المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يوم القيامة مقداره ألفُ سنةٍ أم خمسون ألف سنة؟


ابو الوليد المسلم
02-23-2026, 05:43 PM
هل يوم القيامة مقداره ألفُ سنةٍ أم خمسون ألف سنة؟

محمد حباش

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يدخل الفقراءُ الجنةَ قبل الأغنياء بخمسمائة عام[1]؛ نصف يوم))[2].

فالجنة التي عرضها السماوات والأرض، التي هي فوق السماء السابعة، وسقفها عرش الرحمن، يدخلها الفقراء قبل الأغنياء بنصف يوم من أيام العالم العلوي؛ الذي قال عنه الله: ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47].

وهذا اليوم ثابتٌ في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولا يعتريه تبديل ولا تغيير، إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، ويوم تُبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات، فكأن الآخرة فوق الدنيا، والقرآن متى يذكر الانشقاق والانفطار والاندكاك يخصُّه بالسماوات والجبال وغيرها، ولا يذكر لما فوقها شيئًا.

فهذا اليوم هو نفسه الذي قال الله سبحانه عنه: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [السجدة: 5]، فالملائكة تصعد إلى ربها بأخبار أهل الأرض وأعمالهم؛ كما قال سبحانه: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10]، ويُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، من أيام الدنيا؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خَلْقِهِ))[3]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرُج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصلُّون، وأتيناهم وهم يصلون))[4].

فالملائكة تعرج إلى الله ليلًا ونهارًا من أيام العالم السفلي، ومجموع الألف سنة منها هو يوم في العالم العلوي.

وكل واحد منا يخضع للمقادير أو التقديرات الأربعة المعلومة:
1. التقدير الأزلي قبل خلق السماوات والأرض عندما خلق الله تعالى القلمَ؛ قال الله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ [الحديد: 22]، وقال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة))[5].

فهذا تقدير عامٌّ لجميع المخلوقات، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، والذي يلي خاصٌّ مفصِّل للعام؛ وهو ثلاثة تقادير:
2. التقدير العُمري: عند تخليق النطفة في الرحم؛ فعن عبدالله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه مَلَكًا بأربع كلمات؛ فيكتب عمله، وأجَلَه، ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح))[6].

3. التقدير الحَولي (السنوي) في ليلة القدر: قال الله: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 4]، يُقدَّر فيها ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق، وغير ذلك.

4. التقدير اليومي؛ وهو سَوقُ المقادير إلى المواقيت التي قُدِّرت لها فيما سبق، وكل ما يحدث في هذا اليوم تكتبه الملائكة في كتاب الأعمال.

فمن عاش منا ولو مائة سنة، فسيجد أن ما قُدِّر له - العمري والسنوي واليومي - وما صعِد من عمله كان في يوم واحد من أيام العالم العلوي، ولا علاقة للآية بسُمْكِ السماء، ولا بمدة النزول والعروج، لا نقلًا ولا عقلًا، فكل مسألة جاء بها القرآن حقٌّ، لا يوجد في العلم ما يكذبها؛ لأنه وحي الله حقًّا، والحق لا يناقضه الحق؛ قال سبحانه: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [فصلت: 53].

فأما نقلًا، فلا يصح نصٌّ في سُمكِ السماء، ولا في مدة السير فيها، فالأحاديث الضعيفة والموضوعة من المصائب العظمى التي نزلت بالمسلمين منذ العصور الأولى، وقد أدى انتشارها إلى مفاسد كثيرة؛ منها ما هو من الأمور الاعتقادية الغيبية، ومنها ما هو من الأمور التشريعية، وصار أعداء الدين يتجرؤون في الطعن في هذا الدين الكامل، والزعم أنه متناقض؛ ومن هذه الأحاديث: عن العباس بن عبدالمطلب، قال: ((كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء، فمرت سحابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما هذا؟ قال: قلنا: السحاب، قال: والْمُزن، قلنا: والمزن، قال: والعَنان، قال: فسكتنا، فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين رُكَبِهِنَّ وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تبارك وتعالى فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء))[7].

