المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح كتاب الحج من صحيح مسلم


ابو الوليد المسلم
01-30-2026, 03:55 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: فَرْضُ الحَجّ ِمرّةً في العُمر





الحجُّ منْ أفْضلِ العبادات وأجلّ القُربات، شَرَعه سبحانه إتماماً لدينه وقد دلّ الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم على وجُوبه على المستطيع في العمر مرّة واحدة

الحجُّ منْ أفْضلِ العبادات، وأجلّ القُربات، شَرَعه -سبحانه- إتماماً لدينه، وشرع معه العُمرة، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، إلى جانب فريضة الحَج، في قوله -تعالى-: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (البقرة: 196)، وقد دلّ الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم على وجُوب الحج على المستطيع في العمر مرّة واحدة.
فأما الكتاب: فقوله -سبحانه-: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران:97)، وأما السُّنة: فقد ثبتَ ذلك في أحاديث كثيرة منها: حديث ابن عمر - رضي الله عنه -: عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنْ مُحمّداً رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصَوم رمضان، وحَج البيت مَنْ اسْتطاع إليه سبيلاً». متفق عليه. ونقل الإجْماع على الوجوب: الإمام ابن المنذر وابن قدامة وغيرهم. وأما العُمرة: فقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في حُكمها، والصحيح: أنّها واجبة على مَنْ يجبُ عليه الحَج، لعدد مِنَ الأدلة، منْها: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: «قلتُ يا رسول الله: على النّساء جِهاد؟ قال: «نعم، عليهنّ جهادٌ لا قتالَ فيه، الحجُّ والعُمرة». رواه أحمد. كما وقع الخَلاف أيضاً بينهم: في وجُوب الحجّ على المُسْتطيع فوراً أم على التّراخي؟ والأكثر على أنّه يجبُ على الفَور، فلا يَجوز للعبد تأخيره إذا كان مُستطيعاً؛ لأمر الله -تعالى- به في قوله: {وأتمّوا الحجَّ والعُمْرة لله} (البقرة 196)، وقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97)، والأصْل في الأوامر أنْ يقوم بها المكلف فوراً. شُروط وجُوب الحج
الحج لا يكون واجبًا على المُكَلَّف إلا إذا توافرت فيه شُروط معينه، وتُسمى هذه الشّروط «شُروط الوجُوب» فإذا توفرت هذه الشّروط كان الحج واجبًا على المُكَلَّف، وإلا فلا يجب عليه، وهذه الشروط هي:

أولا: الإسْلام

فغير المُسْلم لا يصحّ منه الحجّ ولو أتى به، لقوله -تعالى-: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} (التوبة:54)؛ فالإسلام شرطٌ لصحة كل عبادة، وشرط لوجوبها.

ثانيا: التكليف

وهو أنّ يكون المُسلم بالغاً عاقلاً، فالصّغير لا يجبُ عليه الحج؛ لأنّه غير مكلّف، لكن لو حج صحّ منه، ولا يجزئه ذلك عن حجّة الإسْلام، فيلزمه أن يحج مرة أخرى بعد بلوغه، أما المجنون فلا يجب عليه الحج ولا يصح منه؛ لأن الحج لا بد فيه من نيةٍ وقصد، ولا يمكن وجود ذلك من المجنون.

ثالثاً: الحُرّية

فلا يجبُ الحجّ على العبد المملوك؛ لأنّه غير مستطيع، لكن لو حج صحّ منه، ويلزمه أنْ يحجّ حجّة الإسلام إذا أُعْتق.

رابعاً: الاسْتطاعة

والاستطاعة تكون في المال والبدن، بأن يكونَ عنده مالٌ يتمكن به منَ الحَجّ، ويكون أيضاً صحيح البدن، غير عاجز عن أداء المناسك، فإنْ كان المكلف غير قادرٍ لا ببدنه ولا بماله، ففي هذه الحال لا يجب الحج عليه، لعدم تحقق شرط الاستطاعة، وإنْ كان قادراً بماله غير قادر ببدنه، فيلزمه أنْ ينيب مَنْ يحجّ عنه، ولا يلزم المُكَلَّف الاسْتدانة لأجلِ الحج، كما لا يلزمه الحج ببذل غيره له، ولا يَصير مستطيعاً بذلك.

خامساً: وجُود المحرم للمرأة

فمن الاستطاعة أنْ يكون للمرأة مَحْرَم يسافر معها، فمَن لمْ تَجد المَحْرم فالحجّ غير واجبٍ عليها، وذلك لمنع الشّرع لها منَ السّفر مِنْ غير مَحْرم، وسيأتي مزيد من التفصيل لهذه الأحْكام، خلال شرحنا لأحاديث: كتاب الحجّ، من (مُختَصَر صَحيح مُسْلم) للحافظ المنذري -رحمهما الله تعالى. باب: فَرْضُ الحَجّ ِمرّةً في العُمر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، واخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». الحديث الأول: رواه مسلم في كتاب الحج (2/975) باب: فرض الحجّ مرّة في العُمر. في هذا الحَديثِ يقولُ أبو هُرَيْرَةَ - -: «خطَب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ»، أي: قامَ فيهم خَطيباً، فقال: «إنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- قد فرَض عليكم الحَجَّ»، أي: أوجَب عليكم الحجَّ، والتَّوجُّهَ إلى بَيتِه الحرامِ، والطَّوافَ حولَه، والإتيانِ بكلِّ الأركانِ بحسَبِ ما أوضَحه الشَّارعُ.
قوله: «فقال رجُلٌ: في كلِّ عامٍ؟»
أي: هل فرَض اللهُ الحجَّ علينا في كلِّ عامٍ؟ «فسَكَت عنه»، أي: لم يَرُدَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وسكَتَ إعْراضاً عن هذا السُّؤالِ الَّذي فيه تَشديدٌ، «حتَّى أعادَه ثلاثًا»، أي: حتَّى أعادَ الرَّجلُ سُؤالَه ثلاثَ مرَّاتٍ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لو قلتُ: نعَمْ، لوَجَبَت، ولو وجبَت ما قُمتُمْ بها»، أي: لو أجَبْتُك بقولِ: «نعَمْ» لأصبَح الأمرُ فَرضاً واجباً لازماً أنْ يَحُجَّ المُسلِمُ كلَّ عامٍ، وهذا فيه مِن المشقَّةِ والتَّعسيرِ، ما يُخالِفُ نهْجَ الإسْلامِ في التَّيسيرِ. ظاهرُ الحديثِ
وظاهرُ هذا الحديثِ: يَقتَضي أنَّ أمْرَ افتِراضِ الحجِّ كلَّ عامٍ كان مُفوَّضًا إليه حتَّى لو قال: نعَمْ لحصَل، وليس بمُستبعَدٍ أن يَأمُرَ اللهُ -تعالى- بالإطلاقِ ويُفوِّضَ أمْرَ التَّقييدِ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذلك قال النَّبيُّ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- للرَّجُلِ: «ذَروني ما تَرَكتُكم»، أي: اترُكوني واترُكوا سُؤالي إذا تُرِكتُم وتَرَكتُ الرَّدَّ علَيكم، وهذا كان إشارةً إلى كَراهةِ السُّؤالِ في النُّصوصِ المطلَقةِ والتَّفتيشِ عن قُيودِها، بل يَنبَغي العمَلُ بإطلاقِها قدْرَ الاستطاعةِ حتَّى يَظهَرَ فيها قَيدٌ؛ «فإنَّما هلَك مَن كان قَبْلَكم بكثرةِ سُؤالِهم واختلافِهم على أنبيائِهم»، أي: هلَكوا بكثرةِ الأسئلةِ فيما لا يُفيدُ ممَّا تتَرتَّب عليه فرْضُ أمورٍ شاقَّةٍ وصعبةٍ عليهم، ولم يَستَطيعوا أداءَها فهلَكوا بالعِصيانِ. لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلَّا وُسْعَها
قوله: «فإذا أمَرتُكم بالشَّيءِ فخُذوا به ما استَطَعتُم»، أي: افعَلوا مِن الأوامرِ ما تَستَطيعونه دُونَ مشَقَّةٍ ولا تَفريطٍ، فلا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلَّا وُسْعَها، «وإذا نَهيتُكم عن شيءٍ فاجتَنِبوه»، أي: إنَّ النَّواهيَ الَّتي أنهاكم عنها وأُبلِّغُكم عن اللهِ بها فابتَعِدوا عنها تمامًا ولا تَقْرَبوها، وهذا بمعنى ما في قولِه -تعالى-: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة: 101)، وهذا تَوجيهٌ وتَربيةٌ نبويَّةٌ للمُسلمين على طاعةِ اللهِ ورسولِه قدْرَ الاستطاعةِ، والانتهاءِ عمَّا نَهى اللهُ عنه، مع عدَمِ التَّنطُّعِ في الدِّينِ، وكثرةِ التَّشدُّقِ مع تَشقيقِ الكلامِ فيما لا يُفيدُ، والنَّهي عن كَثرةِ السُّؤالِ عمَّا لم يقَعْ، وقد ورَد في الصَّحيحَيْن عن عامِرِ بنِ سَعْدِ بنِ أبي وقَّاصٍ عن أبيه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أعظَمَ المسْلِمينَ في المسْلِمين جُرْماً، مَنْ سَأل عَن شَيءٍ لم يُحرَّمْ على المسْلِمين، فحُرِّم عَليهِم مِن أَجْلِ مَسْأَلتِه». وكذلك مَن سأَل عن أمرٍ فنزَل التَّشديدُ فيه مِن أجْلِ مَسألتِه، وليس في هذا مَنعٌ للسُّؤالِ، وإنَّما هو تَوجيهٌ للتَّوقُّفِ عندَ أوامرِ اللهِ ونَواهيه. قال النووي -رحمه الله- في قوله: «... وإذا نَهيتكم عن شيءٍ فدَعوه» هذا الرجل السائل هو «الأقرع بن حابس» كذا جاء مُبيناً في غير هذه الرواية، واختلف الأصوليون في أنّ الأمر: هل يقتضي التّكرار؟ والصّحيح عند أصحابنا لا يقتضيه. والثاني: يقتضيه. والثالث: يتوقف فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم باقتضائه ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يستدلُّ به مَنْ يقول بالتوقف؛ لأنّه سأل فقال: أكلّ عام؟ ولو كان مُطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لمْ يَسْأل، ولقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا حاجة إلى السّؤال، بل مطلقه محمول على كذا، وقد يجيب الآخرون عنه: بأنه سأل استظهاراً واحتياطاً. قوله: «ذَرُوني ما تركتكم»
وقوله: «ذَرُوني ما تركتكم» ظاهر في أنّه لا يقتضي التكرار، قال الماوردي: ويحتمل أنه إنّما احتمل التّكرار عنده منْ وجْه آخر؛ لأنّ الحج في اللغة: قصد فيه تكرّر، فاحتمل عنده التّكرار منْ جِهة الاشتقاق، لا منْ مُطلق الأمر، قال: وقد تعلّق بما ذكرناه عن أهل اللغة ههنا مَنْ قال بإيجاب العمرة، وقال: لمّا كان قوله -تعالى-: {ولله على الناس حج البيت} (آل عمران: 97) يقتضي تكرار قصد البيت بحُكم اللغة والاشْتقاق، وقد أجْمعوا على أنّ الحج لا يجب إلا مرّة، كانت العودة الأخْرى إلى البيت تقتضي كونها عُمرة؛ لأنّه لا يجب قصده لغير حجٍ وعمرة بأصل الشرع. وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو قلتُ: نعم لوجبت». ففيه دليلٌ للمذهب الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم - كان له أنْ يجتهد في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أنْ يكون بوحي، وقيل: يشترط، وهذا القائل يجيب عن هذا الحديث بأنه لعلّه أوْحي إليه ذلك. والله أعلم. قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ذرُوني ما تَركتكم» دليل على أنّ الأصل عدم الوجوب، وأنّه لا حُكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين، لقوله -تعالى-: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} (الإسراء). من قواعد الإسلام المهمة
قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما اسْتطعتم» هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها - صلى الله عليه وسلم -، ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة ممن تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن ؛ وأشباه هذا غير منحصرة، وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك، وهذا الحديث موافق لقول الله -تعالى- : {فاتقوا الله ما استطعتم}، وأما قوله -تعالى-: {اتقوا الله حق تقاته} ففيها مذهبان أحدهما: أنها منسوخة بقوله -تعالى- : {فاتقوا الله ما استطعتم}. والثاني: وهو الصحيح أو الصواب، وبه جزم المحققون أنها: ليست منسوخة، بل قوله -تعالى-: {فاتقوا الله ما استطعتم} مفسرة لها ومبينة للمراد بها، قالوا: {وحق تقاته} هو امتثال أمره، واجتناب نهيه، ولم يأمر -سبحانه وتعالى- إلا بالمستطاع، قال الله -تعالى-: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. وقال -تعالى-: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} والله أعلم. «شرح النووي». وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا نهيتكم عن شيء فَدَعُوه» فهو على إطْلاقه، فإنْ وُجِد عذرٌ يُبيحه كأكلِ المَيتة عند الضَّرُورة، أو شرب الخَمْر عند الإكْراه، أو التلفّظ بكلمة الكُفْر إذا أكْره، ونحو ذلك، فهذا ليسَ مَنْهياً عنه في هذا الحال. والله أعلم. فوائد الحديث
- الحجّ فريضة منْ فرائض الإسْلام، وأنّه لا يجبُ في العُمر إلا مرةً واحدة بأصل الشّرع، وقد يجب زيادة ذلك بالنذر، وقد أجْمعت الأمّة على ذلك. - أمَر الشَّرعُ بفِعلِ ما في الاسْتطاعةِ، والاجتنابِ التَّامِّ للنواهي الشرعيَّةِ، وأمَرَ بالوقوفِ عندَ توجيهاتِ اللهِ ورَسولِه، وعدَمِ تَخطِّيها بالتكلف والزّيادة.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
03-31-2026, 05:24 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: ثوابُ الحَجّ والعُمْرة



جعَلَ اللهُ عزَّوجلَّ الطاعاتِ وسائرَ أعمالِ الخيرِ مُكفِّراتٍ للذُّنوبِ ورافعاتٍ للدَّرَجاتِ ومِن أجلِّ الطاعاتِ في الأجْرِ وأعْلاها في الدَّرجةِ الحجُّ والعُمرةُ
فَريضةُ الحجِّ هي الرُّكنُ الخامسُ مِن أركانِ الإسلامِ وهي الفَريضةُ التي تَستوجِبُ مُفارَقةَ المَألوفاتِ والعاداتِ استجابةً لرَبِّ العالَمينَ
الحجّ المُستوفي لشُروطِه مُكفِّرٌ للذُّنوبِ جَميعِها صَغائرَ وكَبائرَ إلَّا ما وَرَدَ في حُقوقِ العِبادِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، والْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ»، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». في الباب حديثان: رواهما مسلم في الحج (2/983) باب: في فَضْل الحَجّ والعُمرة ويوم عرفة.
في الحَديثِ الأول: يُخبِرُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِفضْلِ عِبادةِ العُمْرةِ والحجِّ، أمَّا العُمرةُ فقالَ فيها - صلى الله عليه وسلم -: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفَّارةٌ لِما بيْنَهما» أي: مَن اعتَمَر عُمَرتَينِ، كانَتِ العُمرتانِ سَببًا في تَكفيرِ ما بيْنَهما مِن الصَّغائرِ، وعدَمِ المُؤاخَذةِ بها يومَ القِيامةِ. والعُمرةُ هي: التعبُّدُ للهِ -تعالى- بالإحْرامِ مِن الميقاتِ والطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعْيِ بيْن الصَّفا والمَرْوةِ، والتحَلُّلِ منها بالحَلْقِ أو التَّقصيرِ، أمَّا الحجُّ فإنَّه قَصْدُ المشاعِرِ المقدَّسةِ بمكة وما حولها، لأداءِ المناسكِ وقْتٍ مَخصوصٍ، تَعبُّدًا للهِ -عزَّ وجلَّ. الحج المبرور ليس له جَزاءٌ إلَّا الجنَّةُ
ثمَّ أخبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الحجَّ المبرورَ ليس له جَزاءٌ إلَّا الجنَّةُ، قال العُلماء: والحج المبرور له خمسة أوصاف: الأول: أن يكون خالصاً لله -تعالى-، لا رياءَ فيه ولا سُمْعة، ففي صحيح مسلم: من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: قال الله -تعالى-: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، مَنْ عمِلَ عملًا أشْركَ فيه معي غيري، تَركتُه وشِرْكه».
والثاني: أنْ تكونَ نفقته منْ حلال، قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيباً». رواه مسلم.
والثالث: البُعد عن المعاصي والآثام، كالجِماع ودواعيه، والفُسُوق والجدال المذموم، والبدع والخرافات وغيرها، قال -تعالى-: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (البقرة: 197).
والرابع: حُسْنُ الخُلق ولين الجانب مع الرّفقة، وعلى هذا كان حجّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع الجَمع الغفير، وكذلك كان الصّحابة والسلف.
والخامس: تعظيمُ شعائر الله -تعالى-، وهي المناسك كلّها، كالطّواف بالبيت، والصّفا والمروة، وعرفة ومِنى وغيرها، قال -تعالى-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (البقرة: 158)، فيُعظِّم المشاعر، ويملؤها بذكر الله -تعالى- والخُضوع والتذلل له.
الحرص على تطبيق سُنّة النبي - صلى الله عليه وسلم
وكذا الحرص على تطبيق سُنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أعمال الحج كلها، قال ابن عبد البر -رحمه الله- في صفة الحج المبرور-: «هو الذي لا رياءَ فيه ولا سُمْعة، ولا رَفث، ولا فُسُوق، ويكون بمَالٍ حلال». انظر «التمهيد» {22/ 39}. من فوائد الحديث
1- الحديث دليلٌ على فضل الإكثار منَ العمرة؛ لِما في ذلك من تكفير للذنوب، وجمهور العلماء على أن التكفير يقع على الصّغائر دون الكبائر، وأن الكبائر لا بد لها من توبة. 2- الحديث دليلٌ على جواز تكْرار العُمرة في السّنَة مرّتين أو أكثر، خلافًا لمن كره ذلك كالإمام مالك، وبعض السلف كإبراهيم النخعي والحسن البصري، وسعيد بن جبير وابن سيرين، وذلك أنّ حديث الباب يقتضي الفرق بين العمرة والحج؛ إذْ لو كانت العمرة لا تفعل إلا مرةً واحدة في السّنة، لكانت كالحج، ولقيل: «الحجّ إلى الحج»، فلما قال: «العُمْرة إلى العُمْرة»، دلَّ على ذلك على تكرارها، وأنّها ليستْ كالحج. وأيضاً: العُمرة وقتها مطلق في جميع العام، وليست كالحجّ مقيد بوقتٍ لا يكون إلا مرّةً بالسّنة، وبنحو هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، في مجموع فتاوى ابن تيمية (26 / 268 - 269)، وانظر: (بداية المجتهد2 / 231 ). 3- الحديث دليل على فضل الحج المبرور وأنّ جزاءه الجنة. 4- الترغيبُ في الاستِكثارِ مِن الاعتِمارِ. 5- جعَلَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- الطاعاتِ وسائرَ أعمالِ الخيرِ مُكفِّراتٍ للذُّنوبِ، ورافعاتٍ للدَّرَجاتِ، ومِن أجلِّ الطاعاتِ في الأجْرِ وأعْلاها في الدَّرجةِ الحجُّ والعُمرةُ. الحديث الثاني
يُبيِّنُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - في الحديث الثاني أنَّ مَن حَجَّ للهِ مُبتغيًا وجْهَه بلا رِياءٍ ولا سُمعةٍ، فلَم يَرفُث، بمعنى: فلم يَفعَلْ شَيئًا مِن الجِماعِ أو مُقدِّماتِه، وقيل: الرَّفَثُ اسمٌ للفُحشِ مِنَ القولِ، ولَم يَفسُقْ، أي: ولَم يَرتكِبْ إثماً أو مُخالَفةً شَرعيَّةً -صَغيرةً أو كَبيرةً- تُخرِجُه عَن طاعةِ اللهِ -تعالى-، وإنَّما صرَّحَ بنَفْيِ الفِسقِ في الحجِّ، مع كَونِه مَمنوعًا في كلِّ حالٍ، وفي كلِّ حِينٍ، لزِيادةِ التَّقبيحِ والتَّشنيعِ، ولزِيادةِ تَأكيدِ النَّهيِ عنه في الحجِّ، وللتَّنبيهِ على أنَّ الحجَّ أبعَدُ الأعمالِ عن الفِسقِ.
فمَن فَعَلَ ذلك، عادَ بعدَ حَجِّه نَقيًّا مِن خَطاياهُ، كما يَخرُجُ المولودُ مِن بطْنِ أُمِّه، أو كأنَّه خَرَجَ حِيَنئذٍ مِن بَطْنِ أُمِّه، ليس عليه خَطيئةٌ ولا ذَنْبٌ، كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه: أَيْ بِغَيْرِ ذَنْب، وَظَاهِره غُفْرَان الصَّغَائِر وَالْكَبَائِر. قاله الحافظ، وإليه ذهب القرطبي والقاضي عياض، وقال الترمذي: هو مخصوصٌ بالمعاصي المتعلقة بحقّ اللّه لا العباد، قاله المناوي في (فيض القدير). وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: «مَنْ حجَّ فلمْ يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»: أنّ الإنسان إذا حجّ واجتنب ما حرّم الله عليه من الرفث، وهو إتيان النساء، والفُسُوق وهو مخالفة الطّاعة، فلا يترك ما أوجب الله عليه، ولا يفعل أيضاً ما حرّم الله عليه، فإن خالف فهذا هو الفُسوق؛ فإذا حجّ الإنسانُ ولمْ يَفْسق ولمْ يرفث، فإنّه يَخْرج منْ ذلك نقيا منَ الذُّنوب، كما أنّ الإنسان إذا خَرَج منْ بطن أمّه، فإنّه لا ذَنْب عليه، فكذلك هذا الرجل إذا حجّ بهذا الشرط، فإنّه يكون نقيا مِنْ ذُنُوبه». (فتاوى ابن عثيمين 21/20). من فوائد الحديث
1- بَيانُ فضْلِ الحجِّ، وأنَّ الحجَّ المُستوفيَ لشُروطِه مُكفِّرٌ للذُّنوبِ جَميعِها صَغائرَ وكَبائرَ، إلَّا ما وَرَدَ في حُقوقِ العِبادِ. 2- فَريضةُ الحجِّ هي الرُّكنُ الخامسُ مِن أركانِ الإسلامِ، وهي الفَريضةُ التي تَستوجِبُ مُفارَقةَ المَألوفاتِ والعاداتِ استجابةً لرَبِّ العالَمينَ، وقد وَعَدَ اللهُ -تعالى- مَن أدَّاها بحقِّها بأعظَمِ الجَزاءِ.

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
03-31-2026, 05:27 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب : في يوم الحجّ الأكبر



الحديث فيه مَشروعية إرْسال مَنْ يقوم بالأمر بالمَعروف والنّهي عن المنكر في الحج والمساجد والأسواق وغيرها
في الحديث فَضيلةٌ ومَنْقَبةٌ لأبي بَكرٍ وعليِّ بْنِ أبي طالبٍ رضي الله عنهما ثمّ لأبي هريرة رضي الله عنه
مَوسِم الحجِّ تَبرُزُ فيه المُفاصَلةُ التَّامَّةُ مع أهلِ الشِّركِ والكُفرِ ويبدؤها الحاج والمعتمر بقوله: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عله وسلم- قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. رواه مسلم في الحج (2/982) باب: لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، وبيان يوم الحجّ الأكبر.
يُخبر أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنّ أَبا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه - بعثه فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيها رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عله وسلم-، أي: الحجة التي جعله فيها أميراً ليحجّ بالناس، وذلك سنة تسع من الهجرة، وهي قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ التي حجّها رسول الله - صلى الله عله وسلم-، «فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ» الرهط من الرّجال: ما دون العشرة، لا يكون فيهم امرأة، والرّهط لا واحد له من لفظه، «يؤذنون» أي: يُعلمون الناس، فالمراد هنا الأذان اللغوي وهو الإعلام. وجاء أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عله وسلم- بعث عليَّ بنَ أبي طالبٍ - رضي الله عنه - بعْدَ أبي بَكرٍ - رضي الله عنه - يَقرَأُ على النَّاسِ سُورةَ بَراءةَ، لِيَنْقُضَ عهْدَ المشركينَ، و(بَراءة) هي سُورةُ التَّوبةِ، وأنْ يُناديَ أيضًا بمِثلِ ما بُعِثَ به أبو بَكرٍ - رضي الله عنه -، فأذَّن عليٌّ - رضي الله عنه - معهم يومَ النحرِ بسُورةِ براءة، وبمِثْلِ ما أذَّنَ أبو هُرَيرةَ وأصحابُه بأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولَا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ. و«يوم النّحر» هو اليوم العاشر من ذي الحجّة. فوائد الحديث
في الحديث فوائد عدة نذكر منها ما يلي: الفائدة الأولى
كان المُشْركون يَحُجُّونَ كلَّ سَنةٍ، وكان بعضُهم يَطوفُ بِالبيتِ عُريانًا، فلمَّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ أمَرَ نَبِيَّه أنْ يَمْنَعَ كُلَّ أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ حَوْلَ البَيْتِ، وأنْ يُعْلِنَ البَراءَةَ مِنَ الشِّرْكِ والمُشرِكينَ، وقد أمَّرَ النَّبيُّ - صلى الله عله وسلم- أبا بكرٍ - رضي الله عنه - على الحجَّاجِ في العامِ التاسِعِ من الهِجرةِ، وهي الحجَّةُ الَّتي قبْلَ حجَّتِه - صلى الله عله وسلم-، وأمره أن يُعلِنَ في النَّاسِ هذه المبادئَ الإسلاميّة. الفائدة الثانية
الحديثُ فيه دلالة على النّهي عن الطّواف بالبيت عُريانًا، وإبْطال ما كان عليه أهلُ الجاهلية مِنَ الطّواف عراةً، قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، فأنزلَ الله -تعالى-: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، (الأعراف: 28). قال الحافظ ابن كثير: كانت العرب- ما عدا قُريشاً- لا يطُوفُون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنّهم: لا يَطُوفُون في ثيابٍ عَصَوا الله فيها، وكانت قريش- وهم الحُمس- يطوفون في ثيابهم، ومَنْ أعَاره أحْمسي ثوباً، طافَ فيه، ومَنْ معه ثوبٌ جديد، طافَ فيه ثمّ يُلقيه فلا يتملّكه أحَد، فمَنْ لمْ يجدْ ثوباً جديداً ولا أعَاره أحْمسي ثوباً، طاف عرياناً. قال: وأكثر ما كانَ النساءُ يَطفن عُراةً بالليل. وكان هذا شيئًا قد ابْتدعوه مِنْ تلقاء أنفسِهم، واتّبعوا فيه آباءهم، ويَعتقدُون أنّ فعل آبائهم مُسْتندٌ إلى أمرٍ مِنَ الله وشَرْع؛ فأنكرَ اللهُ -تعالى- عليهم ذلك، فقال: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}، فقال -تعالى- ردّاً عليهم: {قلْ} أي: قلْ يا محمد، لمَن ادّعى ذلك: {إنّ الله لا يأمرُ بالفَحْشاء} أي: هذا الذي تَصْنعُونه فاحشةٌ مُنْكرة، واللهُ لا يأمرُ بمثلِ ذلك؟ {أتقُولُون على اللهِ ما لا تعلمون} أي: أتُسْندُون إلى الله مِنَ الأقوال، ما لا تعلمون صحته؟! انتهى. واستدلّ بالآية والحديث، مَنْ قال: إنّ الطواف يُشْترط له سَتْر العَورة، وبه قال الجمهور مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله وغيرهم، وهو القولُ الصّحيح. ولأنّ الطواف بالبيت صلاة، كما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أنَّ النبيَّ - صلى الله عله وسلم- قال: «الطَّوافُ حَولَ البيتِ مِثلُ الصَّلاةِ، إلَّا أنَّكم تتكلَّمونَ فيه، فمن تكلَّمَ فيه فلا يتكَلَّمنَّ إلَّا بخيرٍ». أخرجه الترمذي (960) واللفظ له، والدارمي (1847)، وابن حبان (3836). وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي)(960)، فلا شكّ أنّ الطّواف عُرياناً لا يجوز شَرعاً، بل ولا مُروءة وخُلُقاً وأدَباً مع أعظم المساجد في الأرْض، وأبلغها حُرمة عند الله -تعالى. الفائدة الثالثة
الحديثُ فيه دليل على أنّه يجبُ تَطهير الحَرم من كلّ شِرْكٍ ومُشرك، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (التوبة: 28)، فيَحرُم إدخالُ المُشْرك الحَرمَ. قال النووي -رحمه الله-: «فلا يُمكَّن مُشركٌ من دُخُول الحَرَم بحال، حتى لو جَاء في رسالةٍ أو أمْرٍ مُهم، لا يُمكَّن مِنْ الدُّخُول، بل يَخرُج إليه مَن يَقْضي الأمر المُتعلّق به، ولو دَخل خُفيةً ومرِضَ ومات، نُبشَ وأُخْرج مِنَ الحَرم». (شرح النووي لمسلم) حديث ( 1347). وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: «لا يَحجُّ بعد العام مُشْرك» ويدخل في ذلك غير المُشْرك أيضاً، فإذا كان هناك إنْسانٌ كافر، فإنّه لا يحلّ له الحج، وبناءً على ذلك، فإنّ مَنْ لا يُصلّي لا يحلّ له أنْ يحج، ولو حجَّ لم يُقبل منه، فيكون آثِماً، ولعلّ هذا يكون تذكرة لأولئك الذين ابتُلوا بترك الصلاة، حتى يُصلُّوا، ليَتَمكّنُوا مِنَ الحَج». انظر شرحه للبخاري (5/332). الفائدة الرابعة
الحديث فيه مَشروعية إرْسال مَنْ يقوم بالأمر بالمَعروف والنّهي عن المنكر، في الحج والمساجد والأسواق وغيرها؛ ففي هذا الحَديثِ، يُخبِرُ أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ - رضي الله عنه - قد أرسل جماعةً -منهم أبو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يومَ النَّحرِ -ويومُ النَّحرِ هو يومُ عيدِ الأضْحى، وهو اليومُ العاشِرُ من ذي الحجة- يُعلِمونَ النَّاسَ، ويُنادونَ فيهم: ألَّا يَقرَبَ البيتَ الحرامَ بعْدَ هذا اليومِ مُشرِكٌ، وألَّا يَطوفَ بِالبيتِ عُريانٌ. وكان صَدْرُ سُورةِ التوبةِ قد أُنزِلَ على النَّبيِّ - صلى الله عله وسلم- بعد خروجِ أبي بكرٍ - رضي الله عنه - بالحُجَّاجِ إلى مكَّةَ، فبعث رسولُ الله - صلى الله عله وسلم- عليَّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - نائباً عنه يتلوها على النَّاسِ، وقيل: كان مِن عَادةِ العربِ أنْ يقومَ بإبْرامِ العُهودِ أو نقْضِها سيِّدُ القَوْمِ، أو مَن ينُوبُ عنه مِن قَرابَتِه. الفائدة الخامسة
في الحديث فَضيلةٌ ومَنْقَبةٌ لأبي بَكرٍ وعليِّ بْنِ أبي طالبٍ -رضي الله عنهما-، ثمّ لأبي هريرة - رضي الله عنه . الفائدة السادسة
أنَّ مَوسِمَ الحجِّ تَبرُزُ فيه المُفاصَلةُ التَّامَّةُ مع أهلِ الشِّركِ والكُفرِ، ويبدؤها الحاج والمعتمر بقوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك.

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-01-2026, 08:22 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: فَضلُ يوم عَرَفة





الدُّعاء لا يلزم أنْ يُسْتجاب كما دعا به الدّاعي بل هو في نفسِه عبادةٌ يثاب عليها المُسلم والمُسلمة
الأيَّامُ الفاضِلةُ مَواسِمُ لنَفَحاتِ اللهِ وعَطاياهُ لعِبادِه يَغفِرُ فيها الذُّنوبَ ويَرفَعُ فيها الدَّرَجاتِ

عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْداً مِنْ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ». الحديث رواه مسلم في كتاب الحج (2/982-983) باب: في فضل الحجّ والعمرة، ويوم عرفة.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ما يكونُ في يَومِ عَرفةَ مِنَ الخَلاصِ عنِ العَذابِ، والعِتقِ منَ النَّارِ، أَكثرَ ممَّا يَكونُ في سائرِ الأيَّامِ، و(عَرَفةُ) موضع على الطَّريقِ بيْنَ مَكَّةَ والطَّائِفِ، تبعُدُ عن مَكَّةَ حَوالَيْ (22 كم)، وعلى بُعدِ (10 كم) مِن مِنًى، و(6 كم) مِن مُزدَلِفةَ، يقِفُ عليها الحجَّاجُ يومَ التَّاسِعِ من ذي الحِجَّةِ يَدْعونَ اللهَ ويَستَغفرونَه. اقتراب الله من عباده الحجيج
قوله: «وإنَّه» -سُبحانَه وتعالى- «لَيدْنو» أي: يَقْتربُ مِنْ عباده الحَجيج، ويدنو دُنُوًّا حقيقياً يَليقُ بجَلالِهِ وعَظمَتِه، كما أثْبَتَه -سُبحانَه- لِنَفسِه، دُونَ تَشبيهٍ أوْ تَمثيلٍ، كما هو قول أهل السنّة والجَماعة في سائر الأسْماء والصّفات الإلهية، وروى ابن خزيمة وابن حبان والبزار وأبو يعلى والبيهقي: عن جابر - رضي الله عنه -، مرفوعاً: «ما مِنْ يومٍ أفضل عند اللهِ منْ يومِ عَرفة، ينزلُ الله -تعالى- إلى سَماء الدنيا، فيُباهي بأهْلِ الأرْض أهلَ السّماء،...». قوله: «ثُمَّ يُباهي بِهم المَلائكةَ»
قوله: «ثُمَّ يُباهي بِهم المَلائكةَ» بمَن بعَرَفةَ منَ المسلِمينَ الواقِفينَ، فيُظهِرُ فَضْلَهم للملائكة، ويُرِيهِم حُسنَ عَملِهم، ويُثْني عَليهم عِندَهم، والمباهاة أَصلُها من البَهاءِ: وهو الحُسنُ والجَمالُ، فيُفاخِرُ بهم ويُعظِّمُهم بحَضرةِ الملائكةِ. قوله: «فيَقولُ: ما أَرادَ هَؤلاءِ؟» أي: أيُّ شَيءٍ أَرادَ هَؤلاءِ، حيثُ تَركوا أهْلَهم وأَوْطانَهم، وصَرَفوا أَموالَهم، وأَتعَبوا أَبْدانَهم؟ والجوابُ محذوفٌ، تَقديرُه: ما أرادُوا إلَّا المَغفرةَ والرِّضا من ربّهم، وهذا يَدُلُّ عَلى أَنَّهم مَغفورٌ لَهم، لأنَّه لا يُباهى بأهْلِ الخَطايا والذُّنوبِ، إلَّا مِن بَعدِ التَّوبةِ والغُفرانِ. وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: «إنّ الله يُباهي بأهلِ عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شُعْثاً غُبْراً». رواه أحمد في «مسنده» وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه». فضل يوم عرفة
وعن جابر - رضي الله عنه -، مرفوعاً أيضًا: «ما مِنْ يومٍ أفضل عند الله منْ يومِ عرفة، ينزل الله -تعالى- إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثًا غبرًا ضاجِّين، جاؤوا من كلّ فجٍّ عميق، يرجُون رحمتي، ولم يروا عقابي، فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاً من النار، مِنْ يومِ عرفة». رواه ابن خزيمة وابن حبان والبزار وأبو يعلى والبيهقي. وفي مصنف عبد الرزاق: من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: في حديث الرجلين اللَّذين جاءَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يسألانه عن أمْر دينهم، وكان منْ جوابه لهما: «وأمّا وقوفك بعَرفة، فإنّ الله -تبارك وتعالى- ينزلُ إلى سَماء الدنيا، فيُباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوا شُعثاً غبراً منْ كلّ فجٍ عَميق، يَرجُون رحمتي، ويَخافُون عَذابي، ولمْ يَروني، فكيفَ لو رَأوني؟ فلو كانَ عليك مثل رَمْل عَالج، أو مثل أيامِ الدُّنيا، أو مثل قَطْر السماء ذُنُوبًا، غَسَلها اللهُ عنك». ونحوه عند ابن عبد البر في (تمهيده) بسندٍ صحيح: عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في مَسجد الخَيف قاعداً، فأتاه رجلٌ مِنَ الأنْصار، ورجلٌ مِنْ ثقيف، فذكر حَديثاً فيه طول، وفيه: «... وأمّا وقُوفك عشية عرفة، فإنّ الله يهبطُ إلى سماء الدنيا، ثمّ يباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شعثاً سُفْعاً، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانتْ ذُنُوبكم كعَدَد الرّمل، وكعَدد القَطْر، وكزَبَد البَحر، لغفرتُها، أفيضُوا عبادي مَغْفوراً لكم، ولمَنْ شَفَعتم له». «يا بِلال، أنْصت لي الناس»
وروى ابنُ عبد البر أيضاً: بسنده عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «وقَفَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعَرَفات، وكادت الشّمس أنْ تؤوب، فقال: «يا بِلال! أنْصت لي الناس»، فقامَ بلال، فقال: أنْصتوا لرسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنَصَت الناس، فقال: «مَعَاشر الناس، أتاني جبريل آنفًا، فاقْرأني منْ ربّي السلام، وقال: إنّ اللهَ غَفَر لأهل عرفاتٍ، وأهلِ المَشْعر، وضَمِنَ عنْهم التَّبِعات». فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقال: يا رسولَ الله، هذا لنا خاصٌّ، فقال: «هذا لكم، ولمَنْ أتَى بَعْدكم إلى يوم القيامة»، فقال عمر - رضي الله عنه -: كثُر خيرُ اللهِ وطَاب. ورمل عالج: هو ما تَراكَمَ مِنَ الرّمل، ودَخل بعضُه في بعض. وعالِج: موضِعُ معروف بالبادية، بها رَمْل. وشعثًا: منْ تَلَبَّدَ شعره واغْبَرَّ، والشَّعِث: المُغْبَرُّ الرأْس، الجافُّ الذي لم يَدَّهِن. والتَّشَعُّث: التَّفرُّق والتنكُّث. سُفْعاً: السَّفْع السَّواد والشُّحوب، ومنه قيل للأَثافي: سُفْعٌ، وهي التي أُوقد بينها النار، فسَوَّدَت صِفاحَها التي تلي النار. غُبراً: الغُبْرة: اغبِرار اللَّون، يغْبَرُّ للهمِّ ونحوه، والغُبْرة لون الأغبر، وهو شبيه بالغبار. قال الحافظ النّووي: «هذا الحديث ظاهر الدلالة في فَضل يومِ عرفة، وهو كذلك»، وقد وفَّق النووي بين الأحاديث الدالة على فَضْل يوم عَرَفة، والأحاديث الدالّة على فضل يوم الجُمعة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُ يومٍ طَلعتْ فيه الشمس، يوم الجُمعة». رواه مسلم، بأنّ الأحاديث الواردة في فضل يوم عرفة، تفيد أنّ يومَ عَرَفة أفضل أيام السَنة، أمّا الأحاديثُ الواردة في أفضليّة يوم الجُمعة، فمحمولة على أنّ يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع. انظر شرحه على «صحيح مسلم». الإكثار منْ ذكر الله -تعالى
وقال ابن قدامة في المغني: يستحب الإكثار منْ ذكر الله -تعالى-، والدُّعاء يوم عرفة؛ فإنّه يومٌ تُرْجى فيه الإجابة، ولذلك أحببنا له الفِطْر يومئذ، ليتقَوّى على الدُّعاء، مع أنّ صومه بغيرِ عرفة يعدل سنتين. انتهى، وقد رُوي عن سالم بن عبد الله بن عمر: أنّه رأى سائلاً يسألُ يومَ عرفة، فقال: يا عاجز، في هذا اليوم تَسْأل غير الله؟! وذهب بعضُ أهل العلم: إلى أن هذا الفَضل خاصٌّ بالحَاج. قال الباجي المالكي: ويَحتمل أنْ يُريدَ به الحاج خاصّة، لأنّ معنى دُعاء يوم عَرَفة في حقّه يَصح، وبه يختص، وإنْ وُصِف اليوم في الجُمْلة بيوم عرفة، فإنّه يُوصفُ بِفعل الحاج فيه، والله أعْلم. انتهى. (المنتقى شرح الموطأ). فمن رأى تعلّقَ الفضل في الحديث بالمكان مع الزمان، قَصَرَ ذلك على الحاج في عرفة، ومَنْ رأى تعلق الفضل بالزّمان، جَعله عامًا يشمل الحاج وغيره، وإنْ كان هو للحاج آكدَ، والإجابة في حقّه أقربَ، لاجتماع فضل المَكان مع الزمان. وحديثنا في الباب هنا: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما مِنْ يومٍ أكثر مِنْ أنْ يُعْتقَ اللهُ فيه عبداً مِنَ النار، مِنْ يوم عرفة..». قد ذكر فَضل اليوم والزّمان. فوائد الحديث


أنّ الله فَضَّلَ بعضَ الأيَّامِ عَلى بعضٍ، والأيَّامُ الفاضِلةُ هي مَواسِمُ لنَفَحاتِ اللهِ، وعَطاياهُ لعِبادِه، يَغفِرُ فيها الذُّنوبَ، ويَرفَعُ فيها الدَّرَجاتِ، وَمِن تِلكَ الأيَّامِ الفاضلةِ: يَومُ عَرَفةَ، وهو الرّكن الأعظم في الحج.
إِثباتُ صِفةِ الدُّنوِّ للهِ -سُبحانَه وتعالى-، والقُرْب مِنْ عباده، كَما تَليقُ بجَلالِه وعَظمتِه، كما ثبت ذلك في الثُلث الأخير مِنَ الليل.
وفيه: إِثْباتُ صِفةِ المُباهاةِ للهِ -سُبحانَه وتعالى-، كَما تَليقُ بِجلالِه وعَظمتِه.
أعظمُ الجوائز في يومِ عَرَفة: غُفْرانُ الذّنُوب.

خطبَ عمرُ بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بعَرفة، فقال: «إنّكم قد جِئتُم مِنَ القريب والبَعيد، وأنْضَيتُم الظّهر- أي: أتْعبتم رَواحلكم-، وأخْلَقْتُم الثياب - أي: أبليتُم ثيابكم، وليس السّابق اليوم مَنْ سَبقت دابّته وراحلته، وإنّما السّابق اليوم مَنْ غُفر له. وننبّه على أنّ الدُّعاء لا يلزم أنْ يُسْتجاب كما دعا به الدّاعي، بل هو أولاً في نفسِه عبادةٌ يثاب عليها المُسلم والمُسلمة، وقد يُعجِّل الله ثمرة هذه الطاعة للدّاعي فيَحصل مطلوبُه، وقد تكون سببًا لحصول نِعَمٍ أُخَرَ، أو اندفاع مَصائب، وقد يُؤخّر الله ثمرته إلى الآخرة، فيكفّر به السيّئات، ويَرفع به الدّرجات.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-01-2026, 08:26 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: ما يقولُ إذا رَكِبَ إلى سَفَرِ الحَجِّ وغيرِه





الحديث فيه فوائد عظيمة تتعلق بالسفر والدُّعاء الوارد فيه يشتمل على طلب مصالح الدين التي هي أهمّ الأمُور وعلى مَصَالح الدنيا وعلى حُصول المَحاب ودفع المكاره والمَضار
السَّفَرُ فيه المَشقَّةُ والعَناءُ ومِن رَحمةِ اللهِ سُبحانَه أنْ خلَقَ لعِبادِه ما وفَّقَهم لصُنعِه ممّا يَركَبونَه فتَحمِلُهم على ظُهورِها للوُصولِ إلى غاياتِهم بلا عَناءٍ ومَشَقَّةٍ

عن عَلِيِّ الْأَزْدِيِّ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- عَلَّمَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ والتَّقْوَى، ومِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، واطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، والْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ والْأَهْلِ». وإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ». الحديث رواه في الحج (2/978) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري.
في هَذا الحَديثِ يُعلِّمُ الصحابي عبداللهِ بنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- بعضَ أَصْحابِه دُعاءَ السَّفرِ، فأخبَرَهم أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رَكِبَ واستَقرَّ عَلى ظَهرِ بَعيرِه، ويدخُلُ فيه كلُّ أنْواعِ الدوابِّ الَّتي تُركَبُ، وكذا الوَسائلُ الحَديثةُ، «خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ» خارجًا مِنَ المَدينةِ إِلى سَفرٍ من الأسفار. كان -صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «اللهُ أَكبرُ» ثَلاثَ مرَّاتٍ
كان يَقولُ: «اللهُ أَكبرُ» ثَلاثَ مرَّاتٍ، أي: يذكُرُ اللهَ -تعالى- بالتكبير، وتَكبيرُه - صلى الله عليه وسلم - عندَ الاسْتِواءِ والارْتفاعِ فوقَ الدابَّةِ، هو استِشْعارٌ لكِبرياءِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وأنَّه أكبَرُ منْ كلِّ شيءٍ، فيُكبِّرُه ليَحمد له ذلك، فيَزيدَه من فَضلِه، وهو افتتاحٌ لسفره بتكبيرِ الله -عزَّ وجلَّ-، والثناء عليه، كما كان يختمه بذلك. ثُمَّ يَقولُ: «سُبحانَ الَّذي سخَّر لَنا هَذا» فَجَعلَه مُنقادًا لَنا، والإشارةُ إلى المَركوبِ، «وَما كنَّا له مُقْرِنينَ» فأي: ما كنَّا نُطيقُ قَهرَه واستِعمالَه للرّكوب، لوْلا تَسخيرُ اللهِ -سُبحانَه وتعالى- إيَّاه لَنا، ففيه الثّناء على الله بتَسخِيره للمَرْكوبُات التي تَحْمل الأثقال والنُّفوس إلى البلاد النائية، والأقطار الشّاسعة، واعْترافٌ بنعمة الله بالمَركوبات، وهذا يدخل فيه المَركوبات منَ الإبل والخَيل، وكذا المراكب البحريّة والبريّة والجوّية الحديثة، فكلّها تدخل في هذا، وبهذا ذكّر نوحٌ - صلى الله عليه وسلم - الرّاكبين معه في السّفينة فقال: {ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} (هود:41)، وقال -تعالى-: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} (إبراهيم: 32). فهذه المراكب كلّها، وأسبابها، وما به تتمّ وتكتمل، كلّها منْ نِعم الله وتسخيره، يجبُ على العباد الاعتراف لله -تعالى- بنعمته فيها، وخُصُوصاً وقت مباشرته -يعني الرُّكوب- ففيه تذكّر النّعمة التي لولا الباري لما حَصَلت، ولكنّ أكثر الخلق في غفلة عن شُكره، بل في عُتوٍّ واسْتكبار عن الله، وتَجبّر بهذه النّعم على العباد. قوله: {وَإنَّا إِلى ربِّنا لَمُنقلِبونَ}
قوله: {وَإنَّا إِلى ربِّنا لَمُنقلِبونَ} أي: وإنَّا إلى رَبِّنا من بعدِ مماتِنا لصائرونَ إلى الله -تعالى-، وراجِعونَ إليه؛ فإنَّ الإنْسانَ لَمَّا رَكِبَ مُسافراً عَلى ما ذَلَّل اللهُ له، كأنَّه يَتذكَّرُ السَّفرَ الأَخيرَ مِن هَذه الدُّنيا، وهوَ سَفرُ الإنْسانِ إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ- إذا ماتَ، وحَمَله النَّاسُ على أَعْناقِهم، فكما أنّ الإنسان يُسَافر في الدنيا، فهناك سفرٌ آخر إلى الآخرة، فكما بدأ الخَلْق فهو يعيدهم، قال -سبحانه-: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} (العلق: 8). أي: إلى الله المصير والمرجع، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} (النجم:31). ثُمَّ بَعدَ ذَلك أَثنَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلى اللهِ ودَعاهُ، فقالَ: «اللَّهمَّ إِنَّا نَسْألُكَ في سَفرِنا هَذا البِرَّ والتَّقْوى، ومِنَ العمل ما تَرْضى» والبِرُّ: هو الْتِزامُ الطَّاعةِ، والتَّقْوى: البُعدُ عنِ المَعصيةِ، أي: يَمْتثِلُ الأَوامرَ والواجبات، ويَجتنِبُ النَّواهيَ والمُحرّمات، ثمّ سَألَ ربَّه أنْ يَرزُقَه مِنَ العَملِ ما يَرضَى بِه عنْهُ. فسأل اللهَ -تعالى- أنْ يكون السّفر مَوصُوفًا بهذه الوَصْف الجليل، محتويًا على أعمال البر كلّها، سواءً المُتعلّقة بحقّ الله، والمتعلّقة بحُقُوق الخَلْق، وعلى التقوى التي هي اتّقاء سَخط الله، بتركِ جميع ما يكرهه الله مِنَ الأعمال والأقوال، الظّاهرة والباطنة، كما سَأله العمل بما يَرْضاه الله، وهذا يَشْمل جميعَ الطّاعات والقُرُبات، ومتى كان السفر على هذا الوصف، فهو السّفر الرابح، وهو السّفر المبارك. قوله: «اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا»
قوله: «اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، واطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ» سأَلَه تَهوينَ السَّفرِ وهوَ تَيسيرُه، وأنْ يُقرِّبَ لَه مَسافةَ ذَلك السَّفرِ، فكم مِنْ سَفرٍ امتدّ أياماً كثيرة، لكنّ الله هوّنه ويسّره على أهله! وكم مِنْ سَفرٍ قصير، صار أصعب مِنْ كل صعب! فلا سهل إلا ما جعله الله سهلاً، بلطفه ومعونته. ثُمَّ أتْبَعَ دُعاءَه بقولِه: «اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحبُ في السَّفرِ» يَعني: تَصحَبُني في سَفَري، فتُيسِّرُه وتُسهِّلُه عليَّ، «والخَليفةُ في الأَهلِ» أي: مِن بَعْدي، فتَحوطُهم بِرعايتِكَ وعِنايتِكَ، فهوَ -جلَّ وعَلا- معَ الإِنسانِ في سَفرِه، وخَليفتُه في أَهلِه؛ لأنَّه -جلَّ وعَلا- بكُلِّ شَيءٍ مُحيطٌ، وعلمه وقُدْرته في كلّ مكان. الاستعاذة من وعثاء السفر
ثُمَّ استَعاذَ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ بعضِ ما يُصيبُ الإِنسانَ في السَّفرِ، ومِنها «وَعْثاءُ السَّفرِ» وهيَ شِدَّتُه ومَشقَّتُه وتَعَبُه، «وكآبةُ المَنظَرِ» وهيَ تَغيُّرُ الوجهِ كأنَّه مَرضٌ، والنَّفسِ بالانْكسارِ ممَّا يَعرِضُ لها فيما يُحِبُّه ممَّا يُورِثُ الهَمَّ والحُزنَ، وقيلَ: المُرادُ مِنه الاستِعاذةُ مِنْ كلِّ مَنظرٍ يَعقُبُ الكآبةَ عندَ النَّظرِ إِليهِ، «وسُوءُ المُنقلَبِ» وَذلكَ أنْ يَرجِعَ فَيَرى في أَهلِه وَمالِه ما يَسوؤُه. قوله: «وكان إذا رجَعَ قالَهنّ» أي: تلكَ الجُمَلَ المَذكورةَ، وقالَ بعدَهنَّ: «آيِبونَ» أي: نحنُ راجِعونَ مِنَ السَّفرِ بالسَّلامةِ، «تائِبونَ» مِنَ المَعصيةِ إلى الطَّاعةِ، «عابِدونَ، لربِّنا حامِدونَ» أي: مُثْنونَ عليه -تعالى- بصِفاتِ كَمالِه وجَلالِه، وشاكِرونَ له على نِعَمِه وأفْضالِه. والمَعْنى: أنَّنا في طَريقِ عَودَتِنا إلى بَلَدِنا ومَوْطِنِنا وأهْلِنا، قدْ عَقَدْنا العَزْمَ على العَوْدةِ إلى اللهِ -تعالى-، والتَّوْبةِ الصَّادِقةِ له، المُقْتَرِنةِ بالأعْمالِ الصَّالحةِ، مِنَ الشُّكرِ للهِ، والمواظَبةِ على عِبادتِه، والتَّقرُّبِ إليه بالصَّلاةِ، وغيرها من الأعمال الصالحة. كان - صلى الله عليه وسلم - في كُلِّ حالِه يَتذكَّرُ العِبادةَ فهوَ - صلى الله عليه وسلم - في كُلِّ حالِه يَتذكَّرُ العِبادةَ، وأنَّه عبْدٌ للهِ -سُبحانَه وتعالى-، فيسأل الله -تعالى- في رجُوعه وعَوده مِنْ سفره، فيقول: «آيبون تائبون عابدون، لربّنا حامدون»، أي: نسألك اللهمّ أنْ تجعلنا في إيابنا ورجُوعنا، مُلازمين للتوبة لك، وعبادتك وحمدك، وأنْ تَخْتم سفرنا هذا بطاعتك، كما ابتدأته بالتوفيق لها، وهذا يُشبه قوله -تعالى-: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} (الإسراء:80). ومدخل الصِّدْق ومَخْرجه: أنْ تكونَ أسْفار العبد، ومداخله ومخارجه، كلّها تحوي الصّدْق والحَقّ، والاشتغال بما يُحبه الله ويرضاه، مقْرونة بالتّوكل على الله، ومصحوبة بمَعونَته، وقد كانت أسفاره - صلى الله عليه وسلم - كلها محتوية لهذه المعاني الجليلة، وكلّها في طاعة الله -تعالى- وطلب مرضاته. قوله: «لربّنا حامدُون»
قوله: «لربّنا حامدُون» فيه: الاعتراف بنعمتِه آخِراً، كما اعْترفَ بها أولاً في تسخير الدّابة، فكما أنّ على العَبد أنْ يَحْمد الله على التوفيق لفعل العبادة، والشُّروع في الحاجة، فعليه أنْ يَحمدَ الله على تكميلها وتَمَامها، والفَراغ منها، فإنّ الفَضَل فضله، والخير خيره، والأسْباب أسبابه، والله ذو الفَضل العظيم. وفي حَديثِ عبداللهِ بنِ سَرجِسَ - رضي الله عنه -في صَحيحِ مُسلمٍ (2/979) ومُسنَدِ أحمَدَ- أنَّه كان يَبدأُ بالأهْلِ إذا رجَعَ، وفيه يقولُ: «كان رسولُ الله إذا سافر، يَتعوّذ مِنْ وعثاء السفر، وكآبة المُنقلب، والحور بعد الكون، ودَعوة المظلُوم، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ». وفيه أيضا: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استَعاذَ مِنَ الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ، يَعني: مِنَ النُّقصانِ بعدَ الزِّيادةِ، وتَغيُّرِ الحالِ مِنَ الطَّاعةِ إلى المَعصيةِ، وتَعوَّذَ أيضًا مِن دَعوةِ المَظلومِ، أي: أَعوذُ بكَ مِنَ الظُّلمِ، فإنَّه يَترتَّبُ عَليه دُعاءُ المَظلومِ، فإنَّه ليس بينَه وبينَ اللهِ حِجابٌ، كما في الصَّحيحَينِ. ولهذا قال في تحقيق تهوين السفر اللهم: إني أعوذ بك من وعثاء السفر أي: مشقته وصعوبته وكآبة المنظر أي: الحزن الملازم، والهم الدائم وسوء المنقلب في المال والأهل والولد أي: يا رب نسألك أن تحفظ علينا كل ما خلفناه وراءنا، وفارقناه بسفرنا، من أهل وولد ومال، وأن ننقلب إليهم مسرورين بالسلامة، والنعم المتوافرة علينا وعليهم، فبذلك تتم النعمة، ويكمل السرور. فوائد الحديث


الحديث فيه فوائد عظيمة تتعلق بالسفر، والدُّعاء الوارد فيه، يشتمل على طلب مصالح الدين، التي هي أهمّ الأمُور، ومَصَالح الدنيا، وعلى حُصول المَحاب، ودفع المكاره والمَضار، وعلى شُكر نعم الله، والتذكّر لآلائه وكرمه، واشْتمال السّفر على طاعة الله، وما يقرب إليه.
التَّرغيبُ في ذِكرِ اللهِ -تعالى- عندَ السَّفرِ والرُّجوعِ منه.
تَذكَّر نِعمةَ اللهِ -تعالى- عليهم بتَيسيرِه وتَذليلِه لهم تلك المراكِبَ.
السَّفَرُ فيه المَشقَّةُ والعَناءُ، ومِن رَحمةِ اللهِ -سُبحانَه- أنْ خلَقَ لعِبادِه ما وفَّقَهم لصُنعِه ممّا يَركَبونَه في البَحرِ مِنَ السُّفُنِ، وفي البَرِّ مِنَ الإبلِ والخيلِ والسَّيَّاراتِ، وفي الجَوِّ مِنَ الطَّائراتِ، فتَحمِلُهم على ظُهورِها للوُصولِ إلى غاياتِهم بلا عَناءٍ ومَشَقَّةٍ.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-02-2026, 10:56 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: سَفَرُ المرأة إلى الحَجّ مع ذِي مَحْرم




لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤمنُ باللهِ العَظيمِ واليوْمِ الآخِرِ الذي فيه الحِسابُ والجنَّةُ والنارُ أنْ تُسافِرَ مَسيرةَ يَومٍ ولَيلةٍ إلَّا أنْ يكونَ معَها رجُلٌ مِن مَحارِمِها
وُجودُ الزَّوجِ أو المَحرمِ مع المرأة ليس لدَفْعِ الاعتداءِ عنها إنْ حدَثَ فقَطْ وإنَّما أيضًا لدَفْعِ الرِّيبةِ والشَّكِّ عنها ونحْوِ ذلك
النّهي عن سفر المرأة من غير ذي محرم يدلّ على أنّ للمَرأةِ مَكانة عَظيمة في الإسْلامِ وقدْ رفَعَ قدْرَها وحافَظَ عليْها وأمَرَ برعايتِها في كلِّ الأحوالِ

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه - قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَراً يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِداً، إِلَّا ومَعَها أَبُوهَا، أَوْ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم - قَال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، ولَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». هذه الأحاديث رواها مسلم في الحج (2/975- 978) باب: سَفر المَرأة مع محرم إلى حجٍّ وغيره.
في هذه الأحاديث نهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وزَجَرَ عنْ أنْ تُسافِرَ المرأةُ بغَيرِ مَحرَمٍ، وأخبَر بحُرْمةِ ذلك، وأنَّه لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤمنُ باللهِ العَظيمِ واليوْمِ الآخِرِ، الذي فيه الحِسابُ والجنَّةُ والنارُ، أنْ تُسافِرَ مَسيرةَ يَومٍ ولَيلةٍ، إلَّا أنْ يكونَ معَها رجُلٌ مِن مَحارِمِها؛ لأنَّ مَنْ كانتْ تُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ لا تَأتي المَناهيَ، ولا تُخالِفُ الأوامِرَ، وكأنَّه تَلميحٌ بالعِقابِ مِنَ اللهِ لمَن خالفَتْ هذا الأمرَ. سفَر المرأةِ لمدَّةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ
وقد جاء في الصَّحيحَينِ: مِن حَديثِ ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: النَّهيُ عن سفَرِ المرأةِ لمدَّةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ ولَياليها، إلَّا أنْ يكونَ معَها مَحرَمٌ، فقيل: إنَّ اختِلافَ المدَّةِ هو لاختلافِ السَّائِلينَ، واختلافِ مَواطنِهم، وليس في النَّهيِ عن الثَّلاثةِ تَصريحٌ بإباحةِ اليومِ واللَّيلةِ، وليس في هذا كلِّه تَحديدٌ لأقلِّ ما يقَعُ عليه اسمُ السَّفرِ، ولم يَرِدْ عنه - صلى الله عليه وسلم - تَحديدُ أقلِّ ما يُسمَّى سَفراً، فالحاصلُ: أنَّ كلَّ ما يُسمَّى سَفراً تُنهَى عنه المرأةُ بغَيرِ زوجٍ، أو مَحْرمٍ، سواءٌ كان ثَلاثةَ أيَّامٍ، أو يومَينِ، أو يَوماً، أو نِصفَ يومٍ، أو غيرَ ذلك. قوله: «لا يَحلّ لامْرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر» خصّ المُؤمنة بالذّكر؛ لأنّ صاحبَ الإيمان، هو الذي يَنتفع بخطابِ الشّارع، وينقاد له. قوله: «مَسْيرة يوم وليلة»
وقوله: «مَسْيرة يوم وليلة» وفي حديث ابن عمر: «لا تُسافر المَرأة ثلاثة أيام، إلا مع ذي محْرم»، وفي حديث أبي سعيد: «لا تُسافر امرأة مسيرة يومين ليسَ معها زوجها أو ذو محرم»، وفي حديث ابن عباس قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي مَحرم، ولا يدخل عليها رجلٌ إلا ومعها مَحرم»، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريدُ أنْ أخْرج في جيشِ كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال: «اخرُج معها»، قال الحافظ ابن حجر: «وقد عَمِل أكثر العلماء في هذا الباب بالمُطلق، لاخْتلاف التقييدات. قال ابنُ المنير: وقع الاخْتلاف في مَواطن بحسب السائلين، ويُحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذِكْر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد، فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره، ولا يتوقّف امتناع سير المرأة على مسافة القصر». «فتح الباري» (4/ 75). قوله: «إلا ومعها ذُو محْرم»
فسّره في حديث أبي سعيد بقوله: «إِلَّا ومَعَها أَبُوهَا، أَوْ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا». فمَحرَمُ المرأةِ هو زَوجُها ومَن يَحرُمُ علَيها بالتَّأبيدِ، بسَببِ قَرابةٍ، أو رَضاعٍ، أو صِهْريةٍ، كأبيها، وابنها، وأخيها، فلا يَدخُلُ في المحرَمِ ابنُ العَمِّ ولا ابنُ الخالِ، ولا زوجُ الأختِ، ولا زوجُ العمَّةِ، ولا زوجُ الخالةِ، وما شابَههم، ممَّن يَحِلُّ لهم الزَّواجُ منها لو فارَقَ زَوجتَه. ووُجودُ الزَّوجِ أو المَحرمِ معها ليس لدَفْعِ الاعتداءِ عنها إنْ حدَثَ فقَطْ، وإنَّما أيضًا لدَفْعِ الرِّيبةِ والشَّكِّ عنها، ونحْوِ ذلك، قال الحافظ: «واسْتدلّ به على عدم جواز السّفر للمرأة بلا مَحرم، وهو إجماعٌ في غير الحج والعمرة، والخُروج من دار الشرك، ومنْهم من جعل ذلك من شرائط الحج. منع الخلوة بالأجنبية
قوله: «ولا يَدْخل عليها رجلٌ إلا ومعها محرم»، فيه منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع، لكن اختلفوا: هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا كالنسوة الثقات، والصحيح الجواز، لضَعف التهمة به، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا. (فتح الباري) (2/ 568). حج المرأة مع ذي محرم
قال شيخ الإسْلام ابن تيمية: «وليس للزّوج منع زوجته من الحجّ الواجب مع ذي مَحْرم، بل عليها أنْ تحج وإنْ لمْ يأذن في ذلك، حتى إنّ كثيراً منَ العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النّفقة عليه مدّة الحج..»، وقال في «الفتاوى المصرية»: إنّ المرأة لا تسافر للحجّ إلا مع زوج أو ذي محرم، والمحرم زوج المرأة، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ، وهو قول أكثر العلماء، واختاره ابن عقيل، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين في التحريم لا المحرمية اتفاقًا، والله أعلم». الاختيارات الفقهية (1/ 465). من فقه الحديث
قال الحافظ أبو عمر ابن عبدالبر: «في هذا الحديث من الفقه: أنّ المرأة لا يجوز لها أن تسافر هذه المسافة فما فوقها، إلا مع ذي محرم، أو زوج، وقد اختلفت ألفاظ أحاديث هذا الباب في مقدار المسافة، وسنذكر ذلك والمعنى فيه في آخر هذا الباب إن شاء الله. واختلف الفقهاء في معنى ذي محرم للمرأة، هل هو من السبيل الذي ذكر الله في الحج أم لا؟ فقالت طائفة: المحرم من السبيل الذي قال الله -عزوجل-: {من استطاع إليه سبيلا} (آل عمران: 97). فمَن لم يكن لديها ذو محرم فتخرج معه، فليست ممن استطاع إلى الحج سبيلاً، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ تُسافر المرأة إلا مع ذي مَحرم منها. وممّن ذهب إلى هذا إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن الرجل، هل يكون محرَمًا لأم امرأته يخرجها إلى الحج؟ فقال: أما في حجة الفريضة فأرجو؛ لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته، وأما في غيرها فلا، وكأنه ذهب إلى أنّه لم يذكر في القرآن، قال أبو عمر: يعني في قول الله -عزوجل-: {ولا يُبْدين زينتهن إلا لبعولتهن} الآية. قال الأثرم: قيل لأحمد: فيَحجُّ الرجلُ بأخت امرأته؟ قال: لا؛ لأنّها ليستْ منه بمحرم، لأنّها قد تحلّ له، قيل له: فالأخ من الرّضاعة يكون محرماً؟ قال: نعم، قيل له: فيكون الصّبي مَحْرماً، قال لا، حتّى يحتلم؛ لأنّه لا يقومُ بنفسه، فكيف تخرج معه امرأة في سفر؟ لا حتى يحتلم، وتجبُ عليه الحدود، أو يبلغ خمس عشرة سنة. مقدار السفر
ثم ساق الروايات في الباب في مقدار السفر، ثم قال: وقد اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب، كما ترى في ألفاظها، ومحملها عندي - والله أعلم - أنّها خرجت على أجوبة السائلين، فحدّث كل واحد بمعنى ما سمع، كأنّه قيل له - صلى الله عليه وسلم - في وقتٍ ما: هل تسافر المرأة مسيرة يوم بلا مَحْرم؟ فقال: لا، وقيل له في وقت آخر: هل تسافر المرأة مسيرة يومين بغير محرم؟ فقال: لا، وقال له آخر: هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بغير محرم؟ فقال: لا. وكذلك معنى الليلة والبريد ونحو ذلك، فأدى كل واحد ما سمع على المعنى، والله أعلم. ويجمع معاني الآثار في هذا الباب- وإن اختلفت ظواهرها- الحَظْر على المرأة أنْ تُسافرَ سفراً يخاف عليها الفتنة بغير محرم، قصيراً كان أو طويلاً، والله أعلم. انتهى. الأحاديث متنوعة في هذا
وقال الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله-: «الأحاديث متنوعة في هذا، فيها يومان، وفيها يوم وليلة، وفيها يوم، وفيها ليلة، وفيها ثلاثة أيام، وفيها مطلق، هذا على اختلاف الأسْئلة يجيبهم على قدر سؤالهم -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الجامع ما رواه الشيخان في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو مَحْرم، ولا تُسَافر المرأة إلا مع ذي محرم؛ فقال رجل: يا رسول الله، إنّ امْرأتي خرجتْ حاجّة، وإني اكتتبتُ في غزوة كذا وكذا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «انطلق فحجّ مع امرأتك». أخرجه البخاري. حديث جامع
والحديث الجامع: «لا تُسَافر إلا مع ذي محْرَم». أي: سفر، يوم أو ليلة، أو يومين، أو ثلاث، أو أكثر، أو أقلّ؛ لأنّها عَورة وفتنة، وإذا لمْ يكنْ معها محرمٌ يَصُونها ويلاحظها عن الخطر العظيم عليها، فالشيء الجامع هو السّفر وما يُعدُّ سفرًا هو الممنوع قد يكون يوماً، قد يكون يومين، قد يكون ثلاثة، وقد يكون أكثر من ذلك. قال: ولا فرق بين الطائرة وبين القطار والسيارة وبين الجمل، فإن الذي أخبر عن هذا يعلم -سبحانه- ما في السماء والأرض، وما يكون في آخر الزمان، والرسول -[- إنّما يخبر عن مشروعية ذلك، لقوله -سبحانه-: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:3-4)، فهو يعلم عن شرع الله، ويُخبر عن شرع الله في الحاضر والمستقبل، والله -سبحانه- يعلم ما يكون في آخر الزمان في القرن الرابع عشر، والخامس عشر من الطائرات والسيارات والقطارات، والبواخر العظيمة السريعة وغير ذلك، فحُكْمه واحدٌ بيَّنه لعباده، ولمْ يَقل: إلا إذا كان في آخر الزمان، وجاءت مراكب سريعة فلا بأس، قد جعل الحكم واحداً». انتهى (مجموع فتاويه). فوائد الحديث
من فوائد الحديث النَّهيُ عن سَفرِ المرأةِ بغَيرِ مَحرمٍ معَها، سواء يوماً وليلةً أو أكثرَ أو أقل، وهذا النّهي يدلّ على أنّ للمَرأةِ مَكانة عَظيمة في الإسْلامِ، وقدْ رفَعَ قدْرَها وحافَظَ عليْها، وأمَرَ برعايتِها في كلِّ الأحوالِ، في الحَضرِ والسَّفرِ، ومِن أَوْجُهِ المحافَظةِ عليها ما جاء في هذا الحديثِ.

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-02-2026, 10:58 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: حجّ الصّبي وأجْر مَنْ حَجَّ به




الإسلامُ وضعَ شُروطًا للتَّكليفِ وإيجاب الفرائضِ على المسلمِ ومِن ذلك أنَّه جَعَلَ الحجَّ غيْرَ واجبٍ إلَّا على البالغِ العاقلِ الحُرِّ المُستطيعِ

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنْ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». يَرْوي عبداللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - «لقي ركباً بالرّوحاء فقال: من القوم؟» الرّكب: هم الجماعةُ المُسافِرون، وهم أصْحاب الإبل خاصّة، وأصله أنْ يُسْتعمل في عشرةٍ فما دونها، و«الروحاء» مكان على ستةٍ وثلاثين ميلاً من المدينة. وكان ذلك في طَريقِ الرُّجوعِ مِن حَجَّةِ الوَداعِ، كما بيَّنَت رِوايةُ النَّسائيِّ.
قوله: «فَقَالَ: «مَنْ الْقَوْمُ؟»
قوله: «فَقَالَ: «مَنْ الْقَوْمُ؟» فأجابوه بأنَّهم مِن جَماعةِ المسلمين، وقوله: «فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟» قال القاضي عياض: يحتمل أنّ هذا اللقاء كان ليلاً فلمْ يعْرفوه - صلى الله عليه وسلم -، ويَحتمل كونه نَهاراً، لكنّهم لمْ يروه - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك لعدم هِجرتهم، فأسْلموا في بلدانهم ولمْ يهاجروا قبل ذلك. ألهَذا حَجّ؟
قوله: «فرفعتْ امرأةٌ صَبيا لها فقالت: ألهَذا حَجّ؟ الصَبيّ هو الصغير هو الَّذي لمْ يصل سِنَّ البلوغِ. قال: «نعم، ولك أجْر». قال النووي: فيه حجّة للشّافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء: أنّ حَج الصّبي مُنعقدٌ صحيح، يُثاب عليه، وإنْ كان لا يُجْزيه عن حجّة الإسْلام، بل يقع تطوعاً، وهذا الحديث صَريحٌ فيه، وقال أبو حنيفة: لا يصحّ حجّه؟ قال أصْحابه: وإنّما فعلوه تمريناً له ليعتاده، فيقع إذا بلغ، وهذا الحديث يردّ عليهم، قال القاضي: لا خلافَ بين العلماء في جواز الحجّ بالصّبيان، وإنّما مَنَعه طائفة مِنْ أهل البدع، ولا يُلتفت إلى قولهم، بل هو مَردُود بفعل النّبي - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابه، وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه وتجري عليه أحْكام الحج، وتجبُ فيه الفدية، ودم الجُبران، وسائر أحْكام البالغ، فأبو حنيفة يمنع ذلك كله، ويقول: إنّما يجبُ ذلك تمريناً على التعليم، والجمهور يقولون: تجري عليه أحْكام الحج في ذلك، ويقولون: حجّه منعقدٌ يقع نفلاً؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل له حجّاً. قال القاضي: وأجْمعوا على أنه لا يُجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسْلام، إلا فرقة شذّت فقالت: يُجزئه؟ ولمْ تلتفت العلماء إلى قولها. انتهى. فلمَّا عَلِموا أنَّه رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رَفَعَت إليه امرأةٌ منْهم وسَأَلت: «أَلِهذا حَجٌّ؟» أي: يَحصُلُ لِهذا الصَّغيرِ ثوابُ حَجٍّ، فأجابَها - صلى الله عليه وسلم -: نَعَمْ» لَه حجُّ النَّفلِ، «ولَكِ أَجرٌ» أي: بسَببِ تَجنيبِها إيَّاه ما يَجتنِبُه المُحرِمُ، وفِعلِ ما يَفعَلُه المُحرِمُ، وتَعليمِه إنْ كان مُميِّزاً، أو أجْرُ النِّيابةِ في الإحرامِ، والرِّميِ، والإيقافِ، والحملِ في الطَّوافِ والسِّعيِ، إنْ لم يكُنْ مُميِّزًا، وفي قولِه: «ولكِ أجْرٌ» تَرغيبٌ لها. فالحَجُّ يَصِحُّ مِن الصَّبيِّ، ويُثابُ عليه، ولكنْ لا يَكفِيه عن الفريضةِ، وعليه حَجُّ الفريضةِ بعْدَ البلوغِ. فوائد الحديث


الإسلامُ وضعَ شُروطًا للتَّكليفِ وإيجاب الفرائضِ على المسلمِ، ومِن ذلك أنَّه جَعَلَ الحجَّ غيْرَ واجبٍ إلَّا على البالغِ العاقلِ، الحُرِّ المُستطيعِ.
مشروعية الحج بالصغير مُطلقاً، سواء كان مُميّزاً أم لا.
وفيه: أنَّ الصَّبيَّ يُثابُ على طاعتِه، ويكُتَبُ له حَسناتُه.
وثُبوتُ الأجرِ لوليِّ الصَّبيِّ إذا حجَّ به.
وفيه: أنَّ مَن جَهِل شيئًا فعليه أنْ يَسألَ أهلَ العلمِ عمَّا يَجهَلُه مِن الأحكام، قال الله -تعالى-: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل: 43).
وفيه: أنَّ مَن أعان شخصًا على طاعةٍ فله أجرٌ.
ومشروعية الزّيادة في الجواب عن السُّؤال زيادة في الفائدة، وهو مِنْ عادة الشّرع، والبلغاء والعُلماء.
وفيه: أنّ على النّساء أنْ يسألن عمّا يَجهلنه منَ الأحْكام كالرجال، وأنْ يتفقّهن في الدّين.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-03-2026, 10:21 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الحجُّ عمَّنْ لا يَسْتَطيعُ الرُّكوب



من فوائد الحديث منْعُ النَّظَرِ إلى الأجنبيَّاتِ وغَضُّ البَصَرِ وأنه يخشى على الصالحين ما يخشى على غيرهم من الفتنة بالنساء

العالِم يُغيِّرُ مِن المُنكَرِ ما يُمكِنُه إذا رَآه وإزالةُ المُنكَرِ باليَدِ لمَن أمكَنَه مِن غَيرِ مَفسَدةٍ زائدةٍ عنِ المُنكَرِ الحاصِلِ ولو مع الأقارب
عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، قَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ؛ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَال: «نَعَمْ». وذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/973) باب: الحَجّ عن العَاجز لزَمانةٍ وهَرَم ونحوهما، أو للمَوت، وقد ذكره البخاري في باب الحج عمّن لا يستطيع الثبوت على الراحلة.
في هذا الحَديثِ يَحكي عبداللهِ بنُ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ الفَضلَ بنَ العبَّاسِ -رَضيَ اللهُ عنهما- كانَ راكبًا خَلْفَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على الدَّابَّةِ؛ والفضل: هو ابن العباس بن عبدالمطلب، وهو أكبر أبناء العباس وبه كان يُكنى، وكان جميلًا، وقد مات بالشام في طاعون عمواس، وليس له عقب. معنى رديفه
ومعنى رديفه: أي رَكب خلفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، على عَجز راحلته -صلى الله عليه وسلم -، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قد أردف أسامة بن زيد، منْ عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، وذلك في حجّة الوداع، قبيل رمي جمرة العقبة أو بعدها يوم النحر. قوله: «فجاءتِ امرأةٌ مِن خَثْعَمٍ»
قوله: «فجاءتِ امرأةٌ مِن خَثْعَمٍ» وهي قَبيلةٌ يَمنيَّةٌ معروفة، مساكنها تقع جنوبي مساكن غامد وزهران. «تستفتيه» أي: تَسأَلُ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الحَجِّ، فكان الفَضلُ - رضي الله عنه - يَنظُرُ إليها، وكانَتْ هي أيضًا تَنظُرُ إليه، وقوله: «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ» أي: أخذَ يصرف وجْه الفضل، أي: يلويه حتى لا يتمكّن من النظر إليها. الشق الآخر: أي إلى الجانب الآخر الذي لا تقع عينه فيه على الخثعمية، فلمَّا رآهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَنظُر إليها صَرَفَ وَجْهَ الفَضْلِ - رضي الله عنه - إلى الشِّقِّ الآخَرِ؛ ليَكُفَّ بَصَرَه عن النَّظرِ إليها، ولِتُقلِعَ هي أيضاً عن النَّظَرِ إليه، ولم يَأمُرْها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بصَرْفِ وَجْهِها إلى الشِّقِّ الآخَرِ، وإنْ كانتِ المرأةُ مَمنوعةً مِن النَّظَرِ إلى الرجُلِ أيضاً، مِثلَما يُمنَعُ الرجُلُ لقولِه -تعالَى-: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (النور: 30). وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ
وقولِه: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) النور: 31، وقيل: يحْتَملِ أنْ يكونَ نظَرُها للفضْلِ كان عن غَيرِ قصْدٍ؛ لأنَّها إنَّما كانتْ تَنظُرُ جِهةَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِمَسألتِها. ويَحتمِلُ أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اكْتَفَى بصَرْفِ وَجْهِ الفضْلِ؛ لأنَّ ذلك يَمنَعُ نَظَرَ المرأةِ إلى شَيءٍ مِن وَجْهِ الفضْلِ، فكان في ذلك مَنْعٌ للفضْلِ مِن النَّظَرِ إليها ومَنْعٌ لها مِن النَّظَرِ إليه، ولعلَّها لمَّا صَرَفَ وَجْهَ الفضْلِ فَهِمَت ذلك، فصَرَفَت وَجْهَها أو بَصَرَها عن النَّظَرِ إليه. أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟
قوله: «قَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ؛ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟» فسَأَلتِ المرأةُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن مَشروعيَّةِ الحَجِّ نِيابةً عن أبِيها، وأبوها قِيل: هو حُصينُ بنُ عَوفٍ الخَثْعميُّ، الذي أدركته فَريضةُ الحجّ وهو شَيخٌ كَبيرٌ، لا يَستقِرُّ جِسمُه على الرَّاحِلةِ، أو لم تَتَوافَرْ فيه شُروطُ الحَجِّ؛ إلَّا في هَذه السِّنِّ المتأخِّرةِ، حتَّى أصبَحَ عاجِزاً، ضَعيفَ الجِسمِ، مُنهَكَ القُوى، فأجابَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنْ تَحُجَّ عنه. ما يشترط للنائب في الحج
ويُشتَرَط في النَّائِبِ في الحجّ والعمرة: أنْ يكونَ قد حَجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ عن نفْسِه أوَّلًا واعتمر، وإلَّا كانتِ الحجَّةُ أو العُمرة عن نفْسِه، ولم تُجْزِئْ عن المَنوبِ عنه؛ لحَديثِ أبي داودَ: عن ابنِ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عنهما-: «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعَ رجُلًا يقولُ: لَبَّيكَ عن شُبْرُمةَ، قال: مَن شُبرمةَ؟ قال: أخٌ لي -أو قريبٌ لي- قال: «حَجَجتَ عن نفْسَك؟» قال: لا، قال: «حُجَّ عن نفْسِك، ثمَّ حُجَّ عن شُبرمةَ». فوائد الحديث
1- الحَجُّ هو الرُّكنُ الخامِسُ مِنْ أرْكانِ الإسْلامِ، وهو الفَريضةُ التي تَستوجِبُ مُفارَقةَ الأهل والوطن كالجهاد في سبيل الله، استِجابةً لرَبِّ العالَمينَ، وليس لمَن أدَّاهُ على وَجْهِه وبحَقِّه مِنْ ثَوابٍ إلَّا الجنَّةُ.
2- وفيه: جواز الاستِنابة في حَجِّ الفَريضةِ؛ عن عَاجِزٍ عجزاً مَيؤوسٍاً مِن زَوالِه.
3- وفيه: بِرُّ الوالدَينِ، والاعتِناءُ بأمرِهِما، والقِيامُ بمِصالِحِهما؛ مِن قَضاءِ دَينٍ ديني كزكاة أو حجٍّ أو نذرٍ أو كفارة، وكذا خِدمةٍ، ونَفَقةٍ، وغيرِ ذلكَ مِن أُمورِ الدِّينِ والدُّنيا، وأن الحجّ عن الوالد من برّه. 4- وفيه: أنَّ الاستِطاعةَ تكونُ بالآخرين كما تكونُ بالنَّفْسِ.
5- وفيه: تَواضُعُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم .
6- وفيه: مَنزِلةُ الفَضْلِ بنِ العبَّاسِ -رَضيَ اللهُ عنهما- مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، حيثُ أرْدفه خلفه على الراحلة.
7- وفيه: منْعُ النَّظَرِ إلى الأجنبيَّاتِ، وغَضُّ البَصَرِ، وأنه يخشى على الصالحين ما يخشى على غيرهم من الفتنة بالنساء، والعمل على عدمِ اختلاط النساء بالرجال.
8- أنّه يجوزُ للمرأة الاستفتاء في العلم والترافع في الحُكم، والمعاملة وإظْهار صوتها في ذلك، إذا لمْ تحدث فتنة من ذلك.
9- وفيه: أنَّ العالِمَ يُغيِّرُ مِن المُنكَرِ ما يُمكِنُه إذا رَآه، وإزالةُ المُنكَرِ باليَدِ لمَن أمكَنَه مِن غَيرِ مَفسَدةٍ زائدةٍ عنِ المُنكَرِ الحاصِلِ ولو مع الأقارب. مسألة مهمة
مسألة: لا يصحّ الاستدلال بحديث الفضل بن العباس - رضي الله عنه -؛ على جواز كشف الوجْه للنساء، وقد أجاب العلماء على ذلك بأجوبة، قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «وأجيب عن ذلك أيضاً من وجهين: الوجه الأول: أنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رآها كاشفة عنه، وأقرّها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت «وضيئة»، وفي بعض روايات الحديث: «أنّها حسناء»، ومعرفة كونها وضيئة، أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه - صلى الله عليه وسلم - أقرّها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها...». «أضواء البيان» (6 / 254 - 256).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «وأما حديث الخثعمية التي سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع عند مرجعه من مزدلفة إلى منى في حجة الوداع قالت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير، أدركته فريضة الله، ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: نعم حجّي عن أبيك، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فصرف وجه الفضل عنها، صرفه إلى الجهة الأخرى، قالوا هذا يدل على أنها كانت متكشفة، وهذا غلط، فإنه ليس بدليلٍ على أنّها متكشفة، قد ينظر إليها وتنظر إليه وليستْ متكشفة، قد تميل الوجه إليه وهي متخمرة، وينظر إليها إلى حُسن كلامها إلى صوتها إلى خدها القائم مع السّتر، ليس بضروري أن تكون متكشفة، ...». «التعليقات على ندوات الجامع الكبير». وقال الشيخ العثيمين -رحمه الله-: «وقد استَدلّ بهذا - أي: حديث الخثعمية-: مَن يرى أن المرأة يجوز لها كشف الوجه، وهذا الحديث- بلا شك- من الأحاديث المتشابهة، التي فيها احتمال الجواز، وفيها احتمال عدم الجواز، أما احتمال الجواز: فظاهر، وأما احتمال عدم الدلالة على الجواز فإننا نقول: هذه المرأة محرمة، والمشروع في حق المحرِمة أن يكون وجهها مكشوفاً، ولا نعلم أن أحداً من الناس ينظر إليها سوى النبي - صلى الله عليه وسلم -، والفضل بن العباس، فأما الفضل بن العباس: فلم يقرَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل صَرف وجهه، وأمّا النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: فإن الحافظ ابن حجر رحمه الله- ذكَر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجوز له من النظر إلى المرأة، أو الخلوة بها، ما لا يجوز لغيره، كما جاز له أنْ يتزوج المرأة دون مهر، ودون ولي، وأن يتزوج أكثر من أربع، والله -عز وجل- قد فسح له بعض الشيء في هذه الأمور؛ لأنه أكمل الناس عفةً، ولا يمكن أن يرِد على النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يرِد على غيره من الناس، من احتمال ما لا ينبغي أن يكون في حق ذوي المروءة. القاعدة عند أهل العلم
وعلى هذا: فإنّ القاعدة عند أهل العلم: أنه إذا وُجد الاحتمال، بَطَل الاستدلال، فيكون هذا الحديث من المتشابه، والواجب علينا في النصوص المتشابهة: أنْ نردّها إلى النصوص المحكمة، الدالة دلالة واضحة على أنه لا يجوز للمرأة أنْ تكشف وجهها، وأنْ كشف المرأة وجهها من أسباب الفتنة، والشر» انتهى. «دروس وفتاوى الحرم المكي» (1408 هـ، شريط رقم 16).

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-03-2026, 10:24 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في الحَائض والنُّفَساء إذا أرَادَتَا الإحْرَام





من أحكام الحديث مَشروعية الإهْلال بالتَّلْبيةِ عندَ الإحْرامِ في الحجِّ أوِ العُمرةِ ولو على غير طهارة وأنَّ المَرأةَ فيه كالرَّجلِ
الحجُّ هو الرُّكنُ الخامسُ مِنْ أَرْكانِ الإِسْلامِ وهوَ عِبادةٌ لمَنِ استَطاعَ إليها سَبيلًا وفي الحجِّ مَشقَّةٌ تَقتَضي التَّيسيرَ

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا: أَنْ تَغْتَسِلَ وتُهِلَّ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/869) باب: إحْرام النُّفَساء، واسْتِحباب اغْتِسالها للإحْرام، وكذا الحائض.
تَرْوي عائشةُ أمُّ المؤمِنينَ -رضي الله عنها- أنَّ أَسْماءَ بنتَ عُمَيسٍ «نُفِسَتْ» بكسر الفاء، وأمّا النُّون ففيها الوجهان: الضّم والفتح، ونُفِسَتْ أي: وَلَدتْ، وسُمِّيَ نِفاساً لخُرُوجِ النَّفَسِ، وهوَ المَولودُ، أوِ خُروج الدَّمُ مِنَ الرّحم. والمعنى: أنّها ولدت، ويقال لمن حاضت: نُفِست أيضاً، إلا أنّ المَشهور قول لمَن ولدت: «نفست»، وأَسْماءُ بنتُ عُمَيسٍ هيَ الخَثْعمية صحابيّة، كانت زوجةً لجَعفر بن أبي طالب، ثمّ زوجةً لأبي بكر الصديق، ثمّ لعليّ بن أبي طالب. هاجرت أسماءُ للحبشة، ثمّ إلى المدينة، لذا فتُكنّى «صاحبة الهجرتين». لمَّا وَلَدتِ ابنَها مُحمَّدَ بنَ أَبي بكرٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- في طَريقِ الذَّهابِ لحَجَّةِ الوَداعِ، في السَّنةِ العاشرةِ منَ الهِجرةِ، أمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَوجَها أَبا بكرٍ أنْ يَأمُرَها أنْ تَغتسِلَ مِن نِفاسِها ودَمِها، وأنْ تُهِلَّ بالحجِّ، وهذا الاغتِسالُ للنَّظافةِ، لا للطَّهارةِ ورفع الحَدث، لأنَّ النُّفَساءَ كالحائضِ لا تَطهُرُ إلَّا بانْقِطاعِ الدَّمِ عنها. وَتُهِل: أي: تُلبي، وتقدَّم أن الإهلال أصْله: رَفْعُ الصّوت بالتّلْبية، إلا أنّ المرأة تَخْفضُ صوتها بحضرة الأجانب. الحائض والنفساء وأعمال الحج
وفيه: أنّ الحائضُ والنُّفَساءُ يصِحُّ مِنْهما جَميعُ أَفْعالِ الحجِّ، إلَّا الطَّوافَ بالبيت. ولمَا رَواه أيضاً النَّسائيُّ وابنُ ماجة: عن أبي بكرٍ - رضي الله عنه -: عن رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «وتَصنَعَ ما يَصنَعُ النَّاسُ» أي: منَ الذِّكرِ والتَّلْبيةِ، وتقِفُ بمِنًى وعَرفاتٍ والمُزدَلِفةِ، «إلَّا أنَّها لا تَطوفُ بالبيتِ» أي: لا تَطوفُ بالكَعبةِ المُشرَّفةِ، طوافَ الرُكنِ وهو الإفاضة، إلَّا بعدَ أنْ تطهُرَ منَ النِّفاسِ، ثمَّ تطوفَ. وقَولُه: «بالشَّجرةِ» هي الشَّجرةُ الَّتي كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَنزِلُ تحتَها عندَ خُروجِه منَ المدينةِ إلى مكَّةَ للعُمرةِ أوِ الحجِّ، فكان يَنزِلُ تحتَ ظِلِّ هذه الشَّجرةِ ويُصلِّي، ثُمَّ يُهِلُّ مُحْرِماً يُريدُ العُمرةَ أوِ الحجَّ. وفي رِوايةِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ عندَ مُسلمٍ أنَّها نُفِسَتْ بِذي الحُلَيفةِ، وفي رِوايةِ النَّسائيِّ: «بالبَيداءِ» هَذه المَواضعُ الثَّلاثةُ مُتقاربةٌ، فالشَّجرةُ بِذي الحُلَيفةِ، وأمَّا البَيداءُ فهيَ بطَرفِ ذي الحُلَيفةِ. يُؤخذ من الحَديث الأحْكام التالية: الحُكمُ الأول
مَشْروعية الاغْتسال عند الإحْرَام، بل هو سُنّة مؤكّدة، ووجه ذلك: أنّ أسْماء بنتَ عُميس -رضي الله عنها- نُفَسَاء، وهي وإنْ اغْتَسلت لنْ تستحلَّ بغُسْلها صلاةً ولا غيرها، ومع ذلك أمَرها النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ تَغْتسل، والاغْتسال للإحْرام مُسْتحبٌ بالإجْماع، ونقل ابن المنذر -رحمه الله- الإجْماع على أنّ الإحْرام بغير اغتسالٍ جائز. انظر الإجماع (ص: 55). فجمهور العُلَماء أنّ الاغتسال عند الإحْرام مُسْتحب، حتى للحائضِ والنّفساء لحديث الباب، انظر المغني (5/75)، وخالف ابنُ حزم -رحمه الله-، فقال بوجُوبه على النُّفَساء دون الحائض، أخذاً بظاهر حديث الباب، انظر المحلى (7/82)، وأيضا: فإنّ الاغتسالَ للإحْرام لا يجبُ، وأنّ الإجْماع على جَواز الإحْرام بدُونه. الحكم الثاني
صحّة التعبد بالاغْتِسال عند الإحْرَام مِنَ الحَائض والنُّفَساء، وكذا في جميع أفعال الحج يصحُّ منْهما، إلا الطّواف بالبيتِ وركعتيه، لقول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «افْعَلي ما يفعلُ الحاج، غيرَ ألا تَطُوفي بالبيتِ حتّى تَطْهُري». الحكم الثالث
صِحَّةُ إحْرامِ النُّفَساءِ والحَائضِ، معَ اغتِسالِهما للإِحْرامِ، فالحجُّ هو الرُّكنُ الخامسُ مِنْ أَرْكانِ الإِسْلامِ، وهوَ عِبادةٌ لمَنِ استَطاعَ إليها سَبيلًا، وفي الحجِّ مَشقَّةٌ تَقتَضي التَّيسيرَ، ومِن ذلكَ: أنَّ المَرأةَ المُحرِمةَ إذا وَلَدتْ في أَثناءِ إحْرامِها، وقَبلَ البَدءِ في أَعْمالِ الحجِّ، فلَها أنْ تَغتَسلَ وتَتطهَّرَ، وتُهِلَّ بالحجِّ، غيرَ أنَّها لا تَطوفُ إلَّا بعدَ طَهارتِها الكاملةِ. وَفي هذا تَيسيرٌ عَليها حتَّى لا يَفوتَها الحجُّ في أيَّامِه المَعلومةِ. الحُكم الرابع
ما في الإسْلامِ مِنْ يُسرٍ ورفع حرَجٍ عن المُكلفين وتخفيف على أصحاب الأعذار، ومن ذلك: رِعايتُه للمَرأةِ النُّفَساءِ والحَائض عند الإحرام، حتَّى لا يَفوتَها الحجُّ، وتُضْطرَّ للعَودةِ إليه في سَنةٍ قادمةٍ، وربّما أصابها ما أصابها في العام الأول. الحكم الخامس
مَشروعية الإهْلال بالتَّلْبيةِ عندَ الإحْرامِ في الحجِّ أوِ العُمرةِ، ولو على غير طهارة، وأنَّ المَرأةَ فيه كالرَّجلِ. من شروط الدعوة إلى الله -تعالى
الدعوة إلى الله -تعالى- وتربية النفوس وتزكيتها وتعريف الخلق بخالقهم من أعظم الطاعات وأجلِّ القربات، قال الله -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينََ} (فصلت:٣٣)، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» متفق عليه. ويشترط في الدعوة إلى الله -تعالى- أن تكون لله وحده لا شريك له؛ فيجب أن يكون الداعية متعبدا لله بالدعوة إليه مخلصًا له، ولا يجوز أن يكون قصده أغراضًا دنيويةً كحب الشهرة أو استمالة الناس إلى أهدافٍ دنيويةٍ كالجماعات والأحزاب، بل الواجب على الداعية أن يكون قصده من الدعوة إلى الله هداية الناس وتعريفهم بربهم وبما يقربهم إليه، وتحذيرهم مما يبعدهم عن الله ويسخطه عليهم، وأساس الدعوة العلم؛ فيشترط على الداعية أن يكون عالمًا بما يدعو إليه مما يأمر به أو ينهى عنه، فلا يأمر إلاّ بالمعروف ولا ينهى إلاّ عن المنكر، ويبدأ بالمتفق عليه ولا يشدد في المختلف فيه. ومما يشترط في صحة الدعوة وسلامتها عن الأغراض الدنيوية، أن يكون الباعث عليها الشفقة على المدعوين ورحمتهم، وهذا مدخل أساسي في دعوة العامة والأبرياء، ولاسيما وأنّ الأكثرية من الدعاة اليوم يمارسون الدعوة في أوساط المجتمع المسلم؛ فدعوتهم تعليم وتذكير وتزكيةٌ وتصويب وتصحيح لما يختل من مفاهيم الإسلام في أذهان أو سلوكيات المسلمين، سواء في القضايا العقدية أم العملية؛ ولهذا لابد أن يصدر الخطاب الدعوي من قلب رحيم مشفق ولسانٍ مسدد عفيف. قال -تعالى في وصف صاحب الدعوة وإمام الدعاة صلى الله عليه وسلم -: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة ١٢٨) فيجب أن يكون قدوة الدعاة هو صاحب الدعوة وحامل لوائها رسول الله - صلى الله عليه وسلم .


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-04-2026, 11:45 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في المَوَاقِيت في الحَجِّ والعُمْرة





أهل مكة يُحْرمون لنُسُكهم منْ مكة ولا يلزمهم الخُروج إلى الحلّ للإحرام منه وكذا كلّ مَن كان بيته داخل حُدود المواقيت فإنّه يُحْرم مِنْ بيته
المواقيتُ حدّدها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأهل الآفاق فلا يجوز لمُسلمٍ يُريد الحَجّ أو العُمرة أنْ يتجاوزها دُون إحْرام وهذه الأماكن تختلف قُرْباً وبُعداً عن مكة فأبعدها ذُو الحُليفة

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، ولِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، ولِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ. قَالَ: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ والْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، وكَذَا فَكَذَلِكَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا»، وعن أَبي الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما-: يُسْأَلُ عَنْ المُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ- أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، والطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، ومُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، ومُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، ومُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».
المواقيت: هي جَمع ميقات، وأصل التوقيت أنْ يُجْعل للشيء وقتٌ يَختصّ به، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضاً، ومواقيتُ الحَجّ: المُراد بها هنا: ما حدّدته الشّريعة مِنَ الأماكن التي لا يجوزُ أنْ يتجاوزها مَنْ أرادَ الحَجّ أو العُمرة إلا مُحْرماً، فهي الأماكن التي وقْتَتها وحدّدتها الشريعة للإحْرام منْها. قوله: «وقّتَ لأهْلِ المَدينة ذا الحُليفة»
أي: جَعَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وفرض لهم ذلك الموضع ميقاتاً للإحرام. وذو الحليفة: قريةٌ بينها وبين المَدينة نحو أربعة أميال، وتسمى الآن (آبار عليّ) وبها مسجد كان يعرف بمسجد الشجرة، وقد جُدّد بناؤه، وقد أحْرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من عنده. قوله: «وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ»
والجحفة: هي قريةٌ كانت جنوبي شرق رابغ، على نحو ميلين، وتسمى مهيعة، فأجْحف السيل بها فسُمّيت الجُحفة، ولمَّا خَربت ونضب ماؤها، اتفقّ المسلمون على أنْ يكون الإحْرام مِنْ «رابغ» بدلاً منها، لأنّها قبلها بقليل، وبها ماء للاغتسال. وبين رابغ والمدينة نحو (275 كيلو مترا). وقوله: «ولِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ» ونَجد: هي ما ارتفع من بلاد العرب، ومنه قول الأعشى: نَبيٌّ يَرَى ما لا يَرَونَ وذِكْره
أغَارَ لعَمْرِي في البِلاد وأنْجَدَا
والمصطلح عليه عند عامة العرب، أنّ نَجداً ما وَقع من بلاد العرب شَرقي جبل حضن، ولذلك قيل: من رأى حضنًا فقد أنْجد، يعني دَخل أرض نجد، وحضن: شرقي الطائف، ونجْدٌ الآنَ تُمثِّلُ قلْبَ الجَزيرةِ العربيَّةِ، تَتوسَّطُها مَدينةُ الرِّياضِ عاصمةُ المَملكةِ العَربيَّةِ السُّعوديةِ، وتَشمَلُ أقاليمَ كثيرةً، منها: القَصيمُ، وسديرُ، والأفلاجُ، واليَمامةُ، والوشمُ، وغيرُها. قرن المنازل
وقرن المنازل: هو المعروف الآن بالسيل الكبير، وهي قرية بها ماء على مرحلتين من مكة شرقيها وتوازي (وادي مَحْرم) الواقع على طريق الطائف (الهدا) وعنده مسجدٌ يُحْرم منه القادمون من الطائف، ونجد إلى مكة عن طريق الهدا. ويَبعُدُ عن مكَّةَ المُكرَّمةِ (75 كم). قوله: «ولِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ»
ويلمْلم: ويقال فيه ألَمْلم ويرموم، وهو بتهامة على مرحلتين من مكة جنوباً، وبالقرب منها الآن قرية (السّعديّة) يُحْرم الناس القادمون مِنَ اليمن، وتَبعد عن مكة بحوالي (105) كيلو متراً جنوباً، وفي حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: «ومُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» وذات عرق اخْتُلِف فيها، هل هي توقيفية أو اجتهادية؟ يعني: هل جاء النص فيها عن النبي -[- أو وقّتها الصّحابة عندما فُتِحت العراق؟ قال الشافعي -رحمه الله في الأم-: «هو غير منصوص عليه». وروى البخاري: من طريق نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: لما فُتِحَ هذان الْمِصْرَان، أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَدّ لأهلِ نَجدٍ قَرْناً، وهو جَور عن طريقنا، وإنّا إنْ أرَدْنا قرناً، شقّ علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فَحَدّ لهم ذات عرق. وما رواه مسلم: في الباب من طريق أبي الزبير أنّه سمع جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- يُسأل عن المهل، فقال: سمعت- أحسبه رفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - فقال: «مهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق... الحديث. فقال الحافظ النووي في «المجموع»: «وأمّا حديث جابر في ذات عرق فضعيف، رواه مسلم في صحيحه، لكنّه قال في روايته عن أبي الزبير أنّه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال: سمعت- أحسبه رفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ومهل أهل العراق من ذات عرق، فهذا إسناد صحيح، لكنّه لم يجزم بِرَفْعِه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - فلا يثبت رفعه بمجرد هذا. انتهى. وقال الإمام ابن عبدالبر: أجْمع أهل العلم بالحجاز والعراق والشام وسائر أمصار المسلمين- فيما علمت- على القول بهذه الأحاديث واستعمالها، لا يخالفون شيئا منها، واختلفوا في ميقات أهل العراق، وفيمن وقَّتَه. وقال القرطبي في التفسير: «وأجمعَ أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله، لا يخالفون شيئا منه، واختلفوا في ميقات أهل العراق». قوله: «هنَّ لهنّ»
أي: هذه المَواقيت للبلاد المَذْكورة. «ولمَنْ أتَى عَلْيهنّ» أي: ولمَنْ مَرّ على المواقيت المذكورة من غير أهل البلاد المذكورة. «مِنْ غيرِ أهلهن» أي: من غير البلاد التي وقتتْ لها هذه المواقيت. وهو دليلٌ واضح على أنّ مَن مَرّ بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة، وجبَ عليه الإحْرام منها، سواءً كان مِنْ أهلِ المواقيت الأخْرى أو لمْ يكنْ منْها، فلو مرّ الشّامي أو اليمني أو النجدي بذي الحليفة فهي ميقاتُه، وإنّما يكون الميقات المحدّد لأهل بلده هو إذا مرّ به، ولم يمر بميقاتٍ قَبله. قوله: «ممّن أرادَ الحجّ والعُمرة» أي: ممّن قَصَد بمُرُوره على هذه الأماكن: نُسك الحجّ والعُمرة. قوله: «فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، وكَذَا فَكَذَلِكَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» أي: ومَنْ كان مسكنه، أو كان عزمه على الحجّ أو العمرة أدنى لمكة من هذه المواقيت. «فَمِنْ أَهْلِهِ» وفي رواية: «فمن حيثُ أنشأ» أي: فإحرامه مِنَ المكان الذي عَزَم فيه على النُّسُك، كأهل جدة وبحرة ونحوها من الأماكن التي تقع داخل المواقيت، فيكون إحْرام الشخص من المكان نفسه الذي يَعزم فيه على أداء النسك، وهو معنى: «وكَذَا فَكَذَلِكَ»، «حتى أهل مكة يُهلّون منها» أي: حتى أهل مكة يُحْرمُون لنُسُكهم من بُيوتهم بمكة. فوائد الحديث
1- هذه المواقيتُ حدّدها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل الآفاق، فلا يجوز لمُسلمٍ يُريد الحَجّ أو العُمرة، أنْ يتجاوزها دُون إحْرام، وهذه الأماكن تختلف قُرْباً وبُعداً عن مكة، فأبعدها ذُو الحُليفة. 2- الإحْرام مِنَ هذه المواقيت هو تعظيمٌ لحُرْمة البيتِ العتيق. 3- مَنْ مرّ بميقاتٍ من هذه المواقيت، وهو لا يُريد الحج أو العُمرة، فإنّه لا يجبُ عليه الإحْرام منه. 4- إن أهل مكة يُحْرمون لنُسُكهم منْ مكة، ولا يلزمهم الخُروج إلى الحلّ للإحرام منه، وكذا كلّ مَن كان بيته داخل حُدود المواقيت، فإنّه يُحْرم مِنْ بيته.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-04-2026, 11:48 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الطِّيبُ للمُحْرم قبلَ أنْ يُحْرِم






كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الطِّيبَ ويَستكثِرُ منه في كلِّ حالٍ وهو مِن الأُمورِ التي حُبِّبَت إليه مِن الدُّنيا
الطِّيبَ مِن مَحظوراتِ الإحْرامِ ولكنَّه مشروعٌ قبْلَ الإحْرامِ حتّى لو بقِيَ أثَرُه بَعدَ الإحرامِ

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، ولِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وعن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ المِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُحْرِمٌ. في هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائشةُ -رضي الله عنها- أنَّها كانت تُطيِّبُ بيَدَيْها النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - لِإحْرامِه قبْلَ أنْ يُحرِمَ للحجِّ أو العُمرةِ، ولحِلِّه بعْدَ أنْ يَتحلَّلَ التَّحلُّلَ الأوَّلَ في الحجِّ، وهو بَعدَ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ والحَلْقِ، وقبْلَ طَوافِ الإفاضةِ، والتَّحلُّلُ الأولُ يَحِلُّ بَعده كُلُّ شَيءٍ إلَّا الاستِمتاعَ بالنِّساءِ، وذلك كما في رِوايةٍ لِلنَّسائيِّ: «ولِحِلِّه بَعدَما رَمى جَمرةَ العَقَبةِ، قَبلَ أنْ يَطوفَ بالبَيتِ».
وقال رَاوي الحديثِ- واصفًا فِعْلَ عائِشةَ -رضي الله عنها-: «وبَسَطَتْ يَدَيْها» كأنَّها تُحاكي ما فَعَلَتْ مِن قبْلُ بالفِعلِ معَ القولِ، وقيل: فعلَتْ ذلِك مُبالَغةً في الوُقوعِ، ردًّا على مَن أنْكَرَ ذلك، فإنَّ ابنَ عُمَرَ كان يُنكِرُ التَّطيُّبَ قبْلَ الإحرامِ، والصحيح: أنّ هذا لا إشْكالَ فيه، أنْ يتطيب في رأسه وبدنه، لا في ثوبه الذي يُحْرم فيه، والممنوع هو: أنْ يَمَسَّ الطِّيبَ حالَ الإحْرامِ. حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ
وللحافظ أبي عُمر بن عبدالبر في (التمهيد) بحثٌ مطوّل في هذا، فقال: هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، لا يختلف أهلُ العلم بالحديثِ في صِحّته وثُبوته، ولكن الفُقهاء اخْتلفوا في القَولِ به على حسَب ما ذكرناه في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا، وذكرنا اعتلال كل طائفةٍ لمذهبها في ذلك، مِنْ جِهة الأثر والنظر هناك، وسنذكر هاهنا فيه منْ جهة الأثر، ما لمْ يقع هناك إنْ شاء الله. وهذا الحديث رُوي عن عائشة من وجوه، فممن رواه عنها: القاسم، وسالم، وعروة، والأسود، ومسروق، وعمرة، وممن رواه عن القاسم ابنه عبدالرحمن، وأفلح بن حميد، ورواه عن عروة ابن شهاب وعثمان بن عروة وهشام بن عروة، ولم يسمعه هشام من أبيه، إنّما سمعه من أخْيه عثمان، عن أبيه، ثم روى بإسناده: عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: كنتُ أطيّبُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بأطيبِ ما أجِدُ لحَرمه ولحِلّه، وحين يُريدُ أنْ يَزُورَ البيتَ. وعنه أيضاً: قالت عائشة: طيّبتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أنْ يُحْرِم، ويوم النّحر قبل أنْ يَطُوفَ بالبيت بطيبٍ فيه مِسْك. وروى: عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- كان يَتطَيّب قبلَ أنْ يُحْرم، فتَرَى أثرَ الطّيب في مفْرقه بعد ثلاث. المَنْهيُّ عنه: التّطيب بعد الإحْرام
قال أبو عمر: فذهبَ قومٌ إلى القول بهذه الآثار، وقالوا: لا بأسَ أنْ يَتطيّب المُحْرِم قبل إحْرامه بما شاءَ من الطيب ومِسْكا كان أو غيره ممّا يبقى عليه بعد إحْرامه، ولا يضرّه بقاؤه عليه بعد إحْرامه، إذا تطيّب قبل إحْرامه؛ لأنّ بقاءَ الطّيب عليه، ليسَ بابتداءٍ منه، وليسَ بمتطيّبٍ بعد الإحْرام، وإنّما المَنْهيُّ عنه: التّطيب بعد الإحْرام. قالوا: ولا بأس أنْ يَتطيّبَ أيضاً إذا رَمَى جَمرة العَقَبة، قبلَ أنْ يَطُوفَ بالبيت، وحُجّتهم فيما ذهبوا إليه من ذلك كله، حديث عائشة هذا، وهو حديثٌ ثابت، وقد عَمِلت به عائشة -رضي الله عنها-، وجماعة منَ الصحابة، منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن جعفر، وأبو سعيد الخدري، وجماعة من التابعين بالحجاز والعراق، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزُفَر، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وكل هؤلاء يقول: لا بأسَ أنْ يَتطيّبَ قبلَ أنْ يُحْرم، وبعد رمي جمرة العقبة. ثمّ روى بسنده: عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه قال: رأيتُ عائشةَ تَنْكتُ في مفارقها الطِّيبَ قبلَ أنْ تُحْرم، ثم تُحْرم. وعن الشعبي قال: كان سعد يتطيّب عند الإحْرام بالذّريرة، وعن ابن عباس، وابن الزبير: أنّهما كانا لا يَريان بالطِّيب عند الإحْرام بأسَا، وعن ابن الحنفية: أنّه كان يُغلّف رأسه بالغالية الجيّدة، إذا أراد أنْ يُحرم. ثمّ قال ابنُ عبدالبر: وقال آخرون، منهم مالك وأصحابه: لا يجوز أنْ يَتطيّب المُحْرم قبل إحْرامه بما يبقى عليه رائحته بعد الإحرام، وإذا أحْرم حَرُم عليه الطيب حتّى يطوف بالبيت، وهذا مذهب عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبدالله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وبه قال عطاء، والزهري، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وإليه ذهب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وهو اختيار الطحاوي. حُجّة مَنْ ذَهَب هذا المذهب
قال: وحُجّة مَنْ ذَهَب هذا المذهب من جهة الأثر: حديث يعلى بن أمية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنّه أمَرَ الرجل الذي أحْرَم بعُمْرةٍ وعليه طِيب خَلُوق أو غيره، وعليه جُبّة، أنْ يَنْزعَ عنه الجُبّة، ويغسلَ الطّيب، وادّعوا الخُصُوص في حديث عائشة؛ لأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان أمْلَك الناس لأربه، ولأنّ ما يُخاف على غيره مِنْ تَذكّر الجِمَاع المَمنوع منه في الإحرام، مأمونٌ منه - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: لو كان على عُمومه للناس عامة، ما خَفِي على عمر، وعثمان، وابن عمر، مع علمهم بالمَناسك وغيرها، وجلالتهم في الصّحابة، وموضع عطاء من عِلْم المناسك موضعه، وموضع الزهري من علم الأثر موضعه. قال ابن جريج: كان عطاء يَأخذ في الطّيب للمُحرم بهذا الحديث، قال ابن جريج: وكان عطاء يكره الطيب عند الإحْرام، ويقول: إنْ كان به شيءٌ منه فليغسله ولينقه، وكان يأخذ بشأن صاحب الجبة، قال ابن جريج: وكان شأن صاحبِ الجُبّة قبلَ حَجّة الوداع، والآخرُ فالآخر مِنْ أمْرِ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - أحقُّ أنْ يُتّبع. مذهب ابن جريج
قال أبو عمر: مذهب ابن جريج في هذا الباب خلاف مذهب عطاء، وحُجّته أنّ الآخر ينسخ الأول، حُجةٌ صحيحة، ولا خلافَ بين جماعة أهلِ العلمِ بالسّير والأثر، أنّ قصة صاحب الجُبّة كانت عام حُنين بالجِعْرانة سنة ثمان، وحديث عائشة عام حَجّة الوداع، وذلك سنة عشر، فإذا لمْ يَصح الخُصُوص في حديث عائشة، فالأمر فيه واضح جدا. وروى بسنده: عن محمد بن المنتشر قال: سألتُ ابن عمر عن الطّيب عند الإحْرام؟ فقال: لأنْ أطّلى بالقَطِران أحبّ إليّ مِن ذلك، فذكرت ذلك لعائشة فقالت: يَرْحمُ الله أبا عبدالرحمن، قد كنتُ أطيّبُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فيَطُوف على نسائه، ثمّ يُصْبح يَنْضخ طِيبًا. قال أبو عمر: قد أجْمعوا على أنّه لا يجوزُ للمُحرم بعد أنْ يُحْرم، أنْ يَمسّ شيئاً مِنَ الطّيب، حتّى يَرْمي جمرة العَقَبة، واختلفوا في ذلك إذا رمى الجمرة قبل أنْ يطوف بالبيت على ما ذكرنا، وأجْمعوا أنه إذا طافَ بالبيت طواف الإفاضة يوم النّحر، بعد رمي جَمرة العقبة، أنه قد حَلّ له الطّيبُ، والنّساء، والصّيد، وكل شيء، وتمَّ حِلّه، وقضى حجه. إذا طافَ طوافَ الإفاضة فقد تمّ حَجّه
قال أبو عمر: فإذا طافَ طوافَ الإفاضة، فقد تمّ حَجّه، وحلّ له كلَّ شيء بإجْماع، وإنّما رخّص الشافعي، ومن تابعه في الطّيب، لمَن رَمَى جَمْرة العقبة، لحديث عائشة: طيبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أنْ يُحرم، ولحِلّه قبل أنْ يطوفَ بالبيت. تُريد بعد رَمْي جمرة العقبة، ورخص في الصيد منْ أجل قول عمر: إلا النّساء، والطّيب، ولم يقل: «والصيد». وقد قال الله -عز وجل-: {وإذا حَلَلْتُم فاصْطَادُوا}. ومَنْ رَمَى جَمْرة العقبة فقد حلّ له الحلاق والتفث كلُّه بإجماع، فقد دخل تحت اسم الإحْلال، وفي هذه المسألة ضروب من الاعتلال تركتها، والله المستعان. (التمهيد). فوائد الحديث


أنَّ الطِّيبَ مِن مَحظوراتِ الإحْرامِ، ولكنَّه مشروعٌ قبْلَ الإحْرامِ، حتّى لو بقِيَ أثَرُه بَعدَ الإحرامِ.
وقد كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- يُحِبُّ الطِّيبَ، ويَستكثِرُ منه في كلِّ حالٍ، وهو مِن الأُمورِ التي حُبِّبَت إليه مِن الدُّنيا.
بَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- لأمته أحكامَ الحَجِّ والعُمرةِ، وسُننَهما، وآدابَهما بالقَولِ والفِعلِ، ونقَلَ الصَّحابةُ ما سَمِعوه وما رَأوْه مِنه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.
وفيه: خِدمةُ المرأةِ لزَوْجِها وتَطييبُها له.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ام هُمام
04-05-2026, 09:42 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا

ابو الوليد المسلم
04-05-2026, 10:34 PM
بارك الله فيك

ابو الوليد المسلم
04-05-2026, 10:37 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: المِسْكُ أطْيبُ الطِّيب





فِتنةُ النِّساءُ أعظَمُ الفِتنِ وقدْ زُيِّن للنَّاسِ حُبُّ الشَّهواتِ وقُدِّمَت شَهوةُ النِّساءِ على جَميعِ الشَّهواتِ لأنَّ المِحنةَ بهنَّ أعظَمُ المِحنَ على قَدْرِ الفِتنةِ بهنَّ
بَذلُ الهديَّةِ وقَبولُها بابٌ مِن أبْوابِ الخَيرِ وسَبَبٌ مِن أسْبابِ التَّحابِّ والتَّرابُطِ بيْنَ النَّاسِ وقدْ حَثَّ عليها الإسلامُ وبارَكَها

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَشَتْ خَاتَمَهَا مِسْكًا، وَالْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ. الحديث رواه مسلم (4/1765-1766) في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها. باب: استعمال المسك وأنّه أطيب الطيب، وكراهة ردّ الريحان والطيب، الحديث ذكره المنذري هنا مختصرًا، ونصه في مسلم: «كانَتِ امْرَأَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَصِيرَةٌ، تَمْشِي مع امْرَأَتَينِ طَوِيلَتَيْنِ، فاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِن خَشَبٍ، وخاتَمًا مِن ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَقٌ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وهو أطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بيْنَ المَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوها، فقالَتْ بيَدِها هَكَذا. ونَفَضَ شُعْبَةُ يَدَهُ.
يَحكي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: أنَّ امْرأةً قَصيرةً مِن بني إسرائيلَ كانت تَمشي معَ امرأتَينِ طوِيلتَينِ، والمرادُ: أنَّها إذا مَشتْ معَ صاحبِتَيْها الطَّويلتينِ بانَ قِصرُها، فلَبِستْ في قدَمَيها رِجلَينِ مُزوَّرتينِ من خَشبٍ، أو اتَّخذتْ كعبَينِ طَويلينِ عاليَينِ لنَعلَيْها، فكأنَّهما لطُولِهما رِجْلانِ، وذلِك حتَّى تكونَ طويلةً مِثلَهما، فلا يَتفاضلانِ ولا يَتميَّزانِ ولا يَتباهيانِ عَلَيها. واتَّخَذت خاتمًا مِن ذَهبٍ، وجَعَلَت هذا الخاتمَ مُغلَقًا مُطْبَقًا، أي: جعَلَتْ له غَلَقًا، والمُطْبَقُ هو الَّذي دَاخلُه فارغٌ، ثمَّ وَضَعَتْ داخلَ الخاتمِ مِسْكًا وأحكَمتْهُ وأغلَقتْ عليهِ، والمسكُ أفضلُ الطِّيبِ وأطيبُه وأحسَنُه، وأصْل المِسكِ دمٌ يَجتمِعُ في سُرَّةِ الغَزالِ إلى وَقتٍ مَعلومٍ مِن السَّنةِ، وعندَ حُصولِه تَمرَض الظِّباءُ، فيَتساقطُ منها فيُؤخَذ ويُصنع من الطِيب. فمَرَّت تلكَ المرأةُ بيْن المرأتينِ الطَّويلتينِ وهي لابسةٌ للرِّجْلِ الخشبِ والخاتمِ، فلم يَعرِفاها، لأنَّها غيَّرتْ هيئتَها وطال جِسمُها بالرِّجلَينِ المزوَّرتَينِ، «فقالتْ بِيدِها هَكذا» أي: وعندَ مُرورِها عليهنَّ أشارتْ بيَدِها الَّتي فيها الخاتمُ المحشُوُّ مِسكًا وحرَّكتْها بعْدَ أنْ فَتَحَتْه، ففاحَ ريحُ المسكِ، وكأنَّها تَتفاضَلُ عليهِما. قال الرَّاوي -وهو أبو أُسامةَ حمَّادُ بنُ أُسامةَ-: «ونَفَضَ شُعبةُ يدَه»، أي: حَاكى شُعبةُ حرَكةَ اليدِ كما فعَلَت المرأةُ، وفي روايةٍ لأحمدَ: «فكانتْ إذا مرَّتْ بالمجلسِ حَرَّكتْه، فنَفَخَ رِيحُه»، أي: إذا مرّت بمجالِسِ النَّاسِ والرِّجالِ، تَعمَّدتْ تَحريكَ الخاتمِ ليَفوحَ رِيحُه، فيَشَمَّه الناسُ، فتَنجذِبَ الأنظارُ إليها، كأنَّها تَتفاخَرُ على قَرِينتَيها اللَّتين معها. التَّحذيرُ مِن فِتنة الدُّنيا وفِتنة النِّساءِ
ورواه أحمدُ في مُسنَدِه، وفي أوَّلِه التَّحذيرُ مِن فِتنة الدُّنيا وفِتنة النِّساءِ خاصَّةً، قال النَّبيُّ -[-: «إنَّ الدُّنيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فاتَّقوها واتَّقوا النِّساءَ» أي: فاحْذُروا الدُّنيا وخافوا الوقوعَ في فِتنتِها، ومِن أشدِّ فِتنِها النِّساءُ، ثمَّ ذَكَر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قِصَّةَ النِّسوةِ الثَّلاثِ، وكيف تَفنَّنتْ إحداهنَّ في إظهارِ مَفاتنِها وإغواءِ النَّاسِ. من فوائد الحديث


فيه: بَيانُ فَضلِ المِسكِ على سائرِ الطِّيبِ.
وأنّ فِتنة النِّساء أعظَمُ الفِتنِ، وقدْ زُيِّن للنَّاسِ حُبُّ الشَّهواتِ، وقُدِّمَت شَهوةُ النِّساءِ على جَميعِ الشَّهواتِ، لأنَّ المِحنةَ بهنَّ أعظَمُ المِحنَ على قَدْرِ الفِتنةِ بهنَّ.
الحَثُّ على مُلازمَةِ التَّقوَى، وعَدمِ الانْشِغالِ بظَواهرِ الدُّنيا وزِينَتِها.

باب: الْأَلُوَّة والكَافُور
عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ، اسْتَجْمَرَ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ، وبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ -[-. الحديث رواه مسلم في الباب السابق. يَرْوي التَّابعيُّ نافعٌ مَولى ابنِ عُمرَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- كان إذا اسْتَجْمَرَ، أي: إذا أرادَ أنْ يُطيِّبَ المكانَ، أو نفْسَه، أو الضِّيفانَ، استَعْمَل المِجمَرَ، وهو أنْ يُوضَعَ شَيءٌ مِن الطِّيبِ والبخور على تلكَ الأحْجارِ المُجمرة المُشْتعلة، فإذا احتَرَق نَفَذَ مع دُخَانِه رَوائحُ طَيِّبةٌ، فالاسْتِجمار هنا: استعمالُ الطّيب والتبخّر به، مأخوذٌ من المجمر، وهو البُخور، وأمّا «الألُوّة» فقال الأصمعي وأبو عبيد وسائر أهل اللغة والغريب: هي العود يتبخّر به. قال الأصمعي: أراها فارسية معربة، وهي بضم اللام وفتح الهمزة وضمها، لغتان مشهورتان. وقوله: «غيرَ مُطرّاة» أي غير مخلوطة بغيرها من الطّيب. لكنَّه كان في بعضِ الأوقاتِ يَستخدِمُ مع بَخورِ العُودِ كافُوراً، فإنَّه يَزِيدُه طِيبًا، والكافورُ نَبتٌ وشَجرٌ مَعروفٌ. وكان ابنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- يُخبِرُ أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَستجمِرُ ويَتبخَّرُ بمِثلِ فِعلِه هذا. فوائد الحديث


أنّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُحِبُّ الرَّوائحَ الطَّيِّبةَ والعِطور والبُخُور، ويُقرِّبُها إليه، ويَحرِصُ على الأخذِ منها.
اسْتحبابُ الطّيب للرجال كما هو مُستحب للنساء، لكنْ يستحب للرجال من الطيب ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وأمّا المرأة فيستحبّ لها ما ظهر لونه، وخَفي ريحه، لا سيما إذا أرادت الخروج إلى المَسجد أو غيره، كُرِه لها كلّ طيبٍ له ريحٌ يظهر.
ويتأكد اسْتحباب الطّيب للرّجال يوم الجُمعة، والعيد ونحوها، عند حُضور مجامع المسلمين، ومجالس الذّكر والعلم، وكذا عند إرادته معاشرة زوجته ونحو ذلك.
وفيه: فَضلُ الصحابي عبدِ الله بنِ عُمَرَ - رضي الله عنه -، واعتِنائِه بالسُّنَّةِ، ومُلازمتُه لاتِّباعِ النبي - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به.

باب: في الرّيْحان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -» «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ المَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ». الحديث رواه مسلم في الباب السابق. في هذا الحديثِ يُرشِدُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أنَّ «مَنْ عُرِض عليه» يعني مَنْ أُعْطِيَ رَيْحَانًا هَديَّةً، وهو كلُّ نَبْتٍ مَشمُومٍ طيِّبِ الرِّيحِ، فلا يَرُدَّ المُعْطيَ ولْيَأْخُذْه منه، والمرادُ به في هذا الحديثِ الطِّيبَ كلَّه، فعندَ أبي داودَ: «مَن عُرِض عليه طِيبٌ». وفي صَحيحِ البُخاريِّ: «كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - لا يَرُدُّ الطِّيبَ». ويُعلِّلُ - صلى الله عليه وسلم - سَببَ النَّهيِ عن ردِّ الرَّيحانِ: بكَونِه «خَفِيفُ المَحْمِلِ» أي: خَفِيفَ الحَمْلِ، ورائحتُه جَميلة، فهو هَديَّةٌ نافعةٌ جميلة، ولا مُؤْنةَ فيها ولا مِنَّةَ، لِجرَيانِ عادةِ النَّاسِ بذلكَ، ولِسُهولتِه عليهم، ولقِلَّةِ ما يَتناوَلُ منه عندَ العَرْضِ، ولأنَّه ممَّا يَسْتطيبُه الإنسانُ مِن نَفسِه ويَسْتطيبُه مِن غَيرِه، فلا تُرَدُّ مِثلُ هذه الهديَّةُ، كيْ لا يَتأذَّى المُعطي بِرَدِّه، فرَدُّها لا وَجْهَ له إلَّا مِن عُذرٍ، والحديثُ فيه إشارةٌ إلى حِفظِ قُلوبِ النَّاسِ بقَبولِ هَداياهُم. من فوائد الحديث


في الحديثِ: بَيانُ فضْلِ الرَّيْحانِ، والتَّرغيبُ للمسلم في اسْتعمالِ الطِّيبِ.
استحباب قبول هدية الرّيحان، فإنّه لا منّةَ بأَخْذِه، وقد جرت العادة بالتسامح في بذله.
بَذلُ الهديَّةِ وقَبولُها بابٌ مِن أبْوابِ الخَيرِ، وسَبَبٌ مِن أسْبابِ التَّحابِّ والتَّرابُطِ بيْنَ النَّاسِ، وقدْ حَثَّ عليها الإسلامُ وبارَكَها، ولا سيَّما إنْ كانتِ الهديَّةُ خَفيفةً سَهلةً لا تُكلِّفُ المانحَ ولا الآخِذَ كَثيرَ جَهدٍ وعَناءٍ، وهذا ما يَنطبِقُ على الطِّيبِ عمومًا.
استحباب عرض المسلم الطيب على إخوانه، ولا سيما عند حضور الجُمع والجماعات.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-05-2026, 10:39 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الإحْرام مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ ذي الْحُلَيْفَةِ





أخَذَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عَنهم مَناسِكَ الحجِّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَداعِ كما أمَرَهم بذلك وبَلَّغوا مَن بَعدَهم فلم يتركوا شيئاً صغيراً كان أو كبيراً

عَنْ سَالِمِ بْنِ عبداللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - رضي الله عنه - يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ، الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - فِيها، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/843) باب: أمْرُ أهلِ المَدينة بالإحْرام منْ عند مسجد ذي الحُلَيفة، عَنْ سَالِمِ بْنِ عبداللَّهِ وهو الإمام الزاهد، الحافظ، مُفْتي المدينة، أبو عمر وأبو عبدالله، القرشي العَدَوي، المَدني، وأمّه أم ولد. مولده في خلافة عثمان. حدث عن أبيه فجوّد وأكثر، وعن أبي هريرة وأبي أيوب وعائشة وغيرهم.
قال ابن عيينة: دخل هشام الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبدالله، فقال: سَلْني حاجة. قال: إنّي أسْتحيي مِنَ الله أنْ أسأل في بيتِه غيره؟ فلما خَرجَا قال: الآن فَسْلنِي حاجة، فقال له سالم: منْ حَوائج الدنيا، أمْ مِنْ حَوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا. قال: والله ما سألتُ الدنيا مَنْ يملكها، فكيفَ أسألها من لا يملكها. (السير) (4/458). توفي سنة ست ومائة. قوله: «بَيْدَاؤُكُمْ هذه»
قوله: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - رضي الله عنه -، وهو الصحابي عبدالله بن عُمر بن الخطاب، وقوله: «بَيْدَاؤُكُمْ هذه» البيداء القَفْر الخَالي عن العِمْران والأثر، ويقال لها: مَفازة من باب التّفاؤل، وإلَّا فهي في الأصْل مَهْلكة، وكلّ مفازةٍ بيداء، وهي في الحديث: مفازة أمام ذي الحليفة بين مكة والمدينة، أولها شَرَف مرتفع قريب منْ مسجد ذي الحليفة، فيُخبِرُ سالمُ بنُ عبداللهِ بنِ عمرَ أنَّ أباه عبداللهِ - رضي الله عنه - كان إذا قِيلَ له: إنَّ رفعَ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ في الحَجِّ أو العُمرةِ يَبدأُ منَ البَيداءِ، يُنكِرُ ذلك. قوله: «الَّتِي تَكْذِبُونَ»
قوله: «الَّتِي تَكْذِبُونَ» المَقصود هنا تُخْطئُون، والكذب: الإخْبار عن الشّيء على خلافِ ما هو عليه، فإنْ كان مع العَمْد فهو الكذبُ المَذموم، وإنْ كان منْ غير قصدٍ مع سَهْو وغلط، فهو الخطأ، وهو المَقصُود في حديث الباب، وهذا يُؤخَذ منه أنّ الإخْبار بخلافِ الواقع، يُسمَّى كذباً على كلّ حال، لكنه إذا وقع خَطأً مِنْ غير عَمْد، فلا يأثم، وإن كان من عمد، فهو الكذبُ الذي يأثمُ به صاحبه وهو المشهور اليوم». انظر: (المفهم) الحج، باب: بيان المَحلّ الذي أهلَّ منه رسُول الله». حديث (1056). قوله: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ» يعني: مسجد ذي الحُليفة، لأنّ «ألْ» في قوله: «المسجد» ألْ العَهْدية، والمَعهُود هو مسجد ذي الحليفة، ومَسجدِ ذي الحُلَيْفةِ، بيْنَه وبيْنَ المدينةِ سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبْعةٌ (10 كم تقريبًا)، وهي مِيقاتُ أهْلِ المدينةِ، وكذا مَنْ مَرَّ بها مِنْ غيرِ أهْلِها، وفي الرواية الأخرى: «إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ»، والمراد: الشّجرة التي كانت عند المسجد، وقوله: «أَهَلَّ» منَ الإهْلال، وتقدَّم أنّ معناه رَفْعُ الصّوت بالتّلْبية. سَببُ اخْتلافِ الصَّحابةِ -رَضِي اللهُ عنهم- في المواضِعِ
ولعلَّ سَببَ اخْتلافِ الصَّحابةِ -رَضِي اللهُ عنهم- في المواضِعِ الَّتِي أهَلَّ منها رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ كُلًّا منْهم أخبَرَ بما رأَى، فالنَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - خرَجَ مِنَ المدينَةِ حاجّاً، فلمَّا صلَّى في مَسجدِ ذِي الحُلَيْفةِ أهَلَّ بالحَجِّ، فسَمِعَ ذلك منه أقْوامٌ فحَفِظُوا عنه، ثُمَّ رَكِبَ، فلمَّا استَقلَّتْ به ناقتُه أهَلَّ، وأدرَكَ ذلك منه أقْوامٌ، لأنَّهمْ كانوا يَأْتُونَ جَماعاتٍ، فسَمِعوه فقالوا: إنَّما أهَلَّ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - حِينَ اسْتَقلَّتْ به ناقتُه، ثُمَّ مَضَى رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ أهَلَّ، وأدْرَكَ ذلك منه أقْوامٌ، فقالوا: إنَّما أهَلَّ حينَ عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ، فنقَلَ كلٌّ مِنهم ما سَمِعَ، وظهَرَ بذلك أنَّ الخِلافَ وقَعَ في ابتدَاءِ الإهْلالِ والإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ. ويُؤيد هذا: ما رَواه أبو داودَ: عنِ ابنِ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- قال: «وأيمُ اللهِ، لقدْ أوجَبَ في مُصلَّاه، وأهَلَّ حينَ اسْتقَلَّتْ به ناقتُه، وأهَلَّ حينَ عَلا على شَرَفِ البَيداءِ». وهذا واضح والحمدلله. فوائد الحديث
1- بيان مَوضع إهْلال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّه أهلَّ من المَسْجد. 2- ميقات ذي الحُليفة، إنّما هو مِنَ المَسْجد، لا مِنَ البَيداء التي بعده، قال النووي -رحمه الله-: «وفيه دلالةٌ على أنّ ميقاتَ أهلِ المدينة منْ عند مسجدِ ذي الحليفة، ولا يَجوزُ لهم تأخيرُ الإحْرام إلى البَيداء، وبهذا قال جميع العلماء». (شرح النووي). 3- فيه دلالة على أنّ الإخْبار بخِلافِ الواقع، يُسمَّى كذِباً وإنْ كان وَقَع سَهْواً، وهذا منْ حيثُ العُموم، وإلَّا فالكذبُ المَذموم في النُّصُوص هو الذي يقع عن عَمْد، فهو الذي يَحْرُم، ويأثم به صاحبُه. 4- أخَذَ الصَّحابةُ -رَضيَ اللهُ عَنهم- مَناسِكَ الحجِّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداعِ، كما أمَرَهم بذلك، وبَلَّغوا مَن بَعدَهم، فلم يتركوا شيئاً صغيراً كان أو كبيراً. الإسلا م هو الدِّينُ الحق
قال -تعالى-: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسلام} (آل عمران:19). وقال -تعالى-: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران:84-85). وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران:102). وقال -تعالى-: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران:64). وقال -تعالى-: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} (الأنعام: 125-126). وقال -تعالى-: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج:78). وقال -تعالى-: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الزمر:22). وقال -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33).

والإسلام ناسخٌ لجميع الشرائع من قبل، وهو محفوظ من التبديل والتغيير أو النقص؛ وذلك لكونه الخاتم، فتكفَّل الله بحفظه.

قال -تعالى-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا} (المائدة:3). وقال -تعالى-: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران:85).

وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ -عز وجل- إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ».
وفي رواية: « يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى»، (رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه ).
وفي رواية: «والذي نفْسُ محمدٍ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يَهُوديٌّ ولا نصرانِيٌّ ثم يموت ولم يؤمنْ بالذي أُرْسِلتُ به إلا كان من أصحاب النار».




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-07-2026, 07:56 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الْإِهْلَالُ حين تَنْبَعِث الرَاحِلَة





يوم التّروية: هو الثامن من ذي الحجة وسُمّي بذلك لأنّ الناس كانوا يتروون فيه من الماء أي: يَحملونه معهم منْ مكة إلى عرفات ليَستعملوه في الشرب وغيره
كان عبداللهِ بنُ عمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما يَهتَمُّ اهتمامًا شَديدًا باتِّباعِ السُّنةِ النَّبويَّةِ في كلِّ أُمورِ حَياتِه وفي عِباداتِه

عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: يَا أَبَا عبدالرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا، لَمْ أَرَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، ورَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، ورَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ؟ فَقَالَ عبداللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، ويَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وأَمَّا الْإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ، حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. الحديث رواه مسلم في كتاب الحج (2/844) باب: الإهلال من حيثُ تنبعث الراحلة، ورواه البخاري.
وعُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ هو التّيمي مولاهم، المَدَني، مكيٌّ، منْ ثِقات التابعين، وسألَ هذا التابعيُّ: عبداللهِ بنَ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- عَن أربعةٍ أُمورٍ، يقول: لم يَرَ أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَفعَلونَها، فقال لابن عمر: رأيتُك تصنع أرْبعاً، لمْ أرَ أحداً منْ أصحابك يصنعها، إلى آخره. قال المازري: يحتمل أنّ مُراده لا يَصْنعُها غيرُك مُجْتمعة، وإنْ كان يصنع بعضها. قوله: «رأيتُك لا تمسّ مِنَ الأركان إلا اليَمانيين» قال له ابن عمر -في جوابه-: إنّه لمْ «يرَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمَسُّ إلا اليمانيين» وهما بتخفيف الياء، هذه اللغة الفَصيحة المشهورة، قالوا: لأنّ نِسْبتها إلى اليَمن، فحقّه أنْ يقال: اليَمني، وهو جائز، فلما قالوا «اليماني» أبْدلوا من إحدى ياءي النّسب ألفاً، فلو قالوا: اليماني بالتّشديد، لزم منه الجَمع بين البدل والمُبدل. والمُراد بالرُّكنين اليَمانيين: الرُّكن اليماني، والرُّكن الذي فيه الحَجَر الأسْود، ويقال له: العراقي، لكونه إلى جِهة العراق، وقيل للذي قبله: اليماني، لأنّه إلى جِهة اليمن، ويُقال لهما: اليَمانيان تغليباً لأحَد الاسْمين، كما قالوا: الأبَوَان للأبِ والأم، والقَمَران للشّمس والقمر، والعُمَران لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ونظائره مَشْهورة، فتارةً يُغلّبون بالفضيلة كالأبوين، وتارة بالخفّة كالعُمَرين، وتارةً بغير ذلك، وقد بسطته في تهذيب الأسماء واللغات. (النووي بتصرف). الركنان الشاميان لا يُسْتلمان
قال العلماء: ويقال للرُّكنين الآخرين اللذين يليان الحِجر: الشّاميان، لكونهما بجِهة الشّام، قالوا: فاليمانيان باقيان على قواعد إبْراهيم - عليه السلام -، بخِلاف الشّاميين، فلهذا لمْ يُسْتلما، واسْتلم اليمانيان لبقائهما على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، ثمّ إنّ العراقي مِنَ اليمانيين اختصّ بفضيلة أخرى، وهي الحَجَر الأسْود، فاختصّ لذلك مع الاسْتلام بتقبيله، ووضع الجبهة عليه، بخلاف اليماني. والله أعلم. (النووي). قال القاضي: وقد اتفق أئمّة الأمْصَار والفقهاء اليوم: على أن الركنين الشاميين لا يُسْتلمان، وإنّما كان الخِلافُ في ذلك العصر الأول من بعضِ الصحابة، وبعض التابعين، ثمّ ذهب. قوله: «ورأيتُك تلبسُ النِّعال السّبتية»
قال ابنُ عمر في جوابه: «وأمّا النّعال السّبتية، فإنّي رأيتُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَلبس النّعال التي ليس فيها شَعر، ويتوضّأ فيها، وأنا أحبّ أنْ ألبسها»، و»السبتية» بكسر السين وإسكان الباء الموحدة، وقد فسّرها ابن عمر بقوله: «التي ليس فيها شعر»، وهكذا قال جماهير أهل اللغة، وأهل الغريب وأهل الحديث: إنّها التي لا شَعر فيها، قالوا: وهي مشتقة من «السَّبت» بفتح السين وهو الحَلْق والإزالة، ومنه قولهم: سَبَتَ رأسه، أي: حَلَقه، قال الهروي: وقيل: سُمّيت بذلك، لأنّها انْسَبَتت بالدّباغ، أي: لانت، يقال: رطبةٌ مُنْسَبتة، أي: لينة. وقال أبو عمرو الشيباني: السّبت: كلُّ جِلْدٍ مدبوغ، وقال أبو زيد: السبت: جلود البقر مدبوغة كانت، أو غير مدبوغة، وقيل: هو نوعٌ من الدباغ يقلع الشّعر، وقال ابن وهب: النعال السبتية كانت سوداً لا شَعْر فيها، قال القاضي: وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهلُ الرفاهية. وقوله: «ويتوضّأ فيها» معناه: يتوضّأ ويَلْبسها ورجلاه رَطْبتان. قوله: «ورأيتُك تَصبغ بالصُّفرة»
وقال ابن عمر في جوابه: «وأمّا الصُّفرة، فإنّي رأيتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَصْبُغ بها، فأنا أحبُّ أنْ أصبُغ بها» فقوله: «يصبغ وأصبغ» بضم الباء وفتحها، لغتان مشهورتان، حكاهما الجَوهري وغيره. قال المازري: قيل: المراد في هذا الحديث: صبغ الشّعر، وقيل: صبغ الثوب، قال: والأشْبه أنْ يكونَ صَبغ الثياب، لأنّه أخْبر أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم - صَبغ، ولمْ يُنقل عنه -صلى الله عليه وسلم - أنه صبغ شعره. وقال القاضي عياض: هذا أظْهر الوجهين، وإلا فقد جاءت آثار عن ابن عمر، بيّن فيها تَصْفير ابن عُمر لِحْيته، واحتجّ بأنّ النّبي -صلى الله عليه وسلم - كان يصفّر لحيته بالوَرْس والزعفران. رواه أبو داود، وذكر أيضا في حديث آخر: احْتجاجه بأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم لا- كان يصبغ بها ثيابه، حتى عمامته. فعن زيد بن أسلم عنِ ابنِ عمرَ: أنّه كان يصفِّرُ لحيتَه بالصُّفرةِ، حتى تمتلئَ ثيابُه من الصُّفرةِ، فقيل لهُ: لمَ تصبغْ بالصُّفرةِ؟ قال: إنّي رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بها، ولمْ يكنْ شَيءٌ أحبَّ إليهِ منْها، وقد كان يصبغ بها ثيابَه كلَّها، حتى عمامَتَهُ. أخرجه أبو داود (4064)، والنسائي (5085) باختلافٍ يسير، وأحمد (5717) بنحوه فيُخبِرُ زيدُ بنُ أسلَمَ: أنَّ ابنَ عُمرَ كان يَصبُغُ لِحْيتَه» أي: يُغيِّرُ مِن لَونِها بالصُّفْرَةِ، أي: يَجعَلُ لونَ شَعرِ لِحيَتِه أصفَرَ، وذلك بنَباتِ الوَرْسِ. والوَرْسُ: نَباتٌ كالسِّمْسِمِ أصفَرُ، «حتَّى تَمتلِئَ ثِيابُه مِن الصُّفرةِ»، أي: مِن كَثرَةِ صَبغِه لِلحيَتِه، «فقيلَ لابنِ عُمرَ: لِم تَصبُغُ بالصُّفرَةِ؟ فقال» ابنُ عُمرَ: «إنِّي رأَيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - يَصبُغُ بها»، أي: امتِثالًا مِنه لفِعْلٍ قد رآه مِن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -، فهو يَتَّبِعُه فيه، «ولم يَكُنْ شيءٌ أحَبَّ إليه»، أي: إلى رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - «مِنْها»، أي: مِن الصَّبْغِ بالصُّفْرَةِ، «وقد كان يَصبُغُ بها ثِيابَه كلَّها حتَّى عِمامَتَه»، أي: حتَّى إنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم - لِحُبِّه للصُّفرَةِ وإعجابِه بها كان يَستَعمِلُها لِجَميعِ ثيابِه بما في ذلك عِمامَتُه -صلى الله عليه وسلم . قوله: «ورأيتك إذا كنتَ بمكّة، أهلّ الناسُ إذا رَأوا الهِلال، ولمْ تُهل أنتَ، حتّى يكون يوم التروية». قال ابن عُمر في جوابه: «وأما الإهْلال، فإنّي لمْ أرَ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - يهل حتى تَنْبعث به راحلته». يوم التروية
ويوم التّروية: فبالتاء المثناة فوق، وهو الثامن من ذي الحجة، سُمّي بذلك؛ لأنّ الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي: يَحملونه معهم منْ مكة إلى عرفات، ليَستعملوه في الشرب وغيره، فالحاج يُحْرِمَ يومَ التَّرويةِ ويُهِلَّ بالحَجِّ، ويفعَلَ كما فعل عند الإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ، مِنَ الاغتسالِ والتَّطَيُّب، ولُبْسِ الإزار وغير ذلك، وهو مَذهَبُ الجُمْهورِ: الحَنَفيَّة، والشَّافعيَّة، والحَنابِلة، وابنِ حَزْمٍ مِنَ الظاهريَّة، وهو قَوْلُ طائِفةٍ مِنَ السَّلَفِ. الأدِلَّة على ذلك مِنَ السُّنَّةِ


عن جابِرِ بنِ عبداللهِ -رَضِيَ اللهُ عنهما-، قال: «فلمَّا كان يومُ التَّرويةِ، تَوَجَّهوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ». رواه مسل(1218)، وعنه -رضي الله عنه - قال: «أهلَلْنا مع رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ، فلمَّا قَدِمْنا مكَّةَ أَمَرَنا أن نَحِلَّ ونَجْعَلَها عُمْرةً، فكَبُرَ ذلك علينا وضاقَتْ به صُدُورُنا، فبَلَغَ ذلك النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فما ندْري أشيءٌ بلَغَه مِنَ السَّماءِ، أمْ شيءٌ مِن قِبَلِ النَّاس؟ فقال: أيُّها النَّاس أحِلُّوا، فلَولا الهَدْيُ الذي معي فعَلْتُ كما فعَلْتُم، قال: فأحْلَلْنا حتى وَطِئْنا النِّساءَ، وفَعَلْنَا ما يفعَلُ الحَلالُ، حتى إذا كان يومُ التَّرْويَةِ، وجَعَلْنا مكَّةَ بظَهْرٍ، أهْلَلْنا بالحَجِّ». رواه مسلم (1216).
وقال المازري: أجابه ابنُ عُمر بضربٍ مِنَ القياس، حيثُ لمْ يتمكّن مِنَ الاستدلال بنفسِ فعل رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - على المَسألة بعينها، فاستدلّ بما في معناه، ووجه قياسه: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما أحْرَم عند الشُّروع في أفْعال الحَج، والذهاب إليه، فأخّرَ ابنُ عمر الإحْرَام إلى حال شُروعه في الحَج، وتوجّهه إليه، وهو يومُ التّروية، فإنّهم حينئذ يَخرجون مِنْ مكة إلى مِنى، ووافق ابن عمر على هذا الشافعي وأصحابه، وبعض أصحاب مالك وغيرهم، فكان ابنُ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- متَّبِعًا لا مُبتدِعاً، -رضِي اللهُ عَن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم - أجمعينَ.
وقوله في هذا الباب: «فإنّي لمْ أرَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل حتى تنبعث به راحلته»، وقال في الحديث السابق: «ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل»، وفي الحديث الذي قبله «كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل»، وفي رواية: «حين قام به بعيره»، وفي رواية: «يُهلّ حتى تستوي به راحلته قائمة».

الأفضل أنْ يُحرم إذا انبعثت به راحلته
هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها هو استواؤها قائمة، وفيها دليل لمالك والشافعي والجمهور: أنّ الأفضل أنْ يُحرم إذا انبعثت به راحلته، وقال أبو حنيفة: يُحرم عقبَ الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قولٌ ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف. وفيه: أن التلبية لا تقدم على الإحرام.
فأجابَه ابنُ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- هنا بِضرْبٍ مِنَ القِياسِ، حيثُ لم يَتمكَّنْ مِنَ الاستِدلالِ بِنفْسِ فِعلِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على المسألةِ بعَينِها، فاستدلَّ بما في معناهُ، ووجْهُ قِياسِه: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أحرَمَ عندَ الشُّروعِ في أفعالِ الحجِّ والذَّهابِ. فوائد الحديث


فيه أنّ عبداللهِ بن عمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- يَهتَمُّ اهتمامًا شَديدًا باتِّباعِ السُّنةِ النَّبويَّةِ، في كلِّ أُمورِ حَياتِه وفي عِباداتِه، ورُبَّما صنَعَ أموراً لم يَصْنَعْها غَيرُه، لشِدَّةِ تَحرِّيه لاتِّباعِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم .
بَيانُ مَشروعيَّةِ الوُضوءِ في النَّعلينِ.
وفيه: بَيانُ أنَّ الخيرَ في اتِّباعِ السُّنةِ مع الاجْتهادِ والقياسِ عليها لِمَن كان أهْلاً لذلك.
وفيه: سُؤالُ المُتعلِّمِ للعالمِ عمَّا رآهُ منه ولم يَعرِفْ أصْلَه أو لم يَفهَمْه، وتوضيحُ العالِم ذلِك للسائِلِ.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-07-2026, 07:58 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في الإهْلال بالحَجّ مِنْ مَكّة





الحجُّ هوَ أحدُ أَركانِ الإسْلامِ الَّتي أمَرَ اللهُ عزّوجلَّ بها عبادَهُ يَفعلُها المُستطيعُ صحيًّا ومادِّيًّا بحسب استطاعته
المُعتمِر إنْ كان مَكِّيًّا أو خارِجَ مَكَّةَ وداخِلَ المِيقاتِ فَمِيقاتُهُ الحِلُّ وإنْ كان خارِجَ المِيقاتِ فَمِيقَاتُهُ مِيقاتُ حَجِّهِ

عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ -رَضيَ اللهُ عنها- بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالكَعْبَةِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. قَال فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، ولَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى عَائِشَةَ -رَضيَ اللهُ عنها- فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَال: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، والنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ. فَقَال: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ»، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ والصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَال: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ. قَال: «فَاذْهَبْ بِهَا يَا عبدالرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ». وذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/881) باب: بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحلّ القارن من نُسكه.
في هذا الحَديثِ يَقول جَابِرُ بنُ عبداللهِ -رَضيَ اللهُ عنهما-: «أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحَجٍّ مُفْرَدٍ»، قوله: «أقبلنا» أي: أغلبنا أقْبَلوا مُهِلِّينَ معَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، والإهْلالُ: هو رَفعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، والمرادُ به هنا: عَقدُ نيَّةِ الإحْرامِ، والإفْرادُ: هو أنْ يُحرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ فقطْ، وكانتْ أمُّ المؤمِنينَ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- ممَّن أحرَمَ بِعُمْرةٍ. «حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ»
أي: حتَّى إذا كانوا بِسَرِفَ، وهو اسمُ مكانٍ على بُعد عَشَرةِ أمْيَالٍ (16 كم تقريبًا) من مَكَّةَ، «عَرَكَتْ» أي: حاضَتْ عَائِشَةُ -رَضيَ اللهُ عنها-، ثمّ إنهم لمَّا قَدِموا إلى مكَّةَ؛ طافوا بالكَعْبةِ، وسَعَوْا بيْنَ الصَّفا والمَروةِ، وتلك أعْمالُ العُمرةِ، أمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه -رَضيَ اللهُ عنهمُ- الَّذين لمْ يَسوقوا الهَديَ أنْ يَحِلَّوا من إحْرامِهم، والهدي: اسمٌ لكلِّ ما يُهْدَى إلى الكَعبةِ، منَ الأنْعامِ: من الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ، قُربةً إلى اللهِ -تعالى-. فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟
قَال: «فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟» أي: فسأَلوا: أيُّ نَوْعٍ منَ الحِلِّ الَّذي نَتحلَّلُ به؟ كأنَّهم كانوا مُتردِّدينَ في هذا الحِلِّ؛ لأنَّهم جاؤوا للحجِّ، والحاجُّ من شأنِه لا يحِلُّ حتَّى يَقضيَ جميعَ مَناسِكِه، فأجابَهُم - صلى الله عليه وسلم - فقال: «الحِلُّ كُلُّهُ» أي: إنَّ كُلَّ الأشياءِ الَّتي مُنِعَتْ بِسببِ الإحْرامِ؛ تَحِلُّ لكم، حتّى النساء. ويُسمَّى هذا النّسك: التَّمتُّعَ في الحجِّ، وهو مَن اعْتمرَ ثمّ حلّ، وانتظر الإحْرام مرةً أخرى يوم التّروية. {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}
وأمّا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وبعضُ أصْحابِه ممَّن ساقوا الهَديَ، فلم يَحِلُّوا من إحْرامِهم، لقوله -تعالى-: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ) البقرة: 196. والمعنى: وأدُّوا الحج والعمرة تامَّيْنِ، خالصين لوجه الله -تعالى-، فإنْ مَنَعكم عن الذهاب لإتمامهما بعد الإحْرام بهما مانع، كالعدو والمرض، فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيسر لكم من الإبل أو البقر أو الغنم، تقرباً إلى الله -تعالى-؛ لكي تَخْرُجوا منْ إحْرامكم بحلق شَعر الرّأس أو تقصيره، ولا تحلقوا رؤوسكم إذا كنتُم مُحصرين؛ حتى تَنْحرُوا هديكم في المَوضع الذي أُحْصرتم فيه، ثمّ تحلّوا مِنْ إحْرامكم، كما نَحَرَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في «الحديبية» ثمّ حَلَق رأسه. وغير المُحْصر: لا يَنحر الهدي إلا في الحَرَم، الذي هو مَحلّه في يوم العيد، وهو اليوم العاشر من ذي الحجّة وما بعده من أيام التشريق. قوله: «ما بال الناس حَلّوا ولمْ تُحلّ؟
ويدلّ عليه أيضًا: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل في حجة الوداع: «ما بال الناس حَلّوا ولمْ تُحلّ؟ قال: «إني قد سَقْتُ الهَدي؛ فلا أُحلّ حتّى أنحر». قوله: «فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، ولَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ» أي: فأطاعَ الَّذين لم يَسوقوا الهَديَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيما أمَرَهم به، فخَلَعوا ثيابَ إحْرامِهم، ثُمَّ قَصَّروا شَعرَهم ولمْ يَحلِقوه، حتَّى يَتسَنَّى لهمُ الحَلقُ بعدَ الحجِّ، ومن ثَمَّ وَاقَعوا النِّساءَ، أي: جامَعوهُنَّ، وتَطَيَّبوا بالطِّيبِ، ولَبِسُوا الثِّيابَ المَمْنُوعَ لُبْسُها في الإحْرامِ، ولَيسَ بينَهم وبينَ الوُقوفِ بِعَرَفةَ -في اليومِ التَّاسِعِ من ذي الحِجَّةِ- إلَّا أربعُ ليالٍ. قوله: «ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ»
أي: ثُمَّ أحرَمَ الَّذين كانوا مُتمتِّعينَ بالعُمرةِ بنُسكِ الحَجِّ يومَ التَّرْوِيةِ، وهو اليومُ الثَّامِنُ من ذِي الحِجَّةِ، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ الماءَ كان قَليلًا بِمِنًى، فكانوا يَرْتَوونَ منَ الماءِ ويَحْمِلونَه لِمَا بعدَ ذلك. وفيه دليل: على أنّ وقتَ الإحْرام بالحجّ يكونُ يوم التّروية، وهو اليومُ الثامن من ذي الحجّة. أمرٌ قَدَّرَهُ اللهُ -تعالى- على بَناتِ آدَمَ
ثُمَّ دخَلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على عَائِشةَ -رَضيَ اللهُ عنها- فوجَدَها تَبْكي، فسأَلَها عن سببِ بُكائِها، فأخبَرَتْه بحَيْضِها، وأنَّه منَعَها العُمرةَ؛ لأنَّها لم تطُفْ بالكَعبةِ، وهي ما زالَتْ في حَيضَتِها، والنَّاسُ يَتأهَّبونَ لأداءِ مَناسِكِ الحجِّ، فهي تَبْكي لفَواتِ كلِّ ذلك عليها، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مواسيًا لها: «إنَّ هذا» أي: إنّ الحَيْضَ أمرٌ قَدَّرَهُ اللهُ -تعالى- على بَناتِ آدَمَ، ,وفي رواية: «أمْرٌ كتَبَه اللهُ -تعالى-» أي: قدَّره، «على بناتِ آدَمَ»، أي: إنَّك لستِ مُختصَّةً بذلك، بل كلُّ بناتِ آدَمَ يكونُ مِنهنَّ هذا، وهذا تَطْييبِ منه - صلى الله عليه وسلم - لخاطرِها، وتسلية وتأنيساً لها، وتخفيفاً لهمها، ومعناه: إنك لستِ مُختصّة به. وهذا دال على أنّ الحائض ومثلها النفساء، والجُنب، والمُحْدث؛ يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته؛ إلا الطواف، فإنه يُشْترط فيه الطهارة، وهذا مذهبُ الجمهور، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف بالبيت صلاة». رواه الترمذي. والصلاة الطهارة شَرط فيها؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». متفق عليه. قوله: «فاغْتَسِلي» أي: للنَّظافةِ، وإلا فغسلها هذا لا يرفع الحَدَث، «ثُمَّ أهِلِّي بالحَجِّ» أي: أحْرمي بإحْرامِكِ الَّذي أنتِ فيه، وَالحائضُ والنُّفَساءُ يصِحُّ مِنهما الإحْرام، وجَميعُ أَفعالِ الحجِّ إلَّا الطَّوافَ؛ لقَولِه - صلى الله عليه وسلم -: «اقْضي ما يَقْضي الحاجُّ؛ غيرَ أنْ لا تَطوفي». متَّفقٌ عليه. فعل عائشة -رضي الله عنها
ففعَلَتْ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- ما أمَرَها به النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ووقَفتِ المَواقِفَ كلّها، وأتَتِ بالمناسكَ، فوقَفتْ بعَرَفةَ، وذهَبَتْ إلى مُزْدَلِفةَ ومِنًى، ورمت الجمرة، حتَّى إذا طَهُرَتْ من حَيْضِها، طافَتْ بالكَعْبةِ، وسَعَتْ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوةِ، وأخْبَرَها - صلى الله عليه وسلم - أنَّها قدْ حَلَّتْ من حَجَّتِها وعُمْرَتِها جمِيعًا، وذلك أنَّ أعْمالَ العُمرةِ دخلَتْ في الحجِّ؛ لأنَّها صارَتْ قارنةً، فحلَّتْ منهما جميعاً. فقالتْ عَائِشةُ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي أجِدُ في نَفْسي أنِّي لَمْ أطُفْ بالبَيْتِ حتَّى حَجَجْتُ» أي: حينَ أحرَمْتُ بالعُمرةِ في أوَّلِ أمرِها، لم أطفْ بالبيت، ومُرادُها أنَّها لم تَتمتَّعْ بالعُمرةِ مثلَ غيرِها، فأمرَ - صلى الله عليه وسلم - أخَاها عبدالرَّحمنِ بنَ أبي بكرٍ -رَضيَ اللهُ عنهم- أنْ يَذهَبَ بها لِتُحرِمَ بِعُمْرةٍ منَ التَّنْعيمِ، تَطْييباً لقَلبِها، و»التَّنعيمُ» مَوضِعٌ على ما يُقارِبُ مِن 5 إلى 6 كيلومتراتٍ مِن مَكَّةَ، أقْرَبُ أطرافِ الحِلِّ إلى البَيْتِ، وسُمِّيَ به لأنَّ على يَمِينِه جبَلَ نُعَيْمٍ، وعلى يَسارِهِ جبَلَ نَاعِمٍ، والواديَ اسمُه: نَعْمَانُ. قوله: «وكان ذلك ليلةَ الحَصْبةِ»
أي: لَيلةَ المَبيتِ بِالمُحَصَّبِ بعدَ النَّفْرِ من مِنًى، والمُحصَّبُ مَوضِعٌ خارجَ مكَّةَ، وهو مَسيلٌ واسعٌ فيه دِقاقُ الحَصَى يقَعُ بينَ مِنًى ومَكَّةَ، وهو إلى مِنًى أقرَبُ، وقيلَ: هو موضِعُ رَمْيِ الجِمار بِمِنًى، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ نزَلَ به بعدَ انْتهاءِ أيَّامِ رَمْيِ الجَمَراتِ، وكان مَوْلاه أبو رافِعٍ قد نصَبَ له الخَيْمةَ، وَهذا النُّزولُ والمَبيتُ في هذا المكانِ كان قَبلَ طَوافِ الوَداعِ؛ فقدْ جاءَ في صَحيحِ البُخاريِّ: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظُّهرَ والعَصرَ، والمغرِبَ والعِشاءَ، ثُمَّ رقَدَ رَقْدةً بالمُحصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلى البَيتِ فَطافَ بِه». فوائد الحديث


متابعة الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله وأقواله بالحج والعمرة وغيرهما، وحرصهم على ذلك، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حجَّ مرَّةً واحدةً، وكان ذلك في العامِ العاشِرِ منَ الهِجرةِ، وسُمِّيَت بحَجَّةِ الوَداعِ، فنقَلَ عنهُ الصَّحابةُ -رَضيَ اللهُ عنهم- تَفاصيلَ تلكَ الحَجَّةِ؛ كي نتعلَّمَ الأمّة كيفيَّةَ الحجِّ الَّذي أمَرَ بهِ اللهُ -عزَّ وجلَّ.
فيه بيانُ تَيسيرِ الشَّرعِ على الحائضِ في أُمُورِ الحجِّ والعُمرةِ.
مَشروعيَّةُ التَّمتُّعِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ.
المُعتمِرَ إنْ كان مَكِّيًّا أو خارِجَ مَكَّةَ، وداخِلَ المِيقاتِ فَمِيقاتُهُ الحِلُّ، وإنْ كان خارِجَ المِيقاتِ فَمِيقَاتُهُ مِيقاتُ حَجِّهِ.
فَسْخُ الحَجِّ إلى العُمْرةِ، لمَنْ لم يَسق الهدي.
الطَّواف الواحِد والسَّعْي الواحِد يُجْزِئانِ القارِنَ عن حَجِّهِ وعُمرَتِه.
الحجُّ هوَ أحدُ أَركانِ الإسْلامِ الَّتي أمَرَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- بها عبادَهُ، يَفعلُها المُستطيعُ صحيًّا ومادِّيًّا، بحسب استطاعته.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-08-2026, 10:38 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: التّلبية





كان رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم «يُهِلُّ» أي: يَرفَعُ صَوْتَه بالتَّلبِيةِ ويقول في إهْلالِه: «لَبَّيكَ اللهُمَّ لَبَّيكَ»
الحِكمةُ مِنَ التَّلبيةِ: التَّنبيهُ على إكْرامِ اللهِ تعالى لعِبادِه بأنَّ وُفودَهم على بَيتِه إنَّما كان باستِدعاءٍ مِنه وطلب
التلبية إجابةٌ للعبادة وإشْعار للإقامة عليها وإنّما يتركها إذا شَرَعَ فيما يُنافيها وهو التّحللُ منْها والتّحلل يحصل بالطواف والسعي

عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ، فَقَال: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». قَالُوا: وَكَانَ عبداللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ عبداللَّهِ - رضي الله عنه - يَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ والرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ، والْعَمَلُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/842) باب: التلبية وصِفتها ووقتها.
في هذا الحَديثِ بَيانٌ لِصفةِ تَلبِيةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عندَ الإهْلالِ بالحَجِّ؛ حيثُ يَذكُرُ عبداللهِ بنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان «يُهِلُّ» أي: يَرفَعُ صَوْتَه بالتَّلبِيةِ، ويقول - صلى الله عليه وسلم - في إهْلالِه: «لَبَّيكَ اللهُمَّ لَبَّيكَ» لبيك أي: أُكرِّرُ إجابَتي لكَ، في امتِثالِ أمْرِكَ بالحَجِّ، فأُلَبِّي أمْرَكَ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ. قوله: «لبَّيكَ لا شَريكَ لكَ لبَّيكَ»
أي: أنتَ وحدَكَ مالِكٌ في مُلكِكَ بلا مُنازِعٍ أو شَريكٍ، «إنَّ الحَمدَ والنِّعْمةَ لكَ» أي: فلكَ وحْدَكَ الحَمدُ والشُّكرُ والثَّناءُ، وكلُّ نِعمةٍ فهيَ مِنكَ وأنتَ مُعْطيها، «والمُلْكَ لا شَريكَ لكَ» ذكَرَ المُلْكَ بعدَ الحَمدِ والنِّعمةِ، لتَعميمِ أَسْبابِ الطَّاعةِ وإيضاحِ وجوهِ الانْقيادِ والعِبادةِ، ثُمَّ أتْبَعَه بقولِه: «لا شَريكَ لكَ» ليَزولَ الشَّبهُ عنه ويَستقِلَّ بالمُلكِ والحمدِ والنِّعمةِ مُنفرِدًا. وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَزيدُ على قولِ تلك الكلِماتِ في تَلبيتِه وإهْلالِه. وقيلَ: الحِكمةُ مِنَ التَّلبيةِ: التَّنبيهُ على إكْرامِ اللهِ -تعالى- لعِبادِه، بأنَّ وُفودَهم على بَيتِه، إنَّما كان باستِدعاءٍ مِنه وطلب. متى يُلبّي الحاجُّ أو المعتمر؟
في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أهَلّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حين اسْتَوتْ به راحلته قائمة، وفي رواية: كان ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا صلّى بالغداة بذي الحليفة أمَرَ براحلته فَرُحِّلَتْ، ثم ركب فإذا اسْتَوتْ به استقبل القبلة قائمًا، ثم يُلَبِّي حتى يبلغ الحَرَم ثمّ يُمْسك. إهْلال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم
وفي حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- أنّ إهْلال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ ذِي الحُليفة حين اسْتوت به راحلته. رواه البخاري، وقوله: «أَهَلَّ، فَقَال: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ،...». فيه: أنّ السُّـنَّة رفعُ الصّوت بالتلبية بالنّسبة للرِّجال. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: صَلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الظّهر أربعًا، والعصر بذي الحُلَيفة ركعتين، وسمعتُهم يصْرُخُون بهما جميعًا. رواه البخاري، قال ابن حجر: قوله: «وسمعتهم يَصرخون بهما جميعاً» أي: بالحج والعمرة، ومراد أنس بذلك: من نَوى منهم القِران، ويحتمل أنْ يكون على سبيل التوزيع، أي بعضهم بالحج، وبعضهم بالعمرة، قاله الكرماني. ويُشْكِل عليه قوله في الطريق الأخرى، يقول: لبيك بحجة وعمرة معاً. اهـ. وفي رواية للبخاري: قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحنُ معه بالمدينة الظهر أرْبعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثمّ بات بها حتى أصبح، ثمّ ركبَ حتى اسْتَوتْ به على البيداء، حَمِد الله وسَبّح وكَبّر، ثم أهَلّ بِحَج وعمرة، وأهلّ الناسُ بهما. وروى ابن أبي شيبة: عن بكر بن عبدالله المزني قال: كنتُ مع ابن عمر فَلَبّى حتى أسْمَعَ ما بينَ الجبلين، قال ابن حجر: إسناده صحيح. رفع الصحابة أصواتهم بالتلبية
وأخرج أيضًا: من طريق المطلب بن عبدالله قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أصواتهم بالتلبية، حتى تُبَحّ أصواتهم. قال ابن حجر: إسناده صحيح. وروى أيضًا: عن زيد بن خالد الجُهني قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: جاءني جبريل فقال: « يا محمَّدُ، مُرْ أصحابَكَ فليَرفَعوا أصواتَهُم بالتَّلبيةِ، فإنَّها مِن شعارِ الحجِّ». رواه ابن ماجة. وروى أيضا من طريق المسيب بن رافع قال: كان ابن الزبير يقول: التلبيةُ زينة الحج وقال ابن عباس: هي زينةُ الحاجّ. وروى عبدالرزاق: عن معمر عن الزهري عن سالم قال: كان ابنُ عُمر يَرْفعُ صَوته بالتلبية، فلا يأتِ الرَّوحاء حتى يَصْحَل صوته قال الخليل: صَحل صوتُه يصحل صَحْلاً، فهو أصْحل، إذا كانت فيه بُحّة. قال الخرقي: ويُستحب اسْتدامة التلبية، والإكثار منها على كل حالٍ، لا سيما إذا علا نشْزا، أو هبط وادياً، وإذا التقت الرفاق، وإذا غطى رأسه، وفي دُبر الصلوات المكتوبة. «المغني» (5/105). وبهذا قال الشافعي. قال ابنُ عبدالبر: أجْمعُ العُلماء على أنّ السُّنّة في المَرأة، ألا تَرفعَ صَوتَها، وإنّما عليها أنْ تُسْمِع نفسَها. «المغني (5/160).. فَخَرَجَتْ منْ جملة ظاهر الحديث، وخُصَّتْ بذلك، وبَقِي الحديث في الرّجال، قال ابنُ قدامة: وإنّما كُره لها رفعُ الصّوت، مُخافةَ الفِتْنة بها، ولهذا لا يُسنُّ لها أذانٌ ولا إقامة، والمَسْنُون لها في التّنْبيه في الصلاة: التّصفيق دُون التّسبيح. متى يَقطع المُعتمِر التّلبية؟
قال الإمامُ أحمد: يقطع المُعتَمِر التلبية إذا اسْتلم الرُّكن، قال ابن قُدامة في المغني (5/256): وبهذا قال ابنُ عباس وعطاء وعمرو بن ميمون وطاووس والنخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر وعروة والحسن: يقطعها إذا دَخل الحَرَم. وحُكِي عن مالك: أنه إنْ أحْرمَ مِن المِيقات، قطع التلبية إذا وَصَلَ إلى الحَرم، وإنْ أحْرمَ بها مِنْ أدْنى الحِلّ، قطع التلبية حين يَرَى البيت. قال ابن قدامة: ولنا ما روي عن ابن عباس- يرفعُ الحديث- كان يُمْسِك عن التّلْبية في العمرة إذا اسْتلمَ الحَجَر. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - اعْتمرَ ثلاث عُمَر، ولمْ يزلْ يُلَبّي حتّى اسْتلمَ الحَجَر. التلبية إجابةٌ على العبادة
ولأنّ التلبيةَ إجابةٌ للعبادة، وإشْعار للإقامة عليها، وإنّما يتركها إذا شَرَعَ فيما يُنافيها، وهو التّحللُ منْها، والتّحلل يحصل بالطواف والسعي، فإذا شرع في الطواف فقد أخَذ في التّحلّل، فينبغي أنْ يقطع التلبية، كالحجّ إذا شَرَع في رمي جَمرة العقبة لحصول التحلل بها، أمّا قبل ذلك فلم يشرع فيما ينافيها فلا معنى لقطعها، والله أعلم. اهـ. وقال ابن عبدالبر: اخْتَلَف العُلماء في قطع التلبية في العُمرة. وقال مالك في موطئه- على ما ذكره ابن قدامة- وأضافَ ذلك إلى ابن عمر وعروة بن الزبير. وقال الشافعي: يقطع المُعْتمر التلبية في العُمرة، إذا افتتح الطّواف. وقال مرة: يُلَبِّي المعتمر حتى يستلم الرُّكن، وهو شيءٌ واحد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يزال المعتمر يلبي حتى يفتتح الطواف. قال أبو عمر: لأنّ التلبية استجابةٌ لمَا ذكر إليه فرضَاً أو نَدْبا، فإذا وصَلَ إلى البيت قَطَع الاسْتجابة، والله أعلم، وهؤلاء كلُّهم لا يُفَرِّقُون بين المُهِلّ بالعمرة، بعيد أو قريب. اهـ. قالَ نَافِعٌ: كَانَ عبداللَّهِ - رضي الله عنه - يَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ والرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ، والعَمَلُ. وهذهِ الزِّيادةُ مِن قَولِ ابن عُمرَ - رضي الله عنه -، وقدْ ورَدَ عن بَعضِ الصَّحابةِ زِياداتٌ أُخْرى في التَّلبيةِ، وهيَ مِن بابِ الزِّيادةِ في الخيرِ، وقد ورَدَ في الصَّحيحَينِ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ يُنكِرُ على أحدٍ من أصْحابِه شيئاً منْ إهْلالِه. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: لبيكَ حقاً، تعبداً ورِقًّا، قال القاضي: قال أكثر العلماء: المُسْتحبُ الاقْتصارُ على تلبية رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -. وبه قال مالك والشافعي. نقله النووي. قوله: «وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ» أي: بِيَدِك الخيرُ كلّه، كما في قوله -تعالى-: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: 26). صِفة «اليَد» لله -عَزّوجَلّ
وكما في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنّه كان إذا قامَ إلى الصلاة قال: «وَجَّهْتُ وَجْهي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا، وما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَرِيكَ له، وبِذلكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ،... وفيه: لبيكَ وسَعديك، والخَيرُ كلُّه في يَديك، والشَّرُّ ليسَ إليك، أَنَا بكَ وإلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ...». رواه مسلم وأهل السُّنّة: يُثبِتون بمثل هذه النُّصُوص صِفة «اليَد» لله -عَزّ وجَلّ. ومعنى «والرغباء إليك»: قال المازري: يُرْوى بفتح الراء والمدّ، وبضم الراء مع القصر، ونظيره: العُلا والعلياء، والنّعمى والنَّعْماء. قال القاضي: وحَكَى أبو علي فيه أيضًا الفتح مع القصر: الرَّغْبَى مثل سَكْرَى، ومعناه هنا: الطّلب والمسألة إلى مَنْ بيده الخير، وهو المقصود بالعمل، الْمُسْتَحِقّ للعبادة. اهـ (النووي).


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-08-2026, 10:40 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في التّلبية بالعمرة والحج





في الحديث دلالةٌ على بقاء أنْواع الأنْسَاك إلى قيام السّاعة مِنْ عُمْرةٍ أو إفْراد بالحجّ أو قِران بين الحجّ والعُمرة إمّا بنُسُك قِران أو تمتُّع
أُمَّةُ الإسْلامِ آخِرُ أُمَمِ الأنْبياءِ في الدُّنيا ونبيُّها خاتَمُ الأنْبياءِ وقد أُرسِلَ إلى النَّاسِ كافَّةً بَشيرًا ونَذيرًا ودعوتُه ممتدَّةٌ إلى آخرِ الزَّمانِ
صفَةُ القِرَانِ: هُوَ أَنْ يُلَبِّيَ الرَّجُلُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ مَعاً مِنَ المِيقَاتِ فَيَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ» وَيَبْدَأُ بالعُمْرَةٍ ويظلُّ على إحرامه حتى الحجّ

عن أَنَسٍ -رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، وعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا»، وفي الباب حديثان: الحديث الأول: رواه مسلم في الحج (2/905) باب: في الإفْراد والقِران بالحجّ والعُمرة.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ أنَسُ بنُ مالكٍ - رضي الله عنه -: «أنَّه سمِعَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا» يعني: الحجّ والعمرة، أي: رَفَعَ صوْتَهُ بالتَّلبيةِ بهما فقال: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا»، وفي لفظ: «يُلبِّي بالحَجِّ والعُمرَةِ جميعًا» وذلك في حَجَّةِ الوَداعِ، وهذا دليلٌ واضح على أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كانَ قارِنًا في حجّته، وجاء في رواية مسلم: فأخبَرَ بكرُ بنُ عبداللهِ - وهو راوي الحَديثِ عن أنسٍ - رضي الله عنه - عبداللهِ بنَ عُمرَ -رضي الله عنهما- بما قالَه أنسٌ - رضي الله عنه -، فقالَ عبداللهِ - رضي الله عنه - مُعقِّبًا على أنسٍ - رضي الله عنه -: «لبَّى بالحَجِّ وحْدَهُ» أي: كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُفرِداً، ولم يجعَلْ معَه عُمرةً. ما تَعدُّونَنا إلَّا صِبْيانًا!
فرجع بَكرٌ بقَولِ ابنِ عُمرَ هذا إلى أنَسٍ - رضي الله عنه -، فقالَ - صلى الله عليه وسلم -: «ما تَعدُّونَنا إلَّا صِبْيانًا!» أي: ما تَحسَبونَنا إلَّا صِغاراً، لا نَعلَمُ شيئًا مِن أَحْوالِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسُننِه، يقصِدُ - صلى الله عليه وسلم - بذلك: صِغَرَ سِنِّه، وقصر مدَّةَ صُحبتِه وخِدمتِه للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينَما حضَرَ إلى المَدينةِ مُهاجراً، كان عُمرُ أنَسٍ - رضي الله عنه - حينَئذٍ عَشْرَ سِنينَ، وعليه فإنَّ أنَسًا - رضي الله عنه - كان بعُمرِ العِشرينَ يومَ حجَّةِ الوَداعِ، فمِثلُه ممّا يُقبَلُ حَديثُه بلا شَكّ، لبُلوغِه ورُشدِه. فأنَسٌ - رضي الله عنه - بذلك؛ يُنكِرُ بمَقولتِه تلك على مَن يظُنُّ به شيئاً مِنْ ذلك، ولذلك قالَ: «سَمعْتُ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: لبَّيكَ عُمرةً وحَجًّا» ويؤكِّدُ - رضي الله عنه - ذلك بما رَواه عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّه رَآه وسَمِعَه يفعَلُ ذلك. الرَّاجِحُ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قارِنًا
والرَّاجِحُ والأصَحُّ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قارِنًا، كما قال أنَسٌ، ومَنْ قال بغيرِ ذلك؛ فإنَّه بَنى على ما شاهَدَه منَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وسَمِعَه في إهْلالِه، فمَن سَمِعَه أهلَّ بالحجِّ، ظنَّه أنَّه أفرَدَ، ومَن سَمِعَه أهلَّ بالعُمرةِ ظنَّ أنَّه تمتَّعَ، ومَن سَمِعَه أهلَّ بالحجِّ والعُمرةِ معاً، علِمَ أنَّه قارِنٌ بينَهما بإحْرامٍ واحدٍ، ودخَلَتِ العُمرةُ في أعْمالِ الحجِّ فوائد الحديث


حجُّ بيت الله وهو الرُّكنُ الخامسُ مِن أَركانِ الإِسْلامِ، هوَ عِبادةٌ لمَنِ استَطاعَ إليها سَبيلًا، وتُؤخَذُ جميعُ أَعْمالِه مِن سُنَّةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصْحابه فقال لهم: «خُذُوا عنّي مَنَاسِككم».
وكان التَّابِعونَ يَذهَبونَ إلى أصْحابِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليَسأَلوهم، ويَتعلَّموا منهم حَديثَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأفْعالَه وأقْوالَه في الحج، وغيره من العِباداتِ.
وفيه: أنّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - علَّمَنا أحْكامَ الحجِّ والعُمْرَةِ، وبيَّنَها قَوْلًا وفِعْلًا، وكان الصَّحابةُ الكِرامُ يتَّبِعونَهُ، ويَنْقُلونَ إلينا كُلَّ سُنَّتِهِ القَوْليَّةِ والعَمَليَّةِ والتَّقْريريَّةِ.
وفيه: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في حَجَّةِ الوَداعِ قارِنًا بين الحَجِّ والعُمْرةِ في نُسُكٍ واحِدٍ، وكان معه هدْيُهُ، وكان إهْلالُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بهما جميعاً كما في هذا الحديث، وقيل: كان قرانه في نِهايَةِ الأمْرِ، وإلَّا فإنَّه بَدَأَ بالحَجِّ، ثمَّ أدْخَلَ عليه العُمْرةَ، فصار قارِنًا.

وصفَةُ القِرَانِ: هُوَ أَنْ يُلَبِّيَ الرَّجُلُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ مَعاً مِنَ المِيقَاتِ، فَيَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ» وَيَبْدَأُ بالعُمْرَةٍ، ويظلُّ على إحرامه حتى الحجّ، فيذهب إلى عرفة، ويُتم حجّه، فَيَجْمَعُ بين عَمَلِ الحَجِّ والعُمْرَةِ في عَمَلٍ واحِدٍ، حَتَّى يَطوفَ طَوافَ الإفَاضَةِ، ثُمَّ يَجِبُ عليه ما يَجِبُ على المُتَمَتِّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ مِنَ الهَدْيِ إنْ تَيَسَّرَ ذلك عليه، أو الصِّيَامُ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً. الحديث الثاني في الباب
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًاً أَوْ مُعْتَمِراً، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» أخرجه مسلم في الحج (2/915) باب: إهلال النّبي - صلى الله عليه وسلم - وهديه. في هذا الحَديثِ يُقسِمُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - باللهِ تعالى، الَّذي يملِكُ رُوحَ ونفس عَبدِه ونبيِّه محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ويملِكُ أنْ يَقبِضَها، وكثيراً ما كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقسِمُ بهذا القسَمِ، فيُقسمُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ عيسَى ابنَ مَريمَ -عليهما السَّلامُ- سينزلُّ مِنَ السّماء إلى الأرْض، وذلك في آخِرِ الزَّمانِ، وهو مِنْ عَلاماتِ يومِ القِيامةِ الكُبْرى، ويهلّ والإهْلالُ: هو رفعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، وهذا كنايةٌ عن خُروجِه للحجِّ إلى بَيتِ اللهِ عزَّ وجلَّ. ويقَعُ ذلك بفَجِّ الرَّوْحاءِ، والرَّوْحَاءِ: بفَتْح الفاء وتشديد الجِيم، بين مكّة والمَدينة، وكان طريق النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، وإلى مكة عام الفتح، وعام حَجّة الوَدَاع، ويكونُ إهْلالُه عليه السَّلامُ مُفرِدًا بالحجِّ، أو مُفرِدًا بالعُمرةِ، أو يَجمعُ بيْنَ الحجِّ والعُمرةِ. ونَبيُّ اللهِ عيسَى ابنُ مَريمَ -عليه السَّلامُ- حيٌّ في السَّماءِ، وثبَتَ في الصَّحيحَينِ: «أنَّه -عليه السَّلامُ- سينزِلُ قبلَ يومِ القِيامةِ إلى الأرْضِ، حكَماً عَدلًا، فيَكسِرُ الصَّليبَ، ويقتُلُ الخِنزيرَ، ويضَعُ الجِزيةَ»، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم . فوائد الحديث


بيانُ أنَّ الأنْبياءَ يحُجُّونَ بيتَ الله الحَرَام ويَعتمِرونَ.
أنّ أُمَّةُ الإسْلامِ شأنُها عَظيمٌ؛ فإنَّها آخِرُ أُمَمِ الأنْبياءِ في الدُّنيا، ونبيُّها خاتَمُ الأنْبياءِ، وقد أُرسِلَ إلى النَّاسِ كافَّةً بَشيرًا ونَذيرًا، ودعوتُه ممتدَّةٌ إلى آخرِ الزَّمانِ.
وفي الحديث دلالةٌ على بقاء أنْواع الأنْسَاك إلى قيام السّاعة، مِنْ عُمْرةٍ، أو إفْراد بالحجّ فقط، أو قِران بين الحجّ والعُمرة، إمّا بنُسُك قِران أو تمتُّع.
وفيه إخبارٌ بما يكون في آخِر الزّمان، قبيل قيام السّاعة، وهو بعد نُزُول عيسى عليه السّلام؛ حيث سيهلّ عليه السلام ويلبّي إلى مكة حاجّاً أو مُعتمراً، أو آتياً بالحجّ والعُمرة جميعاً.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-09-2026, 09:35 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في إفْرَادِ الحَجّ





المُعتمر والمُفرد لا هَدْي عليهما لكن لا يمنع ذلك منْ أنْ يُهْدي المُفرد والمُعتمر اسْتحباباً
يستحب سوق الهدي للمُفْرد والمُعتمر فالنّبيُّ صلى الله عليه وسلم ساق الهَدْي اسْتحبابًا
في الحديث وقوعُ الاجتهادِ في الأحكامِ بيْن الصَّحابةِ وإنكارُ بَعضِ المُجتهِدين على بَعضٍ بالنَّصِّ

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْحَجِّ مُفْرَداً، وفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - أَفْرَدَ الْحَجَّ. الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/904- 905) باب: في الإفْرَاد بالحَجِّ والعُمرة.
يقول الصحابي الجليل ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أهْلَلْنا مع رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحَجّ مُفرداً» أي: أنّه بدأ أولَ الحَجّ مُفْرداً، فلمّا أتى إلى الجِعْرانة، أدْخلَ عليها العمرة، فاعتمرَ أولاً، وبَقِي على إحْرامه، ولمْ يتحلّل إلا في يوم النّحر، وهذا يَردُّ على منْ يقول: إنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - كان مُفْرداً فقط. أيِّ الحجّ أفضل؟
وقد اختلفَ العلماء في أيِّ الحجّ أفضل: الإفْراد، أو التّمتع، أو القِرَان؟ وكلّ مَنْ قال بقولٍ منها، قال: إنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَ ذلك، وظَهَر له هذا في بعض الأدلة فاعتمد عليه، أمّا الذي قال: إنّ التّمتع أفضل، فاعتمد على ظاهر بعض الروايات التي تقول: تمتع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعُمرة إلى الحج. والرد على هذا القول:


الأمر الأول: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - تمنّى لو أنّه تمتّع، فقال: «لو اسْتقبلتُ مِنْ أمْري ما اسْتَدْبرتُ، ما سقتُ الهَدي مِنَ المِيقات» فالذي يَسوق الهَدي مِنَ الميقات، هو القارنُ لا المُتمتّع.
الأمر الثاني: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لما اعْتمر، لمْ يَتَحلّل إلا في يومِ النّحر، بعد أداء المناسك، فهذا يدلُّ على أنّه كان قارناً.

الذي يقول: إنّ الإفْراد أفْضل
والذي يقول: إنّ الإفْراد أفْضل، اعتمد على أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان مُفرداً في حَجّه، وأنّ منْشأ الحج، أي: أصْل الحجّ في ذي الحليفة، كان إفراداً، وقد أهلّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحجّ فقط منْ ذي الحليفة، كما هي أحاديث الباب. والصّوابُ والصّحيح: أنّه - صلى الله عليه وسلم - بدأ الحج مُفرداً، ثمّ أدخلَ عليه مِنَ الجِعْرانه العُمْرة، فكان أولاً مُفرداً، وقبل أداء الحجّ، أدْخلَ عليه العُمرة، فاعتمرَ أولاً ثمّ حَجّ. ومعلوم أنّ سوق الهدي على سبيل الاسْتحباب للمُفْرد والمُعتمر، فالنّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ساق الهَدْي اسْتحباباً؛ لأنّه نَوى الإفراد، ولكن سوق الهدي حَمَله على إدخال العمرة على الحجّ، فصَار قارنًا، وهناك اتفاقٌ بين أهلِ العلم: أنّ المُعتمر لا هَدْي عليه، وأنّ المُفردَ لا هَدْي عليه، لكن لا يمنع ذلك منْ أنْ يُهْدي المُفرد والمُعتمر اسْتحباباً، وقد قال أنس: «سَمعتُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يلبّي بالحجّ والعُمْرة جَميعاً»، وعبدالله بن عمر يقول: أنا كنتُ معه، وما كان يُلبّي إلا بالحج فقط. تفسير هذا الخلاف
وتفسير هذا الخلاف: أنّ عبدالله بن عمر حَكى ما قد سَمعه أولَ الأمْر، منْ ميقات ذي الحليفة، وأنس بن مالك كان يَأخذ بخِطَام ناقته في مناسك الحَجّ، ابتداءً مِن الجعرانة حتى قَضَى حَجّه، فسَمِعه يقول: «لبيك اللهُمّ عُمرةً وحجّة». فلمّا أدخلَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - العُمرة على الحَجّ، سَمِعه أنسٌ فحَكى ما سمعه، وعبدالله بن عمر حكى ما سمعه أولاً، فكلّ واحدٍ مِنَ الصّحابة يحكي ما قد سمعه، وسيأتي الحديث. الرأيَ الصّحيح في حَجّة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -
قال النووي: «قدَّمْنا أنّ الرأيَ المُخْتار- بل الصّحيح- في حَجّة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان في أوّلِ إحْرامه مُفْرداً، ويحمل عليه حديث عبدالله بن عمر، ثمَّ أدخلَ العُمْرة على الحَجّ فصَارَ قَارناً، وهذا حديثُ أنس، وبهذا اتّفقت الرّوايات، وجمعنا بين الأحاديث أحْسَن جمع، فحديثُ ابن عمر مَحْمولٌ على أوّل إحْرامه، وحديث أنس مَحمولٌ على أواخره وأثنائه، وكأنّه لمْ يسمعه أولاً، ولا بُدّ مِنْ هذا التأويل أو نحوه، لتكونَ روايةُ أنسٍ مُوافقة لرواية الأكثرين، كما سبق بيان ذلك». باب: القِرَان بينَ الحَجّ والعُمْرة
عَنْ بَكْرٍ بن عبدالله: عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا. قَالَ بَكْرٌ فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا». باب: في مُتْعُةِ الحجِّ
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضي الله عنه - قَالَ: تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْقُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ، وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضي الله عنه - بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: تَمَتَّعَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً.الأحاديث رواها مسلم في الحج (2/900) باب: جواز التمتع. في هذا الحَديثِ يَرْوي عِمْرانُ بنُ حُصينٍ - رضي الله عنه - أنَّهم تَمتَّعوا على عَهدِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، والمَقصودُ بِالمُتعَةِ هنا: التَّمتُّعُ في الحَجِّ، بالعمرةِ مع الحجِّ، وفَعَلوه في حياتِه وَهوَ مَوجودٌ حاضِرٌ بيْنَهُم، ونَزَلَ القرآنُ بمَشروعيَّتِه، قالَ -تعالَى-: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} (البقرة: 196)، ولم يَنزِلْ قُرآنٌ يُحرِّمْه، فاستقَرَّ هذا الحُكمُ، وهو مستمِرٌّ، ولم يَنْهَ عنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى مات. قوله: «قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ»
أي: فلا نَسخَ لهذا الحُكْمِ بعْدَ ذلك، مهْما قال رجُلٌ بِرَأيِه ما شاء، يعني: مِن تَرْكِه، أو ترك الأخذِ به، وأنَّ الرَّأيَ بعْدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - باختيارِ الإفرادِ بحَجٍّ فقطْ، لا يَنسَخُ ما سَنَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن التَّمتُّعِ والقِرانِ. والرَّجلُ المَقصودُ هُنا هوَ: عُمرُ بنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، فَقدْ نَهَى عَنِ التَّمتُّعِ في الحَجِّ، وكان نهيُه عن ذلك على جِهةِ التَّرغيبِ للنَّاسِ، فيما يَراهُ الأفضلَ لَهُم بأنْ يُفرِدوا العُمرَةَ بِسَفرٍ، والحَجَّ بِسَفرٍ. قال ابن عبدالبر: لا خلافَ بين العلماء أنّ التمتع المراد بقول الله -تعالى-: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ} (البقرة: 196). هو الاعتمار في أشهر الحج. قال: ومِنَ التّمتع أيضاً: القِرَان؛ لأنّه تمتعٌ بسُقوط سَفَره للنُّسُك الآخر من بلده. قال: ومِنَ التمتع أيضاً: فَسْخُ الحج إلى العُمرة. انتهى أوَّلَ مَن نَهى عن التَّمتُّعِ
وكان أوَّلَ مَن نَهى عن التَّمتُّعِ: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، في أيَّامِ خِلافتِه - رضي الله عنه -، وتابَعَه عُثمانُ - رضي الله عنه - في ذلك، وغَرَضُهم منه: الحثُّ على تَحصيلِ فَضيلةِ الإفْرادِ، وليَكثُرَ قصْدُ الناسِ بيتَ الله الحرام طوال العام، حاجِّينَ ومُعتمِرينَ، وليس إبطالًا للتَّمتُّعِ، وفي مسلمٍ: أنَّ ابنَ الزُّبَيرِ أيضًا كان يَنْهى عنها، وابنُ عَبَّاسٍ كان يأمُرُ بها، فسألوا جابرًا، فأشار إلى أنَّ أوَّلَ مَنْ نَهَى عنها كان عُمَرَ - رضي الله عنه . فوائد الحديث


وقوعُ الاجتهادِ في الأحكامِ بيْن الصَّحابةِ، وإنكارُ بَعضِ المُجتهِدين على بَعضٍ بالنَّصِّ.
وفيه: إقرارٌ للقاعدةِ الفِقهيَّةِ: «لا اجتِهادَ مع ثُبوتِ النَّصِّ».
وفيه: جوازُ نَسخِ القُرآنِ بالقُرآنِ، ولا خِلافَ فيه، وجوازُ نَسخِه بالسُّنَّةِ، ووجهُ الدَّلالةِ منه قولُه: «ولم يَنْهَ عنْها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -»، فإنَّ مفهومَه: أنَّه لو نَهَى عنها، لامتنَعْتُ، ويستلزِمُ ذلك رَفْعَ الحُكمِ، ومقتضاه جوازُ النَّسخِ بالسُّنّة.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-09-2026, 09:37 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: مَنْ أحْرَمَ بالحَجّ ومَعَه الهَدْي





التَّمتُّعُ في الحَجِّ هو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالعُمْرَةِ في أشهُرِ الحَجِّ ثمَّ يَحِلَّ منها ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ مِن عامِه
أبطَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عادةً مِنْ عاداتِ الجاهليَّةِ التي كانتْ تُحرِّمُ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ وأقَرَّ شَريعةَ الإسْلامِ وما فيها مِن التَّوسعةِ في أُمورِ الحجِّ والعُمرةِ

عن مُوسَى بْنِ نَافِعٍ قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعاً بِعُمْرَةٍ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُكَ الْآنَ مَكِّيَّةً، فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عبداللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَامَ سَاقَ الهَدْيَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وقَصِّرُوا وأَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ، واجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً». قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ؟ قَالَ: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»، فَفَعَلُوا.الحديث رواه مسلم في الحج (2/884-885) باب: بيان وُجُوه الإحرام، وأنّه يجوز إفرادُ الحَج والتّمتع والقران، وجواز إدْخال الحجّ على العمرة، ومتّى يحلّ القارن من نُسكه.
مُوسى بنُ نافع هو التّابعي أبو شهاب الحنّاط الأسَدي، الهُذَلى الكوفى الأكبر، وليسَ بأبي شهاب الأصْغر عبدربه بن نافع، روى عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ومجاهد، روى عنه يحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس ومحمد بن عبيد وأبو نُعيم، صدوق، أخرجَ له البخاري ومسلم. في هذا الحديثِ يَرْوي التابعيُّ موسى بْنُ نافعٍ أنَّه قَدِمَ إلى مكَّةَ مُتَمَتِّعًا بعُمْرةٍ، وأهَلَّ بذلك، فوَصَل مكَّةَ ودَخَلها قَبْلَ يومِ التَّرْوِيَةِ -وهو اليومُ الثَّامِنُ مِن ذي الحِجَّةِ- بثَلَاثةِ أيَّامٍ، وسُمِّيَ يومُ التَّرويةِ بذلك، لأنَّ الحُجَّاجَ كانوا يَرْتَوُونَ فيه مِن الماءِ لِما بعْدَه، أي: يَستَقُون ويَسْقُون إبِلَهم فيه، استِعدادًا للوُقوفِ يومَ عرَفةَ، فَقالَ له بعضُ الناسِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً، حيثُ تَفوتُك فَضيلةُ الإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ، فتُشْبِهُ في ذلك حَجَّةَ أهلِ مكَّةَ، اللذين لا يُحْرِمون مِنْ مِيقاتٍ مُعيَّنٍ، بلْ يُحرِمون للحجِّ مِن مَكانِهم، فذَهَبَ أبو شِهابٍ إلى التابعيِّ الجليل الفقيه عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ لِيَسأَلَه في ذلك ويَسْتفتيهِ، فحَدَّثَه أنَّ جَابِرَ بنَ عبدالله -رَضيَ اللهُ عنهما- أخْبَرَهُ: أنَّه حجَّ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ ساقَ البُدْنَ معَه، مِن المدينةِ إلى مَكَّةَ في حَجَّةِ الوَداعِ، في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهجرةِ، والبُدْنُ يُقصَدُ بها الهَدْيُ، والهدْيُ: اسمٌ لِما يُهدَى ويُذبَحُ في الحرَمِ مِن الإبلِ والبقَرِ والغنَمِ والمَعْزِ. قَصْدُ النِّيَّةِ في الإحْرامِ
قال: وقد أهَلُّوا بالحَجِّ مُفرَدًا، أي: أَحْرَموا مُفْرِدينَ بالحَجِّ، والمُرادُ بالإهْلالِ هنا: قَصْدُ النِّيَّةِ في الإحْرامِ، وهو في الأصلِ رفْعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، فأمَرَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عِندَ قُدومِهم إلى مَكَّةَ، أنْ يَحِلُّوا مِنْ إحرامِهِم، فيَفسَخوا الحَجَّ إلى العُمرةِ، ويَتحلَّلوا مِن عُمرَتِهم بالطَّوافِ والسَّعيِ والتَّقصيرِ، ثمَّ يُقيموا بها حَلالًا، يَحِلُّ لهُم كُلُّ شَيءٍ، حتَّى مُعاشَرةُ النِّساءِ، حتَّى إذا كانَ يومُ التَّرويةِ، وهو اليومُ الثامِنُ مِن ذي الحِجَّةِ، فعلَيهم أنْ يُهِلُّوا، أي: يُحْرِموا بالحَجِّ، ويَتَوجَّهوا إلى عَرَفَةَ، ويَجعَلوا الأفعال الَّتي قَدِموا بها تَمتُّعًا بالعُمرةِ. التَّمتُّعُ في الحَجِّ
والتَّمتُّعُ في الحَجِّ: هو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالعُمْرَةِ في أشهُرِ الحَجِّ، ثمَّ يَحِلَّ منها، ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ مِن عامِه، فإذا قدِمَ مكَّةَ في أشْهُرِ الحجِّ واعتَمَر وانْتَهى مِن عُمرتِه، فله أنْ يَتحلَّلَ مِن إحْرامِه، ويَتمتَّعَ بكلِّ ما هو حَلالٌ حتَّى تبدَأَ مَناسِكُ الحجِّ. سؤال الصَّحابةُ للنبيَّ - صلى الله عليه وسلم
فسَأَل الصَّحابةُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: كيفَ يَجعَلون نُسكَهم الأوَّلَ عُمرةً ومُتْعَةً بها وهم قدْ أحْرَموا بنِيةِ الحَجَّ؟ فأمَرَهم أنْ يَفعَلوا ما أمَرَهم به، وأخْبَرَهم أنَّه لَولا أنَّه - صلى الله عليه وسلم - ساقَ الهَديَ، لفَعَلَ مِثلَ الَّذي أمَرَهُم به، وفَسَخَ الحَجَّ إلى عُمرةِ، ولكِن ذلك لا يَحِلُّ له، ولا يَحِلُّ له فِعلُ شَيءٍ مِن مَحظوراتِ الإحْرامِ، حتَّى يَصِلَ الهدْيُ إلى المَكانِ الَّذي يُنحَرُ فيه بِمِنًى يومَ النَّحرِ، في العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، فاستجابَ الصحابةُ -رَضيَ اللهُ عنهم- لأمْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على الفورِ، وفعَلوا ما أمَرَهم به، وبذلك أبطَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عادةً مِنْ عاداتِ الجاهليَّةِ، التي كانتْ تُحرِّمُ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ، وأقَرَّ شَريعةَ الإسْلامِ وما فيها مِن التَّوسعةِ في أُمورِ الحجِّ والعُمرةِ. اخْتَلَاف العُلَمَاء فِي هَذَا الفَسْخِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذَا الفَسْخِ: هَلْ هُوَ خَاصٌّ لِلصَّحَابَةِ تِلْكَ السَّنَةِ خَاصَّةً؟ أَمْ هو بَاقٍ لَهُمْ ولِغَيْرِهِمْ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ وطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَيْسَ خَاصًّا، بَلْ هُوَ بَاقٍ إِلَى يَومِ القِيَامةِ، فَيَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ، ولَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ، أَنْ يَقْلِبَ إِحْرَامَهُ عُمْرَةً، ويَتَحَلَّلَ بِأَعْمَالِها. وقَالَ مالِكٌ والشَّافِعِيُّ وأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لَا يَجُوزُ بَعْدَها؟ وإِنَّمَا أُمِرُوا بِهِ تِلْكَ السَّنَةَ، لِيُخَالِفُوا مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الجَاهِلِيَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ.

والراجح هو الأوّل: فقد ثبَتَ في صَحيحِ البُخاريِّ: لَمَّا أمَر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه بالمُتْعةِ -أي التَّمتُّع-، قال جابرُ بنُ عبداللهِ -رَضيَ اللهُ عنهما-: وأنَّ سُراقةَ بنَ مالكِ بنِ جُعْشُمٍ لقِيَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو بالعَقَبةِ، وهو يَرميها، فقال: ألَكُم هذه خاصَّةً يا رسولَ اللهِ؟ قال: «لا، بلْ للأبدِ».
وفِي رواية قال: أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: «لِأَبَدِ أَبَدٍ».
فَالْحَاصِلُ مِنْ مَجْمُوعِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وكَذَلِكَ القِرَانُ، وأَنَّ فَسْخَ الحَجِّ إِلَى العُمْرَةِ غير مُخْتَصٌّ بِتِلْكَ السَّنَةِ، بل للأبد، واللَّهُ أَعْلَم.

فوائد الحديث


مَشروعيَّةُ التَّمتُّعِ بالعُمرةِ في أشْهُرِ الحجِّ.
وفيه: طاعةُ الصَّحابةِ لرَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في كلّ ما يأمرهم به.

من أصول منهج السلف ومعالمه
من معالِمِ منهج السلف وأصوله لُزومُ اتباعِ الكتابِ العزيزِ والسُّنَّة الصحيحة الثابتة، والحَذَرُ من اتباع الهَوَى والبِدَع، لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «فإنه من يعِش منكم فسيرَى اختِلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخُلفاء الراشِدين المهديِّين من بعدِي، عضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومُحدثات الأمور! فإن كلَّ بدعةٍ ضلالة». لُزومِ الجماعة، والسَّمع والطاعةِ بالمعروف في المنشَطِ والمكرَه، على حدِّ قولِه -عزَّ شأنُه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء: 59). لا تعصُّب إلا للحقِّ وما جاء في كتاب الله وكلامِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وعدمُ التعصُّب يقترِنُ بعدمِ ادِّعاءِ العِصمةِ لأحدٍ كائِنًا من كان من عُلماء الدين وأئمَّتِه من الصحابةِ ومن بعدَهم، فضلاً عن غيرِهم. فلا عِصمةَ إلا لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يُبلِّغُ عن ربِّه -عز وجل-، ومن هنا؛ فإنهم لا يمنَعون من الخلافِ فيما يسُوغُ فيه الخِلاف، بناءً على فهمِ النصِّ وتقدير المصالحِ والمفاسِد، وتحقيق الغايات والمقاصِد، إذا صدرَ الاجتهادُ من أهلِه في محلِّه. بقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «الدينُ النَّصيحة، الدينُ النَّصيحة، الدينُ النَّصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: «لله، ولكتابِه، ولرسولِه، ولأئمة المُسلمين وعامَّتِهم». أخرجه مسلم في صحيحه من حديث تميمٍ الدارِيِّ - رضي الله عنه - نصيحةٌ في حفظ الحقِّ والمكانةِ، والبُعد عن التَّشنيعِ والتَّشهير، أو سُلُوك مسالِكَ تُؤدِّي إلى التفرُّق والشَّحناء. مصدرُ التلقِّي هو الوحيُ، ويعرِضُون عقولَهم وفهُومَهم وآراءَهم على الكتاب والسُّنَّة؛ فما وافقَها قبِلُوه، وما خالَفَها أعرَضُوا عنه، ونصُّ الشارِعِ هو الأصلُ، تنقادُ إليه النفوسُ، وتعتمِدُ عليه، تتبَعُه ولا يتبَعُها، «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يكون هواهُ تبَعًا لما جِئتُ به».


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-10-2026, 05:53 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: نَسخُ التّحلّل مِنَ الإحْرام والأمْر بالتَّمَام





في الحديث مَشروعيَّةُ الإحرامِ المُبهَمِ ويَصْرِفُه إلى ما شاءَ مِن أنواعِ النُّسُكِ قبْلَ شُروعِه في العبادة

عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي، وغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وإِمَارَةِ عُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ. فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأْتَمُّوا، فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ما هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (البقرة: 196). وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام-، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ. عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَتْ المُتْعَةُ فِي الْحَجِّ، لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً، في الباب حديثان: الحديث الأول: رواه مسلم في الحج (2/895) باب: في نَسخ التّحلّل من الإحرام والأمر بالتمام.
في هذا الحَديثِ يَحكي أبو مُوسى الأشْعَرِيُّ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَه إلى قَومٍ باليَمَنِ، وكان - صلى الله عليه وسلم - قدْ أرْسَلَه ليَكونَ مُعلِّمًا وقاضيًا لأهْلِها، فرَجَع أبو مُوسى - رضي الله عنه - والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ، وهو مُحرِمٌ بحَجَّةِ الوَداعِ، والبَطحاءُ: مكانٌ ذو حَصًى صَغيرةٍ، وهو في الأصلِ مَسيلُ وادي مكَّةَ، وهو يَقُعُ جَنوبَ الحرمِ الشَّريفِ أمامَ جَبلِ ثَورٍ، ويُقالُ له: الأَبْطَحُ أيضاً، فسَأَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا مُوسى - رضي الله عنه -: بِمَ أهلَلْتَ؟ والمرادُ بالإهلالِ هنا: قصْدُ النِّيةِ في الإحْرامِ، وهو في الأصْلِ رفْعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، فأجابَه أبو مُوسَى - رضي الله عنه - أنَّه أهَلَّ كإهلالِ النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - -وكان رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ممَّن ساقَ الهَدْيَ، فقَرَنَ في إحْرامِه بيْن العُمرةِ والحجِّ- فسَأَله: هلْ مَعَكَ مِن هَديٍ؟ فأجابَ: لا، فأمَرَه - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَطوفَ بالبَيتِ وبالصَّفا والمروةِ، فيكونُ بذلك قدْ أتَّم عُمرةً، ثمَّ أمَرَه أنْ يَحِلَّ مِن إحرامِه، فيُباح له كلُّ شَيءٍ. فأَتَى أبو مُوسى - رضي الله عنه - امرأةً من قَومِه، وهذا مَحمولٌ على أنَّها كانتْ مَحْرَمًا له، فسَرَّحَتْ له شَعرَه بالمُشطِ، وغَسَلتْ رَأْسَه، ولم يَذكُرِ الحَلْقَ أو التَّقصيرَ، إمَّا لكونِه مَعلومًا عندَهُم، أو لدُخولِه في أمْرِه بالإحلالِ. زَمانُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه
فلمّا جاء زَمانُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - وخِلافتُه، فذُكِرَ له ذلك فقالَ: إنْ نَأخُذْ بكِتابِ الله، فإنَّه يَأمُرُنا بالتَّمامِ، أي: بإتمامِ أفعالِهما بعْدَ الشُّروعِ فيهما، قال اللهُ -تعالَى-: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (البقرة: 196)، وتَأويلُه للآيةِ: هو إفرادُ كلِّ نُسكٍ على حِدَةٍ، واستَشهَدَ - رضي الله عنه - بقِرانِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّه لم يَحِلَّ مِن إحْرامِه حتَّى نَحَرَ الهَدْيَ بمِنًى. وظاهِرُ كَلامِ عُمَرَ - رضي الله عنه - هذا، إنكارُ فسْخِ الحجِّ إلى العُمرةِ، وليس مُرادُ عُمَرَ - رضي الله عنه - بذلكَ مُخالَفةَ القُرآنِ والسُّنَّةِ، وقد رَوَى النَّسائيُّ: أنَّ أبا مُوسى سَأَلَ عُمرَ عن ذلِك، فقال عُمرُ: قد عَلِمْتُ أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قد فَعَلَه، ولكنْ كَرِهْتُ أنْ يَظلُّوا مُعرِّسينَ بهنَّ في الأرَاكِ، ثمَّ يَروحوا في الحجِّ تَقطُر رُؤوسُهم؟ ومعْناه: أنّه كَرِه التَّمتُّعَ، لأنَّه يَقتضي التَّحلُّلَ ووَطْءَ النِّساءِ، إلى حِينِ الخُروجِ إلى الحجِّ. فكان مِنْ رأي عُمر: عَدمُ التّرفّه للحَجّ، فكرِه لهُم قُربَ عَهدهم بالنساء، وقد أخرج مسلم: من حديث جابر أنّ عُمر قال: «افْصلُوا حَجّكم مِنْ عُمْرتكم، فإنّه أتمّ لحَجّكم، وأتَمّ لعُمْرتكم». قوله: «أنْ نَأخذَ بكتابِ الله»
قوله: «أنْ نَأخذَ بكتابِ الله... إلخ» هذا مُحصّل جواب عمر - رضي الله عنه - في مَنَعه الناس مِنَ التّحلل بالعُمرة: أنّ كتابَ الله دالٌ على منع التّحلّل لأمْره بالإتْمام، فيقتضي اسْتمرار الإحْرام إلى الفراغ من الحج، وأنّ سُنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضاً دالة على ذلك، لأنّه لمْ يحلّ حتّى بلغَ الهَدي محلّه، لكنْ الجواب عن ذلك، ما أجاب به هو - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال: «ولولا أنّ مَعي الهَدي، لأحْللت». فدلّ على جواز الإحْلال لمَنْ لمْ يكنْ معه هَدْي، وتبيّن منْ مُجْموع ما جاء عن عمر في ذلك أنّه مَنَعَ منْه، سَدّاً للذّريعة. (انظر الفتح). وقال النووي: والمُختار أنّه نَهى عن المُتعة المَعْروفة، التي هي الاعْتمار في أشْهر الحَج، ثمّ الحَجّ مِنْ عامه، وهو على التّنْزيه، للتّرغيب في الإفْراد، كما يظهر من كلامه، ثمّ انْعقدَ الإجْماع على جواز التّمتّع مِنْ غير كراهة، ونفي الاخْتلاف في الأفضل. ويُمكن أنْ يتمسّك مَنْ يقول: بأنّه إنّما نَهَى عن الفسخ، بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريبا مِنْ مسلم: «إنّ الله يُحلُّ لرسُوله ما شاء». والله أعلم. فوائد الحديث


اتِّباعُ سُنَّةِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - واقتِفاءُ أثَرِه في أفعالِه.
وفيه: مَشروعيَّةُ التَّمتُّعِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ.
وفيه: مَشروعيَّةُ الإحرامِ المُبهَمِ، ويَصْرِفُه إلى ما شاءَ مِن أنواعِ النُّسُكِ، قبْلَ شُروعِه في أفعالِ النُّسُكِ.
وفيه: دلالة على جواز تعليق الإحْرام، بإحْرام الآخر.

الحديث الثاني
عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَتْ المُتْعَةُ فِي الحَجِّ، لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً، هذا الأثر رواه مسلم في الحج (2/897) باب: جواز التمتع، وفيه يُخبِرُ أبو ذَرٍّ - رضي الله عنه - أنَّ المُتعةُ في الحجِّ كانتْ لأصْحابِ محمَّدٍ خاصَّةً، يَعني: فسْخَ الحجِّ إلى العُمرةِ كان خاصًّا للصَّحابةِ فقط، وذلك أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد أمَرَ بها بعضَ أصْحابِه في حَجَّةِ الوَداعِ لمَن لمْ يسُقْ معَه الهَديَ، وكان أبو ذَرٍّ - رضي الله عنه - من هؤلاء الَّذين فَسَخوا حَجَّهم إلى عُمرةٍ، أمَّا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - والبعضُ الآخَرونَ منَ الصَّحابةِ ممَّن معَهمُ الهَديُ كانوا قارِنينَ، أي: جَمَعوا بينَ الحجِّ والعُمرةِ بإحْرامٍ واحدٍ.
وقولُه هذا مخالِفٌ لما ورَدَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ والثَّابِتةِ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ التَّمتُّعَ جائزٌ في أشهُرِ الحجِّ، وأنّه باقٍ إلى يوم القيامة كما سبق. وقيلَ: إنَّ قولَ أبي ذَرٍّ هذا يُحمَلُ على أنَّ الفَسخَ الواجبَ الَّذي يَتعيَّنُ، هو الَّذي كان لأصْحابِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وأمَّا غَيرُهم فإنَّه يَبْقى على الاسْتِحْبابِ. انكسار القلب وخضوعه لله -تعالى
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله وهو يتحدث عن انكسار القلب وخضوعه لله تعالى-: «ليس شيء أحب إلى الله -تعالى- من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والانطراح بين يديه -سبحانه-، والاستسلام له، فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور! وما أدنى النصر، والرحمة والرزق منه! وأحبُّ القلوب إلى الله -سبحانه- قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، وهذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله على الله -تعالى- وترميه على طريق المحبة، فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق، وإن كانت سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبة، لكن الذي يفتح منها من طريق الذل والانكسار والافتقار وازدراء النفس ورؤيتها «أي بالنسبة لحق الله» بعين الضعف والعجز والعيب والنقص والذم نوع آخر، وفتح آخر، والسالك بهذه الطريق غريب عن الناس، وهم في واد وهو في واد، فالله المستعان وهو خير الغافرين».


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-10-2026, 05:56 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الهَدْي في القِرَانِ بينَ الحَجّ والعُمْرَة





الحِكمةُ مِنَ التَّلبيةِ: التَّنبيهُ على إكْرامِ اللهِ تعالى لعِبادِه بأنَّ وُفودَهم على بَيتِه إنَّما كان باستِدعاءٍ مِنه وطلب
القارِنُ هو مُتَمتِّعٌ مِنْ حيثُ اللُّغةُ ومِنْ حيثُ المعْنى لأنَّه حَظِيَ بإدْخالِ العُمرةِ في أعْمالِ الحجِّ حيثُ تَرفَّهَ باتِّحادِ المِيقاتِ والإحْرامِ والفِعلِ
في الحديث اتِّباعُ الصّحابي عبدالله بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما سُنَّةَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم واقتِفاؤه أثَرَه في أفعالِه كافة

عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عبداللَّهِ بْنَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: خَرَجَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا، وقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ، صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -، فَخَرَجَ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وسَارَ حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، ورَأَى أَنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ، وَأَهْدَى.
في هذا الحَديثِ يَروي نافعٌ، مَولى ابنِ عُمَرَ، أنَّ عبداللهِ بنَ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- أرادَ الحَجَّ وذلك عامَ نُزولِ الحَجَّاجِ بابنِ الزُّبَيرِ في مكة، وكان ذلك عامَ اثنَيْنِ وسَبعينَ مِنَ الهِجرةِ، عِندَما نَزَلَ الحَجَّاجُ بنُ يوسُفَ الثَّقَفيُّ بأمْرٍ مِن عبدالملِكِ بنِ مَرْوانَ لمُحارَبةِ عبداللهِ بنِ الزُّبَيرِ، وعَزَمَ ابنُ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- على الحَجِّ في ذلك العامِ، فخِيفَ عليه مِن أنْ يَصُدُّوه ويَمنَعوه عنِ البَيتِ، فتَلا قَولَه -تعالَى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21)، وأنَّه سيَفعَلُ كما فَعَلَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم . أوجَبَ حَجًّا وعُمرةً بظاهِرِ البَيْداءِ
ثمّ أشهَدَهم أنَّه أوجَبَ عُمرةً في أوَّلِ الأمرِ، ثم أوجَبَ حَجًّا وعُمرةً بظاهِرِ «البَيْداءِ»، والبَيداءُ في اللُّغةِ: هي الصَّحراءُ التي لا شَيءَ فيها، والمَقصودُ بها هنا مَكانٌ فَوقَ عَلَمَيْ ذي الحُلَيفةِ إذا صُعِدَ مِنَ الوادي، وفي أوَّلِ البَيداءِ بِئرُ ماءٍ، ويَبعُدُ عن مَكَّةَ حَوالَيْ (420 كم)، وأهدَى هَديًا اشتَراه في الطَّريقِ مِن «قُدَيْدٍ»، وهو مَوضِعُ ماءٍ قَريبٍ مِنَ الجُحْفةِ، بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ، وهو مِنَ الحِلِّ وليس مِنَ الحَرمِ، وإنْ كان داخِلَ الميقاتِ، ويَبعُدُ عن مَكَّةَ المُكرَّمةِ (150 كم)، ويَقَعُ إلى الشَّمالِ الشَّرقيِّ منها. ولم يَنحَرْ، ولم يَحِلَّ مِن شَيءٍ حَرُمَ منه، ولم يَحلِقْ، ولم يُقَصِّرْ، إلى أنْ جاء يَومُ النَّحرِ، وهو يَومُ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، فنَحَرَ وحَلَقَ، ورَأى أنَّه قد قَضى طَوافَ الحَجِّ والعُمرةِ بطَوافِه الأوَّلِ، فالقارِنُ يَقتصِرُ على أفعالِ الحَجِّ، وتَندرِجُ أفعالُ العُمرةِ كُلُّها في أفعالِ الحَجِّ، ولا يَحِلُّ القارِنُ إلَّا يَومَ النَّحرِ بعد ذبح الهدي. فوائد الحديث


الخُروجُ إلى النُّسُكِ في الطَّريقِ المَظنونِ خَوفُها، إذا غلبَ على ظنّه السَّلامةَ فيها.
وفيه: اتِّباعُ الصّحابي ابنِ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- سُنَّةَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، واقتِفاؤه أثَرَه في أفعالِه.

باب: الهَدْيُ في المُتْعة
عَنْ سَالِمِ بْنِ عبداللَّهِ: أَنَّ عبداللَّهِ بْنَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ ولْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ»، وطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ، ومَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا والْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ. وفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، مَنْ أَهْدَى وسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ. هَدْيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوداعِ
يَحكي سالم عن أبيه عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- جانباً مِنْ هَدْيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوداعِ، وكانت في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهجرةِ، فبيَّنَ أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - تَمتَّع في حَجَّةِ الوَداعِ بالعُمرةِ إلى الحَجِّ، ومَعلومٌ أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - إنّما حجَّ قارنًا، بأنْ جَمَعَ بيْن الحجِّ والعُمرةِ بإحْرامٍ واحدٍ، وعليه فالتَّمتُّعُ المقصودُ هنا: مَحمولٌ على التَّمتُّعِ اللُّغويِّ، والمعْنى: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أحرَمَ أوَّلًا بالحجِّ مُفرِداً، ثمَّ أحْرَمَ بالعُمرةِ، فصار قارِنًا في آخِرِ أمْرِه، والقارِنُ هو مُتَمتِّعٌ مِنْ حيثُ اللُّغةُ، ومِنْ حيثُ المعْنى، لأنَّه حَظِيَ بإدْخالِ العُمرةِ في أعْمالِ الحجِّ؛ حيثُ تَرفَّهَ باتِّحادِ المِيقاتِ والإحْرامِ والفِعلِ. المُراد بالتَّمتُّعِ هنا القِرانُ
وممَّا يدُلُّ على أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا، وأنَّ المُرادَ بالتَّمتُّعِ هنا القِرانُ: قولُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: «مَن كانَ مِنكُم أهْدَى، فإنَّه لا يَحِلُّ لِشَيءٍ حَرُمَ منه حتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ»، والنّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان ممَّن أهْدى إلى الحرَمِ. قولُ ابنِ عمَرَ: «وبَدَأَ رَسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فأهَلَّ بالعُمْرَةِ، ثُمَّ أهَلَّ بالحَجِّ» مَحمولٌ على التَّلبيةِ في أثناءِ الإحْرامِ، كما جاء في حَديثِ أنسٍ عندَ مُسلِمٍ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَبَّيك بعُمرةٍ وحَجٍّ»، وليس المرادُ أنَّه أحرَمَ في أوَّلِ أمْرِه بعُمرةٍ، ثمَّ أحْرَمَ بحَجٍّ. قولُه: «فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم »
قولُه: «فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ»، أي: في آخِرِ الأمرِ، فكَثيرٌ منْهم أو أكثَرُهم أحْرَمُوا بالحجِّ أوَّلًا مُفرَداً، ثمَّ فَسَخوه إلى العُمرةِ آخِراً، فَصاروا مُتمتِّعين، وهمُ الذين لمْ يَسُوقوا معهم الهَدْيَ، فلمَّا دَخَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ قال للنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ،...» أي: مَنْ كان مِنْكم ساقَ الهَدْيَ معه، فإنَّه لا يَحِلُّ لِشَيءٍ حَرُمَ منه منَ مَحظوراتِ الإحْرامِ، فيَبْقى على إحْرامِه حتَّى يَقضيَ حَجَّه، وذلك لقولِه -تعالى-: {وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (البقرة: 196). قوله: «ومَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى...»
أي: ومَن لم يكُن منكم قدْ ساق الهَدْيَ فَليَطُفْ بالبَيتِ طَوافَ العُمرةِ، وبالصَّفا والمروةِ، وليُقصِّرْ مِن شَعرِ رَأسِه، فيَصيرُ بذلك حَلالًا، فيَحِلُّ له فِعلُ كلِّ ما كان محظورًا عليه في الإحرامِ، مِن الطِّيبِ واللِّباسِ، والنِّساءِ والصَّيدِ، وغيرِ ذلك. قوله: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ..» وجَّهَ - صلى الله عليه وسلم - الصحابة للتَّقصيرِ دونَ الحلْقِ، مع أنَّ الحلْقَ أفضَلُ، وذلك لِيَبْقى له شَعرٌ يَحلِقُه في الحجِّ، وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: «ثمَّ ليُهِلَّ بالحجِّ» أي: يومَ التَّرويةِ، يومَ الثامنِ مِن ذي الحِجَّةِ، لا أنَّه يُهِلُّ عَقِبَ التَّحلُّلِ مِن العُمرةِ، ومَنْ لمْ يَجِدْ هَدْياً، أو لم يَجِدْ ثَمنَه، أو زادَ ثَمَنُه على ثَمَنِ المِثلِ، أو كان صاحبُه لا يُريدُ بَيعَه، فلْيَصُمْ ثَلاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ بعْدَ الإحرامِ به، وسَبْعةً إذا رَجَعَ إلى أهلِه بِبَلدِه أو بمَكانٍ تَوطَّنَ به. طواف النبي - صلى الله عليه وسلم - حَولَ الكَعبةِ
قوله: «وطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ..» يُخبِرُ ابنُ عمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طافَ حَولَ الكَعبةِ حِين قَدِمَ مَكَّةَ طَوافَ القُدومِ، واستَلَمَ الرُّكنَ أوَّلَ شَيءٍ، وهو الحجَرُ الأسودُ، والمرادُ باستلامِه: مَسْحُه وتَقبيلُه، أوَّلَ ما قَدِمَ قبْلَ أنْ يَبتدِئَ بشَيءٍ، وقوله: «ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ، ومَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ..» أي: رَمَلَ وأسرَعَ في ثَلاثةِ أطوافٍ، ومَشى أرْبَعةً، فيه: مشروعية الرمل في الأشواطِ الثلاثةِ الأولى في الطَّوافِ. ثمَّ صلَّى رَكعتَين حِين قَضى طَوافَه بالبَيتِ عِندَ مَقامِ إبراهيمَ، ثمَّ سلَّم منهما فانْصرَفَ، ثمَّ سَعى بيْن الصَّفا والمروةِ سَبْعةَ أشواطٍ، ويَبتدِئُ الشَّوطُ الأوَّلُ مِن الصَّفا ويَنْتهي بالمَروةِ، والشَّوطُ الثَّاني عكْسُ ذلك، مِن المَروةِ إلى الصَّفا، والشَّوطُ الثالثُ مِثلُ الأوَّلِ، وهكذا إلى أنْ يَتِمَّ السَّعيُ في الشَّوطِ السابعِ. قوله: «ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ»
أي: ظَلَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحرِمًا إلى أنْ أتمَّ حَجَّه، ونَحَرَ الهَدْيَ يومَ العيدِ، وطاف بالبيتِ طَوافَ الإفاضةِ، لأنَّه ساقَ الهَدْيَ معه، وإلَّا لَتحلَّلَ مِن العُمرةِ كما أمَرَ أصحابَه، وفَعَلَ مِثلَ ما فَعَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كلُّ مَن ساقَ الهَدْيَ مِن النَّاسِ، فلم يَفسَخوا الحجَّ إلى العُمرةِ، فكان - صلى الله عليه وسلم - وبعضُ الناسِ قارنينَ، والفريقُ الآخرُ مُتمتِّعينَ. فوائد الحديث


مَشروعيَّةُ الحجِّ قارِنًا أو مُتمتِّعًا.
جواز إدْخالِ نِيَّةِ التَّمتُّعِ على مَن حَجَّ قارناً أو مُفرِدًا.
طاعة الصّحابة للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - على كلّ حال.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-11-2026, 05:50 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في إفْراد الحَجّ على العُمْرة






المُحرِمَ قدْ يُخشَى أنْ يَمنعَه مانعٌ مِن إتمامِ الحجِّ، كالمرضِ أو العدو ونحوِه، فيُريدُ أنْ يتحلَّلَ مِنَ الحجِّ إذا حصَلَ له هذا المانعُ، دُونَ أنْ يَجِبَ عليه فِديةٌ أو قَضاءٌ
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم علَّمَ أمّته أُمُورَ الحجِّ والعُمرةِ وفَرائضَهما وسُننَهما وآدابَهما وقال في حَجَّةِ الوداعِ: «خُذوا عَنِّي مَناسِكَكم»
ثبَتَ بروايةِ أربعةَ عَشَرَ من الصَّحابةِ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ مَن لم يَسُقِ الهدْيَ بفسْخِ الحجِّ وجعْلِه عُمرةً ومِن جُملتِهم عائشةُ رضي الله عنها

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ولَمْ يُهْدِ، فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وأَهْدَى، فلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ». قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وأَمْتَشِطَ، وأُهِلَّ بِحَجٍّ، وأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ. قَالَتْ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا قَضَيْتُ حَجَّتِي، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنْ التَّنْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجُّ، وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا. رواه مسلم في الحج (2/870-871) باب: بيان وجوه الإحرام، ورواه البخاري في كتاب الحج (1560) باب: قول الله تعالى (الحج أشهر معلومات).
تُخْبِرُ عائشةُ -رضي الله عنها- فتقول: «خرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حجَّةِ الوداعِ» وهي الحَجَّةُ التي حَجَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان كالمُوَدِّعِ لهم في خُطَبِ الحَجِّ، ولمْ يَلْبَثْ كَثيرًا بعدَها، وكانتْ في السَّنةِ العاشِرةِ من الهِجرةِ. قولها: «فمِنَّا مَن أهَلَّ بالحجِّ»
أي: أحرَمَ ناويًا الحجَّ دونَ تحلُّلٍ بعُمرةٍ، «ومِنَّا مَن أهَلَّ بعُمرةٍ وأهْدى» أي: أحرَمَ ناويًا عُمرةً، وساقَ هَدْيَه ليذْبَحَه بعدَ إتمامِ عُمرتِه، ثمَّ يتحلَّلُ ويتمتَّعُ إلى الحجِّ، قالت عائشةُ -رضِيَ اللهُ عنها-: «فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أهَلَّ بعُمرةٍ ولم يُهْدِ، فليَحْلِلْ، ومَن أهَلَّ بعُمرةٍ فأهْدى، فلا يَحِلَّ» يعني: مَن أحرَمَ بالعُمرةِ ومعه الهدْيُ، فليُدْخِلِ الحجَّ في العُمرةِ، ليكونَ قارِنًا، «ومَن أهَلَّ بحَجَّةٍ، فلْيُتِمَّ حَجَّه». وقد ثبَتَ بروايةِ أربعةَ عَشَرَ من الصَّحابةِ: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ مَن لم يَسُقِ الهدْيَ بفسْخِ الحجِّ، وجعْلِه عُمرةً، ومِن جُملتِهم عائشةُ -رضي الله عنها-، فقد قالتْ في الحديثِ المُتَّفقِ عليه: «خرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا نَرى إلَّا الحجَّ، قالت: فلمَّا أنْ طاف بالبيتِ، وبين الصَّفا والمروةِ، قال: «مَن كان معه هَدْيٌ، فلْيُقِمْ على إحرامِه، ومَن لم يكنْ معه هَدْيٌ، فلْيَحْلِلْ». عُمرة عائشة -رضي الله عنها- كانت مِنَ التّنْعيم
قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: «وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وأَمْتَشِطَ، وأُهِلَّ بِحَجٍّ، وأَتْرُكَ الْعُمْرَة»َ، فهذه الرواية صريحة في أن عائشة -رضي الله عنها- كانت قارنة، وأن طوافها وسعيها مرة واحدة، كفى عن الحج والعمرة معًا، وكذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لها: «يَسَعك طوافك لحجّك وعمرتك»، وكل ذلك صريح في أنّ عُمرتها مِنَ التّنْعيم، لمْ تكنْ لأنّها لمْ تعتمر مع حجها، وإنما كانت إرْضاءً لمشاعرها؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يرضي هواها، ويستجيب لمطالبها، لدلالها وصغارها وحبه لها ولأبيها. وجاء في رواية جابر - رضي الله عنه -: «وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً سهلاً- أي كريم الخلق حسن العشرة- إذا هَويت الشيءَ، تابعها عليه، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلّت بعُمْرةٍ من التّنعيم». قوله: «هذه مكان عُمْرتك»
أما قوله: «هذه مكان عُمْرتك» فمعناه كما قال النووي: «أنّها أرادت أنْ يكونَ لها عُمْرة منفردة عن الحج، كما حَصل لسائر أمهات المؤمنين، وغيرهن مِنَ الصّحابة، الذين فَسَخُوا الحج إلى العُمرة، وأتمّوا العُمرة، وتحلّلوا منها قبل يوم التروية، ثمّ أحرموا بالحجّ من مكة يوم التّروية، فحصل لهم عمرة منفردة، وحجّة منفردة، وأما عائشة فإنّما حصل لها عمرة مُنْدرجة في حجّةٍ بالقِران، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النفر: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» أي: وقد تما وحسبا لك جميعاً، فأبت، وأرادت عُمْرة منفردة، كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة، قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هذه مكان عمرتك» أي: التي كنت تريدين حصولها منفردة، غير مندرجة، فمنعك الحيض من ذلك». فوائد الحديث


بيانُ بعضِ الأمورِ في هَدْيِه في تِلك الحَجَّةِ.
أنّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - علَّمَ أمّته أُمُورَ الحجِّ والعُمرةِ، وفَرائضَهما وسُننَهما وآدابَهما، وقال في حَجَّةِ الوداعِ: «خُذوا عَنِّي مَناسِكَكم».

باب: الاشْتراط في الحجّ والعُمْرة
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -رضي الله عنها- أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ، وإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ: «أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي». قَالَ: فَأَدْرَكَتْ، رواه مسلم في الحج (2/867) باب: جواز اشْتراط المحرم بعذر المرض ونحوه. تُخبِرُ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنه لَمَّا دَخلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ضُبَاعةَ بنتِ الزُّبَيْرِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ بنتِ عَمِّ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - و-رضي الله عنها-، وسألَها - صلى الله عليه وسلم - عَن سببِ عدَمِ حَجِّها، فقال لها: «لعلَّكِ أردْتِ الحجَّ؟» يعني: أردتِ الخُروجَ للحَجِّ معنا، فإنَّا نحِبُّ أن تتوجَّهي معنا للحَجِّ، فذكَرَت لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّها تجِدُ نَفْسَها مَريضةً. «حُجِّي واشْتَرِطي»
فقال لها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «حُجِّي واشْتَرِطي»، ثم بَيَّن لها - صلى الله عليه وسلم - ما تَقولُه في الاشتراطِ، فقال: «أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي». وفي رواية: «قُولي: اللَّهمَّ مَحلِّي حيثُ حبستَنِي» ومعناه: أنِّي حيثُ عجزْتُ عَنِ الإتيانِ بِالمناسكِ، وانْحبسْتُ عنها بسَببِ قوَّةِ المرضِ تحلَّلتُ، ومَكانُ تحلُّلي عَنِ الإحْرامِ مكانُ حَبَستَنِي فيه عَنِ النُّسكِ بعلَّةِ المرضِ. والاشتراطُ في الحجِّ هو: أنْ يَنويَ المُحرِمُ الحجَّ، ويقولَ: اللَّهمَّ مَحلِّي حيثُ حَبْستَنِي، أي: إنِّي أكونُ حَلالًا حيثُ مَنعَني مانعٌ مِن إتمامِ الحجِّ والمناسكِ، وفائدتُه: أنَّ المُحرِمَ قدْ يُخشَى أنْ يَمنعَه مانعٌ مِن إتمامِ الحجِّ، كالمرضِ أو العدو ونحوِه، فيُريدُ أنْ يتحلَّلَ مِنَ الحجِّ إذا حصَلَ له هذا المانعُ، دُونَ أنْ يَجِبَ عليه فِديةٌ أو قَضاءٌ. وكانت ضُباعَةُ زَوجةَ المقدادِ بنِ الأسودِ رضِي اللهُ عنهما، وهو المِقدادُ بنُ عَمرِو بنِ ثَعلَبةَ بنِ مالكٍ الكِنديُّ، صاحِبُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحَدُ السَّابِقينَ الأوَّلين، ويقالُ له: المِقدادُ بنُ الأسوَدِ، لأنَّه رُبِّي في حَجرِ الأسوَدِ بنِ عَبدِ يَغُوثَ الزُّهريِّ، فتَبَنَّاه. وقد شَهِد بَدرًا والمشاهِدَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكان يومَ بَدرٍ فارساً، وعاش نحوًا من سبعين سنة، مات في سنةِ ثلاثٍ وثلاثين، وصلَّى عليه عُثمانُ بنُ عَفَّان، وقَبْرُه بالبقيعِ. فوائد الحديث


أنَّ المُحْصَرَ يَحِلُّ حيثُ يُحبَسُ.
وفيه: أنَّ النَّسبَ لا يُعتبَرُ في الكَفاءةِ، وإلَّا لَمَا جازَ لِلمقدادِ - رضي الله عنه - أنْ يَتزَّوجَ ضُباعةَ -رضي الله عنها-، لأنَّها فوقَه في النَّسبِ، فهي بِنتُ أشرافِ القَومِ، وهو كان حليفًا مُتبَنًّى.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-11-2026, 05:52 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: مَنْ أحْرَمَ وعليه جُبّةٌ وأثَر الخَلُوق



القاضي إذا لمْ يتبيَّن له الحُكم فإنّه يُمْسك حتى يتبيَّن له كما أمْسَك النّبي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة حتى نزول الوحي عليه
السُّنةَ النّبويّة وَحيٌ مِنْ عند الله تعالى ينزلُ بها جبريل عليه السلام كما أنَّ القرآنَ وَحيٌ وقد تَرِدُ السّنّة بأحْكامٍ ليستْ في القرآنِ
يَحرم على المُحْرم استعمالُ الطّيب ولبس المَخيط الذي على قَدْر البَدن أو جُزء منه
عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ بِالْجِعْرَانَة ِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ، أَوْ قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْوَحْيُ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، قَالَ فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ- قَال: وأَحْسَبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبَكْرِ- قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ، أَوْ قَالَ: أَثَرَ الْخَلُوقِ، واخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، واصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ؛ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ». الحديث أخرجه مسلم في الحج (2/836) باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب. وأخرجه البخاري في (الحج) باب: غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، حديث (1536) تعليقًا، ويَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ - رضي الله عنه - هو ابن أبي عبيدة التميمي، حليف قريش، صحابي مشهور. قوله: «وَهُوَ بِالْجِعْرَانَة ِ»
قوله: «وَهُوَ بِالْجِعْرَانَة ِ» بكسر الجيم، قال النووي -رحمه الله-: «فيها لغتان مشهورتان: إحداهما إسْكان العين، وتخفيف الراء، والثانية كسر العين وتشديد الراء، والأولى أفصح، وبهما قال الشافعي وأكثر أهل اللغة. والجعرانة: موضع ماء بين الطائف ومكة المكرّمة، وهي إلى مكة أقرب، نزلها رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قسَم غنائم هوازن، مَرجعَه مِنْ غزاة حنين والطائف، وأحْرم منْها، وما زال الاسم معروفاً. قوله: «عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ أَوْ قَالَ أَثَرُ صُفْرَةٍ»
الجبّة: هي بضم الجيم وتشديد الباء مفتوحة، ثوب واسع الكمين، مفتوح من الأمام، يُلبس فوق الثياب. وأمّا الخَلُوق: بفتح الخاء، فهو نوعٌ مِنَ الطّيب يُركّب فيه زعفران، وقيل: أعظم أجزائه الزّعفران، والمراد بأثر الصُّفْرة: رائحة الزّعفران. وفي الرواية الأخرى: «متمضّخ بالخَلوق» أي: متلوِّث به، مُكثِر منه. فسَألَ الرجل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما حُكْمُ رَجُلٍ أحرَمَ بِعُمرةٍ، وهو مُتلَطِّخٌ بالطِّيبِ في ثَوبِه وبَدَنِه؟ فسَكَت النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن إجابتِه، ولمْ يُجِبْه فَوراً، فجاءَه الوَحيُ، وهنا أشارَ عُمَرُ - رضي الله عنه - بِيَدِه إلى يَعْلى - رضي الله عنه -؛ حتَّى يَرى كَيفيَّةَ نُزولِ الوَحيِ على رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-، فأدْخَلَ يَعْلَى - رضي الله عنه - رَأسَه داخِلَ الثَّوبِ، فإذا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- مُحمَرُّ الوجْهِ تَتردَّدُ أنفاسُه بِصَوتٍ مَسموعٍ. قوله: «فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ
قوله: «فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ - قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ كَغَطِيطِ الْبَكْرِ» الغطيط: هو كصوت النائم الذي يُردِّده مع نفَسِه، و»الْبَكْرِ» بفتح الباء هو الفتي مِنَ الإبل، وفي الرواية الأخرى «محمّر الوَجه» والاحْمرار لشدّة الوحي وثقله؛ كما قال -تعالى-: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (المزمل: 5). قوله: «فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ» بضم السين وكسر الراء المشدّدة؛ أي: أُزِيلَ ما به، وكشِف عنه. وقوله: «اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ»، في الرواية الأخرى: «أما الطّيبُ الذي بك، فاغْسله ثلاث مرات» وهذا مِنَ المُبالغة في الإزالة، ويحتمل لأنّ الطيب كان كثيرًا، فيحتاج إلى تكرارٍ في إزالته، ويؤيده رواية «مُتمَضّخ» وهذه الرواية تدلّ على أنّ الطّيب الذي معه؛ كان بجسَده أيضاً؛ لأنه قال: «وأما الطّيبُ الذي ببدنه». قوله: «وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّك»
أي: مِنْ اجْتناب المَحْظُورات؛ لأنّ ظاهر الحديث يدلُّ على أنّه يَعرفُ أعمال الحَجّ ومَحظُوراته؛ لكنّه يسألُ عن العُمرة، فأرشده النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أنّ حُكمهما واحد مِنْ حيثُ المَحظورات، قال ابن العربي -رحمه الله-: « كأنّهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثّياب، ويجتنبون الطّيب في الإحْرام إذا حجّوا، وكانوا يَتَساهلُون في ذلك في العُمْرة؛ فأخْبره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- أنَّ مَجْرَاهما واحد». من فوائد الحديث
1- الحديث دليل على أنه يَحرم على المُحْرم استعمالُ الطّيب، ولبس المَخيط الذي على قَدْر البَدن أو جُزء منه. 2- وأنَّ مَحظُوراتِ الحَجِّ والعُمرةِ واحِدةٌ. 3- والنَّهيُ عن التَّطيُّبِ عِندَ الإحْرامِ هو بالنِّسبةِ إلى الثِّيابِ بكُلِّ ما يَبقى أثرُه لَوناً أو رائِحةً، أما التَّطيُّبُ في الجَسدِ، فلا مانع منه، فقد ثبَتَ في الصَّحيحَينِ: أنَّ عائشةَ -رَضيَ اللهُ عنها- طَيَّبَت رَسولَ اللهِ -[- عندَ إحرامِه، أيْ قَبلَه. 4- وفيه: المُبالَغةُ في الإنْقاءِ في غَسل الطِّيبِ للمُحرِمِ. 5- والحديث دليلٌ على أنّ مَنْ فَعلَ مَحظُوراً مِنْ مَحْظُورات الإحْرام، ناسياً أو جاهلًا، فإنه يجبُ عليه إزالتُه في الحال، ولا كفَّارة عليه. 6- وفيه: أنَّ السُّنةَ النّبويّة وَحيٌ مِنْ عند الله، كما أنَّ القرآنَ وَحيٌ، ينزلُ بها جبريل عليه كما ينزل بالقرآن، وقد تَرِدُ السّنّة بأحْكامٍ ليستْ في القرآنِ كما هو هنا. 7-الحديث فيه بيان شدّة ما يَجدُه النبي - صلى الله عليه وسلم- مِنَ الوحي عند نُزُوله. 8- فيه ما كان عليه الصَّحابةُ الكرامُ -رَضيَ اللهُ عنهم- يُحِبُّون أنْ يَعلَموا أحْوالَ النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم. 9- وفيه دليل على أنّ القاضي والمُفْتي إذا لمْ يتبيَّن له الحُكم، فإنّه يُمْسك حتى يتبيَّن له، وهذا يُؤخذ منْ إمْسَاك النّبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإجابة حتى نزول الوحي عليه، وهكذا هو حال أهل العلم الرّبانيين، إذا لمْ يعلم أحدٌ منْهم الإجابة أمْسَك عن الجواب، أو قال: لا أعْلم، ولا يتكلّم بما لا يَعلم؛ حتى يراجع كُتُبه، أو يسألُ مَنْ هو أعلم منْه. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم}
معنى الاسمين ودلالتهما في حق الله تعالى
قال الإمام الشنقيطي -رحمه الله تعال في تفسير قوله تعالى-: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم}: «الحكم في الاصطلاح: هو من يضع الأمور في مواضعها ويوقعها في مواقعها، فالله -جل وعلا- حكم لا يضع أمرا إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه، ولا يأمر إلا بما فيه الخير، ولا ينهى إلا عما فيه الشر، ولا يعذب إلا من يستحق العذاب وهو -جل وعلا- ذو الحكمة البالغة له الحجة والحكمة البالغة، وأصل الحكم في لغة العرب: معناه: المنع؛ نقول: حكمه، وأحكمه إذا منعه، هذا هو أصل الحكم، والعليم: صيغة مبالغة؛ لأن علم الله -جل وعلا- محيط بكل شيء، يعلم خطرات القلوب، وخائنات العيون، وما تخفي الصدور، حتى إن من إحاطة علمه -سبحانه- علمه بالعدم الذي سبق في علمه ألا يوجد، فهو عالم أن لو وجد كيف يكون، وأن اسم (الحكيم العليم) فيه أكبر مدعاة للعباد أن يطيعوه، ويتبعوا تشریعه؛ لأن حكمته -سبحانه- تقتضي ألا يأمرهم إلا بما فيه الخير، ولا ينهاهم إلا عما فيه الشر، ولا يضع أمرا إلا في موضعه، وبإحاطة علمه يعلمون أن ليس هنالك غلط في ذلك الفعل، أو أن ينكشف عن غير المراد، بل هو في غاية الإحاطة والإحكام، وإذا كان من يأمرك بحكم لا يخفى عليه شيء حكيم في غاية الإحكام لا يأمرك إلا بما فيه الخير، ولا ينهاك إلا عما فيه الشر، فإنه يحق عليك أن تطيع وتمتثل»، فاسم الحكيم يقتضي الإيمان بأن الله -عزوجل- حكيم في أحكامه وقضائه وقدره؛ فكما أنه حكيم في شرعه ودينه، فهو حكيم في قضائه وقدره. لذلك فإن مَن عرف اللهَ بعلمه وحكمته، أثمر ذلك في قلبه الرِّضا بحكم الله وقدَرِه في شرعه وكونه، فلا يعترض على أمره ونهيه ولا على قضائه وقدَرِه، وإنما يَرضى المؤمن العارِف بأسماء الله وصِفاته بحكم الله وقضائه؛ لأنَّه يعلم أنَّ تدبير الله له خيرٌ من تدبيره لنفسه، وأنَّه -تعالى- أعلم بمصلحته من نفسه، ولذا تراه يَرضى ويسلّم، بل إنَّه يرى أنَّ هذه الأحكام القدَريَّة الكونية أو الشرعية إنما هي رحمة وحكمة، وحينئذ لا تراه يعترض على شيء منها، بل لسان حاله: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا.

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-12-2026, 05:24 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: ما يَجْتَنبُ المُحْرِمُ مِنَ الّلبَاس





يحرم على المُحْرمين من الرجال لبس القُمُص والعمائم والبرانس والسراويل ونحوها
من فوائد الحديث بيان يُسر الشريعةِ الإسلاميَّةِ ورفْعها للحَرجِ عنِ المُكلَّفينَ
يحرم على النساء والرجال المحرمين لبس الثّياب التي مسّها الورس أو الزّعفران

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، ولَا الْعَمَائِمَ، ولَا السَّرَاوِيلَاتِ، ولَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ؛ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، ولَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا؛ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ»، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ، والْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ». يَعْنِي: المُحْرِمَ. في الباب حديثان، رواهما مسلم في أول كتاب الحج (2/834-835) باب: ما يباح للمُحرم بحجٍّ أو عُمرة، وما يُباح وبيان تحريم الطيب عليه.
في الحديثِ الأول: يَذكُرُ عبداللهِ بنُ عمَرَ بنِ الخطَّابِ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ رجُلًا جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسأَلُه عمَّا يَلبَسُ مِن الثِّيابِ في حالةِ الإحرامِ بالحجِّ أو العُمرةِ، فأجابَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذِكرِ ما يَحرُمُ لُبْسُه؛ وذلك لأنَّ المَمنوعَ مُنحصِرٌ، فأمْكَنَ التَّصريحُ به، وأمَّا المُباحُ فأكثَرُ مِن أنْ يَنحصِرَ، ولذا عَدَلَ عن ذِكرِه لذِكرِ المَحظورِ، وكأنَّه أراد أنْ يقولَ: اجتَنِبْ هذه الأشياءَ والْبَسْ ما سِواها. ما يلبس المُحْرم؟
فالسؤال ورد بصيغة: ما يلبس المُحْرم؟ وورد جوابه من أفصح الخلق - صلى الله عليه وسلم -: لا يلبس القمص إلخ الحديث. قال الحافظ في الفتح: قال النووي: قال العلماء: هذا الجواب منْ بديع الكلام وجَزله، لأنّ ما لا يلبس مُنْحصر، فحصر التصريح به، وأمّا الملبُوس الجائز؛ فغير مُنْحصر، فقال: لا يلبس كذا، أي: ويلبس ما سواه. انتهى. ثم قال الحافظ: وقال البيضاوي: وفيه إشارة إلى أن حقّ السؤال أنْ يكون عمّا لا يلبس، لأنّه الحُكمُ العارض في الإحْرام المحتاج لبيانه؛ إذْ الجواز ثابتُ الأصل بالاستصحاب، فكان الأليق بالسؤال عمّا لا يلبس. وقال غيره: هذا يشبه أسْلوب الحَكيم، ويقربُ منه قوله -تعالى-: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} الآية، (البقرة: 215). فعَدلَ عن جِنس المُنْفق، وهو المَسؤول عنه إلى ذكر المنفق عليه؛ لأنّه أهم. انتهى.

المحظورات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم
فذَكَرَ - صلى الله عليه وسلم - المَحظُوراتِ فقال: «لا تَلْبَسُوا القمصَ» وهو الثَّوبُ المُفصَّلُ على الجسمِ ذُو الأكمامِ، ويُلبَسُ مِنْ أعْلى، فيَدخُلُ في الذِّراعينِ ويُغطِّي الجسَدَ والعَورةَ. «ولَا السَّرَاوِيلَاتِ» جمْعُ سِروالٍ، وهو لِباسٌ يُغطِّي ما بيْن السُّرَّةِ والرُّكبتينِ غالبًا، ويُحيطُ بكلٍّ مِن الرِّجلينِ على حِدَةٍ، ويُلبَسُ مِن الأسفلِ، فيَدخُلُ مِن القدَمَينِ ويُغطِّي العورةَ وأعْلاها قَليلًا. «ولَا العَمَائِمَ» جمْعُ عِمامةٍ، وهي ما يُلَفُّ على الرَّأسِ. «ولَا البَرَانِسَ» جمْعُ بُرْنُسٍ، وهو الثَّوبُ الشاملُ للرَّأسِ والبدَنِ، فهو كلُّ ثَوبٍ رَأْسُه منه مُلتصِقٌ به. قوله: «إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ؛ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» أي: ولا يَلبَسُ المُحرِمُ أيضاً الخُفَّين، وهو ما يُلبَسُ على القدَمِ ساتراً لها، ويُصنَعُ مِن الجِلدِ، بخِلافِ النَّعلِ، فهو غيرُ ساترٍ للقَدَمِ، فلا يُغطِّي ظَهْرَ القدَمِ تَماماً، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إلَّا أنْ يَكونَ أحَدٌ ليسَتْ له نَعْلانِ، فلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، ولْيَقْطَعْ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ» فإذا أراد لُبْسَ الخُفَّينِ -لفَقْدِه النَّعلينِ- فلْيَقطَعِ الخُفَّينِ حتى يَكونَا أنْزَلَ مِن الكَعْبَين؛ ليَقرَبا بذلك مِن مُشابَهةِ النَّعلينِ، والكَعْبانِ هما العَظْمانِ الناتئانِ عندَ مَفصِلِ الساقِ والقدَمِ، وهذه الأمورُ المذكورةُ مَحظورةٌ بالنِّسبةِ للرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. ما تشترك فيه المرأة مع الرجال
قال الحافظ في الفتح: أجْمعوا على أنّ المُراد به هنا الرجل، ولا يلتحق به المرأة في ذلك، قال ابن المنذر: أجْمعوا على أنّ للمَرأة لبس جميع ما ذُكر، وإنّما تشترك مع الرجال في مَنْع الثوب الذي مسّه الزّعْفران أو الورس اهـ، ثم قال الحافظ: وقال عياض: أجمعَ المسلمون على ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبّه بالقميص والسّراويل على كلّ مُحيط، وبالعَمائم والبَرانس على كلّ ما يُغطّى الرأس به مَخيطًا أو غيره، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل انتهى. هذا: ولو حَمَلَ شيئًا على رأسه لحاجته؛ لا لتغطيته فإنّه لا يضر، وكذلك لو انغمس في الماء، أو وضع يده على رأسه، فإنه لا يسمى لابسًا في شيء من ذلك وليس للمرأة ثياب مُعينة للإحْرام، بل تلبسُ ما شاءت مِنَ الّلباس، ما دام لا يصف ولا يشف، غير أنّه لا يجوز لها أنْ تنتقب، ولا أنْ تلبس القفازين. ثمَّ قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولَا تَلْبَسُوا شيئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ ولَا الوَرْسُ» والزَّعفرانُ: نَباتٌ طَيِّبُ الرائحةِ يُستعمَلُ طِيبًا في الزَّمنِ السابقِ، ويُصبَغُ به. والورْسُ: نَباتٌ أصفَرُ طَيِّبُ الرائحةِ يَحتوي على مادَّةٍ يُصبَغُ بها الثِّيابُ. وهذا النَّهيُ شاملٌ للرِّجالِ والنِّساءِ. النهي عن لبس النقاب والقفازين
ثمَّ قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، ولَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ» والنِّقَابُ: هو الخِمارُ الَّذي يُسْدَلُ على الوَجْهِ أو تَحتَ مَحاجِرِ العَينِ، فتَسْتُرَ به المرأةُ وَجْهَها، وتَفتَحَ لِعَيْنَيها بقَدْرِ ما تَنظُرُ منه. والقُفَّازُ: هو شَيءٌ تَلبَسُه النِّساءُ في أيديهِنَّ يُغطِّي الأصابعَ والكَفَّ والسَّاعدَ والمرادُ نَهْيُها عَن لُبْسِ النِّقابِ والقُفَّازِ، وأمَّا غيرُ النِّقابِ والقُفَّازِ مِمَّا يَسْتُرُ الوَجهَ واليدَينِ، مِن الخِمارِ ونَحوِه، فلِلمرأةِ أنْ تَستُرَ وجْهَها ويدَيْها به عِندَ حَضرةِ الرِّجالِ الأجانبِ أو مُحاذاتِهم؛ فقدْ رَوى الحاكمُ في مُستدرَكِه عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ -رَضيَ اللهُ عنها-: أنَّها كانتْ تُغطِّي وجْهَها في الإحرامِ، وقد جاء النَّصُّ بالنَّهيِ عن النِّقابِ والقُفَّازِ خاصَّةً، وليس عن تَغطيةِ الوجْهِ واليدَينِ. فوائد الحديث


بيَّنَ اللهُ -عزَّوجلَّ- في كتابه، ورَسولُه - صلى الله عليه وسلم - في حديثه، ما يَحِلُّ للمُحرِمِ فِعلُه، وما يَحرُمُ عليه، ونَقَلَ ذلك الصَّحابةُ الكرامُ -رَضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ- ذلك للأمة.
تحريم لبس القُمُص والعمائم والبرانس والسراويل ونحوها للمُحْرم من الرجال.
تحريم لبس الأحْذية التي تُغطّي موضع الوضوء مِن الرِّجل، على المحرم من الرجال.
تحريم لبس الثّياب التي مسّها الورس أو الزّعفران على المُحْرم من الرجال أو النساء.
تحريم التطيّب لمَنْ كان مُحْرماً.
إجابةُ السَّائِلِ بأكثرَ مِن سُؤالِه؛ إتمامًا للفائِدةِ.

الحديث الثاني
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ، والْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ». يَعْنِي: المُحْرِمَ، في هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبداللهِ بنُ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّه سَمِعَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - يَخطُبُ وذلك في عَرَفاتٍ في حَجَّةِ الوداعِ في العامِ العاشرِ مِن الهِجرةِ، يقول: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ» والإزارُ هو قِطعةُ القُماشِ تُشَدُ على الوَسطِ، يُستَرُ بها ما بيْن السُّرَّةِ والرُّكبةِ، والسَّراويلُ: هي لِباسٌ مَخيطٌ يُغطِّي ما بيْن السُّرَّةِ والرُّكبتينِ غالبا. قوله: «والْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ» وفي اللفظ الأخر: «مَن لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ» والنَّعْلُ: هي التي تُلبَسُ في الرِّجلِ عندَ المَشْيِ، وكلُّ ما وُقِيَت به القَدَمُ مِن الأرضِ، والغالِبُ فيهِ أنَّه لا يَستُرُ القَدَمَ، والخُفُّ: هو ما يُلبَسُ في الرِّجلِ مِن جِلدٍ رَقيقٍ، ويكونُ ساتِراً للكَعْبينِ فأكثَرَ، ويَلبَسُه المُحرِمُ بعْدَ أنْ يَقْطَعَ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ -وهما العَظْمانِ الناتئانِ عندَ مَفصِلِ الساقِ والقدَمِ- كما جاء في رِوايةِ ابنِ عمَرَ في الصَّحيحَينِ، فأباحَ - صلى الله عليه وسلم - لُبْسَ السَّراويلِ لمَن لمْ يَجِدْ إزارًا يَلبَسُه. أمَّا إنْ وَجَدَ الإزارَ أو النَّعلَ، فليس له لُبْسُهما.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-12-2026, 05:26 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في الصَّيدِ للمُحْرم





هناك أحكامٌ وآدابٌ يَجِبُ على المُحرِمِ الالتزامُ بها حتَّى تَتِمَّ عِبادتُه على الوجْهِ الأكمَلِ وَفْقَ مُرادِ اللهِ عزَّوجلَّ
في جواز قبول الهدية يُسْتحبّ لمن امتنع مِنَ قبول هديةٍ ونحوها لعُذر أن يعتذر بذلك إلى المُهْدي تطييبًا لقلبه

عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِمَاراً وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَال: فَلَمَّا أَنْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا فِي وَجْهِي؛ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» وعَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ، أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ قَالَ: أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، فَقَالَ: «إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ، إِنَّا حُرُمٌ»، الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/850) باب: تحْريم الصّيد للمُحْرم.
الصَّعب بن جثَّامة هو ابن قيس بن ربيعة اللّيثي، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان جثامة حليف قريش، تزوج أخت أبي سفيان بن حرب، واسمها فاختة، وقيل: زينب. فولدت له الصعب، وكان الصعب ينزلُ الأبواء وودّان مِنَ الحِجاز. قوله: «أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِمَاراً وَحْشِيًّا»، وفي رواية: «منْ لحم حمار وحش»، وفي رواية «عَجْز حِمار وحشٍ يَقْطر دما»، وفي رواية: «شِقّ حمار وحش»، وفي رواية: «عُضْواً مِنْ لَحْم صيد» هذه روايات مسلم، وترجم له البخاري: باب إذا أهْدِي للمُحرم حِماراً وحشيا حيّاً لمْ يقبل، ثم رواه بإسناده، وقال في روايته: «حماراً وَحْشيَّاً»، وحُكي هذا التأويل أيضًا عن مالك وغيره، قال النّووي: وهو تأويلٌ باطل، وهذه الطُّرق التي ذكرها مسلم؛ صَريحة في أنه مذبوح، وأنّه إنّما أهدى بعضَ لَحْم صَيدٍ لا كله. تَحريم الاصْطياد على المُحْرم
واتفقَ العُلماء على تَحريم الاصْطياد على المُحْرم، وقال الشافعي وآخرون: يَحْرُمُ عليك تملّك الصّيد بالبيع والهِبة ونحوهما، وفي مُلكه إيّاه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد: فإنْ صَاده أو صِيدَ له فهو حرام، سواء صيد له بإذنه أم بغير إذنه، فإنْ صَاده حلالٌ لنفسِه ولمْ يَقصد المُحرم، ثمّ أهدى منْ لَحمه للمُحْرم أو باعه لمْ يحرم عليه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وداود. (شرح النووي). قوله: «وهو: بالأبْواء أو بودّان» وهما مكانان بين مكة والمدينة، جَنوبَ غرْبِ المدينةِ، ويَبعُدانِ عنها نحْوُ (250 كيلومِترٍ تَقريبًا). قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا لمْ نرُدّه عليك إلا أنا حُرُم» أي: مُحْرمون، قال القاضي عياض: رواية المحدثين في هذا الحديث «لمْ نرُدّه» بفتح الدال. قال: وأنكره مُحققُو شيوخنا مِنْ أهل العربية، وقالوا: هذا غلط من الرواة، وصوابه: ضم الدال، قال: ووجدته بخط بعض الأشياخ بضم الدال، وهو الصّواب عندهم على مذهب سيبويه. قال أبو حنيفة: لا يَحْرُم عليه ما صِيدَ له؛ بغير إعانةٍ منه، وقالت طائفة: لا يحلّ له لَحمُ الصيد أصْلاً، سواءً صَاده، أو صَاده غيرُه له، أو لمْ يَقْصده، فيَحرُم مُطْلقًا، حكاه القاضي عياض عن عليّ وابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم-؛ لقوله تعالى: {وحُرّمَ عليكم صيد البَرّ ما دُمْتم حُرُما} (المائدة: ٦٩). قالوا: المُراد بالصيد: المَصِيد، ولظاهر حديث الصّعْب بن جثامة، فإنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - ردّه، وعلّل ردّه أنّه مُحْرم، ولمْ يقل: لأنّك صِدّته لنا. وكذا حديث زيد بن أرقم: «إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ، إِنَّا حُرُمٌ». احتجاج الشافعي وموافقوه
واحتج الشافعي وموافقوه: بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم بعد هذا، فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة - وهو حلال - قال للمُحْرمين: «هو حَلالٌ فكلوا». وفي الرّواية الأخرى قال: «فهل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلها». وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي: عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صيدُ البَرّ لكم حَلال، ما لمْ تَصِيدُوه، أو يُصَادُ لكم». قلت: وسنده حسن. قال أصْحابنا: يجبُ الجَمع بين هذه الأحاديث، وحديث جابر هذا صريحٌ في الفرق، وهو ظاهرٌ في الدّلالة للشافعي وموافقيه، وردٌ لما قاله أهل المذهبين الآخرين، ويُحمل حديث أبي قتادة على أنه لمْ يَقْصدهم باصْطياده، وحديث الصّعب أنّه قَصَدهم باصْطياده، وتُحْمل الآية الكريمة على الاصْطياد، وعلى لحمِ ما صِيدَ للمُحْرم؛ للأحاديث المَذْكورة المُبيّنة للمراد مِنَ الآية. وأما قولهم في حديث الصّعب: أنه - صلى الله عليه وسلم - عَلّلَ بأنه مُحْرم؛ فلا يمنع كونه صِيدَ له؛ لأنّه إنّما يَحْرُم الصيد على الإنسان؛ إذا صِيدَ له، بشَرط أنه مُحْرم، فبيّن الشّرط الذي يَحْرم به. قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنا لمْ نَردّه عليك إلا أنّا حُرُم»
فيه: جواز قبول الهدية للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف الصّدقة. وفيه: أنه يُسْتحبّ لمن امتنع مِنَ قبول هديةٍ ونحوها لعُذر؛ أن يعتذر بذلك إلى المُهْدي، تطييبًا لقلبه. وقد علَّل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - له ذلك بقولِه: «أنَّا حُرُمٌ» وهو مِن جميلِ خُلُقِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه لَمَّا رأى تَغيُّرَ وجْهِ الصَّعبِ بنِ جَثَّامةَ وحُزنَه مِن ردِّ هَديَّتِه، بيَّن له أنَّه لم يَرُدَّها لشَيءٍ؛ إلَّا لأنَّه مُحرِمٌ لا يَأكُلُ الصَّيدَ المذبوحَ مِن أجْلِه. ولا يُعارِضُ امتِناعُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن قَبولِ الحِمارِ الوَحشيِّ مِن الصَّعبِ بنِ جَثَّامةَ؛ قَبولَه للأكْلِ مِن الحِمارِ الوحشيِّ الَّذي اصطادَه أبو قَتادةَ - رضي الله عنه -؛ لأنَّ الفرْقَ بيْن الحالتينِ أنَّ أبا قتادةَ - رضي الله عنه - لمْ يَصطَدِ الحِمارَ مِن أجْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، بلِ اصطادَهُ مِن أجْلِ نفْسِه، ثمَّ أكَل معه أصحابُه وأكَلَ منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، بخِلافِ الصَّعبِ بنِ جثَّامةَ الَّذي اصطادَ الحِمارَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فلذلك رفَضَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَبولَه أو الأكْلَ منه؛ لأنَّ المُحرِمَ لا يَصطادُ حالَ إحرامِه، ولا يَأكُلُ مِن صَيدٍ اصطادَه مُحرِمٌ أو حَلالٌ له. فوائد الحديث
هناك أحكامٌ وآدابٌ يَجِبُ على المُحرِمِ الالتزامُ بها؛ حتَّى تَتِمَّ عِبادتُه على الوجْهِ الأكمَلِ، وَفْقَ مُرادِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ومِن هذه الأحكامِ: تَحريمُ صَيدِ البرِّ حالَ الإحْرامِ؛ قال -تعالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (المائدة: 95). استحباب تَوضيحُ عُذرِ مَن امتنَع مِن قَبولِ هَديَّةٍ ونحوِها للمُهدِي؛ تطْييبًا لقلبِه. وفيه: حُسْنُ خُلقِه - صلى الله عليه وسلم - وطِيبِ مُعامَلتِه لأصْحابِه. وفيه: مَشروعيَّةُ أكْلِ لُحومِ الحُمُرِ الوَحشيَّةِ، وأنّ المُحرّم هو الحمار الأهلي. وفيه: بَيانُ ما يَجوزُ أكْلُه للمُحرِمِ مِن الصَّيدِ، وهو الذي صادَه الحلالُ، دونَ أنْ يُساعِدَه المُحرِمُ عليه بشَيءٍ. حقيقة المنهج السلفي
المتأمل في تاريخ الدعوة الإسلامية يرى أن منهج الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين قام على تعظيم نصوص الوحيين القرآن والسنة، وكمال التسليم لهما، أما المخالفون لمنهجهم وطريقهم من أهل البدع والأهواء، فقد زلَّت أقدامهم، وضلت عقولهم في ذلك، فحرَّفوا، وغيَّروا، وبدَّلوا، وأوَّلوا، ووقعوا في الفتنة والزَّيغ والضلال، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وإن الحق والهدى والنجاة في متابعة ما كان عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنهم كانوا على الهدى المستقيم؛ ولهذا جعلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الميزان الحق حين وقوع الفتن والافتراق في أُمته؛ وهذا المنهج ليس منهجًا قاصرًا عن مواكبة أحداث الحياة والعصر، وليس منهجًا ناقصًا يعتريه الخلل والخطأ، إنما هو منهج حياة شامل وكامل صلح به المسلمون الأوائل، ومكنوا به، وشموليته تعني دخول جميع مجالات الحياة البشرية في منهجه، من حياة الإنسان الخاصة، وإلى حياة الأمم والعالم، فمن شموليته دخول العقيدة والعبادة والأخلاق في منهجه، ودخول شؤون المعاملات والتجارات والاقتصاد والسياسة، ومجالات العلم والبحث والفكر والتربية، وشؤون الحكم والسلطان، والحرب والسلم وأحكام الأسرة المسلمة، وغير ذلك مما يتعلق بجميع شؤون الإنسان في الحياة كما قال -تعالى-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} (المائدة:3)، وقال -تعالى-: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:162).


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-13-2026, 10:22 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: ما يقتل المُحْرِم مِنَ الدّواب





شَرَعَ الإسلامُ ما يَحفَظُ على المَرءِ حَياتَه وأمْوالَه من التَّلَفِ ومن ذلك أنَّه أجاز قتْلَ بعضِ الحَيواناتِ والطُّيورِ لِما تُسبِّبُه من أذًى وضَرَرٍ على النَّاسِ
في الحديث دلالة على كمال التشريع الإسلامي حيث طلب القضاء على ذوي الفَساد والإفساد

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالْحَرَمِ: الحَيَّةُ، وَالغُرَابُ الْأَبْقَعُ، والْفَأْرَةُ، والْكَلْبُ الْعَقُورُ، والْحُدَيَّا»، وعَنْ ابن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما-: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، والْغُرَابُ، والْحِدَأَةُ، والْكَلْبُ الْعَقُورُ». وقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: «فِي الْحُرُمِ والْإِحْرَامِ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/856) باب: ما يندي للمُحرم وغيره قتله من الدواب في الحلّ والحرم.
في هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «خَمسٌ فَواسِقُ» وسُمِّيَتْ فَواسِقَ لخُبْثِهِنَّ، وقيل: لخُروجِهِنَّ من الحُرمةِ في الحِلِّ والحَرَمِ، بمعنى: لا حُرْمةَ لها بحالٍ. وقيل: أرادَ بتَفْسيقِها تَحريمَ أَكْلِها، أو هي فَواسِقُ لخُروجِها على النَّاسِ، واعتِراضِها بالمَضَارِّ عليهم، وقيلَ: إنَّ تَسْميتَها فَواسِقَ، لخُروجِها عمَّا عليه سائرُ الحَيَوانِ، بما فيها مِن الضَّررِ الذي لا يُمكِنُ الاحترازُ منه. تسمية صحيحة جارية
قال الحافظ: قال النووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق، تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإنّ أصْل الفسق لغة: الخُرُوج، ومنه، فسقت الرطبة: إذا خرَجت عن قشرها، وقوله -تعالى-: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (الكهف: 50)، أي: خَرج، وسُمِّي الرجل فاسقًا لخُرُوجه عن طاعة ربّه، فهو خُروج مخْصُوص. قوله: «يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»
أي: يُقتَلْنَ أينَما وُجدن، حتى وإنْ كنَّ في الحَرَمِ، لأنَّ الأصْلَ هو النَّهيُ عن قَتلِ حَيَواناتِ الحَرَمِ أو صَيدِهِنَّ. والحَرَمُ: حَرَمُ مكة، وسُمِيَ بذلك لاحترامه وتعظيمه، وهو ما كان داخل الأميال التي تبعد عن الكعبة بنسب مختلفة: أطولها: 14 ميلاً من جهة بطن عرنة، وأقصرها: 3 أميال منْ جهة التّنعيم، والحِل: ما كان خارج حُدود الحَرم. قال الحافظ: «وعرف بذلك أنْ لا إثم في قتلها على المُحْرم، ولا في الحرم، ويؤخذ من جواز ذلك للحلال وفي الحل من باب الأولى، وقد وقع ذكر الحل صريحًا عند مسلم: من طريق معمر عن الزهري عن عروة بلفظ: «يقتلن في الحل والحرم»، ويعرف حكم الحلال بكونه لمْ يقم به مانع، فهو بالجواز أولى». قوله: «الحَيَّةُ»
وهي الثُّعبانُ، «والفَأرةُ» وذلك لخُروجِها من جُحْرِها على النَّاسِ، وإفْسادِها لمَعايَشِهم، وأمْوالِهم، وزُروعِهم، وغيرِ ذلك. «والغُرابُ الأبقَعُ»
وهو الذي فيه سَوادٌ وبَياضٌ؛ وذلك لأنَّ هذا الغُرابَ يتَّعدّى على النَّاسِ ويُؤذيهم، ويسرق طعامهم، أمَّا الغُرابُ الأسوَدُ فلا يُهاجِمُ فلا يَقتُلُ، قال الحافظ: «قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتَحريم الأكل، وقد اتفق العلماء على إخْراج الغراب الصّغير الذي يأكل الحَبّ، ويقال له: غراب الزّرع، ويقال له: الزّاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان مُلْتحقٌ بالأبقع». قوله: «والكَلبُ العَقورُ»
أي: المُتّصف بالعَقر، وهو الذي يجرح بنابه أو ظفره، وهو الذي يَهجُمُ على النَّاسِ، وعلى الحَيَواناتِ ويعقرها، أي: يقتلها. «والحِدَأةُ» وهو طائر من الجوارح، يعيش على أكل الجيف وصغار الطيور، ويَخطَفُ صِغارَ الحيوانات وما يُشبِهُها، «والكلب العقور» قال مالك في الموطأ: كل ما عَقَر الناس، وعدا عليهم وأخافهم، مثل: الأسد والنمر والفهد والذئب، هو العقور. قال الحافظ: «وهو قول الجمهور، وقال بعض العلماء: أنواع الأذى مختلفة، وكأنه نبَّه بالعَقرب على ما يُشاركها في الأذى باللّسع، ونحوه من ذوات السموم، كالحيّة والزّنْبور، وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقَرض، كابن عرس، وبالغراب والحدأة، على ما يشاركها في الأذى بالاختطاف كالصقر، وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذَى بالعدوان والعقر كالأسد والفهد». «فتح الباري» (4/ 40). التَّنبيه على ما يضُرُّ بالأموالِ
وقيلَ: قد ذكَرَ الحِدَأةَ والغُرابَ للتَّنبيهِ على ما يضُرُّ بالأموالِ مُجاهَرةً، وعلى ما أذاهُ بالاختِطافِ كالصَّقْرِ والبازِ، وذكَرَ الفأْرةَ للتَّنبيهِ على ما يضُرُّ بالأموالِ اختِفاءً، ونبَّهَ بالكَلبِ العَقورِ على كُلِّ عَادٍ بالعَقرِ والافتِراسِ بطَبْعِه، كالأسَدِ والفَهْدِ والنَّمِرِ، ونَبَّهَ بالحَيَّةِ والعَقْرَبِ على ما يُشارِكُهما في الأَذى باللَّسْعِ، وأيضاً: «الوزغ»: فعن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ رسُول الله - قوله: «يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»- قال: «الوَزَع فُويْسق»، ولمْ أسْمَعه أمَر بقتله، رواه البخاري. قال الحافظ: «وقضية تَسْميته إيّاه فويسقًا، أنْ يكونَ قتله مباحًا، وكونها لمْ تَسمعه لا يدلّ على منع ذلك، فقد سَمَعه غيرها، انتهى، ونقل ابن عبدالبر: الاتفاق على جواز قتله في الحِلّ والحَرم، وروى ابن أبي شيبة: أنّ عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحَرم، فقال: إذا آذاك فلا بأس بقتله، والله أعلم». (4/40). وقال في الاختيارات: «والقَمل والبعوض والقَرَد إن قرصه قتَله عقاباً، وإلا فلا يقتله، ولا يجوز قتل النّحل وهو يأخذ عسله، وإنْ لم يندفع ضرره إلا بقتله جاز». «الاختيارات الفقهية» (1/466). من فوائد الحديث


شَرَعَ الإسلامُ ما يَحفَظُ على المَرءِ حَياتَه وأمْوالَه من التَّلَفِ، ومن ذلك أنَّه أجاز قتْلَ بعضِ الحَيواناتِ والطُّيورِ، لِما تُسبِّبُه من أذًى وضَرَرٍ على النَّاسِ.
وفيه: مُحاربة الإسْلام للأذى والعدوان، حتّى في البهائم.
كمال التشريع الإسلامي؛ حيث طلب القضاء على ذوي الفَساد والإفساد.
ومنها: مشروعية قتل هذه الدَّوَابّ الخمسِ في الحِلِّ والحرم، للمُحل والمُحرم.
جواز قتل كل ما شابهها في طَبْعها من الأذية والضّرر، وقيل: بجواز قتلها ولو كانت صغيرة، اعتباراً بمآلها.

السنة وحي كالقرآن
إن من أصول الدين طاعةَ رسول رب العالمين، والأخذَ بسُنَّتِهِ، وترك ما نهى عنه، وتصديق خبره، والإيمان بما جاء به، وألَّا نعبد الله إلا بما شرعه رسول الله - قوله: «يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»-، وهذا هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، كما أن معنى شهادة لا إله إلا الله هو الإخلاص لله -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59)، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (النساء: 80). فاتباع السنة وطاعة الرسول - قوله: «يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»- هي الهداية والنجاة والسعادة، وهي الصراط المستقيم. قال الإمام مالك -رحمه الله-: «السُّنَّة سفينة نوح، من ركِبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرِق». {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: 24). التحذير الشديد والوعيد
وقد جاء التحذير الشديد والوعيد الأكيد على ترك السنن، ومخالفة هَدْيِ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ قال الله -تعالى-: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: 63)، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153)، وقد قال رسول الله -[-: «من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله». السُّنَّة المأثورة الصحيحة
ثم اعلم أن السُّنَّة المأثورة الصحيحة عن النبي - قوله: «يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»- هي وحي، كما أن القرآن وحي: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 4)؛ أي: القرآن، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44)، {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44): أي: بالسُّنَّة، فالسُّنَّة تُبيِّن القرآن وتوضِّحه، وتُفصِّل أحكامه؛ وقد قال النبي - قوله: «يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»-: «ألَا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه -أي السنة- ألَا يُوشِك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه»(2). السنة لا تعارض بشيء
وهذه السُّنَّة المطهَّرة لا تُعارَض بشيء، لا تُعارَض بالآراء، ولا بأقوال الرجال، ولا تُعارَض بالأهواء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الحجرات:1)، قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «من ردَّ حديث النبي - قوله: «يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»-، فهو على شفا هَلَكَة».


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-14-2026, 08:24 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الحِجَامةُ للمُحْرِم






الحِجامةُ وَسيلةٌ مِن الوَسائلِ الطِّبِّيةِ الَّتي تُستعمَلُ في استخراجِ الدَّمِ الفاسدِ مِن الجسمِ للتَّداوي وتعدّ الحجامة من الطب النبويّ
في الحديث جواز الحجامة للمحرم ولا فدية عليه وأنّ خُروج الدم من المحرم لا يضر إحرامه ولا شيء عليه
يشرع العِلاجِ للمُحرِمِ مِن كلِّ ما يعرَض له مِن عِلَّةٍ في جَسَدِه بما يُرْجى دفْعُ مَكروهِها عنه مِن الأدويةِ المُباحةِ

عَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ -رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وهُوَ مُحْرِمٌ وَسَطَ رَأْسِهِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/863) باب: جواز الحجامة للمُحرم، ورواه أيضا عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، ورواه البخاري بلفظ: «احْتَجَمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرِمٌ بلَحْيِ جَمَلٍ، في وسَطِ رَأْسِهِ».في هذا الحديثِ يُخبِرُ الصحابي عبداللهِ ابنُ بُحَينةَ - رضي الله عنه - وهو ابن مالك وبحينة هي أمّه. أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - قد احتَجَم وهو مُحْرم، أي: وهو مُتلبِّسٌ بالإحرامِ للحجِّ أو العُمرةِ، وكانت الحِجامةُ في وسَطِ رَأسِه -صلى الله عليه وسلم .
وَسيلةٌ مِن الوَسائلِ الطِّبِّيةِ
والحِجامةُ وَسيلةٌ مِن الوَسائلِ الطِّبِّيةِ الَّتي تُستعمَلُ في استخراجِ الدَّمِ الفاسدِ مِن الجسمِ للتَّداوي، وتعدّ الحجامة من الطب النبويّ، وتُستخدم لعلاج العديد من الأمراض والمشكلات الصحيّة، وذلك من خلال جذب كميّة من الدم باستخدام كاسات الهواء من المكان المصاب إلى الجلد، ثمّ يتم إخراج هذا الدم الفاسد إلى خارج الجسم، وبالتالي ينقطع عن الدورة الدمويّة فيخفّف بذلك من الألم والالتهاب الحاصل في المكان. الحِجَامة وسط الرّأس
والحِجَامة وسط الرّأس: تعالج الصداع الكُلي في الرأس، وتتخلص من الشقيقة، وتقلل من الحساسيّة والتهابات الجيوب الأنفيّة، وتعالج أمراض العيون والتهاباتها، والتهابات الأذن الوسطى والداخليّة، وتحمي من اضطرابات المتعلقة بجهاز الدوران، وتنشط الذاكرة وتزيد من التركيز والنشاط، وتخلّص من الأمراض العقليّة والعصبيّة، وتعطي الهدوء والراحة للأعصاب، وتعالج مشكلات الأسنان، وتتخلص من التهابات العصب، وتحمي من ارتفاعات ضغط الدم، والشلل النصفي، والنزيف المهبلي، وتخلص من الضغوطات النفسيّة والتعب، والأرق، والإجهاد، وتحسن تدفق الدم عبر الدماغ، ومن ثم تزيد من التركيز والنشاط، وقد بيّن كثيرٌ من العلماء فضل الحِجامة وأماكنها، كالإمام ابن القيم في (زاد المعاد)، ولنا كتاب في الحجامة مطبوع. قولُه: «بلَحْيِ جَمَلٍ»
هو مكانٌ على طَريقِ مكَّةَ، يَبعُدُ عن المدينةِ قُرابةَ سَبعةِ أميالٍ، أي: (12 كم) تقريبًا، وروى البخاري: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنَّ النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ، واحْتَجَمَ وهو صَائِمٌ»، فيُخبِرُ عبداللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم - احتجَمَ وهو مُحْرِمٌ، واحتجَمَ أيضًا وهو صائمٌ. وظاهِرُ الحديثِ: أنَّه -صلى الله عليه وسلم - وقَعَ منه الأمرانِ المذكورانِ مُفترِقَينِ، وفي رِوايةِ البخاريِّ: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - احتَجَمَ وهو مُحرِمٌ في رَأسِه مِن شَقيقةٍ كانتْ به. والشقيقة نَوعٌ مِن صُداعٍ يَعرِضُ في مُقدَّمِ الرأسِ وإلى أحدِ جانبَيهِ، وكان احتجامُه -صلى الله عليه وسلم - وهو مُحرِمٌ. وورد الحثّ على الحجامة في أيام من الشهر أحاديث، منها: ما أخرجه أبو داود: من حديث أبي هريرة رفعه: «مَنْ احْتَجم لسَبْع عشرة، وتِسْع عشرة، وإحْدَى وعشرين، كان شفاءً مِنْ كلّ داء». فوائد الحديث


جواز الحجامة للمحرم ولا فدية عليه، وأنّ خُروج الدم من المحرم لا يضر إحرامه ولا شيء عليه، ومثله جواز إجْراء الجراحة للمُحرّم ولا شيء عليه، ومَشروعيَّةُ العِلاجِ للمُحرِمِ مِن كلِّ ما يعرَض له مِن عِلَّةٍ في جَسَدِه، بما يُرْجى دفْعُ مَكروهِها عنه مِن الأدويةِ المُباحةِ.
وكذا جواز قلع الضرس ونحوه للمحرم، ولا شيء عليه.
وفيه: جواز التدواي للمحرم بما لا طيب فيه، ولا شيء عليه.
أنّ اللهُ -عزَّ وجلَّ- قد بيَّنَ وكذا رَسولُه - صلى الله عليه وسلم - ما يَحِلُّ للمُحرِمِ فِعلُه، وما يَحرُمُ عليه، ونَقَلَ ذلك الصَّحابةُ الكرامُ -رضي الله عنهم- أجمعينَ.

باب: مُدَاواةُ المُحْرِم عَيْنيه
عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ، اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ - رضي الله عنه - حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ. الحديث أخرجه مسلم في الحج (2/863) باب: جواز مُداوة المُحرّم عينيه.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ نُبَيْهُ بنُ وَهْبٍ أنَّهم خَرَجوا مُحْرِمينَ بالحجِّ ومَعَهم أَبانُ بنُ عُثمانَ بنِ عفَّانَ - رضي الله عنه -، وكان أميرًا على الحجَّاجِ، فلمَّا وَصَلوا إلى مِنطقةِ مَللٍ، وهي إلى الغربِ مباشرةً من حَوضِ وادي العَقيقِ غربَ المدينةِ، وتَبعُدُ عنها قُرابةَ 50 كم في هذه المِنطَقةِ بدأَ عُمرُ بنُ عُبيدِ اللهِ في الشِّكايةِ مِن وَجعِ عَينَيْه. ثُمَّ لَمَّا وَصَلوا إلى مِنطَقةِ الرَّوْحاءِ، زادَ وجَعُ عَينَيْه ممَّا يَقتَضي المُداواةَ، والرَّوحاءُ: موضِعٌ بينَ الحرَمَينِ، على بُعدِ 80 كيلومتراً منَ المدينةِ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَسألُه عن حُكمِ التَّداوي في العَينِ للمُحرِمِ، فأرسَلَ إليه أَبانُ بنُ عُثمانَ بالإِجابةِ، وهي: أنَّ أباه عُثمانَ بنَ عفَّانَ - رضي الله عنه - رَوى عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ المُحرِمَ إذا اشْتَكى عَينَيْه ضَمَّدَهما، أي: شَدَّهما بالعِصابةِ معَ تَقْطيرِ الصَّبِرِ في العَينَينِ، والصَّبِرُ: عُصارةٌ جامدةٌ لشَجرٍ مُرٍّ، والمَقصودُ أنْ يَخلِطَ الصَّبِرَ بالماءِ، فيَقطُرَه في عَينَيْه، أو يَكتحِلَ بهِ، أو يَضعَه عَلى عَينيْه، والصَّبِرُ ليس بطِيبٍ، فلا يُمنَعُ منه المُحرِمُ. فوائد الحديث


في الحديث جواز تَضميدُ العَينِ وغَيرِها بالصَّبِرِ ونحوِه للمُحْرِمِ، وقد اتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها بالصّبر ونحوه ممّا ليس بطيب، ولا فدية في ذلك، فإنّ احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله وعليه الفدية، واتفق العلماء على أنّ للمُحرم أنْ يكتحل بكحلٍ لا طيب فيه، إذا احتاج إليه ولا فدية عليه فيه، وأما الاكتحال للزّينة فمكروه عند الشافعي وآخرين، ومنعه جماعة منهم أحمد وإسحاق، وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين، وفي إيجاب الفدية عندهم بذلك خلاف.
الحَجُّ رُكنٌ مِن أَركانِ الإِسْلامِ، وهوَ عِبادةٌ لِمَنِ استَطاعَ إليها سَبيلًا، وقد حُظِرَ على المحرِمِ بعضُ المباحاتِ الَّتي كانتْ حَلالًا له قبلَ الإحْرامِ، وفي الحجِّ مَشقَّةٌ تَقتَضي التَّيسيرَ، ومِنَ التَّيسيرِ أنْ يُباحَ له المُداواةُ بالمُباحاتِ.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-14-2026, 08:27 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: غَسْلُ المُحْرم رأسَه


الحديثُ واضح الدّلالة على جواز اغْتسال المُحرم وغَسله رأسه وإمْرار يده على شَعره ودَلْكه باليد منْ غير أنْ يتعمّد أنْ ينتف شعرًا
الصّحابة كانوا يناظرون بعضهم بعضًا في الأحْكام وأنهم رضي الله عنهم يَختلِفونَ أحْيانًا في بَعضِ المَسائلِ لكنَّهمْ كانوا يَتعامَلونَ بآدابِ الخِلافِ التي علَّمَهم إيَّاها النبيُّ صلى الله عليه وسلم
عَنْ عبداللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ: عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عبداللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وقَالَ المِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عبداللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عبداللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ - رضي الله عنه - يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَلُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/864) باب: جواز غَسل المُحْرم بدنه ورَأسه. وأخرجه البخاري في جزاء الصيد (1840) باب: الاغتسال للمحرم، وعبدالله بن حُنين الهاشمي مولاهم، تابعي ثقة، قال الحافظ ابن حجر: المشهور أنّ حنينًا كان مولى للعباس، وهبه له النبي - صلى الله عليه وسلم - فأولاده موال له.
يحكي عبداللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ مناظرة علمية جرت بين اثنين منْ صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد اخْتلفا بالأبْواء، أي: وهما في المكان المعروف بالأبواء، وهي مَنطقةٌ بيْن مكَّةَ والمدينةِ، تَقَعُ جَنوبَ غرْبِ المدينةِ، وتَبعُدُ عنها نحْوَ (250 كم) تَقريبًا، وبها قبْرُ أمِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أي: وهما نازلان فيه للاسْتراحة، حول حُكم اغْتسال المُحْرم، وغَسل رأسه، ودلك أصُول شَعْره، فعبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- يقول: هذا جائز، ولعلّه كان على علمٍ بذلك عن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طريق أبي أيوب الأنصاري، وكان يقول في مجالسه: أميِطوا عنكم الأذى، فإنّ الله لا يصنع بأذاكم شيئا. والمسْور بن مخرمة - رضي الله عنه - يقول: هذا غير جائز، فقد حرم على المحرم قلع شعره، والغُسْل ودَلْك الرأس، يُعرّض شعره للسقوط، فيقع في المُحرّم، وكأنه يقول ذلك اجتهادًا ورأيًا، وكانا في فَوجٍ من أفواج حجّ بيت الله، وهم مُحْرمُون، ويتوقف على الفتوى اغتسال كثير من الحجاج، فأرسل ابن عباس مولاه عبدالله بن حنين إلى أبي أيوب يسأله: هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغتسل وهو مُحْرم؟ فلما وصلَ ابنُ حنين إلى أبي أيوب وجده على رأس بئر يغتسل، قال: «يغتسل بين القرنين» أي: بين قرني البئر، تثنية قَرْن، وهما الخَشبتان، أي العَمُودان اللذان يُنْصبان على رأس البئر، وتمدّ بينهما خشبة يعلق عليها البكرة، التي يجرّ عليها الحبل المُسْتقي به. أي: قد وقفَ بين قائمي البئر، وسَتَر نفسه عن الناس بثوب، فسلّم عليه، وقال له: أَنَا عبداللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عبداللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وهُوَ مُحْرِمٌ؟ السؤال عن أصل الخلاف
وكان الأصلُ أنْ يَسأل عن أصْل الخِلاف: وهو هل يغسلُ المُحْرمُ رأسه أو لا يَغْسل؟ لكنّه لما جاء فوجده يغتسل، أخذ الجواب، وأحبّ أنْ لا يرجع إلا بفائدة، فتصرّف في السّؤال بفِطْنته، فسأله عن كيفية الغسل، وخصّ الرأس بالسّؤال؛ لأنّها موضع الإشْكال في هذه المَسألة، لأنّها محلّ الشعر الذي يخشى سُقُوطه في أثناء الغُسل، بخلاف بقية البدن غالباً. فقال له: أسألك كيفَ كان رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَغسلُ رأسه؟ قال: «فوضَعَ أبو أيوب يدَه على الثّوب فطَأطأه» أي: أمْسكَ بالثوب المُسْتتر به، وأزاله مِنْ أعلاه حتّى يكشف عن رأسه ووجْهه، وقال لمَنْ يَصبّ عليه: اصبُبْ على رأسي، وأخَذَ يدلك شَعره بيديه، ومُساعده يصبّ عليه. وفي رواية: «جمع ثيابه إلى صَدره حتى نظرت إليه». وفي رواية: «حتى رأيتُ رأسَه ووجهه». ثم قال: «هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل وهو مُحْرم»، ورجع ابن حنين إلى مَن أرسله بالسؤال، فتقبل المِسْور الخبر راضياً مُسلّماً، وقال لابن عباس: «لا أماريك أبدًا» أي لا أجادلك، وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان يقال: أمرى فلان فلانًا إذا استخرج ما عنده، وأطلق ذلك في المجادلة لأن كلاً مِنَ المُتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحُجّة. أي: لك الفضل ولك السبق في العلم، ومخالفك لا يغلبك، وأعاهدك ألا أجادلك بعد اليوم أبداً. رضي الله عن الصحابة أجمعين. فوائد الحديث
الحديثُ واضح الدّلالة على جواز اغْتسال المُحرم، وغَسله رأسه، وإمْرار يده على شَعره، ودَلْكه باليد، منْ غير أنْ يتعمّد أنْ ينتف شعرًا، واستدل به القرطبي على وجُوب الدّلك في الغسل.
قال: لأنّ الغُسل لو كان يتم دونه، لكان المُحْرم أحَقّ بأنْ يجوز له تركه، قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه. اهـ (الفتح 4/57)، أي غاية ما فيه: أنّ أبا أيوب دلك، وأنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدلك، وقد يكون من باب الاستحباب، فمن أين يُؤخذ الوجوب؟ قال النووي: واتفق العُلماء على جواز غَسل المُحْرم رأسه وجَسَده مِنَ الجنابة، بل هو واجبٌ عليه، وأمّا غسله تبرّداً، فمذهبنا ومذهب الجُمهور: جَوازه بلا كراهة. ويجوز عندنا: غسلُ رأسه بالسّدر والخطمي؛ بحيثُ لا ينتف شعراً، ولا فدية عليه ما لم ينتف شعراً، وقال أبو حنيفة ومالك: هو حرامٌ موجب للفدية. واستُدلّ به على أنّ تخليل اللّحية في الوضوء، باقٍ على اسْتحبابه، خلافًا لمن قال: يكره، كالمتولي من الشافعية، خشية انتتاف الشعر؛ لأنّ في الحديث: «ثم حَرّك رأسَه بيديه» ولا فَرْقَ بين شَعر الرأس وشَعر اللحية، إلا أنْ يقال: إنّ شَعر الرأس أصْلب، قال الحافظ: والتحقيق أنه خلاف الأولى، في حق بعض دون بعض.
وفيه: مناظرة الصّحابة بعضهم بعضًا في الأحْكام، وأنهم -رضي الله عنهم- يَختلِفونَ أحْيانًا في بَعضِ المَسائلِ، لكنَّهمْ كانوا يَتعامَلونَ بآدابِ الخِلافِ التي علَّمَهم إيَّاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم .
ورجُوعهم إلى النُّصوص عند الاخْتلاف، وترك الاجْتهاد والقِياس عند وجُود النص.
وقبولهم خبر الواحد، ولو كان تابعيًا، وأنّ قَبوله كان مَعلومًا مشْهورًا عند الصّحابة.
وأنّ قولَ بعضهم ليس بحجّة على بعض، إلَّا بدَليلٍ يَجِبُ التَّسليمُ له، مِن كِتابٍ أو سُنَّةٍ، قال ابنُ عبدالبر: لو كان معنى الاقتداء في قوله - صلى الله عليه وسلم - «أصْحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهْتَديتم» يُراد به الفَتوى، لمّا احتاج ابن عباس إلى إقامة البيّنة على دعواه، بل كان يقول للمسور: أنا نجمٌ وأنت نجم، فبأيّنا اقتدَى مَن بَعدنا كفاه، ولكن معناه- كما قال المزني وغيره منْ أهل النظر- أنه في النّقل؛ لأنّ جميعهم عُدَول. انتهى. (الفتح 4/57) وقلت: والحديث فيه ضعف.
وفيه الاعْتراف للفاضِل بفَضله.
وإنْصاف الصّحابة بعضهم بعضاً.
واسْتتار المُغتسل عند الغُسل.

وجواز الاسْتعانة بالغير في الطّهارة.
وجواز الكلام والسّلام حالة الطّهارة.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-16-2026, 08:49 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في الفِدْية على المُحْرم





يسَّرَ الشَّرعُ الحنيفُ على النَّاسِ فيما يشُقُّ عليهم منْ الأحكامِ وبَيَّن لهم البدائِلَ الشَّرعيَّةَ لِمن لم يستَطِعْ فِعلَ ما أمَرَ اللهُ به
المُحرِم إذا مات فإنَّه يَبقى في حَقِّه حُكمُ الإحْرامِ فلا يُحَنَّطُ بطيب ولا يُغَطَّى رَأْسُه ولا يُكَفَّنُ في ثَلاثةِ أثْوابٍ كغَيرِه

عَنْ عبداللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبٍ - رضي الله عنه - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (البقرة: 196). فَقَالَ كَعْبٌ -]-: نَزَلَتْ فِيَّ، كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأْسِي، فَحُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - والْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟» فَقُلْتُ: لَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (البقرة: 196). قَالَ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، نِصْفَ صَاعٍ طَعَاماً، لِكُلِّ مِسْكِينٍ. قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً. الحديث رواه مسلم في الحج (2/861) باب: جواز حلق الرأس للمُحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها، ورواه البخاري في الحج (1814) باب: قول الله -تعالى-: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (البقرة: 196). وفي التفسير (4517) فهو متفق عليه.
في هذا الحَديثِ يروي التابعيُّ الثقة عبداللهِ بنُ مَعقِلٍ وهو ابن مقرن، أبو الوليد المزني الكوفي. لأبيه صحبة. وقد حدث عن أبيه، وعن عليّ، وابن مسعود، وكعب بن عجرة، وجماعة، وكَعْبِ بنِ عُجْرةَ هو الأنصاري السّالمي المدني، من أهل بيعة الرّضوان، له عدة أحاديث. معْنى قولِه -تعالى-:
{فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}
يقول عبداللهِ بنُ مَعقِلٍ أنَّه قَعَدَ إلى الصَّحابيِّ كعْبِ بنِ عُجْرةَ - رضي الله عنه - في مَسجدِ الكوفةِ، فسَألَه عن معْنى قولِه -تعالى-: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (البقرة: 196)، فأجابه كَعْبُ بنُ عُجْرةَ - رضي الله عنه - بما وقَعَ له، فقالَ: حُمِلْتُ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والقَمْلُ يَتناثَرُ على وَجْهي»، وفي راوية لمسلم أنه كان بالحديبية، فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا رآه كذلك: «مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى» أي: ما كنتُ أظنّ أنّ المَشقَّةَ والتَّعبَ «قد بَلَغَ بك هذا» الَّذي رأيْتُ. أي: آذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يحلق رأسه، ليتخلّص مِنْ أذى القمل، ثمَّ سأله النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَتَجِدُ شَاةً؟» والشّاة هي الواحِدةُ مِنَ الضَّأنِ، وتُذبَحُ فِديةً نظيرَ ارتكابِ أمْرٍ مِنْ محظوراتِ الإحرامِ، وهو هنا: حَلْقُ الشَّعرِ لأجْلِ إزالةِ القَملِ عنه، فقال كعبٌ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: لا أجِدُها، أي: لا أملِكُها، ولا أملِكُ ثمنَها. فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صُمْ ثَلاثةَ أيَّامٍ» أي: نظيرَ ما ستفعَلُه منْ حَلقِ شَعرِ رأسِك، وهذا بيانٌ لِقولِه -تعالى-: {ففدية مِنْ صِيَامٍ} أو أطْعِم ستَّةَ مَساكينَ، بياناً لِقولِه -تعالى-: {أَوْ صَدَقَةٍ} لكُلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ مِن طَعامٍ. كما في رواية: «أو تصدّق بفَرَقٍ بين ستة مساكين» والفَرَق: ثلاثة آصُع، قال: «واحلِقْ رأسَك». مذهب الأئمّة الأربعة
وورد عن ابن عباس في قوله: {ففدية منْ صِيامٍ أو صَدقةٍ أو نُسُك} قال: إذا كان «أو» فأيّه أخذتَ، أجْزأ عنك، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وطاووس، والحسن، وحميد الأعرج، وإبراهيم النخعي، والضحاك، نحو ذلك، قال ابن كثير: «وهو مذهب الأئمّة الأربعة وعامة العلماء، أنه يخير في هذا المقام، إنْ شاء صام، وإنْ شاء تصدّق بفَرَق، وهو ثلاثةُ آصُع، لكلّ مسكينٍ نصفُ صاع، وهو مُدّان، وإنْ شاء ذبح شاة، وتصدّق بها على الفقراء، أيُّ ذلك فعل، أجْزأه. ولمّا كان لفظ القُرآن في بيان الرُّخْصة جاء بالأسْهل فالأسهل: {ففديةٌ منْ صِيامٍ أو صَدقةٍ أو نُسُك}، ولمّا أمَر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عجرة بذلك، أرْشده إلى الأفْضل، فالأفضل، فقال: انْسُك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام؛ فكلٌّ حسن في مقامه. ولله الحمد والمنة. انتهى قَوله: «فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً» أخبَرَ كعبُ بنُ عُجرةَ - رضي الله عنه - مَنْ سأله أنَّ الآيةَ وإنْ كانت نزلت فيه خاصَّةً، فهي للمُسلمينَ عامَّةً، فالعَمَلُ بمقتضاها لكُلِّ النَّاسِ إلى يومِ القيامةِ، وهي قاعدة مهمة، نصّ الأصوليون والفقهاء عليها، وهي أن: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، وهذه القاعدة متفق عليها عند جماهير أهل العلم ولم يخالف فيها إلا القليل. فوائد الحديث
1- يسَّرَ الشَّرعُ الحنيفُ على النَّاسِ فيما يشُقُّ عليهم منْ الأحكامِ، وبَيَّن لهم البدائِلَ الشَّرعيَّةَ لِمن لم يستَطِعْ فِعلَ ما أمَرَ اللهُ به. 2- مَشروعيَّةُ حَلقِ المُحرِمِ شَعْرَ رَأسِه لِأَذى القَملِ ونحوه مِن الأمراض. 3- وفيه: بيانُ حِرصِ التابعينَ على معرفةِ الأحكامِ، وبيانُ الصَّحابة لهم. 4- وفيه: جُلوسِ الصحابة -رضي الله عنهم- للناس للتدريس ولمُذاكَرةِ العِلمِ، وحرص التابعين على الأخذ عنهم. باب: في المُحْرم يموت ما يفعل
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: خَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَعِيرِهِ، فَوُقِصَ فَمَاتَ، فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». الحديث رواه مسلم في الحج (2/865) باب: ما يُفعل بالمُحرم إذا مات. ورواه البخاري في الجنائز (1265، 1266، 1267). فهو متفق عليه. في هذا الحَديثِ يَروي عبدالله بنُ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ رَجُلًا كان يَقِفُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على جبلِ عرَفاتٍ في حجَّةِ الوَداعِ، وكان راكبًا دابَّتَه، فسقَطَ عنها، «فَوَقَصَ» وفي لفظ: «فَوَقَصَتْه» أي: كَسَرَتْ عُنُقَه، وفي لفظ: «فأَقْصَعَتْه» أي: فمات موتًا سريعًا، فأَمَر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَغسِلوه بِماءٍ وسِدْرٍ، والمقصود بالسدر هو ورقُ شجرِ النَّبْقِ، وأوراقه تقوم مقام الصابون برائحة طيبة، ويوضع في ماء الغسل، ولكنْ لا يُستخدَمُ كطِيبٍ، وأن يُكَفِّنوه في ثَوبَينِ. ولا يُحَنِّط من الحنوط
وهو كل ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم من مسك وذريرة وصندل وعنبر وكافور وغير ذلك. بوضعِ الطِّيبِ الَّذي يُخلطُ ويوضَعُ للمَيتِ، لأنَّه قد مات متلبِّسًا بالحجِّ، والحاجُّ لا يَتطيَّبُ، ولا يُخَمِّروا رَأْسَه، فلا يُغَطُّوه، لِأَنَّه مُحرِمٌ، وعلَّل ذلك بأنَّه يُبعَثُ يَومَ القيامةِ يُلَبِّي، وهي الحال التي مات عليها. قال النووي: في هذه الروايات دلالة بينة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحق وموافقيهم، في أن المحرم إذا مات لا يجوز أن يلبس المخيط، ولا تخمر رأسه، ولا يمس طيباً وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وغيرهم: يفعل به ما يفعل بالحي وهذا الحديث راد عليهم. اهـ فوائد الحديث
1- أنَّ المُحرِمَ إذا مات فإنَّه يَبقى في حَقِّه حُكمُ الإحْرامِ، فلا يُحَنَّطُ بطيب، ولا يُغَطَّى رَأْسُه، ولا يُكَفَّنُ في ثَلاثةِ أثْوابٍ كغَيرِه. 2- وفيه: الكَفَنُ في ثَوبَيْنِ لِلمُحْرِمِ، بدون إضافة. 3- وفيه: مَشروعيَّةُ تَكْفينِ المُحرِمِ في ثيابِ إحْرامِه، وأنّ التكفين في الثياب الملبوسة جائز، قال النووي: وهو مُجمعٌ عليه، وجواز الكفن في ثوبين، وأما الثلاثة أثواب الواردة في حديث عائشة فهي للاستحباب، وهو قول الجمهور، وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بدّ منه بالاتفاق. 4- وأن التكفين واجب، وهو إجماع في حق المسلم، وكذلك غسله والصلاة عليه ودفنه. 5- وفيه: مَشروعيَّةُ استِعْمالِ السِّدْرِ في غُسْلِ المَيِّتِ. 6- قال ابن بطال: فيه أن من شرع في عمل طاعة، ثم حال بينه وبين إتمامه الموت، رُجيَ له أن يكتبه الله له في الآخرة من أهل ذلك العمل. 7- يومُ القِيامةِ يومُ الجَزاءِ على الأعْمالِ في هذه الدُّنيا، والجزاءُ يكونُ مِن جِنسِ العَملِ، فيَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه. 8- قال النووي: وفيه دليل على استحباب دوام التلبية في الإحرام.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-16-2026, 08:55 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: المَبيتُ بِذِي طَوى والاغْتِسال قبلَ دُخُول مكة





كان للنبيُّ صلى الله عليه وسلم عاداتٌ وسُننٌ في سَفَرِه منها أنّه يَنتظِرُ في أوَّلِ السَّفرِ في مَكانٍ قَريبٍ مِن المدينةِ ليَتجمَّعَ المسافِرون معه

عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ، ويَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَاراً، ويَذْكُرُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ فَعَلَهُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/919) باب: اسْتحباب المَبيت بذي طوى، عند إرادة دخول مكة، والاغتسال لدخولها، ودخولها نهارا. ورواه البخاري في الحج (3/1574) باب: دخول مكة نهاراً أو ليلا. يَروي نافع مولى ابن عمر: أنّ ابنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- كانَ لا يقدم مكة، إلا بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ» أي: يَنزِل بذي طُوًى، يقال بفتح الطاء وضمها وكسرها، والفتح أفصح وأشهر، ويصرف ولا يصرف. وهو اسمُ بِئرٍ أو مَوضِعٍ بِقُربِ مَكَّةَ، ينزل بها ويبيت حتَّى يُصبِحَ، فيُصلِّي الصُّبحَ حينَ يَقدَمُ مِن المدينةِ إلى مَكَّةَ، ويصلي بمَكانُ صَلاة النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو على أَكَمَةٍ غَليظةٍ، وهي مَوضِعٌ عَظيمٌ واسعٌ مُرتَفِعٌ على ما حَولَه أو تَلٌّ مِن حَجَرٍ.
الأماكنَ التي صلَّى فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم
ولم تكُنْ صَلاةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المَسجِد الَّذي بُنِيَ هُناكَ بعْدَ ذلك، ولكِن أسفَلَ مِن ذلِك المسجدِ، حَسبَما أشار ابنُ عمَرَ -رضي الله عنهما-، وقدْ روَى البُخاريُّ: عن عبداللهِ بنِ عمَرَ -رضي الله عنهما- تِسعةَ أحاديثَ تُحدِّدُ الأماكنَ التي صلَّى فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- في أسفارِه في الطَّريقِ بيْن المدينةِ ومَكَّةَ، منها هذا الحديثُ، وهذه المساجدَ لا يُعرَفُ اليومَ منها غيرُ مَسجدِ ذي الحُليفةِ، والمساجِدِ التي بالرَّوحاءِ. وقد ورَدَ عن عمَرَ بنِ الخطَّابِ - رضي الله عنه - أنَّه كان يَنْهى الناسَ عن قصْدِ التَّبرُّكِ بالمواضعِ والأماكنِ التي كان رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي فيها، خَشيةً عليهم أنْ يَجعَلوا لها فَضْلًا في ذاتِها، وهذا النَّهيُ منه منِ بابِ سَدِّ الذَّرائعِ، أمَّا الأماكنُ التي نُصَّ على فضْلِ الصَّلاةِ فيها، كالحَرَمينِ، والأقْصى وقُباءٍ ونحْوِها، وكذلك قصْدُ المساجدِ عامَّةً بالصَّلاةِ، حتَّى التي وَرَدَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- صلَّى فيها، فلا تَدخُلُ تحْتَ هذا النَّهيِ. فوائد الحديث
1- فيه استحباب الاغتسال لدخول مكة، وأنه يكون بذي طوى لمن كانت في طريقه، ويكون بقدر بعدها لمن لم تكن في طريقه. قال النووي: قال أصحابنا: وهذا الغسل سُنة، فإن عجز عنه تيمم. 2- قال: ومنْها: المَبيت بذي طَوى، وهو مُستحب لمن هو على طريقه، وهو موضعٌ معروف بقرب مكة. 3- ومنها: استحباب دخول مكة نهاراً، وهذا هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم، أنّ دخولها نهاراً أفضل من الليل، وقال بعض أصحابنا وجماعة من السلف: الليل والنهار في ذلك سواء، ولا فضيلة لأحدهما على الآخر، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم- دخلها مُحرماً بعمرة الجعرانة ليلاً، ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز، والله أعلم. انتهى 4- وفيه: ما كان عليه أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- مِنْ تتبَّع هَدْيَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- في كلِّ أحوالِه، وقد كان عبداللهِ بنُ عمَرَ من أشدِّهم اجتهاداً في تَحرِّي الأماكنِ التي صلَّى فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- في أسفارِه، فيُصلِّي فيها تَبرُّكًا وحُبًّا له - صلى الله عليه وسلم . باب: دُخُول مَكة والمدينة مِنْ طَرِيق والخُرُوج مِنْ طَرِيق
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، ويَخْرُجُ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. الحديث رواه مسلم في الحج (2/918) باب: استحباب دُخُول مكّة مِنَ الثنيّة العليا، والخُروج منها من الثنيّة السّفلى، ودُخول بلده من طريق غير التي خرج منها. ورواه البخاري الحج (3/1575) باب: منْ أينَ يدخل مكة؟ في هذا الحديثِ يَرْوي عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- كانَ يَخرُجُ مِن المدينةِ إلى العُمرةِ أو الحَجِّ، مِن طَريقِ الشَّجرةِ الَّتي عِندَ مَسجدِ ذي الحُلَيْفةِ، ويَدخُلُ مِن طَريقِ المُعَرَّسِ، وهو بَطْحاءُ ذي الحُلَيْفةِ، وسُمِّيَ المُعَرَّسَ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- كانَ إذا رَجَعَ إلى المدينةِ نَزَلَ فيه آخِرَ اللَّيلِ، فسُمِّيَ مُعَرَّساً مِن التَّعريسِ، وهُو النُّزولُ آخِرَ اللَّيلِ، وكان - صلى الله عليه وسلم- يَنزِلُ فيه ويُصلِّي فيه، ويَبيتُ فيه، ويقَعُ أسْفَل مِن مَسجِدِ ذي الحُلَيفةِ. وذو الحُليفةِ: قَريةٌ بيْنها وبيْن المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ أو سبعَةٌ (10 كم)، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ ومَن مرَّ بها. ثمَّ يُخبِرُ عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا خَرجَ مُسافرًا إلى مَكَّةَ -لحَجٍّ أو عُمرةٍ- يُصلِّي في مَسجِد الشَّجرةِ بذي الحُلَيْفةِ، وإذا رَجَعَ مِن سَفرِه نَزَلَ آخِرَ اللَّيلِ في وَسطِ وادي ذي الحُلَيْفةِ، وصلَّى فيه، وباتَ فيه إلى الصَّباحِ، ثمَّ يَتوجَّهُ إلى المدينةِ، لئلَّا يَفجَأَ الناسُ أهالِيَهم لَيلًا. وقدْ روى البُخاريُّ ومسلم عن عبداللهِ بنِ عمَرَ -رضي الله عنهما- أحاديثَ عدَّةَ تُحدِّدُ الأماكنَ التي صلَّى فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- في أسفارِه، وهذه الأماكنَ والمساجدَ لا يُعرَفُ اليومَ منها غيرَ مَسجِدِ ذي الحُلَيفةِ، والمساجِدِ التي بالرَّوحاءِ. فوائد الحديث


كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- له عاداتٌ وسُننٌ في سَفَرِه، فكان منها: أنّه يَنتظِرُ في أوَّلِ السَّفرِ في مَكانٍ قَريبٍ مِن المدينةِ، ليَتجمَّعَ المسافِرون معه، وكذلك عندَ الرُّجوعِ، يَنتظِرُ في مكانٍ قَريبٍ مِن المدينةِ، ولا يَدخُلُها إلَّا في الصَّباحِ، وكان يُصلِّي في كلِّ مكانٍ يَنزِلُ فيه.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-17-2026, 05:15 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في النُّزُول بمَكّة للحَج


- ضَرَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بنفْسِه المثلَ الأكمَلَ في كلِّ العِباداتِ والتعامُلاتِ ومِن ذلك: أحكامُ التَّوارُثِ بيْن المسلِمِ والكافرِ وبيانُ عدَمِ التَّوارُثِ بيْنهما
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ -رضي الله عنهما- أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟» وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا، لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/984) باب: النّزولُ بمكة للحَاج، وتوريث دورهما، ورواه البخاري في الحج (1588) باب: توريث دور مكة وبيعها وشرائها، وأنّ الناس في المسجد الحرام سواء خاصة؛ لقوله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الحج:25)، البادي: الطّاري، مَعكوفاً: محبوسًا، فالحديث متفق عليه.
يَرْوي أسامةُ بنُ زيدٍ - رضي الله عنه - في هذا الحَديثِ فيقول: أنَّه سَأَلَ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-، وذلك عندَ فتْحِ مكَّةَ كما في الرواية الأخرى لمسلم، وهي في السَّنةِ الثامنةِ مِن الهِجرةِ، فقال له: أينَ سَيَنزِلُ ويُقيمُ غدا؟ هل في دُورِه التي تَرَكَها قبْلَ الهِجرةِ في مكَّةَ؟ فقال له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ له - صلى الله عليه وسلم-: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟» والرَّباع بفتح الراء، جمع ربع: وهو المَنْزل المُشْتمل على أبيات، وقيل: هو الدار. أي: بَيِّن له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- أنَّه لا مَكانَ له في دُورِ أبي طالِبٍ، ولا غَيرِه مِن قَومِه في مَكَّةَ؛ وذلك لأنَّ المُؤمِنَ لا يَرِثُ الكافر. لا يرث المُؤمن الكافر
وكان عقيلُ قد ورث أبا طالب، هو وطالب، ولمْ يَرثه جعفر ولا عليّ - رضي الله عنه - شيئًا؛ لأنّهما كانا مُسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، ولا يرث المُؤمن الكافر، وقد فسَّر الرَّاوي -ولعلَّه أسامةُ رضي الله عنه - أنَّه لَمَّا مات أبو طالِبٍ عمُّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَرِثَه ابناهُ الكافرانِ: عَقيلٌ وطالبٌ، وحازا كلَّ مُمتلكاتِه المُشتملةِ على عِدَّةِ بُيوتٍ، ولم يَرِثْه جَعْفَرٌ وعَلِيٌّ المؤمنانِ، ولو كانا وارثَين؛ لنَزَلَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في دُورِهما، وكانت كأنَّها مِلكُه؛ لِعلمِه بإيثارِهِما إيَّاه على أنفُسِهما. وفي رواية البخاري: فكان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - يقولُ: لا يَرِثُ المُؤمِنُ الكافِرَ. والمرادُ أنَّه كان يقولُ ذلك؛ بِناءً على ما أقَرَّه - صلى الله عليه وسلم- مِن عدَمِ وِراثةِ علِيٍّ وجَعفرٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- مِن أبي طالبٍ. ولاية الميراث
وقالَ ابنُ شِهَابٍ الزُّهريُّ كما في رواية البخاري: إنهم كَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَولَ اللهِ -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (الأنفال: 72)، فيُفسِّرون الوِلايةَ في هذه الآيةِ: بوِلايةِ المِيراثِ، وتَتمَّتُها: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}(الأنفال: 72-73). والمعنى: إنَّ الذين آمَنوا باللهِ ولم يُهاجِروا مِن بَلَدِ الكفْرِ إلى بَلَدِ الإسلامِ، ليس عليكمْ -أيُّها المؤمِنون- أنْ تَنصُروهم وتَحمُوهم حتَّى يُهاجِروا في سَبيلِ اللهِ، وإنْ ظَلَمَهم الكفَّارُ، فطَلَبوا منْكم النَّصرَ؛ فانْصُروهم على عَدُوِّهم، إلَّا إذا كان بيْنكم وبيْن عَدُوِّهم عَهْدٌ لم يَنقُضوه، واللهُ بما تَعمَلون بَصيرٌ، لا يَخْفَى عليه شَيءٌ مِن أعمالِكم، وسيُجازيكم عليها. والذين كَفَروا باللهِ يَجمَعُهم الكفْرُ، فيُناصِرُ بَعضُهم بَعضًا، فلا يُواليهم مُؤمنٌ، إنْ لم تُوالُوا المؤمنين وتُعادُوا الكافرينَ تَحدُثْ فِتنةٌ للمُؤمنينَ؛ حيث لم يَجِدوا مَن يُناصِرُهم مِن إخوانِهم في الدِّينِ، ويَحدُثْ فَسادٌ في الأرضِ عَظيمٌ بالصَّدِّ عن سَبيلِ اللهِ. ترك النبي - صلى الله عليه وسلم- لتصرفات الجاهلية
قال الحافظُ ابن حجر: وأخرج هذا الحديث الفاكهي من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره: ويقال إنّ الدار التي أشار إليها؛ كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم صارت لعبدالمطلب ابنه، فقسمها بين ولده حين عمر، فمِن ثَمَّ صار للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم- حقّ أبيه عبد الله، وفيها وُلد النّبي - صلى الله عليه وسلم . ثم قال: محصل هذا أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر؛ اسْتولى عقيل وطالب على الدار كلّها، باعتبار ما ورثاه منْ أبيهما، لكونهما كانا لمْ يُسلما، وباعتبار ترك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لحقّه منها بالهِجْرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلّها. وقال الداودي وغيره: كان مَنْ هاجر مِنَ المؤمنين؛ باع قريبه الكافر داره، وأمْضى النبيّ - صلى الله عليه وسلم- تصرُّفات الجاهلية؛ تأليفًا لقُلوب مَنْ أسلم منهم». الفتح (3/452). المقصود بالمسجد في الآية
وقوله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الحج: 25)، قال القاضي إسماعيل: ظاهر القرآن يدلّ على أنّ المراد به: المسجد الذي يكون فيه النُّسُك والصّلاة، لا سائر دُور مكة، وقال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله -تعالى-: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (الحج: 25)، جميع الحَرَم، وأنّ اسم المَسْجد الحرام واقعٌ على جميع الحَرم؟ لما جاز حفرُ بئرٍ ولا قبر، ولا التّغوّط ولا البول، ولا إلقاء الجِيَف والنتن، قال: ولا نعلم عالِماً منع من ذلك، ولا كرِه لحائضٍ ولا لِجُنب دُخُول الحرم، ولا الجِماع فيه، ولو كان كذلك، لجازَ الاعتكاف في دُور مكة وحَوانيتها، ولا يقول بذلك أحد، والله أعلم؛ انتهى. «الفتح» (3/451)، واحتج الشافعي بحديث أسامة هذا؛ على جواز بيع دُور مكة وتِجارتها؛ قال الحافظ: وبالجواز قال الجمهور. الفتح (3/ 450). من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم
قول عمر - رضي الله عنه -: «لا يرث المؤمن الكافر»، هو من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم-، رواه البخاري في كتاب الفرائض بلفظ: «لا يَرثُ المُسْلمُ الكافر، ولا الكافرُ المسلم». وللنسائي: «لا يَتَوارَثُ أهلُ مِلتين»، وحملها الجمهور على أن المراد بإحدى الملتين الإسلام، وبالأخرى الكفر. قال الحافظ: «وهو أَولى مِنْ حملها على ظاهر عمومها، حتى يمتنع على اليهودي مثلًا أنْ يَرثَ مِنَ النصراني، والأصح عند الشافعية أنّ الكافرَ يرث الكافر، وهو قول الحنفية والأكثر». الفتح (12/51). وقال البخاري: باب لا يرثُ المُسلمُ الكافر، ولا الكافرُ المُسلم، وإذا أسلمَ قبل أنْ يُقْسم الميراث؛ فلا ميراثَ له. البخاري (8/194). قال الحافظ: أشار إلى أنّ عُمُومه يتناول هذه الصورة، فمن قيَّد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل؛ قال ابن المنيِّر: صورة المسالة إذا مات مسلم وله ولدان مثلًا مسلم وكافر، فأسلم الكافر قبل قسمة المال، قال ابن المنذر: ذهبَ الجُمْهور إلى الأخذ بما دلّ عليه عُمُوم حديث أسامة. انتهى. والحديث دليل على انقطاع التوارث بين المُسْلم والكافر، قال الموفق ابن قدامة: مَنْ لمْ يرث لمعنى فيه، كالمُخَالف في الدّين، والرّقيق، والقَاتل، فهذا لا يَحْجبُ غيره، في قول عامّة أهلِ العلم. ولا يَرثُ المُسْلم الكافر، ولا الكافر المسلم، لا بالنّسَب، ولا بالولاء، في قول جمهور العلماء، وهو رواية عن أحمد. «المغني» (14/94). فوائد الحديث
1- ضَرَبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- بنفْسِه المثلَ الأكمَلَ في كلِّ العِباداتِ والتعامُلاتِ، ومِن ذلك: أحكامُ التَّوارُثِ بيْن المسلِمِ والكافرِ، وبيانُ عدَمِ التَّوارُثِ بيْنهما. 2- وفيه: مَشروعيَّةُ تَوريثِ دُورِ مكَّةَ ومَنازلِها، وكذا بيعها وشِراؤها.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-17-2026, 05:17 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الرَّمَلُ في الطّوافِ والسّعْي





الحَجُّ هو الرُّكن الخَامس مِنْ أرْكان الإسلام وهو عِبادةٌ تَوقيفيَّةٌ عَلَّمَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصْحابَه بالفِعلِ وبالقَولِ
الرّمل لا يكونُ إلا في الثلاثة أشواط الأول مِنَ الطواف والرَّمَل اصْطِلاحًا هو الإسْراعُ في المَشيِ مع تقارُبِ الخُطَى للرجال دون النساء

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ والْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما- أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، ومَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ؟ قَالَ فَقَالَ: صَدَقُوا، وكَذَبُوا؟ قَالَ قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّداً وأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنْ الْهُزَالِ، وكَانُوا يَحْسُدُونَهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا، ويَمْشُوا أَرْبَعًا، قَالَ قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ؟ قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قَالَ قُلْتُ: ومَا قَوْلُكَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ، قَال: وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، والْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ.


الحديث الأول: رواه مسلم في الحج (2/930) باب: اسْتِحباب الرَّمَل في الطَّواف والعُمرة، وفي الطّواف الأول مِنَ الحجّ، ورواه البخاري في الحج (1603، 1604)، في هذا الحَديثِ: يَروي عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - كان إذا طافَ طَوافَ القُدومِ أوِ العُمرةِ، أسرَعَ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأُولى، وهو ما يُسمَّى الرَّمَلَ، ويَمشي في الأربعةِ الباقيةِ، وفي لفظ البخاري: «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذَا طَافَ بالبَيْتِ الطَّوَافَ الأوَّلَ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، ويَمْشِي أَرْبَعَةً...».

قوله: «ثلاثة وأرْبعة»
وأما قوله: «ثلاثة وأرْبعة» فمُجمع عليه، وهو أنّ الرّمل لا يكونُ إلا في الثلاثة الأول مِنَ السبع، والرَّمَل اصْطِلاحًا: هو الإسْراعُ في المَشيِ، مع تقارُبِ الخُطَى، وهو دُون الوثوبِ والعَدْوِ، ويُسَمَّى أيضاً: الخَبَب. وقوله: «ثمّ يُصلّي سَجْدتين» فالمُرادُ ركعتي الطّواف، وهما سُنّة على المَشْهور مِنَ مذاهب العلماء، وسمّاهما سَجدتين مَجازاً. وقوله: «ثمَّ يَطوفُ بين الصّفَا والمَرْوة» ففيه: دليلٌ على وجوب الترتيب بين الطواف والسعي، وأنّه يُشْترط تَقدّم الطّواف على السّعي، فلو قدم السعي، لمْ يصح السّعي، قال النووي: وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. الحديث الثاني
رواه مسلم في الباب نفسه، وفيه أيضاً: مَشروعيَّةُ الرَّمَلِ في الأشْواطِ الثلاثةِ في الطَّوافِ حَولَ الكعبةِ، من الحَجر الأسود حتى ينتهي إليه. الحديث الثالث
هذا الحديث رواه مسلم في الباب نفسه، ورواه البخاري في الحج (1602) باب: كيفَ كانَ بدء الرَّمَل؟ وقوله: «قلتُ لابن عباس: أرأيت هذا الرّملَ بالبيت، ثلاثةَ أطْواف، ومَشْي أربعة أطواف، أسُنّة هو؟ فإنّ قومَكَ يَزْعمُون أنّه سُنّة. فقال: صَدَقوا وكذبوا...»، يعني: أنّهم صَدَقوا في أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَله، وكذَبُوا في قولهم: إنّه سُنّةٌ مَقصُودة مُتأكّدة؛ لأنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - لمْ يَجْعله سُنّةً مطلوبة دائماً على تكرّر السّنين، وإنّما أمَرَ به تلك السَّنَة، لإظْهار القُوّة عند الكفّار، وقد زَالَ هذا المعنى. أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالرمل
وهو قَوله في الرواية الأخرى: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنْ الْهُزَالِ، وكَانُوا يَحْسُدُونَهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا، ويَمْشُوا أَرْبَعًا..». والهزال أي: الضّعف والوَهَن، وفي رواية لمسلم: «قد وهَنتْهم الحُمّى، ولقوا منْها شِدّة»، هذا معنى كلام ابن عباس -رضي الله عنهما-، وهذا الذي قاله مِنْ كون الرّمل ليس سُنّةً مَقْصودة؟ هو مذهبه، وخالفه جميعُ العُلَماء مِنَ الصّحابة والتابعين وأتباعهم، ومَنْ بَعدهم، فقالوا: هو سُنّة في الطّوافاتِ الثلاثِ مِنَ السّبع، فإنْ تَرَكه فقد تَركَ سُنّة، وفاتته فضيلة، ويَصحّ طَوافه، ولا دَمَ عليه. وقال الحسن البَصري والثوري وعبدالملك بن الماجشون المالكي: إذا تَركَ الرّمل، لَزِمه دَمٌ؟ وكان مالك يقولُ به، ثمّ رَجع عنه. ودليل الجُمهور: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَلَ في حَجّة الوَداع في الطَّوافات الثلاث الأول، ومَشَى في الأرْبع، ثمّ قال - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك: «لتأخُذُوا منَاسِكَكُم عنّي». والله أعلم. (انظر النووي). فائدة: هلْ على النِّساءِ رَمَلٌ؟
ليسَ على النِّساءِ رمَلٌ في الطَّوافِ، وقد نقلَ الإجْماعَ على ذلك: ابنُ المنذر في «الإجماع» (ص: 55)، الطحاوي، وابن عبدالبر في «التمهيد» (2/78)، وابن بطال، وابن رشد، وغيرهم. قوله: «قلتُ له: أخْبرني عن الطّواف بين الصّفا والمَرْوة رَاكباً، أسُنّةٌ هو؟ فإنّ قومك يَزعُمُون أنّه سُنّة؟ قال: صَدقوا وكذبُوا... إلى آخره، يعني: أنّهم صَدَقوا في أنّه - صلى الله عليه وسلم - طَافَ راكباً، وكذَبُوا في أنّ الرُّكوبَ أفْضَل، بل المَشْي أفضَل، وإنّما رَكِبَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - للعُذْر الذي ذَكرَه، وهو أنّ الناس ازْدَحمُوا عليه - صلى الله عليه وسلم -، ممّا دعاه للرُّكوب على الناقة، وهذا الذي قاله ابنُ عباس هنا مُجْمعٌ عليه، فقد أجْمع العلماء على أنّ الرُّكوبَ في السّعي بين الصّفا والمَرْوة جائز، وأنّ المَشْي أفْضل منْه، إلا لعُذر. قوله: «حتّى خَرَج العَواتقُ مِنَ البيوت» والعَواتقُ: جمع عاتق، وهي البِكرُ البَالغة، أو المُقاربة للبُلُوغ، وقيل: التي تَتَزوج. سُمّيت بذلك، لأنّها عَتَقت منْ استْخدام أبويها، وابْتذالها في الخُرُوج والتّصرّف، الذي تَفعله الطفلة الصّغيرة. فوائد الحديث


أنّ الرَّمَلُ يكونُ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأُولى في العُمْرة، وفي طَوافِ القُدومِ في الحَج.
وفيها: أنّ السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ، يكون بعدَ الطّواف بالبَيت، ولا يصحّ قبله.
وفيها: جَوازُ إطْلاقِ لَفظِ «الطَّوافِ» على السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ.
وأنّ الحَجُّ وهو الرُّكن الخَامس مِنْ أرْكان الإسلام، عِبادةٌ تَوقيفيَّةٌ، عَلَّمَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه بالفِعلِ وبالقَولِ، وقد نَقَلوا لنا صِفةَ هذه العِبادةِ كما رَأوْها وسَمِعوها، وكما أدَّوْها معه - صلى الله عليه وسلم -، ورَضيَ اللهُ عنْهم.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-18-2026, 06:40 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: اسْتِلامُ الرُّكنَينِ اليَمَانِيين في الطَّوَاف



تَقبيل الحَجَرِ الأسوَدِ مِنَ السُّنَنِ المُستحبّة لمَن قَدِرَ عليه فإنْ لم يَقدِرْ فلا يُؤذِ النَّاسَ
الإيمانُ مَبنيٌّ على التَّسليمِ للهِ تعالى ولِرَسولِه صلى الله عليه وسلم في كُلِّ الأوامِرِ والنَّواهي سَواءٌ ظهَرَ لِلمُؤمِنِ العِلَّةُ أم لم تَظهَرْ
أجْمعت الأمّةُ على اسْتحباب اسْتلام الرُّكنين اليمانيين واتّفق الجماهير على أنّه لا يُمْسح الرُّكنين الآخرين واسْتحبّه بعضُ السّلف
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُهُمَا ، فِي شِدَّةٍ ولَا رَخَاءٍ، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْن ِ. في الباب حديثان، رواهما مسلم في الحج، في (2/924-925) باب: اسْتحبابُ اسْتلام الرُّكنين اليَمَانيين في الطّواف، دُون الرُّكنين الأخرين، وقد رواهما البخاري في الحَج (1608، 1609) باب: مَنْ لمْ يَسْتلم إلا الرُّكنين اليمانيين.
في الحديثِ الأول: يَروي نافعٌ مَولى ابنِ عُمَرَ، أنَّ عبداللهِ بنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أخبَرَ عن نَفْسِه: أنَّه ما تَرَكَ استِلامَ الرُّكنَيْنِ اليَمانِيَيْنِ -وهما الحَجَرُ الأسوَدُ، والرُّكنُ اليَمانِيُ، اللَّذانِ في جِهَةِ اليَمنِ- والاسْتلام: هو المَسح باليد، يقال: استلمتُ الحَجَر إذا لَمَسته، فالاستِلامُ هو المَسحُ باليَدِ عليهما، ويُزادُ مع الحَجَرِ الأسوَدِ التَّقبيلُ. الحجر الأسود
والحَجَر الأسْود هو في الزَّاوية القَريبة مِنْ باب الكعبة، والحَجَر ليس أسْود اللون، بل أحْمر إلى السّواد، لكنّه بالنسبة لبقية حِجارة الكعبة أسود، وعُرِف بهذا الاسم منْ بناء الكعبة، وهو مَوضُوعٌ على ارتفاع ذِراعين وثُلثي ذراعٍ مِنَ الأرض، والرُّكن الذي قَبله منْ جِهة الشّرق، هو الرُّكنُ اليَماني، ومِنَ المعلوم أنّ الطائف يجعل الحَجَر على يَساره ويَطوف. استلام النبي - صلى الله عليه وسلم - للحجر الأسود
قوله: «مُذْ رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُهُمَا » مُذْ، أي: مُنذ رأيته يَستلمهما، وفي رواية: «يفعله» أي: يفعل الاسْتلام، وقوله: «في شدّةٍ ولا رَخَاء» أي: سواءً كان في زِحامٍ أو فُسْحة، في ضِيقٍ، ولا سَعةٍ، بل في كُلِّ الأحوالِ، مُنذُ رُؤيتِه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَستلِمُهما. وقد قال اللهُ -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21). اسْتلام الرُّكنين اليمانيين
قال النووي: وقد أجْمعت الأمّةُ على اسْتحباب اسْتلام الرُّكنين اليمانيين، واتّفق الجماهير على أنّه لا يُمْسح الرُّكنين الآخرين، واسْتحبّه بعضُ السّلف، وممّن كان يقول باسْتلامهما: الحَسَن والحُسين ابنا عليّ، وابن الزبير، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد -رضي الله عنهم-، قال القاضي أبو الطيّب: أجْمعت أئمّة الأمْصَار والفقهاء: على أنّهما لا يُسْتلمان، قال: وإنّما كان فيه خلافٌ لبعض الصّحابة والتابعين، وانْقَرضَ الخِلاف، وأجمعوا على أنّهما لا يُسْتلمان، والله أعلم. (شرح النووي). وكان النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَستلِمُ ويَمسَحُ بيَدِه مِنَ الكَعبةِ، غيرَ الرُّكنَيْنِ اليَمانِيَّيْنِ : رُكنِ الحَجَرِ الأسوَدِ، والرَّكنِ اليَمانِيِّ، وذلك لأنَّهما على القَواعِدِ الإبراهيميَّةِ، ففي الرُّكنِ الأسوَدِ فَضيلتانِ: كَونُ الحَجَرِ فيه، وكَونُه على القَواعِدِ، وفي الثَّاني الثَّانيةُ فقطْ، ومِن ثَمَّ خُصَّ الأوَّلُ بمَزيدِ تَقبيلِه دُونَ الثَّاني. تَقبيل الحَجَرِ الأسوَدِ
وليُعلَمْ أنَّ تَقبيلَ الحَجَرِ الأسوَدِ مِنَ السُّنَنِ المُستحبّة لمَن قَدِرَ عليه، فإنْ لم يَقدِرْ فلا يُؤذِ النَّاسَ، بل عليه أنْ يَضَعَ يَدَه عليه مُستَلِماً، ثمّ يَرفَعَها ويُقَبِّلَها، فإنْ لم يَقدِرْ قام بحِذائِه وأشارَ نَحوَه وكَبَّرَ، ولا يُقبّل يده، وكان عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- يَمشي بَينَهما ولا يَرمُلُ، لِيَكونَ ذلك أيسَرَ وأرفَقَ لاستِلامِه، لِيَقْوَى عليه عِندَ الازدِحامِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّه كان يَرمُلُ في الباقي مِنَ البَيتِ. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كما سبق قد أمَرَ أصحابَه في عُمرةِ القَضاءِ أنْ يَمشُوا ولا يَرمُلوا بَينَ الرُّكنَينِ، حتى لا يَتعَبوا، ثمَّ يُسرِعوا في بَقيَّةِ الطَّوافِ حَولَ البَيتِ، في الأشْواطِ الثَّلاثةِ الأُولى، ثم إنَّه - صلى الله عليه وسلم - رَمَلَ في طَوافِه أوَّلَ قُدومِه في حَجَّةِ الوَداعِ مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ ثلاثًا، ومَشَى أربَعًا، فاستقَرَّتْ سُنَّةُ الرَّمَلِ على ذلك مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، لأنَّه المُتأخِّرُ مِن فِعلِه - صلى الله عليه وسلم . فوائد الحديث
فَضيلةُ الصحابي ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، لِشِدَّةِ حِرصِه على تَتبُّعِ آثارِ النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والعَملِ بها.
وفيه: أنّ الإيمانُ مَبنيٌّ على التَّسليمِ للهِ -تعالى- ولِرَسولِه - صلى الله عليه وسلم - في كُلِّ الأوامِرِ والنَّواهي، سَواءٌ ظهَرَ لِلمُؤمِنِ العِلَّةُ، أم لم تَظهَرْ.
وأنّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ مَناسِكَ الحَجِّ والعُمرةِ وأعمالَهما، بالقَولِ والفِعلِ، وبَيَّنَ ما يَجوزُ، وما لا يَجوزُ فيهما.
الحديث الثاني
وهو حديثُ ابن عباس -رضي الله عنهما- فيقُولُ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ ، وهو تأكيدٌ لما سَبق، مِنْ أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمْ يكنْ يَسْتلم مِنَ الأرْكان الأرْبَعة للكعبة، إلا الحَجَر الأسْود، والرُّكن اليَمَاني. - ولرُكن الحَجَر فَضِيلتان: الفضيلة الأولي: كونه على قواعد إبْراهيم -عليه الصّلاة والسّلام.
الفضيلة الثانية: وكون الحَجَر الأسود فيه.
- والرُّكن اليَماني له فضيلةٌ واحدة، وهو كونه على قواعد إبْراهيم. وليس للشّامي والعِراقي شَيء مِنْ هذا، فإنّ تأسِيسهما خارجٌ عن أسْاس إبْراهيم -عليه الصّلاة والسّلام-؛ حيثُ أخرج الحَجَر مِنَ الكعبة منْ جِهتهما؛ ولهذا فإنّه يُشْرع اسْتلام الحَجَر الأسْود وتَقْبيله، ويُشْرع اسْتلام الرّكن اليماني بلا تَقبيل، ولا يُشرع في حقّ الرُّكنين الباقيين اسْتلامٌ ولا تَقبيل، والشّرعُ مَبْناه على الاتّباع، لا على الإحْدَاث والابتداع، ولله -تعالى- في شَرعه حِكَمٌ وأسْرار، وقد روى البخاري: في الحج (1608) باب: مَنْ لمْ يَسْتلم إلا الرُّكنين اليمانيين. ومَنْ يَتّقي شَيئاً مِنَ البَيت؟
عن أبي الشّعْثاء أنّه قال: ومَنْ يَتّقي شَيئاً مِنَ البَيت؟ وكان معاويةُ يَسْتلم الأرْكان، فقال له ابنُ عباس -رضي الله عنهما-: إنّه لا يُسْتلمُ هَذَان الرُّكْنان، فقال: ليسَ شَيءٌ مِنَ البيتِ مَهْجُوراً، وكان ابنُ الزبير -رضي الله عنهما- يَسْتلمهنّ كلّهن، ورواه الإمام أحمد: عن ابنِ عباس: أنَّهُ طافَ مع مُعاويةَ بالبَيتِ، فجعَلَ مُعاويةُ يَستَلِمُ الأركانَ كُلَّها؛ فقال له ابنُ عبَّاسٍ: لِمَ تَستَلِمُ هذَينِ الرُّكنَينِ، ولم يَكُنْ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَستَلِمُهما؟ فقال مُعاويةُ: ليس شَيءٌ مِنَ البَيتِ مَهجوراً. فقال ابنُ عبَّاسٍ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21)؛ فقال مُعاويةُ: صَدَقتَ. قال الحافظ: ويُؤخذ منه: حِفظُ المَرَاتب، وإعْطاء كلّ ذِي حَقٍّ حقّه، وتَنزيل كلّ أحَدٍ مَنزلته. وأجابَ الشّافعي عن قول مَنْ قال: ليسَ شَيءٌ مِنَ البَيتِ مَهْجُوراً، بأنّا لمْ نَدَع اسْتلامهما هَجْراً للبيت، وكيف يَهْجُره وهو يطُوف به؟ ولكنّا نَتّبعُ السُّنّة فِعلاً أو تَرْكاً، ولو كان تركُ استلامهما هَجْراً، لكان تَركُ اسْتلام ما بين الأرْكان هَجْراً لها، ولا قائلَ به. (الفتح).

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-18-2026, 06:42 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الطَّوافُ على الرّاحلة





في الحديث جواز الطَّواف راكبًا على الرَّاحلةِ ويُلحَقُ بها ما في مَعْناها كالكَراسيِّ المُتحرِّكةِ ونَحوِها ولا سيما إذا كانتْ هناك مَصلَحةٌ مِنَ الرُّكوبِ
اسْتلامُ الحَجَرِ الأسْودِ سُنّة نبويّة ومَن عجَزَ عنِ اسْتلامِه بيَدِه استَلَمَه بعَصاً ونحوِها بشرط ألا يؤذي بها الناس
الإسلامُ دِينُ السَّماحةِ والتَّيسيرِ ومِن ذلك تَيسيرُه على المَرضى وأصحابِ الأعذارِ في أعمالِ الحَجِّ والعُمرةِ

عنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، ولِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/927) باب: جواز الطواف على بعيرٍ وغيره، واسْتلام الحجر بمِحجن ونحوه للراكب. يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طافَ بالبَيتِ الحَرامِ في حَجَّةِ الوَداعِ، وهي الحَجَّةُ الَّتي حَجَّها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانت في السَّنةِ العاشرةِ مِنَ الهِجرةِ، سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان كالمُوَدِّعِ لهم، ولمْ يَلبَثْ كثيراً بعدَها حتَّى توفَّاه اللهُ -عزَّ وجَلَّ.
قوله: «عَلى راحلَتِه»
قوله: «عَلى راحلَتِه»، تُطلَقُ على كلِّ دابَّةٍ أُعِدَّت للرُّكوبِ، وكان - صلى الله عليه وسلم - في تلك الحَجَّةِ راكبًا على ناقةٍ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يَلمَسُ الحَجرَ الأسْودَ بِمِحجَنِه، وهوَ العَصا المُعوَجَّةُ الطَّرفِ. وفي صَحيحِ مُسلمٍ: عن أبي الطُّفَيلِ - رضي الله عنه - قال: «ويُقبِّلُ المِحْجَنَ»؛ لأنَّ مِنْ سُننِ الطَّوافِ تَقبيلَ الحَجرِ الأسْوَدِ، فلمَّا عجَزَ عنِ اسْتلامِه بيَدِه، اسْتَلَمَه بعصًا، وقبَّلَ ما استَلَمَ. ثُمَّ بيَّنَ جابرٌ - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما رَكِبَ ناقتَه ليَسهُلَ على النَّاسِ رُؤيتُه، وليَكونَ في مَكانٍ مُرتفعٍ حتَّى يُميِّزَه النَّاسُ، وليَتمَكَّنوا مِن سُؤالِه عمَّا أَشْكلَ عَليهم مِن مَناسكِ الحجِّ، وفعَلَ ذلك لأنَّ النَّاسَ «غَشُوه» أي: ازدَحَموا عليه، فخَشيَ عليهم من هذا التَّزاحُمِ، وكذلك حتَّى لا يَضطَرَّ أنْ يَصرِفَ النَّاسَ عنه، فكان رُكوبُه أيسَرَ له ولهم، وأكثَرَ فائدةً للاقْتِداءِ به، وليَرَوْه ويَسْألوه عمَّا بَدا لهم. فوائد الحديث


جواز الطَّوافُ راكبًا على الرَّاحلةِ، ويُلحَقُ بها ما في مَعْناها كالكَراسيِّ المُتحرِّكةِ ونَحوِها، خُصوصاً إذا كانتْ هناك مَصلَحةٌ مِنَ الرُّكوبِ، كإفْتاءِ النَّاسِ وتَعْليمِهم، وكذا جواز الطّواف راكباً مع العُذر كما سيأتي؛ والمشي أفضل، وإنّما ركبَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - للمَصلحة، وهي أنّ الناس قد غَشوه وتكاثروا عليه، فأراد أنْ يُفيدهم ويَسْتفيدوا منه؛ بأنْ يكون في مكانٍ مُرتفع فيسألونه، وأيضًا: قد تكاثر عليه الناس؛ منْهم مَنْ يريد النّظر إلى صفة طوافه، ومنهم مَنْ يُريد النظر إلى شَخْصه الكريم؛ فازْدحموا عليه، ومنْ كمال رأفته بأمّته، ومساواته بينهم: أنْ ركبَ على بعير، يطوف عليه؛ ليتَسَاوى الناس في رؤيته والنّظر إليه.
وفيه: أنّ اسْتلام الحَجَرِ الأسْودِ سُنّة نبويّة، وأنَّ مَن عجَزَ عنِ اسْتلامِه بيَدِه -لرُكوبٍ أو زِحامٍ أو غيرِه- استَلَمَه بعَصاً ونحوِها، بشرط ألا يؤذي به الناس.
وفيه أنّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ مَناسِكَ الحَجِّ والعُمرةِ وأعْمالَهما، بالقَولِ والفِعلِ، وبيَّنَ ما يَجوزُ وما لا يَجوزُ فيهما.
وأنّ السُّنّة أنْ يستلم الحجرَ ويُقبل يده، وإذا لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء، وقبّل ذلك الشّيء.
وفيه: إظْهار العالم أفْعاله مع أقواله؛ لتَحصل به القدوة الكاملة والتعليم النافع.
وفيه: كمال خُلُق النبي وشفقته على أمّته - صلى الله عليه وسلم -، ومُراعاته لهم.
جواز إدْخال الحيوان الطّاهر إلى المسجد، إذا لم يترتب على إدخاله أذية للآخرين.
وقد استدلّ بالحديث أيضًا: على طَهارة بول ما يُؤكل لحمه، منْ حيثُ إنّه لا يُؤمن بولُ البعير في أثناء الطّواف في المَسْجد، ولو كان نَجسًا؛ لم يُعرّض النبي - صلى الله عليه وسلم - المَسْجد للنّجاسة.

باب: الطّواف راكبًا لعُذر
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وأَنْتِ رَاكِبَةٌ» قَالَتْ: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ: بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. الحديث رواه مسلم في الحج في الموضع السابق، ورواه البخاري في الحج (1633) باب: المريض يطوف راكباً.
في هذا الحَديثِ تَروي أُمُّ سَلَمةَ -رضي الله عنها- أنَّها شَكَتْ إلى رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّها مريضة، وأنّ مرَضها يَمنَعُها مِنَ المَشيِ في الطَّوافِ، فرَخَّصَ لها بالطَّوافِ مِن وَراءِ النَّاسِ، وهي راكبةٌ على بَعيرِها، فطافَتْ كذلك. قولها: «فَطُفْتُ ورَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ» أي: كان رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي إلى الكَعبةِ مُتَّصِلًا بجِدارِها، مِن أجْلِ أنَّ المَقامَ كان حِينَئذٍ مُلصَقًا بالبيتِ قَبلَ أنْ يَنقُلَه عُمَرُ مِن ذلك المكانِ، والبَيتُ كُلُّه قِبلةٌ. وكان - صلى الله عليه وسلم - يصلي صَلاةَ الصُّبحِ، وكان يَقرَأُ بِسورةِ: (وَالطُّورِ* وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ). فوائد الحديث


التَّيسيرُ على الحُجّاج، وجواز الطّواف حال الركوب، وطَوافُ المَريضِ راكبًا إنْ لمْ يَستطِعِ المَشيَ من التخفيف، فالإسلامُ دِينُ السَّماحةِ والتَّيسيرِ، ومِن ذلك: تَيسيرُه على المَرضى، وأصحابِ الأعذارِ، في أعمالِ الحَجِّ والعُمرةِ.
وفيه: أنَّ النِّساءَ يَطُفنَ وَراءَ الرِّجالِ، ولا يَختلِطنَ بهم؛ لأنَّ ذلك أستَرُ لهنَّ، ولأنّ الطواف بالبيتِ كالصّلاة، ومِنَ السُّنّة في صلاة الجماعة: أنْ يتأخّرن عن صُفوف الرجال، فكذا في الطّواف.
وفيه: أنَّ مَن يَطوفُ وَقتَ صَلاةِ الجَماعةِ لِعُذرٍ، فلا يطوف بين المُصلين وبين البيت؛ لئلا يَشْغل الإمام والناس، فيُؤذيهم، بل يَطوفُ مِن وَراءِ النَّاسِ، والراكب عليه أيضاً: أنْ يَجْتنبَ ممّرَ الناس ما اسْتطاع، فلا يُخالط المُشاة؛ لئلا يؤذيهم.
وفيه: اسْتحباب قُرب الإمام مِنَ البيت الحَرام في الصّلاة.
وفيه: قراءة النّبي - صلى الله عليه وسلم - بسُورة الطُّور في صَلاة الصُّبح.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-20-2026, 06:44 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الطواف بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ … وقوله -تعالى-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} البقرة: 158.





الحَجُّ عِبادةٌ تَوقيفيَّةٌ عَلَّمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه إيَّاها بالفِعلِ والقَولِ وقد نَقَلوا لنا صِفةَ هذه العِبادةِ كما رَأوْها وأدَّوْها معه صلى الله عليه وسلم ورَضيَ اللهُ عنهم
الحَديثُ يُوضِّحُ جانباً مِن جَوانبِ حجِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَداعِ فَقد كانَ قارنًا بيْنَ الحجِّ والعُمرةِ لأنَّه كانَ معَه الهَديُ ولِذلكَ سَعَى هو ومَنْ كان مثله سَعياً واحدًا

عن عُرْوَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ -رضي الله عنها-: مَا أَرَى عَلَيَّ جُنَاحًا، أَنْ لَا أَتَطَوَّفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَتْ: لِمَ قُلْتُ؟ لِأَنَّ اللَّهَ -عز وجل- يَقُولُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الْآيَةَ، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَ: فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما، إِنَّمَا أُنْزِلَ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِلْحَجِّ، ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تعالى- هَذِهِ الْآيَةَ، فَلَعَمْرِي، مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
الحديث أخرجه مسلم في الحج (2/928) باب: بيان أنّ السّعي بين الصّفا والمروة ركنٌ لا يصح الحجّ إلا به، وقد أخرجاه في الصحيحين مطولاً: عن عُروة قلت: أرأيتِ قول الله -تعالى-: {إنّ الصّفا والمروة مِنْ شعائر الله فمَنْ حجّ البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أنْ يطوّف بهما} قلت: فوالله، ما على أحدٍ جُناحٌ ألا يطوف بهما، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابنَ أخْتُي! إنّها لو كانت على ما أوّلتها عليه، كانت: فلا جناح عليه ألا يطّوف بهما، ولكنها إنّما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أنْ يُسْلموا كانوا يُهلّون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المُشلّل، وكان مَنْ أهلّ لها، يتحرّجَ أنْ يطوّف بالصّفا والمَروة، فسألوا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسُول الله، إنا كنّا نتحرّج أنْ نطوف بالصّفا والمروة في الجاهلية، فأنزلَ الله -عز وجل-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّه} إلى قوله: { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قالت عائشة: «ثمّ قد سنّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الطّوافَ بهما، فليس لأحَدٍ أنْ يَدعَ الطّواف بهما». وروى البخاري (1648) أيضًا: عن عاصم بن سليمان قال: قُلتُ لأنَسِ بنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ؟ قالَ: نَعَمْ، لأنَّهَا كَانَتْ مِن شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (البقرة: 158). وفي صحيح مسلم: من حديث جابر الطويل، وفيه: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا فَرَغَ مِنْ طَوافه بالبيت، عاد إلى الرُّكن فاسْتَلمه، ثمّ خَرَج منْ بابَ الصّفا، وهو يقول: {إنّ الصّفا والمَرْوة منْ شعائر الله} ثُمّ قال: «أبْدَأ بما بَدَأ الله به». وفي رواية النسائي: «ابْدؤوا بمَا بَدَأ اللهُ به»، فكلُّ هذه الأحاديث وغيرها، دلّت على مَشْروعية السّعي بين الصّفا والمروة. وجوب السعي على الحاج
وفي حَديثِ الباب: يَروي التَّابِعيُّ عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّه سَألَ خالتَه أُمَّ المُؤمِنينَ، عائِشةَ -رضي الله عنها-، عن مَعنى قَولِ اللهِ -عز وجل-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (البقرة: 158)؛ حيثُ فَهِمَ منها أنَّ السَّعيَ غَيرُ واجِبٍ على الحاجِّ، فأجابَتْه بأنَّه قد أخطَأ في فَهمِه، وأنَّ الآيةَ أُنزِلَتْ في الأنْصارِ؛ حيثُ كانوا قَبلَ أنْ يُسلِموا، يَحُجُّونَ لِصَنمٍ يُسَمَّى: مَناةَ، عِندَ المُشَلَّلِ، وهو جَبلٌ بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ، يُهبَطُ منه إلى قُدَيْدٍ، فكان مَنْ حَجَّ مِنَ الأنصارِ بعد الإسْلام، يَرى أنّ في السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ إثمًا عَظيما؛ لأنَّهما كان فيهما صَنمانِ يَعبُدُان منْ دون الله، وهما إسافٌ ونائِلةُ، وكانوا يَكرَهونَهما. فلَمَّا أسلَموا سَألوا رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَن ذلك، فأنزلَ اللهُ -تعالى- هذه الآيةَ، فبَيَّنَ لهم أنَّه لا إثمَ عليهم في السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ، كما كانوا يَظُنُّونَ؛ لأنَّ السَّعيَ بَينَهما مِن شَعائرِ اللهِ، أيْ: مِن مَناسِكِ الحَجِّ والعُمرةِ، وقال الزُّهريُّ: ثمّ أخبَرتُ أبا بَكرِ بنَ عبدالرَّحمنِ بحَديثِ عائِشةَ، فأعجَبَه ذلك، وقال: إنَّ هذا لَعِلْمٌ، أيْ: إنَّ كلامَ عائِشةَ -رضي الله عنها- لَعِلْمٌ ما كُنتُ سَمِعتُه. ثمّ بَيَّنَ أنَّه سَمِعَ رِجالًا مِن أهلِ العِلمِ قالوا بغَيرِ الذي قالَتْه عائِشةُ -رضي الله عنها-، فإنَّهم لم يَخُصُّوا سَبَبَ نُزولِ الآيةِ بطائِفةٍ واحِدةٍ، وهي الأنصارُ الذين كانوا يَتحرَّجونَ مِنَ الطَّوافِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ، بل ذَكَروا طائِفةً أُخرى عَكْسَها، مِمَّن كان يُهِلُّ بمَناةَ، فكانوا يَطوفونَ كُلُّهم بالصَّفا والمَروةِ ولا يَتحرَّجونَ، فلَمَّا ذَكَرَ اللهُ -تعالى- الطَّوافَ بالبَيتِ ولم يَذكُرِ الصَّفا والمَروةَ في القُرآنِ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، كنَّا نَطوفُ بالصَّفا والمَروةِ في الجاهليَّةِ، وإنَّ اللهَ أنزَلَ في القُرآنِ الطَّوافَ بالبَيتِ، فلم يَذكُرِ الصَّفا والمَروةَ، فهل علينا مِن إثْمٍ أنْ نَطوفَ بالصَّفا والمَروةِ؟ وإنَّما سَألوا عن ذلك بِناءً على ما ظَنُّوه مِن أنَّ التَّطوُّفَ بِهما مِن فِعلِ الجاهليَّةِ، فأنزَلَ اللهُ -تعالى-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}، قال أبو بَكرٍ: فأسمَعُ هذه الآيةَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} نزَلَتْ في الفَريقَيْنِ كِلَيْهما، في الأنصارِ الذين كانوا يَتحرَّجونَ، وقَومٍ مِنَ العَربِ الذين كانوا يَطوفونَ ثم تَحرَّجوا أنْ يَطوفوا بهما في الإسلامِ. فوائد الحديث
1- مشروعية السّعي بين الصفا والمروة، وأنّه مِنْ شعائر الله في الحجّ والعمرة. 2- أهميَّةُ تَدارُسِ العِلمِ بَينَ العُلَماءِ وتَلاميذِهم؛ لِتَصويبِ المَفاهيمِ الخَطَأِ، وبيان الحقّ منَ الباطل. 3- الحَجُّ عِبادةٌ تَوقيفيَّةٌ، عَلَّمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه إيَّاها بالفِعلِ والقَولِ، وقد نَقَلوا لنا صِفةَ هذه العِبادةِ كما رَأوْها وأدَّوْها معه - صلى الله عليه وسلم -، ورَضيَ اللهُ عنهم. باب: الطَّوافُ بالصَّفَا والمَرْوة سُبْعاً واحداً
عن جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ - رضي الله عنه - قال: لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًاً وَاحِدًا. الحديث رواه مسلم في الحج (/930) باب: بيان أنّ السّعي لا يُكرّر. يقولَ جابرُ بنُ عبداللهِ -رَضيَ اللهُ عنهما-: «لم يَطُفِ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أَصْحابُه بيْنَ الصَّفا والمَروةِ إلَّا طوافًا واحدًا». وفي رِوايةٍ زادَ: «طوافَه الأَوَّلَ» أي: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا، وكذا مَن كان مَعَه كان قارناً، لم يَسعَوْا بيْنَ الصَّفا والمَروةِ إلَّا سَعياً واحداً، وهوَ السَّعيُ الَّذي كانَ معَ طَوافِ القُدومِ، والقارِنُ يَكْفيهِ طَوافٌ واحِدٌ، وسَعيٌ واحدٌ؛ لأنَّ أفْعالَ العُمرةِ تَندرِجُ في أفْعالِ الحجِّ. الَّذين تمتَّعوا بالعُمرةِ إلى الحجِّ
أمَّا الَّذين تمتَّعوا بالعُمرةِ إلى الحجِّ: فعليهم سَعْيانِ: سَعْيٌ لعُمرَتِهم، وسَعيٌ لحَجِّهم يومَ النَّحرِ، يُوضِّحُ ذلكَ ما رَواه البُخاريُّ -واللَّفظُ له- ومُسلمٌ: عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالتْ: «فطافَ الَّذينَ كانوا أَهلُّوا بالعُمرةِ بالبَيتِ وبينَ الصَّفا والمَروةِ، ثُمَّ حلُّوا، ثُمَّ طافوا طَوافًا آخرَ بعدَ أنْ رَجَعوا مِن منًى». أي: مَن كان مُتمتِّعًا، «وأمَّا الَّذين جَمَعوا الحجَّ والعُمرةَ» أي: مَن كان قارنًا «فإنَّما طافوا طَوافًا واحدًا». فوائد الحديث
1- الإِهْلالُ بالحج إمَّا أنْ يَكونَ إفْراداً، أو قِراناً، أو تمتُّعاً بالعُمرةِ إلى الحجِّ. 2- القارن يكفيه سعيٌّ واحد، كما في حديث الباب، إمّا أنْ يجعلَه بعد طواف القُدُوم، كما فعلَ النّبيّ -عليه الصلاة والسلام-، أو بعد طواف الإفاضة، أو بعد طواف الوداع، ولا يُعيد الطواف حينئذٍ. وأمّا المتمتع فإنّه يسَعى سعيين: سَعياً لعُمْرته، ثمّ سعياً آخر لحجّه يوم النّحر. 3- وفيه: تسمية السّعي طوافًا. 4- الحَديثُ يُوضِّحُ جانباً مِن جَوانبِ حجِّ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداعِ، فَقد كانَ قارنًا بيْنَ الحجِّ والعُمرةِ؛ لأنَّه كانَ معَه الهَديُ؛ ولِذلكَ سَعَى هو ومَنْ كان مثله سَعياً واحداً.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-20-2026, 06:47 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: ما يلزم مَنْ أحْرَمَ بالحَجّ ثمّ قَدِمَ مكّة مِنَ الطّوافِ والسّعي





كان التَّابِعونَ يَسألونَ الصَّحابةَ رَضيَ اللهُ عنهم فيما أشكَلَ عليهم مِن شَرائِعَ وعِباداتٍ وكانوا مِنْ أحرَصِ النَّاسِ على تَعلُّمِ سُنَّةِ رَسولِ اللهِ [ واتباعها

الجِماع مِن مَحظوراتِ الإحرامِ بل هو أشَدُّها حتى يَقضيَ المُحرِمُ مَناسِكَه ويَحِلَّ منها فلا يجوز الجِماع للمُحْرم بالحج أو العمرة حتى يَتحلّل وإذا جامع في العُمرة قبل الفراغ منْ سعيها فسَدَت العمرة

عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ، قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَطَافَ بِالْبَيْتِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَقُّ أَنْ تَأْخُذَ، أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟»، وفي رواية: رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحْرَم بالحجّ، وطَافَ بالبيت، وسَعَى بينَ الصّفا والمَرْوة.
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعاً، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»، وفي الباب حديثان، رواهما مسلم في الحج (2/905) وبوّب عليه بمثل تبويب المصنف. الحَديثِ الأول
في الحَديثِ الأول: يَرْوي التَّابِعيُّ وَبَرةُ بنُ عبدالرَّحمنِ الكوفيُّ أنَّ رجُلًا سَأل عبداللهِ بنَ عُمرَ -رضي الله عنهما-: هَل يصِحُّ أنْ أَطُوفَ بالْبَيتِ بعدَ الإِحْرامِ، وقبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ؟ وفي رواية لمُسلم: «وقد أحرَمتُ بالحجِّ» أي: أفرَدَ الإحْرامَ بالحجِّ، ولمْ يكنْ مُتمتِّعًا ولا قارِناً، سألَه ابنُ عُمرَ -رضي الله عنهما-: وأيُّ شيءٍ يَمنعُكَ مِن أنْ تَبدأَ بالطَّوافِ؟! وهذا دَليلٌ عَلى مُوافَقةِ ابنِ عُمرَ عَلى مشروعيّة الطَّوافِ أوَّلًا. فقالَ الرَّجلُ السَّائلُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ؟ وفي رواية: «إنِّي رأيتُ ابنَ فُلانٍ» يقصِدُ عبداللهِ بنَ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- «يَكرهُهُ» أي: كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يَنهى عن الِابْتداءِ بالطَّوافِ، قبلَ قُدُومِ عَرَفةَ. فقَالَ له ابْنُ عُمَرَ: فَقَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَطَافَ بِالْبَيْتِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَقُّ أَنْ تَأْخُذَ، أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟». وفي رواية لمسلم: «وأنتَ أَحبُّ إلينا مِنه، رأينَاه قدْ فتَنَته الدّنيا» يقصِدُ أنَّه يقدِّمُ قولَ ابنِ عُمرَ على قولِ ابنِ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عنهم-، مُدَّعيًا أنَّ ابنَ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قد فَتنَتْه الدُّنيا؛ لأنَّه كان واليًا على البَصرةِ من قِبَلِ ابنِ عمِّه عليِّ بنِ أبي طالبٍ - رضي الله عنه -، والوِلاياتُ تكونُ محلَّ الخطَرِ والفِتْنةِ، وأمَّا ابنُ عُمَرَ فلم يتوَلَّ شيئاً. فقال له ابنِ عُمرَ -رضي الله عنهما-: «وأيُّنا لمْ تَفتِنْه الدُّنيا» وهذا مِن إنْصافِه، وتَواضُعِه وزُهدِه، وردّه على طَعنِ الرَّجلِ على ابنِ عبَّاسٍ - رضي الله عنه -، وبَيانًا منه لفَضلِ عبداللهِ بنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما. ثُمَّ أخبَرَ ابنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحْرمَ بالحجِّ، وَطافَ بالبَيتِ طوافَ القُدومِ سَبعةَ أشْواطٍ، وسَعى بينَ الصَّفا والمَروةِ، يَعني: أنَّه ابتدَأَ بالطَّوافِ والسَّعيِ قبلَ الخُروجِ إلى مِنًى وعَرفةَ. قالَ العلماء: إنْ كان المُحْرِمُ مُفرِدًا بالحجِّ، وقَعَ طَوافُه هذا للقُدومِ، وإنْ كان مُفرِداً بالعُمرةِ أو مُتمتِّعاً أو قارِنًا، وقَعَ عن طَوافِ العُمرةِ نَواه له أو لغَيرِه، وعلى القارِنِ أنْ يطوفَ طَوافًا آخَرَ للقُدومِ. والمشهورُ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أحرَمَ قارِنًا لحَجَّةٍ وعُمرةٍ معًا، فكان طوافُه - صلى الله عليه وسلم - لعُمرتِه، ثُمَّ أُدخِلتِ العُمرةُ في أعْمالِ الحجِّ. وقد ذكر الصحابي الجليل ابنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- للرَّجلِ قاعدةً يتَّبِعُها في طلَبِه للعِلمِ، وهي أنَّ سُنَّةَ اللهِ وسُنَّةَ رَسولِه - صلى الله عليه وسلم - أَحقُّ وأوْلى في الاتِّباعِ مِن قولِ فلان، وسُنَّةِ فُلانٍ. وقولُه: «إنْ كُنتَ صادِقًا» مَعناه: إنْ كُنتَ صادِقًا في اتِّباعِكَ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلا تَعدِلْ عن فِعلِه. فوائد الحديث


وَرَعُ الصَّحابةِ عنِ خَوضِ بَعضِهم في أعْراضِ بعضٍ.
وفيه: عَدمُ القَبولِ بتَزكيةِ النَّفْسِ في مَعرِضِ ازْدِراءِ الآخَرينَ.

الحديث الثاني
الحديث الثاني رواه البخاري في العمرة (1793) باب: متى يَحلُّ المعتمر؟ وفي هذا الحَديثِ يَروي التَّابِعيُّ عَمرُو بنُ دِينارٍ أنَّهم سَألوا عبداللهِ بنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: هل يَجوزُ أنْ يُجامِعَ الرَّجُلُ زَوجتَه وهو في العُمرةِ قَبلَ السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ؟ ومعلومٌ أنَّ الجِماعَ مِن مَحظوراتِ الإحرامِ بل هو أشَدُّها حتى يَقضيَ المُحرِمُ مَناسِكَه ويَحِلَّ منها، فلا يجوز الجِماع للمُحْرم بالحج أو العمرة، حتى يَتحلّل، وإذا جامع في العُمرة قبل الفراغ منْ سعيها، فسَدَت العمرة، ولزم المضي والاستمرار فيها، ثم قضاؤها من مكان الإحْرام بالأولى، مع ذبح شاةٍ عن كلّ واحدٍ منكما، تُذبحُ وتُوزع على فقراء مكة.
وأمّا الجماع بعد السعي وقبل الحلق أو التقصير، فلا تفسد به العمرة، لكن تلزم فيه الفدية على التخيير. فأخبَرَه ابنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ مَكَّةَ، فطافَ بالبَيتِ الحرامِ سَبعةَ أشواطٍ، ثم صلَّى رَكعتَيْنِ خَلفَ مَقامِ إبراهيمَ، ثم سَعى بَينَ الصَّفا والمَروةِ، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21)، يُريدُ ابنُ عُمَرَ بذلك: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يكُنْ يَفعَلُ شيئًا مِمَّا ذكَرَه السَّائِلُ قَبلَ السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ. وَجهُ الاستِدلالِ
ووَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ العُمرةَ شَيئًا واحِدًا له أجزاءٌ: الطَّوافُ والصَّلاةُ خَلفَ المَقامِ، والسَّعيُ بَينَ الصَّفا والمَروةِ، ثم الحلق أو التقصير، فهذه أجزاءُ العُمرةِ، فلا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ الرَّجُلُ على زَوجتِه بَينَ أجزائِها. وقد سألَ عَمرُو بنُ دِينارٍ جابِرَ بنَ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أيضًا عن ذلك، فقال له جابِرٌ - رضي الله عنه -: لا يَقرَبِ الرَّجُلُ امرأتَه حتى يَطوفَ بَينَ الصَّفا والمَروةِ». رواه البخاري (1794)، أي: حتى يُتِمَّ عُمرَتَه بكُلِّ نُسُكِها، ويَحلِقَ أو يُقصِّرَ شَعرَه، ثم له أنْ يَتحلَّلَ ويُباشِرَ ما يَحِلُّ له. فوائد الحديث


مَشروعيَّةُ إطلاقِ لَفظِ (الطَّوافِ) على السَّعيِ بَينَ الصَّفا والمَروةِ.
كان التَّابِعونَ يَسألونَ الصَّحابةَ -رَضيَ اللهُ عنهم- فيما أشكَلَ عليهم مِن شَرائِعَ وعِباداتٍ، وكانوا مِنْ أحرَصِ النَّاسِ على تَعلُّمِ سُنَّةِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - واتباعها.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-21-2026, 11:13 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في دُخُولِ الكَعْبة والصّلاة فيها والدُّعَاء





كان أصْحابُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حريصين على معرفة سُنَّةِ النَّبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم واتّباعها والعمل بها وكان مِن أحرَصِهم على ذلك عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنهما
الكَعبةُ المُشرَّفةُ هي بيتُ اللهِ العتيقُ ولها مكانةٌ عظيمةٌ في قلوبِ المسلمينَ وقد صلَّى النبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم في جَوْفِها وداخِلَها عامَ فتحِ مكَّةَ

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْفَتْحِ فَنَزَلَ بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ، وأَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ فَجَاءَ بِالمِفْتَحِ فَفَتَحَ الْبَابَ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - وبِلَالٌ وأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وأَمَرَ بِالْبَابِ فَأُغْلِقَ، فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيًاً، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَادَرْتُ النَّاسَ فَتَلَقَّيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - خَارِجاً، وبِلَالٌ عَلَى إِثْرِهِ، فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - اللهِ صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ العَمُودَيْنِ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. قَالَ: ونَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى؟ وعن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَسَمِعْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ، ولَمْ تُؤْمَرُوا بِدُخُولِهِ! قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولِهِ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ في قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ. وقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ قُلْتُ لَهُ مَا نَوَاحِيهَا أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنْ الْبَيْتِ.
في الباب حديثان، رواهما مسلم في الحج (2/966) باب: استحباب دُخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها. الحَديث الأوّل
يُخبِرُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّ النَّبيَّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - جاء يومَ فَتحِ مكَّةَ، وذلك في السَّنةِ الثَّامِنةِ مِن الهِجْرةِ، وكان يَركَبُ خَلْفَه أُسامةُ بنُ زَيدٍ - رضي الله عنه - على ناقَتِه الَّتي تُسمَّى القَصْواءَ، وكان معَه بِلالُ بنُ رَباحٍ وعُثْمانُ بنُ طَلْحةَ -رضي الله عنهما-، فأناخَ النَّبيُّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - راحِلَتَه عندَ البَيتِ الحَرامِ، وبعَثَ إلى عُثْمانَ بنَ طَلْحةَ يَجلِبُ له مِفْتاحَ البَيتِ الحَرامِ. عثمان بن طلحة - رضي الله عنه -
وعثمان بن طلحة، هو الحَجَبي، قال النّووي: هو بفتح الحاء والجيم، منسوبٌ إلى حِجَابة الكعبة، وهي ولايتها وفتحها وإغْلاقها وخِدْمتها، ويقال له ولأقاربه: الحَجبّون والحَجبة، وهو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبدالله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص في هدنة الحديبية، وشهد فتح مكة، ودَفع النبي - اللهِ صلى الله عليه وسلم - مفتاح الكعبة إليه، وإلى أبي شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عم عثمان هذا، لا ولده، وقال: خُذُوها يا بني طلحة، خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، ثمّ نَزل المدينة، فأقام بها إلى وفاة النبي - اللهِ صلى الله عليه وسلم -، ثم تحوّل إلى مكة، فأقام بها حتى توفي، سنة اثنتين وأربعين، وقيل: إنه اسْتشهد يوم أجنادين- بفتح الدال وكسرها- وهي موضع بقُرب بيت المقدس، كانت غزوته في أوائل خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وثبت في الصحيح: قوله - اللهِ صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ مأثَرةٍ كانت في الجاهلية، فهي تحتَ قدمي، إلا سِقاية الحاج، وسَدانة البيت»، قال القاضي عياض: قال العلماء: لا يجوزُ لأحَدٍ أنْ يَنْزعها منهم. قال: وهي ولاية لهم عليها منْ رسُول الله - اللهِ صلى الله عليه وسلم -، فتبقى دائمةً لهم ولذُرياتهم أبداً، ولا يُنازعون فيها، ولا يُشاركون ما داموا مَوجودين، صالحين لذلك. قوله: «فأتاهُ به»
قوله: «فأتاهُ به، فدخَلَ هو وأُسامةُ بنُ زَيدٍ، وبِلالُ بنُ رَباحٍ، وعُثْمانُ بنُ طَلْحةَ -رضي الله عنهم-، وأغْلَقوا البابَ عليهم، وفي رواية: «فأغلقها عليه» ضمير الفاعل يحتمل أنْ يكون لرسول الله - اللهِ صلى الله عليه وسلم -، فقد جاء في بعض الروايات: عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة يزعُمُون، أنّه لا يستطيع أحدٌ فتحَ الكعبة غيرهم، فأخذ رسُول الله - اللهِ صلى الله عليه وسلم - المِفْتاح، ففتحها بيده، لكنّها رواية ضعيفة، كما جاء في رواية أخرى «فأغلقاها عليه» والضّمير لعثمان وبلال، وهي رواية ضعيفة أيضًا، رواها مالك في الموطأ، والظاهر أنّ ضمير الفاعل لعثمان بن طلحة. فأمر بالباب فأغلق
ففي الرواية الثانية «فأمر بالباب فأغلق» وفي الرواية الخامسة: «وأجَافَ عليهم عثمان بن طلحة الباب» فالمباشر للغَلْق هو عثمان، لأنّه مِنْ وظيفته، وأسْندَ الفعل «أجَافُوا عليهم الباب» في الرواية الرابعة، باعْتبارهم راضيين به، وإنّما أمَرَ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - بإغْلاق الباب، ليكونَ أسْكن لقَلْبه، وأجْمع لخُشُوعه، ولئلّا يَجْتمعَ الناسُ عليه، ويَدخلوا ويزدَحموا، فينالهم ضَرر، ويَتشوّش عليه الحال بسببِ لغَطهم، وقد يقال: إنّما أغْلقه خشيةَ أنْ يكثرَ الناس عليه، فيُصلّوا بصَلاته، فليتزمُوها فيشقّ عليهم، كما فَعلَ في صلاة الليل، حيثُ لمْ يَخْرج إليهم. قوله: «ثمّ مكثَ فيها»
في الرواية الثانية: «فلَبثُوا فيه مَليا»، والضّمير في «فيه» للبيت، ومليّاً، أي: زَمَناً طويلاً. وفي الرواية الرابعة: «فأجافوا عليهم الباب طويلاً» أي: أغْلقوه عليهم زَمَناً طويلاً. وقوله: «فسألتُ بلالاً حينَ خَرَج» في الرّواية الثانية: «فبادرت الناس، فتلقيتُ رسُول الله - اللهِ صلى الله عليه وسلم - خارجاً، وبلال على إثْره، فقلت لبلال» وفي الرواية الرابعة: «فكنتُ أول مَنْ دَخل، فلقيتُ بلالاً فقلت». وفي الرواية الخامسة: «فخرج النبي - اللهِ صلى الله عليه وسلم - ورقيت الدرجة، وكانت قدر ثلثي ذراع، فدخلتُ البيت، فقلت». ومنْ مجموع الروايات يتبيّن: أنّ عبدالله بن عُمر حين فتح الباب، رَقَى الدّرجة التي تحت الباب، فدخل عقب خُرُوج النّبيّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم -، والتقى ببلال في الداخل قبل أنْ يَخْرج فسَأله، فمعنى «حينَ خَرَج» حينَ قَارب، وبَاشَرَ الخُرُوج. قوله: «ماذا صنع رسول الله - اللهِ صلى الله عليه وسلم -؟» أي: في داخل الكعبة. وفي الرواية الثانية: «فقلت لبلال: هل صلّى فيه رسُول الله - اللهِ صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال.... إلخ وهذه الرواية أوضح الروايات في سؤالِ ابن عمر لبلال، وقد ذكرتْ بعض الروايات بعضاً، وتركت بعضاً، وكأنه استثبت أنّه - اللهِ صلى الله عليه وسلم - صلّى في الكعبة، ثمّ سألَ عنْ مكان صلاته فيها. قوله: «بين العَمُودين تِلْقاءَ وَجْهه»
أي: في مقابل اتّجاهه. وكان سقفُ الكعْبة آنذاك قائماً على ستة أعْمدة في صفّين، كلُّ صفٍّ يَعْترض البابَ ثلاثةُ أعْمِدة، فتركَ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - صفّ الأعْمدة القريب مِنَ الباب، وفي الصفّ المُقدّم ترك عَمُوداً عن يمينه، وعمودين عن شماله، وفي مواجهة حائط الكعبة، وخلف ظَهره باب الكعبة، وهذا معنى قوله في الرواية الأولى: «جعلَ عَمُودين عن يساره، وعَمُوداً عن يمينه، وثلاثة أعْمدة وَرَاءه». وقوله في الرواية الثانية: «بين العَمُودين تلقاء وجْهه». وقوله في الرواية الرابعة: «بين العَمُودين المُقدّمين». وقوله في الرواية السادسة والسابعة: «بين العمودين اليمانيين» بتخفيف الياء، لأنّهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النّسب، وجوّز سيبويه التشديد. قال النووي: هكذا هو في مسلم: «عَمُودين عن يساره، وعَمُوداً عن يمينه». وفي رواية للبخاري: «عَمودين عن يمينه، وعَمُوداً عن يساره» وهكذا هو في الموطأ وفي سنن أبي داود. وفي رواية للبخاري: «عَمُوداً عن يمينه، وعَمُوداً عن يساره». اهـ وقد روى البخاري: أنّ عبدالله بن عُمر: كان إذا دَخَلَ الكعْبة، مَشَى قبل الوجْه حين يَدخل، ويجعل الباب قِبلَ الظُّهر، ويَمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبل وجْهه، قريباً من ثلاثة أذرع، فيُصلّي، يَتَوخّى المكان الذي أخبره بلالٌ، أنّ رسول الله - اللهِ صلى الله عليه وسلم - صلى فيه. مكوث النبي - اللهِ صلى الله عليه وسلم - داخل الكعبة
فمَكَثَ النَّبيُّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - ومَن معَه داخِلَ الكَعْبةِ وَقْتًا طَويلًا، ثمَّ خرَجَ، فأسرَعَ النَّاسُ في الدُّخولِ إلى الكَعْبةِ، وكان عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أسْبَقَ النَّاسِ إلى الدُّخولِ، فلمَّا دخَلَ وجَدَ بِلالَ بنَ رَباحٍ - رضي الله عنه - واقفًا وراءَ البابِ، فسَأَلَه: أين صلَّى رَسولُ اللهِ - اللهِ صلى الله عليه وسلم -؟ فقال له: صلَّى بيْنَ ذَيْنِكَ العَمودَيْنِ المُقدَّمَينِ، وكان البَيتُ الحَرامُ على سِتَّةِ أعْمِدةٍ سَطرَينِ، أي: صَفَّينِ، وذلك قبْلَ أنْ يُهدَمَ، ويُبْنى في زمَنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ -رضي الله عنهما-، فصلَّى النَّبيُّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - بيْنَ العَمودَينِ في الصَّفِّ الأوَّلِ، وجعَلَ البابَ خَلْفَ ظَهرِه، واستقبَلَ بوَجْهِه ما يَستَقبِلُه مَن يَدخُلُ البَيتَ مِن الجِدارِ، وكان عندَ المَكانِ الَّذي صلَّى فيه النَّبيُّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - مَرْمَرةٌ حَمْراءُ، وهي منَ الأحْجارِ النَّفيسةِ. قال ابنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: ونَسيتُ أنْ أسْأَلَه: كمْ صلَّى؟ فوائد الحديث


مَشْروعيَّةُ دُخولِ الكَعْبةِ، والصَّلاةِ بداخلها.
وفيه: السُّؤالُ عن الشّيء مِنْ أجْلِ العِلمِ، والحِرصُ عليه.
وفيه: تَواضُعُ النَّبيِّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم -، وحُسنُ عِشرَتِه لأصْحابِه، وحَملُه النَّاسَ على دابَّتِه.
ما كان عليه أصْحابُ رَسولِ اللهِ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - مِنَ الحِرصِ على معرفة سُنَّةِ النَّبيِّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم -، واتّباعها والعمل بها، فَفِيها خير الدُّنْيا والآخِرةِ، وكان مِن أحرَصِهم على ذلك عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ -رضي الله عنهما-.
أنّ الكَعبةُ المُشرَّفةُ هي بيتُ اللهِ العتيقُ، ولها مكانةٌ عظيمةٌ في قلوبِ المسلمينَ، وقد صلَّى النبيُّ - اللهِ صلى الله عليه وسلم - في جَوْفِها وداخِلَها عامَ فتحِ مكَّةَ.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-21-2026, 11:17 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم



– باب: التّلبية والتّكْبير في الغُدُو مِنْ مِنَى إلى عَرَفة




يشرع التَّهليلُ والتَّكبيرُ للمُحرِمِ يومَ عَرفةَ مع أنَّ شِعارَ الإحرامِ التَّلبيةُ ففيه: بَيانُ سَعةِ الأمرِ في الذِّكرِ يَومَ عَرَفةَ
الحَجُّ عِبادةٌ عَظيمةٌ تَجتَمِعُ فيها كَثيرٌ مِن أنواعِ العِباداتِ ومَنْ كان حَجُّهُ خالِصًا للهِ مُوافِقًا لهَدْيِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فليس له ثَوابٌ عندَ اللهِ إلَّا الجنَّةُ

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: «غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا الْمُلَبِّي، ومِنَّا المُكَبِّرُ»، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - وهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ-: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ؛ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَقَالَ: «كَانَ يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، ويُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ».
في الباب حديثان رواهما مسلم في الحج (2/933) باب: التّلْبية والتّكبير في الذّهاب إلى عَرفات في يوم عرفة، وروى البخاري الحديث الثاني في العيدين (970) باب: التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة. الحَديثِ الأول
في الحَديثِ الأول: يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّهم كانوا مَعَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في صَبيحةِ عَرفةَ، وكان ذلك في حَجَّةِ الوَداعِ في السَّنةِ العاشرةِ منَ الهِجرةِ، وعَرفةُ: جبلٌ يقَعُ على الطَّريقِ بينَ مكَّةَ وَالطَّائفِ، حيث يَبعُدُ عن مكَّةَ حَوالَيْ 22 كيلومترًا، وعلى بُعدِ 10 كيلومتراتٍ من مِنًى، و6 كيلومتراتٍ من مُزدَلِفةَ، وتُقامُ في عَرفةَ أهمُّ مناسِكِ الحجِّ، وهو الوُقوفُ به في اليومِ التَّاسِعِ من شَهرِ ذي الحِجَّةِ. قوله: «مِنَّا الْمُلَبِّي ومِنَّا المُكَبِّرُ»
أي: كان النَّاسُ معَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - منهم المُلبّي، أي: كان بَعضُهم يُلبِّي، فيَقولُ: لَبَّيْك اللَّهُمَّ لَبَّيْك، ويَرفَعُ بها صَوتَه، وفي رواية: «ومِنهمُ المُهِلُّ» يَعني: المُلبِّيَ، كما في رِوايةٍ أُخْرى لمسلِمٍ، فالإهْلالُ هوَ رفعُ الصَّوتِ بالتَّلْبيةِ، «ومِنهُم المُكبِّرُ» أيِ القائلُ: اللهُ أكبرُ، وفي هذا إشارةٌ إلى إقْرارِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لهم بهذه الأذْكارِ، سواءٌ أكان بالتَّكبيرِ أو بالتَّلبيةِ. وقيلَ: المرادُ أنَّه يُدخِلُ شَيئاً مِنَ الذِّكرِ خِلالَ التَّلبيةِ، لا أنَّه يَترُكُ التَّلبيةَ بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّ المَرويَّ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لمْ يَقطَعِ التَّلبيةَ حتَّى رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ. والتَّلبيةُ إنَّما تُشرَعُ للحاجِّ، وأمَّا لغَيرِ الحاجِّ في سائرِ البِلادِ؛ فيُشرَعُ له التَّكبيرُ مِن صُبحِ يومِ عَرَفةَ عَقِيبَ الصَّلواتِ المكتوبات، إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ. قال ابنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- في رواية: «فأمَّا نحنُ فنُكبِّرُ» أي: أنَّه -رضي الله عنهما- اخْتارَ هو ومَن معَه التَّكبيرَ في حَجَّتِهم تلك. فوائد الحديث
1- الحجُّ رُكنٌ مِن أَركانِ الإسْلامِ، وهوَ عِبادةٌ عظيمة، وتؤخَذُ أركانُه وسُنَنُه وآدابُه منَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. 2- مشروعية التَّهليلُ والتَّكبيرُ للمُحرِمِ يومَ عَرفةَ، مع أنَّ شِعارَ الإحرامِ التَّلبيةُ؛ ففيه: بَيانُ سَعةِ الأمرِ في الذِّكرِ يَومَ عَرَفةَ. 3- وفيه: بيانُ حِرصِ التَّابِعينَ على مَعرفةِ الأفضَلِ منَ السُّننِ والآدابِ. الحَديثِ الثاني
في الحَديثِ الثاني: يُخبِرُ التابعيُّ محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ الثَّقفيُّ أنَّه سَألَ أنَسَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - عن الذِّكرِ المَشروعِ حِينَما يَدفَعُ الحُجَّاجُ مِن منًى إلى عرَفاتٍ، وكان هذا صَباحَ يومِ عرَفةَ، ويكونُ ذلك في اليومِ التاسعِ مِن ذي الحِجَّةِ. قوله: «وهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ»
ومِنًى: وادٍ تُحيطُ به الجِبالُ، ويقَعُ شَرْقَ مكَّةَ، على الطَّريقِ بيْن مكَّةَ وجَبَلِ عَرَفةَ، ويَبعُدُ عن المسجدِ الحرامِ نحْوَ (6 كم) تَقريبًا، وفيه تُقامُ بَعضُ شَعائرِ الحجِّ؛ مِثلُ رمْيِ الجَمَراتِ. وعَرَفاتٌ: جَبَلٌ يقَعُ على الطَّريقِ بيْن مكَّةَ والطائفِ، ويُقامُ فيه أهمُّ مَناسِكِ الحَجِّ، وهو الوُقوفُ بعَرَفةَ يومَ التاسعِ مِن شَهرِ ذي الحجَّةِ. فأخْبَرَه أنسٌ - رضي الله عنه - أنَّهم عندَما حَجُّوا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَّةَ الوداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهِجرةِ، كان بَعضُهم يُلبِّي، فيَقولُ: لَبَّيْك اللَّهُمَّ لَبَّيْك، ويَرفَعُ بها صَوتَه، ولا يُنكِرُ عليهم النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، بيْنَما البَعضُ الآخَرُ يُكبِّرُ ويَقولُ: اللهُ أكبَرُ، ويَرفَعُ بها صَوتَه، ولا يُنكِرُ عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فإذا لمْ يُنكِرْ إظهارَ التَّكبيرِ للمُحرِمِ، الَّذي وَظيفتُه إظهارُ التَّلبيةِ، فلَغَيرُ المُحرِمِ مِن أهلِ الأمصارِ أَوْلى، وهذا إقرارٌ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالذِّكرِ، سواءٌ كان بالتَّكبيرِ أو بالتَّلبيةِ. وقيل: المرادُ كما سبق: أنَّه يُدخِلُ شَيئًا مِن الذِّكرِ خِلالَ التَّلبيةِ، لا أنَّه يَترُكُ التَّلبيةَ بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّ المَرويَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لم يَقطَعِ التَّلبيةَ حتى رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ. فوائد الحديث
1- دَليلٌ على أنَّ إظْهارَ التَّكبيرِ يومَ عَرَفةَ مَشروعٌ، ولو كان صاحبُه مُحْرِماً قاصِدًا عَرَفةَ للوُقوفِ بها، مع أنَّ شِعارَ الإحْرامِ التَّلبيةُ؛ ففيه: بَيانُ سَعةِ الأمرِ في الذِّكرِ يَومَ عَرَفةَ. 2- أنّ الحَجُّ رُكنٌ مِنْ أركانِ الإسلامِ، وهو عِبادةٌ عَظيمةٌ تَجتَمِعُ فيها كَثيرٌ مِن أنواعِ العِباداتِ، ومَنْ كان حَجُّهُ خالِصًا للهِ مُوافِقًا لهَدْيِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فليس له ثَوابٌ عندَ اللهِ إلَّا الجنَّةُ؛ فلذلك يَنبغِي على العَبدِ أنْ يَتَعلَّمَ كيف حَجَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. آثَارُ رَحْمَةِ اللهِ
أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى أُلُوهِيَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِي مُلْكِهِ، فَمَنْ تَدَبَّرَ وَتَفَكَّرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، فَهُوَ مِنْ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالْأَلْبَابِ، مِمَّنْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ، وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ الْمُتَّقُونَ، وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (الزمر:21)، فَالْمَطَرُ وَتَسْيِيرُ الرِّيَاحِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، فَالْمُؤْمِنُ يَسْتَبْشِرُ إِذَا رَأَى فَضْلَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَيُوقِنُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُغِيثُ، وَأَنَّ رَحْمَتَهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَثَرَهَا عَلَى الْخَلْقِ بِقَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌٌ} (الروم:٤8-50)، فَذَكَرَ اللَّهُ حَالَ الْخَلْقِ قَبْلَ نُزُولِ الْغَيْثِ أَنَّهُمْ مُبْلِسُونَ أَيْ: آيِسُونَ، وَأَخْبَرَ عَنْ كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَتَمَامِ نِعْمَتِهِ بِأَنَّهُ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ السَّحَابَ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ يَبْسُطُ السَّحَابَ وَيَمُدُّهُ وَيُوَسِّعُهُ كَيْفَ يَشَاءُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ كِسَفًا أَيْ: سَحَابًا ثَخِينًا أَطْبَقَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ -، فَيُنْزِلُ الْمَطَرَ كَالْوَدْقِ، نُقَطًا صِغَارًا مُتَفَرِّقَةً، لَا تَنْزِلُ جَمِيعًا فَتُفْسِدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ، فَيَسْتَبْشِرُ الْخَلْقُ بِنُزُولِ الْمَطَرِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ وَضَرُورَتِهِمْ إِلَيْهِ، فَتَأَمَّلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَثَرَ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَتَفَضُّلَهُ عَلَيْهِمْ؛ فَهَذِهِ نِعْمَةٌ تَسْتَلْزِمُ مِنَّا التَّأَمُّلَ وَالتَّدَبُّرَ وَالنَّظَرَ فِي أَسْبَابِهَا وَآثَارِهَا، وَمَا يَحْتَفِي بِهَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى مَلَكُوتِهِ وَقُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى!

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-22-2026, 06:00 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم

– باب: في الوقوف بعرفة، وقوله -تعالى-: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}




الوقوف بعرفة كان مِنْ شريعة إبراهيم عليه السلام فكانت العرب متمسكة به إلا ما كان مِنْ قريش فهدى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إليه
كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَتعبَّدُ اللهِ على الفِطرةِ الخالِصةِ والدِّينِ القَويمِ ويَتحَرَّى فِعلَ ما كان يَفعَلُه أبوه الخَليلُ إبراهيمُ عليه الصلاة والسَّلامُ

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- نَبِيَّهُ -صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. (البقرة:199)، وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْت:ُ وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمِنْ الْحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا؟ وكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنْ الْحُمْسِ. في الباب حديثان، رواهما مسلم في الحج (2/893-894) وبوّب عليه بمثل تبويب المنذري.
الحديث الأول
حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كانت قريش وَمن دَان دينهَا» أَي: كانت قبيلة قريش ومن كان على دين قُرَيْش. قَالَ الْخطابِيّ: الْقَبَائِل الَّتِي كَانَت تدين مَعَ قُرَيْش هم: بَنو عَامر بن صعصعة، وَثَقِيف، وخزاعة.
وكان يُفيضُ جَماعةُ النَّاسِ -غيرَ الحُمْسِ- مِن عَرَفاتٍ، وتُفيضُ الحُمْسُ مِن جَمْعٍ، وهي المُزدَلِفةُ، ولا يَتجاوَزونَها إلى عَرَفةَ؛ لِئلَّا يَخرُجوا عن حُدودِ الحَرَمِ الذي شَرَّفَهمُ اللهُ بسُكناه، وجَعَلَه عِصمةً لدِمائِهم وأموالِهم، هكذا زين لهم الشيطان، وعَرَفةُ ليسَتْ مِنَ الحَرمِ، وَكَانُوا إِذا أَحْرمُوا لَا يتناولون السّمن والأقط، ولَا يدْخلُونَ من أَبْوَاب بُيُوتهم، وكَانُوا يُسمون الْحمس؛ لأَنهم تحمّسوا فِي دينهم وتصلّبوا، والحماسة الشدَّة.
قَوْله: {ثمَّ أفيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس}
وقَوْله: {ثمَّ أفيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس} أي: سَائِر الْعَرَب غير الحمس، وَقيل: المُرَاد بالنَّاس آدم -عَلَيْهِ السَّلَام-، وَقيل: إِبْرَاهِيم، -عَلَيْهِ السَّلَام-، وقُرئ شاذّاً {من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِ} يَعْنِي: آدم -عَلَيْهِ السَّلَام-.
ويَحكي عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّ خالَتَه أُمَّ المُؤمِنينَ عائِشةَ -رضي الله عنها- أخبَرَتْ أنَّ آيةَ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (البقرة: 199). نزَلَتْ في الحُمْسِ، لِأنَّهم كانوا يُفيضونَ مِن جَمْعٍ مِنَ المُزدَلِفةِ، وهي المَكانُ الذي يَنزِلُ فيه الحَجيجُ بَعدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ، ويَبِيتونَ فيه لَيلةَ العاشِرِ مِن ذي الحِجَّةِ، وفيه المَشعَرُ الحَرامُ، وهو بجِوارِ مِنًى، وتَبعُدُ عن عَرَفةَ حَوالَيِ (1 كم)، فأُمِروا بالذَّهابِ إلى عَرَفاتٍ، لِيَقِفوا بها، ثم يُفيضوا منها إلى مُزدَلِفةَ مع بَقيَّةِ النَّاسِ، وعَرَفاتٌ: جَبَلٌ يَقَعُ على الطَّريقِ بَيْنَ مَكَّةَ والطَّائِفِ، يَبعُدُ عن مَكَّةَ حَوالَيِ (22 كم)، وعلى بُعدِ (10 كم) مِن مِنًى، و(6 كم) مِن مُزدَلِفةَ. فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ترك ما كان في الحَجِّ مِن أعمالِ الجاهليَّةِ، وأقَرَّ ما أمَرَه اللهُ -سُبحانَه وتعالى- بإقرارِه.
معنى الحديث
فمعنى الحديث: أنّ الإسلام قد غيَّر كثيراً من عادات الجاهلية وبيّن خَطأها، كما غير عاداتهم في أثناء الحجّ والعمرة، فكانت قريش ومَنْ اعتقد اعتقادها، وأخذ مأخذها من قبائل العرب، كخزاعة وبني عامر وغيرهم، يقفون بالمزدلفة لا يتجاوزونها، بل يُفيضُون منها إلى منى؛ وذلك لأنّ الشيطان اسْتهواهم، فقال لهم: إنكم إنْ عظَّمتم غيرَ حَرَمكم، استخفّ الناس بحَرَمكم! فكانوا لا يخرجُون مِنَ الحَرم، وهذا منْ جُملة ما غيّروه منْ دين إبراهيم -عليه السلام-. وكانوا يلقّبُون بالحُمْس، وسمّوا بذلك لما شدّدوا على أنفسِهم، وكانوا إذا أهلّوا بحجٍ أو عُمرة لا يأكلون لحْماً، وإذا قدِموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. وكان بقية العرب غير الحُمْس، ومَنْ دانَ دينها يقفون بعرفة على العادة القديمة، والطريقة المستقيمة الموروثة عن إبراهيم -عليه السلام-، فلما جاء الإسلام أمَرَ الله نبيّه -صلى الله عليه وسلم - أنْ يأتي عَرَفات، فيقف بها اتّباعاً لدَين إبراهيم -عليه السلام-، ثمّ يدفع مِنْ عَرَفات إلى المزدلفة، فذلك قوله: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} أي: ادْفعوا أنفسكم، أو مطاياكم يا معشر قريش، من عرفات إلى مزدلفة مع بقية الناس.
من فوائد الحديث


وجُوب الوقُوف بعرفة، وأنّ الحجّ لا يتِمُّ إلا به.
بيان تفسير هذه الآية الكريمة {ثمَّ أفيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس} وذلك أنّ قريشاً امتنعت منَ الوقُوف بعَرفة؛ لكونه خارج الحَرم، فأمروا به، فالمراد بالإفاضة: الإفاضة منْ عَرفة، وإن كان ظاهر سياق الآية أنها الإفاضة منْ مزدلفة؛ لأنها ذكرت بلفظة «ثم» بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام.
الوقوف بعرفة كان مِنْ شريعة إبراهيم -عليه السلام-، فكانت العرب متمسكة به، إلا ما كان مِنْ قريش، فهدى الله -تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم - إليه.

الحديث الثاني
في هذا الحَديثِ أيضًا: يَحكي جُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ -صلى الله عليه وسلم - أنَّه ضَيَّعَ بَعيرًا له، فذَهَبَ يَطلُبُه يَومَ عَرَفةَ -وذلك في الجاهليَّةِ قبل الإسلام- حتى وَصَلَ إلى عَرَفاتٍ، فرأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - واقِفًا بعَرَفةَ كسائِرِ القَبائِلِ العَربيَّةِ الأُخرى غيرَ قُرَيشٍ وما شابَهَها، فقال: هذا واللهِ مِنَ الحُمْسِ، يُشيرُ بذلك إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم -، لِأنَّ الحُمْسَ هم: قُرَيشٌ، وكِنانةُ، وجَديلَةُ، سُمُّوا بذلك، لِتَحمُّسِهم وتَشَدُّدِهم في دِينِهم، ومحمدٌ -صلى الله عليه وسلم - منهم؛ لِأنَّه قُرَشيٌّ، فما بالُه يَقِفُ ها هُنا في عَرَفاتٍ وهو مِنَ الحُمْسِ؟! والحُمْسُ إنَّما يَقِفونَ بِمُزدلِفةَ ولا يَتجاوَزونَها إلى عَرَفةَ، لِئلَّا يَخرُجوا عن حُدودِ الحَرَمِ، وعَرَفةُ ليسَتْ مِنَ الحَرَمِ. والمُزدَلِفةُ: المَكانُ الذي يَنزِلُ فيه الحَجيجُ بَعدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ، ويَبِيتونَ فيه لَيلةَ العاشِرِ مِن ذي الحِجَّةِ، وفيه المَشعَرُ الحَرامُ، وهو بجِوارِ مِنًى، وتَبعُدُ عن عَرَفةَ حَوالَيِ (12 كم).
وكانَتْ طَوائِفُ العَرَبِ تَقِفُ في مَوقِفِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ- مِن عَرَفةَ، وكان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّ أنْ يَقتفيَ أثَرَ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، ثم كان وُقوفُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - -بَعدَ البَعثةِ- مع طَوائِفِ العَرَبِ بعَرَفةَ، لِيَدعُوَهم إلى الإسلامِ، وما افترَضَ اللهُ عليه مِن تَبليغِ الدَّعوةِ وإفشاءِ الرِّسالةِ.
فوائد الحديث


مُخالَفةُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - لِمَا كان عليه أهلُ الجاهليَّةِ، مِمَّا خالِفوا فيه دِينَ إبراهيمَ -عليه الصلاة والسَّلامُ-.
كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَحفوظًا مِنَ اللهِ -سُبحانَه- قَبلَ البَعثةِ، وبَعدَها، وكان يَتعبَّدُ للهِ على الفِطرةِ الخالِصةِ، والدِّينِ القَويمِ، ويَتحَرَّى فِعلَ ما كان يَفعَلُه أبوه الخَليلُ إبراهيمُ -عليه الصلاة والسَّلامُ-.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-22-2026, 06:02 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم

– باب: في الإفَاضَةِ منْ عَرَفة والصّلاة بالمُزْدَلفة






في الحديث مَشروعيَّةُ المَبيت بالمُزدلِفةِ لَيلةَ النَّحرِ وفيه: مُبادَرةُ الحاجِّ بصَلاتي المغرِبِ والعِشاءِ جمعاً أوَّلَ قُدومِه المُزدلِفةَ
الحجُّ هو الرُّكنُ الخامسُ مِن أركانِ الإسلامِ وقد بيَّنَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَناسِكه بأقوالِه وأفعالِه ونَقَلها لنا الصَّحابةُ الكرامُ رضي الله عنهم أجمعينَ

عن كُرَيْبٍ: أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ -رضي الله عنهما-: كَيْفَ صَنَعْتُمْ حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - عَشِيَّةَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - نَاقَتَهُ وبَالَ، ومَا قَالَ: أَهَرَاقَ الْمَاءَ، ثُمَّ دَعَا بِالوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالبَالِغ،ِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَأَقَامَ المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَة،َ فَصَلَّى ثُمَّ حَلُّوا. قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/931) باب: اسْتِحباب إدامة الحَاج التّلبية حتى يَشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر.
كريب هو ابن أبي مسلم، الإمام، الحجة، أبو رشدين، الهاشمي العباسي، الحجازي، والد رشدين ومحمد، أدرك عثمان، روى له الستة، قال موسى بن عقبة: وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس، فكان علي بن عبدالله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه: ابعث إلي بصحيفة كذا وكذا، فينسخها، ويبعث إليه إحداهما.
يَروي عن أُسامةُ بنُ زَيْدٍ -رضي الله عنهما- أنَّه رَكِبَ خَلْفَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو يَنفِرُ مِن عَرَفاتٍ في حَجَّةِ الوداعِ، وكانت في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهِجرةِ، فلمَّا بَلَغَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - الشِّعْبَ الأيسرَ الَّذي هو قَريبٌ مِن المِزْدَلِفةِ أناخَ راحلتَه، أي: جَعَلَها تَقعُدُ على الأرضِ، ونَزَلَ مِن فَوقِها فبالَ، والشِّعبُ: الطَّريقُ بَينَ الجبلَين.
استعمال صرائح الألْفاظ
قوله: «فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - نَاقَتَهُ وبَالَ، وما قَالَ: أَهَرَاقَ المَاءَ» وفيه: استعمال صرائح الألْفاظ، التي قد تُسْتبشع ولا يُكنى عنها، إذا دَعَت الحاجة إلى التصريح، بأنْ خِيف لبس المعنى، أو اشْتباه الألفاظ، أو غير ذلك.
ثمَّ جاءه أُسامةُ بنُ زَيدٍ -رضي الله عنهما- بالماءِ فصَبَّ عليه، فتَوضَّأَ - صلى الله عليه وسلم - وُضوءًا خَفيفًا، قال: «فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغ» وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ: «ولم يُسبِغِ الوُضوءَ»، والمقصودُ به أنَّه يَستوعِبُ العضوَ بالماءِ، ولا يُكثِرُ الدَّلْكَ، ولا يَزيدُ على مَرَّةٍ مَرَّةٍ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الأصْلَ في فِعلِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - الإسباغُ، وهو إعطاءُ كُلِّ عُضوٍ حقَّه مِن الماءِ، وغسْلُه ثلاثًا ثلاثًا، كما هو متواترٌ في السُّنَّةِ.
فسَأَلَ أُسامةُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - وظَنَّ مِن نُزولِه ووُضوئِه أنَّه سيُؤدِّي صلاةَ المَغربِ، فأخْبَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الصَّلاةَ ستكون أمامَك، أي: عندَ الوُصولِ للمُزدلِفةِ، فرَكِبَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - حتَّى أتى المُزْدَلِفةَ، فصلَّى المَغرِبَ والعِشاءَ جمْعَ تَأخيرٍ. والمُزدلِفةُ: اسمٌ للمكانِ الذي يَنزِلُ فيه الحجيجُ بعْدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ، ويَبيتونَ فيه لَيلةَ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، وفيه المَشعَرُ الحرامُ، وتُسمَّى جَمْعًا، لأنَّها يُجمَعُ فيها بيْن الصَّلاتينِ المغربِ والعِشاءِ، وقيل: وُصِفَت بفِعلِ أهْلِها، لأنَّهم يَجتمِعون بها ويَزدَلِفون إلى اللهِ، أي: يَتقرَّبون إليه بالوقوفِ فيها. وتَبعُدُ عن عَرَفةَ حوالي (12 كم)، وهي بجِوارِ مَشعَرِ مِنًى.
وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ: «فرَكِبَ، فلمَّا جاء المزدلِفةَ نزَلَ فتَوضَّأَ، فأسْبَغَ الوُضوءَ، ثمَّ أُقِيمَت الصَّلاةُ، فصَلَّى المغرِبَ، ثمَّ أناخ كلُّ إنسانٍ بَعيرَه في مَنزلِه، ثمَّ أُقِيمَت العِشاءُ فصلَّى، ولم يُصلِّ بيْنهما»، قيل: تَخفيفُه في الوضوءِ الأوَّلِ هناك وإسباغُه هنا، لأنَّ الأوَّلَ لم يُرِدْ به الصَّلاةَ، وإنَّما أراد به دَوامَ الطَّهارةِ، ليَكونَ مُستصحِبًا للطَّهارةِ في طَريقِه، ولا سيَّما في تلك الحالةِ، لكَثرةِ الاحتياجِ إلى ذِكرِ اللهِ حينئذٍ، أو خفَّفَ الوُضوءَ لقِلَّةِ الماءِ حينئذٍ، ولكنْ لمَّا نَزَلَ وأراد الصَّلاةَ أسْبَغَه وأتَمَّه.
وقوله: «حتّى أقامَ العِشَاء الآخِرة» فيه دليلٌ لصحّة إطْلاق العشاء الآخرة، وأمّا إنكار الأصْمعي وغيره ذلك، وقولهم: إنّه منْ لَحن العوام؟ ومحال كلامهم، وأنّ صوابه العشاء فقط، ولا يجوز وصفها بالآخرة؟ فغلط منْهم، بل الصواب جوازه، وهذا الحديث صريحٌ فيه، وقد تظاهرت به أحاديث كثيرة، وقد سبق بيانه في مواضع من كتاب الصلاة.
لم يَزَلْ - صلى الله عليه وسلم - يُلبِّي حتَّى بَلَغَ الجَمرةَ الكُبرَى
ثمَّ أخْبَرَ أُسامةُ - رضي الله عنه - أنَّ الفضْلَ بنَ العبَّاسِ -رضي الله عنهما- رَكِبَ خلْفَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - صَبيحةَ لَيلةِ المَبيتِ بالمُزدلِفةِ، وهي صَبيحةُ يَومِ النَّحرِ اليومِ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ؛ حيث يَتوجَّهُ الحَجيجُ لرَمْيِ الجَمرةِ الكُبرى، وأخْبَر الفضلُ بنُ العَبَّاسِ -رضي الله عنهما-، أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - لم يَزَلْ يُلبِّي حتَّى بَلَغَ الجَمرةَ الَّتي بالعَقَبةِ -وهي الجَمرةُ الكُبرَى غَرْبَي مِنًى ممَّا يَلي مكَّةَ- صَبيحةَ يومِ النَّحرِ، وهو اليومُ العاشِرُ مِن ذي الحِجَّةِ، فقَطَعَ التَّلبيةَ حينَ بُلوغِها، وصِيغةُ التَّلبيةِ هي: «لَبَّيكَ اللَّهمَّ لَبَّيك، لَبَّيك لا شَريكَ لك لَبَّيك، إنَّ الحمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلْك، لا شَريكَ لك»، ويَبدَأُ وقْتُ التَّلبيةِ عندَ الإحرامِ بالحجِّ.
فوائد الحديث


في الحديث مَشروعيَّةُ المَبيت بالمُزدلِفةِ لَيلةَ النَّحرِ.
وفيه: مُبادَرةُ الحاجِّ بصَلاتي المغرِبِ والعِشاءِ جمعاً، أوَّلَ قُدومِه المُزدلِفةَ.
وفيه: تَواضُعُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه: مَشروعيَّةُ رُكوبُ اثنَينِ على الدَّابَّةِ إذا كانتْ مُطيقةً لذلك.
الحجُّ هو الرُّكنُ الخامسُ مِن أركانِ الإسلامِ، وقد بيَّنَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للصحابة المَناسِكَ بأقوالِه وأفعالِه، ونَقَلها لنا الصَّحابةُ الكرامُ -رضي الله عنهم- أجمعينَ.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-23-2026, 06:03 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: صِفة السّيْر في الدَّفعِ مِنْ عَرَفة






السُّنّة أنْ يكون السّيرُ في دَفْع الحُجّاج مِنْ عَرَفة إلى مُزدلفة ومِنْ مزدلفة إلى مِنَى، بغير إسْراعٍ وجَلَبة

عَنْ عُروة قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وأَنَا شَاهِدٌ، أَوْ قَالَ سَأَلْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْدَفَهُ مِنْ عَرَفَاتٍ، قُلْت:ُ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. رواه مسلم في الحج (2/936) باب: الإفاضة منْ عَرفات إلى المُزدلفة، واسْتحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعاً بالمُزدلفة في هذه الليلة، وقد رواه الإمام البخاري في الحج (1666) وبوّب عليه: بَابُ السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ.
في هذا الحَديثِ يَروي التَّابِعيُّ عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّه كان جالساً مع الصَّحابيِّ أُسامةَ بنِ زَيدٍ -رَضيَ اللهُ عنهما-، فسُئِلَ أُسامةُ عن سَيرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداعِ، حين دَفَعَ - صلى الله عليه وسلم - وأفاضَ مِن عَرَفاتٍ إلى مُزدَلِفةَ، فأخبَرَهم أنَّه كان يَسيرُ العَنَقَ، أيْ: يَسيرُ سَيراً مُتوسِّطاً لا يُسرِعُ فيه، لِئلَّا يُضايِقَ النَّاسَ ويُؤذيَهم، ولِيَكونَ قُدوةً لِغيرِه في ذلك، فإذا وَجَدَ فَجْوةً بَينَ النَّاسِ وطَريقاً واسِعاً فَسيحاً نَصَّ، أيْ: أسرَعَ في سَيرِه في هذا المَكانِ الواسِعِ.
قال البخاري عقب روايته للحديث: قَالَ هِشَامٌ: والنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ. ثم قال البخاري: فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ، والْجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وفِجَاء. اهـ. وكذلك جاء في رواية مسلم أنه من تفسير هشام أيضا.
قال النووي: أَمَّا الْعَنَق فَبِفَتْحِ الْعَيْن وَالنُّون، وَالنَّصّ بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد الصَّاد الْمُهْمَلَة هُمَا نَوْعَانِ مِنْ إِسْرَاع السَّيْر، وَفِي الْعَنَق نَوْع مِنْ الرِّفْق. و«الْفَجْوَة» بِفَتْحِ الفَاء: المَكَان المُتَّسِع. اهـ.
قال ابن المنذر: وحديث أسامة يدلّ أنّ أمْره بالسّكينة، إنّما كان في الوقت الذي لمْ يَجد فَجْوة، وأنّه حين وَجَدَ فَجْوة، سَار سَيراً فوق ذلك، وإنّما أرادَ بالسّكينة في وقتِ الزّحام. نَقَله ابن بطّال.
فأسامة بن زيد - رضي الله عنه - كان رديفَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - حينما دَفَع -صلى الله عليه وسلم - مِنْ عَرَفة، والدّفع ليس خاصّاً بالخُروج منْ عَرفة، فقد جاء في الحديث: «دفع مِنَ المُزدلفة قبل أنْ تطلع الشّمس». رواه النسائي.
صفة حجته -صلى الله عليه وسلم -
وفي حديث جابر في صفة حجته - صلى الله عليه وسلم -: «وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، ودَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى حَبْلا مِنْ الحِبَالِ، أَرْخَى لَهَا قَلِيلا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ». رواه مسلم.
و«الحِبَال» هُنَا بِالحَاءِ المُهْمَلَة المَكْسُورَة جَمْع حَبْل، وهُوَ التَّلّ اللَّطِيف مِنْ الرَّمْل الضَّخْم.
وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - ورَاءَهُ زَجْراً شَدِيداً وَضَرْباً، وصَوْتاً لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهم، وقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ». رواه البخاري. وقال: أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا.
فوائد الحديث


السُّنّة أنْ يكون السّيرُ في دَفْع الحُجّاج مِنْ عَرَفة إلى مُزدلفة، ومِنْ مزدلفة إلى مِنَى، بغير إسْراعٍ وجَلَبة.
وسببُ عدم إسْراعه - صلى الله عليه وسلم -، ونَهْيه عن الإسْراع، هو مُنافاته للخُشُوع والسّكينة الواجِبة للعِبادة، قال عكرمة: سأل رجلٌ ابنَ عباس عن الإيجِاف. فقال: إنَّ حَل حَل، يُشغل عنْ ذِكْر الله، ويُوطِئ ويُؤذِي.
وقال المهلب: إنّما نَهاهم عن الإيِضَاع والجَري، إبْقَاء عليهم، ولئلا يُجْحِفوا بأنفسِهم بالتسابق مِنْ أجْل بُعْدِ المَسَافة؛ لأنّها كانت تبهرهم فيَفْشلوا، وتذهبَ ريحهم، فقد نهى عن البلوغ إلى مثل هذه الحال. نقله ابن بطال.
وفيه: شَفَقته -صلى الله عليه وسلم - بأمّته، وحِرْصه -صلى الله عليه وسلم - عليهم، فهو كما قال الله -عزَّوَجَلّ- في وصفِه -صلى الله عليه وسلم -: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 128).
اسْتُثْنِي منْ ذلك: ما إذا مَرّ الحاجّ بِوادي مُحَسّر منْ مِنى.
قال ابن المنذر: فكان في معنى قوله: «عليكم بالسّكينة» إلا في بَطْن وادي مُحَسِّر، فقد روى جابر - رضي الله عنه -: «أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم - أوْضعَ في وادي مُحَسِّرٍ». رواه النسائي. وكان ابنُ مسعود، وابنُ عباس، وابنُ عمر، وابن الزبير يُوضِعُون في وادي مُحسّر، وتَبعهم على ذلك كثير من العلماء. نقله ابن بطال.
السّنَّة الرّفْق بالرُّفْقَة، ومُرَاعاة أحْوال الناس في السّير، وعدم تكلّف المشقَّة، قال النّووي: وفِيهِ، مِنْ الفِقْه: اِسْتِحْبَاب الرِّفْق فِي السَّيْر فِي حَال الزِّحَام.

إن الدين عند الله الإسلام
لما أهبط الله -عز وجل- آدم -عليه السلام- إلى الأرض أهبطه إليها مسلمًا موحدًا، ولما خاطب نوح -عليه السلام- قومه قال لهم: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس: 72)، ويحكي القرآن عن إبراهيم -عليه السلام- وسرعة استجابته للإسلام فيقول: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (البقرة: 131)، ومرة أخرى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران: 67)، والإسلام هو وصية كل نبي لقومه ولأولاده من بعده: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 132)، ويعقوب -عليه السلام- بدوره يختبر أبناءه ليطمئن أنهم لن يغيروا أو يبدلوا: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 133)، ووصية موسى -عليه السلام- لقومه: {يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} (يونس:84)، وهو ما علَّمه عيسى -عليه السلام-للحواريين ثم اختبرهم فيه: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 52)، وهكذا ما بُعِث نبي ولا أُرسِل رسول إلا بالإسلام. لذلك تجد القرآن الكريم يقرر في وضوح وجلاء قائلًا: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19)، ولا عجب إذًا أن يقولها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «.. والأنبياء إخوة لعَلَّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد»، «ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع»، ولأن الدين عند الله -عزوجل- واحد؛ هو الإسلام لا سواه، فأنه لن يقبل من مخلوق يوم القيامة أي دين آخر سوى دين الإسلام: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85)؛ «يعني أن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وأن كل دين سواه غير مقبول عنده؛ لأن الدين الصحيح ما يأمر الله به ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه، والسنة النبوية في هذا الصدد واضحة ظاهرة تقول في جلاء: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة»، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار».
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-23-2026, 06:05 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة




لا يُشْرع التنفل بين الصّلاتين المَجْمُوعتين ولا بعدهما وهو منْ بَابِ التيسير والتّخْفيف والاسْتعداد للمَناسك بِنَشاط
الأذان والإقامة مِنْ شَعَائر الإسْلام الظَّاهرة وهُما واجبان على المُقيمِين والمُسَافرين لأنّه لا يتمُّ العِلْم بالوَقتِ إلا بِهما غالبًا

عن عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ المَغْرِبِ والْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَ عبداللَّهِ يُصَلِّي بِجَمْعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ -تعالى-. الحديث رواه مسلم في الحج (2/937) باب: الإفاضة منْ عَرَفات إلى المُزْدلفة، واسْتحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعاً بالمُزدلفة في هذه الليلة.
قوله: «جَمَعَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المغرب والعشاء بجمع» قال الحافظ: أي: المزدلفة، وسُميت «جَمعًا»؛ لأنّ آدم اجْتمع فيها مع حوّاء، وازدلف إليها، أي: دَنَا منها، وروى عن قتادة أنّها سُمّيت جمعاً؛ لأنّها يُجْمع فيها بين الصّلاتين، وقيل: وُصِفت بفِعل أهلها؛ لأنّهم يَجتمعون بها ويزْدلفون إلى الله، أي: يَتقرّبون إليه بالوقُوف فيها، وسُمّيت المُزدلفة، إمّا لاجتماع الناس بها، أو لاقترابهم إلى مِنى، أو لازْدلاف الناس منها جميعاً، أو للنُّزول بها في كلّ زلفة مِنَ الليل، أو لأنّها منزلة وقُربة إلى الله، أو لازْدلاف آدم إلى حَواء بها. قوله: «لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ»
وفي لفظ: «ولمْ يُسبِّح بَينهما» أي: لمْ يَتنفّل، وفي لفظ: «ولا على إثْر كلّ واحدةٍ منْهما» أي: عَقِبها، ويستفاد منه أنّه ترك التنفل عقب المغرب وعَقِب العشاء، ولمّا لمْ يكن بين المَغرب والعشاء مُهلة، صرّح بأنّه لمْ يتنفّل بينهما، بخِلاف العشاء، فإنّه يَحْتمل أنْ يكونَ المُراد أنّه لمْ يتنفّل عَقِبها، لكنّه تنفَّل بعد ذلك في أثناءَ الليل. ورواه البخاري في: باب: مَنْ أذَّن وأقامَ لكلّ واحدةٍ منْهما. عن عبدالرحمن بن يزيد يقول: حجّ عبدالله - رضي الله عنه -، فأتينا المُزْدلفة حين الأذان بالعَتَمة، أو قريباً منْ ذلك، فأمرَ رجلًا فأذّنَ وأقام، ثمّ صلّى المَغرب وصلّى بعدها ركعتين، ثمّ دَعا بعَشائه، فتعشَّى، ثمّ أمَرَ رجلًا فأذّن وأقام، وقال البخاري أيضاً: باب: الجَمْع بين الصّلاتين بالمزدلفة. وذكر حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: دَفَعَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - منْ عَرَفة، فنَزَل الشِّعب، فبالَ ثمّ تَوضّأ، ولمْ يُسْبغ الوُضُوء، فقلت له: الصّلاة؟ فقال: «الصّلاةُ أمَامَك»، فجَاءَ للمُزْدَلفة فتوضَّأ فأسبَغ، ثمّ أُقِيمت الصّلاة، فصَلّى المَغْرب، ثمّ أناخَ كلُّ إنْسانٍ بعيره في مَنْزله، ثمّ أُقِيمت الصّلاة، فصلّى ولمْ يُصلّ بينهما. ولمسلم: «فأقامَ المَغْرب، ثمّ أنَاخَ النّاس، ولمْ يَحُلُّوا حتّى أقامَ العِشاء، فصَلُّوا ثمّ حلُّوا»، قال الحافظ: وكأنّهم صَنَعوا ذلك رِفْقاً بالدّواب، أو للأمْنِ مِنْ تَشوُّشهم بها، وفيه إشعارٌ بأنّه خفَّف القراءة في الصّلاتين. وفيه: أنّه لا بأسَ بالعَمل اليَسِير بين الصّلاتين اللتين يُجْمعُ بيْنَهما، ولا يَقْطعُ ذلك الجَمع. انتهى. أي: لمّا غَربت الشّمس مِنْ يوم عَرَفة، انْصرفَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منْها إلى «مزدلفة»، فصلَّى بها المَغْرب والعِشاء جَمع تأخير، بإقامةٍ لكلّ صلاة، ولمْ يُصَلِّ نافلة بينهما، تحقيقاً لمعنى الجَمع، ولا بعدهما، ليأخذ حظّه مِنَ الرّاحة، اسْتعداداً لما بعدها من مناسك. حكم الإمام إن كان مكيا
وقال ابنُ رشد في (بداية المُجْتهد): «واخْتلَفُوا إذا كان الإمام مَكيًّا، هل يقصر بمِنَى الصلاة يوم التروية، وبعَرفة يوم عَرفة، وبالمُزدلفة ليلة النّحر إنْ كان مِنْ أحد هذه المواضع؟ فقال مالك والأوزاعي وجماعة: سُنّة هذه المواضع: التّقصير، سواءً كان مِنْ أهلها، أم لمْ يكنْ، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وداود: لا يَجُوز أنْ يَقصُر مَنْ كان مِنْ أهْل تلك المواضع. وحُجّة مالك: أنّه لمْ يرو أن أحداً أتَمّ الصلاة معه - صلى الله عليه وسلم -، أعْنِي بعد سلامه منها، وحُجّة الفريق الثاني: البقاء على الأصْل المَعْرُوف: أنّ القَصْر لا يجوز إلا للمُسَافر، حتّى يَدلّ الدليلُ على التخصيص انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويَجْمع ويَقصُر ومزدلفة وعرفة مطلقًا، وهو مذهب مالك وغيره من السلف، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، واختاره أبو الخطاب في عبادات ولا يشترط للقصر والجمع نيّة، واختاره أبو بكر عبدالعزيز بن جعفر وغيره» انتهى. وقوله: «وصَلّى المَغْربَ ثلاثَ رَكَعات، وصَلّى العِشَاء رَكْعتين» فيه دَليلٌ على أنّ المغرب لا يُقْصَر، بل يُصَلّى ثلاثاً أبَداً، وكذلك أجمع عليه المسلمون، وفيه: أنّ القَصرَ في العِشَاء وغيرها مِنَ الرُّباعيات أفْضل. من فوائد الحديث


مَشْرُوعية جمع التأخير بين المغرب والعشاء في «مُزدلفة» في ليلتها.
أنْ يُقام لكلّ صلاةٍ مِنَ المغرب والعشاء، إقامة واحدة.
لمْ يَذكر في هذا الحديث، الأذان لهما، وقد صحّ من حديث جابر - رضي الله عنه - أنه: «- صلى الله عليه وسلم - جَمَعَ بينهما بأذانٍ وإقامتين». ومَنْ حَفِظ حُجّة على مَنْ لم يحفظ.
أنّه لا يُشْرع التنفل بين الصّلاتين المَجْمُوعتين ولا بعدهما، وهو منْ بَابِ التيسير والتّخْفيف، والاسْتعداد للمَناسك بِنَشاط، لأنّ هذه المَناسك، ليس لها وقتٌ تُشْرع فيه إلا هذا، فيَنْبغي التّفرّغ لها، والاعْتِناء بها قبل فواتها.
وفيه: يُسْر الشّريعة وسُهولتها، رحمةً مِنَ الشّارع، الذي عَلِمَ قُدْرة النّاس وطاقتهم وما يُلائمهم.
والتخفيف والتيسير على الحاجّ مطلوب، فهم في مَشَقّةٍ مِنَ التّنقّل، والقيام بمناسكهم.

باب: صلاةُ المَغْرب والعِشَاء بالمُزْدَلفةِ بإقَامةٍ واحِدة
عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قال: أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- حَتَّى أَتَيْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الْمَكَانِ. الحديث رواه مسلم (2/938) في الباب السابق نفسه.
وفي حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-، في وَصْف حَجّة الرّسُول - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثُمّ أذَّنَ ثُمّ أقامَ، فَصَلّى الظُّهرَ، ثُمّ أقامَ فَصَلّى العَصْر، ولمْ يُصلّ بينهما شيئا، قال: حتّى أتَى المُزْدلفة فَصَلّى بها المَغْربَ والعِشَاء، بأذانٍ وَاحدٍ وإقَامَتين». رواه مسلم (1218). قال ابنُ قدامة في «المغني»: «فإنْ جَمَعَ بينَ صَلاتين في وقتِ أُولاهُما، اسْتُحبّ أنْ يُؤذّنَ للأولى ويُقيم، ثُمّ يُقيم للثّانية، وإنْ جَمَع بينهما في وقتِ الثانية، فهُما كالفائتتين، لا يتأكّدُ الأذانُ لهما؛ لأنّ الأُولى منْهما تُصلّى في غَيرِ وَقْتها، والثانية مسبوقة بصَلاةٍ قبلها، وإنْ جَمَع بينهما بإقامةٍ واحِدة، فلا بأس. انتهى - يجوزُ الفَصْل بين الصّلاتين المَجْمُوعتين، بإقامةٍ ووُضُوء خَفيف، عند الجُمْهور. - وأمّا حُكْمُ الأذان والإقامة: فهُما فَرضُ كفاية، فيكفي عن الجَمَاعة أنْ يُؤذّن ويقيم أحدُهم، ولا يُطلب ذلك مِنْ كلّ واحدٍ مِنَ الجَماعة، فإذا كانوا في بلدٍ قد أَذّنَ فيه المؤذنُون في المساجد، كفَاهم ذلك، وأقَامُوا لكلّ صَلاة. الدَّليل على فَرَضِيتهما
قال الشيخُ مُحمّد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: «والدَّليل على فَرَضِيتهما- أي: الأذان والإقامة-: أَمْرُ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بِهما في أحاديث عِدَّة، ومُلازمته لهما في الحَضَر والسَّفر، ولأنّه لا يتمُّ العِلْم بالوَقتِ إلا بِهما غالبًا، ولتعيُّن المَصْلحة بهما، لأنَّهما مِنْ شَعَائر الإسْلام الظَّاهرة، وهُما واجبان على المُقيمِين والمُسَافرين، ودليله: أنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمالك بن الحويرث وصحبِه: «إذا حَضَرت الصَّلاةُ، فليُؤذِّن لكُم أحدُكُم»، متفق عليه. وهُم وَاِفدُون على الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، مُسَافرون إلى أهْليهم، فقد أمَر الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُؤذِّن لهم أحدُهم، ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمْ يَدَعِ الأذان ولا الإقامة، حَضَراً ولا سَفَراً، فكان يُؤذِّن في أسْفاره، ويأمُر بلالاً أن يُؤذِّنَ.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-26-2026, 04:13 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: تقديم الظُّعن مِنَ مزدلفة




مَشروعيَّةُ تَقديمِ الضَّعَفةِ والنِّساءِ مِن مُزدلِفةَ إلى مِنًى قبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ وبعْدَ منتصْفِ اللَّيلِ لِيَرموا جَمْرةَ العَقبةِ

عن عبداللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ قَالَ: قَالَتْ لِي أَسْمَاءُ وَهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: ارْحَلْ بِي، فَارْتَحَلْنَا حَتَّى رَمَتْ الجَمْرَة،َ ثُمَّ صَلَّتْ فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ هَنْتَاهْ، لَقَدْ غَلَّسْنَا؟ قَالَتْ: كَلَّا أَيْ بُنَيَّ، إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ لِلظُّعُنِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/940) في الباب السابق، ورواه البخاري (1679) في كتاب الحج، باب: مَنْ قَدّمَ ضَعفةَ أهْله بليلٍ فيقفون بالمزدلفة ويَدْعُون، ويَقدُم إذا غَابَ القَمر.
في هذا الحديثِ يُخبِرُ عبداللهِ وهو ابنُ كَيسانَ، القُرَشي التّميمي مولاهم، مَولى أسماء بنتِ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ، ثقة، قال: إنَّ أسْماءَ بنتَ أبي بكْرٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- قَالَتْ له «وهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ» أي: وهي نازلةٌ عند الدّار المَبْنيّة في مُزدلفة، وهي مَشهورةٌ في ذلك الزّمن في مُزْدلفة، فهي نزَلَتْ لَيلَةَ العاشرِ مِن ذي الحجَّةِ، بعدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ إلى مُزْدَلِفةَ، والمُزدلِفةُ: كما مرّ معنا: اسمٌ للمكانِ الذي يَنزِلُ فيه الحَجيجُ بعْدَ الإفاضةِ مِنْ جبَلِ عَرَفاتٍ، ويَبيتونَ فيه لَيلةَ العاشرِ مِنْ ذي الحِجَّةِ، وفيه المَشعَرُ الحَرامُ، وتُسمَّى جَمْعاً، وتَبعُدُ عن عَرَفةَ حوالي (12) كم. إحياء أسماء لبعض الليل
فأحيَتْ أسْماءُ -رضي الله عنها- بعضَ اللَّيلِ، بالعِبادةِ والصَّلاةِ، ثمَّ قالت لِمَولاها عبداللهِ: يا بُنيَّ، هلْ غابَ القمَرُ؟ فأجابَها بـ«لا»، فواصَلَت إحياءَ لَيلِها بالصَّلاةِ والدُّعاءِ، كما في قوله: «فَصَلَّتْ سَاعَةً» أي: استَمرَّت في الصّلاة، ثُمَّ قَالَتْ: «يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ» حتَّى غابَ القَمرُ، ومَغيبُ القمَرِ تلك اللَّيلةَ يَقَعُ عندَ أوائلِ الثُّلثِ الأخيرِ، قبْلَ الفجْرِ بنحْوِ ساعةٍ ونِصفٍ إلى ساعتينِ، وسَببُ سُؤالِها: لِتَعلَمَ كمْ بَقِيَ مِن اللَّيلِ؟ فقدْ كُفَّ بَصَرُها في آخر حَياتِها -رَضيَ اللهُ عنها-، قال الحافظ: ومَغيبُ القَمَر تلك الليلة يقع عند أوائل الثُّلث الأخير، ومَنْ ثَمَّ قَيّده الشافعي ومَنْ تَبعه بالنّصْف الثاني. انتهى. ثم انْصَرَفَت إلى مِنًى- وهو كما ذكرنا- وادٍ يُحيطُ به الجِبالُ، يقَعُ في شرْقِ مكَّةَ على الطَّريقِ بيْن مكَّةَ وجبَلِ عَرفةَ، ويَبعُدُ عن المسجِدِ الحرامِ نحوَ (6 كم) تَقريباً، وهو مَوقعُ رمْيِ الجَمراتِ، فلمَّا وصَلَتْ إليها، رمَتْ جَمرةَ العَقبةِ في آخِرِ اللَّيلِ قبْلَ الفَجرِ، ثمَّ رَجَعَت فصَلَّت الصُّبحَ في مَكانِها الذي نزَلَتْه في مِنى، فقالَ لها مَولاها: «يا هَنْتَاهُ» أي: يا هذِه، قال ابن الأثير: وتُسكّن الهاء التي في آخرها وتُضم، ويقال في التّثنية: يا هنتان في المُؤنث، وفي جَمْعه: يا هنتان وهنوات، وفي المذكر: يا هَن ويا هَنان ويا هنون، وأصْله مِنَ الهَن، ويُكنى به عن نكرة كلّ شيء، فقولك للمُذكّر: يا هَن، كقولك: يا رجل، وقولك للأنثى: يا هنة، كقولك: يا امْرأة. قوله: «لقد غَلَّسْنَا»
قوله: «لقد غَلَّسْنَا» أي: جِئنا بِغَلَسٍ، وهو ظَلامُ آخِرِ اللَّيلِ، والمَعنى: أنَّنا تَسرَّعنا في الرَّحيلِ مِن مُزْدَلِفةَ، ورَمْيِ الجَمْرةِ باللَّيلِ، فأجابَته بأنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ ورخَّصَ لِلظُّعُنِ، والظُّعُنِ: جَمْعُ ظَعينةٍ، وهي المرأةُ في الهَودجِ، ثمَّ أُطلِقَ على المَرأةِ مُطلقاً، أي: رَخَّص للنِّساءِ في النُّزولِ مِن مُزْدَلِفةَ إلى مِنًى، في آخِرِ اللَّيلِ قبلَ الفَجرِ، ليَكونَ أبعَدَ عن مَشقَّةِ الزِّحامِ. قال النووي -رحمه الله-: «إن النّبّي - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ للظُّعُن» بضم الظّاء والعين، وبإسكان العين أيضاً، وهنّ النّساء، الواحدة ظعينة، كسَفينة وسُفُن، وأصلُ الظّعينة: الهَودج الذي تكونُ فيه المَرأة على البَعير، فسمّيت المَرأةُ به مَجازًا، واشتُهر هذا المَجاز حتّى غلب، وخفيت الحقيقة، وظَعينة الرّجل امرأته اهـ. (شرح مسلم) (9/40)، وقال صاحب المُغني: لا نعلمُ خِلافاً في جَواز تقديم الضّعَفة بليلٍ مِنَ جمع إلى مِنى اهـ، وسبب سُؤالها: نشأ مِنْ عَمَاها الذي عَرَضَ لها في آخر عُمْرها -رضي الله عنها. قوله: «فارْتَحلنا»
قوله: «فارْتَحلنا» أي: إلى مِنَى «حتّى رَمَت الجَمْرة» أي: جَمْرة العَقَبة «ثمَّ» بعد رَمْيها «صَلّت» أي: صَلاةَ الصُّبْح «في مَنْزلها» بمِنَى «فقلت لها أي هنتاه» أي: يا هذه، وهو بفتح الهاء وبعدها نون ساكنة أو مفتوحة وإسْكانها أشهر ثمَّ تاء مثناة من فوق. قال الحافظ: واستدلّ بهذا الحديث على جواز الرّمي قبل طُلوع الشّمس، عند مَنْ خَصّ التّعجيل بالضّعفة، وعند مَنْ لمْ يُخصّص. وخالف في ذلك الحَنفيّة فقالوا: لا يَرمي جَمرة العَقبة إلا بعد طُلوع الشمس، فإنْ رَمى قبلَ طلوع الشّمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإنْ رَماها قبل الفَجر أعَادها، وبهذا قال أحمد، وإسحاق والجمهور، وزاد إسحاق: ولا يرميها قبل طُلوع الشّمس. وبه قال النخعي، ومجاهد، والثوري، وأبو ثور، ورأى جواز ذلك قبل طُلوع الفجر: عطاء، وطاوس، والشعبي، والشافعي. واحْتجّ الجُمْهور: بحديث ابن عمر الماضي قبل هذا، واحتجّ إسْحاق بحديث ابن عباس: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لغِلْمان بني عبدالمطلب: «لا تَرْمُوا الجَمْرة حتّى تَطْلعَ الشّمْس» وهو حديثٌ حَسن، أخرجه أبو داود، والنسائي، والطّحاوي، وابن حبان... قال: وإذا كان مَنْ رخّص له، منع أنْ يَرمي قبلَ طُلوع الشّمْس، فمَنْ لمْ يرخص له أولى. واحتج الشافعي بحديث أسماء هذا. ويُجْمع بينه وبين حديثِ ابن عباس، بحَمل الأمر في حديث ابن عباس على النّدْب، ويؤيده ما أخرجه الطحاوي: من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه قال: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أهله، وأمرني أن أرمي مع الفجر. وقال ابن المنذر: السُّنّة ألا يَرْمي إلا بعد طُلوع الشّمس، كما فَعلَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَجوز الرّمي قبل طُلوع الفجر؛ لأنّ فاعله مُخالفٌ للسّنّة، ومَنْ رَمَى حينئذ فلا إعَادة عليه؛ إذْ لا أعْلم أحداً قال: لا يُجْزئه. قال الحافظ: واسْتدلّ به أيضاً: على إسْقاط الوقُوف بالمَشْعر الحَرام عن الضّعَفة، ولا دلالة فيه؛ لأنّ رواية أسْماء، ساكتة عن الوُقُوف، وقد بيّنته رواية ابن عمر التي قبلها. اختلاف السلف في هذه المسألة
وقد اختلفَ السلفُ في هذه المسألة، فكان بعضُهم يقول: مَنْ مَرّ بمُزْدلفة، فلمْ يَنزلْ بها فعليه دَمٌ، ومَنْ نَزَل بها، ثمّ دَفَع منْها، في أيّ وقتٍ كان مِنَ الليل، فلا دَمَ عليه، ولو لم يقفْ مع الإمام، وقال مجاهد، وقتادة، والزُّهري، والثّوري: مَنْ لمْ يقفْ بها، فقد ضَيّع نُسُكاً وعليه دَمٌ، وهو قولُ أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وروي عن عطاء، وبه قال الأوزاعي لا دم عليه مطلقاً وإنّما هو منزل من شاء نزل به ومن شاء لم ينزل به. وذهب ابن بنت الشافعي، وابن خزيمة إلى أنّ الوقُوف بها رُكنٌ لا يتمّ الحَجّ إلا به. وأشار ابن المنذر إلى تَرْجيحه، ونقله ابن المنذر، عن علقمة، والنخعي، والعجبُ أنّهم قالوا: مَنْ لمْ يقف بها، فاته الحج، ويَجعل إحْرامه عُمْرة. واحتجّ الطّحاوي: بأنّ الله لمْ يذكر الوقوف، وإنّما قال: {فاذْكُروا اللهَ عندَ المَشْعرِ الحَرَام}. وقد أجْمعوا على أنّ مَنْ وَقَفَ بها بغير ذِكْر، أنّ حَجّه تَامٌّ، فإذا كان الذّكر المَذكور في الكتاب، ليس مِنْ صُلب الحج، فالمَوطن الذي يكون الذّكر فيه، أحْرَى أنْ لا يكون فرْضاً. قال: وما احتجوا به منْ حديث عروة بن مضرس- وهو بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة - رفعه قال: «مَنْ شَهِدَ معنا صلاة الفَجر بالمُزْدلفة، وكان قد وَقفَ قبلَ ذلك بعَرَفة ليلاً أو نَهاراً، فقد تَمّ حَجّه». لإجماعهم أنّه لو بات بها، ووقف ونام عن الصلاة، فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أنّ حجّه تام. انتهى. وحديث عروة: أخرجه أصحابُ السنن، وصحّحه ابن حبان، والدارقطني، والحاكم ولفظ أبي داود عنه: أتَيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالمَوقف- يعني بجَمع - قلت: جئتُ يا رسُول الله، مِنْ جبل طيئ، فأكللتُ مَطيّتي، وأتْعبتُ نفسِي، والله ما تركتُ مِنْ جبلٍ إلا وَقَفتُ عليه فهل لي مِنْ حَج؟ فقال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «منْ أدركَ مَعنا هذه الصّلاة، وأتى عَرفات قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تمّ حَجّه، وقَضَى تَفَثه». وللنسائي: «مَنْ أدْركَ جَمْعاً مع الإمامِ والناس، حتّى يُفيضُوا فقدْ أدْرك الحَجّ، ومَنْ لمْ يُدْرك مع الإمامِ والناس، فلمْ يُدْرك»، وقد ارْتكبَ ابنُ حزم الشّطط، فزَعم أنّه مَنْ لمْ يُصلّ صلاة الصّبْح بمُزْدلفة مع الإمام، أنّ الحَج يفوته، الْتزاماً لما ألْزمه به الطّحاوي، ولمْ يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجْزاء، كما حكاه الطّحاوي، وعند الحنفية: يجب بترك الوقوف بها دم لمن ليس به عذر، ومن جملة الأعذار عندهم الزحام. انتهى باختصار (الفتح) (3/528-529). فوائد الحديث


مَشروعيَّةُ تَقديمِ الضَّعَفةِ والنِّساءِ مِن مُزدلِفةَ إلى مِنًى، قبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وبعْدَ منتصْفِ اللَّيلِ، لِيَرموا جَمْرةَ العَقبةِ.
وفي الحديث التَّيسيرِ على الناسِ، ورَفْعِ المَشقَّةِ عنهم، والرَحمة بالضُّعفاءِ والنِّساءِ، وقد ظَهَرَ هذا جَلِيّاً في مَناسِكِ الحجِّ، قال اللهُ تعالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185)، وقال -سبحانه-: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78).

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-26-2026, 04:17 PM
https://al-forqan.net/wp-/uploads/2024/10/شرح-مسلم.jpg


شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: التّغْلِيس بصَلاة الصُّبْح بالمُزْدلفة




في الحديث مَشروعيَّةُ الدَّفْعِ مِن المُزدلِفةِ إلى مِنًى بعْدَ مُنتصَفِ اللَّيلِ للضَّعَفةِ خَشيةَ الزِّحامِ كما قال اللهُ تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}
ظَهَرَ جَلِيًّا في مَناسِكِ الحجِّ مِن التَّيسيرِ على الناسِ ورَفْعِ المَشقَّةِ عنهم ورَحمتِه سبحانه خُصوصًا بالضُّعفاءِ والنِّساءِ قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}

عَنْ عبداللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِجَمْع،ٍ وصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا، الحديث أخرجه مسلم في الحج (2/938) باب: استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النّحر بالمزدلفة، والمبالغة فيه بعد تحقّق طُلوع الفجر، وأخرجه البخاري في (كتاب الحَج) حديث (1682) باب: متّى يُصلّي الفَجْر بجَمع».
قوله: «ما رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى صلاة إلا لمِيقاتها، إلا صلاتين: صلاةَ المَغرب والعِشاء بجَمع، وصلّى الفَجرَ يومئذٍ قبلَ مِيقاتها» معناه: أنّه صلى المغرب في وقت العشاء بجَمع، وهي المُزْدلفة، وصَلّى الفجر يومئذ قبلَ ميقاتها، أي: المُعْتاد، ولكنْ بعد تحقّق طلوع الفجر. قوله: «قبلَ وَقْتها»
فقوله: «قبلَ وَقْتها» المُراد: قبلَ وَقْتها المُعتاد، لا قبلَ طُلوع الفَجر، لأنّ ذلك ليسَ بجائزٍ بإجْماع المسلمين، فيَتعَيّن تأويله على ما ذكرناه، وقد ثبتَ في صحيح البُخاري في هذا الحديث: أنّ ابنَ مَسْعود صلّى الفَجْر حينَ طَلَعَ الفَجْر بالمُزْدلفة، ثمّ قال: «إنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى الفَجْر هذه السّاعة»، وفي رواية: «فلمّا طَلَعَ الفَجْر قال: «إنّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ لا يُصلّي هذه السّاعة، إلا هذه الصّلاة في هذا المَكان منْ هذا اليوم». قيل: كان يُبكِّرُ مِنْ أجْلِ أنْ يَتَّسِعَ الوقتُ للذِّكرِ والدُّعاءِ، لأنَّ ما بيْن صَلاةِ الفجْرِ ودفْعِ الناسِ إلى مِنىً، مَحلُّ ذِكرٍ ودُعاءٍ. وأيضًا: لِيتَّسِعَ الوقتُ لِما بيْن أيْدِيهم مِنْ أعْمالِ يومِ النّْحْرِ مِنَ المَناسِكِ. اسْتحباب الصّلاة في أوّل الوقت
قال النووي: «وفي هذه الرّوايات كلّها حُجّةٌ لأبي حنيفة في اسْتِحباب الصّلاة في آخر الوقت في غير هذا اليوم، ومَذْهبنا ومذهب الجُمهور: اسْتحباب الصّلاة في أوّل الوقت في كلّ الأيام، ولكنْ في هذا اليوم أشدّ اسْتِحباباً، وقد سبق في كتاب الصلاة إيضاح المسألة بدلائلها، وتُسنُّ زيادة التّبْكير في هذا اليوم. قال: وأجابَ أصحابنا عن هذه الروايات بأنّ معناها: أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان في غير هذا اليوم، يتأخّرُ عن أوّل طُلوع الفَجر لَحْظة، إلى أنْ يأتيه بلالٌ، وفي هذا اليوم لمْ يَتأخّر، لكثرة المَناسك فيه، فيَحتاج إلى المُبالغة في التّبكير، ليَتّسع الوقتُ لفِعل المناسك. والله أعلم». والجوابُ لأصْحاب أبي حنيفة أيضاً عن هذا الحديث: أنّه مَفْهُوم، وهم لا يقولون به، ونحنُ نقولُ بالمفهوم، ولكنْ إذا عارضه مَنْطُوقٌ، قدّمناه على المفْهُوم، قد تظاهرت الأحاديثُ الصّحيحة بجواز الجَمْع، ثم هو مَتْروك الظّاهر بالإجْماع في صَلاتي الظّهر والعصر بعرفات. وفي البخاري: عن عبدالرحمنِ بنِ يزيدَ قالَ: خرجْنا مع عبداللهِ - رضي الله عنه - إلى مكةَ، ثمّ قَدِمنا جمعًا فصلى الصلاتينِ: كُلُّ صلاةٍ وحدها بأذانٍ وإقامةٍ، والعشاءُ بينهما، ثمّ صَلّى الفجرَ حين طلعَ الفجرُ- قائلٌ يقولُ طلعَ الفجرُ، وقائلٌ يقولُ لم يطلعِ الفجرُ- ثمّ قالَ: إنّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: «إنّ هاتين الصّلاتينِ حُوّلتا عن وقتِهما في هذا المكانِ: المَغربَ والعشاءَ، فلا يَقدَمُ الناسُ جمعاً حتّى يُعْتِمُوا، وصلاةُ الفجرِ هذه الساعةُ». ثمّ وقفَ حتّى أسفرَ، ثمّ قالَ- أي عبدالله-: لو أن أميرَ المؤمنين أفاضَ الآن أصابَ السنةَ. فما أدري: أقولُه كان أسرعَ، أم دفعُ عثمانَ - رضي الله عنه -، فلم يزلْ يلبي حتى رمى جمرةَ العقبةِ يومَ النحرِ. فوائد الحديث
1- مُبادَرةُ الحاجِّ بصَلاتي المغرِبِ والعِشاءِ جَمعا، أوَّلَ قُدومِه المُزدلِفةَ. 2- وفيه: التَّبكيرُ بالفجْرِ في أوَّلِ وَقتِه صَبيحةَ يومِ النَّحرِ. 3- قد ظَهَرَ جَلِيًّا في مَناسِكِ الحجِّ مِن التَّيسيرِ على الناسِ، ورَفْعِ المَشقَّةِ عنهم، ورَحمتِه -سبحانه- خُصوصًا بالضُّعفاءِ والنِّساءِ، ما قال اللهُ -تعالى- فيه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185). وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78). باب: الإفاضَة مِنْ جَمْع بليلٍ للمرأة الثقيلة
عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وكَانَتْ امْرَأَةً ثَبِطَةً- يَقُولُ الْقَاسِمُ: والثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ- قَالَ: فَأَذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وحَبَسَنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، ولَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونَ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/939) باب: اسْتِحباب تقديم دَفع الضّعفة منَ النّساء وغيرهنّ منْ مُزْدلفة إلى مِنى في أواخر الليالي قبلَ زَحمة الناس، واسْتحباب المُكث لغيرهم حتى يُصلّوا الصُّبح بمُزْدلفة.
في هذا الحديثِ تروي أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّ أمَّ المؤمنينَ سَودةَ بنتَ زَمْعةَ -رضي الله عنها- كانَت ضَخمةً، أي: سَمينةً ثَقيلةَ الحركةِ، فاستَأذَنَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ تَنزِلَ مِن مُزْدَلِفَةَ آخرَ اللَّيلِ، وتَذهَبَ إلى مِنًى لِتَرمِيَ الجمْرةَ قبلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، أي: شِدَّةِ زِحامِ النَّاسِ؛ لأنَّ بَعضَهم يَحطِمُ بَعضًا مِن الزِّحامِ، فأَذِنَ - صلى الله عليه وسلم - لها بالنُّزولِ في آخِرِ اللَّيلِ، فنَزَلَت قبْلَ الفَجرِ. المزدلفة
والمُزدلِفةُ كما سبق اسمٌ للمكانِ الذي يَنزِلُ فيه الحجيجُ بعْدَ الإفاضةِ مِنْ عَرَفاتٍ، ويَبيتونَ فيه لَيلةَ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، وفيه المَشعَرُ الحرامُ، وتُسمَّى جَمْعاً، وتَبعُدُ عن عَرَفةَ حوالي (12 كم)، وهي بجِوارِ مَشعَرِ مِنًى، ومِنًى: وادٍ قُربَ الحَرَمِ المَكِّيِّ، يَنزِلُه الحُجَّاجُ لِيَبيتوا فيه يَومَ التَّرويةِ، وأيَّامَ التَّشريقِ، ويَرْموا فيه الجِمارَ. قوله: «قبل حَطَمة الناس» بفتح الحاء أي: زحمتهم. قوله: «وكانت امْرأةً ثبطة» هي بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة وإسكانها، وفسّره في الحديث بأنّها: الثقيلة، أي: ثقيلة الحركة بطيئة، مِنَ التثبيط وهو التعويق. ثمَّ قالتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ -رضي الله عنها-: وأقمْنَا حتَّى أصبَحْنا نَحنُ سائرَ أهلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ دَفَعْنا مِن المُزدلِفةِ إلى مِنًى مع رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وذلك عندَ الإسفارِ، وهو ظُهورُ ضَوءِ النَّهارِ. فلمَّا رَأَت عائشة -رضي الله عنها- شِدَّةَ الزِّحامِ، تَمنَّت لو كانَت فَعَلَت كما فَعَلَت سَوْدَةُ -رضي الله عنها-، ولو أنَّها استأذَنَت مِثلَها لَسُرِرَتْ كَثيراً، ولَفَرِحَتْ فَرَحاً عَظيماً أكثَرَ مِن فَرَحِها بأيِّ شَيءٍ يُفرَحُ به، بالتَّخلُّصِ مِن ذلك التَّعبِ الَّذي عانَتْه مِن شِدَّةِ الزِّحامِ.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-27-2026, 07:30 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم

– باب: تَلْبيةُ الحاجّ حتّى يَرْمي جَمْرة العَقَبة


عَنْ عَطَاءٍ عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ جَمْعٍ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/931) باب: اسْتحباب إدامة الحاجّ التلبية حتّى يَشْرع في رمي جَمْرة العقبة يوم النّحر، وأخرجه الستّة بألفاظٍ مُختلفة.
يحدثُ ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أرْدَفَ الفَضْل»، أي: أنّه - صلى الله عليه وسلم - صلى الفَجر في مُزْدلفة، وبقي بها حتّى الإِسْفار، ثمّ رَكِبَ راحلته مُتَوجّهاً إلى مِنَى، وأرْدَفَ الفَضْل بن العبّاس، أي: أرْكبَه خَلْفه بين مُزْدلفة ومِنْى على راحلته. فأخبرَ الفَضْلُ بن عباس -رضي الله عنهما-، وحَدّثه عن تلبية الرّسُول - صلى الله عليه وسلم - حديث شاهد عيان، وأخبره عمّا أبْصرَه بعينه، وسمعه بأذنه، فذَكَرَ «أنّه لمْ يَزْل» النبي - صلى الله عليه وسلم - «يُلبّي حتّى رَمَى جَمْرةَ العَقَبة» أي: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- اسْتمرّ في التّلْبية ليلةَ عِيد النّحر، وصَبيحة يوم النّحر إلى أنْ رَمَى جَمْرة العَقَبة، فلمْ يَقْطع التلبية، حتّى رَمَى جَمرة العَقبة، يومَ النَّحْرِ، وهو يومُ العاشِرِ مِنْ ذي الحِجَّةِ، وكان ذلك في حَجَّةِ الوداعِ، فدلّ هذا الحديث على أنّه يُطْلب مِنَ الحَاجّ أنْ يَستَمرّ مُلبّياً حتّى يرمي جَمْرةَ العَقَبة يوم النّحر، ثمّ يَقطع التّلْبية. قال الترمذي عقبه (927): والعملُ على هذا عند أهلِ العِلمِ مِنْ أصْحاب النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- وغيرهم، أنّ الحاجّ لا يَقطع التّلبية؛ حتّى يرمي الجَمْرة، وهو قول الشّافعي وأحمد وإسحاق. انتهى. والجمهور: على أنّ الحاجّ مُفرداً كان أو مُتمتّعاً أو قارناً يقطع التلبية مع أوّل حَصَاة يَرْميها من جمرة العقبة لقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: «رمقت النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فلمْ يزْل يُلبّي حتّى رَمَى جمرة العقبة بأوّل حَصاة». أخرجه البيهقي، وفيه شريك وعامر بن شقيق، وقد وثقهما بعض المُحدّثين وضعفهما البعض الآخر. فيه: دليل على أنّه: يستديم التّلبية، حتى يَشرع في رمي جَمرة العَقبة غداة يوم النحر. وإليه ذهب الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وجماهير العلماء: من الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار، ومن بعدهم. وقال الحسن: يُلبّي حتّى يُصلي الصُّبح، يوم عَرفة. وحكي عن علي، وابن عمر، وعائشة، ومالك، وجمهور فقهاء المدينة: أنه يلبي حتى تزول الشمس، قال النووي: دليل الشافعي والجُمهور: هذا الحديث الصّحيح، مع الأحاديث بعده. قال: ولا حُجّة للآخرين في مخالفتها، فيتعيّن اتباع السنّة. وقال الشوكاني في «السيل الجرار»: هذا يَحتمل أنّه ترك التّلبية، عند الشُّرُوع في الرّمي، ويحتمل أنّه تركها عند الفراغ منه. ويؤيد هذا: ما روي من حديث الفضل بن عباس، عند النسائي والبيهقي: أنه - صلى الله عليه وسلم-، قطع التلبية مع آخر حصاة. فوائد الحديث

كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُ أصحابَه أحكامَ الدِّينِ بالقَولِ والفِعلِ، والأمرِ والنَّهيِ والتوجيهِ، في كُلِّ المواقِفِ والمناسَباتِ التي تستدعي ذلك.
وفيه: تَواضُعُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم-، بإرْداف الصحابة خلفه.
وفيه: مَنزِلةُ الفَضْلِ بنِ العبَّاسِ -رضي الله عنهما- مِن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم-.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-27-2026, 07:32 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: رَمْي جَمْرة العَقَبة يومَ النَّحْر على الراحلة




الحجُّ أحَدُ أرْكانِ الإسْلامِ الخَمسةِ وقد بيَّنَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كيفيَّةَ أدائه بقَولِه وفِعلِه وأمَرَ بأخْذِ المَناسِكِ عنه
حرَصَ الصَّحابةُ على الاقْتداءِ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كلِّ شيءٍ ولا سيَّما العِباداتُ ومنْها فريضةُ الحجِّ الَّتي تؤخَذُ أرْكانُها وسُننُها وآدابُها من هَديِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

عن جَابِرٍ - رضي الله عنه - قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي؛ لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ». (1294/310)، الحديث رواه مسلم في الحج (2/943) باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النّحر راكباً، وبيان قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه رَأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو في حجَّةِ الوَداعِ- والَّتي كانتْ في السَّنةِ العَاشرةِ منَ الهجرةِ- يَرْمي جَمرةَ العَقَبةِ راكباً راحلَتَه -وهي النّاقةُ الَّتي يَرتحِلُ عليها- وذلك يومَ النَّحرِ، يَعني: في رَميَه لِلجَمرةِ في يومِ العيدِ، في العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ. والنّبي - صلى الله عليه وسلم - رَمى راكباً؛ ليُظهِرَ للنَّاسِ فِعلَه، وكان يَقولُ للنَّاسِ: «لِتَأْخُذوا مَناسكَكم» أي: تَعلَّموا مِنِّي، واحْفَظوا الأحْكامَ الَّتي أَتيْتُ بها في حَجَّتي، مِنَ الأَقوالِ والأَفعالِ، فخُذوها عَنِّي واعَمَلوا بِها، وعَلِّمُوها النَّاسَ. وقال النووي: فيه: دلالة لما قاله الشافعي وموافقوه، أنّه يُسْتحبُّ لمَنْ وَصَل منَى راكباً أنْ يَرمِي جَمْرة العَقبة يومَ النّحر رَاكباً، ولو رَمَاها ماشياً جاز، وأمّا مَنْ وصلها ماشياً فيرميها ماشياً، وهذا في يوم النّحر، وأمّا اليومان الأولان منْ أيّام التّشريق، فالسُّنّة أنْ يَرمي فيهما جميعَ الجمرات ماشياً، وفي اليوم الثالث يرمي راكباً، ويَنْفر، هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقال أحمد وإسحاق: يُستحبُّ يوم النّحر أنْ يَرمي ماشياً. قال ابنُ المُنذر: وكان ابنُ عُمر وابن الزبير وسالم يَرمُون مشاة، قال: وأجْمعُوا على أنّ الرّمي يُجزيه على أيّ حَالٍ رَمَاه؛ إذا وَقَع في المَرْمى. انتهى. وبيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - سببَ ذلك فقال: «فإِنِّي لا أَدْرِي لعلِّي لا أَحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذِه»، وهذا إشارةٌ إلى تَوديعِهم، وإعْلامِهم بقُربِ وَفاتِه - صلى الله عليه وسلم -، وحثَّهم على الِاعْتِناءِ بالأَخْذِ عنه، وانتِهازِ الفُرصةِ مِن مُلازَمتِه وتَعلُّمِ أُمورِ الدِّينِ؛ ولِهذا سُمِّيتْ: حَجَّةَ الوَداعِ. وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لتأخُذُوا منَاسككم» فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خُذُوا مَنَاسككم، وهكذا وقع في رواية غير مُسلم، وتقديره هذه الأمُور التي أتيتُ بها في حجّتي مِنَ الأقوال والأفْعال والهيئات، هي أمُور الحَجّ وصفته، وهي مناسككم فخُذُوها عنّي، واقْبلُوها واحْفظُوها، واعْملُوا بها وعلّموها الناس. فوائد الحديث
أمَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمَّتَه بأخْذِ أُمورِ الدِّينِ، ولا سيَّما المناسِكُ عنه، وألَّا يَعمَلوا بهَواهُم، وإنَّما يتَّبِعونَ ما سَنَّ لهم. وهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في مَناسك الحجّ، وهو نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة: «صَلُّوا كما رَأيتموني أُصلّي». حرَصَ الصَّحابةُ -رضي الله عنهم- على الاقْتداءِ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ شيءٍ، لا سيَّما العِباداتُ، ومنْها فريضةُ الحجِّ، الَّتي تؤخَذُ أرْكانُها وسُننُها وآدابُها من هَديِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم - الَّذي فصَّلَ ما أجمَلَه القرآنُ. باب: قَدْرُ حَصَى الجِمَار
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَى الجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ؛ الحديث رواه مسلم في الحج (2/944) باب: اسْتحباب كون حَصى الجِمار بقَدر حصى الخَذف. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه رَأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الحجِّ يَرْمى جَمْرةَ العَقَبةِ صَبيحةَ يَومِ النَّحرِ العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ، ورَماها بمِثلِ حَصى الخَذْفِ، والخَذْفُ: هو رَميُكَ حَصاةً، أو نَواةً تأخُذُها بينَ سَبَّابتَيكَ، وتَرْمي بها. المراد بالحديث
والمرادُ بالحديث: بيانُ مِقْدارِ الحَصى الَّتي يُرْمى بها في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فكان حُكمُ الجَمَراتِ الَّتي رَمَى بها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أكبَرَ مِنَ الحِمَّصِ، وأصغَرَ مِنَ البُندقِ. وفي هذا إشارةٌ إلى النَّهيِ عنِ الغُلوِّ في الدِّينِ، كاعْتقادِ أنَّ الرَّميَ بالحِجارةِ الكَبيرةِ أبلَغُ مِنَ الرَّميِ بالصَّغيرةِ، ويكونُ الرَّميُ بسَبعِ حَصَياتٍ في كلِّ مرَّةٍ، ويُفرَّقُ بينَ الحَصَياتِ، فيَرْميهنَّ واحدةً واحدةً. فعن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما-: قالَ لي رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غداةَ العقبةِ وَهوَ على راحلتِه: «هاتِ القِطْ لي»، فلقطتُ لَهُ حصياتٍ؛ هنَّ حَصى الخَذفِ، فلمَّا وضعتُهنَّ في يدِه، قال: «بأمْثالِ هؤلاءِ، وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أَهلَكَ مَنْ كان قبلَكمُ الغلوُّ في الدِّينِ». أخرجه النسائي (3057) واللفظ له، وابن ماجة (3029)، وأحمد (3248). فقوله: «وإيَّاكم» أي: أُحذِّركم، «والغُلوَّ في الدِّينِ»، أي: مُجاوزةَ الحدِّ في أمورِ الدِّينِ، والتَّشدُّدَ فيه بالإفراطِ، ولكن عليكم بالوسَطيَّةِ في كلِّ شيءٍ؛ «فإنَّما أهلَك مَنْ كان قبْلَكم» مِن الأُممِ السَّابقةِ، «الغُلوُّ في الدِّينِ»، أي: مُجاوزةُ الحدِّ، والتَّشدُّدُ في الدِّينِ بالإفراطِ؛ فهو سببُ الهلاكِ والبَوارِ. فوائد الحديث
1- بَيانُ تَيسيرِ الإسْلامِ في رَميِ الجَمراتِ، وأنَّها تكونُ صَغيرةً؛ حتَّى لا يَتضرَّرَ النَّاسُ في المناسكِ بها. 2- وفيه: التَّحذيرُ من الغُلوِّ، وبيانُ أنَّه منْ أسبابِ هلاكِ الأممِ السَّابقةِ. 3- الحجُّ أحَدُ أرْكانِ الإسْلامِ الخَمسةِ، وقد بيَّنَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كيفيَّةَ أداءِ الحجِّ بقَولِه وفِعلِه، وأمَرَ بأخْذِ المَناسِكِ عنه؛ فعَلى المُسلِمِ أنْ يَقْتديَ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم}
معنى الاسمين ودلالتهما في حق الله تعالى
قال الإمام الشنقيطي -رحمه الله تعال في تفسير قوله تعالى-: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم}: «الحكم في الاصطلاح: هو من يضع الأمور في مواضعها ويوقعها في مواقعها، فالله -جل وعلا- حكم لا يضع أمرا إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه، ولا يأمر إلا بما فيه الخير، ولا ينهى إلا عما فيه الشر، ولا يعذب إلا من يستحق العذاب وهو -جل وعلا- ذو الحكمة البالغة له الحجة والحكمة البالغة، وأصل الحكم في لغة العرب: معناه: المنع؛ نقول: حكمه، وأحكمه إذا منعه، هذا هو أصل الحكم، والعليم: صيغة مبالغة؛ لأن علم الله -جل وعلا- محيط بكل شيء، يعلم خطرات القلوب، وخائنات العيون، وما تخفي الصدور، حتى إن من إحاطة علمه -سبحانه- علمه بالعدم الذي سبق في علمه ألا يوجد، فهو عالم أن لو وجد كيف يكون، وأن اسم (الحكيم العليم) فيه أكبر مدعاة للعباد أن يطيعوه، ويتبعوا تشریعه؛ لأن حكمته -سبحانه- تقتضي ألا يأمرهم إلا بما فيه الخير، ولا ينهاهم إلا عما فيه الشر، ولا يضع أمرا إلا في موضعه، وبإحاطة علمه يعلمون أن ليس هنالك غلط في ذلك الفعل، أو أن ينكشف عن غير المراد، بل هو في غاية الإحاطة والإحكام، وإذا كان من يأمرك بحكم لا يخفى عليه شيء حكيم في غاية الإحكام لا يأمرك إلا بما فيه الخير، ولا ينهاك إلا عما فيه الشر، فإنه يحق عليك أن تطيع وتمتثل»، فاسم الحكيم يقتضي الإيمان بأن الله -عزوجل- حكيم في أحكامه وقضائه وقدره؛ فكما أنه حكيم في شرعه ودينه، فهو حكيم في قضائه وقدره. لذلك فإن مَن عرف اللهَ بعلمه وحكمته، أثمر ذلك في قلبه الرِّضا بحكم الله وقدَرِه في شرعه وكونه، فلا يعترض على أمره ونهيه ولا على قضائه وقدَرِه، وإنما يَرضى المؤمن العارِف بأسماء الله وصِفاته بحكم الله وقضائه؛ لأنَّه يعلم أنَّ تدبير الله له خيرٌ من تدبيره لنفسه، وأنَّه -تعالى- أعلم بمصلحته من نفسه، ولذا تراه يَرضى ويسلّم، بل إنَّه يرى أنَّ هذه الأحكام القدَريَّة الكونية أو الشرعية إنما هي رحمة وحكمة، وحينئذ لا تراه يعترض على شيء منها، بل لسان حاله: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا.

ابو الوليد المسلم
04-28-2026, 07:24 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: رَمي جَمْرة العَقَبة مِنْ بَطْنِ الْوَادِي والتكبيِرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ




أفعالَ الحجِّ تَوقيفيَّةٌ لطُولِها وعِظَمِ قَدْرِها وكَثرَةِ ما تَحوي مِن الأحْكامِ
كان الصَّحابةُ حريصين على تَعليمِ النَّاسِ وتَذْكيرِهم بسُنَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ- وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ-: أَلِّفُوا القُرْآنَ كَمَا أَلَّفَهُ جِبْرِيلُ، السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ. قَالَ: فَلَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ، فَسَبَّهُ وقَالَ: حَدَّثَنِي عبدالرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ عبداللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَأَتَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِي، فَاسْتَعْرَضَهَا فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قَالَ: فَقُلْتُ يَا أَبَا عبدالرَّحْمَنِ: إِنَّ النَّاسَ يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا؟ فَقَالَ: هَذَا والَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؛ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ؛ وعَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ عبداللَّهِ لَبَّى حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ، فَقِيلَ أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عبداللَّهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ أَمْ ضَلُّوا؟ سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ فِي هَذَا المَكَانِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/942) باب: رَمي جمرة العقبة مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وتكونُ مكة عنْ يساره، ويُكبّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاة.
شرح الحديث الأول
في الحديث الأول يَذكُرُ التابعيُّ الأعمَشُ سُليمانُ بنُ مِهْرانَ، قال سمعت: «الحجّاج بن يوسف يقول، وهو يخطبُ على المنبر» وكان الحجّاج بن يوسف الثقفي واليًا على العراق من قِبل عبدالملك بن مروان، وكان معرُوفًا بالظُّلم وسفك الدّماء، وانْتقاص السّلف، وتعدّي حُرمات الله بأدْنى شبهة، وقد أطْبق أهل العلم بالتاريخ والسّير: على أنّه كان مِنْ أشدّ الناس ظُلمًا، وأسْرعُهم للدّم الحَرَام سَفْكًا، ولمْ يَحفظ حُرْمات أصْحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا وصيّته في أهل العِلم والفَضل والصّلاح منْ أتباع أصحابه. قال ابن كثير: «وقد رُوي عنه ألفاظ بشعة شنيعة، ظاهرها الكفر، فإنْ كان قد تابَ منها، وأقلعَ عنها، وإلا فهو باقٍ في عُهدتها، ولكن قد يُخشى أنّها رويت عنه بنوعٍ من زيادة عليه». موقف العلماء من الحجاج
قال: «وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى كفره وإن كان أكثر العلماء لمْ يروا كفره وكان بعضُ الصحابة كأنس وابن عمر يُصلّون خَلفه، ولو كانوا يرونه كافرًا؛ لمْ يُصلّوا خلفه». (البداية والنهاية) (9/153)، وروى الترمذي في سننه (2220): عن هِشَامِ بن حَسَّانَ قَال: «أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الحَجَّاجُ صَبْراً؛ فَبَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ، وعِشْرِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ». قوله: «ألّفُوا القُرآن كما ألّفه جبريل»
قوله: «ألّفُوا القُرآن كما ألّفه جبريل، السورة التي يذكر فيها البقرة، ...» قال القاضي عياض: إنْ كان الحجّاج أراد بقوله: «كما ألّفه جِبريل» تأليف الآي في كلّ سُورة، ونظمها على ما هي عليه الآن في المُصْحف، فهو إجْماعُ المسلمين، وأجْمعوا أنّ ذلك تأليف النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنْ كان يُريد تأليف السورة بعضها في إثر بعض؛ فهو قولُ بعض الفُقهاء والقرّاء، وخالفهم المُحقّقون وقالوا: بل هو اجتهادٌ مِنَ الأئمّة، وليس بتوقيف، قال القاضي: وتقديمه هنا النّساء على آل عمران؛ دليلٌ على أنّه لمْ يُرد إلا نَظم الآي؛ لأنّ الحجّاج إنّما كان يتّبع مُصحف عثمان - رضي الله عنه . كما في رِوايةِ النَّسائيِ: سَمِعتُ الحَجَّاجَ يقولُ: «لا تَقولوا: سُورةُ البقرةِ، قُولوا: السُّورةُ التي يُذكَرُ فيها البقرةُ»، فذَكَر الأعمَشُ ما سَمِعَه مِن الحَجَّاجِ لإبراهيمَ النَّخَعيِّ استِيضاحًا للصَّوابِ، ولم يَقصِدِ الأعمشُ الرِّوايةَ عن الحَجَّاجِ؛ فلم يكُنْ بأهلٍ لذلك، وإنَّما أراد أنْ يَحْكِيَ القصَّةَ، ويُوضِّحَ خطَأَ الحَجَّاجِ فيها بما ثَبَتَ عن الصّحابة، فحدَّثَه إبراهيمُ أنَّ عبدالرَّحمنِ بنَ يَزيدَ أخبَرَه أنَّه حجَّ مع عبداللهِ بنِ مَسعودٍ - رضي الله عنه -، وكان معه حينَ رَمى جَمْرةَ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ، وهو اليومُ العاشرُ مِن ذي الحجَّةِ، وهي الجَمْرةُ الكُبْرى، وتقَعُ في آخِرِ مِنًى تُجاهَ مكَّةَ، وليست مِن مِنًى، بلْ هي حدُّ مِنًى مِن جِهةِ مكَّةَ. فاسْتَبْطَنَ الوادِيَ
قال: «فاسْتَبْطَنَ الوادِيَ» أي: وقَفَ في وسْطِه، حتَّى إذا حاذَى الشَّجرَةَ وقابَلَها - وهذه الشَّجرةُ لَيست مَوجودةً الآنَ- جاءَها مِن عَرْضِها، فرَمَى الجمْرةَ بسَبْعِ حَصَياتٍ، يقولُ: «اللهُ أكبَرُ» مع كلِّ حَصاةٍ يَرمِيها، وفي رِوايةِ مُسلمٍ: «فقلتُ: يا أبا عبدالرَّحمنِ، إنَّ الناسَ يَرْمونها مِن فَوقِها» فقال: مِن هاهُنا- وأشار إلى بَطْنِ الوادي- قام الذي أُنزِلَت عليه سُورةُ البقَرةِ - صلى الله عليه وسلم -، وأقسَمَ ابنُ مَسعودٍ على ذلك باللهِ الذي لا إلهَ غيرُه، تَأكيداً لقَولِه ونَقْلِه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وتَخصيصُ ابنِ مَسعودٍ سُورةَ البَقَرةِ بالذِّكرِ في قَسَمِه دُونَ غَيرِها؛ قيل: يُشيرُ إلى إنَّ كَثيرًا مِنْ أفعالِ الحجِّ مَذكورٌ فيها، فكأنَّه قال: هذا مَقامُ الذي أُنزِلَتْ عليه أحكامُ المَناسِكِ، منبِّهًا بذلك على أنَّ أفعالَ الحجِّ تَوقيفيَّةٌ. وقيل: لطُولِها وعِظَمِ قَدْرِها، وكَثرَةِ ما تَحوي مِن الأحْكامِ. ومُرادُ إبراهيمَ النَّخْعيِّ مِن هذا الحَديثِ: قَولُ ابنِ مَسعودٍ - رضي الله عنه -: «سُورةُ البَقَرةِ» ولم يَقُلِ: «السُّورةُ التي ذُكِرَت فيها البقرةُ» كما قال الحَجَّاجُ الثَّقفيُّ؛ ففي هذا رَدٌّ عليه ورفْضٌ لقَولِه ولقولِ مَن قالوا: لَا يُقالُ سُورةُ البقَرةِ، وإنَّما يُقالُ: السُّورةُ التي تُذكَرُ فيها البَقَرةُ. فوائد الحديث
1- رَميُ الجِمارِ مِن بَطْنِ الوادِي، والتُكبيِرُ مع كُلِّ حَصاةٍ. 2- وفيه: مَشروعيَّةُ الحَلِفِ لتَأكيدِ الكَلامِ. 3- وفيه: إنكارُ أهلِ العِلمِ على وُلاةِ الأمْرِ بالحِكمة والعلم. الحديث الثاني
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ عبدالرَّحمنِ بنُ يَزيدَ أنَّ عبداللهِ بنَ مَسعودٍ - رضي الله عنه - لَبَّى حينَ أَفاضَ مِن جَمعٍ، وهيَ المُزدَلِفةُ، وهي ثالثُ المشاعِرِ المقدَّسةِ الَّتي يمُرُّ بها الحَجيجُ، وتقَعُ بينَ مَشعَرَيْ مِنًى وعَرَفاتٍ، ويَبيتُ الحجَّاجُ بها بعدَ نَفْرتِهم من عَرفاتٍ في آخِرِ يومِ التَّاسعِ من ذي الحِجَّةِ، ثُمَّ يُصلّون فيها صَلاتَيِ المغرِبِ والعِشاءِ جَمعاً وقَصرًا، ويجمَعونَ فيها الحَصى لرَميِ الجَمَراتِ بمنًى، ويمكُثُ فيها الحجَّاجُ حتَّى صباحِ اليومِ التَّالي يومِ عيدِ الأضْحى؛ ليُفيضوا بعدَ ذلك إلى منًى.
فلمَّا سَمِعَه النَّاسُ يُلبِّي في هذا المكانِ وهذا الوقتِ؛ أنْكَروا عليه تَلبيتَه، وظَنُّوا أنَّه أَعْرابيٌّ من سكَّانِ الصَّحاري الَّذين لا يَفقَهونَ ولا يَعلَمونَ أحْكامَ الدِّينِ، وأخرَجَ البَيهَقيُّ في الكُبرى «فقالوا: يا أعْرابيُّ، إنَّ هذا ليس بيومِ تَلبيةٍ، إنَّما هو التَّكبيرُ». فَقال عبداللهِ بنُ مسعودٍ - رضي الله عنه - مُنكِرًا على مَن أنكَرَ عليه التَّلبيةَ، حينَما أفاضَ من مُزدَلِفةَ: «أَنَسِيَ النَّاسُ أم ضلُّوا؟!» والمَعنى: هل نَسيَ هؤلاء سُنةَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في التَّلبيةِ في مثلِ هذا الموضِعِ؟ حتَّى أنْكَروا عليّ ذلك؟ أم هم تارِكونَ للسُّنَّةِ معَ عِلمِهم بها؟! ثُمَّ قال: «سَمِعتُ الَّذي أُنزلِتْ عليه سورةُ البَقرةِ» يقصِدُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ في هذا المكانِ: «لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ» أي: أُكرِّرُ إجابَتي لكَ في امتِثالِ أمْرِكَ بالحَجِّ، فأُلَبِّي أمرَكَ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، وإنَّما خَصَّ البَقرةَ؛ لأنَّ مُعظمَ أَحْكامِ المَناسكِ فيها، فكأنَّه قالَ: هذا مَقامُ مَن أُنزِلتْ عليه المَناسِكُ، وأُخِذَ عنهُ الشَّرعُ، وبَيَّنَ الأَحْكامَ؛ فَاعتَمِدُوه. فوائد الحديث


مشروعيّة التَّلبية في مُزدَلِفةِ.
وفيه: بيانُ ما كان عليه الصَّحابةُ من تَعليمِ النَّاسِ، وتَذْكيرِهم بسُنَّةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
جواز قول: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وهكذا.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-28-2026, 07:27 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: رَمْي جَمْرة العَقَبة يومَ النَّحْر على الراحلة




أمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّتَه بأخْذِ أُمورِ الدِّينِ ولا سيَّما المناسِكُ عنه وألَّا يَعمَلوا بهَواهُم وإنَّما يتَّبِعونَ ما سَنَّ لهم
حرَصَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم على الاقْتداءِ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كلِّ شيءٍ ولا سيَّما العِباداتُ ومنْها فريضةُ الحجِّ
في الحديث بَيانُ تَيسيرِ الإسْلامِ في رَميِ الجَمراتِ وأن تكون صَغيرةً حتَّى لا يَتضرَّرَ النَّاسُ في المناسكِ بها

عن جَابِرٍ - رضي الله عنه - قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي؛ لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/943) باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النّحر راكباً، وبيان قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه رَأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو في حجَّةِ الوَداعِ- الَّتي كانتْ في السَّنةِ العَاشرةِ منَ الهجرةِ- يَرْمي جَمرةَ العَقَبةِ راكباً راحلَتَه -وهي النّاقةُ الَّتي يَرتحِلُ عليها- وذلك يومَ النَّحرِ، يَعني: في رَميَه لِلجَمرةِ في يومِ العيدِ، في العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ، والنّبي - صلى الله عليه وسلم - رَمى راكباً؛ ليُظهِرَ للنَّاسِ فِعلَه، وكان يَقولُ للنَّاسِ: «لِتَأْخُذوا مَناسكَكم» أي: تَعلَّموا مِنِّي، واحْفَظوا الأحْكامَ الَّتي أَتيْتُ بها في حَجَّتي، مِنَ الأَقوالِ والأَفعالِ، فخُذوها عَنِّي واعَمَلوا بِها، وعَلِّمُوها النَّاسَ. مَنْ وَصَل منَى راكبًا
وقال النووي: فيه: دلالة لما قاله الشافعي وموافقوه، أنّه يُسْتحبُّ لمَنْ وَصَل منَى راكباً أنْ يَرمِي جَمْرة العَقبة يومَ النّحر رَاكباً، ولو رَمَاها ماشياً جاز، وأمّا مَنْ وصلها ماشياً فيرميها ماشياً، وهذا في يوم النّحر، وأمّا اليومان الأولان منْ أيّام التّشريق، فالسُّنّة أنْ يَرمي فيهما جميعَ الجمرات ماشياً، وفي اليوم الثالث يرمي راكباً، ويَنْفر، هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقال أحمد وإسحاق: يُستحبُّ يوم النّحر أنْ يَرمي ماشياً. قال ابنُ المُنذر: وكان ابنُ عُمر وابن الزبير وسالم يَرمُون مشاة، قال: وأجْمعُوا على أنّ الرّمي يُجزيه على أيّ حَالٍ رَمَاه؛ إذا وَقَع في المَرْمى. انتهى. لعلِّي لا أَحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذِه
وبيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - سببَ ذلك فقال: «فإِنِّي لا أَدْرِي لعلِّي لا أَحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذِه»، وهذا إشارةٌ إلى تَوديعِهم، وإعْلامِهم بقُربِ وَفاتِه - صلى الله عليه وسلم -، وحثَّهم على الِاعْتِناءِ بالأَخْذِ عنه، وانتِهازِ الفُرصةِ مِن مُلازَمتِه وتَعلُّمِ أُمورِ الدِّينِ؛ ولِهذا سُمِّيتْ: حَجَّةَ الوَداعِ. لتأخُذُوا منَاسككم
وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لتأخُذُوا منَاسككم» فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خُذُوا مَنَاسككم، وهكذا وقع في رواية غير مُسلم، وتقديره هذه الأمُور التي أتيتُ بها في حجّتي مِنَ الأقوال والأفْعال والهيئات، هي أمُور الحَجّ وصفته، وهي مناسككم فخُذُوها عنّي، واقْبلُوها واحْفظُوها، واعْملُوا بها وعلّموها الناس. فوائد الحديث


أمَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمَّتَه بأخْذِ أُمورِ الدِّينِ، ولا سيَّما المناسِكُ عنه، وألَّا يَعمَلوا بهَواهُم، وإنَّما يتَّبِعونَ ما سَنَّ لهم.
وهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في مَناسك الحجّ، وهو نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة: «صَلُّوا كما رَأيتموني أُصلّي».
حرَصَ الصَّحابةُ -رضي الله عنهم- على الاقْتداءِ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ شيءٍ، لا سيَّما العِباداتُ، ومنْها فريضةُ الحجِّ، الَّتي تؤخَذُ أرْكانُها وسُننُها وآدابُها من هَديِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّذي فصَّلَ ما أجمَلَه القرآنُ.

الحديث الثاني: باب: قَدْرُ حَصَى الجِمَار
عن جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَى الجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/944) باب: اسْتحباب كون حَصى الجِمار بقَدر حصى الخَذف.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه رَأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الحجِّ يَرْمى جَمْرةَ العَقَبةِ صَبيحةَ يَومِ النَّحرِ العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ، ورَماها بمِثلِ حَصى الخَذْفِ، والخَذْفُ: هو رَميُكَ حَصاةً، أو نَواةً تأخُذُها بينَ سَبَّابتَيكَ، وتَرْمي بها، والمرادُ بالحديث: بيانُ مِقْدارِ الحَصى الَّتي يُرْمى بها في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فكان حُكمُ الجَمَراتِ الَّتي رَمَى بها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أكبَرَ مِنَ الحِمَّصِ، وأصغَرَ مِنَ البُندقِ. النَّهي عنِ الغُلوِّ في الدِّينِ
وفي هذا إشارةٌ إلى النَّهيِ عنِ الغُلوِّ في الدِّينِ، كاعْتقادِ أنَّ الرَّميَ بالحِجارةِ الكَبيرةِ أبلَغُ مِنَ الرَّميِ بالصَّغيرةِ، ويكونُ الرَّميُ بسَبعِ حَصَياتٍ في كلِّ مرَّةٍ، ويُفرَّقُ بينَ الحَصَياتِ، فيَرْميهنَّ واحدةً واحدةً، فعن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما-: قالَ لي رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غداةَ العقبةِ وَهوَ على راحلتِه: «هاتِ القِطْ لي»، فلقطتُ لَهُ حصياتٍ، هنَّ حَصى الخَذفِ، فلمَّا وضعتُهنَّ في يدِه، قال: «بأمْثالِ هؤلاءِ، وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أَهلَكَ مَنْ كان قبلَكمُ الغلوُّ في الدِّينِ». أخرجه النسائي (3057) واللفظ له، وابن ماجة (3029)، وأحمد (3248). فقوله: «وإيَّاكم» أي: أُحذِّركم، «والغُلوَّ في الدِّينِ»، أي: مُجاوزةَ الحدِّ في أمورِ الدِّينِ، والتَّشدُّدَ فيه بالإفراطِ، ولكن عليكم بالوسَطيَّةِ في كلِّ شيءٍ؛ «فإنَّما أهلَك مَنْ كان قبْلَكم» مِن الأُممِ السَّابقةِ، «الغُلوُّ في الدِّينِ»، أي: مُجاوزةُ الحدِّ، والتَّشدُّدُ في الدِّينِ بالإفراطِ؛ فهو سببُ الهلاكِ والبَوارِ. فوائد الحديث الثاني


بَيانُ تَيسيرِ الإسْلامِ في رَميِ الجَمراتِ، وأنَّها تكونُ صَغيرةً؛ حتَّى لا يَتضرَّرَ النَّاسُ في المناسكِ بها.
وفيه: التَّحذيرُ من الغُلوِّ، وبيانُ أنَّه منْ أسبابِ هلاكِ الأممِ السَّابقةِ.
الحجُّ أحَدُ أرْكانِ الإسْلامِ الخَمسةِ، وقد بيَّنَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كيفيَّةَ أداءِ الحجِّ بقَولِه وفِعلِه، وأمَرَ بأخْذِ المَناسِكِ عنه؛ فعَلى المُسلِمِ أنْ يَقْتديَ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-28-2026, 07:35 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: رَمْيُ الجِمَارِ وِتراً


عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الِاسْتِجْمَارُ تَوٌّ، ورَمْيُ الجِمَارِ تَوٌّ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/945) باب: بيان أنّ حَصى الجِمَار سبعٌ.
يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الِاستِجمارَ- وهو إزَالةُ أثَر البَولِ والغَائطِ بالأَحْجَارِ- يكونُ تَوًّا، أي: وِتراً، وأقلّه ثلاثٌ، فإنْ لمْ يَتمَّ الإنْقاءُ بثَلاثٍ، وجَبَ عليه أنْ يَزيدَ عَلى الثَّلاثِ حتَّى يَحصُلَ الإنْقاءُ، فإنْ حصَلَ بوِترٍ فَلا زيادةَ، وإنْ حصَلَ بشَفعٍ، فعليهِ زِيادةُ مَسْحهِ للإيتَارِ، وكذلك رَميُ الجِمَارِ في الحجِّ، فإنّها تُرمَى بسَبعِ حَصَياتٍ، وهي وترٌ، والسَّعيُ بينَ الصَّفا والمروةِ سبْعُ مرَّاتٍ، وهي وِترٌ، والطَّوافُ حولَ الكَعبةِ سَبعةُ أَشْواطٍ، وهي وترٌ. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا استَجمَرَ أحدُكم فَلْيستَجْمِرْ بِتَوٍّ» قيلَ: إنَّ المُرادَ بما ذَكَرَ في أوَّلِ الحديثِ هو الفِعلُ، وما ذكره هنا هو عددُ الأَحْجارِ، أو أنَّ التَّكريرَ للحثِّ والاهْتمامِ بهذا الأمرِ خاصَّةً؛ لأنَّه قد يَتهاوَنُ فيه الناس معَ تَكرُّرِه اليَوميِّ، بخلافِ غيرِه، فالجُملةُ الأُولى أُريدَ بها الإخْبارُ، والجُملةُ الثَّانيةُ طَلَبيَّةٌ، أُريدَ بها الحثُّ والاهتمامُ، بأمْرِ الاسْتِجمار والتّطهّر، لتكراره اليومي، وتَهاون بعضُ الناس فيه، وقيلَ: المرادُ بالاسْتِجمارِ هنا: البَخُورُ والتَّبخُّرُ، ويَكونُ بوَضعِ العُودِ عَلى جَمرةِ النَّار، فيُوتِرُ فيه أَيضاً. فوائد الحديث


بَيانٌ لِبَعضِ السُّننِ والآدابِ الإسْلاميَّةِ، والتَّعاليمِ الشَّرعيَّةِ.
ففيه بيانُ أنّ عدّة أمُور هي فرديّة، وليستْ شَفعيّة، بل هي وِتْر، فرمْيُ الجِمار سبعُ حَصَيات، والطّواف سبعةُ أشْواط، وكلّ هذا على الوجُوب، وأيضًا الاسْتجمار، وقد تقدّم في (كتاب الطهارة) أنّ أقلّه ثلاث أحْجار، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ اسْتَجْمرَ فلْيُوتِر» والحديث متفق عليه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، والأمرُ يَقتضِي الوُجُوب، ولا صَارفَ له.

باب: حَلْق النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجّه
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/947) باب: تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، ورواه البخاري بلفظ: «حَلَقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وطَائِفَةٌ مِن أصْحَابِهِ، وقَصَّرَ بَعْضُهُمْ».
في هذا الحَديثِ يَحكي عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وجَماعةً مِن أصحابِه، حَلَقوا شَعرَ رُؤوسِهم، والبَعضَ الآخَرَ منهم قَصَّروا شَعْرَهم ولم يَحلِقوا، وكان ذلك في حَجَّةِ الوداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهجرةِ، فدلَّ هذا على مَشروعيَّةِ الأمرَين، إلَّا أنَّ الحلْقَ أفضَلُ مِن التَّقصيرِ بالنِّسبةِ للرِّجالِ، لأنَّه فِعلُ رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدَّمَه في كِتابِه فقال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} (الفتح: 27). كما أنّه أبلَغُ في العِبادةِ، وأبيَنُ للخُضُوعِ والذِّلَّةِ لله -تعالى-، وأدلُّ على صِدْقِ النيَّةِ، والذي يُقَصِّرُ يُبقِي على نفْسِه شَيئًا ممَّا يَتزيَّنُ به، بخلافِ الحالِقِ، فإنَّه يَشعُرُ بأنَّه تَرَكَ ذلك للهِ -تعالَى-، وفيه إشارةٌ إلى التجَرُّدِ للهِ -عزَّ وجلَّ-، والحلْقُ كما ذكرنا: إنّما يكونُ للرِّجالِ فقطْ، أمَّا النِّساءُ فليس لهنّ إلَّا التَّقصيرُ. والحلْقُ والتَّقصيرُ، شَعيرةٌ مِن شَعائرِ الحجِّ، وبه يَتحلَّلُ المُحرِمُ مِنْ إحْرامِه، ويكونُ بعْدَ رمْيِ جَمرةِ العقَبةِ، وبعْدَ ذَبْحِ الهدْيِ إنْ كان معه، وقبْلَ طَوافِ الإفاضةِ، وفي العُمرةِ يكونُ الحلق أو التقصير، بعْدَ السَّعيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ. فوائد الحديث
ومما يستفاد من الحديث أنّ رَسولُ اللهِ -[- قد بيَّنَ للأمّة مَناسِكَ الحجِّ بأقوالِه وأفعالِه، ونَقَلَها لنا الصَّحابةُ الكرامُ -رَضيَ اللهُ عنهم- أجمعينَ.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-30-2026, 12:16 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في الحَلْق والتّقصير


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ولِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه،ِ ولِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «ولِلْمُقَصِّرِينَ». (1302/320)، الحديث رواه مسلم
في هذا الحديثِ يَحكي ابنُ عمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كرَّرَ الدُّعاءِ للذينَ يَحلِقون شَعْرَهم في مَناسِكِهم، أنْ يَرحَمَهم اللهُ -تعالى-، وكان ذلك في حَجَّةِ الوداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهِجرةِ، أو في عامِ الحُديْبيَةِ، أو فيهما جميعًا، فسَأَلَه الصَّحابةُ أنْ يَدْعو للمُقصِّرين مِثلَ ما دَعا للمُحلِّقين، فأجابَهُم لذلك وقال: «والمُقصِّرين»، لكن بعد المرَّةِ الثالثةِ. والحلْقُ: هو إزالةُ شَعرِ الرَّأسِ بالكُلِّيةِ، والتَّقصيرُ: هو قصُّ أطْرافِ شَعرِ الرأسِ، فدلَّ ذلك على مَشروعيَّةِ الأمرَين، إلَّا أنَّ الحلْقَ أفضَلُ مِن التَّقصيرِ بالنِّسبةِ للرِّجالِ، لأنَّه فِعلُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أولاً، ولأنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- قدَّمَه في كِتابِه فقال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} (الفتح: 27). والحلق أبلَغُ في العِبادةِ، وأبيَنُ للخُضوعِ والذِّلَّةِ، وأدلُّ على صِدْقِ النيَّةِ، والذي يُقَصِّرُ يُبقِي على نفْسِه شَيئًا ممَّا يَتزيَّنُ به، بخلافِ الحالِقِ، فإنَّه يَشعُرُ بأنَّه تَرَكَ ذلك للهِ -تعالى-، وفيه إشارةٌ إلى التجَرُّدِ للهِ -عزَّ وجلَّ-. والحلْقُ يكونُ للرِّجالِ فقطْ، أمَّا النِّساءُ فليس لهم إلَّا التَّقصيرُ. والحلْقُ أو التَّقصيرُ في الحجِّ شَعيرةٌ مِن شَعائرِ الحجِّ، وبه يَتحلَّلُ المُحرِمُ مِن إحْرامِه، ويكونُ بعْدَ رمْيِ جَمرةِ العقَبةِ، وبعْدَ ذَبْحِ الهدْيِ إنْ كان معه، وقبْلَ طَوافِ الإفاضةِ. وفي العُمرةِ يكونُ بعْدَ السَّعيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ. فوائد الحديثِ


مشروعية الدُّعاءُ بالرحمةِ للأحياءِ، وأنَّ ذلك ليسَ مقصورًا على الأمواتِ، بل تكونُ الرحمةُ للأحياءِ والأمواتِ.
بيَّنَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَناسِكَ الحجِّ بأقوالِه وأفعالِه، ونَقَلَها لنا الصَّحابةُ الكرامُ -رضي الله عنهم- بكلِّ تَفاصيلِها، حتى يكونَ الناسُ على بيِّنةٍ مِن أمْرِ عِبادتِهم.

باب: الرّمي ثمّ النّحْر ثمّ الحَلق والبداية بالحَلْق بالجانبِ الأيمن
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا، والحَجَّامُ جَالِسٌ، وقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأْسِهِ، فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «احْلِقْ الشِّقَّ الْآخَرَ» فَقَالَ: أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
يَرْوي أنسُ بنُ مالكٍ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا رمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ الكُبْرى في مِنًى، وذلك صَبيحةَ يومِ عِيدِ الأضْحى في يومِ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، وذلك في حُجَّةِ الوَداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهِجرةِ، قال: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا» أي: ذبَحَ ذَبِيحَتَهُ وهَدْيَه. قوله: «والحجام جالس» والحجّام يطلق على مَنْ امتهن الحِجَامة، وهي استخراج الدم الفاسد عن طريق الامتصاص، وهذا قديماً، وأما اليوم فلها طرق أخرى للحجم، وكان غالب من يمتهن الحجامة سابقًا الحَلاق. قال النووي رحمه الله: «واختلفوا في اسم هذا الرجل الذي حَلَق رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، فالصّحيح المشهور أنه: معمر بن عبدالله العدوي - رضي الله عنه -». (شرح النووي). قوله: «وقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأْسِهِ فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ»
أي: لمّا أراد حَلْقَ شَعَرِه، ناولَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحالِقَ شِقَّهُ الأيمَنَ، فَحَلَقَه، لأنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كان يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في كُلِّ شَيْءٍ، «فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ» يعني: بيْن أصْحابِهِ. قوله: ثُمَّ قَالَ: «احْلِقْ الشِّقَّ الْآخَرَ» فَقَالَ: أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ». أي: ثُمَّ ناوَلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحلاقَ الشِّقَّ الأَيْسَرَ مِن رأْسِه، ثم دَعا أبا طَلْحَةَ الأَنْصارِيَّ وهو زَوجَ أُمِّ سُلَيمٍ والدةِ أنَسٍ -رضي الله عنهم-، فَأعْطاهُ الشَّعرَ المحْلُوقَ، وخَصَّهُ به، لمَكانَتِهِ، ولعلَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَسَمَ شَعرَهُ بيْنهم، ليكونَ برَكةً باقيةً بيْن أظهُرِهم، وتَذكِرةً لهم، وكأنَّه أشار بذلك إلى اقتِرابِ أجَلِه - صلى الله عليه وسلم - وانقضاءِ زَمانِ الصُّحبةِ. وفي رِوايةِ لأحمَدَ: أنَّ أبا طَلحةَ أعطاهُ لأُمِّ سُليمٍ- وهي زوجتُه- فَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تَخلِطُه في طِيبِهَا، وقدْ ثبَتَ أنَّ بعضَ الصَّحابَةِ كان يَأخُذُ مِن عَرَقِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ويَجعَلُه في طِيبِه، وآخَرَ يَلتمِسُ أثرَ أصابِعِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الطَّعامِ، ليَأكُلَ مِن مَكانِه منه، وثالِثًا يَشْرَبُ مِن سُؤْرِه وبَقايا شَرابِه، هذا بالإضافةِ إلى تَتبُّعِهم السُّنَنَ والهَدْيَ النَّبوِيَّ، حبًّا للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وتبرُّكًا بآثارِه الشَّريفةِ، وهذا خاصٌّ بآثارِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - العَينيَّةِ. فوائد الحديث


التَّبرُّكُ بشَعَرِه - صلى الله عليه وسلم -، واقتِناؤُه.
وفيه: مُساواةُ الإمامِ والكبيرِ بيْنَ أصحابِه وأتْباعِه، فِيما يُفرِّقُه عليهم مِن العَطاءِ والهَديَّةِ.
وفيه: البَدْءُ في الحلْقِ بالأيمنِ مِن جانِبَي الرَّأسِ.
وفيه: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي طَلْحةَ - رضي الله عنه -، بتَوفيرِ نَصيبِه، ثمَّ إعطائِه النِّصفَ الآخَرَ، وإكرامِه بأنْ أمَرَه بتَفريقِه بيْن النَّاسِ.
وفيه: المواساةُ بيْن الأصحابِ في العطيَّةِ والهديَّةِ، وأنَّ المواساةَ لا تَستلزِمُ المُساواةَ.
كان أصحابُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَتسارَعونَ إلى أخْذِ آثارِه، يَتبرَّكون بها، وفي هذا الحَديثِ مَشهَدٌ مِن تلك المَشاهِدِ.
لا يثبت وجود شيء من آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - الآن، ومن ادعى وجود شيء من ذلك فلا دليل معه عليه، وعلى ذلك: فلا يجوز لأحدٍ أنْ يَدّعي أن بحوزته شيئاً من آثار النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بدليل قاطع، وأنّى له ذلك؟
قال العلامة المؤرخ أحمد باشا تيمور: «فما صحّ من الشّعرات التي تداولها الناس بعد ذلك، فإنّما وصل إليهم ممّا قسم بين الأصحاب -رضي الله عنهم-، غير أنّ الصُّعوبة في معرفة صحيحها من زائفها».




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
04-30-2026, 12:20 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: مَنْ حَلَقَ قَبلَ النّحْر أو نَحَرَ قبلَ الرَّمْي




أفعال رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قد تكون للإيجَاب وقد تكون للاسْتِحباب

عن عبداللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ، فَيَقُولُ القَائِلُ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ؟ فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْيِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «فَارْمِ ولَا حَرَجَ» قَال: وطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ، أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الحَلْقِ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ فَيَقُولُ: «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ، مِمَّا يَنْسَى المَرْءُ، ويَجْهَلُ، مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ، وأَشْبَاهِهَا، إِلَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «افْعَلُوا ذَلِكَ ولَا حَرَجَ»، وعَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ، وهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، وأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ، قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا قَالَ: «افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ».
الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/948- 949) باب: مَنْ حلقَ قبل النّحر، أو نَحرَ قبل الرّمي.
يقول عبداللَّهِ بْنَ عَمْرِو -رضي الله عنهما-: وَقَف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حجّة الوداع، بمنى يوم النّحر على ناقته -صلى الله عليه وسلم -، عند جَمْرة العَقبة بعد الزّوال لتعليم الناس بقيّة مناسك الحَجّ.
جَوَاز القُعُودِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلحَاجَةِ
وقَوله: «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ» هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ القُعُودِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلحَاجَةِ، قَالَ القَاضِي: «ويُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُما: وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ الجَمْرَةِ، ولَمْ يَقُلْ في هَذَا: خَطَبَ، وإِنَّما فِيهِ أَنَّهُ وَقَفَ وسُئِلَ، والثَّانِي: بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَقَفَ لِلْخُطْبَةِ فَخَطَبَ، وهِيَ إِحْدَى خُطَبِ الحَجِّ المَشْرُوعَة، يُعَلِّمُهُمْ فيها ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ المَنَاسِكِ.
قال النووي: هذَا كَلَامُ القاضِي، وهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وخُطَبُ الحَجِّ المَشْرُوعَةُ عِنْدَنَا أَرْبَعٌ: أَوَّلُهَا: بِمَكَّةَ عِندَ الكَعْبَةِ في اليَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الحَجَّةِ، والثَّانِيَةُ: بِنَمِرَةَ يَومَ عَرَفَةَ، والثَّالِثَةُ: بِمِنًى يَومَ النَّحْرِ، والرَّابِعَةُ: بِمِنًى فِي الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وكُلُّهَا خُطْبَةٌ فَرْدَةٌ، وبَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِلَّا التِي بِنَمِرَةَ فَإِنَّها خُطْبَتَانِ، وقَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وبَعْدَ الزَّوَالِ، وقَدْ ذَكَرْتُ أَدِلَّتَهَا كُلَّها مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ).
قوله: «فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ»
أي: جَعل الحجّاج يسألونه، أي: يَستفتونه في تقديم بعض الأعْمال يوم النّحر على بعض، أو أخّروا بعض الأعْمال على بعض، فَيَقُولُ القَائِلُ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ؟ لمْ أكنْ أشعر، أي: لمْ أفطن، ولمْ أعلم أنّ ذبح الهَدي يكون قبل الحَلْق، فَقالُ له - صلى الله عليه وسلم -: «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ» أي: اذْبح ولا حَرج، أي: لا إثمَ عليك، في تأخير الذّبح عن الحَلْق، فإذا ذبَحتَ بعد الحَلق، فعملك صَحيح.
قوله: «وطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ» أي: فجاء رجلٌ آخر يسألُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، «يقول: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ، أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الحَلْقِ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟» يقول: لمْ أشعر، أي: لم أفطنْ ولمْ أعلم، أنّ الرّمي قبل النّحر.
قوله: «فنَحرتُ قبل أنْ أرمي» أي: ذبحتُ الهدي قبل أنْ أرمي جمرة العقبة، فَقالُ له - صلى الله عليه وسلم -: «إرم ولا حرج» أي: إرم جَمرة العقبة، ولا إثمَ عليك في تقديم. الذّبح على الرّمي.
«افْعَلُوا ذَلِكَ ولَا حَرَجَ»
قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ، مِمَّا يَنْسَى المَرْءُ، ويَجْهَلُ، مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ، وأَشْبَاهِهَا، إِلَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «افْعَلُوا ذَلِكَ ولَا حَرَجَ»، وفي الحديث الثاني: «فما سُئل يومئذ» أي: فما سُئل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في موقفه في ذلك اليوم. «عن شَيءٍ قدّم ولا أخّر» أي: عن عَملٍ مِنْ أعمال الحج في يوم النحر، قُدّم على غيره منْ هذه الأعمال، ولا عن عمل أخّر على غيره من هذه الأعمال الأَرْبَعَة، «إلا قال: افعلْ ولا حرج» أي: إلا أجاز التقديم أو التأخير، وأنّه لا إثم على فاعله.
وقَوْلُه في الحديث الثاني: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ». وفي رِوَايَةٍ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ- وَفِي رِوَايَةٍ- وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ وفي رِوَايَةٍ: «وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الجَمْرَةِ» قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُهُم: الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مَوْقِفٌ وَاحِدٌ، ومَعْنَى خَطَبَ: عَلَّمَهُمْ.
ما يُفيده الحديثان
1- أن السُّنّة تقديم الرّمي، ثمّ النّحر، ممّن عليه هَدْي، ثمّ الحَلْق، ثُمّ طَواف الإفاضة.
2- وأنّه يجوزُ تقديمُ بعض هذه الأعْمال على بعض.
3- وأنّه لا يلزم منْ قدّم بعض هذه الأعْمال على بعض شيء، لا فِدية عليه ولا شيء.
4- وأنّ أفعالَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قد تكون للإيجَاب، وقد تكون للاسْتِحباب.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-01-2026, 08:45 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: تَقليدُ الهدي وإشعاره عند الإحرام




النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حجَّ مرَّةً واحدةً فنقَلَ عنهُ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم تَفاصيلَ تلكَ الحَجَّةِ كي نتعلَّمَ كَيفيَّةَ الحجِّ الَّذي أمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ به
في الحديث اسْتحباب الرُّكوب في الحج وهو مِنْ هدي النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأنّه أفضلُ مِنَ الحج ماشيًا

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عَنهُما- قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - الظُّهْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وسَلَتَ الدَّمَ، وقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/912) باب: تقليد الهَدي وإشْعاره عند الإحرام.
يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عَنهُما- أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظُّهرَ وهو خارجٌ إلى الحجِّ بذي الحُلَيْفةِ، وقد صلاها قَصراً، يَعني ركعتَينِ، وذلك لأنَّه كانَ مُسافِراً إلى مكَّةَ، وذو الحُلَيفةِ قَريةٌ بينَها وبينَ المدينةِ سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبعةٌ، أي: حَوالَيْ (10 كم)، وعن مكَّةَ حَوالَيْ 420 كيلومترًا، وتُسمَّى اليومَ عندَ العامَّةِ: أبيارَ عليٍّ أو آبارَ عليٍّ، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ ومَن مرَّ بها.
ثمَّ دَعا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- «بناقتِه» الَّتي هي من جُملةِ الهَديِ الَّذي سيُذبَحُ في الحرَمِ، «فأشَعرَها في صَفْحةِ» أي: في جانِبِ «سَنامِها الأَيمنِ» وهو أَعْلى ظَهرِ البَعيرِ، وإشْعارُ البَدنةِ هو أنْ يُشَقَّ أحدُ جانِبَيْ سَنامِها حتَّى يَسيلَ دَمُها، ويُجعَلَ ذلك علامةً لها تُعرَفُ بها أنَّها هَديٌ للبيت الحرام، فلا يُتَعرَّضُ لها، وإذا ضلَّتْ رُدَّتْ، وإنِ اختلَطَتْ بغيرِها تميَّزَتْ.
قوله: «ثُمَّ سلَتَ الدَّمَ»
قوله: «ثُمَّ سلَتَ الدَّمَ» أي: مسَحَه وأزالَهُ عنها، «وقلَّدَها» التَّقليدُ هو تَعْليقُ القَلائدِ، أوِ النَّعْلِ، ونَحوِ ذلك في عُنُقِ الهَديِ، ليَكونَ علامةً أُخْرى يُعلَمَ بها أنَّها هَديٌ.
قال النووي: «وأمّا تقليدُ الغنم، فهو مذهبنا ومذهب العُلماء كافة مِنَ السّلف والخلف إلا مالكا، فإنّه لا يقول بتقليدها. قال القاضي عياض: ولعلّه لمْ يبلغه الحديث الثابت في ذلك. قلت: قد جاءتْ أحاديث كثيرة صحيحة بالتّقليد، فهي حُجّةٌ صَريحة في الرّد على من خالفها. واتفقوا على أنّ الغَنَم لا تشعر لضَعْفها عن الجرح، ولأنّه يَسْتَتر بالصُّوف.
وأمّا البقرة فيستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد كالإبل. قال: وفي هذا الحديث: استحباب تقليد الإبل بنعلين، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافّة، فإنْ قلّدَها بغير ذلك مِنْ جُلُود أو خُيُوط مَفْتولة ونحوها، فلا بأس». انتهى.
قوله: «ثمَّ ركِبَ راحلتَهُ»
قوله: «ثمَّ ركِبَ راحلتَهُ» وهي الدَّابَّةُ المُعَدَّةُ للسَّفرِ، وكانتْ حينَئذٍ ناقةً تُسَمَّى القَصْواءَ، «فلمَّا استَوتْ به الرَّاحِلةُ» يَعني: لمَّا ارتَفَعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُستَوياً على ظَهرِ الرَّاحِلةِ في مِنطَقةِ «البَيداءِ» وهوَ مَوضِعٌ مُلاصِقٌ لذي الحُلَيفةِ، وهو الميقاتُ المَكانيُّ لأهلِ المدينةِ، والبَيداءُ في اللُّغةِ: هي الصَّحْراءُ التي لا شَيءَ فيها، والمقصودُ بها هنا: اسمُ المَوضِعٍ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وهو مَكانٌ فوقَ عَلَمَيْ ذي الحُلَيفةِ إذا صُعِدَ مِنَ الوادي، وفي أوَّلِ البَيداءِ بِئرُ ماءٍ.
فلمَّا كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- في البَيداءِ، «أهلَّ بالحَجِّ» يَعني: أحرَمَ بالحجِّ، ورفَعَ صوتَهُ بتَلبيةِ الحَجِّ، وقد ورَدَ في الصَّحيحَينِ: عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عَنهُما-: «ما أهَلَّ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - إلَّا مِن عِندِ المَسجِدِ، يَعْني مَسجِدَ ذِي الحُلَيْفةِ».
سَببَ اخْتلافِ الصَّحابةِ
ولعلَّ سَببَ اخْتلافِ الصَّحابةِ -رَضيَ اللهُ عنهم- في المواضِعِ الَّتِي أهَلَّ منها رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ كُلًّا منهم أخبَرَ بما رأَى، فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خرَجَ مِنَ المدينَةِ حاجًّا، فلمَّا صلَّى في مَسجدِ ذِي الحُلَيْفةِ أهَلَّ بالحَجِّ، فسَمِعَ ذلك منه أقْوامٌ فحَفِظُوا عنه، ثُمَّ رَكِبَ، فلمَّا استَقلَّت به ناقتُه أهَلَّ، وأدرَكَ ذلك منه أقْوامٌ، لأنَّهم كانوا يَأْتُونَ جَماعاتٍ، فسَمِعُوه فقالوا: إنَّما أهَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ استَقلَّتْ به ناقتُه، ثُمَّ مضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ أهَلَّ، وأدْرَكَ ذلك منه أقوامٌ، فقالوا: إنَّما أهَلَّ حِينَ عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ، فنقَلَ كلٌّ مِنْهم ما سَمِعَ، وظهَرَ بذلك أنَّ الخلافَ وقَعَ في ابتِداءِ الإهْلالِ والإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ.
ويجمعها: ما رَواه أبو داودَ: عنِ ابنِ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عَنهُما- قال: «وايمُ اللهِ، لقد أوجَبَ في مُصَلَّاه، وأهَلَّ حينَ استقَلَّتْ به ناقتُه، وأهَلَّ حينَ عَلا على شرَفِ البَيْداءِ».
فوائد الحديث


بيان اسْتحباب إشْعار الهدي، وفائدة الإشعار الإعْلام بأنّها صارت هديًا، ليتّبعها مَنْ يحتاج إلى ذلك، وحتّى لو اختلطت بغيرها تميّزت، أو ضلّت عُرِفت، أو عَطِبت عَرَفها المساكين بالعلامة فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شِعار الشّرع، وحث الآخر عليه.
وفيه: استحبابُ سوق الهدي مِنَ الميقات.
وفيه: اسْتحباب الرُّكوب في الحج، وهو مِنْ هدي النّبيّ -صلى الله عليه وسلم -، وأنّه أفضلُ مِنَ الحج ماشياً.
وفيه: الإهْلالُ والإحْرامُ بالنُّسُكِ عِندَ المِيقاتِ المَكانيِّ.
النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- حجَّ مرَّةً واحدةً، فنقَلَ عنهُ الصَّحابةُ -رَضيَ اللهُ عنهم- تَفاصيلَ تلكَ الحَجَّةِ؛ كي نتعلَّمَ كَيفيَّةَ الحجِّ الَّذي أمَرَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- به، وهوَ أحدُ أَرْكانِ الإسْلامِ الَّتي أمَرَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- بها عبادَهُ، يَفعلُها المُستطيعُ بدنياً ومادِّيًّا.

الوصية بالتقوى
لقد أكثر الله -عزَّ وجلَّ- في آيات الحجِّ -على قلَّتها- من الوصيَّة بالتقوى؛ لأنَّه يحصل في الحجِّ من أسباب التقوى ما لا يحصل في غيره، وذلك مع الوعي الصحيح لحقيقة الحج ومغزاه، وقد تكرَّرت الوصيَّة بتقوى الله في سياق آيات الحجِّ من سورة البقرة، ففي الآية الأولى من هذه الآيات قال الله -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، وفي أثناء هذه الآيات قال -سبحانه-: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}، وختم -جلَّ وعلا- آيات الحجِّ بقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.
والتقوى هي أعظمُ وصيَّة وخيرُ زاد ليوم المعاد، وهي وصيَّة الله للأوَّلين والآخرين من خلقه، كما قال -سبحانه-: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}، وهي وصيَّة النَّبيِّ الكريم - صلى الله عليه وسلم - لأمَّته، فقد كان -صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميراً على سريَّة أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمَن معه من المسلمين خيراً، وكان كثيرَ الوصيَّة بها في خُطبه، ولَمَّا خطب الناسَ في حجَّة الوداع يوم النحر وصَّى الناسَ بتقوى الله، ولم يزل السَّلف الصالح يتواصون بها؛ وذلك لأنَّها خيرُ زاد يبلغ إلى رضوان الله، ولَمَّا قال رجل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اتَّق الله، أجابه عمرُ بقوله: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها»، والنقول عن السلف في هذا كثيرة.
وللتقوى على أهلها منافعُ عظيمةٌ وثمارٌ كريمةٌ وفوائدُ جَمَّةٌ في الدنيا والآخرة، فمن ثمارها حصولُ العلم النافع، قال الله -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}، وقال -تعالى-: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}، ومن ثمارها الخروج من المحن وتحصيل الرّزق الطيِّب وتيسُّر الأمور، قال -تعالى-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، وقال -سبحانه-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}، ومن ثمارها {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}، و{أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ومن ثمارها نيلُ الفلاح والفوزُ بالمغفرة، قال -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وقال -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ومن ثمارها حصولُ الرِّفعة في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، وحصولُ العاقبة الحميدة، قال الله -تعالى-: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، ومن أجَلِّ ثمارها دخولُ الجنَّة والتشرُّف برؤية الله -تبارك وتعالى-، قال الله -تعالى-: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} وقوله -سبحانه-: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}، وثمارُ التقوى لا تُحصَى، وفضائلُها لا تُستقصى، وأكرمُ الناس عند الله أعظمهم تقوىً له -سبحانه-، قال -تعالى-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-01-2026, 08:50 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: البَعثُ بالهَدْي وتَقْليدها وهُو حلال




حرَصَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم كلَّ الحرصِ على مُوافَقةِ هَدْيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في أقوالِه وأفعالِه
الأصل التأسّي بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم كافة حتى تثبت الخُصُوصيّة

عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبدالرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّ عبداللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا، حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ. قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ. وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمَاً، فَقَلَّدَهَا.. الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/959) باب: استحباب بعث الهدي إلى الحَرَم لمن لا يُريد الذهاب بنفسه، واسْتحباب تقليده وفتل القلائد، وأنّ باعثه لا يصير مُحْرماً، ولا يَحرم عليه شيء بذلك، ورواه البخاري في الحج (1700) باب: مَنْ قلّد القَلائد بيده.


قوله: ابْن زِيَاد، صوابه: زياد، وهو ابن أبي سفيان، وكان يُلقَّبُ: زِيادَ بنَ أبيهِ، وهكذا وقع على الصّواب في صحيح البخاري، والموطأ وسنن أبي داود، كما نبّه عليه أبو علي النسائي والمازري والقاضي عياض وغيرهم، ولأنّ ابن زياد لمْ يُدرك عائشة -رضي الله عنها-.

فَتْوى ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-
وفي هذا الحديثِ: أخبَرَتْ عَمْرةُ بِنتُ عبدالرَّحمنِ أنَّ زِيادَ بنَ أبي سُفيانَ كَتَبَ إلى عائِشةَ -رضي الله عنها-: إنَّ عبداللهِ بنَ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- كان يُفتي: بأنَّ مَن أَهْدى هدْيًا- مِن الإبلِ أو البَقرِ، أو الغنَمِ أو المَعْزِ- للبيتِ الحَرامِ، فبَعَثَ به لِيُذبَحَ في الحجِّ، ولكنَّه لم يَتلبَّسْ بالنُّسُكِ، ولم يُسافِرْ للحجِّ، بلْ بقِيَ في مَوطنِه، فإنَّه يَحرُمُ عليه ما يَحرُمُ على الحاجِّ؟ فلا يَقرَبُ الطِّيبَ ولا النِّساءَ، ولا غيرَ ذلك مِن مَحظوراتِ الإحرامِ، ويَظَلُّ على ذلك حتَّى يُنْحَرَ هَدْيُه.
فلمَّا سَمِعَتْ أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- فَتْوى ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، ردَّتْ هذه الفتْوى بأنَّها مُخالِفةٌ لِما فَعَلَه رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -، فقدْ كانتْ تَصنَعُ القلائدَ- وهي الأطواقُ- الَّتي كانت تُوضَعُ في رِقابِ هدْيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - التي كان سيُرسِلُها، وهو غيرُ حاجٍّ وغيرُ مُتلبِّسٍ بالنُّسكِ، ثُمَّ وضَعَها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - بيَدِه الشَّريفةِ على الهدْيِ، وبعَثَ بها مع أبي بَكرٍ - رضي الله عنه - إلى الحجِّ، سَنةَ تِسعٍ مِن الهِجرةِ لَمَّا حَجَّ بالناسِ، ولمْ يَلتزِمِ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - بما يَلتزِمْ به المُحرِمُ، ولم يَحرُمْ عليه شَيءٌ أحلَّه اللهُ لغيرِ المُحرِمِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ.
«ثمّ بعَثَ بها معَ أبي»
وفي رواية البخاري قالت: «ثمّ بعَثَ بها معَ أبي» تُريد بذلك أباها أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -، واستفيد من ذلك: وقت البَعث، وأنّه كان في سنة تسع عام حجّ أبي بكر بالناس، وروى مالك في «الموطأ»: عن ربيعة بن عبدالله بن الهدير: أنّه رأى رجُلاً مُتجرّداً بالعراق، فسأل عنه، فقالوا: إنّه أمر بهديه أنْ يقلّد، قال ربيعة: فلقيت عبدالله بن الزبير فذكرت له ذلك، فقال: «بِدْعةٌ وربّ الكعبة». ورواه ابن أبي شيبة.
قال ابن التين: خالفَ ابنُ عباس في هذا جميع الفقهاء، واحتجت عائشة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما روته في ذلك يَجبُ أنْ ُيصار إليه، ولعلّ ابن عباس رَجَع عنه، فتعقّبه الحافظ بقوله: وفيه قصورٌ شديدٌ، فإنّ ابن عباس لمْ ينفرد بذلك، بل ثبتَ ذلك عن جماعةٍ مِنَ الصحابة.
وقال ابن المنذر: قال عمر، وعلي، وقيس بن سعد، وابن عمر، وابن عباس، والنخعي، وعطاء، وابن سيرين وآخرون: مَنْ أرسلَ الهدي وأقام، حَرُم عليه ما يحرم على المُحْرم، وقال ابن مسعود وعائشة وأنس، وابن الزبير وآخرون: لا يصير بذلك مُحْرماً، وإلى ذلك صار فقهاء الأمْصَار.
اسْتقرّار الأمر على خلاف ما قال ابن عباس
وجاء عن الزهري ما يدلّ على أن الأمر اسْتقرّ على خلاف ما قال ابن عباس، ففي البيهقي: عنه قال: أول مَنْ كشَفَ العَمَى عن الناس، وبيّنَ لهم السُّنّة في ذلك عائشة. فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها، قال: فلما بلغ الناس قول عائشة، أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس، وبه قال الجمهور: لا يصير بتقليد الهَدي وإهْدائه مُحْرماً، ولا يجبُ عليه شيء.
قال الحافظ ابن حجر: وله حالان: إمّا أنْ يَسوقَ الهَدْي، ويَقصد النُّسك، فإنّما يُقلّدها ويُشْعرها عند إحْرامه، وإمّا أنْ يَسوقه ويُقيم، فيُقلّدها مِنْ مكانه. وهو مقتضى حديث الباب. انتهى.
وقال ابن التين: يحتمل أنْ يكونَ قولُ عائشة: «ثُمّ قلّدها بيدِه» بَياناً لحِفظها للأمر ومعرفتها به، ويحتمل أنْ تكونَ أرادتْ أنّه - صلى الله عليه وسلم - تَناولَ ذلك بنفسِه، وعَلمَ وقتَ التّقليد، ومع ذلك فلمْ يَمتنع مِنْ شَيءٍ يَمتنع منه المُحْرِم، لئلا يَظنّ أحَدٌ أنه اسْتباح ذلك قبل أنْ يعلم بتقليد الهدي.
الحديث الثاني
عنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمَاً، فَقَلَّدَهَا.
في هذا الحديثِ تُخبِرُ عائشةُ -رضي الله عنها-: «أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - أهْدَى مرَّةً غَنمًا» أي: في مَرَّة مِن مرَّاتِ إرْسالِه - صلى الله عليه وسلم - للهَديِ إلى الحرم، كانتْ غَنماً، وهو يدلُّ على جواز إهداء الغَنم إلى الحرم، ولا يلزم أنْ تكون مِنَ الإبل.
وما أهداه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليس هو هدْيَ الإحْرَام، ولهذا أقام حلالًا بعدَ إرسالِه، ولم يُنقَلْ أنّه أهدَى غنماً في إحْرامِه، ولا مانع مِن إهداء مَنْ أحرمَ بالغنمِ. قولها: «وقلَّدها» أي: جَعَل في عُنُقِها قِلادةً، يُستدلُّ بها على أنَّها مِن ذَبائحِ الهَديِ.
من فوائد الحديثين


الهَديُ اسمٌ لما يُهدى ويُذبَحُ في الحَرمِ، مِنَ الإبلِ والبقرِ والغَنمِ والمَعِزِ، وهو مِن الشَّعائرِ المُعظَّمةِ، وقد وضَّح النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أحكامَها، ونقَلَ الصَّحابةُ الكِرامُ سُنَّتَه في ذلك.
مَشروعيَّةُ إرسالِ الهدْيِ إلى الحرَمِ ممَّن لم يَذهَبْ لأداءِ الحجِّ أو العُمرةِ.
تناول الكبير الشيء بنفسِه، وإنْ كان له مَنْ يكفيه، إذا كان ممّا يهتم به، ولا سيما ما كان مِنْ إقامة الشّرائع وأمور الديانة.
وفيه تعقب العُلماء على بعضهم، ورد الاجتهاد بالنّص.
وأنّ الأصل في أفعاله - صلى الله عليه وسلم - التأسّي به، حتى تثبت الخُصُوصيّة.
حرَصَ الصَّحابةُ -رضي الله عنهم- كلَّ الحرصِ، على مُوافَقةِ هَدْيِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - في جَميعِ أقوالِه وأفعالِه، وكان يُراجِعُ بعضُهم بَعضاً في ذلك.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-02-2026, 10:37 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: ركوب البدنة




أرسلَ الله تعالى نبيَّه مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم رَحمةً للعالَمينَ وجعَل في امتِثالِ أمْرِه واجْتِنابِ نَهْيِه النَّجاةَ والصلاح واليُسر في الدُّنيا والآخِرةِ
في الحديث التَّرغيبُ في بَعثِ الهَدايا إلى مكَّةَ والتَّوكيلُ فيها إنْ لم يَذهَبْ بنفْسِه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّها بَدَنَةٌ؟ فَقَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ، فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ»، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؛ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ؛ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْها، حَتَّى تَجِدَ ظَهْراً». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/960-961) باب: جواز ركوب البدنة المُهداة لمن احتاج إليها.
الحديث الأول
في الحديثِ الأول: يَرْوي أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه -: أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- رَأى رجُلًا ماشياً على قَدمَيه، ويَسوقُ أمامَه بَدَنةً، قدْ أهْداها إلى البَيتِ الحرامِ، يَتقرَّبُ بها إلى اللهِ -تعالى-، والبَدَنةُ: تكونُ مِنَ الإبلِ خاصَّةً، وقيل: البُدْنُ تُطلَقُ على الإبلِ والبقَرِ، فأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرُكوبِها؛ ليَستريحَ ولا تحَصَلَ له مَشقَّةِ المَشْيِ ولا التّعب، فأخْبَرَه الرَّجُلُ أنَّها بَدَنةٌ مُهداةٌ إلى الكَعبةِ، فكيف يَركَبُها؟
فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المرَّةِ الثانيةِ أو الثالثةِ: «ارْكَبْها، وَيلَكَ!» وأصلُ الوَيلِ: العذابُ الشَّديدُ، وهو غيرُ مَقصودٍ هنا، وإنَّما أرادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَغلُظَ له في القَولِ لِيركَبَها.
وفيه: مَشروعيَّةُ رُكوبِ الهَدْيِ لمَن احتاج إليها، حتّى يجدَ ظهراً.
وهو مذهبُ الشافعي في رُكوب الهَدي؛ إذْ يقول: إنّه يَرْكبُها إذا احْتاج، ولا يَرْكبها مِنْ غيرِ حاجة، ويَركبُها بالمَعروف مِنْ غَيرِ إضْرار بها، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة، وهو رواية عن مالك.
وقال عروة بن الزبير ومالك في الرواية الأخرى وأحمد وإسحاق: له رُكوبها مِنْ غير حاجةٍ، بحيث لا يضرّها، وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: لا يَركبها إلا أنْ لا يجدَ منْه بُدّاً. وحكى القاضي عن بعض العلماء: أنه أوْجبَ رُكوبها المُطلق؛ للأمْر بذلك، ولمُخَالفة ما كانت الجَاهلية عليه مِنْ إكرام البَحِيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وإهْمَالها بلا رُكوب.
ودليل مَن منعَ منْ غير حاجة: أنّ الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهْدَى ولمْ يَرْكب هديه، ولمْ يأمر الناسَ برُكوب الهَدَايا، ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابر المذكورة. والله أعلم. «انظر: شرح النووي».
فوائد الحديث


جواز رُكوبِ الهَدْيِ، خصوصا لمَن لم يجد الظهر.
وفيه: النَّدْبُ إلى المُبادَرةِ إلى امتثالِ أمْرِ اللهِ -تعالى- ورَسولِه -صلى الله عليه وسلم -، وزجْرُ مَنْ لم يُبادِرْ إلى ذلك، وتَوبيخُه.
إنّ الله -تعالى- أرسلَ نبيَّه مُحمَّداً - صلى الله عليه وسلم - رَحمةً للعالَمينَ، وجعَل في امتِثالِ أمْرِه واجْتِنابِ نَهْيِه النَّجاةَ الصلاح واليُسر في الدُّنيا والآخِرةِ، وكانتْ طَريقتُه التَّيسيرَ على الناسِ في عِباداتِهم وحَياتِهم.

الحديث الثاني
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؛ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ؛ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْها، حَتَّى تَجِدَ ظَهْراً».
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ أبو الزُّبيرِ محمَّدُ بنُ مُسلِمٍ الأسدي مولاهم، أنَّ جابرَ بنَ عبداللهِ -رضي الله عنهما- سُئلَ عنْ رُكوبِ الهَديِ، وهو كلُّ ما يُهْدَى إلى البَيتِ منَ الأنْعامِ؛ قُربةً إلى اللهِ، فذكَرَ جابرٌ - رضي الله عنه - قَولَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم-: «اركَبْها بالمَعروفِ»، أي: بِوَجهٍ لا يَلحَقُها ضَررٌ، «إذا أُلْجِئْتَ» يعني: إذا اضطُررْتَ إلى رُكوبِها، «حتَّى تَجِدَ ظَهراً» أي: حتّى تجدَ مَركوباً آخَرَ منَ الدَّوابِّ غيرِ الهَديِ.
باب: ما عَطِبَ مِنَ الهَدْي قبل محله
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ؛ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتاً فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/963) باب: ما يفعلُ بالهَدْي إذا عَطِب في الطّريق.
في هذا الحَديثِ يَرْوي أبو قَبيصةَ ذُؤيبُ بنُ حَلْحَلةَ الخُزاعيُّ - رضي الله عنه -: أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - كان يَبعَثُ مَعه بالبُدْنِ- وهي الأنعامُ الَّتي تُهْدى إلى بيتِ اللهِ الحرامِ- ثُمَّ يقولُ لَه: «إنْ عَطِبَ مِنها شَيءٌ» أي: أصابه أمرٌ يمنعها من السّير، مِن كسرٍ أو مرَضٍ أو تعَبٍ يَغلِبُ معه هَلاكُها وموتُها قبْلَ وُصولِها إلى مَوضعِ الذَّبحِ.
قوله: «فانْحَرْها» واذْبَحْها في مَكانِها، «ثُمَّ اغمِسْ نَعْلَها» المُقلَّدَةَ بها في دَمِها، «ثُمَّ اضرِبْ» بهذا النَّعلِ المُلطَّخِ بالدَّمِ على صَفحتِها، أي: اجعَلِ النَّعلينِ على جانبِ سَنامِ البُدنِ؛ ليكونَ ذلك عَلامةً مَعروفةً؛ لكيْ يَعرِفَها مَن يمُرُّ بها، فمَن جاء بعْدَهم يَنظُرُ إليها ويَعرِفُ أنَّها هدْيٌ، وقد عَطِب، فيَأكُلُ منها دونَ حرَجٍ، فلا يَحسَبُها مَيتةً؛ وذلك أنَّ الطُّرقَ الَّتي يَسلُكُها النَّاسُ في أسفارِهم كانت مَعروفةً مِن قِبَلِ غيرِهم.
وأيضا: فإنَّ العادةَ الغالبةَ أنَّ ساكِنِي الصَّحراءِ -البَدْو- وغيرَهم، يَتَّتبعون مَنازلَ الحجيجِ لالتقاطِ ما خلَّفوه في أماكنِ راحتِهم.
قوله: «وَلا تَطعَمْها أنت ولا أَحدٌ مِن أهلِ رُفْقتِك» أي: لا يَأكُلْ منها الوكيل ولا أحدٌ ممّن معه، سَواءٌ كان فَقيراً أم غَنيّاً، وفي هذا قطْعُ الذَّريعةِ؛ لئلَّا يَتوصَّلَ بعضُ النَّاس إلى نحْرِ الهدْيِ، أو تَعييبِه قبْلَ أوانِه.
من فوائد الحديث


التَّرغيبُ في بَعثِ الهَدايا إلى مكَّةَ، والتَّوكيلُ فيها إنْ لم يَذهَبْ بنفْسِه.
والهَدْيُ: اسمٌ لِما يُهدى ويُذبَحُ في الحرَمِ مِن الإبلِ والبقَرِ والغنَمِ والمَعْزِ.
جواز توكيل مَنْ يَقومُ بذبح بدنه.
إنّ مَنْ بعثَ هدياً إلى الحرم، فعطب في الطريق قبل بلوغ محله، فلينحره ثم يصبغ نعله في دمه، ويضرب بالنّعل المصبوغ بالدم صفحة سَنامها؛ ليعلم من مرَّ بها أنّها هدي، فينتفع بها.
عدمُ جَوازُ أكْلها للوكيل، ولا أحد مِنْ أهل رفقته، وجوازُ أكلها لسائر الناس إذا كانوا بصفة الاستحقاق.

الافتقار إلى الله -تعالى-
إن من أخص خصائص العبودية: الافتقار المطلق لله -تعالى-، فهـو «حقيقـة العبـودية ولبُّها»، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15)، قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: «يخبر -تعالى- بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ} أي: محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات وهو -تعالى- الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال -عز وجل-: {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه».
وقال -تعالى- فـي قصة موسى -عليه الصلاة والسلام-: {فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِـمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}(القصص: 24)، وقال -تعالى-: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (محمد: 38)، وقال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (العنكبوت: 6).
عرَّف الإمام ابن القيم -رحمه الله- الافتقار إلى الله بقوله: «حقيقة الفقر: ألا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء؛ بحيث تكون كلك لله، وإذا كنت لنفسك فثمَّ ملْك واستغناء مناف للفقر». ثم قال: «الفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقـة تامـة إلى الله -تعالى- من كل وجه».
فالافتقار إلى الله -تعالى- أن يُجرِّد العبد قلبه من كل حظوظها وأهوائها، ويُقبل بكليته إلى ربه -عـز وجل- متذللاً بين يديه، مستسلماً لأمره ونهيه، متعلقاً قلبه بمحبته وطاعته، قال الله -تعالى-: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام).
والمتأمل في أنواع العبادة القلبية والعملية يرى أن الافتقار فيها إلى الله هو الصفة الجامعة لها، فبقدر افتقار العبد فيها إلى الله، يكون أثرها في قلبه، ونفعها له في الدنيا والآخرة، وحسبك أن تتأمل في الصلاة أعظم الأركان العملية، فالعبد المؤمن يقف بين يدي ربه في سكينة، خاشعاً متذللاً، خافضاً رأسه، ينظر إلى موضع سجوده، يفتتحها بالتكبير، وفي ذلك دلالة جليَّة على تعظيم الله -تعالى- وحده، وترك ما سواه من الأحوال والديار والمناصب. وأرفع مقامات الذلة والافتقار أن يطأطئ العبد رأسه بالركوع، ويعفِّر جبهته بالتراب مستجيراً بالله منيباً إليه؛ ولهذا كان الركوع مكان تعظيم الله -تعالى-، وكان السجود مكان السؤال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «فأما الركوع فعظّموا فيه الرب -عز وجل-، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم»؛ ولهذا كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في ركوعه: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت. خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي».



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-02-2026, 10:39 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الاشْتَراكُ في الهَدْي




الهَدْيُ والنَّحْرُ مِنْ شَعائرِ الحَجِّ وفيه قُربَةٌ للهِ وإطعامٌ للفُقَراء والمساكين وقدْ بيَّن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحكامَه وأنَّه يَصِحُّ أنْ يَشتَرِكَ سَبْعَةُ أشخاصٍ في بَدَنَةٍ واحدةٍ وتُجزِئُ عنْهم

عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ والبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/955) باب: الاشْتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة.
في هذا الحديثِ يُخبِرُ جابِرُ بنُ عبداللهِ -رَضِي اللهُ عنهما- أنَّهم عِندما كانوا مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحجِّ، أَمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يشْتركَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كلُّ سَبعةٍ منْهم في بَدَنةٍ، وهذا يَعني: أنَّ الهَدْيَ إذا كان جَمَلًا أو بَقرةً، أجْزَأَ فيه أن يَشترِكَ فيها سَبعةٌ، وفي رِواية أُخرى عندَ مُسلمٍ: «اشتَرَك كلُّ سَبْعةٍ منْهم في بَدَنَةٍ». والبَدَنةُ: تكونُ مِن الإبلِ خاصَّةً، وقيل: البُدْنُ تُطلَقُ على الإبلِ والبقَرِ.
وفي رواية له: فقال رجُلٌ لجابرٍ: «أَيُشْتَرَكُ في البَدنةِ، ما يُشتَرَكُ في الجَزُورِ؟» والجَزُورُ: هو الصَّغِيرُ مِن الجِمَالِ، وقيل: إنَّ البَدَنةَ هي الَّتي تُهدَى للبيتِ قبْلَ الإحرامِ بالنُّسُكِ، وأمَّا الجَزورُ فهو ما اشْتُرِيَ مِن الإبِلِ وأُهدِيَ للبيتِ بعْدَ الإحرامِ، ولذلك سَألَ الرَّجلُ عنها: وهلْ يَجوزُ الاشْتراكُ فيها أيضًا؟ فقال له جابرٌ: «ما هي إلَّا مِن البُدْنِ» أي: إنَّ الجَزُورَ لَمَّا اشتُرِيَت للنُّسُكِ صار حُكمُها كالبُدْنِ.
حضور جابر - رضي الله عنه - الحديبية
وأخبَرَ أبو الزُّبيرِ- وهو راوي الحديثِ عن جابرٍ - رضي الله عنه - أنَّ جابرًا قد حضَر الحُدَيْبِيَةَ، وهي الواقعةُ الَّتي مُنِع فيها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - والمسلِمون مِن دُخولِ مَكَّةَ لأداءِ العُمرةِ، فحَلَّ ونَحَر الهَدْيَ في مكانِه الَّذي أُحصِرَ فيه، وكانت في السَّنةِ السَّادسةِ مِن الهجرةِ، والحُدَيبيَةُ اسمٌ لبِئرٍ يقَعُ بالقُربِ مِن مكَّةَ على بُعدِ حوالَيْ 20 كم على طَريقِ جُدَّةَ القَديمِ.
وأخبَرَ جابرٌ - رضي الله عنه - أنَّهم نَحَروا يومئذٍ سَبعينَ بَدَنةً، اشترَكَ كلُّ سَبعةٍ في بَدَنةٍ، وفي رِوايةٍ: «فأَمَرَنا» أي: النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - «إذا أَحْلَلْنا أنْ نُهدِيَ، ويَجتمِعَ النَّفَرُ منَّا في الهَدِيَّةِ» أي: يَشترِكَ الجماعةُ إلى السَّبعةِ في البَدَنةِ الواحدةِ، «وذلك حينَ أمَرَهم أنْ يَحِلُّوا مِن حَجِّهم» أمَّا الحجُّ فأراد به حَجَّةَ الوداعِ، وأمَّا العمرةُ فأراد بها عُمرةَ الحُدَيبيةِ، كما يُشيرُ إليه قولُه: «وحضَرَ جابرٌ الحُدَيبيةَ».
فوائد الحديث


مَشروعيَّةُ اشتراكِ السَّبعةِ في البَدَنة الواحدةِ، لإهْدائِها للحجِّ.
أنّ الهَدْيُ والنَّحْرُ مِنْ شَعائرِ الحَجِّ، وفيه قُربَةٌ للهِ، وإطعامٌ للفُقَراء والمساكين، وقدْ بيَّن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحكامَه، وأنَّه يَصِحُّ أنْ يَشتَرِكَ سَبْعَةُ أشخاصٍ في بَدَنَةٍ واحدةٍ وتُجزِئُ عنْهم.

باب: الهَدْي مِنَ البَقَر
عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/956) الباب السابق، ورواه البخاري في كتاب الحَج (1709): باب ذَبحُ الرجلِ البَقر عن نِسَائه منْ غيرِ أمْرهنّ.
رواه عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة -رضي الله عنها- تقول: خرجنا مع رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - لخَمْسٍ بقين من ذي القعدة لا نَرَى إلا الحجّ، فلمّا دَنَونا مِنْ مكّة، أمَرَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مَنْ لمْ يكنْ مَعَه هَدْيٌ، إذا طَافَ وسَعَى بينَ الصّفَا والمَرْوة أنْ يُحلّ. قالت: فدُخلَ علينا يومَ النّحر بلَحْمِ بَقَر، فقلتُ: ما هذا؟ قال: نَحَرَ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - عن أزْواجه.
قال الحافظ: قوله: باب: ذَبْح الرّجل البَقَر عن نِسائه مِنْ غيرِ أمْرِهنّ، أمّا التّعبير بالذّبح مع أنّ حديث الباب بلفظ النّحر، فإشارةٌ إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ «الذّبح»، ونَحْرُ البقر جائزٌ عند العلماء، إلا أنّ الذّبحَ مُسْتحبٌ عندهم، لقوله -تعالى-: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (البقرة:67). وخالف الحسن بن صالح فاستحبّ نَحْرها.
قوله: «مِنْ غيرِ أمْرهِنّ»
وأما قوله: «مِنْ غيرِ أمْرهِنّ» فأخَذه منْ اسْتفهام عائشة عن اللّحم، لمّا دَخَل به عليها، ولو كان ذَبَحه بِعِلْمها، لمْ تَحتَج إلى الاسْتفهام، لكنْ ليسَ ذلك دافعاً للاحتمال، فيجوز أنْ يكونَ علمُها بذلك تقدم بأن يكون استأذنهن في ذلك لكن لما أدخل اللحم عليها احتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه وأن يكون غير ذلك فاستفهمت عنه لذلك.
قولها: «فدُخلَ علينا»
وقولها: «فدُخلَ علينا» بضم الدال على البناء للمَجْهول. «بلَحْم بَقر» قال ابنُ بطّال: أخذ بظاهره جَماعة، فأجازُوا الاشْتراك في الهَدْي والأضْحية، ولا حُجّة فيه؛ لأنّه يحتمل أنْ يكون عن كلّ واحدةٍ بَقرة، وأمّا رواية يونس، عن الزهري عن عمرة عن عائشة: أنّ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - نحر عن أزواجه بقرة واحدة. فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك وقد خالفه غيره اهـ.
فتعقّبه الحافظ بقوله: رواية يونس أخرجها النسائي وأبو داود وغيرهما، ويونس ثقةٌ حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائي أيضاً، ولفظه أصْرح من لفظ يونس، قال: ما ذبح عن آل مُحمّد في حجّة الوداع إلا بقرة. وروى النسائي أيضا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ذَبَحَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عمّن اعْتَمرَ مِنْ نِسائه في حَجّة الوداع بقرة بينهن. صحّحه الحاكم، وهو شاهدٌ قويٌ لرواية الزهري.
قال: واستدلّ به على أنّ الإنْسان قد يلحقه مِنْ عَملِ غيرِه، ما عَمِله عنه بِغيرِ أمْره، ولا عِلْمه، وتُعقّب باحْتِمال الاسْتئذان كما تقدم في الكلام على التّرجمة.
وفيه: جَوازُ الأكل مِنَ الهَدْي والأضْحية، وسيأتي نقلُ الخِلاف فيه. انتهى مختصراً.
وقيل: فيه إشْكال أنّ زوجات النّبي - صلى الله عليه وسلم - كنّ تسعة، والبَقَرة لا تجزئ إلا عن سبعة، لكن قد يقال: إنّ الثّنتين الباقيتين ذبح عنهنّ شاة شاة، والله أعلم.
تعظيم الله -عزّوجل-
من عظم الله -سبحانه- وقدره حق قدره، تحقق فلاحه ونجاحه وسعادته في دنياه وأخراه، بل إنَّ تعظيمه -سبحانه- أساس الفلاح، وكيف يفلح ويسعد قلب لا يعظم ربه وخالقه وسيده ومولاه؟! ومن عظم الله عرف أحقية الله -عزّ وجل- بالذل والخضوع والخشوع والانكسار له، وعظّم شرعه، وعظّم دينه، وعرف مكانة رسله.
وهذا التعظيم لله -سبحانه- يعد أساسا متينا يقوم عليه دين الإسلام، بل إن روح العبادة في الإسلام هو التعظيم، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - (سيد ولد آدم إمام الأولين والآخرين وقدوة الخلائق أجمعين وأتقى الناس لرب العالمين) أنه -صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه وسجوده -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم -: «سُبْحَانَ ذِى الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، وكان يقول -صلى الله عليه وسلم -: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -عزّ وجل-»، وكان -صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ»، ويقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى»، ويقول -صلى الله عليه وسلم -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»، ومن أسماء ربنا وخالقنا ومولانا الحسنى «العظيم»، وهو -جل وعلا- عظيم في أسمائه، وعظيم في صفاته ، وعظيم في أفعاله، وعظيم في كلامه، وعظيم في وحيه وشرعه وتنزيله، بل لا يستحقّ أحدٌ التّعظيم والتكبير والإجلال والتمجيد غيره، فيجب على العباد أن يعظّموه بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته ومحبّته والذّل له والخوف منه، ومن تعظيمه -سبحانه- أن يطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ومن تعظيمه وإجلاله أن يخضع لأوامره وشرعه وحكمه، وألا يُعترض على شيء من شرعه، وهو -جل وعلا- عظيم مستحق من عباده أن يعظموه حق التعظيم ، وأن يقدروه حق قدره ، قال الله -تعالى-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر:67)، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك؛ فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لقول الحبر! ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-05-2026, 10:11 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: نَحرُ البُدْن قِيَامًا مُقَيَّدَةً




أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدم إعطاء الجَزّار من الهدي لأنّ عطيّته كانت عِوضَاً عن عَمله فيكون في معنى بيع جزءٍ منْها وذلك لا يجوز
قولَ الصَّحابيِّ: مِن السُّنَّةِ كذا يأخُذُ حُكمَ الرَّفْعِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو كذلك عند الشيخين

عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَتَى عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً؛ فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم -. رواه مسلم في الحج (2/956) باب: نحر البُدن قياماً مقيدة، ورواه البخاري في كتاب الحج (1713) باب: نحر الإبل مقيدة. في هذا الحَديثِ يَروي التابعيُّ زِيادُ بنُ جُبَيْرٍ: أنَّه رَأى عبداللهِ بنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- وقدْ مرَّ على رجُلٍ، لم يُذكر اسمه، «وهو ينحر بدَنتَه باركة» زاد أحمد: «ليَنْحرَها بمنَى»؛ أي: قد أقعدها ليَنحرها وهي باركة على الأرض، والبَدَنةُ: تكونُ مِن الإبلِ خاصَّةً.
«ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً»
فَقَالَ: «ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً» «ابعثها» أي: أثِرْها وأقمها، يقال: بَعثتُ الناقة أثرتها، قوله: «قِيَاماً مُقيّدة» أي: معقولة الرجل، قائمة على ما بقي من قوائمها، ولأبي داود: من حديث جابر: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابه كانوا يَنْحرُون البدنة، مَعْقولة اليُسْرى، قائمةً على ما بَقِي منْ قوائمها. وروى سعيد بن منصور: عن سعيد بن جبير: رأيتُ ابنَ عُمر يَنْحرُ بدنته، وهي معقولة إحدى يديها، فأمَرَه ابنُ عُمَرَ وأرْشَدَه أنْ يَجعَلَها واقفةً مُقيَّدةً مَربوطةَ اليَدِ اليُسرى، ثمَّ يَنحَرَها قائِمةً، وبيَّن له أنَّ ذلك هو سُنَّةُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: «سنّة محمد» بنصب سنة بعامل مضمر، كالاختصاص، أو التقدير: مُتّبعاً سُنّة محمد. ونحْرُ الإبلِ: هو أنْ يَضرِبَها بحَربةٍ أو سكين في الوَهْدةِ التي بيْن أصلِ عُنُقِها وصَدْرِها. وقيل: إنَّ الحِكمةَ في تَخْصيصِ الإبِلِ بالنَّحْرِ قائمةً، هو طُولُ العُنُقِ؛ إذْ لو ذُبِحَت قريبًا مِن الرَّأسِ، لكان مَجرَى الدَّمِ مِنَ القَلبِ إلى محَلِّ الذَّبحِ بعيدًا، فلا يُساعِدُ على إخراجِ جَميعِ الدَّمِ بيُسرٍ، بخلافِ النَّحْرِ في آخِرِ العُنقِ، فإنَّه يُقَرِّبُ المسافةَ ويُساعِدُ القَلبَ على دَفْعِ الدَّمِ كُلِّه، أمَّا البقرُ والغَنَمُ فالذَّبحُ مُناسِبُ لهما. فوائد الحديث


استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة وعن الحنفية يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة.
تَعليمُ الجاهِلِ، وعدَمُ السُّكوتِ على مُخالَفةِ السُّنَّةِ وإنْ كان مُباحًا.
وفيه: أنَّ قولَ الصَّحابيِّ: مِن السُّنَّةِ كذا، يأخُذُ حُكمَ الرَّفْعِ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو عند الشيخين كذلك، لاحْتجاجهما بهذا الحديث في صحيحيهما.

باب: الصّدقة بلُحُوم الهَدْي وجِلالها وجُلُودها
عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وجُلُودِهَا وأَجِلَّتِهَا، وأَنْ لَا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا». رواه مسلم في الحج (2/954) وبوب عليه النووي، بمثل ما بوّب المنذري.
في هذا الحَديثِ يروي علِيُّ بنُ أبي طالبٍ - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَه وهو في الحجِّ، لِيَتولِّي أمْرَ البُدْنِ الَّتي جَعَلَها هَدْياً، في ذَبْحِها وتَفرِقتها على الفُقراءِ. وفي رِوايةٍ للبُخاريِّ: «أهْدى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِئةَ بَدَنةٍ». وفي صَحيحِ مُسلمٍ: مِن حَديثِ جابرٍ - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نحَرَ ثَلاثًا وسِتِّينَ بيَدِه، ثمَّ أعْطى علِيًّا، فنَحَرَ ما غَبَرَ-أي: ما بَقِيَ-، وأشْرَكَه في هَدْيِه إلى المنحَرِ». والبُدْنُ: جمْعُ بَدَنةٍ، وهي بَهيمةُ الأنعامِ التي تُهْدى إلى البيتِ الحرامِ للتَّقرُّبِ بها إلى اللهِ -تعالى-، وتكونُ مِن الإبلِ خاصَّةً، وقيل: البُدْنُ تُطلَقُ على الإبلِ والبقَرِ. وأمَرَه - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَقسِمَ لُحومَها في المساكِينِ فقَسَمَها، ثمَّ أمَرَه أنْ يَقسِمَ جِلالَها وجُلودَها فقَسَمَهما، والجِلالُ: ما تَلبَسُه الدَّابَّةُ مِن كِساءٍ وقِلادةٍ ونحْوِها، وذلك لئلَّا يَعودَ إليه منها شَيءٌ؛ لأنَّه أخْرَجَها للهِ. التجليل سُنّة
قال القاضي: التجليل سُنّة، وهو عند العلماء مُختصٌّ بالإبل، وهو ممّا اشْتُهر من عمل السلف، قال: وممّن رآه مالك والشافعي وأبوثور وإسحاق. قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، قالوا: ويُستحبّ أنْ تكون قيمتها ونفاستها بحسَب حال المُهدي، وكان بعض السلف يُجلّل بالوشي، وبعضهم بالحبرة، وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر، قال مالك: وتشق على الأسنمة إنْ كانت قليلة الثمن، لئلا تسقط، قال مالك: وما علمت مَنْ تَرَك ذلك إلا ابن عمر، اسْتبقاء للثياب، لأنّه كان يُجلّل الجلال المرتفعة من الأنماط والبرود والحبر. قال القاضي: وفي شقّ الجِلال على الأسنمة فائدة أخرى، وهي إظْهار الإشْعار لئلا يَسْتتر تحتها. انتهى. وكذلِك أمَرَه ألَّا يُعْطي الجَزَّارَ شَيئاً منْها أجرةً على عَمَلِه فيها، فإعطاءُ الجَزَّارِ شَيئاً منها عِوَضًا مِن فِعلِه وذَبْحِه بَيعٌ، ولا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِن لَحْمِها، وأمَّا إعطاؤه صَدَقةً، أو هَديةً، أو زِيادةً على حقِّه، فلا حَرَجَ فيه. قال النووي: ومذهبنا أنّه لا يجوزُ بَيعُ جلدِ الهَدْي ولا الأضْحية، ولا شيء مِنْ أجزائهما، لأنّها لا ينتفع بها في البيت ولا بغيره، سواءً كانا تطوعاً أو واجبتين، لكن إنْ كانا تطوعاً، فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره، ولا يجُوز إعْطاء الجزار منْها شيئاً بسببِ جزارته، هذا مذهبنا، وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق... فوائد الحديث


جواز التَّوكيل في القِيامِ على الهَديِ والأضَاحي، مِنْ شرائه، وذَبْحِه، وقِسْمة لَحمِه، وغيرِ ذلك.
وفيه: جواز الاسْتِئجار على النّحر ونحوه.
وأنّه يتَصَدّق منْ لُحُومها وجلودها وجلالها.
وفيه: عدَمُ جواز بَيعِ ما أُخرِجَ للهِ -تعالى-، ولو جُزء منه.
فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه ألا يُعْطى الجَزّار منْها؛ لأنّ عطيّته كانت عِوضَاً عن عَمله، فيكون في معنى بيع جزءٍ منْها، وذلك لا يجوز.
وأنّها تجلّل، واسْتَحبوا أنْ يكونَ جَلالاً حَسَناً.
وفي الحديث: الصدقة بالجلال.

محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان
إن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أوثق عرى الإيمان، ومن أعظم درجات الدين، وهي دالة على صدق إيمان الإنسان، ولما كانت هذه المحبة أهم الحقوق الواجبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، جعلها الله فوق محبة الإنسان لنفسه، وأهله، وماله، والناس أجمعين كما قال الله -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:24) فهذه الآية دليل واضح على وجوب تقديم حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحقه على كل حب وحق، وليت شعري أين نحن من هذه الآيـة؟! قال القاضي عياض: «كفى بهذه الآيـة حضا وتنبيهاً، ودلالة وحجة على لزوم محبته، ووجوب فرضها، واستحقاقه لها - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ قرع -تعالى- من كان ماله، وأهله، وولده، أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله -تعالى-: فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله». إن هذه الآية لم تجعل الواجب على الناس حب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط! بل ذهبت إلى ما هو أعلى من ذلك ألا وهو أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من الأموال، والأولاد، والإخوان، والأزواج! ويتطلب ذلك أن يقتدي الإنسان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في شؤون حياته، وهو متابعته، وعدم مخالفـة سنته كما قال -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31)، ومما يدل على أن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان قوله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-05-2026, 10:14 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: طَوافُ الإفاضة يومَ النّحر




أجْمع العلماء على أنّ طواف الإفاضة ركنٌ مِنْ أرْكان الحج لا يصحّ الحج إلا به واتفقوا على أنّه يُستحب فعله يوم النّحر بعد الرّمي والنحر والحلق

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى. قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَهُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/950) باب: اسْتِحباب طواف الإفاضة يوم النّحر. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجليلُ عبداللهِ بنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - وهو في حَجَّةِ الوَداعِ في السَّنةِ العاشِرةِ- «أَفاضَ يومَ النَّحرِ» أي: طافَ بالبيتِ الحرامِ طَوافَ الإفاضةِ، وهُوَ الطَّوافُ بالبيتِ الَّذِي يَعقُبُ الوُقوفَ بعَرَفةَ ورَمْيَ الجَمْرةِ الكُبرَى، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ الحاجَّ يأتِي بَعدَ إفاضتِه مِن مِنًى إلى مَكَّةَ، ويومُ النَّحرِ هو العاشرُ مِن ذي الحِجَّةِ، وهو الموافقُ عيدَ الأضْحى، وسُمِّيَ بذلك؛ لِما يَجْري فيه مِن نَحْرِ الهَدْيِ والأضاحيِّ.
رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى منى
ويُخبِرُ ابنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّه - صلى الله عليه وسلم - رجَعَ بعدَ ذلك، فصلَّى الظُّهرَ بِمِنًى، وهي موضِعُ أداءِ شعائرِ الحجِّ ومَبيتُ الحجَّاجِ في يومِ التَّرويةِ، ويومِ النَّحرِ، وأيَّامِ التَّشريقِ، حيث إنَّ فيها موقِعَ رَميِ الجَمَراتِ، والَّتي تتمُّ بينَ شُروقِ وغُروبِ الشَّمسِ في تلك الأيَّامِ منَ الحجِّ، ويُذبَحُ فيها الهَديُ. وقيلَ: صَلاتُه - صلى الله عليه وسلم - الظُّهرَ كانتْ بمكَّةَ، كما في صَحيحِ مُسلمٍ: عن جابرٍ - رضي الله عنه -: «ثُمَّ ركِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأفاضَ إلى البيتِ، فصلَّى بمكَّةَ الظُّهرَ». وقيلَ: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - طافَ طوافَ الإفاضةِ، ثُمَّ دخَلَ وقتُ الظُّهرِ، فصلَّى الظُّهرَ بمكَّةَ في أوَّلِ وَقتِها، ثُمَّ رجَعَ إلى مِنًى، فوجَدَ النَّاسَ يَنتَظرونَه للصَّلاةِ معَه، فصلَّى بهم مرَّةً أُخرى، فبهذا تجتمِعُ الأحاديثُ دونَ حاجةٍ إلى تَرْجيحِ بعضِها على بعضٍ. وأخبَرَ نافعٌ- وهوَ مَوْلى ابنِ عُمرَ، والرَّاوي عنه هذا الحَديثَ- أنَّ ابنَ عُمرَ -رضي الله عنهما- كان يفعَلُ مثلَ ذلك، ويُخبرُ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فعَلَه؛ وذلك لأنَّ ابنَ عُمرَ -رضي الله عنهما- كان شديد الاتباع للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جَميعِ أعْمالِه، وفي السَّفَرِ والحضَرِ. فوائد الحديث


إثباتُ طواف الإفاضة، وأنّه يُستحب فِعله يوم النّحر، وأول النهار.
وقد أجْمع العلماء على أنّ هذا الطواف وهو (طواف الإفاضة) ركنٌ مِنْ أرْكان الحج، لا يصحّ الحج إلا به، واتفقوا على أنّه يُستحب فعله يوم النّحر بعد الرّمي والنحر والحلق، فإن أخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه بالإجماع، فإن أخره إلى ما بعد أيام التشريق، وأتى به بعدها أجزأه ولا شيء عليه عندنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك وأبو حنيفة: إذا تطاول لزمه معه دم.

باب: من طاف بالبيت فقد حَلّ
عن ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ إِلَّا حَلَّ قُلْتُ لِعَطَاءٍ مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 33). قَالَ قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ المُعَرَّفِ. فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ المُعَرَّفِ وقَبْلَهُ، وكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. الأثر رواه مسلم في الحج (2/913) باب: تقليد الهَدى وإشْعاره عند الإحرام.
مَسألةِ وَقتِ التَّحلُّلِ مِن الإحْرامِ للحاجِّ
في هذا الأثر بَيانُ اجتَهَادِ ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- في مَسألةِ وَقتِ التَّحلُّلِ مِن الإحْرامِ للحاجِّ، فقد كان يُفْتي بأنَّ مَنْ لم يَسُقِ الهَديَ، وأهَلَّ بالحَجِّ؛ فإنَّه إذا طافَ طَوافَ القُدومِ؛ فله أنْ يَتحلَّلَ قبْلَ الوُقوفِ بعَرَفةَ، وقبْلَ إتْمامِ مَناسِكِ حَجِّه، ويَجعَلَها عُمْرةً، كما في رِوايةِ مُسلِمٍ. فقال ابنُ جُرَيجٍ لعَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ: مِن أينَ قال هذا ابنُ عَبَّاسٍ؟ أي: مِن أينَ استَدَلَّ على هذا الحُكمِ؟ فقال عَطاءٌ: مِن قَولِ اللهِ تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 33)، ومِن أَمْرِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه الذين لم يَسُوقوا الهَدْيَ أنْ يَحِلُّوا في حَجَّةِ الوَداعِ، ويَجْعَلوها عُمْرةً، فقال ابنُ جُرَيجٍ: إنَّما كان ذلك بعْدَ المُعَرَّفِ، والمُعرَّفُ: هو الوُقوفُ بعَرَفةَ، قال عَطاءٌ: كان ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- يَرى ذلك قبْلَ الوُقوفِ بعَرَفةَ وبعْدَه. مخالفة مذهب العلماء
واجتِهادُ ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- مُخالِفٌ لمَذهَبِ العُلَماءِ كافَّةً؛ فإنَّ الحاجَّ لا يَتحلَّلُ بمُجَرَّدِ طَوافِ القُدومِ؛ بلْ لا يَتحلَّلُ حتَّى يَقِفَ بعَرَفاتٍ، ويَرْميَ، ويَحلِقَ، ويَطوفَ طَوافَ الزِّيارةِ، فحينَئذٍ يَحصُلُ التَّحَلُّلانِ، ويَحصُلُ الأوَّلُ باثنَيْنِ مِن هذه الثَّلاثةِ الَّتي هي: رَميُ جَمْرةِ العَقَبةِ، والحَلْقُ، والطَّوافُ. وأمَّا احْتِجاجُ ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- بالآيةِ، فلا دَلالةَ له فيها؛ لأنَّ قَولَه -تعالى-: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 33)، مَعْناه: لا تُنحَرُ إلَّا في الحَرَمِ، وليس فيه تعَرُّضٌ للتَّحلُّلِ مِن الإحْرامِ. وأمَّا احْتِجاجُه بأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَهم في حَجَّةِ الوَداعِ بأنْ يَحِلُّوا، فلا دَلالةَ فيه؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَهم بفَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرةِ تَمتُّعاً في تلك السَّنةِ، فلا يكونُ دَليلًا لتَحلُّلِ مَن هو مُتَلبِّسٌ بإحْرامِ الحجِّ. الفوائد الواردة في الأثر


أنّه إذا اجتَهَدَ المُجتَهِدُ فأصابَ فله أجْرانِ، وإنِ اجتَهَدَ فأخْطأَ فله أجْرٌ واحِدٌ.
وعبداللهِ بنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- كان مِن أئمَّةِ الصَّحابةِ المُجتَهِدينَ، دَعا له النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالفِقْهِ في الدِّينِ، والعلُّمِ بالتَّأويلِ، فصَار مِن أَوْعيةِ العِلمِ والفَهمِ - رضي الله عنه -.

الحجُّ وزيادةُ الإيمان
إنَّ في الحجِّ مجالاً واسعاً لإصلاح النفوس وتهذيب القلوب وزيادة الإيمان، وكم في الحجِّ من الدروس الرائعة والعبر المؤثّرة في إقبال القلوب على الله، وشدّة رغبها ورهبها ورجائها وخوفها، وكثرة رجوعها وإنابتها، فكم من دمعة صادقة في الحجِّ أُريقت! وكم من توبة نصوح قُبلت! وكم من عثرة أُقيلت! وكم من خطيئةٍ حُطَّتْ! وكم من دعاء خاشع أجيب! وكم من رقبة من النار أُعتقت! وعندما نتأمَّل نصوصَ القرآن والسنَّة المتعلِّقة بالحجِّ نجدُ فيها من الضوابط العظيمة والتوجيهات الحكيمة التي تحقِّق للعبد صلاحاً وزكاءً في حجِّه، بل في حياته كلِّها، كقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}، فكم في هذه النواهي {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} من دعوة وتوجيه إلى كبح جماح النفس والحدِّ من ميلها إلى رغباتها وشهواتها! وكم في قوله -سبحانه-: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} من دعوة إلى المسارعة في فعل الخيرات والمسابقة لأداء الطاعات! وكم في قوله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} من دعوة لأخذ الأُهبة والاستعداد بالتَّزوُّد ليوم المعاد! كشأن المسافر الذي يأخذ زاده معه في سفره، قال ابن القيم -رحمه الله-: «الناسُ منذ خُلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حطٌّ عن رحالهم إلاَّ في الجنَّة أو النار، والعاقل يعلم أنَّ السفرَ مبنيٌّ على المشقَّة وركوب الأخطار، ومن المحال عادةً أن يطلب فيه نعيماً ولذَّةً وراحةً، إنّما ذلك بعد انتهاء السفر».


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-05-2026, 10:16 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: يَكفِي القَارن طَوَافٌ واحِدٌ للحَجّ والعُمْرة




طواف القُدوم للقارن أو المفرد لا يُغنيه عن طواف الإفاضة إذْ إنّ طواف الإفاضة بعد النُّزول مِنْ عرفات رُكنٌ مِنْ أركان الحَجّ لا يصحّ الحَجُ إلا به

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، عَنْ حَجِّكِ وعُمْرَتِكِ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/880) باب: بيان وجُوه الإحْرام، وأنّه يجوز إفْراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العُمرة، ومتى يحلّ القارن من نسكه.
في هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائِشةُ -رضي الله عنها-: أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ...»، وفي لفظ لمسلم: عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: «أقْبلنا مُهْلينَ مع رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بحجٍّ مُفرد، وأقبلتْ عائشة -رضي الله عنها- بعُمْرة، حتى إذا كنا بسَرف، عَرَكت...». وسَرف: بفتح السين المهملة وكسر الراء ثم فاء، موضع قريب من مكة على أميال منْها. وروى البخاري: عن القاسم يقول: سمعت عائشة تقول: خَرَجنا لا نَرى إلا الحَج، فلمّا كنّا بسَرف حِضْت، فدخل عليّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبْكي، فقال: «ما لك، أنَفسِت؟ قلت: نعم. قال: إنّ هذا أمرٌ كتَبَه اللهُ على بناتِ آدم، فاقْضِي ما يَقضِي الحَاج، غير ألا تطُوفُي بالبيت». https://al-forqan.net/wp-/uploads/2024/02/الحج00-300x163.jpg
يَكفيكِ لِحَجِّتِكِ وعُمْرَتِك
قال لها رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا والْمَرْوَةِ» وفي رواية: «طَوافُكِ بِالبَيتِ» أي: حولَ الكَعبةِ المُشرَّفةِ، «وبينَ الصَّفا والمَرْوة» أي: وسَعيُك بين الصَّفا والمَرْوة، وسَمَّاه طَوافاً تَوسُّعاً في اللفظ. وفي رواية: «يَكفيكِ لِحَجِّتِكِ وعُمْرَتِكِ» أي: يُجزِئك عنْهما طَوافٌ واحدٌ بأشْواطِه، وسَعيٌ واحِدٌ بأشْواطِه، وقد قال لها ذلك، لأنَّها كانت أحْرمَتْ مِنَ الميقاتِ ثُمَّ حاضَت، فأمرَها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تُدخِلَ الحَجَّ على العُمرةِ فَتكون قَارِنةً، ثُمّ لمْ تَطُفْ بِالبيتِ ولا بين الصَّفا والمَروة عند قُدومِها مَكَّةَ، لمانِع الحَيض، فلمَّا طَهُرَت أخْبرَها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن طوافاً واحداً، وسَعياً واحداً، كافٍ عن حَجَّتِها وعُمرَتِها، وهما طَوافُ الإفاضةِ، ثمّ السَّعي في نِهايةِ النُّسكِ. أهلّي بالحَج ودَعِي العُمْرة
وأخرج مسلم (1211): من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «خَرَجنا مع رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجّة الوَدَاع فأهللنا بعُمْرة، ثم قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كانَ مَعه هَديٌ فليهل بالحج مع العُمرة، ثم لا يُحلّ حتى يحلّ منهما جميعاً. قالت: فقدمتُ مكة وأنا حائضٌ لمْ أطُفْ بالبيت، ولا بينَ الصّفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «انْقُضِي رَأسَك، وامْتَشطي، وأهلّي بالحَج، ودَعِي العُمْرة»، قالت: ففعلت، فلمّا قَضينا الحَجّ أرْسَلني رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التّنْعيم، فاعْتمرت، فقال: «هذه مكانُ عُمْرتك»، فطاف الذين أهلّوا بالعُمرة بالبيت، وبالصّفا والمَروة، ثمّ حلّوا، ثمّ طافوا طوافًا آخر بعد أنْ رجَعوا مِنْ مِنْى لحَجّهم، وأمّا الذين كانُوا جَمَعوا الحَجّ والعُمرة، فإنّما طَافُوا طَوافًا واحدًا»، ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ودَعِي العُمْرة» أي: اتْرُكي التّمتّع. يَسَعُك طَوافك لحَجّك وعُمْرتك
وفي لفظ لمسلم: عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّها أهلّت بعُمرة، فقَدِمت ولمْ تَطفْ بالبَيت حتى حاضَت، فنَسَكت المَنَاسك كلّها، وقد أهلّت بالحج، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النّفر: «يَسَعُك طَوافك لحَجّك وعُمْرتك». فأبت، فبَعثَ بها مع عبد الرحمن إلى التَّنْعيم، فاعْتَمرت بعد الحج. وفي لفظ لمسلم أيضاً: من حديث جابر بن عبد الله: أنّ عائشة -رضي الله عنها- في حَجّة النّبي - صلى الله عليه وسلم - أهلّت بعُمْرة، وزاد في الحديث قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا سهلًا، إذا هَويت الشّيء، تَابعها عليه، فأرْسَلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر، فأهَلّتْ بعُمْرة مِنَ التنعيم. فوائد الحديث


القَارنَ والمُفْرد يكفيه طوافٌ واحد (سبعة أشواط) بعد النُّزُول مِنْ مِنى، وسعيٌ واحدٌ بعد هذا الطّواف، أو بعد طَواف القُدُوم، وإنْ لمْ يسع بعد القُدُوم، وَجَبَ عليه السعي بعد طواف الإفاضة.
المُتمتّع لابدّ أنْ يَطوفَ للعُمرة، ويسعى لها بعد طوافه هذا، ثم لا بدّ وأن يطوف طوافًا آخر لحجه بعد النُّزُول من منى وهو طواف الإفاضة، ولا بُدّ أنْ يسعى بعد هذا الطواف أيضاً.
ولا نزاع في أنّ طواف القُدوم للقارن أو المفرد، لا يُغنيه عن طواف الإفاضة، إذْ إنّ طواف الإفاضة بعد النُّزول مِنْ عرفات، رُكنٌ مِنْ أركان الحَجّ، لا يصحّ الحَجُ إلا به، ويسمى أيضاً: طواف الصّدر، وطواف الركن، وطواف الزّيارة.
أنّ المَرأة إذا أحْرمت بعُمرة، ثمّ حَاضت وجاء يوم عَرفة، فإنّها تدخل الحَج على عمرتها، وتَصير قارنة، وتترك التّمتع.
جواز وقُوف المَرأة بعرفات وهي حائض أو نُفَساء، وكذلك مَبيتها بمُزْدلفة ووقوفها بالمَشْعر الحَرام للدّعاء، وكذلك رَميها للجِمار.
فقوله: «اقضي ما يقضي الحاج» أي: افْعلي، دالٌ على أنّ الحائض ومثلها النُّفَساء، والجُنُب، والمُحْدث، يَصحّ منْهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته، إلا الطواف، فإنه يُشْترط فيه الطهارة.
اشْتراط الطّهارة لصحّة الطّواف، وهو قولُ جمهور العلماء.
فلمّا قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَطوفي»، كان ذلك دليلاً على المَنْع مِنَ الطواف.
وأيضاً: قد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطّوافُ بالبيتِ صلاة». رواه الترمذي وابن خزيمة. والصّلاة الطّهارة شَرطٌ فيها، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبلُ الله صلاةً بغَير طُهُور». متفق عليه.
يجوزُ الاكتفاءُ بطواف العُمرة عن طَواف الوداع، وإنْ فَصَل بينهما السّعي بين الصّفا والمروة.
اسْتحباب مُجاملة الزّوجة وتَطييب خاطرها، والإحسان إليها، بما لا يُعارض شريعة الله -تعالى-.
بَيانُ تَيسيرِ الإسْلامِ على أصْحابِ الأعْذارِ في أمُورِ الحَجِّ والعُمرةِ.

منافع الحجِّ وفوائده
يقول الله -تعالى-: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}، منافع الحجِّ وفوائده لا يُمكن حصرُها، وعِبَرُه ودروسُه لا يُمكن عدُّها واستقصاؤها، فإنَّ قوله -تعالى- في الآية: ( مَنَافِعَ ) هو جمع منفعة، ونكَّرَ المنافعَ إشارةً إلى تعدُّدها وتنوُّعها وكثرتِها، وشهودُ هذه المنافع أمرٌ مقصودٌ في الحجِّ؛ إذ اللاَّم في قوله: ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) لام التعليل، وهي متعلِّقةٌ بقوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} أي: إن تؤذن فيهم بالحج يأتوك مشاةً وركباناً لأجل أن يشهدوا منافع الحجِّ، أي: يحضروها، والمراد بحضورهم المنافع حصولها لهم وانتفاعهم بها، ولهذا فإنَّ من الحريِّ بكلِّ مَن وفَّقه اللهُ لهذه الطاعة ويَسَّر له أداء هذه العبادة أن يكون حريصًا غاية الحرص على تحصيل منافع الحجِّ والإفادةِ من عِبَره وعظاته، إضافة إلى ما يحصله في حجِّه من أجور عظيمة وثواب جزيل ومغفرة للذنوب وتكفير للسيِّئات، فقد ثبت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَن حجَّ هذا البيتَ فلَم يرفُث ولم يفسُق، رجع كيوم ولدته أمُّه»، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «تابعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنَّهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد»، وجديرٌ بمَن نال هذا الرِّبحَ وفاز بهذا المَغنم أن يعودَ إلى بلده بحال زاكية، ونفس طيِّبة، وحياة جديدة مليئة بالإيمان والتقوى، عامرة بالخير والصلاح والاستقامة والمحافظة على طاعة الله -عزَّ وجلَّ-.

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-06-2026, 07:43 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: متى يَحلُّ مَنْ أحْرَمَ بِحجٍّ وعُمْرة؟




عَمَلُ القارِنِ والمُفْرِدِ واحِدٌ فيكفي إحْرامٌ واحِدٌ وطَوافٌ واحِدٌ وسَعيٌ واحِدٌ ولا يحِلُّ إلَّا يومَ النَّحْرِ ويَقتَصِرُ على أفعالِ الحَجِّ

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/873) باب: بيان وجُوه الإحْرام، وأخرجه البخاري في الحج (1562) باب: التّمتع والقِران والإفْراد بالحَج، ونسخ الحج لمنْ لمْ يكنْ معه هديٌ.
في هذا الحديثِ بيانُ تلك الأنْساكِ الثَّلاثةِ، حيث تُخْبِرُ عائشةُ -رضي الله عنها- فتقول: «خرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حجَّةِ الوداعِ»، وهي الحَجَّةُ التي حَجَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان كالمُوَدِّعِ لهم في خُطَبِ الحَجِّ، ولمْ يَلْبَثْ كَثيراً بعدَها، وكانتْْ في السَّنةِ العاشِرةِ من الهِجرةِ. أَنْساكُ الحَجِّ ثَلاثةٌ
وأَنْساكُ الحَجِّ ثَلاثةٌ: التَّمَتُّعُ: وهو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالعُمْرةِ في أشهُرِ الحجِّ، وهي: شَوَّالٌ وذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، ثُمَّ بعد الفراغ من أعمال العمرة يَحِلَّ منها، ثُمَّ يُحْرِمَ بالحَجِّ مِن عامِه. والقِرَانُ: وهو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ والعُمْرَةِ معًا، أو يُحْرِم بالعُمْرة ثمّ يُدخل عليها الحَجّ قبل أنْ يَفْتتح الطّواف، فَيَصير قارناً. والإفْرادُ: وهو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ فَقَطْ. حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
وقَدْ اخْتَلَفَ العلماء فِي حَجِّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلى أَنَّهُ أَفْرَدَ، وهُو أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وقَال أَبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: إنَّهُ قَرَنَ الحَجَّ والعُمْرَةَ. وقالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وإِسْحَاقُ: إنّه تَمَتَّعَ. وهو أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافعيِّ. فالصحابة مِنهم مَنْ أهَلَّ بعُمرةٍ فَقَطْ، وهذا له أنْ يَكتفيَ بعُمرةٍ فقط دونَ أن يحُجَّ، وإنْ كان قدْ نوَى أنْ يحُجَّ بعدَ التحلُّلِ مِنَ العُمرةِ، وهذا هو التمتُّعُ؛ حيثُ سيتمتَّعُ بالإحلالِ مِن العُمرةِ- إذا لم يكُنْ ساق الهدْيَ معه- ثم يُحرِمُ بالحَجِّ يومَ الترويةِ، وهو الثامنُ مِن ذي الحجَّةِ، ثم يأتي بأركانِ الحَجِّ، وعليه هدْيٌ للتمتُّعِ، ومنهم مَن أهَلَّ بحَجَّةٍ وعُمرةٍ جَمَعَ بيْنهُما، وهذا هو القِرانُ. ومِنهم مَن أهَلَّ بالحَجِّ فقطْ، وهذا هو الإفْرادُ، وأهَلَّ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحَجِّ مُفرِداً، ثمَّ أدخَلَ عليه العُمرةَ؛ ولذلك فإنَّ مَن أهَلَّ بالحَجِّ فَقَطْ أو جَمَعَ الحَجَّ والعُمرةَ، وكان قد ساقَ معه الهدْيَ وقَلَّدَه- وتقليدُ البَدنةِ أنْ يُعلَّقَ في عُنقِها شيءٌ ليُعلَمَ أنَّها هَديٌ-؛ لم يَحِلُّوا مِنْ إحْرامِهم حتَّى كان يومُ النَّحرِ في العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّه أوَّلُ وَقتِ تَحلُّلِ الحاجِّ، وفيه يَنحَرُ الحاجُّ هَدْيَه. عَمَلُ القارِنِ والمُفْرِدِ واحِدٌ
وعَمَلُ القارِنِ والمُفْرِدِ واحِدٌ؛ فيكفي إحْرامٌ واحِدٌ، وطَوافٌ واحِدٌ، وسَعيٌ واحِدٌ، ولا يَحِلُّ إلَّا يومَ النَّحْرِ، ويَقتَصِرُ على أفعالِ الحَجِّ، وتندرِجُ أفعالُ العُمْرَةِ كلُّها في أفْعالِ الحَجِّ، لكن يجِبُ الهَدْيُ على القارِن إذا لم يَكُنْ مِن حاضِرِي المسجِدِ الحرامِ، فإنْ كان مِن حاضِرِي المسجِدِ الحرامِ فلا دَمَ عليه. وقد بيَّنَت الرِّواياتُ في الصَّحيحَينِ: أنَّ مَن لم يَسُقِ الهَدْيَ معه؛ قد تَحلَّلَ بعْدَ أداءِ عُمرةٍ، فيها طوافٌ بالبيتِ، وسَعْيٌ بيْن الصَّفا والمَروةِ، ثمَّ الحلْقُ أو التَّقصيرُ، والتَّحلُّلُ، ثمَّ انْتَظَروا حتى يومِ التَّرويةِ في الثامنِ مِن ذي الحِجَّةِ، فأحْرَموا بالحجِّ وأتَمُّوا نُسكَهم. قولها: «وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» أي: لم يَحِلُّوا مِنْ إحْرامِهم حتَّى كان يومُ النَّحرِ، وهو العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّه أوَّلُ وَقتِ تَحلُّلِ الحاجِّ، وفيه يَنحَرُ الحاجُّ هَدْيَه.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-06-2026, 07:47 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: نُزُولُ المُحَصَّبِ يَومَ النَّفْر والصّلاة به




في الأحاديث بَيانُ تَتبُّعِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم كأبي بَكرٍ وعُمَرَ رضي الله عنهما لِهَدْيِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وحِرصِهم على اتِّباعِ سُنَّتِه
الحجُّ مِنَ العِباداتِ التَّوْقيفيَّةِ الَّتي أوضَحَ مَناسِكَها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَداعِ وكانت أفْعالُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حَجِّه سُنَّةً وهَدْيًا لِمَن جاء بعدَه

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ، كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ، وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ. وعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ بِمِنًى: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ»، وذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ، تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ: ألا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. يَعْنِي بِذَلِكَ: المُحَصَّبَ.
الأحاديث الثلاثة رواها الإمام مسلم في الحج (2/951-952)، وبوّب عليها النووي: باب: اسْتحبابُ النُزُولُ بالمُحَصّبِ يَومَ النّفر، والصّلاة به. الحَديثِ الأول
في الحَديثِ الأول: يُخبِرُ عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في عَهدِه، وأبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ -رضي الله عنهما- في خِلافتِهما، «كانوا يَنزِلونَ الأَبْطَحَ»، وكان نُزولُه - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح يومَ الثَّالثَ عشَرَ من ذي الحِجَّةِ، وذلك بعدَ رُجوعِه من مِنًى بعدَ انْقضاءِ أعْمالِ الحجِّ. والأبطَحُ: هو المُحَصَّبُ، وهو مَوضِعٌ يقَعُ بيْنَ مِنًى ومَكَّةَ، وهو إلى مِنًى أقرَبُ، سُمِّيَ به لاجتِماعِ الحَصْباءِ فيه بِحَمْلِ السَّيلِ إليه، ويُسمَّى الآنَ الجَعفريَّةَ، وهي تابعةٌ لمَنطقةِ الجُمّيزةِ. وقيلَ: هو موضِعُ رَمْيِ الجِمار بِمِنًى، وكان يُسمَّى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانةَ، والخَيْفُ: هو ما انْحَدَر مِنَ الجَبَلِ وارتَفَعَ عنِ المَسِيلِ، وكان خارجَ مَكَّةَ جِهةَ المدينةِ. وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ نزَلَ به، بعدَ انْتهاءِ أيَّامِ رَمْيِ الجَمَراتِ، وكان مَوْلاه أبو رافِعٍ - رضي الله عنه - قدْ نصَبَ له الخَيْمةَ في هذا المكانِ، ثُمَّ تَبِعَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أبو بَكْرٍ وعُمَرُ، فكانوا يَقِفونَ بهذا المكانِ في الوقتِ نفْسِه، وكان البَعضُ يرَى أنَّه مِن سُنَنِ الحجِّ، كعبداللهِ بنِ عُمَرَ، كما رواه عنه مُسلم في صَحيحِه (2/951): عن نافع: أنّ ابن عمرَ كان يَرى التّحْصيب سُنّة، وكان يُصلّي يومَ النّفر بالحَصْبة. الحديث الثاني
وفي الحديث الثاني: أخبَرَتْ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما نَزلَ بهذا المكانِ في المُحَصَّبِ، بعْدَ مُغادرَتِه مِنًى يومَ الثالثَ عشَرَ مِنْ ذي الحِجَّةِ، ثالثِ أيَّامِ التَّشريقِ، لأنَّه كان أيْسرَ لِخُروجِه إلى المَدينةِ، وحتَّى يَجتمِعَ إليه أصْحابُه ومَن سيَرحَلونَ معَه، كما جاء في رِوايةِ مُسلمٍ (2/951): عن عائشةَ -رَضيَ اللهُ عنها-: «أنَّها لمْ تكُنْ تفعَلُ ذلك»، وقالتْ: إنَّما نزَلَه رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّه كان مَنزِلًا أسمَحَ لخُروجِه». فذَكَرتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- أنَّ النُّزولَ لهذا الوادي، لم يكُنْ مِن مَناسكِ الحجِّ، وإنَّما كانَ مَنزِلًا نَزَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ليكونَ النُّزولُ به أسْهَلَ عندَ سَفَرِه راجعاً إلى المدينةِ، ليَجتمِعَ فيه الناسُ، وليَستويَ في ذلك البَطيءُ والمُعتدِلُ، ويكونُ مَبيتُهم وقيامُهم في السَّحَرِ، ورَحيلُهم بأَجْمَعِهم إلى المدينةِ. https://al-forqan.net/wp-/uploads/2025/08/الحج-3-300x145.jpg
الحديث الثالث
وفي الحديث الثالث: وقد أخرجه البخاري (1590) فهو متفق عليه، حديث أبي هريرة قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمنى: «نحنُ نَازِلُونَ غدًا، بِخَيفِ بني كنانة، حيثُ تقاسَمُوا على الكُفْر» حيثُ تقاسموا، أي: تَحالفوا، «على الكفر»، وذلك أنّ قريشًا وكنانة تَحالَفَتا على بني هاشم، «ألا يُناكحُوهم ولا يُبَايعُوهم» وفي رواية للبخاري: «ألا يُبايعُوهم ولا يُؤْوُوهم». معنى «تَقاسُمُهم على الكُفْر»
قال الحافظ النووي: معنى «تَقاسُمُهم على الكُفْر» تَحَالفهم على إخْراج النّبي - صلى الله عليه وسلم - وبني هاشم والمطلب منْ مكة، إلى خَيْف بني كنانة، وكتَبُوا بينهم الصّحيفة المشهورة، فيها أنْواعٌ مِنَ الباطل، فأرسلَ الله عليها الأرَضَة، فأكلتَ ما فيها منَ الكُفْر، وتركتَ ما فيها منْ ذِكْر الله، فأخبرَ جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبر به عمّه أبا طالب، فأخبرهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فوجدُوه كما أخبر، وقد ذكر الخطيب أنّ قوله هنا: «وذلك أنّ بني كنانة إلخ» المعطوف على حديث أسامة، مُدْرجٌ. وقد رواه البخاري أيضاً: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يا رسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَداً فِي حَجَّتِهِ؟ قَال: «وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟» ثُمَّ قَالَ: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ المُحَصَّبِ، حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الكُفْرِ». فأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- يقول: قلتُ: يا رسُول الله، أينَ تَنْزلُ غداً، في حَجّته؟ قال: «وهلْ تَرَكَ لنا عقيل» بفتح العين وكسر القاف، وهو ابن أبي طالب، «مَنْزلاً» زاد في باب: توريث دُور مكة وبيعها وشرائها، من كتاب الحج: وكان عقيل وَرِثَ أبا طالب هو وطالب، ولمْ يرثْ جَعفر ولا عليّ شيئاً، لأنّهما كانا مُسْلمين، وكان عقيلٌ وطالبُ كافرين، أي: عند وفاة أبيهما، لأنّ عَقيلاً أسْلم بعد ذلك. وقيل: ولمّا كان أبو طالب أكبر ولد عبدالمطلب، احْتَوى على أمْلاكه وحَازها وحده، على عادة الجاهليّة، مِنْ تقديم الأسَنّ، فتسلّطَ عقيلٌ أيضاً بعد الهجرة عليها. وقال الداودي: باعَ عَقيل ما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولمن هاجر من بني عبدالمطلب، كما كانوا يفعلون بدُور مَنْ هَاجَرَ مِنَ المُؤمنين، وإذا أجاز - صلى الله عليه وسلم - لعقيل تصرفه قبل إسْلامه فما بعد الإسلام بطريق الأولى. فوائد الأحاديث


بَيانُ تَتبُّعِ الصَّحابةِ -رضي الله عنهم- كأبي بَكرٍ وعُمَرَ -رضي الله عنهما-، لِهَدْيِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحِرصِهم على اتِّباعِ سُنَّتِه.
فيها اختُلاِف الصّحابة في سَببِ نُزولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقيل: نَزَلَ فيه نُزولًا تابعًا للنُّسكِ، وإنَّه سُنَّةٌ، كما كان يرَى عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، وقيل: ليس بسُنَّةٍ.
الحجُّ مِنَ العِباداتِ التَّوْقيفيَّةِ الَّتي أوضَحَ مَناسِكَها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداعِ، وكانت أفْعالُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجِّه سُنَّةً وهَدْيًا لِمَن جاء بعدَه، وقدْ كان الصَّحابةُ يَحرِصونَ على اتِّباعِ هَدْيِه، ويَفعَلونَ مِثلَ فِعلِه - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ أَمرِه في الحجِّ وغيرِه، وقد نَقَلوا لنا كلَّ أفعالِه، وبيَّنوا ما كان منْها مِن مَناسكِ الحجِّ، وما لم يكُنْ منها.
وفي الحديث الأخير: بيان ما حصل مِنْ أذَى المشرِكونَ مِن أهلِ مَكَّةَ للنبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن أسلَمَ معه، بأشدَّ أنواعِ الأذَى، حتَّى إنَّه لم يَسلَمْ مِن أذاهم أهلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعَشيرتُه، ممَّن أسلَمَ منهم ومَن لم يُسلِمْ، فإنَّ قُريشًا وكِنانةَ كَتَبوا كِتابًا وعقَدُوا بيْنهم عَقْدًا على بَني هاشمٍ وبني عبدالمطَّلِبِ، ألَّا يَقَعَ بيْنَهم عقْدُ نِكاحٍ، بألَّا يَتزوَّجَ أحدٌ مِنْ قُريشٌ وكِنانةُ امرأةً مِن بني هاشمٍ وبني عبدالمطَّلِبِ، ولا يُزوِّجوا امرأةً منهم إيَّاهم، وألَّا يَبيعوا لهم ولا يَشترُوا منْهم، ولا يُخالطُوهم ولا يكونَ بيْنهم وبيْنهم شَيءٌ مْطلقاً.
وأشارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلمكانِ الَّذي تَقاسَموا، أي: تَعاهدوا فيهِ على إيذاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعلى الكُفرِ، وهو خَيفُ بني كِنانةَ.

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-07-2026, 05:09 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في البَيتُوتة ليالي منى بمكة لأهل السّقاية




حرص الصَّحابةِ على تتبّع هَدْيِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم واتِّباعِ سُنَّتِه في كلِّ أفْعالِه وأقْوالِه فيما صحَّ عنه وهو ما ينبغي أنْ يكون شَأن المُسلِمِ الحقِّ
ما وُضِعَ منَ الماءِ في المساجِدِ والطُّرقِ يُشرَعُ أنْ يشرَبَ منه الغَنيُّ لأنَّه وُضِعَ للكافَّةِ لا للفُقراءِ وحْدَهم

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عبدالْمُطَّلِبِ - رضي الله عنه - اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. وعَنْ بَكْرِ بْنِ عبداللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ؛ يَسْقُونَ العَسَلَ واللَّبَنَ، وأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ وَلَا بُخْلٍ، قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ وخَلْفَهُ أُسَامَةُ، فَاسْتَسْقَى؛ فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ، فَشَرِبَ وسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ، وقَالَ: «أَحْسَنْتُمْ وأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا». فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
في الباب حديثان: الحديث الحديثان أخرجهما مسلم في الحج (2/953) باب: وجُوب المَبيت بمِنى ليالي أيام التّشريق، والتّرْخيص في تَرْكه لأهلِ السّقاية، وأخرجه البخاري في الحج (1634)، فهو متفق عليه. الحديث الأول
في هذا الحَديثِ يَروي عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ العبَّاسَ - رضي الله عنه - استأذَنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيتَ بمَكَّةَ لَياليَ مِنًى، وهي: لَيلةُ الحاديَ عَشَرَ، والثَّانيَ عَشَرَ، والثَّالثَ عَشَرَ مِن ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ أنْ يَبيتَ الحُجَّاجُ في تلك اللَّيالي بمِنًى، وهو مَوقِعُ رَميِ الجَمَراتِ. سَبَبُ بَياتِ العبَّاسِ بمَكَّةَ
وسَبَبُ بَياتِ العبَّاسِ بمَكَّةَ هو السِّقايةُ، أي: حتى يَقومَ بسِقايةِ الحَجيجِ؛ لِأنَّهم كانوا يَستسْقونَ الماءَ مِن زَمزَمَ، فيُخرِجونَه مِنَ البِئرِ، ويَجعَلونَه في الحِياضِ مُسَبَّلًا للحُجَّاجُ يشربون منه، فأذِنَ له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانتْ السّقاية لِلعبَّاسِ في الجاهليَّةِ، وأقَرَّها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - له، فهي لآلِ العبَّاسِ أبداً، فخدمة الحُجاج والبيت كانت مقسمة بين قريش، فيَسقُطُ المَبيتُ بمِنًى عن أصحابِ سِقايةِ الحَجيجِ ومَن في حُكمِهم مِن أهلِ الأعذارِ، وذلك مِن يُسرِ الشَّريعةِ. المبيت بمِنى ليالي التشريق
والمبيت بمِنى ليالي التشريق، هو أحدُ واجبات الحج التي فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالإقامة بـ»منى» تلك الليالي والأيام؛ هو من الطاعة لله تعالى، ومن شعائر الحج. ولما كانت سِقاية الحجيج من القُرَبِ المفضّلة، لأنّها خدمة لحجاج بيته وأضيافه، رخّص - صلى الله عليه وسلم - لعمّه العباس في ترك المَبيت بـمِنى؛ لكونه قائماً على السقاية، فيقوم بِسَقْي الحجاج، وهي مصلحة عامة، ممّا دلَّ على أن غيره، ممن لا يعمل مثل عمله وليس له عذر ليس له هذه الرخصة. فوائد الحديث الأول


وجوب المبيت بـ(مِنى) ليالي أيّام التشريق، والمراد بالمبيت، الإقامة بـ(منى) أكثر الليل.
الرُّخصة في ترك المبيت لسُقاة الحجاج، وألحق بهم: الرعاة، وأصحاب الحاجات الضرورية، كمن له مالٌ يخاف ضياعه، أو مريض ليس عنده مَنْ يُمرّضه، ومن له حاجة تتعلق بمصلحة الحج أو الحجاج، كالعاملين في المستشفيات، وأصحاب الحافلات الذين لو توقفوا لأضر ذلك بمصلحة الحجاج والحج، وما أشبه ذلك مِنَ الأمور.
وفيه: ما كان عليه أهل مكة في جاهليتهم؛ مِنْ إكَرام الحُجّاج، والقيام بخِدْمتهم، وتسهيل أمُورهم، ويعتبرون هذا مِنَ المَفَاخر الجليلة، فجاء الإسْلام فزاد مِنْ إكْرَامهم.
وفيه: فضيلة العَبَّاس بْن عبدالْمُطَّلِب - رضي الله عنه -، عمّ النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه: فضل العِناية بمَصَالح المسلمين.
وأنّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يبيّن للناس أحكامَ الحَجِّ والعُمرةِ، ويوضَحَ لهم ما يُباحُ فِعلُه، وما لا يُباحُ.

الحديث الثاني
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ بَكرُ بنُ عبداللهِ المُزَنِيُّ: أنَّه كان جالسًا معَ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عندَ الكَعبةِ، فجاءَه أعْرابيٌّ، والأعرابي هو الَّذي يسكُنُ الصَّحْراءَ والبادية، فقال: «ما لي أرَى بَنِي عمِّكم» أرادَ غيرَ بَني العبَّاسِ من سائرِ قُرَيشٍ، «يَسقُونَ العَسَلَ واللَّبَنَ، وأنتُم تَسقُونَ النَّبِيذَ؟!» ومرادُ الأعْرابيِّ: سِقايةُ الحاجِّ، فكان بَنو العبَّاسِ يَسقونَ النَّاسَ النَّبيذَ، وهو تَمرٌ أو زَبِيبٌ يُنقَعُ في الماءِ حتَّى يَحلُوَ طَعمُه، وليس بِمُسكِرٍ، وقدْ كانتِ المِياهُ بِمَكَّةَ مُتغيِّرةً، فكانوا يُطيِّبونَها بهذا. فيقول لابن عباس: هلْ تَرْكُكم لسِقايةِ العسَلِ واللَّبنِ، لأجْلِ فَقرٍ، أمْ لبُخلٍ؟
فقال له ابنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: «الحمدُ للهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ وَلَا بُخْلٍ» فأخبَرَه أنَّهم ليس بهم فَقْرٌ، ولا بُخلٌ، وإنَّما يَفعَلونَ هذا؛ تَمسُّكًا بما تلَقَّوْه منَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قدْ قَدِمَ إلى مكَّةَ وهو راكبٌ على راحِلَتِه، أي: ناقَتِه، وكان أُسامةُ بنُ زيدٍ -رضي الله عنهما- يركَبُ خَلفَه، فطلَبَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسْقى، فجاؤوه بإناءٍ فيه نَبِيذٌ، فشَرِبَ، وسَقَى أُسامةَ بقيَّةَ شَرابِه، وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لهم: «أَحْسَنْتُم وأَجْمَلْتُم، كذا فاصْنَعُوا» أي: صَنَعْتُم فِعلًا حَسَناً وجَميلاً، بِتَطْيِيبِكمُ الماءَ بالنَّبِيذِ مِنَ التَّمرِ أوِ الزَّبِيبِ، وحثّهم على الاستمرار. وفي هذا دَليلٌ على أنَّ هذا الشَّرابَ غيرُ مَنهيٍّ عنه، وإلَّا لَمَا شَرِبَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولَكانَ نَهَى عنه. ثمَّ أوْضَحَ ابنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- سَببَ ذلك بقولِه: «فلا نُرِيدُ تَغييرَ ما أمَرَ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -» أي: مِن تَطيِيبِ الماءِ بالنَّبِيذِ، وذلك بقولِه: «كذا فاصْنَعُوا» أي: أمرَهم - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَثبُتوا على سَقيِ النَّبيذِ، فامْتَثَلوا أمرَه، والمَعنى: أنَّنا لا نُغيِّرُ سِقاءَ النَّبيذِ إلى سِقاءٍ غَيرِه منَ العسَلِ واللَّبنِ، وإنْ كان ذلك أوْلى عندَ النَّاسِ؛ لأنَّنا لا نُغيِّرُ شيئاً أعجَبَ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ أمرَنا به؛ إذ هو الأوْلى لنا، واللَّائقُ بنا. فوائد الحديث الثاني


فضْلُ سِقَايةِ الحَجِيجِ.
وفيه: مَشروعيَّةُ شُربِ النَّبِيذِ غيرِ المُسكِرِ، وهو ما لمْ تَمضِ عليه ثلاثُ ليال.
وفيه: دليل على اسْتحباب الثّناء على أصْحاب السّقاية، وكلّ صانع جميل. قاله النووي.
وفيه: أنَّ ما وُضِعَ منَ الماءِ في المساجِدِ والطُّرقِ، يُشرَعُ أنْ يشرَبَ منه الغَنيُّ؛ لأنَّه وُضِعَ للكافَّةِ، لا للفُقراءِ وحْدَهم.
وفيه: بيانُ تتبُّعِ الصَّحابةِ لِهَدْيِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وحِرْصِهم على اتِّباعِ سُنَّتِه، في كلِّ أفْعالِه وأقْوالِه، فيما صحَّ عنه، وهو ما ينبغي أنْ يكون شَأنُ المُسلِمِ الحقِّ.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-07-2026, 05:11 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: إقامةُ المُهاجر بمكّة بعد قضاء الحَجّ والعُمْرة




الإقامة بمكة حرامٌ على مَنْ هَاجرَ منْها قبل الفتح لكنْ أبيح لمَنْ قَصَدها منْهم بِحجٍّ أو عُمرة أنْ يُقيم بعد قضاء نُسِكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها
مِن مَناسِك الحَجِّ طَوافُ الوَداعِ وهو الطَّوافُ الأخيرُ الَّذِي يكونُ مِن الحاجِّ قبلَ مُغادرتِه مَكَّةَ

عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عبدالْعَزِيزِ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ أَوْ قَالَ العَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُقِيمُ المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، ثَلَاثًا»(1352/441)، الحديث رواه مسلم في الحج (2/985) باب: جواز الإقامة بمكة للمُهاجر منْها بعد فراغ الحجّ والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة.
عبدالرَّحمنِ بنُ حُمَيدٍ هو ابن عبدالرحمن بن عوف الزُّهْريُّ، تابعي ثقة. يقول: إنَّ أميرَ المؤمِنينَ عُمَرُ بنُ عبدالعَزيزِ سَأَلَ السَّائبَ بنَ يَزيدَ رضي الله عنه - وكان مِن أصْحابِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا سَمِع في سُكْنى مكَّةَ لمَن هاجَرَ منها قبْلَ الفَتحِ، فأجابَه أنَّه قدْ سَمِع العَلاءَ بنَ الحَضْرَميِّ - رضي الله عنه - يُخبِر: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ رخَّص للمُهاجِرينَ في الإقامةِ بمكَّةَ بعْدَ الصَّدَرِ، ثَلاثةَ أيَّامٍ، والمُرادُ بالصَّدَرِ، أي: بعْدَ أنْ يَعودَ مِنْ مِنًى، ويَطوفَ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضة، وبعد الانْتِهاءُ مِن أعْمالِ الحجِّ ومَناسِكِه، فلا يَصِحُّ للمُهاجِرِ أنْ يظَلَّ في مكَّةَ أكثَرَ مِن ثَلاثةِ أيَّامٍ، لأنَّ الانتِظارَ أكثَرَ مِن ذلك يُشبِهُ الإقامةَ فيها دونَ عُذرٍ شَرعيٍّ، والمُهاجِرُ مَأْمورٌ ألَّا يُقيمَ في البلَدِ الَّتي هاجَرَ منها، وهي مكَّةُ، قيلَ: ذلك لأنَّ المُحافَظةَ على الهِجرةِ وفَضْلِها، أفضَلُ مِن الإقامةِ في مكَّةَ. قال الحافظ ابن حجر: «ويستنبط من ذلك أنَّ إقامة ثلاثة أيام، لا تُخْرج صاحبها عن حكم المسافر، وفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمُهاجرين الأولين، ولا معنى لتقييده بالأولين. معنى الحديث
قال النووي: «معنى هذا الحديث أنّ الذين هاجروا، يَحْرُم عليهم اسْتيطان مكة. حكى عياض أنّه قول الجُمهور، قال: وأجازه لهم جماعة، يعني بعد الفتح، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه، قال: واتفق الجميع على أنّ الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأنَّ سُكنى المدينة كان واجباً لنُصْرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواساته بالنّفس، وأمّا غير المُهاجرين، فيَجوزُ له سُكنى أي بلدٍ أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق، انتهى كلام القاضي. قال الحافظ: ويستثنى من ذلك: مَنْ أَذِنَ له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإقامة في غير المدينة، واستدل بهذا الحديث على أن طواف الوداع عبادة مستقلة ليست من مناسك الحج، وهو أصح الوجهين في المذهب، لقوله في هذا الحديث» بعد قضاء نُسُكه»؛ لأنَّ طواف الوَدَاع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده، خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سمّاه قبله قاضياً لمُناسكه فخرج طواف الوداع عن أنْ يكون من مناسك الحج، والله أعلم. المراد بالحديث
وقال القرطبي: المراد بهذا الحديث: مَنْ هَاجَرَ مِنْ مكّة إلى المدِينة لنَصْر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولا يعني به مَنْ هَاجر مِنْ غيرها؛ لأنّه خَرَج جواباً عن سؤالهم لما تحَرّجُوا من الإقامة بمكة؛ إذْ كانوا قد تركوها لله -تعالى-، فأجابهم بذلك، وأعلَمَهم أنَّ إقامة الثلاث ليس بإقامة، قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضعٍ يَخافُ أنْ يُفْتن فيه في دينه، فهل له أنْ يَرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أنْ يقال: إنْ كان تَرَكها لله كما فعله المُهاجر. فوائد الحديث


أن الإقامة بمكة حرامٌ على مَنْ هَاجرَ منْها قبل الفتح، لكنْ أبيح لمَنْ قَصَدها منْهم بِحجٍّ أو عُمرة، أنْ يُقيم بعد قضاء نُسِكه ثلاثة أيام، لا يزيد عليها.
كانتِ الهِجْرةُ مِن مكَّةَ إلى المَدينةِ خُروجًا في سَبيلِ اللهِ -تعالى-، وهِجْرةً إلى رَسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وقدْ جعَلَ اللهُ أجْرَها عَظيمًا للمُهاجِرينَ، وقد أُمِرَ المُهاجِرونَ ألَّا يُقيموا في مَكَّةَ بعْدَ فَتحِها، إتْمامًا لهِجرتِهم.

باب: لَا يَنْفِر أَحَدٌ حَتَّى يَطوف بِالْبَيْتِ للوداع
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْت»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/963) باب: وجُوب طواف الوَدَاع، وسُقُوطه عن الحائض، ورواه البخاري ومسلم أيضا بلفظ: «أمِرَ النّاسُ أنْ يكونَ آخرُ عَهْدهمْ بالبَيت، إلا أنّه خُفّفَ عن الحائض».
يقولُ عبدالله بنُ عَبَّاس -رَضِي اللهُ عنهُما-: «كان النَّاسُ» أي: الحُجّاج بعدَ قَضاءِ حَجِّهم، وقبلَ أن يَطُوفُوا بالبيتِ طوافَ الوَداعِ، قوله: «يَنصرِفون في كلِّ وَجهٍ» أي: في كُلِّ طريقٍ مِن طُرُقِ مَكَّةَ. قوله: «فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: لا يَنفِرَنَّ أَحَدٌ» أي: لا يَخرُجَنَّ أحدُكم مِن مَكَّةَ «حتَّى يكونَ آخِرُ عهدِه»، أي: حتَّى يكونَ آخِرُ مَناسِكِه «الطَّوافَ بالبَيتِ»، أي: طوافَ الوَداعِ. طوافُ الوَدَاع واجبٌ
قال النووي: طوافُ الوَدَاع واجبٌ يلزَمُ بتركه دَمٌ على الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه. انتهى. قال الحافظ: والذي رأيته في «الأوسط» لابن المنذر، أنّه وَاجبٌ للأمر به، إلا أنّه لا يجبُ بتركه شيء. وقوله في الرواية الأخرى: «أمرَ الناسُ» كذا في رواية عبدالله بن طاووس عن أبيه، على البناء لما لمْ يُسمّ فاعله، والمُراد به النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذا قوله «خُفّف» وقد رواه طاووس فصَرّح فيه بالرّفع، ولفظه عن ابنِ عباس قال: كان الناسُ يَنْصرُفُون في كلّ وجه، فقال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَنفرَنّ أحدٌ، حتّى يكونَ آخرَ عَهْدِه بالبَيت». وفيه دليلٌ: على وجُوب طَواف الوَدَاع للأمْر المُؤكّد به، وللتّعبير في حقّ الحائض بالتخفيف كما تقدم، والتَّخفيف لا يكون إلا مِنْ أمرٍ مُؤكّد. واستدلّ به على أنّ الطّهارة شرطٌ لصِحّة الطّواف. فوائد الحديث


مِن مَناسِك الحَجِّ: طَوافُ الوَداعِ، وهو الطَّوافُ الأخيرُ الَّذِي يكونُ مِن الحاجِّ قبلَ مُغادرتِه مَكَّةَ.
وهو واجبٌ مِنْ واجبات الحجّ، يلزمُ بتركه دمٌ، عند جُمْهور العُلَماء.

حقيقة البر والتقوى
آية من كتاب الله -تعالى- اشتملت على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، وفيما بينَهم وبينَ ربِّهم؛ فهي جديرة بإدامة النظر في معانيها، وفَهْم مراميها، وكمال الحرص على العمل بما جاء فيها؛ إنها قوله -عز اسمه-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الْمَائِدَةِ:2)؛ فإن كل عبد -كما قال ابن القيم -رحمه الله- لا ينفك عن هاتين الحالين، وهذين الواجبين، وهما: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق. أمَّا الواجب الذي بين العبد وبين الخَلْق من المعاشَرة والمعاوَنة، والصحبة؛ أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونًا على مرضاة الله، وطاعته، التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى، اللذان هما جماع الدين كله. وإنَّ حقيقةَ البِرِّ أنَّه الكمال المطلوب من الشيء، والمنافع التي فيه؛ فالبر كلمة جامعة لأنواع الخير والكمال المطلوب من العبد، وفي مقابله الإثم، وهي كلمة جامعة للشرور والعيب، التي يذم العبد عليها؛ فيدخل في مُسمَّى البر، الإيمانُ وأجزاؤه الظاهرة والباطنة. ولا ريب أن التقوى جزء من هذا المعنى، وأكثر ما يعبر به عن بر القلب، وهو وجود طعم الإيمان فيه وحلاوته، وما يلزم من ذلك من طمأنينته وسلامته وانشراحه، وقوته وفرحه بالإيمان؛ فإن للإيمان لذة وفرحة في القلب، فمن لم يجدها فهو ناقص الإيمان أو فاقده. وإنَّ حقيقةَ التقوى هي العمل بطاعة الله؛ إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا؛ فهي تَحمِل العبدَ على أن يفعل ما أمَر اللهُ به، إيمانًا بالأمر، وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنها إيمانًا بالنهي، وخوفًا من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: «إذا وقعت الفتنة فأطفِئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بالطاعة على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقابَ الله»، وهذا من أحسن ما قيل في تعريف التقوى وبيان حقيقتها.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-09-2026, 04:01 AM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. المَرْأةُ تَحِيضُ قبلَ أنْ تُودِّع




طواف الإفاضة لابدّ منه ولا يسقط عن الحائض حيث قال صلى الله عليه وسلم : أحابستنا هي؟ فقيل: إنها أفاضت

عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْتَنْفِر»، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/963-964) باب: وجُوب طواف الوداع وسُقوطه عن الحائض، ورواهما البخاري في الحج (3/586) بابك إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت.
تَروي أمُّ المؤمنِينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّه لَمَّا حَجُّوا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَّةَ الوداعِ، طافوا طوافَ الإفاضةِ يومَ النَّحرِ، وهو اليومُ العاشرُ مِن ذي الحجَّةِ، حاضتْ أُمُّ المؤمنينَ صَفيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ -رضي الله عنها- بعدَ أداءِ طَوافِ الإفاضةِ، وذلك بعْدَ أنِ استَأذَنَتْ نِساؤُه في طَوافِ الإفاضةِ، وأذِنَ لهنَّ. قولها: «أنَّ صفيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حاضتْ بعدما أفاضت» في حَجَّةِ الوَدَاع، أي: ليلة النَّفْر، قال ابن حجر -رحمه الله-: حاضت صفية، أي: في أيام مِنى، وسيأتي في أبواب الإدلاج من المحصَّب؛ أنَّ حيضها كان ليلة النَّفْر، زاد الحاكم: لمّا أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ ينفر، إذا صفية على باب خبائها كئيبةً حزينة، فقال: عَقْرَى.. الحديث. وهذا يُشعر بأنَّ الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجل من أهله؛ كان بالقُرْب من وقت النَّفْر منْ منى. «أَحابِسَتُنَا هي؟»
قوله: «فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحابِسَتُنَا هي؟» أي: قال النّبي - صلى الله عليه وسلم - مُسْتفهماً مِنْ عائشة: «أحابستنا هي؟» أي: عن الرُّجوع إلى المدينة؛ لأنّه ظنَّ أنَّها لم تطُفْ طواف الإفاضة. «أحَابِسَتُنَا هي؟» الهمزة هنا ليست للاستفهام المَحض، ولكنها على معنى الإنكار والإشفاق مِنْ شيءٍ يُتوقَّع، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر: «لعلها تَحْبِسُنَا؟» فهذا توقُّع بيِّن وإشفاق. وقلنا: إنَّه بمعنى الإنكار؛ لأنّه خَرَج مخرج التبرُّم والغضب، وتوضيحه: أنَّ بعضهم روى هذا الحديث فقال: «عَقْرَى حَلْقَى» أي: عقرهَا الله، وحلقها إذا أَصَابَهَا الوجع في حلقها، ما أراها إلا حابستنا...، وهذا من الدعاء الذي لا يُراد به وقوع المكروه؛ وإنَّما هو كلامٌ تستعمله العرب على معنيين: أحدهما: عند التبرُّم والضّجر، ومنه الحديث، وتقدم في قوله: «أفٍّ لك». والآخر: في معنى استعظام الشيء، والإفْراط في إحْسانه، كما يقال: أخْزَاه الله ما أشْعره! وقاتله الله ما أفصحه! «هذا شيء كتَبَه الله على بنات آدم»
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- مُقارِنًا بين قول النبي لعائشة وصفية: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا شيء كتَبَه الله على بنات آدم» يعني: الحيض، وكتبه عليهن، أي: جَبَلَهُنَّ عليه، وثبَّته عليهن، وهو تأنيسٌ لها وتسلية، وهو دليلٌ على ميله لها، وحُنُوهِ عليها، وكم بين مَن يؤنَّس ويُستَرضَى وبين مَن يُقال له: عَقْرَى حَلْقَى»؟! والصواب: ليس فيه دليل على اتِّضَاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النُّسُك، فسلَّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرَّجُل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. وقال ابن جماعة -رحمه الله-: استنبط (أي: البخاري) اعتبار قولها (أي: المرأة) في الحيض والحمل، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَحَابِسَتُنَا هي؟» فرتَّب حبْس الحاج على مجرد قولها، فدلَّ على أنَّه مُعتبَر في العِدَّة والحَمل والحيض. وقال ابن حجر -رحمه الله-: في رواية الأعرج عن أبي سلمة عن عائشة التي مضت في باب الزيارة يوم النحر: «حَجَجْنَا فأَفَضْنَا يوم النَّحر، فحاضت صفية، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ما يريد الرَّجل من أهله، فقلتُ: يا رسول الله، إنها حائض...» الحديث. وهذا مشكلٌ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنْ كان عَلِمَ أنها طافت طواف الإفاضة، فكيف يقول: «أَحَابِسَتُنا هي؟» وإنْ كان ما عَلِمَ؛ فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟! ويُجاب عنه: بأنه - صلى الله عليه وسلم - ما أراد ذلك منها إلا بعد أنْ استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة، فأَذِنَ لهنَّ، فكان بانيًا على أنها قد حلَّت، فلما قيل له: إنها حائض، جوَّز أنْ يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها منْ طواف الإفاضة، فاستفْهَم عن ذلك، فأَعْلَمَتْهُ عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك، والله أعلم. وقال الصنعاني -رحمه الله-: قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» أي: أَمَانِعَتُنَا عن التوجُّه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظنًا منه - صلى الله عليه وسلم - بأنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لا يتركها ويتوجَّه، ولا يأمرها بالتوجّه معه، وهي باقيةٌ على إحْرامها، فيحتاج إلى أنْ يُقيم حتى تطْهر وتطوف، وتحل الحِلَّ الثاني. طواف الإفاضة يَحبس الحائض بمكة
وقال ابن بطال -رحمه الله-: في قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» دليل أنَّ طواف الإفاضة يَحبس الحائض بمكة، لا تَبْرح حتّى تَطوف للإفاضة؛ لأنّه الطواف المُفْترض على كلّ مَنْ حج، وعلى هذا أئمة أهل العلم. وقال النووي -رحمه الله-: إذا حاضت المرأةُ قبل طواف الإفاضة، وأراد الحُجَّاج النَّفْر بعد قضاء مناسكهم، فالأَولى للمرأة أنْ تُقيم حتى تطهُر فتطوف، إلا أنْ يكون عليها ضرر ظاهر في هذا، فإن أرادت النَّفْر مع الناس قبل طواف الإفاضة جاز، وتبقى مُحْرِمَة حتى تعود إلى مكة، فتطوف متى ما كان، ولو طال سنين... وقال القاضي عياض -رحمه الله-: ويُستفاد من قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» أنَّ الكَرِي (أي: المكاري) تُحبس عليها إذا لم تَطُف طواف الإفاضة، كما قال مالك، حتى تَطْهُر أو يمضي أيامها، أو أقصى ما يمسك النساء الدم والاسْتطهار، على اختلاف قوله في هذا الأصل. قضاء الحائض للمناسك
وقال ابن تيمية -رحمه الله-: الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فإنها تجتهد ألا تطوف بالبيت إلا طاهرة، فإن عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلُّف عن الرَّكب حتّى تطهر وتطوف، فإنّها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض أجزأها في أحد قولي العلماء، ثم قال أبو حنيفة وغيره: يجزئها لو لم يكنْ لها عُذر، لكن أوجب عليها بَدَنة، وأما أحمد فأوجب على من ترك الطهارة ناسياً دماً، وهي شاة، وأما هذه العاجزة عن الطواف وهي طاهرة، فإن أخرجت دمًا فهو أحوط، وإلا فلا يتبين أن عليها شيئًا؛ فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: وهو قول قوي، ولا سيما لأهل أمريكا وأندونيسيا. قوله: «فلتنفر»
قوله: «فلتنفر» أي: فلتُسْرع الخروج من مكة راجعة إلى المدينة؛ لتمام حجِّها، وعدم بقاء شيء عليها، وتخرج إلى المدينة من غير طواف الوداع، فإنه سقط لعذر الحيض، وقال ابن عبدالبر -رحمه الله-: إنْ كانت الحائض قد طافَت قبل أنْ تحيض، جاز لها بالسُّنة أن تخرج ولا تودِّع البيت، ورخص ذلك للحائض وحدها دون غيرها، وهذا كله أمر مجتمع عليه من فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء عليه لا خلاف بينهم فيه، وقد كان ابن عمر -]- يفتي بأن الحائض لا تنفِر حتى تودِّع البيت، ثم رجع عنه. وقال الترمذي -رحمه الله-: والعمل على هذا عند أهل العلم: أنَّ المَرأة إذا طافت طَوافَ الزيارة، ثمّ حَاضت، فإنها تنفِر، وليس عليها شيءٌ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال ابن المنذر: قال عامّة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنّهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنّهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة؛ إذْ لو حاضت قبله لم يسقط عنها. ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح: إلى نافع عن ابن عمر قال: «طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمَرَ عُمر بحبسها بمكة بعد أنْ ينفر الناس، حتى تطهر وتطوف بالبيت» قال: وقد ثَبتَ رُجُوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة. يشير بذلك إلى ما تضمَّنته أحاديث هذا الباب. أحكام الحديث وفوائده


أنَّ طوافَ الإفاضة لابدّ منه، ولا يسقط عن الحائض، حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحابستنا هي؟ فقيل: إنها أفاضت».
وسقوط طواف الوداع عن الحائض.
أنَّ الحائض لا تدخل المسجد.
عدمُ وجُوب الدّم بتَرك طواف الوداع مِنَ الحَائض؛ حيثُ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا أُخبر بأنّها طافت للإفاضة، قال: «فانْفِري» مِنْ غير ذِكْر دمٍ ولا غيره.
وفيه: حُسن خُلقه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنّه كان سيمكث هناك لو لم تطف.
وفيه: فضيلة أمّ المؤمنين صفية -رضي الله عنها-.
وفيه: استفتاء بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعضهن، واطلاع بعضهن على أحوال بعض؛ وذلك من حسن المعاشرة.
قال المهلب: فيه شاهدٌ لتصديق النساء فيما يدَّعينه من الحَيض؛ لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أنْ يُؤخِّر السّفر، ويحبس من معه لأجل حيض صفية، ولمْ يَمتحنها في ذلك، ولا أكْذَبها.
وقال ابن المنير: لمّا رتَّب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على مُجرّد قول صفية: «إنّها حائض» تأخيره السفر، أخذ منه (البخاري) تعدّي الحُكم إلى الزوج، فتُصدَّق المرأة في الحيض والحمل باعتبار رجعة الزوج، وسُقوطها، وإلْحاق الحَمل به في العِدَّة، وكيف يراجع المرأة إذا طلقها واحدة أو ثنتين؟




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-09-2026, 04:03 AM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في إباحة العُمْرة في شُهور الحَجّ




كان النبيِّ صلى الله عليه وسلم يتَعهُّد أصحابه بالسُّؤالِ ويتَحرّى عن قِيامِهم بما أوجَبَ عليهم ويحرضهم على فِعلِ الخيراتِ
العمرة ليس لها إلا تحلّلٌ واحدٌ بخلاف الحجّ الذي فيه تحللٌ أول وتحلل ثانٍ

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ! ويَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَراً، ويَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وعَفَا الْأَثَرْ، وانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ؟ فَقَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً؛ فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّه»، الحديث رواه مسلم في الحج ومسلم (2/909) باب: جواز العمرة في أشهر الحج، وأخرجه البخاري في الحج (1564) باب: التمتع والقران والإفراد بالحجّ.
يقول عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: إنَّ العربَ في الجاهِليَّةِ، كانوا يَرَون أنَّ الإحرامَ بالعُمرةِ في أشهُر الحَجِّ مِن أفجَر الفُجورِ! أي: مِن أعظَمِ المَعاصي والذنوب، ويُحرِّمون العُمرةَ إلى نِهايةِ مُحَرَّمٍ، ويَجعَلون المُحَرَّمَ صَفَراً، ويَتلاعَبون بالأشهُرِ الحُرُمِ على حَسَبِ أهوائِهِم، فيُؤَخِّرون تَحريمَ المُحَرَّمِ إلى صَفَرٍ، أي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر، لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر مُحرّمة، فتضيق عليهم أمُورهم بترك الغارة وغيرها، وهو النَّسِيءُ الَّذي ذمَّه اللهُ -تعالى-، وضلّلهم به في قولِه: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} (التوبة: 37). فكانوا يسمون المحرم: صفرًا، ويُحلّونه وينسئون المحرم، ويَقولون: إذا بَرا الدَّبَرُ، وهو الجُروحُ الَّتي تكونُ في ظَهْرِ الإبِلِ بعد الحجّ، فإذا شُفِيَت الجِراحاتُ الَّتي في ظَهْرِ الإبِلِ، الَّتي تَحدُث بسَببِ الحَمْلِ عليها، وكَثرةِ احتِكاكِها في أسفارِها الطَّويلةِ. وعَفا الأثَرُ: أي دَرَس وأمحي، أي اخْتَفَت آثارُ أقدامِ الإبلِ الَّتي تُحدِثُها في سَيرِها، وانسلخ صفر: أي انْتَهى شَهْرُ صَفَرٍ الَّذي هو في الحَقيقةِ شَهْرُ مُحَرَّمٍ بِسَبَبِ النَّسيءِ، حلَّت العُمرةُ لمَن اعتَمَرَ، فعِندَ ذَلكَ تَجوزُ العُمرةُ لمَن أرادَها، وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويُوقف عليها، لأنّ مُرادهم السّجع. دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة
فلمَّا قَدِمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه ودَخَلوا مَكَّةَ صَبيحةَ اليومِ الرَّابعِ مِن ذي الحِجَّةِ، مُهلِّين بالحَجِّ في حَجَّةِ الوَداعِ، أمَرَهُم أنْ يَجعَلوها عُمرةً، أي: يَفسَخوا الحَجَّ إلى العُمرةِ، ويَتحلَّلوا بالطَّوافِ والسَّعيِ، فتَعاظَمَ عندَهم مُخالَفةُ العادةِ الَّتي كانوا عليها مِن تَأخيرِ العُمرةِ عن أشهُرِ الحَجِّ، فاستَفسَروا مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن نَوعيَّة هذا الحِلِّ، هل هو تَحلُّل خاصٌّ ببَعضِ الأشياءِ، أو هو عامٌّ في جَميعِها؟ قوله: «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّه» فأخبَرَهم - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه تَحلُّلٌ عامٌّ، فيَحِلُّ لكُم كُلُّ شَيءٍ مِن الأشياءِ الَّتي كانَت مُحَرَّمةً عليكُم أثناءَ العُمرةِ، بما في ذلك المُعاشَرةُ والجِماعُ للنِّساءِ، فأبْطَلَ بذلك عاداتِ الجاهليَّةِ، مِن النَّسيءِ وتَحريمِ العُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ، وأقرَّ شَريعةَ الإسلامِ. من فوائد الحديث


الحديثُ فيه بيان ما كان عليه أهل الجاهلية مِنْ اعتقاداتٍ باطلة، كاعتقادهم بأنّ العُمرة في أشهر الحج، مِنْ أفْجَر الفُجُور!
وفيه أيضًا: بيان ما كانوا عليه مِنَ التّحايل والتلاعب بدينهم، وذلك بتقديمهم بعض الشُّهور وتأخير بعضها، فيُحلّلون ويُحرّمون ما يُريدون بحسب أهوائهم.
وفيه إبطالُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمُعتقدات أهلِ الجاهلية؛ حيثُ أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أنْ يَعْتمروا في أشْهر الحَج، مخالفةً لهم، وهكذا ينبغي للمُسْلم التعامل مع كلّ مُعتقدٍ يُحرّم شيئًا بغير دليل ولا بُرهان.
وفيه بيان أنّ مَنْ تَحلّل بعُمْرة، فإنّ له الحِلّ كلّه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحل كله» أي: جميع ما كان محظورًا عليه حال الإحرام، حتّى الجماع يكون حلالًا بعد التحلل مِنَ العُمْرة؛ لأنّ العمرة ليس لها إلا تحللٌ واحدٌ، بخلاف الحجّ الذي فيه تحللٌ أول، وتحلل ثانٍ.
وفيه: أنّ التَّمتُّع في الحَجِّ هو أن يُحْرِمَ الحاجُّ بالعُمْرَةِ في أشهُرِ الحَجِّ، ثم يَحِلَّ منها، ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ مِن عامِه، فإذا قدِمَ مَكَّةَ في أشهُرِ الحجِّ واعتَمَر، وانْتَهى مِن عُمرتِه، فله أنْ يَتحلَّلَ مِن إحْرامِه، ويَتمتَّعَ بكلِّ ما هو حلالٌ حتَّى تَبدَأَ مَناسِكُ الحجِّ.

باب: فَضل العُمْرَة فِي رَمَضَانَ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ- زَوْجِهَا- حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا. قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ، تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/917) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري، ورواه البخاري في كتاب العمرة (1863) باب: حجّ النساء. في هذا الحديث يَرْوي ابنُ عباسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَأَلَ أمَّ سِنانٍ الأنصاريَّةَ -رَضيَ اللهُ عنها- بعْدَ عَودتِه مِن حَجَّةِ الوَداعِ، عن سَببِ عدَمِ حَجِّها، فأخْبرَتْه -رَضيَ اللهُ عنها- أنَّ الَّذي منَعها، هو أنَّها وزَوجَها أبا سِنانٍ - رضي الله عنه - كانا لا يَملِكانِ سِوى ناضحَينِ، والنَّاضحُ: هو البعيرُ الَّذي يُحمَلُ عليه الماءُ للسُّقْيَا، وقال ابن بطال: الناضح البعير أو الثور أو الحمار، الذي يستقى عليه، لكن المراد به هنا البعير، لتصريحه به، فحجَّ زَوجُها على أحدِ النَّاضحَينِ، وترَكَ الآخَرَ لسُقْيَا الأرضِ الَّتي لهما. عمَل يعدِلُ في ثوابِه عمَلَ الحجِّ
فأرْشَدَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُسلِّياً لها، ومُخْبرًا عن عمَلٍ يعدِلُ في ثوابِه عمَلَ الحجِّ، وهو أنْ تَعتمِرَ في شهر رَمضانَ؛ فإنَّ عُمرةً في رَمضانَ تَعدِلُ في ثَوابِها ثَوابَ الحجِّ، أو ثَوابَ حَجَّةٍ معه - صلى الله عليه وسلم -، شَكَّ الرَّاوي في ذلك. وليس المرادُ منه: أنَّ العُمرةَ تَقْضي بها فرْضَ الحجِّ، أو تقومُ مَقامَه في إسقاطِ الفَرْضِ، وإنْ كان ظاهِرُه يُشعِرُ بذلك، بلْ هو مِن بابِ المُبالَغةِ، وإلْحاقِ الناقصِ بالكاملِ، للتَّرغيبِ فيه، وهذا نظيرُ ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص: 1)، تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، أي: تعدِلُ ثوابَ ثُلثِ القُرآنِ، ولكنَّها لا تُجزئُ عن قِراءة ثُلُثِ القُرآنِ فِعليًّا؛ كما نقله الترمذي عن إسْحاق بن راهويه. قال ابن خزيمة: في هذا الحديث: أنّ الشّيء يُشْبه الشيء، ويُجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها، لأنّ العُمْرة لا يُقْضى بها فرضُ الحَجّ ولا النّذْر. وقال ابن العربي: حديث العُمرة هذا صحيح، وهو فضلُ من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج، بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أنّ ثوابَ العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحُضُور القلب، وبخُلُوص القَصْد. اعتمار النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال الحافظ ابن حجر: «فصل: لمْ يَعْتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في أشهر الحج كما تقدّم، وقد ثَبتَ فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيّهُما أفضل؟ الذي يظهر أن العُمْرة في رمضان لغير النّبي - صلى الله عليه وسلم - أفْضل، وأمّا في حَقّه فما صَنَعه هو أفضل؛ لأنّ فعله لبيان جَواز ما كان أهلُ الجاهلية يَمنعُونه، فأرادَ الردّ عليهم بالقول والفِعل، وهو لو كان مَكرُوهاً لغيره، لكان في حقّه أفضل، والله أعلم». (الفتح). وقال ابن القيّم في (الهدي): «يحتمل أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يشتغل في رمضان مِنَ العبادة، بما هو أهمّ مِنَ العُمْرة، وخَشِي مِنَ المَشقة على أمّته؛ إذْ لو اعْتَمر في رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه مِنَ المشقة في الجَمع بين العُمْرة والصّوم، وقد كان يترك العمل وهو يحبُّ أنْ يعمله خشية أنْ يُفرضَ على أمّته، وخوفاً من المشقة عليهم». من فوائد الحديث


أنَّ ثَوابَ العَملِ يَزيدُ بزِيادةِ شرَفِ الوقتِ، كما يَزيدُ بحُضورِ القلْبِ، وبإخلاصِ القصدِ.
وفيه: بَيانُ فضْلِ العُمرةِ في رَمضانَ، وأنها تعدل حجة.
وأنّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان يتَعهُّد أصحابه بالسُّؤالِ، ويتَحرّى عن قِيامِهم بما وجَبَ عليهم، ويحرضهم على فِعلِ الخيراتِ.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-09-2026, 04:06 AM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم.. باب: كمْ حَجّ النّبيّ – صلى الله عليه وسلم -؟




الحجُّ والعُمرةُ مِن أجلِّ الطاعاتِ التي حرَصَ عليها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وقد تَعدَّدَت المرَّاتُ التي اعتَمَرَ فيها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
في الحديث جانِبٌ من حِرصِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ على حِفظِ سِيرةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كلِّ جَوانِبِها

عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً؛ حَجَّةَ الوَدَاعِ، قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: وبِمَكَّةَ أُخْرَى. الحديث رواه مسلم في الحج (2/916) باب: بيان عدد عُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمانهنّ، ورواه البخاري (3949)في المغازي: باب: غزوة العُشَيرة أو العُسَيرة.
في هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ الثقة العابد أبو إسْحاقَ وهو السَّبِيعيُّ عمرو بن عبدالله، أنَّ زَيدَ بنَ أرْقَمَ بنِ زَيدٍ الأنْصاريَّ - رضي الله عنه - سُئِل: كمْ غَزوت مع النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من غَزْوةٍ؟ والغَزْوةُ هي الجَيشُ الَّذي يَخرُجُ فيه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بنفْسِه، والبَعثُ أوِ السَّريَّةُ: هو الجَيشُ الَّذي يُرسِلُه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَخرُجُ فيه، فأجابَ زَيدُ بنُ أرْقَمَ - رضي الله عنه -: أنَّ عدَدَ الغَزَواتِ كان سبعَ عَشْرةَ غَزْوةً، خرَج فيها بنفْسِه، وفي رواية: تسع عشرة. لكن رُوى عن جابر - رضي الله عنه -: أنّ عدد غزواته - صلى الله عليه وسلم - إحدى وعشرون غزاة، ففاتَ زَيدَ بنَ أرْقَمَ - رضي الله عنه - ذِكرُ غَزوَتَينِ منْها، ويُحتَمَلُ أنْ تَكونَا الأبْواءَ وبُواطَ، ولعَلَّهما خَفِيَتا عليه لصِغَرِه. الغزوات التي قاتل فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -
وقد قاتَلَ - صلى الله عليه وسلم - بنفْسِه في ثَمانٍ منها، وهي: بَدرٌ، ثمَّ أُحُدٌ، ثمَّ الأحْزابُ، ثمَّ بَنو المُصْطَلِقِ، ثمَّ خَيبَرُ، ثُمَّ مكَّةُ، ثمَّ حُنَينٌ، ثمَّ الطَّائفُ، وقد أهمَلَ بَعضُهم عدَّ غَزْوةِ بَني قُرَيْظةَ؛ لأنَّه ضَمَّها إلى الأحْزابِ؛ لكَوْنِها كانت في إثْرِها، وأفْرَدَها بَعضُهم؛ لكَوْنِها وقَعَت مُنفَرِدةً بعدَ هَزيمةِ الأحْزابِ. أيُّ الغَزَواتِ كانتْ أوَّلَ؟
وسَأَلَه أبو إسْحاقَ السَّبيعيُّ في رواية: أيُّ الغَزَواتِ كانتْ أوَّلَ؟ قال: العُسَيْرةُ، أوِ العُشَيرُ، على الشَّكِّ في تَحْديدِ الاسْمِ. قال شُعْبةُ بنُ الحَجَّاجِ -أحَدُ رُواةِ الحَديث: فذكَرْتُ ذلك لقَتادةَ بنِ دِعامةَ، فقال: العُشَيرُ، وفي نُسْخةٍ: العُشَيْرةُ، وكان المَطْلوبُ في هذه الغَزاةِ عِيرَ قُرَيشٍ الَّتي خَرَجَت مِن مكَّةَ ذاهِبةً إلى الشَّامِ بالتِّجارةِ، وكانت هذه الغَزْوةُ في مِنطَقةِ العُشَيْرةِ، وهي مِنطَقةٌ مَوْجودةٌ قُربَ يَنبُعَ حاليًّا، وتَبعُدُ مَسافةَ (2) كيلوِ عن قَرْيةِ المُبارَكِ باتِّجاهِ الشَّرقِ، وكان ذلك في أواخِرِ شَهرِ جُمادى الأُولى وأوائلِ جُمادى الآخِرةِ مِن العامِ الثَّاني للهِجْرةِ، وقد فات المُسلِمينَ القِتالُ واغْتِنامُ القافِلةِ في هذه الغَزْوةِ، ولكنْ تَرصَّدَها المُسلِمونَ بعْدَ ذلك أثْناءَ رُجوعِها مِن الشَّامِ، وكانوا يَترَقَّبونَ رُجوعَها، فخَرَج النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتلَقَّاها ليَغنَمَها، ولكنَّ أبا سُفْيانَ قائدَ القافِلةِ تَنحَّى بَعيدًا عن طَريقِ المُسلِمينَ، وأخَذ طَريقَ البَحرِ، ونَجا بالقافِلةِ، وبسببِ ذلك كانت وَقْعةُ بَدرٍ في السَّنةِ الثَّانيةِ مِن الهِجْرةِ، حيث خرَج المُشرِكونَ مِن مكَّةَ؛ لحِمايةِ القافِلةِ، والحِفاظِ على مَكانَته. حجّ النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: «وأنه حَجّ بعد ما هَاجر حَجّة واحدة: حَجّة الوَدَاع» وهي في السنة العاشرة من الهجرة، قال أبو إسحاق في رواية: «وبمكة أخرى» يعني: قبل الهجرة، وقد روي في غير مسلم: «قبل الهجرة حجتان». وفي رواية أخرى عن قتادة قال: «سألت أنساً: كمْ حَجّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: حجة واحدة». رواه مسلم، ومعناه: لمْ يَحجّ بعد الهِجْرة؛ إلا حجةً واحدة. فوائد الحديث:

في الحديث عدَدُ الغَزَواتِ الَّتي غَزاها رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه: فَضيلةُ الصَّحابيِّ زَيدِ بنِ أرْقَمَ، وحِرصُه على الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تعالَى.
وفيه جانِبٌ من حِرصِ التَّابِعينَ، والصَّحابةِ على حِفظِ سِيرةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ جَوانِبِها.
أنّ الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ هو ذِرْوةُ سَنامِ الإسْلامِ، ومَصدَرُ عِزِّ المُسلِمينَ، وهو بابٌ عَظيمٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ، وقدْ كَثُرتِ النُّصوصُ في الحَثِّ والحَضِّ عليه، وكَثُرتِ الغَزَواتُ الَّتي قادَها رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بنفْسِه، وتَبِعَه فيها أصْحابُه الكِرامُ -رَضيَ اللهُ عنهم- أجْمَعينَ.

باب: كم اعْتَمرَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم ؟
عن أَنَس - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ؛ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وعُمْرَةً مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ؛ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. (1253/217)، الحديث رواه مسلم في الموضع السابق. والعُمرةُ هي: التعبُّدُ للهِ -تعالَى- بالإحرامِ مِن الميقاتِ والطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعْيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ، والتحَلُّلِ منها بالحَلْقِ أو التَّقصيرِ، وليس لها وقتٌ مُحدَّدٌ في العامِ. فيقول أنسٌ - رضي الله عنه - إنَّه - صلى الله عليه وسلم - اعتمَرَ أربعَ عُمُراتٍ؛ العمرةُ الأُولى: عُمرةُ الحُدَيْبِيةِ في ذي القَعدةِ سَنةَ سِتٍّ مِن الهِجْرةِ؛ حيثُ صَدَّهُ المُشركونَ، ولم يَصِلِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابُه إلى البيتِ الحرامِ، فتَحلَّلُوا، وحُسِبَت لهم عُمرةً. وفي صَحيحِ البُخاريِّ، عن ابنِ عباسٍ -رَضيَ اللهُ عنهما-: «قد أُحصِرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فحَلَقَ رَأسَه، وجامَعَ نِساءَهُ، ونحَرَ هَدْيَه، حتى اعتَمَرَ عامًا قابلًا». والحُدَيْبِيَةُ: قَريةٌ كَبيرةٌ على القُرْبِ مِن مكَّةَ ممَّا يَلي المدينةَ، سُمِّيتْ ببئْرٍ هناكَ، والآنَ هي وادٍ بيْنَه وبيْنَ مكَّةَ 22 كيلومِترًا على طَريقِ جُدَّةَ، واشتَهَرَ اسمُ الحُديبيةِ في السُّنةِ بالصُّلحِ الذي وَقَعَ بيْن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقُريشٍ. العُمْرةُ الثانيةُ: عُمرةُ القَضاءِ


والعُمْرةُ الثانيةُ: عُمرةُ القَضاءِ، حيث تَصالَحَ وتوافَقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مع المشركينَ؛ أنْ يَرجِعَ مِن الحُدَيْبيَةِ ويَأتي العامَ المقبِلَ، فكانت في ذي القَعدةِ مِن السَّنةِ السَّابعةِ مِن الهِجرةِ، وتُسمَّى أيضاً: عُمرةَ القضيَّةِ، وإنَّما سُمِّيَت بعُمرةِ القَضاءِ والقَضيَّةِ؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قاضَى قُريشًا فيها، لا أنَّها وَقَعَت قَضاءً عن العُمرةِ التي صُدَّ عنها؛ إذ لو كان كذلك لَكانَتَا عُمرةً واحدةً.

العُمرةُ الثالثةُ: عُمرةُ الجِعِرَّانَةِ


والعُمرةُ الثالثةُ: عُمرةُ الجِعِرَّانَةِ، وهي مَوضعٌ بيْن مكَّةَ والطَّائفِ، على سَبعةِ أميالٍ (11 كم تقريبًا) مِن مكَّةَ، وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نزَلَها حِينما كان راجعًا إلى المدينةِ مِن غَزوةِ حُنَينٍ؛ حيثُ قَسَمَ غنائمَ حُنَينٍ- وهو وادٍ بيْنه وبيْن مكَّةَ ثَلاثةُ أميالٍ، ثمَّ أحرَمَ منها، ودخَلَ مكَّةَ لَيلًا، وأدَّى مَناسِكَ العُمرةِ، ثمَّ عاد إلى الجِعْرانةِ، فأصبَحَ بها كبائتٍ، فسُمِّيتْ عُمرةَ الجِعِرَّانَةِ، وكان ذلك في السَّنةِ الثَّامنة مِن الهِجرةِ.

العمرةُ الرَّابعةُ: عمرة حَجَّةِ الوَداعِ


وأمَّا العمرةُ الرَّابعةُ، فهي العُمرةُ التي كانتْ مع حَجَّتِهِ -حَجَّةِ الوَداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهجرةِ، وقد كان قارنًا بيْنهما، وكذلِك ورد أنّ قَتادةُ سأل أنساً - رضي الله عنه -: كم مرَّةً حجَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؟ فأجابَهُ - رضي الله عنه - بأنَّه - صلى الله عليه وسلم -: لم يَحُجَّ إلَّا مرَّةً واحِدةً، وذلك في العامِ العاشرِ مِن الهِجرةِ، وهي المَعروفةُ بحَجَّةِ الوداعِ.

فوائد الحديث:


الحجُّ والعُمرةُ مِن أجلِّ الطاعاتِ التي حرَصَ عليها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد تَعدَّدَت المرَّاتُ التي اعتَمَرَ فيها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-10-2026, 04:48 AM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في التّقصِير في العُمْرة




الثواب على قَدْر المَشقّة والتّعب ليس لأنَّ التَعبَ والمَشقّة مقصودٌ مِنَ العمل ولكنْ لأنّ العمل مُسْتلزم للمشقَّة والتَّعب
قول بعض الناس: الثوابُ على قَدْر المشقة ليس بمستقيم على الإطْلاق كما قد يستدِلّ به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المُبْتدعة
لمْ يُنْقل أنَّ أحدًا مِنَ الصّحابة في عهد النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بَعده خَرَج من مكة إلى الحِلّ ليُحْرم بالعُمرة غير عائشة رضي الله عنها
في الحديث مشروعية التقصير عند التحلل من مناسك الحج والعمرة وإنْ كان الحَلْق أفضل

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ -رضي الله عنهما- أَخْبَرَهُ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمِشْقَصٍ، وهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ، أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ، وهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ. الحديث أخرجه مسلم في الحج (2/913) باب: التقصير في العمرة، وأخرجه البخاري في كتاب الحج حديث (1730)، باب: التقصير عند الإحْلال.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصّحابي الجليل مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ -رضي الله عنهما- أنَّه قَصَّر شَعْرَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولعلَّ ذلك كان عندَ تَحلُّلِه مِن عُمْرةِ الجِعْرانةِ، وقد اعتَمَرَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا فتَحَ مكَّةَ، وسُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دخَلَ مكَّةَ ليلًا، وأدَّى مَناسكَ العمرةِ، ثمَّ خرَجَ منها لَيلًا، فباتَ بالجِعِرَّانَةِ حتَّى أصبَحَ وزالَتِ الشَّمسُ مِن اليومِ التَّالي، توجَّهَ إلى المدينةِ، وكان ذلك في السَّنةِ الثَّامنة مِن الهِجرةِ. وقيل: كان ذلك في عمرة القَضَاء؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمْ يَسْتَصحب معه أحداً إلا بعض المهاجرين، ولمْ يُعد معاوية - رضي الله عنه - معهم، وخَفيت عُمْرتُه على كثيرٍ مِنَ النّاس، ومعاوية - رضي الله عنه - في عُمْرة القضاء، كان مسلماً، لكنّه كان يُخْفي إسلامه خوفاً مِنْ أبويه، ولمْ يظهره إلا يوم الفتح سنة ثمان، واختاره الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، كما في الفتح. مشروعية الاقتصارِ على تَقصيرِ الشَّعرِ
قال: «بِمِشْقَصٍ» والمِشقَصُ: ما طالَ وعرُضَ مِن النِّصالِ والسِّهامِ، وفيه: مَشروعيَّةُ الاقتصارِ على تَقصيرِ الشَّعرِ، وإنْ كان الحلْقُ أفضَلَ، وسواءٌ في ذلك الحاجُّ والمعتمِرُ، إلَّا أنَّ الأفضَلَ للمُتمتِّعِ أنْ يُقصِّرَ في العُمرةِ ويَحلِقَ في الحجِّ؛ لِيَقَعَ الحلْقُ في أكمَلِ العِبادتينِ. والحلْقُ والتَّقصير: شَعيرةٌ مِنْ شَعائرِ الحجِّ والعُمْرة، وبه يَتحلَّلُ المُحرِمُ مِنْ إحْرامِه، ويكونُ بعْدَ رمْيِ جَمرةِ العقَبةِ، وبعْدَ ذَبْحِ الهدْيِ إنْ كان معه، وقبْلَ طَوافِ الإفاضةِ. وفي العُمرةِ يكونُ بعْدَ السَّعيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ. فوائد الحديث
في الحديث مشروعية التقصير عند التحلل من مناسك الحج والعمرة، وإنْ كان الحَلْق أفضل، وسيأتي بيان فضل المُحلّقين بدُعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم ثلاثًا، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. باب: قضاءُ الحَائض العُمْرة
عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَرْتِ؛ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وكَذَا» قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «غَدًا، ولَكِنَّها عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ، أَوْ قَالَ: نَفَقَتِكِ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/876) باب: بيان وجُوه الإحْرام.
في هذا الحَديثِ تَرْوي أمُّ المؤمنينَ وهي عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها-، بَعضَ ما حَدَثَ في حَجَّةِ الوداعِ، وهذا المتْنُ جُزءٌ مِن رِوايةٍ طويلَة، أخْبَرَت فيها أنَّهم خرَجوا مع رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا غرَضَ لهم إلَّا الحجُّ، فلمَّا قَدِموا مكَّةَ، أمَرَ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ لمْ يَسق الهدْيَ، أي: مِن خارجِ مكَّةَ، أنْ يُحِلُّوا مِنْ إحْرامِهم بعْدَ الطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعْيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ، والحَلْقِ أو التَّقصِيرِ، ويَتمتَّعوا إلى يومِ الثامنِ مِن ذي الحِجَّةِ يومِ التَّرويةِ، فيُحرِموا بالحجِّ. أمَّا عائِشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- فقدْ مَنَعَها مِن التَّحلُّلِ؛ كَونُها حاضَت لَيلةَ دُخولِها مَكَّةَ بِسَرِفَ، وهو موضع على عَشَرةِ أميالٍ مِن مَكَّةَ، وكانَت مُحْرِمةً بِعُمرةٍ، وأدْخَلَت عليها الحَجَّ، فصارَت قارِنةً، فلَمْ تَطُفْ بالبَيتِ طَوافَ العُمرةِ لِمانِع الحَيضِ، وأمَّا طَوافُ الإفاضةِ فقدْ طافَتْه في يومِ النَّحر، فاشْتَكَت لرَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأظْهَرَت حُزنَها؛ بسَببِ أنَّ النَّاسَ يَرجِعُون بِنُسُكينِ مُسْتقلَّينِ -وهما الحجُّ والعُمرة- وتَرجِعُ هي بِنُسُكٍ واحدٍ في الظَّاهِرِ، وحَزنتْ على ذلِك -رَضيَ اللهُ عنها-؛ لِرغبتها في تكثيرِ الطاعات، ولتحصل على ما حَصَلَ لِسائِرِ أُمَّهاتِ المُؤمنينَ وغيرِهنَّ من الصَّحابةِ. فقال لها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «انْتظرِي، حتَّى إذا طهُرْتِ مِنَ الحيضِ، فاخرُجي إلى التَّنعيمِ» وهو مَوضعٌ على ثَلاثةِ أميالٍ أو أربعةٍ مِنْ مكَّةَ، وهو أَقْرَبُ أطرافِ الحِلِّ إلى البَيْتِ، وسُمِّي به لأنَّ على يَمِينِه جبلَ نُعَيْمٍ، وعلى يَسارِهِ جَبَلَ نَاعِمٍ، والوادِيَ اسمُه نَعْمَان. «فَأهِلِّي بِالعُمرةِ»
ثُمَّ قال لها: «فَأهِلِّي بِالعُمرةِ» يعني أحْرِمِي بها وأدِّيها، وأرْسَلَها مع أخِيها عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ - رضي الله عنه -. وقال لها: «ثُمَّ ائْتِينا بِمكانِ كذا» يَقصِدُ الأَبطَحَ، وهو المكانُ الذي نزَلَ فيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعْدَما انْصَرَفَ مِن مِنًى، وانْطَلَقَ منه قافلًا إلى المدينةِ، ويُسمَّى المُحَصَّبَ، وهو مكانٌ متَّسِعٌ بيْن مكَّةَ ومِنًى بيْنَ الجبلَيْنِ إلى المقابرِ، سُمِّيَ به لاجتماعِ الحَصْباءِ فيه بِحَمْلِ السَّيلِ إليه، ويُسمَّى الآنَ الجَعفريَّةَ، وهي تابعةٌ لمَنطقةِ الجُمّيزةِ. ثُمَّ قال لها - صلى الله عليه وسلم -: «ولكنَّها على قدْرِ نَفَقَتِك، أو نَصَبَكِ» أي: أنَّ الأجرَ فيها على قدْرِ النَّصَبِ والتَّعبِ والجهْدِ، وكذلك المالِ، فكُلَّما زادَ المالُ المُنفَقُ، والجهدُ المبذولُ زادَ الأجرُ مِنَ اللهِ تعالى. ميقات من كان بمكة
قال النووي -رحمه الله-: «فيه دليل لما قاله العلماء: أنَّ مَن كان بمكة وأرادَ العمرة، فميقاته لها أدنى الْحِل، ولا يجوز أنْ يُحْرِمَ بها مِنَ الحَرَم، فإنْ خالفَ وأحْرمَ بها مِنَ الحَرَم، وخرج إلى الْحِل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإنْ لمْ يَخرج وطاف وسَعَى وحَلَق، ففيه قولان:

أحدهما: لا تصح عُمرته، حتى يَخرج إلى الْحِل، ثم يطوف ويسعى ويحلق.
والثاني: وهو الأصحّ يَصح، وعليه دَمٌ؛ لتركه المِيقات.

قال العلماء: وإنَّما وجب الخروج إلى الْحِل؛ ليجمع في نسكه بين الحِل والحرم، كما إنَّ الحاج يجمع بينهما، فإنّه يقف بعرفات وهي في الحِلّ، ثمّ يدخل مكة للطواف وغيره، هذا تفصيل مذهب الشافعي، وهكذا قال جٌمهور العلماء: إنّه يجب الخُروج لإحْرام العُمْرة إلى أدنى الحِلّ، وأنّه لو أحْرَم بها في الحَرَم، ولمْ يَخرج لزِمه دَم، وقال عطاء: لا شيءَ عليه، وقال مالك: لا يُجزئه حتّى يَخرج إلى الحِل». شرح مسلم (8/ 151-152). الثوابُ على قَدْر المشقة
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «قول بعض الناس: الثوابُ على قَدْر المشقة، ليس بمستقيم على الإطْلاق، كما قد يستدِلّ به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المُبْتدعة، التي لمْ يشرعها الله ورسوله، منْ جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحلّ الله مِنَ الطّيبات، ومثل التّعمّق والتنطُّع الذي ذمَّهُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل الجُوع أو العطش المُفْرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتَّعَرِّي والمشي الذي يضرّ الإنسان بلا فائدة...، وهذا بابٌ واسع. الأجر على قدر الطاعة
وأما الأجر على قدر الطاعة، فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسَّرٍ، كما يسَّرَ الله على أهل الإسلام الكلمتين، وهما أفضل الأعمال، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». أخرجاه في الصحيحين. الأجرُ على قَدْر مَنْفعة العمل وفائدته
ولو قيل: الأجرُ على قَدْر مَنْفعة العمل وفائدته، لكان صحيحًا، اتصاف الأول باعتبار تعلُّقه بالأمر، والثاني باعتبار صفته في نفسِه، والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط، وتارة من جهة صفته في نفسه، وتارة من كلا الأمرين، فأما كونه مُشِقًّا، فليس هو سبباً لفضل العمل ورُجْحانه، ولكنْ قد يكون العمل الفاضل مُشِقًّا ففضله لمعنى غير مَشَقَّتِهِ، والصّبر عليه مع المشقة، يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمَشقّة، كما أنَّ مَنْ كان بُعْده عن البيت في الحج والعمرة أكثر، يكونُ أجرُه أعظم مِنَ القَريب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في العمرة: «أجركِ على قدر نصبكِ»؛ لأنّ الأجرَ على قَدْر العمل في بُعْدِ المسافة، وبالبُعْدِ يكثُرُ النّصب، فيكثر الأجر، وكذلك الجهاد؛ فكثيراً ما يكثر الثواب على قَدْر المَشقّة والتّعب، ليس لأنَّ التَعبَ والمَشقّة مقصودٌ مِنَ العمل، ولكنْ لأنّ العمل مُسْتلزم للمشقَّة والتَّعب، هذا في شَرْعنا الذي رُفِعَتْ عنَّا فيه الآصَارُ والأغْلال، ولمْ يُجعل علينا فيه حَرج، ولا أُرِيْدَ بنا فيه العُسْر، وأمّا في شَرْع مَنْ قبلنا، فقد تكونُ المشقّةُ مطلوبةً منهم، وكثيرٌ مِنَ العُبّاد يَرى جِنْس المشَقّة والألم والتعبِ مطلوباً مُقَرِّباً إلى الله؛ لما فيه مِنْ نُفْرَة النّفْس عن اللّذات، والرُّكون إلى الدنيا، وانقطاع القلب عن علاقة الجَسد، وهذا مِنْ جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم، ولهذا تجد هؤلاء مع مَنْ شابههم مِنَ الرُّهبان يُعالجون الأعمال الشَّاقَّة الشديدة الْمُتْعِبَة من أنواع العبادات والزَّهادات، مع أنّه لا فائدةَ فيها، ولا ثَمرةَ لها ولا مَنفعة، إلا أنْ يكون شيئاً يسيراً، لا يقاوم العذاب الأليم الذي يجدونه». (مجموع الفتاوى)(10/620-623). تنبيه لمسألة مهمة
لمْ يُنْقل أنَّ أحداً مِنَ الصّحابة في عهد النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بَعده، خَرَج من مكة إلى الحِلّ؛ ليُحْرم بالعُمرة، غير عائشة -رضي الله عنها-، للسّبب المذكور في الحديث؛ ولذا فلا يُشْرع ذلك على الصحيح، وإنّما المشروع: كثْرةُ الطّواف بالبيت. - قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية -رحمه الله-: «وكذا الخُرُوج مِنْ مكة لعُمْرة تطوُّعٍ بِدْعة، لمْ يفعله النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان، ولا في غيره، ولمْ يأمر عائشة بها، بل أَذِنَ لها بعد المُرَاجعة، تطييباً لقلبها، وطوافه بالبيت أفْضل مِنَ الخُرُوج اتّفاقًا، وخُرُوجه عند مَنْ لمْ يَكرهه، على سبيل الجواز». (الفتاوى الكبرى) (5/ 384). - وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «فالعُمْرةُ التي فَعلها رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعها، هي عُمرة الداخل إلى مكة، لا عُمرة مَنْ كان بها، فيخرُج إلى الحلّ ليعتمر! ولمْ يَفعلْ هذا على عهده أحدٌ قَطّ، إلا عائشةُ وحدها بين سائر مَنْ كان معه؛ لأنّها كانت قد أهلَّت بالعُمْرة فحاضت، فأمَرها، فأدخلت الحجّ على العُمْرة، وصارت قارنة، وأخْبَرها أنَّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة، قد وَقَع عن حجتها وعُمْرتها، فوَجَدت في نفسها أنْ يرجع صواحباتها بحجٍّ وعُمْرة مستقلين، فإنّهنّ كنّ مُتَمتّعات، ولمْ يَحِضنَّ، ولمْ يقرِنَّ، وتَرْجع هي بعمرةٍ في ضِمْن حجتها، فأمَرَ أخاها أنْ يُعمّرها مِنَ التّنْعيم، تطييباً لقلبها، ولمْ يَعْتمر هو مِنَ التّنْعيم في تلك الحَجّة، ولا أحدٌ ممّن كان معه». (زاد المعاد) (2/ 89-90). فوائد الحديث


الثَّوابَ في العبادةِ، يَكثُرُ بكَثرةِ التَّعَبِ والنَّفقةِ.
وفيه: مَشروعيَّةُ العُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ، كما سبق.
وفيه: اسْتحبابُ مُجاملة الزّوجة والإحْسان إليها، بما لا يُعارض شريعة الله.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-10-2026, 04:52 AM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: ما يقول إذا قَفَلَ من سفر الحج وغيره




ذِكرُ اللهِ سُبحانَه وتعالى ممَّا يُؤنِسُ الرُّوحَ والقَلبَ ويَرزُقُ النَّفْسَ الطُّمأْنينةَ ويُثقِّلُ مَوازينَ العَبدِ بالحَسَناتِ
في الحديث حَمد اللهِ تعالى والإقْرارُ بنِعمَتِه والخُضوعُ له والثَّناءُ عليه عندَ القُدومِ مِن السَّفرِ والرُّجوعِ إلى الوَطنِ سالِمينَ

عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَفَلَ مِنْ الْجُيُوشِ أَوْ السَّرَايَا، أَوْ الحَجِّ أَوْ العُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ؛ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/980) باب: ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره، ورواه البخاري كتاب الحج (1797) باب: ما يقول إذا رجع مِن الحج أو العمرة أو الغزو وفي الجهاد والدعوات وغيرها. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قفلَ مِنَ الجيوش؛ أي: رجع، والقُفُول الرُّجُوع منَ السّفر، ولا يُسْتعمل القُفول في ابتداء السّفر، وإنّما سُمّي المسافرون قافلة، تفاؤلاً لهم بالقُفول والسلامة.

قوله: «إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ»

معنى «أوْفى» ارْتفع وعلا. والثَّنِيَّة: الطّريق في الجبل، ومنه: ثَنِيَّةُ الوداع، و»الفَدْفد» هو المكان الذي فيه ارتفاعٌ وغلظ، رجّحه النووي وغيره؛ وقيل: الأرْض المستوية، قاله الجوهري. وقيل: الفلاة التي لا شَيء فيها؛ وقيل: غليظ الأرض ذات الحَصى، وقوله: «آيبون» أي: راجِعُون، يقال: آبَ مِنْ سفره إذا رجع منه. رجَعَ مِن السَّفَرِ، سواءٌ كان مِن جِهادٍ، أو حَجٍّ، أو عُمْرةٍ، وهذا يَشمَلُ كلَّ سَفرِ طاعةٍ؛ قال: «اللهُ أكبَرُ» ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَه لا شَريكَ له» فلا مَعبودَ بحقٍّ ولا يَستحِقُّ العِبادةَ سِواهُ -سُبحانَه-، «له المُلكُ» أي: له السُّلطانُ التَّامُّ الَّذي لا يُنازِعُه فيه مُنازِعٌ، «وله الحَمدُ» فهو المُستَحِقُّ له دونَ مَن سِواهُ -سُبحانَه-، «وهو على كلِّ شَيءٍ قَديرٌ» أي: لا يُعجِزُه شَيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ.

قوله: «آيِبُونَ» : وما بعده؛ خبر مبتدأ محذوف، أي: نحنُ آيبون. فإنْ قلت: ما فائدة الإخبار بالأوب، وهو الرجوع مِنَ السفر، وذلك ظاهرٌ مِنْ حالهم؟

قلنا: قد يراد أوبٌ مخصوصٌ، وهو الرُّجُوع عن المُخَالفة إلى الطّاعة، أو التفاؤل بذلك، أو الإعْلام بأنّ السّفر المقصُود قد انقضى، فهو اسْتبشار بكمال العبادة والفراغ منها، وحُصُول المقصود والظّفر به. وقوله: «تائبون» يحتمل أنْ تكون إشعاراً بحُصُول التقصير في العبادة، فيتوب من ذلك، وهو تواضعٌ وهَضمٌ للنّفس، أو تعليمٌ لمن يقع ذلك منه في سَفر الطاعات، فيخلطه بما لا يجوز فعله. ويحتمل الإشارة بذلك إلى أنّ ما كان فيه مِنْ طاعةِ الحجّ أو العمرة أو الغزو؛ قد كَفّر ما مضى فيسأل التوبة فيما بعده، وقد تستعمل التوبة في العِصْمة فيسأل ألا يقع منه بعده ما يحتاج إلى تكفير وهذا اللفظ وإنْ كان خبراً فهو في معنى الدُّعاء. وقوله: «عابِدونَ، ساجِدونَ» هو - صلى الله عليه وسلم - في كُلِّ حالِه يَتذكَّرُ العِبادةَ، وأنَّه عبْدٌ للهِ -سُبحانَه وتعالى-. وقوله: «ساجدون» بعد قوله عابدون، منْ ذِكْر الخاص بعد العام. وقوله: «لرَبّنا» يحتمل تعلقه بقوله «ساجِدُون» أي: نسجدُ له لا لغيره مِنَ الأصْنام وغيرها. ويحتمل أنْ يكون مَعْمولاً مُقدّما لقوله «حامدون» أي: نَحمدُه دون غيره، لرؤيتنا النّعمة منه، إذْ هو المُنعم بها لا ربّ سواه.

قوله: «لرَبِّنا حامِدونَ»:

أي: مُثْنونَ عليه -تعالى- بصِفاتِ كَمالِه وجَلالِه، وشاكِرونَ له على نِعَمِه وأفْضالِه، والمَعنى: أنَّنا عُدْنا إلى بَلَدِنا الحَبيبِ، وقد عَقَدْنا العَزْمَ على العَوْدةِ إلى اللهِ والتَّوبةِ الصَّادقةِ المُقتَرِنةِ بالأعْمالِ الصَّالِحةِ؛ مِنَ الشُّكرِ للهِ، والمَواظَبةِ على عِبادتِه، والتَّقرُّبِ إليه بالصَّلاةِ، وكَثرةِ السُّجودِ. وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: «صدَقَ اللهُ وَعْدَه» أي: صدَقَ وَعدَه في إظْهارِ الدِّينِ، وكَونِ العاقِبةِ للمُتَّقينَ، وغَيرِ ذلك مِن وَعدِه -سُبحانَه-، إنّ الله لا يخلف الميعاد. «ونصَرَ عَبدَه» وهو مُحمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -. «وهزَمَ الأحْزابَ وَحْدَه» أي: هزَمَهم بغَيرِ قِتالٍ مِن الآدَميِّينَ، ولا سَببٍ مِن جِهَتِهم، والمُرادُ بالأحْزابِ: الَّذين تَحزَّبوا واجْتمعوا على رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ الخَندَقِ، في العامِ الخامِسِ مِن الهِجْرةِ، فأرْسل الله -تعالى- عليهم رِيحاً وجُنوداً لمْ يروها. قال القاضي: وقيل يحتمل أنْ المُراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن. وقوله: «صدق الله وعده» إنْ كان سفر حج أو عمرة، تذكير بوعد الله -تعالى- لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، بقوله -تعالى-: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} (الفتح: 27). وإن كان رجوعا من غزاة، تذكير بقوله -تعالى-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} الآية، وقوله -تعالى-: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}. من فوائد الحَديثِ:


حَمد اللهِ -تعالى-، والإقْرارُ بنِعمَتِه، والخُضوعُ له، والثَّناءُ عليه عندَ القُدومِ مِن السَّفرِ، والرُّجوعِ إلى الوَطنِ سالِمينَ.
وفيه: استحباب الإتيان بهذا الذكر في القُفُول منْ سَفَر الغَزْو والحجّ والعمرة، وهل يختصّ ذلك بهذه الأسْفار، أو يتعدّى إلى كلّ سَفر طَاعةٍ كالرباط وطلب العلم، وصلة الرحم، أو يتعدّى إلى السفر المباح أيضاً، كالنزهة، أو في كلّ سَفرٍ ولو كان مُحرّماً؟ يحتمل أوجها:
الوجه الأول: الاختصاص، وذلك لأنّ هذا ذكرٌ مَخْصُوص، شُرع بأثر هذه العبادات المخصوصة، فلا يَتعدّى إلى غيرها، كالذكر عقب الصّلاة المكتوبة، من التّسْبيح والتحميد والتكبير، فإنّه لا يتعدّى إلى غيرها، فالأذكار المَخْصُوصة متعبد بها في لفظها ومحلها، ومكانها وزمانها.
الوجه الثاني: أنّه يتعدّى إلى سائر أسفار الطاعة، لكونها في معناها في التقرب بها.
الوجه الثالث: أنّه يَتعدّى إلى الأسفار المباحة أيضاً، كالتجارة.

وعلى هذا فالتقييد في الحديث؛ إنّما هو لكونه -عليه الصّلاة والسلام- لم يكنْ يُسافر بغير المقاصد الثلاثة، فقيّده بحسب الواقع، لا لاخْتصاص الحُكم به.

الوجه الرابع: تَعديه إلى الأسفار المُحرّمة؟ قالوا: لأنّ مُرتكب الحَرام أحوج إلى الذّكْر من غيره، لأنّ الحسنات يذهبن السيئات. وكلام النووي: مُحتمل، فإنه قال في تبويبه في شرح مسلم: ما يقولُ إذا رجَع مِنْ سفر الحج وغيره، ممّا هو مذكور في الحديث وهو العُمْرة والغزو، وقد يريد غيره مطلقاً، وقال والدي -رحمه الله- في شرح الترمذي: سواءً فيه السفر لحجٍّ أو عُمْرة أو غزو، كما في الحديث، أو لغير ذلك منْ طَلب عِلْمٍ وتجارة وغيرهما. انتهى. فمثّل بطلبِ العلم وهو مِنَ الطّاعات، وبالتجارة وهي مِنَ المُباحات، ولمْ يُمثّل المُحرّم، لكنه مُنْدرج في إطْلاقه. انظر «طرح التثريب»، والحديث صريح في اخْتصاص التكبير ثلاثاً، بحالة كونه على المَكان المُرتفع.
قوله: «ثم يقول: «لا إله إلا الله»: إلى آخره، فيَحتمل الإتيان به وهو على المكان المُرْتفع، ويحتمل ألا يتقيّد بذلك، بل إنْ كان المكان المرتفع واسعاً قال فيه، وإنْ كان ضيقاً كمّل بقيّة الذّكْر بعد انْهباطه، ولا يستمرّ واقفاً في المكان المُرتفع لتكميله.

وفي شرح الترمذي: مناسبة التكبير على المكان المرتفع: أنّ الاسْتِعلاء والارتفاع مَحبُوبٌ للنُّفوس، وفيه ظُهُور وغَلَبة على مَنْ هو دُونه في المَكان، فينبغي لمَنْ تَلبّس به؛ أنْ يَذكر عند ذلك كبرياء الله -تعالى-، وأنّه أكبرُ مِنْ كلّ شَيء، ويَشْكر له ذلك؛ يَسْتمطر بذلك المزيد ممّا مَنَّ به عليه. وقال صاحب «المفهم» أبو العباس القرطبي: توحيده لله -تعالى- هناك؛ إشْعارٌ بانْفراده -تعالى- بإيجاد جميع المَوجُودات، وبأنّه المَألوه، أي: المَعبُود في كلّ الأماكن مِنَ الأرضين والسموات. اهـ، وفي صحيح البخاري: عن جابر - رضي الله عنه - قال: كنّا إذا صَعَدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سبَّحْنا، وقال -عليه الصلاة والسلام- للرجل الذي قال له: أوْصِني لمّا أرادَ سَفَراً: «عليك بتقوى الله، والتكبير على كلّ شَرَف». رواه الترمذي. ولمْ يخص ذلك بالرَّجْعة مِنْ سفره. ويحتمل أنْ يكونَ سببُ التّسْبيح في الانْهِباط: أنّ الانْخفاضَ مَحلّ الضّيق، والتّسْبيح سببٌ للفَرَج، ومنه قوله -تعالى- في حقّ يونس -عليه السلام-: {فلولا أنّه كان من المسبحين* للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} الصافات: (143- 144). وكانت مقالته عليه السلام في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

وفي الحديث: أنّ ذِكرُ اللهِ -سُبحانَه وتعالى- ممَّا يُؤنِسُ الرُّوحَ والقَلبَ، ويَرزُقُ النَّفْسَ الطُّمأْنينةَ، ويُثقِّلُ مَوازينَ العَبدِ بالحَسَناتِ، ويُنَجِّي اللهُ -تعالى- به صاحِبَه مِن الهَمِّ والغَمِّ، فيَكشِفُ ضُرَّه، ويُذهِبُ غَمَّه، وقد كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - دائمَ الذِّكرِ لرَبِّه في جَميعِ الأحْوالِ والأوْقاتِ.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-11-2026, 05:11 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: التّعْريسُ والصّلاة بذِي الحُلَيفة إذا صَدَر مِنَ الحَجّ والعُمْرة




كان عَبْدِاللهِ بنُ عمَرَ رضي الله عنهما شَديدَ التَّحرِّي لفِعلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليَقتدِيَ به في حَضَرِه وسَفَرِه
يستحب الصلاة بذي الحُلَيْفةِ لفعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم حيث كان يُصلِّي فيه
حَرِصَ الصَّحابة رَضيَ اللهُ عنهم على اتّباع سُنَّةِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم واقتِفاء أثَره في أفْعالِه

عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا. وكَانَ عَبْدِاللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدِاللَّهِ بْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنْ الحَجِّ أَوْ العُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيْفَةِ، الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ وهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. قَالَ مُوسَى: وقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنْ الْمَسْجِدِ، الَّذِي كَانَ عَبْدِاللَّهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ، الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ. الأحاديث رواها مسلم في الحج (2/981) وبوّب عليها النووي بمثل تبويب المصنف.
فيَرْوي عَبْدِاللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أناخَ، أي: جَعَلَ راحِلَتَه تَبرُكُ على الأرضِ، فنزَلَ بالبَطْحاءِ التي بِذي الحُلَيْفةِ، وهي الَّتي يَعرِفُها أهلُ المدينةِ: بِالمُعَرَّسِ، وهي مَنطقةُ مَسيلِ الماءِ، وذاتُ حَصًى صِغارٍ. وذو الحُليفةِ: قَريةٌ بيْنها وبيْن المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ أو سَبعَةٌ (10 كم)، وتقَع أسفَلَ مَسجِدِ ذي الحُلَيفةِ، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ، ومَن يمُرُّ بها مِن غيرِ أهْلِها. أصل المُعَرّس


وأصل المُعَرّس: موضعُ النُّزول مطلقاً، أو في آخر الليل، قال أبو زيد: عَرّس القوم في المنزل، إذا نزلوا به أيّ وقتٍ كان، منْ ليلٍ أو نهار.
وقال الخليل والأصمعي: التّعْريس النُّزُول آخر الليل، وصار هذا اللفظ عَلَماً بالغلبة على موضع معين، وهو على ستة أميال مِنَ المدينة، كما حكاه أبو داود في سننه عن محمد بن إسحاق المديني، وجزم به في المشارق.

وكان ذلك في رُجوعِه - صلى الله عليه وسلم - مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، وكانَ يَبيتُ بها، وقَد نَزَل بها -[- وصلَّى فيها. وكان ابنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- يَفعَلُ مِثلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كلَّما سافَرَ على الطَّريقِ بيْن مكَّةَ والمدينةِ، تَأسِّيًا به وحُبًّا لفِعلِه - صلى الله عليه وسلم -، وقد رَوَى البُخاريُّ عدَّةَ أحاديثَ في الصَّحيحِ؛ عن ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- تُوضِّحُ تَحرِّيَه كُلَّ المواضعِ التي صلَّى فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الطَّريقِ، فيُصلِّي فيها. نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بطحاء ذي الحُليفة
وقد اخْتُلف في نُزُوله - صلى الله عليه وسلم - ببطحاء ذي الحُليفة، على أقوال:

أحدها: أنّ ذلك جَرَى اتفاقاً لا عن قَصد، فهو كبقية منازل الحَجّ، وهو ظاهر ما حكاه ابن عبدالبر عن محمد بن الحسن، أنه قال: إنّما هو مثل المنازل التي نَزَلَ بها رسُولُ الله -[- من منازل طريق مكة. وكان ابنُ عمر يتتبّع آثاره تلك، فينزل بها، فكذلك قيل مثل ذلك بالمُعرّس.
ثانيها: أنّه قَصَد النُّزُول به، لكن لا لمعنى فيه، وحكى القاضي عياض عن بعضهم: أنّه - صلى الله عليه وسلم - إنّما نَزَلَ به في رجُوعه حتّى يُصبح؛ لئلا يَفْجأ الناسُ أهاليهم ليلاً، كما نهى عنه صَريحاً في الأحاديث المشهورة.
ثالثها: أنّه نَزَلَ به قصداً لمعنى فيه، وهو التّبرّك به، ويَدلّ له أنّه - صلى الله عليه وسلم - أتى به، فقيلَ له: إنّك بَبطحاء مُباركة، وهو في الصحيحين.

صلاته - صلى الله عليه وسلم - في المعرس
ويدلّ له أيضًا: صلاته - صلى الله عليه وسلم - به، وما فهم من لفظ الحديث مِنْ مُواظبته على النُّزُول به، لكنّه ليسَ منْ مناسك الحج، بل هو سُنّةٌ مُسْتقلة، وبهذا قال الجُمهور، قال مالك في الموطأ: لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُجاوز المُعرّس إذا قفلَ حتّى يُصلّي فيه، وأنّه مَنْ مَرّ به في غير وقتِ صلاةٍ؛ فليُقمْ حتّى تحلّ الصّلاة ثمّ يُصلّي ما بَدَا له، لأنّه بلغني أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَرّسَ به، وأنّ عبدالله بن عمر أناخ به. قال ابن عبدالبر: واستحبّه الشافعي ولم يأمر به. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله- صلى الله عليه وسلم - بالمعرّس؛ كسائر منازل طريق مكة، لأنّه كان يُصلّي الفريضة حيثُ أمْكنه، والمُعرّس إنّما كان يصلي فيه نافلة.

رابعها: أنّه مِنْ مناسك الحج. وهذا شيء اقتضاه فعل ابن عمر -رضي الله عنهما-، فزاد على غيره من أهل العلم في استحبابه زيادة؛ لم يقولوا بها، فيُعدّ حينئذ مذهباً له.

فوائد الحديث


أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي بذي الحُلَيْفةِ، ففيه استحباب الصلاة في الموضع المذكور، وتقدّم قول مالك: لا ينبغي لأحدٍ مجاوزته حتى يصلي فيه، واستحباب الشافعي له، وقول أبي حنيفة: إنْ أحَبّ أنْ يُعرّس به حتّى يُصلّي، فعل، وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع: زيادة المبيت بها إلى الصباح، إنْ كان المعنى ألا يطرق أهله ليلاً، فاقتضى ذلك الاستمرار إلى الصباح، لئلا يقع في هذا المحذور، ولو مرّ به في وقتِ كراهة الصّلاة؛ فإنه يستمر استحباب الصلاة فيه، لأنّها صلاة ذاتُ سبب.
وفيه: حِرصُ الصَّحابةِ -رَضيَ اللهُ عنهم- على اتّباع سُنَّةِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، واقتِفاؤُهم أثَرَه في أفْعالِه.
وأن عَبْدِاللهِ بنُ عمَرَ -رضي الله عنهما- كان شَديدَ التَّحرِّي لفِعلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ ليَقتدِيَ به في حَضَرِه وسَفَرِه، وفي كلِّ أحْوالِه، وقوله في رواية مُوسى بن عقبة: إذا صَدَر عن الحَجّ أو العُمرة التقييد بذلك، وقيل بعدم التقييد، واسْتحباب الصّلاة بها والمبيت؛ لكلّ مارٍّ بها، وإنْ لمْ يكنْ صَادرًا من حَجٍّ ولا عُمرة، قال زين الدين العراقي: وعَدم التقييد هو الصّواب، وبه جزم النووي في «شرح مسلم» في تبويبه، ويدلّ له ما صحّ مِنْ شَرف البُقعة، وأنّها مُباركة، وأمّا التقييد في تلك الرواية، فإنما هو لفعل ابن عمر، ولمْ يكنْ ابن عمر يَمرّ عليها إلا في حجٍّ أو عُمرة، ولمْ يَبق بعد الفتح غزوٌ مِنْ تلك الجهة؛ لأنّها صارت كلّها دار سلام.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-11-2026, 05:14 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في تَحْريم مَكّة وصَيْدها وشَجْرها ولقطتها




مكَّةُ بلَدٌ له حُرمتُه إذ يُوجَدُ به البيتُ الحرامُ والمشاعرُ المُقدَّسةُ ولذا شرَعَ الإسلام أحكامًا خاصَّةً به فشَرَع فيه مِن وَسائلِ الأمنِ والأمان ما لم يَشرَعْ في غيرِه مِن بِقاعِ الأرضِ
حرم الإسلامُ كلَّ أنواعِ الظُّلمِ وتشدَّدَ في سَفْكِ الدِّماءِ بغيرِ وجْهِ حقٍّ خلافاً لما كان عليه الناسُ في الجاهليَّةِ منَ أنواع مِن الظُّلمِ وسَفْكِ الدِّماءِ

عن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ولَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ». فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِلَّا الْإِذْخِرَ». فَقَامَ أَبُو شَاهٍ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ «اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. وعَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ».
الحديث الأول رواه مسلم في الحج (2/988) باب: تحْريمُ مكّة وصَيْدها وخَلاها وشَجَرها ولقطتها؛ إلا لمُنْشد على الدوام، وفي هذا الحديثِ يَحكي أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، خطَبَ النَّاسَ يوم فتح مكة، ووضَّح لهم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد حبَسَ الفِيلَ عن مكَّةَ، يومَ أنْ حاوَلَ أبرهةُ الحَبشيُّ هدَمَ الكَعبةَ، وذلك قبْلَ بَعثةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأربعينَ سَنةً، والذي جاء ذِكرُه في قولِ اللهِ تعالَى: }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ{ (الفيل: 1) فأرسَلَ اللهُ -تعالَى- على أصْحابِه جَماعاتٍ مِنَ الطَّيرِ؛ تَرمِيهم بحِجارةٍ منْ سجيل، وذلك حِين وَصَلوا إلى بطْنِ الوادي بالقُربِ مِن مكَّةَ فأهلَكَتْهم، وإنَّما ذكَّرَ النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه -رَضيَ اللهُ عنهم- والناس بحادثِ الفِيلِ؛ في مَعرضِ خُطبتِه فيهم؛ لبَيانِ حُرْمةِ القتْلِ في مكَّةَ، فمعَ كَونِ أهلِ مكَّةَ وَقتئذٍ كُفاراً؛ فقد دافَعَ اللهُ عنها، فحُرمةُ أهْلِها بعدَ الإسلامِ آكَدُ وأعظم. قوله: «وسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ والْمُؤْمِنِينَ»
أي: ولكنَّ اللهَ سلَّطَ على أهلِ مكَّةَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصَحابتَه -رَضيَ اللهُ عنهم-، ولم يَحِلَّ في مكَّةَ القِتالُ إلَّا وَقتَ دُخولِه - صلى الله عليه وسلم - إيَّاها فَاتِحاً مع أصْحابِه، ثُمَّ عادَتْ حُرْمَتُها كما كانتْ، وأنَّها لمْ تَحِلَّ لأحدٍ قبْلَه من خلق الله، ولنْ تَحِلَّ لأحدٍ بعدَه؛ لأنَّ تَحريمَ مكَّةَ أمْرٌ قَديمٌ، وشَريعةٌ سالفةٌ ومُستمِرَّةٌ، ليس ممَّا أحْدَثهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أو اختُصَّ بشَرْعِه، وقد عادَتْ إليها حُرمتُها بعْدَ الفتْحِ كما كانت. قوله: «فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»
أي: فلا يُصَطاد، أولا يهيج من مكانه. وقد ذكر البخاري عن عكرمة قال: هل تدري: ما لا ينفر صيدها؟ هو أنْ ينحيه من الظل، ينزل مكانه. اهـ، وإذا كان التنفير مُحرّماً، فالاصْطياد والإتلاف مِنْ بابِ أولى، وهذا إذا لمْ يَحْصلْ مِنَ الصيد ضررٌ أو أذى، فإنْ حَصلَ منه ضرر، دُفع بأخفّ الضّررين. قوله: «ولا يُخْتَلى شَوكها»
أي: ولا يُقطع ولا يُؤخذ. وقد جاء في لفظ: «ولا يُخْتلى شوكها، ولا يُعْضَد شَجرها». وهو يفيد تحريم قطع شجر الحَرَم، سَواءً كان ذا شوك أو لا شوك فيه، إلا ما كان أذى أو ضرر على الناس، فيَجوزُ قطْعُه، قِياساً على حلِّ قتْلِ الفواسقِ الخَمْسِ في الحرَمِ بجامعِ الإيذاءِ، وجاء في لفظ البخاري عن ابن عباس: «لا يُخْتلي خَلاها» أي: حَشِيشها الرّطب، قال ابن قدامة: وأجْمعُوا على إباحة أخْذ ما اسْتَنبته الناسُ في الحَرَم، منْ بَقلٍ وزَرعٍ ومَشْمُوم، فلا بأس برعيه واخْتلائه اهـ. قوله: «ولا تَحلُّ سَاقطتها إلا لمُنْشد»
السّاقطة هنا: هي اللُّقَطة، والمُنْشد: هو المُعَرّف، أي: ولا يَحلُّ ولا يجُوزُ التقاطُ لُقَطة مكة؛ إلا لمُعرّفٍ لها، لا لتَملّكها، بل للعَملِ على إرْجَاعها إلى أهلها. فلا يُؤخَذُ شَيءٌ سَقَطَ مِنْ صاحبِه في مكَّةَ، بلْ يُترَكُ مكانَه حتَّى إذا رَجَعَ صاحبُه وجَدَه، ولا يَأخُذه إلَّا مَن نَوى أنْ يُعرِّفَه ويَحفَظَه حتَّى يَأتِيَ صاحبُه. قوله: «ومَنْ قُتِلَ لَهُ قتيلٌ فهو بِخَير النَّظَرين»
أي: ولي القَتيل له أفضلُ الأمْرَين عنده، «إمّا أنْ يُفْدَى، وإمّا أنْ يُقْتل» أي: إمّا أنْ يأخذَ دِيّة القَتيل، وإمّا أنْ يَقتلَ القاتل، بعد حُكم وليّ الأمْر عليه، وفي لفظ للبخاري: «إمّا أنْ يَعْقل، وإمّا أنْ يُقادَ أهلُ القتيل» وسُمِّيَت عقْلًا؛ لأنَّهم كانوا يَعقِلون الإبلَ ويَربِطونها بفِناءِ دارِ المُستحِقِّ للعقْلِ. أو أنْ يُمكّنوا مِنَ القَوَد، وهو قتلُ القَاتل. قوله: «فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِلَّا الْإِذْخِرَ» والإذخر نَباتٌ عُشبيٌّ مَعرُوف عند أهل مكة، عَريضُ الأوراقِ، له رائحةٌ لَيمونيَّةٌ عَطِرةٌ، أزهارُه تُستَعملُ مَنقوعةً كالشَّايِ، وكان يُستعمل أيضاً بَدَلًا مِنَ الحَطَبِ، ويَجعَلونَه في أسقُفِ بُيوتِهم، وكذا لِسُقُفِ قُبورِهم، فاستَثناهُ النبيُّ [ مِنَ النَّهيِ عن قَطْعِه. وقال ابن البيطار: والذي بمكة أجْوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب، ويسدون به الخَلَل بين اللبنات في القُبُور، ويَسْتعملونه بدلَ الحلفاء في الوقود. اهـ من الفتح. فالذي طَلَبَ استثناءَ الإذخرِ هو العبَّاسُ - رضي الله عنه -، كما جاء في الصَّحيحينِ، وسُؤالُه كان على سَبيلِ الضَّراعةِ، وتَرخيصُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان تَبليغاً عن اللهِ -تعالَى-؛ إمَّا بطَريقِ الإلهامِ، أو بطَريقِ الوحْيِ. اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ


قوله: «فَقَامَ أَبُو شَاهٍ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». أي: في هذا الموقِفِ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ -وهو أبو شاهٍ، فطلَبَ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَكتُبَ له بَعضَ السُّننِ التي تَنفَعُه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اكْتُبُوا لأبِي فُلَانٍ»، وهذا أمرٌ صَريحٌ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بكِتابةِ الحديث النّبوي، وإنْ كان قد سَبَقَ مِنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النَّهيُ عن كِتابةِ الحديث، وعمدة هذا النهي: ما رواه مسلم في صحيحه: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَكتبُوا عَنّي، ومَنْ كَتَبَ عنّي غيرَ القُرْآن فلْيَمْحُه».

أحاديثَ الأمْرِ بالكِتابةِ
فقال أكثرُ أهلِ العِلمِ: إنَّ أحاديثَ الأمْرِ بالكِتابةِ؛ ناسِخةٌ لأحاديثِ النَّهيِ عنها؛ فقد كان النَّهيُ لعِلَّةٍ؛ وهي إنَّه ربَّما اختلَطَ حَديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالقُرآنِ، فلمَّا زالتِ العِلَّةُ؛ أُذِنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الكِتابةِ؛ لزَوالِ المَحذُورِ مِنَ الكِتابةِ، ونُسخَ المَنعُ مِنَ الكتابة. ويُؤيِّدُ هذا: عُمومُ ألفاظِ الأمرِ بالكِتابةِ، وأنَّها مُتأخِّرةٌ في الزَّمنِ. وبعضُ الصَّحابةِ داوَمَ على كِتابةِ الحديث، مِن بابِ الحِرصِ على السُّنَّةِ، أو خَشيةَ أنْ ينسى. فروى الإمام أحمد وأبو داود: عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: كنتُ أكتبُ كلَّ شَيءٍ أسْمعه مِنْ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أرِيدُ حِفظه، فنَهتْني قُريش عن ذلك، وقالوا: تكتبُ كلَّ شَيءٍ تَسْمعه مِنْ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم - بَشَرٌ يتكلمُ في الغَضَب والرّضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابة، حتّى ذَكرتُ ذلك لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأَوْمأ بإصْعَبه إلى فِيه- أي: فَمَه- فقال: «اكتُبْ؛ فوالذي نفْسِي بيدِه، ما يَخرجُ منْه إلا حَقٌّ»، وذلك بعدَ أنْ رسَخَتْ مَعرفةُ الصَّحابةِ بالقُرآنِ؛ فلمْ يُخشَ خَلطُهم له بغَيرِه مِن حَديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وبهذا يتبين بُطلان قول من قال: إنّ السّنّة لمْ تُدوّن في عصر الرسالة؟ والحقّ أنّها دُونت لكن ليس بالصُّورة التي تمّت فيما بعد في عصور التدوين، ولكن مِنَ المُجْمع عليه أنّها كانت مَحفُوظةً في الصّدُور، وفي بعض الصحائف والسطور في عصر الصّحابة، وتلقاها عنهم التابعون، ثم بدأ التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز -رضي الله عن الجميع-. قوله: قال الوليد بن مسلم: قلت للأوزاعي، وهو عبدالرحمن بن عمرو الإمام: «ما قوله- أي أبي شاه- اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة» يعني التي سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فوائد الحديث
1- تَذكيرُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ نِعمةَ اللهِ في حبْسِ الفيلِ عن مكَّةَ؛ والانتقام ممّن أراد بالكعبة سُوءاً، فإنَّها كانت آيةً شهِدَ بها كلُّ مُحِقٍّ ومُبطِلٍ. 2- وفيه: أنَّ الإنسانَ إذا سَمِعَ الكلامَ الجَزْلَ والمفيد، الَّذي لا يُمكِنُه ضبْطُه حِفظًا؛ فإنَّه يَنْبغي له أنْ يَطلُبَ كِتابتَه، كما فعَلَ أبو شَاهٍ. 3- وفيه: جَوازُ مُراجَعةِ العالِمِ في المصالحِ الشَّرعيةِ، والمُبادرَةُ إلى ذلك في المَجامِعِ والمَشاهِدِ. 4- وفيه: الأمْرُ بكِتابةِ حَديثِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وسُنَّتِه. 5- تحريم الإسلام كلَّ أنواعِ الظُّلمِ، والتشدَّدَ في سَفْكِ الدِّماءِ بغيرِ وجْهِ حقٍّ، خلافاً لما كان عليه الناسُ في الجاهليَّةِ، منَ أنواع مِن الظُّلمِ وسَفْكِ الدِّماءِ. الحديث الثاني
عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ»، في هَذا الحَديثِ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَن حَملِ السِّلاحِ بمكَّةَ، حتَّى لا يَكونَ سَببًا لرُعبِ مُسلمٍ أو أَذى أَحدٍ؛ فَلا يَخفَى ما في ذلِك مِن زِيادةِ الأَمنِ في مَكانٍ به شَعائرُ الإسلامِ كَمكَّةَ، والنَّهيُ مَحمولٌ لغيرِ الضَّرورةِ، أمَّا لو كان هناك ضَرورةٌ -كمُحارَبةِ كفَّارٍ ونحوِهم- فيُشرَعُ حمْلُ السِّلاحِ، كما في عامِ الفتْحِ حِين دخَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مكَّةَ بجُيوشِه حامِلِين أسْلِحتَهم؛ إذْ أذِنَ اللهُ له بذلك لنشْرِ دِينِه، وإعلاءِ كَلِمتِه، وأحلَّ له هذا الحرَمَ جُزءًا مِن نَهارٍ، مِن طُلوعِ الشَّمسِ إلى صلاةِ العصرِ، ثمَّ أعلَنَ للنَّاسِ عَودةَ حُرمتِه إلى ما كانت علي، كما في الحديث السابق. ومن فوائد الحديث: أنّ مكَّةُ بلَدٌ له حُرمتُه؛ إذ يُوجَدُ به البيتُ الحرامُ، والمشاعرُ المُقدَّسةُ؛ ولذا شرَعَ الشَّرعُ أحكامًا خاصَّةً به تُؤكِّدُ هذه المعاني؛ فشَرَع فيه مِن وَسائلِ الأمنِ والأمان؛ ما لم يَشرَعْ في غيرِه مِن بِقاعِ الأرضِ.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-12-2026, 04:30 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: دُخُول النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- مكة غير مُحْرِم يومَ الفََتح




جواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «خير ثيابكم البياض»
الصَّحابةُ رضي الله عنهم كانوا يَرقُبون أحوالَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ليَتعلَّموا منه ولا سيما في المُلِمَّاتِ كالحربِ والغزْوِات

عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ مَكَّةَ- وقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ- وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. (1358/451)، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ؛ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/990) باب: جواز دخول مكة بغير إحرام.
في الحَديثِ الأول يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- دَخلَ مَكَّةَ يومَ الفَتحِ، الَّذي وقَعَ في العامِ الثَّامنِ مِن الهجرةِ، وَكان يَلبَسَ في ذلكَ اليومِ على رأسِه عِمامةً سَوداءً، فلَم يَكُنْ حينئِذٍ مُحرِماً بمَلابسَ الإحرامِ في هَذا اليومِ؛ لأنَّه لم يُرِدْ نُسكًا، بلْ أراد فتْحَ مكَّةَ. وفي الحديث الثاني: عن أنسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه -: «أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- دخَلَ عامَ الفتحِ وعلى رأسِه المِغفَرُ». فيَحتمِلُ أنْ يكونَ المِغفَرُ فوقَ العِمامةِ؛ وِقايةً لرَأْسِه المكرَّمِ مِن صَدَأِ الحديدِ، أو كانت العِمامةُ فوقَ المِغفَرِ، أو كان أوَّلَ دُخولِه على رَأسِه المِغفَرُ، ثمَّ أزالَهُ ولَبِسَ العِمامةَ بعْدَ ذلك، فحَكى كلٌّ منهما ما رآهُ. قال القاضي عياض -رحمه الله-: قوله: «بغير إحْرام» والأظهر أنّه دَخل عليه السلام مكة غير مُحْرِم، وقد جاء في حديث يحيى وقتيبة: «ولم يكن مُحْرِماً». انتهى. قوله: «بغير إحرام»
فقوله: «بغير إحرام» هذا صريح في كون النّبي - صلى الله عليه وسلم- دخل مكة يوم الفتح هو وأصحابه غير مُحْرِمين، فدلَّ على جواز دُخولها بغير إحْرام لمن لا يريد حجًّا، ولا عُمْرة، قال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-: «دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه الْمِغفر» يقتضي أحد أمرين: إما أنْ يكونَ غير مُحْرِم، فلذلك غطَّى رأسه بالمغفر، وهو الأظهر؛ لأنّه لم يروِ أحدٌ أنّه تَحلّلَ مِنْ إحْرام. وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: «وإنّما أُحِلّتْ لي سَاعة مِنْ نَهار»، فعلى أنّ دُخُول مكة على غير إحْرام؛ خاصٌّ بالنّبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا قال مالك: ولمْ يكنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ مُحْرماً، وقد كان يحتمل أنْ يكون غَطّى رأسه لأذى اضْطرّه إلى ذلك، وافتدى، لو ثَبتَ أنّه دَخلَ مكة مُحْرماً، ودخول مكة على ثلاثة أضرب:

الضرب الأول: أنْ يُريد دُخُولها للنُّسك في حَجّ أو عُمْرة؛ فهذا لا يجوز أنْ يَدْخلها إلا مُحْرماً، فإنْ تَجاوز المِيقات غير مُحْرم، ثُمّ أحْرمَ؛ فعليه دمٌ.
والضرب الثاني: أنْ يَدخلها غيرَ مُريدٍ للنُّسُك، وإنّما يَدخُلها لحَاجةٍ تَتكرّر، كالحَطّابين وأصْحاب الفواكه؛ فهؤلاء يجوز لهُم دُخُولها غير مُحْرمين؛ لأنّ الضّرورة كانت تلحقهم بالإحْرام، متى احتاجوا إلى دُخُولها، لتكرّر ذلك.
والضرب الثالث: أنْ يَدخلها لحاجتِه، وهي ممّا لا تَتكرّر؛ فهذا لا يجوزُ له أنْ يَدْخلها إلا مُحْرماً؛ لأنّه لا ضَررَ عليه في إحْرامه، وإنْ دَخَلها غير مُحْرم؛ فهل عليه دمٌ أو لا؟ الظاهر -مِنَ المَذهب المالكي- أنّه لا شيء عليه، وقد أساء. «المنتقى شرح الموطأ» (3/ 80).

قوله: «دخلَ مكة بغير إحْرام»
وقال النووي -رحمه الله-: قوله: «دخلَ مكة بغير إحْرام» هذا دليلٌ لمن يقول بجواز دُخُول مكة بغير إحْرام لمنْ لمْ يُردْ نُسكاً، سواء كان دُخُوله لحاجةٍ تكَرَّر، كالحطّاب والحشّاش والسقّاء والصيّاد وغيرهم، أمْ لمْ تتكرّر كالتاجر والزائر وغيرهما، سواء كان آمناً أو خائفاً، وهذا أصحّ القولين للشافعي، وبه يفتي أصْحابه، والقول الثاني: لا يجوز دخولها بغير إحْرام؛ إنْ كانت حاجته لا تكرّر، إلا أنْ يكون مقاتلًا أو خائفًا مِنْ قتال، أو خائفًا مِنْ ظالمٍ لو ظهر. وقال ابن بطال -رحمه الله-: قال ابن القصّار: اختلف قول مالك والشافعي في جواز دخول مكة بغير إحرام، لمَن لمْ يُرِدْ الحج والعُمرة؛ فقالا مرَّةً: لا يجوز دخولها إلا بإحْرَام؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان، إلا الحطَّابين، ومَنْ قَرُب منْها مثل جدة والطائف وعسفان؛ لكثرة تَردّدهم عليها، وبه قال أبو حنيفة والليث، وقالا مَرَّةً أخرى: دُخُولها بإحْرام استحباب لا واجب. انتهى. وإلى هذا القول ذهب البخاري، وله احتج بقوله -عليه السلام-: «ولكلّ آتٍ أتى عليهنّ، ممّنْ أرادَ الحَجّ والعُمرة» فدلّ هذا أنّ مَن لمْ يُرد الحج والعمرة؛ فليست ميقاتًا له، واستدل أيضًا: بدخوله - صلى الله عليه وسلم- عام الفتح وعلى رأسه المغفر، وهو غير مُحرم، وبهذا احتجّ ابن شهاب، ولم يره خصوصًا للرسول - صلى الله عليه وسلم-، وأجاز دخول مكة بغير إحرام، وهو قول أهل الظاهر. وقال المازري -رحمه الله-: قال بعض أصحابنا: لا يدخل مكة إلا بإحْرام؛ إلا لمثل إمامٍ في جيشه للضرورة، وقائل هذا اتبع هذا الحديث على وجهه، واختلف قول مالك: هل دُخول مكة بإحرامٍ واجبٍ أو مُسْتحب؟ وأسقط ذلك مالك عمَّن يكثر تردُّده إليها، كالحطَّابين وأصحاب الفواكه. وقال ابن حجر -رحمه الله-: أمّا مَنْ قال مِنَ الشافعية كابن القاص: دخول مكة بغير إحْرام منْ خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ففيه نظر؛ لأنّ الخُصُوصيّة لا تثبت إلا بدليل. جواز دُخُول مكة للقتال
وقال ابن القيم -رحمه الله-: وفيها- أي الأحاديث-: جواز دُخُول مكة للقتال المُباح بغير إحْرام، كما دخل رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلمون، وهذا لا خلافَ فيه، ولا خلافَ أنّه لا يدخلها مَنْ أرادَ الحج أو العمرة إلا بإحْرام، واختلف فيما سِوى ذلك، إذا لمْ يكنْ الدُّخول لحاجةٍ متكررة، كالحشَّاش والحطاب على ثلاثة أقوال:

أحدها: لا يجوز دُخُولها إلا بإحْرام، وهذا مذهب ابن عباس، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في أحد قوليه.
والثاني: أنه كالحشّاش والحَطّاب فيدخلها بغير إحْرام، وهذا القول الآخر للشافعي، ورواية عن أحمد.
والثالث: إنْ كان داخل المَواقيت؛ جاز دخوله بغير إحرام، وإنْ كان خارج المواقيت لمْ يدخل إلا بإحْرام، وهذا مذهب أبي حنيفة.

وهدي رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - معلومٌ في المُجاهد ومُريد النُّسك، وأمّا مَن عداهما فلا واجبَ إلا ما أوجبه الله ورسوله، أو أجْمعت عليه الأمَّة. «زاد المعاد» (3/ 524- 525). فقه الحديث
وقال ابن عبدالبر -رحمه الله-: في هذا الحديث من الفقه: دخول مكة بغير إحرام، وبالسلاح، وإظهار السلاح فيها، ولكن هذا عند جميع العلماء منسوخ ومخصوص بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السّماوات والأرض، لمْ تحلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً منْ نهار» يعني: يوم الفتح. التمهيد (4/ 147). وقال أيضًا: ليس هذا عندي- يعني حديث: «دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء»- بمعارض لحديث ابن شهاب «يعني حديث: «دخل مكة وعلى رأسه المغْفر»؛ لأنه قد يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر، فلا يتعارض الحديثان. التمهيد (4/ 157). وقال القاضي عياض -رحمه الله-: فيحتمل أنّ العمامة كانت تحت المِغْفر؛ صيانةً لرأسه منْ برد المِغْفر وخُشُونته، فلما نزع المِغفر ظهرت العمامة التي ذكر مَن ذكر أنّه دخل مكة وهي على رأسه، على ما ذكرناه. وقال أيضًا: ووجه الجمع بينهما: أنَّ أول دخوله كان وعلى رأسه المغفر، وبعد ذلك كانت عليه العمامة؛ بدليل حديث عمر وابن حريث عن أبيه، وذكره مسلم: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم- خطب الناس، وعليه عمامة سوداء»؛ ولأنَّ خطبته عليه السلام إنما كانت بعد غلبته على مكة، وعند باب الكعبة، ويحتمل أنَّ جابرًا الذي ذكر أنه دخل مكة وعليه عمامة، ولم يتعرض الذي دعته إليه ضرورة الحرب، فلا يستدلّ به على أنه دخلها حلالًا، ويعرض لما رآه عليه بعد نزعه المغْفر من العمامة بعد زوال عذر الخوف، ووضع أوزار الحرب. «إكمال المعلم» (4/476). وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-: قول جابر: إنّه - صلى الله عليه وسلم - ‌دخل مكة يوم الفتح وعليه ‌عمامة سوداء؛ ليس مناقضاً لقوله: إنّه دخل ذلك اليوم وعليه المغفر؛ لإمكان أنْ تكون العمامة تحت المغفر؛ وقايةً مِن صدأ الحديد وشعثه، أو يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة، ولبس العمامة، والله تعالى أعلم. جواز لباس الأسود في الخطبة
وأيضًا قال النووي -رحمه الله-: فيه: جواز لباس الثّياب السُّود، وفي الرواية الأخرى: «خطبَ النّاسَ وعليه عِمامةٌ سَوداء». فيه: جواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «خير ثيابكم البياض»، وأمّا ‌لباس ‌الخطباء ‌السواد في حال الخطبة فجائز، ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السّوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز، والله أعلم. «شرح صحيح مسلم» (9/ 133). وقال الغزالي -رحمه الله-: ومَنْ قال: إنّه مكروه وبدعة -أي: لبس السواد للخطيب- أراد به أنه لمْ يكن معهوداً في العصر الأول، ولكن إذا لمْ يَرد فيه نَهي؛ فلا ينبغي أن يُسمّى ‌بدعة ومكروهاً، ولكنه تركٌ للأَحَبِّ». «إحياء علوم الدين» (2/ 336). وقال المُلاّ علي القاري -رحمه الله-: هذا وفي الجملة جاز لبس السواد في العمامة وغيرها، وأنَّ الأفضل البياض؛ نظراً إلى أكثر أحواله - صلى الله عليه وسلم - فعلاً وأمراً، وأغرب الشافعية في قولهم: لبس الخطيب السواد بدعة فليتركه، ويلبس الأبيض، إلا إنْ أُكرِه بخصوصه، كما كان يفعله العباسيون. وفي الحديث: أنّ الصَّحابةُ -رضي الله عنهم- كانوا يَرقُبون أحوالَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم- ليَتعلَّموا منه، ولا سيما في المُلِمَّاتِ، كالحربِ والغزْوِ، ونَقَلوا كل ذلك لمَن بعْدَهم، ووَصَفوا هيْئتَه ومَلابسَه وجميعَ أحوالِه.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-12-2026, 04:32 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم … باب: في جَدْر الكَعْبة وبابها




الحِجْر مِنَ الكعبة؛ لِمَا فيه مِن أُصُولِ حائِطِه، ولكنْ لِقِلَّةِ ذاتِ يَدِ قُرَيْشٍ، وقِلَّةِ النَّفقةِ الطَّيِّبةِ التي جَمَعُوها، لم يَستَطيعوا إتمامَ كلِّ الكَعبةِ على قَواعدِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، فلمْ يُدخِلوه في البَيتِ

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ الجَدْرِ: أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ». قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شاؤوا، ويَمْنَعُوا مَنْ شاؤوا، ولَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ؛ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/973) باب: جَدْر الكعْبة وبابها. ورواه البخاري في الحج (1584) باب: فضل مكة وبُنيانها.
في هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّها سَأَلَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الكَعبةِ، وهل الجَدْرُ- وفي رواية المُسْتملي: الجِدار- أي: الحِجْر، جُزءٌ منها؟ والحِجرُ هو المُسمّى بحِجْر إسماعيلَ، وهو البِناءُ الدَّائريُّ الذي حَولَ الكَعبةِ مِنَ النَّاحيةِ المُقابِلةِ للحجَرِ الأسوَدِ والرُّكنِ اليَمانيِ، وهو على شَكلِ نِصفِ دائرةٍ يُلاصِقُ الرُّكنينِ الشاميَّ والعِراقيَّ، وهذا الحِجرُ جُزءٌ مِن الكعبةِ، ولكِن لَمَّا هُدِمَت الكعبةُ وبنَتْها قُريشٌ لم تَسَعْهمُ النَّفقةُ فاقتَصَروا على هذا البناءِ. الحِجْر مِنَ الكعبة
فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أخبَرَها أنَّ الحِجْر مِنَ الكعبة؛ لِمَا فيه مِن أُصُولِ حائِطِه، ولكنْ لِقِلَّةِ ذاتِ يَدِ قُرَيْشٍ، وقِلَّةِ النَّفقةِ الطَّيِّبةِ التي جَمَعُوها، لم يَستَطيعوا إتمامَ كلِّ الكَعبةِ على قَواعدِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، فلمْ يُدخِلوه في البَيتِ، وهو قَوْله: «قَصَّرَت بهم النَّفَقَة» بِفَتْح الصَّاد الْمُشَدّدَة، أَي: النَّفَقَة الطّيبَة الَّتِي أخْرجُوها، ويروى: قَصُرَت، بِضَم الصَّاد المخففة. وروى ابن إِسْحَاق فِي السِّيرَة: أَنّ وهب بن عَائِد بن عمرَان بن مَخْزُوم المَخْزُومِي، قَالَ لقريش: لَا تدْخلُوا فِيهِ مِنْ كَسْبكم إلاَّ طيّباً، ولَا تدْخلُوا فِيهِ مَهر بَغيّ، وَلَا بيع رَبّاً، ولَا مظْلمَة منْ أحدٍ مِنَ النَّاس. وهَذَا يدل على أَنّ الحِجْر كُله مِنَ الْبَيْت، وبِذَلِك كَانَ يُفْتِي عبد الله بن عَبَّاس - رضي الله عنه -، كَمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق: عن أَبِيه عن مرْثَد بن شُرَحْبِيل قَالَ: سمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: لَو وليتُ من الْبَيْت مَا ولي ابْنُ الزُّبير؛ لأدْخلتُ الحِجْر كُله فِي الْبَيْت، فلِمَ يُطاف بِهِ إِنْ لم يكنْ مِنَ الْبَيْت؟! وروى التِّرْمِذِيّ: عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة عَن أمه عَن عَائِشَة -رَضِي الله عنْهُما- قَالَت: كنتُ أحبُّ أَنْ أَدْخلَ البَيْتَ فأُصلي فِيهِ، فَأخذ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، بيَدي فَأَدْخلنِي الحِجْر، فَقَالَ: صلّي فِي الحِجْر؛ إِنْ أردْت دُخُول البَيْت، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَة من الْبَيْت، ولَكِن قَوْمك اسْتَقصرُوه حِين بَنَوا الْكَعْبَة، فأخْرجُوه من الْبَيْت»، ثمّ أخْبَرَها - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لولا قُربُ عَهدِهِم بالكُفرِ، ومَخافةُ إنكارِ قُلوبِهم؛ لَأدخَلَ - صلى الله عليه وسلم - الحِجرَ في البَيت، وأعادَ بِناءَ الكعبة على قَواعِدِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، ولَألْصَقَ البابَ بالأرضِ؛ لأنَّهم قدْ رَفَعوه عن الأرضِ؛ حتَّى يُدخِلوا مَنْ شاؤوا، ويَمنَعوا مَنْ شاؤوا. قال: فجعَلْتُ لها بابين
وفي الصَّحيحَين: قال: «فجعَلْتُ لها بابين: بابٌ يَدخُلُ الناسُ، وبابٌ يَخرُجُون»، وفي مسلم: «وهلْ تَدْرِينَ لِمَ كانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بابَها؟» قالَتْ: قُلتُ: لا، قالَ: «تَعَزُّزًا ألا يَدْخُلَها إلَّا مَن أرادُوا، فَكانَ الرَّجُلُ إذا هو أرادَ أنْ يَدْخُلَها يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي، حتَّى إذا كادَ أنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ». وهذا التَّغييرُ فعَلَه عبد الله بنُ الزُّبير -رَضيَ اللهُ عنهما-، فقد بَنى الكَعبةَ على ما أرادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فروى البخاري ومسلم واللفظ له: لمَّا احْتَرَقَ البَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فكانَ مِن أَمْرِهِ ما كانَ؛ تَرَكَهُ ابنُ الزُّبَيْرِ حتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ -أَوْ يُحَرِّبَهُمْ- علَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ في الكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ ما وَهَى منها؟ قال ابنُ عَبَّاسٍ: فإنِّي قدْ فُرِقَ لي رَأْيٌ فِيها؛ أَرَى أَنْ تُصْلِحَ ما وَهَى منها، وتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عليه، وأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وبُعِثَ علَيها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: لوْ كانَ أَحَدُكُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، ما رَضِيَ حتَّى يُجِدَّهُ، فَكيفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ علَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمع رَأْيَهُ علَى أَنْ يَنْقُضَها، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ، أَنْ يَنْزِلَ بأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فيه أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فألْقَى منه حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيءٌ، تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حتَّى بَلَغُوا به الأرْضَ، فَجَعَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيها السُّتُورَ حتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ. قالَ: «لَوْلَا أنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكُفْرٍ»


وقالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: إنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إنَّ النَّبيَّ -[- قالَ: «لَوْلَا أنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكُفْرٍ، وَليْسَ عِندِي مِنَ النَّفَقَةِ ما يُقَوِّي علَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فيه مِنَ الحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَها بَاباً يَدْخُلُ النَّاسُ منه، وبَابًا يَخْرُجُونَ منه». قالَ: فأنَا اليَوْمَ أَجِدُ ما أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قال: فَزَادَ فيه خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ حتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إلَيه، فَبَنَى عليه البِنَاءَ، وَكانَ طُولُ الكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فيه اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ في طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وجَعَلَ له بَابَيْنِ: أَحَدُهُما يُدْخَلُ منه، والآخَرُ يُخْرَجُ منه. فَلَمَّا قُتِلَ ابنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الحَجَّاجُ إلى عبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بذلكَ، ويُخْبِرُهُ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قدْ وَضَعَ البِنَاءَ علَى أُسٍّ نَظَرَ إلَيْهِ العُدُولُ مِن أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عبدُ المَلِكِ: إنَّا لَسْنَا مِن تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ في شَيءٍ، أَمَّا ما زَادَ في طُولِهِ فأقِرَّهُ، وَأَمَّا ما زَادَ فيه مِنَ الحِجْرِ فَرُدَّهُ إلى بنَائِهِ، وَسُدَّ البَابَ الذي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إلى بِنَائِهِ. صحيح مسلم.

كم مرة بني البيت؟


قال النووي: قال العلماء: بُنيَ البيت خمسَ مرات: بنته الملائكة، ثمّ إبْراهيم - عليه السلام -، ثمّ قريش في الجاهلية، وحضر النّبي - صلى الله عليه وسلم - هذا البناء، وله خمس وثلاثون سنة، وقيل: خمس وعشرون، وفيه سقط على الأرض حين وقع إزاره، ثم بناه ابنُ الزبير، ثمّ الحَجّاج بن يوسف، واستمر إلى الآن على بناء الحجاج، وقيل: بني مرتين أخريين أو ثلاثاً، وقد أوضحته في كتاب إيضاح المناسك الكبير.
قال العلماء: ولا يُغيّر عن هذا البناء، وقد ذكروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها وردّها إلى بناء ابن الزبير؛ للأحاديث المذكورة في الباب، فقال مالك: ناشدتُك الله يا أمير المؤمنين، ألا تجعلَ هذا البيت لُعبةً للملوك، لا يشاء أحدٌ إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته مِنْ صُدُور الناس.

مسألة: هل يجوزُ الطّواف داخل الحِجْر؟


قال النووي: فإنْ طافَ في الحِجر، وبينه وبين البيت أكثر منْ ستة أذرع، ففيه وجهان لأصحابنا أحدهما: يجوز لظواهر هذه الأحاديث، وهذا هو الذي رجّحه جماعات من أصحابنا الخراسانيين.
والثاني: لا يصحّ طوافه في شيء مِنَ الحِجر ولا على جداره، ولا يصحّ حتى يطوف خارجاً من جميع الحجر، وهذا هو الصحيح، وهو الذي نصّ عليه الشافعي، وقطع به جماهير أصحابنا العراقيين، ورجّحه جُمْهور الأصحاب، وبه قال جميع علماء المسلمين سوى أبي حنيفة، فإنّه قال: إنْ طافَ في الحِجر وبقي في مكة أعاده، وإنْ رجع مِنَ مكة بلا إعادة، أراقَ دماً وأجزأه طوافه، واحتجّ الجُمهور بأنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ مِنْ وَرَاء الحِجر، وقال: «لتأخُذُوا مَنَاسِككم»، ثمّ أطْبقَ المُسْلمون عليه من زمنه - صلى الله عليه وسلم - إلى الآن، وسواء كان كلّه مِنَ البيت أم بعضه، فالطّواف يكون مِنْ ورائه كما فعل النّبي - صلى الله عليه وسلم -. والله أعلم.

فوائد الحديث
(1) في الحديث دَليلٌ على ارتِكابِ أيسرِ الضَّررَين دَفْعاً لأَكبرِهما؛ لأنَّ تَرْكَ بِناءِ الكَعبةِ على ما هو عليه أيسرُ مِن افتِتانِ طائفةٍ مِنَ المسلِمينَ ورُجوعِهِم عن دينِهِم، قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحةٌ ومفسدة، وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة؛ بُدِئ بالأهمّ؛ لأنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنَّ نَقضَ الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم - عليه السلام - مَصْلحة، ولكن تُعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوفُ فتنة بعض مَنْ أسلمَ قريباً، وذلك لما كانوا يعتقدونه مِنْ فَضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيماً، فتركها - صلى الله عليه وسلم -. (2) ومنها: فكر وليّ الأمر في مصالح رعيته، واجتنابه ما يخاف منه تولد ضرر عليهم، في دِينٍ أو دنيا، إلا الأمور الشّرعيّة كأخذ الزكاة، وإقامة الحُدُود، ونحو ذلك. (3) ومنها: تألف قلوب الرعية وحسن حياطتهم، وألا يُنفّرُوا، ولا يُتعرّض لما يخاف تنفيرهم بسببه، ما لم يكنْ فيه تركُ أمْرٍ شرعي كما سبق. (شرح مسلم). (4) وفيه: أنَّ النَّاسَ كلّهم غَيرُ مَحْجوبينَ عن البَيتِ. (5) وفيه: أنّ الكَعبة هي بَيتُ اللهِ في الأرضِ، وقِبلةُ المسلمينَ، وقد عظَّمَ اللهُ قَدْرَها بيْن الناسِ، حيثُ جَعَلَها مَهوَى القُلوبِ ومَقصداً للحجِّ.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-13-2026, 05:56 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: تَحْريمُ المَدينة وَصَيْدها وشَجَرها والدُّعاء لها




جعَلَ اللهُ عزَّوجلَّ لمَكَّةَ والمدينةِ مَنزلةً تَفوقُ غيرَهما مِنَ الأماكنِ والمنازلِ لما فيهما منَ المقَدَّساتِ الإسْلاميَّةِ
تحريم مكة يعني أنْ يَأمَنَ فيها كلُّ شَيءٍ على نفْسِه حتَّى الحيوانُ فلا يُصادُ وحتَّى الشَّجرُ فلا يُقطَعُ إلَّا ما يَزرَعُه الآدميُّ بنفْسِه وألَّا يُحدِثَ فيها إنسانٌ حَدَثًا يُخالِفُ دِينَ اللهِ أو جُرماً أو ظُلماً أو يَقترِفَ حَدّاً
المَدينةُ زادَها اللهُ -تعالى- شَرفًا بيْنَ حَرَّتينِ في جانَبيِ الشَّرقِ والغَربِ، والحَرَّةُ الشَّرقيَّةُ تُسمّى: حَرَّةُ واقِمٍ، وبها قُباءُ وحِصنُ واقِمٍ، والحرَّةُ الغربيَّةُ هي حَرَّةُ وَبَرةَ، وبها المَسجِدُ المُسمَّى بمَسجِدِ القِبلتَينِ

في الباب ستة أحاديث، رواها مسلم في الحج (2/991) باب: فَضل المدينة ودُعاء النّبي - صلى الله عليه وسلم - فيها بالبَركة، وبيان تحريمها وتَحريم صَيدها وشجرها، وبيان حدود حرمتها.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، ودَعَا لِأَهْلِها، وإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِها وَمُدِّهَا؛ بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ»، في هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ إبراهيمَ -عليه السلام- حرَّمَ مكَّةَ بِتَحريمِ اللهِ، ودَعا لَها، كما في قَولِه -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (البقرة: 126). قال النووي: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ إبْراهيم حَرّم مكة» هذا دليل لمن يقول: إنّ تحريم مكة إنّما هو كان في زَمَن إبراهيم - عليه السلام -، والصّحيح: أنّه كان يوم خلق الله السماوات والأرض. تحريم إبراهيم -عليه السلام- لمكة وذكروا في تحريم إبراهيم -عليه السلام- احتمالين:


أحدهما: أنّه حرّمَها بأمْر الله -تعالى- له بذلك؛ لا باجتهاده، فلهذا أضاف التّحريم إليه تارة، وإلى الله -تعالى- تارة.
والثاني: أنّه دعا لها فحرّمها اللهُ -تعالى- بدعوته، فأضيف التّحريم إليه لذلك. انتهى.

ومعْنى تَحريمِها: أنْ يَأمَنَ فيها كلُّ شَيءٍ على نفْسِه، حتَّى الحيوانُ فلا يُصادُ، وحتَّى الشَّجرُ فلا يُقطَعُ، إلَّا ما يَزرَعُه الآدميُّ بنفْسِه، وألَّا يُحدِثَ فيها إنسانٌ حَدَثًا يُخالِفُ دِينَ اللهِ، أو جُرماً، أو ظُلماً، أو يَقترِفَ حَدّاً. قال النووي: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإنّي حَرَّمت المدينة، كما حَرّم إبراهيمُ مكة» هذه الأحاديث حُجّةٌ ظاهرةٌ للشافعي ومالك وموافقيهما، في تَحريم صيد المدينة وشَجَرها، وأباح أبو حنيفة ذلك، واحتجّ له بحديث «يا أبا عُمير، ما فَعلَ النُّغَير» وأجاب أصحابنا بجوابين:

أحدهما: أنّه يَحتمل أنّ حديث النُّغَير كان قبل تَحْريم المدينة.
والثاني: يحتمل أنّه صادَه مِنَ الحِلّ لا مِنْ حَرَم المدينة، وهذا الجواب لا يلزمهم على أصُولهم؛ لأنّ مَذهب الحنفية: أنّ صَيد الحل إذا أدخله إلى الحَرَم؛ ثَبتَ له حُكم الحَرَم، ولكنْ أصلهم هذا ضعيف، فيرد عليهم بدليله. انتهى.

قوله: «وإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِها وَمُدِّهَا؛ بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» أي: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَعَا - صلى الله عليه وسلم - للمَدينةِ أنْ يُبارَكَ فيما كِيلَ في مُدِّها وصاعِها، مِثلَ ما دَعا إبراهيمُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لمكَّةَ. والمرادُ بالبَركَةِ في المُدِّ والصَّاعِ: ما يُكالُ بِهما، والمُدُّ والصَّاعُ مِن المَقاييسِ والمَكاييلِ القديمةِ، تَختلِفُ أحْجامُها باخْتِلاف البُلدانِ، والصَّاع أربعةُ أمدادٍ. جَعَل اللهُ -عزَّ وجلَّ- لمكَّةَ والمدينةِ مَنزِلةً تَفُوقُ غيرَهما مِن الأماكنِ والمنازلِ. https://al-forqan.net/wp-/uploads/2024/07/masjed-00-300x191.jpg
الحديث الثاني
عن سَعْدٍ بن أَبِي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا». وقَالَ: «المَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْها؛ إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، ولَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وجَهْدِهَا، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً، أَوْ شَهِيداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ». في هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي أُحرِّمُ ما بيْنَ لَابَتَيِ المدينةِ» أي: أنَّها حرَمٌ آمِنٌ، فيَأمَنُ فيها كلُّ شَيءٍ، واللَّابَتانِ: تَثْنيةُ لَابَةٍ، واللَّابَةُ: هي الحَرَّةُ، وهي أرضٌ ذاتُ حِجارةٍ سَوداءَ كأنَّها أُحرِقَتْ بالنَّارِ، فالمَدينةُ زادَها اللهُ -تعالى- شَرفًا بيْنَ حَرَّتينِ في جانَبيِ الشَّرقِ والغَربِ، والحَرَّةُ الشَّرقيَّةُ تُسمّى: حَرَّةُ واقِمٍ، وبها قُباءُ وحِصنُ واقِمٍ، والحرَّةُ الغربيَّةُ هي حَرَّةُ وَبَرةَ، وبها المَسجِدُ المُسمَّى بمَسجِدِ القِبلتَينِ. وحُدودُها مِن جِهةِ الجَنوبِ والشَّمالِ: ما بيْنَ جَبَلَيْ عَيْرٍ وثَوْرٍ، فحَدُّ الحرَمِ النَّبويِّ ما بيْنَ جَبلِ عَيْرٍ جَنوبا، ويَبعُدُ عنِ المسجدِ النَّبويِّ (8,5 كم)، وجَبلِ ثَوْرٍ شَمالًا، ويَبعُدُ عنِ المسجِدِ النَّبويِّ (8كم)، ثُمَّ بيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - المَنْهيَّ عنهُ في تلكَ الحُدودِ، هو عدَمِ قَطعِ العَضاهِ، وهوَ كُلُّ شَجرٍ فيه شَوْكٌ، وعدمِ صَيدِ الحَيواناتِ والطُّيورِ بِها؛ فهيَ مَحْميَّةٌ في تلكَ الحُدودِ. قَوله: «المَدينةُ خيرٌ لَهم لو كانوا يَعلَمونَ»
فيه إعلَامُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ببَعضِ فَضائلِ المدينةِ، وقدْ قال ذَلكَ في ناسٍ سَيَترُكونَ المَدينةَ، فالمَدينةُ خيْرٌ لأُولئكَ التَّاركينَ لَها؛ مِن تلكَ البلادِ الَّتي يَترُكونَ المَدينةَ لأَجْلِها، ثُمَّ بيَّنَ أنَّه لا يَدَعُها ويَترُكُها أحدٌ ممَّنِ استَوْطَنَها رَغْبةً عنْها، أي: كَراهةً لَها، أو رَغبةً عن ثَوابِ السَّاكنِ فيها، إلَّا أبْدَلَ اللهُ في المَدينةِ مَن هوَ خيْرٌ مِنه، بمَولودٍ يُولَدُ فيها، أو بمُنتقِلٍ يَنتقِلُ إليها مِن غَيرِها من البلاد. ثُمَّ أخبَرَ أنَّه لا يَثبُتُ أحدٌ، فيَصبِرُ عَلى لأْوَائِها -وهوَ الشِّدَّةُ والجُوعُ- «وجَهدِها» أي: مَشقَّتِها؛ إلَّا كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شَفيعاً، أو شَهيداً له يومَ القِيامةِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ المَعنى: أنَّ الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - يَكونُ شَهيداً لبَعضِ أَهلِ المَدينةِ، وشَفيعاً لبَقيَّتِهم، أو يَكونُ شَفيعاً للعاصِينَ، وشَهيداً للمُطيعينَ، أو شَهيداً لِمَن ماتَ في حَياتِه، وشَفيعاً لِمَن ماتَ بعدَه، أو تَكونُ (أو) هُنا بمَعنى الواوِ، ويَكونُ المَعنى: أنَّه يَكونُ شَفيعاً وشَهيداً لَهم. وهَذه خُصوصيَّةٌ لأهل المدينة، وهي غير الشَّفاعةِ للمُذْنِبينَ، أو للعالَمينَ فِي القِيامةِ، وَعلى شَهادتِه عَلى جَميعِ الأُمَّةِ. فوائد الحديث


أنّ اللهُ -عزَّوجلَّ- جعَلَ لمَكَّةَ والمدينةِ مَنزلةً تَفوقُ غيرَهما مِنَ الأماكنِ والمنازلِ؛ لما فيهما منَ المقَدَّساتِ الإسْلاميَّةِ، مثلِ البَيتِ الحرامِ في مكَّةَ، والمسجِدِ النَّبويِّ في المدينةِ.
بيانُ أهمِّيَّةِ المدينةِ النَّبويَّةِ، وشِدَّةِ حُرمتِها، وفضل السُّكنى فيها.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-13-2026, 05:58 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: التَّرْغِيبُ في سُكْنى المَدِينة والصّبرُ على لأوائِها




حُبُّ الأوطانِ والتَّعلُّقُ بها والحَنينُ إليها فِطرةٌ في النُّفوسِ لم يُنكِرْها الإسلامُ وإنَّما وجَّهَها الوِجْهةَ الصَّحيحةَ التي تَخدُمُ دِينَ اللهِ عزَّوجلَّ وتُعْلي رايتَه
في الحديث الحَثُّ على سُكنى المَدينة وفَضْل الصّبر على شدائدها وضِيق العَيْش فيها وأنَّ هذا الفَضل باقٍ مُسْتمرٌ إلى يومِ القيامة
خصَّ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى بعضَ بِقاعِ الأرضِ بِبَركاتٍ لم يَجعَلْها في غيْرِها وجعَلَ بعضَها مَوطِنَ الشُّرورِ والفِتنِ وبعضَها مَوطِنَ الخيرِ والبَرَكاتِ وقدِ اختُصَّتِ المدينةُ النبويَّةُ بكَثيرٍ منَ الخيرِ والبَرَكةِ والفَضلِ

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ: أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الجَلَاءِ مِنْ الْمَدِينَةِ، وشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا، وكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وأَخْبَرَهُ أَلَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ؛ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً، أَوْ شَهِيداً، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا كَانَ مُسْلِماً»، وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَدِمْنَا المَدِينَةَ وهِيَ وبِيئَةٌ فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، واشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَكْوَى أَصْحَابِهِ؛ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ؛ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وصَحِّحْهَا، وبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِها وَمُدِّهَا، وحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ»؛ في الباب حديثان رواهما مسلم في الحج (2/1001) وبوّب عليه النووي بمثل تبويب المنذري.
الحديث الأول
قوله: عن أبي سعيد مولى المهري: «أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة» يعني: الفتنة المشهورة، التي نُهبت فيها المدينة، سنة ثلاث وستين للهجرة.

قوله: «فاستشاره في الجلاء من المدينة» الجلاء بفتح الجيم والمدّ، وهو الفرار مِنْ بلدٍ إلى غيره، «وشكا إليه أسْعَارها، وكثْرَة عياله، وأخبره: أنْ لا صَبرَ له على جَهْد المدينة ولأوائها»

فقال له: ويحك! لا آمرك بذلك، إنّي سَمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها فيموت، إلا كنتُ له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة، إذا كان مسلما». ومثله في المعنى: حديث يحنس مولى الزبير: أنّه كان جالسًا عند عبدالله بن عُمر - رضي الله عنه - في الفِتنة، فأتته مولاةٌ له تُسلّم عليه، فقالت: إنّي أرَدتُ الخُروج، يا أبا عبدالرحمن، اشتدَّ علينا الزّمان! فقال لها عبدالله: اقْعدُي لُكَاع، فإنّي سَمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يَصْبرُ على لأوْائِها وشدّتِها أحَدٌ، إلا كنتُ له شَهيداً أو شَفيعاً، يومَ القيامة»، وإنَّما قالَ ابنُ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- إنْكارًا عليها إرادةَ الخروجِ منَ المدينةِ؛ لأنَّه لا يَنبَغي الخروجُ منها؛ لأجْلِ الشِّدَّةِ والمَشقَّةِ. ثُمَّ بيَّنَ لها سَببَ أمْرِه إيَّاها بالبَقاءِ بالمَدينةِ؛ وذلك أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «لا يَصبِرُ عَلى لَأْوائِها» وهوَ الشِّدَّةُ والجُوعُ، «إلَّا كنتُ لهُ شَهيداً أو شَفيعاً يومَ القِيامة» والمرادُ أنْ يكونَ شَهيداً لبعضِ أَهلِ المَدينةِ، وشَفيعًا لبَقيَّتِهم، أو يكونَ شَفيعًا للعاصِينَ، وشَهيداً للمُطيعينَ، أو شَهيدًا لمَن ماتَ في حياتِه، وشَفيعاً لمَن ماتَ بعدَه، أو تَكونَ لَفظةُ «أو» هنا بمَعنى الواوِ، ويَكونُ المَعنى أنَّه يكونُ شَفيعاً وشَهيداً له، وهَذه خُصوصيَّةٌ زائدةٌ عَلى الشَّفاعةِ للمُذنِبينَ أو للعالَمينَ في القيامةِ، وعلى شَهادتِه عَلى جميعِ الأُمَّةِ. فوائد الحديث
(1) في الحديث الحَثُّ على سُكنى المَدينة، وفَضْل الصّبر على شدائدها، وضِيق العَيْش فيها، وأنَّ هذا الفَضل باقٍ مُسْتمرٌ إلى يومِ القيامة، قال النووي: اختلفَ العُلماء في المجاورة بمكة والمدينة: فقال أبو حنيفة وطائفة: تُكره المُجاورة بمكة؟ وقال أحمدُ وطائفة: لا تكره بل تُستحبّ، وإنّما كرِهها مَنْ كَرهها لأمُور، منها: خوف المَلَل، وقِلّة الحُرْمة للأنس، وخُوف مُلابسة الذُّنوب، فإنَّ الذَّنبَ فيها؛ أقبحُ منه في غيرها، كما أنَّ الحَسَنة فيها أعظمُ منها في غيرها. واحتج من استحبها: بما يحصل فيها مِنَ الطّاعات، التي لا تحصل بغيرها، وتضعيف الصَّلَوات والحسنات، وغير ذلك. قال: والمختار: أنَّ المُجاورة بهما جميعاً مُسْتحبة، إلا أنْ يَغلبَ على ظَنّه الوُقوع في المَحْذُورات المَذكورة، وقد جاورتهما خلائق لا يُحصون مِنْ سلف الأمّة وخلفها، ممن يقتدى به. وينبغي للمجاور: الاحتراز عن المَحْذُورات وأسْبابها. انتهى. (2) خصَّ اللهُ -سُبحانَه وتَعالَى- بعضَ بِقاعِ الأرضِ بِبَركاتٍ لم يَجعَلْها في غيْرِها، وجعَلَ بعضَها مَوطِنَ الشُّرورِ والفِتنِ، وبعضَها مَوطِنَ الخيرِ والبَرَكاتِ، وقدِ اختُصَّتِ المدينةُ النبويَّةُ بكَثيرٍ منَ الخيرِ والبَرَكةِ والفَضلِ. (3) حُبُّ الأوطانِ، والتَّعلُّقُ بها، والحَنينُ إليها؛ فِطرةٌ في النُّفوسِ، لم يُنكِرْها الإسلامُ، وإنَّما وجَّهَها الوِجْهةَ الصَّحيحةَ التي تَخدُمُ دِينَ اللهِ عزَّ وجلَّ وتُعْلي رايتَه. الحديث الثاني
في هذا الحديثِ تَحكي أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّه لَمَّا هاجَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه إلى المدينةِ، أُصِيبَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وبِلالُ بنُ رَباحٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- بالحُمَّى، فتَكلَّم كلٌّ منْهم بحسَبَ يَقينِه وعِلمِه بعَواقبِ الأمورِ، فتَعزَّى أبو بَكرٍ - رضي الله عنه - عنْدَ أخذِ الحمَّى له كما في الرواية: بقولِه: «كُلُّ امرئٍ مُصبَّحٌ في أهلِه» يعني: كلُّ إنسانٍ يُقال له: صَبَّحَك اللهُ بالخَيرِ، وأنْعَمَ اللهُ -تعالَى- صَباحَك، ونحْوُ ذلك ممَّا يُحيَّا به الإنسانُ مِن أحبابِه، «والمَوْتُ أدْنَى مِن شِرَاكِ نَعْلِهِ» والحالُ أنَّ الموتَ أقرَبُ إليه مِن شِراكِ النَّعلِ -وهو أحَدُ سُيورِ النَّعلِ التي تكونُ على وَجْهِها- قد يَفْجَؤه فلا يُمْسي حيًّا، إشارةً منه لشِدَّةِ قُرْبِ الموتِ مِن كلِّ إنسانٍ، سواءٌ أكان مَريضًا أمْ صَحيحًا. وأمَّا بِلالٌ - رضي الله عنه - فكان إذَا خَفَّت عنْه الحُمَّى وهَدَأَت سَورَتُها، يَرْفَعُ «عَقيرتَه» أي: صَوتَه، بأبياتٍ مِن الشِّعرِ تُعبِّرُ عن حَنينِه، وتَمنِّيه الرُّجوعَ إلى مكَّةَ، الَّتي كانَتْ فيها صِحَّتُه، فهو يَتمنَّى أنْ يَبيتَ لَيلةً واحدةً في وادي مكَّةَ، ويُطفِئَ أشواقَه الحارَّةَ مِن مِياهِ مَجَنَّةَ- وهي: ماءٌ عندَ عُكاظٍ على أميالٍ يَسيرةٍ مِن مكَّةَ بناحيةِ مَرِّ الظَّهرانِ، وكان به سُوقٌ في الجاهليَّةِ- وأنْ يُمتِّعَ ناظرَيْهِ بمُشاهَدةِ الإذْخِر والجَليلِ، وهما نَبْتانِ مِن الكلَأِ طَيِّبِ الرائحةِ يَكونانِ بمكَّةَ، وأنْ يُشاهِدَ شامةَ وطَفِيلًا، وهما جَبَلانِ مُتجاوِرانِ جَنوبَ غرْبِ مكَّةَ على قُرابةِ (90 كم) منها. دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدينة
فلمَّا رَأى رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما نزَل بأصحابِه مِن الحُمَّى والوَباءِ، خَشِي عليهم أنْ يَكرَهوا المدينةَ؛ لِما في النُّفوسِ مِن استِثقالِ ما تَكرَهُه، فدَعا اللهَ أنْ يُحبِّبَ إليهم المدينةَ كحُبِّهم مكَّةَ بلْ أشدَّ، وأنْ يُبارِكَ لهم فيها، فيَزيدَ الخَيرُ، وأنْ يُبارِكَ في صاعِهِم ومُدِّهم، والصَّاعُ: أربعةُ أمدادٍ، والمُدُّ: مِقدارُ ما يَملَأُ الكَفَّينِ، وقدْ دَعا في حَديثٍ آخرَ في الصَّحيحَينِ: بأْن تكونَ البركةُ فيها؛ ضِعْفَيْ بَرَكةِ مكَّةَ، وسَأَلَ اللهَ -تعالَى- أنْ يَرفَعَ الوَباءَ عنهم، وأنْ يَنقُلَه إلى «الجُحفةِ» وخصَّها بذلك؛ لأنَّها كانت إذْ ذاك دارَ شِرْكٍ؛ ليَشتَغِلوا بالوباء والمرض عن مَعونةِ أهْلِ الكفْرِ، والجُحفة مَوضعٌ بيْن مكَّةَ والمدينةِ، تَبعُدُ عن مكَّةَ (190 كم). فاستجابَ اللهُ دَعوةَ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، فبُورِكَ في أقواتِ المَدينةِ، وأحبَّها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه، حُبًّا أدامَه في نُفوسِهم حتَّى ماتوا عليه، ومِن مَظاهرِ ذلك: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَرأى المَدِينةَ، جَعَلَ راحلتَه تُسرِعُ؛ مِن حُبِّهَا، كما في صَحيحِ البُخاريِّ. فوائد الحديث
(1) أنَّ اللهَ -تعالَى- أباحَ للمُؤمنِ أنْ يَسأَلَ ربَّه صِحَّةَ جِسمِه، وذَهابَ الآفاتِ عنه إذا نزَلَتْ به، كسُؤالِه إيَّاه في الرِّزقِ والنَّصْرِ، وليس في دُعاءِ المؤمنِ ورَغبتِه في ذلك إلى اللهِ -تعالى-؛ لومٌ ولا قَدْحٌ في دِينِه ولا في زُهده. (2) وفيه: العِنايةُ بالناحيةِ الصِّحِّيَّةِ، والاهتِمامُ بجَودةِ الهَواءِ، ونَقاءِ الماءِ، والتَّحذيرُ مِن المِياهِ الراكدةِ المُتغيِّرةِ. (3) وفيه: الدُّعاءُ على الظَّالمينَ والكافرينَ بالوبَاء والمرض.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-14-2026, 10:17 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: لا يَدْخُلُ المَدينة الطّاعُون ولا الدَّجال




المدينة النبوية أُحيطَتْ طُرقُها وفِجاجُها ومداخِلُها بالملائكةِ فلا يَستطيعُ الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ دُخولَها إذْ تَحرسُها الملائكةُ وتَمنَعُه مِن دُخولِها
المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِن الأرضِ مُبارَكةٌ طَهَّرَها اللهُ مِن الأدناسِ واختارَها لتَكونَ مُهاجَرَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحاضنةَ دَعوتِه وأساسَ دَولتِه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1005) باب: صِيانة المَدينة مِنْ دُخُول الطّاعُون والدّجال إليها، ورواه البخاري في فضائل المدينة (1880) باب: لا يَدخلُ الدّجال المَدينة، وموضعين آخرين، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببَعضِ ما فضَّل اللهُ به المدينةَ النبوية على غيرِها من البلاد والقُرى.


قوله: «على أنْقابِ المَدينة ملائكة» الأنقاب جمع نَقَب، قال ابن وهب: المُراد بها: المداخل، وقيل: الأبواب. وأصْل النّقب: الطريق بين الجبلين.

«لا يَدخلها الطّاعون»


وقوله: «لا يَدخلها الطّاعون» والطّاعون: الموت العام الفاشي، والطاعونُ: نَوعٌ مِن الوَباءِ المُهلِكِ، وهو عِبارةٌ عن خُرَّاجاتٍ وقُروحٍ وأورامٍ رَديئةٍ تَظهَرُ بالجسمِ، وفي مُسنَدِ أحمدَ: عن أبي مُوسى الأشعريِّ - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَناءُ أُمَّتي بالطَّعنِ والطاعونِ». قال: فقُلْنا: يا رَسولَ اللهِ، هذا الطَّعنُ قدْ عَرَفناهُ، فما الطَّاعونُ؟ قال: «طَعْنُ أعدائِكِم مِن الجنِّ، في كلٍّ شَهادةٌ».

والمقصود: أنّه لا يكون في المدينة مِنَ الطاعون، مثل الذي يكون في غيرها من البلاد، كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف وغيرهما، وقد أظهَر الله صِدق رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه لمْ يُسمع مِنَ النقلة ولا مِنْ غيرهم، مَنْ يقول: إنّه وقع في المدينة طاعونٌ عام؛ وذلك ببركة دُعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيثُ قال: «اللهُم صَحّحها لنا». فالمدينة النبوية قدْ أُحيطَتْ أنقابُها -وهي طُرقُها وفِجاجُها ومداخِلُها- بالملائكةِ، فلا يَستطيعُ الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ دُخولَها؛ إذْ تَحرسُها الملائكةُ مِنه، وتَمنَعُه مِن دُخولِها، وفي الصَّحيحَينِ: مِن حَديثِ أنسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه -: أنَّ الدَّجَّالَ يَنزِلُ في السَّبخةِ الَّتي تَجتمِعُ بها السُّيولُ، في الشَّمالِ الغربيِّ مِن المدينةِ، فإذا وصَلَ إلى هناك، ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، أي يقَعَ زلزالٌ بالمدينةِ، فيخرَج إليه المنافِقون منها، أمَّا المدينةُ نفْسُها، فلا يَستطيعُ دُخولَها. خُروجُ المَسيحِ الدَّجَّالِ
وخُروجُ المَسيحِ الدَّجَّالِ مِن أشراطِ السَّاعةِ الكُبرى وعَلاماتِها، والدَّجَّالُ مِنَ التَّدْجِيلِ بمعْنى التَّغطيةِ؛ لأنَّه كذَّابٌ يُغَطِّي الحقَّ ويَستُرُه، ويُظهِرُ الباطلَ. وقد أَقْدَره اللهُ -عزَّ وجلَّ- على أشياءَ مِن مَقدوراتِ اللهِ -تعالى-: مِن إحياءِ الميِّتِ الَّذي يَقتُلُه، ومِن ظُهورِ زَهرةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْهِ، واتِّباعِ كُنوزِ الأرضِ له، وأمْرِه السَّماءَ أنْ تُمطِرَ فتُمطِرَ، والأرضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ، فيَقَعُ كلُّ ذلك بقُدرةِ اللهِ -تعالى- ومَشيئتِه، فِتنةً وابتلاءً للناس. وفي الصَّحيحَينِ: مِن حَديثِ أنسٍ - رضي الله عنه - مرفوعاً: «ليسَ مِن بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ». فامتازتْ هاتانِ المَدينتانِ العَظيمتانِ بهذا. فوائد الحديث


أنّ المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِنَ الأرضِ مُبارَكةٌ، طَهَّرَها اللهُ مِنَ الأدناسِ، وحَفِظَها مِن المُهلكاتِ.
فيها تَحقَّقَ كَلامُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الطَّاعونِ، فقد ظَهَرَ في أكثرَ مِن مَكانٍ عبْرَ التاريخِ، ولم يَظهَرْ بالمدينةِ، تَصديقًا لكَلامِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
فالحديث علَمٌ مِن أعلامِ نُبوَّتِه -صلى الله عليه وسلم -، وفيه: بَيانُ فضْلِ المدينةِ، وفضْلِ سُكْناها.

باب: المَدِينَةُ تَنْفِي خَبَثَها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ! والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْراً مِنْهُ، أَلَا إِنَّ المَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ المَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رضي الله عنه -: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ -تعالى- سَمَّى الْمَدِينَةَ: طَابَةَ»، الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/1005) باب: المَدِينة تَنْفي شِرَارها. الحَديثِ الأول
في الحَديثِ الأول: يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يَأتي عَلى النَّاسِ زَمانٌ، ينادي الرَّجلُ ابنَ عمِّه وقَريبَه، فيقول له: «هَلُمَّ إلى الرَّخاءِ» يَعني: هيا إلى الخُروجِ منَ المدينةِ، وأسْرِع إلى الرَّخاءِ، يعني بذلك - صلى الله عليه وسلم - أنَّ البلدانَ تُفتَحُ على المُسلمينَ، فتَكثُرُ الأموال والخيراتُ، ويعمّ الرّخاء، فيَركَنُ كَثيرٌ ممَّن خرَج مِنَ المدينة والحِجازِ وجزيرة العَرب، إلى ما وَجَدوا مِن خَيراتٍ بتلك البلادِ المفتوحةِ، فيَتَّخِذونها داراً وموطناً، ويَدْعون إليهم مَن كان بالمدينةِ مِن أهلِهم، لشِدَّةِ العَيشِ بها، وضيق الحَال. والحقّ: أنَّ الإقامةَ في المَدينةِ النّبوية خَيرٌ لهم؛ لأنَّها حَرَمُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وجِوارُه، ومَهبِطُ الوَحْيِ من القرآن الكريم، والسُّنّة النّبوية، ومَنازِلُ الصّحابة الكرام، ولو كانوا يَعلَمون ما في الإقامةِ بها، مِنَ الفَوائدِ والعوائدِ في الدِّينِ والدّنيا، الَّتي يُحتقرُ دُونَها ما يَجِدونه مِن الحُظوظِ الدُّنيويَّةِ الفانيةِ العاجلةِ، في الإقامةِ في غَيرِها من البُلدان والقُرى، لما تركوها، وهاجروا عنها، أو المعْنى: لو كان عِندَهم شَيءٌ مِن العِلمِ، أي: لَيتَهم كانوا مِن أهلِ العِلمِ، تَغليظاً وتَشديداً. قَسَمُ النبي - صلى الله عليه وسلم -


ثُمَّ أَقْسَمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «والَّذي نَفسِي بيَدِه» وهذا قسَمٌ باللهِ الَّذي يَملِكُ الرُّوحَ والنَّفْسَ، «لا يَخرُجُ مِنهم أَحدٌ» أي: لا يَدَعُها ويَترُكُها أَحدٌ ممَّن استَوطَنَها، رغبةً عَنها، أي: زاهدًا فيها، أو رَغبةً عَن ثَوابِ السَّاكنِ فيها، إلَّا أَخلَفَ اللهُ -سُبحانَه وتعالى- وأَبدَلَ في المَدينةِ، مَنْ هوَ خيرٌ منهُ، إمّا بمَولودٍ يُولَدُ فِيها، أو بمُنتَقِلٍ يَنتقِلُ إليها مِنْ غَيرِها مِنَ البلاد.

المدينة تُخرِجُ شِرارَ النَّاسِ


ثمَّ ذكَر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المدينة تُخرِجُ شِرارَ النَّاسِ، فلا يَتحمَّلونَ المُقامَ بها، وإنَّما يَتحمَّلُ المُقامَ بها المُؤمِنونَ الصَّالحون؛ فإنَّها لا تَترُكُ فيها مَنْ في قَلْبِه دَغَلٌ وفَسادٌ، بلْ تُميِّزُه عن القُلوبِ الصَّادقةِ وتُخرِجُه، كما تُميِّزُ النارُ رَديءَ الحَديدِ مِنْ جَيِّدِه، والكِيرُ: هو الجِلدُ الَّذي يَنفُخُ به الحدَّادُ على النَّارِ، فلا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى تَنفيَ المدينةُ شِرارَها، كَما يَنفي الكِيرُ خَبثَ الحديدِ، وخَبثُ الحَديدِ: وَسَخُه وقَذَرُه الَّذي تُخرِجُه النَّارُ مِنها.

وقيل: إنَّ المرادَ هنا بَعضُ مَن كان في عهْدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن المُنافِقينَ، وإلَّا فبَعْدَ عهْدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ خرَجَ منها كثيرٌ مِن الصَّالحينَ والأفاضِلِ، وبَقِي فيها بعضُ الطَّالحينَ والفاسِدينَ. وقيل: يَحتمِلُ أنْ يكونَ نَفيُ المدينةِ لشِرارِها مُختصًّا بزمَنِ الدَّجَال، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ في أزمانٍ مُتفرِّقةٍ. قال القاضي: الأظهر أنّ هذا مختصٌّ بزمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّه لمْ يكنْ يَصبر على الهِجرة والمقام معه، إلا مَنْ ثَبَتَ إيمانه، وأمّا المنافقون وجهلة الأعراب، فلا يصبرون على شدَّة المدينة، ولا يَحْتسبون الأجر في ذلك، كما قال ذلك الأعرابي الذي أصابه الوعك: أقلني بيعتي. قال النووي: هذا كلام القاضي، وهذا الذي ادّعى أنّه الأظْهر، ليس بالأظْهر؛ لأنّ هذا الحديث الأول في صحيح مسلم: أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَقُوم السّاعة حتّى تَنْفي المَدينة شِرَارها، كما يَنْفي الكيرُ خَبثَ الحَديد»، وهذا- والله أعلم- في زَمن الدّجّال، كما جاء في الحديث الصحيح، الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب، في أحاديث الدّجال: أنّه يقصد المَدينة، فتَرجُف المَدينة ثلاثَ رَجفات، يَخرجُ اللهُ بها منْها، كلُّ كافرٍ ومُنافق». فيحتمل أنّه مُختصٌّ بزَمن الدّجّال، ويَحتمل أنّه في أزْمانٍ مُتفرّقة، والله أعلم. انتهى. من فوائد الحديث:


المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِن الأرضِ مُبارَكةٌ، طَهَّرَها اللهُ مِن الأدناسِ، واختارَها لتَكونَ مُهاجَرَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وحاضنةَ دَعوتِه، وأساسَ دَولتِه.
فيه بَيانُ بعضِ فَضائلِ المدينةِ.
وفيه: عَلامةٌ مِن عَلاماتِ نُبوَّتِه - صلى الله عليه وسلم -.

الحديث الثاني
في هَذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أنَّ مِن الأسماءِ الَّتي سَمَّى اللهُ -تعالى- بها المَدينةَ: «طابةَ»، والمعنى أنَّ اللهَ -تعالى- سمَّاها كذلك في اللَّوحِ المَحْفوظِ، أو أمَرَ نَبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسمِّيَها بها، ردّاً على المنافقينَ في تَسميتِها: يَثرِبَ، فروى البخاري في «فضائل المدينة من صحيحه»: عن أبي حُميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: أقبلنا مع النّبي - صلى الله عليه وسلم - مِنْ تَبُوك، حتّى أشْرَفنا على المَدينة، فقال: «هذِه طَابَة». وطابة: اشتقاقُها مِنَ الطِّيبِ، وهو الرَّائِحةُ الحَسَنةُ، أو مِن الشَّيءِ الطَّيِّبِ الطَّاهِرِ، لخُلوصِها مِن الشِّركِ والكفر، وتَطهيرِها منه. وقيل: لطِيبِها لساكنِها، وقيل: مِن طِيبِ العَيشِ بها، وقيل: لطِيبِ تُرابِها وهَوائِها.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-14-2026, 10:19 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَة بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ




المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِنَ الأرضِ مُبارَكةٌ طَهَّرَها اللهُ مِنَ الأدْناسِ واختارَها لتَكونَ مُهاجَرَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وحاضنةَ دَعوتِه وأساسَ دَولتِه
النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يَعلَمُ الغيبَ ولكن قد يُطلِعُه اللهُ على بَعضِ الغَيبِ

عن أَبيِ هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ- يُرِيدُ الْمَدِينَةَ- أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ». (1386/493)، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1007) وبوّب عليه بمثل تبويب المنذري، وراه البخاري في فضائل المدينة (1877) باب: إثم مَن كاد أهل المدينة، عن سعد - رضي الله عنه -، بلفظ: «لا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أحَدٌ، إلَّا انْمَاعَ كما يَنْمَاعُ المِلْحُ في المَاء»ِ.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ اللهَ -سُبحانَه وتعالى- يدافِعُ عن المدينةِ وأهلِها المؤمنِينَ الصَّالحينَ، ومِن ذلك: أنَّه لا يَمكُرُ أحَدٌ بأهلِ المدينةِ، ويُدبِّرُ لهم الأَذَى في العَلَنِ أو الخَفاءِ؛ إلَّا أهلَكَه اللهُ وأزالَه مِن الوُجودِ سَريعاً، كما يَذُوبُ المِلحُ في الماءِ؛ وفي رواية مسلم: «مَنْ أرادَ أهلها بسُوء أذابه الله، كما يذوبُ المِلح في الماء». وقوله: «إلا انْماع» أي: ذاب. فمَن أرادَ المَكرَ بهم لا يُمهِلُه اللهُ -تعالى-، ولا يُمكِّنُ له سُلطاناً عليهم، بل يُذهِبُه عن قَريبٍ، كما هو شأنُ كلّ مَنْ حارَبَها على مرّ الأيام في التاريخِ، وقيل: مَن أرادَها في حَياةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بسُوءٍ اضمَحلَّ أمْرُه، والصواب: أنّ ذلك عام. وقيل: المُرادُ العَذابُ له في الآخِرةِ، كما في صَحيحِ مُسلمٍ: «لا يُريدُ أحَدٌ أهلَ المدينةِ بِشَرٍّ إلَّا أذابَه اللهُ في النَّارِ ذَوْبَ الرَّصاصِ»، فجَعَلَ العِقابَ له في نارِ جَهنَّمَ. قال عياض: هذه الزيادة تدفع إشكال الأحاديث الأخر، وتوضّح أنّ هذا حُكمه في الآخرة. قال: ويحتمل أنْ يكون المراد: لمَنْ أرادها في الدُّنيا بسوء، وأنّه لا يُمْهل بل يذهب سلطانه عن قرب، كما وقع لمسلم بن عقبة وغيره، فإنّه عُوجل عن قرب، وكذلك الذي أرسله. قال: ويحتمل أنْ يكون المراد من كادها اغتيالاً، وطلباً لغرّتها في غفلةٍ فلا يتمّ له أمْر، بخلاف مَنْ أتى ذلك جهاراً كما استباحها مسلم بن عقبة وغيره. وروى النسائي: من حديث السائب بن خلاد رفعه: «مَنْ أخَافَ أهلَ المدينةٍ ظَالماً لهم؛ أخافَه الله، وكانتْ عليه لعنةُ الله» الحديث. ولابن حبان نحوه من حديث جابر. (فتح الباري) (4/94). فوائد الحديث


وعيدٌ شَديدٌ لِمَن كادَ أهْلَ المَدينةِ أو أرادَ بهم أيَّ أذًى.
المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِنَ الأرضِ مُبارَكةٌ، طَهَّرَها اللهُ مِنَ الأدْناسِ، واختارَها لتَكونَ مُهاجَرَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وحاضنةَ دَعوتِه، وأساسَ دَولتِه، وهي حَرَمٌ آمن، لا يجُوز العُدوان عليها، أو ظُلم أهْلها.

باب: التّرْغيبُ في المقام بالمدينة عند فتح الأمصار
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ - رضي الله عنه -: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ ومَنْ أَطَاعَهُمْ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ؛ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ ومَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1008) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري.
في هذا الحَديثِ يَرْوي الصَّحابيُّ سُفيانُ بنُ أبي زُهيرٍ وهو الأزديُّ - رضي الله عنه -، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخبَرَ عن مُدُنٍ ستُفتَحُ للصحابة ومنْ بعدهم من الأمّة الإسلامية، وقد وَقَعَ ما أخبَرَ به -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- كما قال، وعلى التَّرتيبِ المذكورِ في الحديثِ. https://al-forqan.net/wp-/uploads/2023/10/masjed-3-300x191.jpg
فتح اليمن
فأخبَر - صلى الله عليه وسلم - أولاً: أنَّه ستُفتَحُ اليمنُ، وسُمّيت يَمناً؛ لأنّها يمين الكعبة، أو الشّمس، أو باسم: يمن بن قحطان. قال: فيُعجِبُ قَوماً مِن الصحابة وغيرهم بِلادُها، وطيب عَيشُ أهْلِها، فيَحمِلُهم ذلك على المُهاجَرةِ إليها بأنفُسِهم وأهْلِيهم، حتَّى يَخرُجوا مِن المدينةِ؛ والحقيقة أنَّ الإقامةَ في المدينةِ خَيرٌ لهم؛ لأنَّها حرَمُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وجِوارُه، ومَهبِطُ الوحْيِ، ومَنزِلُ البَرَكاتِ، لو كانوا يَعلَمون ما في الإقامةِ بها؛ مِنَ الفَوائدِ والعوائدِ في الدِّينِ والدُّنيا، والتي يُحتقرُ دُونَها، كلّ ما يَجِدونه مِن الحُظوظِ الدُّنيويَّةِ الفانيةِ العاجلةِ، في الإقامةِ في غَيرِها منَ البُلدان. قال المناوي: وجواب «لو» محذوف، أي: لو كانُوا مِنَ العُلماء؛ لعلموا أنّ إقامتهم بالمدينة أولى، وقد تجعل للتمني فلا جواب لها، وكيفما كان؛ ففيه تجهيلٌ لمَن فارقها، لتَفْويته على نفسِه خيراً جَسيماً. انتهى. أو يكون معْنى: «لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» أي: لَيتَهم كانوا مِنْ أهلِ العِلمِ؛ تَغليظاً وتَشديداً عليهم، وذمّاً لهم, وقوله: «يُبِسُّونَ» أي: يسُوقُون دَوابَّهُم، والبَسُّ: هو سَوق بلين، تقولُ: بِسْ بِسْ، عند السَّوقِ وإرادةِ السُّرعةِ. قال الشّرّاح: والوصْفُ بـ«يُبِسُّون» وهو سَوقُ الدَّوابِّ، يُشعِرُ برَكاكةِ عُقولِهم، وأنَّهم ممَّن رَكَنَ إلى الحُظوظِ البَهيميَّةِ، وحُطامِ الدُّنيا الفانيةِ العاجِلةِ، وأعْرَضوا عن الإقامةِ في جِوارِ الرَّسولِ -[-، ولذلك كُرِّرَ «قَوماً»، ووُصِفَ في كلِّ قَرينةٍ بـ«يُبِسُّون»، استِحقاراً لتلك الهَيئةِ القَبيحةِ. - ثمَّ أخبَر - صلى الله عليه وسلم - عن فتْحِ الشَّامِ، وتَضُمُّ حاليًّا الأُردنَّ، وفِلسطينَ، وسُوريَّةَ، ولُبْنانَ، فذكر فيهم مثلَ ما سبق في اليمن. - ثمّ أخبر عن فتْحِ العِراقِ أيضًا، وأنَّ النَّاسَ يَزحَفون إليهما طَلَباً للرَّخاءِ، على نحْوِ ما ذَكَرَ في اليمَنِ، لكنَّ المدينةَ خَيرٌ لهم، لو كانوا يعلمون. وهذا كلّه: هو فيمَن خَرَجَ راغباً عن سُكنى المَدينةِ، وتحوّل لغيرها منَ البلاد لأجل طلب الدّنيا ومتاعها، أمَّا مَن خَرَجَ من المدينة لحاجةٍ؛ كجِهادٍ أو تِجارةٍ أو زيارة أو دعوة إلى الله، وتعليم العِلم للناس، فليس داخلًا في معْنى الحديثِ. فوائد الحديث


فضْلُ المَدينةِ النَّبويةِ، والسُّكنى فيها، على البلاد المذكورة، وهو إجماع العلماء.
وفيه: دَليلٌ على أنَّ بَعضَ البِقاعِ في الأرْض أفضَلُ مِن بَعضٍ.
وفيه معجزةٌ ظَاهرةٌ للمصطفى - صلى الله عليه وسلم -، لإخْباره بفتح هذه الأقاليم، وأنّ الناس سيتحولون إليها بأهليهم وما يَمْلكون، ويُفارقون المدينة النبوية، ولو لازموها وبقُوا فيها، لكانَ خيراً، وقد كان ذلك كلّه على التّرتيب المذكور.
وأمّا رواية: تقديم فتح الشّام على اليمن، فمعناها: أنّ اسْتيفاء فتح اليمن، إنّما كان بعد الشام.
النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَعلَمُ الغيبَ، ولكن قد يُطلِعُه اللهُ على بَعضِ الغَيبِ، ومنها التي أخبَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بها هاهنا، ووَقَعَت كما أخبَرَ - صلى الله عليه وسلم -، فكانت دَليلًا وعَلَماً مِنْ أعلام نُبوَّتِه - صلى الله عليه وسلم -.




اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-15-2026, 05:11 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في المَدينة حِينَ يَتْركها أهلُها




يترك الناس المدينة في آخِرِ الزَّمانِ فتُصبِحُ خاليةً مِن البَشَرِ إلَّا أنَّها على خَيرِ حالٍ مِن النَّماءِ وكَثرةِ الزُّروعِ
الفَرقُ بيْن العَلاماتِ الصُّغرَى والكُبرَى أنَّ الكُبرى تكونُ أقرَبَ لقيامِ السَّاعةِ وعَدَدُها قليلٌ ومُتتاليةٌ ولم يَقَعْ شَيءٌ منها حتَّى الآن

عن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العَوَافِي- يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ- ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشاً، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ؛ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1009) باب: في المدينة حينَ يَتركها أهلُها، ورواه البخاري في كتاب فضائل المدينة (1775) باب: مَنْ رَغِبَ عن المدينة.


قوله: «تَتْركُون المَدِينة» كذا للأكثر بتاء الخِطاب، والمُراد بذلك غير المُخاطبين مِنَ الصحابة، لكنّهم مِنْ أهل البلد، أو مِنْ نَسْل المخاطبين أو من نوعهم، وروي «يتركون» بتحتانية، ورجّحه القرطبي.

قوله: «على خير ما كانت»، أي: على أحْسن حالٍ كانت عليه مِنْ قبل، قال القرطبي تبعا لعياض: قد وُجد ذلك، حيثُ صارت مَعْدن الخِلافة، ومَقْصد الناس وملجأهم، وحُملتْ إليها خيرات الأرض، وصارت مِنْ أعْمر البلاد، فلمّا انتقلت الخلافة عنها إلى الشّام ثم إلى العراق، وتغلّبت عليها الأعْراب، تَعاوَرتها الفِتَن، وخلتْ مِنْ أهلها فقصدتها عَوَافي الطّير والسّبَاع. قوله: «لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي»
«والعَوَافي» جمع عافية، وهي التي تطلبُ أقْواتها، ويقال للذّكر: عاف، قال ابن الجوزي: اجتمعَ في العوافي شيئان: أحدهما أنّها طالبةٌ لأقواتها، مِنْ قولك: عفوتُ فُلاناً أعْفوه، فأنا عاف، والجمع عُفاة، أي: أتيتُ أطلبُ معروفه، والثاني: من العَفاء، وهو المَوضع الخالي الذي لا أنيسَ به، فإنّ الطّير والوَحْش تقصده لأمْنِها على نفسها فيه. وقال النووي: المختار أنّ هذا التّرك يكون في آخِر الزمان، عند قيام السّاعة، ويُؤيّده قصة الراعيين، فقد وقع عند مسلم بلفظ: «ثُمّ يُحْشَر رَاعيان» وفي البخاري «أنّهما آخرُ مَنْ يُحْشَر». قال الحافظ: قلت: ويؤيده ما روى مالك، عن ابن حماس بمهملتين وتخفيف، عن عمه عن أبي هريرة رفعه: «لتَتركنّ المَدينة على أحْسَن ما كانَت، حتّى يَدْخلَ الذّئبُ فيَعْوي على بعضِ سَوارِي المَسْجد، أو على المِنْبر» قالوا: فلمَنْ تكونُ ثِمَارها؟ قال: «للعَوافي الطّير والسّبَاع» أخرجه معن بن عيسى في «الموطأ» عن مالك. قال: ويشهدُ له أيضا ما روى أحمد والحاكم وغيرهما: مِنْ حديث محجن بن الأدرع الأسلمي قال: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجة، ثمّ لَقِيني وأنا خارجٌ مِنْ بعض طُرُق المدينة، فأخَذَ بيدي حتّى أتينا أُحُداً، ثُمّ أقبلَ على المدينة، فقال: «ويلٌ أمّها قرية، يوم يدَعُها أهلُها كأينع ما يكون» قلت: يا رسُول الله، مَنْ يأكل ثمارها؟ قال: «عافية الطير والسباع». وروى عمر بن شبّة بإسنادٍ صحيح: عن عوف بن مالك قال: دَخَلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد، ثُمّ نَظَر إلينا فقال: «أما والله ليَدَعنها أهلُها مُذلّلة أربعينَ عاماً للعَوَافِي، أتدرُون ما العَوافي؟ الطّير والسباع»، قلت: وهذا لم يقع قطعا، وقال المهلب: في هذا الحديث أنّ المدينة تسكن إلى يوم القيامة، وإنْ خلت في بعض الأوقات لقصد الراعيين بغنمهما إلى المدينة. قوله: «وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مزينة»
مِن مُزَينةَ وهي قَبيلةٌ مِن مُضَرَ، مِن قَبائلِ العرَبِ، وهذا يحتمل أنْ يكون حديثا آخر مُسْتقلاً، لا تَعلّق له بالذي قبله، ويَحتمل أنْ يكون مِنْ تتمة الحديث الذي قبله، وعلى هذين الاحتمالين يترتّب الاختلاف الذي حكيته عن القرطبي والنووي، والثاني أظهر كما قال النووي. قوله: «يَنْعقان» بكسر المُهملة بعدها قاف، النَّعِيق: زَجْر الغَنَم، يقال: نَعق ينعق بكسر العين وفتحها، نِعيقاً ونعاقاً ونعقاناً، إذا صَاح بالغَنَم، وأغرب الداودي فقال: معناه يطلب الكلأ، وكأنّه فسّره بالمقصود مِنَ الزّجر؛ لأنّه يَزْجرها عن المَرْعى الوبيل، إلى المرعى الوسيم. قوله: «فيَجِدَانها وُحُوشاً» أي: يجدانها ذاتَ وَحْش، أو يجدان أهْلَها قد صَارُوا وُحوشاً، وهذا على أنّ الرواية بفتح الواو أي: يجدانها خالية، وفي رواية مسلم: فيجدانها وَحْشاً، أي: خالية ليس بها أحد، والوحش مِنَ الأرض الخَلاء، أو كثرة الوَحْش لمّا خَلَت مِنْ سُكانها. قال النووي: الصّحيح أنّ معناه: يَجدانها ذات وُحوش، قال: وقد يكون وَحْشاً بمعنى وُحُوش، وأصل الوحش: كلّ شَيءٍ تَوحشّ مِنَ الحَيَوان، وجمعه وُحُوش، وقد يعبر بواحده عن جمعه. قال النووي: الصّواب الأول، وقال القرطبي: القُدْرة صالحة لذلك. ويؤيده أنّ في بقية الحديث: «أنّهما يَخرّان على وجوههما، إذا وصلا إلى ثنيّة الوداع». وذلك قبل دخولهما المدينة بلا شك، فيدلّ على أنّهما وَجَدا التّوحّش المذكور قبل دخول المدينة، فيُقوي أنّ الضّمير يَعودُ على غنمهما، وكأنّ ذلك مِنْ عَلاماتِ قِيام السّاعة. وثنِيَّةُ الوَداعِ: هي الَّتي مِن جِهةِ تَبوكَ في طَريقِ الذَّاهبِ مِنَ المدينةِ إلى الشَّامِ، وسُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّهم كانوا يُشيِّعونَ الحاجَّ والغُزاةَ إليها ويُودِّعونهم عندَها، وهي اليومَ في قلْبِ عُمْرانِ المُدينةِ. قوله: «وآخِرُ مَنْ يَحشر»
في رواية مسلم: «ثُمّ يَخْرُجُ راعيان مِنْ مُزينة، يُريدان المدينة» لمْ يذكر في الحديث: حشرهما، وإنّما ذكر مقدمته؛ لأنّ الحَشْر إنّما يقع بعد الموت، فذكر سبب موتهما والحشر يعقبه. وقولُه: «آخِرُ مَن يُحشَرُ» أي: آخِرُ مَن يَموتُ؛ وذلك أنَّه لا حَشْرَ إلَّا بعْدَ الموتِ، ويَحتمِلُ أنْ يَتأخَّرَ حَشْرُهما لتَأخُّرِ مَوتِهما، ويَحتمِلُ آخِرُ مَن يُحشَرُ إلى المدينةِ، أي: يُساقُ إليها. قوله: «حتَّى إذا بَلَغا ثَنيَّةَ الوَداعِ» أي: على مَدخلِ المدينةِ؛ سَقَطَا على وُجوهِهما ميِّتَينِ قد قُبِضَا. وقوله: «خَرّا على وُجُوههما» أي: سَقَطا مَيّتين، أو المُراد بقوله: خَرّا على وجوههما، أي: سقطا بمَنْ أسْقطهما، وهو المَلَك كما تقدم في رواية عمر بن شبة. وفي رواية للعقيلي: «أنهما كانا ينزلان بجبل ورقان» وله من حديث حذيفة بن أسيد: أنهما يفقدان الناس فيقولان: ننطلق إلى بني فلان، فيأتيانهم فلا يجدان أحداً، فيقولان: ننطلق إلى المدينة، فينطلقان فلا يجدان بها أحداً، فينطلقان إلى البقيع فلا يريان إلا السباع والثعالب. وهذا يُوضّح أحد الاحتمالات المتقدمة، وقد روى ابن حبان: عن أبي هريرة رفعه: «آخر قرية في الإسلام خراباً المدينة» وهو يناسب كون آخر مَنْ يحشر يكون منها. تنبيه: أنكرَ ابنُ عمر على أبي هريرة تعبيره في هذا الحديث بقوله: «خير ما كانت» وقال:» إنّ الصّواب أعْمَرَ ما كانت»، أخرج ذلك عمر بن شبة في «أخبار المدينة» من طريق مساحق بن عمرو: أنّه كان جالساً عند ابن عمر، فجاء أبو هريرة فقال له: لم ترد على حديثي؟ فوالله لقد كنتُ أنا وأنتَ في بيتٍ حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَخرجُ منْها أهلُها خَير ما كانت». فقال ابن عمر: أجل، ولكنْ لمْ يقلْ: «خير ما كانت»، إنما قال: «أعمر ما كانت»، ولو قال: «خير ما كانت» لكان ذلك وهو حيٌّ وأصحابه، فقال أبو هريرة: صدقت والذي نفسي بيده». فوائد الحديث


يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ببَعضِ ما يكونُ في آخِرِ الزَّمانِ؛ وهو أنَّ النَّاسَ يَترُكونَ المدينةَ، فتُصبِحُ خاليةً مِن البَشَرِ، إلَّا أنَّها على خَيرِ حالٍ مِن النَّماءِ، وكَثرةِ الزُّروعِ والثِّمارِ، ولخُلوِّها مِن البَشرِ تقَصدها عَوافي السِّباعِ والطَّير.
للسَّاعةِ عَلاماتٌ لنْ تَقومَ القِيامةُ إلَّا بَعدَ وُقوعِها؛ منها علاماتٌ صُغرَى، ومنها عَلاماتٌ كُبرَى، والفَرقُ بيْن العَلاماتِ الصُّغرَى والكُبرَى: أنَّ الكُبرى تكونُ أقرَبَ لقيامِ السَّاعةِ، وعَدَدُها قليلٌ، ومُتتاليةٌ، ولم يَقَعْ شَيءٌ منها حتَّى الآن، أمَّا الصُّغْرى فهي كثيرةٌ ومُتباعِدةٌ، ووقَعَ كَثيرٌ منها.

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-15-2026, 05:13 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: مَا بَيْنَ القبر وَالمِنْبَرِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ




للروضة فضيلة ظاهرة تقتضي مِنَ المُسلم الحرص على الجلوس والصلاة فيها غير إنّ الأهم من ذلك تقوى الله تعالى
الروضة الشريفة تشْبه روضات الجنات في حصول السعادة والطمأنينة لمَنْ يجلس فيها

عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي، رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». رواه مسلم في الحج (2/1010)، وبوّب عليه النووي بمثل تبويب المنذري. ورواه البخاري في مواضع أولها في: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1196) باب: فضل ما بين القبر والمنبر. وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة، التي جاءت مِنْ طُرقٍ كثيرة.
شرف المكان
في هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن شرَفِ هذه البُقعةِ المبارَكةِ الَّتي تقَعُ بيْن بَيتِه - صلى الله عليه وسلم - ومِنبَرِه الذي في مَسجِدِه، وأنَّها رَوْضةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ. والرَّوضةُ: هي كلُّ أرضٍ ذاتِ نَباتٍ وماءٍ ورَوْنقٍ ونَضارةٍ. أي: هي في نُزولِ الرَّحمةِ وحُصولِ السَّعادةِ، بما يَحصُلُ مِن مُلازَمةِ حِلَقِ الذِّكرِ، والصَّلاةِ في هذا الموضِعِ، لا سيَّما في عَهْدِه - صلى الله عليه وسلم -، روضة من رياض الجنّة، فيكونُ تَشبيهًا بغيرِ أداةٍ. أو المعْنى: أنَّ ذلك الموضعَ بعينِه، هو رَوضةٌ مِن رِياضِ الجنَّةِ حَقيقةً، وهو قِطعةٌ منها، كالحَجَرِ الأسودِ، فتُنقَلُ إليها يومَ القيامةِ. ويُؤيِّدُ هذا المعْنى: قولُه في آخِرِ الحَديثِ: «ومِنبَري على حَوضي» أي: ويقَعُ مِنبَرُه الشَّريفُ، على مَوضعِ حَوضِه المَورودِ الَّذي يُكرِمُه اللهُ به يومَ القِيامةِ، أو أنَّ له هناك مِنبراً سيكون على حَوضِه الذي يَدْعو النَّاسَ إليه. روضة من رياض الجنة
قال النووي -رحمه الله-: «ذكروا في معناه قولين:

أحدهما: أنّ ذلك المَوضع بعينه يُنْقل إلى الجنة.
والثاني: أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنّة.

قال الطبري: في المراد بـ»بيتي» هنا قولان: أحدهما: القبر، قاله زيد بن أسلم كما روي مفسراً: «بين قبري ومنبري». والثاني: المراد: بيت سكناه على ظاهر. وروي: «ما بين حجرتي ومنبري». قال الطبري: والقولان متفقان، لأنّ قبره في حجرته وهي بيته». «شرح مسلم» (9/161-162). وقال ابن عبدالبر رحمه الله: «قال قوم: معناه أنّ البُقعة تُرفع يوم القيامة، فتجعل روضةً في الجنة. وقال آخرون: هذا على المجاز. كأنّهم يعنون أنه لما كان جلوسه وجلوس الناس إليه، يتعلمون القرآن والإيمان والدِّين هناك، شبّه ذلك الموضع بالرّوضة، لكرم ما يجتني فيها، وأضافها إلى الجنّة لأنّها تقود إلى الجنة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «الجنة تحت ظلال السيوف»، يعني: أنّه عملٌ يُوصل به إلى الجنة، وكما يقال: الأم بابٌ من أبواب الجنة. يريدون أنّ بِرّها يُوصل المُسلم إلى الجنة مع أداء فرائضه. وهذا جائز سائغ مستعمل في لسان العرب. والله أعلم بما أراد من ذلك». «التمهيد» (2/287). ثلاثة أوجه للعلماء في معنى الحديث
في معنى هذا الحديث: ذكر العلماء أوجهاً ثلاثة:

الوجه الأول: أن هذا المكان يُشْبه روضات الجنات، في حصول السعادة والطمأنينة لمَنْ يجلس فيه.
الوجه الثاني: أنّ العبادة في هذا المكان، سببٌ لدُخُول الجنة. اختاره ابن حزم في «المحلى» (7/284)، ونقل ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه يختار الصلاة في الروضة.
الوجه الثالث: أنّ البقعة التي بين المِنْبر وبيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ستكون بذاتها في الآخرة روضةً مِنْ رياض الجنة.

https://al-forqan.net/wp-/uploads/2025/12/المدينة-ة-300x191.jpg
ما بين بيتي ومنبري
أما لفظ: «ما بينَ قَبري ومنبري...» فلمْ يخرجه صاحبا الصّحيح، ولكن رواه البزار، وأحمد، والطبراني، ومالك، وأبو نعيم، وابن أبي عاصم في كتاب السنن. وجاء في رواية ابن عساكر لصحيح البخاري، وما زال بعض العلماء- كالإمام النووي- يعزو هذا اللفظ لصحيح البخاري، بل إنّ البخاري نفسه لمّا أخرج الحديث في كتاب «فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة» بَوَّب عليه بقوله: باب فضل ما بين القبر والمنبر. قال الحافظ ابن حجر: «وترجم بذكر القبر، وأورد الحديثين بلفظ البيت؛ لأنّ القبر صار في البيت، وقد ورد في بعض طرقه بلفظ: «القبر»، قال القُرطبي: الرواية الصحيحة «بيتي»، ويروى «قبري»، وكأنّه بالمعنى؛ لأنّه دُفن في بيت سكناه» انتهى. ويقول أيضا -رحمه الله-: «قوله: «ما بين بيتي ومنبري» كذا للأكثر، ووقع في رواية ابن عساكر وحده: «قبري» بدل «بيتي» وهو خطأ، فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا الإسناد بلفظ: «بيتي» وكذلك هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه. فضيلة بيت السيدة عائشة -رضي الله عنها-
نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: «بيتي» أحد بيوته، لا كلّها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وقد ورد الحديث بلفظ: «ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة» أخرجه الطبراني في الأوسط». «فتح الباري» (4/100)، وقال أيضاً: قوله: «ما بين بيتي ومنبري» كذا للأكثر، ووقع في رواية ابن عساكر وحده «قبري» بدل بيتي وهو خطأ... «فتح الباري» (3/70)، نعم قد وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عن البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر. انتهى. وصحّحه الألباني في «ظلال الجنة». ضعف لفظ قبري
غير إن العلماء حكموا على لفظ «قبري» بالضعف، وذلك لسببين اثنين:

الأول: أنّه مخالف لرواية الأكثرين من الرواة، فيغلب على الظن أنّ مَنْ قال «قبري» إنما رواه بالمعنى وليس باللفظ.
الثاني: أنه لو كان هذا اللفظ صحيحاً، لعَرَف به الصحابة مكان دفن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يتنازعوا فيه، أو لكان احتجّ به بعضُهم في ذلك الموقف، ولكن ذلك لمْ يقع، فدل على أنّ لفظ «قبري» خطأ من بعض رواة الحديث.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «والثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «ما بين بيتي ومنبري، روضةٌ من رياض الجنة» هذا هو الثابت في الصحيح، ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال: قبري. وهو - صلى الله عليه وسلم - حين قال هذا القول، لمْ يكنْ قد قُبر بعدُ صلوات اللّه وسلامه عليه، ولهذا لمْ يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في مَوضع دَفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصّاً في محلّ النزاع». «مجموع الفتاوى» (1/236). من فوائد الحَديثِ:
1- تَفضيلُ المَدينةِ، والتَّرغيبُ في المُقامِ بها، والله -سبحانه وتعالى- يَختصّ ما يشاء من الزمان والمكان والأشخاص بالفضائل، وله في ذلك الحِكْمة البالغة التي قد لا نطلع عليها، فضَّلَ اللهُ -تعالى- بَعضَ بِقاعِ الأرضِ على بَعضٍ، ومِن البِقاعِ التي فَضَّلَها اللهُ عزَّ وجلَّ الرَّوضةُ الشَّريفةُ. 2- أنّ لهذا المكان فضيلة ظاهرة، تقتضي مِنَ المُسلم الحرص على الجلوس فيها والصلاة فيها، غير أنّ الأهم هو تقوى الله -تعالى-، فذلك سببُ دُخول الجنة، وليس الجلوس المُجرّد في الرّوضة، أو في أيّ مكانٍ آخر.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-16-2026, 11:30 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: أُحُد جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ


عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى أُحُدٍ، فَقَالَ: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/1011) وبوّب عليه بمثل تبويب المنذري.
مناسبة الحديث:
الحديث قاله النّبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا قَدِمَ من غزوة تبوك، التي كانت في شمال الجزيرة إلى المدينة، حتّى إذا اقتربُوا واطّلَعوا على المَدينة، قال - صلى الله عليه وسلم - مشيراً إلى المدينة، كما في رواية أبي حميد - رضي الله عنه -: «هذه طابة» أي: طيبة، وهي مِنْ أسْمائها التي سمّاها بها النّبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق.

محبة جبل أحد للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه:

ثمّ قال: «وهذا أُحدٌ، وهو جبلٌ يُحبّنا ونُحبّه»، وهو في الصّحيحين، وفي رواية الباب قال: «إِنَّ أُحُداً؛ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» أي: أنّ الله -سبحانه وتعالى- قد جَعلَ في جبل أحُدٍ إدْراكاً وتَمييزا، فهو يحبُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابه حقيقة، كما أخبرَ - صلى الله عليه وسلم -، والجمادات لها أفعالٌ مِنَ الحبّ والبُغض وغيره، وكذلك أقوالٌ وتَسبيحٌ يليق بها، ونحن لا نَعقلها، وعدم عقلنا لها لا يَستلزم إنكارها؛ كما قال -تعالى-: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (الإسراء:44). تسبيح الكائنات والجمادات لله:
يُخبر الله -سبحانه وتعالى-: أنّه تُسَبِّح له سبحانه السّماوات السبع والأرْضون، ومَن فيهن مِن جميع المخلوقات، وكلّ شيء في هذا الوجود ينزّه الله -تعالى-، تنزيهاً مقروناً بالثّناء والحمد له سبحانه، ولكن لا تُدركون أيها الناس ذلك, وفي حديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - قال: إنّي لشاهدٌ عند النّبي - صلى الله عليه وسلم - في حلقةٍ وفي يده حَصَى، فسبّحنَ في يده، وفينا أبوبكرٍ وعُمر وعُثمان وعلي، فسمِعَ تَسبيحهنّ مَنْ في الحَلقة، ...». رواه ابن أبي عاصم والطبراني وغيرهما. بركة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته في الماء والطعام:
عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: «كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفاً؛ كُنَّا مع رَسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فَقَلَّ المَاءُ، فَقالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِن مَاءٍ، فَجَاؤُوا بإنَاءٍ فيه مَاءٌ قَلِيلٌ، فأدْخَلَ يَدَهُ في الإنَاءِ، ثُمَّ قالَ: «حَيَّ علَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، والبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ»؛ فَلقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِن بَيْنِ أصَابِعِ رَسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وهو يُؤْكَلُ». رواه البخاري. تأثر السماوات والجبال من الشرك بالله
قال -تعالى-: {تكادُ السّماواتُ يَتفطّرن منه وتنشقُ الأرضُ وتَخرُّ الجبال هدّاً (90) أنْ دعوا للرحمن ولداً (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} (مريم), فلا مانع أنْ يرزق الله -تعالى- ذاك الجبلَ تمييزاً يُحبُّ به ويُبْغض، فأحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأحبّ أصحابه، وأحبّ المسلمين الموحدين جميعاً؛ لأن قوله: «إن أُحداً جبلٌ يحبّنا ونحبّه» وقوله: «يحبّنا» أي: نحن المسلمين، وقيل: الصحابة، والراجح: أنّ هذا اللفظ «يُحبّنا» عام، يُراد به عُمُوم المُوحّدين، وعُموم المُسلمين. ثبوت جبل أحد بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -:
ومثله: لمّا صَعد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جبل أحُد، هو وأبو بكر وعمر وعثمان، فارْتجفَ الجبل واهتز، قال النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «اثبُت أحُد؛ فإنّما عليك نبيٌّ وصِدّيقٌ وشهيدان»، فثبتَ أحُد، ولمْ يرتجف بعد ذلك. وهذا يدلّ أيضاً: على أنّ الله -تعالى- أعْطى الجبل تمييزاً، فائتمرَ بأمْره - صلى الله عليه وسلم -. إثبات ظاهر الحديث:
قال بعض أهل العلم: المقصود يُحبّنا أهلُ الجبل من الإنس والجن والملائكة؛ لكن هذا تأويلٌ مردود، والأصل إجراء هذا الحديث على ظَاهره، وأن الله -تعالى- يَرزق إذا شاء الجبل الأصم تمييزاً يحبُّ به ويُبغض، كما أنطق الله -عزّ وجل- الجَمادات والأحْجَار والحيوانات والطّيور للنّبي - صلى الله عليه وسلم - ومَنْ قبله مِن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. من فوائد الحديث:
1- فضلُ المدينة النبوية. 2- فضلُ جبل أُحُد، ومحبّته للنبي - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والمسلمين. 3- أنّ الجَمادات لها أفْعالٌ وأقوالٌ تليق بها، لا نعقلها. 4- أنّ هذا الحديث منْ مُعْجزاته الكثيرة - صلى الله عليه وسلم -، فإنّ الله ميّز بعض الجمادات وأعطاها تمييزاً في عهده، فتبكي ويعزّ عليها فِراق النّبي - صلى الله عليه وسلم -، أو تَستجيب.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-16-2026, 11:32 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: لا تشدّ الرِّحَال إِلَّا إِلَى ثَلَا ثَةِ مَسَاجِدَ




فضيلةُ المساجد الثلاثة على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ولأنّ الأول قبلة الناس وإليه حَجُّهم والثاني كان قبلة الأمَم السالفة والثالث أسس على التقوى
مَنْ نَذَر إتيانَ أحَد المساجد الثلاثة لَزِمه ذلك ومَنْ نَذرَ إتيان غير هذه المَساجد لصَلاةٍ أو غيرها لمْ يلزمه غيرها لأنّها لا فَضلَ لبعضها على بعض

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، ومَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ الْأَقْصَى». الحديث رواه مسلم في الحج (2/1014) وبوّب عليه بمثل تبويب المنذري، ورواه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1188) باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.
قوله: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» فيه النَّهيُ عن شَدِّ الرِّحالِ، وهو السَّفرُ، والرِّحالُ: جمْعُ رَحْلٍ، وهو للبَعيرِ كالسَّرجِ للفرَسِ، وكُنِّيَ بشَدِّ الرِّحالِ عن السَّفَرِ؛ لأنَّه لازِمُه، وخرَجَ ذِكرُها مَخرَجَ الغالبِ في رُكوبِ المسافرِ، وإلَّا فلا فرْقَ بيْن رُكوبِ الرَّواحلِ، والخيلِ، والبِغالِ، والحَميرِ، وغيرِها مِن الوسائلِ المعاصِرةِ، كالطائرةِ والسَّيارةِ ونحْوِ ذلك. «إلَّا إلى ثلاثة مَسَاجد»
قوله: «إلَّا إلى ثلاثة مَسَاجد: مَسْجِدِي هَذَا، ومَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ الْأَقْصَى» والمساجِدِ الثَّلاثةِ: المسجدِ الحرامِ بمكة، والمسجدِ النَّبويِّ بالمدينة، والمسجدِ الأقْصى بفلسطين، وسُمِّي بالأقْصى لبُعْدِه عن المَسجدِ الحرامِ في المسافةِ؛ وقولُه: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ» نفْيٌ، والمرادُ منه النَّهيُ، وهو أبلَغُ مِن صَريحِ النَّهيِ، كأنَّه قال: لا يَستقيمُ أنْ يَقصَدَ بالزِّيارةِ إلَّا هذه البِقاعُ؛ لاختِصاصِها بما اختُصَّتْ به. واختِصاصُ هذه الثَّلاثةِ بالأفضليَّةِ؛ لأنَّ الأوَّلَ فيه حَجُّ الناسِ وقِبلتُهم، أحياءً وأمواتًا، وقد بناه نبي الله إبراهيم -عليه السلام-، والمسجد الثاني أُسِّسَ على التَّقوى وبَناهُ خَيرُ البَريَّةِ محمد - صلى الله عليه وسلم -، زادَهُ اللهُ شَرَفاً، والمسجد الثالثُ قِبلةُ الأُمَمِ السالفةِ، وقد بناه نبي الله يعقوبُ -عليه السلام-. قال الحافظ ابن حجر: «في هذا الحديث فضيلةُ هذه المساجد ومزيتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء، ولأنّ الأول قبلة الناس وإليه حَجُّهم، والثاني كان قبلة الأمَم السالفة، والثالث أسس على التقوى». شدّ الرّحال إلى غيرها
واختلف في شدّ الرّحال إلى غيرها مِنَ المَساجد: وكالذّهاب إلى زيارة الصّالحين أحياءً وأمْواتاً، وإلى المواضع الفاضلة لقصدِ التّبرّك بها، والصلاة فيها، فقال الشيخ أبو محمد الجويني: يَحرمُ شدّ الرّحال إلى غيرها، عملاً بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة. ويدلّ عليه ما رواه أصحاب السنن: من إنكار بُصْرة الغِفاري على أبي هريرة -رضي الله عنهما- خُرُوجه إلى الطُّور، وقال له: لو أدركتك قبل أنْ تخرج؛ ما خرجت. واستدلّ بهذا الحديث، فدلّ على أنّه يَرَى حمل الحديث على عُمُومه، ووافقه أبو هريرة - رضي الله عنه -., قيل: إنّه لا يَحْرُم، قاله إمامُ الحرمين وغيره مِنَ الشافعية، وأجابوا عن الحديث بأجوبةٍ منها: (1) أنّ المراد مِنَ الحديث: أنّ الفضيلة التامة؛ إنّما هي لمَنْ شَدّ الرّحال إلى هذه المساجد، بخلاف غيرها، فإنه جائز، وقد وقع في رواية لأحمد بلفظ: «لا ينبغي للمُطِيّ أن تعمل...». وهو لفظ ظاهر في غير التّحريم. (2) ومنها: أن النّهيَ مَخْصُوص بمن نذر على نفسه الصّلاة في مسجدٍ مِنَ سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجبُ عليه الوفاء به، قاله ابن بطال، وقال الخطابي: اللفظ لفظ الخبر، ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان، مِنَ الصلاة في البقاع التي يُتبرّك بها. أي: لا يلزمُ الوفاء بشيءٍ مِنْ ذلك؛ غير هذه المساجد الثلاثة. (3) ومنها: أنّ المُراد حُكم المساجد فقط، وأنّه لا تُشدُّ الرّحال إلى مسجدٍ مِنَ المَسَاجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأمّا قصدُ غير المَسَاجد؛ لزيارة صالحٍ، أو قريبٍ، أو صَاحب، أو عالمٍ، أو طَلب علمٍ، أو تجارةٍ، أو نُزْهة، فلا يدخلُ في النّهي. (4) ومنها: أنّ المُراد: قَصَدها بالاعْتكاف، فيما حكاه الخطابي عن بعض السّلف أنّه قال: لا يُعتكفُ في غيرها، وهو أخصّ مِنَ الذي قبله، ولمْ أرَ عليه دليلاً. نذر الإتيان إلى هذه المساجد
واستدلّ به: على أنّ مَنْ نَذَر إتيانَ أحَد هذه المساجد؛ لَزِمه ذلك، وبه قال مالك وأحمد والشافعي والبويطي، واختاره أبو إسحاق المروزي. واستدل به أيضّا: على أنّ مَنْ نَذرَ إتيان غير هذه المَساجد الثلاثة؛ لصَلاةٍ أو غيرها، لمْ يلزمه غيرها، لأنّها لا فَضلَ لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أيّ مَسجدٍ كان. انتهى من كلام الحافظ باختصار(3/64 فما بعدها). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «لا يَجبُ بالنّذْر السّفرُ إلى غير المساجد الثلاثة، لأنّه ليس بطاعة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُشدُّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، فمنع مِنَ السّفر إلى مَسجدٍ غير المَساجد الثلاثة، فغير المساجد أولى بالمنع؛ لأنّ العبادة في المساجد أفضل منْها في غير المساجد، وغير البيوت بلا ريب، ولأنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: «أحبُّ البقاع إلى الله المساجد». مع أنّ قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» يتناول المَنْع مِنَ السّفر إلى كلّ بقعة مقصودة، بخلاف السّفر للتّجارة وطلب العلم ونحو ذلك، فإنّ السفر لطلب تلك الحاجة حيثُ كانت، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله، فإنه هو المقصود حيثُ كان. السّفر إلى المشاهد
وقد ذكر بعض المتأخرين مِنَ العُلماء: أنّه لا بأسَ بالسّفر إلى المشاهد؟! واحتجُّوا: «بأنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي قُبَاء كلّ سَبتٍ راكبًا وماشيًا». أخرجاه في الصحيحين. قال: ولا حُجّة لهم فيه؛ لأنّ قُباء ليست مَشْهدًا؛ بل مسجد، وهي مَنْهيٌ عن السفر إليها باتفاق الأئمّة، لأنّ ذلك ليس بسفرٍ مَشرُوع، بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله؛ لم يجز، ولكنْ لو سافر إلى المسجد النبوي، ثُمّ ذَهبَ منه إلى قباء؛ فهذا يُستحبّ، كما تستحب زيارة قبور أهل البقيع، وشهداء أحد. «مجموع الفتاوى» (27/21). وقال في الفتاوى أيضًا: «وشَدُّ الرّحل إلى مسجده مشروعٌ باتفاق المسلمين، كما في الصحيحين عنه أنّه قال: «لا تُشد الرّحَال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». وفي الصحيحين عنه: أنه قال: «صَلاةٌ في مَسْجدي هذا خيرٌ مِنْ ألفِ صَلاةٍ فيما سواه مِنَ المَساجد؛ إلا المسجد الحرام»، فإذا أتى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنّه يُسلّم عليه، وعلى صاحبيه، كما كان الصّحابة يفعلون، وأمّا إذا كان قصْدُه بالسّفر: زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - دُون الصلاة في مسجده فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن هذا غير مشروع ولا مأمور به لقول النبي: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى.» انتهى. الفتاوى (27/26). السفر إلى بلد آخر لصلاة الجمعة
وسئل الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى-: هل يجوز أنْ يذهب الفرد منْ بَلدٍ إلى بلدٍ؛ ليصلي صلاة الجمعة في مسجدٍ يقال له: مسجد الشيخ فلان؟ فأجاب: إذا كان السّفرُ مِنْ أجْل أنّه يُقال: مسجدُ فلان؛ لا، لا يُشدُّ الرّحل مِنْ أجل المسجد الفلاني، ولا مِنْ أجل أنّه يُنْسبُ إلى الشيخ فلان، العُمدة على إمامه الحاضر، إذا كان إمامه طيّبًا، والصّلاة خلفه جيدة؛ لأجل خُشُوعه، وحُسْن تلاوته، هذا إذا قصده الإنسان يصلي خلفه، مِنْ أجل حُسن تلاوته، ومِنْ أجل إقامته للصّلاة، وخُشُوعه فيها، هذا حسن. شدُّ الرّحل لأجْلِ فَضلِ المَسجد
أمّا شدُّ الرّحل لأجْلِ فَضلِ المَسجد، أنّه مَنسوبٌ إلى فلان؟ هذا لا يجوز؛ لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُشدُّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مَسَاجد: المسجد الحَرَام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام يعني: مكة مسجد مكة، ومسجدي هذا مسجد المدينة والمسجد الأقصى مسجد القدس. أمّا المساجد الأخرى: فلا يَشدّ الرّحل لها، ولو كان صاحبُها مَعروفاً بالخير، وتنسب إلى شيخ معروف بالخير، أمّا إذا شدّ الرّحل للتّعلّم، أو للصّلاة خَلفه، لا مِنْ أجل المسجد، بل للصلاة خَلْفه، والإقامة عنده هناك؛ ليَتعلّمَ عليه، وليَستفيدَ منه؛ لا بأس، هذا مِنْ أجلِ طلبِ العِلم». «الفتاوى».


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-17-2026, 04:57 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: فَضْلُ الصّلاةِ بمَسْجِدي الحَرَمَين الشّريفين




حمل بعض المتأخرين القول بمضاعفة السيئات على الكيفية لا الكمية إذْ ليس مَنْ عَصَى الملك على بساط ملكه كمَنْ عَصاه في طرف من أطراف بلده
روى البزار أن رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة وذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كالحسنات
مضاعفة الحسنات لا تختص بالصلاة بل تعمّ سائر الطاعات وبه صرّح الحسن البصري فقال: صوم يوم بمكة بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف وكل حسنة بمائة ألف

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا؛ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ المَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1012) باب: فضلُ الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، وأخْرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1190). في هذا الحديث ذَكَر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَضْلَ الصَّلاةِ في مَسجدِه الشريف، وأنَّها أفضلُ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِواه مِن المساجدِ إلَّا المسجِدَ الحرامَ، والمعنى: أنَّ صلاةً في مسجدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ ثواباً مِنْ ثوابِ ألفِ صَلاةٍ فيما سِواه مِن المساجدِ، إلَّا المسجِدَ الحرامَ؛ فإنَّ الصَّلاةَ في المسجدِ الحرامِ أفضَلُ مِن الصَّلاةِ في مسجدِه - صلى الله عليه وسلم -.
سبب تفضيل الصلاة في المسجدين
وقد علَّل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا التَّفضيلَ، كما في حديث عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا خاتمُ الأنبياءِ، ومسجدي خاتمُ مساجدِ الأنبياءِ، أحقُّ المساجدِ أن يُزارَ وتُشدَّ إليه الرَّواحِلُ: المسجدُ الحرامُ، ومسجدي، وصلاةٌ في مسجدي؛ أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه من المساجدِ إلَّا المسجدَ الحرامَ». أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (1193) وقال الألباني في «الترغيب والترهيب» (2/204): إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما. فإنِّي آخِرُ الأنبياءِ


فقولِه: «فإنِّي آخِرُ الأنبياءِ»، كما قال اللهُ -تعالى-: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب: 40)، وقوله: «ومَسْجدي آخِرُ المساجِدِ» أي: آخِرُ المساجدِ للأنبياءِ، لا أنَّ مَسجِدَ المدينةِ آخِرُ مسجدٍ بُني في هذه الدُّنيا، وقيل: أيْ: آخِرُ المساجدِ الثَّلاثةِ المشهودِ لها بالفَضلِ، أو أنَّه يَبقى آخِرَ المساجدِ، ويتَأخَّرُ عن المساجدِ الأُخَرِ في الفَناءِ، والمعنى: أنَّه -تعالى- كما شرَّف آخِرَ الأنبياءِ، شرَّف كذلك مَسجِدَه الَّذي هو آخِرُ المساجدِ، بأنْ جعَل الصَّلاةَ فيه كألْفِ صلاةٍ فيما سِواه، إلَّا المسجِدَ الحرامَ.

وقال النووي: «قوله: «صلاة في مسجدي هذا» ينبغي أنْ يَحرصَ المُصلّي على الصلاة في المَوضِع الذي كان في زَمانه - صلى الله عليه وسلم -؛ دُون ما زِيدَ فيه بعده؟ لأنّ التضعيف إنّما ورد في مسجده، وقد أكده بقوله «هذا». بخلاف مسجد مكة؛ فإنّه يشمل جميع مكة، بل صَحّ أنّه يَعمُّ جميعَ الحَرَم». كذا ذكره الحافظ في الفتح وسكت عنه. خلاصة ما ذكره ابن حجر
قال القاري في «المرقاة»: قد وافق النووي السُّبكي وغيره، واعترضه ابن تيمية وأطالَ فيه، والمُحبّ الطبري وأورداً آثاراً استدلا بها وبأنّه سَلّم في مَسجد مكة، أنّ المُضَاعفة لا تختصّ بما كانَ مَوجُوداً في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، وبأنّ الإشارة في الحديث إنّما هي لإخْراج غيره مِنَ المَسَاجد المنسوبة إليه صلى الله عليه وسلم ، وبأنّ الإمام مالكاً سُئل عن ذلك؟ فأجابَ بعدَم الخُصُوصية، وقال: لأنّه عليه السّلام أخبر بما يكونُ بعده، وزُويت له الأرْض، فعَلمَ بما يَحدثُ بعده، ولولا هذا ما استجاز الخُلفاء الراشدون أنْ يَستزيدوا فيه بحَضْرة الصّحابة، ولمْ ينكر ذلك عليهم، وبما في تاريخ المدينة: عن عُمر - رضي الله عنه -: أنّه لمّا فَرَغَ من الزيادة قال: لو انتهى إلى الجبانة- وفي رواية: إلى ذي الحليفة- لكانَ الكلُّ مَسجدَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في (الجَوهر المنظم) في زيارة القبر المكرم. انتهى ما في المرقاة. خيرٌ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فيما سِوَاه


قوله: «خيرٌ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فيما سِوَاه» أي: مِنَ المساجد، «إلا المَسْجد الحرام» قيل: الاستثناء يحتمل أنّ الصلاة في مسجده؛ لا تفضلُ الصّلاة في المسجد الحرام بألفِ، بل بدونها، ويحتمل أنّ الصلاة في المسجد الحرام أفضل، قيل: ويحتمل المساواة أيضا.

قال الحافظ ابن حجر: وفَهِمَ منه المالكية أفضليةَ المَدينة على مكة، قالوا: ومعناه إلا المسجد الحرام، فإنّ الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد مكة بدون الألف، وهو غفلة عن بقية الأحاديث المُبْطلة لما فهموه، بل معناه: إلا المسجد الحرام؛ فإنّ الصلاة فيه تفضل الصلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأضعاف مضاعفة، كما صرّح به في خبر أحمد، والبزار، وصحيح ابن حبان: من حديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاةٌ في مسجدي هذا، أفضلُ مِنْ ألف صلاة في غيرِه مِنَ المَسَاجد؛ إلا المَسْجد الحَرَام، وصلاةٌ في المَسْجد الحرام؛ أفْضلُ من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألفِ صلاة». وإسناده على شرط الشيخين. https://al-forqan.net/wp-/uploads/2025/12/الكعبة-91-300x191.jpg
أفضل من ألف صلاة
ومنها: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صَلاةٌ في مَسْجدي هذا؛ أفْضلُ مِنْ ألفِ صَلاة فيما سِواه؛ إلا المَسْجدَ الحَرَام». أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة، ومنها: حديث أبي ذر - رضي الله عنه -: أنّه سأل رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في بيتِ المَقْدس أفضل؛ أو في مَسْجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةٌ في مَسْجدي هذا؛ أفْضلُ مِنْ أرْبعِ صَلَواتٍ فيه، ولَنِعْمَ المُصَلّى هو، أرْض المَحْشر والمَنْشر، وليَأتينّ على الناسِ زَمانٌ ولَقيدُ سَوطٍ- أو قال: قوس الرجل-؛ حيثُ يرى منه بيتَ المقدس؛ خَيرٌ له، أو أحَبُّ إليه مِنَ الدُّنيا جَميعاً». قال المنذري: رواه البيهقي بإسناد لا بأس به. وقال ابن عبد البر وابن حزم: «فهذان صحابيان جليلان يقولان بفضل المسجد الحرام على مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم -، ولا مُخالفَ لهما من الصّحابة، فصار كالإجماع منهم في ذلك». اهـ. فتبلغ صلاةٌ واحدة في المسجد الحرام؛ عُمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة خمس صلوات فيه تبلغ مائتي سنة، وسبعاً وسبعين سنة، وسبعة أشهر، وعشر ليال. وتلخّص مِنْ هذا: أنّ صلاةً واحدة في المسجد الحرام جماعة، يفضل ثوابها على ثواب مَنْ صلى في بلده فرادى، حتى بلغ عُمر نوح بنحو الضعف. مَحلّ هذه المضاعفة
قال في المرقاة: واختلفوا في مَحلّ هذه المضاعفة على أربعة أقوال:

الأول: أنّه الحَرَم
والثاني: أنّه مسجد الجماعة وهو ظاهر من كلام أصحابنا، واختاره بعض الشافعية؛ لأنّ أصحابنا قالوا: التفضيل مختص بالفرائض دون النوافل فإنها في البيوت أفضل، فجعلوا حُكم البيت غير حكم المسجد. قال العسقلاني: ويمكن إبقاء حديث: «أفضل صلاة المرء»، على عُمُومه، فتكون النافلة في بيت مكة أو المدينة، تضاعف على الصلاة في البيت بغيرهما، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقاً.
والثالث: أنّه مكة؛ واختاره بعضهم لخبر ابن ماجة: «صلاة بمكة بمائة ألف». والرابع: أنه الكعبة، وهو أبعدها.

المضاعفة لا تختص بالفرض فقط
قال ابن حجر: ثمّ المضاعفة لا تختص بالفرض، بل تعمّ النّفلَ، أي: تعم النفل أيضاً، خلافاً لبعض الحنفية والمالكية وغيرهم، وإنْ كان دُون الفرض لزيادته عليه بسبعين درجة، ولا يُنافي عُموم التضعيف للنفل كونه في البيت أفضل حتى في الكعبة للخبر الصحيح: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»؛ وذلك لأنّ في فضيلة الاتباع ما يربو على المضاعفة، ومِنْ ثم قال السبكي: صلاة الظهر بمنى يوم النّحر؛ أفضل منها بمكة بالمسجد الحرام، وإنْ جعلنا المضاعفة مختصةً به، لمَا تقرّر أنّ في فضيلة الاتباع؛ ما يربو على فضيلة العمل. والمضاعفة غير مختصة بزمنه - صلى الله عليه وسلم - على المختار، ثم المراد بالتضعيف السابق إنما هو في الأجر دون الإجزاء باتفاق العلماء؛ فالصلاة في أحد المساجد الثلاثة لا تجزئ عن أكثر من واحدة إجماعاً، وما اشتهر على ألسنة العوام أنّ مَنْ صلّى داخل الكعبة أربع ركعات تكون قضاء الدهر باطل لا أصل له. المُضاعفة لا تختص بالصلاة فقط
وقيل: إنّ المُضاعفة لا تختص بالصلاة؛ بل تعمّ سائر الطاعات، وبه صرّح الحسن البصري فقال: صوم يوم بمكة بمائة ألف، وصدقة درهم بمائة ألف، وكل حسنة بمائة ألف، وورد فيه حديث بسند حسن خلافا لمن ضعف: إن حسنات الحرم كل حسنة بمائة ألف حسنة. وروى ابن ماجه خبر: من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه وقام فيه ما تيسر كتب له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه، وكتب له بكل يوم وليلة عتق رقبة، وفي كل يوم حمل فرسين في سبيل الله. وروى البزار خبر: رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة، وذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كالحسنات منهم: ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، وأحمد بن حنبل وغيرهم لتعظيم البلد، ثم قيل: تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم، وقيل: بل كخارجه، وأخذ الجمهور بالعُمُومات، كقوله -تعالى-: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. مضاعفة الكيفية لا الكمية
وحمل بعض المتأخرين القول بالمضاعفة: على أن المراد بها مضاعفة الكيفية، لا الكمية؛ فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئات متفاوتة؛ إذْ ليس مَنْ عَصَى الملك على بساط ملكه، كمَنْ عَصاه في طرف من أطراف بلده، قيل: يرجع النزاع في ذلك الحمل أيضا؛ إذ أي فرق بين سيئة معظمة تقدر بمائة ألف سيئة وهي واحدة، وبين سيئة بمائة ألف سيئة عددا، وأجيب بأنه ورد: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف. تعظيم الحرم
وممّا يدل على تعظيم الحرم: المقتضي لتعظيم السيئة: قوله -تعالى-: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} الحج. فقد أخذ منه جماعة كابن مسعود أن من خصوصياته أنه يعاقب على الهم فيه بالسيئة وإنْ لمْ يفعلها، وخبر: «اللهم اجعلْ بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة». يدل على الفضيلة لا الأفضلية، وقد صح في فضيلة مكة أحاديث أيضا منها خبر: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله»، وخبر: «ما أطيبك وأحبك إلي! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». ومنها: خبر أنه -عليه السلام- قال لهم في حجة الوداع: «أي بلدٍ تعلمونه أعظم حُرْمة؟» قالوا: لا، إلا بلدنا الحديث، وفي رواية: أن ابن عمر وجابرا يشهدان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل الناس: «أي بلد أعظم حرمة؟» فأجابوا بأنه مكة. وهذا إجماع من الصحابة أنها أفضل البلاد، وأقرهم - صلى الله عليه وسلم -. فوائد الحديث


فَضَّل اللهُ -سبحانه وتعالى- بَعضَ الأماكِنِ وبَعضَ الأزمِنَةِ في الأجرِ والثَّوابِ، وقد أخبَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأماكنِ كما في هذا الحديثِ.
بيانُ فَضلِ المسجدِ النَّبويِّ والصَّلاةِ فيه.
فضل المسجد الحرام.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابو الوليد المسلم
05-17-2026, 05:01 PM
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: بيانُ المَسْجدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى




كان عبداللهِ بن عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما يَزورُ مَسْجدَ قُباءٍ كلَّ سَبتٍ ماشياً أحياناً وراكباً أحياناً أُخرى لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَزورُه كلَّ سَبْتٍ ماشياً أحياناً وراكباً أحياناً أُخرَى
عُرِفَ عن الصّحابي الجليل عبداللهِ بن عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما مُتابعتِه لِلنبيِّ صلى الله عليه وسلم وتَحرِّيه لهَدْيهِ في أدَقِّ أفْعالِه

عن أَبي سَلَمَةَ بْنَ عبدالرَّحْمَنِ قَالَ: مَرَّ بِي عبدالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَال: قَالَ أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ، قَالَ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/1015) باب: بيانُ المَسْجدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ أبو سَلَمةَ بنُ عبدالرَّحمنِ وهو ابنِ عَوفٍ أنَّه مرَّ به عبدالرَّحمنِ بنُ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، فسأَلَه: كيفَ سَمِعتَ أباكَ أبا سَعيدٍ الخُدْريَّ - رضي الله عنه -، يَقول في بَيانِ المرادِ بالمَسجدِ الَّذي أُسِّسَ على التَّقْوى، الَّذي وَصَفَه اللهُ -تعالى- في قَولِه -سبحانه-: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} (التوبة: 108؟) أسّسَ على التّقْوى


ويعني بقوله: (أسّسَ على التّقْوى) أي: ابتدُئ أساسُه وأصْله؛ على تقوى الله وطاعته (من أوّل يوم)، أي: مِنْ أوّلِ يومٍ ابتدئ في بنائه (أحقُّ أنْ تقوم فيه)، يقول -سبحانه-: أوْلى أنْ تقومَ فيه مُصَلِّيًا، قال الطبري: القول في تأويل قوله: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} (التوبة: 108) قال أبو جعفر: يقول -تعالى ذكره- لنبيّه مُحمّد - صلى الله عليه وسلم -: لا تَقُمْ يا مُحمّد، في المَسْجدِ الذي بَنَاه هؤُلاء المُنَافقون، ضِرَاراً وتَفريقاً بين المُؤْمنين، وإرْصاداً لمن حارب الله ورسوله. ثُمّ أقسم -جل ثناؤه- فقال: «لمَسْجدٌ أسِّس على التّقْوى مِنْ أوّلِ يَومٍ أحَقّ أنْ تَقومَ»، أنتَ «فيه». انتهى.

فأخْبَرَه أنَّ أباه أبا سَعيدٍ الخُدريَّ - رضي الله عنه -، دخَلَ على رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهوَ في بَيتِ بعضِ نِسائِه، وسأَلَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّ المَسجدَينِ الَّذي أُسِّسَ على التَّقْوى؟» وَالمقصودُ بالمَسجدَينِ: مَسجِدُ قُباءَ، ومَسجدُ المَدينةِ الَّذي بَناه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فأخَذَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَفًّا مِنْ حصباء


قوله: «فأخَذَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَفًّا مِنْ حصباء» والحصباء بالمد: الحصى الصغار. «فضرَبَ به الأرْضَ»، ثُمَّ قالَ مُجيباً عن سُؤالِ أبي سَعيدٍ - رضي الله عنه -: «هوَ مَسجِدُكم هَذا» أي: مَسجِدُ النّبي - صلى الله عليه وسلم - بالمَدينةِ.

وضربه - صلى الله عليه وسلم - بالحَصَى على أرْض مَسْجده؛ المُرادُ بذلك المُبالَغةُ في الإيضاحِ لِبَيانِ أنَّه مَسجِدُه الذي بالمَدينةِ، قال النووي -رحمه الله-: «هذا نصٌّ بأنّه المَسجدُ الذي أُسّس على التّقْوى، المَذكُور في القُرآن، وردٌّ لما يقولُ بعض المُفسّرين: إنّه مَسجدُ قُباء». فقال أبو سَلَمةَ بنُ عبدالرَّحمنِ لعبدالرَّحمنِ بنِ أبي سَعيدٍ: «أشهَدُ أنِّي سَمِعتُ أباكَ» يَعني أبا سَعيدٍ الخُدْريَّ - رضي الله عنه - «هكذا يَذكُرُه» أي: مثلَ هذا الَّذي ذكرْتَ عنه لي، ذكَرَه لي بنفسه. فوائد الحديث


بَيانُ فَضلِ المسجِدِ النَّبويِّ على بقية المساجد.
وأنَّه أوّلُ مَسجدٍ أُسِّسَ على التَّقْوى في دِين الإسْلام.

باب: في مَسْجِد قُبَاءٍ وفَضْله
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِباً ومَاشِياً؛ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ»، وعن ابْن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: «كَانَ يَأْتِي قُبَاءً كُلَّ سَبْتٍ، وكَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ»، الحديثان رواهما مسلم في خاتمة كتاب الحَج (2/1016) باب: فضلُ مسْجد قُباء، وفضل الصّلاة فيه وزيارته، ورواهما البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1193، 1194).
https://al-forqan.net/wp-/uploads/2023/10/masjed-3-300x191.jpg كانَ - صلى الله عليه وسلم - يَزُور قباءَ مَاشياً ورَاكباً


قوله: «كانَ رسُول الله يأتي مَسْجد قُباء راكباً وماشياً فيُصلّي فيه ركعتين»، وفي رواية: «أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَزُور قباءَ مَاشياً ورَاكباً»؛ و»قباء» فالصحيحُ المشهور فيه المدّ والتذكير والصّرْف، وفي لغة مقصُور، وفي لغة مؤنث، وفي لغة مُذكّر غير مصرُوف، وهو قريبٌ في المدينة منْ عواليها.

ومَسجِدُ قُباءٍ يُعرَفُ أيضاً: بمَسجِدِ بني عمْرِو بنِ عوْفٍ، صلَّى فيه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - عندَ دُخولِ المَدينةِ النَّبويَّةِ في الهجرةِ، وهو المرادُ في الآيةِ كما سبق مِن قَولِ اللهِ -تعالَى-: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة:108)، وكانت قُباءُ قَريةً على بُعْدِ مِيلَينِ أو ثَلاثةٍ مِن المدينةِ. فضْلِ الصَّلاةِ في مَسجدِ قُباءٍ
وروَى التِّرمذيُّ: في فضْلِ الصَّلاةِ في مَسجدِ قُباءٍ: مِن حَديثِ أُسيدِ بنِ ظُهَيرٍ الأنصاريِّ - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصَّلاةُ في مَسجِدِ قُباءٍ كعُمْرةٍ». قال النووي: وقوله: «كلَّ سَبْت» فيه: جوازُ تَخْصيص بعض الأيّام بالزّيارة، وهذا هو الصّواب وقول الجُمهور، وكَرِه ابنُ مسلمة المالكي ذلك، قالوا: لعلّه لمْ تَبلغه هذه الأحاديث، والله أعلم، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعِصمة. انتهى. فوائد الحديث


فَضيلةُ مَسجدِ قُباءٍ والصلاة فيه، وفضيلة زيارته، وأنّه تجوز زِيارتُه رَاكباً ومَاشياً، وهكذا جميع المَواضع الفاضلة، تجوز زيارتها راكباً ومَاشياً.
وفيه: أنّه يُستحبّ أنْ تكونَ صلاةُ النّفل بالنّهار ركعتين، كصَلاة الليل. قال النووي: وهو مَذهبُنا ومذهبُ الجُمهور، وفيه خلاف أبي حنيفة، وسبقت المسألة في كتاب الصلاة. (9/171).
وفيه: الحَثُّ والحَضُّ على اتِّباعِ سُنةِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه: ما عُرِفَ به الصّحابي الجليل عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- مِنْ مُتابعتِه لِلنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وتَحرِّيه لهَدْيهِ في أدَقِّ أفْعالِه، ففي هذا الحديثُ ما يدُلُّ على شِدَّةِ مُتابعتِه - رضي الله عنه - لِلنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنَّ عبداللهِ بنَ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- كان يَزورُ مَسْجدَ قُباءٍ كلَّ سَبتٍ ماشياً أحياناً، وراكباً أحياناً أُخرى؛ وذلك لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَزورُه كلَّ سَبْتٍ ماشياً أحياناً، وراكباً أحياناً أُخرَى.

اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي