ابو الوليد المسلم
02-22-2026, 12:02 AM
وقفات رمضانية (1)
الموسم الرابع
د. عبدالسلام حمود غالب
إن شاء الله تعالى نكون معكم طيلة هذا الشهر المبارك بوقفات رمضانية، تتخلل أحكام الصيام وكذلك الاعتكاف، وزكاة الفطر، وخلاصة الزكاة وأحكام العيد، أسأل الله التوفيق والسداد، وقد اعتمدت على بعض المراجع فيما سيأتي باختصار ويسر وسهولة، والنقل منها بشكل واسع؛ لتعُمَّ الفائدة للجميع، وإذا كان هناك أسئلة أو ملاحظات فتُرسَل على الخاص، شاكرًا تعاونكم، وفَّق الله الجميع لِما يحبه ويرضاه.
حديثنا حول المواضيع التالية:
مفهوم الصيام لغة واصطلاحًا عند الفقهاء.
فضل الصيام.
الحكمة من الصيام.
مفهوم الصيام لغة واصطلاحًا:
يُعرَف الصيام في اللغة بأنه:
الامتناع عن شيء معين، سواء كان فعلًا، أو قولًا، وهي مأخوذة من الفعل صام؛ أي: أمْسَكَ، ويكون بالإمساك عن الكلام مثلًا، أو الطعام، أو الشراب، أو غيره، والصوم والصيام بالمعنى نفسه في اللغة؛ لأن مصدرهما واحد وهو الفعل (صام)، يُقال: رجلان صَوْمٌ، ورجال صَوم، وامرأة صَوم، ويُقال أيضًا: قوم صُوَّام وصُيَّام وصُوَّم وصُيَّم، وهو بهذا لا يُجمع ولا يُثنى، كما يقُال: صامت الريح؛ أي ركدت، وصامت الشمس؛ أي استوت، وصام الفرس؛ أي وقف، وصام النهار؛ إذ اعتدل.
تعريف الصيام اصطلاحًا:
اختلفت تعريفات الفقهاء للصيام، فكان لكل مذهب رأي في ذلك؛ كما يأتي:
الحنفية: عرَّفوه بأنه الامتناع عن ثلاثة مُفْطِرات؛ وهي: الأكل، والشرب، والجِماع، من قِبَلِ شخص معين، في وقت معين لذلك، مع وجود النية.
المالكية: عرفوه بأنه الامتناع عن شهوتَيِ الفَرْجِ والفم، أو أي شيء يقوم مقام أحدهما؛ طاعةً لله تعالى، مع وجود النية قبل وقت الفجر، أو في وقته، بحيث يكون هذا الامتناع شاملًا النهار كاملًا.
الشافعية: عرفوه بأنه امتناع معين، بشخص معين، عن شيء معين، في وقت معين لذلك.
الحنابلة: عرفوه بأنه الامتناع عن أشياء مخصوصة، في أوقات مخصوصة، من شخص مخصوص، مع وجود النية.
وشرح التعريف كما يلي:
• أما الشخص المخصوص:
فهو المسلم العاقل، البالغ، غير المسافر والمريض، فيُرخَّص لهم الفِطْرُ، وكذلك غير المرأة الحائض والنُّفَساء، فهو عذر شرعي، لا يصح أن تصوم حتى تطهُر وتقضي أيام فطرها.
• أما الزمن المخصوص:
فهو من طلوع الفجر الثاني إلى دخول وقت صلاة المغرب.
• أما الامتناع عن الأشياء المخصوصة:
فهي مبطلات الصوم، فيجب الإمساك عنها، وهي المفطرات من أكل وشرب، أو ما يقوم مقامها من إبر مغذيات، أو فيتامينات تصل إلى الجوف، أو خروج المنيِّ بجماع ونحوه، وهناك مكروهات فيُمسك عنها.
أما النية، فمصاحبة للعمل من البداية، وهي من أركان الصيام، وإنما الأعمال بالنيات.
ومن المعاصرين، فقد عرف ابن عثيمين الصيام بأنه: "تعبُّدٌ لله تعالى؛ بالامتناع عن جميع المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس"، أضاف كلمة التعبد لله تعالى حتى لا يخلو الفعل منه في العبادات.
فضل الصوم وخصائصه:
ومن هذه الفضائل والخصائص التي اختُصَّ بها شهر رمضان المبارك عن غيره من الشهور ما يلي:
1- شهر رمضان تُفتح فيه أبواب الجنة:
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا شهر رمضان جاءكم، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب النار، وتُسلسَلُ فيه الشياطين)).
2- فضل أول ليلة في صيام رمضان:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفِّدت الشياطين ومَرَدَةُ الجن، وغُلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادى منادٍ كل ليلة: يا باغِيَ الخير أقْبِلْ، ويا باغي الشر أقْصِرْ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرِمَ خيرها فقد حُرِم)).
3- الصيام في رمضان تُفتح له أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفَّد الشياطين:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل شهر رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب جهنم، وسُلْسلت الشياطين)).
4- شهر رمضان وصيامه يكفِّر الذنوب:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان - مُكَفِّرات ما بينهن إذا اجتُنب الكبائر)).
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعِد المنبر فقال: ((آمين، آمين، آمين، ثم قال: من أدرك والديه أو أحدهما، فلم يُغفَر له، فأبعده الله، قولوا: آمين، ومن أدرك رمضان فلم يُغفَر له، فأبعده الله، قولوا: آمين، ومن ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ، فأبعده الله، قولوا: آمين)).
وعن أنس رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فصعِد المنبر فقال: آمين، ثم قال: آمين، ثم قال: آمين، قال: أتاني جبريلُ، فقال: من ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليك، فدخل النار فأبعده الله، فقلت: آمين، ومن أدرك أحد والديه فدخل النار فأبعده الله، فقلت: آمين، ومن أدرك رمضان فلم يُغفَر له فأبعده الله، فقلت: آمين)).
5- العمرة في رمضان ثوابها مضاعف:
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عمرة في رمضان تعدِل حِجَّةً)).
6- ومن فضائل رمضان وخصائصه نزول القرآن الكريم فيه: قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]؛ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء"، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أُنزِلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍّ مَضَينَ من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خَلَتْ من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خَلَتْ من رمضان)).
7- ومن فضائل رمضان وخصائصه ليلةُ القدر التي هي خير من ألف شهر: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1 - 5].
قال الإمام القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]: بيَّن فضلها وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل، وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، والله أعلم".
وقال كثير من المفسرين: أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرِمَ خيرها فقد حُرِم)).
8- من فضائله وخصائصه صلاة التراويح:
ذهب جمهور الفقهاء على سُنِّيَّةِ قيام ليالي رمضان، وقد ذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح؛ يعني أنه يحصل المقصود من القيام بصلاة التراويح؛ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه))، قوله صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانًا): أي: تصديقًا بأنه حقٌّ، معتقدًا فضيلته، واحتسابًا يريد به الله وحده، لا رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، والمعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر دون الكبائر؛ وقال الإمام النووي رحمه الله: "قوله: (من قام رمضان) هذه الصيغة تقتضي الترغيب والندب، دون الإيجاب، واجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب، بل هو مندوب".
9- ومن فضائله وخصائصه الاعتكاف:
عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)).
قال الإمام الصنعاني رحمه الله: "فيه دليل على أن الاعتكاف سُنَّة، واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأزواجه من بعده".
قال أبو داود عن أحمد: "لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أن الاعتكاف مسنون".
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر، وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتها، وقد رأيتُني أسجدُ في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وِتْرٍ، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوقف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين، من صبح إحدى وعشرين)).
10- أن شهر رمضان شهر الجُودِ ومدارسة القرآن:
عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فَلَرسُول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)).
الحكمة من تشريع الصيام:
فالصيام له حِكَمٌ عظيمة وفوائد جليلة؛ ومنها:
1- أن الصوم وسيلة لتحقيق تقوى الله عز وجل.
2- إشعار الصائم بنعمة الله تعالى عليه.
3- تربية النفس على الإرادة، وقوة التحمُّل.
4- في الصوم قهر للشيطان.
5- الصوم مُوجِب للرحمة والعطف على المساكين.
6- الصوم يطهر البدن من الأخلاط الرديئة، ويكسبه صحةً وقوةً.
-------------------
وقفات رمضانية (2)
الموسم الرابع
د. عبدالسلام حمود غالب
حديثنا اليوم عن مراحل تشريع الصيام، والحكمة من تنوع العبادات، وأهم الأحداث في رمضان.
محبكم أبو إلياس الأنسي، اليمن، صنعاء.
مراحل تشريع الصيام:
فُرِضَ الصيام في السنة الثانية من الهجرة النبوية؛ قال البهوتي: "فُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة، إجماعًا، فصام النبي تسع رمضانات إجماعًا".
وشُرِعَ صيامُ رمضانَ على مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة التخيير: أي: تخيير المكلَّف الْمُطِيق للصوم بين أمرين: الصيام؛ وهو الأفضل، والإفطار مع الفِدية؛ وهي إطعام مسكين، فمن زاد على ذلك، فهو خير وأبقى.
وفي هذا جاء قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 183، 184]، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وفدى.
المرحلة الثانية:
والمرحلة الأخرى: مرحلة الإلزام والتَّحْتِيم: أي الإلزام بالصوم، ونسخ التخيير، الذي رخصت فيه الآية السابقة.
وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].
ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: ((لما نزلت: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، كان من أراد أن يُفطِر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها))؛ [متفق عليه]، وفي رواية لمسلم: ((حتى أُنزِلت هذه الآية: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]))، وقالت عائشة: ((كان عاشوراء يُصام، فلما نزل فرضُ رمضان، كان من شاء صام، ومن شاء أفطر))، وكذلك روى البخاري عن عبدالله بن عمر، وعبدالله بن مسعود مثله.
فأوجب الله الصيام على الصحيح المقيم، ورخَّص في الإفطار للمريض والمسافر.
وهذا هو المنهج الحكيم الذي اتخذه الإسلام في تشريعاته، وهو منهج التدرج في التشريع، الذي يقوم على التيسير لا التعسير.
وهذه المرحلة الإلزامية جاءت أيضًا على رتبتين؛ كان في الأولى تشديد عليهم، وفي الثانية تخفيف ورحمة.
فقد كانوا يأكلون ويشربون ويباشرون نساءهم ما لم يناموا، أو يصلوا العشاء، فإذا ناموا وصلوا العشاء، لم يَجُزْ لهم شيء من ذلك إلى الليلة القابلة.
وقد وقع لرجل من الأنصار أنه كان يعمل طول يومه، فلما حضر وقت الإفطار انطلقت امرأته لتطلب له الطعام، فلما حضرت وجدته قد غلبتْهُ عينُه من الجهد ونام، دون أن يتناول طعامًا، وعندما انتصف النهار في اليوم التالي، غُشِيَ عليه من شدة المشقة.
كما رُوِيَ أن بعض الصحابة - ومنهم عمر وكعب بن مالك - قد أصابوا من نسائهم بعدما ناموا، أو نامت نساؤهم، وشقَّ عليهم ذلك، وشكَوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية الكريمة التي تمثل المرحلة الثالثة التي استقر عليها أمر الصيام؛ وهي قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187].
ففرح بها المسلمون فرحًا شديدًا، فقد أباح لهم الرفث - أي الجماع - والطعام والشراب في جميع الليل، إلى تبيُّن الفجر، رحمةً ورخصةً ورِفْقًا، وعفا عما وقع منهم من تجاوزات.
الحكمة من تنويع العبادات:
نوَّع الله عز وجل العبادات لحِكَمٍ عظيمة؛ ومنها:
لئلا تَمَلَّ النفوس، ويصيبَها السَّأَمُ والملل من العمل الواحد، فإذا انتقلت من عبادة إلى أخرى، نشطت للعمل.
نوَّع الله العبادات ليختبر العبد هل يتبع هواه، ويفعل ما يوافق طبعه، أم يفعل ما أمره به ربه، فجعل من الدين ما ينقسم إلى كفٍّ عن المحبوبات كالصيام، فإنه امتناع عن المحبوبات من الطعام، والشراب، والجِماع؛ ابتغاءَ وجه الله عز وجل.
ومن الدين ما هو بذل للمحبوبات كالزكاة، والصدقة، وذلك بذل للمحبوب، وهو المال؛ ابتغاء وجه الله عز وجل.
وربما يَهُون على بعض الناس أن يصلي ألف ركعة، ولا يبذل درهمًا واحدًا، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم، ولا يصوم يومًا واحدًا.
فجاءت الشريعة بالتنويع؛ ليُعرَف من يطيع هواه، ومن يطيع مولاه.
فالعبادات أقسام وأنواع:
بعضها بدنيٌّ محضٌ؛ كالصلاة، وبعضها مالي محض كالزكاة، وبعضها مركب منهما كالجهاد والحج، ولكل حكمة، وفي كل منافع؛ ليتبين المؤمن من المنافق، والكريم من البخيل، والشجاع من الجبان.
أهم الأحداث التاريخية الواقعة في رمضان:
إن أهم حدث في رمضان هو نزول القرآن الكريم، ثم وقعت أحداث تاريخية فاصلة كبرى في شهر رمضان، ونكتفي بذكر أشهرها، للاستدلال على أن النصر مرتبط بتطهير النفوس وصفائها، وسموِّها وترفُّعها عن أدران المادة، وأن أيام رمضان مباركة يُنتهَز فيها الخير والنصر والفضل الإلهي، إذا توجَّهت القلوب لربِّ الأرض والسماء؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 10].
1- معركة بدر الكبرى: وهي يوم الفرقان الذي فرَّق الله فيه بين الحق والباطل، فانتصر فيه الإسلام؛ رمز القيم العليا في التوحيد والتفكير، والحياة السوية، والأخلاق الصحيحة، واندحر الشرك والوثنية؛ رمز الانحدار والتخلف، والتعقيد، وإهدار الكرامة الإنسانية، والمعركة حدثت في يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان، من السنة الثانية للهجرة؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123]، وقال ابن عباس: "كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان"، وفيها قُتِلَ فرعون الأمة؛ أبو جهل، أكبر أعداء الإسلام.
2- فتح مكة: وهو الفتح الأكبر؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ [الفتح: 1]، حدث في يوم الجمعة في العشرين أو الحادي والعشرين من رمضان، من السنة الثامنة للهجرة، وقد تم به القضاء على فلول الوثنية، وتمَّ به تحطيم الأصنام حول الكعبة، وفي رمضان من السنة الخامسة كان استعداد المسلمين لغزوة الخندق، التي وقعت في شوال من العام نفسه.
3- وقعت بعض أحداث غزوة تبوك في رمضان سنة 9 هـ، وفي رمضان كانت معركة القادسية، ومعركة البويب، وفتح رودس.
4- انتشر الإسلام في اليمن في السنة العاشرة في رمضان، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب على رأس سرية إلى اليمن، وحمل معه كتابًا إليهم.
5- هدم خالد بن الوليد لخمسٍ بَقِينَ من رمضان في السنة الثامنة البيتَ الذي كانت تُعبَد فيه العُزَّى في نخلة، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: تلك العزى ولا تُعبَد أبدًا، ووجَّه الرسول صلى الله عليه وسلم السرايا لهدم الأصنام.
6- قدم في السنة التاسعة في رمضان وفد ثقيف من الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون الإسلام، وهُدِمَ فيها صنم اللات الذي كانت تعبده ثقيف.
7- في صبيحة يوم الجمعة في 25 من رمضان 479 هـ حدثت موقعة الزَّلَّاقة - سهل يقع على مقربة من البرتغال الحالية - أو يوم العروبة والإسلام، وانتصر فيها جيش المرابطين المسلمين في الأندلس بقيادة يوسف بن تاشفين على جيش الفرنجة البالغ ثمانين ألف مقاتل بقيادة ألفونس السادس ملك قشتالة.
8- موقعة عين جالوت (قرية بين بيسان ونابلس): حدثت في صبيحة يوم الجمعة في الخامس عشر من رمضان سنة 658 هـ، الموافق 3 أيلول (سبتمبر) 1260م، بقيادة السلطان قطز سلطان المماليك في مصر، بعد أن صاح بأعلى صوته: وإسلاماه، وانتصر فيها على المغول الذين ولَّوا الأدبار لا يَلْوُون على شيء، وتم فيها توحيد مصر وبلاد الشام، وإنقاذ الإسلام والمسلمين من همجية المغول، كما أن البطل صلاح الدين خاض معارك حاسمة ضد الصليبيين في رمضان.
9 - فتح الأندلس: في رمضان كانت معركة طريف تمهيدًا لفتح الأندلس، وكانت معركة الزلاقة، ثم حدث فتح الأندلس في 28 رمضان سنة 92هـ/ 19 يوليو (تموز) 711 م، بقيادة طارق بن زياد، بعد أن هزم روذريق قائد القوط في موقعة حاسمة تعرف بـ"موقعة البحيرة"، بعد أن استولى على مضيق جبل طارق، وأحرق سفنه، وقال كلمته المشهورة: "البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم"، ثم تمَّ بعدها فتح قرطبة وغرناطة وطليطلة العاصمة السياسية للأندلس.
وفي رمضان كانت آخر المعارك مع الصليبيين لتطهير أرضنا وديارنا من أرجاسهم، وفي العاشر من رمضان سنة 1393هـ/ 1973م كانت معركة العبور؛ أي عبور القوات المصرية المسلحة قناة السويس من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، بعد احتلال اليهود لها مدة نحو سبع سنوات في الخامس من شهر حزيران سنة 1967م، ووصلت في العاشر من شهر رمضان القوات السورية إلى شواطئ بحيرة طبرية، ولقَّن الفلسطينيون العدوَّ الصهيوني في رمضان في معركة الكرامة في نيسان (أبريل) سنة 1968م درسًا لا ينساه مع قلتهم، وتمكُّن العدو في موقع إستراتيجي رائع.
10- في الوقت الحالي رمضان 1445 تجري المعركة في فلسطين فيُسطِّر أبناء غزة أروعَ المعارك والتضحيات في قتال العدو الإسرائيلي الغاصب والمحتل، فنسأل الله لهم النصر والتمكين في هذا الشهر الكريم.
----------------
وقفات رمضانية (3) الموسم الرابع
حديثنا اليوم عن أركان الصوم؛ النية وما يتعلق بها، شروط الصوم
د. عبدالسلام حمود غالب
أركان الصيام:
للصيام ركنان:
الأول: النية:
تعريف النية: القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه، من غير تردد، والمراد بها هنا: قصد الصوم، فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدًا من رمضان، وأنه صائم فيه، فقد نوى.
هل النية شرط أو ركن؟ اتفق الفقهاء على أن النية مطلوبة في كل أنواع الصيام، فرضًا كان أو تطوعًا، إما على سبيل الشرطية أو الركنية، علمًا بأن الشرط: ما كان خارج ماهية أو حقيقة الشيء، والركن عند الحنفية: ما كان جزءًا من الماهية، ومحل النية: القلب، ولا يشترط التلفظ بها؛ ففي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك نية الصيام في رمضان، لا يجب على أحد أن يقول: أنا صائم غدًا، باتفاق الأئمة، بل يكفيه نية قلبه".
قال شيخ الإسلام رحمه الله في (الاختيارات ص 191): "ومن خطر بقلبه أنه صائم غدًا فقد نوى".
وفي الموسوعة الفقهية: "التبييت: وهو شرط في صوم الفرض عند المالكية والشافعية والحنابلة، والتبييت: إيقاع النية في الليل، ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويجوز أن تُقدَّم من أول الليل، ولا تجوز قبل الليل؛ وذلك لحديث ابن عمر، عن حفصة رضي الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له))".
حكم النية في الصوم:
لا يصح الصوم بدون نية، وذلك باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، وحُكِيَ الإجماع على ذلك؛ قال ابن قدامة: "وجملته أنه لا يصح صوم إلا بنية إجماعًا، فرضًا كان أو تطوعًا"؛ [المغني لابن قدامة (3/ 109)]؛ لأن الصوم عبادة محضة، فافتقر إلى النية، كالصلاة وغيرها، ولأن الصوم هو الإمساك لغةً وشرعًا، ولا يتميز الشرعي عن اللغوي إلا بالنية، فوجبت للتمييز.
وقت النية في الصوم:
يجب تبييت النية من الليل قبل طلوع الفجر، وهو مذهب الجمهور: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول طائفة من السلف؛ قال ابن عبدالبر: "ولا يجوز صوم شهر رمضان إلا بأن يُبيِّتَ له الصوم، ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، بنيَّةٍ"؛ [الكافي (1/ 335)].
قال الشوكاني: "والحديث فيه دليل على وجوب تبييت النية وإيقاعها في جزء من أجزاء الليل، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر وجابر بن يزيد من الصحابة، ومالك والليث، وابن أبي ذئب"؛ [نيل الأوطار (4/ 232)].
حكم تجديد النية في كل يوم من رمضان:
اختلف أهل العلم في اشتراط تجديد النية في كل يوم من رمضان على قولين:
القول الأول: يشترط تجديد النية لكل يوم من رمضان؛ وهو مذهب الجمهور: الحنفية، والشافعية، والحنابلة؛ لأن كل يوم من رمضان عبادة مستقلة.
القول الثاني: أن ما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله، فإذا انقطع التتابع لعذرٍ يُبيحه، ثم عاد إلى الصوم؛ فإن عليه أن يجدِّدَ النية؛ وهو مذهب المالكية، وقول زفر من الحنفية، واختاره ابن عثيمين؛ وذلك لأن الصوم المتتابع كالعبادة الواحدة، من حيث ارتباط بعضها ببعض، وعدم جواز التفريق بينها؛ ولذا تكفي النية الواحدة، كما أن النية إذا لم تقع في كل ليلة حقيقةً، فهي واقعة حكمًا؛ لأن الأصل عدم قطع النية.
حكم تبييت النية من الليل في صيام التطوع:
لا يشترط في صيام التطوع تبييت النية من الليل؛ وهو مذهب الجمهور، والدليل: فِعْلُ النبي عندما أصبح ولم يجد أكلًا، فقال: إني صائم.
حكم من علَّق الصوم، فقال مثلًا: إن كان غدًا رمضان، فهو فرضي، أو سأصوم الفرض:
إذا عقد الإنسان النية على أنه إن كان غدًا رمضان فهو فَرْضِي، أو سأصوم الفرض، فتبين أنه رمضان، فصومه صحيح، وهو رواية عن أحمد، وإليه ذهب ابن تيمية.
قال ابن تيمية: "والأظهر صحته - أي الصوم بنية التطوع بعد الزوال - كما نُقِل عن الصحابة"؛ [مجموع الفتاوى (25/ 120)، وابن عثيمين]؛ وذلك لأن هذا التردد مبنيٌّ على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد في النية، وهل يصوم أو لا يصوم، فهو ها هنا قد علق الصوم على ثبوت الشهر، فلو لم يثبت الشهر لم يصُمْ. حكم صوم من نوى قطع صومه في رمضان:
من نوى في يوم من رمضان قطعَ صومه، فإن صومه ينقطع، ولا يصح منه، وعليه القضاء وإمساك بقية اليوم، إن كان ممن لا يُباح لهم الفِطْرُ، فإن كان ممن يُباح لهم الفطر؛ كالمريض والمسافر، فعليه القضاء فقط، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، ووجه عند الشافعية، واختاره ابن حزم، وابن عثيمين.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الأعمال بالنيات)).
أنه ما دام ناويًا للصيام، فهو صائم، وإذا نوى الإفطار أفطر، فالصوم عبارة عن نية، فإذا نوى قطعها انقطعت، كالصلاة إذا نوى قطعها، فإنها تنقطع، ولأن الأصل اعتبار النية في جميع أجزاء العبادة حقيقةً وحكمًا، ولكن لما شقَّ اعتبار النية حقيقةً وحكمًا، اعتبر بقاء حكمها، وهو ألَّا ينوِيَ قطعها، فإذا نواه زالت النية حقيقةً وحكمًا؛ لأن نية الإفطار ضد نية الصوم.
حكم التردُّد في النية:
من تردَّد في نية الصوم الواجب، هل يصوم غدًا أو لا يصوم؟ واستمر هذا التردد إلى الغد، ثم صامه، فصومه غير صحيح، وعليه قضاء هذا اليوم، وهذا مذهب الجمهور؛ من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول بعض الحنفية؛ وذلك لأن هذا مخالف لشرط من شروط صحة الصوم وهو النية، التي هي عَقْدُ القلب على فعل الشيء، والتردد ينافي ذلك، ومتى اختلَّ هذا الشرط فسد الصوم، ووجب القضاء؛ قال النووي: "لو عقب النية بقوله: إن شاء الله، بقلبه أو بلسانه، فإن قصد التبرُّك أو وقوع الصوم وبقاء الحياة إلى تمامه بمشيئة الله تعالى، لم يضره، وإن قصد تعليقه والشك، لم يصحَّ صومه، هذا هو المذهب، وبه قطع المحققون"؛ [المجموع (6/ 298)]؛ قال الحجاوي: "ومن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله، فإن قصد بالمشيئة الشك والتردد في العزم والقصد، فسدت نيته، وإلا لم تفسد؛ إذ قصده أنَّ فِعْلَه للصوم بمشيئة الله وتوفيقه وتيسيره"؛ [الإقناع للحجاوي (1/ 309)].
قال الزيلعي: "وفي جوامع الفقه إذا قال: نويت أن أصوم غدًا إن شاء الله تعالى، صحَّت نيته؛ لأن النية عمل القلب دون اللسان، فلا يعمل فيه الاستثناء، وفي الذخيرة ذكر شمس الأئمة الحلواني أنه لا رواية لهذه المسألة، وفيها قياس واستحسان؛ القياس: ألَّا يصير صائمًا، كالطلاق والعتاق والبيع، وفي الاستحسان: يصير صائمًا؛ لأنه لا يُراد الإبطال، بل هو للاستعانة، وطلبًا للتوفيق"؛ [تبيين الحقائق ((1/ 316].
الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات:
من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ قال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187].
شروط صحة الصيام:
1- الإسلام؛ لأن الصيام عبادة، فلا يصح من كافر خلاف من يقول: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ قال ابن حزم: "اتفقوا على أن صيام نهار رمضان على الصحيح، المقيم، العاقل، البالغ الذي يعلم أنه رمضان، وقد بلغه وجوب صيامه، وهو مسلم"؛ [مراتب الإجماع (ص 39)، وانظر المحلى لابن حزم (6/ 160)]، وقال: "فمِنَ الفرض صيام شهر رمضان، الذي بين شعبان، وشوال؛ فهو فرض على كل مسلم، عاقل، بالغ، صحيح، مقيم، حرًّا كان أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، إلا الحائض والنُّفَساء، فلا يصومان أيام حيضهما ألبتة، ولا أيام نِفاسهما، ويقضيان صيام تلك الأيام، وهذا كله فرض متيقن من جميع أهل الإسلام"؛ [المحلى بالآثار (4/ 285)].
2- النية؛ لأن الصيام عبادة، فلا يصح إلا بنية.
3، 4- البلوغ والعقل؛ قال ابن عثيمين: "ويحصل بلوغ الذَّكَرِ بواحد من أمور ثلاثة: أحدها: إنزال المني باحتلام أو غيره، الثاني: نبات شعر العانة؛ وهو الشعر الخشن ينبُت حول القُبُل، الثالث: بلوغ تمام خمس عشرة سنةً، ويحصل بلوغ الأنثى بما يحصل به بلوغ الذَّكَر، وزيادة أمر رابع وهو الحيض"؛ [مجالس شهر رمضان (ص: 28)].
قال النووي: "المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع"؛ [المجموع (6/ 251)].
5- وبالنسبة للنساء الطهارة من الحيض والنِّفاس.
6- الإمساك عن المفطرات من أكل وشرب وجماع أو ما يقوم مقامها.
وقت الصيام:
وقت الصيام يبدأ من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
البلاد التي لا تطلع عليها الشمس إلا لحظات، أو لا تغيب عنها الشمس إلا لحظات، أو لا تغيب عنها الشمس صيفًا، أو لا تطلع فيها الشمس شتاءً، أو البلاد التي يستمر نهارها ستة أشهر، وليلها كذلك، أو أكثر أو أقل ونحو ذلك؛ فالخلاصة كما يلي:
فهذه البلاد يقدَّر وقت الصلاة والصيام فيها بأقرب بلد إليهم يتميز فيه الليل من النهار، فيحددون أوقات الصلوات الخمس، وأول الشهر، ونهايته، وبدء الإمساك في رمضان، ووقت الإفطار، حسب توقيت ذلك البلد في الصيف والشتاء.
الموسم الرابع
د. عبدالسلام حمود غالب
إن شاء الله تعالى نكون معكم طيلة هذا الشهر المبارك بوقفات رمضانية، تتخلل أحكام الصيام وكذلك الاعتكاف، وزكاة الفطر، وخلاصة الزكاة وأحكام العيد، أسأل الله التوفيق والسداد، وقد اعتمدت على بعض المراجع فيما سيأتي باختصار ويسر وسهولة، والنقل منها بشكل واسع؛ لتعُمَّ الفائدة للجميع، وإذا كان هناك أسئلة أو ملاحظات فتُرسَل على الخاص، شاكرًا تعاونكم، وفَّق الله الجميع لِما يحبه ويرضاه.
حديثنا حول المواضيع التالية:
مفهوم الصيام لغة واصطلاحًا عند الفقهاء.
فضل الصيام.
الحكمة من الصيام.
مفهوم الصيام لغة واصطلاحًا:
يُعرَف الصيام في اللغة بأنه:
الامتناع عن شيء معين، سواء كان فعلًا، أو قولًا، وهي مأخوذة من الفعل صام؛ أي: أمْسَكَ، ويكون بالإمساك عن الكلام مثلًا، أو الطعام، أو الشراب، أو غيره، والصوم والصيام بالمعنى نفسه في اللغة؛ لأن مصدرهما واحد وهو الفعل (صام)، يُقال: رجلان صَوْمٌ، ورجال صَوم، وامرأة صَوم، ويُقال أيضًا: قوم صُوَّام وصُيَّام وصُوَّم وصُيَّم، وهو بهذا لا يُجمع ولا يُثنى، كما يقُال: صامت الريح؛ أي ركدت، وصامت الشمس؛ أي استوت، وصام الفرس؛ أي وقف، وصام النهار؛ إذ اعتدل.
تعريف الصيام اصطلاحًا:
اختلفت تعريفات الفقهاء للصيام، فكان لكل مذهب رأي في ذلك؛ كما يأتي:
الحنفية: عرَّفوه بأنه الامتناع عن ثلاثة مُفْطِرات؛ وهي: الأكل، والشرب، والجِماع، من قِبَلِ شخص معين، في وقت معين لذلك، مع وجود النية.
المالكية: عرفوه بأنه الامتناع عن شهوتَيِ الفَرْجِ والفم، أو أي شيء يقوم مقام أحدهما؛ طاعةً لله تعالى، مع وجود النية قبل وقت الفجر، أو في وقته، بحيث يكون هذا الامتناع شاملًا النهار كاملًا.
الشافعية: عرفوه بأنه امتناع معين، بشخص معين، عن شيء معين، في وقت معين لذلك.
الحنابلة: عرفوه بأنه الامتناع عن أشياء مخصوصة، في أوقات مخصوصة، من شخص مخصوص، مع وجود النية.
وشرح التعريف كما يلي:
• أما الشخص المخصوص:
فهو المسلم العاقل، البالغ، غير المسافر والمريض، فيُرخَّص لهم الفِطْرُ، وكذلك غير المرأة الحائض والنُّفَساء، فهو عذر شرعي، لا يصح أن تصوم حتى تطهُر وتقضي أيام فطرها.
• أما الزمن المخصوص:
فهو من طلوع الفجر الثاني إلى دخول وقت صلاة المغرب.
• أما الامتناع عن الأشياء المخصوصة:
فهي مبطلات الصوم، فيجب الإمساك عنها، وهي المفطرات من أكل وشرب، أو ما يقوم مقامها من إبر مغذيات، أو فيتامينات تصل إلى الجوف، أو خروج المنيِّ بجماع ونحوه، وهناك مكروهات فيُمسك عنها.
أما النية، فمصاحبة للعمل من البداية، وهي من أركان الصيام، وإنما الأعمال بالنيات.
ومن المعاصرين، فقد عرف ابن عثيمين الصيام بأنه: "تعبُّدٌ لله تعالى؛ بالامتناع عن جميع المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس"، أضاف كلمة التعبد لله تعالى حتى لا يخلو الفعل منه في العبادات.
فضل الصوم وخصائصه:
ومن هذه الفضائل والخصائص التي اختُصَّ بها شهر رمضان المبارك عن غيره من الشهور ما يلي:
1- شهر رمضان تُفتح فيه أبواب الجنة:
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا شهر رمضان جاءكم، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب النار، وتُسلسَلُ فيه الشياطين)).
2- فضل أول ليلة في صيام رمضان:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفِّدت الشياطين ومَرَدَةُ الجن، وغُلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادى منادٍ كل ليلة: يا باغِيَ الخير أقْبِلْ، ويا باغي الشر أقْصِرْ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرِمَ خيرها فقد حُرِم)).
3- الصيام في رمضان تُفتح له أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفَّد الشياطين:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل شهر رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب جهنم، وسُلْسلت الشياطين)).
4- شهر رمضان وصيامه يكفِّر الذنوب:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان - مُكَفِّرات ما بينهن إذا اجتُنب الكبائر)).
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعِد المنبر فقال: ((آمين، آمين، آمين، ثم قال: من أدرك والديه أو أحدهما، فلم يُغفَر له، فأبعده الله، قولوا: آمين، ومن أدرك رمضان فلم يُغفَر له، فأبعده الله، قولوا: آمين، ومن ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ، فأبعده الله، قولوا: آمين)).
وعن أنس رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فصعِد المنبر فقال: آمين، ثم قال: آمين، ثم قال: آمين، قال: أتاني جبريلُ، فقال: من ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليك، فدخل النار فأبعده الله، فقلت: آمين، ومن أدرك أحد والديه فدخل النار فأبعده الله، فقلت: آمين، ومن أدرك رمضان فلم يُغفَر له فأبعده الله، فقلت: آمين)).
5- العمرة في رمضان ثوابها مضاعف:
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عمرة في رمضان تعدِل حِجَّةً)).
6- ومن فضائل رمضان وخصائصه نزول القرآن الكريم فيه: قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]؛ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء"، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أُنزِلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍّ مَضَينَ من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خَلَتْ من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خَلَتْ من رمضان)).
7- ومن فضائل رمضان وخصائصه ليلةُ القدر التي هي خير من ألف شهر: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1 - 5].
قال الإمام القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]: بيَّن فضلها وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل، وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، والله أعلم".
وقال كثير من المفسرين: أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرِمَ خيرها فقد حُرِم)).
8- من فضائله وخصائصه صلاة التراويح:
ذهب جمهور الفقهاء على سُنِّيَّةِ قيام ليالي رمضان، وقد ذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح؛ يعني أنه يحصل المقصود من القيام بصلاة التراويح؛ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه))، قوله صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانًا): أي: تصديقًا بأنه حقٌّ، معتقدًا فضيلته، واحتسابًا يريد به الله وحده، لا رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، والمعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر دون الكبائر؛ وقال الإمام النووي رحمه الله: "قوله: (من قام رمضان) هذه الصيغة تقتضي الترغيب والندب، دون الإيجاب، واجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب، بل هو مندوب".
9- ومن فضائله وخصائصه الاعتكاف:
عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)).
قال الإمام الصنعاني رحمه الله: "فيه دليل على أن الاعتكاف سُنَّة، واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأزواجه من بعده".
قال أبو داود عن أحمد: "لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أن الاعتكاف مسنون".
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر، وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتها، وقد رأيتُني أسجدُ في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وِتْرٍ، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوقف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين، من صبح إحدى وعشرين)).
10- أن شهر رمضان شهر الجُودِ ومدارسة القرآن:
عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فَلَرسُول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)).
الحكمة من تشريع الصيام:
فالصيام له حِكَمٌ عظيمة وفوائد جليلة؛ ومنها:
1- أن الصوم وسيلة لتحقيق تقوى الله عز وجل.
2- إشعار الصائم بنعمة الله تعالى عليه.
3- تربية النفس على الإرادة، وقوة التحمُّل.
4- في الصوم قهر للشيطان.
5- الصوم مُوجِب للرحمة والعطف على المساكين.
6- الصوم يطهر البدن من الأخلاط الرديئة، ويكسبه صحةً وقوةً.
-------------------
وقفات رمضانية (2)
الموسم الرابع
د. عبدالسلام حمود غالب
حديثنا اليوم عن مراحل تشريع الصيام، والحكمة من تنوع العبادات، وأهم الأحداث في رمضان.
محبكم أبو إلياس الأنسي، اليمن، صنعاء.
مراحل تشريع الصيام:
فُرِضَ الصيام في السنة الثانية من الهجرة النبوية؛ قال البهوتي: "فُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة، إجماعًا، فصام النبي تسع رمضانات إجماعًا".
وشُرِعَ صيامُ رمضانَ على مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة التخيير: أي: تخيير المكلَّف الْمُطِيق للصوم بين أمرين: الصيام؛ وهو الأفضل، والإفطار مع الفِدية؛ وهي إطعام مسكين، فمن زاد على ذلك، فهو خير وأبقى.
وفي هذا جاء قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 183، 184]، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وفدى.
المرحلة الثانية:
والمرحلة الأخرى: مرحلة الإلزام والتَّحْتِيم: أي الإلزام بالصوم، ونسخ التخيير، الذي رخصت فيه الآية السابقة.
وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].
ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: ((لما نزلت: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، كان من أراد أن يُفطِر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها))؛ [متفق عليه]، وفي رواية لمسلم: ((حتى أُنزِلت هذه الآية: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]))، وقالت عائشة: ((كان عاشوراء يُصام، فلما نزل فرضُ رمضان، كان من شاء صام، ومن شاء أفطر))، وكذلك روى البخاري عن عبدالله بن عمر، وعبدالله بن مسعود مثله.
فأوجب الله الصيام على الصحيح المقيم، ورخَّص في الإفطار للمريض والمسافر.
وهذا هو المنهج الحكيم الذي اتخذه الإسلام في تشريعاته، وهو منهج التدرج في التشريع، الذي يقوم على التيسير لا التعسير.
وهذه المرحلة الإلزامية جاءت أيضًا على رتبتين؛ كان في الأولى تشديد عليهم، وفي الثانية تخفيف ورحمة.
فقد كانوا يأكلون ويشربون ويباشرون نساءهم ما لم يناموا، أو يصلوا العشاء، فإذا ناموا وصلوا العشاء، لم يَجُزْ لهم شيء من ذلك إلى الليلة القابلة.
وقد وقع لرجل من الأنصار أنه كان يعمل طول يومه، فلما حضر وقت الإفطار انطلقت امرأته لتطلب له الطعام، فلما حضرت وجدته قد غلبتْهُ عينُه من الجهد ونام، دون أن يتناول طعامًا، وعندما انتصف النهار في اليوم التالي، غُشِيَ عليه من شدة المشقة.
كما رُوِيَ أن بعض الصحابة - ومنهم عمر وكعب بن مالك - قد أصابوا من نسائهم بعدما ناموا، أو نامت نساؤهم، وشقَّ عليهم ذلك، وشكَوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية الكريمة التي تمثل المرحلة الثالثة التي استقر عليها أمر الصيام؛ وهي قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187].
ففرح بها المسلمون فرحًا شديدًا، فقد أباح لهم الرفث - أي الجماع - والطعام والشراب في جميع الليل، إلى تبيُّن الفجر، رحمةً ورخصةً ورِفْقًا، وعفا عما وقع منهم من تجاوزات.
الحكمة من تنويع العبادات:
نوَّع الله عز وجل العبادات لحِكَمٍ عظيمة؛ ومنها:
لئلا تَمَلَّ النفوس، ويصيبَها السَّأَمُ والملل من العمل الواحد، فإذا انتقلت من عبادة إلى أخرى، نشطت للعمل.
نوَّع الله العبادات ليختبر العبد هل يتبع هواه، ويفعل ما يوافق طبعه، أم يفعل ما أمره به ربه، فجعل من الدين ما ينقسم إلى كفٍّ عن المحبوبات كالصيام، فإنه امتناع عن المحبوبات من الطعام، والشراب، والجِماع؛ ابتغاءَ وجه الله عز وجل.
ومن الدين ما هو بذل للمحبوبات كالزكاة، والصدقة، وذلك بذل للمحبوب، وهو المال؛ ابتغاء وجه الله عز وجل.
وربما يَهُون على بعض الناس أن يصلي ألف ركعة، ولا يبذل درهمًا واحدًا، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم، ولا يصوم يومًا واحدًا.
فجاءت الشريعة بالتنويع؛ ليُعرَف من يطيع هواه، ومن يطيع مولاه.
فالعبادات أقسام وأنواع:
بعضها بدنيٌّ محضٌ؛ كالصلاة، وبعضها مالي محض كالزكاة، وبعضها مركب منهما كالجهاد والحج، ولكل حكمة، وفي كل منافع؛ ليتبين المؤمن من المنافق، والكريم من البخيل، والشجاع من الجبان.
أهم الأحداث التاريخية الواقعة في رمضان:
إن أهم حدث في رمضان هو نزول القرآن الكريم، ثم وقعت أحداث تاريخية فاصلة كبرى في شهر رمضان، ونكتفي بذكر أشهرها، للاستدلال على أن النصر مرتبط بتطهير النفوس وصفائها، وسموِّها وترفُّعها عن أدران المادة، وأن أيام رمضان مباركة يُنتهَز فيها الخير والنصر والفضل الإلهي، إذا توجَّهت القلوب لربِّ الأرض والسماء؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 10].
1- معركة بدر الكبرى: وهي يوم الفرقان الذي فرَّق الله فيه بين الحق والباطل، فانتصر فيه الإسلام؛ رمز القيم العليا في التوحيد والتفكير، والحياة السوية، والأخلاق الصحيحة، واندحر الشرك والوثنية؛ رمز الانحدار والتخلف، والتعقيد، وإهدار الكرامة الإنسانية، والمعركة حدثت في يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان، من السنة الثانية للهجرة؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123]، وقال ابن عباس: "كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان"، وفيها قُتِلَ فرعون الأمة؛ أبو جهل، أكبر أعداء الإسلام.
2- فتح مكة: وهو الفتح الأكبر؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ [الفتح: 1]، حدث في يوم الجمعة في العشرين أو الحادي والعشرين من رمضان، من السنة الثامنة للهجرة، وقد تم به القضاء على فلول الوثنية، وتمَّ به تحطيم الأصنام حول الكعبة، وفي رمضان من السنة الخامسة كان استعداد المسلمين لغزوة الخندق، التي وقعت في شوال من العام نفسه.
3- وقعت بعض أحداث غزوة تبوك في رمضان سنة 9 هـ، وفي رمضان كانت معركة القادسية، ومعركة البويب، وفتح رودس.
4- انتشر الإسلام في اليمن في السنة العاشرة في رمضان، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب على رأس سرية إلى اليمن، وحمل معه كتابًا إليهم.
5- هدم خالد بن الوليد لخمسٍ بَقِينَ من رمضان في السنة الثامنة البيتَ الذي كانت تُعبَد فيه العُزَّى في نخلة، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: تلك العزى ولا تُعبَد أبدًا، ووجَّه الرسول صلى الله عليه وسلم السرايا لهدم الأصنام.
6- قدم في السنة التاسعة في رمضان وفد ثقيف من الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون الإسلام، وهُدِمَ فيها صنم اللات الذي كانت تعبده ثقيف.
7- في صبيحة يوم الجمعة في 25 من رمضان 479 هـ حدثت موقعة الزَّلَّاقة - سهل يقع على مقربة من البرتغال الحالية - أو يوم العروبة والإسلام، وانتصر فيها جيش المرابطين المسلمين في الأندلس بقيادة يوسف بن تاشفين على جيش الفرنجة البالغ ثمانين ألف مقاتل بقيادة ألفونس السادس ملك قشتالة.
8- موقعة عين جالوت (قرية بين بيسان ونابلس): حدثت في صبيحة يوم الجمعة في الخامس عشر من رمضان سنة 658 هـ، الموافق 3 أيلول (سبتمبر) 1260م، بقيادة السلطان قطز سلطان المماليك في مصر، بعد أن صاح بأعلى صوته: وإسلاماه، وانتصر فيها على المغول الذين ولَّوا الأدبار لا يَلْوُون على شيء، وتم فيها توحيد مصر وبلاد الشام، وإنقاذ الإسلام والمسلمين من همجية المغول، كما أن البطل صلاح الدين خاض معارك حاسمة ضد الصليبيين في رمضان.
9 - فتح الأندلس: في رمضان كانت معركة طريف تمهيدًا لفتح الأندلس، وكانت معركة الزلاقة، ثم حدث فتح الأندلس في 28 رمضان سنة 92هـ/ 19 يوليو (تموز) 711 م، بقيادة طارق بن زياد، بعد أن هزم روذريق قائد القوط في موقعة حاسمة تعرف بـ"موقعة البحيرة"، بعد أن استولى على مضيق جبل طارق، وأحرق سفنه، وقال كلمته المشهورة: "البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم"، ثم تمَّ بعدها فتح قرطبة وغرناطة وطليطلة العاصمة السياسية للأندلس.
وفي رمضان كانت آخر المعارك مع الصليبيين لتطهير أرضنا وديارنا من أرجاسهم، وفي العاشر من رمضان سنة 1393هـ/ 1973م كانت معركة العبور؛ أي عبور القوات المصرية المسلحة قناة السويس من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، بعد احتلال اليهود لها مدة نحو سبع سنوات في الخامس من شهر حزيران سنة 1967م، ووصلت في العاشر من شهر رمضان القوات السورية إلى شواطئ بحيرة طبرية، ولقَّن الفلسطينيون العدوَّ الصهيوني في رمضان في معركة الكرامة في نيسان (أبريل) سنة 1968م درسًا لا ينساه مع قلتهم، وتمكُّن العدو في موقع إستراتيجي رائع.
10- في الوقت الحالي رمضان 1445 تجري المعركة في فلسطين فيُسطِّر أبناء غزة أروعَ المعارك والتضحيات في قتال العدو الإسرائيلي الغاصب والمحتل، فنسأل الله لهم النصر والتمكين في هذا الشهر الكريم.
----------------
وقفات رمضانية (3) الموسم الرابع
حديثنا اليوم عن أركان الصوم؛ النية وما يتعلق بها، شروط الصوم
د. عبدالسلام حمود غالب
أركان الصيام:
للصيام ركنان:
الأول: النية:
تعريف النية: القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه، من غير تردد، والمراد بها هنا: قصد الصوم، فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدًا من رمضان، وأنه صائم فيه، فقد نوى.
هل النية شرط أو ركن؟ اتفق الفقهاء على أن النية مطلوبة في كل أنواع الصيام، فرضًا كان أو تطوعًا، إما على سبيل الشرطية أو الركنية، علمًا بأن الشرط: ما كان خارج ماهية أو حقيقة الشيء، والركن عند الحنفية: ما كان جزءًا من الماهية، ومحل النية: القلب، ولا يشترط التلفظ بها؛ ففي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك نية الصيام في رمضان، لا يجب على أحد أن يقول: أنا صائم غدًا، باتفاق الأئمة، بل يكفيه نية قلبه".
قال شيخ الإسلام رحمه الله في (الاختيارات ص 191): "ومن خطر بقلبه أنه صائم غدًا فقد نوى".
وفي الموسوعة الفقهية: "التبييت: وهو شرط في صوم الفرض عند المالكية والشافعية والحنابلة، والتبييت: إيقاع النية في الليل، ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويجوز أن تُقدَّم من أول الليل، ولا تجوز قبل الليل؛ وذلك لحديث ابن عمر، عن حفصة رضي الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له))".
حكم النية في الصوم:
لا يصح الصوم بدون نية، وذلك باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، وحُكِيَ الإجماع على ذلك؛ قال ابن قدامة: "وجملته أنه لا يصح صوم إلا بنية إجماعًا، فرضًا كان أو تطوعًا"؛ [المغني لابن قدامة (3/ 109)]؛ لأن الصوم عبادة محضة، فافتقر إلى النية، كالصلاة وغيرها، ولأن الصوم هو الإمساك لغةً وشرعًا، ولا يتميز الشرعي عن اللغوي إلا بالنية، فوجبت للتمييز.
وقت النية في الصوم:
يجب تبييت النية من الليل قبل طلوع الفجر، وهو مذهب الجمهور: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول طائفة من السلف؛ قال ابن عبدالبر: "ولا يجوز صوم شهر رمضان إلا بأن يُبيِّتَ له الصوم، ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، بنيَّةٍ"؛ [الكافي (1/ 335)].
قال الشوكاني: "والحديث فيه دليل على وجوب تبييت النية وإيقاعها في جزء من أجزاء الليل، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر وجابر بن يزيد من الصحابة، ومالك والليث، وابن أبي ذئب"؛ [نيل الأوطار (4/ 232)].
حكم تجديد النية في كل يوم من رمضان:
اختلف أهل العلم في اشتراط تجديد النية في كل يوم من رمضان على قولين:
القول الأول: يشترط تجديد النية لكل يوم من رمضان؛ وهو مذهب الجمهور: الحنفية، والشافعية، والحنابلة؛ لأن كل يوم من رمضان عبادة مستقلة.
القول الثاني: أن ما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله، فإذا انقطع التتابع لعذرٍ يُبيحه، ثم عاد إلى الصوم؛ فإن عليه أن يجدِّدَ النية؛ وهو مذهب المالكية، وقول زفر من الحنفية، واختاره ابن عثيمين؛ وذلك لأن الصوم المتتابع كالعبادة الواحدة، من حيث ارتباط بعضها ببعض، وعدم جواز التفريق بينها؛ ولذا تكفي النية الواحدة، كما أن النية إذا لم تقع في كل ليلة حقيقةً، فهي واقعة حكمًا؛ لأن الأصل عدم قطع النية.
حكم تبييت النية من الليل في صيام التطوع:
لا يشترط في صيام التطوع تبييت النية من الليل؛ وهو مذهب الجمهور، والدليل: فِعْلُ النبي عندما أصبح ولم يجد أكلًا، فقال: إني صائم.
حكم من علَّق الصوم، فقال مثلًا: إن كان غدًا رمضان، فهو فرضي، أو سأصوم الفرض:
إذا عقد الإنسان النية على أنه إن كان غدًا رمضان فهو فَرْضِي، أو سأصوم الفرض، فتبين أنه رمضان، فصومه صحيح، وهو رواية عن أحمد، وإليه ذهب ابن تيمية.
قال ابن تيمية: "والأظهر صحته - أي الصوم بنية التطوع بعد الزوال - كما نُقِل عن الصحابة"؛ [مجموع الفتاوى (25/ 120)، وابن عثيمين]؛ وذلك لأن هذا التردد مبنيٌّ على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد في النية، وهل يصوم أو لا يصوم، فهو ها هنا قد علق الصوم على ثبوت الشهر، فلو لم يثبت الشهر لم يصُمْ. حكم صوم من نوى قطع صومه في رمضان:
من نوى في يوم من رمضان قطعَ صومه، فإن صومه ينقطع، ولا يصح منه، وعليه القضاء وإمساك بقية اليوم، إن كان ممن لا يُباح لهم الفِطْرُ، فإن كان ممن يُباح لهم الفطر؛ كالمريض والمسافر، فعليه القضاء فقط، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، ووجه عند الشافعية، واختاره ابن حزم، وابن عثيمين.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الأعمال بالنيات)).
أنه ما دام ناويًا للصيام، فهو صائم، وإذا نوى الإفطار أفطر، فالصوم عبارة عن نية، فإذا نوى قطعها انقطعت، كالصلاة إذا نوى قطعها، فإنها تنقطع، ولأن الأصل اعتبار النية في جميع أجزاء العبادة حقيقةً وحكمًا، ولكن لما شقَّ اعتبار النية حقيقةً وحكمًا، اعتبر بقاء حكمها، وهو ألَّا ينوِيَ قطعها، فإذا نواه زالت النية حقيقةً وحكمًا؛ لأن نية الإفطار ضد نية الصوم.
حكم التردُّد في النية:
من تردَّد في نية الصوم الواجب، هل يصوم غدًا أو لا يصوم؟ واستمر هذا التردد إلى الغد، ثم صامه، فصومه غير صحيح، وعليه قضاء هذا اليوم، وهذا مذهب الجمهور؛ من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول بعض الحنفية؛ وذلك لأن هذا مخالف لشرط من شروط صحة الصوم وهو النية، التي هي عَقْدُ القلب على فعل الشيء، والتردد ينافي ذلك، ومتى اختلَّ هذا الشرط فسد الصوم، ووجب القضاء؛ قال النووي: "لو عقب النية بقوله: إن شاء الله، بقلبه أو بلسانه، فإن قصد التبرُّك أو وقوع الصوم وبقاء الحياة إلى تمامه بمشيئة الله تعالى، لم يضره، وإن قصد تعليقه والشك، لم يصحَّ صومه، هذا هو المذهب، وبه قطع المحققون"؛ [المجموع (6/ 298)]؛ قال الحجاوي: "ومن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله، فإن قصد بالمشيئة الشك والتردد في العزم والقصد، فسدت نيته، وإلا لم تفسد؛ إذ قصده أنَّ فِعْلَه للصوم بمشيئة الله وتوفيقه وتيسيره"؛ [الإقناع للحجاوي (1/ 309)].
قال الزيلعي: "وفي جوامع الفقه إذا قال: نويت أن أصوم غدًا إن شاء الله تعالى، صحَّت نيته؛ لأن النية عمل القلب دون اللسان، فلا يعمل فيه الاستثناء، وفي الذخيرة ذكر شمس الأئمة الحلواني أنه لا رواية لهذه المسألة، وفيها قياس واستحسان؛ القياس: ألَّا يصير صائمًا، كالطلاق والعتاق والبيع، وفي الاستحسان: يصير صائمًا؛ لأنه لا يُراد الإبطال، بل هو للاستعانة، وطلبًا للتوفيق"؛ [تبيين الحقائق ((1/ 316].
الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات:
من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ قال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187].
شروط صحة الصيام:
1- الإسلام؛ لأن الصيام عبادة، فلا يصح من كافر خلاف من يقول: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ قال ابن حزم: "اتفقوا على أن صيام نهار رمضان على الصحيح، المقيم، العاقل، البالغ الذي يعلم أنه رمضان، وقد بلغه وجوب صيامه، وهو مسلم"؛ [مراتب الإجماع (ص 39)، وانظر المحلى لابن حزم (6/ 160)]، وقال: "فمِنَ الفرض صيام شهر رمضان، الذي بين شعبان، وشوال؛ فهو فرض على كل مسلم، عاقل، بالغ، صحيح، مقيم، حرًّا كان أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، إلا الحائض والنُّفَساء، فلا يصومان أيام حيضهما ألبتة، ولا أيام نِفاسهما، ويقضيان صيام تلك الأيام، وهذا كله فرض متيقن من جميع أهل الإسلام"؛ [المحلى بالآثار (4/ 285)].
2- النية؛ لأن الصيام عبادة، فلا يصح إلا بنية.
3، 4- البلوغ والعقل؛ قال ابن عثيمين: "ويحصل بلوغ الذَّكَرِ بواحد من أمور ثلاثة: أحدها: إنزال المني باحتلام أو غيره، الثاني: نبات شعر العانة؛ وهو الشعر الخشن ينبُت حول القُبُل، الثالث: بلوغ تمام خمس عشرة سنةً، ويحصل بلوغ الأنثى بما يحصل به بلوغ الذَّكَر، وزيادة أمر رابع وهو الحيض"؛ [مجالس شهر رمضان (ص: 28)].
قال النووي: "المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع"؛ [المجموع (6/ 251)].
5- وبالنسبة للنساء الطهارة من الحيض والنِّفاس.
6- الإمساك عن المفطرات من أكل وشرب وجماع أو ما يقوم مقامها.
وقت الصيام:
وقت الصيام يبدأ من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
البلاد التي لا تطلع عليها الشمس إلا لحظات، أو لا تغيب عنها الشمس إلا لحظات، أو لا تغيب عنها الشمس صيفًا، أو لا تطلع فيها الشمس شتاءً، أو البلاد التي يستمر نهارها ستة أشهر، وليلها كذلك، أو أكثر أو أقل ونحو ذلك؛ فالخلاصة كما يلي:
فهذه البلاد يقدَّر وقت الصلاة والصيام فيها بأقرب بلد إليهم يتميز فيه الليل من النهار، فيحددون أوقات الصلوات الخمس، وأول الشهر، ونهايته، وبدء الإمساك في رمضان، ووقت الإفطار، حسب توقيت ذلك البلد في الصيف والشتاء.