وعن أبي هريرة، قال: ((بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذه روايا الأرض، يسوقه الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه، ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف، ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن فوق ذلك سماءين، ما بينهما مسيرة خمسمائة عام، حتى عدَّ سبع سماوات، ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن تحتها أرضًا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عدَّ سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دلَّيتم بحبلٍ إلى الأرض السفلى لَهَبَطَ على الله؛ ثم قرأ: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحديد: 3]))[8].
وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ [الواقعة: 34]، والذي نفسي بيده، إن ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة سنة))[9].

أما عقلًا، فمجموع السير المزعوم بين سماء وسماء خاطئ، ومن حاول تبرير هذا الحساب الخاطئ، فقال: (ترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا)، حتى يدرك الخمسمائة سنة المزعومة، لم يأتِ بدليل من نص صحيح أو ضعيف، بل خالف ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: ((اتَّقِ دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب))[10]، وما صح عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما تذكرون من جلال الله: التسبيحَ، والتهليلَ، والتحميد، يَنْعَطِفْنَ حول العرش، لهُنَّ دَوِيٌّ كدويِّ النحل، تذكِّر بصاحبها، أمَا يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكِّر به؟))[11].

ثم إن أقرب نجم نراه يوميًّا في السماء الدنيا هو شمسنا، التي تبعد عنا بمتوسط 150 مليون كم، والسير إليها[12] يستغرق أكثر من 4000 سنة هجرية، فكيف تُقطع السماء الدنيا التي لا نعلم حدودها إلى الآن في 500 سنة؟ ثم جاء بعض المعاصرين يقيسون المسافات بسرعة الضوء، وهيهات أن يصلوا إلى نتيجة صحيحة والمسافة خاطئة، بل إن بعضهم ظن أنه أدرك سرعة الملائكة.

أما قوله تعالى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [المعارج: 4]، فهو مقدار يوم القيامة من وقت البعث إلى أن يفصل بين الخَلْقِ.

قال القرطبي: "في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له من الله دافع، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، تعرج الملائكة والروح إليه، وهذا القول هو معنى ما اخترناه، والموفِّق الإله"[13].

وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عن هذا اليوم: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صُفِحَت له صفائحُ من نار، فأُحميَ عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بَرَدَتْ أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيُرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار...))[14].

وهذا اليوم يكون في أرضٍ؛ قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُحشَر الناس يوم القيامة على أرض بيضاءَ عفراءَ، كقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليس فيها عَلَمٌ لأحد))[15]، ويجتمع فيها الصالح والطالح، وهي في مكان أسفل من المكان الفاضل المذكور أعلاه، ويختلف طول يومها كما يختلف – مثلًا - طول يومنا عن طول يوم الشمس أو كوكب آخر، ينزل الله سبحانه لحساب كل نفس بما كسبت؛ كما قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [البقرة: 210]، وكما قال رسوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكلُّ أُمَّةٍ جاثية، فأول من يدعو به رجلٌ جمع القرآن، ورجل قُتِلَ في سبيل الله، ورجل كثير المال))[16].

فاليوم في سورة المعارج هو يوم القيامة، وهو يوم الحشر خاصة، ومقداره خمسون ألف سنة، يكون الناس فيه على أرض انتقال، إما إلى جنة، وإما إلى نار، وأما اليوم في آيتي الحج والسجدة، فهو اليوم عند الله، يُدبِّر فيه الأمور، وهو يوم من أيام الآخرة، لا يطرأ عليه تبديل ولا تغيير، ومقداره ألف سنة من أيام أرضنا.


والله تعالى أعلم.


وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلِّ اللهم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وسلم تسليمًا كثيرًا.
======================================
[1] فإن قيل: قد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة، بأربعين خريفًا))؛ [(م) 37 - (2979)]، فقد أُجيب عن هذا فقيل: يمكن أن يكون المراد من الأغنياء في الحديث الأول أغنياء المهاجرين؛ أي: يسبق فقراء المهاجرين إلى الجنة بأربعين خريفًا، ومن الأغنياء في الحديث الثاني: الأغنياء الذين ليسوا من المهاجرين، فلا تناقض بين الحديثين؛ [انتهى]، وفيه أن هذا إنما يتم إذا أُريد بالفقراء الخاص وبالأغنياء العام، فلا يُفهم حكم الفقراء من غير المهاجرين، فالأَولَى حمل الحديث على معنى يفهم الحكم عمومًا؛ وهو بأن يُقال: المراد بكل من العددين إنما هو التكثير لا التحديد، فتارة عبَّر به، وأخرى بغيره تفنُّنًا، ومآلهما واحد، أو أخبر أولًا بأربعين كما أُوحِيَ إليه، ثم أخبر ثانيًا بخمسمائة عام زيادة على فضله على الفقراء ببركته صلى الله تعالى عليه وسلم، أو التقدير: أربعين خريفًا، إشارة إلى أقل المراتب، وبخمسمائة عام إلى أكثرها؛ [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (8/3282)].

[2] صحيح الترمذي: (2353).

[3] رواه مسلم: 293 - (179).

[4] رواه مسلم: 210 - (632) 555.

[5] صحيح أبي داود: 4700.

[6] صحيح البخاري: 3332.

[7] مسند أحمد: 1770، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف جدًّا.

[8] سنن الترمذي: 3298، قال الألباني: ضعيف.

[9] مسند أحمد: 11719، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف، وقال الألباني: ضعيف، "التعليق الرغيب" (4/ 262/ 1).

[10] صحيح البخاري: 2448.

[11] صحيح ابن ماجه: 3809.

[12] المشي المتوسط للإنسان: 4.3 كم/ساعة.

[13] تفسير القرطبي: 18/ 238.

[14] رواه مسلم: 24 - (987).

[15] رواه مسلم: 28 - (2790).

[16] صحيح الترمذي: 2382.

السليماني
02-24-2026, 12:01 PM
ثم إن أقرب نجم نراه يوميًّا في السماء الدنيا هو شمسنا، التي تبعد عنا بمتوسط 150 مليون كم، والسير إليها[12] يستغرق أكثر من 4000 سنة هجرية، فكيف تُقطع السماء الدنيا التي لا نعلم حدودها إلى الآن في 500 سنة؟ ثم جاء بعض المعاصرين يقيسون المسافات بسرعة الضوء، وهيهات أن يصلوا إلى نتيجة صحيحة والمسافة خاطئة، بل إن بعضهم ظن أنه أدرك سرعة الملائكة.

-----------------

جزاك الله خيراً

قياس هؤلاء والله أعلم محض تخرص وليس بصحيح فإن البشر أضعف وأقل أن يدركوا مثل هذه الأمور

فإن الدنيا بسمائها وأرضها وكواكبها خلقها الله عزوجل وهي خلق عظيم ولكنه محدود يطويها الله عزوجل يوم القيامة كماهو معروف

والعالم العلوي الأخروي أعظم بكثير من هذا العالم قال صلى الله عليه وسلم ( في الجنَّةِ شجرةٌ يسيرُ الرَّاكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يقطعُها . وقال : ذلك الظِّلُّ الممدودُ)

أخرجه الترمذي (2524) بلفظه، والبخاري (6553)، ومسلم (2828) باختلاف يسير.

وخلق الله عزوجل لا يحيط به إلا الله وحده .

والبشر قدراتهم محدودة وعلمهم قاصر فإن في الأرض أمور لا يعلمها البشر حتى مع تقدمهم الكبير في التقنية والأجهزة وهي خافية عليهم .

تقدير الأبعاد بين الأرض والسماء بالسنين الضوئية

الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أمَّا بعد :

فإنَّ الله أخبر عن خلقه للسماوات والأرض في ستة أيام إجمالًا، قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، ثم فصَّل ذلك في سورة "حم، السَّجدة"، فأخبرَ أنَّه خلقَ الأرض في يومين، وجعل لها رواسي، وقدَّر فيها أقواتها في يومين، فكانَ خلقُ الأرض وما عليها وما فيها في أربعة أيام، قال تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِين [فصلت:10].

وأخبرَ سبحانه أنَّه استوى إلى السَّماء -أي قصد- وهي دخان، وأنَّه سوَّى السَّموات سبعًا في يومين، قال تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا [فصلت:12]، وقال سبحانه: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29]، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق:12].

ووَصَف السَّموات بأنَّها طرائقٌ وطباقٌ، أي: بعضها فوق بعض، وأنَّها شداد، قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون:17]، وقال: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا [الملك:3]، وقال: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ:12]، وأخبرَ سبحانه وتعالى أنَّ السَّماء سقفٌ مرفوعٌ ومحفوظٌ، فقال تعالى: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [الطور:5]، وقال: وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا[الأنبياء:32].

وكلُّ هذا إخبارٌ عن ماضيها وحاضرها، وكذلك أخبرَ الله عمَّا يحدثُ لها يوم القيامة مِن الطَيِّ والانشقاق والانفطار والكَشْط، وأنَّها تُفرج، وأنَّها تصير واهية بعد الشِّدَّة، حتى تكون كالـمُهل في سواده ورخاوته، وهو حُثالة الزَّيت المذاب، قال تعالى: إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ [الانشقاق:1]، وقال: إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ [الانفطار:1]، وقال سبحانه: وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ [التكوير:11]، وقال عزَّ وجلَّ: وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ [المرسلات:9]، وقال: وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:16]، وقال عزَّ اسمه: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ [المعارج:8]، وقال: فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:37].

وظاهرُ هذه الآيات أنَّ السَّموات أجرامٌ صُلبة، كما يدلُّ له لفظ الشدَّة سَبْعًا شِدَادًا، ولفظ الانفطار والانشقاق، وكذا وصْفُها بأنَّها سُقف، وأنَّها مبنيَّة فوقنا، وهذا يدلُّ على أنَّ الفضاء الذي فوقنا -وهو ما بين السَّماء والأرض- ينتهي إلى السَّماء الدنيا، وهي السَّماء التي تلينا، وهي الأولى، ويسمي بعض العلماء السَّموات بالأفلاك؛ لأنَّها مستديرة، قال ابن تيمية -رحمه الله- في "العقيدة التدمريَّة" في الكلام على قوله تعالى: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء: "فإن قُدِّر أن المراد بالسَّماء الأفلاك كان المعنى: أنَّه سبحانه عليها، فـ "في" بمعنى "على"، كقوله تعالى عن فرعون: وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، وقوله تعالى: فَسِيرُواْ فِي الأَرْض"أهـ.

وقد دلَّت سنة الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- على نحو ما دلَّ عليه القرآن في عدد السَّموات، وأنَّ لها عُمَّارا، وهم الملائكة، وأنَّ الجنة في السماء، وأن الملائكة تنزلُ مِن السَّماء إلى الأرض، وتعرج إليها، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وملائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصلاةِ العصْرِ، ثُمَّ يعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكم) الحديث. وكما يدلُّ لذلك أحاديث الإسراء والمعراج، وفيها أنَّ جبريل -عليه السلام- استفتحَ كلَّ سماء، وتجاوزها بالنَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- سماءً بعد سماء، حتى بلغ السابعة.

وقد أخبرَ سبحانه وتعالى أنَّه استوى على العرش بعد خلقه السَّموات والأرض، أي: علا عليه وارتفع فوقه، واتَّفق أهلُ السُّنَّة على إثبات العرش، وأنَّه أكبر المخلوقات وأعلى المخلوقات، وقد تمدَّح الله بربوبيَّته للعرش، ووصف العرش بأنَّه عظيم وكريم ومجيد، فقال: وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ، على قراءة جر "المجيد"، وأضافه إلى نفسه فقال: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ[الحاقة:17]، وأخبر أن له حمَلَةً فقال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ[غافر:7] وأخبر سبحانه في سورة "ألم" السَّجدة أنَّه يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ [السجدة:5].

وأخبرَ في سورة "المعارج" أنَّ الملائكة والرّوح تعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ففهم بعضُ العلماء من الآيتين أن سورة "السَّجدة" فيها بيان بُعْدِ ما بين السَّماء والأرض، وآية المعارج في بيان بُعْد ما بين الأرض إلى العرش، فقالوا: إنَّ بُعْد ما بين السَّماء والأرض خمسمئة عام، وكذا ما بين كل سماء وسماء، وكِثَف كل سماء خمس مئة عام، وفوق السماء السابعة بحرٌ بين أعلاه وأسفله خمسمئة عام، والعرشُ فوق الماء، والله فوق العرش، وأخذوا هذا التَّفصيل مِن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ قَالَ: قُلْنَا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ فَوْقَ ذَلِكَ، لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ). ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.

والحديثُ -وإن ضعَّفه بعضُ أهل العلم- فلا يلزمُ مِن ذلك بطلانُ معناه، لكن يمنع مِن القطع بمعناه، هذا أهمّ ما ورد في الكتاب والسُّنَّة مما يتعلق بالأبعاد التي بين السَّموات وبين السماء والأرض.

إذا ثبتَ ما تقدَّم فأقول: إنَّ ما ذكره علماءُ الفلك أو الهيئة الحديثة في الأمم الكافرة، والمقلدون لهم من المسلمين ما ذكروه من الأبعاد بين الأرض والأجرام العلويَّة من الكواكب، وما يسمونه المجموعة الشمسيَّة والمجرَّات، وتقديرهم هذه المسافات بالسنين الضوئيَّة، أقول: إن ما ذكروه من ذلك مناقضٌ لظاهر الكتاب والسُّنَّة ومتعقدُ أهل السُّنَّة وغيرهم من فرق الأمة، وبيان هذا: أنَّ قول أصحاب الهيئة من علماء الفلك يقتضي أن ليس هناك سماءٌ ينتهي إليها الصَّاعدُ مِن الأرض، فضلا عن سماوات سبع طباق، وهذا مناقضٌ لصريح نصوص الكتاب والسُّنَّة ومعتقد المسلمين.

يوضحُ ذلك أنَّهم يقدِّرون الأبعاد التي بين الأجرام العلويَّة "الكواكب" والبعد الذي بيننا وبينها بسير الضوء، ثم يقدِّرون ما بيننا وبين بعضها بسنين ضوئيَّة، بل عشرات السنين، بل مئات، وربما زعموا آلاف سنين ضوئية، وهذا معناه أنَّ هذا الفضاء لا نهاية له، لذلك لا يذكرون سماء ذات جسم مستدير كُرِيٍّ قابل للانفطار والانشقاق والطيِّ، أو السقوط والوقوع على الأرض، كما وصفها الله -خالقها- بذلك، وقد تقدَّم ذكر الآيات الدَّالة على إثبات السَّموات وصفتها وابتداء خلقها، وما يحصل لها مِن التَّغيير يوم القيامة، وعليه؛ فلا يجوزُ للمسلم أن يصدّق كلام هؤلاء الفلكيين الكفرة الذين لا يؤمنون بالله ولا بمبدأ ولا معاد، وأما مَن يقول بقولهم مِن المسلمين: فهم مقلدون أتباع، لم يقم عندهم على ما صدَّقوا به برهان.

ومما تعظمُ به المصيبة أنَّ هذا العلم -علم الهيئة- المتعلّق بالكواكب ومقاديرها وأبعادها وأبعاد ما بينها يُدرَّس في مراحل التَّعليم في بلاد المسلمين عامة، مما يزرع في قلوب النَّاشئة الشَّك والحيرة؛ لأن ما يذكرونه في هذا الشأن من النظريات يتجاوز الخيال، ونظير هذا ما يذكرونه في خلق الأرض، وما يقدرونه في ذلك من ملايين السنين، وكل هذا مبنيٌّ على الخرص والاعتماد على وسائل تجريبية لا تفيد من الدلالات اليقينية ولا عشر معشار ما يزعمونه من التقادير.

وما ذكرته هو نزرٌ يسير بجانب ما ذكره هؤلاء الكفرة الملحدون الذين أوجب لهم كفرهم وجهلهم وغروهم أن يتفوَّهوا بهذا الدعاوى التي لا يمكن أن يقوم عليها برهان، وشواهد هذا كثيرةٌ مما نقل عنهم، فمِن ذلك ما نُشِرَ في المواقع الشبكية عن وكالة الفضاء الأوربية (إيسا) "أنها في عام 1987م أثبتت أن عمر المجرة يتراوح بين 7 - 8 آلاف مليون سنة، وعمر الشمس 4600 مليون سنة، وعمر الكواكب بعد هذا التاريخ بنحو 50 مليون سنة، أي منذ 4550 مليون سنة" انتهى.

وجاء في ما يسمى على الشبكة "ويكيبيديا، الموسوعة الحرة" عن الشمس ما هذا نصه: "يبعد مدار الشَّمس المجرِّي عن مركز المجرَّة على بعد تقريبي يتراوح ما بين 24,000–26,000 سنة ضوئية، تكمل الشمس مدارها المجرِّي أو السنة المجرِّية كما يظهر من القطب المجرِّي الشمالي في حوالي 225–250 مليون سنة" انتهى.

وجاء أيضا في "ويكيبيديا، الموسوعة الحرة" عن درب التبَّانة ما هذا نصه: "دربُ التبانة أو درب اللبانة أو الطريق اللبني: هي مجرة حلزونية الشكل، تحوي ما بين 200 إلى 400 مليار نجم ومن ضمنها الشمس، ويبلغ عرضها حوالي 100 ألف سنة ضوئية، وسمكها حوالي ألف سنة ضوئية، ونحن نعيش على حافة تلك المجرة ضمن مجموعتنا الشمسية، والتي تبعد نحو ثلثي المسافة عن مركز المجرة" انتهى.

فتدبَّر ذلك -أيُّها المسلم العاقل- وإنك لن تستطيع تصور هذه الأرقام، ولابدَّ أن تقطع بأن هذه الدعاوى العريضة بعيدةٌ كلَّ البعد عن ظاهر ما أخبرت به الرُّسلُ مما يتعلق ببدء خلق هذا العالم، فإنَّ هذا العالم في علم الرُّسل مخلوق محدَث، أي بعد أن لم يكن، أما عند هؤلاء الملاحدة فإنه قديم، كما هو مذهب فلاسفة اليونان، فإنَّ هذا الكون لا بداية له عندهم، لكن ملاحدة هذا العصر يدعون له بداية ليس لهم فيها مستند إلا الفرض والخيال، وهو ما يعبرون عنه بالانفجار العظيم، كما ورد في موقع ما يسمى ويكبيديا -الموسوعة الحرة- حيث جاء فيها ما هذا نصه: "في علم الكون الفيزيائي: الانفجار العظيم (بالإنجليزية: Big Bang) هو النظرية السائدة حول نشأة الكون ... بعض التقديرات الحديثة تُقدّر حدوث تلك اللحظة [أي لحظة الانفجار] قبل 13.8 مليار سنة، والذي يُعتبر عمر الكون" أهـ.

فيا أيُّها المسلم، قل عند سماعك لهذه الأرقام: آمنت بالله ورسله، وما جاءت به رسله عليهم الصَّلاة والسَّلام، وقل: يا مُقلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينكَ، ولا تكن ممن يحسنون ظنًّا بهؤلاء الكفرة وبعلومهم، ويزعمون أن هذه العلوم تزيد المؤمن إيمانًا، وما رأينا لهذا الزَّعم حقيقة في الواقع، فنعوذُ بالله مِن مضلَّات الفتن ما ظهرَ منها وما بطن، والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


أملاه :

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

في 26 صفر 1436هـ