ابو الوليد المسلم
04-02-2026, 11:20 PM
الوَكِيلُ - الكَفِيلُ جل جلاله
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
عَنَاصِرُ المَوْضُوع:
أوَّلًا: الدَّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاِسْمِ (الوَكِيلِ).
ثَانِيًا: الدَّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاِسْمِ (الكَفِيلِ).
ثَالِثًا: وُرُودُ الاسْمَيْنِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ.
رَابِعًا: مَعْنَى الاسْمِ فِي حَقِّ الله تَعَالَى.
خَامِسًا: ثَمَرَاتُ الإِيمَانِ بِهَذَيْنِ الاسْمَيْنِ.
سَادِسًا: المَعَانِي الإِيمَانِيَّةُ.
النِّيَّاتُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحْضِرَهَا الُمحَاضِرُ: قَبْلَ إِلْقَاءِ هَذِهِ الُمحَاضَرَةِ:
أولًا: النِّيَّاتُ العَامَّةُ:
1- يَنْوي القيامَ بتبليغِ الناسِ شَيْئًا مِنْ دِينِ الله امْتِثَالًا لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «بلِّغُوا عَني ولَوْ آيةً»؛ رواه البخاري.
2- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى ثَوَابِ مَجْلِسِ العِلْمِ [1].
3- رَجَاءَ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ مَجْلِسِه ذلك مَغْفُورًا لَهُ [2].
4- يَنْوِي تَكْثِيرَ سَوَادِ المسْلِمِينَ والالتقاءَ بِعِبادِ الله المؤْمِنينَ.
5- يَنْوِي الاعْتِكَافَ فِي المسْجِدِ مُدةَ المحاضرة - عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَ ذَلِكَ مِنَ الفُقَهَاءِ - لَأَنَّ الاعْتِكَافَ هو الانْقِطَاعُ مُدَّةً للهِ في بيتِ الله.
6- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى أَجْرِ الخُطُوَاتِ إلى المسْجِدِ الذي سَيُلْقِي فيه المحَاضَرَةَ [3].
7- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى ثَوَابِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، إذا كانَ سَيُلْقِي مُحَاضَرَتَه مثلًا مِنَ المغْرِبِ إلى العِشَاءِ، أَوْ مِنَ العَصْرِ إِلَى الَمغْرِبِ [4].
8- رَجَاءَ أَنْ يَهْدِي اللهُ بسببِ مُحَاضَرَتِه رَجُلًا، فَيَأْخُذَ مِثْلَ أَجْرِهِ [5].
9- يَنْوِي إرْشَادَ السَّائِليِنَ، وتَعْلِيمَ المحْتَاجِينَ، مِنْ خِلَالِ الرَّدِّ عَلَى أَسْئِلَةِ المسْتَفْتِينَ [6].
10- يَنْوِي القِيَامَ بِوَاجِبِ الأمرِ بالمعروفِ، وَالنهيِ عَنِ الُمنْكَرِ - بالحِكْمَةِ والموعظةِ الحسنةِ - إِنْ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي ذلك(4).
11- يَنْوِي طَلَبَ النَّضْرَةِ الَمذْكُورَةِ فِي قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْها»؛ رواه أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ الألبانيُّ في صحيحِ الجامعِ (6766).
ثُمَّ قَدْ يَفْتَحِ اللهُ عَلَى الُمحَاضِرِ بِنِيَّات صَالِحَةٍ أُخْرَى فَيَتَضَاعَفُ أَجْرُه لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، مُتَّفَقٌ عَلَيه.
ثانيًا: النِّيَّاتُ الخَاصَّةُ:
1- تَنْوِي تَعْرِيفَ المُسْلِمِينَ بِمَعَانِي اسْمَيِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى (الوَكِيلِ - وَالكَفِيلِ).
2- تَنْوِي غَرْسَ عَقِيدَةِ التَّوَكُّلِ فِي قُلُوبِ المُسْلِمِينَ.
3- تَنْوِي لَفْتَ نَظَرِ النَّاسِ إلَى أَنَّ الرِّزْقَ مِنَ الله وَحْدَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الكَفِيلُ بِعِبَادِهِ.
4- تَنْوِي حَثَّ المُسْلِمِينَ عَلَى الأَخْذِ بِالأَسَبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ واعْتِمَادِ القَلْبِ عَلَى الوَكِيلِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ.
أوَّلًا: الدَّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاسْمِ (الوَكِيلِ):
الوَكِيلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ القَيِّمُ الكَفِيلُ الَّذِي تَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِ العِبَادِ.
وَحَقِيقَةُ الوَكِيلِ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بَأَمْرِ المَوْكُولِ إِلَيْهِ، يُقَالُ: تَوكَّلَ بِالأَمْرِ إِذَا ضَمِنَ القِيَامَ بِهِ، وَوَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلاَنٍ أَيْ أَلجَأْتُهُ إِلَيْهِ واعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ.
وَوَكَّلَ فُلاَنٌ فُلانًا إِذَا اسْتَكْفَاهُ أَمْرَهُ، إِمَّا ثِقَةً بِكِفَايَتِهِ أَوْ عَجْزًا عَنِ القِيَامِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَوَكِيلُكَ فِي كَذَا إِذَا سَلَّمْتَهُ الأَمْرَ وَتَرَكْتَهُ لَهُ وَفَوَّضْتَهُ إِلَيهِ واكْتَفَيْتَ بِهِ [7].
فَالتَّوَكُّلُ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى تَوَلِّي الإِشْرَافِ عَلَى الشَّيْءِ وَمُرَاقَبَتِهِ وَتَعَهُّدِهِ؛ وَمِنْهُ مَا وَرَدَ عِنْدَ البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحيَيْهِ، تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالجَنَّة» [8].
وَقَدْ يَأْتِي التَّوَكُّلُ بِمَعْنَى الاعْتِمَادِ عَلَى الغَيْرِ والرُّكُونِ إِلَيْهِ وَمِنْهُ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].
وَرُبَّمَا يُفَسَّرُ الوَكِيلُ بِالكَفِيلِ، وَالوَكِيلُ أَعَمُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَفِيلٍ وَكِيلٌ وَلَيْسَ كُلُّ وَكِيلٍ كَفِيلًا.
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» [9].
وَالوَكِيلُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي تَوَكَّلَ بِالعَالَمِينَ خَلْقًا وَتَدْبِيرًا، وَهِدَايَةً وَتَقْدِيرًا، فَهُوَ المُتَوَكِّلُ بِخَلْقِهِ إِيجَادًا وَإِمْدَادًا كَمَا قَالَ -: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62]، وَقَالَ هُودٌ: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: 56]، فَالوَكِيلُ الكَفِيلُ بِأَرْزَاقِ عِبَادِهِ وَمَصَالحِهِمْ[10].
وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَكِيلُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا اعْتِقَادَهُمْ فِي حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَخَرَجُوا مِنْ حَوْلِهِمْ وَطَوْلِهِمْ وَآمَنُوا بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ لاَ حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، فَرَكَنُوا إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَجَعَلُوا اعْتِمَادَهُمْ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ حَيَاتِهِمْ، وَفَوَّضُوا إِلَيْهِ الأَمْرَ قَبْلَ سَعْيِهِمْ، وَاسْتَعَانُوا بِهِ حَالَ كَسْبِهِمْ، وَحَمَدُوهُ بِالشُّكْرِ بَعْدَ تَوْفِيقِهِمْ، وَالرِّضَا بِالمَقْسُومِ بَعْدَ ابْتِلَائِهِمْ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ المؤْمِنينَ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [الأحزاب: 48]، وقال: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 9] [11].
وَيَذْكُرُ ابْنُ القَيِّمِ أَنَّ تَوكِيلَ العَبْدِ رَبَّهُ يَكُونُ بِتَفْوِيضِهِ نَفْسَهُ إِلَيْهِ وَعَزْلِهَا عَنِ التَّصَرُّفِ إِلاَّ بِإذْنِهِ يَتَوَلَّى شُؤُونَ أَهْلِهِ وَوَلِيِّةِ، وَهَذَا هُوَ عَزْلُ النَّفْسِ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ وَقِيَامُهَا بِالعُبُوِدِيَّةِ وَهُوَ مَعْنَى كَوْنُ الرَّبِّ وَكِيلُ عَبْدِهِ أَيْ كَافِيهِ وَالقَائِمُ بِأُمُورِهِ وَمَصَالِحِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُ فِي التَّصَرُّفِ، فَوَكَالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ أَمْرٌ وَتَعَبُّدٌ وإِحْسَانٌ لَهُ وَخَلْعَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ وَافْتِقَارٍ إِلَيْهِ، وَأَمَّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَتَسْلِيمٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ وَقِيَامٌ بِعُبُودِيَّتِهِ [12].
ثَانِيًا: الدَّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاِسْمِ (الكَفِيلِ):[13]
وَأَمَّا الكَفِيلُ فَهُوَ مِنْ كَفَلَهُ يَكْفُلُهُ وَكَفَّلَهُ إِيَّاهُ، وَالكَافِلُ: العَائِلُ، وَفِي التَّنْزِيلِ العَزِيزِ ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 37] [14].
وَفِي الحَدِيثِ: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الجَنَّةِ، لَهُ وَلِغَيْرِهِ»، وَالكَافِلُ: القَائِمُ بِأَمْرِ اليَتِيمِ المُرَبِّي لَهُ، وَهُوَ مِنَ الكَفِيلِ الضَّمِينِ.
وَقَالَ ابِنُ الأَعْرَابِيِّ: «كَفِيلٌ وَكَافِلٌ، وَضَمِينٌ وَضَامِنٌ بِمَعْنَىً وَاحِدٍ».
وَفِي التَهْذِيبِ لِلأَزْهَرِيِّ: «وَأَمَّا الكَافِلُ فَهُوَ الَّذِي كَفَلَ إِنْسَانًا يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ» [15].
ثَالِثًا: وُرُودُ الاسْمَيْنِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ:
وَرَدَ (الوَكِيلُ) فِي القُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، مِنْهَا:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]، وَقَوْلُهُ: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [هود: 12].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [يوسف: 66].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: 2].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 9].
وَأَمَّا (الكَفِيلُ) فَقَدْ جَاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً:
فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: 91].
رَابِعًا: مَعْنَى الاسْمِ فِي حَقِّ الله تَعَالَى:
قَالَ الفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾: «كَفِيلًا بِمَا وَعَدَكَ» [16].
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾: يُقَالُ: «رَبًّا، وَيُقَالُ: كَافِيًا» [17].
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]: «كَفَانَا اللهُ، يَعْنِي: يَكْفِينَا اللهُ.
﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ يَقُولُ: وَنِعْمَ المَوْلَى لِمَنْ وَلِيَهُ وَكَفَلَهُ، وَإِنَّمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ (الوَكِيلَ) فِي كَلَامِ العَرَبِ هُوَ: المُسْنَدُ إِلَيْهِ القِيَامُ بِأَمْرِ مَنْ أَسْنَدَ إِلَيْهِ القِيَامَ بِأَمْرِهِ، فَلَمَّا كَانَ القَومُ الذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الآيَاتِ قَدْ كَانُوا فَوَّضُوا أَمْرَهُمْ إِلَى الله، وَوَثَقُوا بِهِ، وَأَسْنَدُوا ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَصَفَ نَفْسَهُ بِقِيَامِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَتَفْوِيضِهِمْ أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ بِالوَكَالَةِ، فَقَالَ: وَنِعْمَ الوَكِيلُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ» [18].
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81]: «وَتَوَكَّلْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى الله، يَقُولُ: وَفَوِّضْ أَنْتَ أَمْرَكَ إِلَى الله، وَثِقْ بِهِ فِي أُمُورِكَ، وَوَلِّهَا إِيَّاهُ.
﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ يَقُولُ: وَكَفَاكَ اللهُ، أَيْ: وَحَسْبُكَ بِالله وَكِيلًا، أَيْ: فِيمَا يَأْمُرُكَ، وَوَلِيًّا لَهَا وَدَافِعًا عَنْكَ وَنَاصِرًا» [19].
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102]: «وَاللهُ عَلَى كُلِّ مَا خَلَقَ مِنْ شَيْءٍ رَقِيبٌ وَحَفِيظٌ، يَقُومُ بِأَرْزَاقِ جَمِيعِهِ وَأَقْوَاتِهِ وَسِيَاسَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ بِقُدْرَتِهِ» [20].
وَقَالَ الخَطَّابِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ الفَرَّاءِ أَنَّهُ (الكَافِي): «وَيُقَالُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ الكَفِيلُ بِأرْزَاقِ العِبَادِ، وَالقَائِمِ عَلَيْهِمْ بِمَصَالِحِهِمْ.
وَحَقِيقَتُهُ: أَنَّهُ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِالأَمْرِ المَوْكُولِ إِلَيْهِ، وَمِنْ هَذَا قَولُ المُسْلِمِينَ ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾؛ أي: نِعْمَ الكَفِيلُ بِأُمُورِنَا القَائِمُ بِهَا» [21].
وَقَالَ أَبُوْ عَبْدِ الله الحُلَيْمِيُّ: «(الوَكِيلُ) وَهُوَ: المُوَكَّلُ وَالمُفَوَّضُ إِلَيْهِ عِلْمًا بِأَنَّ الخَلْقَ وَالأَمْرَ لَهَ، لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ دُونِهِ شَيْئًا» [22].
فَيَتَلَخَّصُ فِي (الوَكِيلِ) ثَلَاثَةُ مَعَانٍ:
1- الكَفِيلُ.
2- الْكَافِي.
3- الحَفِيظُ.
وَأَمَّا (الكَفِيلُ):
فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ﴾ [النحل: 91]: «وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ بِالوَفَاءِ بِمَا تَعَاقَدْتُمْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ رَاعِيًا، يَرْعَى المُوفِي مِنْكُمْ بِعَهْدِ الله الَّذِي عَاهَدَ عَلَى الوَفَاءِ بِهِ وَالنَّاقِضِ» [23].
وَسَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى مُجَاهِدٍ فِي مَعْنَى (كَفِيلًا) قَالَ: «وَكِيلًا» [24].
وَقَالَ الحُلَيْمِيُّ: «(الكَفِيلُ) وَمَعْنَاهُ: المُتَقَبِّلُ لِلْكِفَايَاتِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ وَكَفَالَةٍ [25] كَكَفَالَةِ الواحِدِ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لمَّا خَلَقَ المُحْتَاجَ وَأْلْزَمَهُ الحَاجَةَ، وَقَدَّرَ لَهُ البَقَاءَ الَّذِي لاَ يَكُونُ إِلَّا مَعَ إِزَالَةِ العِلَّةِ، وَإِقَامَةِ الكِفَايَةِ، لَمْ يُخْلِهِ مِنْ إِيصَالِ مَا عُلِّقَ بَقَاؤُهُ بِهِ إِلَيْهِ، وَإِدْرَارِهِ فِي الأَوْقَاتِ والأَحْوَالِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ رَبُّنا جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ مُرْتَزِقٍ أَنْ يَرْزُقَ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَرْزُقُ الجَمَاعَةَ مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ، وَالأَجِنَّةِ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا، وَالطِّيْرِ الَّتِي تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا، وَالهَوَامِّ وَالحَشَرَاتِ، وَالسِّبَاعِ فِي الفَلَوَاتِ» [26].
وَقَالَ القُرْطُبِيُّ: «(كَفِيلًا) يَعْنِى: «شَهِيدًا، وَيُقَالُ: حَافِظًا، وَيُقَالُ: ضَامِنًا» [27].
خَامِسًا: ثَمَرَاتُ الإيمَانِ بِهَذَيْنِ الاسْمَيْنِ:
1- إنَّ اللهَ - هُوَ القَائِمُ بَأَمْرِ الخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ وَالمُتَكَفِّلُ بِرِزْقِهِمْ وَإِيصَالِهِ لَهُمْ، وَالرَّعَايَةِ لِمَصَالِحِهِمْ، وَمَا يَنْفَعُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَهَذَا لاَبُدَّ يَتَضَمَّنُ أَوْصَافًا عَظِيمَةً مِنْ أَوْصَافِهِ كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ وَوَفَاءِ عَهْدِهِ، وَصِدْقِ وَعْدِهِ.. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَوْصَافِ الجَلِيلَةِ، اللَّائِقَةِ بِكَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ.
قَالَ القُرْطُبِيُّ: «فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا لَابُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الوَكِيلُ وَالكَفِيلُ المُتَوَكِّلُ بِإِيصَالِهِ إِلَى العَبْدِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ فَيَخْلُقُ لَهُ الشَّبَعَ وَالرِّيَّ، كَمَا يَخْلُقُ لَهُ الهِدَايَةَ فِي القُلُوبِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ سَبَبٍّ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِهِ يُوَكَّلُ بِهِ» [28].
2- الفَرْقُ بَيْنَ وَكَالَةِ الخَالِقِ وَوَكَالَةِ المَخْلُوقِ:
بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الخَلْقَ قَدْ يُشْرَكُونَ مَعَ الخَالِقِ فِي بَعْضِ دَلَالَاتِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى كَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالحَيَاةِ.. وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ.
وَلَكِنْ هَذَا لَا يَعْنِي التَّشَابُهَ فِي الصِّفَاتِ لِمُجَرَّدِ الاشْتِرَاكِ فِي الأَسْمَاءِ فَأَيْنَ سَمْعُ الإِنْسَانِ مِنْ سَمْعِ الرَّحْمَنِ، وَأَيْنَ بَصَرُهُ مِنْ بَصَرِهِ، وَأَيْنَ عِلْمُهُ مِنْ عِلْمِهِ، وَأَيْنَ التُّرَابُ مِنْ رَبِّ الأَرْبَابِ.
وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الخَلْقِ قَدْ يَتَوَكَّلُ بِغَيْرِهِ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَاليَتَامَى والمَسَاكِينِ وَالأَرَامِلِ، فَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّهُ قَدْ شَابَهَ اللهَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ، فإِنَّ هَذَا المُتَوَكِّلَ بِأَمْرِ غَيْرِهِ، هُوَ نَفْسُهُ مُحْتَاجٌ إِلَى رِزْقِ الله وَمَعُونَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ.
قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: «فَإِذَا عَلِمْتُمْ مَعْنَى (الوَكِيلِ) فَلِلَّهِ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَتُهُ العَلْيَاءُ، بِأَحْكَامٍ تَخْتَصُّ بِهِ أَرْبَعَة:
الأوَّل: انْفِرَادُهُ بِحِفْظِ الخَلْقِ.
الثَّانِي: انْفِرَادُهُ بِكِفَايَتِهِمْ.
الثَّالِث: قُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ.
الرَّابِع: إِنَّ جَمِيعَ الأَمْرِ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَنَفْعٍ وَضُرٍّ، كُلُّ ذَلِكَ حَادِثٌ بِيَدِهِ».
ثُمَّ قَالَ: «المَنْزِلَةُ السُّفْلَى لِلْعَبْدِ وَلَهُ فِي ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَحْكَامٍ:
أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنَ الأُمُورِ إِلَيْهِ لِتَحْصُلَ لَهُ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَيَرْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ شَغَبَ مَشَقَّةِ الوُجُوبِ..
الثَّانِي: أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مَا يَسْألُ فَإِنَّ الوَكِيلَ غَنِيٌّ، وَلِهَذَا قِيلَ: مِنْ عَلَامَةِ التَّوْحِيدِ كَثْرَةُ العِيَالِ عَلَى بِسَاطِ التَّوَكُّلِ.
الثَّالِثُ: أَنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ وَكِيلَكَ غَنِيٌّ وَفِيٌّ قَادِرٌ مَلِيٌّ، فَأَعْرِضْ عَنْ دُنْيَاكَ وَأَقْبِلْ عَلَى عِبَادَةِ مَنْ يَتَوَلَّاكَ» [29].
وَنُضِيفُ بِأَنَّ الوَكِيلَ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى القِيَامِ بِأَمْرِ مُوَكِّلِهِ فِي وَقْتٍ وَعَاجِزًا عَنْهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ، غَنِيًّا فِي وَقْتٍ فَقِيرًا فِي آخَرَ، عَالِمًا بِشَيْءٍ جَاهِلًا بِغَيْرِهِ، حَيًّا فِي وَقْتٍ مَيِّتًا فِي غَيْرِهِ، وَاللهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81].
وَقَالَ: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 123].
وَقَالَ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 58].
وَقَالَ الغَزَّالِيُّ مُبَيِّنًا بَعْضَ الفُرُوقِ أَيْضًا: «(الوَكِيلُ) هُوَ المَوْكُولُ إِلَيْهِ الأُمُورُ، وَلَكِنِ المَوْكُولُ إِلَيْهِ يَنْقَسِمُ إِلَى:
(1) مَنْ وُكِلَ إِلَيْهِ بَعْضُ الأُمُورِ، وَذَلِكَ نَاقِصٌ.
(2) وَإِلَى مَنْ وُكِلَ إِلَيْهِ الكُلُّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا اللهُ تَعَالَى:
وَالمَوْكُولُ إِلَيْهِ يَنْقَسِمُ إِلَى:
(1) مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَوْكُولًا إِلَيْهِ لَا بِذَاتِهِ وَلَكِنْ بِالتَّوْكِيلِ وَالتَّفْوِيضِ، وَهَذَا نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ إِلَى التَّفْوِيضِ وَالتَّوْلِيَةِ.
(2) وَإِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ بِذَاتِهِ أَنْ تَكُونَ الأُمُورُ مَوكُولَةً إِلَيْهِ، وَالقُلُوبُ مُتَوَكِّلَةً عَلَيْهِ، لَا بِتَوْلِيَةٍ وَتَفْوِيضٍ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الوَكِيلُ المُطْلَقُ.
وَالوَكِيلُ أَيْضًا يَنْقَسِمُ إِلَى:
(1) مَنْ يَفِي بِمَا يُوكَلُ إِلَيْهِ وَفَاءً تَامًّا مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ.
(2) وَإِلَى مَنْ لَا يَفِي بِالجَمِيعِ.
وَالوَكِيلُ المُطْلَقُ هُوَ الَّذِي الأُمُورُ مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَلِيٌّ بِالقِيَامِ بِهَا، وَفِيٌّ بِإتْمَامِهَا، وَذَلِكَ هُوَ اللهُ تَعَالَى فَقَطْ، وَقَدْ فَهِمْتَ مِنْ هَذَا مِقْدَارَ مَدْخَلِ العَبْدِ فِي هَذَا الاسْمِ [30].
3-وَلَيْسَ فِي إِجْرَاءِ هَذَا الاسْمِ عَلَى الله تَعَالَى نَقْصٌ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ البَعْضُ، مِنْ حَيْثُ مُبَاشَرَةِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لأَمْرِ الخَلَائِقِ وَمَا يُصْلِحُ حَالَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الحَصَّارِ: «وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الاسْمَ نَقْصٌ لَا يَجُوزُ وَصْفُ الخَالِقِ بِهِ! وَهَذَا جَهْلٌ وَرَدٌّ لِلنُّصُوصِ، وَلَو عَلِمَ أَنَّ اخْتِرَاعَ الأَفْعَالِ لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنَ الله وَحْدَهُ، وَأَنَّ مِنَ المُسْتَحِيلِ أَنْ يَنُوبَ عَنِ الله سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُهُ، لَعَلِمَ وُجُوبَ اتِّصَافِهِ سُبْحَانَهُ بِهَذَا الاسْمِ حَقِيقَةً، وَهُوَ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، فَمَنْ عَرَفَ اللهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حُقَّ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَيُفَوِّضَ إِلَيْهِ جَمِيعَ شُؤُونِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المائدة: 11]» [31].
4- حَضَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِ الأُمُورِ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ هَذَا مِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ بِهِ، فَقَالَ: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23]، وقال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84].
فَالتَوَكُّلُ إِذًا يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الإِيمَانِ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ.
وَكَيْفَ لَا يَتَوَكَّلُ المُؤْمِنُ عَلَى الله وَهُوَ ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62].
وَهُوَ الكَافِي لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إلَيْهِ ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 171].
وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ مَحَبَّتِهِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ فَقَالَ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]، وَوَعَدَهُمْ بِالأَجْرِ العَظِيمِ وَالثَّوَابِ الجَزِيلِ، فَقَالَ: ﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الشورى: 36].
وَحَرَّمَ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ التَّوَكُّلَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ وَحْدَهُ حَسْبُهُمْ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، فَقَالَ: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: 2].
وَقَالَ: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 9].
وَقَالَ: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [الزمر: 38].
5- وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ الغَايَةَ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى الله تَعَالَى وَالإنَابَةِ لَهُ، وَتَفْوِيضِ الأُمُورِ إِلَيْهِ، وَقَدْ مَدَحَهُمْ رَبُّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173].
وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ يَقْصِدُونَهُمْ - وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ - فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «حَسْبُنَا اللُه وَنِعْمَ الوَكِيلُ».
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿ حَسْبُنَا اللُه وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ؛ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [32].
وَكَذَا مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ مِنْ إِظْهَارِ التَّوَكُّلِ عَلَى الله وَتَسْلِيمِ الأَمْرِ لَهُ، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُمْ رَبُّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 22، 23].
6- ومِنْ عَجِيبِ مَا قَصَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ عَنْ بَنِي إِسْرَائَيلَ فِي هَذَا البَابِ، مَا أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ: «ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرِائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائَتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِالله شَهِيدًا، قَالَ: فَائْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِالله كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ عَلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكِبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكِبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلًا فَقُلْتُ كَفَى بِالله كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِالله شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِنِّي جَهِدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكِبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكِبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكِبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَالله مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكِبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكِبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكِبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا»[33].
سَادِسًا: المَعَانِي الإيمَانِيَّةُ[34]:
التَّوَكُّلُ: كِلَةُ الأَمْرِ إِلَى مَالِكِهِ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَهُوَ مِنْ أَصْعَبِ مَنَازِلِ العَامَّةِ عَلَيْهِمْ، وَأَوْهَى السُّبُلِ عِنْدَ الخَاصَّةِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ تَعَالَى قَدْ وَكَّلَ الأُمُورَ كُلَّهَا إِلَى نَفْسِهِ، وَأَيْأَسَ العَالَمَ مِنْ مِلْكِ شَيْءٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: «كِلَةُ الأَمْرِ إِلَى مَالِكِهِ»؛ أيْ: تَسْلِيمُهُ إِلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ.
«وَالتَعْوِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ»؛ أَيْ: الاعْتِمَادُ عَلَى قِيَامِهِ بِالأَمْرِ، وَالاسْتِغْنَاءُ بِفِعْلِهِ عَنْ فِعْلِكَ، وَبِإِرَادَتِهِ عَنْ إِرَادَتِكَ.
وَالوَكَالَةُ يُرَادُ بِهَا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّوْكِيلُ، وَهَوَ الاسْتِنَابَةُ وَالتَّفْوِيضُ.
وَالثَّانِي: التَّوَكُّلُ، وَهَوَ التَّعَرُّفُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنِ المُوَكِّلِ، وَهَذَا مِنَ الجَانِبَيْنِ، فإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُوَكِّلُ العَبْدَ وَيُقِيمُهُ فِي حِفْظِ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَالعَبدَ يُوَكِّلُ الرَّبَّ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا وَكَالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ، فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ [الأنعام: 89].
قَالَ قَتَادَةُ: «وَكَّلْنَا بِهَا الأَنْبِيَاءَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ»، يَعْنِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَالَ أَبُو رَجَاءٍ العُطَارِدِيُّ: «مَعْنَاهُ إِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ الأَرْضِ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا أَهْلَ السَّمَاءِ وَهُمُ المَلَائِكَةُ».
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: «هُمُ الأَنْصَارُ أَهْلُ المَدِينَةِ».
وَالصَّوَابُ أَنَّ المُرَادَ مَنْ قَامَ بِهَا إِيمَانًا وَدَعْوَةً وَجِهَادًا وَنُصْرَةً، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ وَكَّلَهُمُ اللهُ بِهَا.
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقُالَ: إِنَّ أَحَدًا وَكِيلُ الله؟
قُلْتُ: لَا؛ فَإِنَّ الوَكِيلَ مَنْ يَتَصَرَّفُ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، وَاللهُ ﻷ لَا نَائِبَ لَهُ، وَلَا يَخْلُفُهُ أَحَدٌ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَخْلُفُ عَبْدَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ» [35].
عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَأَمُورٌ بِحِفْظِ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَرِعَايَتِهِ وَالقِيَامِ بِهِ.
وَأَمَّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَهُوَ تَفْوِيضُهُ إِلَيْهِ، وَعَزْلُ نَفْسِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، وَإِثْبَاتِهِ لأَهْلِهِ وَوَلِيِّهِ. وَلِهَذَا قِيلَ فِي التَّوَكُّلِ: أَنَّهُ عَزْلُ النَّفْسِ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَقِيَامُهَا بِالعُبُودِيَّةِ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الرَّبِّ وَكِيلَ عَبْدِهِ: أَيْ كَافِيهِ وَالقَائِمُ بِأُمُورِهِ وَمَصَالِحِهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فِي التَّصَرُّفِ، فَوَكَالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ أَمْرٌ وَتَعَبُّدٌ وَإِحْسَانٌ لَهُ، وَخَلْعَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ، لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ، وَافْتِقَارٍ إِلَيْهِ كَمُوَالَاتِهِ. وَأَمَّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ: فَتَسْلِيمٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وَقِيَامٌ بِعُبُودِيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: «وَهُوَ مِنْ أَصْعَبِ مَنَازِلِ العَامَّةِ عَلَيْهِمْ»؛ لِأَنَّ العَامَّةَ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَمَأْلُوفَاتِهِمْ، وَلَمْ يُشَاهِدُوا الحَقِيقَةَ الَّتِي شَهِدَهَا الخَاصَّةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ التَّوْكِيلَ فَهُمْ فِي رِقِّ الأَسْبَابِ؛ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ عَنْهَا، وَخُلُوُّ القَلْبِ مِنْهَا، والاشْتِغَالُ بِمُلَاحَظَةِ المُسَبِّبِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ «أَوْهَى السُّبُلِ عِنْدَ الخَاصَّةِ» فَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مِنْ أَجَلِّ السُّبُلِ عِنْدَهُمْ وَأَفْضَلِهَا، وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ البَابِ أَمْرُ الله رَسُولَهُ بِذَلِكَ، وَحَضُّهُ عَلَيْهِ هُوَ وَالمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ صلى الله عليه وسلم المُتَوَكِّلُ وَتَوَكُّلُهُ أَعْظَمُ تَوَكُّلٍ، وَقَدْ قَالَ اللهُ لَهُ: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ [النمل: 79]، وَفِي ذِكْرِ أَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ مَعَ إِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الحَقِّ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ بِمَجْمُوعِهِ فِي هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ: أَنْ يَكُونَ العَبْدُ عَلَى الحَقِّ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ، وَاعْتِقَادِهِ وَنِيَّتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَكِّلًا عَلَى الله وَاثِقًا بِهِ. فَالدِّينُ كُلُّهُ فِي هَذَيْنِ المَقَامَيْنِ، وَقَالَ رُسُلُ الله وَأَنْبِيَاؤُهُ: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12]، فَالعَبْدُ آفَتُهُ: إِمَّا مِنْ عَدَمِ الهِدَايَةِ، وَإِمَّا مِنْ عَدَمِ التَّوَكُّلِ، فَإِذَا جَمَعَ التَّوَكُّلَ إِلَى الهِدَايَةِ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ كُلَّهُ.
نَعَمْ، التَّوَكُّلُ عَلَى الله فِي مَعْلُومِ الرِّزْقِ المَضْمُونِ، والاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ التَّوَكُّلِ فِي نُصْرَةِ الحَقِّ وَالدِّينِ مِنْ أَوْهَى مَنَازِلِ الخَاصَّةِ، أَمَّا التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ فِي حُصُولِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فِيهِ وَفِي الخَلْقِ فَهَذَا تَوَكُّلُ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَوْهَى مَنَازِلِ الخَاصَّةِ؟
قَوْلُهُ: «لأَنَّ الحَقَّ قَدْ وَكَّلَ الأُمُورَ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَيْأَسَ العَالَمَ مِنْ مُلْكِ شَيْءٍ مِنْهَا».
جَوَابُهُ: أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ أَسْنَدَ إِلَى عِبَادِهِ كَسْبًا وَفِعْلًا وَإِقْدَارًا، وَاخْتِيَارًا، وَأَمْرًا وَنَهْيًا، اسْتَعْبَدَهُمْ بِهِ، وَامْتَحَنَ بِهِ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَمَنْ يُؤْثِرُهُ مِمَّنْ يُؤْثِرُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ عَلَيْهِ فِيمَا أَسْنَدَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَعَبَّدَهُمْ بِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ المُحْسِنِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ التَّوَابِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ كِفَايَتَهُ لَهُمْ مَقْرُونَةٌ بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ كَافٍ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَحَسْبُهُ، وَجَعَلَ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ البِرِّ، وَمَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِهِ جَزَاءً مَعْلُومًا.
وَجَعَلَ نَفْسَهُ جَزَاءَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ وَكِفَايَتُهِ؛ فَقَالَ: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 5]، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]، ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوَكُّلِ: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].
فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الجَزَاءِ الَّذِي حَصَلَ لِلْمُتَوَكِّلِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ أَقْوَى السُّبُلِ عِنْدَهُ وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَوْنُهُ وَكَلَ الأُمُورَ إِلَى نَفْسِهِ بِمُنَافٍ لَتَوَكُّلِ العَبْدِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذَا تَحْقِيقُ كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّهَا مَوْكُولَةً إِلَى نَفْسِهِ؛ لأَنَّ العَبْدَ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ وَتَحَقَّقَهُ مَعْرِفَةً صَارَتْ حَالُهُ التَّوَكُّلَ قَطْعًا عَلَى مَنْ هَذَا شَأْنُهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا مَوْكَولَةٌ إِلَيْهِ، وَأَنَّ العَبدَ لَا يَمْلُكُ شَيْئًا مِنْهَا، فَهُوَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِهِ إِلَيْهِ، وَثِقَتِهِ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ فَقْرِهِ، وَعَدَمِ مِلْكِهِ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ الأَمْرِ كُلِّهِ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلُ يَنْشَأُ مِنْ هَذَينِ العِلْمَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كُلُّهُ للهِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ؛ فَكَيْفَ يُوَكَّلُ المَالِكُ عَلَى مِلْكِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْتَنِيبُهُ فِيمَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ دُونَ هَذَا المُوَكَّلِ؟ فَالخَاصَّةُ لمَّا تَحَقَّقُوا هَذَا نَزَلُوا عَنْ مَقَامِ التَّوَكُّلِ وَسَلَّمُوهُ إِلَى العَامَّةِ، وَبَقِيَ الخِطَابُ بَالتَّوَكُّلِ لَهُمْ دُونَ الخَاصَّةِ.
قِيلَ: لَمَّا كَانَ الأَمْرُ كُلُّهُ للهِ ﻷ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ، كَانَ تَوَكُّلُهُ عَلَى الله تَسْلِيمُ الأَمْرِ إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ، وَعَزْلُ نَفْسِهِ عَنْ مُنَازَعَاتِ مَالِكِهِ وَاعْتِمَادُهُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَخُرُوجُهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ، وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَكَوْنِهِ بِهِ، إِلَى تَصَرُّفِهِ بِرَبِّهِ، وَكَوْنِهِ بِهِ سُبْحَانَهُ دَونَ نَفْسِهِ، وَهَذَا مَقْصُودُ التَّوَكُّلِ.
وَأَمَّا عَزْلُ العَبْدِ نَفْسَهُ عَنْ مَقَامِ التَّوَكُّلِ فَهُوَ عَزْلٌ لَهَا عَنْ حَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ.
وَأَمَّا تَوَجُّهُ الخِطَابِ بِهِ إِلَى العَامَّةِ: فَسُبْحَانَ الله! هَلْ خَاطَبَ اللهُ بِالتَّوكُّلِ فِي كِتَابِهِ إِلَّا خَوَاصَّ خَلْقِهِ، وَأَقْرَبَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَيْهِ؟ وَشَرَطَ فِي إِيمَانِهِم أَنْ يَكُونُوا مُتَوَكِّلِينَ، وَالمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الإِيمَانِ عِنْدَ انْتِفَاءِ التَّوَكُّلِ، فَمَنْ لَا تَوَكُّلَ لَهُ لَا إِيمَانَ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23].
وقال تعالى: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 122].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ المُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ رُسُلِهِ بِأَنَّ التَّوَكُّلَ مَلْجَؤُهُمْ وَمَعَاذُهُمْ، وَأَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِع مِنْ كِتَابِهِ.
وَقَالَ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس: 84، 85]، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَوْهَى السُّبُلِ، وَهَذَا شَأْنُهُ؟ وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
التَّوَكُّلُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ:
قَالَ: «وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ، كُلُّهَا تَسِيرُ مَسِيرَ العَامَّةِ.
الدَّرَجَةُ الأُولَى: التَّوَكُّلُ مَعَ الطَّلَبِ وَمُعَاطَاةِ السَّبَبِ عَلَى نِيَّةِ شَغْلِ النَّفْسِ بِالسَّبَبِ؛ مَخَافَةً، وَنَفْعِ الخَلْقِ، وَتَرْكِ الدَّعْوَى».
يَقُولُ: إِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ يَتَوَكَّلُ عَلَى الله وَلَا يَتْرُكُ الأَسَبَابَ، بَلْ يَتَعَاطَاهَا عَلَى نِيَّةِ شَغْلِ النَّفْسِ بِالسَّبَبِ؛ مَخَافَةَ أَنْ تَفْرُغَ فَتَشْتَغِلَ بِالهَوَى وَالحُظُوظِ، فَإِنْ لَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِمَا يَنْفَعُهَا شَغَلَتْهُ بِمَا يَضُرُّهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الفَرَاغُ مَعَ حِدَّةِ الشَّبَابِ، وَمِلْكِ الجِدَةِ، وَمَيْلِ النَّفْسِ إِلَى الهَوَى، وَتَوَالِي الغَفَلَاتِ، كَمَا قِيلَ:
إنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِدَة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَيَكُونُ أيْضًا قِيَامُهُ بِالسَّبَبِ عَلَى نِيَّةِ نَفْعِ النَّفْسِ، وَنَفْعِ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَيَحْصُلُ لَهُ نَفْعُ نَفْسِهِ وَنَفْعُ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا تَضَمُّنُ ذَلِكَ لِتَرْكِ الدَّعْوَى؛ فَإِنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِالسَّبَبِ تَخَلَّصَ مِنْ إِشَارَةِ الخَلْقِ إِلَيْهِ، المُوجِبَةِ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، المُوجِبِ لِدَعْوَاهُ، فَالسَّبَبُ سَتْرٌ لِحَالِهِ وَمَقَامِهِ، وَحِجَابٌ مُسْبَلٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَشهَدَ بِهِ فَقْرُهُ وَذُلُّهُ، وَامْتِهَانُهُ امْتِهَانَ العَبِيدِ وَالفَعَلَةِ، فَيَتَخَلَّصَ مِنْ رُعُونَةِ دَعْوَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ إِذَا امْتَهَنَ نَفْسَهُ بِمُعْاطَاةِ الأَسْبَابِ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الأمْرَاضِ.
فَيُقَالُ: إِذَا كَانَتِ الأَسْبَابُ مَأَمُورًا بِهَا فَفِيهَا فَائِدَةٌ أَجَلُّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ المَقْصُوَدَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، وَهَذِهِ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الوَسَائِلِ، وَهِيَ القِيَامُ بِالعُبُودِيَّةِ وَالأَمْرِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ العَبْدُ، وَأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأُنْزِلَتْ لِأَجْلِهِ الكُتُبُ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَلَهُ وُجِدَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ.
فَالقِيَامُ بِالأَسْبَابِ المَأْمُورِ بِهَا مَحْضُ العُبُودِيَّةِ، وَحَقُّ الله عَلَى عَبْدِهِ الَّذِي تَوَجَّهَتْ بِهِ نَحْوَهُ المَطَالِبُ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوابُ وَالعِقَابُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ إِسْقَاطِ الطَّلَبِ، وَغَضِّ العَيْنِ عَنِ السَّبَبِ، اجْتِهَادًا لتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ، وَقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ، وَتَفَرُّغًا إِلَى حِفْظِ الوَاجِبَاتِ».
قُوْلُهُ: «مَعَ إِسْقَاطِ الطَّلَبِ»؛ أَي مِنَ الخَلْقِ لَا مِنَ الحَقِّ، فَلَا يَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الكَلَامِ وَأَنْفَعِهِ لِلْمُرِيدِ؛ فَإِنَّ الطَّلَبَ مِنَ الخَلْقِ فِي الأَصْلِ مَحْظُوُرٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يُبَاحَ لِلضَّرُورَةِ، كَإِبَاحَةِ المَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَكَذَلِكَ كَانَ شَيْخُنَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الطَّلَبُ وَالسُّؤَالُ.
َوسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي السُّؤَالِ: «هُوَ ظُلمٌ فِي حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظُلْمٌ فِي حَقِّ الخَلْقِ، وَظُلْمٌ فِي حَقِّ النَّفْسِ».
• أَمَّا فِي حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ لِغَيْرِ الله، وَإِرَاقَةِ مَاءِ الوَجْهِ لِغَيْرِ خَالِقِهِ، وَالتَعَوُّضِ عَنْ سُؤَالِهِ بِسُؤَالِ المَخْلُوقِينَ، وَالتَّعَرُّضِ لِمَقْتِهِ إِذَا سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ.
• وَأَمَّا فِي حَقِّ النَّاسِ فَبِمُنَازَعَتِهِمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بِالسُّؤَالِ، وَاسْتِخْرَاجِهِ مِنْهُمْ، وَأَبْغَضُ مَا إِلَيْهِمْ مَنْ يَسْأَلُهُمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَحَبُّ مَا إِلَيْهِمْ مَنْ لَا يَسْأَلُهُمْ؛ فَإِنَّ أَمْوَالَهُمْ مَحْبُوبَاتُهُمْ، وَمَنْ سَأَلَكَ مَحْبُوبَكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لَمَقْتِكَ وَبُغْضِكَ.
• وَأَمَّا ظُلْمُ السَّائِلِ نَفْسَهُ: فَحَيْثُ امْتَهَنَهَا، وَأَقَامَهَا فِي مَقَامِ ذُلِّ السُّؤَالِ، وَرَضِيَ لَهَا بِذُلِّ الطَّلَبِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ لَعَلَّ السَّائِلَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَعْلَى قَدْرًا، وَتَرَكَ سُؤَالَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، فَقَدْ أَقَامَ السَّائِلُ نَفْسَهُ مَقَامَ الذُّلِّ، وَأَهَانَهَا بِذَلِكَ، وَرَضِيَ أَنْ يَكُونَ شَحَّاذًا مِنْ شَحَّاذٍ مَثْلِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَشَحذهُ فَهُوَ أَيْضًا شَحَّاذٌ مِثْلُكَ، وَاللهُ وَحْدَهُ الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
فَسُؤَالُ المَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ سُؤَالُ الفَقِيرِ لِلْفَقِيرِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى كُلَّمَا سَأَلْتَهُ كَرُمْتَ عَلَيْهِ، وَرَضِيَ عَنْكَ، وَأَحَبَّكَ، وَالمَخْلُوقُ كُلَّمَا سَأَلْتَهُ هُنْتَ عَلَيْهِ وَأَبْغَضَكَ وَمَقَتَكَ وَقَلَاكَ، كَمَا قِيلَ:
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَقَبيحٌ بِالعَبْدِ المُرِيدِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِسُؤَالِ العَبِيدِ، وَهُوَ يَجِدُ عِنْدَ مَوْلَاهُ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عَنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟» وَكُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟» فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ [36].
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحمٍ»[37].
وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ - وَهُوَ عَلَى المِنْبَر، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ المَسْأَلَةِ: «وَالْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَاليَدُ العُلْيَا: هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى: هِيَ السَّائِلَةُ» [38].
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإِنِّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» [39].
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَسْأَلَةَ كد يكد بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي الأمْرِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ»[40]، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِالله فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ» [41].
وَفِي السُّنَنِ وَالمُسْنَدِ عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَلَّا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، أَتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ»، فَقُلْتُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا [42].
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ قَبِيصَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، ورجلٌ أصابته حاجةٌ أو فاقةٌ حتى يتكلمَ ثلاثةٌ من ذَوِي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لقدْ حلَّت لَهُ المسألَةُ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ فَسُحْتٌ يَأَكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» [43].
فَالتَّوَكُّلُ مَعَ إِسْقَاطِ هَذَا الطَّلَبِ وَالسُّؤَالِ هُوَ مَحْضُ العُبُودِيَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَغَضُّ العَيْنِ عَنِ التَّسَبُّبِ، اجْتِهَادًا فِي تَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ».
مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالسَّبَبِ، لتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ بِامْتِحَانِ النَّفْسِ؛ لأَنَّ المُتَعَاطِيَ لِلسَّبَبِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ حَصَّلَ التَّوَكُّلَ، وَلَمْ يُحَصِّلْهُ لِثِقَتِهِ بِمَعْلُومِهِ، فإِذَا أَعْرَضَ عَنِ السَّبَبِ صَحَّ لَهُ التَّوَكُّلُ.
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ: مَذْهَبُ قَوْمٍ مِنَ العُبَّادِ وَالسَّالِكينَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ البَادِيَةَ بِلَا زَادٍ، وَيَرَى حَمْلَ الزَّادِ قَدْحًا فِي التَّوَكُّلِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ مَشْهُورَةٌ، وَهَؤُلَاءِ فِي خِفَارَةِ صِدْقِهِمْ وَإِلَّا فَدَرَجَتُهُمْ نَاقِصَةٌ عَنِ العَارِفِينَ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يُمْكِنُ بَشَرًا أَلْبَتَّةَ تَرْكُ الأَسْبَابِ جُمْلَةً.
فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ الخَوَّاصُ كَانَ مُجَرَّدًا فِي التَّوَكُّلِ يُدَقِّقُ فِيهِ، وَيَدْخُلُ البَادِيَةَ بِغَيْرِ زَادٍ، وَكَانَ لَا تُفَارِقُهُ الإِبْرَةُ وَالخَيْطُ وَالرِّكْوَةُ وَالمِقْرَاضُ، فَقِيلِ لَهُ: لِمَ تَحْمِلُ هَذَا، وَأَنْتَ تَمْنَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: «مِثْلُ هَذَا لَا يُنْقِصُ مِنَ التَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّ للهِ عَلَيْنَا فَرَائِضَ، وَالفَقِيرُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَرُبَّمَا تَخَرَّقَ ثَوبُهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِبْرَةٌ وَخُيُوطٌ تَبْدُو عَوْرَتُهُ، فَتَفَسَدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رِكْوَةٌ فَسَدَتْ عَلَيْهِ طَهَارَتُهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ الفَقِيرَ بِلَا رِكْوَةٍ وَلَا إِبْرَةٍ وَلَا خُيُوطٍ فَاتَّهِمْهُ فِي صَلَاتِهِ».
أَفَلَا تَرَاهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ دِينُهُ إِلَّا بِالأَسْبَابِ؟ أَوَ لَيْسَتْ حَرَكَةُ أَقْدَامِهِ وَنَقْلِهَا فِي الطَّرِيقِ وَالاسْتِدْلَالِ عَلَى أَعْلَامِهَا - إِذَا خَفِيَتْ عَلِيْهِ - مِنَ الأَسْبَابِ؟
فَالتَّجَرُّدُ مِنَ الأَسْبَابِ جُمْلَةً مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَحِسًّا.
نَعَمْ قَدْ تَعْرِضُ لِلصَّادِقِ أَحْيَانًا قُوَّةُ ثِقَةٍ بِالله، وَحَالٌ مَعَ الله تَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ كُلِّ سَبَبٍ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ، كَمَا تَحْمِلُهُ عَلَى إِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي مَوَاضِعِ الهَلَكَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الوَقْتُ بِالله لَا بِهِ، فَيَأْتِيهِ مَدَدٌ مِنَ الله عَلَى مُقْتَضَى حَالِهِ، وَلَكِنْ لَا تَدُومُ لَهُ هَذِهِ الحَالُ، وَلَيْسَتْ فِي مُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ هَجْمَةً هَجَمَتْ عَلَيْهِ بِلَا اسْتِدْعَاءٍ فَحُمِلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا اسْتَدْعَى مِثْلَهَا وَتَكَلَّفَهَا لَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ.
وَفِي تِلْكَ الحَالِ إِذَا تَرَكَ السَّبَبَ يَكُونُ مَعْذُورًا لِقُوَّةِ الوَارِدِ، وَعَجْزِهِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالسَّبَبِ، فَيَكُونُ فِي وَارِدِهِ عَوْنٌ لَهُ، وَيَكُونُ حَامِلًا لَهُ، فَإِذَا تَعَاطَى تِلْكَ الحَالَ بِدُونِ ذَلِكَ الوَارِدِ وَقَعَ فِي المُحَالِ.
وَكُلُّ تِلْكَ الحِكَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُحْكَى عَنِ القَومِ فَهِيَ جُزْئِيَّةٌ حَصَلَتْ لَهُمْ أَحْيَانًا، لَيْسَتْ طَرِيقًا مَأْمُورًا بِسُلُوكِهَا، وَلَا مَقْدُورَةً، وَصَارتْ فِتْنَةً لِطَائِفَتَينِ:
• طَائِفَةٍ ظَنَّتْهَا طَرِيقًا وَمَقَامًا، فَعَمِلُوا عَلَيْهَا، فَمِنْهُمْ مَنِ انْقَطَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الاسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا، بَلِ انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ.
• وَطَائِفَةٍ قَدَحُوا فِي أَرْبَابِهَا، وَجَعَلُوهُم مُخَالِفِينَ لِلشَّرْعِ وَالعَقْلِ، مُدَّعِينَ لِأَنْفُسِهِم حَالًا أَكْمَلَ مِنْ حَالِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ قَطُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ الأَسْبَابِ، وَقَدْ ظَاهَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ دِرْعَينِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَحْضُرُ الصَّفَّ قَطُّ عُرْيَانًا، كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا مَعْرِفَةً، وَاسْتَأْجَرَ دَلِيلًا مُشْرِكًا عَلَى دِينِ قَوْمِهِ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقِ الهِجْرَةِ، وَقَدْ هَدَى اللهُ بِهِ العَالَمِينَ وَعَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ إِذَا سَافَرَ فِي جِهَادٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ حَمَلَ الزَّادَ وَالمَزَادَ.
وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ أَولَو التَّوَكُّلِ حَقًّا، وَأَكْمَلُ المُتَوَكِّلِينَ بَعْدَهُمْ هُوَ مَنِ اشْتَمَّ رَائِحَةَ تَوَكُّلِهِمْ مِنْ مَسِيرَةٍ بَعِيدَةٍ، أَوْ لَحِقَ أَثَرًا مِنْ غُبَارِهِمْ، فَحَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحَالُ أَصْحَابِهِ مَحَكُّ الأَحْوَالِ وَمِيزَانِهَا، بِهَا يُعْلَمُ صَحِيحُهَا مِنْ سَقِيمِهَا؛ فَإِنَّ هِمَمَهُمْ كَانَتْ فِي التَّوَكُّلِ أَعْلَى مِنْ هِمَمِ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّ تَوَكُّلَهُمْ كَانَ فِي فَتْحِ بَصَائِرِ القُلُوبِ، وَأَنْ يُعُبَدَ اللهُ فِي جَمِيعِ البِلَادِ، وَأَنْ يُوَحِّدَ جَمِيعُ العِبَادِ، وَأَنْ تُشْرِقَ شُمُوسُ الدِّينِ الحَقِّ عَلَى قَلُوبِ العِبَادِ، فَمَلَؤُوا بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ القُلُوبَ هُدَىً وَإِيمَانًا، وَفَتَحُوا بِلَادَ الكُفْرِ وَجَعَلُوهَا دَارَ إِيمَانٍ، وَهَبَّتْ رِيَاحُ رَوْحِ نَسَمَاتِ التَّوَكُّلِ عَلَى قُلُوبِ أَتْبَاعِهِمْ فَمَلَأَتْهَا يَقِينًا وَإِيمَانًا، فَكَانَتْ هِمَمُ الصَّحَابَةِ ي أَعْلَى وَأَجَلَّ مِنْ أَنْ يَصْرِفَ أَحَدُهُمْ قُوَّةَ تَوَكُّلِهِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَى الله فِي شَيْءٍ يَحْصُلُ بِأَدْنَى حِيلَةٍ وَسَعْيٍ فَيَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ قُوَى تَوَكُّلِهِ.
قَوْلُهُ: «وَقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ»، يُرِيدُ أَنَّ المُتَسَبِّبَ قَدْ يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بِالوِلَايَاتِ الشَّرِيفَةِ فِي العِبَادَةِ، أَوِ التِّجَارَاتِ الرَّفِيعَةِ، وَالأَسْبَابِ الَّتِي لَهُ بِهَا جَاهٌ وَشَرَفٌ فِي النَّاسِ، فَإِذَا تَرَكَهَا يَكُونُ تَرْكُهَا قَمْعًا لِشَرَفِ نَفْسِهِ، وَإِيثَارًا لِلتَّوَاضُعِ.
وَقَوْلُهُ: «وَتَفُّرُّغًا لِحفْظِ الوَاجِباتِ» أَيْ: يَتَفَرَّغُ بِتَرْكِهَا لِحِفْظِ وَاجِبَاتِهِ التِي تُزَاحِمُهَا تِلْكَ الأَسْبَابُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
يتبع
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
عَنَاصِرُ المَوْضُوع:
أوَّلًا: الدَّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاِسْمِ (الوَكِيلِ).
ثَانِيًا: الدَّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاِسْمِ (الكَفِيلِ).
ثَالِثًا: وُرُودُ الاسْمَيْنِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ.
رَابِعًا: مَعْنَى الاسْمِ فِي حَقِّ الله تَعَالَى.
خَامِسًا: ثَمَرَاتُ الإِيمَانِ بِهَذَيْنِ الاسْمَيْنِ.
سَادِسًا: المَعَانِي الإِيمَانِيَّةُ.
النِّيَّاتُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحْضِرَهَا الُمحَاضِرُ: قَبْلَ إِلْقَاءِ هَذِهِ الُمحَاضَرَةِ:
أولًا: النِّيَّاتُ العَامَّةُ:
1- يَنْوي القيامَ بتبليغِ الناسِ شَيْئًا مِنْ دِينِ الله امْتِثَالًا لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «بلِّغُوا عَني ولَوْ آيةً»؛ رواه البخاري.
2- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى ثَوَابِ مَجْلِسِ العِلْمِ [1].
3- رَجَاءَ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ مَجْلِسِه ذلك مَغْفُورًا لَهُ [2].
4- يَنْوِي تَكْثِيرَ سَوَادِ المسْلِمِينَ والالتقاءَ بِعِبادِ الله المؤْمِنينَ.
5- يَنْوِي الاعْتِكَافَ فِي المسْجِدِ مُدةَ المحاضرة - عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَ ذَلِكَ مِنَ الفُقَهَاءِ - لَأَنَّ الاعْتِكَافَ هو الانْقِطَاعُ مُدَّةً للهِ في بيتِ الله.
6- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى أَجْرِ الخُطُوَاتِ إلى المسْجِدِ الذي سَيُلْقِي فيه المحَاضَرَةَ [3].
7- رَجَاءَ الحُصُولِ عَلَى ثَوَابِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، إذا كانَ سَيُلْقِي مُحَاضَرَتَه مثلًا مِنَ المغْرِبِ إلى العِشَاءِ، أَوْ مِنَ العَصْرِ إِلَى الَمغْرِبِ [4].
8- رَجَاءَ أَنْ يَهْدِي اللهُ بسببِ مُحَاضَرَتِه رَجُلًا، فَيَأْخُذَ مِثْلَ أَجْرِهِ [5].
9- يَنْوِي إرْشَادَ السَّائِليِنَ، وتَعْلِيمَ المحْتَاجِينَ، مِنْ خِلَالِ الرَّدِّ عَلَى أَسْئِلَةِ المسْتَفْتِينَ [6].
10- يَنْوِي القِيَامَ بِوَاجِبِ الأمرِ بالمعروفِ، وَالنهيِ عَنِ الُمنْكَرِ - بالحِكْمَةِ والموعظةِ الحسنةِ - إِنْ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي ذلك(4).
11- يَنْوِي طَلَبَ النَّضْرَةِ الَمذْكُورَةِ فِي قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْها»؛ رواه أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ الألبانيُّ في صحيحِ الجامعِ (6766).
ثُمَّ قَدْ يَفْتَحِ اللهُ عَلَى الُمحَاضِرِ بِنِيَّات صَالِحَةٍ أُخْرَى فَيَتَضَاعَفُ أَجْرُه لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، مُتَّفَقٌ عَلَيه.
ثانيًا: النِّيَّاتُ الخَاصَّةُ:
1- تَنْوِي تَعْرِيفَ المُسْلِمِينَ بِمَعَانِي اسْمَيِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى (الوَكِيلِ - وَالكَفِيلِ).
2- تَنْوِي غَرْسَ عَقِيدَةِ التَّوَكُّلِ فِي قُلُوبِ المُسْلِمِينَ.
3- تَنْوِي لَفْتَ نَظَرِ النَّاسِ إلَى أَنَّ الرِّزْقَ مِنَ الله وَحْدَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الكَفِيلُ بِعِبَادِهِ.
4- تَنْوِي حَثَّ المُسْلِمِينَ عَلَى الأَخْذِ بِالأَسَبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ واعْتِمَادِ القَلْبِ عَلَى الوَكِيلِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ.
أوَّلًا: الدَّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاسْمِ (الوَكِيلِ):
الوَكِيلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ القَيِّمُ الكَفِيلُ الَّذِي تَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِ العِبَادِ.
وَحَقِيقَةُ الوَكِيلِ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بَأَمْرِ المَوْكُولِ إِلَيْهِ، يُقَالُ: تَوكَّلَ بِالأَمْرِ إِذَا ضَمِنَ القِيَامَ بِهِ، وَوَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلاَنٍ أَيْ أَلجَأْتُهُ إِلَيْهِ واعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ.
وَوَكَّلَ فُلاَنٌ فُلانًا إِذَا اسْتَكْفَاهُ أَمْرَهُ، إِمَّا ثِقَةً بِكِفَايَتِهِ أَوْ عَجْزًا عَنِ القِيَامِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَوَكِيلُكَ فِي كَذَا إِذَا سَلَّمْتَهُ الأَمْرَ وَتَرَكْتَهُ لَهُ وَفَوَّضْتَهُ إِلَيهِ واكْتَفَيْتَ بِهِ [7].
فَالتَّوَكُّلُ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى تَوَلِّي الإِشْرَافِ عَلَى الشَّيْءِ وَمُرَاقَبَتِهِ وَتَعَهُّدِهِ؛ وَمِنْهُ مَا وَرَدَ عِنْدَ البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحيَيْهِ، تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالجَنَّة» [8].
وَقَدْ يَأْتِي التَّوَكُّلُ بِمَعْنَى الاعْتِمَادِ عَلَى الغَيْرِ والرُّكُونِ إِلَيْهِ وَمِنْهُ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].
وَرُبَّمَا يُفَسَّرُ الوَكِيلُ بِالكَفِيلِ، وَالوَكِيلُ أَعَمُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَفِيلٍ وَكِيلٌ وَلَيْسَ كُلُّ وَكِيلٍ كَفِيلًا.
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» [9].
وَالوَكِيلُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي تَوَكَّلَ بِالعَالَمِينَ خَلْقًا وَتَدْبِيرًا، وَهِدَايَةً وَتَقْدِيرًا، فَهُوَ المُتَوَكِّلُ بِخَلْقِهِ إِيجَادًا وَإِمْدَادًا كَمَا قَالَ -: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62]، وَقَالَ هُودٌ: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: 56]، فَالوَكِيلُ الكَفِيلُ بِأَرْزَاقِ عِبَادِهِ وَمَصَالحِهِمْ[10].
وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَكِيلُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا اعْتِقَادَهُمْ فِي حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَخَرَجُوا مِنْ حَوْلِهِمْ وَطَوْلِهِمْ وَآمَنُوا بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ لاَ حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، فَرَكَنُوا إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَجَعَلُوا اعْتِمَادَهُمْ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ حَيَاتِهِمْ، وَفَوَّضُوا إِلَيْهِ الأَمْرَ قَبْلَ سَعْيِهِمْ، وَاسْتَعَانُوا بِهِ حَالَ كَسْبِهِمْ، وَحَمَدُوهُ بِالشُّكْرِ بَعْدَ تَوْفِيقِهِمْ، وَالرِّضَا بِالمَقْسُومِ بَعْدَ ابْتِلَائِهِمْ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ المؤْمِنينَ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [الأحزاب: 48]، وقال: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 9] [11].
وَيَذْكُرُ ابْنُ القَيِّمِ أَنَّ تَوكِيلَ العَبْدِ رَبَّهُ يَكُونُ بِتَفْوِيضِهِ نَفْسَهُ إِلَيْهِ وَعَزْلِهَا عَنِ التَّصَرُّفِ إِلاَّ بِإذْنِهِ يَتَوَلَّى شُؤُونَ أَهْلِهِ وَوَلِيِّةِ، وَهَذَا هُوَ عَزْلُ النَّفْسِ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ وَقِيَامُهَا بِالعُبُوِدِيَّةِ وَهُوَ مَعْنَى كَوْنُ الرَّبِّ وَكِيلُ عَبْدِهِ أَيْ كَافِيهِ وَالقَائِمُ بِأُمُورِهِ وَمَصَالِحِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُ فِي التَّصَرُّفِ، فَوَكَالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ أَمْرٌ وَتَعَبُّدٌ وإِحْسَانٌ لَهُ وَخَلْعَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ وَافْتِقَارٍ إِلَيْهِ، وَأَمَّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَتَسْلِيمٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ وَقِيَامٌ بِعُبُودِيَّتِهِ [12].
ثَانِيًا: الدَّلاَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ لاِسْمِ (الكَفِيلِ):[13]
وَأَمَّا الكَفِيلُ فَهُوَ مِنْ كَفَلَهُ يَكْفُلُهُ وَكَفَّلَهُ إِيَّاهُ، وَالكَافِلُ: العَائِلُ، وَفِي التَّنْزِيلِ العَزِيزِ ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 37] [14].
وَفِي الحَدِيثِ: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الجَنَّةِ، لَهُ وَلِغَيْرِهِ»، وَالكَافِلُ: القَائِمُ بِأَمْرِ اليَتِيمِ المُرَبِّي لَهُ، وَهُوَ مِنَ الكَفِيلِ الضَّمِينِ.
وَقَالَ ابِنُ الأَعْرَابِيِّ: «كَفِيلٌ وَكَافِلٌ، وَضَمِينٌ وَضَامِنٌ بِمَعْنَىً وَاحِدٍ».
وَفِي التَهْذِيبِ لِلأَزْهَرِيِّ: «وَأَمَّا الكَافِلُ فَهُوَ الَّذِي كَفَلَ إِنْسَانًا يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ» [15].
ثَالِثًا: وُرُودُ الاسْمَيْنِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ:
وَرَدَ (الوَكِيلُ) فِي القُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، مِنْهَا:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]، وَقَوْلُهُ: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [هود: 12].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [يوسف: 66].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: 2].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 9].
وَأَمَّا (الكَفِيلُ) فَقَدْ جَاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً:
فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: 91].
رَابِعًا: مَعْنَى الاسْمِ فِي حَقِّ الله تَعَالَى:
قَالَ الفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾: «كَفِيلًا بِمَا وَعَدَكَ» [16].
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾: يُقَالُ: «رَبًّا، وَيُقَالُ: كَافِيًا» [17].
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]: «كَفَانَا اللهُ، يَعْنِي: يَكْفِينَا اللهُ.
﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ يَقُولُ: وَنِعْمَ المَوْلَى لِمَنْ وَلِيَهُ وَكَفَلَهُ، وَإِنَّمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ (الوَكِيلَ) فِي كَلَامِ العَرَبِ هُوَ: المُسْنَدُ إِلَيْهِ القِيَامُ بِأَمْرِ مَنْ أَسْنَدَ إِلَيْهِ القِيَامَ بِأَمْرِهِ، فَلَمَّا كَانَ القَومُ الذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الآيَاتِ قَدْ كَانُوا فَوَّضُوا أَمْرَهُمْ إِلَى الله، وَوَثَقُوا بِهِ، وَأَسْنَدُوا ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَصَفَ نَفْسَهُ بِقِيَامِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَتَفْوِيضِهِمْ أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ بِالوَكَالَةِ، فَقَالَ: وَنِعْمَ الوَكِيلُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ» [18].
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81]: «وَتَوَكَّلْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى الله، يَقُولُ: وَفَوِّضْ أَنْتَ أَمْرَكَ إِلَى الله، وَثِقْ بِهِ فِي أُمُورِكَ، وَوَلِّهَا إِيَّاهُ.
﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ يَقُولُ: وَكَفَاكَ اللهُ، أَيْ: وَحَسْبُكَ بِالله وَكِيلًا، أَيْ: فِيمَا يَأْمُرُكَ، وَوَلِيًّا لَهَا وَدَافِعًا عَنْكَ وَنَاصِرًا» [19].
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102]: «وَاللهُ عَلَى كُلِّ مَا خَلَقَ مِنْ شَيْءٍ رَقِيبٌ وَحَفِيظٌ، يَقُومُ بِأَرْزَاقِ جَمِيعِهِ وَأَقْوَاتِهِ وَسِيَاسَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ بِقُدْرَتِهِ» [20].
وَقَالَ الخَطَّابِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ الفَرَّاءِ أَنَّهُ (الكَافِي): «وَيُقَالُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ الكَفِيلُ بِأرْزَاقِ العِبَادِ، وَالقَائِمِ عَلَيْهِمْ بِمَصَالِحِهِمْ.
وَحَقِيقَتُهُ: أَنَّهُ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِالأَمْرِ المَوْكُولِ إِلَيْهِ، وَمِنْ هَذَا قَولُ المُسْلِمِينَ ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾؛ أي: نِعْمَ الكَفِيلُ بِأُمُورِنَا القَائِمُ بِهَا» [21].
وَقَالَ أَبُوْ عَبْدِ الله الحُلَيْمِيُّ: «(الوَكِيلُ) وَهُوَ: المُوَكَّلُ وَالمُفَوَّضُ إِلَيْهِ عِلْمًا بِأَنَّ الخَلْقَ وَالأَمْرَ لَهَ، لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ دُونِهِ شَيْئًا» [22].
فَيَتَلَخَّصُ فِي (الوَكِيلِ) ثَلَاثَةُ مَعَانٍ:
1- الكَفِيلُ.
2- الْكَافِي.
3- الحَفِيظُ.
وَأَمَّا (الكَفِيلُ):
فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ﴾ [النحل: 91]: «وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ بِالوَفَاءِ بِمَا تَعَاقَدْتُمْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ رَاعِيًا، يَرْعَى المُوفِي مِنْكُمْ بِعَهْدِ الله الَّذِي عَاهَدَ عَلَى الوَفَاءِ بِهِ وَالنَّاقِضِ» [23].
وَسَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى مُجَاهِدٍ فِي مَعْنَى (كَفِيلًا) قَالَ: «وَكِيلًا» [24].
وَقَالَ الحُلَيْمِيُّ: «(الكَفِيلُ) وَمَعْنَاهُ: المُتَقَبِّلُ لِلْكِفَايَاتِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ وَكَفَالَةٍ [25] كَكَفَالَةِ الواحِدِ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لمَّا خَلَقَ المُحْتَاجَ وَأْلْزَمَهُ الحَاجَةَ، وَقَدَّرَ لَهُ البَقَاءَ الَّذِي لاَ يَكُونُ إِلَّا مَعَ إِزَالَةِ العِلَّةِ، وَإِقَامَةِ الكِفَايَةِ، لَمْ يُخْلِهِ مِنْ إِيصَالِ مَا عُلِّقَ بَقَاؤُهُ بِهِ إِلَيْهِ، وَإِدْرَارِهِ فِي الأَوْقَاتِ والأَحْوَالِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ رَبُّنا جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ مُرْتَزِقٍ أَنْ يَرْزُقَ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَرْزُقُ الجَمَاعَةَ مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ، وَالأَجِنَّةِ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا، وَالطِّيْرِ الَّتِي تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا، وَالهَوَامِّ وَالحَشَرَاتِ، وَالسِّبَاعِ فِي الفَلَوَاتِ» [26].
وَقَالَ القُرْطُبِيُّ: «(كَفِيلًا) يَعْنِى: «شَهِيدًا، وَيُقَالُ: حَافِظًا، وَيُقَالُ: ضَامِنًا» [27].
خَامِسًا: ثَمَرَاتُ الإيمَانِ بِهَذَيْنِ الاسْمَيْنِ:
1- إنَّ اللهَ - هُوَ القَائِمُ بَأَمْرِ الخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ وَالمُتَكَفِّلُ بِرِزْقِهِمْ وَإِيصَالِهِ لَهُمْ، وَالرَّعَايَةِ لِمَصَالِحِهِمْ، وَمَا يَنْفَعُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَهَذَا لاَبُدَّ يَتَضَمَّنُ أَوْصَافًا عَظِيمَةً مِنْ أَوْصَافِهِ كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ وَوَفَاءِ عَهْدِهِ، وَصِدْقِ وَعْدِهِ.. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَوْصَافِ الجَلِيلَةِ، اللَّائِقَةِ بِكَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ.
قَالَ القُرْطُبِيُّ: «فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا لَابُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الوَكِيلُ وَالكَفِيلُ المُتَوَكِّلُ بِإِيصَالِهِ إِلَى العَبْدِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ فَيَخْلُقُ لَهُ الشَّبَعَ وَالرِّيَّ، كَمَا يَخْلُقُ لَهُ الهِدَايَةَ فِي القُلُوبِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ سَبَبٍّ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِهِ يُوَكَّلُ بِهِ» [28].
2- الفَرْقُ بَيْنَ وَكَالَةِ الخَالِقِ وَوَكَالَةِ المَخْلُوقِ:
بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الخَلْقَ قَدْ يُشْرَكُونَ مَعَ الخَالِقِ فِي بَعْضِ دَلَالَاتِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى كَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالحَيَاةِ.. وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ.
وَلَكِنْ هَذَا لَا يَعْنِي التَّشَابُهَ فِي الصِّفَاتِ لِمُجَرَّدِ الاشْتِرَاكِ فِي الأَسْمَاءِ فَأَيْنَ سَمْعُ الإِنْسَانِ مِنْ سَمْعِ الرَّحْمَنِ، وَأَيْنَ بَصَرُهُ مِنْ بَصَرِهِ، وَأَيْنَ عِلْمُهُ مِنْ عِلْمِهِ، وَأَيْنَ التُّرَابُ مِنْ رَبِّ الأَرْبَابِ.
وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الخَلْقِ قَدْ يَتَوَكَّلُ بِغَيْرِهِ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَاليَتَامَى والمَسَاكِينِ وَالأَرَامِلِ، فَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّهُ قَدْ شَابَهَ اللهَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ، فإِنَّ هَذَا المُتَوَكِّلَ بِأَمْرِ غَيْرِهِ، هُوَ نَفْسُهُ مُحْتَاجٌ إِلَى رِزْقِ الله وَمَعُونَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ.
قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: «فَإِذَا عَلِمْتُمْ مَعْنَى (الوَكِيلِ) فَلِلَّهِ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَتُهُ العَلْيَاءُ، بِأَحْكَامٍ تَخْتَصُّ بِهِ أَرْبَعَة:
الأوَّل: انْفِرَادُهُ بِحِفْظِ الخَلْقِ.
الثَّانِي: انْفِرَادُهُ بِكِفَايَتِهِمْ.
الثَّالِث: قُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ.
الرَّابِع: إِنَّ جَمِيعَ الأَمْرِ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَنَفْعٍ وَضُرٍّ، كُلُّ ذَلِكَ حَادِثٌ بِيَدِهِ».
ثُمَّ قَالَ: «المَنْزِلَةُ السُّفْلَى لِلْعَبْدِ وَلَهُ فِي ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَحْكَامٍ:
أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنَ الأُمُورِ إِلَيْهِ لِتَحْصُلَ لَهُ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَيَرْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ شَغَبَ مَشَقَّةِ الوُجُوبِ..
الثَّانِي: أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مَا يَسْألُ فَإِنَّ الوَكِيلَ غَنِيٌّ، وَلِهَذَا قِيلَ: مِنْ عَلَامَةِ التَّوْحِيدِ كَثْرَةُ العِيَالِ عَلَى بِسَاطِ التَّوَكُّلِ.
الثَّالِثُ: أَنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ وَكِيلَكَ غَنِيٌّ وَفِيٌّ قَادِرٌ مَلِيٌّ، فَأَعْرِضْ عَنْ دُنْيَاكَ وَأَقْبِلْ عَلَى عِبَادَةِ مَنْ يَتَوَلَّاكَ» [29].
وَنُضِيفُ بِأَنَّ الوَكِيلَ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى القِيَامِ بِأَمْرِ مُوَكِّلِهِ فِي وَقْتٍ وَعَاجِزًا عَنْهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ، غَنِيًّا فِي وَقْتٍ فَقِيرًا فِي آخَرَ، عَالِمًا بِشَيْءٍ جَاهِلًا بِغَيْرِهِ، حَيًّا فِي وَقْتٍ مَيِّتًا فِي غَيْرِهِ، وَاللهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81].
وَقَالَ: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 123].
وَقَالَ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 58].
وَقَالَ الغَزَّالِيُّ مُبَيِّنًا بَعْضَ الفُرُوقِ أَيْضًا: «(الوَكِيلُ) هُوَ المَوْكُولُ إِلَيْهِ الأُمُورُ، وَلَكِنِ المَوْكُولُ إِلَيْهِ يَنْقَسِمُ إِلَى:
(1) مَنْ وُكِلَ إِلَيْهِ بَعْضُ الأُمُورِ، وَذَلِكَ نَاقِصٌ.
(2) وَإِلَى مَنْ وُكِلَ إِلَيْهِ الكُلُّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا اللهُ تَعَالَى:
وَالمَوْكُولُ إِلَيْهِ يَنْقَسِمُ إِلَى:
(1) مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَوْكُولًا إِلَيْهِ لَا بِذَاتِهِ وَلَكِنْ بِالتَّوْكِيلِ وَالتَّفْوِيضِ، وَهَذَا نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ إِلَى التَّفْوِيضِ وَالتَّوْلِيَةِ.
(2) وَإِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ بِذَاتِهِ أَنْ تَكُونَ الأُمُورُ مَوكُولَةً إِلَيْهِ، وَالقُلُوبُ مُتَوَكِّلَةً عَلَيْهِ، لَا بِتَوْلِيَةٍ وَتَفْوِيضٍ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الوَكِيلُ المُطْلَقُ.
وَالوَكِيلُ أَيْضًا يَنْقَسِمُ إِلَى:
(1) مَنْ يَفِي بِمَا يُوكَلُ إِلَيْهِ وَفَاءً تَامًّا مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ.
(2) وَإِلَى مَنْ لَا يَفِي بِالجَمِيعِ.
وَالوَكِيلُ المُطْلَقُ هُوَ الَّذِي الأُمُورُ مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَلِيٌّ بِالقِيَامِ بِهَا، وَفِيٌّ بِإتْمَامِهَا، وَذَلِكَ هُوَ اللهُ تَعَالَى فَقَطْ، وَقَدْ فَهِمْتَ مِنْ هَذَا مِقْدَارَ مَدْخَلِ العَبْدِ فِي هَذَا الاسْمِ [30].
3-وَلَيْسَ فِي إِجْرَاءِ هَذَا الاسْمِ عَلَى الله تَعَالَى نَقْصٌ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ البَعْضُ، مِنْ حَيْثُ مُبَاشَرَةِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لأَمْرِ الخَلَائِقِ وَمَا يُصْلِحُ حَالَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الحَصَّارِ: «وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الاسْمَ نَقْصٌ لَا يَجُوزُ وَصْفُ الخَالِقِ بِهِ! وَهَذَا جَهْلٌ وَرَدٌّ لِلنُّصُوصِ، وَلَو عَلِمَ أَنَّ اخْتِرَاعَ الأَفْعَالِ لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنَ الله وَحْدَهُ، وَأَنَّ مِنَ المُسْتَحِيلِ أَنْ يَنُوبَ عَنِ الله سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُهُ، لَعَلِمَ وُجُوبَ اتِّصَافِهِ سُبْحَانَهُ بِهَذَا الاسْمِ حَقِيقَةً، وَهُوَ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، فَمَنْ عَرَفَ اللهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حُقَّ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَيُفَوِّضَ إِلَيْهِ جَمِيعَ شُؤُونِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المائدة: 11]» [31].
4- حَضَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِ الأُمُورِ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ هَذَا مِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ بِهِ، فَقَالَ: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23]، وقال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84].
فَالتَوَكُّلُ إِذًا يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الإِيمَانِ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ.
وَكَيْفَ لَا يَتَوَكَّلُ المُؤْمِنُ عَلَى الله وَهُوَ ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62].
وَهُوَ الكَافِي لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إلَيْهِ ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 171].
وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ مَحَبَّتِهِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ فَقَالَ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]، وَوَعَدَهُمْ بِالأَجْرِ العَظِيمِ وَالثَّوَابِ الجَزِيلِ، فَقَالَ: ﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الشورى: 36].
وَحَرَّمَ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ التَّوَكُّلَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ وَحْدَهُ حَسْبُهُمْ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، فَقَالَ: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: 2].
وَقَالَ: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 9].
وَقَالَ: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [الزمر: 38].
5- وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ الغَايَةَ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى الله تَعَالَى وَالإنَابَةِ لَهُ، وَتَفْوِيضِ الأُمُورِ إِلَيْهِ، وَقَدْ مَدَحَهُمْ رَبُّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173].
وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ يَقْصِدُونَهُمْ - وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ - فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «حَسْبُنَا اللُه وَنِعْمَ الوَكِيلُ».
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿ حَسْبُنَا اللُه وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ؛ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [32].
وَكَذَا مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ مِنْ إِظْهَارِ التَّوَكُّلِ عَلَى الله وَتَسْلِيمِ الأَمْرِ لَهُ، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُمْ رَبُّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 22، 23].
6- ومِنْ عَجِيبِ مَا قَصَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ عَنْ بَنِي إِسْرَائَيلَ فِي هَذَا البَابِ، مَا أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ: «ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرِائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائَتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِالله شَهِيدًا، قَالَ: فَائْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِالله كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ عَلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكِبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكِبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلًا فَقُلْتُ كَفَى بِالله كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِالله شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِنِّي جَهِدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكِبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكِبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكِبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَالله مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكِبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكِبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكِبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا»[33].
سَادِسًا: المَعَانِي الإيمَانِيَّةُ[34]:
التَّوَكُّلُ: كِلَةُ الأَمْرِ إِلَى مَالِكِهِ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَهُوَ مِنْ أَصْعَبِ مَنَازِلِ العَامَّةِ عَلَيْهِمْ، وَأَوْهَى السُّبُلِ عِنْدَ الخَاصَّةِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ تَعَالَى قَدْ وَكَّلَ الأُمُورَ كُلَّهَا إِلَى نَفْسِهِ، وَأَيْأَسَ العَالَمَ مِنْ مِلْكِ شَيْءٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: «كِلَةُ الأَمْرِ إِلَى مَالِكِهِ»؛ أيْ: تَسْلِيمُهُ إِلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ.
«وَالتَعْوِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ»؛ أَيْ: الاعْتِمَادُ عَلَى قِيَامِهِ بِالأَمْرِ، وَالاسْتِغْنَاءُ بِفِعْلِهِ عَنْ فِعْلِكَ، وَبِإِرَادَتِهِ عَنْ إِرَادَتِكَ.
وَالوَكَالَةُ يُرَادُ بِهَا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّوْكِيلُ، وَهَوَ الاسْتِنَابَةُ وَالتَّفْوِيضُ.
وَالثَّانِي: التَّوَكُّلُ، وَهَوَ التَّعَرُّفُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنِ المُوَكِّلِ، وَهَذَا مِنَ الجَانِبَيْنِ، فإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُوَكِّلُ العَبْدَ وَيُقِيمُهُ فِي حِفْظِ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَالعَبدَ يُوَكِّلُ الرَّبَّ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا وَكَالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ، فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ [الأنعام: 89].
قَالَ قَتَادَةُ: «وَكَّلْنَا بِهَا الأَنْبِيَاءَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ»، يَعْنِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَالَ أَبُو رَجَاءٍ العُطَارِدِيُّ: «مَعْنَاهُ إِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ الأَرْضِ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا أَهْلَ السَّمَاءِ وَهُمُ المَلَائِكَةُ».
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: «هُمُ الأَنْصَارُ أَهْلُ المَدِينَةِ».
وَالصَّوَابُ أَنَّ المُرَادَ مَنْ قَامَ بِهَا إِيمَانًا وَدَعْوَةً وَجِهَادًا وَنُصْرَةً، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ وَكَّلَهُمُ اللهُ بِهَا.
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقُالَ: إِنَّ أَحَدًا وَكِيلُ الله؟
قُلْتُ: لَا؛ فَإِنَّ الوَكِيلَ مَنْ يَتَصَرَّفُ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، وَاللهُ ﻷ لَا نَائِبَ لَهُ، وَلَا يَخْلُفُهُ أَحَدٌ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَخْلُفُ عَبْدَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ» [35].
عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَأَمُورٌ بِحِفْظِ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَرِعَايَتِهِ وَالقِيَامِ بِهِ.
وَأَمَّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَهُوَ تَفْوِيضُهُ إِلَيْهِ، وَعَزْلُ نَفْسِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، وَإِثْبَاتِهِ لأَهْلِهِ وَوَلِيِّهِ. وَلِهَذَا قِيلَ فِي التَّوَكُّلِ: أَنَّهُ عَزْلُ النَّفْسِ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَقِيَامُهَا بِالعُبُودِيَّةِ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الرَّبِّ وَكِيلَ عَبْدِهِ: أَيْ كَافِيهِ وَالقَائِمُ بِأُمُورِهِ وَمَصَالِحِهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فِي التَّصَرُّفِ، فَوَكَالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ أَمْرٌ وَتَعَبُّدٌ وَإِحْسَانٌ لَهُ، وَخَلْعَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ، لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ، وَافْتِقَارٍ إِلَيْهِ كَمُوَالَاتِهِ. وَأَمَّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ: فَتَسْلِيمٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وَقِيَامٌ بِعُبُودِيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: «وَهُوَ مِنْ أَصْعَبِ مَنَازِلِ العَامَّةِ عَلَيْهِمْ»؛ لِأَنَّ العَامَّةَ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَمَأْلُوفَاتِهِمْ، وَلَمْ يُشَاهِدُوا الحَقِيقَةَ الَّتِي شَهِدَهَا الخَاصَّةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ التَّوْكِيلَ فَهُمْ فِي رِقِّ الأَسْبَابِ؛ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ عَنْهَا، وَخُلُوُّ القَلْبِ مِنْهَا، والاشْتِغَالُ بِمُلَاحَظَةِ المُسَبِّبِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ «أَوْهَى السُّبُلِ عِنْدَ الخَاصَّةِ» فَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مِنْ أَجَلِّ السُّبُلِ عِنْدَهُمْ وَأَفْضَلِهَا، وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ البَابِ أَمْرُ الله رَسُولَهُ بِذَلِكَ، وَحَضُّهُ عَلَيْهِ هُوَ وَالمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ صلى الله عليه وسلم المُتَوَكِّلُ وَتَوَكُّلُهُ أَعْظَمُ تَوَكُّلٍ، وَقَدْ قَالَ اللهُ لَهُ: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ [النمل: 79]، وَفِي ذِكْرِ أَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ مَعَ إِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الحَقِّ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ بِمَجْمُوعِهِ فِي هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ: أَنْ يَكُونَ العَبْدُ عَلَى الحَقِّ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ، وَاعْتِقَادِهِ وَنِيَّتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَكِّلًا عَلَى الله وَاثِقًا بِهِ. فَالدِّينُ كُلُّهُ فِي هَذَيْنِ المَقَامَيْنِ، وَقَالَ رُسُلُ الله وَأَنْبِيَاؤُهُ: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12]، فَالعَبْدُ آفَتُهُ: إِمَّا مِنْ عَدَمِ الهِدَايَةِ، وَإِمَّا مِنْ عَدَمِ التَّوَكُّلِ، فَإِذَا جَمَعَ التَّوَكُّلَ إِلَى الهِدَايَةِ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ كُلَّهُ.
نَعَمْ، التَّوَكُّلُ عَلَى الله فِي مَعْلُومِ الرِّزْقِ المَضْمُونِ، والاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ التَّوَكُّلِ فِي نُصْرَةِ الحَقِّ وَالدِّينِ مِنْ أَوْهَى مَنَازِلِ الخَاصَّةِ، أَمَّا التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ فِي حُصُولِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فِيهِ وَفِي الخَلْقِ فَهَذَا تَوَكُّلُ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَوْهَى مَنَازِلِ الخَاصَّةِ؟
قَوْلُهُ: «لأَنَّ الحَقَّ قَدْ وَكَّلَ الأُمُورَ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَيْأَسَ العَالَمَ مِنْ مُلْكِ شَيْءٍ مِنْهَا».
جَوَابُهُ: أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ أَسْنَدَ إِلَى عِبَادِهِ كَسْبًا وَفِعْلًا وَإِقْدَارًا، وَاخْتِيَارًا، وَأَمْرًا وَنَهْيًا، اسْتَعْبَدَهُمْ بِهِ، وَامْتَحَنَ بِهِ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَمَنْ يُؤْثِرُهُ مِمَّنْ يُؤْثِرُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ عَلَيْهِ فِيمَا أَسْنَدَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَعَبَّدَهُمْ بِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ المُحْسِنِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ التَّوَابِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ كِفَايَتَهُ لَهُمْ مَقْرُونَةٌ بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ كَافٍ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَحَسْبُهُ، وَجَعَلَ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ البِرِّ، وَمَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِهِ جَزَاءً مَعْلُومًا.
وَجَعَلَ نَفْسَهُ جَزَاءَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ وَكِفَايَتُهِ؛ فَقَالَ: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 5]، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]، ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوَكُّلِ: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].
فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الجَزَاءِ الَّذِي حَصَلَ لِلْمُتَوَكِّلِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ أَقْوَى السُّبُلِ عِنْدَهُ وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَوْنُهُ وَكَلَ الأُمُورَ إِلَى نَفْسِهِ بِمُنَافٍ لَتَوَكُّلِ العَبْدِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذَا تَحْقِيقُ كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّهَا مَوْكُولَةً إِلَى نَفْسِهِ؛ لأَنَّ العَبْدَ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ وَتَحَقَّقَهُ مَعْرِفَةً صَارَتْ حَالُهُ التَّوَكُّلَ قَطْعًا عَلَى مَنْ هَذَا شَأْنُهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا مَوْكَولَةٌ إِلَيْهِ، وَأَنَّ العَبدَ لَا يَمْلُكُ شَيْئًا مِنْهَا، فَهُوَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِهِ إِلَيْهِ، وَثِقَتِهِ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ فَقْرِهِ، وَعَدَمِ مِلْكِهِ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ الأَمْرِ كُلِّهِ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلُ يَنْشَأُ مِنْ هَذَينِ العِلْمَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كُلُّهُ للهِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ؛ فَكَيْفَ يُوَكَّلُ المَالِكُ عَلَى مِلْكِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْتَنِيبُهُ فِيمَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ دُونَ هَذَا المُوَكَّلِ؟ فَالخَاصَّةُ لمَّا تَحَقَّقُوا هَذَا نَزَلُوا عَنْ مَقَامِ التَّوَكُّلِ وَسَلَّمُوهُ إِلَى العَامَّةِ، وَبَقِيَ الخِطَابُ بَالتَّوَكُّلِ لَهُمْ دُونَ الخَاصَّةِ.
قِيلَ: لَمَّا كَانَ الأَمْرُ كُلُّهُ للهِ ﻷ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ، كَانَ تَوَكُّلُهُ عَلَى الله تَسْلِيمُ الأَمْرِ إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ، وَعَزْلُ نَفْسِهِ عَنْ مُنَازَعَاتِ مَالِكِهِ وَاعْتِمَادُهُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَخُرُوجُهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ، وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَكَوْنِهِ بِهِ، إِلَى تَصَرُّفِهِ بِرَبِّهِ، وَكَوْنِهِ بِهِ سُبْحَانَهُ دَونَ نَفْسِهِ، وَهَذَا مَقْصُودُ التَّوَكُّلِ.
وَأَمَّا عَزْلُ العَبْدِ نَفْسَهُ عَنْ مَقَامِ التَّوَكُّلِ فَهُوَ عَزْلٌ لَهَا عَنْ حَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ.
وَأَمَّا تَوَجُّهُ الخِطَابِ بِهِ إِلَى العَامَّةِ: فَسُبْحَانَ الله! هَلْ خَاطَبَ اللهُ بِالتَّوكُّلِ فِي كِتَابِهِ إِلَّا خَوَاصَّ خَلْقِهِ، وَأَقْرَبَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَيْهِ؟ وَشَرَطَ فِي إِيمَانِهِم أَنْ يَكُونُوا مُتَوَكِّلِينَ، وَالمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الإِيمَانِ عِنْدَ انْتِفَاءِ التَّوَكُّلِ، فَمَنْ لَا تَوَكُّلَ لَهُ لَا إِيمَانَ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23].
وقال تعالى: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 122].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ المُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ رُسُلِهِ بِأَنَّ التَّوَكُّلَ مَلْجَؤُهُمْ وَمَعَاذُهُمْ، وَأَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِع مِنْ كِتَابِهِ.
وَقَالَ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس: 84، 85]، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَوْهَى السُّبُلِ، وَهَذَا شَأْنُهُ؟ وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
التَّوَكُّلُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ:
قَالَ: «وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ، كُلُّهَا تَسِيرُ مَسِيرَ العَامَّةِ.
الدَّرَجَةُ الأُولَى: التَّوَكُّلُ مَعَ الطَّلَبِ وَمُعَاطَاةِ السَّبَبِ عَلَى نِيَّةِ شَغْلِ النَّفْسِ بِالسَّبَبِ؛ مَخَافَةً، وَنَفْعِ الخَلْقِ، وَتَرْكِ الدَّعْوَى».
يَقُولُ: إِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ يَتَوَكَّلُ عَلَى الله وَلَا يَتْرُكُ الأَسَبَابَ، بَلْ يَتَعَاطَاهَا عَلَى نِيَّةِ شَغْلِ النَّفْسِ بِالسَّبَبِ؛ مَخَافَةَ أَنْ تَفْرُغَ فَتَشْتَغِلَ بِالهَوَى وَالحُظُوظِ، فَإِنْ لَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِمَا يَنْفَعُهَا شَغَلَتْهُ بِمَا يَضُرُّهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الفَرَاغُ مَعَ حِدَّةِ الشَّبَابِ، وَمِلْكِ الجِدَةِ، وَمَيْلِ النَّفْسِ إِلَى الهَوَى، وَتَوَالِي الغَفَلَاتِ، كَمَا قِيلَ:
إنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِدَة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَيَكُونُ أيْضًا قِيَامُهُ بِالسَّبَبِ عَلَى نِيَّةِ نَفْعِ النَّفْسِ، وَنَفْعِ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَيَحْصُلُ لَهُ نَفْعُ نَفْسِهِ وَنَفْعُ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا تَضَمُّنُ ذَلِكَ لِتَرْكِ الدَّعْوَى؛ فَإِنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِالسَّبَبِ تَخَلَّصَ مِنْ إِشَارَةِ الخَلْقِ إِلَيْهِ، المُوجِبَةِ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، المُوجِبِ لِدَعْوَاهُ، فَالسَّبَبُ سَتْرٌ لِحَالِهِ وَمَقَامِهِ، وَحِجَابٌ مُسْبَلٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَشهَدَ بِهِ فَقْرُهُ وَذُلُّهُ، وَامْتِهَانُهُ امْتِهَانَ العَبِيدِ وَالفَعَلَةِ، فَيَتَخَلَّصَ مِنْ رُعُونَةِ دَعْوَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ إِذَا امْتَهَنَ نَفْسَهُ بِمُعْاطَاةِ الأَسْبَابِ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الأمْرَاضِ.
فَيُقَالُ: إِذَا كَانَتِ الأَسْبَابُ مَأَمُورًا بِهَا فَفِيهَا فَائِدَةٌ أَجَلُّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ المَقْصُوَدَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، وَهَذِهِ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الوَسَائِلِ، وَهِيَ القِيَامُ بِالعُبُودِيَّةِ وَالأَمْرِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ العَبْدُ، وَأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأُنْزِلَتْ لِأَجْلِهِ الكُتُبُ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَلَهُ وُجِدَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ.
فَالقِيَامُ بِالأَسْبَابِ المَأْمُورِ بِهَا مَحْضُ العُبُودِيَّةِ، وَحَقُّ الله عَلَى عَبْدِهِ الَّذِي تَوَجَّهَتْ بِهِ نَحْوَهُ المَطَالِبُ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوابُ وَالعِقَابُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ إِسْقَاطِ الطَّلَبِ، وَغَضِّ العَيْنِ عَنِ السَّبَبِ، اجْتِهَادًا لتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ، وَقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ، وَتَفَرُّغًا إِلَى حِفْظِ الوَاجِبَاتِ».
قُوْلُهُ: «مَعَ إِسْقَاطِ الطَّلَبِ»؛ أَي مِنَ الخَلْقِ لَا مِنَ الحَقِّ، فَلَا يَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الكَلَامِ وَأَنْفَعِهِ لِلْمُرِيدِ؛ فَإِنَّ الطَّلَبَ مِنَ الخَلْقِ فِي الأَصْلِ مَحْظُوُرٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يُبَاحَ لِلضَّرُورَةِ، كَإِبَاحَةِ المَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَكَذَلِكَ كَانَ شَيْخُنَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الطَّلَبُ وَالسُّؤَالُ.
َوسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي السُّؤَالِ: «هُوَ ظُلمٌ فِي حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظُلْمٌ فِي حَقِّ الخَلْقِ، وَظُلْمٌ فِي حَقِّ النَّفْسِ».
• أَمَّا فِي حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ لِغَيْرِ الله، وَإِرَاقَةِ مَاءِ الوَجْهِ لِغَيْرِ خَالِقِهِ، وَالتَعَوُّضِ عَنْ سُؤَالِهِ بِسُؤَالِ المَخْلُوقِينَ، وَالتَّعَرُّضِ لِمَقْتِهِ إِذَا سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ.
• وَأَمَّا فِي حَقِّ النَّاسِ فَبِمُنَازَعَتِهِمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بِالسُّؤَالِ، وَاسْتِخْرَاجِهِ مِنْهُمْ، وَأَبْغَضُ مَا إِلَيْهِمْ مَنْ يَسْأَلُهُمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَحَبُّ مَا إِلَيْهِمْ مَنْ لَا يَسْأَلُهُمْ؛ فَإِنَّ أَمْوَالَهُمْ مَحْبُوبَاتُهُمْ، وَمَنْ سَأَلَكَ مَحْبُوبَكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لَمَقْتِكَ وَبُغْضِكَ.
• وَأَمَّا ظُلْمُ السَّائِلِ نَفْسَهُ: فَحَيْثُ امْتَهَنَهَا، وَأَقَامَهَا فِي مَقَامِ ذُلِّ السُّؤَالِ، وَرَضِيَ لَهَا بِذُلِّ الطَّلَبِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ لَعَلَّ السَّائِلَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَعْلَى قَدْرًا، وَتَرَكَ سُؤَالَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، فَقَدْ أَقَامَ السَّائِلُ نَفْسَهُ مَقَامَ الذُّلِّ، وَأَهَانَهَا بِذَلِكَ، وَرَضِيَ أَنْ يَكُونَ شَحَّاذًا مِنْ شَحَّاذٍ مَثْلِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَشَحذهُ فَهُوَ أَيْضًا شَحَّاذٌ مِثْلُكَ، وَاللهُ وَحْدَهُ الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
فَسُؤَالُ المَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ سُؤَالُ الفَقِيرِ لِلْفَقِيرِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى كُلَّمَا سَأَلْتَهُ كَرُمْتَ عَلَيْهِ، وَرَضِيَ عَنْكَ، وَأَحَبَّكَ، وَالمَخْلُوقُ كُلَّمَا سَأَلْتَهُ هُنْتَ عَلَيْهِ وَأَبْغَضَكَ وَمَقَتَكَ وَقَلَاكَ، كَمَا قِيلَ:
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَقَبيحٌ بِالعَبْدِ المُرِيدِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِسُؤَالِ العَبِيدِ، وَهُوَ يَجِدُ عِنْدَ مَوْلَاهُ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عَنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟» وَكُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟» فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ [36].
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحمٍ»[37].
وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ - وَهُوَ عَلَى المِنْبَر، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ المَسْأَلَةِ: «وَالْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَاليَدُ العُلْيَا: هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى: هِيَ السَّائِلَةُ» [38].
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإِنِّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» [39].
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَسْأَلَةَ كد يكد بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي الأمْرِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ»[40]، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِالله فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ» [41].
وَفِي السُّنَنِ وَالمُسْنَدِ عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَلَّا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، أَتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ»، فَقُلْتُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا [42].
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ قَبِيصَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، ورجلٌ أصابته حاجةٌ أو فاقةٌ حتى يتكلمَ ثلاثةٌ من ذَوِي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لقدْ حلَّت لَهُ المسألَةُ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ فَسُحْتٌ يَأَكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» [43].
فَالتَّوَكُّلُ مَعَ إِسْقَاطِ هَذَا الطَّلَبِ وَالسُّؤَالِ هُوَ مَحْضُ العُبُودِيَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَغَضُّ العَيْنِ عَنِ التَّسَبُّبِ، اجْتِهَادًا فِي تَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ».
مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالسَّبَبِ، لتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ بِامْتِحَانِ النَّفْسِ؛ لأَنَّ المُتَعَاطِيَ لِلسَّبَبِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ حَصَّلَ التَّوَكُّلَ، وَلَمْ يُحَصِّلْهُ لِثِقَتِهِ بِمَعْلُومِهِ، فإِذَا أَعْرَضَ عَنِ السَّبَبِ صَحَّ لَهُ التَّوَكُّلُ.
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ: مَذْهَبُ قَوْمٍ مِنَ العُبَّادِ وَالسَّالِكينَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ البَادِيَةَ بِلَا زَادٍ، وَيَرَى حَمْلَ الزَّادِ قَدْحًا فِي التَّوَكُّلِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ مَشْهُورَةٌ، وَهَؤُلَاءِ فِي خِفَارَةِ صِدْقِهِمْ وَإِلَّا فَدَرَجَتُهُمْ نَاقِصَةٌ عَنِ العَارِفِينَ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يُمْكِنُ بَشَرًا أَلْبَتَّةَ تَرْكُ الأَسْبَابِ جُمْلَةً.
فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ الخَوَّاصُ كَانَ مُجَرَّدًا فِي التَّوَكُّلِ يُدَقِّقُ فِيهِ، وَيَدْخُلُ البَادِيَةَ بِغَيْرِ زَادٍ، وَكَانَ لَا تُفَارِقُهُ الإِبْرَةُ وَالخَيْطُ وَالرِّكْوَةُ وَالمِقْرَاضُ، فَقِيلِ لَهُ: لِمَ تَحْمِلُ هَذَا، وَأَنْتَ تَمْنَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: «مِثْلُ هَذَا لَا يُنْقِصُ مِنَ التَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّ للهِ عَلَيْنَا فَرَائِضَ، وَالفَقِيرُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَرُبَّمَا تَخَرَّقَ ثَوبُهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِبْرَةٌ وَخُيُوطٌ تَبْدُو عَوْرَتُهُ، فَتَفَسَدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رِكْوَةٌ فَسَدَتْ عَلَيْهِ طَهَارَتُهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ الفَقِيرَ بِلَا رِكْوَةٍ وَلَا إِبْرَةٍ وَلَا خُيُوطٍ فَاتَّهِمْهُ فِي صَلَاتِهِ».
أَفَلَا تَرَاهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ دِينُهُ إِلَّا بِالأَسْبَابِ؟ أَوَ لَيْسَتْ حَرَكَةُ أَقْدَامِهِ وَنَقْلِهَا فِي الطَّرِيقِ وَالاسْتِدْلَالِ عَلَى أَعْلَامِهَا - إِذَا خَفِيَتْ عَلِيْهِ - مِنَ الأَسْبَابِ؟
فَالتَّجَرُّدُ مِنَ الأَسْبَابِ جُمْلَةً مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَحِسًّا.
نَعَمْ قَدْ تَعْرِضُ لِلصَّادِقِ أَحْيَانًا قُوَّةُ ثِقَةٍ بِالله، وَحَالٌ مَعَ الله تَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ كُلِّ سَبَبٍ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ، كَمَا تَحْمِلُهُ عَلَى إِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي مَوَاضِعِ الهَلَكَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الوَقْتُ بِالله لَا بِهِ، فَيَأْتِيهِ مَدَدٌ مِنَ الله عَلَى مُقْتَضَى حَالِهِ، وَلَكِنْ لَا تَدُومُ لَهُ هَذِهِ الحَالُ، وَلَيْسَتْ فِي مُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ هَجْمَةً هَجَمَتْ عَلَيْهِ بِلَا اسْتِدْعَاءٍ فَحُمِلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا اسْتَدْعَى مِثْلَهَا وَتَكَلَّفَهَا لَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ.
وَفِي تِلْكَ الحَالِ إِذَا تَرَكَ السَّبَبَ يَكُونُ مَعْذُورًا لِقُوَّةِ الوَارِدِ، وَعَجْزِهِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالسَّبَبِ، فَيَكُونُ فِي وَارِدِهِ عَوْنٌ لَهُ، وَيَكُونُ حَامِلًا لَهُ، فَإِذَا تَعَاطَى تِلْكَ الحَالَ بِدُونِ ذَلِكَ الوَارِدِ وَقَعَ فِي المُحَالِ.
وَكُلُّ تِلْكَ الحِكَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُحْكَى عَنِ القَومِ فَهِيَ جُزْئِيَّةٌ حَصَلَتْ لَهُمْ أَحْيَانًا، لَيْسَتْ طَرِيقًا مَأْمُورًا بِسُلُوكِهَا، وَلَا مَقْدُورَةً، وَصَارتْ فِتْنَةً لِطَائِفَتَينِ:
• طَائِفَةٍ ظَنَّتْهَا طَرِيقًا وَمَقَامًا، فَعَمِلُوا عَلَيْهَا، فَمِنْهُمْ مَنِ انْقَطَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الاسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا، بَلِ انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ.
• وَطَائِفَةٍ قَدَحُوا فِي أَرْبَابِهَا، وَجَعَلُوهُم مُخَالِفِينَ لِلشَّرْعِ وَالعَقْلِ، مُدَّعِينَ لِأَنْفُسِهِم حَالًا أَكْمَلَ مِنْ حَالِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ قَطُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ الأَسْبَابِ، وَقَدْ ظَاهَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ دِرْعَينِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَحْضُرُ الصَّفَّ قَطُّ عُرْيَانًا، كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا مَعْرِفَةً، وَاسْتَأْجَرَ دَلِيلًا مُشْرِكًا عَلَى دِينِ قَوْمِهِ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقِ الهِجْرَةِ، وَقَدْ هَدَى اللهُ بِهِ العَالَمِينَ وَعَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ إِذَا سَافَرَ فِي جِهَادٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ حَمَلَ الزَّادَ وَالمَزَادَ.
وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ أَولَو التَّوَكُّلِ حَقًّا، وَأَكْمَلُ المُتَوَكِّلِينَ بَعْدَهُمْ هُوَ مَنِ اشْتَمَّ رَائِحَةَ تَوَكُّلِهِمْ مِنْ مَسِيرَةٍ بَعِيدَةٍ، أَوْ لَحِقَ أَثَرًا مِنْ غُبَارِهِمْ، فَحَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحَالُ أَصْحَابِهِ مَحَكُّ الأَحْوَالِ وَمِيزَانِهَا، بِهَا يُعْلَمُ صَحِيحُهَا مِنْ سَقِيمِهَا؛ فَإِنَّ هِمَمَهُمْ كَانَتْ فِي التَّوَكُّلِ أَعْلَى مِنْ هِمَمِ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّ تَوَكُّلَهُمْ كَانَ فِي فَتْحِ بَصَائِرِ القُلُوبِ، وَأَنْ يُعُبَدَ اللهُ فِي جَمِيعِ البِلَادِ، وَأَنْ يُوَحِّدَ جَمِيعُ العِبَادِ، وَأَنْ تُشْرِقَ شُمُوسُ الدِّينِ الحَقِّ عَلَى قَلُوبِ العِبَادِ، فَمَلَؤُوا بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ القُلُوبَ هُدَىً وَإِيمَانًا، وَفَتَحُوا بِلَادَ الكُفْرِ وَجَعَلُوهَا دَارَ إِيمَانٍ، وَهَبَّتْ رِيَاحُ رَوْحِ نَسَمَاتِ التَّوَكُّلِ عَلَى قُلُوبِ أَتْبَاعِهِمْ فَمَلَأَتْهَا يَقِينًا وَإِيمَانًا، فَكَانَتْ هِمَمُ الصَّحَابَةِ ي أَعْلَى وَأَجَلَّ مِنْ أَنْ يَصْرِفَ أَحَدُهُمْ قُوَّةَ تَوَكُّلِهِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَى الله فِي شَيْءٍ يَحْصُلُ بِأَدْنَى حِيلَةٍ وَسَعْيٍ فَيَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ قُوَى تَوَكُّلِهِ.
قَوْلُهُ: «وَقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ»، يُرِيدُ أَنَّ المُتَسَبِّبَ قَدْ يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بِالوِلَايَاتِ الشَّرِيفَةِ فِي العِبَادَةِ، أَوِ التِّجَارَاتِ الرَّفِيعَةِ، وَالأَسْبَابِ الَّتِي لَهُ بِهَا جَاهٌ وَشَرَفٌ فِي النَّاسِ، فَإِذَا تَرَكَهَا يَكُونُ تَرْكُهَا قَمْعًا لِشَرَفِ نَفْسِهِ، وَإِيثَارًا لِلتَّوَاضُعِ.
وَقَوْلُهُ: «وَتَفُّرُّغًا لِحفْظِ الوَاجِباتِ» أَيْ: يَتَفَرَّغُ بِتَرْكِهَا لِحِفْظِ وَاجِبَاتِهِ التِي تُزَاحِمُهَا تِلْكَ الأَسْبَابُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
يتبع