّتِي يضْربهَا الْفَحْل فِي الْوَقْت الّذي لَا تشْتَهي فِيهِ الضراب، فاستعارها (هُنَا) للحرب. ولقحت الْحَرْب: إِذا هَاجَتْ بعد سُكُون.
[٤] المآثر: جمع مأثرة، وَهِي مَا يتحدث بِهِ عَن الْإِنْسَان من خير أَو فعل حسن. والمعقل:
الْمُمْتَنع الّذي يلجأ إِلَيْهِ.
[٥] جمحت، أَي ذهبت على وَجههَا فَلم ترجع. وَالْجد: الْحَظ وَالْبخْت.
[٦] عنْوَة، أَي قهرا وَغَلَبَة، وَقد تكون العنوة: الطَّاعَة، فِي لُغَة هُذَيْل. قَالَ كثير:
فَمَا أسلموها عنْوَة عَن مَوَدَّة ... وَلَكِن بِحَدّ المشرفي استقالها
[٧] يهب: يَسْتَيْقِظ. والنائى: الْبعيد.
[٨] يُرِيد «ببكر عتبَة»: وَلَده الأول.
فَإِنْ تَقْطَعُوا رِجْلِي فَإِنَّى مُسْلِمٌ ... أُرَجِّي بِهَا عَيْشًا مِنْ اللَّهِ دَانِيًا
مَعَ الْحُورِ أَمْثَالَ التَّمَاثِيلِ أُخْلِصَتْ ... مَعَ الْجَنَّةِ الْعُلْيَا لِمَنْ [١] كَانَ عَالِيًا [٢]
وَبِعْتُ بِهَا عَيْشًا تَعَرَّقْتُ صَفْوَهُ ... وَعَالَجْتُهُ حَتَّى فَقَدْتُ الْأَدَانِيَا [٣]
فَأَكْرَمَنِي الرَّحْمَنُ مِنْ فَضْلِ مَنِّهِ ... بِئَوْبٍ مِنْ الْإِسْلَامِ غَطَّى الْمُسَاوِيَا
وَمَا كَانَ مَكْرُوهًا إلَيَّ قِتَالُهُمْ ... غَدَاةَ دَعَا الْأَكْفَاءَ مَنْ كَانَ دَاعِيًا
وَلَمْ يَبْغِ إذْ سَالُوا النَّبِيَّ سَوَاءَنَا ... ثَلَاثَتنَا حَتَّى حَضَرْنَا الْمُنَادِيَا
لَقِينَاهُمْ كَالْأُسْدِ تَخْطِرُ بِالْقَنَا ... نُقَاتِلُ فِي الرَّحْمَنِ مَنْ كَانَ عَاصِيَا
فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا مِنْ مَقَامِنَا ... ثَلَاثَتُنَا حَتَّى أَزِيرُوا الْمَنَائِيَا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَمَّا أُصِيبَتْ رِجْلُ عَبِيدَةَ قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْيَوْمَ لَعَلِمَ أَنِّي أَحَقُّ مِنْهُ بِمَا قَالَ حِينَ يَقُولُ:
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ يُبْزَى [٥] مُحَمَّدٌ ... وَلَمَّا نُطَاعِنُ دُونَهُ وَنُنَاضِلْ
وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ... وَنُذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا والحلائل
وَهَذَا الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِأَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
(رِثَاءُ كَعْبٍ لِعَبِيدَةَ بْنِ الْحَارِثِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ عَبِيدَةُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ مُصَابِ رِجْلِهِ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ يَبْكِيهِ:
أَيَا عَيْنُ جُودِي وَلَا تَبْخَلِي ... بِدَمْعِكَ حَقَّا وَلَا تَنْزُرِي [٦]
عَلَى سَيِّدٍ هَدَّنَا هُلْكُهُ ... كَرِيمِ الْمَشَاهِدِ وَالْعُنْصُرِ
-------------------------
[١] فِي م، ر: «العلياء من ...» .
[٢] التماثيل: جمع تِمْثَال، وَهِي الصُّورَة تصنع أحسن مَا يقدر عَلَيْهِ. وأخلصت: أحكم صنعها وأتقن هَذَا إِذا كَانَ مرجع الضَّمِير إِلَى التماثيل، وَإِذا رَجَعَ الضَّمِير إِلَى الْحور، فَمَعْنَاه خص بهَا. قَالَ أَبُو ذَر:
وَهُوَ أحسن.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وتعرقت (بِالْقَافِ): مزجت، يُقَال: تعرق الشَّرَاب، إِذا مزجه، وَفِي أ: «تعرفت» .
[٤] المنائيا: يُرِيد المنايا. قَالَ أَبُو ذَر: «وَقد تكون هَذِه الْهمزَة منقلبة عَن الْيَاء الزَّائِدَة. الَّتِي فِي منية.
[٥] أَي لَا يبزى، أَي يقهر ويستذل. (اللِّسَان: بزا) .
[٦] لَا تنزرى، أَي لَا تقللى من الدمع.
جَرِيءِ الْمُقَدَّمِ شَاكِي السِّلَاحِ ... كَرِيمِ النَّثَا طَيِّبِ الْمَكْسِرِ [١]
عَبِيدَةُ أَمْسَى وَلَا نَرْتَجِيهِ ... لِعُرْفٍ عَرَانَا وَلَا مُنْكِرِ
وَقَدْ كَانَ يحمى غَدَاة الْقِتَال ... حَامِيَةَ الْجَيْشِ بِالْمُبْتَرِ [٢]
(شِعْرٌ لِكَعْبِ فِي بَدْرٍ):
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا، فِي يَوْمِ بَدْرٍ:
أَلَا هَلْ أَتَى غَسَّانَ فِي نَأْيِ دَارِهَا ... وَأَخْبَرُ شَيْءٍ بِالْأُمُورِ عَلِيمُهَا
بِأَنْ قَدْ رَمَتْنَا عَنْ قِسِيٍّ عَدَاوَةٍ ... مُعَدٍّ مَعًا جُهَّالُهَا وَحَلِيمُهَا [٣]
لِأَنَّا عَبَدْنَا اللَّهَ لَمْ نَرْجُ غَيْرَهُ ... رَجَاءَ الْجِنَانِ إذْ أَتَانَا زَعِيمُهَا [٤]
نَبِيٌّ لَهُ فِي قَوْمِهِ إرْثُ عِزَّةٍ [٥] ... وَأَعْرَاقُ صِدْقٍ هَذَّبَتْهَا أُرُومُهَا [٦]
فَسَارُوا وَسِرْنَا فَالْتَقَيْنَا كَأَنَّنَا ... أُسُودُ لِقَاءٍ لَا يُرَجَّى كَلِيمُهَا [٧]
ضَرَبْنَاهُمْ حَتَّى هَوَى فِي مَكَرِّنَا ... لِمَنْخِرِ [٨] سَوْءٍ مِنْ لُؤَيٍّ عَظِيمُهَا
فَوَلَّوْا وَدُسْنَاهُمْ بِبِيضِ صَوَارِمِ ... سَوَاءٌ عَلَيْنَا حِلْفُهَا وَصَمِيمُهَا [٩]
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا:
لَعَمْرُ أَبِيكُمَا يَا بَنِي لُؤَيٍّ ... عَلَى زَهْوٍ. لَدَيْكُمْ وَانْتِخَاءِ [١٠]
---------------------------
[١] شاكي السِّلَاح، أَي حاد السِّلَاح. والنثا: مَا يتحدث بِهِ عَن الرجل من خير وَشر. وَطيب المكسر، أَي أَنه إِذا فتش عَن أَصله وجد خَالِصا. ويروى: «طيب المكشر» (بالشين)، أَي طيب النكهة.
[٢] يُرِيد «بالمبتر»: السَّيْف، أسم آلَة من البتر، وَهُوَ الْقطع.
[٣] القسي: جمع قَوس، وَهُوَ مَعْرُوف.
[٤] الزعيم: الرئيس والضامن. وَيُرِيد بِهِ هُنَا النَّبِي ﷺ.
[٥] فِي أ: «عزه» بِالْهَاءِ الْمُهْملَة.
[٦] هذبتها: أخلصتها. والأروم: جمع أرومة، وَهِي الأَصْل.
[٧] الكليم: الجريح.
[٨] فِي م، ر: «لمنحر» .
[٩] دسناهم: وطئناهم. والصوارم: السيوف القواطع. وحلفها، أَي من كَانَ حليفا فيهم وَلَيْسَ مِنْهُم. والصميم: الْخَالِص من الْقَوْم.
[١٠] الانتخاء: الْإِعْجَاب والتكبر
لَمَا حَامَتْ فَوَارِسُكُمْ بِبَدْرٍ ... وَلَا صَبَرُوا بِهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ [١]
وَرَدْنَاهُ بِنُورِ اللَّهِ يَجْلُو ... دُجَى الظَّلْمَاءِ عَنَّا وَالْغِطَاءِ
رَسُولُ اللَّهِ يَقْدُمُنَا بِأَمْرٍ ... مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أُحْكِمَ بِالْقَضَاءِ
فَمَا ظَفَرَتْ فَوَارِسُكُمْ بِبَدْرِ ... وَمَا رَجَعُوا إلَيْكُمْ بِالسَّوَاءِ
فَلَا تَعْجَلْ أَبَا سُفْيَانَ وَارْقُبْ ... جِيَادَ الْخَيْلِ تَطْلُعُ مِنْ كَدَاءِ [٢]
بِنَصْرِ اللَّهِ رُوحُ الْقُدْسِ فِيهَا ... وَمِيكَالُ، فَيَا طِيبَ الْمَلَاءِ [٣]
(شِعْرُ طَالِبٍ فِي مَدْحِ الرَّسُولِ وَبُكَاءِ أَصْحَابِ الْقَلِيبِ):
وَقَالَ طَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَبْكِي أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ:
أَلَا إنَّ عَيْنِي أَنْفَدَتْ دَمْعَهَا سَكْبًا ... تُبَكِّي عَلَى كَعْبٍ وَمَا إنْ تَرَى كَعْبَا
أَلَا إنَّ كَعْبًا فِي الْحُرُوبِ تَخَاذَلُوا ... وَأَرْدَاهُمْ [٤] ذَا الدَّهْرُ وَاجْتَرَحُوا ذَنْبًا،
وَعَامِرٌ تَبْكِي للملمّات غدْوَة ... فيا لَيْت شِعْرِي هَلْ أَرَى لَهُمَا قُرْبًا
هُمَا أَخَوَايَ لَنْ يُعَدَّا لِغَيَّةِ ... تُعَدُّ وَلَنْ يُسْتَامُ جَارُهُمَا غَصْبَا [٥]
فَيَا أَخَوَيْنَا عَبْدَ شمس ونوفلا ... فدى لَكُمَا لَا تَبْعَثُوا بَيْنَنَا حَرْبًا
وَلَا تُصْبِحُوا مِنْ بَعْدِ وُدٍّ وَأُلْفَةٍ ... أَحَادِيثَ فِيهَا كُلُّكُمْ يَشْتَكِي النَّكْبَا [٦]
أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ ... وَجَيْشِ أَبِي يَكْسُومٍ إذْ مَلَئُوا الشِّعْبَا [٧]
فَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... لَأَصْبَحْتُمْ لَا تَمْنَعُونَ لَكُمْ سِرْبًا [٨]
----------------------------
[١] حامت: امْتنعت، من الحماية، وَهِي الِامْتِنَاع.
[٢] كداء. (بِفَتْح الْكَاف وَالْمدّ): مَوضِع بِمَكَّة.
[٣] الملاء، أَرَادَ الْمَلأ، وهم أَشْرَاف الْقَوْم وسادتهم.
[٤] أرداهم: أهلكهم. واجترحوا: اكتسبوا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى،: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ٤٥: ٢١» .
[٥] يُقَال: هُوَ لغية، إِذا كَانَ لغير أَبِيه، كَمَا يُقَال: هُوَ لرشدة، إِذا كَانَ لِأَبِيهِ.
[٦] النكب: يُرِيد نكبات الدَّهْر.
[٧] داحس: اسْم فرس، كَانَت حَرْب بِسَبَبِهِ. وَأَبُو يكسوم: ملك من مُلُوك الْحَبَشَة، وَقد مر حَدِيثه فِي الْجُزْء الأول من هَذَا الْكتاب.
[٨] السرب (بِالْفَتْح): الْإِبِل الراعية. والسرب (بِالْكَسْرِ): الْقَوْم، وَيُقَال النَّفس وَمِنْه الحَدِيث:
«أصبح آمنا فِي سربه» .
فَمَا إنْ جَنِينا فِي قُرَيْش عَظِيمَةً ... سِوَى أَنْ حَمَيْنَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ التُّرْبَا
أَخَا ثِقَةٍ فِي النَّائِبَاتِ مُرَزَّأً ... كَرِيمًا نَثَاهُ لَا بَخِيلًا وَلَا ذَرْبًا [١]
يُطِيفُ بِهِ الْعَافُونَ يَغْشَوْنَ بَابَهُ [٢] ... يَؤُمُّونَ [٣] بَحْرًا لَا نَزُورًا وَلَا صربا [٤]
فو الله لَا تَنْفَكُّ نَفْسِي حَزِينَةً ... تَمَلْمُلُ حَتَّى تَصْدُقُوا الْخَزْرَجَ الضَّرْبَا [٥]
(شِعْرُ ضِرَارٍ فِي رِثَاءِ أَبِي جَهْلٍ):
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ، يَرْثِي أَبَا جَهْلٍ:
أَلَا مَنْ لَعَيْنٍ بَاتَتْ اللَّيْلَ لَمْ تَنَمْ ... تُرَاقِبُ نَجْمًا فِي سَوَادٍ مِنْ [٦] الظُّلَمْ
كَأَنَّ قَذًى فِيهَا وَلَيْسَ بِهَا قَذًى ... سِوَى عَبْرَةٍ مِنْ جَائِلِ الدَّمْعِ تَنْسَجِمْ [٧]
فَبَلِّغْ قُرَيْشًا أَنَّ خَيْرَ نَدِيِّهَا ... وَأَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي بِسَاقٍ عَلَى قَدَمْ [٨]
ثَوَى يَوْمَ بَدْرٍ رَهْنَ خَوْصَاءَ رَهْنُهَا ... كَرِيمُ الْمَسَاعِي غَيْرُ وَغْدٍ وَلَا بَرَمْ [٩]
فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُّ [١٠] عَيْنَيَّ بِعَبْرَةٍ ... عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الرَّئِيسِ أَبِي الْحَكَمْ
عَلَى هَالِكٍ أَشْجَى لُؤَيَّ بْنَ غَالِبٍ ... أَتَتْهُ الْمَنَايَا يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمْ يَرِمْ [١١]
تَرَى كِسَرَ الْخَطَّيَّ فِي نَحْرِ مُهْرِهِ ... لَدَى بَائِنٍ مِنْ لَحْمِهِ بَيْنَهَا خِذَمْ [١٢]
وَمَا كَانَ لَيْثٌ سَاكِنٌ بَطْنَ بِيشَةٍ ... لَدَى غَلَلٍ يَجْرِي بِبَطْحَاءَ فِي أَجَمْ [١٣]
----------------------------
[١] الذرب. الْفَاسِد. وَمِنْه يُقَال: ذربت معدته، إِذا تَغَيَّرت.
[٢] الْعَافُونَ: الطالبون للمعروف.
[٣] كَذَا فِي م. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يئوبون نَهرا» أَي يذهبون ويرجعون.
[٤] النزور: الْقَلِيل. والصرب: الْمُنْقَطع.
[٥] تململ، أَي لَا تَسْتَقِر على فراشها.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَعَ» .
[٧] القذى: مَا يسْقط فِي الْعين وَفِي الشَّرَاب وَالْمَاء، وتنسجم: تنصب.
[٨] الندى: الْمجْلس.
[٩] الخوصاء (هُنَا): الْبِئْر الضيقة. والوغد: الدنىء من الْقَوْم، والبرم الْبَخِيل الّذي لَا يدْخل مَعَ الْقَوْم فِي الميسر لبخله.
[١٠] فِي أ: لَا تنهل.
[١١] أشجى: أَحْزَن، من الشجو، وَهُوَ الْحزن. وَلم يرم، أَي لم يبرح وَلم يزل.
[١٢] الخطى: الرماح. والخذم (بِالْخَاءِ) أَو بِالْجِيم: قطع اللَّحْم.
[١٣] بيشة: مَوضِع تنْسب إِلَيْهِ الْأسود، والغلل (بالغين الْمُعْجَمَة): المَاء الْجَارِي فِي أصُول الشّجر.
والأجم: جمع أجمة، وَهِي الشّجر الملتف، وَهِي مَوضِع الْأسود.
بِأَجْرَأَ مِنْهُ حِينَ تَخْتَلِفُ الْقَنَا ... وَتُدْعَى نَزَالِ فِي الْقَمَاقِمَةِ الْبُهَمْ [١]
فَلَا تَجْزَعُوا آلَ الْمُغِيرَةِ وَاصْبِرُوا ... عَلَيْهِ وَمَنْ يَجْزَعْ عَلَيْهِ فَلَمْ يُلَمْ [٢]
وَجِدُّوا فَإِنَّ الْمَوْتَ مَكْرُمَةٌ لَكُمْ ... وَمَا بَعْدَهُ فِي آخِرِ الْعَيْشِ مِنْ نَدَمْ
وَقَدْ قُلْتُ إنَّ الرِّيحَ طَيِّبَةٌ لَكُمْ ... وَعِزَّ الْمَقَامِ غَيْرُ شَكٍّ لِذِي فَهَمْ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِضِرَارٍ.
(شِعْرُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فِي رِثَاءِ أَبِي جَهْلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، يَبْكِي أَخَاهُ أَبَا جَهْلٍ:
أَلَا يَا لَهْفَ نَفْسِي بَعْدَ عَمْرٍو ... وَهَلْ يُغْنِي التَّلَهُّفُ مِنْ قَتِيلِ [٤]
يُخْبِرُنِي الْمُخَبِّرُ أَنَّ عَمْرًا ... أَمَامَ الْقَوْمِ فِي جَفْرٍ [٥] مُحِيلِ [٦]
فَقِدْمًا كُنْتُ أَحْسِبُ ذَاكَ حَقَّا ... وَأَنْتَ لِمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ فِيلِ [٧]
وَكُنْتُ بِنِعْمَةِ مَا دُمْتَ حَيًّا ... فَقَدْ خُلِّفْتُ فِي درج المسيل [٨]
كأنى حِينَ أُمْسِي لَا أَرَاهُ ... ضَعِيفُ الْعَقْدِ ذُو هَمٍّ طَوِيلِ [٩]
عَلَى عَمْرٍو إذَا أَمْسَيْتُ يَوْمًا ... وَطَرْفٌ مَنْ تَذَكُّرِهِ كَلِيلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامِ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِلْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَقَوْلُهُ:
«فِي جَفْرٍ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
-----------------------------
[١] القماقمة: السَّادة الكرماء، واحدهم: قمقام. والبهم: الشجعان، الْوَاحِد: بهمة.
[٢] فَلم يلم، قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بِكَسْر اللَّام، فَمَعْنَاه: لم يَأْتِ بِمَا يلام عَلَيْهِ، وَمن رَوَاهُ بِفَتْح اللَّام، فَمَعْنَاه: لم يُعَاتب، من اللوم، وَهُوَ العتاب» .
[٣] يُرِيد «بِطيب الرّيح»: النَّصْر. قَالَ تَعَالَى: «وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ٨: ٤٦» .
[٤] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر. والفتيل (بِالْفَاءِ): الّذي يكون فِي شقّ النواة يضْرب بِهِ الْمثل فِي الشَّيْء الْقَلِيل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: «لَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٤: ٤٩» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَتِيل» بِالْقَافِ.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والجفر، الْبِئْر الَّتِي لَا بِنَاء لَهَا، وَفِي أ: «حفر» .
[٦] الْمُحِيل: الْقَدِيم الْمُتَغَيّر.
[٧] غير فيل، أَي غير فَاسد الرأى، يُقَال: رجل فيل الرأى، وفال الرأى، وفائل الرأى: إِذا كَانَ غير حسن الرأى.
[٨] يُرِيد «بدرج المسيل»: موطن الذل والقهر، يُقَال: تركته درج المسيل، إِذا تركته بدار مذلة، وَهُوَ حَيْثُ لَا يقدر على الِامْتِنَاع.
[٩] العقد (هُنَا): الْعَزْم والرأى.
(شِعْرُ ابْنِ الْأَسْوَدِ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بَدْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ شُعُوبٍ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ شَدَّادُ ابْن الْأَسْوَدِ:
تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ... وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ
فَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ... مِنْ الْقَيْنَاتِ وَالشَّرْبِ الْكِرَامِ [١]
وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ... مِنْ الشِّيزَى تُكَلَّلُ بِالسَّنَامِ [٢]
وَكَمْ لَكِ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ... مِنْ الْحَوْمَاتِ وَالنَّعَمِ الْمُسَامِ [٣]
وَكَمْ لَكِ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ... مِنْ الْغَايَاتِ وَالدُّسُعِ الْعِظَامِ [٤]
وَأَصْحَابِ الْكَرِيمِ أَبِي عَلِيٍّ ... أَخِي الْكَاسِ الْكَرِيمَةِ وَالنِّدَامِ
وَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ أَبَا عَقِيلٍ ... وَأَصْحَابَ الثَّنِيَّةِ مِنْ نَعَامِ [٥]
إِذا لَظَلِلْتَ مِنْ وَجْدٍ عَلَيْهِمْ ... كَأُمِّ السَّقْبِ جَائِلَةِ الْمَرَامِ [٦]
يُخَبِّرُنَا الرَّسُولُ لَسَوْفَ نَحْيَا ... وَكَيْفَ لِقَاءُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ؟ [٧]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ:
يُخَبِّرُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا ... وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ
قَالَ: وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ.
-----------------------------
[١] القليب: الْبِئْر. والقينات: الْجَوَارِي. وَالشرب: جمَاعَة الْقَوْم الَّذين يشربون.
[٢] الشيزى: جفان تصنع من خشب، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَصْحَابهَا الَّذين يطْعمُون فِيهَا. والسنام: لحم ظهر الْبَعِير
[٣] الطوى: الْبِئْر المطوية بِالْحِجَارَةِ. والحومات: جمع حومة، وَهِي الْقطعَة من الْإِبِل. والمسام:
الْمُرْسل فِي المرعى، يُقَال: أسام إبِله، إِذا أرسلها ترعى دون رَاع.
[٤] الدسع (هُنَا): العطايا.
[٥] الثَّنية: فُرْجَة بَين جبلين. ونعام: مَوضِع.
[٦] السقب: ولد النَّاقة حِين تضعه.
[٧] الأصداء: جمع صدى، وَهِي بَقِيَّة الْمَيِّت فِي قَبره، وَهِي أَيْضا طَائِر، يَقُولُونَ هُوَ ذكر البوم. والهام جمع هَامة، وَهُوَ طَائِر تزْعم الْعَرَب أَنه يخرج من رَأس الْقَتِيل إِذا قتل فَيَصِيح: اسقوني اسقوني، فَلَا يزَال يَصِيح كَذَلِك حتّى يُؤْخَذ بثأره، فَحِينَئِذٍ يسكت.
(شِعْرُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي رِثَاءِ قَتْلَى بَدْرٍ):
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، يَرْثِي مَنْ أُصِيبَ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ:
أَلَّا بَكَيْتِ على الْكِرَام ... بَنِي الْكِرَامِ أُولِي الْمَمَادِحْ
كَبُكَا الْحمام على فروع ... الْأَيْكِ فِي الْغُصْنِ الْجَوانِحْ [١]
يبْكين حرّى مستكينا ... ت [٢] يَرُحْنَ مَعَ [٣] الرّوائح
أمثالهنّ الباكيات ... الْمُعْوِلَاتُ مِنْ النَّوَائِحْ [٤]
مَنْ يَبْكِهِمْ يَبْكِ عَلَى ... حُزْنٍ وَيَصْدُقُ كُلَّ مَادِحْ
مَاذَا ببدر فالعقنقل ... مِنْ مَرَازِبَةٍ جَحَاجِحْ [٥]
فمدافع البرقين ... فالحنان مِنْ طَرَفِ الْأَوَاشِحْ [٦]
شُمْطٍ وَشُبَّانٍ بِهَا ... لَيْلٍ مَغَاوِيرَ وَحَاوِحْ [٧]
أَلَا تَرَوْنَ لِمَا أَرَى ... وَلَقَدْ أَبَانَ لِكُلِّ لَامِحْ
أَنْ قَدْ تَغَيَّرَ بَطْنُ مَكَّةَ ... فَهِيَ مُوحِشَةُ الْأَبَاطِحْ
مِنْ كُلِّ بِطْرِيقٍ لِبِطْرِيقٍ ... نَقِيِّ الْقَوْنِ وَاضِحْ [٨]
دعموص أَبْوَاب الْمُلُوك ... وَجَائِبٌ لِلْخَرْقِ فَاتِحْ [٩]
--------------------------
[١] الأيك: الشّجر الملتف، واحدته: أيكة. والجوانح: الموائل، يُقَال: جنح: إِذا مَال.
[٢] حرى: يعْنى اللَّاتِي تجدن من الْحزن. ومستكينات: خاضعات.
[٣] فِي م، ر: «من» .
[٤] المعولات: الرافعات الصَّوْت بالبكاء.
[٥] الْعَقَنْقَل: الْكَثِيب من الرمل المنعقد. والمرازبة: الرؤساء، الْوَاحِد: مرزبان، وَهِي كلمة أَعْجَمِيَّة. والجحاجح: السَّادة، واحدهم: جحجاح.
[٦] يُرِيد «بمدافع البرقان»:: حَيْثُ ينْدَفع السَّيْل. والبرقين: مَوضِع. والحنان: الْكَثِيب من الرمل. والأواشح: مَوضِع.
[٧] الشمط: الَّذين خالطهم الشيب. والبهاليل: السَّادة، الْوَاحِد: بهْلُول. والمغاوير: جمع مغوار، وَهُوَ الّذي يكثر الْغَارة. والوحاوح: جمع وحواح، وَهُوَ الْحَدِيد النَّفس.
[٨] البطريق: رَئِيس الرّوم.
[٩] الدعموص: دويبة تغوص فِي المَاء. يُرِيد أَنهم يكثرون الدُّخُول على الْمُلُوك. والجائب: الْقَاطِع.
والخرق: الفلاة الواسعة.
من السّراطمة [١] الخلاجمة ... الْمَلَاوِثَةِ الْمَنَاجِحْ [٢]
الْقَائِلِينَ الْفَاعِلِينَ ... الْآمِرِينَ بِكُلِّ صَالِحْ
الْمُطْعِمِينَ الشَّحْمَ فَوْ ... قَ الْخُبْزِ شَحْمًا كَالْأَنَافِحْ [٣]
نُقُلُ الجفان مَعَ الْجِفَانِ ... إلَى جِفَانٍ كَالْمَنَاضِحْ [٤]
لَيْسَتْ بأصفار لمن ... يعفوه [٥] وَلَا رَحَّ رَحَارِحْ [٦]
لِلضَّيْفِ ثُمَّ الضَّيْفِ بَعْدَ ... [الضَّيْفِ] [٧] وَالْبُسُطِ السَّلَاطِحْ [٨]
وُهُبُ الْمِئيِنَ مِنْ الْمِئيِنَ ... إلَى الْمِئيِنَ مِنْ اللَّوَاقِحْ [٩]
سَوْقُ الْمُؤَبَّلِ لِلْمُؤَبَّلِ ... صَادِرَاتٌ عَنْ بَلَادِحْ [١٠]
لكرامهم فَوق الْكِرَام ... مَزِيَّةٌ وَزْنَ الرَّوَاجِحْ
كَتَثَاقُلِ [١١] الْأَرْطَالِ بِالْقِسْطَاسِ ... [١٢] فِي الْأَيْدِي [١٣] الْمَوَائِحْ [١٤]
خَذَلَتْهُمْ فِئَةٌ وَهُمْ ... يَحْمُونَ عَوْرَاتِ الْفَضَائِحْ
------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، والسراطمة: جمع سرطم، وَهُوَ الْوَاسِع الْحلق. وَفِي أ: «الشراظمة» .
[٢] الخلاجمة: جمع خلجم، وَهُوَ الضخم الطَّوِيل. والملاوثة: جمع ملواث، وَهُوَ السَّيِّد والمناجح:
الَّذين ينجحون فِي سَعْيهمْ ويسعدون فِيهِ.
[٣] الأنافح: جمع أنفحة، وَهِي شَيْء يخرج من بطن ذِي الكرش دَاخله أصفر، فَشبه بِهِ الشَّحْم،
[٤] المناضح: الْحِيَاض، شبه الجفان بهَا فِي عظمها.
[٥] أصفار: جمع صفر، وَهُوَ الْخَالِي من الْآنِية وَغَيرهَا. وَيَعْفُو: يقْصد طَالبا للمعروف،
[٦] كَذَا فِي أ. ورح رحارح، أَي وَاسِعَة من غير عمق. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «رح وحارح» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٧] زِيَادَة عَن أ.
[٨] السلاطح: الطوَال العراض.
[٩] يُرِيد «باللواقح»: الْإِبِل الْحَوَامِل.
[١٠] المؤبل الْإِبِل الْكَثِيرَة. وصادرات: راجعات. وبلادح: مَوضِع.
[١١] فِي م، ر: «كمثاقل» .
[١٢] القسطاس: الْمِيزَان الْكَبِير.
[١٣] فِي م، ر: «فِي أَيدي» .
[١٤] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر. والموائح: الَّتِي تتمايل لثقل مَا ترفعه. وَفِي أ، ط: «الموانح» .
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «المواتح» . وَلَا يَسْتَقِيم بهما الْمَعْنى.
الضَّارِبِينَ التَّقُدُمِيَّةَ ... بِالْمُهَنَّدَةِ الصَّفَائِحْ [١]
وَلَقَدْ عَنَانِي صَوْتُهُمْ ... مِنْ بَيْنِ مُسْتَسْقٍ وَصَائِحْ [٢]
للَّه درّ بنى ... عليّ أَيِّمٍ مِنْهُمْ وَنَاكِحْ [٣]
إنْ لَمْ يُغِيرُوا غَارَةً ... شَعْوَاءَ تُجْحِرُ [٤] كُلَّ نابح
بالمقربات، المبعدات ...، الطَّامِحَاتِ مَعَ الطَّوَامِحْ [٥]
مُرْدًا عَلَى جُرْدٍ إلَى ... أَسَدٍ مُكَالِبَةٍ كَوَالِحْ [٦]
وَيُلَاقِ قِرْنٌ قِرْنَهُ ... مَشْيَ الْمُصَافِحِ لِلْمُصَافِحْ [٧]
بِزُهَاءِ أَلْفٍ ثُمَّ أَلْفٍ ... بَيْنَ ذِي بَدَنٍ وَرَامِحْ [٨]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتَيْنِ نَالَ فِيهِمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَنْشَدَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ بَيْتَهُ:
وَيُلَاقِ قِرْنٌ قِرْنَهُ ... مَشْيَ الْمُصَافِحِ لِلْمُصَافِحْ
وَأَنْشَدَنِي أَيْضًا [٩]:
وُهُبُ الْمِئيِنَ مِنْ الْمِئيِنَ ... إلَى المئين من الدّواقح
سَوْقُ الْمُؤَبَّلِ لِلْمُؤَبَّلِ ... صَادِرَاتٌ عَنْ بَلَادِحْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، يَبْكِي زَمْعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ، وَقَتْلَى بَنِي أَسَدٍ:
-----------------------------
[١] يُرِيد «بالتقدمية» التَّقَدُّم أَي يضْربُونَ متقدمين فِي أول الْجَيْش. والمهند: السيوف المطبوعة من حَدِيد الْهِنْد، الْوَاحِد: مهند. والصفائح: العراض.
[٢] عناني، أَي أحزننى وشق على.
[٣] الأيم: الّذي لم يتَزَوَّج.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وتجحر: تلجئه إِلَى جُحْره. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تجسر» .
[٥] المقربات: الْخَيل الَّتِي تقرب من الْبيُوت لكرمها. والمبعدات: الَّتِي تبعد فِي جريها أَو فِي مَسَافَة غزوها. والطامحات: الَّتِي ترفع رءوسها.
[٦] الجرد: الْخَيل الْعتاق. والمكالبة: هم الَّذين بهم شبه الْكَلْب، وَهُوَ السعار، يعْنى حدتهم فِي الْحَرْب. والكوالح: العوابس.
[٧] الْقرن: الّذي يُقَاوم فِي قتال أَو شدَّة.
[٨] الْبدن: الدرْع.
[٩] هَذِه الْكَلِمَة «أَيْضا» سَاقِطَة فِي أ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-18-2026, 09:52 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (78)
صــ 33إلى صــ 42
عَيْنُ بَكِّي بالمسبلات أَبَا ... الْحَارِث لَا تَذْخَرِي عَلَى زَمْعَهْ [١]
وَابْكِي عَقِيلَ بْنَ أسود أَسد ... الْبَأْس ليَوْم الْهِيَاجِ وَالدَّفَعَهْ [٢]
تِلْكَ بَنُو أَسد إخْوَة الجوزاء ... لَا خَانَةٌ وَلَا خَدَعَهْ [٣]
هُمْ الْأُسْرَةُ الْوَسِيطَةُ مِنْ كَعْبٍ ... وَهُمْ ذِرْوَةُ السَّنَامِ وَالْقَمَعَهْ [٤]
أَنْبَتُوا مِنْ معاشر شعر ... الرَّأْس وَهُمْ أَلْحَقُوهُمْ الْمَنَعَهْ
أَمْسَى بَنُو عَمِّهِمْ إِذا حضر الْبَأْس ... أَكْبَادُهُمْ عَلَيْهِمْ وَجِعَهْ
وَهُمْ الْمُطْعِمُونَ إِذْ قحط الْقطر ... وَحَالَتْ فَلَا تَرَى قَزَعَهْ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِهَذَا الشِّعْرِ مُخْتَلِطَةٌ، لَيْسَتْ بِصَحِيحَةِ الْبِنَاءِ، لَكِنْ أَنْشَدَنِي أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفُ الْأَحْمَرُ وَغَيْرُهُ، رَوَى بَعْضٌ مَا لَمْ يَرْوِ بَعْضٌ:
عَيْنُ بَكِّي بالمسبلات أَبَا ... الْحَارِث لَا تَذْخَرِي عَلَى زَمْعَهْ
وَعَقِيلَ بْنَ أسود أَسد الْبَأْس ... لِيَوْمِ الْهِيَاجِ وَالدَّفَعَهْ
فَعَلَى مِثْلِ هلكهم خوت الجوزاء ...، لَا خَانَةٌ وَلَا خَدَعَهْ
وهُمْ الْأُسْرَةُ الْوَسِيطَةُ مِنْ كَعْبٍ ...، وَفِيهِمْ كَذِرْوَةِ الْقَمَعَهْ
أَنْبَتُوا مِنْ معاشر شعر الرَّأْس ...، وَهُمْ أَلْحَقُوهُمْ الْمَنَعَهْ
فَبَنُو عَمِّهِمْ إِذا حضر الْبَأْس ... عَلَيْهِمْ أَكْبَادُهُمْ وَجِعَهْ
وَهُمْ الْمُطْعِمُونَ إذْ قَحَطَ الْقَطْرُ ... وَحَالَتْ فَلَا تَرَى قَزَعَهْ
(شِعْرُ أَبِي أُسَامَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، مُعَاوِيَةُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ
------------------------
[١] المسبلات: الدُّمُوع السائلة، يُقَال: أسبل الدمع: إِذا جرى، وأسبله هُوَ: إِذا أجراه.
وَلَا تذخرى، أَي لَا تدخرى.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «الدقعة» بِالْقَافِ. وَقَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ (بِالْفَاءِ) فَهُوَ جمع دَافع: وَمن رَوَاهُ (بِالْقَافِ)، فَهُوَ من الدقعاء، وَهُوَ التُّرَاب، ويعنى بِهِ الْغُبَار. وَقد يجوز أَن يكون «الدقعة» هُنَا: جمع داقع، وَهُوَ الْفَقِير، فَيَقُول: «ابكيه للحرب وللجود» .
[٣] الجوزاء: اسْم نجم. وخانة: جمع. خائن. وخدعة: جمع خَادع.
[٤] الأسرة: رَهْط الرجل. والوسيطة: الشَّرِيفَة. وذروة السنام: أَعْلَاهُ. والقمعة: السنام.
[٥] القزعة: سَحَاب متفرق.
٣- سيرة ابْن هِشَام- ٢
ابْن سَعْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ مَازِنٍ بْنِ عَدِيِّ بْنِ جُشَمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مُشْرِكًا وَكَانَ مَرَّ بهُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ [١] وَهُمْ مُنْهَزِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ أَعْيَا هُبَيْرَةُ، فَقَامَ فَأَلْقَى عَنْهُ دِرْعَهُ وَحَمَلَهُ فَمَضَى بِهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ أَصَحُّ أَشْعَارِ أَهْلِ بَدْرٍ:
وَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُ الْقَوْمَ خَفُّوا ... وَقَدْ زَالَتْ [٢] نَعَامَتُهُمْ لِنَفْرِ
وَأَنْ تُرِكَتْ سَرَاةُ الْقَوْمِ صَرْعَى ... كَأَنَّ خِيَارَهُمْ أَذْبَاحُ عِتْرِ [٣]
وَكَانَتْ جُمَّةٌ [٤] وَافَتْ حِمَامًا ... وَلُقِّينَا الْمَنَايَا يَوْمَ بَدْرِ
نَصُدُّ عَنْ الطَّرِيقِ وَأَدْرَكُونَا ... كَأَنَّ زُهَاءَهُمْ غَطَيَانُ بَحْرِ [٥]
وَقَالَ الْقَائِلُونَ: مَنْ ابْنُ قَيْسٍ؟ ... فَقُلْتُ: أَبُو أُسَامَةَ، غَيْرَ فَخْرِ
أَنَا الْجُشَمِيُّ كَيْمَا تَعْرِفُونِي ... أُبَيِّنْ نِسْبَتِي نَقْرًا بِنَقْرِ [٦]
فَإِنْ تَكُ فِي الْغَلَاصِمِ مِنْ قُرَيْشٍ ... فَإِنِّي مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ [٧]
------------------------
[١] فِي م، ر: (رهم) .
[٢] كَذَا فِي أ، وَشرح السِّيرَة، وَالرَّوْض. وَفِي سَائِر الْأُصُول «شالت» . قَالَ السهيليّ: «الْعَرَب تضرب زَوَال النعامة مثلا للفرار، وَتقول شالت نعَامَة الْقَوْم: إِذا فروا وهلكوا. والنعامة (فِي اللُّغَة):
بَاطِن الْقدَم، وَمن مَاتَ فقد شالت رجله، أَي ارْتَفَعت، وَظَهَرت نعامته. والنعامة (أَيْضا): الظلمَة.
وَابْن النعامة: عرق فِي بَاطِن الْقدَم. فَيجوز أَن يكون قَوْله: زَالَت نعامهم، كَمَا يُقَال، زَالَ سوَاده، وضحا ظله: إِذا مَاتَ. وَجَائِز أَن يكون ضرب النعامة مثلا، وَهُوَ الظَّاهِر فِي بَيت أَبى أُسَامَة، لِأَنَّهُ قَالَ:
زَالَت نعامتهم لنفر. وَالْعرب تَقول: أشرد من نعَامَة وأنفر من نعَامَة.... فَإِذا قلت: زَالَت نعامته، فَمَعْنَاه: نفرت نَفسه الَّتِي هِيَ كالنعامة فِي شرودها» .
[٣] سراة الْقَوْم: خيارهم. والعتر: الصَّنَم الّذي يذبح لَهُ.
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَفِي أ: «حمة» بِالْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بِالْجِيم:
فَمَعْنَاه الْجَمَاعَة من النَّاس، وَأكْثر مَا يُقَال فِي الْجَمَاعَة الَّذين يأْتونَ يسْأَلُون فِي الدِّيَة، وَمن رَوَاهُ: حمة، بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه: قرَابَة وأصدقاء، من الْحَمِيم، وَهُوَ الْقَرِيب» . وَقَالَ السهيليّ: «الْحمة: السوَاد، والحمة: الْفرْقَة، فَإِن كَانَ أَرَادَ بالحمة سَواد الْقَوْم فَلهُ وَجه، وَإِن كَانَ أَرَادَ الْفرْقَة مِنْهُم فَهُوَ أوجه» .
[٥] غطيان بَحر، أَي فيضانه.
[٦] قَالَ السهيليّ: النقر: الطعْن فِي النّسَب، يَقُول: إِن طعنتم فِي نسبي وعبتموه بيّنت الْحق، ونفرت فِي أنسابكم، أَي عبتها وجازيت على النقر بالنقر. وَقَالَت جَارِيَة من الْعَرَب: مروا بى على بنى نَظَرِي- تعنى الفتيان الَّذين ينظرُونَ إِلَيْهَا- وَلَا تمروا بى على بَنَات نقرى. تعنى النِّسَاء اللواتي ينقرن، أَي يعبن.
[٧] الغلاصم: الأعالي من النّسَب. وأصل الغلصمة: الْحُلْقُوم الّذي يجرى عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب.
فَأَبْلِغْ مَالِكًا لَمَّا غُشِينَا ... وَعِنْدَكَ مَالِ- إنْ نَبَّأْتَ- خُبْرَى [١]
وَأَبْلِغْ إنْ بَلَغْتَ [٢] الْمَرْءَ عَنَّا ... هُبَيْرَةَ، وَهُوَ ذُو عِلْمٍ وَقَدْرِ
بِأَنِّي إذْ دُعِيتُ إلَى أُفَيْدٍ ... كَرَرْتُ وَلَمْ يَضِقْ بِالْكَرِّ صَدْرِي [٣]
عَشِيَّةً لَا يَكَرُّ عَلَى مُضَافٍ ... وَلَا ذِي نَعْمَةٍ مِنْهُمْ وَصِهْرِ [٤]
فَدُونَكُمْ بَنِي لَأْيٍ أَخَاكُمْ ... وَدُونَكِ مَالِكًا يَا أُمَّ عَمْرِو [٥]
فَلَوْلَا مَشْهَدِي قَامَتْ عَلَيْهِ ... مُوَقَّفَةُ الْقَوَائِمِ أُمُّ أَجْرِي [٦]
دَفُوعٌ لِلْقُبُورِ بِمَنْكِبَيْهَا ... كَأَنَّ بِوَجْهِهَا تَحْمِيمَ قَدْرِ [٧]
فَأُقْسِمُ بِاَلَّذِي قَدْ كَانَ رَبِّي ... وَأَنْصَابٍ لَدَى الْجَمَرَاتِ مُغْرِ [٨]
لَسَوْفَ تَرَوْنَ مَا حَسَبِي إذَا مَا ... تَبَدَّلَتْ الْجُلُودُ جُلُودَ نِمْرِ
فَمَا إنْ خَادِرٌ مِنْ أُسْدِ تَرْجِ ... مُدِلٌّ عَنْبَسٌ فِي الْغَيْلِ مُجْرِي [٩]
فَقَدْ أَحْمِي الْأَبَاءَةَ مِنْ كُلَافِ [١٠] ... فَمَا يَدْنُو لَهُ أَحَدٌ بِنَقْرِ [١١]
---------------------------
[١] مَال، يُرِيد: مَالك، فرخم، وَحذف حرف النداء من أَوله.
[٢] فِي أ: «عرضت» .
[٣] أفيد، قَالَ أَبُو ذَر: «أفيد (بِالْفَاءِ وَالْقَاف): اسْم رجل» . وَقَالَ السهيل: «أفيد: تَصْغِير وَفد، وهم المتقدمون من كل شَيْء من نَاس أَو خيل أَو إبل، وَهُوَ اسْم للْجمع مثل ركب، وَلذَلِك جَازَ تصغيره، وَقيل: أفيد، اسْم مَوضِع» .
[٤] الْمُضَاف: الْخَائِف الْمُضْطَر الْمضيق عَلَيْهِ.
[٥] بنى لأى، يُرِيد: بنى لؤيّ، فجَاء بِهِ مكبرا على الأَصْل، ولؤيّ تَصْغِير لأى. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٦] يُرِيد «بالموقفة»: الضبع، من الْوَقْف وَهُوَ الخلخال، لِأَن فِي قَوَائِمهَا خُطُوطًا سُودًا. وَأجر:
جمع جرو، وَهُوَ وَلَدهَا.
[٧] التحميم: التلطيخ بِالسَّوَادِ.
[٨] الأنصاب: حِجَارَة كَانُوا يذبحون لَهَا. والجمرات: مَوضِع الْجمار الَّتِي يرْمونَ بهَا. ومغر: جمع أمغر، وَهُوَ الْأَحْمَر، يُرِيد: أَنَّهَا مطلية بِالدَّمِ:
[٩] الخادر: الْأسد الّذي يكون فِي خدره، وَهِي أجمته. وترج: جبل بالحجاز كثير الْأسد. وعنبس أَي عَابس الْوَجْه. والغيل (بِالْكَسْرِ): الشّجر الملتف. ومجرى، أَي لَهُ جراء، يعْنى أشبالا، أَي أَوْلَادًا.
[١٠] أحمى: جعلهَا حمى لَا تقرب. والأباءة (بِفَتْح الْهمزَة): أجمة الْأسد. وكلاف، قَالَ أَبُو ذَر:
«كلاف (بِالْفَاءِ): اسْم، مَوضِع» . وَقد ذكره ياقوت، وَقَالَ: إِنَّه وَاد من أَعمال الْمَدِينَة. وَقَالَ السهيليّ: «لَعَلَّه أَرَادَ من شدَّة كلفه بِمَا يحميه، فجَاء بِهِ على وزن فعال، لِأَن الكلف إِذا اشْتَدَّ كالهيام والعطاش. وَلَعَلَّ كلافا: اسْم مَوضِع. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الدينَوَريّ الكلاف: اسْم شجر» .
[١١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بِنَفر» بِالْفَاءِ.
بِخَلٍّ تَعْجِزُ الْحُلَفَاءُ عَنْهُ ... يُوَاثِبُ كُلَّ هَجْهَجَةٍ وَزَجْرِ [١]
بِأَوْشَكَ سَوْرَةً مِنِّي إذَا مَا ... حَبَوْتُ لَهُ بِقَرْقَرَةٍ وَهَدْرِ [٢]
بِبِيضٍ كَالْأَسِنَّةِ مُرْهِفَاتٍ ... كَأَنَّ ظُبَاتِهِنَّ جَحِيمِ جَمْرِ [٣]
وَأَكْلَفُ مُجْنَإِ مِنْ جِلْدِ ثَوْرٍ ... وَصَفْرَاءِ الْبُرَايَةِ ذَاتِ أَزْرِ [٤]
وَأَبْيَضَ كَالْغَدِيرِ ثَوَى عَلَيْهِ ... عُمَيْرٌ بِالْمَدَاوِسِ نِصْفَ شَهْرِ [٥]
أُرَفِّلُ فِي حَمَائِلِهِ وَأَمْشِي ... كَمِشْيَةِ خَادِرٍ لَيْث سبطر [٦]
بقول لِي الْفَتَى سَعْدٌ هَدِيَّا ... فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ تَقْرِيبُ غَدْرِ [٧]
وَقُلْتُ أَبَا عَدِيٍّ لَا تَطُرْهُمْ ... وَذَلِكَ إنْ أَطَعْتَ الْيَوْمَ أَمْرِي [٨]
كَدَأْبِهِمْ بِفَرْوَةَ إذْ أَتَاهُمْ ... فَظَلَّ يُقَادُ مَكْتُوفًا بِضَفْرِ [٩]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفُ الْأَحْمَرُ:
نَصُدُّ عَنْ الطَّرِيقِ وَأَدْرَكُونَا ... كَأَنَّ سِرَاعَهُمْ تَيَّارُ بَحْرِ
وَقَوْلُهُ: -
مُدَلٍّ عَنْبَسٌ فِي الْغَيْلِ مُجْرِي
- عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو أَسَامَّةَ أَيْضًا:
--------------------------
[١] الْخلّ: الطَّرِيق فِي الرمل. والحلفاء: الْأَصْحَاب المتعاضدون. والهجهجة: الزّجر، يُقَال:
هجهجت بالسبع: إِذا زجرته، وَهُوَ أَن تَقول لَهُ: هج هج.
[٢] بأوشك: بأسرع. وَالسورَة، الحدة والوثبة. وحبوت: قربت. والقرقرة والهدر: من أصوات الْإِبِل الفحول.
[٣] يُرِيد «بالبيض»: السِّهَام. والظباة: حَدهَا، الْوَاحِدَة: ظبة.
[٤] وأكلف، قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بِاللَّامِ، فَإِنَّهُ يعْنى ترسا أسود الظَّاهِر، وَمن رَوَاهُ بالنُّون، فَهُوَ الترس أَيْضا، مَأْخُوذ من كنفه، أَي ستره» . والمجنأ: الّذي فِيهِ اجتناء أَي انحناء. وَيُرِيد.
«بصفراء البراية»: قوسا. والبراية: مَا يتطاير مِنْهَا حِين تنحت.
[٥] يُرِيد «بأبيض كالغدير»: سيقا. وَعُمَيْر: اسْم صيقل. والمداوس: جمع مدوس، وَهِي الأداة الَّتِي يصقل بهَا السَّيْف.
[٦] أرفل: أطول. وسبطر، أَي طَوِيل ممتد.
[٧] الْهدى، قَالَ أَبُو ذَر: «الْهدى هُنَا: الْأَسير» . وَقَالَ السهيل: «الْهدى: مَا يهدى إِلَى الْبَيْت، وَالْهدى (أَيْضا): الْعَرُوس تهدى إِلَى زَوجهَا، وَنصب (هَديا) هُنَا على إِضْمَار فعل، كَأَنَّهُ أَرَادَ: أهد هَديا» .
[٨] لَا تطرهم: لَا تقربهم، مَأْخُوذ من طوار الدَّار، وَهُوَ مَا كَانَ ممتدا مَعهَا من فنائها.
[٩] كدأبهم: كعادتهم. وفروة: اسْم رجل. والضفر: الْحَبل المضفور.
أَلَا مِنْ مُبَلَّغٌ عَنِّي رَسُولًا ... مُغَلْغَلَةً يُثَبِّتُهَا لَطِيفُ [١]
أَلَمْ تَعْلَمْ مَرَدِّي يَوْمَ بَدْرٍ ... وَقَدْ بَرَقَتْ بِجَنْبَيْكَ الْكُفُوفُ [٢]
وَقَدْ تُرِكَتْ سَرَاةُ الْقَوْمِ صَرْعَى ... كَأَنَّ رُءُوسَهُمْ حَدَجٌ نَقِيفُ [٣]
وَقَدْ مَالَتْ عَلَيْكَ بِبَطْنِ بَدْرٍ ... خِلَافَ الْقَوْمِ دَاهِيَةٌ خَصِيفُ [٤]
فَنَجَّاهُ مِنْ الْغَمَرَاتِ عَزْمِي ... وَعَوْنُ اللَّهِ وَالْأَمْرُ الْحَصِيفُ
وَمُنْقَلَبِي مِنْ الْأَبْوَاءِ وَحْدِي ... وَدُونَكَ جَمْعُ أَعْدَاءٍ وُقُوفُ [٥]
وَأَنْتَ لِمَنْ أَرَادَكَ مُسْتَكِينٌ ... بِجَنْبِ كُرَاشٍ مَكْلُومٌ نَزِيفُ [٦]
وَكُنْتُ إذَا دَعَانِي يَوْمَ كَرْبٍ ... مِنْ الْأَصْحَابِ دَاعٍ مُسْتَضِيفُ [٧]
فَأَسْمَعَنِي وَلَوْ أَحْبَبْتُ نَفْسِي ... أَخٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَوْ حَلِيفُ
أَرُدُّ فَأَكْشِفُ الْغُمَّى وَأَرْمِي ... إذَا كَلَحَ الْمَشَافِرُ وَالْأُنُوفُ [٨]
وَقِرْنٍ قَدْ تَرَكَتْ عَلَى يَدَيْهِ ... يَنُوءُ كَأَنَّهُ غُصْنٌ قَصِيفُ [٩]
دَلَفْتُ لَهُ إذْ اخْتَلَطُوا بِحَرَّى ... مُسْحْسَحَةٍ لِعَانِدِهَا حَفِيفُ [١٠]
--------------------------
[١] المغلغلة: الرسَالَة ترسل من بلد إِلَى بلد. واللطيف: الرَّقِيق الحاذق فِي الْأُمُور.
[٢] برقتْ: لمعت.
[٣] الحدج: الحنظل، الْوَاحِدَة: حدجة. والنقيف: المكسور.
[٤] الخصيف: المتلونة ألوانا، وَقيل: المتراكمة.
[٥] الْأَبْوَاء: مَوضِع، وَبِه قبر أم الرَّسُول ﷺ.
[٦] كراش (بِضَم الْكَاف والشين الْمُعْجَمَة): اسْم جبل لهذيل، وَقيل: مَاء بِنَجْد لبني دهمان. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) . ومكلوم: جريح. ونزيف: سَائل جَمِيع دَمه.
[٧] مستضيف: ملْجأ مضيق عَلَيْهِ.
[٨] الغمى: الْأَمر الشَّديد. وكلح: عبس. والمشافر: الشفاه، لذوات الْخُف، وَهِي الْإِبِل، فاستعارها هُنَا للآدميين.
[٩] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ، ر: «قطيف» . قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بالصَّاد الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه: مكسور، تَقول: قصفت الْغُصْن: إِذا كَسرته. وَمن رَوَاهُ «قطيف» بِالطَّاءِ الْمُهْملَة، فَهُوَ الّذي أَخذ مَا عَلَيْهِ من الثَّمر وَالْوَرق» .
[١٠] دلفت: قربت. وبحري: أَي بطعنة موجعة. ومسحسحة وكثيرة سيلان الدَّم. والعاند: الْعرق الّذي لَا يَنْقَطِع دَمه. والحفيف: صَوته.
فَذَلِكَ كَانَ صَنْعِي يَوْمَ بَدْرٍ ... وَقَبْلُ أَخُو مُدَارَاةَ عَزُوفُ [١]
أَخُوكُمْ فِي السِّنِينَ كَمَا عَلِمْتُمْ ... وَحَرْبٍ لَا يَزَالُ لَهَا صَرِيفُ [٢]
وَمِقْدَامٌ لَكُمْ لَا يَزْدَهِينِي ... جَنَانُ اللَّيْلِ وَالْأَنَسُ اللَّفِيفُ [٣]
أَخُوضُ الصَّرَّةَ [٤] الْجَمَّاءَ [٥] خَوْضًا ... إذَا مَا الْكَلْبُ أَلْجَأَهُ الشَّفِيفُ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْتُ قَصِيدَةً لِأَبِي أُسَامَةَ عَلَى اللَّامِّ، لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ بَدْرٍ إلَّا فِي أَوَّلِ بَيْتٍ مِنْهَا وَالثَّانِي، كَرَاهِيَةَ الْإِكْثَارِ.
(شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ تَبْكِي أَبَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ:
أَعَيْنَيَّ جُودَا بِدَمْعٍ سَرِبْ ... عَلَى خَيْرِ خِنْدِفَ لَمْ يَنْقَلِبْ
تَدَاعَى لَهُ رَهْطُهُ غُدْوَةً ... بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبْ
يُذِيقُونَهُ حَدَّ أَسْيَافِهِمْ ... يَعُلُّونَهُ بَعْدَ مَا قَدْ عَطِبْ
يَجُرُّونَهُ وَعَفِيرُ التُّرَابِ ... عَلَى وَجْهِهِ عَارِيًا قَدْ سُلِبْ
وَكَانَ لَنَا جَبَلًا رَاسِيًا ... جَمِيلَ الْمَرَاةِ كثير العشب [٧]
وأمّا [٨] بُرَيٌّ فَلَمْ أَعْنِهِ ... فَأُوتِيَ مِنْ خَيْرِ مَا يَحْتَسِبْ [٩]
وَقَالَتْ هِنْدُ أَيْضًا:
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عروف»، قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بالزاء، فَهُوَ الّذي تأبى نَفسه الدنايا. وَمن رَوَاهُ بالراء، فَمَعْنَاه أَيْضا: الصابر، هَا هُنَا» .
[٢] يُرِيد «بِالسِّنِينَ»: سِنِين الْقَحْط والجدب. والصريف: الصَّوْت.
[٣] جنان اللَّيْل: ظلمته. والأنس: الْجَمَاعَة من النَّاس، واللفيف: الْكثير.
[٤] الصرة: الْجَمَاعَة، وَقد تكون الصرة (أَيْضا): شدَّة الْبرد، وَإِيَّاهَا عَنى، لذكره الشفيف فِي آخر الْبَيْت.
[٥] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. وَفِي جَمِيع الْأُصُول: «الْجَمَّاء» قَالَ أَبُو ذَر: «الْجَمَّاء (بِالْجِيم): الْكثير وَمن رَوَاهُ: الحماء، بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه: السود» .
[٦] الشفيف (بالشين الْمُعْجَمَة): الرّيح الشَّدِيدَة الْبرد.
[٧] جميل المراة، أَرَادَت مرْآة الْعين، فنقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السَّاكِن، فَذَهَبت الْهمزَة.
[٨] فِي م، ر: «فَأَما» .
[٩] تُرِيدُ «ببرى»: الْبَراء، وَهُوَ رجل، فصغرته.
يَرِيبُ علينا دَهْرنَا فيسوؤنا ... وَيَأْبَى فَمَا نَأْتِي بِشَيْءِ يُغَالِبُهْ
أَبَعْدَ قَتِيلٍ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... يُرَاعَ أَمْرٌ وَإِن مَاتَ أَوْ مَاتَ صَاحِبُهْ
أَلَا رُبَّ يَوْمٍ [١] قَدْ رُزِئْتُ مُرَزَّأً ... تَرُوحُ وَتَغْدُو بِالْجَزِيلِ مُوَاهِبُهُ
فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي مَأْلُكًا ... فَإِنْ أَلْقَهُ يَوْمًا فَسَوْفَ أُعَاتِبُهْ [٢]
فَقَدْ كَانَ حَرْبٌ يَسْعَرُ الْحَرْبَ إنَّهُ ... لِكُلِّ امْرِئِ فِي النَّاسِ مَوْلًى يُطَالِبُهُ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِهِنْدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ أَيْضًا:
للَّه عَيْنًا مَنْ رَأَى ... هُلْكًا كَهُلْكِ رِجَاليهْ
يَا رُبَّ [٤] بَاكٍ لِي غَدًا ... فِي النَّائِبَاتِ وَبَاكِيَهْ
كَمْ غادروا يَوْم القليب ... غَدَاةَ تِلْكَ الْوَاعِيَهْ [٥]
مِنْ كُلِّ غيث فِي السّنين ... إذَا الْكَوَاكِبُ خَاوِيَهْ [٦]
قَدْ كُنْتُ أُحْذَرُ مَا أَرَى ... فَالْيَوْمُ حَقٌّ حَذَارِيَهْ
قَدْ كُنْتُ أَحْذَرُ مَا أَرَى ... فَأَنَا الْغَدَاةَ مُوَامِيَهْ [٧]
يَا رُبَّ قَائِلَةٍ غَدًا ... يَا وَيْحَ أُمَّ مُعَاوِيَهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِهِنْدٍ.
--------------------------
[١] فِي شرح السِّيرَة: «أَلا رب رزء قد رزئت مرزأ» . قَالَ أَبُو ذَر: المرزأ: الْكَرِيم الّذي يرزؤه القاصدون والأضياف، أَو ينقصُونَ من مَاله» .
[٢] المألك: جمع مألكة، وَهِي الرسَالَة الَّتِي تبلغ بِاللِّسَانِ.
[٣] حَرْب: هُوَ وَالِد أَبى سُفْيَان. ويسعر: يهيج.
[٤] فِي م، ر: «بل رب» .
[٥] الواعية: الصُّرَاخ.
[٦] إِذا الْكَوَاكِب خاوية، يعْنى أَنَّهَا تسْقط فِي مغْرِبهَا عِنْد الْفجْر، وَلَا يكون مَعهَا أتر وَلَا مطر، على مَذْهَب الْعَرَب فِي نسبتهم ذَلِك إِلَى النُّجُوم.
[٧] مواميه، قَالَ أَبُو ذَر: «أَي مختلطة الْعقل» . وَقَالَ السهيليّ: «موامية، أَي ذليلة. وَهِي مؤامية، بِهَمْزَة، وَلكنهَا سهلت فَصَارَت واوا وَهِي من لفظ الْأمة. تَقول: تأميت أمة أَي اتخذتها وَيجوز أَن تكون من المواءمة، وَهِي الْمُوَافقَة، فَيكون الأَصْل: موامئة، ثمَّ قلب فَصَارَ موامية، على وزن مفالعة. تُرِيدُ أَنَّهَا قد ذلت فَلَا تأبى، بل توَافق الْعَدو على كره.» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ أَيْضًا:
يَا عَيْنُ بَكِّي عُتْبَهْ ... شَيْخًا شَدِيدَ الرَّقَبَهْ [١]
يُطْعِمُ يَوْمَ الْمَسْغَبَهْ ... يَدْفَعُ يَوْمَ الْمَغْلَبَهْ [٢]
إنِّي عَلَيْهِ حَرِبَهْ ... مَلْهُوفَةٌ مُسْتَلَبَهْ [٣]
لَنَهْبِطَنَّ يَثْرِبَهْ ... بِغَارَةٍ مُنْثَعِبَهْ [٤]
فِيهَا الْخُيُولُ مُقْرَبَهْ ... كُلُّ جَوَادٍ سَلْهَبَهْ [٥]
(شِعْرُ صَفِيَّةَ):
وَقَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ مُسَافِرِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، تَبْكِي أَهْلَ الْقَلِيبِ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: (وَتَذْكُرُ مُصَابَهُمْ) [٦]:
يَا مَنْ لِعَيْنٍ قَذَاهَا عَائِرُ الرَّمَدِ ... حَدَّ النَّهَارِ وَقَرْنُ الشَّمْسِ لَمْ يَقِدْ [٧]
أُخْبِرْتُ أَنَّ سَرَاةَ الْأَكْرَمِينَ مَعًا ... قَدْ أَحْرَزَتْهُمْ مَنَايَاهُمْ إلَى أَمَدِ
وَفَرَّ بِالْقَوْمِ أَصْحَابُ الرِّكَابِ وَلَمْ ... تَعْطِفْ غَدَاتَئِذٍ أُمٌّ عَلَى وَلَدِ
قَوْمِي صَفِيَّ وَلَا تَنْسَى قَرَابَتَهُمْ ... وَإِنْ بَكَيْتِ فَمَا تَبْكِينَ مِنْ بُعُدِ
كَانُوا سُقُوبَ [٨] سَمَاءِ الْبَيْتِ فَانْقَصَفَتْ ... فَأَصْبَحَ السَّمْكُ مِنْهَا غَيْرَ ذِي عَمَدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهَا: «كَانُوا سُقُوبَ [٨]» بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ مُسَافِرٍ أَيْضًا:
-------------------------
[١] عتبَة، أَرَادَت: عتبَة، (بِإِسْكَان التَّاء) إِلَّا أَنَّهَا أتبعتها للعين.
[٢] المسغبة: الْجُوع والشدة.
[٣] حَرْبَة: حزينة غَضبى. ومستلبة: مَأْخُوذَة الْعقل. قَالَ السهيليّ: «الأجود فِي مستلبة، أَن يكون بِكَسْر اللَّام، من السلاب، وَهِي الْخِرْقَة السَّوْدَاء الَّتِي تختمر بهَا الثكلى» .
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. ومنثعبة: أَي سَائِلَة بِسُرْعَة، يُقَال: انثعب المَاء: إِذا سَالَ. ويروى:
منشعبة، أَي مُتَفَرِّقَة.
[٥] المقرب من الْخَيل: الّذي يقرب من الْبيُوت لكرمه. والسلهبة: الْفرس الطَّوِيلَة.
[٦] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٧] القذى: مَا يَقع فِي الْعين وَالشرَاب. والعائر: وجع الْعين، وَيُقَال: هُوَ قرحَة تخرج فِي جفن الْعين.
وحد النَّهَار: الْفَصْل الّذي بَين اللَّيْل وَالنَّهَار. وَقرن الشَّمْس: أَعْلَاهَا. وَلم يقد، أَي لم يتَمَكَّن ضوءه.
[٨] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والسقوب (بِالْبَاء): عمد الخباء الَّتِي يقوم عَلَيْهَا. وَفِي أ: «سقوف» .
أَلَا يَا من لعين ... للتّبكىّ دَمْعُهَا فَانِ [١]
كَغَرْبَيْ دَالِجٍ يَسْقَى ... خِلَالَ الْغَيِّثِ الدَّانِ [٢]
وَمَا لَيْثُ غَرِيفٍ ذُو ... أَظَافِيرَ وَأَسْنَانِ [٣]
أَبُو شِبْلَيْنِ وَثَّابٌ ... شَدِيدُ الْبَطْشِ غَرْثَانِ [٤]
كَحِبِّي إذْ تولّى و... وُجُوه الْقَوْمِ أَلْوَانِ
وبالكفّ حسام صارم ... أَبْيَضُ ذُكْرَانِ [٥]
وَأَنت الطّاعن النّجلاء ... مِنْهَا مُزْبِدٌ آنِ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيَرَوْنَ قَوْلَهَا: «وَمَا لَيْثُ غَرِيفٍ» إلَى آخِرِهَا، مَفْصُولًا مِنْ الْبَيْتَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ.
(شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ تَرْثِي عَبِيدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ:
لَقَدْ ضُمِّنَ الصَّفْرَاءُ مَجْدًا وَسُؤْدُدًا ... وَحِلْمًا أَصِيلًا وَافِرَ اللُّبِّ وَالْعَقْلِ [٧]
عُبَيْدَةَ فَابْكِيهِ لِأَضْيَافِ غُرْبَةٍ ... وَأَرْمَلَةٌ تَهْوِي لِأَشْعَثَ كَالْجِذْلِ [٨]
وَبَكِّيهِ لِلْأَقْوَامِ فِي كُلِّ شَتْوَةٍ ... إذَا احْمَرَّ آفَاقُ السَّمَاءِ مِنْ الْمَحْلِ [٩]
وَبَكِّيهِ للأيتام والرّيح [١٠] زفزف ... وَتَشْبِيبُ [١١] قِدْرٍ طَالَمَا أَزْبَدَتْ تَغْلِي [١٢]
------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر: «قانى»، أَي أَحْمَر، وَكَانَ الأَصْل أَن تَقول، قانئ: بِالْهَمْزَةِ، فخففت الْهمزَة. تُرِيدُ أَن دمعها خالطه الدَّم.
[٢] الغرب: الدَّلْو الْعَظِيمَة. والدالج: الّذي يمشى بدلوه بَين الْبِئْر والبستان.
[٣] الغريف: مَوضِع الْأسد، وَهِي الأجمة.
[٤] غرثان: جَائِع.
[٥] ذكران: أَي سيف طبع من مُذَكّر الْحَدِيد.
[٦] مُزْبِد، أَي دم لَهُ زبد، أَي رغوة. وآن: حام.
[٧] الصَّفْرَاء: مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة.
[٨] الْأَشْعَث: الْمُتَغَيّر. والجذل (بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة): أصل الشَّجَرَة وَغَيرهَا. تصفه بالثبات وَالْقُوَّة.
[٩] الْمحل: الْقَحْط.
[١٠] الزفزف من الرِّيَاح: الشَّدِيدَة السريعة الْمُرُور.
[١١] كَذَا فِي أ. والتشبيب: إيقاد النَّار تَحت الْقدر وَنَحْوهَا. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تشتيت» .
[١٢] أزبدت: رمت بالزبد، وَهِي الرغوة.
فَإِنْ تُصْبِحُ النِّيرَانَ قَدْ مَاتَ ضَوْءُهَا ... فَقَدْ كَانَ يُذْكِيهِنَّ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ [١]
لِطَارِقِ لَيْلٍ أَوْ لِمُلْتَمِسِ الْقِرَى ... وَمُسْتَنْبَحٍ [٢] أَضْحَى لَدَيْهِ عَلَى رَسْلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِهِنْدٍ.
(شِعْرُ قُتَيْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٣]: وَقَالَتْ قُتَيْلَةُ [٤] بِنْتُ الْحَارِثِ، أُخْتُ [٥] النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، تَبْكِيهِ:
يَا رَاكِبًا إنَّ الْأَثِيلَ مَظِنَّةٌ ... مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ [٦]
أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً ... مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِقُ [٧]
مِنِّي إلَيْكَ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً ... جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وَأُخْرَى تَخْنُقُ [٨]
هَلْ يَسْمَعَنِّي النَّضْرُ إنْ نَادَيْتُهُ ... أَمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لَا يَنْطِقُ
أَمُحَمَّدُ يَا خَيْرَ ضَنْءِ كَرِيمَةٍ [٩] ... فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرَّقُ [١٠]
---------------------------
[١] الجزل: الغليظ.
[٢] المستنبح: الرجل الّذي يضل بِاللَّيْلِ فيتكلف نباح الْكَلْب وحكايته لتجاوبه كلاب الْحَيّ المتوهم نزولهم فِي طَرِيقه، فيهتدى بصياحه، وَالرسل (بِالْكَسْرِ): اللَّبن.
[٣] فِي أ، ر: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٤] قَالَ السهيليّ: «الصَّحِيح أَنَّهَا بنت النَّضر لَا أُخْته، كَذَلِك قَالَ الزبير وَغَيره، وَكَذَلِكَ وَقع فِي كتاب الدَّلَائِل» .
[٥] كَانَت قتيلة هَذِه تَحت الْحَارِث بن أَبى أُميَّة الْأَصْغَر، فَهِيَ جدة الثريا بنت عبد الله بن الْحَارِث، الَّتِي يَقُول فِيهَا عمر بن أَبى ربيعَة حِين خطبهَا سُهَيْل بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف:
أَيهَا المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ؟
هِيَ شامية إِذا مَا اسْتَقَلت ... وَسُهيْل إِذا اسْتَقل يماني!
[٦] الأثيل: مَوضِع قرب الْمَدِينَة بَين بدر ووادي الصَّفْرَاء. ومظنة، أَي مَوضِع إِيقَاع الظَّن.
[٧] النجائب: الْإِبِل الْكِرَام. وتخفق: تسرع:
[٨] الواكف: السَّائِل.
[٩] الضنء: الأَصْل. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر فِي الرَّوْض.
أمحمد هَا أَنْت ضئى نجيبة
والضىء: الأَصْل وَالْولد.
[١٠] المعرق: الْكَرِيم.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-20-2026, 11:34 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (79)
صــ 43إلى صــ 52
مَا كَانَ ضُرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا ... مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ [١]
أَوْ كُنْتَ قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلْيُنْفِقَنْ ... بِأَعَزَّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ [٢]
فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَسَرَّتْ قَرَابَةً ... وَأَحَقُّهُمْ إنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ ... للَّه أَرْحَامٌ هُنَاكَ تُشَقَّقُ [٣]
صَبْرًا [٤] يُقَادُ إلَى الْمَنِيَّةِ مُتْعَبًا ... رَسْفَ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ عَانٍ مُوَثَّقُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَيُقَالُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الشِّعْرُ، قَالَ: لَوْ بَلَغَنِي هَذَا قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ.
(تَارِيخُ الْفَرَاغِ مِنْ بَدْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فَرَاغُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ فِي عَقِبِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي شَوَّالٍ.
غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ بِالْكَدَرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) [٥] لَمْ يَقُمْ بِهَا إلَّا سَبْعَ لَيَالٍ (حَتَّى) [٦] غَزَا بِنَفْسِهِ، يُرِيدُ بَنِي سُلَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، أَوْ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِهِمْ، يُقَالُ لَهُ: الْكُدْرُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ
---------------------------
[١] المحنق: الشَّديد الغيظ.
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول. وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الأغاني (ج ١ ص ١٩ طبع دَار الْكتب المصرية):
أَو كنت قَابل فديَة فلنأتين ... بِأَعَز مَا يغلو لديك وَينْفق
[٣] تنوشه: تتناوله. وتشقق: تقطع.
[٤] فِي شرح السِّيرَة: «قسرا» . والقسر: الْقَهْر وَالْغَلَبَة.
[٥] الرسف: الْمَشْي الثقيل، كمشى الْمُقَيد وَنَحْوه. والعاني: الْأَسير. وَقد وَردت هَذِه الأبيات فِي الأغاني، (ج ١ ص ١٩ طبع دَار الْكتب والحماسة ص ٤٣٧ طبع أوربة) باخْتلَاف فِي ترتيبها وَبَعض ألفاظها.
[٦] زِيَادَة عَن: أ.
ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ شَوَّالٍ وَذَا الْقَعَدَةِ، وَأَفْدَى فِي إقَامَتِهِ تِلْكَ جُلُّ الْأُسَارَى مِنْ قُرَيْشٍ [١] .
غَزْوَةُ السَّوِيقِ
(عُدْوَانُ أَبِي سُفْيَانَ وَخُرُوجُ الرَّسُولِ فِي أَثَرِهِ):
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمِّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ: قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيُّ، قَالَ: ثُمَّ غَزَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ غَزْوَةَ السَّوِيقِ فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَوَلَّى تِلْكَ الْحَجَّةَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ، فَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ، حِينَ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَرَجَعَ فَلُّ [٢] قُرَيْشٍ مِنْ بَدْرٍ، نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ [٣] حَتَّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَخرج فِي مِائَتي رَاكِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لِيَبَرَّ يَمِينَهُ، فَسَلَكَ النَّجْدِيَّةَ، حَتَّى نَزَلَ بِصَدْرِ قَنَاةٍ إلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: ثَيْبٌ [٤]، مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ اللَّيْلِ، حَتَّى أَتَى بَنِي النَّضِيرِ تَحْتَ اللَّيْلِ، فَأَتَى حُيَيُّ ابْن أَخْطَبَ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ بَابَهُ وَخَافَهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ إلَى سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي النَّضِيرِ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ، وَصَاحِبَ كَنْزِهِمْ [٥]، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَرَّاهُ [٦] وَسَقَاهُ، وَبَطَنَ [٧] لَهُ مِنْ خَبَرِ النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي عَقِبِ لَيْلَتِهِ حَتَّى أَتَى أَصْحَابَهُ، فَبَعَثَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَوْا نَاحِيَةً
----------------------
[١] إِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء الْعَاشِر من أَجزَاء السِّيرَة من تَقْسِيم الْمُؤلف.
[٢] الفل، الْقَوْم المنهزمون.
[٣] قَالَ السهيليّ: «إِن الْغسْل من الْجَنَابَة كَانَ مَعْمُولا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة بَقِيَّة من دين إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، كَمَا بَقِي مَعَهم الْحَج وَالنِّكَاح» .
[٤] فِي م، ر: «نيب» .
[٥] يُرِيد «بالكنز»: المَال الَّذين كَانُوا يجمعونه لنوائبهم وَمَا يعرض لَهُم.
[٦] قراه: أَي صنع لَهُ الْقرى، وَهُوَ طَعَام الضَّيْف.
[٧] بطن لَهُ، أَي أعلمهُ من سرهم
مِنْهَا، يُقَالُ لَهَا: الْعَرِيضُ، فَحَرَقُوا فِي أَصْوَارٍ [١] مِنْ نَخْلٍ بِهَا، وَوَجَدُوا بِهَا رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لَهُ فِي حَرْثٍ لَهُمَا، فَقَتَلُوهُمَا، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ [٢]، وَنَذِرَ بِهِمْ النَّاسُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ بَشِيرَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ أَبُو لُبَابَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٣]، حَتَّى بَلَغَ قَرْقَرَةَ [٤] الْكُدْرِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا، وَقَدْ فَاتَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ رَأَوْا أَزْوَادًا مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ قَدْ طَرَحُوهَا فِي الْحَرْثِ يَتَخَفَّفُونَ مِنْهَا لِلنَّجَاءِ [٥]، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ، حَيْنَ رَجَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَطْمَعُ لَنَا أَنْ تَكُونَ غَزْوَةً؟ قَالَ: نَعَمْ.
(سَبَبُ تَسْمِيَتِهَا بِغَزْوَةِ السَّوِيقِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ غَزْوَةَ السَّوِيقِ [٦]، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ أَكْثَرَ مَا طَرَحَ الْقَوْمُ مِنْ أَزْوَادِهِمْ السَّوِيقُ، فَهَجَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سَوِيقٍ كَثِيرٍ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ السَّوِيقِ.
(شِعْرُ أَبِي سُفْيَانَ فِيهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ، لِمَا صَنَعَ بِهِ سَلَّامُ ابْن مِشْكَمٍ:
وَإِنِّي تَخَيَّرْتُ الْمَدِينَةَ وَاحِدًا ... لِحِلْفٍ فَلَمْ أَنْدَمْ وَلَمْ أَتَلَوَّمْ [٧]
-------------------------
[١] الأصوار: جمع صور بِفَتْح الصَّاد، وَهُوَ جمَاعَة النّخل.
[٢] مَكَان هَذِه الْعبارَة من قَوْله: «وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة» إِلَى قَوْله «فِيمَا قَالَ ابْن هِشَام» مُتَأَخّر فِي «أ»
[٣] إِلَى آخر الْقِصَّة نذر بهم النَّاس: علمُوا بهم.
[٤] قرقرة الكدر: مَوضِع بِنَاحِيَة الْمَعْدن، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ثَمَانِيَة برد. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٥] النَّجَاء: السرعة.
[٦] السويق: هُوَ أَن تحمص الْحِنْطَة أَو الشّعير أَو نَحْو ذَلِك، ثمَّ تطحن، ثمَّ يُسَافر بهَا، وَقد تمزج بِاللَّبنِ وَالْعَسَل وَالسمن وتلت، فَإِن لم يكن شَيْء من ذَلِك مزحت بِالْمَاءِ.
[٧] الْمَدِينَة، أَرَادَ: من الْمَدِينَة، فَحذف الْجَرّ. وَلم أتلوم، أَي لم ادخل فِيمَا ألام عَلَيْهِ.
سَقَانِي فَرَوَانِي كُمَيْتًا مُدَامَةً [١] ... عَلَى عَجَلٍ مِنِّي سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ [٢]
وَلَمَّا تَوَلَّى الْجَيْشُ قُلْتُ وَلَمْ أَكُنْ ... لِأُفْرِحَهُ: أَبْشِرْ بِعَزٍّ وَمَغْنَمِ [٣]
تَأَمَّلْ فَإِنَّ الْقَوْمَ سُرَّ وَإِنَّهُمْ ... صَرِيحُ لُؤَيٍّ لَا شَمَاطِيطُ جُرْهُمِ [٤]
وَمَا كَانَ إلَّا بَعْضُ لَيْلَةِ رَاكِبٍ ... أَتَى سَاعِيًا [٥] مِنْ غَيْرِ خَلَّةِ مُعْدِمِ
غَزْوَةُ ذِي أَمَرَ
فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ السَّوِيقِ، أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّةَ ذِي الْحَجَّةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، ثُمَّ غَزَا نَجْدًا، يُرِيدُ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ بِنَجْدٍ صَفَرًا كُلَّهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا. فَلَبِثَ بِهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلَ كُلَّهُ، أَوْ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُ.
غَزْوَةُ الْفُرُعِ مِنْ بحران
ثمَّ غز (رَسُولُ اللَّهِ) [٦] ﷺ، يُرِيدُ قُرَيْشًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ بُحْرَانَ، مَعْدِنًا بِالْحِجَازِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرُعِ [٧]، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَجُمَادَى الْأُولَى، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
-----------------------------
[١] الْكُمَيْت: من أَسمَاء الْخمر.
[٢] سَلام بن مشْكم، قَالَ أَبُو ذَر: «إِنَّه أَرَادَ أَن يَقُول: سَلام بن مشْكم، بتَشْديد اللَّام، لكنه خففه لضَرُورَة الشّعْر، وَلم يذكر الدَّار قطنى سَلاما بِالتَّخْفِيفِ إِلَّا فِي عبد الله بن سَلام وَحده» . وَذكر السهيليّ أَنه بتَخْفِيف اللَّام وتشديدها.
[٣] لأفرحه، أَي لأشق عَلَيْهِ.
[٤] سر الْقَوْم. خالصهم، وَكَذَلِكَ الصَّرِيح مِنْهُم. والشماطيط: المختلطون.
[٥] ساعيا، قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ ساعيا، فَهُوَ من السَّعْي، وَهُوَ مَعْلُوم. وَمن رَوَاهُ: ساغبا، فالساغب: الجائع وَمن رَوَاهُ: شاعبا، فَهُوَ من التَّفَرُّق» .
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] الْفَرْع (بِضَمَّتَيْنِ): قَرْيَة من نَاحيَة الْمَدِينَة، وَيُقَال: هِيَ أول قَرْيَة مارت إِسْمَاعِيل وَأمه التَّمْر بِمَكَّة
أَمْرُ بَنِي قَيْنُقَاعَ
(نَصِيحَةُ الرَّسُولِ لَهُمْ وَرَدُّهُمْ عَلَيْهِ):
(قَالَ) [١]: وَقَدْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، مِنْ غَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَهُمْ بِسُوقِ (بَنِي) [١] قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، احْذَرُوا مِنْ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنْ النِّقْمَةِ، وَأَسْلِمُوا، فَإِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ وَعَهْدِ اللَّهِ إلَيْكُمْ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إنَّكَ تَرَى أَنَّا قَوْمُكَ! لَا يَغُرَّنَّكَ أَنَّكَ لَقِيتُ قَوْمًا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ، فَأَصَبْتَ مِنْهُمْ فُرْصَةً، إنَّا وَاَللَّهِ لَئِنْ حَارَبْنَاكَ لَتَعْلَمَنَّ أَنَّا نَحْنُ النَّاسَ.
(مَا نَزَلَ فِيهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَوْ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إلَّا فِيهِمْ: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا ٣: ١٢- ١٣: أَيْ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقُرَيْشٍ «فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَالله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» ٣: ١٣.
(كَانُوا أَوَّلَ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانُوا أَوَّلَ يَهُودَ نَقَضُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُول الله ﷺ، وَحَارَبُوا فِيمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ.
(سَبَبُ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ):
قَالَ [٢] ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي أ: «قَالَ وَحدثنَا ابْن هِشَام» .
أَبِي عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ مِنْ أَمْرِ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْعَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ [١] لَهَا، فَبَاعَتْهُ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إلَى صَائِغٍ بِهَا، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ، فَعَمِدَ الصَّائِغُ إلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا فَعَقَدَهُ إلَى ظَهْرِهَا، فَلَمَّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ سَوْأَتُهَا، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ. فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَهُودِيًّا، وَشَدَّتْ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ، فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ.
(مَا كَانَ مِنْ ابْنِ أُبَيٍّ مَعَ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَامَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ، حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَحْسِنْ فِي مُوَالِيَّ، قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتَ الْفُضُولِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرْسِلْنِي، وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظُلَلًا [٢]، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! أَرْسِلْنِي، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَا أُرْسِلْكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي موالىّ، أَربع مائَة حاسر [٣] وَثَلَاث مائَة دَارِعٍ [٤] قَدْ مَنَعُونِي مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، إنِّي وَاَللَّهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
هُمْ لَكَ.
-------------------------
[١] الجلب (بتحريك اللَّام): كل مَا يجلب للأسواق ليباع فِيهَا.
[٢] الظلل: جمع ظلة، وَهِي السحابة فِي الأَصْل، فاستعارها هُنَا لتغير الْوَجْه إِلَى السوَاد إِذا اشْتَدَّ غَضَبه ويروى: ظلالا، وَهِي بمعناها.
[٣] الحاسر: الّذي لَا درع لَهُ.
[٤] الدارع: الّذي عَلَيْهِ الدرْع.
(مُدَّةُ حِصَارِهِمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي مُحَاصَرَتِهِ إيَّاهُمْ بَشِيرَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَتْ مُحَاصَرَتُهُ إيَّاهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
(تَبَرُّؤُ ابْنِ الصَّامِتِ مِنْ حِلْفِهِمْ وَمَا نَزَلَ فِيهِ وَفِي ابْنِ أُبَيٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ ابْن الصَّامِتِ، قَالَ: لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، تَشَبَّثَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ، وَقَامَ دُونَهُمْ. قَالَ: وَمَشَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْفٍ، لَهُمْ مِنْ حِلْفِهِ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَخَلَعَهُمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَبَرَّأَ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ وَوِلَايَتِهِمْ. قَالَ: فَفِيهِ وَفِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنْ الْمَائِدَةِ «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» ٥: ٥١- ٥٢ أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ [١] بْنِ أُبَيٍّ وَقَوْلُهُ: إنِّي أَخْشَى الدَّوَائِرَ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ٥: ٥٢- ٥٣، ثُمَّ الْقِصَّةُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ٥: ٥٥. وَذَكَرَ [٢] لِتُوَلِّي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا، وَتَبَرُّئِهِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ
---------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كَعبد» .
[٢] فِي م، ر: «وَذَلِكَ» .
٤- سيرة ابْن هِشَام- ٢
وَحِلْفِهِمْ وَوِلَايَتِهِمْ: وَمن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ٥: ٥٦.
سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى الْقَرَدَةِ
(إصَابَةُ زَيْدٍ لِلْعِيرِ وَإِفْلَاتُ الرِّجَالِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الَّتِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، حَيْنَ أَصَابَ عِيرَ قُرَيْشٍ، وَفِيهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، عَلَى الْقَرَدَةِ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا: أَنَّ قُرَيْشًا خَافُوا طَرِيقَهُمْ الَّذِي كَانُوا يَسْلُكُونَ إلَى الشَّأْمِ، حِينَ كَانَ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ مَا كَانَ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ تُجَّارٌ، فِيهِمْ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَمَعَهُ فِضَّةٌ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ عُظْمُ تِجَارَتِهِمْ، وَاسْتَأْجَرُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، يُقَالُ لَهُ: فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ [١] يَدُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الطَّرِيقِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ، مِنْ بَنِي عِجْلٍ، حَلِيفٌ لِبَنِي سَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَلَقِيَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، فَأَصَابَ تِلْكَ الْعِيرَ وَمَا فِيهَا، وَأَعْجَزَهُ الرِّجَالُ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي تَأْنِيبِ قُرَيْشٍ):
- فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بَعْدَ أُحُدٍ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْآخِرَةِ يُؤَنِّبُ قُرَيْشًا لِأَخْذِهِمْ تِلْكَ الطَّرِيقِ:
دَعُو فَلَجَاتِ الشَّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا ... جَلَّادٌ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ [٢]
بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهِمْ ... وَأَنْصَارِهِ حَقَّا وَأَيْدِي الْمَلَائِكِ
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حبَان» بِالْبَاء الْمُوَحدَة. وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ، إِلَّا أَن مَا أَثْبَتْنَاهُ أشهر.
[٢] الفلجات: جمع فلجة، وَهِي الْعين الْجَارِيَة. والمخاض: الْإِبِل الْحَوَامِل. والأوارك: الَّتِي ترعى الْأَرَاك، وَهُوَ شجر تتَّخذ من أغصانه المساويك.
إذَا سَلَكَتْ لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ ... فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطّريق لَك [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، نَقَضَهَا عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَسَنَذْكُرُهَا وَنَقِيضَتُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ (فِي) [٢] مَوْضِعِهَا.
مُقْتَلُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ
(اسْتِنْكَارُهُ خَبَرَ رَسُولَيْ الرَّسُولِ بِقَتْلِ نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: [٣] وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ: أَنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ أَصْحَابُ بَدْرٍ، وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ بَشِيرَيْنِ، بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِ اللَّهِ عز وجل عَلَيْهِ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيثِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ الظَّفَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بن أَبى بكرين مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِهِ، قَالُوا: قَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ طيِّئ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي نَبْهَانَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ: أَحَقٌّ هَذَا؟ أَتَرَوْنَ مُحَمَّدًا قَتَلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَمَّى هَذَانِ الرَّجُلَانِ- يَعْنِي زَيْدًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ- فَهَؤُلَاءِ أَشْرَافُ الْعَرَبِ وَمُلُوكُ النَّاسِ، وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَصَابَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا.
(شِعْرُهُ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى الرَّسُولِ):
فَلَمَّا تَيَقَّنَ عَدُوُّ اللَّهِ الْخَبَرَ، خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَنَزَلَ عَلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَةَ السَّهْمِيِّ، وَعِنْدَهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَأَنْزَلَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ، وَجَعَلَ يُحَرِّضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
--------------------
[١] الْغَوْر: المنخفض من الأَرْض. وعالج: مَوضِع بِهِ رمل كثير.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] زَادَت م، ر قبل هَذِه الْكَلِمَة: «وَقَالَ كَعْب بن الْأَشْرَف» .
ﷺ، وَيُنْشِدُ الْأَشْعَارَ، وَيَبْكِي أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، الَّذِينَ أُصِيبُوا بِبَدْرِ، فَقَالَ:
طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِكِ أَهْلِهِ ... وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلُّ وَتَدْمَعُ [١]
قُتِلَتْ سَرَاةُ النَّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِمْ ... لَا تَبْعَدُوا إنَّ الْمُلُوكَ تُصَرَّعُ
كَمْ قَدْ أُصِيبَ بِهِ مِنْ أَبْيَضَ مَاجِدٍ ... ذِي بَهْجَةٍ يَأْوِي إلَيْهِ الضُّيَّعُ [٢]
طَلْقُ الْيَدَيْنِ إذَا الْكَوَاكِبُ أَخْلَفَتْ ... حَمَّالُ أَثْقَالٍ يَسُودُ وَيَرْبَعُ [٣]
وَيَقُولُ أَقْوَامٌ أُسَرُّ بِسَخَطِهِمْ ... إنَّ ابْنَ الْأَشْرَفِ ظَلَّ كَعْبًا يَجْزَعُ
صَدَقُوا فَلَيْتَ الْأَرْضُ سَاعَةَ قُتِّلُوا ... ظَلَّتْ تَسُوخُ بِأَهْلِهَا وَتُصَدَّعُ
صَارَ الَّذِي أَثَرَ الْحَدِيثَ بِطَعْنِهِ ... أَوْ عَاشَ أَعْمَى مُرْعَشًا لَا يَسْمَعُ
نُبِّئْتُ أَنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ كُلَّهُمْ ... خَشَعُوا لِقَتْلِ أَبِي الْحَكِيمِ وَجُدِّعُوا [٤]
وَابْنَا رَبِيعَةَ عِنْدَهُ وَمُنَبِّهٌ ... مَا نَالَ مِثْلَ الْمُهْلِكِينَ وَتُبَّعُ [٥]
نُبِّئْتُ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِهِمْ ... فِي النَّاسِ يَبْنِي الصَّالِحَاتِ وَيَجْمَعُ
لِيَزُورَ يَثْرِبَ بِالْجُمُوعِ وَإِنَّمَا ... يَحْمَى عَلَى الْحَسَبِ الْكَرِيمُ الْأَرْوَعُ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «تُبَّعُ»، «وَأُسِرَّ بِسَخَطِهِمْ» . عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي الرِّدِّ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ:
------------------------
[١] رحى الْحَرْب. معظمها ومجتمع الْقِتَال. وتسهل: تسيل بالدمع.
[٢] الضيع: جمع ضائع، وَهُوَ الْفَقِير.
[٣] طلق الْيَدَيْنِ، أَي كثير الْمَعْرُوف. وأخلفت: أَي لم يكن مَعهَا مطر، على مَا كَانَت وَالْعرب تنْسب إِلَى هَذِه الْكَوَاكِب. ويربع: أَي يَأْخُذ الرّبع، أَي أَنه كَانَ رَئِيسا، لِأَن الرئيس فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ يأخر ربع الْغَنِيمَة.
[٤] التجديع: قطع الْأنف. وَأَرَادَ بِهِ هُنَا: ذهَاب عزهم.
[٥] تبع: ملك من مُلُوك الْيمن.
[٦] الأروع: الّذي يروعك بحسنة وجماله.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-22-2026, 10:10 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (80)
صــ 53إلى صــ 62
أَبَكَى لِكَعْبٍ [١] ثُمَّ عُلَّ [٢] بِعَبْرَةٍ ... مِنْهُ وَعَاشَ مُجَدَّعًا لَا يَسْمَعُ؟
وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِبَطْنِ بَدْرٍ مِنْهُمْ ... قَتْلَى تَسُحُّ لَهَا الْعُيُونُ وَتَدْمَعُ [٣]
فَابْكِي فَقَدْ أَبَكَيْتَ عَبْدًا رَاضِعًا ... شِبْهَ الْكُلَيْبِ إلَى الْكُلَيْبَةِ يَتْبَعُ
وَلَقَدْ شَفَى الرَّحْمَنُ مِنَّا سَيِّدًا ... وَأَهَانَ قَوْمًا قَاتَلُوهُ وَصُرِّعُوا
وَنَجَا وَأُفْلِتَ مِنْهُمْ مَنْ قَلْبُهُ ... شَغَفٌ [٤] يَظَلُّ لِخَوْفِهِ يَتَصَدَّعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسَّانَ [٥] . وَقَوْلُهُ «أَبَكَى لِكَعْبِ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(شِعْرُ مَيْمُونَةَ فِي الرِّدِّ عَلَى كَعْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي مُرَيْدٍ [٦]، بَطْنٌ مِنْ بَلِيٍّ، كَانُوا حَلْفَاءَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، يُقَالُ لَهُمْ: الْجَعَادِرَةُ، تُجِيبُ كَعْبًا- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: اسْمُهَا مَيْمُونَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لَهَا، وَيُنْكِرُ نَقِيضَتَهَا لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ:
تَحَنَّنَ هَذَا الْعَبْدُ كُلَّ تَحَنُّنٍ ... يُبَكَّى عَلَى قَتْلَى وَلَيْسَ بِنَاصِبِ
بَكَتْ عَيْنُ مَنْ يَبْكِي لِبَدْرٍ وَأَهْلُهُ ... وَعُلَّتْ بِمِثْلِيِّهَا لُؤَيُّ بْنُ غَالِبِ
فَلَيْتَ الَّذِينَ ضُرِّجُوا بِدِمَائِهِمْ ... يَرَى مَا بِهِمْ مَنْ كَانَ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ [٧]
فَيَعْلَمُ حَقًّا عَنْ يَقِينٍ وَيُبْصِرُوا ... مَجَرَّهُمْ فَوْقَ اللِّحَى وَالْحَوَاجِبِ
--------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «أبكاه كَعْبًا» . وَفِي الرَّوْض: «بَكَى كَعْبًا» . قَالَ السهيليّ: «وَفِيه دُخُول زحاف على زحاف، وَهُوَ غَرِيب فِي الزحاف، فَإِنَّهُ زحاف سهل زحافا، وَلَوْلَا الزحاف الّذي هُوَ الْإِضْمَار مَا جَازَ الْبَتَّةَ حذف الرَّابِع من متفاعلن» .
[٢] عل، من الْعِلَل، وَهُوَ الشّرْب بعد الشّرْب، يُرِيد الْبكاء بعد الْبكاء.
[٣] تسح: تصب.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. قَالَ أَبُو ذَر. من رَوَاهُ بِالْعينِ الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه: محترق ملتهب. وَمن رَوَاهُ بالغين الْمُعْجَمَة، فَمَعْنَاه: أَن الْحزن بلغ إِلَى شغَاف قلبه، والشغاف: حجاب الْقلب.
[٥] قد بحثنا فِي شعر حسان فَلم نجد هَذِه القصيدة.
[٦] يرْوى بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا، وَالصَّوَاب الأول.
[٧] ضرجوا: لطخوا. والأخاشب: يُرِيد: الأخشبين، وهما جبلان بِمَكَّة، وجمعهما هُنَا مَعَ مَا حولهما.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرِّدِّ عَلَى مَيْمُونَةَ):
فَأَجَابَهَا كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، فَقَالَ:
أَلَا فَازْجُرُوا مِنْكُمْ سَفِيهًا لِتَسْلَمُوا ... عَنْ الْقَوْلِ يَأْتِي مِنْهُ غَيْرَ مُقَارِبِ [١]
أَتَشْتُمُنِي أَنْ كُنْتُ أَبْكِي بِعَبْرَةٍ ... لِقَوْمٍ أَتَانِي وُدُّهُمْ غَيْرَ كَاذِبِ
فَإِنِّي لَبَاكٍ مَا بَقِيتُ وَذَاكِرٌ ... مَآثِرَ قَوْمٍ مَجْدُهُمْ بِالْجَبَاجِبِ [٢]
لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ مُرَيْدٌ بِمَعْزِلٍ ... عَنْ الشَّرِّ فَاحْتَالَتْ [٣] وُجُوهَ الثَّعَالِبِ
فَحُقَّ مُرَيْدٌ أَنْ تُجَدَّ [٤] أُنُوفُهُمْ ... بِشَتْمِهِمْ حَيِيِّ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
وَهَبْتُ نَصِيبِي مِنْ مُرَيْدٍ لِجَعْدَرٍ ... وَفَاءً وَبَيْتُ اللَّهِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
(تَشْبِيبُ كَعْبٍ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحِيلَةُ فِي قَتْلِهِ):
ثُمَّ رَجَعَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ إلَى الْمَدِينَةِ فَشَبَّبَ [٥] بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيثِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَنَا لَكَ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَقْتُلُهُ، قَالَ: فَافْعَلْ إنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ [٦] . فَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَمَكَثَ ثَلَاثًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ إلَّا مَا يُعْلِقُ بِهِ نَفْسَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَرَكْتَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ؟ فَقَالَ:
---------------------------
[١] يُرِيد «بالسفيه»: مَيْمُونَة، قائلة الشّعْر السَّابِق، وَذكر لِأَنَّهُ حمل ذَلِك على معنى الشَّخْص، والشخص يذكر وَيُؤَنث.
[٢] الجباجب: منَازِل مَكَّة.
[٣] كَذَا فِي م، ر. واحتالت: تَغَيَّرت. وَفِي سَائِر الْأُصُول «فاختالت» بِالْحَاء الْمُعْجَمَة، وَهُوَ من الاختيال، بِمَعْنى الزهو. ويروى: «فاجتالت» بِالْجِيم، واجتال الشَّيْء: تحرّك. ونصبت «وُجُوه الثعالب» على الذَّم.
[٤] فِي أ: «تجذ» .
[٥] يرْوى أَنه شَبَّبَ بِأم الْفضل زوج الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، فَقَالَ:
أراحل أَنْت لم ترحل لمنقبة ... وتارك أَنْت أم الْفضل بِالْحرم
فِي أَبْيَات لَهُ.
[٦] قَالَ السهيليّ: «فِي هَذِه من الْفِقْه وجوب قتل من سبّ النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ ذَا عهد، خلافًا لأبى حنيفَة رحمه الله، فَإِنَّهُ لَا يرى قتل الذِّمِّيّ فِي مثل هَذَا» .
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتُ لَكَ قَوْلًا لَا أَدْرِي هَلْ أَفِيَنَّ لَكَ بِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: إنَّمَا عَلَيْكَ الْجَهْدُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَنْ نَقُولَ: قَالَ: قُولُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ. فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَسِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَهُوَ أَبُو نَائِلَةَ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكَانَ أَخَا كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ ابْن مُعَاذٍ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَأَبُو عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ [١]، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، ثُمَّ قَدَّمُوا إلَى عَدُوِّ اللَّهِ كَعْب بن لأشرف، قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ، سِلْكَانَ بْنَ سَلَامَةَ، أَبَا نَائِلَةَ، فَجَاءَهُ، فَتَحَدَّثَ مَعَهُ سَاعَةً، وَتَنَاشَدُوا شِعْرًا، وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ يَقُولُ الشِّعْرَ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا بن الْأَشْرَفِ! إنِّي قَدْ جِئْتُكَ لِحَاجَةِ أُرِيدُ ذِكْرَهَا لَكَ، فَاكْتُمْ عَنِّي، قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ عَلَيْنَا بَلَاءً مِنْ الْبَلَاءِ، عَادَتْنَا بِهِ الْعَرَبُ، وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَقَطَعَتْ عَنَّا السُّبُلَ حَتَّى ضَاعَ الْعِيَالُ، وَجُهِدَتْ الْأَنْفُسُ، وَأَصْبَحْنَا قَدْ جُهِدْنَا وَجُهِدَ عِيَالُنَا، فَقَالَ كَعْبٌ:
أَنَا ابْنُ الْأَشْرَفِ، أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أُخْبِرُكَ يَا بن سَلَامَةَ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَى مَا أَقُولُ، فَقَالَ لَهُ سِلْكَانُ: إنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ تَبِيعَنَا طَعَامًا وَنَرْهَنَكَ وَنُوثِقَ لَكَ، وَنُحْسِنُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: أترهنوني أَبْنَاءَكُمْ؟ قَالَ: لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَفْضَحَنَا إنَّ مَعِي أَصْحَابًا لِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ آتِيَكَ بِهِمْ، فَتَبِيعُهُمْ وَتُحْسِنُ فِي ذَلِكَ، وَنَرْهَنُكَ مِنْ الْحَلْقَةِ [٢] مَا فِيهِ وَفَاءٌ، وَأَرَادَ سِلْكَانُ أَنْ لَا يُنْكِرَ السِّلَاحَ إذَا جَاءُوا بِهَا، قَالَ: إنَّ فِي الْحَلْقَةِ لَوَفَاءً، قَالَ: فَرَجَعَ سِلْكَانُ إلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا السِّلَاحَ، ثُمَّ يَنْطَلِقُوا فَيَجْتَمِعُوا إلَيْهِ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَام: وَيُقَال: أترهنوني نِسَاءَكُمْ؟ قَالَ: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا، وَأَنْتَ أَشَبُّ أَهْلِ يَثْرِبَ وأعطوهم، قَالَ: أترهنوني أَبْنَاءَكُمْ؟
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ
----------------------------
[١] فِي م: «حبر» بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٢] يُرِيد «بالحلقة»: السِّلَاح كُله، وَأَصلهَا فِي الدروع.
مَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، ثُمَّ وَجَّهَهُمْ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، اللَّهمّ أَعِنْهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ، وَهُوَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، وَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إلَى حِصْنِهِ، فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَوَثَبَ فِي [١] مِلْحَفَتِهِ، فَأَخَذَتْ امْرَأَتُهُ [٢] بِنَاحِيَتِهَا، وَقَالَتْ: إنَّكَ امْرُؤٌ مُحَارِبٌ، وَإِنَّ أَصْحَابَ الْحَرْبِ لَا يَنْزِلُونَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، قَالَ: إنَّهُ أَبُو نَائِلَةَ، لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا لَمَا أَيْقَظَنِي، فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْرِفُ فِي صَوْتِهِ الشَّرَّ، قَالَ: يَقُولُ لَهَا كَعْبٌ: لَوْ يُدْعَى الْفَتَى لِطَعْنَةٍ لَأَجَابَ.
فَنَزَلَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ سَاعَةً، وَتَحَدَّثُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ يَا بن الْأَشْرَفِ أَنْ تَتَمَاشَى إلَى شِعْبِ الْعَجُوزِ [٣]، فَنَتَحَدَّثَ بِهِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: إنْ شِئْتُمْ.
فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ، فَمَشَوْا سَاعَةً، ثُمَّ إنَّ أَبَا نَائِلَةَ شَامَ [٤] يَدَهُ فِي فَوْدِ رَأْسِهِ، ثُمَّ شَمَّ يَدَهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ طِيبًا أَعْطَرَ قَطُّ، ثُمَّ مَشَى سَاعَةً، ثُمَّ عَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى اطْمَأَنَّ، ثُمَّ مَشَى سَاعَةً، ثُمَّ عَادَ لِمِثْلِهَا، فَأَخَذَ بِفَوْدِ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: اضْرِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ، فَضَرَبُوهُ، فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ [٥] أَسْيَافُهُمْ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَذَكَرْتُ مِغْوَلًا [٦] فِي سَيْفِي، حِينَ رَأَيْتُ أَسْيَافَنَا لَا تُغْنِي شَيْئًا، فَأَخَذْتُهُ، وَقَدْ صَاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ حَوْلَنَا حِصْنٌ إلَّا وَقَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ قَالَ: فَوَضَعْتُهُ فِي ثُنَّتِهِ [٧] ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغْتُ عَانَتَهُ فَوَقَعَ عَدُوُّ اللَّهِ، وَقَدْ أُصِيبَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، فَجُرِحَ فِي رَأْسِهِ أَوْ فِي رِجْلِهِ، أَصَابَهُ بَعْضُ أَسْيَافِنَا. قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى سَلَكْنَا عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ،
---------------------------
[١] فِي ر: «عَلَيْهِ» . وَفِي م: «إِن» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] فِي م، ر: «امْرَأَة» .
[٣] شعب الْعَجُوز: بِظَاهِر الْمَدِينَة.
[٤] شام يَده: أدخلها.
[٥] فِي م، ر: «عَلَيْهِم» .
[٦] المغول: السكين الَّتِي تكون فِي السَّوْط.
[٧] الثنة: مَا بَين السُّرَّة والعانة.
ثُمَّ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ عَلَى بُعَاثٍ حَتَّى أَسْنَدْنَا [١] فِي حَرَّةِ [٢] الْعَرِيضِ [٣]، وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا صَاحِبُنَا الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَنَزَفَهُ [٤] الدَّمُ، فَوَقَفْنَا لَهُ سَاعَةً، ثُمَّ أَتَانَا يَتْبَعُ آثَارَنَا. قَالَ: فَاحْتَمَلْنَاهُ فَجِئْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخِرَ اللَّيْلِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إلَيْنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ، وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ صَاحِبِنَا، فَرَجَعَ وَرَجَعْنَا إلَى أَهْلِنَا فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ خَافَتْ يَهُودُ لِوَقْعَتِنَا بِعَدُوِّ اللَّهِ، فَلَيْسَ بِهَا يَهُودِيٌّ إلَّا وَهُوَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ.
(شِعْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي مَقْتَلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعًا ... فَذَلَّتْ بَعْدَ مَصْرَعِهِ النَّضِيرُ
عَلَى الْكَفَّيْنِ ثَمَّ وَقَدْ عَلَتْهُ ... بِأَيْدِينَا مُشْهَرَةٌ ذُكُورُ
بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ إذْ دَسَّ لَيْلًا ... إلَى كَعْبٍ أَخَا كَعْب يسير
فماكره فَأَنْزَلَهُ بِمَكْرٍ ... وَمَحْمُودٌ أَخُو ثِقَةٍ جَسُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي يَوْمِ بَنِي النَّضِيرِ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي حَدِيثِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي مُقْتَلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَذْكُرُ قَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَقَتْلَ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ:
للَّه دَرُّ عِصَابَةٍ لَاقَيْتهمْ ... يَا بن الْحُقَيْقِ وَأَنْتَ يَا بن الْأَشْرَفِ
يَسْرُونَ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ إلَيْكُمْ ... مَرَحًا كَأُسْدٍ فِي عَرِينٍ مُغْرِفِ [٥]
حَتَّى أَتَوْكُمْ فِي مَحِلِّ بِلَادِكُمْ ... فَسَقَوْكُمْ حَتْفًا بِبِيضٍ ذُفَّفِ [٦]
--------------------------
[١] أسندنا: ارتفعنا.
[٢] الْحرَّة: أَرض فِيهَا حِجَارَة سود.
[٣] العريض: وَادي الْمَدِينَة.
[٤] نزفه: أضعفه بِكَثْرَة سيلانه.
[٥] العرين: مَوضِع الْأسد. ومغرف: ملتف الشّجر.
[٦] يُرِيد «بالبيض»: السيوف. وذفف: سريعة الْقَتْل.
مُسْتَنْصِرِينَ لِنَصْرِ دِينِ نَبِيِّهِمْ ... مُسْتَصْغَرِينَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُجْحِفِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ قَتْلَ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: «ذُفَّفِ»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
أَمْرُ مُحَيِّصَةَ وَحُوَيِّصَةَ
(لَوْمُ حُوَيِّصَةَ لِأَخِيهِ مُحَيِّصَةَ لِقَتْلِهِ يَهُودِيًّا ثُمَّ إسْلَامُهُ) ،
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ ظَفَرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: (مُحَيِّصَةُ) [١]، وَيُقَالُ: مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ- عَلَى ابْنِ سُنَيْنَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ سُبَيْنَةُ [٢]- رَجُلٌ مِنْ تُجَّارِ يَهُودَ، كَانَ يُلَابِسُهُمْ وَيُبَايِعُهُمْ فَقَتَلَهُ وَكَانَ حُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ مُحَيِّصَةَ، فَلَمَّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيِّصَةَ يَضْرِبُهُ، وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَقَتَلْتَهُ، أَمَا وَاَللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ. قَالَ مُحَيِّصَةُ، فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَقَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَنْ لَو أمرنى يقتلك لَضَرَبْتُ عُنُقك، قَالَ: فو الله إنْ كَانَ لِأَوَّلِ إسْلَامِ حويّصة قَالَ: آو للَّه لَوْ أَمَرَكَ مُحَمَّدٌ بِقَتْلِي لَقَتَلْتَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ لَوْ أَمَرَنِي بِضَرْبِ عُنُقِكَ لَضَرَبْتُهَا! قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ دِينًا بَلَغَ بِكَ هَذَا لَعَجَبٌ، فَأَسْلَمَ حُوَيِّصَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ مَوْلًى لِبَنِي حَارِثَةَ، عَنْ ابْنِهِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أَبِيهَا مُحَيِّصَةَ.
(شِعْرُ مُحَيِّصَةَ فِي لَوْمِ أَخِيهِ لَهُ) .
فَقَالَ مُحَيِّصَةُ فِي ذَلِكَ:
----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول. «شبينة» وَظَاهر أَن كليهمَا محرف عَن «شنينة» بنونين.
(رَاجع الرَّوْض الْأنف) ..
يَلُومُ ابْنُ أُمِّي لَوْ أُمِرْتُ بِقَتْلِهِ ... لَطَبَّقْتُ ذِفْرَاهُ بِأَبْيَضَ قَاضِبِ [١]
حُسَامٍ كَلَوْنِ الْمِلْحِ أُخْلِصَ صَقْلُهُ ... مَتَى مَا أُصَوِّبْهُ فَلَيْسَ بِكَاذِبِ
وَمَا سَرَّنِي أَنِّي قَتَلْتُكَ طَائِعًا ... وَأَنَّ لَنَا مَا بَيْنَ بُصْرَى وَمَأْرِبِ
(رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي إسْلَامِ حُوَيِّصَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَنِيِّ، قَالَ: لَمَّا ظَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَنِي قُرَيْظَةَ أَخَذَ مِنْهُمْ نَحْوًا من أَربع مائَة رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ، وَكَانُوا حَلْفَاءَ الْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، فَجَعَلَتْ الْخَزْرَجُ تَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ وَيَسُرُّهُمْ ذَلِكَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْخَزْرَجِ وَوُجُوهُهُمْ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَنَظَرَ إلَى الْأَوْسِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لِلْحِلْفِ الَّذِي بَيْنَ الْأَوْسِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَدَفَعَهُمْ إلَى الْأَوْسِ، فَدَفَعَ إلَى كُلِّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَوْسِ رَجُلًا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَالَ: لِيَضْرِبَ فُلَانٌ وَلْيُذَفِّفْ فُلَانٌ فَكَانَ مِمَّنْ دَفَعَ إلَيْهِمْ كَعْبُ بْنُ يَهُوذَا، وَكَانَ عَظِيمًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدَفَعَهُ إلَى مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَى أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ- وَأَبُو بُرْدَةَ الَّذِي رَخَّصَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَنْ يَذْبَحَ جَذَعًا مِنْ الْمَعْزِ فِي الْأَضْحَى- وَقَالَ:
لِيَضْرِبَهُ مُحَيِّصَةُ وَلِيُذَفِّفْ عَلَيْهِ أَبُو بُرْدَةَ، فَضَرَبَهُ مُحَيِّصَةُ ضَرْبَةً لَمْ تَقْطَعْ، وَذَفَّفَ أَبُو بُرْدَةَ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ. فَقَالَ حُوَيِّصَةُ، وَكَانَ كَافِرًا، لِأَخِيهِ مُحَيِّصَةَ: أَقَتَلْتَ كَعْبَ ابْنَ يَهُوذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ حُوَيِّصَةُ: أَمَا وَاَللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ قَدْ نَبَتَ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ، إنَّكَ لَلَئِيمٌ يَا مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ لَهُ مُحَيِّصَةُ: لَقَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَنْ لَو أمرنى بقتلك لَقَتَلْتُكَ، فَعَجِبَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ مُتَعَجِّبًا. فَذَكَرُوا أَنَّهُ جَعَلَ يَتَيَقَّظُ مِنْ اللَّيْلِ: فَيَعْجَبُ مِنْ قَوْلِ أَخِيهِ مُحَيِّصَةَ. حَتَّى أَصْبَحَ وَهُوَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَدِينٌ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ مُحَيِّصَةُ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا قَدْ كَتَبْنَاهَا.
(الْمُدَّةُ بَيْنَ قدوم الرَّسُول بحران وَغَزْوَةِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ إقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ قُدُومِهِ مِنْ
----------------------------
[١] طبق: قطع وَأصَاب الْمفصل. والذفرى: عظم ناتىء خلف الْأذن. والأبيض القاضب: السَّيْف الْقَاطِع.
نَجْرَانَ، جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ، وَغَزَتْهُ قُرَيْشٌ غَزْوَةَ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ.
غَزْوَةُ أُحُدٍ
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ أُحُدٍ، كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ابْن حِبَّانَ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلُّهُمْ قَدْ حَدَّثَ بَعْضَ الْحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، وَقَدْ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ كُلُّهُ فِيمَا سُقْتُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالُوا، أَوْ مَنْ قَالَهُ مِنْهُمْ:
(التَّحْرِيضُ عَلَى غَزْوِ الرَّسُولِ):
لَمَّا أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ أَصْحَابِ الْقَلِيبِ، وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إلَى مَكَّةَ، وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِعِيرِهِ، مَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، مِمَّنْ أُصِيبَ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَإِخْوَانُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَلَّمُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ مِنْ قُرَيْشٍ تِجَارَةٌ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ، وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا الْمَالِ عَلَى حَرْبِهِ، فَلَعَلَّنَا نُدْرِكُ مِنْهُ ثَأْرَنَا بِمَنْ أَصَابَ مِنَّا، فَفَعَلُوا.
(مَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَفِيهِمْ، كَمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ» ٨: ٣٦.
(اجْتِمَاعُ قُرَيْشٍ لِلْحَرْبِ):
فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ
ابْنُ حَرْبٍ، وَأَصْحَابُ الْعِيرِ بِأَحَابِيشِهَا [١]، وَمَنْ أَطَاعَهَا مِنْ قَبَائِلِ كِنَانَةَ، وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَكَانَ أَبُو عَزَّةَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ قَدْ مَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ وَحَاجَةٍ، وَكَانَ فِي الْأُسَارَى فَقَالَ:
إنِّي فَقِيرٌ ذُو عِيَالٍ وَحَاجَةٍ قَدْ عَرَفْتَهَا فَامْنُنْ عَلَيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ، فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا أَبَا عَزَّةَ إنَّكَ امْرُؤٌ شَاعِرٌ، فَأُعِنَّا بِلِسَانِكَ، فَاخْرُجْ مَعَنَا، فَقَالَ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَنَّ عَلَيَّ فَلَا أُرِيدُ أَنْ أُظَاهِرَ عَلَيْهِ، قَالَ: (بَلَى) [٢] فَأَعِنَّا بِنَفْسِكَ، فَلَكَ اللَّهُ عَلَيَّ إنْ رَجَعْتُ أَنْ أُغْنِيَكَ، وَإِنْ أُصِبْتَ أَنْ أَجَعَلَ بَنَاتِكَ مَعَ بَنَاتِي، يُصِيبُهُنَّ مَا أَصَابَهُنَّ مِنْ عُسْرٍ وَيُسْرٍ. فَخَرَجَ أَبُو عَزَّةَ فِي تِهَامَةَ، وَيَدْعُو بَنِي كِنَانَةَ وَيَقُولُ:
إيهًا [٣] بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ الرُّزَّامِ ... أَنْتُمْ حُمَاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ [٤]
لَا تَعْدُونِي نَصَّرَكُمْ بَعْدَ الْعَامِ ... لَا تُسْلِمُونِي لَا يَحِلُّ إسْلَامْ
وَخَرَجَ مُسَافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ إلَى بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، يُحَرِّضُهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ:
يَا مَالُ، مَالُ الْحَسَبَ الْمُقَدَّمِ ... أَنْشُدُ ذَا الْقُرْبَى وَذَا التَّذَمُّمْ [٥]
مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ وَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ ... الْحِلْفَ وَسْطَ الْبَلَدِ الْمُحَرَّمْ
عِنْدَ حَطِيمِ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمْ
وَدَعَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ غُلَامًا لَهُ حَبَشِيًّا يُقَالُ لَهُ: وَحْشِيٌّ، يَقْذِفُ بِحَرْبَةِ لَهُ قَذْفَ الْحَبَشَةِ، قَلَّمَا يُخْطِئُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: اُخْرُجْ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتُ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ، فَأَنْتَ عَتِيقٌ.
(خُرُوجُ قُرَيْشٍ مَعَهُمْ نِسَاؤُهُمْ):
(قَالَ) [٢] فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ بِحَدِّهَا وَجَدِّهَا وَحَدِيدِهَا وَأَحَابِيشِهَا، وَمَنْ تَابَعَهَا
----------------------------
[١] يُرِيد «بأحابيشها»: من اجْتمع إِلَى الْعَرَب وانضم إِلَيْهِم من غَيرهم.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ: وَفِي سَائِر الْأُصُول «أيا» .
[٤] الرزام: جمع رازم، وَهُوَ الّذي يثبت وَلَا يبرح مَكَانَهُ. يُرِيد أَنهم يثبتون فِي الْحَرْب وَلَا ينهزمون.
[٥] يَا مَال: أَرَادَ: يَا مَالك، فَحذف الْكَاف للترخيم. وَذُو التذمم: هُوَ الّذي لَهُ ذمام، أَي عهد.
مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِالظُّعْنِ [١]؟ الْتِمَاسَ الْحَفِيظَةِ، وَأَلَّا يَفِرُّوا. فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَهُوَ قَائِدُ النَّاسِ، بهند بنت عُتْبَةَ وَخَرَجَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ بِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَخَرَجَ الْحَارِثُ ابْن هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بِبَرْزَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيَّةِ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ابْن أُمَيَّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رُقَيَّةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِرَيْطَةَ بِنْتِ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَخَرَجَ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَأَبُو طَلْحَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، بِسُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ الْأَنْصَارِيَّةِ وَهِيَ أُمُّ بَنِي طَلْحَةَ: مُسَافِعُ وَالْجُلَاسُ وَكِلَابٌ، قُتِلُوا يَوْمئِذٍ (هُمْ) [٢] وَأَبُوهُمْ، وَخَرَجَتْ خُنَاسُ بِنْتُ مَالِكٍ بْنِ الْمُضْرِبِ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ مَعَ ابْنِهَا أَبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَهِيَ أُمُّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَخَرَجَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَكَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ كُلَّمَا مَرَّتْ بِوَحْشِيٍّ أَوْ مَرَّ بِهَا، قَالَتْ: وَيْهَا [٣] أَبَا دَسْمَةَ اشْفِ وَاسْتَشْفِ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يُكَنَّى بِأَبِي دَسْمَةَ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى تزلوا بِعَيْنَيْنِ، بِجَبَلٍ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ مِنْ قَنَاةٍ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي، مُقَابِلَ الْمَدِينَةِ.
(رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
(قَالَ) [٢] فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ نَزَلُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ وَاَللَّهِ خَيْرًا، رَأَيْتُ بَقَرًا، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلْمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ.
-------------------------
[١] يُرِيد «بالظعن»: النِّسَاء فِي الهوادج.
[٢] الزِّيَادَة عَن أ.
[٣] وَبهَا: كلمة مَعْنَاهَا الإغراء والتحضيض.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-24-2026, 11:12 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (81)
صــ 63إلى صــ 72
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ بَقَرًا لِي تُذْبَحُ؟ قَالَ: فَأَمَّا الْبَقَرُ فَهِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ، وَأَمَّا الثَّلْمُ الَّذِي رَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي، فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ.
(مُشَاوَرَةُ الرَّسُولِ الْقَوْمَ فِي الْخُرُوجِ أَوْ الْبَقَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدْعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَامٍ، وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا وَكَانَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ رَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَرَى رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَلَّا يَخْرَجَ إلَيْهِمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الْخُرُوجَ، فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّنْ أَكْرَمَ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُخْرُجْ بِنَا إلَى أَعْدَائِنَا، لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تخرج إِلَيْهِم، فو الله مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إلَى عَدُوٍّ لَنَا قَطُّ إلَّا أَصَابَ مِنَّا، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرِّجَالُ فِي وَجْهِهِمْ، وَرَمَاهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا. فَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حُبُّ لِقَاءِ الْقَوْمِ، حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ [١]، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَيْنَ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي النَّجَّارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نَدِمَ النَّاسُ، وَقَالُوا: اسْتَكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ذَلِكَ. فَلَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: اسْتَكْرَهْنَاكَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَنَا، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذَا لَبِسَ لَأَمْتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ [١] ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ.
(انْخِذَالُ الْمُنَافِقِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى إذَا كَانُوا بِالشَّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ، انْخَزَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ بِثُلُثِ النَّاسِ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي، مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيُّهَا النَّاسُ فَرَجَعَ بِمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالرَّيْبِ، وَاتَّبَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، يَقُولُ: يَا قَوْمِ، أذكِّركم اللَّهَ أَلَّا تَخْذُلُوا قومكم ونبيّكم عِنْد مَا حَضَرَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَقَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَمَا أَسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنَّا لَا نَرَى أَنَّهُ يَكُونُ قِتَالٌ. قَالَ: فَلَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وَأَبَوْا إلَّا الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ، قَالَ: أَبْعَدَكُمْ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ نَبِيَّهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ غَيْرُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ الْأَنْصَارَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْتَعِينُ بِحُلَفَائِنَا مِنْ يَهُودَ؟ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ.
(حَادِثَةٌ تَفَاءَلَ بِهَا الرَّسُولُ):
قَالَ زِيَادٌ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ، قَالَ: وَمَضَى رَسُول الله ﷺ حَتَّى سَلَكَ فِي حَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ، فَذَبَّ [٢] فَرَسُ بِذَنَبِهِ، فَأَصَابَ كَلَّابَ سَيْفٍ [٣] فَاسْتَلَّهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: كِلَابُ سَيْفٍ [٤] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ وَلَا يَعْتَافُ [٥]، لِصَاحِبِ السَّيْفِ: شِمْ سَيْفَكَ [٦]، فَإِنِّي أَرَى السُّيُوفَ سَتُسَلُّ الْيَوْمَ.
-----------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] ذب بِذَنبِهِ، أَي حركه ليذب بِهِ الطير.
[٣] الْكلاب: مِسْمَار يكون فِي قَائِم السَّيْف، وَفِيه الذؤابة لتَعَلُّقه بهَا.
[٤] لَعَلَّه: «كلب سيف» بِالْفَتْح، إِذْ الْكلاب وَالْكَلب بِمَعْنى وَاحِد.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَلَا يعتاف: لَا يتطير. وَفِي أ: «يعتان بالنُّون» .
[٦] شم سَيْفك، أَي أغمده. وَهَذَا الْفِعْل من الأضداد.
(مَا كَانَ مِنْ مِرْبَعٍ حِينَ سَلَكَ الْمُسْلِمُونَ حَائِطَهُ):
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ: أَيْ مِنْ قُرْبٍ، مِنْ طَرِيقٍ لَا يَمُرُّ بِنَا عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَفَذَ بِهِ فِي حَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ، وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، حَتَّى سَلَكَ فِي مَالٍ لِمِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيٍّ، وَكَانَ رَجُلًا مُنَافِقًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، فَلَمَّا سَمِعَ حِسَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَامَ يَحْثِي فِي وُجُوهِهِمْ التُّرَابَ، وَيَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ حَائِطِي. وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَا غَيْرَكَ يَا مُحَمَّدُ لَضَرَبْتُ بِهَا وَجْهَكَ. فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا الْأَعْمَى أَعْمَى الْقَلْبِ، أَعْمَى الْبَصَرِ. وَقَدْ بَدَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَبْلَ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَضَرَبَهُ بِالْقَوْسِ فِي رَأْسِهِ، فَشَجَّهُ.
(نُزُولُ الرَّسُولِ بِالشِّعْبِ وَتَعْبِيَتُهُ لِلْقِتَالِ):
قَالَ: وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِنْ أُحُدٍ، فِي عُدْوَةِ الْوَادِي إلَى الْجَبَلِ، فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إلَى أُحُدٍ، وَقَالَ: لَا يُقَاتِلُنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ حَتَّى نَأْمُرُهُ بِالْقِتَالِ. وَقَدْ سَرَّحَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ وَالْكُرَاعَ [١] فِي زُرُوعٍ كَانَتْ بِالصَّمْغَةِ [٢]، مِنْ قَنَاةِ لِلْمُسْلِمِينَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْقِتَالِ: أَتُرْعَى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ [٣] وَلِمَا نُضَارِبُ! وَتُعَبَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقِتَالِ، وَهُوَ فِي سبع مائَة رَجُلٍ، وَأَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ مُعْلَمٌ يَوْمئِذٍ بِثِيَابِ بِيضٍ، وَالرُّمَاةُ خَمْسُونَ رَجُلًا، فَقَالَ: انْضَحْ [٤] الْخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ،
---------------------------
[١] الظّهْر: الْإِبِل. والكراع: الْخَيل.
[٢] الصمغة: أَرض قرب أحد.
[٣] بَنو قيلة: هم الْأَوْس والخزرج وقيلة: أم من أُمَّهَات الْأَنْصَار نسبوا إِلَيْهَا.
[٤] انْضَحْ الْخَيل، أَي ادفعهم.
٥- سيرة ابْن هِشَام- ٢
لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا، فَاثْبُتْ مَكَانَكَ لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكِ.
وَظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ [١]، وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ ابْن عُمَيْرٍ، أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.
(مَنْ أَجَازَهُمْ الرَّسُولُ وَهُمْ فِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْفَزَارِيَّ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، أَخَا بَنِي حَارِثَةَ، وَهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ رَدَّهُمَا، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَافِعًا رَامٍ، فَأَجَازَهُ، فَلَمَّا أَجَازَ رَافِعًا، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ سَمُرَةَ يَصْرَعُ رَافِعًا، فَأَجَازَهُ. وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، أَحَدَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، أَحَدَ بَنِي حَارِثَةَ، وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، أَحَدَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ، أَحَدَ بَنِي حَارِثَةَ، ثُمَّ أَجَازَهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَعَبَّأَتْ قُرَيْشٌ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافِ رجل، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ قَدْ جَنَبُوهَا [٢]، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهَا عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ.
(أَمْرُ أَبِي دُجَانَةَ):
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ رِجَالٌ، فَأَمْسَكَهُ عَنْهُمْ، حَتَّى قَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ، فَقَالَ: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَن تشرب بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى يَنْحَنِيَ، قَالَ:
أَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّهِ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ. وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ، إذَا كَانَتْ، وَكَانَ إذَا أَعُلِمَ بِعِصَابَةِ لَهُ حَمْرَاءَ، فاعتصب بهَا على لناس أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ، فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَ عِصَابَتَهُ تِلْكَ، فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ.
--------------------------
[١] ظَاهر بَين درعين، أَي لبس درعا فَوق درع.
[٢] جنبوها: قادوها إِلَى جنُوبهم يستعملونها إِذا أعيا بعض خيلهم أَو قتل.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْلَمَ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ رَأَى أَبَا دُجَانَةَ يَتَبَخْتَرُ: إنَّهَا لمشية يبغضها انه، إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ.
(أَمْرُ أَبِي عَامِرٍ الْفَاسِقُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا عَامِرٍ، عَبْدَ عَمْرِو ابْن صَيْفِيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ النُّعْمَانِ، أَحَدَ بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَقَدْ كَانَ خَرَجَ حِينَ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ مُبَاعِدًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَعَهُ خَمْسُونَ غُلَامًا مِنْ الْأَوْسِ، وَبَعْضُ النَّاسِ كَانَ يَقُولُ: كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانَ يَعِدُ قُرَيْشًا أَنْ لَوْ قَدْ لَقِيَ قَوْمَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَهُمْ أَبُو عَامِرٍ فِي الْأَحَابِيشِ وَعُبْدَانُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ، أَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالُوا: فَلَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا يَا فَاسِقُ- وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ: الرَّاهِبَ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْفَاسِقَ- فَلَمَّا سَمِعَ رَدَّهُمْ عَلَيْهِ قَالَ: لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرٌّ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَاضَخَهُمْ [١] بِالْحِجَارَةِ.
(أُسْلُوبُ أَبِي سُفْيَانَ فِي تَحْرِيضِ قُرَيْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِأَصْحَابِ اللِّوَاءِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يُحَرِّضُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْقِتَالِ: يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، إنَّكُمْ قَدْ وَلَّيْتُمْ لِوَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَصَابَنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِ رَايَاتِهِمْ إذَا زَالَتْ زَالُوا، فَإِمَّا أَنْ تَكْفُونَا لِوَاءَنَا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَنَكْفِيكُمُوهُ، فَهَمُّوا بِهِ وَتُوَاعَدُوهُ، وَقَالُوا: نَحْنُ نُسْلِمُ إلَيْكَ لِوَاءَنَا، سَتَعْلَمُ غَدًا إذَا الْتَقَيْنَا كَيْفَ نَصْنَعُ! وَذَلِكَ أَرَادَ أَبُو سُفْيَانَ.
(تَحْرِيضُ هِنْدَ وَالنِّسْوَةِ مَعَهَا):
فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ، وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، قَامَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فِي النِّسْوَةِ اللَّاتِي مَعَهَا، وَأَخَذْنَ الدُّفُوفَ يَضْرِبْنَ بِهَا خَلَفَ الرِّجَالِ، وَيُحَرِّضْنَهُمْ، فَقَالَتْ هِنْدُ فِيمَا تَقُولُ:
-----------------------
[١] راضخهم: راماهم.
وَيْهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارْ ... وَيْهَا حُمَاةَ الْأَدْبَارْ [١]
ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارْ [٢]
وَتَقُولُ:
إنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ ... وَنَفْرِشُ النَّمَارِقْ [٣]
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ ... فِرَاقَ غَيْرَ وَامِقْ [٤]
(شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ):
وَكَانَ شِعَارُ [٥] أَصْحَابِ رَسُول الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: أَمِتْ، أَمِتْ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
(تَمَامُ قِصَّةِ أَبِي دُجَانَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاقْتَتَلَ النَّاسُ حَتَّى حَمِيَتْ الْحَرْبُ، وَقَاتَلَ أَبُو دُجَانَةَ حَتَّى أَمْعَنَ فِي النَّاسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ قَالَ:
وَجِدْتُ فِي نَفْسِي حِينَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّيْفَ فَمَنَعْنِيهِ وَأَعْطَاهُ أَبَا دُجَانَةَ، وَقُلْتُ: أَنَا ابْنُ صَفِيَّةَ عَمَّتَهِ، وَمِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ قُمْتُ إلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ إيَّاهُ قَبْلَهُ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ وَتَرَكَنِي، وَاَللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ مَا يَصْنَعُ، فَاتَّبَعَتْهُ، فَأَخْرَجَ عِصَابَةً لَهُ حَمْرَاءَ، فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: أَخْرِجْ أَبُو دُجَانَةَ عِصَابَةَ الْمَوْتِ، وَهَكَذَا كَانَتْ تَقُولُ لَهُ إذَا تَعَصَّبَ بِهَا. فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي ... وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ
أَلَّا أَقَوْمَ الدَّهْرَ فِي الْكَيُّولِ ... أَضْرِبُ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ [٦]
---------------------
[١] ويها: كلمة مَعْنَاهَا الإغراء. حماة الأدبار، أَي الَّذين يحْمُونَ أعقاب النَّاس.
[٢] البتار: الْقَاطِع.
[٣] النمارق: جمع نمرقة، وَهِي الوسادة الصَّغِيرَة.
[٤] الوامق: الْمُحب وَهَذَا الرجز لهِنْد بنت طَارق بن بياضة الإيادية قالته فِي حَرْب الْفرس لإياد وتمثلت بِهِ هِنْد بنت عتبَة (السهيليّ وَاللِّسَان) .
[٥] الشعار (هُنَا): عَلامَة ينادون بهَا فِي الْحَرْب، ليعرف بَعضهم بَعْضًا.
[٦] الكيول: آخر الصُّفُوف فِي الْحَرْب. وَلم يسمع إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث وَهُوَ عَليّ التَّشْبِيه بكيول الزندى، وَهُوَ سَواد ودخان يخرج مِنْهُ آخرا بعد الْقدح إِذا لم يور نَارا، وَذَلِكَ شَيْء لَا غناء فِيهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى فِي الْكُبُولِ [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إلَّا قَتَلَهُ. وَكَانَ فِي الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَنَا جَرِيحًا إلَّا ذَفَّفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ.
فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَالْتَقَيَا، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَ الْمُشْرِكُ أَبَا دُجَانَةَ، فَاتَّقَاهُ بِدَرَقَتِهِ، فَعَضَّتْ بِسَيْفِهِ، وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَدْ حَمَلَ السَّيْفَ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، ثُمَّ عَدَلَ السَّيْفَ عَنْهَا. قَالَ الزَّبِيرُ فَقُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ: رَأَيْتُ إنْسَانًا يَخْمُشُ [٢] النَّاسَ خَمْشًا شَدِيدًا، فَصَمَدْتُ لَهُ، فَلَمَّا حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ وَلْوَلَ فَإِذَا امْرَأَةٌ، فَأَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ امْرَأَةً.
(مَقْتَلُ حَمْزَةَ):
وَقَاتَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى قَتَلَ أَرْطَاةَ بْنَ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَ أَحَدَ النَّفَرِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ اللِّوَاءَ ثُمَّ مَرَّ بِهِ سِبَاعُ ابْن عَبْدِ الْعُزَّى الْغُبْشَانِيُّ، وَكَانَ يُكَنَّى بِأَبِي نِيَارٍ، فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: هَلُمَّ إلَيَّ يَا بن مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ- وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ أَنْمَارٍ مَوْلَاةُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ.
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَرِيقُ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ) [٣] . وَكَانَتْ خَتَّانَةً بِمَكَّةَ- فَلَمَّا الْتَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَقَتَلَهُ.
قَالَ وَحْشِيٌّ، غُلَامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَنْظُرُ إلَى حَمْزَةَ يَهُدُّ [٤]
---------------------------
[١] الكبول: الْقُيُود، الْوَاحِد: كبل (بِالْفَتْح، وَيكسر) .
وَقد زَادَت م، ب بعد هَذِه الْكَلِمَة: «يعْنى آخر الصُّفُوف» وَهِي تَفْسِير الكيول (بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة)
[٢] فِي م، ر: «يحمش» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] يهد، قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، فَمَعْنَاه. يسْرع فِي قطع لُحُوم النَّاس بِسَيْفِهِ. وَمن رَوَاهُ بِالدَّال الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه يرديهم ويهلكهم» .
النَّاسَ بِسَيْفِهِ مَا يُلِيقُ [١] بِهِ شَيْئًا، مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ [٢] إذْ تَقَدَّمَنِي إلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: هَلُمَّ إلَيَّ يَا بن مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً، فَكَأَنَّ مَا أَخْطَأَ رَأْسَهُ [٣]، وَهَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتَّى إذَا رَضِيتُ مِنْهَا دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنَّتِهِ [٤] حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَأَقْبَلَ نَحْوِي، فَغُلِبَ فَوَقَعَ، وَأَمْهَلْتُهُ حَتَّى إذَا مَاتَ جِئْتُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ تَنَحَّيْتُ إلَى الْعَسْكَرِ، وَلَمْ تَكُنْ لِي بِشَيْءِ حَاجَةٌ غَيْرَهُ.
(وَحْشِيٌّ يُحَدِّثُ الضَّمْرِيَّ وَابْنَ الْخِيَارِ عَنْ قَتْلِهِ حَمْزَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ [٥] بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ الضَّمْرِيَّ قَالَ: خُرِجْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، أَخُو بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَدْرَبْنَا مَعَ النَّاسِ [٦]، فَلَمَّا قَفَلْنَا مَرَرْنَا بِحِمْصَ- وَكَانَ وَحْشِيٌّ، مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَدْ سَكَنَهَا، وَأَقَامَ بِهَا- فَلَمَّا قَدِمْنَاهَا، قَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ: هَلْ لَكَ فِي أَنْ نَأْتِيَ وَحْشِيًّا فَنَسْأَلَهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ كَيْفَ قَتَلَهُ؟
قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إنْ شِئْتَ. فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْهُ بِحِمْصَ، فَقَالَ لَنَا رَجُلٌ، وَنَحْنُ نَسْأَلُ عَنْهُ: إنَّكُمَا سَتَجِدَانِهِ بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَهُوَ رَجُلٌ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْخَمْرُ، فَإِنْ تَجِدَاهُ صَاحِيًا تَجِدَا رَجُلًا عَرَبِيًّا، وَتَجِدَا عِنْدَهُ بَعْضَ مَا تُرِيدَانِ، وَتُصِيبَا عِنْدَهُ مَا شِئْتُمَا مِنْ حَدِيثٍ تَسْأَلَانِهِ عَنْهُ، وَإِنْ تَجِدَاهُ وَبَهْ بَعْضُ مَا يَكُونُ بِهِ، فَانْصَرَفَا
--------------------------
[١] مَا يَلِيق: مَا يبْقى.
[٢] الأورق: الّذي لَونه إِلَى الغبرة.
[٣] كَأَن مَا أَخطَأ رَأسه، أَي كَانَ الْأَمر والشأن مَا أَخطَأ رَأسه، وَمَا: نَافِيَة وَالنُّون فِي «كَأَن» مُنْفَصِلَة عَن «مَا» . وَيجوز أَن تكون «مَا» مُتَّصِلَة بكأن، وَيكون الْمَعْنى: كَأَنَّهُ أَخطَأ رَأسه، أَي أسْرع الضَّرْب وَالْقطع وَكَأن السَّيْف لم يُصَادف مَا يُريدهُ. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٤] الثنة: مَا بَين أَسْفَل الْبَطن إِلَى الْعَانَة.
[٥] فِي أ: «عَيَّاش» . وَهُوَ تَحْرِيف. قَالَ أَبُو ذَر: «الصَّوَاب: ابْن عَبَّاس، بِالْبَاء وَالسِّين الْمُهْملَة»
[٦] فأدربنا مَعَ النَّاس، أَي جزنا الدروب.
عَنْهُ وَدَعَاهُ، قَالَ: فَخَرَجْنَا نَمْشِي حَتَّى جِئْنَاهُ، فَإِذَا هُوَ بِفِنَاءِ دَارِهِ عَلَى طَنْفَسَةٍ لَهُ [١]، فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ مِثْلُ الْبُغَاثِ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْبُغَاثُ: ضَرْبٌ مِنْ الطَّيْرِ إلَى السَّوَادِ [٢]- فَإِذَا هُوَ صَاحٍ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: ابْنٌ لِعَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُكَ مُنْذُ نَاوَلْتُكَ أُمَّكَ السَّعْدِيَّةَ الَّتِي أَرْضَعَتْكَ بِذِي طُوًى [٣]، فَإِنِّي نَاوَلْتُكهَا وَهِيَ عَلَى بَعِيرِهَا، فَأَخَذَتْكَ بِعُرْضَيْكَ [٤]، فَلَمَعَتْ لِي قَدَمَاكَ حِينَ رفعتك إِلَيْهَا، فو الله مَا هُوَ إلَّا أَنْ وَقَفْتَ عَلَيَّ فَعَرَفْتُهُمَا. قَالَ: فَجَلَسْنَا إلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: جِئْنَاكَ لِتُحَدِّثَنَا عَنْ قَتْلِكَ حَمْزَة، كَيفَ قتلت؟ فَقَالَ: أَمَا إنِّي سَأُحَدِّثُكُمَا كَمَا حَدَّثْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، كُنْتُ غُلَامًا لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَكَانَ عَمُّهُ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ قَدْ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمَّا سَارَتْ قُرَيْشٌ إلَى أُحُدٍ، قَالَ لِي جُبَيْرٌ: إنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي فَأَنْتَ عَتِيقٌ قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ، وَكُنْتُ رَجُلًا حَبَشِيًّا أَقْذِفُ بِالْحَرْبَةِ قَذْفَ الْحَبَشَةِ، قَلَّمَا أُخْطِئُ بِهَا شَيْئًا، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ خَرَجْتُ انْظُر حَمْزَة وأ تبصّره، حَتَّى رَأَيْتُهُ فِي عُرْضِ النَّاسِ مِثْلَ الْجَمْلِ الْأَوْرَقِ [٥]، يَهُدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَدًّا، مَا يَقُومُ لَهُ شَيْء، فو الله إنِّي لَأَتَهَيَّأُ لَهُ، أُرِيدُهُ وَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِشَجَرَةِ أَوْ حَجَرٍ لِيَدْنُوَ مِنِّي إذْ تَقَدَّمَنِي إلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَلَمَّا رَآهُ حَمْزَةُ قَالَ لَهُ: هَلُمَّ إلَيَّ يَا بن مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ. قَالَ: فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً كَأَنَّ مَا أَخَطَأَ رَأْسَهُ. قَالَ: وَهَزَّزَتْ
------------------------
[١] الطنفسة (مُثَلّثَة الطَّاء وَالْفَاء، وبكسر الطَّاء وَفتح الْفَاء، وَبِالْعَكْسِ): وَاحِدَة الطنافس من الْبسط وَالثيَاب والحصير.
[٢] فِي أ: «قَالَ ابْن هِشَام: مثل البغاثة، وَهِي ضرب من الطير» .
[٣] ذُو طوى: مَوضِع بِمَكَّة.
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «بعرضك» . قَالَ أَبُو ذَر: «أخذتك بعرضتك» من رَوَاهُ هَكَذَا، فالعرضة: الْجلد الّذي يكون فِيهِ الصبى إِذا أرضع، ويربى فِيهِ. وَمن رَوَاهُ «بعرصتك» بالصَّاد الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه أَنه رَفعه إِلَيْهَا بِالثَّوْبِ الّذي كَانَ تَحْتَهُ، وَمِنْه عَرصَة الدَّار- وَهُوَ مَا يَقع عَلَيْهِ الْبناء- وَمن رَوَاهُ «بعرضيك» فَمَعْنَاه بجانبيك. وَعرض الشَّيْء (بِضَم الْعين): جَانِبه» .
[٥] الْجمل الأورق: الّذي لَونه بَين الغبرة والسواد، سَمَّاهُ كَذَلِك لما عَلَيْهِ من الْغُبَار.
حَرْبَتِي، حَتَّى إذَا رَضِيتُ مِنْهَا، دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنَّتِهِ، حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَذَهَبَ لِيَنُوءَ [١] نَحْوِي، فَغُلِبَ، وَتَرَكْتُهُ وَإِيَّاهَا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى الْعَسْكَرِ، فَقَعَدْتُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ حَاجَةٌ، وَإِنَّمَا قَتَلْتُهُ لِأُعْتَقَ. فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ أُعْتِقْتُ، ثُمَّ أَقَمْتُ حَتَّى إذَا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ هَرَبْتُ إلَى الطَّائِفِ، فَمَكَثْتُ [٢] بِهَا، فَلَمَّا خَرَجَ وَفْدُ الطَّائِفِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُسْلِمُوا تَعَيَّتْ عَلَيَّ الْمَذَاهِبُ، فَقُلْتُ: أَلْحَقُ بِالشَّأْمِ، أَوْ الْيَمَنِ، أَوْ بِبَعْض الْبِلَاد، فو الله إنِّي لَفِي ذَلِكَ مِنْ هَمِّي، إذْ قَالَ لِي رَجُلٌ: وَيْحَكَ! إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا يَقْتُلُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ دَخَلَ فِي دِينِهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَتَهُ [٣] .
(وَحْشِيٌّ بَيْنَ يَدَيْ الرَّسُولِ يُسْلِمُ):
فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، خَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يَرُعْهُ إلَّا بِي قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ أَتَشَهَّدُ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ:
أَوَحْشِيٌّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: اُقْعُدْ فَحَدِّثْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ، قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ كَمَا حَدَّثْتُكُمَا، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَدِيثِي قَالَ: وَيْحَكَ! غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ، فَلَا أُرَيَنَّكَ. قَالَ: فَكُنْتُ أَتَنَكَّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ كَانَ لِئَلَّا يَرَانِي، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷺ.
(قَتْلُ وَحْشِيٍّ لَمُسَيْلِمَةَ):
فَلَمَّا خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ خَرَجْتُ مَعَهُمْ، وَأَخَذْتُ حَرْبَتِي الَّتِي قَتَلْتُ بِهَا حَمْزَةَ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ رَأَيْتُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ قَائِمًا فِي يَدِهِ السَّيْفَ، وَمَا أَعْرِفُهُ، فَتَهَيَّأْتُ لَهُ، وَتَهَيَّأَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، كِلَانَا يُرِيدُهُ، فَهَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتَّى إذَا رَضِيتُ مِنْهَا دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ، وَشَدَّ عَلَيْهِ الْأَنْصَارِيُّ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَرَبُّكَ أَعْلَمُ أَيُّنَا قَتَلَهُ،
-----------------------
[١] ينوء: ينْهض متثاقلا.
[٢] فِي أ: فَكنت.
[٣] فِي م، ر: شَهَادَة الْحق.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-26-2026, 11:40 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (82)
صــ 73إلى صــ 82
فَإِنْ كُنْتُ قَتَلْتَهُ، فَقَدْ قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ قَتَلْتُ شَرَّ النَّاسِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ الْيَمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ يَوْمئِذٍ صَارِخًا يَقُولُ: قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ.
(خَلْعُ وَحْشِيٍّ مِنْ الدِّيوَانِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَلَغَنِي أَنَّ وَحْشِيًّا لَمْ يَزَلْ يُحَدُّ فِي الْخَمْرِ حَتَّى خُلِعَ مِنْ الدِّيوَانِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ قَاتِلَ حَمْزَةَ.
(مَقْتَلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَاتَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُتِلَ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ ابْنُ قَمِئَةَ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا. فَلَمَّا قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللِّوَاءَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَقَاتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَرِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَازِنِيَّ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ يَوْمَ أُحُدٍ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ رَايَةِ الْأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَنْ قَدَّمَ الرَّايَةَ. فَتَقَدَّمَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو الْفُصَمِ [١]، وَيُقَالُ: أَبُو الْقُصَمِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- فَنَادَاهُ أَبُو سَعْدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ: أَنْ هَلْ لَكَ يَا أَبَا الْقُصَمِ فِي الْبِرَازِ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَبَرَزَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ
----------------------
[١] فِي أ، ط هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي رِوَايَة عَن ابْن هِشَام: «القصم» بِالْقَافِ. مَعَ اخْتِلَاف فِي الضَّبْط، فضبطت هُنَا بِالْفَتْح، وَفِي الثَّانِيَة بِضَم فَفتح. وَفِي سَائِر الْأُصُول هُنَا: «القصيم» وَفِيمَا سَيَأْتِي: «الفصيم» والتصويب عَن الرَّوْض الْأنف. وَقد اخْتَار السهيليّ أَن تضبط على الرِّوَايَتَيْنِ بِضَم فَفتح على أَنَّهَا جمع قصمى أَو فصمى. والقصم: كسر ببينونة. والفصم: كسر بِغَيْر بينونة، ككسر الْقَضِيب الرطب وَنَحْوه.
فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُجْهَزْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: أَفَلَا أُجْهِزْتُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: إنَّهُ اسْتَقْبَلَنِي بِعَوْرَتِهِ، فَعَطَفَتْنِي عَنْهُ الرَّحِمُ [١]، وَعَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ قَتَلَهُ. وَيُقَالُ: إنَّ أَبَا سَعْدِ [٢] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ خَرَجَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَنَادَى: [أَنَا قَاصِمٌ [٣]] مَنْ يُبَارِزُ بِرَازًا، فَلَمْ يَخْرَجْ إلَيْهِ أَحَدٌ. فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، زَعَمْتُمْ أَنَّ قَتْلَاكُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ قَتْلَانَا فِي النَّار، كَذبْتُمْ وَاللات! لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقًّا لَخَرَجَ إلَيَّ بَعْضُكُمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَتَلَ أَبَا سَعْدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ [٤] .
(شَأْنُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ):
وَقَاتَلَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، فَقَتَلَ مُسَافِعَ بْنَ طَلْحَةَ وَأَخَاهُ الْجُلَاسَ ابْن طَلْحَةَ، كِلَاهُمَا يَشْعُرُهُ [٥] سَهْمًا، فَيَأْتِي أُمَّهُ سُلَافَةَ، فَيَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا فَتَقُولُ: يَا بُنَيَّ، مَنْ أَصَابَكَ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا حِينَ رَمَانِي وَهُوَ يَقُولُ:
خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ أَبِي الْأَقْلَحِ. فَنَذَرْتُ إنْ أَمْكَنَهَا اللَّهُ مِنْ رَأْسِ عَاصِمٍ أَنْ تُشْرَبَ فِيهِ الْخَمْرُ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا، وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمئِذٍ، وَهُوَ يَحْمِلُ لِوَاءَ الْمُشْرِكِينَ:
إنَّ عَلَى أَهْلِ اللِّوَاءِ حَقَّا ... أَنْ يَخْضِبُوا الصَّعْدَةَ أَوْ تَنْدَقَّا [٦]
فَقَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
---------------------
[١] وَقد فعل على رضي الله عنه هَذِه مرّة أُخْرَى يَوْم صفّين، حمل على بسر بن أَرْطَاة، فَلَمَّا رأى بسر أَنه مقتول كشف عَن عَوْرَته، فَانْصَرف عَنهُ، ويروى أَيْضا مثل ذَلِك عَن عَمْرو بن الْعَاصِ مَعَ على رضي الله عنه يَوْم صفّين.
[٢] فِي م، ر: «أَبَا قَاسم» .
[٣] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٤] قَالَ السهيليّ: رَوَاهُ الْكشِّي فِي تَفْسِيره عَن سعد، قَالَ: «لما كف عَنهُ على طعنته فِي حنجرته، فدلع لِسَانه إِلَى كَمَا يصنع الْكَلْب، ثمَّ مَاتَ» .
[٥] يشعره سَهْما، اى يُصِيبهُ بِهِ فِي جسده، فَيصير لَهُ مثل الشعار. والشعار: مَا ولى الْجَسَد من الثِّيَاب.
[٦] الصعدة: الْقَنَاة.
(حَنْظَلَةُ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ):
وَالْتَقَى حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْغَسِيلُ وَأَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ رَآهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ [١]، وَهُوَ ابْنُ شَعُوبٍ، قَدْ عَلَا أَبَا سُفْيَانَ. فَضَرَبَهُ شَدَّادٌ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ صَاحِبَكُمْ، يَعْنِي حَنْظَلَةَ لَتُغَسِّلَهُ الْمَلَائِكَةُ. فَسَأَلُوا أَهْلَهُ مَا شَأْنُهُ؟ فَسُئِلَتْ [٢] صَاحِبَتُهُ عَنْهُ. فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَاتِفَةَ [٣] .
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْهَائِعَةُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةَ طَارَ إلَيْهَا. قَالَ الطّرمّاح بن حكم الطَّائِيُّ، وَالطِّرِمَّاحُ: الطَّوِيلُ مِنْ الرِّجَالِ-:
أَنَا ابْنُ حُمَاةَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ مَالِكٍ ... إذَا جَعَلَتْ خُورُ الرِّجَالِ تَهِيعُ [٤]
(وَالْهَيْعَةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي فِيهَا الْفَزَعُ) [٥] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ. سلم: لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ.
(شِعْرُ الْأَسْوَدِ فِي قَتْلِهِمَا حَنْظَلَةَ وَأَبَا سُفْيَانَ):
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ) [٥]: وَقَالَ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فِي قَتْلِهِ حَنْظَلَةَ:
لَأَحْمِيَنَّ صَاحِبِي وَنَفْسِي ... بِطَعْنَةِ مِثْلِ شُعَاعِ الشَّمْسِ
وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَهُوَ يَذْكُرُ صَبْرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمُعَاوَنَةَ ابْنِ شَعُوبٍ إيَّاهُ عَلَى حَنْظَلَةَ:
وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي كُمَيْتٌ طِمَرَّةٍ ... وَلَمْ أَحْمِلْ النَّعْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ [٦]
وَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمْ ... لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوبِ [٧]
-----------------------
[١] وَقيل: إِن الّذي قتل حَنْظَلَة جَعونَة بن شعوب اللَّيْثِيّ، مولى نَافِع بن أَبى نعيم. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] فِي م، ر: «فَسَأَلت» .
[٣] الهاتفة: الصَّيْحَة.
[٤] الخور: جمع أخور، وَهُوَ الضَّعِيف الجبان.
[٥] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ:
[٦] الطمرة: الْفرس السريعة الوثب.
[٧] مزجر الْكَلْب: يُرِيد أَنه لم يبعد مِنْهُم إِلَّا بِمِقْدَار الْموضع الّذي يزْجر الْكَلْب فِيهِ. وَدنت لغروب
أُقَاتِلُهُمْ وَأَدَّعِي يَا لَغَالِبٍ ... وَأَدْفَعُهُمْ عَنِّي بِرُكْنٍ صَلِيبِ
فَبَكِّي وَلَا تَرْعَى مَقَالَةَ عَاذِلٍ ... وَلَا تَسْأَمِي مِنْ عَبْرَةٍ وَنَحِيبِ
أَبَاكِ وَإِخْوَانًا لَهُ قَدْ تَتَابَعُوا ... وَحُقَّ لَهُمْ مِنْ عَبْرَةٍ بِنَصِيبِ
وَسَلَّى الَّذِي قَدْ كَانَ فِي النَّفْسِ أَنَّنِي ... قَتَلْتُ مِنْ النَّجَّارِ كُلَّ نَجِيبِ
وَمِنْ هَاشِمٍ قَرْمًا كَرِيمًا وَمُصْعَبًا ... وَكَانَ لَدَى الْهَيْجَاءِ غَيْرُ هَيُوبِ [١]
وَلَوْ أَنَّنِي لَمْ أَشْفِ نَفْسِي مِنْهُمْ ... لَكَانَتْ شَجًا فِي الْقَلْبِ ذَاتَ نُدُوبِ [٢]
فَآبَوْا وَقَدْ أَوْدَى الْجَلَابِيبُ مِنْهُمْ ... بِهِمْ خَدَبٌ مِنْ مُعْطِبٍ وَكَئِيبِ [٣]
أَصَابَهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِدِمَائِهِمْ ... كِفَاءً وَلَا فِي خُطَّةٍ بِضَرِيبِ [٤]
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ):
فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
ذَكَرْتَ الْقُرُومَ الصَّيْدَ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... وَلَسْتَ لِزُورٍ قُلْتَهُ بِمُصِيبِ
أَتَعْجَبُ أَنْ أَقَصَدْتُ حَمْزَةَ مِنْهُمْ ... نَجِيبًا وَقَدْ سَمَّيْتَهُ بِنَجِيبِ [٥]
أَلَمْ يَقْتُلُوا عَمْرًا وَعُتْبَةُ وَابْنَهُ ... وَشَيْبَةَ وَالْحَجَّاجَ وَابْنَ حَبِيبِ
غَدَاةَ دَعَا الْعَاصِي عَلِيًّا فَرَاعَهُ ... بِضَرْبَةِ عَضْبٍ بَلَّهُ بِخَضِيبِ [٦]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ابْنُ شَعُوبٍ يَذْكُرُ يَدَهُ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ فِيمَا دَفَعَ عَنْهُ، فَقَالَ:
-------------------------
[()] أَي الشَّمْس، وَقد أضمرها وَلم يتَقَدَّم لَهَا ذكر، لِأَن الغدوة دلّت عَلَيْهَا. وروى بخفض غدْوَة ونصبه.
[١] القرم: الْفَحْل الْكَرِيم من الْإِبِل، وَيُرِيد بِهِ هُنَا حَمْزَة رضي الله عنه. والهجاء الْحَرْب.
[٢] الشجا: الْحزن. والندوب: أثار الجروح، الْوَاحِد: ندب.
[٣] الجلابيب: جمع جِلْبَاب، وَهُوَ (هَا هُنَا): الْإِزَار الخشن. وَكَانَ مشركو أهل مَكَّة يسمون من أسلم مَعَ رَسُول الله ﷺ: الجلابيب، يلقبونهم بذلك. وأودى: هلك. والخدب: الطعْن النَّافِذ إِلَى الْجوف. والمعطب، قَالَ أَبُو ذَر: هُوَ الّذي يسيل دَمه. والكثيب: الحزين. ويروى: كبيب أَي قد كب على وَجهه.
[٤] الخطة (هُنَا): الْخصْلَة الرفيعة. والضريب: الشبيه.
[٥] أقصده: رَمَاه فَأَصَابَهُ.
[٦] العضب: السَّيْف الْقَاطِع. وبخضيب: أَي خضيب بِدَم.
وَلَوْلَا دِفَاعِي يَا بن حَرْبٍ وَمَشْهَدِي ... لَأُلْفِيَتْ يَوْمَ النَّعْفِ غَيْرَ مُجِيبِ [١]
وَلَوْلَا مَكَرِّي الْمُهْرَ بِالنَّعْفِ [٢] قَرْقَرَتْ ... ضِبَاعٌ عَلَيْهِ أَوْ ضِرَاءُ كَلِيبِ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «عَلَيْهِ أَوْ ضِرَاءُ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(شِعْرُ الْحَارِثِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ أَيْضًا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ يُجِيبُ أَبَا سُفْيَانَ:
جَزَيْتهمْ يَوْمًا بِبَدْرٍ كَمِثْلِهِ ... عَلَى سَابِحٍ ذِي مَيْعَةٍ وَشَبِيبِ [٤]
لَدَى صَحْنِ بَدْرٍ أَوْ أَقَمْتُ نَوَائِحًا ... عَلَيْكَ وَلَمْ تَحْفِلْ مُصَابَ حَبِيبِ
وَإِنَّكَ لَوْ عَايَنْتَ مَا كَانَ مِنْهُمْ ... لَأُبْتَ بِقَلْبِ مَا بَقِيتُ نَخِيبُ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا أَجَابَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ أَبَا سُفْيَانَ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ عَرَّضَ بِهِ فِي قَوْلِهِ:
وَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمْ
لِفِرَارِ الْحَارِثِ يَوْمِ بَدْرٍ.
(حَدِيثُ الزُّبَيْرِ عَنْ سَبَبِ الْهَزِيمَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَصَدَقَهُمْ وَعْدَهُ، فَحَسُّوهُمْ بِالسُّيُوفِ [٦] حَتَّى كَشَفُوهُمْ عَنْ الْعَسْكَرِ، وَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ لَا شَكَّ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتنِي أَنْظُرُ إلَى خَدَمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةُ وَصَوَاحِبُهَا مُشَمَّرَاتٌ هَوَارِبُ، مَا دُونِ أَخْذِهِنَّ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ
---------------------------
[١] النعف: أَسْفَل الْحَبل.
[٢] فِي م، ر: «النَّعْت» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] قرقرت: أسرعت وَخفت لأكله. وَالضَّرَّاء: الضاربة المتعودة الصَّيْد أَو أكل لُحُوم النَّاس.
وكليب: اسْم لجَماعَة الْكلاب.
[٤] السابح: الْفرس الّذي كَأَنَّهُ يسبح فِي جريه. والميعة: الخفة والنشاط. وشبيب، أَي شباب، وَهُوَ أَن يرفع الْفرس يَدَيْهِ جَمِيعًا. ويروى: «سبيب» بِالسِّين الْمُهْملَة، والسبيب،: شعر نَاصِيَة الْفرس.
[٥] أَبَت: رجعت. والنخيب: الجبان الْفَزع.
[٦] حسوهم بِالسُّيُوفِ: قتلوهم واستأصلوهم.
إذْ [١] مَالَتْ الرُّمَاةُ إلَى الْعَسْكَرِ، حِينَ كَشَفْنَا الْقَوْمَ عَنْهُ وَخَلَّوْا ظُهُورَنَا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينَا مِنْ خَلْفِنَا، وَصَرَخَ صَارِخٌ: أَلَا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَانْكَفَأْنَا [٢] وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصَّارِخُ: أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، يَعْنِي الشَّيْطَانَ.
(شَجَاعَةُ صُؤَابٍ وَشِعْرُ حَسَّانَ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ اللِّوَاءَ لَمْ يَزَلْ صَرِيعًا حَتَّى أَخَذَتْهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ، فَرَفَعته لقريش، فَلَا ثَوَابه [٣] . وَكَانَ اللِّوَاءُ مَعَ صُؤَابٍ، غُلَامٌ لِبَنِي أَبِي طَلْحَةَ، حَبَشِيٌّ وَكَانَ آخِرُ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى قُطِعَتْ يَدَاهُ، ثُمَّ بَرَكَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ اللِّوَاءَ بِصَدْرِهِ وَعُنُقِهِ حَتَّى قُتِلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهمّ هَلْ أَعْزَرْتُ- يَقُولُ: أَعَذَرْتُ [٤]- فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
فَخَرْتُمْ بِاللِّوَاءِ وَشَرُّ فَخْرٍ ... لِوَاءٌ حِينَ رُدَّ إلَى صُؤَابِ
جَعَلْتُمْ فَخَرَكُمْ فِيهِ بِعَبْدٍ ... وَأَلْأَمُ مَنْ يَطَا عَفَرَ التُّرَابِ [٥]
ظَنَنْتُمْ، وَالسَّفِيهُ لَهُ ظُنُونُ ... وَمَا إنْ ذَاكَ مِنْ أَمْرِ الصَّوَابِ
بِأَنَّ جِلَادَنَا [٦] يَوْمَ الْتَقَيْنَا ... بِمَكَّةَ بَيْعُكُمْ حُمْرَ الْعِيَابِ [٧]
أَقَرَّ الْعَيْنَ أَنْ عُصِبَتْ يَدَاهُ ... وَمَا إنْ تُعْصَبَانِ عَلَى خِضَابِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا يُرْوَى لِأَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ، وَأَنْشَدَنِيهِ لَهُ خَلَفٌ الْأَحْمَرُ:
----------------------
[١] فِي م، ر: «إِذا» .
[٢] انكفأنا: رَجعْنَا.
[٣] لاثوا بِهِ: اجْتَمعُوا حوله والتفوا.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «يعْنى أَنه كَانَ فِي لِسَانه لكنة أَعْجَمِيَّة فَغير الذَّال من «أعذرت» إِلَى الزاء، لِأَنَّهُ كَانَ حَبَشِيًّا» .
[٥] يطا، الأَصْل فِيهِ الْهَمْز وَسَهل للشعر. وعفر التُّرَاب: الّذي لَونه بَين الْحمرَة والغبرة.
[٦] فِي م، ر: «جلادكم» .
[٧] العياب. جمع عَيْبَة، وَهِي مَا يضع فِيهَا الرجل مَتَاعه.
أَقَرَّ الْعَيْنَ أَنْ عُصِبَتْ يَدَاهَا ... وَمَا إنْ تُعْصَبَانِ عَلَى خِضَابِ
فِي أَبْيَاتٍ لَهُ، يَعْنِي امْرَأَتَهُ، فِي غَيْرِ حَدِيثِ أُحُدٍ. وَتُرْوَى الْأَبْيَاتُ أَيْضًا لِمَعْقِلِ ابْن خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيُّ.
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي عَمْرَةِ الْحَارِثِيَّةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَأْنِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةِ وَرَفْعِهَا اللِّوَاءِ:
إذَا عَضَلٌ سِيقَتْ إلَيْنَا كَأَنَّهَا ... جِدَايَةُ شِرْكٍ مُعْلِمَاتِ الْحَوَاجِبِ [١]
أَقَمْنَا لَهُمْ طَعْنًا مُبِيرًا مُنَكِّلًا ... وَحُزْنَاهُمْ بِالضَّرْبِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ [٢]
فَلَوْلَا لِوَاءُ الْحَارِثِيَّةِ أَصْبَحُوا ... يُبَاعُونَ فِي الْأَسْوَاقِ بَيْعَ الْجَلَائِبِ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
(مَا لَقِيَهُ الرَّسُولُ يَوْمَ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَأَصَابَ فِيهِمْ الْعَدُوَّ، وَكَانَ يَوْمَ بَلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ، أَكْرَمَ اللَّهُ فِيهِ مَنْ أَكْرَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّهَادَةِ، حَتَّى خَلَصَ الْعَدُوُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَدُثَّ [٤] بِالْحِجَارَةِ حَتَّى وَقَعَ لِشِقِّهِ [٥]، فَأُصِيبَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ [٦] فِي وَجْهِهِ، وَكُلِمَتْ [٧] شَفَتُهُ، وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
-------------------------
[١] عضل: اسْم قَبيلَة من خُزَيْمَة، والجداية (بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا): الصَّغِير من أَوْلَاد الظباء.
وشرك، قَالَ أَبُو ذَر: بِضَم الشين وَكسرهَا: مَوضِع، وَلم نجد فِي المعاجم بِهَذَا الِاسْم غير موضِعين، أَحدهمَا بِالْفَتْح، وَهُوَ جبل بالحجاز، وَالْآخر بِالْكَسْرِ، وَهُوَ مَاء وَرَاء جبل القنان لبني منقذ بن أعيا، من أَسد.
[٢] مبيرا: مهْلكا. ومنكلا: قامعا لَهُم ولغيرهم.
[٣] الجلائب: مَا يجلب إِلَى الْأَسْوَاق ليباع فِيهَا.
[٤] فَدُثَّ، قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بالراء فَمَعْنَاه أُصِيب بهَا. وَمن رَوَاهُ (فَدُثَّ) بِالدَّال الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه رمى حَتَّى التوى بعض جسده» .
[٥] الشق: الْجَانِب.
[٦] شج: أَصَابَته شجة.
[٧] كلم: جرح (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) .
كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى رَبِّهِمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِي ذَلِكَ: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ٣: ١٢٨» . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ رُبَيْحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ عُتْبَةُ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَمَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ، فَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ الْيُمْنَى السُّفْلَى، وَجَرَحَ شَفَتَهُ السُّفْلَى، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْن شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ شَجَّهُ فِي جَبْهَتِهِ، وَأَنَّ ابْنَ قَمِئَةَ جَرَحَ وَجْنَتَهُ [١] فَدَخَلَتْ حَلْقَتَانِ مِنْ حَلَقِ المغفر [٢] فِي وَجْنَتَهُ، وَوَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُفْرَةٍ مِنْ الْحُفَرِ الَّتِي عَمِلَ أَبُو عَامِرٍ لِيَقَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَأَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَفَعَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا، وَمَصَّ مَالِكُ بْنُ سِنَانٍ، أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، الدَّمَّ: عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ [٣]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَسَّ دَمِي دَمَهُ لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٤]: وَذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَذَكَرَ، يَعْنِي [٥] عَبْدَ الْعَزِيزِ الدراوَرْديّ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ نَزَعَ إحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ مِنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، ثُمَّ نَزَعَ الْأُخْرَى، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ الْأُخْرَى، فَكَانَ سَاقِطَ الثَّنِيَّتَيْنِ.
----------------------------
[١] الوجنة: أَعلَى الخد.
[٢] المغفر: شَبيه بحلق الدرْع يَجْعَل على الرَّأْس يتّقى بِهِ فِي الْحَرْب.
[٣] ازْدَردهُ: ابتلعه.
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي عُتْبَةَ وَمَا أَصَابَ بِهِ الرَّسُولَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ:
إذَا اللَّهُ جَازَى مَعْشَرًا بِفِعَالِهِمْ ... وَضَرَّهُمْ [١] الرَّحْمَنُ رَبُّ الْمَشَارِقِ
فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبُ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إحْدَى الصَّوَاعِقِ
بَسَطْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... فَأَدْمَيْتُ فَاهُ، قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ [٢]
فَهَلَّا ذَكَرْتَ اللَّهَ وَالْمَنْزِلَ الَّذِي ... تَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ إحْدَى الْبَوَائِقِ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتَيْنِ أَقْذَعَ فِيهِمَا.
(ابْنُ السَّكَنِ وَبَلَاؤُهُ يَوْمَ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ غَشِيَهُ الْقَوْمُ:
مَنْ رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ؟ كَمَا حَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ ابْن مَعَاذٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: فَقَامَ زِيَادُ [٤] بْنُ السَّكَنِ فِي نَفَرٍ خَمْسَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ- وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: إنَّمَا هُوَ عُمَارَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ- فَقَاتَلُوا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَجُلًا ثُمَّ رَجُلًا، يُقْتَلُونَ دُونَهُ، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ زِيَادَ أَوْ عُمَارَةَ، فَقَاتَلَ حَتَّى أَثَبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، ثُمَّ فَاءَتْ فِئَةٌ [٥] مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَجْهَضُوهُمْ [٦] عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَدْنُوهُ مِنِّي، فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسَّدَهُ قَدِمَهُ، فَمَاتَ وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(حَدِيثُ أُمِّ سَعْدٍ عَنْ نَصِيبِهَا فِي الْجِهَادِ يَوْمَ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَاتَلَتْ أُمُّ عُمَارَةَ، نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ الْمَازِنِيَّةُ يَوْمَ أُحُدٍ.
فَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّ أُمَّ سَعْدِ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ كَانَتْ تَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ عُمَارَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا خَالَةُ، أَخْبِرِينِي خَبَرَكَ، فَقَالَتْ:
-----------------------------
[١] كَذَا فِي ط. وَفِي أ: «وبضرهم» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ونصرهم» وَظَاهر أَن كليهمَا محرف عَمَّا أَثْبَتْنَاهُ.
[٢] البوارق: السيوف.
[٣] البوائق: الدَّوَاهِي ومصائب الدَّهْر.
[٤] فِي م، ر: «زيد» .
[٥] الفئة: الْجَمَاعَة.
[٦] أجهضوهم: أزالوهم وغلبوهم.
٦- سيرة ابْن هِشَام- ٢
خَرَجْتُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَأَنَا أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، وَمَعِي سِقَاءٌ فِيهِ مَاءٌ، فَانْتَهَيْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ، وَالدَّوْلَةُ وَالرِّيحُ [١] لِلْمُسْلِمِينَ.
فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، انْحَزْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُمْتُ أُبَاشِرُ الْقِتَالَ، وَأَذُبُّ عَنْهُ بِالسَّيْفِ، وَأَرْمِي عَنْ الْقَوْسِ، حَتَّى خَلَصَتْ الْجِرَاحُ إلَيَّ.
قَالَتْ: فَرَأَيْتُ عَلَى عَاتِقِهَا جُرْحًا أَجْوَفَ لَهُ غَوْرٌ، فَقُلْتُ: مَنْ أَصَابَكَ بِهَذَا؟
قَالَتْ: ابْنُ قَمِئَةَ، أَقْمَأَهُ [٢] اللَّهُ! لَمَّا وَلَّى النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ يَقُولُ: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ، فَلَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا، فَاعْتَرَضْتُ لَهُ أَنَا وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأُنَاسٌ مِمَّنْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَضَرَبَنِي هَذِهِ الضَّرْبَةَ وَلَكِنْ فَلَقَدْ ضَرَبْتُهُ عَلَى ذَلِكَ ضَرْبَاتٍ، وَلَكِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ.
(أَبُو دُجَانَةَ وَابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَدْفَعَانِ عَنْ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَرَّسَ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو دُجَانَةَ بِنَفْسِهِ، يَقَعُ النَّبْلُ فِي ظَهْرِهِ، وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، حَتَّى كَثُرَ فِيهِ النَّبْلُ. وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُنَاوِلُنِي النَّبْلَ وَهُوَ يَقُولُ: ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، حَتَّى إنَّهُ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ مَا لَهُ نَصْلٌ، فَيَقُولُ: ارْمِ بِهِ.
(بَلَاءُ قَتَادَةَ وَحَدِيثُ عَيْنِه):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: رَمَى عَنْ قَوْسِهِ حَتَّى انْدَقَّتْ سِيَتُهَا [٣]، فَأَخَذَهَا قَتَادَةَ بْنُ النُّعْمَانِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ، وَأُصِيبَتْ يَوْمئِذٍ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّهَا بِيَدِهِ، فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ وَأَحَدَّهُمَا.
----------------------
[١] يُرِيد «بِالرِّيحِ» النَّصْر.
[٢] أقمأه الله: أذله.
[٣] السية: طرف الْقوس.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
05-28-2026, 11:55 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (83)
صــ 83إلى صــ 92
(شَأْنُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ أَخُو بَنِي عدىّ بن لنجّار، قَالَ: انْتَهَى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ (قُومُوا) [١] فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَبَهْ سُمِّيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا بِأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ ضَرْبَةً، فَمَا عَرَفَهُ إلَّا أُخْتُهُ، عَرَفَتْهُ بِبَنَاتِهِ.
(مَا أَصَابَ ابْنَ عَوْفٍ مِنْ الْجِرَاحَاتِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُصِيبَ فُوهُ يَوْمئِذٍ فَهُتِمَ [٢]، وَجُرِحَ عِشْرِينَ جِرَاحَةً أَوْ أَكْثَرَ، أَصَابَهُ بَعْضُهَا فِي رِجْلِهِ فَعَرِجَ.
(أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ الرَّسُولَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، وَقَوْلُ النَّاسِ: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ تَزْهَرَانِ [٣] مِنْ تَحْتِ الْمِغْفَرِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَبْشِرُوا، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنْ أَنْصِتْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَضُوا بِهِ، وَنَهَضَ مَعَهُمْ نَحْوَ الشِّعْبِ، مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَرَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] همّ: كسرت ثنيته.
[٣] تزهران: تضيئان.
(مَقْتَلُ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ):
(قَالَ) [١]: فَلَمَّا أُسْنِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الشِّعْبِ أَدْرَكَهُ أُبَيُّ ابْن خَلَفٍ وَهُوَ يَقُولُ: أَيْ [٢] مُحَمَّدُ، لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَوْتَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَعْطِفُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهُ، فَلَمَّا دَنَا، تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَرْبَةَ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ، يَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ، فِيمَا ذُكِرَ لِي: فَلَمَّا أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً، تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُرَ الشَّعْرَاءِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إذَا انْتَفَضَ بِهَا- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الشَّعْرَاءُ: ذُبَابٌ لَهُ لَدْغٌ- ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَدَأْدَأَ، يَقُولُ: تَقَلَّبَ عَنْ فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَتَدَحْرَجُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كَمَا حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ عِنْدِي الْعَوْذَ، فَرَسًا أَعْلِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ فَرَقًا [٣] مِنْ ذُرَةٍ، أَقْتُلُكَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمَّا رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ وَقَدْ خَدَشَهُ فِي عُنُقِهِ خَدْشًا غَيْرَ كَبِيرٍ، فَاحْتَقَنَ الدَّمُ، قَالَ: قَتَلَنِي وَاَللَّهِ مُحَمَّدٌ! قَالُوا لَهُ: ذَهَبَ وَاَللَّهِ فُؤَادُكَ! وَاَللَّهِ إنْ بِكَ مِنْ بَأْسٍ، قَالَ: إنَّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكَّةَ: أَنا أَقْتلك، فو الله لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي. فَمَاتَ عدوّ الله بسرف [٤] وَهُمْ قَافِلُونَ بِهِ إلَى مَكَّةَ.
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي مَقْتَلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
لَقَدْ وَرِثَ الضَّلَالَةَ عَنْ أَبِيهِ ... أُبَيٌّ يَوْمَ بَارَزَهُ الرَّسُولُ
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي أ: «أَي» وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَيْن» .
[٣] الْفرق (بِفَتْح الرَّاء وإسكانها): مكيال يسع سِتَّة عشر منا، وَقيل: اثنى عشر رطلا.
[٤] سرف: مَوضِع على سِتَّة أَمْيَال من مَكَّة، وَقيل، سَبْعَة وَتِسْعَة واثنى عشر، تزوج بِهِ رَسُول الله ﷺ مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، وَهُنَاكَ بنى بهَا، وَهُنَاكَ توفيت. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
أَتَيْتَ إلَيْهِ تَحْمِلُ رِمَّ عَظْمٍ ... وَتُوعِدُهُ وَأَنْتَ بِهِ جَهُولُ [١]
وَقَدْ قَتَلَتْ بَنُو النَّجَّارِ مِنْكُمْ ... أُمَيَّةَ إذْ [٢] يُغَوَّثُ: يَا عَقِيلُ
وَتَبَّ ابْنَا رَبِيعَةَ إذْ أَطَاعَا ... أَبَا جَهْلٍ، لِأُمِّهِمَا الْهَبُولُ [٣]
وَأَفْلَتْ حَارِثٌ لَمَّا شَغَلْنَا ... بِأَسْرِ الْقَوْمِ، أُسْرَتُهُ فَلَيْلُ [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُسْرَتُهُ: قَبِيلَتُهُ.
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي ذَلِكَ:
أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي أُبَيَّا ... لَقَدْ أُلْقِيَتْ فِي سُحْقِ السَّعِيرِ [٥]
تَمَنَّى بِالضَّلَالَةِ مِنْ بَعِيدٍ ... وَتُقْسِمُ أَنْ قَدَرْتُ مَعَ [٦] النُّذُورِ
تَمَنِّيكَ الْأَمَانِيِّ مِنْ بَعِيدٍ ... وَقَوْلُ الْكُفْرِ يَرْجِعُ فِي غُرُورِ
فَقَدْ لَاقَتْكَ طَعْنَةُ ذِي حِفَاظٍ ... كَرِيمِ الْبَيْتِ لَيْسَ بِذِي فُجُورِ [٧]
لَهُ فَضْلٌ عَلَى الْأَحْيَاءِ طُرَّا ... إذَا نَابَتْ مُلِمَّاتُ الْأُمُورِ
(انْتِهَاءُ الرَّسُولِ إلَى الشِّعْبِ):
(قَالَ) [٨]: فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى فَمِ الشِّعْبِ خَرَجَ عَلِيُّ ابْن أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى مَلَأَ دَرَقَتَهُ مَاءً مِنْ الْمِهْرَاسِ [٩]، فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا، فَعَافَهُ [١٠]، فَلَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ، وَغَسَلَ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ نَبِيِّهِ
----------------------------
[١] الرم: الْعظم الْبَالِي.
[٢] فِي أ: «إِن» .
[٣] تب: هلك. والهبول: الْفَقْد، يُقَال: هبلته أمه، أَي فقدته.
[٤] الفليل: المنهزمون. ويروى. «قَلِيل» بِالْقَافِ، وَهُوَ مَعْلُوم.
[٥] السحق: الْبعد والعمق.
[٦] فِي م، ر: «على» .
[٧] الْحفاظ: الْغَضَب فِي الْحَرْب.
[٨] زِيَادَة عَن أ.
[٩] قَالَ أَبُو ذَر: «قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: المهراس: مَاء بِأحد. وَقَالَ غَيره: المهراس: حجر ينقر وَيجْعَل إِلَى جَانب الْبِئْر، وَيصب فِيهِ المَاء لينْتَفع بِهِ النَّاس» .
[١٠] عافه: كرهه.
(حِرْصُ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى قَتْلِ عُتْبَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ قَطُّ كَحِرْصِي عَلَى قَتْلِ عُتْبَةَ ابْن أَبِي وَقَّاصٍ، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ لِسَيِّئِ الْخَلْقِ مُبْغَضًا فِي قَوْمِهِ، وَلَقَدْ كَفَانِي مِنْهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِهِ.
(صُعُودُ قُرَيْشٍ الْجَبَلَ وَقِتَالُ عُمَرَ لَهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشِّعْبِ، مَعَهُ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ، إذْ عَلَتْ عَالِيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ الْجَبَلَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَانَ عَلَى تِلْكَ الْخَيْلِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهمّ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا! فَقَاتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَرَهْطٌ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى أَهْبَطُوهُمْ مِنْ الْجَبَلِ.
(ضَعْفُ الرَّسُولِ عَنْ النُّهُوضِ وَمُعَاوَنَةُ طَلْحَةَ لَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى صَخْرَةٍ مِنْ الْجَبَلِ لِيَعْلُوَهَا، وَقَدْ كَانَ بَدُنَ [١] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْهَضَ ﷺ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَنَهَضَ بِهِ، حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ يَقُولُ: أَوْجَبَ [٢] طَلْحَةُ حِينَ صَنَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا صَنَعَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْلُغْ الدَّرَجَةَ الْمَبْنِيَّةَ فِي الشِّعْبِ.
---------------------------
[١] بدن: أسن وَضعف.
[٢] أوجب: وَجَبت لَهُ الْجنَّة.
(صَلَاةُ الرَّسُولِ قَاعِدًا):
قَالَ ابْنُ هِشَام: وَذكر عمره ولى غُفْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَاعِدًا مِنْ الْجِرَاحِ الَّتِي أَصَابَتْهُ، وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ قُعُودًا.
(مَقْتَلُ الْيَمَانِ وَابْنِ وَقْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ النَّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إلَى الْمُنَقَّى، دُونَ الْأَعْوَصِ [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ:
لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أُحُدٍ، رَفَعَ حُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ، وَهُوَ الْيَمَانُ [٢] أَبُو حُذَيْفَةَ [٣] بْنُ الْيَمَانِ، وَثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فِي الْآطَامِ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَهُمَا شَيْخَانِ كَبِيرَانِ: مَا أَبَا لَكَ، مَا تنْتَظر؟ فو الله لَا بَقِيَ لِوَاحِدِ مِنَّا مِنْ عُمْرِهِ إلَّا ظِمْءُ [٤] حِمَارٍ، إنَّمَا نَحْنُ هَامَةُ [٥] الْيَوْمِ أَوْ غَدٍ، أَفَلَا نَأْخُذُ أَسْيَافَنَا، ثُمَّ نَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنَا شَهَادَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَأَخَذَا أَسْيَافَهُمَا ثُمَّ خَرَجَا، حَتَّى دَخَلَا فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِمَا، فَأَمَّا ثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فَقَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَمَّا حُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ، فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ [٦]، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي [٧]، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ إنْ عَرَفْنَاهُ، وَصَدَقُوا. قَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ
--------------------------
[١] الأعوص: مَوضِع قرب الْمَدِينَة.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وسمى حسيل بن جَابر: الْيَمَانِيّ، لِأَنَّهُ من ولد جروة بن مَازِن بن قطيعة بن عبس، وَكَانَ جروة قد بعد عَن أَهله فِي الْيمن زَمنا طَويلا ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم فَسَموهُ الْيَمَانِيّ» .
[٣] ويكنى حُذَيْفَة: أَبَا عبد الله، وَهُوَ حَلِيف لبني عبد الْأَشْهَل. وَأمه الربَاب بنت كَعْب. (رَاجع الرَّوْض) .
[٤] الظمء: مِقْدَار مَا يكون بَين الشربتين. وأقصر الأظماء ظمء الْحمار، لِأَنَّهُ لَا يصبر عَن المَاء، فَضرب مثلا لقرب الْأَجَل.
[٥] الهامة: طَائِر يخرج من رَأس الْقَتِيل إِذا قتل (زَعَمُوا) فَلَا يزَال يَصِيح: اسقوني اسقوني! حَتَّى يُؤْخَذ بثأره فضربته الْعَرَب مثلا للْمَوْت.
[٦] قيل إِن الّذي قَتله خطأ هُوَ عتبَة بن مَسْعُود، أَخُو عبد الله بن مَسْعُود، وجد عبد الله بن عبد الله ابْن عتبَة بن مَسْعُود الْفَقِيه. وَعتبَة هَذَا هُوَ أول من سمى الْمُصحف مُصحفا.
[٧] فِي م، ر: «أَبى وَالله» .
الرَّاحِمِينَ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدِيَهُ، فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا.
(مَقْتَلُ حَاطِبٍ وَمَقَالَةُ أَبِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ كَانَ يُدْعَى حَاطِبَ بْنَ أُمِّيَّةَ بْنِ رَافِعٍ، وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ حَاطِبٍ، أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُتِيَ بِهِ إلَى دَارِ قَوْمِهِ وَهُوَ بِالْمَوْتِ، فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ أَهْلُ الدَّارِ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لَهُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ: أَبْشِرْ يَا بن حَاطِبٍ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: وَكَانَ حَاطِبٌ شَيْخًا قَدْ عَسَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَجَمَ يَوْمئِذٍ نِفَاقُهُ، فَقَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَهُ؟ بِجَنَّةٍ مِنْ حَرْمَلٍ [١] ! غَرَرْتُمْ وَاَللَّهِ هَذَا الْغُلَامَ مِنْ نَفْسِهِ.
(مَقْتَلُ قُزْمَانَ مُنَافِقًا كَمَا حَدَّثَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ أَتَى [٢] لَا يُدْرَى مِمَّنْ هُوَ، يُقَالُ لَهُ: قُزْمَانُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، إذَا ذُكِرَ لَهُ: إنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ وَحْدَهُ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ ذَا بَأْسٍ، فَأَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَاحْتُمِلَ إلَى دَارِ بَنِي ظَفَرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ لَهُ: وَاَللَّهِ لَقَدْ أَبْلَيْتَ الْيَوْمَ يَا قُزْمَانُ، فأبشر، قَالَ: بِمَاذَا أبشر؟ فو الله إنْ قَاتَلْتُ إلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَاتَلْتُ. قَالَ: فَلَمَّا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ جِرَاحَتُهُ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ.
(قَتْلُ مُخَيْرِيقٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مُخَيْرِيقَ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ الْفِطْيُونِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ، قَالُوا: إنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لَا سَبْتَ لَكُمْ.
----------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «من حرمل، يُرِيد الأَرْض الَّتِي دفن فِيهَا، وَكَانَت تنْبت الحرمل، أَي لَيْسَ لَهُ جنَّة إِلَّا ذَاك» .
[٢] أَتَى: غَرِيب.
فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَعُدَّتَهُ، وَقَالَ: إنْ أُصِبْتُ فَمَالِي لِمُحَمَّدٍ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ غَدَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَاتَلَ مَعَهُ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنَا- مُخَيْرِيقَ خَيْرُ يَهُودٍ.
(أَمْرُ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صَامَتْ مُنَافِقًا، فَخَرَجَ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ، عَدَا عَلَى الْمُجَذَّرِ بْنِ ذِيَادٍ الْبَلَوِيِّ، وَقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، أَحَدِ بَنِي ضُبَيْعَةَ، فَقَتَلَهُمَا، ثُمَّ لَحِقَ بِمَكَّةَ بِقُرَيْشٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- قَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِقَتْلِهِ إنْ هُوَ ظَفِرَ بِهِ، فَفَاتَهُ، فَكَانَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى أَخِيهِ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدٍ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، لِيَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، فِيمَا بَلَغَنِي، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:
«كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، وَالله لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٣: ٨٦» إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
(تَحْقِيقُ ابْنِ هِشَامٍ فِيمَنْ قَتَلَ الْمُجَذَّرَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ قَتَلَ الْمُجَذَّرَ بْنَ ذِيَادٍ، وَلَمْ يَقْتُلْ قِيسَ بْنَ زَيْدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ ابْنَ إسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ الْمُجَذَّرَ، لِأَنَّ الْمُجَذَّرَ بْنَ ذِيَادٍ كَانَ قَتَلَ أَبَاهُ سُوَيْدًا فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إذْ خَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ مِنْ بَعْضِ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُضَرَّجَانِ [١]، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَيُقَالُ: بَعْضُ الْأَنْصَارِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَتَلَ سُوَيْدَ بْنَ الصَّامِتِ مَعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ غِيلَةً، فِي غَيْرِ حَرْبٍ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعَاثٍ.
---------------------------
[١] المضرج: المشبع حمرَة، كَأَنَّهُ ضرج بِالدَّمِ، أَي لطخ بِهِ.
(أَمْرُ أُصَيْرِمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مَعَاذٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَقُولُ: حَدِّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ النَّاسُ سَأَلُوهُ: مَنْ هُوَ؟ فَيَقُولُ:
أُصَيْرِمٌ، بَنِي [١] عَبْدِ الْأَشْهَلِ، عَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ. قَالَ الْحُصَيْنُ: فَقُلْتُ لِمَحْمُودِ بْنِ أَسَدٍ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُ الْأُصَيْرِمِ؟ قَالَ: كَانَ يَأْبَى الْإِسْلَامَ عَلَى قَوْمِهِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أُحُدٍ، بَدَا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ، فَعَدَا حَتَّى دَخَلَ فِي عُرْضِ النَّاسِ، فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ. قَالَ: فَبَيْنَا رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَلْتَمِسُونَ قَتَلَاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ إذَا هُمْ بِهِ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَلْأُصَيْرِمُ، مَا جَاءَ بِهِ؟ لَقَدْ تَرَكْنَاهُ وَإِنَّهُ لِمُنْكِرٍ لِهَذَا الْحَدِيثَ، فَسَأَلُوهُ مَا جَاءَ بِهِ، فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكَ يَا عَمْرُو؟ أَحَدَبٌ عَلَى قَوْمِكَ أَمْ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: بَلْ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، آمَنْتُ باللَّه وَبِرَسُولِهِ وَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ أَخَذْتُ سَيْفِي، فَغَدَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَاتَلْتُ حَتَّى أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فِي أَيْدِيهِمْ. فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
(مَقْتَلُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ كَانَ رَجُلًا أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ، وَكَانَ لَهُ بَنُونَ أَرْبَعَةٌ مِثْلَ الْأُسْدِ، يَشْهَدُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَرَادُوا حَبْسَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إنَّ اللَّهَ عز وجل: قَدْ عَذَرَكَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إنَّ بَنِيَّ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْبِسُونِي عَنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْخُرُوجِ مَعَك فِيهِ، فو الله إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ فَلَا جِهَادَ عَلَيْكَ، وَقَالَ لِبَنِيهِ:
---------------------------
[١] فِي أ: «من بنى» .
مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَمْنَعُوهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ فَخَرَجَ مَعَهُ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ [١] .
(هِنْدُ وَتَمْثِيلُهَا بِحَمْزَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَوَقَعَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، كَمَا حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَالنِّسْوَةُ اللَّاتِي مَعَهَا، يُمَثِّلْنَ بِالْقَتْلَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله ﷺ، يجدّ عَن [٢] الْآذَانَ وَالْأُنُفَ، حَتَّى اتَّخَذَتْ هِنْدُ مِنْ آذَانِ الرِّجَالِ وَآنُفِهِمْ خَدَمًا [٣] وَقَلَائِدَ، وَأَعْطَتْ خَدَمَهَا وَقَلَائِدَهَا وَقِرَطَتَهَا وَحْشِيًّا، غُلَامَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَبَقَرَتْ [٤] عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ، فَلَاكَتْهَا [٥]، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا [٦]، فَلَفَظَتْهَا [٧]، ثُمَّ عَلَتْ عَلَى صَخْرَةٍ مُشْرِفَةٍ، فَصَرَخَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا فَقَالَتْ:
نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَوْمِ بَدْرٍ ... وَالْحَرْبُ بَعْدَ الْحَرْبِ ذَاتِ سُعْرِ [٨]
مَا كَانَ عَنْ عُتْبَةَ لِي مِنْ صَبْرِ ... وَلَا أَخِي وَعَمِّهِ وَبَكْرِي
شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَضَيْتُ نَذْرِي ... شَفَيْتَ وَحْشِيُّ غَلِيلَ صَدْرِي [٩]
فَشُكْرُ وَحْشِيٍّ عَلَيَّ عُمْرِي ... حَتَّى تَرُمَّ أَعْظُمِي فِي قَبْرِي [١٠]
(شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ):
فَأَجَابَتْهَا هِنْدُ بِنْتُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ:
خَزِيتُ فِي بَدْرٍ وَبَعْدَ بدر ... يَا بت وَقَّاعٍ عَظِيمِ الْكُفْرِ [١١]
-----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وَزَاد غير ابْن إِسْحَاق: أَنه لما خرج قَالَ: اللَّهمّ لَا تردني، فاستشهد، فَجعله بنوه على بعير ليحملوه إِلَى الْمَدِينَة، فاستصعب عَلَيْهِم الْبَعِير، فَكَانَ إِذا وجهوه إِلَى كل جِهَة سارع إِلَّا جِهَة الْمَدِينَة، فَكَانَ يَأْبَى الرُّجُوع إِلَيْهَا، فَلَمَّا لم يقدروا عَلَيْهِ، ذكرُوا قَوْله: اللَّهمّ لَا تردني إِلَيْهَا، فدفنوه فِي مصرعه» .
[٢] يجدعن: يقطعن.
[٣] الخدم: جمع خدمَة، وَهِي الخلخال.
[٤] بقرت: شقَّتْ.
[٥] لاكتها: مضغتها.
[٦] أَن تسيغها: أَن تبتلعها.
[٧] لفظتها: طرحتها.
[٨] السّعر (بِضَمَّتَيْنِ وَسكن للشعر): الالتهاب.
[٩] الغليل: الْعَطش، أَو حرارة الْجوف.
[١٠] ترم: تبلى وتفتت.
[١١] الوقاع، الْكثير الْوُقُوع فِي الدُّنْيَا.
صَبَّحَكَ اللَّهُ غَدَاةَ الْفَجْرِ ... مَلْهَاشِمَيَّيْنِ الطِّوَالِ الزُّهْرِ [١]
بِكُلِّ قَطَّاعٍ حُسَامٍ يَفْرِي ... حَمْزَةُ لَيْثِي وَعَلِيٌّ صَقْرِي [٢]
إذْ رَامَ شَيْبٌ وَأَبُوكَ غَدْرِي ... فَخَضَّبَا مِنْهُ ضَوَاحِي النَّحْرِ [٣]
وَنَذْرُكَ السُّوءَ فَشَرُّ نَذْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ أَقْذَعَتْ فِيهَا.
(شِعْرُ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ أَيْضًا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ أَيْضًا:
شَفَيْتُ مِنْ حَمْزَةَ نَفْسِي بِأُحُدْ ... حَتَّى بَقَرْتُ بَطْنَهُ عَنِ الْكَبِدْ
أَذْهَبَ عَنِّي ذَاكَ مَا كُنْتُ أَجِدْ ... مِنْ لَذْعَةِ الْحُزْنِ الشَّدِيدِ الْمُعْتَمِدْ [٤]
وَالْحَرْبُ تَعْلُوكُمْ بِشَؤْبُوبِ بَرِدْ ... تُقْدِمُ إقْدَامًا عَلَيْكُمْ كَالْأَسَدْ [٥]
(تَحْرِيضُ عُمَرَ لِحَسَّانَ عَلَى هَجْوِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ عُمْرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: يَا بن الْفُرَيْعَةِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ خُنَيْسٍ، وَيُقَالُ: خُنَيْسٌ: ابْنُ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ- لَوْ سَمِعْتَ مَا تَقُولُ هِنْدُ، وَرَأَيْتُ أَشْرَهَا [٦] قَائِمَةً عَلَى صَخْرَةٍ تَرْتَجِزُ بِنَا، وَتَذْكُرُ مَا صَنَعَتْ بِحَمْزَةِ؟ قَالَ لَهُ حَسَّانُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَنْظُرُ إلَى الْحَرْبَةِ تَهْوِي وَأَنَا عَلَى رَأْسِ فَارِعٍ- يَعْنِي أُطُمَهُ- فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَسِلَاحٌ مَا هِيَ بِسِلَاحِ الْعَرَبِ، وَكَأَنَّهَا إنَّمَا تهوى إِلَى جمزة وَلَا أَدْرِي، لَكِنْ
----------------------------
[١] ملهاشميين، أَرَادَ: من الهاشميين، فَحذف النُّون من (من) لالتقاء الساكنين، وَلَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي (من) وَحدهَا لِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا. والزهر: الْبيض، الْوَاحِد: أَزْهَر.
[٢] الحسام: السَّيْف الْقَاطِع. ويفرى: يقطع.
[٣] شيب: أَرَادَت شيبَة. فرخمته فِي غير النداء. وضواحي النَّحْر: مَا ظهر من الصَّدْر.
[٤] اللذعة: ألم النَّار، أَو مَا يشبه بهَا. وَالْمُعْتَمد: القاصد المؤلم.
[٥] الشؤبوب: دفْعَة الْمَطَر الشَّدِيدَة. وَبرد، أَي ذُو برد، شبهت الْحَرْب بهَا.
[٦] الأشر: البطر.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
06-01-2026, 11:32 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (84)
صــ 93إلى صــ 102
أَسْمِعْنِي بَعْضَ قَوْلِهَا أَكْفِكُمُوهَا، قَالَ: فَأَنْشَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْضَ مَا قَالَتْ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
أَشْرَتْ لَكَاعُ وَكَانَ عَادَتُهَا ... لُؤْمًا إذَا أَشْرَتْ مَعَ الْكُفْرِ [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ تَرَكْنَاهَا، وَأَبْيَاتًا أَيْضًا لَهُ عَلَى الدَّالِ.
وَأَبْيَاتًا أُخَرَ عَلَى الذَّالِ، لِأَنَّهُ أَقْذَعَ فِيهَا.
(اسْتِنْكَارُ الْحُلَيْسِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْثِيلَهُ بِحَمْزَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ الْحُلَيْسُ بْنُ زَبَّانٍ، أَخُو بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ سَيِّدُ الْأُبَيْشِ، قَدْ مَرَّ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَضْرِبُ فِي شَدْقِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِزُجِّ الرُّمْحِ وَيَقُولُ: ذُقْ [٢] عُقَقُ، فَقَالَ الْحُلَيْسُ: يَا بَنِي كِنَانَةَ، هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ يَصْنَعُ بِابْنِ عَمِّهِ مَا تَرَوْنَ لَحْمًا [٣]؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ! اُكْتُمْهَا عَنِّي، فَإِنَّهَا كَانَتْ زَلَّةً.
(شَمَاتَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أُحُدٍ وَحَدِيثُهُ مَعَ عُمَرَ):
ثُمَّ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، حِينَ أَرَادَ الِانْصِرَافَ، أَشْرَفَ عَلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَقَالَ: أَنْعَمْتَ فَعَالِ [٤]، وَإِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ [٥] يَوْمٌ بِيَوْمِ، أُعْلُ هُبَلُ [٦]، أَيْ أَظْهِرْ دِينَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُمْ يَا عُمَرُ فَأَجِبْهُ، فَقُلْ: اللَّهُ أَعَلَى وَأَجَلُّ، لَا سَوَاءَ [٧]، قَتَلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ
--------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «لكاع، جعله اسْما لَهَا فِي غير مَوضِع النداء، وَذَلِكَ جَائِز، وَإِن كَانَ فِي النداء أَكثر، نَحْو يَا غدار وَيَا فساق. واللكاع: اللئيمة» .
[٢] ذُقْ عُقُق، أَرَادَ ياعاق، فعدله إِلَى فعل.
[٣] لَحْمًا: أَي مَيتا لَا يقدر على الِانْتِصَار.
[٤] أَنْعَمت فعال، أَي بالغت، يُقَال: أنعم فِي الشَّيْء، إِذا بَالغ فِيهِ. قَالَ أَبُو ذَر. «أَنْعَمت (بِفَتْح التَّاء) يُخَاطب بِهِ نَفسه. وَمن رَوَاهُ أَنْعَمت (بِسُكُون التَّاء)، فَإِنَّهُ يعْنى بِهِ الْحَرْب أَو الوقيعة. وَقَوله فعال، أَي ارْتَفع (بِصِيغَة الْأَمر فيهمَا) يُقَال: أعل عَن الوسادة، وَعَاد عَنْهَا، أَي ارْتَفع. وَقد يجوز أَن تكون معدولة من الفعلة، كَمَا عدلوا فجار عَن الفجرة، أَي بالغت فِي هَذِه الفعلة، ويعنى بالفعلة الوقيعة»
[٥] السجال: الْمُكَافَأَة فِي الْحَرْب وَغَيرهَا وَأَصله أَن السَّاقَيْن على بِئْر يتساجلان يمْلَأ هَذَا سجلا.
وَهَذَا سجلا. والسجل: الدَّلْو.
[٦] هُبل: اسْم صنم.
[٧] لَا سَوَاء أَي لَا نَحن سَوَاء. قَالَ السهيليّ: «وَلَا يجوز دُخُول (لَا) على اسْم مبتدإ معرفَة إِلَّا مَعَ التّكْرَار وَلكنه جَازَ فِي هَذَا الْموضع لِأَن الْقَصْد فِيهِ إِلَى نفى الْفِعْل: أَي لَا نستوى.
فِي النَّارِ. فَلَمَّا أَجَابَ عُمَرُ أَبَا سُفْيَانَ، قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: هَلُمَّ إلَيَّ يَا عُمَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرِ: ائْتِهِ فَانْظُرْ مَا شَأْنُهُ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُمَرُ، أَقَتَلْنَا مُحَمَّدًا؟ قَالَ عُمَرُ: اللَّهمّ لَا، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ كَلَامَكَ الْآنَ، قَالَ: أَنْتَ أَصْدَقُ عِنْدِي مِنْ ابْنِ قَمِئَةَ وَأَبَرُّ، لِقَوْلِ ابْنِ قَمِئَةَ لَهُمْ: إنِّي قَدْ قَتَلْتُ مُحَمَّدًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ ابْنِ قَمِئَةَ عَبْدُ اللَّهِ.
(تَوَعُّدُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ نَادَى أَبُو سُفْيَانَ: إنَّهُ قَدْ كَانَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثُلٌ، وَاَللَّهِ مَا رَضِيتُ، وَمَا سَخِطْتُ، وَمَا نَهَيْتُ، وَمَا أَمَرْتُ.
وَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ، نَادَى: إنَّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ لِلْعَامِ الْقَابِلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ: قُلْ: نَعَمْ، هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدٌ.
(خُرُوجُ عَلِيٍّ فِي آثَارِ الْمُشْرِكِينَ):
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَا يُرِيدُونَ فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنَّبُوا الْخَيْلَ [١]، وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنَّ إلَيْهِمْ فِيهَا، ثُمَّ لَأُنَاجِزَنَّهُمْ قَالَ عَلِيٌّ: فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فَجَنَّبُوا الْخَيْلَ، وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ، وَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّة.
(مر الْقَتْلَى بِأُحُدِ):
وَفَرَغَ [٢] النَّاسُ لِقَتْلَاهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيَّ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ: مَنْ رَجُلٌ يَنْظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ؟ أَفِي الْأَحْيَاءِ هُوَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ
-------------------
[١] جَنبُوا الْخَيل: قادوها إِلَى جنُوبهم.
[٢] ويروى: «فزع» أَي خَافُوا لَهُم وَلم يشتغلوا بِشَيْء سواهُم.
مِنْ الْأَنْصَارِ [١]: أَنَا أَنْظُرُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فَعَلَ سَعْدٌ، فَنَظَرَ فَوَجَدَهُ جَرِيحًا فِي الْقَتْلَى وَبِهِ رَمَقٌ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ، أَفِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ قَالَ: أَنَا فِي الْأَمْوَاتِ، فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ يَقُولُ لَكَ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، وَأَبْلِغْ قَوْمَكَ عَنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ: إنَّ سَعْدَ ابْن الرَّبِيعِ يَقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ إنْ خَلُصَ إلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ وَمِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ [٢] . قَالَ: ثُمَّ لَمْ أَبْرَحْ حَتَّى مَاتَ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الزُّبَيْرِيُّ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَبِنْتٌ لِسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى صَدْرِهِ يَرْشُفُهَا [٣] وَيُقَبِّلُهَا، فَقَالَ لَهَ الرَّجُلُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ بِنْتُ رَجُلٍ خَيْرٍ مِنِّي، سَعْدِ ابْن الرَّبِيعِ، كَانَ مِنْ النُّقَبَاءِ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ
(حُزْنُ الرَّسُولِ عَلَى حَمْزَةَ وَتَوَعُّدُهُ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُثْلَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي، يَلْتَمِسُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَوَجَدَهُ بِبَطْنِ الْوَادِي قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ عَنْ كَبِدِهِ، وَمُثِّلَ بِهِ، فَجُدِعَ أَنْفُهُ وَأُذُنَاهُ.
فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ رَأَى مَا رَأَى: لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ، وَيَكُونُ سُنَّةً مِنْ بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ، حَتَّى يَكُونَ فِي بِطُونِ السِّبَاعِ، وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَلَئِنْ أَظْهَرنِي اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ
----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «الرجل هُوَ مُحَمَّد بن مسلمة، ذكره الْوَاقِدِيّ، وَذكر أَنه نَادَى فِي الْقَتْلَى:
يَا سعد بن الرّبيع، مرّة بعد مرّة، فَلم يجبهُ أحد، حَتَّى قَالَ: يَا سعد، إِن رَسُول الله ﷺ أرسلنى انْظُر مَا صنعت، فَأَجَابَهُ حِينَئِذٍ بِصَوْت ضَعِيف وَذكر الحَدِيث. وَهَذَا خلاف مَا ذكره أَبُو عمر فِي كتاب الصَّحَابَة، فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ من طَرِيق ربيح بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى سعيد الخدريّ عَن أَبِيه عَن جده أَن الرجل الّذي التمس سَعْدا فِي الْقَتْلَى هُوَ ابْن أَبى كَعْب» .
[٢] يُقَال: طرف بِعَيْنِه يطرف: إِذا ضرب بجفن عينه الْأَعْلَى على جفن عينه الْأَسْفَل.
[٣] يرشفها: يمص رِيقهَا.
فِي مَوْطِنٍ مِنْ الْمَوَاطِنِ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حُزْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَغَيْظَهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِعَمِّهِ مَا فَعَلَ، قَالُوا: وَاَللَّهِ لَئِنْ أَظْفَرَنَا اللَّهُ بِهِمْ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمَّا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَمْزَةَ قَالَ:
لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا! مَا وَقَفْتُ مَوْقِفًا قَطُّ أَغْيَظَ إلَيَّ مِنْ هَذَا! ثُمَّ قَالَ: جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَكْتُوبٌ فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ: حَمْزَةُ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَسَدُ اللَّهِ، وَأَسَدُ رَسُولِهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَمْزَةُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ، إخْوَةٌ مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْهُمْ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ [١] .
(مَا نَزَلَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَنْزَلَ فِي ذَلِكَ، مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ.
وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا باللَّه، وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ»، فَعَفَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَصَبَرَ وَنَهَى عَنْ الْمُثْلَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ الطَّوِيلُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: مَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَقَامٍ قَطُّ فَفَارَقَهُ، حَتَّى يَأْمُرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ [٢] .
--------------------------
[١] اسْمهَا ثويبة.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَهُوَ حَدِيث صَحِيح فِي النهى عَن الْمثلَة، فَإِن قيل: فقد مثل رَسُول الله ﷺ بالعرنيين فَقطع أَيْديهم وأرجلهم، وسمل أَعينهم، وتركهم بِالْحرَّةِ؟ قُلْنَا: فِي ذَلِك جوابان: أَحدهمَا أَنه فعل ذَلِك قصاصا لأَنهم قطعُوا أَيدي الرعاء وأرجلهم وسملوا أَعينهم، وَقيل إِن ذَلِك قبل تَحْرِيم الْمثلَة، فَإِن قيل: فقد تَركهم يستسقون فَلَا يسقون حَتَّى مَاتُوا عطاشا. قُلْنَا: عطشهم لأَنهم عطشوا أهل بَيت النَّبِي ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة،.
(صَلَاةُ الرَّسُولِ عَلَى حَمْزَةَ وَالْقَتْلَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَمْزَةِ فَسُجِّيَ [١] بِبُرْدَةِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى فَيُوضَعُونَ إلَى حَمْزَةَ، فَصَلَّى عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ صَلَاةً [٢] .
(صَفِيَّةُ وَحُزْنُهَا عَلَى حَمْزَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ أَقْبَلَتْ فِيمَا بَلَغَنِي، صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِتَنْظُرَ إلَيْهِ، وَكَانَ أَخَاهَا لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنِهَا الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: الْقَهَا فَأَرْجِعْهَا، لَا تَرَى مَا بِأَخِيهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهُ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَرْجِعِي، قَالَتْ: وَلِمَ؟ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنْ قَدْ مُثِّلَ بِأَخِي، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ، فَمَا أَرْضَانَا بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ! لَأَحْتَسِبَنَّ وَلَأَصْبِرَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَلَمَّا جَاءَ الزُّبَيْرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: خَلِّ سَبِيلَهَا، فَأَتَتْهُ، فَنَظَرَتْ إلَيْهِ، فَصَلَّتْ عَلَيْهِ، وَاسْتَرْجَعَتْ [٣]، وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُفِنَ.
(دَفْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ مَعَ حَمْزَةَ):
قَالَ: فَزَعَمَ لِي آلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ- وَكَانَ لِأُمَيْمَةِ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَمْزَةُ خَالُهُ، وَقَدْ كَانَ مُثِّلَ بِهِ كَمَا مُثِّلَ بِحَمْزَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبْقَرْ عَنْ كَبِدِهِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَنَهُ مَعَ حَمْزَةَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ إلَّا عَنْ أَهْلِهِ
--------------------------
[١] سجى: غطى.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَلم يَأْخُذ بِهَذَا الحَدِيث فُقَهَاء الْحجاز وَلَا الْأَوْزَاعِيّ لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا ضعف إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث. قَالَ ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي من لَا أتهم يعْنى الْحسن بن عمَارَة فِيمَا ذكرُوا وَلَا خلاف فِي ضعف الْحسن بن عمَارَة عِنْد أهل الحَدِيث، وَأَكْثَرهم لَا يرونه شَيْئا، وَإِن كَانَ الّذي قَالَ فِيهِ ابْن إِسْحَاق حَدثنِي من لَا أتهم غير الْحسن، فَهُوَ مَجْهُول، وَالْجهل يوبقه.
وَالْوَجْه الثَّانِي، أَنه حَدِيث لم يَصْحَبهُ الْعَمَل، وَلَا يرْوى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه صلى على شَهِيد فِي شَيْء من مغازيه إِلَّا هَذِه الرِّوَايَة فِي غَزْوَة أحد، وَكَذَلِكَ فِي مُدَّة الخليفتين، إِلَّا أَن يكون الشَّهِيد مرتثا من المعركة» .
[٣] استرجعت: قَالَت: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦.
٧- سيرة ابْن هِشَام- ٢
(دَفْنُ الشُّهَدَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ قَدْ احْتَمَلَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتْلَاهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ، فَدَفَنُوهُمْ بِهَا، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: ادْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيِّ، حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ، إنَّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللَّهِ، إلَّا وَاَللَّهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى جُرْحُهُ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ، اُنْظُرُوا أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ، فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ أَصْحَابِهِ فِي الْقَبْرِ- وَكَانُوا يَدْفِنُونَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَمِّي مُوسَى بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللَّهِ إلَّا وَاَللَّهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ يَوْمَئِذٍ، حِينَ أَمَرَ بِدَفْنِ الْقَتْلَى: اُنْظُرُوا إلَى عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، فَإِنَّهُمَا كَانَا مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا، فَاجْعَلُوهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
(حُزْنُ حَمْنَةَ عَلَى حَمْزَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَة، فَلَقِيته حمتة بِنْتُ جَحْشٍ، كَمَا ذُكِرَ لِي، فَلَمَّا لَقِيَتْ النَّاسَ نُعِيَ إلَيْهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهَا خَالُهَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهَا زَوْجُهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَصَاحَتْ وَوَلْوَلَتْ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ مِنْهَا لَبِمَكَانِ! لِمَا رَأَى مِنْ تَثَبُّتِهَا عِنْدَ أَخِيهَا وَخَالِهَا، وَصِيَاحِهَا عَلَى زَوْجِهَا.
(بُكَاءُ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ عَلَى حَمْزَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَارِ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَظَفَرٍ، فَسَمِعَ الْبُكَاءَ وَالنَّوَائِحَ عَلَى قَتْلَاهُمْ، فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ! فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَمَرَا نِسَاءَهُمْ أَنْ يَتَحَزَّمْنَ، ثُمَّ يَذْهَبْنَ فَيَبْكِينَ عَلَى عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ: لَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُكَاءَهُنَّ عَلَى حَمْزَةَ خَرَجَ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْنَ يَرْحَمْكُنَّ اللَّهُ، فَقَدْ آسَيْتُنَّ [١] بِأَنْفُسِكُنَّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنُهِيَ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّوْحِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سَمِعَ بُكَاءَهُنَّ، قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْأَنْصَارَ! فَإِنَّ الْمُوَاسَاةَ مِنْهُمْ مَا عَتَّمَتْ [٢] لَقَدِيمَةٌ، مُرُوهُنَّ فَلْيَنْصَرِفْنَ.
(شَأْنُ الْمَرْأَةِ الدِّينَارِيَّةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي دِينَارٍ، وَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا وَأَبُوهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأُحُدٍ، فَلَمَّا نُعُوا لَهَا، قَالَتْ: فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالُوا:
خَيْرًا يَا أُمَّ فُلَانٍ، هُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا تُحِبِّينَ، قَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إلَيْهِ؟ قَالَ:
فَأُشِيرَ لَهَا إلَيْهِ، حَتَّى إذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ! تُرِيدُ صَغِيرَةً قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْجَلَلُ: يَكُونُ مِنْ الْقَلِيلِ، وَمِنْ الْكثير، وَهُوَ هَا هُنَا مِنْ الْقَلِيلِ.
قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي الْجَلَلِ الْقَلِيلِ:
---------------------------
[١] آسيتن: عزيتن وعاوقتن، وَأكْثر مَا يُقَال فِي المعونة.
[٢] فِي أ: «مَا علمت» .
لَقَتْلُ بَنِي أَسَدٍ رَبَّهُمْ [١] ... أَلَا كُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ جَلَلُ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٣]: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ وَعْلَةَ الْجَرْمِيُّ:
وَلَئِنْ عَفَوْتُ لَأَعْفُوَنَّ جَلَلًا ... وَلَئِنْ سَطَوْتُ لَأُوْهِنَنْ عَظْمِي
(فَهُوَ مِنْ الْكَثِيرِ) [٤] .
(غَسْلُ السُّيُوفِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ نَاوَلَ سَيْفَهُ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: اغْسِلِي عَنْ هَذَا دَمَهُ يَا بنيّة، فو الله لَقَدْ صَدَقَنِي الْيَوْمَ، وَنَاوَلَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سَيْفَهُ، فَقَالَ: وَهَذَا أَيْضًا، فَاغْسِلِي عَنهُ دَمه، فو الله لَقَدْ صَدَقَنِي الْيَوْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَئِنْ كُنْتُ صَدَقْتَ الْقِتَالَ لَقَدْ صَدَقَ مَعَكَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَبُو دُجَانَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
ذُو الْفَقَارِ [٥] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: نَادَى مُنَادٍ يَوْمَ أُحُدٍ:
لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفَقَارِ، وَلَا فَتَى إلَّا عَلِيٌّ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يُصِيبُ الْمُشْرِكُونَ مِنَّا مِثْلَهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٦]: وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ.
--------------------------
[١] رَبهم: أَي ملكهم، ويعنى بِهِ وَالِده حجرا، لِأَنَّهُ كَانَ ملكا على بنى أَسد فَقَتَلُوهُ.
[٢] فِي أ: «خلاه» .
[٣] كَذَا وَردت هَذِه الْعبارَة فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَي صَغِير قَلِيل. قَالَ ابْن هِشَام:
والجلل أَيْضا الْعَظِيم. قَالَ الشَّاعِر ... إِلَخ» .
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] وَكَانَ ذُو الفقار سيف العَاصِي بن مُنَبّه، فَلَمَّا قتل كَافِرًا يَوْم بدر صَار إِلَى النَّبِي ﷺ ثمَّ جَاءَ إِلَى على بن أَبى طَالب.
[٦] فِي أ: «قَالَ ابْن هِشَام» .
(خُرُوجُ الرَّسُولِ فِي أَثَرِ الْعَدُوِّ لِيُرْهِبَهُ):
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ (مِنْ) [١] يَوْمِ الْأَحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَوَّالٍ، أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أَنْ لَا يَخْرُجَنَّ مَعَنَا أَحَدٌ إلَّا أَحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ. فَكَلَّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبِي كَانَ خَلَّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ، وَلَسْتُ بِاَلَّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ مَعَهُ. وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُرْهِبًا لِلْعَدُوِّ، وَلِيُبَلِّغَهُمْ أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ، لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً، وَأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يُوهِنْهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ.
(مَثَلٌ مِنْ اسْتِمَاتَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي نُصْرَةِ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ عُثْمَانَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَانَ شَهِدَ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ:
شَهِدْتُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَا وَأَخٌ لِي، فَرَجَعْنَا جَرِيحَيْنِ، فَلَمَّا أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، قُلْتُ لِأَخِي أَوْ [٢] قَالَ لِي: أَتَفُوتُنَا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَاَللَّهِ مَا لَنَا مِنْ دَابَّةٍ نَرْكَبُهَا، وَمَا مِنَّا إلَّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ، فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ أَيْسَرَ جُرْحًا، فَكَانَ إذَا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عُقْبَةً [٣]، وَمَشَى عُقْبَةً، حَتَّى انْتَهَيْنَا إلَى مَا انْتَهَى إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
(اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى إلَى حَمْرَاءِ
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي أ: «وَقَالَ» .
[٣] عقبَة: من الاعتقاب فِي الرّكُوب.
الْأَسَدِ، وَهِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ بِهَا الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ.
(شَأْنُ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ):
قَالَ: وَقَدْ مَرَّ بِهِ كَمَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ، مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ عَيْبَةَ [١] نُصْحٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِتِهَامَةَ، صَفْقَتُهُمْ [٢] مَعَهُ، لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِهَا، وَمَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ عَافَاكَ فِيهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، حَتَّى لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّوْحَاءِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالُوا: أَصَبْنَا حَدَّ أَصْحَابِهِ وَأَشْرَافَهُمْ وَقَادَتَهُمْ، ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ! لَنَكُرَنَّ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ، فَلَنَفْرُغَنَّ مِنْهُمْ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ [٣] عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا [٤]، فِيهِمْ مِنْ الْحَنَقِ [٥] عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: وَيْحكَ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى أَرَى نَوَاصِيَ الْخَيل، قَالَ: فو الله لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ: قَالَ: فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ، قَالَ: وَمَا قُلْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ:
-------------------------
[١] عَيْبَة نصح لرَسُول الله: أَي مَوضِع سره.
[٢] صفقتهم مَعَه، أَي اتِّفَاقهم مَعَه. يُقَال: أصفقت مَعَ فلَان على الْأَمر: إِذا اجْتمعت مَعَه عَلَيْهِ.
وَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال: إصفاقهم مَعَه، إِلَّا أنّه اسْتعْمل الْمصدر ثلاثيا.
ويروى: «ضلعهم مَعَه» وَمَعْنَاهُ: ميلهم.
[٣] يتحرقون: يلتهبون من الغيظ.
[٤] فِي م، ر: «ضيعوا» .
[٥] الحنق: شدَّة الغيظ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
06-04-2026, 11:58 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (85)
صــ 103إلى صــ 112
كَادَتْ تُهَدُّ مِنْ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالَتْ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ [١]
تَرْدِى بِأُسْدٍ كَرَامٍ لَا تَنَابِلَةٍ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٍ مَعَازِيلِ [٢]
فَظَلْتُ عَدْوًا أَظُنُّ الْأَرْضَ مَائِلَةً ... لَمَّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ [٣]
فَقُلْتُ: وَيْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمْ [٤] ... إذَا تَغَطمطتُ الْبَطْحَاءُ بِالْجِيلِ [٥]
إنِّي نَذِيرٌ لِأَهْلِ الْبَسْلِ ضَاحِيَةً ... لِكُلِّ ذِي إرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ [٦]
مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ لَا وَخَشٍ تَنَابِلَةٍ ... وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بِالْقِيلِ [٧]
فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ.
(رِسَالَةُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى الرَّسُولِ عَلَى لِسَانِ رَكْبٍ):
وَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمَدِينَةَ؟
قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمِيرَةَ، قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًا رِسَالَةً أُرْسِلُكُمْ بِهَا إلَيْهِ، وَأُحَمِّلُ لَكُمْ هَذِهِ غَدًا زَبِيبًا بِعُكَاظٍ إذَا وَافَيْتُمُوهَا؟ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا وَافَيْتُمُوهُ فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، فَأَخْبَرُوهُ بِاَلَّذِي قَالَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ،
------------------------
[١] تهد: تسْقط لهول مَا رَأَتْ من أصوات الْجَيْش وكثرته. والجرد: الْخَيل الْعتاق. والأبابيل:
الْجَمَاعَات.
[٢] تردى: تسرع. والتنابلة: الْقصار. والميل: جمع أميل، وَهُوَ الّذي لَا رمح أَو لَا ترس مَعَه، وَقيل: هُوَ الّذي لَا يثبت على السرج. والمعازيل: الَّذين لَا سلَاح مَعَهم.
[٣] الْعَدو: الْمَشْي السَّرِيع. وَسموا: علوا وارتفعوا.
[٤] ابْن حَرْب: هُوَ أَبُو سُفْيَان.
[٥] كَذَا ورد هَذَا الشّطْر فِي أ، ط. وتغطمطت: اهتزت وارتجت، وَمِنْه: بَحر غطامط، إِذا علت أمواجه. والبطحاء: السهل من الأَرْض. والجيل: الصِّنْف من النَّاس. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
إِذا تعظمت الْبَطْحَاء بِالْخَيْلِ
وَهُوَ ظَاهر التحريف.
[٦] أهل البسل: قُرَيْش، لأَنهم أهل مَكَّة، وَمَكَّة حرَام. والضاحية: البارزة للشمس. والإربة:
الْعقل.
[٧] الوخش: رذالة النَّاس وأخساؤهم. والتنابلة: الْقصار. والقيل: القَوْل.
(
كَفُّ صَفْوَانَ لِأَبِي سُفْيَانَ عَنْ مُعَاوَدَةِ الْكَرَّةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ لَمَّا انْصَرَفَ يَوْمَ أُحُدٍ، أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى الْمَدِينَةِ، لِيَسْتَأْصِلَ [١] بَقِيَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ حَرِبُوا [٢]، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قِتَالٌ غَيْرُ الَّذِي كَانَ، فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ هَمُّوا بِالرَّجْعَةِ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سُوِّمَتْ [٣] لَهُمْ حِجَارَةٌ، لَوْ صُبِّحُوا بِهَا لَكَانُوا كَأَمْسِ الذَّاهِبِ [٤] .
(مَقْتَلُ أَبِي عَزَّةَ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ):
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ [٥]: وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جِهَةِ ذَلِكَ، قَبْلَ رُجُوعِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، مُعَاوِيَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، أَبُو أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ، وَأَبَا عَزَّةَ الْجُمَحِيَّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَرَهُ بِبَدْرِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِلْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاَللَّهِ لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ بَعْدَهَا وَتَقُولُ: خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ، اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا زُبَيْرُ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا عَاصِمُ ابْن ثَابِتٍ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
(مَقْتَلُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَتَلَا مُعَاوِيَةَ
--------------------------
[١] فِي م، ر: «ليستأصل فِيمَا زَعَمُوا» .
[٢] حربوا: غضبوا.
[٣] سومت، أَي جعلت لَهَا عَلامَة يعرف بهَا أَنَّهَا من عِنْد الله.
[٤] فِي أ: «قَالَ» .
[٥] قَالَ أَبُو ذَر: «وَوَقع فِي كتاب أَبى على الغساني بعد هَذَا: حَدثنَا أَبُو صَالح وَابْن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب، قَالَ أخبرنى سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر وَاحِد مرَّتَيْنِ، هَذَا الحَدِيث حَاشِيَة فِي كتاب أَبى على الغساني رحمه الله» .
ابْن الْمُغِيرَةِ بَعْدَ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، كَانَ لَجَأَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّنَهُ، عَلَى أَنَّهُ إنْ وُجِدَ بَعْدَ ثَلَاثٍ قُتِلَ، فَأَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَتَوَارَى فَبَعَثَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ: إنَّكُمَا سَتَجِدَانِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدَاهُ فَقَتَلَاهُ.
(شَأْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بَعْدَ ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ، كَمَا حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، لَهُ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ لَا يُنْكَرُ، شَرَفًا لَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي قَوْمِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا، إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ، قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أَكْرَمَكُمْ اللَّهُ وَأَعَزَّكُمْ بِهِ، فَانْصُرُوهُ وَعَزِّرُوهُ، وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، ثُمَّ يَجْلِسُ حَتَّى إذَا صَنَعَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا صَنَعَ، وَرَجَعَ بِالنَّاسِ، قَامَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ بِثِيَابِهِ مِنْ نَوَاحِيهِ، وَقَالُوا: اجْلِسْ، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَسْتُ لِذَلِكَ بِأَهْلِ، وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ، فَخَرَجَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا [١] أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِبَابِ الْمَسْجِد، فَقَالَ: مَالك؟ وَيْلَكَ! قَالَ: قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ، فَوَثَبَ عَلَيَّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْذِبُونَنِي وَيُعَنِّفُونَنِي، لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ، قَالَ: وَيْلَكَ! ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَبْتَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي.
(كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ مِحْنَةٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلَاءٍ وَمُصِيبَةٍ وَتَمْحِيصٍ، اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَحَنَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ، مِمَّنْ كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْكُفْرِ فِي قَلْبِهِ، وَيَوْمًا أَكْرَمَ اللَّهُ فِيهِ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِالشَّهَادَةِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ.
------------------------
[١] بجزا: أمرا عَظِيما. ويروى: «هجرا»، وَهُوَ الْكَلَام الْقَبِيح.
ذِكْرُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أُحُدٍ مِنْ الْقُرْآنِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ، قَالَ: فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى فِي يَوْمِ أُحُدٍ مِنْ الْقُرْآنِ سِتُّونَ آيَةً مِنْ آلِ عِمْرَانَ، فِيهَا صِفَةُ مَا كَانَ فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ، وَمُعَاتَبَةُ مَنْ عَاتَبَ مِنْهُمْ، يَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ٣: ١٢١.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ: تَتَّخِذُ لَهُمْ مَقَاعِدَ وَمَنَازِلَ. قَالَ الْكُمَيْتُ ابْن زَيْدٍ:
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَهُ ... قَدْ تَبَوَّأْتُ مَضْجَعَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
أَيْ سَمِيعٌ بِمَا تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِمَا تُخْفُونَ.
«إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ٣: ١٢٢»: أَنْ تَتَخَاذَلَا، وَالطَّائِفَتَانِ:
بَنُو سَلَمَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَبَنُو حَارِثَةَ بْنِ النَّبِيتُ مِنْ الْأَوْسِ، وَهُمَا الْجَنَاحَانِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَالله وَلِيُّهُما ٣: ١٢٢»: أَيْ الْمُدَافِعُ عَنْهُمَا مَا هَمَّتَا بِهِ مِنْ فَشَلِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَنْ ضَعْفٍ وَوَهَنٍ أَصَابَهُمَا غَيْرَ شَكٍّ فِي دِينِهِمَا، فَتَوَلَّى دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمَا بِرَحْمَتِهِ وَعَائِدَتِهِ، حَتَّى سَلِمَتَا مِنْ وُهُونِهِمَا وَضَعْفِهِمَا، وَلَحِقَتَا بِنَبِيِّهِمَا ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ الْأَسْدِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: قَالَتْ الطَّائِفَتَانِ:
مَا نُحِبُّ أَنَّا لَمْ نَهُمَّ بِمَا هَمَمْنَا بِهِ، لَتَوَلَّى اللَّهُ إيَّانَا فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ٣: ١٢٢»:
أَيْ مَنْ كَانَ بِهِ ضَعْفٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَيَّ، وَلْيَسْتَعِنْ بِي، أُعِنْهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَأُدَافِعْ عَنْهُ، حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ، وَأَدْفَعَ عَنْهُ، وَأُقَوِّيَهُ عَلَى نِيَّتِهِ. «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ٣: ١٢٣:
أَيْ فَاتَّقُونِي، فَإِنَّهُ شُكْرُ نِعْمَتِي. «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ» ٣: ١٢٣ وَأَنْتُمْ أَقَلُّ عَدَدًا وَأَضْعَفُ قُوَّةً «إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» ٣: ١٢٤- ١٢٥: أَيْ إنْ تَصْبِرُوا لِعَدُوِّي، وَتُطِيعُوا أَمْرِي، وَيَأْتُوكُمْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا، أُمِدُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُسَوِّمِينَ: مُعْلَمِينَ. بَلَغَنَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَعْلَمُوا عَلَى أَذْنَابِ خَيْلِهِمْ وَنَوَاصِيهَا بِصُوفِ أَبْيَضَ. فَأَمَّا ابْنُ إسْحَاقَ فَقَالَ: كَانَتْ سِيمَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا. وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بَدْرٍ.
وَالسِّيمَا: الْعَلَامَةُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل: «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» ٤٨: ٢٩: أَيْ عَلَامَتُهُمْ. وَ«حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً» ١١: ٨٢- ٨٣ يَقُولُ: مُعْلَمَةً. بَلَغَنَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهَا عَلَامَةٌ، أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهَا مِنْ حِجَارَةِ الْعَذَابِ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
فَالْآنَ تُبْلَى بِي الْجِيَادُ السَّهَمُ ... وَلَا تُجَارِينِي إذَا مَا سَوَّمُوا [١]
وَشَخَصَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَجْذَمُوا
(أَجْذَمُوا «بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ»: أَيْ أَسْرَعُوا، وَأَجْدَمُوا «بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ»:
أَقْطَعُوا) [٢] .
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَالْمُسَوَّمَةُ (أَيْضًا): الْمَرْعِيَّةُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: «وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ» ٣: ١٤ و«شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ» ١٦: ١٠. تَقُولُ الْعَرَبُ:
سَوَّمَ خَيْلَهُ وَإِبِلَهُ، وَأَسَامَهَا: إذَا رَعَاهَا. قَالَ الْكُمَيْت من زَيْدٍ:
رَاعِيًا كَانَ مُسْجِحًا فَفَقَدْنَاهُ ... وَفَقْدُ الْمُسِيمِ هُلْكُ السَّوَامِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُسْجِحًا: سَلِسُ السِّيَاسَةِ مُحْسِنٌ (إلَى الْغَنَمِ) [٢] . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
-----------------------
[١] الْجِيَاد: الْخَيل الْعتاق. والسهم: العابسة المتغيرة من شدَّة الْحَرْب.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
«وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» ٣: ١٢٦: أَيْ مَا سَمَّيْتُ لَكُمْ مَنْ سَمَّيْتُ مِنْ جُنُودِ مَلَائِكَتِي إلَّا بُشْرَى لَكُمْ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، لِمَا أَعْرِفُ مِنْ ضَعْفِكُمْ، وَمَا النَّصْرُ إلَّا مِنْ عِنْدِي، لِسُلْطَانِي وَقُدْرَتِي، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِزَّ وَالْحُكْمَ إلَيَّ، لَا إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي. ثُمَّ قَالَ: «لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ» ٣: ١٢٧: أَيْ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِقَتْلٍ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْهُمْ، أَوْ يَرُدَّهُمْ خَائِبِينَ: أَيْ وَيَرْجِعُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَلًّا خَائِبِينَ، لَمْ يَنَالُوا شَيْئًا مِمَّا كَانُوا يَأْمُلُونَ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَكْبِتُهُمْ: يَغُمُّهُمْ أَشَدَّ الْغَمِّ، وَيَمْنَعُهُمْ مَا أَرَادُوا. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
مَا أَنْسَ مِنْ شَجَنٍ لَا أَنْسَ مَوْقِفَنَا ... فِي حَيْرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ وَمَكْبُوتِ [١]
وَيَكْبِتُهُمْ (أَيْضًا): يَصْرَعُهُمْ لِوُجُوهِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ لِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ٣: ١٢٨»:
أَيْ لَيْسَ لَكَ مِنْ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي، إلَّا مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فِيهِمْ، أَوْ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِي، فَإِنْ شِئْتُ فَعَلْتُ، أَوْ أُعَذِّبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَبِحَقِّي «فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ» ٣: ١٢٨:
أَيْ قَدْ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ بِمَعْصِيَتِهِمْ إيَّايَ «وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ» ٣: ١٢٩: أَيْ يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَرْحَمُ الْعِبَادَ، عَلَى مَا فِيهِمْ [٢] .
-------------------
[١] الشجن: الْحزن.
[٢] قَالَ السهيليّ، عِنْد ذكر قَوْله تَعَالَى «لَيْسَ لَكَ من الْأَمْرِ شَيْءٌ» ٣: ١٢٨: «وَفِي تَفْسِير التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَرْفُوع:
أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَدْعُو على أَبى سُفْيَان والْحَارث بن هِشَام وَعَمْرو بن الْعَاصِ حَتَّى أنزل الله تَعَالَى «لَيْسَ لَكَ من الْأَمْرِ شَيْءٌ» ٣: ١٢٨ قَالَ فتابوا وَأَسْلمُوا وَحسن إسْلَامهمْ، وَهَذَا حَدِيث ثَابت فِي حسن إِسْلَام أَبى سُفْيَان، خلافًا لمن زعم غير ذَلِك، وَأما الْحَارِث بن هِشَام فَلَا خلاف فِي حسن إِسْلَامه وَفِي مَوته شَهِيدا بِالشَّام، وَأما عَمْرو بن الْعَاصِ فقد قَالَ فِيهِ النَّبِي ﷺ: أسلم النَّاس وآمن عَمْرو» .
(النَّهْيُ عَنْ الرِّبَا):
ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً» ٣: ١٣٠، أَيْ لَا تَأْكُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، إذْ هَدَاكُمْ اللَّهُ بِهِ مَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ إذْ أَنْتُمْ عَلَى غَيْرِهِ، مِمَّا لَا يَحِلُّ لَكُمْ فِي دِينِكُمْ «وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ٣: ١٣٠: أَيْ فَأَطِيعُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَنْجُونَ مِمَّا حَذَّرَكُمْ اللَّهُ مِنْ عَذَابِهِ، وتدركون مَا رَغَّبَكُمْ اللَّهُ فِيهِ مِنْ ثَوَابِهِ، «وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» ٣: ١٣١: أَيْ الَّتِي جُعِلَتْ دَارًا لِمِنْ كَفَرَ بِي.
(الْحَضُّ عَلَى الطَّاعَةِ):
ثُمَّ قَالَ: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ٣: ١٣٢ مُعَاتَبَةً لِلَّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي غَيْرِهِ. ثُمَّ قَالَ: «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» ٣: ١٣٣: أَيْ دَارًا لِمَنْ أَطَاعَنِي وَأَطَاعَ رَسُولِي. «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» ٣: ١٣٤: أَيْ وَذَلِكَ هُوَ الْإِحْسَانُ، وَأَنَا أُحِبُّ مَنْ عَمِلَ بِهِ، «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» ٣: ١٣٥: أَيْ إنْ أَتَوْا فَاحِشَةً، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعْصِيَةٍ ذَكَرُوا نَهْيَ اللَّهِ عَنْهَا، وَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ لَهَا، وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا هُوَ. «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» ٣: ١٣٥: أَيْ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَعْصِيَتِي كَفِعْلِ مَنْ أَشْرَكَ بِي فِيمَا غَلَوْا بِهِ فِي كُفْرِهِمْ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِي. «أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» ٣: ١٣٦: أَيْ ثَوَابُ الْمُطِيعِينَ.
(ذِكْرُ مَا أَصَابَهُمْ وَتَعْزِيَتُهُمْ عَنْهُ):
ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذِكْرَ الْمُصِيبَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ، وَالْبَلَاءَ الَّذِي أَصَابَهُمْ، وَالتَّمْحِيصَ لِمَا كَانَ فِيهِمْ، وَاِتِّخَاذَهُ الشُّهَدَاءَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: تَعْزِيَةً لَهُمْ، وَتَعْرِيفًا لَهُمْ فِيمَا صَنَعُوا، وَفِيمَا هُوَ صَانِعٌ بِهِمْ. «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا
فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» ٣: ١٣٧: أَيْ قَدْ مَضَتْ مِنِّي وَقَائِعُ نِقْمَةٍ فِي أَهْلِ التَّكْذِيبِ لِرُسُلِي وَالشِّرْكِ بِي: عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ، فَرَأَوْا مَثُلَاتٍ قَدْ مَضَتْ مِنِّي فِيهِمْ، وَلِمَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مِنِّي، فَإِنِّي أَمْلَيْتُ لَهُمْ: أَيْ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ نِقْمَتِي انْقَطَعَتْ عَنْ عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّي، لِلدَّوْلَةِ الَّتِي أَدْلَتْهُمْ بِهَا عَلَيْكُمْ، لِيَبْتَلِيَكُمْ بِذَلِكَ، لِيُعَلِّمَكُمْ مَا عِنْدَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: «هَذَا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» ٣: ١٣٨: أَيْ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلنَّاسِ إنْ قَبِلُوا الْهُدَى «وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ» ٣: ١٣٨: أَيْ نُورٌ وَأَدَبٌ «لِلْمُتَّقِينَ» ٣: ١٣٨ أَيْ لِمَنْ أَطَاعَنِي وَعَرَفَ أَمْرِي. «وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا» ٣: ١٣٩: أَيْ لَا تَضْعُفُوا وَلَا تَبْتَئِسُوا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ، «وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ» ٣: ١٣٩: أَيْ لَكُمْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ وَالظُّهُورُ «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ٣: ١٣٩: أَيْ إنْ كُنْتُم صدّقتم نَبِي بِمَا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ عَنِّي. «إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ» ٣: ١٤٠: أَيْ جِرَاحُ [١] مِثْلُهَا، «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ» ٣: ١٤٠: أَيْ نُصَرِّفُهَا بَيْنَ النَّاسِ لِلْبَلَاءِ وَالتَّمْحِيصِ «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ، وَالله لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» ٣: ١٤٠: أَيْ لِيُمَيِّزَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَلِيُكْرِمَ مَنْ أَكْرَمَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالشَّهَادَةِ «وَالله لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» ٣: ١٤٠: أَيْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ الطَّاعَةَ وَقُلُوبُهُمْ مُصِرَّةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ «وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» ٣: ١٤١: أَيْ يَخْتَبِرَ الَّذِينَ آمَنُوا حَتَّى يُخَلِّصَهُمْ بِالْبَلَاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَكَيْفَ صَبْرُهُمْ وَيَقِينُهُمْ «وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ» ٣: ١٤١: أَيْ يُبْطِلَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَوْلَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُمْ كُفْرُهُمْ الَّذِي يَسْتَتِرُونَ بِهِ.
(دَعْوَةُ الْجَنَّةِ لِلْمُجَاهِدِينَ):
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» ٣: ١٤٢: أَيْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَتُصِيبُوا مِنْ ثَوَابِي الْكَرَامَةَ، وَلَمْ أَخْتَبِرْكُمْ بِالشِّدَّةِ، وَأَبْتَلِيَكُمْ بِالْمَكَارِهِ، حَتَّى أَعْلَمَ صِدْقَ
--------------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «قَالَ للفراء: الْقرح (بِفَتْح الْقَاف): الْجراح. والقرح (بِضَم الْقَاف) ألم الْجراح. وَغَيره لَا يفرق بَينهمَا.
ذَلِكَ مِنْكُمْ بِالْإِيمَانِ بِي، وَالصَّبْرَ عَلَى مَا أَصَابَكُمْ فِيَّ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الشَّهَادَةَ عَلَى الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، يَعْنِي الَّذِينَ اسْتَنْهَضُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلَى خُرُوجِهِ بِهِمْ إلَى عَدُوِّهِمْ، لِمَا فاتهم من حضورا الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ بِبَدْرٍ، وَرَغْبَةً فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي فَاتَتْهُمْ بِهَا، فَقَالَ: «وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ» ٣: ١٤٣ يَقُولُ: «فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» ٣: ١٤٣: أَيْ الْمَوْتُ بِالسُّيُوفِ فِي أَيْدِي الرِّجَالِ قَدْ خُلِّيَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَدَّهُمْ عَنْكُمْ. «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» ٣: ١٤٤: أَيْ لِقَوْلِ النَّاسِ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَانْهِزَامُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، وَانْصِرَافُهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ «أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ» ٣: ١٤٤ رَجَعْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ كُفَّارًا كَمَا كُنْتُمْ، وَتَرَكْتُمْ جِهَادَ عَدُوِّكُمْ، وَكِتَابَ اللَّهِ. وَمَا خَلَّفَ نَبِيُّهُ ﷺ مِنْ دِينِهِ مَعَكُمْ وَعِنْدَكُمْ، وَقَدْ بَيَّنَ لَكُمْ فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ عَنِّي أَنَّهُ مَيِّتٌ وَمُفَارِقُكُمْ، «وَمن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ» ٣: ١٤٤: أَيْ يَرْجِعُ عَنْ دِينِهِ «فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا» ٣: ١٤٤: أَيْ لَيْسَ يُنْقِصُ ذَلِكَ عِزَّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مُلْكَهُ وَلَا سُلْطَانَهُ وَلَا قُدْرَتَهُ، «وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» ٣: ١٤٤:
أَيْ مَنْ أَطَاعَهُ وَعَمِلَ بِأَمْرِهِ [١] .
(ذِكْرُهُ أَنَّ الْمَوْتَ بِإِذْنِ اللَّهِ):
ثُمَّ قَالَ: «وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا» ٣: ١٤٥:
أَيْ أَنَّ لِمُحَمَّدِ ﷺ أَجَلًا هُوَ بَالِغُهُ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ عز وجل فِي ذَلِكَ كَانَ. «وَمن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمن يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ» ٣: ١٤٥: أَيْ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الدُّنْيَا، لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الْآخِرَةِ، نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا قُسِمَ لَهُ مِنْ رِزْقٍ، وَلَا يَعْدُوهُ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ
------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «تَأْوِيل هَذِه الْآيَة حِين انْقَلب أهل الرِّدَّة على أَعْقَابهم فَلم يضر ذَلِك دين الله وَلَا أمة نبيه. وَكَانَ أَبُو بكر يُسمى أَمِير الشَّاكِرِينَ لذَلِك. وَفِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على صِحَة خِلَافَته، لِأَنَّهُ الّذي قَاتل المنقلبين على أَعْقَابهم من ردهم إِلَى الدَّين الّذي خَرجُوا مِنْهُ» .
فِي الْآخِرَةِ مِنْ حَظٍّ «وَمن يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها» ٣: ١٤٥ مَا وُعِدَ بِهِ، مَعَ مَا يُجْزَى عَلَيْهِ مِنْ رِزْقِهِ فِي دُنْيَاهُ، وَذَلِكَ جَزَاءُ الشَّاكِرِينَ، أَيْ الْمُتَّقِينَ.
(ذِكْرُ شَجَاعَةِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْ قَبْلُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ):
ثُمَّ قَالَ: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا، وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» ٣: ١٤٦:
أَيْ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ: أَيْ جَمَاعَةٌ، فَمَا وَهَنُوا لِفَقْدِ نَبِيِّهِمْ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، وَاَللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ «وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» ٣: ١٤٧.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاحِدُ الرِّبِّيِّينَ: رِبِّيٌّ، وَقَوْلُهُمْ: الرِّبَابُ، لِوَلَدِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أدّ بن طابخة بْنِ إلْيَاسَ، وَلِضَبَّةَ، لِأَنَّهُمْ تَجَمَّعُوا وَتَحَالَفُوا، مِنْ هَذَا، يُرِيدُونَ الْجَمَاعَاتِ. وَوَاحِدَةُ الرِّبَابِ: رِبَّةٌ (وَرِبَابَةٌ) [١] وَهِيَ جَمَاعَاتُ قِدَاحٍ أَوْ عِصِيٍّ وَنَحْوِهَا، فَشَبَّهُوهَا بِهَا. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ [٢]:
وَكَأَنَّهُنَّ رِبَابَةٌ وَكَأَنَّهُ ... يَسَرٌ يَفِيصُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
حَوْلَ شياطينهم أبابيل ربّ ... يون شَدُّوا سَنَوَّرًا مَدْسُورَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالرِّبَابَةُ (أَيْضًا): الْخِرْقَةُ الَّتِي تُلَفُّ فِيهَا الْقِدَاحُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: والسَّنَوَّرُ: الدُّرُوعُ. وَالدُّسُرُ، هِيَ الْمَسَامِيرُ الَّتِي فِي الْحِلَقِ، يَقُولُ اللَّهُ عز وجل «وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ» ٥٤: ١٣.
قَالَ الشَّاعِرُ، وَهُوَ أَبُو الْأَخْزَرِ الْحِمَّانِيُّ، مِنْ تَمِيمٍ:
----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] هَذِه الْعبارَة من قَوْله «قَالَ أَبُو ذُؤَيْب» إِلَى أول قَوْله «وَقَالَ أُميَّة» سَاقِطَة فِي أ.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
06-08-2026, 11:38 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (86)
صــ 113إلى صــ 122
دَسْرًا بِأَطْرَافِ الْقَنَا الْمُقَوَّمِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ فَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا ذَلِكَ بِذُنُوبِ مِنْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ كَمَا اسْتَغْفَرُوهُ، وَامْضُوا عَلَى دِينِكُمْ كَمَا مَضَوْا عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ رَاجِعِينَ، وَاسْأَلُوهُ كَمَا سَأَلُوهُ أَنْ يُثَبِّتَ أَقْدَامَكُمْ، وَاسْتَنْصِرُوهُ كَمَا اسْتَنْصَرُوهُ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَكُلُّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ كَانَ، وَقَدْ قُتِلَ نَبِيُّهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلْتُمْ، فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَمَا وَعَدَ اللَّهُ فِيهَا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
(تَحْذِيرُهُ إيَّاهُمْ مِنْ إطَاعَةِ الْكُفَّارِ):
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ» ٣: ١٤٩: أَيْ عَنْ عَدُوِّكُمْ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكُمْ وآخِرَتُكُمْ «بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» ٣: ١٥٠، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ صِدْقًا فِي قُلُوبِكُمْ فَاعْتَصِمُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَنْصِرُوا بِغَيْرِهِ، وَلَا تَرْجِعُوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ مُرْتَدِّينَ عَنْ دِينِهِ.
«سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» ٣: ١٥١: أَيْ الَّذِي بِهِ كُنْتُ أَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ بِمَا أَشْرَكُوا بِي مَا لَمْ أَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ حُجَّةٍ، أَيْ فَلَا تَظُنُّوا أَنَّ لَهُمْ عَاقِبَةَ نَصْرٍ وَلَا ظُهُورٍ عَلَيْكُمْ مَا اعْتَصَمْتُمْ بِي، وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي، لِلْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْكُمْ مِنْهُمْ بِذُنُوبٍ قَدَّمْتُمُوهَا لِأَنْفُسِكُمْ، خَالَفْتُمْ بِهَا أَمْرِي لِلْمَعْصِيَةِ، وَعَصَيْتُمْ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ. «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [١]، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ، وَالله ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ٣: ١٥٢» أَيْ وَقَدْ وَفَّيْتُ لَكُمْ بِمَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ النَّصْرِ عَلَى عَدُوِّكُمْ، إذْ تُحِسُّونَهُمْ بِالسُّيُوفِ، أَيْ الْقَتْلِ، بِإِذْنِي وَتَسْلِيطِي أَيْدِيكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَفَّى أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ.
----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ عبد الله بن جُبَير الّذي كَانَ أَمِيرا على الرُّمَاة، وَكَانَ أَمرهم أَن يلزموا مكانهم، وَلَا يخالفوا أَمر نَبِيّهم، فثبتت مَعَه طَائِفَة، فاستشهد واستشهدوا، وهم الَّذين أَرَادوا الْآخِرَة، وَأَقْبَلت طَائِفَة على الْمغنم وَأخذ السَّلب، فكر عَلَيْهِم الْعَدو وَكَانَت الْمُصِيبَة» .
٨- سيرة ابْن هِشَام- ٢
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَسُّ: الِاسْتِئْصَالُ: يُقَالُ: حَسَسْتُ الشَّيْءَ: أَيْ اسْتَأْصَلْتُهُ بِالسَّيْفِ وَغَيْرِهِ. قَالَ جَرِيرٌ:
تَحُسُّهُمْ السُّيُوفُ كَمَا تَسَامَى ... حَرِيقُ النَّارِ فِي الْأَجَمِ الْحَصِيدِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
إذَا شَكَوْنَا سَنَةً حَسُوسا ... تَأْكُلُ بَعْدَ الْأَخْضَرِ الْيَبِيسَا
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ ٣: ١٥٢»: أَيْ تَخَاذَلْتُمْ «وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ٣: ١٥٢» أَيْ اخْتَلَفْتُمْ فِي أَمْرِي، أَيْ تَرَكْتُمْ أَمْرَ نَبِيِّكُمْ وَمَا عَهِدَ إلَيْكُمْ، يَعْنِي الرُّمَاةَ «وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ ٣: ١٥٢»: أَيْ الْفَتْحُ، لَا شَكَّ فِيهِ، وَهَزِيمَةُ الْقَوْمِ عَنْ نِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ٣: ١٥٢»: أَيْ الَّذِينَ أَرَادُوا النَّهْبَ فِي الدُّنْيَا وَتَرْكَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الطَّاعَةِ الَّتِي عَلَيْهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ٣: ١٥٢»: أَيْ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي اللَّهِ، وَلَمْ يُخَالِفُوا إلَى مَا نُهُوا عَنْهُ، لِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا، رَغْبَةً فِيهَا، رَجَاءَ مَا عِنْدِ اللَّهِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ، أَيْ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخَالِفُوا إلَى مَا نُهُوا عَنْهُ، لِعَرَضِ مِنْ الدُّنْيَا، لِيَخْتَبِرَكُمْ، وَذَلِكَ بِبَعْضِ ذُنُوبِكُمْ، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْ عَظِيمِ ذَلِكَ، أَنْ لَا يُهْلِكَكُمْ بِمَا أَتَيْتُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ نَبِيِّكُمْ، وَلَكِنِّي عُدْتُ بِفَضْلِي عَلَيْكُمْ، وَكَذَلِكَ «مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ٣: ١٦٤» أَنْ عَاقَبَ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا أَدَبًا وَمَوْعِظَةً، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْصِلٍ لِكُلِّ مَا فِيهِمْ مِنْ الْحَقِّ لَهُ عَلَيْهِمْ، بِمَا أَصَابُوا مِنْ مَعْصِيَتِهِ، رَحْمَةً لَهُمْ، وَعَائِدَةً عَلَيْهِمْ، لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ.
(تَأْنِيبُهُ إيَّاهُمْ لِفِرَارِهِمْ عَنْ نَبِيّهم):
ثمَّ أنبّههم بِالْفِرَارِ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَهُمْ يُدْعَوْنَ لَا يَعْطِفُونَ عَلَيْهِ لِدُعَائِهِ إيَّاهُمْ، فَقَالَ: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ، فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ ٣: ١٥٣»: أَيْ كَرْبًا بَعْدَ كَرْبٍ، بِقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْ إخْوَانِكُمْ، وَعُلُوِّ
---------------------------
[١] تسامى: ارْتَفع. والأجم: جمع أجمة، وَهُوَ الشّجر الملتف والحصيد: المحصود الْمَقْطُوع.
عَدُوِّكُمْ عَلَيْكُمْ، وَبِمَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: قُتِلَ نَبِيُّكُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَتَابَعَ عَلَيْكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ، مِنْ ظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ، بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُمُوهُ بِأَعْيُنِكُمْ، وَلَا مَا أَصَابَكُمْ مِنْ قَتْلِ إخْوَانِكُمْ، حَتَّى فَرَّجْتُ ذَلِكَ الْكَرْبَ عَنْكُمْ «وَالله خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ٣: ١٥٣. وَكَانَ الَّذِي فَرَّجَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْكَرْبِ وَالْغَمِّ الَّذِي أَصَابَهُمْ، أَنَّ اللَّهَ عز وجل رَدَّ عَنْهُمْ كِذْبَةَ الشَّيْطَانِ بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، هَانَ عَلَيْهِمْ مَا فَاتَهُمْ مِنْ الْقَوْمِ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، وَالْمُصِيبَةُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ فِي إخْوَانِهِمْ، حِينَ صَرَفَ اللَّهُ الْقَتْلَ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ. «ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ، يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ، وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، وَالله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ٣: ١٥٤»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ عَلَى أَهْلِ الْيَقِينِ بِهِ، فَهُمْ نِيَامٌ لَا يَخَافُونَ، وَأَهْلُ النِّفَاقِ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، يَظُنُّونَ باللَّه غَيْرَ [١] الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [٢]، تَخَوُّفَ الْقَتْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَاقِبَةً، فَذَكَرَ اللَّهُ عز وجل تَلَاوُمَهُمْ وَحَسْرَتَهُمْ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ:
«قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ» ٣: ١٥٤ لَمْ تَحْضُرُوا هَذَا الْمَوْطِنَ الَّذِي أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مِنْكُمْ مَا أَظْهَرَ مِنْ سَرَائِرِكُمْ «لَبَرَزَ ٣: ١٥٤» لَأَخْرَجَ «الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ٣: ١٥٤» إلَى مَوْطِنٍ غَيْرِهِ يُصْرَعُونَ فِيهِ، حَتَّى يُبْتَلَى بِهِ مَا فِي صُدُورِهِمْ «وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، وَالله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ٣: ١٥٤»: أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِمَّا اسْتَخْفَوْا بِهِ مِنْكُمْ.
-----------------------------
[١] أَي يظنون أَن الله خاذل دينه وَنبيه.
[٢] أَي أهل الْجَاهِلِيَّة كأبى سُفْيَان وَأَصْحَابه.
(تَحْذِيرُهُمْ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَخْشَوْنَ الْمَوْتَ فِي اللَّهِ):
ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى، لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا، لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ، وَالله يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَالله بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» ٣: ١٥٦: أَيْ لَا تَكُونُوا كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ إخْوَانَهُمْ عَنْ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عز وجل، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَيَقُولُونَ إذَا مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا: لَوْ أَطَاعُونَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا «لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ٣: ١٥٦» لِقِلَّةِ الْيَقِينِ بِرَبِّهِمْ، «وَالله يُحْيِي وَيُمِيتُ ٣: ١٥٦»: أَيْ يُعَجِّلُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ آجَالِهِمْ بِقُدْرَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: «وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» ٣: ١٥٧: أَيْ إنَّ الْمَوْتَ لَكَائِنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَمَوْتٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ قَتْلٌ، خَيْرٌ لَوْ عَلِمُوا وَأَيْقَنُوا مِمَّا يَجْمَعُونَ مِنْ الدُّنْيَا الَّتِي لَهَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْ الْجِهَادِ، تَخَوُّفَ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ لِمَا جَمَعُوا مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا زَهَادَةً فِي الْآخِرَةِ «وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ٣: ١٥٨» أَيُّ ذَلِكَ كَانَ «لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ٣: ١٥٨»: أَيْ أَنَّ إلَى اللَّهِ الْمَرْجِعَ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الدُّنْيَا، وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا، وَلْيَكُنْ الْجِهَادُ وَمَا رَغَّبَكُمْ اللَّهُ فِيهِ مِنْ ثَوَابِهِ آثَرَ عِنْدَكُمْ مِنْهَا.
(ذِكْرُهُ رَحْمَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ):
ثُمَّ قَالَ تبارك وتعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» ٣: ١٥٩: أَيْ لَتَرَكُوكَ «فَاعْفُ عَنْهُمْ» ٣: ١٥٩:
أَيْ فَتَجَاوَزْ عَنْهُمْ «وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» ٣: ١٥٩ فَذَكَرَ لِنَبِيِّهِ ﷺ لِينَهُ لَهُمْ، وَصَبْرَهُ عَلَيْهِمْ، لِضَعْفِهِمْ، وَقِلَّةِ صَبْرِهِمْ عَلَى الْغِلْظَةِ لَوْ كَانَتْ مِنْهُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَا خَالَفُوا عَنْهُ مِمَّا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ تبارك وتعالى: «فَاعْفُ عَنْهُمْ ٣: ١٥٩»: أَيْ تَجَاوَزْ عَنْهُمْ، «وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ٣: ١٥٩» ذُنُوبَهُمْ، مَنْ قَارَفَ [١] مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ٣: ١٥٩: أَيْ
------------------------------
[١] يُقَال: قارف الرجل الذَّنب: إِذا دخل فِيهِ ولابسه.
لِتُرِيهِمْ أَنَّكَ تَسْمَعُ مِنْهُمْ، وَتَسْتَعِينُ بِهِمْ، وَإِنْ كُنْتُ غَنِيًّا عَنْهُمْ، تَأَلُّفًا لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى دِينِهِمْ فَإِذا عَزَمْتَ ٣: ١٥٩: أَيْ عَلَى أَمْرٍ جَاءَكَ مِنِّي وَأَمْرٍ مِنْ دِينِكَ فِي جِهَادِ عَدُوِّكَ لَا يُصْلِحُكَ وَلَا يُصْلِحُهُمْ إلَّا ذَلِكَ، فَامْضِ عَلَى مَا أُمِرْتَ بِهِ، عَلَى خِلَافِ مَنْ خَالَفَكَ، وَمُوَافَقَةِ من وَافَقَك، فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ٣: ١٥٩، أَيْ ارْضَ بِهِ مِنْ الْعِبَادِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ٣: ١٥٩- ١٦٠: أَيْ لِئَلَّا تَتْرُكَ أَمْرِي لِلنَّاسِ، وَارْفُضْ أَمْرَ النَّاسِ إلَى أَمْرِي، وَعَلَى اللَّهِ لَا عَلَى النَّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
(مَا نَزَلَ فِي الْغُلُولِ):
ثُمَّ قَالَ: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، وَمن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٣: ١٦١: أَيْ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكْتُمَ النَّاسَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ، عَنْ رَهْبَةٍ مِنْ النَّاسِ وَلَا رَغْبَةٍ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَأْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ، ثُمَّ يُجْزَى بِكَسْبِهِ، غَيْرَ مَظْلُومٍ وَلَا مُعْتَدًى عَلَيْهِ «أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ٣: ١٦٢» عَلَى مَا أَحَبَّ النَّاسُ أَوْ سَخِطُوا «كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ٣: ١٦٢» لِرِضَا النَّاسِ أَوْ لِسَخَطِهِمْ. يَقُولُ: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى طَاعَتِي، فَثَوَابُهُ الْجَنَّةُ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَاسْتَوْجَبَ سَخَطَهُ، فَكَانَ «مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٣: ١٦٢» أَسَوَاءٌ الْمِثْلَانِ! فَاعْرِفُوا. «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَالله بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ٣: ١٦٣» لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ: أَيْ إنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ.
(فَضْلُ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ بِبَعْثِ الرُّسُلِ):
ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا من أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ٣: ١٦٤: أَيْ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ، إذْ بَعَثَ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِهِ فِيمَا أَحْدَثْتُمْ، وَفِيمَا عَمِلْتُمْ، فَيُعَلِّمَكُمْ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، لِتَعْرِفُوا الْخَيْرَ فَتَعْمَلُوا بِهِ، وَالشَّرَّ فَتَتَّقُوهُ، وَيُخْبِرَكُمْ بِرِضَاهُ عَنْكُمْ إذَا أَطَعْتُمُوهُ فَتَسْتَكْثِرُوا مِنْ طَاعَتِهِ وَتَجْتَنِبُوا مَا سَخِطَ مِنْكُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ،
لِتَتَخَلَّصُوا بِذَلِكَ مِنْ نِقْمَتِهِ، وَتُدْرِكُوا بِذَلِكَ ثَوَابَهُ مِنْ جَنَّتِهِ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مَبِينٍ: أَيْ لَفِي عَمْيَاءَ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ لَا تَعْرِفُونَ حَسَنَةً ولَا تَسْتَغْفِرُونَ مِنْ سَيِّئَةٍ، صُمٌّ عَنْ الْخَيْرِ، بُكْمٌ عَنْ الْحَقِّ، عُمْيٌ عَنْ الْهُدَى.
(ذِكْرُهُ الْمُصِيبَةَ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ):
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصِيبَةَ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ، فَقَالَ: «أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ: أَنَّى هَذَا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٣: ١٦٥»: أَيْ إنْ تَكُ قَدْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ فِي إخْوَانِكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فَقَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قَبْلُ مِنْ عَدُوِّكُمْ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ بِبَدْرِ، قَتْلًا وَأَسْرًا وَنَسِيتُمْ مَعْصِيَتَكُمْ وَخِلَافَكُمْ عَمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ ﷺ، أَنْتُمْ أَحْلَلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٣: ١٦٥: أَيْ إنَّ اللَّهَ عَلَى مَا أَرَادَ بِعِبَادِهِ مِنْ نِقْمَةٍ أَوْ عَفْوٍ قَدِيرٌ وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ٣: ١٦٦: أَيْ مَا أَصَابَكُمْ حِينَ الْتَقَيْتُمْ أَنْتُمْ وَعَدُوُّكُمْ فَبِإِذْنِي، كَانَ ذَلِكَ حِينَ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بَعْدَ أَنْ جَاءَكُمْ نَصْرِي، وَصَدَقَتْكُمْ وَعْدِي، لِيُمَيِّزَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، «وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ٣: ١٦٧» مِنْكُمْ: أَيْ لِيُظْهِرَ مَا فِيهِمْ. «وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ٣: ١٦٧»: يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ سَارَ إلَى عَدُوِّهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدِ، وَقَوْلَهُمْ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَسِرْنَا مَعَكُمْ، وَلَدَفَعْنَا عَنْكُمْ، وَلَكِنَّا لَا نَظُنُّ أَنَّهُ يَكُونُ قِتَالٌ. فَأَظْهَرَ مِنْهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ٣: ١٦٧ أَيْ يُظْهِرُونَ لَكَ الْإِيمَانَ وَلَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَالله أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ٣: ١٦٧: أَيْ مَا يُخْفُونَ الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ ٣: ١٦٨ الَّذِينَ أُصِيبُوا مَعَكُمْ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَقَوْمِهِمْ: لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا، قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٣: ١٦٨: أَيْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمَوْتِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أَنْفُسِكُمْ فَافْعَلُوا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا نَافَقُوا وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حِرْصًا عَلَى الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَفِرَارًا مِنْ الْمَوْتِ.
(التَّرْغِيبُ فِي الْجِهَادِ):
ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ، يُرَغِّبُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِهَادِ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِمْ الْقَتْلَ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣: ١٦٩- ١٧٠: أَيْ لَا تَظُنَّنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا: أَيْ قَدْ أَحْيَيْتهمْ، فَهُمْ عِنْدِي يُرْزَقُونَ فِي رَوْحِ الْجَنَّةِ وَفَضْلِهَا، مَسْرُورِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى جِهَادِهِمْ عَنْهُ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ: أَيْ وَيُسَرُّونَ بِلُحُوقِ مَنْ لَحِقَهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمْ عَلَى مَا مَضَوْا عَلَيْهِ مِنْ جِهَادِهِمْ، لِيَشْرَكُوهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ، قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْخَوْفَ وَالْحَزَنَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ٣: ١٧١ لِمَا عَايَنُوا مِنْ وَفَاءِ الْمَوْعُودِ، وَعَظِيمِ الثَّوَابِ.
(مَصِيرُ قَتْلَى أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرِ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ، فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ بِنَا، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَنْكُلُوا [١] عَنْ [٢] الْحَرْبِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: وَلا تَحْسَبَنَّ ٣: ١٦٩ ...» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفَضِيلِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا
----------------------------
[١] لَا ينكلُوا: أَي لَا يرجِعوا هائبين لعدوهم، خَائِفين مِنْهُ.
[٢] فِي م، ر: «عِنْد» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٣: ١٦٩ فَقَالَ: أَمَا إنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْهَا فَقِيلَ لَنَا: إنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَيَطَّلِعُ اللَّهُ عز وجل عَلَيْهِمْ اطِّلَاعَةً فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدَكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ رَبَّنَا لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتنَا، الْجَنَّةُ [١] نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا! قَالَ: ثُمَّ يَطَّلِعُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اطِّلَاعَةً، فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ، فَأَزِيدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتنَا، الْجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا! قَالَ: ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ اطِّلَاعَةً، فَيَقُولُ:
يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتنَا، الْجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا. إلَّا أَنَّا نُحِبُّ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، ثُمَّ نُرَدُّ إلَى الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلُ فِيكَ، حَتَّى نُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا أُبَشِّرُكَ يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: إنَّ أَبَاكَ حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ أَحْيَاهُ اللَّهُ عز وجل، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تُحِبُّ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟ قَالَ:
أَيْ رَبِّ، أُحِبُّ أَنْ تَرُدَّنِي إلَى الدُّنْيَا فَأُقَاتِلَ فِيكَ، فَأُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُفَارِقُ الدُّنْيَا يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُرَدَّ إلَى الدُّنْيَا، فَيُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى.
----------------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر فِي التَّعْلِيق على هَذِه الْعبارَة «يرْوى هُنَا بالخفض وَالرَّفْع، وبخفض الْجنَّة على الْبَدَل من (مَا) فِي قَوْله (مَا أَعطيتنَا) ورفعها على خبر مبتدإ مُضْمر، تَقْدِيره: الْجنَّة، أَو هِيَ الْجنَّة» .
(ذِكْرُ من خَرجُوا على الرَّسُولِ إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ٣: ١٧٢: أَيْ الْجِرَاحُ، وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ [١] عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ:
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزادَهُمْ إِيمانًا، وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ٣: ١٧٢- ١٧٣، وَالنَّاسُ الَّذِينَ قَالُوا لَهُمْ مَا قَالُوا، النَّفَرُ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ مَا قَالَ؟ قَالُوا إنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ رَاجِعُونَ إلَيْكُمْ. يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ، وَالله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ٣: ١٧٤ لِمَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ، أَيْ لِأُولَئِكَ الرَّهْطِ وَمَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ «يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ»: أَيْ يُرْهِبُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ، فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ٣: ١٧٥- ١٧٦: أَيْ الْمُنَافِقُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ٣: ١٧٦- ١٧٩:
أَيْ الْمُنَافِقِينَ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ٣: ١٧٩: أَيْ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بِهِ، لِتَحْذَرُوا مَا يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ ٣: ١٧٩ أَيْ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا ٣: ١٧٩: أَيْ تَرْجِعُوا وَتَتُوبُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ٣: ١٧٩.
-------------------------
[١] حَمْرَاء الْأسد: مَوضِع على ثَمَانِيَة أَمْيَال من الْمَدِينَة، عَن يسَار الطَّرِيق إِذا أردْت ذَا الحليفة.
(انْظُر مُعْجم مَا استعجم للبكرى، فِي رسم حَمْرَاء الْأسد، ورسم النقيع) .
ذِكْرُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ
(مِنْ بَنِي هَاشِمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: حَمْزَةُ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، رضي الله عنه، قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ، غُلَامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ.
(مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ) .
وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ ابْنِ خُزَيْمَةَ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَتَلَهُ ابْنُ قَمِئَةَ اللَّيْثِيُّ
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: شَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مِنَ الْأَنْصَارِ):
وَمِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: عَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَالْحَارِثُ ابْن أَنَسِ بْنِ رَافِعٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ زِيَادِ بْنِ السَّكَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السَّكَنُ: ابْنُ رَافِعِ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَيُقَالُ: السَّكْنُ [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَلَمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ، وَعَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ.
رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ زَعَمَ لِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَاهُمَا ثَابِتًا قُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
وَرِفَاعَةُ بْنُ وَقْشٍ. وَحُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ، أَبُو حُذَيْفَةَ وَهُوَ الْيَمَانُ، أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَا يَدْرُونَ، فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ، وَصَيْفِيُّ
------------------
[١] ضبط فِي بعض النّسخ بِفَتْح الْكَاف فِي الأولى، وبسكونها فِي الثَّانِيَة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
السليماني
06-09-2026, 12:50 PM
جزاك الله خيرا ...
ابو الوليد المسلم
06-11-2026, 02:57 PM
بارك الله فيكم
ابو الوليد المسلم
06-11-2026, 03:02 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (87)
صــ 123إلى صــ 132
ابْن قَيْظِي. وَحَبَابُ [١] بْنُ قَيْظِي. وَعَبَّادُ بْنُ سَهْلٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ. اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
(مِنْ رَاتِجٍ):
وَمِنْ أَهْلِ رَاتِجٍ [٢]: إيَاسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ زَعُوراء بْنِ جُشَمِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَعُبَيْدُ بْنُ التَّيْهَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَتِيكُ بْنُ التَّيْهَانِ.
وَحَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ تَيْمٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي ظُفَرَ):
وَمِنْ بَنِي ظَفَرٍ: يَزِيدُ بْنُ خَاطِبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ رَافِعٍ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي ضَبِيعَةَ):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ نُعْمَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَمَةَ، وَهُوَ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ، قَتَلَهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ شُعُوبٍ اللَّيْثِيُّ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْسُ: ابْنُ زَيْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، وَمَالِكُ: ابْنُ أَمَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ.
(مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ: أُنَيْسُ بْنُ قَتَادَةَ. رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: أَبُو حَيَّةَ [٣]، وَهُوَ أَخُو سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ لِأُمِّهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو حَيَّةَ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَهُوَ أَمِيرُ الرُّمَاةِ. رَجُلَانِ.
--------------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «وحباب بن قيظى، وَقع هُنَا بحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة وباء، وجناب، بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة وبالنون حَكَاهُ الدَّار قطنى عَن ابْن إِسْحَاق. وَالْمَحْفُوظ بِالْحَاء» .
[٢] راتج (بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَالْجِيم): أَطَم من آطام الْمَدِينَة.
[٣] كَذَا فِي جَمِيع الْأُصُول. قَالَ أَبُو ذَر: «أَبُو حنة، وَكَذَا روى هُنَا بِالْبَاء وَالنُّون مَعًا والحاء الْمُهْملَة، وَقَالَ الدَّار قطنى: ابْن إِسْحَاق وَأَبُو معشر يَقُولَانِ فِيهِ: أَبُو حَيَّة، بِالْيَاءِ، والواقدي يَقُوله بالنُّون» .
وَمن رِوَايَة أبي ذَر يُسْتَفَاد أَنه كَانَ فِي الأَصْل كَمَا روى هُوَ بِالْبَاء أَو بالنُّون. وَلَعَلَّ وُقُوعه بِالْبَاء، كَمَا فِي الْأُصُول، تَصْحِيف من النساخ.
(مِنْ بَنِي السَّلَمِ):
وَمِنْ بَنِي السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: خَيْثَمَةُ أَبُو سَعْدِ بْنُ خَيْثَمَةَ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ):
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ [١] . رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ):
وَمِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ: سُبَيْعُ بْنُ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ هَيْشَةَ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي النَّجَّارِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: سُويْبِقُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ هَيْشَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي النَّجَّارِ: ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنِيٍّ:
عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، وَابْنُهُ قَيْسُ بْنُ عَمْرٍو.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: ابْنُ زَيْدِ بْنِ سَوَادٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَثَابِتُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ، وَعَامِرُ بْنُ مَخْلَدٍ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي مَبْذُولٍ):
وَمن بنى بَنِي مَبْذُولٍ: أَبُو هُبَيْرَةَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَقْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ مَبْذُولٍ، وَعَمْرُو بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَمْرٍو. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي عَمْرٍو):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ: أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخُو حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ.
(مِنْ بَنِي عَدِيٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ: أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ ضَمْضَمِ ابْن زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ. رَجُلٌ.
---------------------------
[١] يرْوى بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(مِنْ بَنِي مَازِنٍ):
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: قَيْسُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَكَيْسَانُ، عَبْدٌ لَهُمْ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي دِينَارٍ):
وَمِنْ بَنِي دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ: سُلَيْمُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنُعْمَانُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي الْحَارِثِ):
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَأَوْسُ بْنُ الْأَرْقَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي الْأَبْجَرِ):
وَمِنْ بَنِي الْأَبْجَرِ، وَهُمْ بَنُو خُدْرَةَ: مَالِكُ بْنُ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ [١] بْنِ الْأَبْجَرِ، وَهُوَ أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: سِنَانُ، وَيُقَالُ: سَعْدٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَعِيدُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْأَبْجَرِ، وَعُتْبَةُ، بْنُ رَبِيعِ، بْنِ رَافِعِ، بْنِ مُعَاوِيَةَ، بْنِ عُبَيْدِ، بْنِ ثَعْلَبَةَ، بْنِ عُبَيْدِ، ابْن الْأَبْجَرِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ):
وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، وَثَقْفُ بْنُ فَرْوَةَ بْنِ الْبَدِيِّ.
رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي طَرِيفٍ):
وَمِنْ بَنِي طَرِيفٍ، رَهْطُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ: وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عبد» .
ابْن ثَعْلَبَةَ بْنِ وَقْشِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفٍ، وَضَمْرَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي جُهَيْنَةَ.
رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي عَوْفٍ):
وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَالِمٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ ابْن الْعَجْلَانِ، وَنُعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ فِهْرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ، وَالْمُجَذَّرُ.
ابْن ذِيَادٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الْحَسْحَاسِ.
دُفِنَ النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَالْمُجَذَّرُ، وَعُبَادَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي الْحُبْلَى):
وَمِنْ بَنِي الْحُبْلَى: رِفَاعَةُ بْنُ عَمْرٍو. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي سَلَمَةَ):
وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَخَلَّادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَأَبُو أَيْمَنَ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ.
أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي سَوَادٍ):
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمٍ: سُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَدِيدَةَ، وَمَوْلَاهُ عَنْتَرَةُ، وَسَهْلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ):
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرٍ: ذَكْوَانُ بن عبد قيسى، وَعُبَيْدُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ لَوْذَانَ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُبَيْدُ بْنُ الْمُعَلَّى، مِنْ بَنِي حَبِيبٍ.
(عَدَدُ الشُّهَدَاء):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا.
(مِنْ بَنِي مُعَاوَيِةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمَّنْ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ السَّبْعِينَ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا، مِنْ الْأَوْسِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ: مَالِكُ بْنُ نُمَيْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ.
(مِنْ بَنِي خُطَمَةَ):
وَمِنْ بَنِي خَطْمَةَ- وَاسْمُ خَطْمَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُشَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ خَطْمَةَ.
(مِنْ بَنِي الْخَزَرَجِ):
وَمِنْ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ مَالِكِ: مَالِكُ بْنُ إيَاسٍ.
(مِنْ بَنِي عَمْرٍو):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: إيَاسُ بْنُ عَدِيٍّ.
(مِنْ بَنِي سَالِمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ: عَمْرُو بْنُ إيَاسٍ.
ذِكْرُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ مِنْ أَصْحَابِ اللِّوَاءِ: طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، (و) [١] أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، قَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمُسَافِعُ ابْن طَلْحَةَ، وَالْجُلَّاسُ بْنُ طَلْحَةَ، قَتَلَهُمَا عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ. وَكِلَابُ ابْن طَلْحَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ طَلْحَةَ، قَتَلَهُمَا قُزْمَانُ، حَلِيفٌ لِبَنِي ظَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَتَلَ كِلَابًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَرْطَاةُ بْنُ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو يَزِيدَ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَصُؤَابُ: غُلَامٌ لَهُ [١] حَبَشِيٌّ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَيُقَالُ: أَبُو دُجَانَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْقَاسِطُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ. أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.
(مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ. قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. رَجُلٌ.
(مِنْ بَنِي زُهْرَةَ):
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: أَبُو الْحَكَمِ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفٌ لَهُمْ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَسِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى- وَاسْمُ عَبْدِ الْعُزَّى: عَمْرُو بْنُ نَضْلَةَ بْنِ غُبْشَانَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَلَكَانِ بْنِ أَفْصَى- حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. رَجُلَانِ.
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ، هِشَامُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ: وَأَبُو أُمَيَّةَ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ، حَلِيفٌ لَهُمْ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ.
أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي جُمَحَ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرٍو: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَهُوَ أَبُو عَزَّةَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا،
---------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لَهُم» .
وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ. (رَجُلَانِ) .
(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: عُبَيْدَةُ بْنُ جَابِرٍ، وَشَيْبَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْمُضَرَّبِ، قَتَلَهُمَا قُزْمَانُ. (رَجُلَانِ) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَتَلَ عُبَيْدَةَ بْنَ جَابِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ
. (عَدَدُ قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ قَتَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، اثْنَانِ وَعِشْرُونَ رَجُلًا.
ذِكْرُ مَا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ يَوْمَ أُحُدٍ
(شِعْرُ هُبَيْرَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ، قَوْلُ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذٌ:
ابْنُ عِمْرَانَ بْنُ مَخْزُومٍ:
مَا بَالُ هَمٍّ عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقنِي ... بِالْوُدِّ مِنْ هِنْدَ إذْ تَعْدُو عَوَادِيهَا [١]
بَاتَتْ تُعَاتِبنِي هِنْدٌ وَتَعْذُلُنِي ... وَالْحَرْبُ قَدْ شُغِلَتْ عَنِّي مَوَالِيهَا
مَهْلًا فَلَا تَعْذُلِينِي إنَّ مِنْ خُلُقِي ... مَا قَدْ عَلِمْتِ وَمَا إنْ لَسْتُ أُخْفِيهَا
مُسَاعِفٌ لِبَنِي كَعْبٍ بِمَا كَلِفُوا ... حَمَّالُ عِبْءٍ وَأَثْقَالٌ أُعَانِيهَا [٢]
وَقَدْ حَمَلْتُ سِلَاحِي فَوْقَ مُشْتَرَفٍ ... سَاطٍ سَبُوحٍ إذَا تَجْرِي يُبَارِيهَا [٣]
--------------------------
[١] العميد، المؤلم الموجع. والعوادي: الشواغل.
[٢] مساعف: مُطِيع موَات. وَبِمَا كلفوا: أَي بِمَا أولعوا بِهِ وأحبوه. والعبء: الْحمل الثقيل، فاستعاره هُنَا لما يكلفونه من الْأُمُور الشاقة الْعِظَام.
[٣] مشترف (بِفَتْح الرَّاء) أَي فرس يستشرفه النَّاس، أَي ينظرُونَ إِلَيْهِ لحسنه. (وبكسر الرَّاء) أَي مشرف. والساطى: الْبعيد الخطو إِذا مَشى. والسبوح: الّذي يسبح فِي جريه كَأَنَّهُ يعوم. ويباريها:
يعارضها. وَأعَاد (الْهَاء) على الْخَيل، وَإِن لم يتَقَدَّم لَهَا ذكر، لِأَن الْكَلَام يدل عَلَيْهَا.
٩- سيرة ابْن هِشَام- ٢
كَأَنَّهُ إذْ جَرَى عَيْرٌ بِفَدْفَدَةٍ ... مُكَدَّمٌ لَاحِقٌ بِالْعُونِ يَحْمِيهَا [١]
مِنْ آلِ أَعْوَجَ يَرْتَاحُ النَّدِيُّ لَهُ ... كَجِذْعِ شَعْرَاءَ مُسْتَعْلٍ مَرَاقِيهَا [٢]
أَعْدَدْتُهُ وَرِقَاقَ الْحَدِّ مُنْتَخَلًا ... وَمَارِنًا لِخُطُوبٍ قَدْ أُلَاقِيهَا [٣]
هَذَا وَبَيْضَاءَ مِثْلَ النِّهْيِ مُحْكَمَةٌ ... نِيطَتْ عَلَيَّ فَمَا تَبْدُو مَسَاوِيهَا [٤]
سُقْنَا كِنَانَةَ مِنْ أَطْرَافِ ذِي يَمَنٍ ... عُرْضُ الْبِلَادِ عَلَى مَا كَانَ يُزْجِيهَا [٥]
قَالَتْ كِنَانَةُ: أنَّي تَذْهَبُونَ بِنَا؟ ... قُلْنَا: النُّخَيْلُ، فَأَمُّوهَا وَمَنْ فِيهَا [٦]
نَحْنُ الْفَوَارِسُ يَوْمَ الْجَرِّ مِنْ أُحُدٍ ... هَابَتْ مَعَدٌّ فَقُلْنَا نَحْنُ نَأْتِيهَا [٧]
هَابُوا ضِرَابًا وَطَعْنًا صَادِقًا خَذِمًا ... مِمَّا يَرَوْنَ وَقَدْ ضُمَّتْ قَوَاصِيهَا [٨]
ثُمَّتَ رُحْنَا كَأَنَّا عَارِضٌ بَرِدٌ ... وَقَامَ هَامُ بَنِي النَّجَّارِ يَبْكِيهَا [٩]
كَأَنَّ هَامَهُمْ عِنْدَ الْوَغَى فِلَقٌ ... مِنْ قَيْضِ رُبْدٍ نَفَتْهُ عَنْ أَدَاحِيهَا [١٠]
--------------------------
[١] العير: الْحمار الوحشي. والفدفدة: الفلاة. والمكدم: المعضض، عضته: أَتَتْهُ. والعون:
جمع عانة من حمر الْوَحْش.
[٢] أَعْوَج: اسْم فرس مَشْهُور فِي الْعَرَب. ويرتاح: يستبشر ويهتز. والندى: الْمجْلس من الْقَوْم.
والجذع: الْفَرْع. وشعراء: نَخْلَة كَثِيرَة الأغصان. ومراقيها: معاليها.
[٣] رقاق الْحَد: يُرِيد سَيْفا ومنتخلا: متخيرا. والمارن: الرمْح اللين عِنْد الهز. والخطوب: حوادث الدَّهْر.
[٤] يُرِيد «بالبيضاء»: الدرْع. والنهى (بِفَتْح النُّون وَكسرهَا): الغدير من المَاء. ونيطت: علقت.
وَهِي رِوَايَة أبي ذَر. وَرِوَايَة الْأُصُول: «لظت» أَي لصقت. ومساويها: عيوبها:
[٥] عرض الْبِلَاد: سعتها. ويزجيها: يَسُوقهَا.
[٦] يُرِيد بالنخيل (كزبير): مَدِينَة الرَّسُول ﷺ، وَهِي اسْم لعين قرب الْمَدِينَة.
وأموها: قصدوها.
[٧] الْجَرّ: أصل الْجَبَل.
[٨] الخذم (بِالْخَاءِ والذال المعجمتين): الّذي يقطع اللَّحْم سَرِيعا. وقواصيها: مَا تفرق مِنْهَا وَبعد.
[٩] الْعَارِض: السَّحَاب. وَالْبرد: الّذي فِيهِ برد. والهام: جمع هَامة، وَهِي الطَّائِر الّذي تزْعم الْعَرَب أَنه يخرج من رَأس الْقَتِيل.
[١٠] الْهَام: جمع هَامة، وَهِي الرَّأْس. والوغى: الْحَرْب. والفلق: جمع فلقَة، وَهِي الْقطعَة من الشَّيْء والقيض: قشر الْبيض الْأَعْلَى. والربد: النعام، لِأَن ألوانها بَين الْبيَاض والسواد، وَهُوَ اللَّوْن الأربد.
والأداحى: جمع أدحى، وَهُوَ الْموضع الّذي تبيض فِيهِ النعام.
أَوْ حَنْظَلُ ذَعْذَعَتْهُ الرِّيحُ فِي غُصُنٍ ... بَالٍ تَعَاوَرَهُ مِنْهَا سَوَافِيهَا [١]
قَدْ نَبْذُلُ الْمَالَ سَحًّا لَا حِسَابَ لَهُ ... وَنَطْعَنُ الْخَيْلَ شَزْرًا فِي مَآقِيُهَا [٢]
وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا ... يَخْتَصُّ بِالنَّقَرَى الْمُثَرِينَ دَاعِيهَا [٣]
وَلَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ ... جَرْبَا جُمَادِيَّةٍ قَدْ بِتُّ أَسْرِيهَا [٤]
لَا يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ ... مِنْ الْقَرِيسِ وَلَا تَسْرَى أَفَاعِيهَا [٥]
أَوْقَدْتُ فِيهَا لِذِي الضَّرَّاءِ [٦] جَاحِمَةً [٧] ... كَالْبَرْقِ ذَاكِيَةَ الْأَرْكَانِ أَحْمِيهَا [٨]
أَوْرَثَنِي ذَاكُمْ عَمْروٌ وَوَالِدُهُ ... مِنْ قَبْلِهِ كَانَ بِالْمَثْنَى يُغَالِيهَا [٩]
كَانُوا يُبَارُونَ أَنْوَاءَ النُّجُومِ فَمَا ... دَنَّتْ عَنْ السَّوْرَةِ الْعُلْيَا مَسَاعِيهَا [١٠]
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي الرَّدِّ عَلَى هُبَيْرَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ:
---------------------------
[١] ذعذعته: حركته. وتعاوره: تتداوله. والسوافي: الرِّيَاح الَّتِي تقلع التُّرَاب والرمل من الأَرْض
[٢] سَحا: صبا، يُرِيد أَنه عَطاء كثير. والشزر: الطعْن عَن يَمِين وشمال. والمآقي: مجاري الدُّمُوع من الْعين. والمآقي (أَيْضا): الْمُقدمَات. وكلا الْمَعْنيين يَسْتَقِيم بِهِ الْكَلَام.
[٣] يصطلى: يستدفئ من شدَّة الْبرد. والنقرى: أَن تَدْعُو قوما دون قوم، يُقَال: هُوَ يَدْعُو الجفلى:
إِذا عَم، وَهُوَ يَدْعُو النقرى إِذا خص. والمثرين: الْأَغْنِيَاء.
[٤] الأندية: جمع ندي (على غير قِيَاس) وَقد قيل: إِنَّه جمع الْجمع، كَأَنَّهُ جمع ندي على نِدَاء (مثل جمل وجمال) ثمَّ جمع الْجمع على أفعلة، وَهَذَا بعيد فِي الْقيَاس، لِأَن الْجمع الْكثير لَا يجمع، وفعال من أبنية الْجمع الْكثير. وَقد قيل هُوَ جمع ندي، والندى: الْمجْلس. وَهَذَا لَا يشبه معنى الْبَيْت، وَلكنه جمع جَاءَ على أَمْثَال أفعلة، لِأَنَّهُ فِي معنى الأهوية والأشتية، وَنَحْو ذَلِك. وَأقرب من ذَلِك أَنه فِي معنى الرذاذ والرشاش، وهما يجمعان على أفعلة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) . وجربا: شَدِيدَة الْبرد مؤلمة أَو قحطة لَا مطر فِيهَا، وَيُرِيد بجمادية نِسْبَة إِلَى شهر جُمَادَى. وَكَانَ هَذَا الِاسْم قد وَقع على هَذَا الشَّهْر فِي زمن جمود المَاء، ثمَّ انْتقل بِالْأَهِلَّةِ، وَبَقِي الِاسْم عَلَيْهِ وَإِن كَانَ فِي الصَّيف والقيظ. وَكَذَلِكَ أَكثر هَذِه الشُّهُور الْعَرَبيَّة سميت بأسماء مَأْخُوذَة من أَحْوَال السّنة الشمسية، ثمَّ لزمتها وَإِن خرجت عَن تِلْكَ الْأَوْقَات. (رَاجع الرَّوْض) .
[٥] القريس: الْبرد مَعَ الصقيع.
[٦] لذِي الضراء، أَي لذِي الجاحمة والعوز.
[٧] كَذَا فِي أ، ط. والجاحمة: الملتهبة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حامية» .
[٨] ذاكية: مضيئة.
[٩] بالمثنى، أَي مرّة بعد مرّة.
[١٠] يبارون: يعارضون. وَدنت: قصرت. وَالسورَة: الرّفْعَة والمنزلة. والمساعي: مَا يسْعَى فِيهِ من المكارم.
سُقْتُمْ كِنَانَةَ جَهْلًا مِنْ سَفَاهَتِكُمْ ... إلَى الرَّسُولِ فَجُنْدُ اللَّهِ مُخْزِيهَا
أَوْرَدْتُمُوهَا حِيَاضَ الْمَوْتِ ضَاحِيَةً ... فَالنَّارُ مَوْعِدُهَا، وَالْقَتْلُ لَاقِيهَا [١]
جَمَّعْتُمُوهَا أحابِيشًا بِلَا حَسَبٍ ... أَئِمَّةَ الْكُفْرِ غَرَّتْكُمْ طَوَاغِيهَا [٢]
أَلَا اعْتَبَرْتُمْ بِخَيْلِ اللَّهِ إذْ قَتَلَتْ ... أَهْلَ الْقَلِيبِ وَمَنْ أَلْقَيْنَهُ فِيهَا [٣]
كَمْ مِنْ أَسِيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلَا ثَمَنٍ ... وَجَزِّ نَاصِيَةٍ كُنَّا مَوَالِيهَا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيْتُ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ:
وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا ... يَخْتَصُّ بِالنَّقَرَى الْمُثَرِينَ دَاعِيهَا
يُرْوَى لِجَنُوبٍ، أُخْتِ عَمْرِو ذِي الْكَلْبِ الْهُذَلِيِّ، فِي أَبْيَاتٍ لَهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ أُحُدٍ.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرَّدِّ عَلَى هُبَيْرَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يُجِيبُ هُبَيْرَةَ بْنَ أَبِي وَهْبٍ أَيْضًا:
أَلَا هَلْ أَتَى غَسَّانَ عَنَّا وَدُونَهُمْ ... مِنْ الْأَرْضِ خَرْقٌ سَيْرُهُ مُتَنَعْنِعُ [٥]
صَحَارٍ وَأَعْلَامٌ كَأَنَّ قَتَامَهَا ... مِنْ الْبُعْدِ نَقْعٌ هَامِدٌ مُتَقَطِّعُ [٦]
تَظَلُّ بِهِ الْبُزَّلُ العَرامِيسُ رُزَّحًا ... وَيَخْلُو بِهِ غَيْثُ السِّنِينَ فَيُمْرِعُ [٧]
بِهِ جِيَفُ الْحَسْرَى يَلُوحُ صَلِيبُهَا ... كَمَا لَاحَ كَتَّانُ التِّجَارِ الْمُوَضَّعُ [٨]
بِهِ الْعَيْنُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وَبَيْضُ نَعَامٍ قَيْضُهُ يَتَقَلَّعُ [٩]
-----------
[١] الْحِيَاض: جمع حَوْض. والضاحية: البارزة للشمس.
[٢] الْحسب: الشّرف، والطواغي: جمع طاغية، وَهُوَ المتكبر المتمرد.
[٣] يعْنى «بِأَهْل القليب»: من قتل ببدر من الْمُشْركين.
[٤] مواليها: أهل النِّعْمَة عَلَيْهَا.
[٥] الْخرق: الفلاة الواسعة، الَّتِي تنخرق فِيهَا الرّيح. ومتنعنع، أَي مُضْطَرب، وروى «متتعتع» بِالتَّاءِ أَي مُتَرَدّد.
[٦] الْأَعْلَام: الْجبَال المرتفعة. والقتام: مَا مَال لَونه إِلَى السوَاد. وَالنَّقْع: الْغُبَار. والهامد:
المتلبد السَّاكِن.
[٧] البزل: الْإِبِل القوية، وَاحِدهَا: بازل. والعراميس: الشَّدِيدَة، والرزح: المعيية.
[٨] الصَّلِيب: الودك. والموضع: الْمَبْسُوط المنقوش.
[٩] الْعين: بقر الْوَحْش. والآرام: الْبيض الْبُطُون السمر الظُّهُور. وخلفة: أَي يَمْشين قِطْعَة خلف قِطْعَة. والقيض: قشر الْبيض الْأَعْلَى. ويتقلع: يتشقق.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
06-12-2026, 11:42 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (88)
صــ 133إلى صــ 142
مُجَالَدُنَا [١] عَنْ دِينِنَا كُلُّ فَخْمَةٍ ... مُذَرَّبَةٍ فِيهَا الْقَوَانِسُ تَلْمَعُ [٢]
وَكُلُّ صَمُوتٍ فِي الصِّوَانِ كَأَنَّهَا ... إذَا لُبِسَتْ تهي من المَاء مترع [٣]
وَلَكِنْ بِبَدْرٍ سَائِلُوا مَنْ لَقِيُتمُ ... مِنْ النَّاسِ وَالْأَنْبَاءُ بِالْغَيْبِ تَنْفَعُ
وَإِنَّا بِأَرْضِ الْخَوْفِ لَوْ كَانَ أَهْلُهَا ... سِوَانَا لَقَدْ أَجْلَوْا بِلَيْلٍ فَأَقْشَعُوا [٤]
إذَا جَاءَ مِنَّا رَاكِبٌ كَانَ قَوْلُهُ ... أَعِدُّوا لِمَا يُزْجِي ابْنُ حَرْبٍ وَيَجْمَعُ [٥]
فَمَهْمَا يُهِمُّ النَّاسَ مِمَّا يَكِيدُنَا ... فَنَحْنُ لَهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ أَوْسَعُ
فَلَوْ غَيْرُنَا كَانَتْ جَمِيعًا تكيده ... البريّة قَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَوَزَّعُوا [٦]
نُجَالِدُ لَا تَبْقَى عَلَيْنَا قَبِيلَةٌ ... مِنْ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَهَابُوا وَيَفْظُعُوا [٧]
وَلَمَّا ابْتَنَوْا بِالْعَرْضِ قَالَ سَرَاتُنَا ... عَلَامَ إذَا لَمْ تَمْنَعْ الْعِرْضَ نَزْرَعُ؟ [٨]
وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ نَتْبَعُ أَمْرَهُ ... إذَا قَالَ فِينَا الْقَوْلَ لَا نَتَطَلَّعُ [٩]
تَدَلَّى عَلَيْهِ الرُّوحُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ... يُنَزَّلُ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ وَيُرْفَعُ [١٠]
نُشَاوِرُهُ فِيمَا نُرِيدُ وَقَصْرُنَا ... إذَا مَا اشْتَهَى أَنَّا نُطِيعُ وَنَسْمَعُ [١١]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا بَدَوْا لَنَا ... ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ الْمَنِيَّاتِ وَاطْمَعُوا
وَكُونُوا كَمَنْ يَشْرِي الْحَيَاةَ تَقَرُّبًا ... إلَى مَلِكٍ يُحْيَا لَدَيْهِ وَيُرْجَعُ [١٢]
-------------------------------
[١] فِي أ «مجادلنا» .
[٢] الفخمة: الكتيبة الْعَظِيمَة. والمدربة: المتعودة الْقِتَال الماهرة فِيهِ. وَهِي رِوَايَة أ. وتروى «مذربة» بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَي محددة، وَهِي رِوَايَة سَائِر الْأُصُول. والقوانس: رُءُوس بيض السِّلَاح.
[٣] الصموت: الدرْع أحكم نسجها وتقارب حلقها فَلَا يسمع لَهَا صَوت. والصوان: كل مَا يصان فِيهِ الشَّيْء، درعا كَانَ أَو ثوبا أَو غَيرهمَا. والتهى: الغدير. ومترع: مَمْلُوء.
[٤] أقشعوا: فروا وزالوا.
[٥] يزجى: يَسُوق.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَشرح السِّيرَة. وتوزعوا تقسموا. وَفِي: أ «تورعوا» . وتورعوا: ذلوا.
[٧] يفظعوا: يهابوا ويفزعوا.
[٨] ابْتَنَوْا: ضربوا أبنيتهم. وَالْعرض: وَاحِد أَعْرَاض الْمَدِينَة، وَهِي قراها الَّتِي فِي أَوديتهَا. وسراتنا:
خيارنا.
[٩] لَا نتطلع: لَا نَنْظُر إِلَيْهِ إجلالا وهيبة لَهُ. وَهِي رِوَايَة أ، ويروى: «لَا نتظلع» أَي لَا نَمِيل عَنهُ. وَهِي رِوَايَة سَائِر الْأُصُول.
[١٠] الرّوح: جِبْرِيل عليه السلام.
[١١] قَصرنَا: غايتنا.
[١٢] يشرى: يَبِيع.
وَلَكِنْ خُذُوا أَسْيَافَكُمْ وَتَوَكَّلُوا ... عَلَى اللَّهِ إنَّ الْأَمْرَ للَّه أَجْمَعُ
فَسِرْنَا إلَيْهِمْ جَهْرَةً فِي رِحَالهِمْ ... ضُحَيًّا عَلَيْنَا الْبِيضُ لَا نَتَخَشَّعُ [١]
بِمَلْمُومَةٍ فِيهَا السَّنَوُّرُ وَالْقَنَا ... إذَا ضَرَبُوا أَقْدَامَهَا لَا تَوَرَّعُ [٢]
فَجِئْنَا إلَى مَوْجٍ مِنْ الْبَحْرِ وَسْطَهُ ... أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنَّعُ [٣]
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيَّةٌ ... ثَلَاثُ مِئِينٍ إنْ كَثُرْنَا وَأَرْبَعُ [٤]
نُغَاوِرهُمْ تَجْرِي الْمَنِيَّةُ بَيْنَنَا ... نُشَارِعُهُمْ حَوْضَ الْمَنَايَا وَنَشْرَعُ [٥]
تَهَادَى قِسِيُّ النَّبْعِ فِينَا وَفِيّهُمْ ... وَمَا هُوَ إلَّا الْيَثْرِبِيُّ الْمُقَطَّعُ [٦]
وَمَنْجُوفَةٌ حَمِيَّةٌ صَاعِدِيَّةٌ ... يُذَرُّ عَلَيْهَا السَّمُّ سَاعَةَ تُصْنَعُ [٧]
تَصُوبُ بِأَبْدَانِ الرِّجَالِ وَتَارَةً ... تَمُرُّ بِأَعْرَاضِ الْبِصَارِ تَقَعْقَعُ [٨]
وَخَيْلٌ تَرَاهَا بِالْفَضَاءِ كَأَنَّهَا ... جَرَادٌ صَبًا فِي قَرَّةٍ يَتَرَيَّعُ [٩]
فَلَمَّا تَلَاقَيْنَا وَدَارَتْ بِنَا الرَّحَى ... وَلَيْسَ لِأَمْرٍ حَمَّهُ اللَّهُ مَدْفَعُ [١٠]
ضَرَبْنَاهُمْ حَتَّى تَرَكْنَا سَرَاتَهُمْ ... كَأَنَّهُمْ بِالْقَاعِ خُشْبٌ مُصَرَّعُ [١١]
لَدُنْ غُدْوَةً حَتَّى اسْتَفَقْنَا عَشِيَّةً ... كَأَنَّ ذَكَانَا حَرُّ نَارٍ تَلَفَّعُ [١٢]
-----------------------
[١] الْبيض: السيوف.
[٢] الملمومة: الكتيبة المجتمعة. والسنور: السِّلَاح. وَلَا تورع: لَا تكف. ويروى: «لَا توزع»:
أَي لَا تتفرق.
[٣] الحاسر: الّذي لَا درع عَلَيْهِ وَلَا مغفر. وَالْمقنع: الّذي لبس المغفر على رَأسه وَهُوَ القناع.
[٤] النصية: الْخِيَار من الْقَوْم.
[٥] نغاورهم: نداولهم. ونشارعهم: نشاربهم. ونشرع: نشرب.
[٦] النبع: شجر تصنع مِنْهُ القسي. واليثربي: الأوتار، نِسْبَة إِلَى يثرب.
[٧] المنجوفة: السِّهَام. والحرمية: نِسْبَة إِلَى أهل الْحرم، يُقَال: رجل حرمي، إِذا كَانَ من أهل الْحرم. والصاعدية: نِسْبَة إِلَى صاعد، صانع مَعْرُوف.
[٨] تصوب: تقع. والبصار: حِجَارَة لينَة، وتقعقع: تصوت.
[٩] الصِّبَا: ريح شرقية. والقرة: الْبرد. ويتريع: يَجِيء وَيذْهب.
[١٠] رحى الْحَرْب: مُعظم مَوضِع الْقِتَال فِيهَا. حمه الله: قدره.
[١١] سراتهم: خيارهم. والقاع: المنخفض من الأَرْض.
[١٢] ذكانا، أَي التهابنا فِي الْحَرْب. وتلفع. يشْتَمل حرهَا على من دنا مِنْهَا.
وَرَاحُوا سِرَاعًا مُوجِفِينَ كَأَنَّهُمْ ... جَهَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَهُ الرِّيحُ مُقْلَعُ [١]
وَرُحْنَا وَأُخْرَانَا بِطَاءٌ كَأَنَّنَا ... أُسُودٌ عَلَى لَحْمٍ بِبِيشَةَ ظُلَّعُ [٢]
فَنِلْنَا وَنَالَ الْقَوْمُ مِنَّا وَرُبَّمَا ... فَعَلْنَا وَلَكِنْ مَا لَدَى اللَّهِ أَوْسَعُ
وَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ ... وَقَدْ جُعِلُوا كُلٌّ مِنْ الشَّرِّ يَشْبَعُ
وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً ... عَلَى كُلِّ مَنْ يَحْمِي الذِّمَارَ وَيَمْنَعُ [٣]
جِلَادٌ عَلَى رَيْبِ الْحَوَادِثِ لَا نَرَى ... عَلَى هَالِكٍ عَيْنًا لَنَا الدَّهْرَ تَدْمَعُ [٤]
بَنُو الْحَرْبِ لَا نَعْيَا [٥] بِشَيْءٍ نَقُولُهُ ... وَلَا نَحْنُ مِمَّا جَرَّتْ الْحَرْبُ نَجْزَعُ
بَنُو الْحَرْبِ إنْ نَظْفَرْ فَلَسْنَا بِفُحَّشٍ ... وَلَا نَحْنُ مِنْ أَظْفَارِهَا نَتَوَجَّعُ
وَكُنَّا شِهَابًا يُتَّقَى النَّاسُ حَرُّهُ ... وَيَفْرُجُ عَنْهُ مَنْ يَلِيهِ وَيَسْفَعُ [٦]
فَخَرْتَ عَلَيَّ ابْنَ الزِّبَعْرَى وَقَدْ سَرَى ... لَكُمْ طَلَبٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ مُتْبَعُ
فَسَلْ عَنْكَ فِي عُلْيَا مَعَدٍّ وَغَيْرِهَا ... مِنْ النَّاسِ مَنْ أَخْزَى مَقَامًا وَأَشْنَعُ
وَمَنْ هُوَ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الْحَرْبُ مَفْخَرًا ... وَمَنْ خَدُّهُ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَضْرَعُ [٧]
شَدَدْنَا بِحَوْلِ اللَّهِ وَالنَّصْرِ شَدَّةً ... عَلَيْكُمْ وأطراف الأسنّة شرّع
تَكُرُّ الْقَنَا فِيكُمْ كَأَنَّ فُرُوعَهَا ... عَزَالِي مَزَادٍ مَاؤُهَا يَتَهَزَّعُ [٨]
عَمَدْنَا إلَى أَهْلِ اللِّوَاءِ وَمَنْ يَطِرْ ... بِذِكْرِ اللِّوَاءِ فَهُوَ فِي الْحَمْدِ أَسْرَعُ
فَخَانُوا وَقَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَخَاذَلُوا ... أَبَى اللَّهُ إلَّا أَمْرَهُ وَهُوَ أَصْنَعُ
-------------------------
[١] موجفين، مُسْرِعين. والجهام: السَّحَاب الرَّقِيق الّذي لَيْسَ فِيهِ مَاء.
[٢] بيشة: مَوضِع تنْسب إِلَيْهِ الْأسود.
[٣] الذمار: مَا يجب على الرجل أَن يحميه.
[٤] جلاد: جمع جليد، وَهُوَ الصبور.
[٥] فِي أ: «لَا نعنى» .
[٦] الشهَاب: الْقطعَة من النَّار. ويسفع: يحرق ويغير. وَفِي أ: «يشفع» بالشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٧] أضرع: ذليل.
[٨] الفروغ: الطعنات المتسعة. وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي الأَصْل بِالْعينِ الْمُهْملَة. وَهُوَ تَصْحِيف.
وعزالي: جمع عزلاء، وَهِي فَم المزادة، ويتهزع: يتقطع. ويروى «يتهرع» أَي يتفرغ ويسرع سيلانه.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ قَالَ:
مُجَالَدُنَا عَنْ جِذْمِنَا [١] كُلُّ فَخْمَةٍ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيَصْلُحُ أَنْ تَقُولَ: مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا؟ فَقَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهُوَ أَحْسَنُ، فَقَالَ كَعْبٌ:
مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا.
(شِعْرٌ لِابْنِ الزِّبَعْرَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسْمَعْتَ فَقُلْ ... إنَّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ
إنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ [٢]
وَالْعَطِيَّاتُ خِسَاسٌ بَيْنَهُمْ ... وَسَوَاءٌ قَبْرٌ مُثْرٍ وَمُقِلْ [٣]
كُلُّ عَيْشٍ وَنَعِيمٍ زَائِلٌ ... وَبَنَاتُ الدَّهْرِ يَلْعَبْنَ بِكُلْ [٤]
أَبْلِغْنَ حَسَّانَ عَنِّي آيَةً ... فَقَرِيضُ الشِّعْرِ يَشْفِي ذَا الْغُلَلْ [٥]
كَمْ تَرَى بِالْجَرِّ مِنْ جُمْجُمَةٍ ... وَأَكُفٍّ قَدْ أُتِرَّتْ وَرِجِلْ [٦]
وَسَرَابِيلَ حِسَانٍ سُرِيَتْ ... عَنْ كُمَاةٍ أُهْلِكُوا فِي الْمُنْتَزَلْ [٧]
كَمْ قتلنَا من كيم سَيِّدٍ ... مَاجِدْ الْجَدَّيْنِ مِقْدَامٍ بَطَلْ
صَادِقِ النَّجْدَةِ قَرْمٍ بَارِعٍ ... غَيْرِ مُلْتَاثٍ لَدَى وَقْعِ الْأَسَلْ [٨]
فَسَلْ الْمِهْرَاسَ مَنْ سَاكِنُهُ؟ ... بَيْنَ أَقْحَافٍ وَهَامٍ كَالْحَجَلْ [٩]
------------------------
[١] الجذم: الأَصْل.
[٢] المدى: الْغَايَة. والقبل: المواجهة والمقابلة. يُرِيد أَن كل ذَلِك ملاقيه الْإِنْسَان فِي مُسْتَقْبل أَيَّامه.
[٣] خساس: حقيرة. والمثري: الْغنى. والمقل: الْفَقِير.
[٤] بَنَات الدَّهْر: حوادثه.
[٥] الْآيَة: الْعَلامَة. والغلل: جمع غلَّة، وَهِي حرارة الْعَطش.
[٦] الْجَرّ: أصل الْجَبَل. وأترت: قطعت. وَالرجل: الأرجل.
[٧] السرابيل: الدروع. وسريت: جردت. والكماة: الشجعان. والمنتزل: مَوضِع الْحَرْب والنزال.
[٨] النجدة: الْقُوَّة والشجاعة. وَالْقَرْمُ: الْفَحْل الْكَرِيم. والبارع: المبرز على غَيره. والملتاث:
الضَّعِيف. والأسل: الرماح.
[٩] الأقحاف: جمع قحف. والهام: الرُّءُوس.
لَيْتُ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا ... جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ
حِينَ حَكَّتْ بِقُبَاءٍ بَرْكَهَا ... وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عبد الأشل [١]
ثمّ خفّوا عِنْد ذَاكُمْ رُقَّصًا ... رَقَصَ الْحَفَّانِ يَعْلُو فِي الْجَبَلْ [٢]
فَقَتَلْنَا الضِّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ ... وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ
لَا أَلُومُ النَّفْسَ إلَّا أَنَّنَا ... لَوْ كَرَرْنَا لَفَعَلْنَا الْمُفْتَعَلْ
بِسُيُوفِ الْهِنْدِ تَعْلُو هَامَهُمْ ... عَلَلًا تَعْلُوهُمْ بَعْدَ نَهَلْ [٣]
(رَدُّ حَسَّانٍ عَلَى ابْنِ الزِّبَعْرَى):
فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه، قَالَ:
ذَهَبْتُ يَا بْنَ الزِّبَعْرَى وَقْعَةٌ ... كَانَ مِنَّا الْفَضْلُ فِيهَا لَوْ عَدَلْ
وَلَقَدْ نِلْتُمْ وَنِلْنَا مِنْكُمْ ... وَكَذَاكَ الْحَرْبُ أَحْيَانًا دُوَلْ
نَضَعُ الْأَسْيَافَ فِي أَكْتَافِكُمْ ... حَيْثُ نَهْوِى عَلَلًا بَعْدَ نَهَلْ [٤]
نُخْرِجُ الْأَضْيَاحَ [٥] مِنْ أَسْتَاهِكُمْ ... كَسُلَاحِ النِّيبِ يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ [٦]
إذْ تُوَلُّونَ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... هُرَّبًا فِي الشِّعْبِ أَشْبَاهَ الرَّسَلْ [٧]
إذْ شَدَدْنَا شَدَّةً صَادِقَةً ... فَأَجَأْنَاكُمْ إلَى سَفْحِ الْجَبَلْ [٨]
بِخَنَاطِيلَ [٩] كَأَشْدَافِ [١٠] الْمَلَا ... مَنْ يُلَاقُوهُ مِنْ النَّاسِ يُهَلْ [١١]
-------------------------
[١] البرك: الصَّدْر. وَبَنُو عبد الأشل: يُرِيد بنى عبد الْأَشْهَل، فَحذف الْهَاء.
[٢] الرقص: مَشى سريع. والحفان: صغَار النعام.
[٣] الْعِلَل: الشّرْب الثَّانِي. والنهل: الشّرْب الأول. يُرِيد الضَّرْب بعد الضَّرْب.
[٤] فِي شرح السِّيرَة: «الخطى» فِي مَوضِع الأسياف. والخطى: الرماح، نِسْبَة إِلَى الْخط، وَهُوَ مَوضِع.
[٥] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. والأضياح: جمع ضيح، وَهُوَ اللَّبن الْمَخْلُوط بِالْمَاءِ. وَفِي الْأُصُول «الأصبح» .
[٦] النيب: جمع نَاب، وَهِي النَّاقة المسنة. والعصل: نَبَات تَأْكُله الْإِبِل فَيخرج مِنْهَا أَحْمَر.
[٧] الرُّسُل: الْإِبِل الْمُرْسلَة بَعْضهَا فِي إِثْر بعض.
[٨] فأجأناكم: أَي ألجأناكم.
[٩] الخناطيل: الْجَمَاعَات من كل شَيْء.
[١٠] كَذَا فِي أ. قَالَ أَبُو ذَر. ويروى: «كأمذاق» . والأمذاق: الأخلاط من النَّاس. غير أَن كتب اللُّغَة لم تجمع شدفا على أشداف، وَإِنَّمَا جمعته على شدوف، وَفِي سَائِر الْأُصُول: كأشداق «بِالْقَافِ» وَهُوَ تَحْرِيف. ويروى: «كجنان الملا» والجنان: الْجِنّ.
[١١] الملا: المتسع من الأَرْض. ويهل: يرتاع، من الهول، وَهُوَ الْفَزع.
ضَاقَ عَنَّا الشِّعْبُ إذْ نَجْزَعُهُ ... وَمَلَأْنَا الْفَرْطَ مِنْهُ وَالرَّجَلْ [١]
بِرِجَالٍ لَسْتُمْ أَمْثَالَهُمْ ... أُيِّدُوا جِبْرِيلَ نَصْرًا فَنَزَلْ [٢]
وَعَلَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالتُّقَى ... طَاعَةِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ الرُّسُلْ
وَقَتَلْنَا كُلَّ رَأْسٍ مِنْهُمْ ... وَقَتَلْنَا كُلَّ جَحْجَاحٍ رِفَلْ [٣]
وَتَرَكْنَا فِي قُرَيْشٍ عَوْرَةً ... يَوْمَ بَدْرٍ وَأَحَادِيثَ الْمَثَلْ
وَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا شَاهِدٌ ... يَوْمَ بَدْرٍ وَالتَّنَابِيلُ الْهُبُلْ [٤]
فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جُمِّعُوا ... مِثْلَ مَا يُجْمَعُ فِي الْخِصْبِ الْهَمَلْ [٥]
نَحْنُ لَا أَمْثَالُكُمْ وُلْدَ اسْتِهَا ... نَحْضُرُ النَّاسَ إذَا الْبَأْسُ نَزَلْ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: «وَأَحَادِيثَ الْمَثَلْ» وَالْبَيْتَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَوْلَهُ: «
فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جُمِّعُوا
» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ وَقَتْلَى أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَتْلَى أُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
نَشَجْتَ وَهَلْ لَكَ مِنْ مَنْشجِ ... وَكُنْتَ مَتَى تَذَّكِرْ تَلْجَجْ [٧]
تَذَكُّرَ قَوْمٍ أَتَانِي لَهُمْ ... أَحَادِيثُ فِي الزَّمَنِ الْأَعْوَجْ
فَقَلْبُكَ مِنْ ذِكْرِهِمْ خَافِقٌ ... مِنْ الشَّوْقِ وَالْحَزَنِ الْمُنْضِجْ
وَقَتْلَاهُمْ فِي جِنَانِ النَّعِيمِ ... كِرَامُ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجْ
-------------------------
[١] نجزعه: نقطعه عرضا. والفرط: مَا علا من الأَرْض. وَالرجل: جمع رجلة، وَهُوَ المطمئن من الأَرْض.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «أيدوا جِبْرِيل» أَرَادَ أيدوا بِجِبْرِيل، فَحذف حرف الْجَرّ، وعدي الْفِعْل.
[٣] الجحجاح: السَّيِّد. والرفل: الّذي يجر ثَوْبه خُيَلَاء.
[٤] التنابيل الْقصار: اللئام، ويروى: القنابل. يُرِيد الْخَيل، الْوَاحِدَة قنبلة. وَهِي الْقطعَة من الْخَيل.
والهبل، قَالَ أَبُو ذَر: من رَوَاهُ بِضَم الْهَاء وَالْبَاء، فَمَعْنَاه الَّذين ثقلوا لِكَثْرَة اللَّحْم عَلَيْهِم، وَمِنْه يُقَال:
رجل مهبل: إِذا كثر لَحْمه. وَمن رَوَاهُ بِفَتْح الْهَاء وَالْبَاء، أَو بِضَم الْهَاء وَفتح الْبَاء، فَهُوَ من الثكل، يُقَال: هبلته أمه: إِذا ثكلته.
[٥] الهمل: الْإِبِل الْمُهْملَة، وَهِي الَّتِي ترسل فِي المرعى دون رَاع.
[٦] ولد: جمع ولد.
[٧] نشجت: بَكَيْت، وتلجج، من اللجج، وَهُوَ الْإِقَامَة على الشَّيْء والتمادي فِيهِ.
بِمَا صَبَرُوا تَحْتَ ظِلِّ اللِّوَاءِ ... لِوَاءِ الرَّسُولِ بِذِي الْأَضْوُجْ [١]
غَدَاةَ أَجَابَتْ بِأَسْيَافِهَا ... جَمِيعًا بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجْ
وَأَشْيَاعُ أَحْمَدَ إذْ شَايَعُوا ... عَلَى الْحَقِّ ذِي النُّورِ وَالْمَنْهَجْ [٢]
فَمَا بَرِحُوا يَضْرِبُونَ الْكُمَاةَ ... وَيَمْضُونَ فِي الْقَسْطَلِ الْمُرْهَجْ [٣]
كَذَلِكَ حَتَّى دَعَاهُمْ مَلِيكٌ ... إلَى جَنَّةِ دَوْحَةِ الْمَوْلِجْ [٤]
فَكُلُّهُمْ مَاتَ حُرَّ الْبَلَاء ... عَلَى مِلَّةِ اللَّهِ لَمْ يَحْرَجْ [٥]
كَحَمْزَةِ لَمَّا وَفَى صَادِقًا ... بِذِي هَبَّةٍ صَارِمٍ سَلْجَجْ [٦]
فَلَاقَاهُ عَبْدُ بَنِي نَوْفَلٍ ... يُبَرْبِرُ كَالْجَمَلِ الْأَدْعَجْ [٧]
فَأَوْجَرَهُ حَرْبَةً كَالشِّهَابِ ... تَلَهَّبُ فِي اللَّهَبِ الْمُوهَجْ [٨]
وَنُعْمَانُ أَوْفَى بِمِيثَاقِهِ ... وَحَنْظَلَةُ الْخَيْرِ لَمْ يُحْنِجْ [٩]
عَنْ الْحَقِّ حَتَّى غَدَتْ رُوحُهُ ... إلَى مَنْزِلٍ فَاخِرْ الزِّبْرِجْ [١٠]
أُولَئِكَ لَا مَنْ ثَوَى مِنْكُمْ ... مِنْ النَّارِ فِي الدَّرْكِ الْمُرْتَجْ [١١]
(شِعْرُ ضِرَارٍ فِي الرَّدِّ عَلَى كَعْبٍ):
فَأَجَابَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ، فَقَالَ:
أَيَجْزَعُ كَعْبٌ لِأَشْيَاعِهِ ... وَيَبْكِي مِنْ الزَّمَنِ الْأَعْوَجْ [١٢]
-------------------------
[١] الأضوج (بِضَم الْوَاو): جمع ضوج، وَهُوَ جَانب الْوَادي. والأضوج (بِفَتْح الْوَاو):
اسْم مَكَان.
[٢] شايعوا: تابعوا. والمنهج: الطَّرِيق الْوَاضِح.
[٣] الكماة: الشجعان. والقسطل: الْغُبَار. والمرهج: الّذي علا فِي الجو.
[٤] الدوحة: الشَّجَرَة الْكَثِيرَة الأغصان. والمولج: الْمدْخل.
[٥] حر الْبلَاء: خَالص الاختبار.
[٦] بِذِي هبة: يعْنى سَيْفا، وَهبة السَّيْف: وُقُوعه بالعظم. والصارم: الْقَاطِع. وسلجج: مرهف.
[٧] عبد بنى نَوْفَل: هُوَ وَحشِي قَاتل حَمْزَة. ويبربر: يَصِيح. والجمل الأدعج: الْأسود.
[٨] أوجره: طعنه فِي صَدره. والشهاب: الْقطعَة من النَّار. والموهج: الموقد.
[٩] لم يحنج: لم يصرف عَن وَجهه الّذي أَرَادَهُ من الْحق.
[١٠] الزبرج: الوشي.
[١١] الدَّرك: مَا كَانَ إِلَى أَسْفَل. والدرج: مَا كَانَ إِلَى فَوق.
[١٢] الأشياع: الأتباع.
عَجِيجَ الْمُذَكِّي رَأَى إلْفَهُ ... تَرَوَّحَ فِي صَادِرٍ مُحْنَجْ [١]
فَرَاحَ الرَّوَايَا وَغَادَرْنَهُ ... يُعَجْعِجُ قسرا وَلم يجدج [٢]
فَقُولَا لِكَعْبٍ يُثَنِّي اُلْبُكَا ... وَلِلنِّيءِ مِنْ لَحْمِهِ يَنْضَجْ
لِمَصْرَعِ إخْوَانِهِ فِي مَكَرٍّ ... مِنْ الْخَيْلِ ذِي قَسْطَلٍ مُرْهَجْ [٣]
فَيَا لَيْتَ عَمْرًا وَأَشْيَاعَهُ ... وَعُتْبَةَ فِي جَمْعِنَا السَّوْرَجْ [٤]
فَيَشْفُوا النُّفُوسَ بِأَوْتَارِهَا ... بِقَتْلَى أُصِيبَتْ مِنْ الْخَزْرَجْ [٥]
وَقَتْلَى مِنْ الْأَوْسِ فِي مَعْرَكٍ ... أُصِيبُوا جَمِيعًا بِذِي الْأَضْوُجْ [٦]
وَمَقْتَلِ حَمْزَةَ تَحْتَ اللِّوَاءِ ... بِمُطَّرِدِ، مَارِنٍ، مُخْلَجْ [٧]
وَحَيْثُ انْثَنَى مُصْعَبٌ ثَاوِيًا ... بِضَرْبَةٍ ذِي هَبَّةٍ سَلْجَجْ [٨]
بِأُحُدٍ وَأَسْيَافُنَا فِيهِمْ ... تَلَهَّبُ كَاللَّهَبِ الْمُوهَجِ
غَدَاةَ لَقِينَاكُمْ فِي الْحَدِيدِ ... كَأُسْدِ الْبَرَاحِ [٩] فَلَمْ تُعْنَجْ [١٠]
بِكُلِّ مُجَلِّحَةٍ كَالْعُقَابِ ... وَأَجْرَدَ ذِي مَيْعَةٍ مُسْرَجْ [١١]
فَدُسْنَاهُمْ ثَمَّ حَتَّى انْثَنَوْا ... سِوَى زَاهِقِ النَّفْسِ أَوْ مُحْرَجْ [١٢]
-------------------------
[١] العجيج: الصياح. والمذكى (هُنَا): المسن من الْإِبِل، وَأكْثر مَا يُقَال فِي الْخَيل.
والصادر: الْجَمَاعَة الصادرة عَن المَاء. ومحنج:، أَي مَصْرُوف عَن وَجهه.
[٢] الروايا: الْإِبِل الَّتِي تحمل المَاء. وغادرنه: تركنه. ويعجعج: يصوت، وقسرا قهرا. وَلم يحدج: لم يَجْعَل عَلَيْهِ الحدج، وَهُوَ مركب من مراكب النِّسَاء.
[٣] القسطل: الْغُبَار. والمرهج: الْمُرْتَفع.
[٤] السورج: المتقد.
[٥] الأوتار: جمع وتر، وَهُوَ طلب الثأر.
[٦] المعرك: مَوضِع الْحَرْب.
[٧] المطرد: الّذي يَهْتَز، ويعنى بِهِ رمحا. والمارن: اللين. والمخلج: الّذي يطعن بِسُرْعَة.
[٨] الّذي يطعن بِسُرْعَة.
[٩] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والبراح: المتسع من الأَرْض. وَفِي أ: «البراج» بِالْجِيم، وَهُوَ تَصْحِيف
[١٠] لم تعنج: لم تكف وَلم تصرف.
[١١] المجلحة: الْمَاضِيَة الْمُتَقَدّمَة. ويعنى بهَا فرسا، وَمن رَوَاهُ: «محجلة» فَهُوَ من التحجيل فِي الْخَيل.
والأجرد: الْفرس الْعَتِيق. والميعة: النشاط.
[١٢] دسناهم: وطئناهم. والمحرج: الْمضيق عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِضِرَارٍ. وَقَوْلُ كَعْبٍ:
«ذِي النُّورِ وَالْمَنْهَجْ» عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
(شِعْرُ ابْنِ الزِّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ، يَبْكِي الْقَتْلَى [١]:
أَلَا ذَرَفَتْ مِنْ مُقْلَتَيْكَ دُمُوعُ ... وَقَدْ بَانَ مِنْ حَبْلِ الشَّبَابِ قُطُوعُ [٢]
وَشَطَّ بِمَنْ تَهْوَى الْمَزَارُ وَفَرَّقَتْ ... نَوَى الْحَيِّ دَارٌ بِالْحَبِيبِ فَجُوعُ [٣]
وَلَيْسَ لِمَا وَلَّى عَلَى ذِي حَرَارَةٍ ... وَإِنْ طَالَ تذْرَافُ الدُّمُوعِ رُجُوعُ
فَذَرْ ذَا [٤] وَلَكِنْ هَلْ أَتَى أُمَّ مَالِكٍ ... أَحَادِيثُ قَوْمِي وَالْحَدِيثُ يَشِيعُ
وَمُجْنَبُنَا جُرْدًا إلَى أَهْلِ يَثْرِبَ ... عَناجيجَ مِنْهَا مُتْلَدٌ وَنَزِيعُ [٥]
عَشِيَّةَ سِرْنَا فِي لُهَامٍ [٦] يَقُودُنَا [٧] ... ضَرُورُ الْأَعَادِي لِلصَّدِيقِ نَفُوعُ
نَشُدُّ عَلَيْنَا كُلَّ زَغْفٍ كَأَنَّهَا ... غَدِيرٌ بضوج الواديين نَقِيع [٨]
فَلَمَّا رَأَوْنَا خَالَطَتْهُمْ مَهَابَةٌ ... وَعَايَنَهُمْ أَمْرٌ هُنَاكَ فَظِيعُ
وَوَدُّوا لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ يَنْشَقُّ ظَهْرُهَا ... بِهِمْ وَصَبُورُ الْقَوْمِ ثَمَّ جَزُوعُ
وَقَدْ عُرِّيَتْ بِيضٌ كَأَنَّ وَمِيضَهَا ... حَرِيقٌ تَرَقَّى فِي الْآبَاءِ سَرِيعُ [٩]
بِأَيْمَانِنَا نَعْلُو بِهَا كُلَّ هَامَةٍ ... وَمِنْهَا سِمَامٌ لِلْعَدُوِّ ذَرِيعُ [١٠]
--------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة «يبكى الْقَتْلَى» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] ذرفت: سَالَتْ.
[٣] شط: بعد. والنوى: الْبعد والفرقة.
[٤] فِي أ: «فذرنا» .
[٥] مجنبنا: أَي قودنا، يُقَال: جنبت الْخَيل: إِذا قدتها وَلم تركبها. والعناجيج: الطوَال الحسان.
والمتلد: الّذي ولد عنْدك. والنزيع. الْغَرِيب.
[٦] اللهام: الْجَيْش الْكثير.
[٧] فِي أ: «يَقُودهَا» .
[٨] الزغف: الدروع اللينة، والضوج: جَانب الْوَادي، ونقيع: مَمْلُوء بِالْمَاءِ.
[٩] الوميض: الضَّوْء. والأباء: الأجمة الملتفة الأغصان.
[١٠] الذريع، الّذي يقتل سَرِيعا.
فَغَادَرْنَ قَتْلَى الْأَوْسِ غَاصِبَةً بِهِمْ [١] ... ضِبَاعٌ وَطَيْرٌ يَعْتَفِيَنَ وُقُوعُ [٢]
وَجَمْعُ بَنِي النَّجَّارِ فِي كُلِّ تَلْعَةٍ ... بِأَبْدَانِهِمْ مِنْ وَقْعِهِنَّ نَجِيعُ [٣]
وَلَوْلَا عُلُوُّ الشِّعْبِ غَادَرْنَ أَحْمَدَا ... وَلَكِنْ عَلَا والسَّمْهَرِيُّ شُرُوعُ [٤]
كَمَا غَادَرَتْ فِي الْكَرِّ حَمْزَةَ ثَاوِيًا ... وَفِي صَدْرِهِ مَاضِي الشّباة وقيع [٥]
ونعمان قَدْ غَادَرْنَ تَحْتَ لِوَائِهِ ... عَلَى لَحْمِهِ طَيْرٌ يَجُفْنَ وُقُوعُ [٦]
بِأُحُدِ وَأَرْمَاحُ الْكُمَاةِ يُرِدْنَهُمْ ... كَمَا غَالَ أَشْطَانَ الدِّلَاءِ نُزُوعُ [٧]
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الزِّبَعْرَى):
فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ:
أَشَاقَكَ مِنْ أُمِّ الْوَلِيدِ رُبُوعٌ ... بَلَاقِعُ مَا مِنْ أَهْلِهِنَّ جَمِيعُ [٨]
عَفَاهُنَّ صَيْفِيُّ الرِّيَاحِ وَوَاكِفٌ ... مِنْ الدَّلْوِ رَجَّافُ السَّحَابِ هَمُوعُ [٩]
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَوْقِدُ النَّارِ حَوْلَهُ ... رَوَاكِدُ أَمْثَالِ الْحَمَامِ كُنُوعُ [١٠]
فَدَعْ ذِكْرَ دَارٍ بَدَّدَتْ بَيْنَ أَهْلِهَا ... نَوًى لِمَتِينَاتِ الْحِبَالِ قَطُوعُ [١١]
وَقُلْ إنْ يَكُنْ يَوْمٌ بِأُحْدٍ يَعُدُّهُ ... سَفِيهٌ فَإِنَّ الْحَقَّ سَوْفَ يَشِيعُ
فَقَدْ صَابَرَتْ فِيهِ بَنُو الْأَوْسِ كُلُّهُمْ ... وَكَانَ لَهُمْ ذِكْرٌ هُنَاكَ رَفِيعُ
-------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وعاصبة: لاصقة. وَفِي أ: «عاصية» بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة. وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] يعتفين: يطلبن الرزق.
[٣] والنجيع: الدَّم.
[٤] الشّعب: الطَّرِيق فِي الْجَبَل. والسمهري: الرماح. وشروع:: ماثلة لِلطَّعْنِ.
[٥] شباة كل شَيْء: حَده. ووقيع: أَي محدد.
[٦] كَذَا فِي أ، ط. ويجفن: يدخلن جَوْفه، أَو يطالبن مَا فِي جَوْفه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يحفن»:
أَي يقعن على لَحْمه. ويروى: «يحمن»، أَي يستدرن.
[٧] الكماة: الشجعان. وغال: أهلك. والأشطان: الحبال. والدلاء: جمع دلو. والنزوع (بِضَم النُّون): جذب الدَّلْو وإخراجها من الْبِئْر. والنزع (بِفَتْحِهَا): المستقى.
[٨] البلقع: القفر الْخَالِي.
[٩] عفاهن: غَيْرهنَّ ودرسهن. والواكف: الْمَطَر السَّائِل، وَمن الدَّلْو: يعْنى برجا فِي السَّمَاء.
ورجاف: أَي متحرك مصوت. وهموع: أَي سَائل.
[١٠] الرواكد: الثوابت. يعْنى الأثافي. وكنوع: أَي لاصقة بِالْأَرْضِ.
[١١] النَّوَى: الْبعد. والمتينات: الغليظات الشديدات.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
06-14-2026, 11:55 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (89)
صــ 143إلى صــ 152
وَحَامَى بَنُو النَّجَّارِ فِيهِ وَصَابَرُوا ... وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي اللِّقَاءِ جَزُوعُ
أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَخْذُلُونَهُ ... لَهُمْ نَاصِرٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَشَفِيعُ
وَفَوْا إذْ كَفَرْتُمْ يَا سَخِينَ بِرَبِّكُمْ ... وَلَا يَسْتَوِي عَبْدٌ وَفَى وَمُضِيعُ [١]
بِأَيْدِيهِمْ بِيضٌ إذَا حمش الوغى ... فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْدَى لَهُنَّ صَرِيعُ [٢]
كَمَا غَادَرَتْ فِي النَّقْعِ عُتْبَةَ ثَاوِيًا ... وَسَعْدًا صَرِيعًا وَالْوَشِيجُ شُرُوعُ [٣]
وَقَدْ غَادَرَتْ تَحْتَ الْعَنَاجَةِ مُسْنَدًا ... أَبِيًّا وَقَدْ بَلَّ الْقَمِيصَ نَجِيعُ [٤]
يَكُفُّ رَسُولُ اللَّهِ حَيْثُ تَنَصَّبَتْ ... عَلَى الْقَوْمِ مِمَّا قَدْ يُثِرْنَ نُقُوعُ [٥]
أُولَئِكَ قَوْمٌ سَادَةٌ مِنْ فُرُوعِكُمْ ... وَفِي كُلِّ قَوْمٍ [٦] سَادَةٌ وَفُرُوعُ
بِهِنَّ نُعِزُّ اللَّهَ حَتَّى يُعَزِّنَا ... وَإِنْ كَانَ أَمْرٌ يَا سَخِينَ فَظِيعُ
فَلَا تَذْكُرُوا قَتْلَى وَحَمْزَةُ فِيهُمُ ... قَتِيلٌ ثَوَى للَّه وَهْوَ مُطِيعُ
فَإِنَّ جِنَانَ الْخُلْدِ مَنْزِلَةٌ لَهُ ... وَأَمْرُ الَّذِي يَقْضِي الْأُمُورَ سَرِيعُ
وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ أَفْضَلُ رِزْقِهِمْ ... حَمِيمٌ مَعَا فِي جَوْفِهَا وَضَرِيعُ [٧]
(شِعْرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهُمَا لِحَسَّانٍ وَابْنِ الزِّبَعْرَى.
وَقَوْلُهُ: «مَاضِي الشَّبَاةِ، وَطَيْرٌ يَجِفْنَ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَمْرو بن العَاصِي (فِي) يَوْمِ أُحُدٍ:
خَرَجْنَا مِنْ الْفَيْفَا عَلَيْهِمْ كَأَنَّنَا ... مَعَ الصُّبْحِ مِنْ رَضْوَى الْحَبِيكِ الْمُنَطَّقِ [٨]
----------------------------
[١] ياسخين: أَرَادَ ياسخينة، فرخم. وَكَانَت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة تلقب سخينة لمداومتهم على أكل السخينة، وَهِي دَقِيق أغْلظ من الحساء، وأرق من العصيدة، وَإِنَّمَا تُؤْكَل فِي الجدب وَشدَّة الدَّهْر.
[٢] حمش: اشْتَدَّ، والوغى: الْحَرْب. ويردى: يهْلك.
[٣] النَّقْع: الْغُبَار. وَعتبَة: يعْنى عُثْمَان بن أَبى طَلْحَة. والوشيج: الرماح. وشروع: مائلة لِلطَّعْنِ.
[٤] الْعَجَاجَة: الْغيرَة، والنجيع: الدَّم.
[٥] نقوع: جمع نقع، وَهُوَ التُّرَاب.
[٦] فِي أ «يَوْم» .
[٧] الضريع: نَبَات أَخْضَر يرميه الْبَحْر.
[٨] الفيفا: القفر الّذي لَا ينْبت شَيْئا، وقصره هُنَا للشعر. ورضوى: اسْم جبل، والحبيك: الّذي فِيهِ طرائق. والمنطق: المحزم.
تَمَنَّتْ بَنُو النَّجَّارِ جَهْلًا لِقَاءَنَا ... لَدَى جَنْبِ سَلْعٍ وَالْأَمَانِيُّ تَصْدُقُ [١]
فَمَا رَاعَهُمْ بِالشَّرِّ [٢] إلَّا فُجَاءَةَ ... كَرَادِيسُ خَيْلٍ فِي الأزقّة تمرق [٣]
وادوا لِكَيْمَا يَسْتَبِيحُوا قِبَابَنَا ... وَدُونِ الْقِبَابِ الْيَوْمَ ضَرْبٌ مُحَرَّقُ
وَكَانَت قبابا أَو منت قَبْلَ مَا تَرَى ... إذْ رَامَهَا قَوْمٌ أُبِيحُوا وَأُحْنِقُوا [٤]
كَأَنَّ رُءُوسَ الْخَزْرَجِيَّيْنِ غَدْوَةً ... وَأَيْمَانَهُمْ بِالْمُشْرِفِيَّةِ بَرْوَقُ [٥]
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرَّدِّ على ابْن العَاصِي):
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
أَلَا أَبْلَغَا فِهْرًا عَلَى نَأْيِ دَارِهَا ... وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِنَا الْيَوْمَ مَصْدَقُ
بِأَنَّا غَدَاةَ السَّفْحِ مِنْ بَطْنِ يَثْرِبِ ... صَبَرْنَا وَرَايَاتُ الْمَنِيَّةِ تَخْفِقُ [٦]
صَبَرْنَا لَهُمْ وَالصَّبْرُ مِنَّا سَجِيَّةٌ ... إذَا طَارَتْ الْأَبْرَامُ نَسْمُو نرتق [٧]
عَلَى عَادَةِ تِلْكُمْ جرينا بصبرنا ... وَقد مَا لَدَى الْغَايَاتِ نَجْرِي فَنَسْبِقُ
لَنَا حَوْمَةٌ لَا تُسْتَطَاعُ يَقُودُهَا ... نَبِيٌّ أَتَى بِالْحَقِّ عَفٌّ مُصَدَّقُ [٨]
أَلَا هَلْ أَتَى أَفْنَاءَ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ ... مُقَطَّعُ أَطْرَافٍ وَهَامٌ مُفَلَّقُ [٩]
(شِعْرُ ضِرَارٍ فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ:
------------------------------
[١] سلع: اسْم جبل فِي ظَاهر الْمَدِينَة.
[٢] فِي أ: «بالسر» بِالسِّين الْمُهْملَة.
[٣] الكراديس: جماعات الْخَيل، وتمرق: تخرج.
[٤] أحنقوا: أَي أغضبوا وزادت (أ) بعد هَذَا الْبَيْت:
كَأَن رُءُوس الخزرجيين غدْوَة ... لَدَى جنب سلع حنظل متفلق
[٥] البروق: نَبَات لَهُ أصُول تشبه البصل.
[٦] السفح: جَانب الْجَبَل. وتخفق: تضطرب وتتحول.
[٧] السجية: الْعَادة. والأبرام: اللئام، الْوَاحِد: برم. وَأَصله الّذي لَا يدْخل مَعَ الْقَوْم فِي الميسر للؤمه. ونرتق: نسد ونصلح.
[٨] الحومة: الجمة. والعف: الْعَفِيف.
[٩] أفناء الْقَبَائِل: الْمُخْتَلط مِنْهَا. والهام: جمع هَامة، وَهِي الرَّأْس.
إنِّي وَجَدُّكَ لَوْلَا مُقْدَمِي فَرَسِي ... إذْ جَالَتْ الْخَيْلُ بَيْنَ الْجِزْعِ وَالْقَاعِ [١]
مَا زَالَ مِنْكُمْ بِجَنْبِ الْجَزْعِ مِنْ أُحُدٍ ... أَصْوَاتُ هَامٍ تَزَاقى أَمْرُهَا شَاعِي [٢]
وَفَارِسٌ قَدْ أَصَابَ السَّيْفُ مَفْرِقَهُ [٣] ... أَفْلَاقُ هَامَتِهِ كَفَرْوَةِ [٤] الرَّاعِي
إنِّي وَجَدُّكَ لَا أَنْفَكَ مُنْتَطِقًا ... بِصَارِمٍ مِثْلَ لَوْنِ الْمِلْحِ قَطَّاعِ [٥]
عَلَى رِحَالَةِ مِلْوَاحٍ مُثَابِرَةٍ ... نَحْوَ الصَّرِيخِ إذَا مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي [٦]
وَمَا انْتَمَيْتُ إلَى خُورٍ وَلَا كُشُفٍ ... وَلَا لِئَامٍ غَدَاةَ الْبَأْسِ أَوْرَاعِ [٧]
بَلْ ضَارِبِينَ حَبِيكَ الْبِيضِ إذْ لَحِقُوا ... شُمَّ الْعَرَانِينِ عِنْدَ الْمَوْتِ لُذَّاعِ [٨]
شُمٌّ بَهَالِيلُ مُسْتَرْخٍ حَمَائِلُهُمْ ... يَسْعَوْنَ لِلْمَوْتِ سَعْيًا غَيْرَ دَعْدَاعِ [٩]
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ أَيْضًا:
لَمَّا أَتَتْ مِنْ بَنِي كَعْبٍ مُزَيَّنَةً ... وَالْخَزْرَجِيَّةُ فِيهَا الْبِيضُ تَأْتَلِقُ [١٠]
وَجَرَّدُوا مَشْرَفِيَّاتٍ مُهَنَّدَةً ... وَرَايَةً كَجَنَاحِ النَّسْرِ تَخْتَفِقُ [١١]
فَقُلْتُ يَوْمٌ بَأيَّامٍ وَمَعْرَكَةٌ ... تُنْبِى لِمَا خَلْفَهَا مَا هُزْهِزَ الْوَرَقُ [١٢]
---------------------------
[١] الْجزع: منعطف الْوَادي. والقاع: المنخفض من الأَرْض.
[٢] الْهَام: جمع هَامة. وَهِي الطَّائِر الّذي يزْعم الْعَرَب أَنه يخرج من رَأس الْقَتِيل فَيَصِيح، وتزاقى تصيح، وَرِوَايَة هَذِه الْكَلِمَة فِي أ: «تزفى» . وشاعى: أَرَادَ شَائِع، فَقلب.
[٣] المفرق: حَيْثُ تفرق الشّعْر فَوق الْجَبْهَة.
[٤] الفروة «بِالْفَاءِ»: مَعْرُوفَة، وتروى: كقروة «بِالْقَافِ» . والقروة: إِنَاء من خشب يحملهُ الرَّاعِي مَعَه.
[٥] منتطق: محتزم. والصارم: السَّيْف الْقَاطِع.
[٦] الرحالة: السرج. والملواح: الْفرس الشَّدِيدَة الَّتِي ضمر لَحمهَا، ومثابرة: مُتَابعَة. والصريخ:
المستغيث. وثوب: كرر الدُّعَاء.
[٧] الخور: الضُّعَفَاء. والكشف: جمع أكشف، وَهُوَ الّذي لَا ترس لَهُ فِي الْحَرْب. والأوراع جمع ورع. وَهُوَ الجبان. ويروى: أوزاع «بالزاي»، أَي متفرقون.
[٨] الحبيك: الْأَبْيَض طرائقه. وشم: مُرْتَفعَة. والعرانين: الأنوف، يصفهم بِالْعِزَّةِ.
[٩] البهاليل: السَّادة، الْوَاحِد: بهْلُول. ومسترخ حمائلهم: يعْنى حمائل سيوفهم، وَفِيه إِشَارَة إِلَى طولهم. والدعداع: الضَّعِيف البطيء.
[١٠] مزينة، يعْنى كَتِيبَة فِيهَا ألوان من السِّلَاح، وتأتلق: تضيء وتلمع.
[١١] المشرفيات: سيوف منسوبة إِلَى المشارف، وَهِي قرى بِالشَّام.
[١٢] تنبى، يُرِيد تنبئ، فَخفف وَحذف الْهمزَة، ويروى ثنيا، أَي ثَانِيَة على أولى، وهزهز (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول) أَي حرك. ويروى هزهز (بِفَتْح الْهَاء) أَي تحرّك.
١٠- سيرة ابْن هِشَام-
قَدْ عُوِّدُوا كُلَّ يَوْمٍ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ ... رِيحُ الْقِتَالِ وَأَسْلَابُ الَّذِينَ لَقُوا [١]
خَيَّرْتُ [٢] نَفْسِي عَلَى مَا كَانَ مِنْ وَجَلٍ [٣] ... مِنْهَا وَأَيْقَنْتُ أَنَّ الْمَجْدَ مُسْتَبَقُ
أَكْرَهْتُ مُهْرِي حَتَّى خَاضَ غَمْرَتَهُمْ ... وَبَلَّهُ مِنْ نَجِيعٍ عَانِكٍ عَلَقُ [٤]
فَظَلَّ مُهْرِي وَسِرْبَالِي جَسِيدُهُمَا ... نَفْخُ الْعُرُوقِ رِشَاشُ الطَّعْنِ وَالْوَرَقُ [٥]
أَيْقَنْتُ أَنِّي مُقِيمٌ فِي دِيَارِهُمُ ... حَتَّى يُفَارِقَ مَا فِي جَوْفِهِ الْحَدَقُ [٦]
لَا تَجْزَعُوا يَا بَنِي مَخْزُومَ إنَّ لَكُمْ ... مِثْلَ الْمُغِيرَةِ فِيكُمْ مَا بِهِ زَهَقُ [٧]
صَبْرًا فِدًى لَكُمْ أُمِّي وَمَا وَلَدَتْ ... تَعَاوَرُوا الضَّرْبَ حَتَّى يُدْبِرَ الشَّفَقُ [٨]
(شِعْرُ عَمْرٍو فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
وَقَالَ عَمْرو بن العَاصِي:
لَمَّا رَأَيْت الْحَرْب ينزو ... شَرُّهَا بِالرَّضْفِ نَزْوَا [٩]
وتناولت شهباء تلحو ... النَّاسَ بِالضَّرَّاءِ لَحْوَا [١٠]
أَيْقَنْتُ أَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ ... . وَالْحَيَاةُ تَكُونُ لَغْوَا
حَمَّلْتُ أَثْوَابِي عَلَى ... عَتَدٍ يَبُذُّ الْخَيْلَ رَهْوَا [١١]
سَلِسٍ إذَا نكبن فِي ... الْبَيْدَاء يَعْلُو الطِّرْفَ عُلْوَا
-----------------------------
[١] الأسلاب: جمع سلب.
[٢] فِي أ: «خبرت» بِالْبَاء الْمُوَحدَة.
[٣] الوجل: الْفَزع.
[٤] غمرتهم: جَمَاعَتهمْ، والنجيع: الدَّم، وعانك: أَحْمَر، ويروى: عاند، أَي لَا يَنْقَطِع. والعلق:
من أَسمَاء الدَّم.
[٥] جسيدهما: لونهما أَو صبغهما، ونفح الْعُرُوق: مَا ترمى بِهِ من الدَّم، ويروى: نفخ الْعُرُوق «بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة» . وَالْوَرق: الدَّم الْمُنْقَطع، ويروى: الْعرق.
[٦] الحدق: جمع حدقة، وَهِي سَواد الْعين.
[٧] الزهق: الْعَيْب.
[٨] تعاوروا: تداولوا.
[٩] ينزو: يرْتَفع ويشب. والرضف: الْحِجَارَة المحماة بالنَّار.
[١٠] شهباء: أَي كَتِيبَة كَثِيرَة السِّلَاح. وتلحو: تقشر وتضعف، تَقول: لحوت الْعود: إِذا قشرته.
[١١] العتد: الْفرس الشَّديد. يبذ: يسْبق. والرهو: السَّاكِن الين.
وَإِذَا تَنَزَّلَ مَاؤُهُ ... مِنْ عِطْفِهِ يَزْدَادُ زَهْوَا [١]
ربذ كيعفور الصّريمة ... رَاعَهُ الرَّامُونَ دَحْوَا [٢]
شَنِجٍ نَسَاهُ ضَابِطٍ ... لِلْخَيْلِ إرْخَاءً وَعَدْوَا [٣]
فَفِدًى لَهُم أمّى غَدَاة ... الرَّوْعِ إذْ يَمْشُونَ قَطْوَا [٤]
سَيْرًا إِلَى كَبْش الكتيبة ... إذْ جَلَتْهُ الشَّمْسُ جَلْوَا [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِعَمْرِو.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرَّدِّ عَلَى عَمْرو بن العَاصِي):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُمَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ:
أَبْلِغْ قُرَيْشًا وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ ... وَالصِّدْقُ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ مَقْبُولُ [٦]
أَنْ قَدْ قَتَلْنَا بِقَتْلَانَا سَرَاتَكُمْ ... أَهْلَ اللِّوَاءِ فَفِيمَا يَكْثُرُ الْقِيلُ [٧]
وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا مَدَدٌ ... فِيهِ مَعَ النَّصْرِ مِيكَالُ وَجِبْرِيلُ
إنْ تَقْتُلُونَا فَدِينُ الْحَقِّ فِطْرَتُنَا ... وَالْقَتْلُ فِي الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَفْضِيلُ
وَإِنْ تَرَوْا أَمْرَنَا فِي رَأْيِكُمْ سَفَهًا ... فَرَأْيُ مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ تَضْلِيلُ
فَلَا تَمَنَّوْا لِقَاحَ الْحَرْبِ وَاقْتَعِدُوا ... إنَّ أَخَا الْحَرْبِ أَصْدَى اللَّوْنِ مَشْغُولُ [٨]
إنَّ لَكُمْ عِنْدَنَا ضَرْبًا تَرَاحُ لَهُ ... عُرْجُ الضِّبَاعِ لَهُ خَذْمٌ رَعَابِيلُ [٩]
---------------------------
[١] مَاؤُهُ: أَي عرقه. والعطف: الْجَانِب. والزهو: الْإِعْجَاب والتكبر.
[٢] ربذ: سريع. واليعفور: ولد الظبية، والصريمة: الرملة المنقطعة. وراعه: أفزعه. والدحو:
الانبساط.
[٣] شنج: منقبض. والنسا: عرق مستبطن الفخذين. وَضَابِط: مُمْسك. والإرخاء والعدو:
ضَرْبَان من السّير.
[٤] القطو: مشي فِيهِ تبختر كمشي القطاة.
[٥] كَبْش الكتيبة: رئيسها. وجلته: أبرزته.
[٦] الْأَلْبَاب: الْعُقُول.
[٧] سراة الْقَوْم: خيارهم. والقيل: القَوْل.
[٨] لقاح الْحَرْب: زيادتها ونموها، وأصدى اللَّوْن: لَونه بَين السوَاد والحمرة، ومشغول: من الشّغل. ويروى: «مشعول» بِالْعينِ الْمُهْملَة، كَذَا ورد فِي (أ) أَي متقد ملتهب.
[٩] تراح: تفرح وتهتز. والخذم (بِضَم الْخَاء): قطع اللَّحْم، (وَبِفَتْحِهَا) الْمصدر. والرعابيل:
المنقطعة.
إنَّا بَنُو الْحَرْبِ نَمْرِيهَا وَنَنْتِجُهَا ... وَعِنْدَنَا لِذَوِي الْأَضْغَانِ تَنْكِيلُ [١]
إنْ يَنْجُ مِنْهَا ابْنُ حَرْبٍ بَعْدَ مَا بَلَغَتْ ... مِنْهُ التَّرَاقِي وَأَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولُ [٢]
فَقَدْ أَفَادَتْ لَهُ حِلْمًا وَمَوْعِظَةً ... لِمَنْ يَكُونُ لَهُ لُبٌّ وَمَعْقُولُ
وَلَوْ هَبَطْتُمْ بِبَطْنِ السَّيْلِ كَافَحَكُمْ ... ضَرْبٌ بِشَاكِلَةِ الْبَطْحَاءِ تَرْعِيلُ [٣]
تَلْقَاكُمْ عُصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهُمْ ... مِمَّا يُعِدُّونَ لِلْهَيْجَا سَرَابِيلُ [٤]
مِنْ جِذْمِ غَسَّانَ مُسْتَرْخٍ حَمَائِلُهُمْ ... لَا جُبَنَاءُ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ [٥]
يَمْشُونَ تَحْتَ [٦] عَمَايَاتِ الْقِتَالِ كَمَا ... تَمْشِي الْمَصَاعِبَةُ الْأُدْمُ الْمَرَاسِيلُ [٧]
أَوْ مِثْلُ مَشْيِ أُسُودِ الظِّلِّ أَلْثَقَهَا [٨] ... يَوْمُ رَذَاذٍ مِنْ الْجَوْزَاءِ مَشْمُولُ [٩]
فِي كُلِّ سَابِغَةٍ كَالنِّهْيِ مُحْكَمَةٍ [١٠] ... قِيَامُهَا [١١] فَلَجٌ كَالسَّيْفِ بُهْلُولُ [١٢]
تَرُدُّ حَدَّ قِرَامِ النَّبْلِ خَاسِئَةً ... وَيَرْجِعُ السَّيْفُ عَنْهَا وَهُوَ مَفْلُولُ [١٣]
وَلَوْ قَذَفْتُمْ بِسَلْعِ عَنْ ظُهُورِكُمْ ... وَلِلْحَيَاةِ وَدَفْعِ الْمَوْتِ تَأْجِيلُ [١٤]
--------------------------
[١] نمريها: نستدرها. وننتجها: من النِّتَاج. والأضغان: العداوات. والتنكيل: الزّجر المؤلم.
[٢] التراقي: عِظَام الصَّدْر.
[٣] كافحكم: واجهكم. وبشاكلة: أَي بِطرف. والبطحاء: الأَرْض السهلة. والترعيل:
الضَّرْب السَّرِيع.
[٤] الهيجاء: الْحَرْب.
[٥] الجذم: الأَصْل. وحمائلهم: أَي حمائل سيوفهم. والميل: جمع أميل، وَهُوَ الّذي لَا ترس لَهُ.
والمعازيل: الَّذين لَا رماح مَعَهم، مُفْردَة: معزال.
[٦] فِي أ: «نَحْو» .
[٧] عمايات الْقِتَال: ظلماته. ويروى: غيابات، أَي سحابات. والمصاعبة: الفحول من الْإِبِل، وَاحِدهَا: مُصعب. والأدم: الْإِبِل الْبيض. والمراسيل الَّتِي يمشى بَعْضهَا إِثْر بعض.
[٨] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي شرح السِّيرَة: «الطل» وَهُوَ الْمَطَر الضَّعِيف.
[٩] ألثقها: بلها. والرذاذ: الْمَطَر الضَّعِيف. والجوزاء: اسْم لنجم مَعْرُوف. والمشمول: الّذي هبت فِيهِ ريح الشمَال.
[١٠] السابغة: الدرْع الْكَامِلَة. والنهى: الغدير من المَاء.
[١١] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة. وقيامها، أَي الْقَائِم بأمرها ومعظمها. وفلج: نهر. وَفِي سَائِر الْأُصُول «فثامها فلح» .
[١٢] البهلول: الْأَبْيَض.
[١٣] خاسئة: ذليلة.
[١٤] سلع: جبل.
مَا زَالَ فِي الْقَوْمِ وِتْرٌ مِنْكُمْ أَبَدًا ... تَعْفُو السِّلَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَطْلُولُ [١]
عَبْدٌ وَحُرٌّ كَرِيمٌ مُوثِقٌ قَنَصًا ... شَطْرَ الْمَدِينَةِ مَأْسُورٌ وَمَقْتُولُ [٢]
كُنَّا نُؤَمِّلُ أُخْرَاكُمْ فَأَعْجَلَكُمْ ... مِنَّا فَوَارِسُ لَا عُزْلٌ وَلَا مِيلُ [٣]
إذَا جَنَى فِيهِمْ الْجَانِي فَقَدْ عَلِمُوا ... حَقًّا بِأَنَّ الَّذِي قَدْ جَرَّ مَحْمُولُ
مَا نَحْنُ لَا نَحْنُ [٤] مِنْ إثْمٍ مُجَاهَرَةً ... وَلَا مَلُومٌ وَلَا فِي الْغُرْمِ مَخْذُولُ
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي أَصْحَابِ اللِّوَاءِ)
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، يَذْكُرُ عُدَّةَ أَصْحَابِ اللِّوَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ:
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ أَحْسَنُ مَا قِيلَ-
مَنَعَ النَّوْمَ بِالْعَشَاءِ الْهُمُومُ ... وَخَيَّالٌ إذَا تَغُورُ النُّجُومُ
مِنْ حَبِيبٍ أَضَافَ قَلْبَكَ مِنْهُ ... سَقَمٌ فَهُوَ دَاخِلٌ مَكْتُومُ [٥]
يَا لَقَوْمِي هَلْ يَقْتُلُ الْمَرْءَ مِثْلِي ... وَاهِنُ الْبَطْش وَالْعِظَام سئوم [٦]
لَوْ يَدِبُّ الْحَوْلِيُّ من ولد الذرّ ... عَلَيْهَا لَأَنْدَبَتْهَا الْكُلُومُ [٧]
شَأْنُهَا الْعِطْرُ وَالْفِرَاشُ وَيَعْلُو ... هَا لُجَيْنٌ وَلُؤْلُؤٌ مَنْظُومُ [٨]
لَمْ تَفُتْهَا شَمْسُ النَّهَارِ بِشَيْءٍ ... غَيْرَ أَنَّ الشَّبَابَ لَيْسَ يَدُومُ
إنَّ خَالِي خَطِيبُ جَابِيَةِ الْجَوْ ... لَانِ عِنْدَ النُّعْمَانِ حِينَ يَقُومُ [٩]
وَأَنَا الصَّقْرُ عِنْدَ بَابِ ابْنِ سَلْمَى ... يَوْمَ نُعْمَانَ فِي الْكُبُولِ سَقِيمُ
وَأَبِيٌّ وَوَاقِدٌ أُطْلِقَا لِي ... يَوْمَ رَاحَا وَكَبْلُهُمْ مَخْطُومُ [١٠]
--------------------------
[١] يعْفُو: يدرس ويتغير. وَالسَّلَام: الْحِجَارَة. ومطلول: أَي لم يُؤْخَذ بثأره.
[٢] القنص: الصَّيْد، وَشطر الْمَدِينَة: نَحْوهَا وقصدها.
[٣] الْميل: الَّذين لَا تراس مَعَهم.
[٤] فِي أ: «مَا يجن لَا نجن» .
[٥] أضَاف: نزل وزار.
[٦] الوهن: الضَّعِيف، والسئوم: الملول.
[٧] الحولي، الصَّغِير، وأندبتها: أثرت فِيهَا، من النّدب، وَهُوَ أثر الْجرْح. والكلوم: الْجِرَاحَات.
[٨] اللجين: الْفضة.
[٩] خَالِي: يُرِيد بِهِ مسلمة بن مخلد بن الصَّامِت. والجابية: الْحَوْض الصَّغِير. والجولان: مَوضِع بِالشَّام.
[١٠] مَخْطُوم: مكسور.
وَرَهَنْتُ الْيَدَيْنِ عَنْهُمْ جَمِيعًا ... كُلُّ كَفِّ جُزْءٍ لَهَا مقسوم
وسطت نسبنى الذَّوَائِبَ مِنْهُمْ ... كُلَّ دَارٍ فِيهَا أَبٌ لِي عَظِيمُ [١]
وَأُبَيٌّ فِي سميحة الْقَائِل الْفَاصِل ... يَوْمَ الْتَقَتْ عَلَيْهِ الْخُصُومُ [٢]
تِلْكَ أَفْعَالُنَا وَفِعْلُ الزِّبَعْرَى ... خَامِلٌ فِي صَدِيقِهِ مَذْمُومُ
رُبَّ حِلْمٍ أضاعه عدم المَال ... وَجَهْلٌ غَطَّى [٣] عَلَيْهِ النَّعِيمُ [٤]
لَا تُسَبَّنَّني فَلَسْتَ بِسَبِّي ... إنَّ سَبِّي مِنْ الرِّجَالِ الْكَرِيمُ [٥]
مَا أُبَالِي أَنَبَّ بِالْحَزْنِ تَيْسٌ ... أَمْ لَحَانِي بِظَهْرِ غَيْبٍ لَئِيمُ [٦]
وَلِيَ الْبَأْسَ مِنْكُمْ إذْ رَحَلْتُمْ ... أَسِرَّةٌ مِنْ بَنِي قُصَيٍّ صَمِيمُ [٧]
تِسْعَةٌ تَحْمِلُ اللِّوَاءَ وَطَارَتْ ... فِي رَعَاعٍ مِنْ الْقَنَا مَخْزُومُ [٨]
وَأَقَامُوا حَتَّى أُبِيحُوا جَمِيعًا ... فِي مَقَامٍ وَكُلُّهُمْ مَذْمُومُ
بِدَمٍ عَانِكٍ وَكَانَ حِفَاظًا ... أَنْ يُقِيمُوا إنَّ الْكَرِيمَ كَرِيمُ [٩]
وَأَقَامُوا حَتَّى أُزِيروا شَعُوبًا ... وَالْقَنَا فِي نُحُورِهِمْ مَحْطُومُ [١٠]
وَقُرَيْشٌ تَفِرُّ مِنَّا لِوَاذًا ... أَنْ يُقِيمُوا وَخَفَّ مِنْهَا الْحُلُومُ [١١]
لَمْ تُطِقْ حَمْلَهُ الْعَوَاتِقُ مِنْهُمْ ... إنَّمَا يَحْمِلُ اللِّوَاءَ النُّجُومُ [١٢]
------------------------
[١] وسطت: توسطت، والذوائب: الأعالي.
[٢] سميحة: بِئْر بِالْمَدِينَةِ، كَانَ عِنْدهَا احتكام الْأَوْس والخزرج فِي حروبهم إِلَى ثَابت بن الْمُنْذر وَالِد حسان بن ثَابت.
[٣] ويروى. غطا «بتَخْفِيف الطَّاء»، أَي علا وارتفع
[٤] زَادَت م، ر، بعد هَذَا الْبَيْت:
إِن دهرا يبور فِيهِ ذَوُو الْعلم ... لدهر هُوَ العتو الزنيم
[٥] السب: هُوَ الّذي يُقَاوم الرجل فِي السب، وَيكون شرفه مثل شرفه.
[٦] نب: صَاح. ولحاني: ذَكرنِي عائبا.
[٧] الصميم الْخَالِص النّسَب.
[٨] الرعاع: الضُّعَفَاء.
[٩] العانك: الْأَحْمَر.
[١٠] شعوب: اسْم للمنية.
[١١] لِوَاذًا: مستترين. والحلوم: الْعُقُول.
[١٢] الْعَوَاتِق: جمع عاتق، وَهُوَ مَا بَين الْكَتف والعنق. والنجوم: الْمَشَاهِير من النَّاس.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ حَسَّانٌ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ:
مَنَعَ النَّوْمَ بِالْعِشَاءِ الْهُمُومُ
لَيْلًا، فَدَعَا قَوْمَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: خَشِيتُ أَنْ يُدْرِكَنِي أَجَلِي قَبْلَ أَنْ أُصْبِحَ، فَلَا تَرْوُوهَا عَنِّي [١] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَة للحجّاج بْنِ عِلَاطٍ السُّلَمِيِّ يَمْدَحُ (أَبَا الْحَسَنِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) [٢] عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَيَذْكُرُ قَتْلَهُ طَلْحَةَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ ابْن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، صَاحِبِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ:
للَّه أَيُّ مُذَبِّبٍ عَنْ حُرْمَةٍ ... أَعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ الْمُعَمَّ الْمُخْوِلَا [٣]
سَبَقَتْ يَدَاكَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ ... تَرَكَتْ طُلَيْحَةَ لِلْجَبِينِ مُجَدَّلَا [٤]
وَشَدَدْتَ شَدَّةَ بَاسِلٍ فَكَشَفْتهمْ ... بِالْجَرِّ إذْ يَهْوُونَ أَخْوَلَ أَخْوَلَا [٥]
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي قَتْلَى يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ:
يَا مَيَّ قُومِي فَانْدُبِنْ ... بِسُحَيْرَةٍ شَجْوَ النَّوَائِحِ [٦]
كالحاملات الوقر ... بالثّقل الْمُلِحَّاتِ الدّوالح [٧]
المعولات الحامشات ... وُجُوهَ حُرَّاتٍ صَحَائِحِ [٨]
-----------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة من قَوْله «قَالَ ابْن هِشَام» إِلَى هُنَا سَاقِطَة فِي أ.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] المذبب: الدَّافِع، يُقَال ذبب عَن حرمه: إِذا دفع عَنْهَا. وَابْن فَاطِمَة: يُرِيد على بن أَبى طَالب رضي الله عنه، وَأمه فَاطِمَة بنت أَسد بن هَاشم، وَهِي أول هاشمية ولدت لهاشمى، والمعم: الْكَرِيم الْأَعْمَام.
والمخول: الْكَرِيم الأخوال.
[٤] المجدل: اللاصق بِالْأَرْضِ.
[٥] الباسل: الشجاع. والجر: أصل الْجَبَل. ويهوون: يسقطون. وأخول أخولا: أَي وَاحِدًا بعد وَاحِد.
[٦] الشجو: الْحزن، وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي أ.
يَا مى قومِي فاندبن ... بسحرة شجو النوائح
[٧] الملحات: الثابتات الَّتِي لَا تَبْرَح. والدوالح: الَّتِي تحمل الثّقل.
[٨] المعولات: الباكيات بِصَوْت. والخامشات: الخادشات.
وَكَأَنَّ سيل دموعها ... الأنصاب تُخْضَبُ بِالذَّبَائِحِ [١]
يَنْقُضْنَ أَشْعَارًا لَهُنَّ ... هُنَاكَ بَادِيَةً الْمَسَائِحِ [٢]
وكأنّها أَذْنَاب خيل ... بِالضُّحَى شُمْسٍ رَوَامِحِ [٣]
مِنْ بَين مشزور [٤] و... مجزور يُذَعْذَعُ بِالْبَوَارِحِ [٥]
يبْكين شجوا مسلبات ... كَدَّحَتْهُنَّ الكَوَادِحْ [٦]
وَلَقَدْ أَصَابَ قُلُوبَهَا ... مَجْلٌ لَهُ جُلَبٌ قَوَارِحُ [٧]
إذْ أَقْصَدِ الْحِدْثَانَ مَنْ ... كُنَّا نُرَجِّي إذْ نُشَايِحُ [٨]
أَصْحَابَ أُحْدٍ غَالَهُمْ ... دَهْرٌ أَلَمَّ [٩] لَهُ جَوَارِحُ [١٠]
مَنْ كَانَ فارسنا وحامينا ... إذَا بُعِثَ الْمَسَالِحُ [١١]
يَا حَمْزَ، لَا وَاَللَّهِ لَا ... أَنْسَاكَ مَا صُرَّ اللَّقَائِحُ [١٢]
لمناخ أَيْتَام وأضياف ... وَأَرْمَلَةٍ تُلَامِحُ [١٣]
-------------------------
[١] الأنصاب: حِجَارَة كَانُوا يذبحون لَهَا، ويطلونها بِالدَّمِ.
[٢] المسائح: ذوائب الشّعْر، الْوَاحِدَة: مسيحة.
[٣] الشَّمْس: النوافر، وَهِي جمع شموس، والروامح: الَّتِي ترمح بأرجلها، أَي تدفع عَنْهَا.
[٤] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. ومشرور: مفتول وَهُوَ تَصْحِيف، وَفِي جَمِيع الْأُصُول: «مشرور» بالراء الْمُهْملَة، من شرى اللَّحْم يشره شرى إِذا وَضعه على خصفة أَو نَحْوهَا ليجف.
[٥] يذعذع: يغرق (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول) فيهمَا. والبوارح: الرِّيَاح الشَّدِيدَة.
[٦] مسلبات (بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا) اللائي يلبسن السلاب، ثِيَاب الْحزن. وَمن رَوَاهُ بِالتَّخْفِيفِ فَهُوَ بذلك الْمَعْنى. وكدحتهن: أثرت فِيهِنَّ، والكوادح: نَوَائِب الدَّهْر.
[٧] مجل: أَي جرح ندي. وجلب: جمع جلبة، وَهِي قشرة الْجرْح الَّتِي تكون عِنْد الْبُرْء. وقوارح:
موجعة.
[٨] أقصد: أصَاب. والحدثان: حَادث الدَّهْر، ونشايح: نحذر.
[٩] غالهم: أهلكهم: وألم: نزل.
[١٠] فِي شرح السِّيرَة: بوارح (بِالْبَاء) . والبوارح: الأحزان الشَّدِيدَة.
[١١] المسالح: الْقَوْم الَّذين يحملون السِّلَاح، ويحمون المراقب لِئَلَّا يطرقهم الْعَدو على غَفلَة، وَهُوَ مُشْتَقّ من لفظ السِّلَاح.
[١٢] صر: ربط. واللقائح: جمع لقحة بِالْكَسْرِ، وَهِي النَّاقة لَهَا لبن. وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي أ: اللقالح (بِاللَّامِ) وَهُوَ تَحْرِيف.
[١٣] المناخ: الْمنزل. وتلامح: أَي تنظر بِعَينهَا نظرا سَرِيعا ثمَّ تغضها.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
06-16-2026, 11:57 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (90)
صــ 153إلى صــ 162
وَلِمَا يَنُوبُ الدَّهْرُ فِي ... حَرْبٍ لِحَرْبٍ وَهْيَ لَاقِحُ [١]
يَا فَارِسًا يَا مِدْرَهًا ... يَا حَمْزَ قَدْ كُنْتَ الْمُصَامِحَ [٢]
عنّا شديدات الخطوب ... إذَا يَنُوبُ لَهُنَّ فَادِحْ
ذكّرتني أَسد الرّسول ...، وَذَاكَ مِدْرَهُنَا الْمُنَافِحْ [٣]
عَنَّا وَكَانَ يُعَدُّ إذْ ... عُدَّ الشَّرِيفُونَ الْجَحَاجِحْ [٤]
يَعْلُو الْقَمَاقِمَ جَهْرَةً ... سَبْطَ الْيَدَيْنِ أَغَرَّ وَاضِحْ [٥]
لَا طَائِشٌ رَعِشٌ وَلَا ... ذُو عِلَّةٍ بِالْحِمْلِ آنِحْ [٦]
بَحْرٌ فَلَيْسَ يغبّ جارا ... مِنْهُ سَيْبٌ أَوْ مَنَادِحْ [٧]
أَوْدَى شباب أولى الحفائظ ... وَالثَّقِيلُونَ الْمَرَاجِحْ [٨]
المطعمون إِذا المشاتي ... مَا يُصَفِّفهُنَّ نَاضِحْ [٩]
لَحْمَ الْجِلَادِ وَفَوْقَهُ ... مِنْ شَحْمِهِ شُطَبٌ شَرَائِحْ [١٠]
لِيُدَافِعُوا عَنْ جَارِهِمْ ... مَا رَامَ ذُو الضِّغْنِ الْمُكَاشِحْ [١١]
لهفي لشبّان رزئناهم ... كَأَنَّهُمْ المَصَابِحْ
---------------------------
[١] اللاقح من الحروب: الَّتِي يتزيد شَرها.
[٢] المدرة: المدافع عَن الْقَوْم بِلِسَانِهِ وَيَده. والمصامح: الشَّديد الدفاع. ويروى: المصافح (بِالْفَاءِ) . والمصافح: الرَّاد للشَّيْء، تَقول: أتانى فلَان فصفحته عَن حَاجته، أَي رَددته عَنْهَا.
[٣] المنافح: المدافع عَن الْقَوْم، وَكَانَ حَمْزَة ينافح عَن رَسُول الله ﷺ.
[٤] الجحاجح: جمع جحجاح، وَهُوَ السَّيِّد.
[٥] القماقم: السَّادة. وسبط الْيَدَيْنِ: جواد، وَيُقَال للبخيل: جعد الْيَدَيْنِ. وأغر: أَبيض.
وواضح: مضيء مشرق.
[٦] الطائش: الْخَفِيف الّذي لَيْسَ لَهُ وقار. والآنح: الْبَعِير الّذي إِذا حمل الثّقل أخرج من صَدره.
صَوت المعتصر.
[٧] السيب: الْعَطاء. والمنادح: جمع مندحة، وَهِي السعَة. ويروى: منائح، والمنائح: العطايا.
[٨] أودى: هلك. والحفائظ: جمع حفيظة وَهِي الْغَضَب. والمراجح: الَّذين يزِيدُونَ على غَيرهم فِي الْحلم.
[٩] مَا يصففهن: مَا يحلبهن. والناضح: الّذي يشرب دون الرّيّ.
[١٠] الشطب: الطرائق فِي السَّيْف.
[١١] ذُو الضغن: ذُو الْعَدَاوَة. والمكاشح: المعادي.
شمّ، بطارقة، غطارفة ...، خَضَارِمَةٌ، مَسَامِحْ [١]
المشترون الْحَمد بالأموال ... إنَّ الْحَمد رابح
والجامزون بِلُجْمِهِمْ ... يَوْمًا إذَا مَا صَاحَ صَائِحْ [٢]
مَنْ كَانَ يرْمى بالنّواقر ... [٣] مِنْ زَمَانٍ غَيْرِ صَالِحْ
مَا إنْ تَزَالُ رِكَابُهُ ... يَرْسِمْنَ فِي غُبْرٍ صَحَاصِحْ [٤]
رَاحَتْ تَبَارَى وَهُوَ فِي ... رَكْبٍ صُدُورُهُمْ رَوَاشِحْ [٥]
حَتَّى تئوب لَهُ الْمَعَالِي ... لَيْسَ مِنْ فَوْزِ السَّفائِحْ [٦]
يَا حَمْزَ قَدْ أَوْحَدْتَنِي ... كَالْعُودِ شَذَّ بِهِ الكَوافِحْ [٧]
أَشْكُو إِلَيْك وفوقك ... التّرب الْمُكَوَّرُ وَالصَّفَائِحْ [٨]
مِنْ جندل نلقيه فَوْقك ... إذْ أَجَادَ الضَّرْحَ ضَارِحْ [٩]
فِي وَاسِعٍ يَحْشُونَهُ ... بِالتُّرْبِ سَوَّتْهُ الْمَمَاسِحْ [١٠]
فعزاؤنا أنّا نقُول ... وَقَوْلُنَا بَرْحٌ بَوَارِحْ [١١]
مَنْ كَانَ أَمْسَى وَهُوَ عَمَّا ... أَوْقَعَ الْحِدْثَانُ جَانِحْ [١٢]
----------------------------
[١] شم: أعزاء. وبطارقة: رُؤَسَاء. وغطارفة: سادة، والخضارمة: الَّذين يكثرون الْعَطاء.
والمسامح: الأجواد.
[٢] الجامزون: الواثبون. ولجم: جمع لجام، وَهُوَ بِضَم الْجِيم، وَسكن للشعر.
[٣] كَذَا فِي الْأُصُول. والنواقر: غوائل الدَّهْر، الَّتِي تنقر عَن الْإِنْسَان، أَي تبحث عَنهُ. ويروى البواقر «بِالْبَاء»، وَهِي الدَّوَاهِي.
[٤] الركاب: الْإِبِل. ويرسمن، من الرَّسْم، وَهُوَ ضرب من السّير. والصحاصح: جمح صحصح، وَهُوَ الأَرْض المستوية الملساء.
[٥] تباري: تتبارى أَي تتعارض. ورواشح: أَي أَنَّهَا ترشح بالعرق.
[٦] قَالَ أَبُو ذَر: «تئوب: ترجع. والسفائح، جمع سفيح، وَهُوَ من قداح الْمسير» لَا نصيب لَهُ.
أَو السفائح: جمع سفيحة، وَهِي كالجوالق وَنَحْوه. كَمَا فِي الرَّوْض الْأنف.
[٧] شذبه: أَزَال أغصانه وشوكه. والكوافح: الَّذين يتناولونه بِالْقطعِ.
[٨] المكور: الّذي بعضه فَوق بعض. والصفائح: الْحِجَارَة العريضة.
[٩] الضرح: الشق، ويعنى بِهِ شقّ الْقَبْر.
[١٠] يحشونه: يملئونه. والمماسح: مَا يمسح بِهِ التُّرَاب ويسوى.
[١١] البرح: الْأَمر الشاق.
[١٢] الجانح: المائل إِلَى جِهَة.
فليأتنا فلتبك عَيناهُ ... لِهَلْكَانَا النَّوَافِحْ [١]
الْقَائِلِينَ الْفَاعِلِينَ ... ذَوِي السَّمَاحَةِ وَالْمَمَادِحْ
مَنْ لَا يزَال ندي يَدَيْهِ ... لَهُ طَوَالَ الدَّهْرِ مَائِحْ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسَّانٍ، وَبَيْتُهُ:
«الْمُطْعِمُونَ إذَا الْمَشَاتِي
»، وَبَيْتُهُ: «
الْجَامِزُونَ بِلُجْمِهِمْ
»، وَبَيْتُهُ: «
مَنْ كَانَ يُرْمَى بِالنَّوَاقِرِ
» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ
: (شِعْرُ حَسَّانٍ، فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ)
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
أَتَعْرِفُ الدَّارَ عَفَا رَسْمُهَا ... بَعْدَكَ صَوْبُ الْمُسْبِلِ الْهَاطِلِ [٣]
بَيْنَ السَّرادِيحِ فأُدْمانَةٍ ... فَمَدْفَعُ الرَّوْحَاءِ فِي حَائِلِ [٤]
سَاءَلْتُهَا عَنْ ذَاكَ فَاسْتَعْجَمَتْ ... لَمْ تَدْرِ مَا مَرْجُوعَةُ السَّائِلِ؟ [٥]
دَعْ عَنْكَ دَارًا قَدْ عَفَا رَسْمُهَا ... وَابْكِ عَلَى حَمْزَةَ ذِي النَّائِلِ [٦]
الْمَالِئِ الشِّيزَى إذَا أَعْصَفَتْ ... غَبْرَاءُ فِي ذِي الشَّبِمِ الْمَاحِلِ [٧]
وَالتَّارِكِ الْقِرْنَ لَدَى لِبْدَةٍ ... يَعْثُرُ فِي ذِي الْخُرُصِ الذَّابِلِ [٨]
------------------------------
[١] النوافح: الَّذين كَانُوا ينفحون بِالْمَعْرُوفِ، ويوسعون بِهِ.
[٢] المائح: الّذي ينزل فِي الْبِئْر فَيمْلَأ الدَّلْو إِذا كَانَ مَاؤُهَا قَلِيلا، ويروى: الماتح «بِالتَّاءِ» أَي الّذي يجذب الدَّلْو عَلَيْهِ. فضربها مثلا للقاصدين لَهُ، الَّذين ينتجعون معروفه.
[٣] عَفا: درس وَتغَير. والرسم: الْأَثر. والصوب: الْمَطَر. والمسبل: الْمَطَر السَّائِل. والهاطل:
الْكثير السيلان.
[٤] سراديح: جمع سرداح، وَهُوَ الْوَادي، أَو الْمَكَان المتسع. وأدمانة: مَوضِع.
والمدفع: حَيْثُ ينْدَفع السَّيْل. والروحاء: من عمل الْفَرْع على نَحْو من أَرْبَعِينَ ميلًا. وَحَائِل: وَاد فِي جبلي طيِّئ.
[٥] استعجمت: أَي لم ترد جَوَابا. ومرجوعة السَّائِل: رَجَعَ الْجَواب.
[٦] النائل: الْعَطاء.
[٧] الشيزى: جفان من خشب. وأعصفت: اشتدت. والغبراء: الرّيح الَّتِي تثير الْغُبَار.
والشبم: المَاء الْبَارِد. وَيُرِيد بِذِي الشبم: زمن اشتداد الْبرد والقحط. والماحل: من الْمحل، وَهُوَ الجدب.
[٨] الْقرن: الْمنَازل فِي الْقِتَال. وَذُو الْخرص: الرمْح. والخرص: سنانه، وَجمعه: خرصان.
والذابل: الرَّقِيق.
وَاللَّابِسِ الْخَيْلِ إذْ أَجْحَمَتْ [١] ... كَاللَّيْثِ فِي غَابَتِهِ الْبَاسِلِ
أَبْيَضُ فِي الذَّرْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... لَمْ يَمْرِ دُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ [٢]
مَالَ شَهِيدًا بَيْنَ أَسْيَافِكُمْ ... شلَّتْ يَدَا وَحْشِيِّ مِنْ قَاتِلٍ [٣]
أَيَّ امْرِئِ غَادَرَ فِي أَلَّةٍ ... مَطْرُورَةِ مَارِنَةِ الْعَامِلِ [٤]
أَظْلَمَتْ الْأَرْضُ لِفِقْدَانِهِ ... وَاسْوَدَّ نُورُ الْقَمَرِ النَّاصِلِ [٥]
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ فِي جَنَّةٍ ... عَالِيَةٍ مُكْرَمَةَ الدَّاخِلِ
كُنَّا نَرَى حَمْزَةَ حِرْزًا لَنَا ... فِي كُلِّ أَمْرٍ نَابَنَا نَازِلِ
وَكَانَ فِي الْإِسْلَامِ ذَا تُدْرَأٍ ... يَكْفِيكَ فَقْدَ الْقَاعِدِ الْخَاذِلِ [٦]
لَا تَفْرَحِي يَا هِنْدُ وَاسْتَحْلِبِي ... دَمْعًا وَأَذْرِي عَبْرَةَ الثَّاكِلِ
وَابْكِي عَلَى عُتْبَةَ إذْ قَطَّهُ ... بِالسَّيْفِ تَحْتَ الرَّهْجِ الْجَائِلِ [٧]
إذَا خُرَّ فِي مَشْيَخَةٍ مِنْكُمْ ... مِنْ كُلِّ عَاتٍ قَلْتُهُ جَاهِلِ [٨]
أَرْدَاهُمْ حَمْزَةُ فِي أُسْرَةٍ ... يَمْشُونَ تَحْتَ الْحَلَقِ الْفَاضِلِ [٩]
غَدَاةَ جِبْرِيلَ وَزِيرٌ لَهُ ... نِعْمَ وَزِيرُ الْفَارِسِ الْحَامِلِ
(شِعْرُ كَعْبٍ، فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ):
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
----------------------------
[١] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. وَفِي الْأُصُول: أحجمت «بِتَقْدِيم الْحَاء» وهما بِمَعْنى.
[٢] لم يمر: من المراء، وَهُوَ الجدل.
[٣] حذف التَّنْوِين من وَحشِي للضَّرُورَة. لِأَنَّهُ علم، وَالْعلم قد يتْرك صرفه كثيرا.
[٤] غادر: ترك. والألة. الحربة لَهَا سِنَان طَوِيل. والمطرورة: المحددة. ومارنة: أَي لينَة.
وَالْعَامِل: أَعلَى الرمْح.
[٥] الناصل: الْخَارِج من السَّحَاب، وَيُقَال نصل الْقَمَر من السَّحَاب: إِذا خرج مِنْهُ.
[٦] ذَا تدرإ: أَي ذَا مدافعة.
[٧] قطه: قطعه. والرهج: الْغُبَار. والجائل: المتحرك ذَاهِبًا رَاجعا. وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي أبالحاء الْمُهْملَة.
[٨] خر: سقط.
[٩] أرداهم: أهلكهم. وأسرة: أَي قرَابَة. وَالْحلق: الدروع. والفاضل: الّذي يفضل مِنْهُ وينجر على الأَرْض.
طَرَقَتْ هُمُومُكَ فَالرُّقَادُ مَسَهَّدُ ... وَجَزِعَتْ أَنْ سُلِخَ الشَّبَابُ الْأَغْيَدُ [١]
وَدَعَتْ فُؤَادَكَ لِلْهَوَى ضَمْريَّةٌ ... فَهَوَاكَ غَوْرِيٌّ وَصَحْوكَ مُنْجِدُ [٢]
فَدَعْ التَّمَادِيَ فِي الْغَوَايَةِ سَادِرًا ... قَدْ كُنْتَ فِي طَلَبِ الْغَوَايَةِ تُفْنَدُ [٣]
وَلَقَدْ أَنَّى لَكَ أَنْ تَنَاهَى طَائِعًا ... أَوْ تَسْتَفِيقَ إذَا نَهَاكَ الْمُرْشِدُ [٤]
وَلَقَدْ هُدِدْتُ لِفَقْدِ حَمْزَةَ هَدَّةً ... ظَلَّتْ بَنَاتُ الْجَوْفِ مِنْهَا تَرْعَدُ [٥]
وَلَوْ أَنَّهُ فُجِعَتْ حِرَاءُ بِمِثْلِهِ ... لَرَأَيْتُ رَاسِيَ صَخْرِهَا يَتَبَدَّدُ [٦]
قَرْمٌ تَمَكَّنَ فِي ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ ... حَيْثُ النّبوّة والنّدى والسّؤدد [٧]
وَالْعَاقِرُ الْكُومَ الْجِلَادَ إذَا غَدَتْ ... رِيحٌ يَكَادُ الْمَاءُ مِنْهَا يَجْمُدُ [٨]
وَالتَّارِكُ الْقِرْنَ الْكَمِيَّ مُجَدَّلًا ... يَوْمَ الْكَرِيهَةِ وَالْقَنَا يَتَقَصَّدُ [٩]
وَتَرَاهُ يَرْفُلُ فِي الْحَدِيدِ كَأَنَّهُ ... ذُو لِبْدَةٍ شَثْنُ الْبَرَاثِنِ أَرْبَدُ [١٠]
عَمُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَصَفِيُّهُ ... وَرَدَ الْحِمَامَ فَطَابَ ذَاكَ الْمَوْرِدُ
وَأَتَى الْمَنِيَّةَ مُعْلِمًا فِي أُسْرَةٍ ... نَصَرُوا النَّبِيَّ وَمِنْهُمْ الْمُسْتَشْهَدُ [١١]
---------------------------
[١] مسهد: قَلِيل النّوم. وَأَرَادَ: فالرقاد رقاد مسهد، فَحذف الْمُضَاف وَأقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه.
وَيجوز أَن يكون وصف الرقاد بِأَنَّهُ مسهد من الْمجَاز. وسلخ: أزيل (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) . والأغيد:
الناعم.
[٢] ضمرية: نِسْبَة إِلَى ضَمرَة، وَهِي قَبيلَة. وغورى: نِسْبَة إِلَى الْغَوْر، وَهُوَ المنخفض من الأَرْض وَفِي رِوَايَة: «وصحبك» بدل «وصحوك» .
[٣] تفند: تلام وَتكذب.
[٤] أَنى: حَان.
[٥] بَنَات الْجوف: يعْنى قلبه وَمَا اتَّصل بِهِ من كبده وأمعائه، وسماها بَنَات الْجوف، لِأَن الْجوف يشْتَمل عَلَيْهَا.
[٦] حراء: جبل، وأنثه هُنَا حملا على الْبقْعَة. والراسى: الثَّابِت.
[٧] القرم: السَّيِّد الشريف. وذؤابة هَاشم: أعاليها.
[٨] الكوم: جمع كوماء، وَهِي الْعَظِيمَة السنام من الْإِبِل. والجلاد: القوية.
[٩] الكمي: الشجاع. ومجدلا: مطروحا على الجدالة، وَهِي الأَرْض. ويتقصد: ينكسر.
[١٠] ذُو لبدة: يعْنى أسدا. واللبدة: الشّعْر الّذي على كَتِفي الْأسد. وشثن: غليظ. والبراثن للسباع:
بِمَنْزِلَة الْأَصَابِع للنَّاس. والأربد: الأغبر يخالطه سَواد.
[١١] معلما: مشهرا نَفسه بعلامة يعرف بهَا فِي الْحَرْب. والأسرة: الرَّهْط.
وَلَقَدْ إخَالُ بِذَاكَ هِنْدًا بُشِّرَتْ ... لَتُمِيتُ دَاخِلَ غُصَّةٍ لَا تَبْرُدُ [١]
مِمَّا صَبَّحْنَا بالعَقَنْقَلِ قَوْمَهَا ... يَوْمًا تَغَيَّبْ فِيهِ عَنْهَا الْأَسْعَدُ [٢]
وَبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ ... جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ
حَتَّى رَأَيْتُ لَدَى النَّبِيِّ سَرَاتَهُمْ ... قِسْمَيْنِ: يَقْتُلُ مَنْ نَشَاءُ وَيَطْرُدُ [٣]
فَأَقَامَ بِالْعَطَنِ الْمُعَطَّنِ مِنْهُمْ ... سَبْعُونَ: عُتْبَةُ مِنْهُمْ وَالْأَسْوَدُ [٤]
وَابْنُ الْمُغِيرَةِ قَدْ ضَرَبْنَا ضَرْبَةً ... فَوْقَ الْوَرِيدِ لَهَا رَشَّاشٌ مُزْبِدُ [٥]
وَأُمَيَّةُ الْجُمَحِيُّ قَوَّمَ مَيْلَهُ ... عَضْبٌ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ مُهَنَّدُ
فَأَتَاكَ فَلُّ الْمُشْرِكِينَ كَأَنَّهُمْ ... وَالْخَيْلُ تَثْفِنُهُمْ نَعَامٌ شُرَّدُ [٦]
شَتَّانَ مَنْ هُوَ فِي جَهَنَّمَ ثَاوِيًا ... أَبَدًا وَمَنْ هُوَ فِي الْجِنَانِ مُخَلَّدُ
وَقَالَ كَعْبٌ أَيْضًا يَبْكِي حَمْزَةَ:
صَفِيَّةَ قُومِي وَلَا تَعْجِزِي ... وَبَكِّي النِّسَاءَ عَلَى حَمْزَةِ
وَلَا تَسْأَمِي أَنْ تُطِيلِي اُلْبُكَا ... عَلَى أَسَدِ اللَّهِ فِي الْهِزَّةِ [٧]
فَقَدْ كَانَ عِزًّا لِأَيْتَامِنَا ... وَلَيْثَ الْمَلَاحِمِ فِي الْبِزَّةِ [٨]
يُرِيدُ بِذَاكَ رِضَا أَحْمَدٍ ... وَرِضْوَانَ ذِي الْعَرْشِ وَالْعِزَّةِ
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي أُحُدٍ):
وَقَالَ كَعْبٌ أَيْضًا فِي أُحُدٍ:
إنَّكِ عمر أَبِيك الْكَرِيم ... أَنْ تَسْأَلِي عَنْكِ مَنْ يَجْتَدينا [٩]
-------------------------
[١] إخال: أَظن (وَكسر الْهمزَة لُغَة تَمِيم) . والغصة: مَا يعْتَرض فِي الْحلق فيشرق.
[٢] الْعَقَنْقَل: الْكَثِيب من الرمل.
[٣] سراتهم: خيارهم.
[٤] العطن: مبرك الْإِبِل حول المَاء. والمعطن: الّذي قد عود أَن يتَّخذ عطنا.
[٥] الوريد: عرق فِي صفحة الْعُنُق. والرشاش المزبد: الدَّم تعلوه رغوة.
[٦] الفل: الْقَوْم المنهزمون. وتثفنهم: تطردهم وتتبع آثَارهم.
[٧] الهزة: الاهتزاز والاختلاط فِي الْحَرْب.
[٨] الْمَلَاحِم: جمع ملحمة، وَهِي الْحَرْب الَّتِي يكثر الْقَتْل فِيهَا. البزة: السِّلَاح.
[٩] عمر أَبِيك. يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، وَإِن أدخلت عَلَيْهِ اللَّام فَقيل: لعمر أَبِيك لم يجز فِيهِ إِلَّا الرّفْع. ويجتدينا: يطْلب معونتنا.
فَإِنْ تَسْأَلِي ثَمَّ لَا تُكْذَبِي ... يُخْبِرُكَ مَنْ قَدْ سَأَلْتِ الْيَقِينَا
بِأَنَّا ليَالِي ذَات الْعِظَام ... كُنَّا ثِمَالًا لِمَنْ يَعْتَرِينَا [١]
تَلُوذُ الْبُجُودُ [٢] بِأَذْرَائِنَا ... مِنْ الضُّرِّ فِي أَزَمَاتِ السِّنِينَا [٣]
بِجَدْوَى فُضُولٍ أُولِي وُجْدِنَا ... وَبِالصَّبْرِ وَالْبَذْلِ فِي الْمُعْدِمِينَا [٤]
وَأَبْقَتْ لنا جلمات الحروب ... مِمَّنْ نُوَازِي لَدُنْ أَنْ بُرِينَا [٥]
مَعَاطِنَ تهوى إِلَيْهَا الْحُقُوق ... يَحْسِبُهَا مَنْ رَآهَا الْفَتِينَا [٦]
تُخَيِّسُ فِيهَا عتاق الْجمال ... صُحْمًّا دَوَاجِنُ حُمْرًا وُجُونَا [٧]
وَدُفَّاعُ رَجْلٍ كَمَوْجِ الْفُرَا ... تِ يَقْدُمُ جَأْوَاء جُولَا طَحُونَا [٨]
تَرَى لَوْنَهَا مثل لون النّجوم ... رَجْرَاجَةً تُبْرِقُ النَّاظِرِينَا [٩]
فَإِنْ كُنْتَ عَنْ شَأْنِنَا جَاهِلًا ... فَسَلْ عَنْهُ ذَا الْعِلْمِ مِمَّنْ يَلِينَا
----------------------------
[١] ليَالِي ذَات الْعِظَام: ليَالِي الْجُوع الَّتِي تجمع فِيهَا الْعِظَام فتطبخ، فيستخرج ودكّها، فيؤتدم بِهِ، وَذَلِكَ الودك يُسمى الصَّلِيب، قَالَ الشَّاعِر:
وَبَات شيخ الْعِيَال يصطلب.
والثمال: الغياث. ويعترينا: يزورنا.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والبجود: جماعات النَّاس، الْوَاحِد: بجد. وَفِي (أ) وديوان كَعْب المخطوط: «النجُود» بِفَتْح النُّون، وَهِي الْمَرْأَة المكروبة.
[٣] والأذراء: الأكناف، الْوَاحِد: ذراى. والأزمات: الشدائد.
[٤] الجدوى: الْعَطِيَّة. والوجد (بِضَم الْوَاو): سَعَة المَال.
[٥] جلمات الحروب: من الجلم، وَهُوَ الْقطع، ويروى: جِلْبَاب (بِالْبَاء) . ونوازى: نساوى.
وبرينا: خلقنَا. وَأَصله الْهَمْز، فسهل.
[٦] المعاطن: مَوَاضِع الْإِبِل حول المَاء. وَأَرَادَ بهَا هُنَا الْإِبِل بِعَينهَا. والفتين: الْحرار، وَهِي الْأَرَاضِي فِيهَا حِجَارَة سود، سميت بذلك لِأَنَّهَا تشبه مَا فتن بالنَّار، أَي أحرق.
[٧] تخيس: تذلل. والصحم: السود، ويروى: (طمحا) بِالطَّاءِ، والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ. والطحم:
الْكَثِيرَة بِهِ كَمَا يرْوى: طخما (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة)، وَهِي الَّتِي بهَا سَواد. والدواجن. المقيمة، والجون:
السود، وَقد تكون الْبيض أَيْضا، وَهِي من الأضداد.
[٨] الدفاع: مَا ينْدَفع من السَّيْل، شبه كَثْرَة الرجل بِهِ. وَالرجل: الرجالة. والفرات: اسْم نهر.
وجأواء: كَتِيبَة لَوْنهَا السوَاد والحمرة من كَثْرَة السِّلَاح. والجول: الكتيبة الضخمة، ويروى: جونا أَي سَوْدَاء. والطحون: الَّتِي تهْلك مَا مرت بِهِ.
[٩] الرجراجة: الَّتِي يموج بَعْضهَا فِي بعض. وتبرق: تحير وتبهت.
بِنَا كَيْفَ نَفْعَلُ إنْ قَلَّصَتْ ... عَوَانًا ضَرُوسًا عَضُوضًا حَجُونَا [١]
أَلَسْنَا نَشُدُّ عَلَيْهَا الْعِصَا ... بَ حَتَّى تَدُرَّ وَحَتَّى تَلِينَا [٢]
وَيَوْمٌ لَهُ وَهَجٌ دَائِمٌ ... شَدِيدُ التَّهاوُلِ حَامِي الأرِينا [٣]
طَوِيلٌ شَدِيد أوار الْقِتَال ... تَنْفِي قَواحِزُهُ الْمُقْرِفِينَا [٤]
تَخَالُ الْكُمَاةَ بِأَعْرَاضِهِ ... ثِمَالًا عَلَى لَذَّةٍ مُنزفِينا [٥]
تَعاوَرُ أَيْمَانهم بَينهم ... كئوس الْمَنَايَا بِحَدِّ الظُّبِينَا [٦]
شَهِدْنَا ككُنَّا أُولِي بَأْسِهِ ... وَتَحْتَ العَمَايَةِ وَالْمُعْلِمِينَا [٧]
بِخُرْسِ الْحَسِيسِ حِسَانٍ رِوَاءٍ ... وَبُصْرِيَّةٍ قَدْ أُجِمْنَ الجُفونا [٨]
فَمَا يَنْفَلِلْنَ وَمَا يَنْحَنِينَ ... وَمَا يَنْتَهِينَ إذَا مَا نُهِينَا
كَبَرْقِ الْخَرِيفِ بِأَيْدِي الْكُمَاةِ ... يُفَجِّعْنَ بِالظِّلِّ هَامًا سُكُونَا [٩]
وَعَلَّمْنَا الضَّرْبَ آبَاؤُنَا ... وَسَوْفَ نُعَلِّمُ أَيْضًا بَنِينَا
جِلَادَ الكماة، وبذل التّلاد ...، عَنْ جُلِّ أَحْسَابِنَا مَا بَقِينَا [١٠]
--------------------------
[١] قلصت: ارْتَفَعت وانقبضت، والتقليص: كِنَايَة عَن الشدّة فِي الْحَرْب. والعوان: الْحَرْب الَّتِي قوتل فِيهَا مرّة بعد مرّة. والضروس: الشَّدِيدَة. والعضوض: الْكَثِيرَة العض. والحجون: المعوجة الْأَسْنَان.
[٢] العصاب: مَا يعصب الضَّرع.
[٣] الوهج: الْحَرْب ويروى: الرهج، وَهُوَ الْغُبَار. والتهاول: الهول والشدة. والأرين: جمع إرة، وَهِي مستوقد النَّار. وَقد جمع كجمع الْمُذكر السَّالِم، لِأَنَّهُ مؤنث مَحْذُوف اللَّام.
[٤] الأوار: الْحر، والقواحز: من القحز، وَهُوَ القلق وَعدم التثبت. والمقرفون: اللئام.
[٥] الكماة: الشجعان. وبأعراضه، أَي بنواحيه. وثمالا سكارى، ويروى: ثمالي. ومنزفينا: قد ذهبت الْخمر بعقولهم. ويروى: مترفينا. والمترفون، جمع مترف، المسرف فِي التنعم.
[٦] تعاور: تداول. والظبين: جمع ظبة، وَهِي حد السَّيْف.
[٧] العماية: السحابة، والمعلمون: من يعلمُونَ أنفسهم بعلامة فِي الْحَرْب يعْرفُونَ بهَا.
[٨] الخرس: الَّتِي لَا صَوت لَهَا، ويعنى بهَا السيوف، أَي ورواء، أَي ممتلئة من الدَّم وبصرية:
سيوف منسوبة إِلَى بصرى، وَهِي مَدِينَة بِالشَّام. وأجمن: مللن وكرهن. والجفون: الأغماد.
[٩] الكماة: الشجعان. وبالظل: أَي ظلال السيوف. ويروى: «بالطل» بِالطَّاءِ الْمُهْملَة.
يُرِيد مَا طل من دمهم وَلم يُؤْخَذ لَهُ بثأر. والهام: جمع هَامة، وَهِي الرَّأْس. والسكون: الْمُقِيم الثَّابِت.
[١٠] الجلاد: الْمُضَاربَة بِالسُّيُوفِ. والتلاد: المَال الْقَدِيم. وَجل الشَّيْء: معظمه.
إذَا مَرَّ قَرْنٌ كَفَى نَسْلُهُ ... وَأَوْرَثَهُ بَعْدَهُ آخَرِينَا [١]
نَشِبُّ وَتَهْلِكُ آبَاؤُنَا ... وَبَيْنَا نُرَبِّي بَنِينَا فَنِينَا
سَأَلْتُ بِكَ ابْنَ الزِّبَعْرَى فَلَمْ ... أُنَبَّأْكَ فِي الْقَوْمِ إلَّا هَجِينَا
خَبِيثًا تُطِيفُ بِكَ الْمُنْدِيَاتُ ... مُقِيمًا عَلَى اللُّؤْمِ حِينًا فَحِينَا [٢]
تَبَجَّسْتُ تهجو رَسُول المليك ... قَاتَلَكَ اللَّهُ جِلْفًا لَعِينَا [٣]
تَقُولُ الْخَنَا ثُمَّ تَرْمِي بِهِ ... نَقِيَّ الثِّيَابِ تَقِيًّا أَمِينَا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ: «بِنَا كَيْفَ نَفْعَلُ»، وَالْبَيْتَ الَّذِي يَلِيهِ، وَالْبَيْتَ الثَّالِثَ مِنْهُ، وَصَدْرَ الرَّابِعِ مِنْهُ، وَقَوْلَهُ «
نَشِبُّ وَتَهْلِكُ آبَاؤُنَا
» وَالْبَيْتَ الَّذِي يَلِيهِ.
وَالْبَيْتَ الثَّالِثَ مِنْهُ، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا، فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
سَائِلْ قُرَيْشًا غَدَاةَ السَّفْحِ مِنْ أُحُدٍ ... مَاذَا لَقِينَا وَمَا لَاقَوْا مِنْ الْهَرَبِ [٥]
كُنَّا الْأُسُودَ وَكَانُوا النُّمْرَ إذْ زَحَفُوا ... مَا إنْ نُرَاقِبُ مِنْ آلٍ وَلَا نَسَبِ [٦]
فَكَمْ تَرَكْنَا بِهَا مِنْ سَيِّدٍ بَطَلٍ ... حَامِي الذِّمَارَ كَرِيمِ الْجَدِّ وَالْحَسَبِ [٧]
فِينَا الرَّسُولُ شِهَابٌ ثُمَّ يَتْبَعُهُ ... نُورٌ مُضِىءٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الشُّهُبِ
الْحَقُّ مَنْطِقُهُ وَالْعَدْلُ سِيرَتُهُ ... فَمَنْ يُجِبْهُ إلَيْهِ يَنْجُ مِنْ تَبَبِ [٨]
نَجْدُ الْمُقَدَّمِ، مَاضِي الْهَمِّ، مُعْتَزِمٌ ... حِينَ الْقُلُوبِ عَلَى رَجْفٍ مِنْ الرُّعُبِ [٩]
------------------------------
[١] الْقرن (بِفَتْح الْقَاف): الْأمة من النَّاس. (وبكسر الْقَاف): الّذي يُقَاوم فِي شدَّة أَو قتال أَو علم
[٢] المنديات: المخزيات يندى مِنْهَا الجبين والأمور الشنيعة.
[٣] تبجست: نطقت وَأَكْثَرت، كَمَا يتبجس المَاء، إِذا تفجر وسال. ويروى: تنجست (بالنُّون) أَي دخلت فِي أهل النَّجس والخبث. والجلف: الجافي.
[٤] الْخَنَا: الْكَلَام الّذي فِيهِ فحش.
[٥] السفح: جَانب الْجَبَل مِمَّا يَلِي أَصله.
[٦] النمر: جمع نمر، وَهُوَ مَعْرُوف.
[٧] حامي الذمار. أَي يحمى مَا تجب حمايته.
[٨] التبب: الخسران.
[٩] الرجف: التحرك. والرعب: الْفَزع.
١١- سيرة ابْن هِشَام- ٢
يَمْضِي ويَذْمُرنا عَنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ... كَأَنَّهُ الْبَدْرُ لَمْ يُطْبَعْ عَلَى الْكَذِبِ [١]
بَدَا لَنَا فَاتَّبَعْنَاهُ نُصَدِّقُهُ ... وَكَذَّبُوهُ فَكُنَّا أَسْعَدَ الْعَرَبِ
جَالُوا وَجُلْنَا فَمَا فَاءُوا وَمَا رَجَعُوا ... وَنَحْنُ نَثْفِنَّهُمْ لَمْ نَأْلُ فِي الطَّلَبِ [٢]
لَيْسَا سَوَاءً وَشَتَّى بَيْنَ أَمْرِهِمَا ... حِزْبُ الْإِلَهِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ وَالنُّصُبِ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي مِنْ قَوْلِهِ: «يَمْضِي ويَذْمُرنا» إلَى آخِرِهَا، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ.
(شِعْرُ ابْنِ رَوَاحَةَ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا ... وَمَا يُغِني الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
عَلَى أَسَدِ الْإِلَهِ غَدَاةَ قَالُوا ... أَحَمْزَةُ ذَاكُمْ الرَّجُلُ الْقَتِيلُ
أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ جَمِيعًا ... هُنَاكَ وَقَدْ أُصِيبَ بِهِ الرَّسُولُ
أَبَا يَعْلِي لَكَ الْأَرْكَانُ هُدَّتْ ... وَأَنْتَ الْمَاجِدُ الْبَرُّ الْوَصُولُ [٤]
عَلَيْكَ سَلَامُ رَبِّكَ فِي جِنَانٍ ... مُخَالِطُهَا نَعِيمٌ لَا يَزُولُ
أَلَا يَا هَاشِمَ الْأَخْيَارِ صَبْرًا ... فَكُلُّ فِعَالِكُمْ حَسَنٌ جَمِيلُ
رَسُولُ اللَّهِ مُصْطَبِرٌ كَرِيمٌ ... بِأَمْرِ اللَّهِ يَنْطِقُ إذْ يَقُولُ
أَلَا مِنْ مُبْلِغٍ عَنِّي لُؤَيًّا ... فَبَعْدَ الْيَوْمِ دَائِلَةٌ تَدُولُ [٥]
وَقَبْلَ الْيَوْمِ مَا عَرَفُوا وَذَاقُوا ... وَقَائِعَنَا بِهَا يُشْفَى الْغَلِيلُ [٦]
نَسِيتُمْ ضَرْبنَا بِقَلِيبِ بَدْرٍ ... غَدَاةَ أَتَاكُمْ الْمَوْتُ الْعَجِيلُ
-------------------------
[١] لم يطبع: لم يخلق.
[٢] جالوا: تحركوا. وفاءوا: رجعُوا. ونثفنهم: نتبعهم. وَلم نأل: لم نقصر.
[٣] النصب: حِجَارَة كَانُوا يذبحون لَهَا ويعظمونها.
[٤] أَبُو يعلى: كنية حَمْزَة رضي الله عنه. والماجد: الشريف.
[٥] الدائلة: الْحَرْب.
[٦] الغليل: حرارة الْعَطش والحزن.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
06-20-2026, 04:31 AM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (91)
صــ 163إلى صــ 172
غَدَاةً ثَوَى أَبُو جَهْلٍ صَرِيعًا ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ حَائِمَةٌ تَجُولُ [١]
وَعُتْبَةُ وَابْنُهُ خَرَّا جَمِيعًا ... وَشَيْبَةُ عَضَّهُ السَّيْفُ الصَّقِيلُ [٢]
وَمَتْرَكُنَا أُمَيَّةَ مُجْلَعِبًّا ... وَفِي حَيْزُومِهِ لَدْنٌ نَبِيلُ [٣]
وَهَامَ بَنِي رَبِيعَةَ. سَائِلُوهَا ... فَفِي أَسْيَافِنَا مِنْهَا فُلُولُ
أَلَا يَا هِنْدُ فَابْكِي لَا تَمَلِّي ... فَأَنْتِ الْوَالِهُ العَبْرَى الْهَبُولُ [٤]
أَلَا يَا هِنْدُ لَا تُبْدِي شِمَاتًا ... بِحَمْزَةِ إنَّ عِزَّكُمْ ذَلِيلُ
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
أَبْلِغْ قُرَيْشًا عَلَى نَأْيِهَا ... أَتُفْخَرُ مِنَّا بِمَا لَمْ تَلِي [٥]
فَخَرْتُمْ بِقَتْلَى أَصَابَتْهُمْ ... فَوَاضِلُ مِنْ نعم الْمفضل
فحلّوا جِنَانًا وَأَبْقَوْا لَكُمْ ... أُسُودًا تُحَامِي عَنْ الْأَشْبُلِ [٦]
تُقَاتِلُ عَنْ دِينِهَا، وَسْطَهَا ... نَبِيٌّ عَنْ الْحَقِّ لَمْ يَنْكُلْ [٧]
رَمَتْهُ مَعَدٌّ بِعُورِ الْكَلَامِ ... وَنَبْلِ الْعَدَاوَةِ لَا تَأْتَلِي [٨]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ: «لَمْ تَلِي»، وَقَوْلَهُ: «مِنْ نعم الْمفضل» أَبُو زَيْدٌ الْأَنْصَارِيُّ.
(شِعْرُ ضِرَارٍ فِي أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
------------------------------
[١] حائمة: مستديرة، يُقَال: حام الطَّائِر حول المَاء.، إِذا اسْتَدَارَ حوله. وتجول: تَجِيء وَتذهب.
[٢] خرا: سقطا.
[٣] مجلعبا: ممتدا مَعَ الأَرْض. والحيزوم: أَسْفَل الصَّدْر. واللدن الرمْح اللين. والنبيل: الْعَظِيم.
[٤] الواله: الفاقدة. والعبري: الْكَثِيرَة الدمع. والهبول: الفاقدة (أَيْضا) .
[٥] النأى: الْبعد.
[٦] تحامى: تمنع. والأشبل: جمع شبْل، وَهُوَ ولد الْأسد.
[٧] لم ينكل: لم ينقص.
[٨] عور الْكَلَام: قبيحه والفاحش مِنْهُ. وَاحِدَة: عوراء. وَلَا تأتلى: لَا تقصر.
مَا بَالُ عَيْنُكَ قَدْ أَزْرَى بِهَا السُّهْدُ ... كَأَنَّمَا جَالَ فِي أَجْفَانِهَا الرَّمَدُ [١]
أَمِنْ فِرَاقِ حَبِيبٍ كُنْتَ تَأْلَفَهُ ... قَدْ حَالَ مِنْ دُونِهِ الْأَعْدَاءُ وَالْبُعْدُ
أَمْ ذَاكَ مِنْ شغب قوم لاجداء بِهِمْ ... إذْ الْحُرُوبُ تَلَظَّتْ نَارُهَا تَقِدُ [٢]
مَا يَنْتَهُونَ عَنْ الْغَيِّ الَّذِي رَكِبُوا ... وَمَا لَهُمْ مِنْ لُؤَيٍّ وَيْحهمْ عَضُدُ
وَقَدْ نَشَدْنَاهُمْ باللَّه قَاطِبَةً ... فَمَا تَرُدُّهُمْ الْأَرْحَامُ وَالنِّشَدُ [٣]
حَتَّى إذَا مَا أَبَوْا إلَّا مُحَارَبَةً ... وَاسْتَحْصَدَتْ بَيْنَنَا الْأَضْغَانُ وَالْحِقَدُ [٤]
سِرْنَا إلَيْهِمْ بِجَيْشٍ فِي جَوَانِبِهِ ... قَوَانِسُ الْبَيْضِ وَالْمَحْبُوكَةُ السُّرُدُ [٥]
وَالْجُرْدُ تَرْفُلُ بِالْأَبْطَالِ شَازِبَةً ... كَأَنَّهَا حِدَأٌ فِي سَيْرِهَا تُؤَدُ [٦]
جَيْشٌ يَقُودُهُمْ صَخْرٌ وَيَرْأَسُهُمْ ... كَأَنَّهُ لَيْثُ غَابٍ هَاصِرٌ حَرِدُ [٧]
فَأَبْرَزَ الْحَيْنَ قَوْمًا مِنْ مَنَازِلِهِمْ ... فَكَانَ مِنَّا وَمِنْهُمْ مُلْتَقًى أُحُدُ
فَغُودِرَتْ مِنْهُمْ قَتْلَى مُجَدَّلَةٌ ... كَالْمَعْزِ أَصْرَدَهُ بالصَّرْدحِ الْبَرَدُ [٨]
قَتْلَى كِرَامٌ بَنُو النَّجَّارِ وَسْطَهُمْ ... وَمُصْعَبٌ مِنْ قَنَانَا حَوْلَهُ قِصَدُ [٩]
وَحَمْزَةُ الْقَرْمُ مَصْرُوعٌ تُطِيفُ بِهِ ... ثَكْلَى وَقَدْ حُزَّ مِنْهُ الْأَنْفُ وَالْكَبِدُ [١٠]
--------------------------
[١] أزرى: قصر، يُقَال أزريت بِالرجلِ، إِذا قصرت بِهِ، وزريت على الرجل، إِذا عبت عَلَيْهِ فعله، والسهد: عدم النّوم. والرمد: وجع الْعين.
[٢] لَا جداء: لَا مَنْفَعَة وَلَا قُوَّة. وتلظت: التهبت.
[٣] قاطبة: جَمِيعًا. والنشد: جمع نشدة، وَهِي الْيَمين.
[٤] استحصدت: تقوت واستحكمت، مَأْخُوذ من قَوْلك: حَبل محصد، إِذا كَانَ شَدِيد الفتل محكمه، والحقد: أَصله بِسُكُون الْقَاف، وحركه بِالْكَسْرِ للضَّرُورَة.
[٥] القوانس: أعالى بيض السِّلَاح. والمحبوكة: الشَّدِيدَة. والسرد: المنسوجة. يُرِيد: الأدرع.
[٦] الجرد: الْخَيل الْعتاق. وشازبة: ضامرة شَدِيدَة اللَّحْم. والحدأ: جمع حدأة. وتؤد: ترفق وتمهل.
[٧] صَخْر: اسْم أَبى سُفْيَان. وَغَابَ: جمع غابة وَهِي مَوضِع الْأسد. وهاصر: كاسر، أَي يكسر فريسته إِذا أَخذهَا. وحرد: غاضب.
[٨] مجدلة: صرعى على الأَرْض. وَاسم الأَرْض الجدالة. وأصرده: بَالغ فِي برده. والصرد:
الْبرد. والصردح: الْمَكَان الصلب الغليظ.
[٩] وَقصد: قطع متكسرة.
[١٠] القرم: السَّيِّد. وثكلى: حزينة فاقدة. وحز: قطع (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) .
كَأَنَّهُ حِينَ يَكْبُو فِي جَدِيَّتِهِ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَفِيهِ ثَعْلَبٌ جَسَدُ [١]
حُوَارُ نَابٍ وَقَدْ وَلَّى صَحَابَتُهُ ... كَمَا تَوَلَّى النَّعَامُ الْهَارِبُ الشُّرُدُ [٢]
مُجَلِّحِينَ وَلَا يَلُوونَ قَدْ مُلِئُوا ... رُعْبًا، فَنَجَّتْهُمْ الْعَوْصَاءُ وَالْكُؤُدُ [٣]
تَبْكِي عَلَيْهِمْ نِسَاءٌ لَا بُعُولَ لَهَا ... مِنْ كُلِّ سَالِبَةٍ أَثْوَابُهَا قِدَدُ [٤]
وَقَدْ تَرَكْنَاهُمْ لِلطَّيْرِ مَلْحَمَةً ... وَلِلضِّبَاعِ إلَى أَجْسَادِهِمْ تَفِدُ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِضِرَارِ:
(رَجَزُ أَبِي زَعْنَةَ يَوْمَ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو زَعْنَةَ [٦] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ، أَخُو بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَوْمَ أُحُدٍ:
أَنَا أَبُو زَعْنَةَ يَعْدُو بِي الهُزَمْ ... لَمْ تُمْنَعْ الْمَخْزَاةُ إلَّا بِالْأَلَمْ [٧]
يَحْمِي الذِّمَارَ خَزْرَجِيٌّ مِنْ جُشَمْ [٨]
(رَجَزٌ يُنْسَبُ لِعَلِيِّ فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ غَيْرَ عَلِيٍّ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يعرفهَا لعلّى:
-------------------------
[١] يكبو: يسْقط. والجدية: طَريقَة الدَّم. والعجاج: الْغُبَار. والثعلب (هُنَا): مَا دخل من الرمْح فِي السنان. وجسد: قد يبس عَلَيْهِ الدَّم.
[٢] الحوار: ولد النَّاقة. والناب: المسنة من الْإِبِل. والشرد: النافرة.
[٣] مجلحين: مصممين لَا يردهم شَيْء. والعوصاء: عقبَة صعبة تعتاص على سالكها. والكؤد جمع كؤود وَهِي عقبَة صعبة المرتقى.
[٤] السالبة (هُنَا): الَّتِي لبست السلاب، وَهُوَ ثِيَاب الْحزن. وقدد: قطع، يعْنى أَنَّهَا مزقت ثِيَابهَا.
[٥] الملحمة: الْموضع الّذي تقع فِيهِ الْقَتْلَى فِي الْحَرْب. وتفد: تقدم وتزور.
[٦] قَالَ أَبُو ذَر: «كَذَا وَقع هُنَا بالنُّون، وزعبة، بالزاي وَالْعين الْمُهْملَة وَالْبَاء المنقوطة بِوَاحِدَة من أَسْفَلهَا، كَذَا قَيده الدَّار قطنى» .
[٧] يعدو: يسْرع. والهزم (بِضَم الْهَاء وَفتح الزاى): اسْم فرس، ويروى: الهزم (بِفَتْح الْهَاء وَكسر الزاى) وَهُوَ الْكثير الجرى.
[٨] الذمار: مَا يحب على الْمَرْء أَن يحميه.
لاهمّ إنَّ الْحَارِثَ بْنَ الصِّمَّهْ ... كَانَ وَفِيًّا وَبِنَا ذَا ذِمَّهْ [١]
أَقْبَلَ فِي مَهَامَهٍ مُهِمَّهْ ... كَلِيلَةٍ ظَلْمَاءَ مُدْلَهِمَّهْ [٢]
بَيْنَ سُيُوفٍ وَرِمَاحٍ جَمَّهْ ... يَبْغِي رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا ثَمَّهْ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلَهُ: «كَلِيلَةٍ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(رَجَزُ عِكْرِمَةَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
كُلُّهُمْ يَزْجُرُهُ أَرْحِبْ هَلَا ... وَلَنْ يَرَوْهُ الْيَوْمَ إلَّا مُقْبِلَا [٤]
يَحْمِلُ رُمْحًا وَرَئِيسًا جَحْفَلَا [٥]
(شِعْرُ الْأَعْشَى التَّمِيمِيِّ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَوْمَ أُحُدٍ):
وَقَالَ الْأَعْشَى بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ التَّمِيمِيُّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ أَحَدُ بَنِي أَسَدِ ابْن عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ- يَبْكِي قَتْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَوْمَ أُحُدٍ:
حُيِّيَ مِنْ حَيٍّ عَلَيَّ نَأْيُهُمْ ... بَنُو أَبِي طَلْحَةَ لَا تُصْرَفُ [٦]
يَمُرُّ سَاقِيهِمْ عَلَيْهِمْ بِهَا ... وَكُلُّ سَاقٍ لَهُمْ يَعْرِفُ
لَا جَارُهُمْ يَشْكُو وَلَا ضَيْفُهُمْ ... مِنْ دُونِهِ بَابٌ لَهُمْ يَصْرِفُ [٧]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى يَوْمَ أُحُدٍ:
قَتَلْنَا ابْنَ جَحْشٍ فَاغْتَبَطْنَا بِقَتْلِهِ ... وَحَمْزَةَ فِي فُرْسَانِهِ وَابْنَ قَوْقَلِ
وَأَفْلَتَنَا مِنْهُمْ رِجَالٌ فَأَسْرَعُوا ... فَلَيْتَهُمْ عَاجُوا وَلَمْ نَتَعَجَّلْ [٨]
أَقَامُوا لَنَا حَتَّى تَعَضُّ سُيُوفُنَا ... سَرَاتَهُمْ وَكُلُّنَا غَيْرُ عُزَّلِ [٩]
-----------------------------
[١] الذِّمَّة: الْعَهْد.
[٢] المهامة: جمع مهمه. وَهُوَ القفر. والمدلهمة: الشَّدِيدَة السوَاد.
[٣] جمة: كَثِيرَة.
[٤] أرحب هلا: كلمتان لزجر الْخَيل.
[٥] الجحفل: الْعَظِيم.
[٦] النأى: الْبعد. وَلَا تصرف: لَا ترد، وَيُرِيد التَّحِيَّة، وَدلّ على ذَلِك قَوْله «حَيّ» .
[٧] يصرف، يغلق فَيسمع لَهُ صَوت.
[٨] عاجوا: عطفوا وَأَقَامُوا.
[٩] سراتهم: خيارهم. الْعَزْل: الَّذين لَا سلَاح لَهُم. جمع أعزل.
وَحَتَّى يَكُونَ الْقَتْلُ فِينَا وَفِيهِمْ ... وَيَلْقَوْا صَبُوحًا شَرَّهُ غَيْرَ مُنْجَلِي [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلَهُ: «وَكُلُّنَا»، وَقَوْلَهُ: «وَيَلْقَوْا صَبُوحًا»: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
(شِعْرُ صَفِيَّةَ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَخَاهَا حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
أَسَائِلَةً أَصْحَابَ أُحْدٍ مَخَافَةً ... بَنَاتُ أَبِي مِنْ أَعْجَمٍ وَخَبِيرِ [٢]
فَقَالَ الْخَبِيرُ إنَّ حَمْزَةَ قَدْ ثَوَى ... وَزِيرُ رَسُولِ اللَّهِ خَيْرُ وَزِيرِ
دَعَاهُ إلَهُ الْحَقِّ ذُو الْعَرْشِ دَعْوَةً ... إلَى جَنَّةٍ يَحْيَا بِهَا وَسُرُورِ
فَذَلِكَ مَا كُنَّا نُرَجِّي وَنَرْتَجِي ... لِحَمْزَةِ يَوْمَ الْحَشْرِ خير مصير
فو الله لَا أَنْسَاكَ مَا هَبَّتْ الصِّبَا ... بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي [٣]
عَلَى أَسَدِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ مِدْرَهَا ... يَذُودُ عَنْ الْإِسْلَامِ كُلَّ كَفُورِ [٤]
فَيَا لَيْتَ شِلْوِي عِنْدَ ذَاكَ وَأَعْظُمِي ... لَدَى أضبع تعتادنى ونسوره [٥]
أَقُولُ وَقَدْ أَعْلَى النَّعِيَّ عَشِيرَتِي ... جَزَى اللَّهُ خَيْرًا من أَخ ونصير [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ قَوْلَهَا:
بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي
(شِعْرُ نُعَمَ فِي بُكَاءِ شَمَّاسٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ نُعَمُ، امْرَأَةُ شَمَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ، تَبْكِي شَمَّاسًا، وَأُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ:
----------------------------
[١] الصبوح: شرب الْغَدَاة. يعْنى أَنهم يسقونهم كأس الْمنية ومنجلى: منكشف. وَفِي رِوَايَة:
«صباحا» .
[٢] الْأَعْجَم: الّذي لَا يفصح.
[٣] الصِّبَا: ريح شرقية. ومسيري: أَي غيابى.
[٤] المدرة: الّذي يدْفع عَن الْقَوْم. ويذود: يمْنَع.
[٥] الشلو: الْبَقِيَّة. تعتادنى: تتعاهدنى.
[٦] النعي: يرْوى بِالرَّفْع على أَنه فَاعل، وَمَعْنَاهُ الّذي يأتى بِخَبَر الْمَيِّت، كَمَا يرْوى بِالنّصب على أَنه مفعول، وَمَعْنَاهُ النوح والبكاء بِصَوْت.
يَا عَيْنُ جُودِي بِفَيْضٍ غَيْرِ إبْسَاسِ [١] ... عَلَى كَرِيمٍ مِنْ الْفِتْيَانِ أبَّاسِ [٢]
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ مَيْمُونٍ نَقِيبَتُهُ ... حَمَّالِ أَلْوِيَةٍ رَكَّابِ أَفْرَاسِ [٣]
أَقُولُ لَمَا أَتَى النَّاعِي لَهُ جَزَعًا ... أَوْدَى الْجَوَادُ وَأَوْدَى الْمُطْعِمُ الْكَاسِي [٤]
وَقُلْتُ لَمَّا خَلَتْ مِنْهُ مَجَالِسُهُ ... لَا يُبْعِدُ اللَّهُ عَنَّا قُرْبَ شَمَّاسِ
(شِعْرُ أَبِي الْحَكَمِ فِي تَعْزِيَةِ نُعَمَ):
فَأَجَابَهَا أَخُوهَا، وَهُوَ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، يُعَزِّيهَا، فَقَالَ:
إقْنَى حَيَاءَكَ فِي سِتْرٍ وَفِي كَرَمٍ ... فَإِنَّمَا كَانَ شَمَّاسٌ مِنْ النَّاسِ [٥]
لَا تَقْتُلِي النَّفْسَ إذْ حَانَتْ مَنِيَّتُهُ ... فِي طَاعَةِ اللَّهِ يَوْمَ الرَّوْعِ وَالْبَاسِ [٦]
قَدْ كَانَ حَمْزَةُ لَيْثَ اللَّهِ فَاصْطَبِرِي ... فَذَاقَ يَوْمَئِذٍ مِنْ كَأْسِ شَمَّاسِ
(شِعْرُ هِنْدٍ بَعْدَ عَوْدَتِهَا مِنْ أُحُدٍ):
وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، حِينَ انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ:
رَجَعْتُ وَفِي نَفْسِي بَلَابِلُ جَمَّةٌ ... وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الَّذِي كَانَ مَطْلَبِي [٧]
مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ ... بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ يَثْرِبِ
وَلَكِنَّنِي قَدْ نِلْتُ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ ... كَمَا كُنْتُ أَرْجُو فِي مَسِيرِي وَمَرْكَبِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ قَوْلَهَا:
وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الَّذِي كَانَ مَطْلَبِي
وَبَعْضُهُمْ يُنْكِرُهَا لِهِنْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [٨] .
------------------------------
[١] الإبساس: أَن تمسح ضرع النَّاقة لتدر، وَتقول لَهَا: بس بس، وَقد استعارت هَذَا الْمَعْنى للدمع الفائض بِغَيْر تكلّف.
[٢] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر. والأباس: الشَّديد الّذي يغلب غَيره. وَفِي الْأُصُول: «لِبَاس» وَهُوَ صِيغَة مُبَالغَة للَّذي يلبس أَدَاة الْحَرْب.
[٣] البديهة: أول الرأى وَالْأَمر. وَمَيْمُون النقيبة: مَسْعُود الفعال. والألوية: جمع لِوَاء، وَهُوَ الْعلم
[٤] أودى: هلك. والمطعم الكاسي: الْجواد الّذي يطعم النَّاس ويكسوهم.
[٥] اقنى حياءك: الزمى حياءك.
[٦] يَوْم الروع: يَوْم الْفَزع، وَهُوَ يَوْم الْبَأْس والقتال.
[٧] البلابل: الأحزان. وجمة: كَثِيرَة.
[٨] إِلَى هُنَا انْتهى الْجُزْء الثَّانِي عشر من أَجزَاء السِّيرَة.
ذِكْرُ يَوْمِ الرَّجِيعِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ
(طَلَبَتْ عَضَلُ وَالْقَارَّةُ نَفَرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيُعَلِّمُوهُمْ فَأَوْفَدَ الرَّسُولُ سِتَّةً):
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أُحُدٍ رَهْطٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ.
(نَسَبُ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَضَلٌ وَالْقَارَّةُ، مِنْ الْهَوْنِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْهُونُ، بِضَمِّ الْهَاءِ [١] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فِينَا إسْلَامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَنَا فِي الدِّينِ، وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُونَنَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَرًا سِتَّةً [٢] مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، حَلِيفُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَخُبَيْبٌ بْنُ عَدِيٍّ، أَخُو بَنِي جَحْجَبَى بْنِ كُلْفَةَ ابْن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، أَخُو بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَمْرِو [٣] بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ حَلِيفُ بَنِي ظَفَرِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
(غَدْرُ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ بِالنَّفَرِ السِّتَّةِ):
وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْقَوْمِ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ [٤]، فَخَرَجَ
--------------------------------
[١] وعَلى هَذِه الرِّوَايَة اقْتصر الصِّحَاح والقاموس وَشرح الْمَوَاهِب.
[٢] قيل: إِنَّهُم كَانُوا عشرَة، وَهُوَ أصح، سِتَّة من الْمُهَاجِرين وَأَرْبَعَة من الْأَنْصَار. (رَاجع الرَّوْض وَشرح ديوَان حسان طبع أوربا ص ٦٦، وَشرح الْمَوَاهِب اللدنية ج ٢ ص ٦٤) .
[٣] فِي ر: «عَامر» .
[٤] قيل إِن الرَّسُول ﷺ أَمر عَلَيْهِم عَاصِم بن ثَابت. (رَاجع الرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .
مَعَ الْقَوْمِ. حَتَّى إذَا كَانُوا عَلَى الرَّجِيعِ، مَاءٍ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ، عَلَى صُدُورِ الْهَدْأَةِ [١] غَدَرُوا بِهِمْ، فَاسْتَصْرَخُوا [٢] عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، فَلَمْ يَرُعْ الْقَوْمَ، وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، إلَّا الرِّجَالُ بِأَيْدِيهِمْ السُّيُوفُ، قَدْ غَشُوهُمْ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّا وَاَللَّهِ مَا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُصِيبَ بِكُمْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا نَقْتُلَكُمْ.
(مَقْتَلُ مَرْثَدٍ وَابْنِ الْبُكَيْرِ وَعَاصِمٍ):
فَأُمَّا مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَهْدًا وَلَا عَقْدًا أَبَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ:
مَا عِلَّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ ... وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ [٣]
تَزَلُّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلُ ... الْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ [٤]
وَكُلُّ مَا حَمَّ الْإِلَهُ نَازِلٌ ... بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إلَيْهِ آئِلُ [٥]
إنْ لَمْ أُقَاتِلْكُمْ فَأُمِّي هَابِلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَابِلُ: ثَاكِلُ.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَبُو سُلَيْمَانَ وَرِيشُ الْمُقْعَدِ ... وَضَالَةٌ مِثْلَ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ [٦]
إذَا النَّوَاجِي افْتُرِشْتِ لَمْ أُرْعَدْ ... وَمُجْنَأٌ مِنْ جَلَدٍ ثَوْرٍ أَجْرَدِ [٧]
وَمُؤْمِنٌ بِمَا عَلَى مُحَمَّدِ
-------------------------------
[١] قَالَ ياقوت: «الهدأة، كَمَا ذكره البُخَارِيّ فِي قتل عَاصِم، قَالَ: وَهُوَ مَوضِع بَين عسفان وَمَكَّة، وَكَذَا ضَبطه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ الأندلسى. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يُقَال لموْضِع بَين مَكَّة والطائف: الهدة، بِغَيْر ألف، وَهُوَ غير الأول، ذكر مَعَه لنفى الْوَهم» .
[٢] استصرخوا: استنصروا.
[٣] النابل: صَاحب النبل. ويروى: «بازل» وَهُوَ القوى. وعنابل (بِالضَّمِّ): غليظ شَدِيد.
[٤] المعابل: جمع معبلة، وَهُوَ نصل عريض طَوِيل.
[٥] حم الْإِلَه: قدره. وآثل: صائر.
[٦] المقعد: رجل كَانَ يريش النبل. والضالة: شجر تصنع مِنْهُ القسي والسهام، وَالْجمع: ضال.
ويعنى بالضالة (هُنَا): الْقوس.
[٧] النواجى: الْإِبِل السريعة. ويروى: «النواحي،» بِالْحَاء الْمُهْملَة. وافترشت: عمرت، والمجنأ: الترس لَا حَدِيد فِيهِ. والأجرد: الأملس.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتُ أَيْضًا:
أَبُو سُلَيْمَانَ ومثلي رَامَى ... وَكَانَ قَوْمِي مَعْشَرًا كِرَامَا
وَكَانَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ يُكَنَّى: أَبَا سُلَيْمَانَ. ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ وَقُتِلَ صَاحِبَاهُ.
(حَدِيثُ حِمَايَةِ الدَّبْرِ لِعَاصِمِ):
فَلَمَّا قُتِلَ عَاصِمٌ أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ، لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ: لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قِحْفِهِ الْخَمْرَ، فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ [١]، فَلَمَّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ [الدَّبْرُ] [٢] قَالُوا: دَعُوهُ يُمْسِي فَتَذْهَبُ عَنْهُ، فَنَأْخُذُهُ. فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ، فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ. وَقَدْ كَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا، تَنَجُّسًا، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ: يَحْفَظُ اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ، كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَمَا امْتَنَعَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ.
(مَقْتَلُ ابْنِ طَارِقٍ وَبَيْعُ خُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثِنَّةِ):
وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ، فَلَانُوا وَرَقُّوا وَرَغِبُوا فِي الْحَيَاةِ، فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَأَسَرُوهُمْ، ثُمَّ خَرَجُوا إلَى مَكَّةَ، لِيَبِيعُوهُمْ بِهَا، حَتَّى إذَا كَانُوا بِالظَّهْرَانِ [٣] انْتَزَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ يَدَهُ مِنْ الْقِرَانِ [٤]، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُ الْقَوْمُ، فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَبْرُهُ، رحمه الله، بِالظَّهْرَانِ، وَأَمَّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ فَقَدِمُوا بِهِمَا مَكَّةَ.
قَالَ ابْن هِشَام: فباعوهما مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسِيرَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ كَانَا بِمَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَابْتَاعَ خُبَيْبًا حُجَيْرُ بْنُ أَبِي إهَابٍ التَّمِيمِيُّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلٍ، لِعُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ أَبُو إهَابٍ أَخَا الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ لِأُمِّهِ لِقَتْلِهِ بِأَبِيهِ.
------------------------
[١] الدبر: الزنابير والنحل.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] الظهْرَان: وَاد قرب مَكَّة. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] الْقرَان: الْحَبل يرْبط بِهِ الْأَسير.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، خَالُ أَبِي إهَابٍ، وَأَبُو إهَابٍ، أَحَدُ بَنِي أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: أَحَدُ بَنِي عُدَسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
(مَقْتَلُ ابْنِ الدَّثِنَّةِ وَمَثَلٌ مِنْ وَفَائِهِ لِلرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ، يُقَالُ لَهُ نِسْطَاسُ، إلَى التَّنْعِيمِ [١]، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ. وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ ابْن حَرْبٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قَدِمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ فِي مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَة تؤذيه، وأنّى جَالِسٌ فِي أَهْلِي. قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ نِسْطَاسُ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ.
(مَقْتَلُ خُبَيْبٍ وَحَدِيثُ دَعْوَتِهِ):
وَأَمَّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، أَنَّهُ حُدِّثَ عَنْ مَاوِيَّةَ [٢]، مَوْلَاةِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إهَابٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ، قَالَتْ: كَانَ خُبَيْبٌ عِنْدِي، حُبِسَ فِي بَيْتِي، فَلَقَدْ اطَّلَعَتْ عَلَيْهِ يَوْمًا، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ، مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَمَا أَعْلَمُ فِي أَرْضِ اللَّهِ عِنَبًا يُؤْكَلُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ جَمِيعًا أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ لِي حِينَ حَضَرَهُ الْقَتْلُ: ابْعَثِي إلَيَّ بِحَدِيدَةٍ أَتَطَهَّرُ بِهَا لِلْقَتْلِ، قَالَتْ: فَأَعْطَيْتُ غُلَامًا مِنْ الْحَيِّ الْمُوسَى، فَقُلْتُ: اُدْخُلْ بِهَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْبَيْت، قَالَت: فو الله مَا هُوَ إلَّا أَنْ وَلَّى الْغُلَامُ بِهَا إلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَاذَا صَنَعْتُ! أَصَابَ وَاَللَّهِ الرَّجُلُ ثَأْرَهُ بِقَتْلِ هَذَا الْغُلَامِ، فَيَكُونُ رَجُلًا بِرَجُلِ، فَلَمَّا نَاوَلَهُ الْحَدِيدَةَ أَخَذَهَا مِنْ
------------------------
[١] التَّنْعِيم: مَوضِع بِمَكَّة فِي الْحل، وَهُوَ بَين مَكَّة وسرف على فرسخين من مَكَّة، (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] تروى بالراء وبالواو. (رَاجع الرَّوْض والاستيعاب وَشرح الْمَوَاهِب) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
S E W A R
06-20-2026, 06:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
مشكور على الطرح المفيد
بارك الله فيك
ابو الوليد المسلم
07-04-2026, 11:50 PM
بارك الله فيكِ
ابو الوليد المسلم
07-04-2026, 11:52 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (92)
صــ 173إلى صــ 182
يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: لَعَمْرَكَ، مَا خَافَتْ أُمُّكَ غَدْرِي حِينَ بَعَثَتْكَ بِهَذِهِ الْحَدِيدَةِ إلَيَّ! ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنَّ الْغُلَامَ ابْنُهَا [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ عَاصِمٌ: ثُمَّ خَرَجُوا بِخُبَيْبٍ، حَتَّى إذَا جَاءُوا بِهِ إلَى التَّنْعِيمِ لِيَصْلُبُوهُ، قَالَ لَهُمْ: إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَدَعُونِي حَتَّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَافْعَلُوا، قَالُوا: دُونَكَ فَارْكَعْ. فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمَّهُمَا وَأَحْسَنَهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ:
أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إنَّمَا طَوَّلْتُ جَزَعًا مِنْ الْقَتْلِ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الصَّلَاةِ. قَالَ:
فَكَانَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ:
ثُمَّ رَفَعُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ، فَلَمَّا أَوْثَقُوهُ، قَالَ: اللَّهمّ إنَّا قَدْ بَلَّغْنَا رِسَالَةَ رَسُولِكَ، فَبَلِّغْهُ الْغَدَاةَ مَا يُصْنَعُ بِنَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا [٢]، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. ثُمَّ قَتَلُوهُ رحمه الله.
فَكَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: حَضَرْتُهُ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ حَضَرَهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُلْقِينِي إلَى الْأَرْضِ فَرْقًا مِنْ دَعْوَةِ خُبَيْبٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُعِيَ عَلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ لِجَنْبِهِ زَالَتْ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَنَا وَاَللَّهِ قَتَلْتُ خُبَيْبًا، لِأَنِّي كُنْتُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أَبَا مَيْسَرَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، أَخَذَ الْحَرْبَةَ فَجَعَلَهَا فِي يَدِي، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي وَبِالْحَرْبَةِ، ثُمَّ طَعَنَهُ بِهَا حَتَّى قَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه اسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ الْجُمَحِيَّ عَلَى بَعْضِ الشَّامِ، فَكَانَتْ تُصِيبُهُ غَشْيَةٌ، وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْقَوْمِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ مُصَابٌ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَعِيدُ، مَا هَذَا الَّذِي يُصِيبُكَ؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بِي مِنْ بَأْسٍ، وَلَكِنِّي كُنْتُ فِيمَنْ
---------------------------
[١] وَقيل: هُوَ أَبُو حُسَيْن بن الْحَارِث بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٢] بددا: مُتَفَرّقين.
حَضَرَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ حِينَ قُتِلَ، وَسمعت دَعوته، فو الله مَا خَطَرَتْ عَلَى قَلْبِي وَأَنَا فِي مَجْلِسٍ قَطُّ إلَّا غُشِيَ عَلَيَّ، فَزَادَتْهُ عِنْدَ عُمَرَ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ هِشَام: أَقَامَ لخبيب فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى انْقَضَتْ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، ثُمَّ قَتَلُوهُ-
(مَا نَزَلَ فِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ مِنْ الْقُرْآنِ):
قَالَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي تِلْكَ السَّرِيَّةِ، كَمَا حَدَّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أُصِيبَتْ السَّرِيَّةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا مَرْثَدٌ وَعَاصِمٌ بِالرَّجِيعِ، قَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا (هَكَذَا) [١]، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِيهِمْ، وَلَا هُمْ أَدَّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا أَصَابَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ الْخَيْرِ بِاَلَّذِي أَصَابَهُمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَمن النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ٢: ٢٠٤: أَيْ لِمَا يُظْهِرُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِلِسَانِهِ، «وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ» ٢: ٢٠٤، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ، «وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» ٢: ٢٠٤: أَيْ ذُو جِدَالٍ إذَا كَلَّمَكَ وَرَاجَعَكَ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَلَدُّ: الَّذِي يَشْغَبُ، فَتَشْتَدُّ خُصُومَتُهُ، وَجَمْعُهُ: لُدٌّ.
وَفِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [٢] ١٩: ٩٧. وَقَالَ الْمُهَلْهَلُ بْنُ رَبِيعَةَ التَّغْلِبِيُّ، وَاسْمُهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَيُقَالُ: عَدِيُّ [٣] بْنُ رَبِيعَةَ:
إنَّ تَحْتَ الْأَحْجَارِ حَدًّا وَلِينَا ... وَخَصِيمًا أَلَدَّ ذَا مِعْلَاقِ [٤]
وَيُرْوَى «ذَا مِغْلَاقِ [٥]» فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَهُوَ الْأَلَنْدَدُ.
-----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] فِي القصيدة مَا يرجح أَن اسْمه عدي، وَهُوَ قَوْله:
ضربت صدرها إِلَى وَقَالَت ... يَا عديا لقد وقتك الأواقى
[٤] يَقُول إِن فِيهِ حِدة لأعدائه ولينا لأوليائه، والألد: الشَّديد الْخُصُومَة. وَذَا معلاق: أَي أَنه يتَعَلَّق بِحجَّة خَصمه.
[٥] ذَا مغلاق: أَي أَنه يغلق الْكَلَام على خَصمه، فَلَا يقدر أَن يتَكَلَّم مَعَه
قَالَ الطِّرِمَّاحُ بْنُ حَكِيمٍ الطَّائِيُّ يَصِفُ الْحِرْبَاءَ:
يُوفِي عَلَى جِذْمِ الْجُذُولِ كَأَنَّهُ ... خَصْمٌ أَبَرَّ عَلَى الْخُصُومِ أَلَنْدَدِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٢]: قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تَوَلَّى ٢: ٢٠٥: أَيْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها، وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَالله لَا يُحِبُّ الْفَسادَ ٢: ٢٠٥ أَيْ لَا يُحِبُّ عَمَلَهُ وَلَا يَرْضَاهُ. وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ. وَمن النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله، وَالله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ٢: ٢٠٦- ٢٠٧: أَيْ قَدْ شَرَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ اللَّهِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ، حَتَّى هَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ، يَعْنِي تِلْكَ السَّرِيَّةَ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَشْرِي نَفْسَهُ: يَبِيعُ نَفْسَهُ، وَشَرَوْا: بَاعُوا. قَالَ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ [٣] بْنِ مُفَرَّغٍ الْحِمْيَرِيُّ:
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ [٤] بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهُ [٥]
بُرْدٌ: غُلَامٌ لَهُ بَاعَهُ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَشَرَى أَيْضًا: اشْتَرَى.
قَالَ الشَّاعِرُ:
--------------------------------
[١] يُوفى: يشرف. والجذم: الْقطعَة من الشَّيْء، وَقد يكون الأَصْل أَيْضا. والجذول: الْأُصُول، الْوَاحِد: جذل. وَأبر: أَي زَاد وَظهر عَلَيْهِم. ويروى «أبن» بالنُّون، أَي أَقَامَ وَلم يفهم الْخُصُومَة، يُقَال: ابْن فلَان بِالْمَكَانِ: إِذا أَقَامَ بِهِ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ ٢: ٢٠٥» . قَالَ ابْن إِسْحَاق حَدثنِي مولى لآل زيد بن ثَابت عَن عِكْرِمَة أَو عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «أَي خرج من عنْدك سعى فِي الأَرْض» .
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] فِي أ: «من قبل» وَهِي رِوَايَة فِيهِ.
[٥] الهامة: طَائِر كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنه يخرج من رَأس الْقَتِيل، فَلَا يزَال يَقُول: اسقوني اسقوني، حَتَّى يُؤْخَذ بثأره.
فَقُلْتُ لَهَا لَا تَجْزَعِي أُمَّ مَالِكٍ ... عَلَى ابْنَيْكَ إنْ عَبْدٌ لَئِيمٌ شَرَاهُمَا
(شِعْرُ خُبَيْبٍ حِينَ أُرِيدَ صَلْبُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الشِّعْرِ، قَوْلُ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ اجْتَمَعُوا لِصَلْبِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ.
لَقَدْ جَمَّعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا ... قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَعِ [١]
وَكُلُّهُمْ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ ... عَلَيَّ لِأَنِّي فِي وِثَاقٍ بِمَصْيَعِ [٢]
وَقَدْ جَمَّعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ ... وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ
إلَى اللَّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمَّ كُرْبَتِي ... وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي [٣]
فَذَا الْعَرْشِ، صَبِّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي [٤] ... فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي [٥]
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ [٦]
وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ ... وَقَدْ هَمَلَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ [٧]
وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ، إنِّي لَمَيِّتٌ ... وَلَكِنْ حِذَارِي جَحْمُ نَار ملفّع [٨]
فو الله مَا أَرْجُو [٩] إذَا مِتُّ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي [١٠]
---------------------------
[١] ألبوا: جمعُوا، يُقَال: ألبت الْقَوْم على فلَان: إِذا جمعتهم عَلَيْهِ وحضضتهم.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «مضيع» .
[٣] أرصد: أعد.
[٤] فِي أ: «يرادنى» وَهُوَ تَصْحِيف.
[٥] وبضعوا: قطعُوا. وياس: لُغَة فِي يئس.
[٦] الشلو: الْبَقِيَّة. والممزع: المقطع.
[٧] هملت: سَالَ دمعها.
[٨] كَذَا فِي أ. والجحم (بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة على الْمُهْملَة): الملتهب المتقد، وَمِنْه سميت الْجَحِيم.
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حجم» (بِتَقْدِيم الْمُهْملَة على الْمُعْجَمَة) وَهُوَ تَحْرِيف. وملفع: مُشْتَمل عَام، يُقَال: تلفع بِالثَّوْبِ، إِذا اشْتَمَل بِهِ.
[٩] أَرْجُو، أَي أَخَاف، وَهِي لُغَة، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله تَعَالَى: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا ٧١: ١٣»، أَي لَا تخافون.
[١٠] فِي أ: «مضجعي» .
فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوِّ تَخَشُّعًا ... وَلَا جَزَعًا إنِّي إلَى اللَّهِ مَرْجِعِي [١]
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي بُكَاءِ خُبَيْبٍ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي خُبَيْبًا:
مَا بَالُ عَيْنِكِ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا [٢] ... سَحًّا عَلَى الصَّدْرِ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ الْقَلِقِ [٣]
عَلَى خُبَيْبٍ فَتَى الْفِتْيَانِ قَدْ عَلِمُوا ... لَا فَشِلٍ حِينَ تَلْقَاهُ وَلَا نَزِقِ [٤]
فَاذْهَبْ خُبَيْبُ جَزَاكَ اللَّهُ طَيِّبَةً ... وَجَنَّةُ الْخُلْدِ عِنْدَ الْحُورِ فِي الرُّفُقِ [٥]
مَاذَا تَقُولُونَ إنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ ... حِينَ الْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ فِي الْأُفُقِ
فِيمَ قَتَلْتُمْ شَهِيدَ اللَّهِ فِي رَجُلٍ ... طَاغٍ قَدْ أَوْعَثَ فِي الْبُلْدَانِ وَالرُّفَقِ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: «الطُّرُقِ» [٧] . وَتَرَكْنَا مَا بَقِيَ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَقْذَعَ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَبْكِي خُبَيْبًا:
يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ مِنْكِ مُنْسَكِبٍ ... وَابْكِي خُبَيْبًا مَعَ الْفِتْيَانِ لَمْ يَؤُبْ [٨]
صَقْرًا تَوَسَّطَ فِي الْأَنْصَارِ مَنْصِبُهُ ... سَمْحَ السَّجِيَّةَ مَحْضًا غَيْرَ مُؤْتَشِبِ [٩]
قَدْ هَاجَ عَيْنِي عَلَى عِلَّاتِ عَبْرَتِهَا ... إِذْ قيل نضّ إلَى جِذْعٍ من الْخشب [١٠]
-----------------------------
[١] التخشع: التذلل.
[٢] كَذَا فِي أ، والديوان. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَيْنَيْك» . وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. وَلَا ترقا مدامعها: لَا تكف، وَأَصله الْهَمْز فسهله.
[٣] كَذَا فِي أ. والديوان. والقلق: المتحرك السَّاقِط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الفلق» بِالْفَاءِ، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] الفشل: الْجنان الضَّعِيف الْقُوَّة. والنزق: السيّئ الْخلق. وَرِوَايَة الشّطْر الأول من هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان:
على خبيب وَفِي الرَّحْمَن مصرعه
[٥] قَالَ أَبُو ذَر: الرّفق (بِضَم الرَّاء وَالْفَاء): جمع رَفِيق.
[٦] أوعث: اشْتَدَّ فَسَاده. والرّفق (بِفَتْح الْفَاء) جمع رفْقَة (بِضَم الرَّاء وَكسرهَا) .
[٧] وَهِي رِوَايَة الدِّيوَان.
[٨] منسكب: سَائل، وَلم يؤب: لم يرجع.
[٩] السجية: الطبيعة. وَفِي الدِّيوَان: «حُلْو السجية» والمحض: الْخَالِص، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا:
خلوص نسبه. والمؤتشب: الْمُخْتَلط.
[١٠] العلات: المشقات. وَنَصّ: رفع (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا)، مَأْخُوذ من النَّص فِي السّير وَهُوَ أرفعه.
١٢- سيرة ابْن هِشَام- ٢
يَا أَيهَا الرَّاكِبُ الْغَادِي لِطَيَّتِهِ ... أَبْلِغْ لَدَيْكَ وَعِيدًا لَيْسَ بِالْكَذِبِ [١]
بَنِي كُهَيْبَةَ [٢] أَنَّ الْحَرْبَ قَدْ لَقِحَتْ ... مَحْلُوبُهَا الصَّابُ إذْ تُمْرَى لَمُحْتَلِبِ [٣]
فِيهَا أُسُودُ بَنِي النَّجَّارِ تَقْدُمُهُمْ ... شُهْبُ الْأَسِنَّةِ فِي مُعْصَوْصَبٍ لَجِبِ [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ مِثْلُ الَّتِي قَبْلَهَا، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهُمَا لِحَسَّانٍ، وَقَدْ تَرَكْنَا أَشْيَاءَ قَالَهَا حَسَّانٌ فِي أَمْرِ خُبَيْبٍ لِمَا ذَكَرْتُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
لَوْ كَانَ فِي الدَّارِ قَرِمٌ مَاجِدٌ بَطِلٌ ... أَلْوَى مِنْ الْقَوْمِ صَقْرٌ خَالُهُ أَنَسُ [٥]
إذَنْ وَجَدْتَ خُبَيْبًا مَجْلِسًا فَسِحًا ... وَلَمْ يُشَدَّ عَلَيْكَ السِّجْنُ وَالْحَرَسُ
وَلَمْ تَسُقْكَ إلَى التَّنْعِيمِ زِعْنِفَةٌ ... مِنْ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مَنْ نَفَتْ عُدَسُ [٦]
دَلَّوْكَ غَدْرًا وَهُمْ فِيهَا أُولُو خُلُفٍ ... وَأَنْتَ ضَيْمٌ لَهَا فِي الدَّارِ مُحْتَبَسُ [٧]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَسٌ: الْأَصَمُّ السُّلَمِيُّ: خَالُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ
--------------------------
[١] الطية: مَا انطوت عَلَيْهِ نيتك.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَالرَّوْض. قَالَ السهيليّ: «جعل كهيبة كَأَنَّهُ اسْم علم لأمهم، وَهَذَا كَمَا يُقَال: بنى ضوطرى وَبنى القبرة وَبنى درزة. قَالَ الشَّاعِر:
أَوْلَاد درزة أسلموك وطاروا
وَهَذَا كُله اسْم لمن يسب، وَعبارَة عَن السفلة من النَّاس. وكهيبة: من الكهبة، وَهِي الغبرة، وَهَذَا كَمَا قَالُوا: «بنى الغبراء» . وَفِي أ: «كهينة» بالنُّون. وَفِي الدِّيوَان «فكيهة» .
[٣] لقحت: ازْدَادَ شَرها. ومحلوبها: لَبنهَا. والصاب: العلقم. وتمرى: تمسح.
[٤] المعصوصب: الْجَيْش الْكثير. واللجب: الْكثير الْأَصْوَات.
[٥] القرم: السَّيِّد، وَأَصله الْفَحْل من الْإِبِل. والماجد: الشريف. وألوى، أَي شَدِيد الْخُصُومَة.
وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان:
لَو كَانَ فِي الدَّار قوم ذُو مُحَافظَة ... حامي الْحَقِيقَة مَاض خَاله أنس
[٦] الزعنفة: الَّذين ينتمون إِلَى الْقَبَائِل وَيَكُونُونَ أتباعا لَهُم. وعدس: قَبيلَة من لقيم. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر الْأَخير فِي الدِّيوَان:
من المعاشر مِمَّن قد نفث عدس
[٧] دلوك، أَي غروك. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: «فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ» ٧: ٢٢. وَالْخلف (بِضَمَّتَيْنِ):
الْخلف (بِضَم فَسُكُون)، وضمت لامه فِي الشّعْر إتباعا للخاء. والضيم: الذل، وَالْمرَاد «ذُو ضيم» فَحذف الْمُضَاف وَأقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه. وَلم يذكر هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان وَذكر مَكَانَهُ:
صبرا خبيب فَإِن الْقَتْل مكرمَة ... إِلَى جنان نعيم يرجع النَّفس
ابْن عَبْدِ مَنَافٍ. وَقَوْلَهُ: «مِنْ «نَفْثِ عُدَسُ» يَعْنِي حُجَيْرَ بْنَ أَبِي إهَابٍ، وَيُقَالُ الْأَعْشَى بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
(مَنْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِ خُبَيْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الَّذِينَ أَجْلَبُوا [١] عَلَى خُبَيْبٍ فِي قَتْلِهِ حِينَ قُتِلَ مِنْ قُرَيْشٍ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدٍّ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السُّلَمِيُّ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ، وَبَنُو الْحَضْرَمِيِّ.
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي هِجَاءِ هُذَيْلٍ لِقَتْلِهِمْ خُبَيْبًا):
وَقَالَ حَسَّانٌ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا [٢] فِيمَا صَنَعُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ:
أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو بِأَنَّ أَخَاهُم ... شراه أَمر وَقد كَانَ لِلْغَدْرِ لَازِمَا [٣]
شَرَاهُ زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرِّ وَجَامِعٌ ... وَكَانَا جَمِيعًا يَرْكَبَانِ الْمَحَارِمَا
أَجَرْتُمْ فَلَمَّا أَنْ أَجَرْتُمْ غَدَرْتُمْ ... وَكُنْتُمْ بِأَكْنَافِ الرَّجِيعِ لَهَاذِمَا [٤]
فَلَيْتَ [٥] خُبَيْبًا لَمْ تَخُنْهُ أَمَانَةٌ ... وَلَيْتَ خُبَيْبًا كَانَ بِالْقَوْمِ عَالِمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرِّ وَجَامِعٌ: الْهُذَلِيَّانِ اللَّذَانِ بَاعَا خُبَيْبًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
إنْ سَرَّكَ الْغَدْرُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ ... فَأْتِ الرَّجِيعَ فَسَلْ عَنْ دَارِ لِحْيَانَ [٦]
----------------------------
[١] أجلبوا: اجْتَمعُوا وصاحوا.
[٢] هجا حسان هذيلا، لأَنهم إخْوَة القارة والمشاركون لَهُم فِي الْغدر بخبيب وَأَصْحَابه. وهذيل وَخُزَيْمَة أَبنَاء مدركة بن إلْيَاس. وعضل والقارة من بنى خُزَيْمَة. (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] شراه: بَاعه، وَهُوَ من الأضداد.
[٤] لهاذما (بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة): جمع لهذم، وَهُوَ الْقَاطِع من السيوف. (وبالزاي): الضُّعَفَاء والفقراء. وأصل اللهزمتين: مضغتان تَكُونَانِ فِي الحنك، واحدتهما: لهزمة، وَالْجمع: لهازم، فشبههم بهَا لحقارتها.
[٥] فِي م: «فَلَيْسَتْ»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٦] لحيان (بِكَسْر اللَّام وَقيل بِفَتْحِهَا): ابْن هُذَيْل بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
قَوْمٌ تَوَاصَوْا بِأَكْلِ الْجَارِ بَيْنَهُمْ ... فَالْكَلْبُ وَالْقِرْدُ وَالْإِنْسَانُ مِثْلَانِ [١]
لَوْ يَنْطِقُ التَّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ ... وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَانِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَوْلَهُ:
لَوْ يَنْطِقُ التَّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ ... وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَانِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَاحِشَةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبْ [٢]
سَالُوا رَسُولَهُمْ مَا لَيْسَ مُعْطِيَهُمْ ... حَتَّى الْمَمَاتِ، وَكَانُوا سُبَّةَ الْعَرَبِ
وَلَنْ تَرَى لِهُذَيْلٍ دَاعِيًا أَبَدًا ... يَدْعُو لِمَكْرُمَةٍ عَنْ مَنْزِلِ الْحَرْبِ [٣]
لَقَدْ أَرَادُوا خِلَالَ الْفُحْشِ وَيْحَهُمْ ... وَأَنْ يُحِلُّوا حَرَامًا كَانَ فِي الْكُتُبِ [٤]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
لَعَمْرِي لَقَدْ شَانَتْ هُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكٍ ... أَحَادِيثُ كَانَتْ فِي خُبَيْبٍ وَعَاصِمِ [٥]
أَحَادِيثُ لِحْيَانٍ صَلَوْا بِقَبِيحِهَا [٦] ... وَلِحْيَانُ جَرَّامُونَ شَرَّ الْجَرَائِمِ [٧]
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ميلان» .
[٢] قَالَ أَبُو ذَر «سَالَتْ. أَرَادَ: سَأَلت، ثمَّ خفف الْهمزَة، وَقد يُقَال: سَالَ يسْأَل (بِغَيْر همز) وَهِي لُغَة. وَيُشِير حسان إِلَى مَا سَأَلت هُذَيْل رَسُول الله ﷺ حِين أَرَادوا الْإِسْلَام أَن يحل لَهُم الزِّنَا، فَهُوَ يعيرهم ذَلِك» .
وَقَالَ السهيليّ: «وَقَوله سَالَتْ هُذَيْل، لَيْسَ على تسهيل الْهمزَة فِي سَأَلت، وَلكنهَا لُغَة، بِدَلِيل قَوْلهم تسايل القَوْل، وَلَو كَانَ تسهيلا لكَانَتْ الْهمزَة بَين بَين وَلم يستقم وزن الشّعْر بهَا لِأَنَّهَا كالمتحركة، وَقد تقلب ألفا سَاكِنة كَمَا قَالُوا المنساة، وَلكنه شَيْء لَا يُقَاس عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَت سَالَ لُغَة فِي سَأَلَ فَيلْزم أَن يكون الْمُضَارع يسيل، وَلَكِن قد حكى يُونُس: سلت تسْأَل، مثل خفت تخَاف، وَهُوَ عِنْده من ذَوَات الْوَاو.
وَقَالَ الزّجاج: الرّجلَانِ يتسايلان. وَقَالَ النّحاس والمبرد: يتساولان، وَهُوَ مثل مَا حكى يُونُس» .
[٣] الْحَرْب: السَّلب، يُقَال: حَرْب الرجل، إِذا سلب (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) .
[٤] الْخلال: الْخِصَال.
[٥] شانت: عابت.
[٦] كَذَا فِي أ. وصلوا بقبيحها: أَي أَصَابَهُم شَرها. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «صلوب قبيحها» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٧] جرامون: كاسبون.
أُنَاسٌ هُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ فِي صَمِيمِهِمْ ... بِمَنْزِلَةِ الزَّمْعَانِ دُبْرَ الْقَوَادِمِ [١]
هُمْ غَدَرُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ وَأَسْلَمَتْ ... أَمَانَتُهُمْ ذَا عِفَّةٍ وَمَكَارِمِ
رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ غَدْرًا وَلَمْ تَكُنْ ... هُذَيْلٌ تَوَقَّى مُنْكَرَاتِ الْمَحَارِمِ
فَسَوْفَ يَرَوْنَ النَّصْرَ يَوْمًا عَلَيْهِمْ ... بِقَتْلِ الَّذِي تَحْمِيهِ دُونَ الْحَرَائِمِ [٢]
أَبَابِيلُ دَبْرٍ شُمَّسٍ دُونَ لَحْمِهِ ... حَمَتْ لَحْمَ شَهَّادٍ عِظَامَ الْمَلَاحِمِ [٣]
لَعَلَّ هُذَيْلًا أَنْ يَرَوْا بِمَصَابِّهِ ... مَصَارِعَ قَتْلَى أَوْ مَقَامًا لِمَأْتَمِ [٤]
وَنُوقِعَ فِيهِمْ [٥] وَقْعَةً ذَاتَ صَوْلَةٍ [٦] ... يُوَافِي بِهَا الرُّكْبَانُ أَهْلَ الْمَوَاسِمِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ إنَّ رَسُولَهُ ... رَأَى رَأْيَ ذِي حَزْمٍ بِلِحْيَانَ عَالِمِ
قُبَيِّلةٌ لَيْسَ الْوَفَاءُ يُهِمُّهُمْ ... وَإِنْ ظُلِمُوا لَمْ يَدْفَعُوا كَفَّ ظَالِمِ
إذَا النَّاسُ حَلُّوا بِالْفَضَاءِ رَأَيْتهمْ ... بِمَجْرَى مَسِيلِ الْمَاءِ بَيْنَ الْمَخَارِمِ [٧]
مَحَلُّهُمْ دَارُ الْبَوَارِ وَرَأْيُهُمْ ... إذَا نَابَهُمْ أَمْرٌ كَرَأْيِ الْبَهَائِمِ [٨]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَهْجُو هُذَيْلًا:
لَحَى اللَّهُ لِحْيَانًا فَلَيْسَتْ دِمَاؤُهُمْ ... لَنَا مِنْ قَتِيلَيْ غَدْرَةٍ بِوَفَاءِ [٩]
هُمُو قَتَلُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ ابْنَ حُرَّةٍ ... أَخَا ثِقَةٍ فِي وُدِّهِ وَصَفَاءِ
فَلَوْ قُتِلُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ بِأَسْرِهِمْ ... بِذِي الدَّبْرِ مَا كَانُوا لَهُ بِكِفَاءِ [١٠]
---------------------------
[١] صميم الْقَوْم: خالصهم فِي النّسَب. والزمعان: جمع زمع. وَهُوَ الشّعْر الّذي يكون فَوق الرسغ من الدَّابَّة وَغَيرهَا. ودبر: خلف. والقوادم (هُنَا): الْأَيْدِي. لِأَنَّهَا تقدم الأرجل.
[٢] تحميه، يعْنى عَاصِم بن الأقلح الّذي حمته النَّحْل، وَدون الحرائم: أَي دون أَن يحْبسهُ أحد من الْكفَّار.
[٣] الأبابيل: الْجَمَاعَات، يُقَال: إِن وَاحِدهَا، إبيل. والدبر: الزنابير، وَيُقَال للنحل أَيْضا:
دبر. وَالشَّمْس: المدافعة. والملاحم: جمع ملحمة، وَهِي الْحَرْب.
[٤] المأتم: جمَاعَة النِّسَاء يجتمعن فِي الْخَيْر وَالشَّر، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا أَنَّهُنَّ يجتمعن فِي مناحته. وَقد سهل همزَة «المأتم» لِأَن القافية هُنَا موسومة بِالْألف.
[٥] كَذَا فِي أَفِي سَائِر الْأُصُول: «فِيهَا» .
[٦] الصولة: الشدَّة.
[٧] المخارم: مسايل المَاء الَّتِي يجرى فِيهَا السَّيْل.
[٨] الْبَوَار: الْهَلَاك.
[٩] لحي: أَضْعَف وَبَالغ فِي أَخذهم، وَهُوَ من قَوْلهم: لحوت الْعود، إِذا قشرته.
[١٠] يُرِيد «بِذِي الدبر»: عَاصِمًا، وَقد تقدم ذكره.
قَتِيلٌ حَمَتْهُ الدَّبْرُ بَيْنَ بُيُوتِهِمْ ... لَدَى أَهْلِ كُفْرٍ ظَاهِرٍ وَجَفَاءِ
فَقَدْ قَتَلَتْ لِحْيَانُ أَكْرَمَ مِنْهُمْ ... وَبَاعُوا خُبَيْبًا وَيْلَهُمْ بِلَفَاءِ [١]
فَأُفٍّ لِلِحْيَانٍ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ... عَلَى ذِكْرِهِمْ فِي الذِّكْرِ كُلَّ عَفَاءِ [٢]
قُبَيِّلةٌ بِاللُّؤْمِ وَالْغَدْرِ تَغْتَرِي ... فَلَمْ تُمْسِ يَخْفَى لُؤْمُهَا بِخَفَاءِ [٣]
فَلَوْ [٤] قُتِلُوا لَمْ تُوفِ مِنْهُ دِمَاؤُهُمْ ... بَلَى إنَّ قَتْلَ الْقَاتِلِيهِ شِفَائِي
فَالَّا أَمُتْ أَذْعَرُ هُذَيْلًا بِغَارَةٍ ... كَغَادِي الْجَهَامِ الْمُغْتَدِي بَافَاءِ [٥]
بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ ... يَبِيتُ لِلِحْيَانَ الْخَنَا بِفَنَاءِ
يُصَبِّحُ قَوْمًا بِالرَّجِيعِ كَأَنَّهُمْ ... جِدَاءُ شِتَاءٍ بِتْنَ غَيْرَ دِفَاءِ [٦]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
فَلَا وَاَللَّهِ، مَا تَدْرِي [٧] هُذَيْلٌ [٨] ... أَصَافٍ [٩] مَاءُ زَمْزَمَ أَمْ مَشُوبُ [١٠]
وَلَا لَهُمْ إذَا اعْتَمَرُوا وَحَجُّوا ... مِنْ الْحِجْرَيْنِ وَالْمَسْعَى نَصِيبُ [١١]
وَلَكِنَّ الرَّجِيعَ لَهُمْ مَحَلٌّ ... بِهِ اللُّؤْمُ الْمُبَيَّنُ وَالْعُيُوبُ
كَأَنَّهُمْ لَدَى الكَّنَّاتُ أُصْلًا ... تُيُوسٌ بِالْحِجَازِ لَهَا نَبِيبُ [١٢]
--------------------------
[١] اللفاء: الشَّيْء الحقير الْيَسِير. وَمِنْه قَوْلهم: قنع من الْوَفَاء باللفاء.
[٢] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة لأبى ذَر. والعفاء: الدّروس والتغير.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وتغترى: يغرى بَعْضهَا بَعْضًا. وَفِي أ: «تعتزى «» أَي تنتسب
[٤] فِي أ: «وَلَو» .
[٥] أَذْعَر: أفزع. والغادي: المبكر. والجهام: السَّحَاب الرَّقِيق. والإفاء (هُنَا) الْغَنِيمَة.
[٦] الجداء: جمع جدي. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر الثَّانِي فِي أ.
جداء وشتائين غير دفاء
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَتَدْرِي» .
[٨] فِي أ: «هذيلا» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٩] فِي ديوَان حسان طبع أوربا: «أمحض» .
[١٠] المشوب: العكر الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ.
[١١] يعْنى بالحجرين: حجر الْكَعْبَة، فثناه مَعَ مَا يَلِيهِ. وَمن رَوَاهُ «الحجرين» بِالتَّحْرِيكِ، أَرَادَ الْحجر الْأسود، وَالْحجر الّذي فِيهِ مقَام إِبْرَاهِيم عليه السلام. والمسعى: حَيْثُ يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة.
[١٢] الكنات: جمع كنة، وَهِي شَيْء يلصق بِالْبَيْتِ يكن بِهِ. وأصل (بِضَمَّتَيْنِ وَسكن تَخْفِيفًا) جمع أصيل، وَهُوَ الْعشي. والنبيب: الصَّوْت. وَقد أسقط الدِّيوَان هَذَا الْبَيْت وَأثبت بدله:
تجوزهم وتدفعهم على ... فقد عاشوا وَلَيْسَ لَهُم قُلُوب
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
07-06-2026, 10:04 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (93)
صــ 183إلى صــ 192
هُمْ غَرَوْا بِذِمَّتِهِمْ خُبَيْبًا ... فَبِئْسَ الْعَهْدُ عَهْدُهُمْ الْكَذُوبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي بُكَاءِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي خُبَيْبًا وَأَصْحَابَهُ:
صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى الَّذِينَ تَتَابَعُوا ... يَوْمَ الرَّجِيعِ فَأُكْرِمُوا وَأُثِيبُوا [١]
رَأْسُ السَّرِيَّةِ مَرْثَدٌ وَأَمِيرُهُمْ ... وَابْنُ الْبُكَيْرِ إمَامُهُمْ وَخُبَيْبُ [٢]
وَابْنٌ لِطَارِقَ وَابْنُ دَثْنَةَ مِنْهُمْ ... وَافَاهُ ثَمَّ حِمَامُهُ الْمَكْتُوبُ [٣]
وَالْعَاصِمُ الْمَقْتُولُ عِنْدَ رَجِيعِهِمْ ... كَسَبَ الْمَعَالِيَ إنَّهُ لَكَسُوبُ
مَنَعَ الْمَقَادَةَ أَنْ يَنَالُوا ظَهْرَهُ ... حَتَّى يُجَالِدَ إنَّهُ لَنَجِيبُ [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
حَتَّى يُجَدَّلَ إنَّهُ لَنُجِيبُ [٥] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسَّانٍ.
حَدِيثُ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ
(بَعْثُ بِئْرِ مَعُونَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَقِيَّةَ شَوَّالٍ وَذَا الْقَعْدَةِ وَذَا الْحِجَّةِ- وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُحَرَّمَ-، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ، عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ.
----------------------------
[()] وَقَالَ فِي التَّعْلِيق عَلَيْهِ: على بن مَسْعُود الغساني، وحضن بنى عبد منَاف بن كنَانَة فنسبوا إِلَيْهِ.
[١] أثيبوا: من الثَّوَاب.
[٢] أرْدف حرف الروي بباء مَفْتُوح مَا قبلهَا، فَخَالف بذلك سَائِر أَبْيَات القصيدة، وَهَذَا عيب من عُيُوب القافية، يُسمى: التَّوْجِيه، وَهُوَ أَن يخْتَلف مَا قبل الردف.
[٣] ترك تَنْوِين «طَارق» هُنَا لضَرُورَة إِقَامَة وزن الشّعْر، وَهُوَ سَائِغ على مَذْهَب الْكُوفِيّين، والبصريون لَا يرونه. وَالْحمام: الْمَوْت
[٤] المقادة: الانقياد والمذلة، ويجالد: يضارب بِالسَّيْفِ.
[٥] يجدل: يَقع بِالْأَرْضِ، وَاسم الأَرْض: الحدالة.
(سَبَبُ إرْسَالِهِ):
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ، كَمَا حَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بن جزم، وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ [١] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إلَيْهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِكَ إلَى أَهْلِ نَجْدٍ، فَدَعَوْهُمْ إلَى أَمْرِكَ، رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ، قَالَ أَبُو بَرَاءٍ: أَنَا لَهُمْ جَارٍ، فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النَّاسَ إلَى أَمْرِكَ.
(رِجَالُ الْبَعْثِ):
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ، الْمُعْنِقَ لِيَمُوتَ [٢] فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا [٣] مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ:
الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ، وَنَافِعُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فِي رِجَالٍ مُسَمَّيْنَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ. فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وَهِيَ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ، كِلَا الْبَلَدَيْنِ مِنْهَا قَرِيبٌ، وَهِيَ إلَى حَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ أَقْرَبُ.
(غَدْرُ عَامِرٍ بِهِمْ):
فَلَمَّا نَزَلُوهَا بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى عَدُوِّ اللَّهِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ فِي كِتَابِهِ حَتَّى عَدَا عَلَى الرَّجُلِ فَقَتَلَهُ،
-----------------------------
[١] وسمى أَبُو برَاء ملاعب الأسنة بقوله يُخَاطب أَخَاهُ فَارس قرزل، وَكَانَ قد فر عَنهُ فِي حَرْب كَانَت بَين قيس وَتَمِيم.
فَرَرْت وَأسْلمت ابْن أمك عَامِرًا ... يلاعب أَطْرَاف الوشيج المزعزع
[٢] المعنق ليَمُوت، أَي المسرع، وَإِنَّمَا لقب بذلك لِأَنَّهُ أسْرع إِلَى الشَّهَادَة.
[٣] الصَّحِيح أَنهم كَانُوا سبعين رجلا. (رَاجع البُخَارِيّ، وَمُسلم، وَالرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .
ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ [١] أَبَا بَرَاءٍ، وَقَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا، فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ (مِنْ [٢]) عُصَيَّةَ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ، فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ، فَخَرَجُوا حَتَّى غَشُوا الْقَوْمَ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا سُيُوفَهُمْ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، يَرْحَمُهُمْ اللَّهُ، إلَّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ، أَخَا بَنِي دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَارْتُثَّ [٣] مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا، رحمه الله.
(ابْنُ أُمَيَّةَ وَالْمُنْذِرُ وَمَوْقِفُهُمَا مِنْ الْقَوْمِ بَعْدَ عِلْمِهِمَا بِمَقْتَلِ أَصْحَابِهِمَا):
وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمْ يُنْبِئْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ على الْعَسْكَر، فَقَالَا: وَاَللَّهِ إنَّ لِهَذِهِ الطَّيْرِ لَشَأْنًا، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا، فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ، وَإِذَا الْخَيْلُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنُخْبِرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَا كُنْتُ لِتُخْبِرَنِي عَنْهُ الرِّجَالُ، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، وَأَخَذُوا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ، أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ.
-----------------------
[١] نخفر: ننقض عَهده.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] ارتث: أَي رفع وَبِه جراح، يُقَال: ارتث الرجل من معركة الْحَرْب: إِذا رفع مِنْهَا وَبِه بَقِيَّة حَيَاة.
(قَتْلُ الْعَامِرِيَّيْنِ):
فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ [١] مِنْ صَدْرِ قَنَاةٍ [٢]، أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: (ثُمَّ [٣]) مِنْ بَنِي كِلَابٍ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ أَنَّهُمَا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى نَزَلَا مَعَهُ فِي ظِلٍّ هُوَ فِيهِ. وَكَانَ مَعَ الْعَامِرِيَّيْنِ عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِوَارٌ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ سَأَلَهُمَا حِينَ نَزَلَا، مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَمْهَلَهُمَا، حَتَّى إذَا نَامَا، عَدَا عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ بِهِمَا ثُؤْرَةً [٤] مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فِيمَا أَصَابُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ، لَأَدِيَنَّهُمَا!
(حُزْنُ الرَّسُولِ مِنْ عَمَلِ أَبِي بَرَاءٍ):
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِ إخْفَارُ عَامِرٍ إيَّاهُ، وَمَا أَصَابَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ، وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.
(أَمْرُ ابْنِ فُهَيْرَةَ بَعْدَ مَقْتَلِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ رَجُلٌ مِنْهُمْ لَمَّا قُتِلَ رَأَيْتُهُ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ مِنْ دُونِهِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ [٥] .
--------------------------
[١] هِيَ قرقرة الكدر، مَوضِع بِنَاحِيَة الْمَعْدن، قريب من الأرحضية، بَينه وَبَين الْمَدِينَة ثَمَانِيَة برد.
(عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] قناة: وَاد يأتى من الطَّائِف وَيصب فِي الأرحضية وقرقرة الكدر. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] الثؤرة: الثأر.
[٥] قَالَ السهيليّ: «هَذِه رِوَايَة البكائي عَن ابْن إِسْحَاق. وروى يُونُس بن بكير عَنهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد
(سَبَبُ إسْلَامِ بن سَلْمَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي جَبَّارِ بْنِ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ- وَكَانَ جَبَّارٌ فِيمَنْ حَضَرَهَا [١] يَوْمَئِذٍ مَعَ عَامِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ- (قَالَ) [٢] فَكَانَ يَقُولُ:
إنَّ مِمَّا دَعَانِي إلَى الْإِسْلَامِ أَنِّي طَعَنْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ بِالرُّمْحِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَنَظَرْتُ إلَى سِنَانِ الرُّمْحِ حِينَ خَرَجَ مِنْ صَدْرِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فُزْتُ وَاَللَّهِ! فَقُلْتُ فِي نَفْسِي:
مَا فَازَ! أَلَسْتُ قَدْ قَتَلْتُ الرَّجُلَ! قَالَ: حَتَّى سَأَلْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ، فَقَالُوا:
لِلشَّهَادَةِ، فَقلت: فَازَ لعمر وَالله.
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي تَحْرِيضِ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ:
بَنِي أُمَّ الْبَنِينَ أَلَمْ يَرُعْكُمْ ... وَأَنْتُمْ مِنْ ذَوَائِبِ أَهْلِ نَجْدِ [٣]
تَهَكُّمُ عَامِرٍ بِأَبِي بَرَاءٍ ... لِيُخْفِرَهُ وَمَا خَطَأٌ كَعَمْدِ
------------------------
[()] أَن عَامر بن الطُّفَيْل قدم الْمَدِينَة بعد ذَلِك، وَقَالَ للنّبيّ عليه الصلاة والسلام: من رجل يَا مُحَمَّد لما طعنته رفع إِلَى السَّمَاء؟ فَقَالَ: هُوَ عَامر بن فهَيْرَة» .
[١] حضرها، أَي حضر يَوْم بِئْر مَعُونَة.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] قَالَ أَبُو ذَر: يُرِيد قَول لبيد:
نَحن بنى أم الْبَنِينَ الْأَرْبَعَة
وَكَانُوا نجباء فُرْسَانًا، وَيُقَال إِنَّهُم كَانُوا خَمْسَة، لَكِن لبيدا جعلهم أَرْبَعَة لإِقَامَة القافية ... وَقَالَ السهيليّ:
وَإِنَّمَا قَالَ الْأَرْبَعَة وهم خَمْسَة (طفيل وعامر وَرَبِيعَة وَعبيدَة الوضاح وَمُعَاوِيَة، ومعوذ الْحُكَمَاء) لِأَن أَبَاهُ ربيعَة قد كَانَ مَاتَ قبل ذَلِك، لَا كَمَا قَالَ بعض النَّاس، وَهُوَ قَول يعزى إِلَى الْفراء. أَنه قَالَ أَرْبَعَة وَلم يقل خَمْسَة، من أجل القوافي. فَيُقَال لَهُ: لَا يجوز للشاعر أَن يلحن لإِقَامَة وزن الشّعْر، فَكيف بِأَن يكذب لإِقَامَة الْوَزْن، وأعجب من هَذَا أَنه اسْتشْهد بِهِ على تَأْوِيل فَاسد تَأْوِيله فِي قَوْله سبحانه وتعالى «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ» ٥٥: ٤٦. وَقَالَ: أَرَادَ جنَّة وَاحِدَة، وَجَاء بِلَفْظَة التَّثْنِيَة ليتفق رُءُوس الْآي أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ» . ثمَّ قَالَ السهيليّ: «وَمِمَّا يدلك على أَنهم كَانُوا أَرْبَعَة حِين قَالَ لبيد هَذِه الْمقَالة، أَن فِي الْخَبَر ذكر يتم لبيد وَصغر سنه، وَأَن أَعْمَامه الْأَرْبَعَة استصغروه أَن يدخلوه مَعَهم على النُّعْمَان حِين هَمهمْ مَا قاولهم بِهِ الرّبيع ابْن زِيَاد، فسمعهم لبيد يتحدثون بذلك ويهتمون لَهُ، فَسَأَلَهُمْ أَن يدخلوه مَعَهم على النُّعْمَان وَزعم أَنه سيفحمه، فتهاونوا بقوله، واختبروه بأَشْيَاء، وَكَانَ من حَدِيث ذَلِك أَن دخل وَألقى بَين يَدَيْهِ قصيدته:
نَحن بنى أم الْبَنِينَ الأربعه ... المطعمون الْجَفْنَة المدعدعه
والذوائب: الأعالي.
أَلَا أَبْلِغْ رَبِيعَةَ ذَا الْمَسَاعِي ... فَمَا أَحْدَثْتَ فِي الْحَدَثَانِ بَعْدِي [١]
أَبُوكَ أَبُو الْحُرُوبِ أَبُو بَرَاءٍ ... وَخَالُكَ مَاجِدٌ حَكَمُ بْنُ سَعْدِ
(نَسَبُ حَكَمِ وَأُمِّ الْبَنِينَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَكَمُ بْنُ سَعْدٍ: مِنْ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ، وَأُمُّ الْبَنِينَ: بِنْتُ عَمْرِو [٢] بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَهِيَ أُمُّ أَبِي بَرَاءٍ.
(طَعْنُ رَبِيعَةَ لِعَامِرِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَمَلَ رَبِيعَةُ (بْنُ عَامِرِ) [٣] بْنِ مَالِكِ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، فَطَعَنَهُ بِالرُّمْحِ، فَوَقَعَ فِي فَخِذِهِ، فَأَشْوَاهُ [٤]، وَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، إنْ أَمُتْ فَدَمِي لِعَمِّي، فَلَا يُتْبَعَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَعِشْ فَسَأَرَى رَأْيِي فِيمَا أُتِيَ إلَيَّ.
(مَقْتَلُ ابْنِ وَرْقَاءَ وَرِثَاءُ ابْنِ رَوَاحَةَ لَهُ):
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عَبَّاسٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ خَالَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ نَافِعَ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ:
تَرَكْتُ ابْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ ثَاوِيًا ... بِمُعْتَرَكِ تَسْفِي عَلَيْهِ الْأَعَاصِرُ [٥]
ذَكَرْتُ أَبَا الرَّيَّانِ لَمَّا رَأَيْتُهُ [٦] ... وَأَيْقَنْتُ أَنِّي عِنْدَ ذَلِكَ ثَائِرُ [٧]
وَأَبُو الرَّيَّانِ: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَبْكِي نَافِعَ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ:
رَحِمَ اللَّهُ نَافِعَ بْنَ بُدَيْلٍ ... رَحْمَةَ الْمُبْتَغِي ثَوَابَ الْجِهَادِ
صَابِرٌ صَادِقٌ وَفِيٌّ إذَا مَا ... أَكْثَرَ الْقَوْمُ قَالَ قَوْلَ السِّدَادِ
---------------------------
[١] المساعي: السَّعْي فِي طلب الْمجد والمكارم.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَاسْمهَا ليلى بنت عَامر، فِيمَا زَعَمُوا»
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] أشواه: أَخطَأ مَقْتَله.
[٥] المعترك: الْموضع الضّيق فِي الْحَرْب. وتسفى: تأتى إِلَيْهِ بِالتُّرَابِ. والأعاصر: الرِّيَاح الَّتِي يلتف مَعهَا الْغُبَار.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والمؤتلف والمختلف وَالرَّوْض رِوَايَة عَن إِبْرَاهِيم بن سعد. وَفِي أ:
«الزبان» وَذكر أَبُو ذَر أَن الأولى هِيَ الصَّوَاب فِيهِ.
[٧] ثَائِر: آخذ بِثَأْرِي.
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بِئْرِ مَعُونَةَ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي قَتْلَى بِئْرِ مَعُونَةَ، وَيَخُصُّ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو:
عَلَى قَتْلَى مَعُونَةَ فَاسْتَهِلِّي ... بِدَمْعِ الْعَيْنِ سَحًّا غَيْرَ نَزْرِ [١]
عَلَى خَيْلِ الرَّسُولِ غَدَاةَ لَاقَوْا ... مَنَايَاهُمْ وَلَاقَتْهُمْ بِقَدْرِ [٢]
أَصَابَهُمْ الْفَنَاءُ بِعَقْدِ قَوْمٍ ... تُخُوِّنَ عَقْدُ حَبْلِهِمْ بِغَدْرِ [٣]
فَيَا لَهْفِي لِمُنْذِرٍ إذْ تَوَلَّى ... وَأَعْنَقَ فِي مَنِيَّتِهِ بِصَبْرِ [٤]
وَكَائِنْ قَدْ أُصِيبَ غَدَاةَ ذَاكُمْ ... مِنْ أَبْيَضَ مَاجِدٍ مِنْ سِرِّ عَمْرِو [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي آخِرَهَا بَيْتًا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ):
وَأَنْشَدَنِي لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ، يُعَيِّرُ بَنِي جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ:
تَرَكْتُمْ جَارَكُمْ لِبَنِي سُلَيْمٍ ... مَخَافَةَ حَرْبِهِمْ عَجْزًا وَهُونَا [٦]
فَلَوْ حَبْلًا تَنَاوَلَ مِنْ عُقَيْلٍ ... لَمَدَّ بِحَبْلِهَا حَبْلًا مَتِينَا [٧]
أَوْ الْقُرَطُاءُ مَا إنْ أَسْلَمُوهُ ... وَقِدْمًا مَا وَفَوْا إذْ لَا تَفُونَا
(نَسَبُ الْقُرَطَاءِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقُرَطَاءُ: قَبِيلَةٌ مِنْ هَوَازِنَ، وَيُرْوَى «مِنْ نُفَيْلٍ» مَكَانَ «مِنْ عُقَيْلٍ»، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْقُرَطَاءَ مِنْ نُفَيْلٍ قَرِيبٌ [٨] .
---------------------------
[١] استهلى: أسبلى دمعك. والسح: الصب، والنزر: الْقَلِيل.
[٢] كَذَا فِي ديوانه. وَفِي الْأُصُول:
ولاقتهم مناياهم بِقدر
[٣] تخون: تنقص (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) .
[٤] أعنق: أسْرع. والعنق بِفتْحَتَيْنِ: ضرب من السّير سريع.
[٥] سر الْقَوْم: خبرهم وخالصهم.
[٦] الْهون: الهوان، والهون لُغَة الْحِجَازِيِّينَ.
[٧] يعْنى «بالحبل»: الْعَهْد والذمة.
[٨] قَالَ أَبُو ذَر: «القرطاء: بطُون من الْعَرَب من بنى كلاب، وهم: قراط (بِالضَّمِّ) وقريط (بِالتَّصْغِيرِ) وقريط (بِفَتْح فَكسر) . ويسمون القروط أَيْضا» .
أَمْرُ إجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ
(خُرُوجُ الرَّسُولِ إلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ قَتْلَى بَنِي عَامِرٍ وَهَمُّهُمْ بِالْغَدْرِ بِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَنِي النَّضِيرِ [١] يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، اللَّذَيْنِ قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، لِلْجِوَارِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ لَهُمَا، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي عَامِرٍ عَقْدٌ وَحِلْفٌ.
فَلَمَّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ، قَالُوا نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتُ، مِمَّا اسْتَعَنْتُ بِنَا عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ، فَقَالُوا: إنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَاعِدٌ- فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جَحَّاشِ بْنِ كَعْبٍ، أَحَدَهُمْ، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
(انْكِشَافُ نِيَّتِهِمْ لِلرَّسُولِ وَاسْتِعْدَادُهُ لِحَرْبِهِمْ):
فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا اسْتَلْبَثَ النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابُهُ، قَامُوا فِي طَلَبِهِ، فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَدِينَةَ. فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى انْتَهَوْا إلَيْهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، بِمَا كَانَتْ الْيَهُودُ أَرَادَتْ مِنْ الْغَدْرِ بِهِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ، وَالسَّيْرِ إلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: [٢]: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «ذكر ابْن إِسْحَاق هَذِه الْغَزْوَة فِي هَذَا الْموضع وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكرهَا بعد بدر» لما روى عقيل وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَت غَزْوَة بنى النَّضِير بعد بدر بِسِتَّة شهور.
[٢] فِي أ: «فِيمَا قَالَ ابْن هِشَام» وَقد وَردت هَذِه الْعبارَة بعقب كلمة «مَكْتُوم» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ [١] حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، وَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ
(حِصَارُ الرَّسُولِ لَهُمْ وَتَقْطِيعُ نَخْلِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخِيلِ وَالتَّحْرِيقِ فِيهَا، فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ، وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا [٢]؟
(تَحْرِيضُ الرَّهْطِ لَهُمْ ثُمَّ مُحَاوَلَتُهُمْ الصُّلْحَ):
وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ (عَدُوُّ اللَّهِ) [٣] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ (و[٤]) وَدِيعَةُ وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ، وَسُوَيْدُ وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا إلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنْ اُثْبُتُوا وَتَمَنَّعُوا، فَإِنَّا لَنْ نُسَلِّمَكُمْ، إنْ قُوتِلْتُمْ [٥] قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ، فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ، وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا الْحَلْقَةَ [٦]، فَفَعَلَ. فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ [٧] بَابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إلَى الشَّامِ.
(مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمْ إلَى خَيْبَرَ):
فَكَانَ أَشْرَافُهُمْ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ [٨] إلَى خَيْبَرَ: سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ، وَكِنَانَةُ ابْن الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ. فَلَمَّا نَزَلُوهَا دَانَ لَهُمْ أَهْلُهَا.
---------------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] قَالَ السهيليّ: «قَالَ أهل التَّأْوِيل: وَقع فِي نفوس الْمُسلمين من هَذَا الْكَلَام شَيْء حَتَّى أنزل الله تَعَالَى: «مَا قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها ٥٩: ٥ ...» الْآيَة.
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قتلتم» وَهِي ظَاهِرَة التحريف.
[٦] الْحلقَة: السِّلَاح كُله، أَو خَاص بالدروع.
[٧] النجاف (بِوَزْن كتاب): العتبة الَّتِي بِأَعْلَى الْبَاب. والأسكفة: العتبة الَّتِي بأسفله.
[٨] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّهُمْ اسْتَقَلُّوا بِالنِّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ، مَعَهُمْ الدُّفُوفُ وَالْمَزَامِيرُ، وَالْقِيَانُ يَعْزِفْنَ خَلْفَهُمْ، وَإِنَّ فِيهِمْ لِأُمِّ عَمْرٍو صَاحِبَةَ عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ الْعَبْسِيِّ، الَّتِي ابْتَاعُوا مِنْهُ، وَكَانَتْ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي غِفَارٍ [١]، بِزُهَاءِ [٢] وَفَخْرٍ مَا رُئِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَيٍّ مِنْ النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ.
(تَقْسِيمُ الرَّسُولِ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ):
وَخَلَّوْا الْأَمْوَالَ لرَسُول الله ﷺ، فَكَانَت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ، فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ ابْن خَرَشَةَ ذَكَرَا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٣] .
(مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ):
وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إلَّا رَجُلَانِ: يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَبُو [٤] كَعْبِ بْنُ عَمْرِو ابْن جِحَاشٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ، أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا.
(تَحْرِيضُ يَامِينَ عَلَى قَتْلِ ابْنِ جِحَاشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ- وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَامِينَ: أَلَمْ تَرَ مَا لَقِيتُ مِنْ ابْنِ عَمِّكَ، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي؟ فَجَعَلَ يَامِينُ ابْن عُمَيْرٍ لِرَجُلِ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَقْتُلَ لَهُ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
(مَا نَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ):
وَنَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا، يَذْكُرُ فِيهَا مَا أَصَابَهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ. وَمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ، وَمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِمْ، فَقَالَ
------------------------------
[١] هِيَ سلمى. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: اسْمهَا ليلى بنت شعواء. وَقَالَ أَبُو الْفرج: «هِيَ سلمى أم وهب» امْرَأَة من كنَانَة كَانَت (ناكحة فِي مزينة)، فَأَغَارَ عَلَيْهِم عُرْوَة بن الْورْد فسباها. قَالَ السهيليّ: وَكَونهَا من كنَانَة لَا يدْفع قَول ابْن إِسْحَاق إِنَّهَا من غفار، لِأَن غفار من كنَانَة، فَهُوَ غفار بن مليل بن ضَمرَة ابْن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة. «رَاجع الرَّوْض الْأنف السهيليّ» .
[٢] الزهاء: الْإِعْجَاب والتكبر.
[٣] قَالَ السهيليّ: «وَقَالَ غير ابْن إِسْحَاق: وَأعْطى ثَلَاثَة من الْأَنْصَار» .
[٤] فِي الْأُصُول: «ابْن» والتصويب عَن شرح السِّيرَة لأبى ذَر.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
07-09-2026, 11:27 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (94)
صــ 193إلى صــ 202
تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [١]، مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ٥٩: ٢، وَذَلِكَ لِهَدْمِهِمْ بُيُوتَهُمْ عَنْ نُجُفِ أَبْوَابِهِمْ إذَا احْتَمَلُوهَا. «فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ٥٩: ٢- ٣» وَكَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ نِقْمَةٌ، «لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ٥٩: ٣»: أَيْ بِالسَّيْفِ، «وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ٥٩: ٣» مَعَ ذَلِكَ. «مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها ٥٩: ٥» . وَاللِّينَةُ: مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ مِنْ النَّخْلِ «فَبِإِذْنِ اللَّهِ ٥٩: ٥»: أَيْ فَبِأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَتْ، لَمْ يَكُنْ فَسَادًا، وَلَكِنْ كَانَ نِقْمَةً مِنْ اللَّهِ «وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ٥٩: ٥» .
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللِّينَةُ: مِنْ الْأَلْوَانِ، وَهِيَ مَا لَمْ تَكُنْ بَرْنِيَّةَ وَلَا عَجْوَةً مِنْ النَّخْلِ، فِيمَا حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ [٢] . قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
كَأَنَّ قُتُودِي فَوْقَهَا عُشُّ طَائِرٍ ... عَلَى لِينَةٍ سَوْقَاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا [٣]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
«وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ٥٩: ٦» - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَعْنِي مِنْ بَنِي النَّضِيرِ- «فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَالله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٥٩: ٦»: أَيْ لَهُ خَاصَّةً.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أوْجَفْتُمْ: حَرَّكْتُمْ وَأَتْعَبْتُمْ فِي السَّيْرِ. قَالَ تَمِيمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ مُقْبِلٍ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ:
--------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: روى مُوسَى بن عقبَة أَنهم قَالُوا لَهُ: إِلَى أَيْن نخرج يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: إِلَى الْحَشْر، يعْنى أَرض الْحَشْر، وَهِي الشَّام، وَقيل إِنَّهُم كَانُوا فِي بسطة لم يصبهم جلاء قبلهَا. فَلذَلِك قَالَ: لأوّل الْحَشْر، والحشر: الْجلاء.
[٢] فِي أ: «قَالَ ابْن هِشَام: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة» .
[٣] القتود: الرحل مَعَ أدواته. وسوقاء: غَلِيظَة السَّاق. وتهفو: تهتز وتضطرب وجنوبها:
نَوَاحِيهَا.
١٣- سيرة ابْن هِشَام- ٢
مَذَاوِيدُ بِالْبِيضِ الْحَدِيثِ صِقَالُهَا ... عَنْ الرَّكْبِ أَحْيَانًا إذَا الرَّكْبُ أَوْجَفُوا [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَهُوَ الْوَجِيفُ. (و[٢]) قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ [٣] الطَّائِيُّ، وَاسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ:
مُسْنِفَاتٌ كَأَنَّهُنَّ قَنَا الْهِنْدِ ... لِطُولِ الْوَجِيفِ جَدْبَ الْمَرُودِ [٤]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السِّنَافُ: الْبِطَانُ [٥] . وَالْوَجِيفُ (أَيْضًا): وَجِيفُ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ، وَهُوَ الضَّرَبَانُ. قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ الظَّفَرِيُّ:
إنَّا وَإِنْ قَدَّمُوا الَّتِي عَلِمُوا [٦] ... أَكْبَادُنَا مِنْ وَرَائِهِمْ تَجِفُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
«مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ٥٩: ٧» - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مَا يُوجِفُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَفُتِحَ بِالْحَرْبِ عَنْوَةً فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ- «وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ٥٩: ٧» . يَقُولُ: هَذَا قِسْمٌ آخَرُ فِيمَا أُصِيبَ بِالْحَرْبِ [٧] بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى مَا وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا ٥٩: ١١ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمْ يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ٥٩: ١١: يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ، إلَى قَوْلِهِ
----------------------------
[١] المذاويد: جمع مذواد، وَهُوَ الّذي يدافع عَن قومه. وَالْبيض: السيوف. والْحَدِيث صقالها، أَي الْقَرِيب عهدها بالصقل.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زيد» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] مسنفات: مشدودات بالسنف، وَهُوَ الحزام. والجدب: القفر، والمرود: الْموضع الّذي يرتاده الرائد، أَي الطَّالِب للرعي.
[٥] البطان: حزَام منسوج.
[٦] فِي م، ر: «عمِلُوا.» .
[٧] فِي م، ر: «الْحَرْب» .
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٥٩: ١٥: يَعْنِي بَنِي قَيْنُقَاعَ. ثُمَّ الْقِصَّةُ ...
إلَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ٥٩: ١٦- ١٧.
(مَا قِيلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الشِّعْرِ):
وَكَانَ مِمَّا قِيلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الشِّعْرِ قَوْلُ ابْنِ لُقَيْمٍ الْعَبْسِيِّ، وَيُقَالُ:
قَالَهُ قَيْسُ بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْسُ بْنُ بَحْرٍ الْأَشْجَعِيُّ- فَقَالَ:
أَهْلِي فِدَاءٌ لِامْرِئٍ غَيْرِ هَالِكٍ ... أَحَلَّ الْيَهُودَ بِالْحَسِيِّ الْمُزَنَّمِ [١]
يَقِيلُونَ فِي جَمْرِ الغَضَاةِ وَبُدِّلُوا [٢] ... أُهَيْضِبُ [٣] عُودى [٤] بِالْوَدِيِّ الْمُكَمَّمِ [٥]
فَإِنْ يَكُ ظَنِّيُّ صَادِقًا بِمُحَمَّدٍ ... تَرَوْا خَيْلَهُ بَيْنَ الصَّلَا وَيَرَمْرَمَ [٦]
-----------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «الْحسي والحساء: مياه تغور فِي الرمل تمسكها صلابة الأَرْض، فَإِذا حفر عَنْهَا وجدت. والمزنم (على هَذَا القَوْل): المقلل الْيَسِير. وَمن رَوَاهُ: بالحشى، أَرَادَ بِهِ حَاشِيَة الْإِبِل، وَهِي صغارها وضعافها، وَهُوَ الصَّوَاب. والمزنم (على هَذَا القَوْل): أَوْلَاد الْإِبِل الصغار. وَقد يكون المزنم (هُنَا): الْمعز، سميت بذلك للزنمتين اللَّتَيْنِ فِي أعناقها، وهما الهنتان اللَّتَان تتعلقان من أعناقها» .
وَقَالَ السهيليّ: «يُرِيد أحلّهُم دَار غربَة فِي غير عَشَائِرهمْ، والزنيم والمزنم: الرجل يكون فِي الْقَوْم وَلَيْسَ مِنْهُم، أَي أنزلهم بِمَنْزِلَة الْحسي، أَي المبعد الطريد، وَإِنَّمَا جعل الطريد الذَّلِيل حسيا، لِأَنَّهُ عرضة الْأكل. والحسي والحسو: مَا يحسى من الطَّعَام حسوا، أَي أَنه لَا يمْتَنع على آكل.
وَيجوز أَن يُرِيد بالحسى معنى الغذى من الْغنم، وَهُوَ الصَّغِير الضَّعِيف. الّذي لَا يَسْتَطِيع الرَّعْي، يُقَال: بدلُوا بِالْمَالِ الدثر وَالْإِبِل الكوم رذال المَال وغذاء الْغنم والمزنم مِنْهُ. فَهَذَا وَجه يحْتَمل. وَقد أكثرت التنقير عَن الْحسي فِي مظانه من اللُّغَة فَلم أجد نصا شافيا أَكثر من قَول أَبى على: الحسية والحسي: مَا يحسى من الطَّعَام. وَإِذا قد وجدنَا الغذى، وَاحِدَة غذَاء الْغنم، فالحسى فِي مَعْنَاهُ غير مُمْتَنع أَن يُقَال، وَالله أعلم. والمزنم (أَيْضا) صغَار الْإِبِل» .
وَقد يكون الْحسي أَيْضا: الْغُصْن من النَّبَات. وَيكون المزنم مَا لَهُ زنم وَهُوَ الْوَرق.
[٢] كَذَا فِي أ. والغضاة: وَاحِدَة الغضى، وَهُوَ شجر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْعضَاة» وَهُوَ شجر أَيْضا، الْوَاحِدَة: عضة.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر. والأهيضب: الْمَكَان الْمُرْتَفع. وَفِي أ «أهيصب» بالصَّاد الْمُهْملَة.
[٤] كَذَا فِي أ. قَالَ أَبُو ذَر: «غودى»: اسْم مَوضِع. وَمن رَوَاهُ: عودا، فَهُوَ من عَاد يعود، أَو الصَّوَاب رِوَايَة من رَوَاهُ: «عودي» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عورى» .
[٥] الودي: صغَار النّخل. والمكمم: الّذي خرج طلعه.
[٦] الصلا ويرمرم: موضعان.
يَؤُمُّ بِهَا عَمْرَو بْنَ بُهْثَةَ إنَّهُمْ ... عَدْوٌّ وَمَا حَيٌّ صَدِيقٌ كَمُجْرِمِ
عَلَيْهِنَّ أَبْطَالٌ مَسَاعِيرُ فِي الْوَغَى ... يَهُزُّونَ أَطْرَافَ الْوَشِيجِ الْمُقَوَّمِ [١]
وَكُلَّ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدٌ ... تُوُورِثْنَ مِنْ أَزْمَانِ عَادٍ وَجُرْهُمِ
فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي قُرَيْشًا رِسَالَةً ... فَهَلْ بَعْدَهُمْ فِي الْمَجْدِ مِنْ مُتَكَرِّمِ
بِأَنَّ أَخَاكُمْ فَاعْلَمُنَّ مُحَمَّدًا ... تَلِيدُ النَّدَى بَيْنَ الْحَجُونِ وَزَمْزَمِ [٢]
فَدِينُوا لَهُ بِالْحَقِّ تَجْسُمُ أُمُورُكُمْ ... وَتَسْمُوا مِنْ الدُّنْيَا إلَى كُلِّ مُعْظَمِ [٣]
نَبِيٌّ تَلَاقَتْهُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ ... وَلَا تَسْأَلُوهُ أَمْرَ غَيْبٍ مُرَجَّمِ [٤]
فَقَدْ كَانَ فِي بَدْرٍ لعمري عِبْرَة ... لكم يَا قُرَيْشًا وَالْقَلِيبِ الْمُلَمَّمِ [٥]
غَدَاةَ أَتَى فِي الْخَزْرَجِيَّةِ عَامِدًا ... إلَيْكُمْ مُطِيعًا لِلْعَظِيمِ الْمُكَرَّمِ
مُعَانًا بِرُوحِ الْقُدْسِ يُنْكَى عَدُوُّهُ ... رَسُولًا مِنْ الرَّحْمَنِ حَقًّا بِمَعْلَمِ [٦]
رَسُولًا مِنْ الرَّحْمَنِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... فَلَمَّا أَنَارَ الْحَقُّ لَمْ يَتَلَعْثَمْ [٧]
أَرَى أَمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... عُلُوًّا لِأَمْرِ حَمَّهُ اللَّهُ مُحْكَمِ [٨]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ بُهْثَةَ، مِنْ غَطَفَانَ. وَقَوْلُهُ «بِالْحَسِيِّ الْمُزَنَّمِ»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَذْكُرُ إجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَعْرِفُهَا لِعَلِيٍّ:
---------------------------
[١] مساعير: يسعرون الْحَرْب ويهيجونها. والوشيج: الرماح.
[٢] تليد. قديم. والندى: الْكَرم. والحجون: مَوضِع بِمَكَّة.
[٣] فدينوا، أَي أطِيعُوا. وتجسم: تعظم. وتسمو: ترفع.
[٤] المرجم: المظنون الّذي لَا يتَيَقَّن.
[٥] الملمم: الْمَجْمُوع.
[٦] روح الْقُدس: جِبْرِيل عليه السلام. وينكى عدوه: يُبَالغ فِي ضَرَره. والمعلم: الْموضع الْمُرْتَفع المشرف.
[٧] لم يتلعثم: لم يتَأَخَّر وَلم يتَوَقَّف.
[٨] حمه: قدره.
عَرَفْتُ وَمَنْ يَعْتَدِلْ يَعْرِفْ ... وَأَيْقَنْتُ حَقًّا وَلَمْ أَصْدِفْ [١]
عَنْ الْكَلِمِ الْمُحْكَمِ اللَّاءِ [٢] مِنْ ... لَدَى اللَّهِ ذِي الرَّأْفَةِ الْأَرْأَفِ
رَسَائِلُ تُدْرَسُ فِي الْمُؤْمِنِينَ ... بِهِنَّ اصْطَفَى أَحْمَدَ الْمُصْطَفَى
فَأَصْبَحَ أَحْمَدُ فِينَا عَزِيزًا ... عَزِيزَ الْمُقَامَةِ وَالْمَوْقِفِ [٣]
فَيَأَيُّهَا الْمُوعِدُوهُ سَفَاهًا ... وَلَمْ يَأْتِ جَوْرًا وَلَمْ يَعْنُفْ [٤]
أَلَسْتُمْ تَخَافُونَ أَدْنَى الْعَذَابِ ... وَمَا آمِنُ اللَّهِ كَالْأَخْوَفِ
وَأَنْ تُصْرَعُوا تَحْتَ أَسْيَافِهِ ... كَمَصْرَعِ كَعْبٍ أَبِي الْأَشْرَفِ
غَدَاةَ رَأَى اللَّهُ طُغْيَانَهُ ... وَأَعْرَضَ كَالْجَمَلِ الْأَجْنَفِ [٥]
فَأَنْزَلَ جِبْرِيلَ فِي قَتْلِهِ ... بِوَحْيٍ إلَى عَبْدِهِ مُلْطَفِ
فَدَسَّ الرَّسُولُ رَسُولًا لَهُ ... بِأَبْيَضَ ذِي هَبَّةٍ مُرْهَفِ [٦]
فَبَاتَتْ عُيُونٌ لَهُ مُعْوِلَاتٍ ... مَتَى يُنْعَ كَعْبٌ لَهَا تَذْرِفْ [٧]
وَقُلْنَ لِأَحْمَدَ ذَرْنَا قَلِيلًا ... فَإِنَّا مِنْ النَّوْحِ لَمْ نَشْتَفِ
فَخَلَّاهُمْ ثُمَّ قَالَ اظْعَنُوا ... دُحُورًا عَلَى رَغْمِ الْآنُفِ [٨]
وَأَجْلَى النَّضِيرَ إلَى غُرْبَةٍ ... وَكَانُوا بِدَارٍ ذَوِي زُخْرُفِ [٩]
إِلَى أَذْرُعَات ردا فِي وَهُمْ ... عَلَى كُلِّ ذِي دَبَرٍ أَعْجَفِ [١٠]
-------------------------
[١] لم أَصْدف: لم أعرض.
[٢] فِي أ: «الْآي» .
[٣] المقامة (بِضَم الْمِيم): مَوضِع الْإِقَامَة.
[٤] الموعدوه: المهددوه. والسفاة: الضلال. وَلم يعنف: لم يَأْتِ غير الرّفق.
[٥] الأجنف: المائل إِلَى جِهَة.
[٦] بأبيض: يعْنى سَيْفا. وَالْهِبَة: الاعتزاز. والمرهف: الْقَاطِع.
[٧] معولات: باكيات بِصَوْت. وينعى: يذكر خبر قَتله. وتذرف: تسيل بالدموع.
[٨] اظعنوا: ارحلوا. والدحور (بِالدَّال الْمُهْملَة): الذل والهوان. وعَلى رغم الآنف: على المذلة، يُقَال: أرْغم الله أَنفه، إِذا أذله. والآنف: جمع أنف.
[٩] الغربة (بِضَم الْغَيْن): الاغتراب. (وبفتح الْغَيْن): الْبعد. والزخرف: الزِّينَة وَحسن التنعم.
[١٠] أَذْرُعَات: مَوضِع بِالشَّام. وردا فِي: أَي مرتدفين يردف بَعضهم بعض، الْوَاحِد: رد فِي (كسْرَى وسكارى) . ويروى: ردافا، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى. وَذُو دبر أعجف: يعْنى جملا. ودبر: جرح.
والأعجف: الهزيل الضَّعِيف.
فَأَجَابَهُ سَمَّاكٌ [١] الْيَهُودِيُّ، فَقَالَ:
إنْ تَفْخَرُوا فَهُوَ فَخْرٌ لَكُمْ ... بِمَقْتَلِ كَعْبٍ أَبِي الْأَشْرَفِ
غَدَاةَ غَدَوْتُمْ عَلَى حَتْفِهِ ... وَلَمْ يَأْتِ غَدِرًا وَلَمْ يُخْلِفْ
فَعَلَّ اللَّيَالِيَ وَصَرَفَ الدُّهُورَ ... يُدِيلُ [٢] مِنْ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ [٣]
بِقَتْلِ النَّضِيرِ وَأَحْلَافِهَا ... وَعَقْرِ النَّخِيلِ وَلَمْ تُقْطَفْ [٤]
فَإِنْ لَا أَمُتْ نَأْتِكُمْ بِالْقَنَا ... وَكُلُّ حُسَامٍ مَعًا مُرْهَفِ [٥]
بِكَفٍّ كَمِىٍّ بِهِ يَحْتَمِي ... مَتَى يَلْقَ قِرْنًا لَهُ يُتْلِفْ [٦]
مَعَ الْقَوْمِ صَخْرٌ وَأَشْيَاعُهُ ... إذَا غَاوَرَ الْقَوْمَ لَمْ يَضْعُفْ [٧]
كَلَيْثِ بِتَرْجِ حَمَى غِيلَهُ ... أَخِي غَابَةٍ هَاصِرٍ أَجْوَفِ [٨]
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي إجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلَ كَعْبِ ابْن الْأَشْرَفِ:
-------------------------
[١] كَذَا فِي أ: وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سمال» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر. ويديل: من الدولة، أَي نصيب مِنْهُ مثل مَا أصَاب منا. وَفِي أ:
«يدين» وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يدان» .
[٣] وَيُرِيد بالعادل المُصَنّف: النَّبِي ﷺ. قَالَ أَبُو ذَر: فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ الْيَهُودِيّ فِيهِ: الْعَادِل الْمنصف، وَهُوَ لَا يعْتَقد ذَلِك؟ فَالْجَوَاب أَن يُقَال: أَن يكون ذَلِك مِمَّا لَفظه لفظ الْمَدْح وَمَعْنَاهُ الذَّم، مثل قَوْله تَعَالَى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ٤٤: ٤٩ وكما قَالَ الآخر:
يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغْفرَة ... وَمن إساءة أهل السوء إحسانا
فَهَذَا إِن كَانَ ظَاهره الْمَدْح، فَمَعْنَاه الذَّم.
[٤] الأحلاف: جمع حلف، وَهُوَ الصاحب. ويروى: وإجلائها، يعْنى وإخراجها من بلادها.
وَلم تقطف (بِفَتْح الطَّاء) لم يُؤْخَذ ثَمَرهَا، ويروى بِكَسْر الطَّاء، أَي لم تبلغ زمن القطاف.
[٥] الحسام المرهف: السَّيْف الْقَاطِع.
[٦] الكمي: الشجاع. والقرن: الّذي يقاومك فِي قتال.
[٧] صَخْر هُوَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب.
[٨] ترج: جبل بالحجاز تنْسب إِلَيْهِ الْأسود. والغيل: أجمة الْأسد. والهاصر: الّذي يكسر فريسته إِذا أَخذهَا. والأجوف: الْعَظِيم الْجوف.
لَقَدْ خَزِيَتْ بِغَدْرَتِهَا الْحُبُورُ ... كَذَاكَ الدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ [١]
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِرَبٍّ ... عَزِيزٍ أَمْرُهُ أَمْرٌ كَبِيرُ
وَقَدْ أُوتُوا مَعًا فَهْمًا وَعِلْمًا ... وَجَاءَهُمْ مِنْ اللَّهِ النَّذِيرُ
نَذِيرٌ صَادِقٌ أَدَّى كِتَابًا ... وَآيَاتٍ مُبَيَّنَةً تُنِيرُ
فَقَالُوا مَا أَتَيْتَ بِأَمْرِ صِدْقٍ ... وَأَنْتَ بِمُنْكَرٍ مِنَّا جَدِيرُ [٢]
فَقَالَ بَلَى لَقَدْ أَدَّيْتُ حَقًّا ... يُصَدِّقُنِي بِهِ الْفَهِمُ الْخَبِيرُ
فَمَنْ يَتْبَعْهُ يُهْدَ لِكُلِّ رُشْدٍ ... وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ يُجْزَ الْكَفُورَ
فَلَمَّا أُشْرِبُوا غَدِرًا وَكُفْرًا ... وَحَادَ بِهِمْ [٣] عَنْ الْحَقِّ النُّفُورِ
أَرَى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأْيِ صَدْقٍ ... وَكَانَ اللَّهُ يَحْكُمُ لَا يَجُورُ
فَأَيَّدَهُ وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ ... وَكَانَ نَصِيرُهُ نِعْمَ النَّصِيرِ
فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعًا ... فَذَلَّتْ بَعْدَ مَصْرَعِهِ النَّضِيرُ
عَلَى الْكَفَّيْنِ ثَمَّ وَقَدْ عَلَتْهُ ... بِأَيْدِينَا مُشَهَّرَةٌ ذُكُورُ [٤]
بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ إذْ دَسَّ [٥] لَيْلًا ... إلَى كَعْبٍ أَخَا كَعْبٍ يَسِيرُ
فَمَا كَرِهَ فَأَنْزَلَهُ بِمَكْرٍ ... وَمَحْمُودٌ أَخُو ثِقَةٍ جَسُورُ
فَتِلْكَ بَنُو النَّضِيرِ بِدَارِ سَوْءٍ ... أَبَارَهُمْ بِمَا اجْتَرَمُوا الْمُبِيرُ [٦]
غَدَاةَ أَتَاهُمْ فِي الزَّحْفِ رَهْوًا ... رَسُولُ اللَّهِ وَهْوَ بِهِمْ بَصِيرُ [٧]
وَغَسَّانَ الْحُمَاةَ مُوَازِرُوهُ ... عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهْوَ لَهُمْ وَزِيرُ
فَقَالَ السِّلَمُ [٨] وَيْحَكُمْ فَصَدُّوا ... وَحَالَفَ [٩] أَمْرَهُمْ كَذِبٌ وَزُورُ
--------------------------
[١] الحبور: جمع حبر، وَهُوَ الْعَالم، وَيُقَال فِي جمعه: أَحْبَار (أَيْضا) وَيُرِيد «بالحبور»:
عُلَمَاء الْيَهُود.
[٢] جدير: حقيق وخليق.
[٣] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر: وحادبهم، أَي مَال بهم وَفِي جَمِيع الْأُصُول: «وجد بهم» .
[٤] مشهرة ذُكُور: سيوف مسلولة من أغمادها، قَوِيَّة قَاطِعَة.
[٥] فِي أ: «دش» (بالشين الْمُعْجَمَة) .
[٦] أبارهم: أهلكهم. واجترموا: كسبوا.
[٧] الرهو: مَشى فِي سُكُون.
[٨] السّلم (بِفَتْح السِّين وَكسرهَا): الصُّلْح.
[٩] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة، وحالف: صَاحب- وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَخَالف» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.
فَذَاقُوا غِبَّ أَمْرِهِمْ وَبَالًا ... لِكُلِّ ثَلَاثَة مِنْهُم بَعِيرًا [١]
وَأَجْلَوْا عَامِدِينَ لِقَيْنُقَاعَ ... وَغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ وَدُورُ [٢]
(شِعْرُ سَمَّاكٍ فِي الرَّدِّ عَلَى كَعْبٍ):
فَأَجَابَهُ سَمَّاكٌ الْيَهُودِيُّ، فَقَالَ:
أَرِقْتُ وَضَافَنِي هَمٌّ كَبِيرُ ... بِلَيْلٍ غَيْرُهُ لَيْلٌ قَصِيرُ [٣]
أَرَى الْأَحْبَارَ تُنْكِرُهُ جَمِيعًا ... وَكُلُّهُمْ لَهُ عِلْمٌ خَبِيرُ
وَكَانُوا الدَّارِسِينَ لِكُلِّ عِلْمٍ ... بِهِ التَّوْرَاةُ تَنْطِقُ وَالزَّبُورُ
قَتَلْتُمْ سَيِّدَ الْأَحْبَار كَعْبًا ... وَقد مَا كَانَ يَأْمَنُ مَنْ يُجِيرُ
تَدَلَّى نَحْوَ مَحْمُودٍ أَخِيهِ ... وَمَحْمُودٌ سَرِيرَتُهُ الْفُجُورُ
فَغَادَرَهُ كَأَنَّ دَمًا نَجِيعًا ... يَسِيلُ عَلَى مَدَارِعِهِ عَبِيرُ [٤]
فُقِدَ وَأَبِيكُمْ وَأَبِي جَمِيعًا ... أُصِيبَتْ إذْ أُصِيبَ بِهِ النَّضِيرُ
فَإِنْ نَسْلَمُ لَكُمْ نَتْرُكُ رِجَالًا ... بِكَعْبٍ حَوْلَهُمْ طَيْرٌ تَدُورُ
كَأَنَّهُمْ عَتَائِرُ يَوْمَ عِيدٍ ... تُذَبَّحُ وَهْيَ لَيْسَ لَهَا نَكِيرُ [٥]
بِبِيضٍ لَا تُلِيقُ لَهُنَّ عَظْمًا ... صَوَافِي الْحَدِّ أَكْثَرُهَا ذُكُورُ [٦]
كَمَا لَاقَيْتُمْ مِنْ بَأْسِ صَخْرٍ ... بِأُحْدٍ حَيْثُ لَيْسَ لَكُمْ نَصِيرُ [٧]
(شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي امْتِدَاحِ رِجَالِ بَنِي النَّضِيرِ):
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَخُو بَنِي سُلَيْمٍ يَمْتَدِحُ رِجَالَ بَنِي النَّضِيرِ:
-------------------------
[١] الوبال: النكال.
[٢] عَامِدين: قَاصِدين. وقينقاع: قَبيلَة من الْيَهُود.
[٣] أرقت: امْتنع النّوم عَنى. وضافنى: نزل بى.
[٤] النجيع: الدَّم الطري، والمدارع: جمع مدرعة، وَهِي ثوب يلبس. وَقَالَ بَعضهم: لَا تكون المدرعة إِلَّا من صوف. ويروى: (مذارعه) . بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، والمذارع من الْبَعِير وَالدَّابَّة: قوائمهما، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا: الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ. والعبير: الزَّعْفَرَان:
[٥] العتائر جمع عتيرة، وَهِي الذَّبِيحَة.
[٦] لَا تلِيق: لَا تبقى.
[٧] صَخْر: هُوَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب.
لَوْ أَنَّ أَهْلَ الدَّارِ لَمْ يَتَصَدَّعُوا ... رَأَيْتَ خِلَالَ الدَّارِ مَلْهًى وَمَلْعَبَا [١]
فَإِنَّكَ عَمْرِي هَلْ أُرِيكَ ظَعَائِنَا [٢] ... سَلَكْنَ عَلَى رُكْنِ الشَّطَاةِ [٣] فَتَيْأَبَا [٤]
عَلَيْهِنَّ عِينٌ [٥] مِنْ ظباء تبَالَة ... أَو انس يُصْبِيَنَ الْحَلِيمَ الْمُجَرِّبَا [٦]
إذَا جَاءَ بَاغِي الْخَيْرِ قُلْنَ فُجَاءَةً ... لَهُ بِوُجُوهٍ كَالدَّنَانِيرِ مَرْحَبَا
وَأَهْلًا فَلَا مَمْنُوعَ خَيْرٍ طَلَبْتَهُ ... وَلَا أَنْتَ تَخْشَى عِنْدَنَا أَنْ تُؤَنَّبَا
فَلَا تَحْسَبَنِّي كُنْتُ مَوْلَى ابْنِ مِشْكَمٍ ... سَلَامٍ وَلَا مَوْلَى حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَا [٧]
(شِعْرُ خَوَّاتٍ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ):
فَأَجَابَهُ خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ:
تُبَكِّي عَلَى قَتْلَى يَهُودَ وَقَدْ تَرَى ... مِنْ الشَّجْوِ لَوْ تَبْكِي أَحَبَّ وَأَقْرَبَا [٨]
فَهَلَّا عَلَى قَتْلَى بِبَطْنِ أُرَيْنِقٍ ... بَكَيْتَ وَلَمْ تُعْوِلْ مِنْ الشَّجْوِ مُسْهِبَا [٩]
إذَا السِّلْمُ دَارَتْ فِي صَدِيقٍ رَدَدْتَهَا ... وَفِي الدِّينِ صَدَّادًا وَفِي الْحَرْبِ ثَعْلَبَا [١٠]
عَمَدْتَ إلَى قَدْرٍ لِقَوْمِكَ تَبْتَغِي ... لَهُمْ شَبَهًا كَيْمَا تَعِزَّ وَتَغْلِبَا
فَإِنَّكَ لَمَّا أَنْ كَلِفْتَ تَمَدُّحًا ... لِمَنْ كَانَ عَيْبًا مَدْحُهُ وَتَكَذُّبَا
رَحَلْتَ بِأَمْرٍ كُنْتَ أَهْلًا لِمِثْلِهِ ... وَلَمْ تُلْفِ فِيهِمْ قَائِلًا لَكَ مَرْحَبَا
فَهَلَّا إلَى قَوْمٍ مُلُوكٍ مَدَحْتَهُمْ ... تَبَنَّوْا مِنْ الْعَزِّ الْمُؤَثَّلِ مَنْصِبَا [١١]
---------------------
[١] لم يتصدعوا: لم يتفرقوا.
[٢] الظعائن: النِّسَاء فِي الهوادج.
[٣] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة لأبى ذَر. والشطاة (بِالطَّاءِ الْمُهْملَة): مَوضِع. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«الشظاة» .
[٤] تيأب: مَوضِع.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَالْعين: جمع عيناء، وَهِي الْكَبِيرَة الْعين وَفِي أ: «عير» .
[٦] تبَالَة: مَوضِع الْيمن. ويصبين: يذْهبن الْعقل.
[٧] الْمولى (هُنَا): الحليف والصاحب.
[٨] الشجو: الْحزن.
[٩] أرينق (بالراء والزاى): مَوضِع. وَلم تعول: لم ترفع صَوْتك بالبكاء. والمسهب: الْمُتَغَيّر الْوَجْه
[١٠] الصداد: الّذي يصد عَن الدَّين وَالْحق. وثعلبا، أَي كثير الروغان، أَي لَا يصدق فِي الْحَرْب.
[١١] المؤثل: الْقَدِيم.
إلَى مَعْشَرٍ صَارُوا مُلُوكًا وَكُرِّمُوا ... وَلَمْ يُلْفَ فِيهِمْ طَالِبُ الْعُرْفِ مُجْدِبَا [١]
أُولَئِكَ أَحْرَى مِنْ يهود بمدحة ... نراهم وَفِيهِمْ عِزَّةُ الْمَجْدِ تُرْتُبَا [٢]
(شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرَّدِّ عَلَى خَوَّاتٍ):
فَأَجَابَهُ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، فَقَالَ:
هَجَوْتَ صَرِيحَ الْكَاهِنَيْنِ وَفِيكُمْ ... لَهُمْ نِعَمٌ كَانَتْ مِنْ الدَّهْرِ تُرْتُبَا [٣]
أُولَئِكَ أَحْرَى لَوْ بَكَيْتَ عَلَيْهِمْ ... وَقَوْمُكَ لَوْ أَدَّوْا مِنْ الْحَقِّ مُوجَبَا
مِنْ الشُّكْرِ إنَّ الشُّكْرَ خَيْرٌ مغبَّة ... وَأَوْفَقُ فِعْلًا لِلَّذِي كَانَ أَصْوَبَا [٤]
فَكُنْتَ كَمَنْ أَمْسَى يُقَطِّعُ رَأْسَهُ ... لِيَبْلُغَ عِزًّا كَانَ فِيهِ مُرَكَّبَا
فَبَكِّ بَنِي هَارُونَ وَاذْكُرْ فِعَالَهُمْ ... وَقَتْلَهُمْ لِلْجُوعِ إذْ كُنْتَ مُجْدِبَا
أَخَوَّاتُ أَذِرْ الدَّمْعَ بِالدَّمْعِ وَابْكِهِمْ ... وَأَعْرِضْ عَنْ الْمَكْرُوهِ مِنْهُمْ وَنَكِّبَا [٥]
فَإِنَّكَ لَوْ لَاقَيْتَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ ... لَأُلْفِيتَ عَمَّا قَدْ تَقُولُ مُنَكِّبَا
سِرَاعٌ إلَى الْعَلْيَا كِرَامٌ لَدَى الْوَغَى ... يُقَالُ لِبَاغِي الْخَيْرِ أَهْلًا وَمَرْحَبَا
(شِعْرٌ لِكَعْبِ أَوْ ابْنِ رَوَاحَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ):
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ.
لَعَمْرِي لَقَدْ حَكَّتْ رحى الْحَرْب بعد مَا ... أَطَارَتْ لُؤَيًّا قَبْلُ شَرْقًا وَمَغْرِبَا
بَقِيَّةَ آلِ الْكَاهِنَيْنِ وَعِزَّهَا ... فَعَادَ ذَلِيلًا بَعْدَ مَا كَانَ أَغْلَبَا [٦]
فَطَاحَ سَلَامٌ وَابْنُ سَعْيَةَ عَنْوَةً ... وَقِيدَ ذَلِيلًا لِلْمَنَايَا ابْنُ أَخْطَبَا [٧]
----------------------
[١] مجدب: من الجدب، وَهُوَ الْقَحْط وَقلة الْخَيْر.
[٢] ترَتّب: (بِضَم التَّاء الثَّانِيَة وَفتحهَا): ثَابت. وَالتَّاء الأولى فِيهِ زَائِدَة، وَهُوَ من «رتب» عِنْد سِيبَوَيْهٍ.
[٣] الصَّرِيح: الْخَالِص النّسَب. والكاهنان: قبيلان من يهود الْمَدِينَة، يَزْعمُونَ أَنهم من ولد هَارُون عليه السلام. ويروى: «الكاهنين» للْجمع.
[٤] خير مغبة، أَي خير عَاقِبَة بعد.
[٥] نكب: عرج عَنْهُم.
[٦] الْأَغْلَب: الشَّديد.
[٧] طاح: ذهب وَهلك. والعنوة: الْقَهْر والذلة.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
07-13-2026, 11:54 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (95)
صــ 203إلى صــ 212
وَأَجْلَبَ [١] يَبْغِي العزّ والذلّ ببتغى ... خِلَافَ يَدَيْهِ مَا جَنَى حِينَ أَجْلَبَا
كَتَارِكِ سَهْلِ الْأَرْضِ وَالْحَزَنُ هَمَّهُ ... وَقَدْ كَانَ ذَا فِي النَّاسِ أَكْدَى وَأَصْعَبَا [٢]
وَشَأْسٌ وعَزُّالٌ وَقَدْ صَلَيَا بِهَا ... وَمَا غُيِّبَا عَنْ ذَاكَ فِيمَنْ تَغَيَّبَا
وَعَوْفُ بْنُ سَلْمَى وَابْنُ عَوْفٍ كِلَاهُمَا ... وَكَعْبٌ رَئِيسُ الْقَوْمِ حَانَ وَخُيِّبَا [٣]
فَبُعْدًا وَسُحْقًا لِلنَّضِيرِ وَمِثْلِهَا ... إنْ أَعْقَبَ فَتْحٌ أَوْ إنْ اللَّهُ أَعْقَبَا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِيهِ.
غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ
(الْأُهْبَةُ لَهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَبَعْضَ جُمَادَى [٥]، ثُمَّ غَزَا نَجْدًا يُرِيدُ بَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِيَّ ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ [٦]، وَيُقَالُ: عُثْمَانَ ابْن عَفَّانَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
----------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ «وأحلب» . قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بِالْجِيم، فَمَعْنَاه جمع وَصَاح، وَمن رَوَاهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة. فَمَعْنَاه جمع (أَيْضا)، إِلَّا أَن الّذي بِالْجِيم لَا يكون إِلَّا مَعَ صياح.
[٢] الْحزن: مَا علا من الأَرْض. وأكدى: لم ينجح فِي سَعْيه، يُقَال: أكدى الرجل فِي حَاجته، إِذا لم يظفر بهَا.
[٣] حَان: هلك.
[٤] إِن الله أعقبا: أَي إِن الله جَاءَ بالنصر عَلَيْهِم.
[٥] قَالَ الزرقانى: «وَعند ابْن سعد وَابْن حبَان أَنَّهَا كَانَت فِي الْمحرم سنة خمس» وَجزم أَبُو معشر أَنَّهَا بعد بنى قُرَيْظَة.
[٦] قَالَ الزرقانى: «قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَتعقبه ابْن عبد الْبر بِأَنَّهُ خلاف مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَر، وَبِأَن أَبَا ذَر لما أسلم بِمَكَّة رَجَعَ إِلَى بِلَاده فَلم يجِئ إِلَّا بعد الخَنْدَق» .
(سَبَبُ تَسْمِيَتِهَا بِذَاتِ الرِّقَاعِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى نَزَلَ نَخْلًا [١]، وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، لِأَنَّهُمْ رَقَّعُوا فِيهَا رَايَاتِهِمْ، وَيُقَالُ: ذَاتُ الرِّقَاعِ: شَجَرَةٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ الرِّقَاعِ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا عَظِيمًا [٣] مِنْ غَطَفَانَ، فَتَقَارَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وَقَدْ خَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ انْصَرَفَ بِالنَّاسِ.
(صَلَاةُ الْخَوْفِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ- وَكَانَ يُكَنَّى:
أَبَا عُبَيْدَةَ [٤]- قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٥] بِطَائِفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَطَائِفَةٌ مُقْبِلُونَ عَلَى الْعَدُوِّ. قَالَ: فَجَاءُوا فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: صَفَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَفَّيْنِ، فَرَكَعَ بِنَا جَمِيعًا،
---------------------------
[١] نخل: مَوضِع بِنَجْد من أَرض غطفان. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «إِنَّمَا قيل لَهَا ذَات الرّقاع. لأَنهم نزلُوا بجبل يُقَال لَهُ ذَات الرّقاع. وَقيل أَيْضا:
إِنَّمَا قيل لَهَا ذَلِك، لِأَن الْحِجَارَة أوهنت أَقْدَامهم، فشدوا رِقَاعًا، فَقيل لَهَا: ذَات الرّقاع» .
وَقَالَ السهيليّ بعد مَا عرض رأى ابْن هِشَام «وَذكر غَيره أَنَّهَا أَرض فِيهَا بقع سود، وبقع بيض، كلهَا مرقعة برقاع مُخْتَلفَة، قد سميت ذَات الرّقاع لذَلِك، وَكَانُوا قد نزلُوا فِيهَا فِي تِلْكَ الْغُزَاة، وَأَصَح هَذِه الْأَقْوَال كلهَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيق أَبى مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي غزَاة، وَنحن سِتَّة بَيْننَا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قَدَمَايَ وَسَقَطت أظفارى، فَكُنَّا نلف على أَرْجُلنَا الْخرق، فسميت غَزْوَة ذَات الرّقاع، لما كُنَّا نعصب من الْخرق على أَرْجُلنَا» .
وَقَالَ الزرقانى فِي شرح الْمَوَاهِب بعد مَا سَاق كلَاما لَا يخرج عَن هَذَا: «وَهِي غَزْوَة محَارب، وغزوة بنى ثَعْلَبَة، وغزوة بنى أَنْمَار، وغزوة صَلَاة الْخَوْف، لوقوعها بهَا، وغزوة الْأَعَاجِيب. لما وَقع فِيهَا من الْأُمُور العجيبة» .
[٣] فِي أ: «جمعا مَعَ غطفان» .
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] كَذَا فِي أ. وزادت سَائِر الْأُصُول: «صَلَاة الْخَوْف ثمَّ انْصَرف بِالنَّاسِ. قَالَ ابْن هِشَام» .
ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَسَجَدَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا رَفَعُوا سَجَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الْآخَرُ حَتَّى قَامُوا مَقَامَهُمْ ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَجَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ سَجَدَ الْآخَرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وَسَجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْفُسِهِمْ سَجْدَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [١]: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: يَقُومُ الْإِمَامُ وَتَقُومُ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَطَائِفَةٌ مِمَّا يَلِي عَدُوَّهُمْ، فَيَرْكَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ وَيَسْجُدُ بِهِمْ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُونَ فَيَكُونُونَ مِمَّا يَلِي الْعَدُوَّ، يَتَقَدَّمُ الْآخَرُونَ فَيَرْكَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً، وَيَسْجُدُ بِهِمْ، ثُمَّ تُصَلِّي كُلُّ طَائِفَةٍ بِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، فَكَانَتْ لَهُمْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً رَكْعَةً، وَصَلَّوْا بِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً رَكْعَةً.
(غُوْرَثُ وَمَا هَمَّ بِهِ مِنْ قَتْلِ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:
أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُحَارِبٍ، يُقَالُ لَهُ: غُوْرَثُ [٢]، قَالَ لِقَوْمِهِ مِنْ غَطَفَانَ وَمُحَارِبٍ:
أَلَا أَقْتُلُ لَكُمْ مُحَمَّدًا؟ قَالُوا: بَلَى، وَكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: أَفْتِكُ بِهِ. قَالَ: فَأَقْبَلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْظُرُ إلَى سَيْفِكَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ- وَكَانَ مُحَلًّى بِفِضَّةِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: فَأَخَذَهُ فَاسْتَلَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَهُزُّهُ، وَيَهُمُّ فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ [٣]، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا تَخَافَنِي؟ قَالَ: لَا، وَمَا أَخَافُ مِنْكَ؟
قَالَ: أَمَا تَخَافَنِي وَفِي يَدِي السَّيْفُ؟ قَالَ: لَا، يَمْنَعُنِي (اللَّهُ [٤]) مِنْكَ. ثُمَّ عَمَدَ إلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا ٥: ١١----------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] يحْكى بِالْفَتْح على وزن جَعْفَر، كَمَا يحْكى بِضَم أَوله. وَوَقع عِنْد الْخَطِيب بِالْكَاف بدل المثلاثة، وَحكى الْخطابِيّ فِيهِ غويرث، بِالتَّصْغِيرِ (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٣] يكبته الله: يذله ويقمعه.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ٥: ١١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: أَنَّهَا إنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، أَخِي بَنِي النَّضِيرِ وَمَا هَمَّ بِهِ، فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
(جَابِرٌ وَقِصَّتُهُ هُوَ وَجَمَلُهُ مَعَ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: جَعَلَتْ الرِّفَاقُ [١] تَمْضِي، وَجَعَلْتُ أَتَخَلَّفُ، حَتَّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ الله ﷺ، فَقَالَ:
مَالك يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا، قَالَ: أَنِخْهُ، قَالَ:
فَأَنَخْتُهُ، وَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَصَا مِنْ يَدِكَ، أَوْ اقْطَعْ لِي عَصًا مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَفَعَلْتُ. قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَخَسَهُ بِهَا نَخَسَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ، فَرَكِبْتُ، فَخَرَجَ، وَاَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، يُوَاهِقُ [٢] نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً.
قَالَ: وَتَحَدَّثْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِي: أَتَبِيعُنِي جَمَلَكَ هَذَا يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَهَبُهُ لَكَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: فَسُمْنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِدِرْهَمِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا.
إذَنْ، تَغْبِنُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَبِدِرْهَمَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَمَنِهِ حَتَّى بَلَغَ الْأُوقِيَّةَ. قَالَ: فَقُلْتُ:
أَفَقَدْ رَضِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَهُوَ لَكَ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ. قَالَ:
ثُمَّ قَالَ: يَا جَابِرُ، هَلْ تَزَوَّجْتَ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَثَيِّبًا أَمْ بِكْرًا؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ! قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ بَنَاتٍ لَهُ سَبْعًا، فَنَكَحْتُ
----------------------
[١] فِي أ: «الرّقاع» وَلَا معنى لَهَا.
[٢] يواهق نَاقَته: يعارضها فِي الْمثنى لسرعته.
امْرَأَةً جَامِعَةً، تَجْمَعُ رُءُوسَهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: أَصَبْتَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَمَا إنَّا لَوْ قَدْ جِئْنَا صِرَارًا [١] أَمَرْنَا بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا يَوْمَنَا ذَاكَ، وَسَمِعَتْ بِنَا، فَنَفَضَتْ نَمَارِقَهَا [٢] . قَالَ: قُلْتُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ نَمَارِقَ، قَالَ:
إنَّهَا سَتَكُونُ، فَإِذَا أَنْتَ قَدِمْتُ فَاعْمَلْ عَمَلًا كَيِّسًا. قَالَ: فَلَمَّا جِئْنَا صِرَارًا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَمَّا أَمْسَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ وَدَخَلْنَا، قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْمَرْأَةَ الْحَدِيثَ، وَمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: فَدُونَكَ، فَسَمْعٌ [٣] وَطَاعَةٌ.
قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ بِرَأْسِ الْجَمَلِ، فَأَقْبَلْتُ بِهِ حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَابِ [٤] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: ثُمَّ جَلَسْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَى الْجَمَلَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ، قَالَ: فَأَيْنَ جَابِرٌ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا بن أَخِي خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِكَ، فَهُوَ لَكَ، وَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِجَابِرِ، فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً. قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً، وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرا. قَالَ: فو الله مَا زَالَ يَنْمِى عِنْدِي، وَيَرَى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا، حَتَّى أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ لَنَا يَعْنِي يَوْمَ الْحَرَّةِ [٥] .
----------------------
[١] صرار: مَوضِع على ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] النمارق: جمع نمرقة، وَهِي الوسادة الصَّغِيرَة.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سمع» .
[٤] فِي أ: «على بَاب مَسْجِد» .
[٥] يُرِيد وقْعَة الْحرَّة الَّتِي كَانَت بِالْمَدِينَةِ أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة على يَد مُسلم بن عقبَة المري، الّذي يُسَمِّيه أهل الْمَدِينَة: مُسْرِف بن عقبَة. وَكَانَ سَببهَا أَن أهل الْمَدِينَة خلعوا يزِيد بن مُعَاوِيَة، وأخرجوا مَرْوَان ابْن الحكم وَبنى أُميَّة، وَأمرُوا عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة الغسيل، الّذي غسلت أَبَاهُ الْمَلَائِكَة يَوْم أحد. وَلم يُوَافق على هَذَا الْخلْع أحد من أكَابِر الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا فيهم.
وَكَانَ من أَمر جَابر هَذَا فِي هَذَا الْيَوْم أَنه أَخذ يطوف فِي أَزِقَّة الْمَدِينَة، والبيوت تنتهب وَهُوَ أعمى، وَهُوَ يعثر فِي الْقَتْلَى، وَيَقُول: تعس من أَخَاف رَسُول الله ﷺ، يُرِيد حَدِيثه ﷺ: من أَخَاف الْمَدِينَة فقد أَخَاف مَا بَين جَنْبي فحملوا عَلَيْهِ ليقتلوه، فأجاره مَرْوَان، وَأدْخلهُ بَيته. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
(ابْنُ يَاسِرٍ وَابْنُ بِشْرٍ، وَقِيَامُهُمَا عَلَى حِرَاسَةِ جَيْشِ الرَّسُولِ، وَمَا أُصِيبَا بِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَمِّي صَدَقَةُ [١] بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلًا، أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ الْخَبَرَ حَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتَّى يُهْرِيقَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ دَمًا، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا [٢] لَيْلَتَنَا (هَذِهِ) [٣]؟ قَالَ: فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَكُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ قَدْ نَزَلُوا إلَى شِعْبٍ مِنْ الْوَادِي، وَهُمَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ أَيَّ اللَّيْلِ تُحِبُّ أَنْ أَكْفِيكَهُ: أَوَّلَهُ أَمْ آخِرَهُ؟ قَالَ: بَلْ اكْفِنِي أَوَّلَهُ، قَالَ:
فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، قَالَ: وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ [٤] الْقَوْمِ. قَالَ: فَرَمَى بِسَهْمِ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، قَالَ: فَنَزَعَهُ وَوَضَعَهُ، فَثَبَتَ قَائِمًا، قَالَ: ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمِ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ. قَالَ:
فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِالثَّالِثِ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، قَالَ: فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ [٥] صَاحِبَهُ فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أَثْبَتُّ [٦]، قَالَ: فَوَثَبَ
---------------------------
[١] صَدَقَة هَذَا خزرى سكن بِمَكَّة، وَلَيْسَ بعم مُحَمَّد بن إِسْحَاق. قَالَ أَبُو ذَر: «وَقد خرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَلم يذكر فِيهِ «عمى» .
[٢] يكلؤنا: يحفظنا.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] الربيئة: الطليعة الّذي يحرس الْقَوْم.
[٥] أهب: أيقظ.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَأثبت: جرحت جرحا لَا يُمكن التحرك مَعَه. وَفِي: أ «أتيت» .
وَأثبت: أصبت.
فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ [١] قَدْ نَذِرَا [٢] بِهِ، فَهَرَبَ. قَالَ: وَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنْ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟ قَالَ:
كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِدَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأَذِنْتُكَ، وَأَيْمُ اللَّهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِدَها.
(رُجُوعُ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَنْفَذَهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ غَزْوَةِ الرِّقَاعِ، أَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ جُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا.
غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ
(خُرُوجُ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ فِي شَعْبَانَ إلَى بَدْرٍ، لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ، حَتَّى نَزَلَهُ.
(اسْتِعْمَالُهُ ابْنِ أُبَيٍّ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ الْأَنْصَارِيَّ.
(رُجُوعُ أَبِي سُفْيَانَ فِي رِجَالِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَمَانِي لَيَالٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ مَجِنَّةَ، مِنْ نَاحِيَةِ الظَّهْرَانِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: قَدْ بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّهُ لَا يُصْلِحُكُمْ إلَّا عَامٌ خَصِيبٌ تَرْعَوْنَ فِيهِ الشَّجَرَ، وَتَشْرَبُونَ فِيهِ اللَّبَنَ، وَإِنَّ عَامَكُمْ هَذَا عَامُ جَدْبٍ،
---------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَنه» .
[٢] نذرا بِهِ: علما.
١٤- سيرة ابْن هِشَام- ٢
وَإِنِّي رَاجِعٌ، فَارْجِعُوا، فَرَجَعَ النَّاسُ. فَسَمَّاهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ جَيْشَ السَّوِيقِ، يَقُولُونَ:
إنَّمَا خَرَجْتُمْ تَشْرَبُونَ السَّوِيقَ.
(الرَّسُولُ وَمَخْشِيٌّ الضَّمْرِيُّ):
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَدْرٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ لِمِيعَادِهِ، فَأَتَاهُ مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ وَادَعَهُ عَلَى بَنِي ضَمْرَةَ فِي غَزْوَةِ وَدَّانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَجِئْتَ لِلِقَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا أَخَا بَنِي ضَمْرَةَ، وَإِنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ رَدَدْنَا إلَيْكَ مَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، ثُمَّ جَالَدْنَاكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، مَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْكَ مِنْ حَاجَةٍ.
(مَعْبَدٌ وَشِعْرُهُ فِي نَاقَةٍ لِلرَّسُولِ هَوَتْ):
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، فَمَرَّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالَ، وَقَدْ رَأَى مَكَانَ [١] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَاقَتُهُ تَهْوَى [٢] بِهِ:
قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ ... وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كالعَنْجَدِ [٣]
تَهْوَى عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ ... قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي [٤]
وَمَاءَ ضَجْنَانَ [٥] لَهَا ضُحَى الْغَدِ
(شِعْرٌ لِابْنِ رَوَاحَةَ أَوْ كَعْبٍ فِي بَدْرٍ):
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي ذَلِكَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
وَعَدْنَا أَبَا سُفْيَانَ بَدْرًا فَلَمْ نَجِدْ ... لِمِيعَادِهِ صِدْقًا وَمَا كَانَ وَافِيَا
فَأُقْسِمُ لَوْ وَافَيْتَنَا فَلَقِيتنَا ... لَأُبْتَ ذَمِيمًا وَافْتَقَدْتَ الْمَوَالِيَا [٦]
--------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَقد كَانَ رَسُول الله.. إِلَخ» .
[٢] تهوى: تسرع.
[٣] العنجد: حب الزَّبِيب، وَيُقَال: هُوَ الزَّبِيب الْأسود.
[٤] الدَّين: الدأب وَالْعَادَة. والأتلد: الأقدم. وقديد: مَوضِع قرب مَكَّة.
[٥] ضجنَان (بِالْفَتْح وبالتحريك): جبل بِنَاحِيَة تهَامَة، وَقيل على بريد من مَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] افتقدت: فقدت. والموالي: الْقَرَابَة.
تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ عُتْبَةَ وَابْنَهُ ... وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثَاوِيَا [١]
عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ أُفٍّ لِدِينِكُمْ ... وَأَمْرِكُمْ السَّيْءِ الَّذِي كَانَ غَاوِيَا [٢]
فَإِنِّي وَإِنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقَائِلٌ ... فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أَهْلِي وَمَالِيَا [٣]
أَطَعْنَاهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينَا بِغَيْرِهِ ... شِهَابًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هَادِيَا [٤]
(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي بَدْرٍ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا ... جَلَّادٌ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ [٥]
بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهِمْ ... وَأَنْصَارِهِ حَقًّا وَأَيْدِي الْمَلَائِكِ
إذَا سَلَكْتَ لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ ... فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطّريق لَك [٦]
أَقَمْنَا عَلَى الرَّسِّ النَّزُوعِ ثَمَانِيَا ... بِأَرْعَنَ جَرَّارٍ عَرِيضِ الْمَبَارِكِ [٧]
بِكُلِّ كُمَيْتٍ جَوْزُهُ نِصْفُ خَلْقِهِ ... وَقُبٍّ طُوَّالٍ مُشْرِفَاتِ الْحَوَارِكِ [٨]
تَرَى الْعَرْفَجَ الْعَامِيَّ تَذْرِي أُصُولَهُ ... مَنَاسِمُ أَخْفَافِ الْمَطِيِّ الرَّوَاتِكَ [٩]
فَإِنْ نَلْقَ فِي تَطْوَافِنَا وَالْتِمَاسِنَا ... فُرَاتَ بْنَ حَيَّانٍ يَكُنْ رَهْنَ هَالِكِ
وَإِنْ تَلْقَ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ بَعْدَهُ ... يُزَدْ فِي سَوَادٍ لَوْنُهُ لَوْنُ حَالِكِ [١٠]
---------------------------
[١] ثاويا: مُقيما.
[٢] السيّئ (بِالتَّخْفِيفِ): السيّئ (بِالتَّشْدِيدِ) .
[٣] عنفتموني: لمتمونى.
[٤] لم نعدله: لم نر مَعَه غَيره.
[٥] الفلجات: جمع فلج، وَهُوَ المَاء الْجَارِي، سمى فلجا لِأَنَّهُ فدخ فِي الأَرْض، وَفرق بَين جانبيه.
والمخاض: الْحَوَامِل من الْإِبِل. والأوارك: الَّتِي ترعى الْأَرَاك، وَهُوَ شجر.
[٦] الْغَوْر: المنخفض من الأَرْض. وعالج: مَكَان فِيهِ رمل كثير.
[٧] الرس: الْبِئْر. والنزوع: الَّتِي يخرج مَاؤُهَا بِالْأَيْدِي. والأرعن: الْجَيْش الْكثير الّذي لَهُ أَتبَاع وفضول.
[٨] الْكُمَيْت: الْفرس. وَجوزهُ: وَسطه، وَيُرِيد بَطْنه. وَقب: جمع أقب، وَهُوَ الضامر. والحوارك جمع حارك، وَهُوَ أَعلَى الْكَتِفَيْنِ من الْفرس.
[٩] العرفج: نَبَات. والعامي: الّذي أَتَى عَلَيْهِ الْعَام. وتذرى أُصُوله: تعقلها وتطرحها. ومناسم:
جمع منسم، وَهُوَ طرف خف الْبَعِير. والرواتك: المسرعة.
[١٠] الحالك: الشَّديد السوَاد.
فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي رِسَالَةً ... فَإِنَّكَ مِنْ غُرِّ الرِّجَالِ الصَّعَالِكِ [١]
(شِعْرُ أَبِي سُفْيَانَ فِي الرَّدِّ عَلَى حَسَّانٍ):
فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ:
أَحَسَّانُ إنَّا يَا بن آكِلَةِ الْفَغَا ... وَجَدُّكَ نَغْتَالُ الْخُرُوقَ كَذَلِكِ [٢]
خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا ... وَلَوْ وَأَلَتْ مِنَّا بِشَدٍّ مُدَارِكِ [٣]
إذَا مَا انْبَعَثْنَا مِنْ مُنَاخٍ حَسِبْتَهُ ... مُدَمَّنَ أَهْلِ الْمَوْسِمِ الْمُتَعَارِكِ [٤]
أَقَمْتَ عَلَى الرَّسِّ النَّزُوعِ تُرِيدُنَا ... وَتَتْرُكُنَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْمَدَارِكِ [٥]
عَلَى الزَّرْعِ تَمْشِي خَيْلُنَا وَرِكَابُنَا ... فَمَا وَطِئَتْ أَلْصَقْنَهُ بِالدَّكَادِكِ [٦]
أَقَمْنَا ثَلَاثًا بَيْنَ سَلْعٍ وَفَارِعٍ ... بِجُرْدِ الْجِيَادِ وَالْمَطِيِّ الرَّوَاتِكِ [٧]
حَسِبْتُمْ جِلَادَ الْقَوْمِ عِنْدَ قِبَابِهِمْ ... كَمَأْخَذِكُمْ بِالْعَيْنِ أَرْطَالَ آنُكِ [٨]
فَلَا تَبْعَثْ [٩] الْخَيْلَ الْجِيَادَ وَقُلْ لَهَا ... عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الْمُعْصِمِ الْمُتَمَاسِكِ [١٠]
------------------------
[١] الغر: الْبيض. والصعالك: جمع صعلوك: وَأَصله الصعاليك، حذفت ياؤه لإِقَامَة الْوَزْن، وَهُوَ الْفَقِير الّذي لَا مَال لَهُ.
[٢] الفغا: التَّمْر، وَقيل: هُوَ غبرة تعلو التَّمْر قبل أَن يطيب. قَالَ أَبُو ذَر: يُرِيد أَنهم أهل نخيل وتمر. ونغتال: نقطع. والخروق: جمع خرق، وَهُوَ الفلاة الواسعة
[٣] اليعافير: جمع يَعْفُور، وَهُوَ ولد الظبية، يُرِيد أَنهم لكثرتهم لَا تنجو مَعَهم الظباء. ووألت:
اعتصمت ولجأت، يُقَال: وألت إِلَى الْجَبَل، أَي اعتصمت بِهِ، وَمِنْه: الموئل، وَهُوَ الملجأ. والشد:
الجرى. والمدارك: المتتابع.
[٤] المدمن: الْموضع الّذي ينزلون فِيهِ فيتركون بِهِ الدمن، أَي آثَار الدَّوَابّ وَالْإِبِل، وأرواثها وبعارها. وَأهل الْمَوْسِم، أَي جمَاعَة الْحجَّاج، وكل مَكَان كَانَت الْعَرَب تَجْتَمِع فِيهِ فَهُوَ موسم، إِذا كَانَ ذَلِك عَادَة مِنْهُم فِي ذَلِك الْمَكَان، كسوق عكاظ وَذي الْمجَاز وأشباهها. والمتعارك: الّذي يزدحم فِيهِ النَّاس.
[٥] الرس النُّزُوع: الْبِئْر الَّتِي تنْزع مَاؤُهَا بِالْأَيْدِي والمدارك: الْمَوَاضِع الْقَرِيبَة. ويروى:
«الْمُبَارك» .
[٦] الدكادك: جمع دكدك، وَهُوَ الرمل اللين.
[٧] سلع وفارع: جبلان. والرواتك: المسرعة.
[٨] كَذَا فِي أ. قَالَ أَبُو ذَر: «الْعين (هُنَا): المَال الْحَاضِر. وَالْعين (أَيْضا): الدّرّ، وَكِلَاهُمَا يصلح هَا هُنَا» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «العبر» . قَالَ أَبُو ذَر: «وَمن رَوَاهُ «بالعير» فالعير: الرّفْقَة من الْإِبِل. والآنك: القزدير.
[٩] فِي أ: «لَا تنْعَت» .
[١٠] المعصم: المستمسك بالشَّيْء.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
07-15-2026, 09:35 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (96)
صــ 213إلى صــ 222
سَعِدْتُمْ بِهَا وَغَيْرُكُمْ كَانَ أَهْلَهَا [١] ... فَوَارِسُ مِنْ أَبْنَاءِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ
فَإِنَّكَ لَا فِي هِجْرَةٍ إنْ ذَكَرْتَهَا ... وَلَا حُرُمَاتِ الدِّينِ أَنْتَ بِنَاسِكِ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَقِيَتْ مِنْهَا أَبْيَاتٌ تَرَكْنَاهَا، لِقُبْحِ اخْتِلَافِ قَوَافِيهَا. وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا الْبَيْتَ:
خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا
وَالْبَيْتَ الَّذِي بَعْدَهُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّأْمِ قَدْ حَالَ دُونَهَا
وَأَنْشَدَنِي لَهُ فِيهَا بَيْتَهُ «فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ» .
غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ
(مَوْعِدُهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَا أَشْهُرًا حَتَّى مَضَى ذُو الْحِجَّةِ وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ وَهِيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ [٣]
(اسْتِعْمَالُ ابْنِ عُرْفُطَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ.
(رُجُوعُ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّةَ سَنَتِهِ.
-------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وَفِي حَاشِيَة الشَّيْخ: شقيتم بهَا وغيركم أهل ذكرهَا» .
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والناسك: المتبع لمعالم دينه وشرائعه. ويروى «ناسكى» مَنْسُوبا، وخففت الْيَاء للقافية. وَرِوَايَة الشّطْر الثَّانِي فِي أ:
وَلَا حرمات دينهَا أَنْت ناسك
[٣] دومة (بِضَم الدَّال وتفتح) من أَعمال الْمَدِينَة، وَبَينهَا وَبَينهَا خمس عشرَة لَيْلَة، سميت بدومى بن إِسْمَاعِيل، كَانَ نزلها. (رَاجع الرَّوْض ومعجم الْبلدَانِ وَشرح الْمَوَاهِب) .
غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ [١] فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ
(تَارِيخُهَا):
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ، قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ [٢] .
(تَحْرِيضُ الْيَهُودِ لِقُرَيْشِ وَمَا نَزَلَ فِيهِمْ):
فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَاصِمِ ابْن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلُّهُمْ قَدْ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ الْخَنْدَقِ، وَبَعْضُهُمْ يُحَدِّثُ مَا لَا يُحَدِّثُ بِهِ [٣] بَعْضٌ، قَالُوا:
إنَّهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ الْيَهُودِ، مِنْهُمْ: سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ النَّضْرِيُّ [٤]، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ، وَكِنَانَةُ [٥] بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ النَّضْرِيُّ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ الْوَائِلِيُّ، وَأَبُو عَمَّارٍ الْوَائِلِيُّ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَنَفَرٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَهُمْ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَكَّةَ، فَدَعَوْهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: إنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ، فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ:
يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إنَّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ قَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ
---------------------
[١] بِهَذِهِ الْغَزْوَة يبتدى الْجُزْء الرَّابِع عشر من أَجزَاء السِّيرَة.
[٢] قَالَ الزرقانى: «وَاخْتلف فِي تاريخها.، فَقَالَ مُوسَى بن عقبَة فِي مغازيه الَّتِي شهد مَالك والشافعيّ بِأَنَّهَا أصح الْمَغَازِي، كَانَت سنة أَربع. قَالَ الْحَافِظ: وَتَابعه على ذَلِك الإِمَام مَالك» .
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] قَالَ السهيليّ: «وَنسب طَائِفَة من بنى النَّضِير، فَقَالَ فيهم: النضري، وَهَكَذَا تقيد فِي النُّسْخَة العتيقة، وَقِيَاسه: النضيري، إِلَّا أَن يكون من بَاب قَوْلهم: ثقفي وقرشي، وَهُوَ خَارج عَن الْقيَاس» .
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وكنانة بن الرّبيع بن أَبى الْحقيق النضري» .
(مِنْهُ) [١] . فَهُمْ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [٢]، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا» ٤: ٥١- ٥٢ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» ٤: ٥٤: أَيْ النُّبُوَّةَ [٣]، «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا» ٤: ٥٤- ٥٥.
(تَحْرِيضُ الْيَهُودِ لِغَطَفَانَ):
قَالَ [٣]: فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ، سَرَّهُمْ وَنَشَطُوا لِمَا دَعَوْهُمْ إلَيْهِ، مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتَّعَدُوا لَهُ. ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ يَهُودَ، حَتَّى جَاءُوا غَطَفَانَ، مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ، فَدَعَوْهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ فِيهِ.
(خُرُوجُ الْأَحْزَابِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ، وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ، وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ [٤]، فِي بَنِي فَزَارَةَ، وَالْحَارِثُ ابْن عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ، فِي بَنِي مُرَّةَ، وَمِسْعَرُ بْنُ رُخَيْلَةَ بْنِ نُوَيْرَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ سُحْمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خَلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، فِيمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ من أَشْجَع.
----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] الجبت والطاغوت: كل مَا يعبد من دون الله.
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] كَانَ اسْم عُيَيْنَة بن حصن: حُذَيْفَة، وسمى عُيَيْنَة، لشتر كَانَ بِعَيْنِه. أسلم ثمَّ ارْتَدَّ وآمن بطليحة حِين تنبأ وَأخذ أَسِيرًا، فَأتى بِهِ أَبُو بكر رضي الله عنه فَمن عَلَيْهِ، وَلم يزل مظْهرا الْإِسْلَام على جفوته وعنجهيته ولوثة أعرابيته حَتَّى مَاتَ. وَهُوَ الّذي قَالَ فِيهِ ﷺ: الأحمق المطاع، لِأَنَّهُ كَانَ يتبعهُ عشرَة آلَاف قناة. (رَاجع الرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .
(جفر الْخَنْدَقِ وَتَخَاذُلُ الْمُنَافِقِينَ وَجِدُّ الْمُؤْمِنِينَ):
فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ الْأَمْرِ، ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَجْرِ، وَعَمِلَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَدَأَبَ فِيهِ وَدَأَبُوا. وَأَبْطَأَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَجَعَلُوا يُوَرُّونَ [١] بِالضَّعِيفِ مِنْ الْعَمَلِ، وَيَتَسَلَّلُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا إذْنٍ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا نَابَتْهُ النَّائِبَةُ، مِنْ الْحَاجَةِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، يَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي اللُّحُوقِ بِحَاجَتِهِ، فَيَأْذَنُ لَهُ، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ رَجَعَ إلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ عَمَلِهِ، رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ، وَاحْتِسَابًا لَهُ.
(مَا نَزَلَ فِي الْعَامِلِينَ فِي الْخَنْدَقِ مُؤْمِنِينَ وَمُنَافِقِينَ):
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أُولَئِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ الله، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٤: ٦٢. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِسْبَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْخَيْرِ، وَالطَّاعَةِ للَّه وَلِرَسُولِهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَلَّلُونَ مِنْ الْعَمَلِ، وَيَذْهَبُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ: لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٢٤: ٦٣.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللِّوَاذُ: الِاسْتِتَارُ بِالشَّيْءِ عِنْدَ الْهَرَبِ، قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
--------------------------
[١] يورون: يستترون.
وَقُرَيْشٌ تَفِرُّ مِنَّا لِوَاذًا ... أَنْ يُقِيمُوا وَخَفَّ مِنْهَا الْحُلُومُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، قَدْ ذَكَرْتهَا فِي أَشْعَارِ يَوْمِ أُحُدٍ.
«أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ٢٤: ٦٤» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مِنْ صَدْقٍ أَوْ كَذِبٍ.
«وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢٤: ٦٤» .
(ارْتِجَازُ الْمُسْلِمِينَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ حَتَّى أَحْكَمُوهُ، وَارْتَجَزُوا فِيهِ بِرَجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يُقَالُ لَهُ جُعَيْلٌ، سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَمْرًا، فَقَالُوا:
سَمَّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعَيْلٍ عَمْرَا ... وَكَانَ لِلْبَائِسِ يَوْمًا ظَهْرَا [١]
فَإِذَا [٢] مَرُّوا «بِعَمْرٍو» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَمْرًا، وَإِذَا مَرُّوا «بِظَهْرٍ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ظَهْرًا [٣] .
(مَا ظَهَرَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ أَحَادِيثُ بَلَغَتْنِي، فِيهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِبْرَةٌ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ، عَايَنَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ.
(مُعْجِزَةُ الْكُدْيَةِ):
فَكَانَ مِمَّا بَلَغَنِي أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ، فَشَكَوْهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَا بِإِنَاءِ مِنْ مَاءٍ، فَتَفَلَ فِيهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، ثُمَّ نَضَحَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْكُدْيَةِ،
-----------------------
[١] الظّهْر: الْقُوَّة والمعونة. وَالضَّمِير فِي «سَمَّاهُ» و«كَانَ» للنّبيّ ﷺ. قَالَ أَبُو ذَر «وَقد يجوز فِيهِ وَجه ثَان، وَهُوَ أَن يكون الظّهْر (هُنَا): الْإِبِل، فَيكون الْبَيْت على وَجه آخر، تَقْدِيره وَكَانَ المَال للبائس يَوْمًا ظهرا، فأضمر اسْم كَانَ وَإِن لم يتَقَدَّم مَا يفسره، لِأَن مساق الْكَلَام يدل عَلَيْهِ، كَمَا قَالُوا: إِذا كَانَ غَدا فأتنى، أَي إِذا كَانَ الْيَوْم غَدا» .
[٢] زَادَت أبعد هَذَا الْبَيْت «فِي كتاب ابْن إِسْحَاق طهرا» .
[٣] أَي قَالَ مَعَهم آخر أَيْضا، فَكَانُوا يرتجزون هَذَا الشّعْر، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول مَعَهم أَوَاخِر أبياته.
فَيَقُولُ من حضرها: فو الّذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نبيّا، لَا نهالت [١] حَتَّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، لَا تَرُدُّ فَأْسًا وَلَا مِسْحَاةً.
(الْبَرَكَةُ فِي تَمْرِ ابْنَةِ بَشِيرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ ابْنَةً لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، أُخْتِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَتْ: دَعَتْنِي أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ، فَأَعْطَتْنِي حَفْنَةً مِنْ تَمْرٍ فِي ثَوْبِي، ثُمَّ قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّةُ، اذْهَبِي إلَى أَبِيكَ وَخَالِكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِغَدَائِهِمَا، قَالَتْ: فَأَخَذْتهَا، فَانْطَلَقْتُ بِهَا، فَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلْتَمِسُ أَبِي وَخَالِي، فَقَالَ: تَعَالَيْ يَا بُنَيَّةُ، مَا هَذَا مَعَكَ؟ قَالَتْ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا تَمْرٌ، بَعَثَتْنِي بِهِ أُمِّي إلَى أَبِي بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، وَخَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ يَتَغَدَّيَانِهِ، قَالَ: هَاتِيهِ، قَالَتْ: فَصَبَبْتُهُ فِي كَفَّيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا مَلَأَتْهُمَا، ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبِ فَبُسِطَ لَهُ، ثُمَّ دَحَا بِالتَّمْرِ عَلَيْهِ، فَتَبَدَّدَ فَوْقَ الثَّوْبِ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانِ عِنْدَهُ: اُصْرُخْ فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ: أَنْ هَلُمَّ إلَى الْغَدَاءِ. فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَجَعَلَ يَزِيدُ، حَتَّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْقُطُ مِنْ أَطْرَافِ الثَّوْبِ.
(الْبَرَكَةُ فِي طَعَامِ جَابِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَمِلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ، فَكَانَتْ عِنْدِي شُوَيْهَةٌ، غَيْرُ جِدٍّ سَمِينَةٌ [٢] . قَالَ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَوْ صَنَعْنَاهَا لرَسُول الله ﷺ، قَالَ:
فَأَمَرْتُ امْرَأَتِي، فَطَحَنَتْ لَنَا شَيْئًا مِنْ شَعِيرٍ، فَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا، وَذَبَحَتْ تِلْكَ الشَّاةَ، فَشَوَيْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْنَا وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِانْصِرَافَ عَنْ الْخَنْدَقِ- قَالَ: وَكُنَّا نَعْمَلُ فِيهِ نَهَارَنَا، فَإِذَا أَمْسَيْنَا رَجَعْنَا إلَى أَهَالِيِنَا- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكَ شُوَيْهَةً كَانَتْ عِنْدَنَا، وَصَنَعْنَا مَعَهَا شَيْئًا مِنْ خُبْزِ هَذَا الشَّعِيرِ، فَأُحِبُّ أَنْ تَنْصَرِفَ
-------------------------
[١] انهالت: تفتتت.
[٢] غير جد سَمِينَة: غير كَامِلَة السّمن.
مَعِي إلَى مَنْزِلِي، وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ.
قَالَ: فَلَمَّا أَنْ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ أَمَرَ صَارِخًا فَصَرَخَ: أَنْ انْصَرِفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦! قَالَ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ مَعَهُ، قَالَ: فَجَلَسَ وَأَخْرَجْنَاهَا إلَيْهِ. قَالَ: فَبَرَّكَ وَسَمَّى (اللَّهَ) [١]، ثُمَّ أَكَلَ، وَتَوَارَدَهَا النَّاسُ، كُلَّمَا فَرَغَ قَوْمٌ قَامُوا وَجَاءَ نَاسٌ، حَتَّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهَا.
(مَا أَرَى اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ الْفَتْحِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: ضَرَبْتُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْخَنْدَقِ، فَغَلُظَتْ عَلَيَّ صَخْرَةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنِّي، فَلَمَّا رَآنِي أَضْرِبُ وَرَأَى شِدَّةَ الْمَكَانِ عَلَيَّ، نَزَلَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ مِنْ يَدِي، فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً لَمَعَتْ تَحْتَ الْمِعْوَلِ بُرْقَةٌ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى. قَالَ: قُلْتُ:
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ لَمَعَ تَحْتَ الْمِعْوَلِ وَأَنْتَ تَضْرِبُ؟
قَالَ: أَوَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَنَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْمَشْرِقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، حِينَ فُتِحَتْ هَذِهِ الْأَمْصَارُ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَزَمَانِ عُثْمَانَ وَمَا بَعْدَهُ: افْتَتِحُوا مَا بدا لكم، فو الّذي نفس أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، مَا افْتَتَحْتُمْ مِنْ مَدِينَةٍ وَلَا تَفْتَتِحُونَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدًا ﷺ مَفَاتِيحَهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
(نُزُولُ قُرَيْشٍ الْمَدِينَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ، أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، بَيْنَ الْجُرُفِ وَزَغَابَةَ [٢] فِي عَشْرَةِ آلَافٍ
---------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «كَذَا وَقع هُنَا بالزاء مَفْتُوحَة. ورغابة بالراء الْمَفْتُوحَة هُوَ الْجيد، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الوقشى» .
مِنْ أَحَابِيشِهِمْ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، حَتَّى نَزَلُوا بِذَنَبِ نَقْمَى، إلَى جَانِبِ أُحُدٍ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إلَى سَلْعٍ [١]، فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسلمين، فَضرب لَك عَسْكَرَهُ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ.
(اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَرَ بِالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ فَجُعِلُوا فِي الْآطَامِ [٢] .
(حَمْلُ حُيَيٍّ كَعْبًا عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِ لِلرَّسُولِ):
(قَالَ) [٣]: وَخَرَجَ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ، حَتَّى أَتَى كَعْبَ ابْن أَسَدٍ الْقُرَظِيَّ، صَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهِمْ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمِهِ، وَعَاقَدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَاهَدَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ كَعْبٌ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَغْلَقَ دُونَهُ بَابَ حِصْنِهِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَنَادَاهُ حُيَيٌّ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ! افْتَحْ لِي، قَالَ: وَيْحكَ يَا حُيَيُّ: إنَّكَ امْرُؤٌ مَشْئُومٌ، وَإِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ مُحَمَّدًا، فَلَسْتُ بِنَاقِضٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إلَّا وَفَاءً وَصِدْقًا، قَالَ وَيْحَكَ افْتَحْ لِي أُكَلِّمْكَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ أَغْلَقْتُ دُونِي إلَّا عَنْ جَشِيشَتِكَ [٤]
---------------------
[()] وَقَالَ السهيليّ: «زغابة: اسْم مَوضِع، بالغين المنقوطة والزاى الْمَفْتُوحَة. وَذكره الْبكْرِيّ بِهَذَا اللَّفْظ بعد أَن قدم القَوْل بِأَنَّهُ زغابة، بِضَم الزاى وَالْعين الْمُهْملَة. وَحكى عَن الطَّبَرِيّ أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث:
بَين الجرف والغابة، وَاخْتَارَ هَذِه الرِّوَايَة وَقَالَ: لِأَن زغابة لَا تعرف. قَالَ السهيليّ: والأعرف عِنْدِي فِي هَذِه الرِّوَايَة رِوَايَة من قَالَ زغابة، بالغين المنقوطة، لِأَن فِي الحَدِيث الْمسند أَنه عليه الصلاة والسلام قَالَ فِي نَاقَة أهداها إِلَيْهِ أعرابى، فكافأه بست بكرات، فَلم يرض، فَقَالَ عليه السلام: أَلا تعْجبُونَ لهَذَا الْأَعرَابِي: أهْدى إِلَى نَاقَة أعرفهَا بِعَينهَا كَمَا أعرف بعض أَهلِي، ذهبت منى يَوْم زغابة، وَقد كافأته بست فسخط» .
[١] سلع: جبل بِالْمَدِينَةِ.
[٢] الْآطَام: الْحُصُون، الْوَاحِد: أَطَم.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] الجشيشة: طَعَام يصنع من الجشيش، وَهُوَ الْبر يطحن غليظا، وَهُوَ الّذي تَقول لَهُ الْعَامَّة:
«دشيش» بِالدَّال، وَالصَّوَاب الْجِيم.
أَنْ آكُلَ مَعَكَ مِنْهَا [١]، فَاحْفَظْ [٢] الرَّجُلَ، فَفَتَحَ لَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ، جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ وَبِبَحْرٍ طَامٍّ [٣]، جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، حَتَّى أَنْزَلْتهمْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا حَتَّى أَنْزَلَتْهُمْ بِذَنَبِ نَقْمَى إلَى جَانِبِ أُحُدٍ، قَدْ عَاهَدُونِي وَعَاقَدُونِي عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: جِئْتنِي وَاَللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ، وَبِجَهَامٍ [٤] . قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ، فَهُوَ يَرْعَدُ وَيَبْرُقُ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ! فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إلَّا صِدْقًا وَوَفَاءً. فَلَمْ يَزَلْ حُيَيٌّ بِكَعْبِ يَفْتِلُهُ فِي الذَّرْوَةِ وَالْغَارِبِ [٥]، حَتَّى سَمَحَ لَهُ، عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ عَهْدًا (مِنْ اللَّهِ) [٦] وَمِيثَاقًا: لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ. فَنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ، وَبَرِئَ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(تَحَرِّي الرَّسُولِ عَنْ نَقْضِ كَعْبٍ لِلْعَهْدِ):
فَلَمَّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْأَوْسِ، وَسَعْدَ ابْن عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمٍ، أَحَدَ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَمَعَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ [٧]، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا، أَحَقٌّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ
--------------------------
[١] كَذَا وَردت هَذِه الْعبارَة فِي أ. وَنَصهَا فِي سَائِر الْأُصُول: «إِن أغلقت الْحصن دوني إِلَّا تخوفت على جشيشتك أَن آكل مِنْهَا مَعَك» .
[٢] أحفظه: أغضبهُ.
[٣] آطام: مُرْتَفع، وَيُرِيد كَثْرَة الرِّجَال.
[٤] الجهام: السَّحَاب الرَّقِيق الّذي لَا مَاء فِيهِ.
[٥] هَذَا مثل، وَأَصله فِي الْبَعِير يستصعب عَلَيْك، فتأخذ القرادة من ذروته وغارب سنامه وتفتل هُنَاكَ، فيجد الْبَعِير لَذَّة، فيأنس عِنْد ذَلِك. فَضرب هَذَا الْكَلَام مثلا فِي المراوضة والمخاتلة.
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] فِي أ: «أَخُو بنى الْخَزْرَج» .
الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا [١] أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ [٢] وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ. قَالَ: فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْهُمْ، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ، (فِيمَا) [٣] نَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: مَنْ رَسُولُ اللَّهِ؟ لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَلَا عَقْدَ. فَشَاتَمَهُمْ سَعْدُ ابْن مُعَاذٍ وَشَاتَمُوهُ، وَكَانَ رَجُلًا فِيهِ حِدَّةٌ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: دَعْ عَنْكَ مُشَاتَمَتَهُمْ، فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى [٤] مِنْ الْمُشَاتَمَةِ. ثُمَّ أَقْبَلَ سَعْدٌ وَسَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُمَا، إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالُوا: عَضَلٌ وَالْقَارَّةُ، أَيْ كَغَدْرِ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ، خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ.
(مَا عَمَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْخَوْفِ وَظُهُورُ نِفَاقِ الْمُنَافِقِينَ):
(قَالَ) [٣]: وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَأَتَاهُمْ عَدُوُّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، حَتَّى ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ، حَتَّى قَالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْغَائِطِ.
(رَأْيُ ابْنِ هِشَامٍ فِي نِفَاقِ مُعَتِّبٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَتَّى قَالَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ مِنْ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ عَنْ مَلَأٍ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنَرْجِعَ إلَى دَارِنَا، فَإِنَّهَا خَارِجٌ مِنْ الْمَدِينَةِ. فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
-----------------------
[١] اللّحن: اللغز، وَهُوَ أَنه يُخَالف ظَاهر الْكَلَام مَعْنَاهُ.
[٢] يُقَال: فت فِي عضده، إِذا أضعفه وأوهنه.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] أربى: أعظم.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
07-16-2026, 10:50 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (97)
صــ 223إلى صــ 232
وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إلَّا الرَّمِّيا [١] بِالنَّبْلِ وَالْحِصَارُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الرَّمْيَا.
(هَمَّ الرَّسُولُ بِعَقْدِ الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَطَفَانَ ثُمَّ عَدَلَ):
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ [٢] اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ، فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا الصُّلْحُ، حَتَّى كَتَبُوا الْكِتَابَ وَلَمْ تَقَعْ الشَّهَادَةُ وَلَا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ، إلَّا الْمُرَاوَضَةُ فِي ذَلِكَ. فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْرًا نُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، لَا بُدَّ لَنَا مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَالَ: بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاَللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ [٣] مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إلَى أَمْرٍ مَا، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ باللَّه وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إلَّا قِرًى [٤] أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمْنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! (وَاَللَّهِ) [٥] مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاَللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَتَنَاوَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الصَّحِيفَةَ، فَمَحَا مَا فِيهَا مِنْ الْكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا.
----------------------
[١] الرميا (بِكَسْر الرَّاء وَالْمِيم مشددتين وَتَخْفِيف الْيَاء): المراماة.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عبد الله» .
[٣] كالبوكم: اشتدوا عَلَيْكُم.
[٤] الْقرى: مَا يصنع للضيف من الطَّعَام.
[٥] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
(عُبُورُ نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْخَنْدَقَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، وَعَدُوُّهُمْ مُحَاصِرُوهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، إلَّا أَنَّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدِّ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيَّانِ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الشَّاعِرُ [١] ابْن مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، تَلَبَّسُوا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ خَرَجُوا عَلَى خَيْلِهِمْ، حَتَّى مَرُّوا بِمَنَازِلِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالُوا: تَهَيَّئُوا يَا بَنِي كِنَانَةَ لِلْحَرْبِ [٢]، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ الْفُرْسَانُ الْيَوْمَ. ثُمَّ أَقْبَلُوا تُعْنِقُ [٣] بِهِمْ خَيْلُهُمْ، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا.
(سَلْمَانُ وَإِشَارَتُهُ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: إنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ أَشَارَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَحَدَّثَنِي [٤] بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ قَالُوا: سَلْمَانُ مِنَّا، وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ.
(قَتْلُ عَلِيٍّ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكَانًا ضَيِّقًا مِنْ الْخَنْدَقِ، فَضَرَبُوا خَيْلَهُمْ فَاقْتَحَمَتْ مِنْهُ، فَجَالَتْ بِهِمْ فِي السَّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ، وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فِي نَفَرٍ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَخَذُوا عَلَيْهِمْ الثَّغْرَةَ [٥] الَّتِي أَقْحَمُوا مِنْهَا خَيْلَهُمْ
----------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] فِي أ: «لِلْقِتَالِ» .
[٣] تعنق: تسرع.
[٤] زَادَت م، ر قبل هَذِه الْكَلِمَة: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٥] الثغرة: الثلم الّذي كَانَ هُنَاكَ فِي الخَنْدَق.
وَأَقْبَلَتْ الْفُرْسَانُ تُعْنِقُ نَحْوَهُمْ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلِمًا [١] لِيُرِيَ مَكَانَهُ. فَلَمَّا وَقَفَ هُوَ وَخَيْلُهُ، قَالَ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَبَرَزَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو، إنَّكَ قَدْ كُنْتُ عَاهَدْتُ اللَّهَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى إحْدَى خَلَّتَيْنِ إلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَجَلْ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَإِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إلَى النِّزَالِ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ يَا بن أخى؟ فو الله مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَكِنِّي وَاَللَّهِ أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَحَمَى [٢] عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ، فَعَقَرَهُ، وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، فَتَنَازَلَا وَتَجَاوَلَا، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه [٣] .
وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً، حَتَّى اقْتَحَمَتْ مِنْ الْخَنْدَقِ هَارِبَةً. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ:
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ ... وَنَصَرْتُ رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَابِي [٤]
فَصَدَدْتُ حِينَ تَرَكْتُهُ مُتَجَدِّلًا ... كَالْجِذْعِ بَين دكادك وروابي [٥]
وَعَفَفْتُ عَنْ أَثْوَابِهِ وَلَوْ أَنَّنِي ... كُنْتُ الْمُقَطَّرَ بَزَّنِى أَثْوَابِي [٦]
لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ خَاذِلَ دِينِهِ ... وَنَبِيِّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَشُكُّ فِيهَا لِعَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
-------------------------
[١] الْمعلم: الّذي جعل لَهُ عَلامَة يعرف بهَا.
[٢] حمى: اشْتَدَّ غَضَبه.
[٣] سَاق السهيليّ هَذِه الْقِصَّة عَن ابْن إِسْحَاق من غير رِوَايَة ابْن هِشَام عَن البكائي بِزِيَادَة عَمَّا هُنَا، نكتفي بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا (رَاجع الرَّوْض ج ٢ ص ١٩١) .
[٤] الْحِجَارَة (هُنَا): الأنصاب الَّتِي كَانُوا يعبدونها ويذبحون لَهَا.
[٥] متجدلا: لاصقا بِالْأَرْضِ وَاسْمهَا الجدالة. والجذع: فرع النَّخْلَة. والدكادك: جمع دكداك، هُوَ الرمل اللين. والروابي: جمع رابية، وَهِي الكدية المرتفعة.
[٦] المقطر: الّذي. ألْقى على أحد قطريه، أَي جَنْبَيْهِ. والقطر. الْجَانِب، يُقَال: طعنه فقطره، أَي أَلْقَاهُ على أحد جَنْبَيْهِ. وبزنى: سلبنى وجردنى.
١٥- سيرة ابْن هِشَام- ٢
(شِعْرُ حَسَّانَ فِي فِرَارِ عِكْرِمَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [١]: وَأَلْقَى عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رُمْحَهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ عَنْ عَمْرٍو، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
فَرَّ وَأَلْقَى لَنَا رُمْحَهُ ... لَعَلَّكَ عِكْرِمَ لَمْ تَفْعَلْ
وَوَلَّيْتَ تَعْدُو كَعَدْوِ الظَّلِيمِ [٢] ... مَا إنْ تَجُورُ [٣] عَنْ الْمَعْدِلِ
وَلَمْ تَلْقَ ظَهْرَكَ [٤] مُسْتَأْنِسًا ... كَأَنَّ قَفَاكَ قَفَا فُرْعُلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُرْعُلُ: صَغِيرُ الضِّبَاعِ، وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
(شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ):
وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَبَنِيَّ قُرَيْظَةَ:
حم، لَا يُنْصَرُونَ.
(شَأْنُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ [٥] الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ فِي حِصْنِ بَنِي حَارِثَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ مِنْ أَحْرَزِ حُصُونِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَكَانَتْ أُمُّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مَعَهَا فِي الْحِصْنِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ: فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ مُقَلَّصَةٌ [٦]، قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا ذِرَاعُهُ كُلُّهَا، وَفِي يَدِهِ حَرْبَتُهُ يَرْقُدُ [٧] بِهَا وَيَقُولُ
لَبِّثْ قَلِيلًا يَشْهَدْ الْهَيْجَا جَمَلْ ... لَا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إذَا حَانَ الْأَجَلْ [٨]
---------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٢] الظليم: ذكر النعام.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تحور» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول «وَلم تلو» .
[٥] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٦] مقلصة: قَصِيرَة قد ارْتَفَعت، يُقَال: تقلص الشَّيْء، إِذا ارْتَفع وانقبض.
[٧] كَذَا فِي أ. ويرقد: يسْرع. وَفِي سَائِر الْأُصُول «يرقل» .
[٨] كَذَا فِي الْأُصُول. قَالَ أَبُو ذَر: «جمل: اسْم رجل. وَهَذَا الرجز قديم تمثل بِهِ سعد» .
وَفِي الرَّوْض: «حمل» بِالْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ السهيليّ: «هُوَ بَيت تمثل بِهِ، يعْنى بِهِ حمل بن سعدانة بن الْحَارِث ابْن معقل بن كَعْب بن عليم بن جناب الْكَلْبِيّ» .
(قَالَ) فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: الحقّ: أَي ابْني، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَخَّرْتُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ سَعْدٍ، وَاَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ دِرْعَ سَعْدٍ كَانَتْ أَسْبَغَ [١] مِمَّا هِيَ، قَالَتْ:
وَخِفْتِ عَلَيْهِ حَيْثُ أَصَابَ السَّهْمُ مِنْهُ، فَرُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بِسَهْمِ، فَقَطَعَ مِنْهُ الْأَكْحَلَ [٢]، رَمَاهُ كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، حِبَّانُ [٣] بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ [٤]، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا أَصَابَهُ، قَالَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ: عَرَّقَ اللَّهُ وَجْهَكَ فِي النَّارِ، اللَّهمّ إنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنَّهُ لَا قَوْمَ أَحَبَّ إلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ وَكَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهمّ وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَضَعْتُ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ.
(شِعْرٌ لِأُسَامَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَاتِلُ سَعْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَصَابَ سَعْدًا يَوْمَئِذٍ إلَّا أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِي، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو أُسَامَةَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا [٥] لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ:
أَعِكْرِمُ هَلَّا لُمْتنِي إذْ تَقُولُ لِي ... فِدَاكَ بِآطَامِ الْمَدِينَةِ خَالِدُ [٦]
أَلَسْتُ الَّذِي أَلْزَمْتُ سَعْدًا مُرِشَّةً [٧] ... لَهَا بَيْنَ أَثْنَاءِ الْمَرَافِقِ عَانِدُ [٨]
قَضَى نَحْبَهُ مِنْهَا سَعِيدٌ فَأَعْوَلَتْ ... عَلَيْهِ مَعَ الشُّمْطِ الْعَذَارَى النَّوَاهِدُ [٩]
------------------------
[١] أَسْبغ: أكمل وأطول.
[٢] الأكحل: عرق فِي الذِّرَاع.
[٣] قَالَ السهيليّ: «حبَان» هُوَ ابْن عبد منَاف بن منقذ بن عَمْرو بن معيص بن عَامر بن لؤيّ» .
[٤] العرقة: هِيَ قلَابَة بنت سعد بن سعد بن سهم، وتكنى أم فَاطِمَة، وَسميت العرقة لطيب رِيحهَا، وَهِي جدة خَدِيجَة، أم أمهَا هَالة. (رَاجع الرَّوْض) .
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ لعكرمة ... إِلَخ» .
[٦] الْآطَام: الْحُصُون والقصور، الْوَاحِد: أَطَم.
[٧] كَذَا فِي أ. ومرشة: يعْنى رمية أَصَابَته فأطارت رشاش الدَّم مِنْهُ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مريشة» .
[٨] العاند: الْعرق الّذي لَا يَنْقَطِع مِنْهُ الدَّم.
[٩] النحب: الأَصْل. وأعولت: بَكت بِصَوْت مُرْتَفع. والشمط: جمع شَمْطَاء، وَهِي الَّتِي خالط شعرهَا الشيب. والعذارى: الْأَبْكَار. والنواهد: جمع ناهد، وَهِي الَّتِي ظهر نهدها.
وَأَنْتَ الَّذِي دَافَعْتَ عَنْهُ وَقَدْ دَعَا ... عُبَيْدَةُ جَمْعًا مِنْهُمْ إذْ يُكَابِدُ
عَلَى حِينِ مَا هُمْ جَائِرٌ عَنْ طَرِيقِهِ ... وَآخَرُ مَرْعُوبٌ عَنْ الْقَصْدِ قَاصِدُ [١]
(وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ) [٢] .
(قَاتِلُ سَعْدٍ فِي رَأْيِ ابْنِ هَشَّامٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنَّ الَّذِي رَمَى سَعْدًا خَفَاجَةُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ حِبَّانَ.
(صَفِيَّةُ وَحَسَّانُ وَمَا ذَكَرَتْهُ عَنْ جُبْنِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ قَالَ: كَانَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي فَارِعٍ، حِصْنُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَتْ:
وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَنَا فِيهِ، مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. قَالَتْ صَفِيَّةُ، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَقَدْ حَارَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَقَطَعَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنَّا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فِي نُحُورِ عَدُوِّهِمْ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ إلَيْنَا إنْ أَتَانَا آتٍ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا حَسَّانُ، إنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ كَمَا تَرَى يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا آمَنُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَتِنَا مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ يَهُودَ، وَقَدْ شُغِلَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَانْزِلْ إلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، قَالَ:
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا بْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاَللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا: قَالَتْ:
فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ عِنْدَهُ شَيْئًا، احْتَجَزْتُ [٣] ثُمَّ أَخَذْتُ عَمُودًا، ثُمَّ نَزَلْتُ مِنْ الْحِصْنِ إلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالْعَمُودِ حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهُ، رَجَعْتُ إلَى الْحِصْنِ، فَقُلْتُ: يَا حَسَّانُ، انْزِلْ إلَيْهِ فَاسْلُبْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ سَلَبِهِ إلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ، قَالَ: مَا لِي بِسَلَبِهِ مِنْ حَاجَة يَا بنت عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [٤] .
---------------------------
[١] المرعوب: المفزع. قَالَ أَبُو ذَر: من رَوَاهُ مَرْغُوب، بالغين الْمُعْجَمَة، فَمَعْنَاه: رغب عَن الْقَصْد: أَي تَركه، وَهُوَ على معنى النّسَب: أَي ذُو رَغْبَة.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] احتجزت: شددت وسطى. قَالَ أَبُو ذَر: «وَمن رَوَاهُ: اعتجرت، فَمَعْنَاه: شددت معجرى» .
[٤] قَالَ السهيليّ: «ومجمل هَذَا الحَدِيث عِنْد النَّاس على أَن حسان كَانَ جَبَانًا شَدِيد الْجُبْن. وَقد دفع هَذَا بعض الْعلمَاء وَأنْكرهُ، وَذَلِكَ أَنه حَدِيث مُنْقَطع الْإِسْنَاد، وَقَالَ: لَو صَحَّ هَذَا لهجي بِهِ حسان، فَإِنَّهُ كَانَ
(شَأْنُ نُعَيْمٍ فِي تَخْذِيلِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فِيمَا وَصَفَ اللَّهُ مِنْ الْخَوْفِ وَالشِّدَّةِ، لِتَظَاهُرِ عَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِتْيَانِهِمْ إيَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ.
(قَالَ) [١]: ثُمَّ إنَّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ قُنْفُدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خَلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَإِنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّمَا أَنْتُ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا [٢] إنْ اسْتَطَعْتُ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ. فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إيَّاكُمْ، وَخَاصَّةً مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: صَدَقْتُ، لَسْتُ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَأَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَحَوَّلُوا مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ قَدْ جَاءُوا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ ظَاهَرْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، فَإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً [٣] أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا بِبِلَادِهِمْ وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ
-------------------------
[()] يهاجى الشُّعَرَاء كضرار وَابْن الزبعري وَغَيرهمَا، وَكَانُوا يناقضونه ويردون عَلَيْهِ، فَمَا عيره أحد مِنْهُم بجبن، وَلَا وسمه بِهِ، فَدلَّ هَذَا على ضعف حَدِيث ابْن إِسْحَاق، وَإِن صَحَّ فَلَعَلَّ حسان أَن يكون مُعْتَلًّا فِي ذَلِك الْيَوْم بعلة منعته من شُهُود الْقِتَال، وَهَذَا أولى مَا تَأَول عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ أنكر أَن يكون هَذَا صَحِيحا أَبُو عمر رحمه الله فِي كتاب الدُّرَر لَهُ.
وعقب على هَذَا الحَدِيث أَبُو ذَر أَيْضا بِمَا لَا يخرج عَمَّا ذكر السهيليّ.
وَقَالَ الزرقانى بعد مَا سَاق رأى أَبى عمر فِي الدُّرَر، واستبعاده هَذَا على حسان: «وَإِنَّمَا كَانَ أولى، لِأَن ابْن إِسْحَاق لم ينْفَرد بِهِ، بل جَاءَ بِسَنَد مُتَّصِل حسن كَمَا علم، فاعتضد حَدِيثه. وَقد قَالَ ابْن السراج:
سكُوت الشُّعَرَاء عَن تعييره بذلك من أَعْلَام النُّبُوَّة، لِأَنَّهُ شاعره ﷺ» .
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] خذل عَنَّا: أَدخل بَين الْقَوْم حَتَّى يخذل بَعضهم بَعْضًا.
[٣] النهزة: انتهاز الشَّيْء واختلاسه.
وَبَيْنَ الرَّجُلِ بِبَلَدِكُمْ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بَهْ إنْ خَلَا بِكُمْ، فَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُنَاجِزُوهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَشَرْتُ بِالرَّأْيِ.
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا، وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْتُ عَلَيَّ حَقًّا أَنْ أُبْلِغَكُمُوهُ، نُصْحًا لَكُمْ، فَاكْتُمُوا عَنِّي، فَقَالُوا: نَفْعَلُ، قَالَ: تَعْلَمُوا أَنَّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَرْسَلُوا إلَيْهِ:
إنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَلْ يُرْضِيكَ أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنْ الْقَبِيلَتَيْنِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَنُعْطِيكَهُمْ، فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ثُمَّ نَكُونُ مَعَكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ: أَنْ نَعَمْ. فَإِنْ بَعَثَتْ إلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا.
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إنَّكُمْ أَصْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، وَلَا أَرَاكُمْ تَتَّهِمُونِي، قَالُوا: صَدَقْتُ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، قَالَ: فَاكْتُمُوا عَنِّي، قَالُوا: نَفْعَلُ، فَمَا أَمْرُكَ؟ [١]، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشِ وَحَذَّرَهُمْ مَا حَذَّرَهُمْ.
(دَبِيبُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ):
فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ [٢] أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَرُءُوسُ غَطَفَانَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّا لَسْنَا بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفُّ وَالْحَافِرُ [٣]، فَاغْدُوَا لِلْقِتَالِ حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، وَنَفْرُغَ مِمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهِمْ: إنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَهُوَ (يَوْمٌ) [٤] لَا نَعْمَلُ فِيهِ
-------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة «فَمَا أَمرك» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] فِي أ: «أَنه» .
[٣] يُرِيد «بالخف»: الْإِبِل، و«بالحافر»: الْخَيل.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِ بَعْضُنَا حَدَثًا، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ، وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِاَلَّذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّا نَخْشَى إنَّ ضَرَّسَتْكُمْ [١] الْحَرْبُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَن تنشروا [٢] إلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا، وَالرَّجُلَ فِي بَلَدِنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِذَلِكَ مِنْهُ.
فَلَمَّا رَجَعَتْ إلَيْهِمْ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ: وَاَللَّهِ إنَّ الَّذِي حَدَّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، فَأَرْسِلُوا بَنِي قُرَيْظَةَ: إنَّا وَاَللَّهِ لَا نَدْفَعُ إلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَالَ فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا، فَقَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، حِينَ انْتَهَتْ الرُّسُلُ إلَيْهِمْ بِهَذَا: إنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا، فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إلَى بِلَادِهِمْ. وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ فِي بَلَدِكُمْ، فَأَرْسِلُوا إلَى قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ: إنَّا وَاَللَّهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا [٣] حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَخَذَّلَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ فِي لَيَالٍ شَاتِيَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَجَعَلَتْ تَكْفَأُ قُدُورَهُمْ [٤]، وَتَطْرَحُ أَبْنِيَتَهُمْ [٥] .
(أَرْسَلَ الرَّسُولُ حُذَيْفَةَ لِيَتَعَرَّفَ مَا حَلَّ بِالْمُشْرِكِينَ):
(قَالَ) [٦]: فَلَمَّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا اخْتَلَفَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَا فَرَّقَ اللَّهُ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، دَعَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ، لِيَنْظُرَ مَا فَعَلَ الْقَوْمُ لَيْلًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، قَالَ:
قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَرَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَحِبْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا بن أَخِي، قَالَ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟
-----------------------------
[١] ضرستكم الْحَرْب: نَالَتْ مِنْكُم، كَمَا يُصِيب ذُو الأضراس بأضراسه.
[٢] أَن تنشمروا: أَن تنقبضوا وتسرعوا إِلَى بِلَادكُمْ.
[٣] هَذِه الْكَلِمَة «مُحَمَّدًا» سَاقِطَة فِي أ.
[٤] تكفأ قدورهم: تميلها وَتَقَلُّبهَا.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «آنيتهم» .
[٦] زِيَادَة عَن أ.
قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ، قَالَ: فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَلَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا. قَالَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَا بن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوِيًّا [١] مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ- يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجْعَةَ- أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فَمَا قَامَ [٢] رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَشِدَّةِ الْجُوعِ، وَشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنْ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: يَا حُذَيْفَةُ، اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ [٣]، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا. قَالَ: فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِي الْقَوْمِ وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللَّهِ تَفْعَلُ بِهِمْ مَا تَفْعَلُ، لَا تُقِرُّ لَهُمْ قِدْرًا وَلَا نَارًا وَلَا بِنَاءً. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لِيَنْظُرْ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ إلَى جَنْبِي، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ [٤] .
(مُنَادَاةُ أَبَى سُفْيَانَ فِيهِمْ بِالرَّحِيلِ):
ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ [٥] وَالْخُفُّ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمْ الَّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ شِدَّةِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ، وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، ثُمَّ قَامَ إلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ، فَوَثَبَ بِهِ على ثَلَاث، فو الله مَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إلَّا وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيَّ «أَنْ لَا تُحْدِثَ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي»، ثُمَّ شِئْتُ، لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمِ.
-------------------------
[١] هويا من اللَّيْل (بِفَتْح الْهَاء وَضمّهَا): قِطْعَة مِنْهُ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ» .
[٣] فِي أ: «يَفْعَلُونَ» .
[٤] فِي شرح الْمَوَاهِب: «فَضربت بيَدي على يَد الّذي عَن يَمِيني، فَأخذت بِيَدِهِ، فَقلت: من أَنْت؟
قَالَ: مُعَاوِيَة بن أَبى سُفْيَان، ثمَّ ضربت بيَدي على يَد الّذي عَن شمَالي، فَقلت: من أَنْت؟ قَالَ: عَمْرو ابْن الْعَاصِ» .
[٥] الكراع: الْخَيل.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
07-18-2026, 10:50 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (98)
صــ 233إلى صــ 242
(رُجُوعُ حُذَيْفَةَ إلَى الرَّسُولِ بِتَخَاذُلِ الْمُشْرِكِينَ وَانْصِرَافِهِمْ):
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَرَجَعْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ [١] لِبَعْضِ نِسَائِهِ، مَرَاجِلُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاجِلُ: ضَرْبٌ مِنْ وَشَى الْيَمَنِ.
فَلَمَّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إلَى رِجْلَيْهِ، وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، وَإِنِّي لِفِيهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فَانْشَمَرُوا رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ.
(انْصِرَافُ الرَّسُولِ عَنْ الْخَنْدَقِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ عَنْ الْخَنْدَقِ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ [٢] وَالْمُسْلِمُونَ، وَوَضَعُوا السِّلَاحَ.
غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ
(أَمْرُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ بِحَرْبِ بَنِي قُرَيْظَةَ):
فَلَمَّا كَانَتْ الظُّهْرُ، أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كَمَا حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، مُعْتَجِرًا [٣] بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ [٤]، عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ [٥]، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَقَالَ: أَوَقَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ جِبْرِيلُ:
فَمَا وَضَعَتْ الْمَلَائِكَةُ السِّلَاحَ بَعْدُ، وَمَا رَجَعَتْ الْآنَ إلَّا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ، إنَّ اللَّهَ عز وجل يَأْمُرُكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْمَسِيرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنِّي عَامِدٌ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ.
---------------------
[١] المرط: الكساء.
[٢] كَانَ دُخُول الرَّسُول ﷺ الْمَدِينَة يَوْم الْأَرْبَعَاء، يَوْم مُنْصَرفه من الخَنْدَق، لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٣] الاعتجار: أَن يتعمم الرجل دون تلح، أَي لَا يلقى شَيْئا تَحت لحيته.
[٤] الإستبرق: ضرب من الديباج غليظ.
[٥] الرحالة: السرج.
(دَعْوَةُ الرَّسُولِ الْمُسْلِمِينَ لِلْقِتَالِ):
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنًا، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا، فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إلَّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ.
(اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ):
وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
(تَقَدُّمُ عَلِيٍّ وَتَبْلِيغُهُ الرَّسُولَ مَا سَمِعَهُ مِنْ سُفَهَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِرَايَتِهِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَابْتَدَرَهَا النَّاسُ. فَسَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى إذَا دَنَا مِنْ الْحُصُونِ سَمِعَ مِنْهَا مَقَالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَدْنُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَخَابِثِ، قَالَ: لِمَ؟ أَظُنُّكَ سَمِعْتُ مِنْهُمْ لِي أَذًى؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَوْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُصُونِهِمْ. قَالَ: يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ، هَلْ أَخْزَاكُمْ اللَّهُ وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ؟ قَالُوا:
يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا كُنْتُ جَهُولًا.
(سَأَلَ الرَّسُولُ عَمَّنْ مَرَّ بِهِمْ فَقِيلَ دِحْيَةُ فَعَرَفَ أَنَّهُ جِبْرِيلُ):
وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالصَّوْرَيْنِ [١] قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ، عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ دِيبَاجٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ، بُعِثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ. وَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَةَ: نَزَلَ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِهَا مِنْ نَاحِيَةِ أَمْوَالِهِمْ، يُقَالُ لَهَا بِئْرُ أُنَا [٢] .
----------------------
[١] الصورين: مَوضِع قرب الْمَدِينَة. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] أَنا (كهنا أَو كحتى أَو بِكَسْر النُّون الْمُشَدّدَة، ويروى بموحدة بدل النُّون): من آبار بنى قُرَيْظَة. (رَاجع الرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب ومعجم الْبلدَانِ) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِئْرُ أَنَّى.
(تَلَاحُقُ الْمُسْلِمِينَ بِالرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ، فَأَتَى رِجَالٌ مِنْهُمْ [١] مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، فَشَغَلَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ فِي حَرْبِهِمْ، وَأَبَوْا أَنْ يُصَلُّوا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حَتَّى تَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ. فَصَلَّوْا الْعَصْرَ بِهَا، بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَمَا عَابَهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَلَا عَنَّفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٢] . حَدَّثَنِي بِهَذَا الحَدِيث أَبى إسْحَاقَ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ.
(حِصَارُهُمْ وَمَقَالَةُ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ لَهُمْ):
(قَالَ) [٣]: وَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ [٤] لَيْلَةً، حَتَّى جَهَدَهُمْ الْحِصَارُ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ.
وَقَدْ كَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ، حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتَّى يُنَاجِزَهُمْ، قَالَ كَعْبُ ابْن أَسَدٍ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: نُتَابِعُ هَذَا الرجل ونصدّقه فو الله لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ [٥]، قَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا،
--------------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة «مِنْهُم» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] يُؤْخَذ من هَذَا أَنه لَا يعاب من أَخذ بِظَاهِر حَدِيث أَو آيَة وَلَا من استنبط من النَّص معنى يخصصه، كَمَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَن كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب. (رَاجع الرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٣] زِيَادَة عَن.
[٤] وَقيل: خمس عشرَة لَيْلَة، وَقيل بضع عشرَة. (رَاجع الطَّبَقَات وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٥] هَذِه الْكَلِمَة «ونسائكم» سَاقِطَة فِي أ.
ثُمَّ نَخْرُجُ إلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالًا مُصْلِتِينَ السُّيُوفَ، لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثَقَلًا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ نَهْلِكْ نَهْلِكُ، وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا نَسْلًا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لِنَجِدَنَّ [١] النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ، قَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ! فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمَّنُونَا [٢] فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً، قَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا، وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إلَّا مَنْ قَدْ عَلِمْتُ، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ مِنْ الْمَسْخِ! قَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ الدَّهْرِ حَازِمًا.
(أَبُو لُبَابَةَ وَتَوْبَتُهُ):
(قَالَ) [٣]: ثُمَّ إنَّهُمْ بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنْ ابْعَثْ إلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ [٤] بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إلَيْهِ الرِّجَالُ، وَجَهَشَ [٥] إلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ [٦]؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، إنَّهُ الذَّبْحُ [٧] . قَالَ أَبُو لبَابَة: فول الله مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ
------------------------
[١] فِي أ: «لنتخذن» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أمنُوا» .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] هُوَ أَبُو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقيل: رِفَاعَة، وَقيل:
مُبشر، وَقيل: بشير، وَهُوَ أحد النُّقَبَاء، عَاشَ إِلَى خلَافَة على (رَاجع الِاسْتِيعَاب وَالرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٥] جهش: بَكَى.
[٦] قَالَ الزرقانى: «وَذَلِكَ أَنهم لما حوصروا حَتَّى أيقنوا بالهلكة، أنزلوا شأس بن قيس فَكَلمهُ ﷺ أَن ينزلُوا على مَا نزل بَنو النَّضِير من ترك الْأَمْوَال وَالْحَلقَة وَالْخُرُوج بِالنسَاء والذراري وَمَا حملت الْإِبِل إِلَّا الْحلقَة، فَأبى رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: تحقن دماءنا وتسلم لنا النِّسَاء والذرية وَلَا حَاجَة لنا فِيمَا حملت الْإِبِل، فَأبى ﷺ إِلَّا أَن ينزلُوا على حكمه، وَعَاد شأس إِلَيْهِم بذلك» . (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٧] كَأَن أَبَا لبَابَة فهم ذَلِك من عدم إِجَابَة الرَّسُول لَهُم بحقن دِمَائِهِمْ، وَعرف أَن الرَّسُول سيذبحهم إِن نزلُوا على حكمه، وَبِهَذَا أَشَارَ لبني قُرَيْظَة. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ. وَقَالَ:
لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، وَعَاهَدَ اللَّهَ: أَنْ لَا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلَا أُرَى فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ أَبَدًا.
(مَا نَزَلَ فِي خِيَانَةِ أَبَى لُبَابَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي لُبَابَةَ، فِيمَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨: ٢٧.
(مَوْقِفُ الرَّسُولِ مِنْ أَبِي لُبَابَةَ وَتَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُهُ، وَكَانَ قَدْ اَسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا إنَّهُ [١] لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أَنَا بِاَلَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ: أَنَّ تَوْبَةَ أَبَى لُبَابَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ السَّحَرِ [٢]، وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
(فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ [٣]): فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ السَّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ، قَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، إنْ شِئْتِ. قَالَ: فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ. قَالَتْ [٤]: فَثَارَ النَّاسُ إلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ، فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَارِجًا إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَطْلَقَهُ.
------------------------------
[١] فِي أ: «أما إِن لَو كَانَ ... إِلَخ» .
[٢] هَذِه الْكَلِمَة «من السحر» سَاقِطَة فِي أ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي م، ر: «قَالَ» .
(مَا نَزَلَ فِي التَّوْبَةِ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ مُرْتَبِطًا بِالْجِذْعِ سِتَّ لَيَالٍ. تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي كُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَتَحُلُّهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْتَبِطُ بِالْجِذْعِ، فِيمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْآيَةُ [١] الَّتِي نَزَلَتْ فِي تَوْبَتِهِ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٩: ١٠٢.
(إسْلَامُ نَفَرٍ مِنْ بَنِي هُدَلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأَسَدَ بْنَ عُبَيْدٍ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هُدَلٍ، لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النَّضِيرِ، نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ، هُمْ بَنُو عَمِّ الْقَوْمِ، أَسْلَمُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(أَمْرُ عَمْرِو بْنِ سُعْدَى):
وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى الْقَرَظِيُ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟
قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ سُعْدَى- وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدِ أَبَدًا- فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمَةَ حِينَ عَرَفَهُ [٢]: اللَّهمّ لَا تَحْرِمْنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ.
فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَتَى [٣] بَابَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ تَوَجَّهَ مِنْ الْأَرْضِ إلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَأْنُهُ، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ. وَبَعْضُ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ أُوثِقَ بِرُمَّةِ [٤] فِيمَنْ أُوثِقَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، حِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ
------------------------
[١] فِي أ: «الْآيَات» .
[٢] فِي م، ر: «طرفه» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] فِي أ: «حَتَّى بَات فِي مَسْجِد ... إِلَخ» .
[٤] الرمة: الْحَبل الْبَالِي.
ﷺ، فَأَصْبَحَتْ رُمَّتُهُ مُلْقَاةً، وَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
(نُزُولُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ الرَّسُولِ وَتَحْكِيمُ سَعْدٍ):
(قَالَ) [١] فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَوَاثَبَتْ الْأَوْسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُمْ [٢] مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إخْوَانِنَا بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتُ- وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إيَّاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بن سَلُولَ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ- فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ الْأَوْسُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي خَيْمَةٍ لِامْرَأَةِ مِنْ أَسْلَمَ [٣]، يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ، فِي مَسْجِدِهِ، كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ كَانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السَّهْمُ بِالْخَنْدَقِ: اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتَّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. فَلَمَّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، أَتَاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وَطَّئُوا لَهُ بِوِسَادَةِ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا وَلَّاكَ ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: لقد أَنى لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.
فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ سَعْدٌ، عَنْ كَلِمَتِهِ الَّتِي سَمِعَ مِنْهُ. فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي م، ر: «إِنَّهُم كَانُوا» .
[٣] وَقيل إِنَّهَا أنصارية. (رَاجع الْإِصَابَة وَشرح الْمَوَاهِب) .
قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ- فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: إنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ، وَأَمَّا الْأَنْصَارُ، فَيَقُولُونَ: قَدْ عَمَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فَقَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَلَّاكَ أَمْرَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ لَمَا حَكَمْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ: وعَلى من هَا هُنَا؟
فِي النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إجْلَالًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أَحُكْمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُقَسَّمُ الْأَمْوَالُ، وَتُسْبَى الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ.
(رِضَاءُ الرَّسُولِ بِحُكْمِ سَعْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو ابْن سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ [١] .
(سَبَبُ نُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ فِي رَأْيِ ابْنِ هِشَامٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَاحَ وَهُمْ مُحَاصِرُو بَنِي قُرَيْظَةَ: يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ، وَتَقَدَّمَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَذُوقَنَّ مَا ذَاقَ حَمْزَةُ أَوْ لَأُفْتَحَنَّ حِصْنَهُمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
(مَقْتَلُ بَنِي قُرَيْظَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ اسْتَنْزَلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ [٢]، امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
----------------------
[١] الأرقعة: السَّمَوَات، الْوَاحِدَة: رقيع.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَاسْمهَا: كيسة بنت الْحَارِث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس. وَكَانَت تَحت مُسَيْلمَة الْكذَّاب، ثمَّ خلف عَلَيْهَا عبد الله بن عَامر بن كريز» .
وَقَالَ الزرقانى: «هِيَ رَملَة بنت الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن الْحَارِث بن زيد، زَوْجَة معَاذ بن الْحَارِث ابْن رِفَاعَة، تكَرر ذكرهَا فِي السِّيرَة. والواقدي يَقُول: رَملَة بنت الْحَدث (بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة) . وَلَيْسَت هِيَ كيسة بنت الْحَارِث» .
إلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، الَّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ، فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، يُخْرَجُ بِهِمْ إلَيْهِ أَرْسَالًا [١]، وَفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، رَأْسُ الْقَوْمِ، وهم ستّ مائَة أَو سبع مائَة، وَالْمُكْثِرُ لَهُمْ يَقُولُ: كَانُوا بَين الثمان مائَة وَالتسع مائَة. وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَالًا: يَا كَعْبُ، مَا تَرَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟ قَالَ: أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزِعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ؟ هُوَ وَاَللَّهِ الْقَتْلُ! فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأْبُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
(مَقْتَلُ ابْنِ أَخْطَبَ وَشِعْرُ ابْنِ جَوَّالٍ فِيهِ):
وَأُتِيَ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ عَدُوِّ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ فَقَّاحِيَّةٌ [٢]- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَقَّاحِيَّةٌ: ضَرْبٌ مِنْ الْوَشَى- قَدْ شَقَّهَا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ (أُنْمُلَةٍ) [٣] لِئَلَّا يُسْلَبَهَا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ. فَلَمَّا نَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهَ يُخْذَلْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا [٤] اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
فَقَالَ جَبَلُ بْنُ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيُّ [٥]:
لَعَمْرُكَ مَا لَامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ ... وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهُ يُخْذَلْ
لَجَاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَهَا ... وَقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ [٦]
-----------------------
[١] أَرْسَالًا، أَي طَائِفَة بعد طَائِفَة.
[٢] فقاحية: تضرب إِلَى الْحمرَة، أَي على لون الْورْد حِين هم أَن يتفتح (اللِّسَان) .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي أ: «كتبت» .
[٥] كَانَ ابْن جوال هَذَا من بنى ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وَكَانَ يَهُودِيّا فَأسلم، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة. (رَاجع الرَّوْض والاستيعاب) .
[٦] قلقل: تحرّك.
١٦- سيرة ابْن هِشَام- ٢
(قَتَلَ مِنْ نِسَائِهِمْ امْرَأَةً وَاحِدَةً):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَتْ: وَاَللَّهِ إِنَّهَا لعندي تحدّث مَعِي، وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي السُّوقِ، إذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ؟ قَالَتْ: أَنَا وَاَللَّهِ قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: وَيلك، مَالك؟ قَالَتْ: أُقْتَلُ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِحَدَثِ أَحْدَثْتُهُ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا [١]، فَكَانَتْ عَائِشَة تَقول: فو الله مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا، طِيبَ نَفْسِهَا، وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ الَّتِي طَرَحَتْ الرَّحَا عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَقَتَلَتْهُ.
(شَأْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، كَمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، أَتَى الزُّبَيْرَ [٢] بْنَ بَاطَا الْقُرَظِيُّ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ- وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدْ مَنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [٣] . ذَكَرَ لِي بَعْضُ وَلَدِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ مَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ بُعَاثٍ، أَخَذَهُ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ- فَجَاءَهُ ثَابِتٌ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ، قَالَ: إنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْزِيَكَ بِيَدِكَ عِنْدِي، قَالَ: إنَّ الْكَرِيمَ يَجْزِي الْكَرِيمَ، ثُمَّ أَتَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِلزُّبَيْرِ عَلَيَّ مِنَّةٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا، فَهَبْ لِي دَمَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُوَ لَكَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَهَبَ لِي دَمَكَ، فَهُوَ لَكَ، قَالَ: شَيْخُ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ؟ قَالَ: فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي
-----------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «هِيَ امْرَأَة الْحسن الْقرظِيّ» .
[٢] قَالَ السهيليّ: «هُوَ الزبير، بِفَتْح الزاى وَكسر الْبَاء، جد الزبير بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فِي الْمُوَطَّأ فِي كتاب النِّكَاح. وَاخْتلف فِي الزبير بن عبد الرَّحْمَن، فَقيل: الزبير، بِفَتْح الزاى وَكسر الْبَاء، كاسم جده، وَقيل الزبير» .
[٣] فِي أ: «ذكر» .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
ابو الوليد المسلم
07-22-2026, 10:43 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_7555932ab9a91.gif
السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الثانى
الحلقة (99)
صــ 243إلى صــ 252
يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْ [١] لِي امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ، قَالَ: هُمْ لَكَ. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ وَهَبَ لِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ سلم أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ، فَهُمْ لَكَ، قَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ، فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، مَا لَهُ، قَالَ: هُوَ لَكَ. فَأَتَاهُ ثَابِتٌ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالَكَ، فَهُوَ لَكَ، قَالَ: أَيْ ثَابِتٌ، مَا فَعَلَ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيَّةٌ يَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيِّ، كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدِّمَتُنَا إذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا، عَزَّالُ بْنُ سَمَوْأَلَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمُجْلِسَانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ وَبَنِيَّ عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، قَالَ:
ذَهَبُوا قُتِلُوا؟ قَالَ: فَأَنِّي أَسْأَلُكَ يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ إلَّا ألحقتنى بالقوم، فو الله مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ، فَمَا أَنَا بِصَابِرِ للَّه فَتْلَةَ دَلْوٍ نَاضِحٍ [٢] حَتَّى أَلْقَى الْأَحِبَّةَ. فَقَدَّمَهُ ثَابِتٌ، فَضُرِبَ عُنُقُهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَوْلَهُ «أَلْقَى الْأَحِبَّةَ» . قَالَ: يَلْقَاهُمْ وَاَللَّهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا (فِيهَا) [٣] مُخَلَّدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قِبْلَةَ دَلْوٍ [٤] نَاضِحٍ. (و) [٣] قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سَلْمَى فِي «قِبْلَةٍ»:
وَقَابِلٍ يَتَغَنَّى كُلَّمَا قَدَرَتْ ... عَلَى الْعَرَاقَى يَدَاهُ قَائِما دفقا [٥]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَقَابِلٌ يُتَلَقَّى، يَعْنِي قَابِلَ الدَّلْوِ يَتَنَاوَلُ [٦] .
----------------------
[١] فِي أ: «يَا رَسُول الله، امْرَأَته وَولده» .
[٢] الناضح: الْحَبل الّذي يسْتَخْرج عَلَيْهِ المَاء من الْبِئْر بالسانية. وَأَرَادَ بقوله لَهُ: فتلة دلو نَاضِح، مِقْدَار مَا يَأْخُذ الرجل الدَّلْو إِذا أخرجت فيصبها فِي الْحَوْض، يفتلها أَو يردهَا إِلَى مَوْضِعه.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «وَمن رَوَاهُ: قبْلَة، بِالْقَافِ وَالْبَاء، فَهُوَ بِمِقْدَار مَا يقبل الرجل الدَّلْو، ليصبها فِي الْحَوْض ثمَّ يصرفهَا، وَهَذَا كُله لَا يكون إِلَّا عَن استعجال وَسُرْعَة» .
[٥] الْقَابِل: الّذي يقبل الدَّلْو. ودفق المَاء صبه، والعراقي: جمع عرقوة، وَهِي الْعود الّذي يكون فِي أدنى الدَّلْو.
[٦] كَذَا وَردت هَذِه الْعبارَة الَّتِي تلى بَيت زُهَيْر مروية عَن ابْن هِشَام فِي أَكثر الْأُصُول، وَهِي
(أَمْرُ عَطِيَّةَ وَرِفَاعَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ كُلًّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُقْتَلَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ كُلُّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ، وَكُنْتُ غُلَامًا، فَوَجَدُونِي لَمْ أُنْبِتْ، فَخَلَّوْا سَبِيلِي.
قَالَ (ابْنُ إسْحَاقَ) [١]: وَحَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ: أَنَّ سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ، أُمَّ الْمُنْذِرِ، أُخْتَ سليط بن أُخْت سُلَيْطِ بْنِ قَيْسٍ- وَكَانَتْ إحْدَى خَالَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدْ صَلَّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ، وَبَايَعَتْهُ بَيْعَةَ النِّسَاءِ- سَأَلَتْهُ رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْأَلَ الْقُرَظِيَّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ بَلَغَ، فَلَاذَ [٢] بِهَا، وَكَانَ يَعْرِفُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، هَبْ لِي رِفَاعَةَ، فَإِنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّهُ سَيُصَلِّي وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْجَمَلِ، قَالَ:
فَوَهَبَهُ لَهَا، فَاسْتَحْيَتْهُ.
(قَسْمُ فَيْءِ بَنِي قُرَيْظَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْلَمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُهْمَانَ الْخَيْلِ وَسُهْمَانَ الرِّجَالِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ، فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَلِلرَّاجِلِ، مَنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ، سَهْمٌ. وَكَانَتْ الْخَيْلُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ أَوَّلَ فَيْءٍ وَقَعَتْ فِيهِ السُّهْمَانُ، وَأُخْرِجَ مِنْهَا الْخُمْسُ، فَعَلَى سُنَّتِهَا وَمَا مَضَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا وَقَعَتْ الْمَقَاسِمُ، وَمَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْمَغَازِي.
---------------------------
[()] فِي «أ» على الْوَجْه الْآتِي: «قَالَ ابْن هِشَام: هُوَ تَفْسِير بَيت زُهَيْر، ويعنى قَابل الّذي يتلَقَّى الدَّلْو إِذا خرج من الْبِئْر. والناضح: الْبَعِير الّذي يستقى المَاء لسقي النّخل، وَهَذَا الْبَيْت فِي قصيدة لَهُ» .
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] لَاذَ بهَا: التجأ إِلَيْهَا.
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بِسَبَايَا مِنْ سَبَايَا بَنِي قُرَيْظَةَ إلَى نَجْدٍ، فَابْتَاعَ لَهُمْ بِهَا خَيْلًا وَسِلَاحًا.
(شَأْنُ رَيْحَانَةَ):
(قَالَ) [١]: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ اصْطَفَى لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ [٢]، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ [٣]، فَكَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مِلْكِكَ، فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ، فَتَرَكَهَا. وَقَدْ كَانَتْ حِينَ سَبَاهَا قَدْ تَعَصَّتْ بِالْإِسْلَامِ، وَأَبَتْ إلَّا الْيَهُودِيَّةَ، فَعَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ لِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا. فَبَيْنَا هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ، إذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا لِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ يُبَشِّرُنِي بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا.
(مَا نَزَلَ فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِيَّ قُرَيْظَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٤]: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ، وَأَمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، الْقِصَّةَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، يَذْكُرُ فِيهَا مَا نَزَلَ مِنْ الْبَلَاءِ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَكِفَايَتِهِ إيَّاهُمْ حِينَ فَرَّجَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَعْدَ مَقَالَةِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ٣٣: ٩.
وَالْجُنُودُ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانَتْ الْجُنُودُ الَّتِي أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ الْمَلَائِكَةَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمن أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» ٣٣: ١٠.
-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَشرح الْمَوَاهِب مضبوطة بالعبارة. وَفِي أ: «جنافة» .
[٣] وَقيل: كَانَت من بنى النَّضِير متزوجة فِي قُرَيْظَة رجلا يُقَال لَهُ الحكم. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
فَاَلَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَاَلَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ. يَقُولُ اللَّهُ (تَبَارَكَ و) [١] تَعَالَى: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ٣٣: ١١- ١٢ لِقَوْلِ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ إذْ يَقُولُ مَا قَالَ. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا ٣٣: ١٣ لِقَوْلِ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وَمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِ مِنْ قَوْمِهِ «وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا»: أَيْ الْمَدِينَةِ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَقْطَارُ: الْجَوَانِبُ، وَوَاحِدُهَا: قُطْرٌ، وَهِيَ الْأَقْتَارُ، وَوَاحِدُهَا: قَتَرٌ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
كَمْ مِنْ غِنًى فَتَحَ الْإِلَهُ لَهُمْ بِهِ ... وَالْخَيْلُ مُقْعِيَةٌ عَلَى الْأَقْطَارِ [٢]
وَيُرْوَى: «عَلَى الْأَقْتَارِ» . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
«ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ ٣٣: ١٤»: أَيْ الرُّجُوعَ إلَى الشِّرْكِ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيرًا.
وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ، وَكانَ عَهْدُ الله مَسْؤُلًا ٣٣: ١٤- ١٥، فَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ، وَهُمْ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَفْشَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ بَنِي سَلِمَةَ حَيْنَ هَمَّتَا بِالْفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ عَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ لَا يَعُودُوا لِمِثْلِهَا أَبَدًا، فَذَكَرَ لَهُمْ الَّذِي أَعْطَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا، أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً، وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ ٣٣: ١٦- ١٨: أَيْ أَهْلَ النِّفَاقِ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ٣٣: ١٨:
----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] مقعية: أَي سَاقِطَة على أجنابها تروم الْقيام، كَمَا تقعى الْكلاب على أذنابها وأفخاذها.
أَيْ إلَّا دَفْعًا وَتَعْذِيرًا [١] «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ٣٣: ١٩»: أَيْ لِلضَّغَنِ الَّذِي فِي أَنْفُسِهِمْ «فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ٣٣: ١٩»: أَيْ إعْظَامًا لَهُ وَفَرَقًا مِنْهُ «فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ ٣٣: ١٩»: أَيْ فِي الْقَوْلِ بِمَا لَا تُحِبُّونَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ آخِرَةً، وَلَا تَحْمِلهُمْ حِسْبَةٌ [٢]، فَهُمْ يَهَابُونَ الْمَوْتَ هَيْبَةَ مَنْ لَا يَرْجُو مَا بَعْدَهُ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَلَقُوكُمْ: بَالَغُوا فِيكُمْ بِالْكَلَامِ، فَأَحْرَقُوكُمْ وَآذَوْكُمْ. تَقُولُ الْعَرَبُ: خَطِيبٌ سَلَّاقٌ، وَخَطِيبٌ مُسْلِقٌ وَمِسْلَاقٌ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ ابْنِ ثَعْلَبَةَ:
فِيهِمْ الْمجد والسّماحة والنجدة ... فِيهِمْ وَالْخَاطِبُ السَّلَّاقُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
«يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ٣٣: ٢٠» قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ «وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ مَا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ٣٣: ٢٠» .
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ٣٣: ٢١»: أَيْ لِئَلَّا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا عَنْ مَكَانٍ هُوَ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ وَصِدْقَهُمْ وَتَصْدِيقَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ اللَّهُ مِنْ الْبَلَاءِ يَخْتَبِرُهُمْ [٣] بِهِ، فَقَالَ: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ [٤] قالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا ٣٣: ٢٢: أَيْ صَبْرًا عَلَى الْبَلَاءِ وَتَسْلِيمًا لِلْقَضَاءِ، وَتَصْدِيقًا لِلْحَقِّ، لَمَّا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَدَهُمْ وَرَسُولُهُ [٥] ﷺ
-----------------------
[١] التعذير: أَن يفعل الرجل الشَّيْء بِغَيْر نِيَّة، وَإِنَّمَا يُرِيد أَن يُقيم بِهِ الْعذر عِنْد من يرَاهُ.
[٢] كَذَا فِي «أ» . والحسبة (بِالْكَسْرِ): طلب الْأجر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حَسَنَة» .
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ليختبر» .
[٤] هَذِه الْجُمْلَة: «وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ٣٣: ٢٢» من الْآيَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] فِي أ: «لما كَانَ الله وعدهم الله وَرَسُوله» .
ثُمَّ قَالَ: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ»: أَيْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، وَرَجَعَ إلَى رَبِّهِ، كَمَنْ [١] اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَضَى نَحْبَهُ: مَاتَ، وَالنَّحْبُ: النَّفْسُ، فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمْعُهُ: نُحُوبٌ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
عَشِيَّةَ فرّ الحارثيّون بعد مَا ... قضى نحبه فِي [٢] ملتقى الْخَيل هوبر
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَهَوْبَرُ: مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، أَرَادَ: يَزِيدَ ابْن هَوْبَرٍ. وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): النَّذْرُ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطْفِيِّ:
بِطِخْفَةَ جَالَدْنَا [٣] الْمُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بِسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
يَقُولُ: عَلَى نَذْرٍ كَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ تَقْتُلَهُ فَقَتَلَتْهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَبِسْطَامٌ: بِسْطَامُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ ابْنُ ذِي الْجَدَّيْنِ. حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّهُ كَانَ فَارِسَ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. وَطِخْفَةُ: مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الْبَصْرَةِ [٤] وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): الْخِطَارُ، وَهُوَ: الرِّهَانُ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَإِذْ نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلَى النَّاسِ أَيُّنَا ... عَلَى النَّحْبِ أَعْطَى لِلْجَزِيلِ وَأَفْضَلُ
وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): الْبُكَاءُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ يُنْتَحَبُ. وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): الْحَاجَةُ وَالْهِمَّةُ، تَقُولُ: مَا لِي عِنْدَهُمْ نَحْبٌ. قَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِي:
وَمَا لِي نَحْبٌ عِنْدَهُمْ غَيْرَ أَنَّنِي ... تَلَمَّسْتُ مَا تَبْغِي من الشّدن الشّجر [٥]
وَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ، أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
----------------------------
[١] فِي أ: «لمن» .
[٢] هَذِه الْكَلِمَة: «فِي» سَاقِطَة فِي أ. وَلَا يَسْتَقِيم الْوَزْن بِدُونِهَا.
[٣] فِي أ: «خالدنا» .
[٤] هَذِه الْعبارَة: «بطرِيق الْبَصْرَة» سَاقِطَة فِي أ.
[٥] الشدن: الْإِبِل منسوبة إِلَى شدن، مَوضِع بِالْيمن. وَالشَّجر: الَّتِي فِي أعينها حمرَة.
قَالَ ابْنُ هِشَام: هَؤُلَاءِ موَالٍ بَنِي حَنِيفَةَ [١]:
وَنَجَّى يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ رَكْضٌ ... دِرَاكٌ بَعْدَ مَا وَقَعَ اللِّوَاءُ [٢]
وَلَوْ أَدْرَكْنَهُ لَقَضَيْنَ نَحْبًا [٣] ... بِهِ وَلِكُلِّ مُخْطَأَةٍ وِقَاءُ
وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): السَّيْرُ الْخَفِيفُ الْمُرُّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٤]: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ٣٣: ٢٣»: أَيْ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنْ نَصْرِهِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ٣٣: ٢٣: أَيْ مَا شَكُّوا وَمَا تَرَدَّدُوا فِي دِينِهِمْ، وَمَا اسْتَبْدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ٣٣: ٢٤- ٢٥: أَيْ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ٣٣: ٢٥- ٢٦: أَيْ بَنِي قُرَيْظَةَ «مِنْ صَياصِيهِمْ ٣٣: ٢٦»، وَالصَّيَاصِي: الْحُصُونُ وَالْآطَامُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ، وَبَنُو الْحِسْحَاسِ مِنْ بَنِي أَسَدِ ابْن خُزَيْمَةَ:
وَأَصْبَحَتْ الثِّيرَانُ صَرْعَى وَأَصْبَحَتْ ... نِسَاءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصَّيَاصِيَا [٥]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصَّيَاصِيُّ (أَيْضًا): الْقُرُونُ. قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ:
وِسَادَةَ رَهْطِي حَتَّى بَقِيتُ ... فَرْدًا كَصَيْصِيَةِ الْأَعْضَبِ [٦]
يَقُولُ: أَصَابَ الْمَوْتُ سَادَةَ رَهْطِي [٧] . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو دَواُدَ الْإِيَادِيُّ [٨]:
------------------------
[١] فِي م، ر: «هُوَ مولى أَبى حنيفَة الْفَقِيه» .
[٢] الركض: الجرى. ودراك: متتابع.
[٣] فِي م، ر: «وَلَو أَدْرَكته لقضيت» .
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «يلتقطن» . وَزيد فيهمَا بعد هَذَا الْبَيْت: «ويروى يبتدرون» .
[٦] الأعضب: المكسور الْقرن.
[٧] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٨] فِي الْأُصُول: «أَبُو دَاوُد» وَهُوَ تَحْرِيف.
فَذَعَرْنَا سُحْمَ الصَّيَاصِي بِأَيْدِيهِنَّ ... نَضْحٌ مِنْ الْكُحَيْلِ وَقَارُ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ [٢] . وَالصَّيَاصِي (أَيْضًا): الشَّوْكُ الَّذِي لِلنَّسَّاجِينَ، فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ. وَأَنْشَدَنِي لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ الْجُشَمِىِّ، جُشَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ:
نَظَرْتُ إلَيْهِ وَالرِّمَاحُ [٣] تَنُوشُهُ [٤] ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي فِي النَّسِيجِ الْمُمَدَّدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصَّيَاصِيُّ (أَيْضًا): الَّتِي تَكُونُ فِي أَرْجُلِ الدِّيَكَةِ نَاتِئَةً كَأَنَّهَا الْقُرُونُ الصِّغَارُ، وَالصَّيَاصِي (أَيْضًا): الْأُصُولُ. أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: جَذَّ اللَّهُ صِيصِيَتَهُ: أَيْ أَصْلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: «وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ٣٣: ٢٦»: أَيْ قَتَلَ الرِّجَالَ، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، «وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها ٣٣: ٢٧»: يَعْنِي خَيْبَرَ «وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ٣٣: ٢٧» .
(وَفَاةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَا ظَهَرَ مَعَ ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جُرْحُهُ، فَمَاتَ مِنْهُ شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٥]: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي: أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُبِضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ
-------------------------
[١] ذعرنا، من الذعر، وَهُوَ الْفَزع. والسحم: السود. والصياصي: الْقُرُون. وَيُرِيد «بسحم الصَّيَاصِي» . الوعول الَّتِي فِي الْجبَال. ونضح: لطخ. والكحيل: القطران. والقار: الزفت أَرَادَ مَا فِي أيديها من السوَاد. فشبهه بالكحيل والقار.
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] فِي أ: «وَالرِّيح» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] تنوشه: تتناوله من قرب.
[٥] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَاهْتَزَّ لَهُ [١] الْعَرْشُ؟ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ إلَى سَعْدٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٢]: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ قَافِلَةً مِنْ مَكَّةَ، وَمَعَهَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَلَقِيَهُ مَوْتُ امْرَأَةٍ لَهُ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا بَعْضَ الْحُزْنِ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ [٣]: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا يَحْيَى، أَتَحْزَنُ عَلَى امْرَأَةٍ وَقَدْ أُصِبْتُ بِابْنِ عَمِّكَ، وَقَدْ اهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ! قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: كَانَ سَعْدٌ رَجُلًا بَادِنًا، فَلَمَّا حَمَلَهُ النَّاسُ وَجَدُوا لَهُ خِفَّةً، فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ [٤]: وَاَللَّهِ إنْ كَانَ لَبَادِنَا، وَمَا حَمَلْنَا مِنْ جِنَازَةٍ أَخَفَّ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرَكُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ اسْتَبْشَرَتْ الْمَلَائِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو ابْن الْجَمُوحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا دُفِنَ سَعْدٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَبَّحَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ
-------------------------
[١] قَالَ السهيليّ عِنْد الْكَلَام على اهتزاز الْعَرْش: «وَقد تكلم النَّاس فِي مَعْنَاهُ وظنوا أَنه مُشكل. وَقَالَ بَعضهم: الاهتزاز (هَاهُنَا): بِمَعْنى الاستبشار بقدوم روحه. وَقَالَ بَعضهم: يُرِيد حَملَة الْعَرْش وَمن عِنْده من الْمَلَائِكَة، استبعادا مِنْهُم لِأَن يَهْتَز الْعَرْش على الْحَقِيقَة. وَلَا بعد فِيهِ، لِأَنَّهُ مَخْلُوق، وَيجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة والهزة، وَلَا يعدل عَن ظَاهر (اللَّفْظ) مَا وجد إِلَيْهِ سَبِيل. وَحَدِيث اهتزاز الْعَرْش لمَوْت سعد صَحِيح. قَالَ أَبُو عمر: هُوَ ثَابت من طرق متواترة. وَمَا روى من قَول الْبَراء بن عَازِب فِي مَعْنَاهُ: أَنه سَرِير سعد اهتز، لم يلْتَفت إِلَيْهِ الْعلمَاء، وَقَالُوا: كَانَت بَين هذَيْن الْحَيَّيْنِ من الْأَنْصَار ضغائن، وَفِي لفظ الحَدِيث: اهتز عرش الرَّحْمَن. رَوَاهُ أَبُو الزبير عَن جَابر، يرفعهُ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ عَن طَرِيق الْأَعْمَش عَن أَبى صَالح وأبى سُفْيَان، كِلَاهُمَا عَن جَابر. وَرَوَاهُ من الصَّحَابَة جمَاعَة غير جَابر، مِنْهُم أَبُو سعيد الخدريّ وَأسيد بن حضير ورميثة بنت عَمْرو، ذكر ذَلِك التِّرْمِذِيّ، وَالْعجب لما روى عَن مَالك رحمه الله، من إِنْكَاره للْحَدِيث، وكراهيته للتحدث بِهِ مَعَ صِحَة نَقله، وَكَثْرَة الروَاة لَهُ. وَلَعَلَّ هَذِه الرِّوَايَة لم تصح عِنْد مَالك، وَالله أعلم» .
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] فِي م، ر: «يَا عَائِشَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] كَذَا فِي أوالاستيعاب فِي تَرْجَمَة سعد بن معَاذ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْمُسلمين» .
فَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ سَبَّحْتُ؟ قَالَ: لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ، حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَجَازُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ عَائِشَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ لِلْقَبْرِ لَضَمَّةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهَا نَاجِيًا لَكَانَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلِسَعْدِ يَقُولُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ:
وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللَّهِ مِنْ مَوْتِ هَالِكٍ ... سَمِعْنَا بِهِ إلَّا لِسَعْدٍ أَبِي عَمْرٍو
وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ، حِينَ اُحْتُمِلَ نَعْشُهُ وَهِيَ تَبْكِيهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَهِيَ كُبَيْشَةُ بِنْتُ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ [١]، وَهُوَ خُدْرَةُ [٢] ابْن عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ:
وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدًا [٣] ... صَرَامَةً وَحَدَّا [٤]
وَسُوْدُدًا وَمَجْدًا ... وَفَارِسًا مُعَدَّا
سُدَّ بِهِ مَسَدَّا ... يَقُدُّ هَامًا قَدَّا [٥]
يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ، إلَّا نَائِحَةَ [٦] سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
(شُهَدَاءُ يَوْمِ الْخَنْدَقِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَسْتَشْهِدْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَّا سِتَّةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَنَسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
(مِنْ بَنِي جُشَمَ):
وَمِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: الطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَثَعْلَبَةُ ابْن غَنْمَةَ. رَجُلَانِ.
----------------------
[١] فِي الِاسْتِيعَاب: «كَبْشَة بنت رَافع بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الأبجر» .
[٢] فِي أ: «الأنجر وَهُوَ جدرة» وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] كسرت اللَّام من «ويل» إتباعا لكسرة الْمِيم من «أم» .
[٤] فِي أ: «وجدا» .
[٥] هَذَا الشّطْر سَاقِط فِي أ.
[٦] فِي أ: «نَاحيَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dlat.com_09_18_3465_a82d08eea3402.gif
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir