المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البناء الفكري من قصص الكتاب والسُنَّة


ابو الوليد المسلم
04-21-2026, 12:13 PM
البناء الفكري من قصص الكتاب والسُنَّة
(المصالح والمفاسد) (1)









كتبه/ محمد سعيد الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه مجموعة حلقات نتناول فيها -بإذن الله- قضية "الموازنة بين المصالح والمفاسد" من خلال قصص الكتاب والسُنَّة.

ومُراعاة المصالح والمفاسد مَطلبٌ شرعي جاءت به الشريعة الإسلامية؛ لأنَّ الشريعة جاءت لتحقيق مَصالح العباد أو تكميلها، ودفع المفاسد أو تقليلها، قال تعالى على لسان شُعيبٍ: "إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ".

- والموازنة: هي المُفاضلة بين المصالح والمفاسد المتعارضة؛ لتقديم الأوْلى بالتقديم، وتأخير الأوْلى بالتأخير.

- والمصلحة: هي الفعلُ الذي فيه صلاحٌ ونفعٌ.

- والمفسدة: ضدُّ المصلحة.

الحلقة الأولى: قصة موسى والخضر عليهما السلام:

عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النبيَّ ذَكَرَ قصةَ مُوسى والخَضِر؛ فقال: "فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ؛ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ؛ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ أَجْرٍ ... فَعَمَدَ (قَصَدَ) الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ أَجْرٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا: قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ".

ثُمَّ ذَكَرَ الخَضِرُ لمُوسَى سَبَبَ خَرْقِهِ لِلسَّفِينَةِ؛ فَقَالَ: "سَأُنَبِّئُك� � بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا؛ فَإِذَا جَاءَ الذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً؛ فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ" (متفق عليه).

- وَكَانَ وَرَاءَهُمْ: أي: أمَامَهم.

- فَتَجَاوَزَهَا: أي تركوها؛ لأنها مَعِيبة.

الدروس المستفادة:

1- بيانُ الحكمة مِن خَرقِ السفينة، وهو أنَّ مَلِكًا ظالِمًا كان أمَامَهم يأخذ كل سفينةٍ صالحةٍ بالقَهرِ والقُوةِ.

2- مَشروعيةُ إصلاح كلِّ المالِ (أو أكثره) بإفسادِ بعضه؛ فالخَضِر أفسَدَ بعض المال بيده لينجوَ أصل المال.

3- إذا عُلِم بالتجربة والواقع أنَّ عاقبةَ المال كله إلى الفساد، ويمكن استنقاذه بإفساد بعضه؛ شُرِع ذلك قياسًا على فِعل الخضر.


4- متى وُجِد ضَرران لا بد مِن وقوع أحدهما؛ فيُتَحَمَّل الضرر الأصغر لدفع الضرر الأكبر؛ لأنَّ خَرقَ السفينة أخَف مِن ضَياعِها بالكليَّة.

5- الموازنةُ بين المصالح والمفاسد مما اتفقت عليها جميع الشرائع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا بِحَسَبِ الإِمْكَانِ" (مجموع الفتاوى).

ابو الوليد المسلم
04-21-2026, 12:15 PM
البناء الفكري من قصص الكتاب والسُنَّة (2)

بناء الكعبة






كتبه/ محمد سعيد الشحات


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بوَّب البخاريُّ بابًا بعنوان: "بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاخْتِيَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدِّ مِنْهُ"، ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ (قَبلَ الإسلام) اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَفَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ: "إنَّ قَومَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِجَاهِلِيَّةٍ أَوْ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ؛ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ"، فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. (متفق عليه).

- اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ: أي: لم يُكمِلوا بناء الكعبة على الأُسُس التي وضعها إبراهيمُ.

- قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ: أي: لم تَكفِ الأموال لاستكمال بناء الكعبة.

الدروس المستفادة:

1- كانت قُريشٌ تُعظِّمُ أمْرَ الكعبة جدًّا:

أ- فَخَافَ صلى الله عليه وسلم أن يَظنُّوا (بسبب قُربِ عهدهم بالإسلام) أنَّه غيَّر بناءَها لينفَرِدَ بالفخرِ عليهم في ذلك؛ فتقع الردَّة والفتنة.

ب- ولو هَدَمها عليه الصلاة والسلام لأحدث ذلك زعزعة في قلوبهم، وقد يتَّهِموه بعدم تعظيم البيت الحرام.

2- تَرْكُ المصلحةِ مِن أجل عدمِ الوقوعِ في المفسَدة الأعظم.

3- تَرْكُ إنكار المنكر خشيةَ الوقوعِ في مُنكرٍ أعظمَ منه.

4- يجبُ تقديم الأهمِّ فالأهمِّ مِن دفع المفسدةِ وجلبِ المصلحةِ.

من ذاكرة التاريخ:

بُنِيَ البيت الحرام أكثر مِن مرَّة؛ بناهُ إبراهيم، ثم قريشٌ في الجاهلية (وحضَرَ النبي صلى الله عليه وسلم هذا البناء)، ثم بناهُ عبد الله بن الزُّبير على قواعد إبراهيم، ثم أعاد بناءه الحجاج بن يوسف الثقفي إلى ما كان عليه قبل بناءِ ابن الزبير، وذلك بأمر الخليفة عبد الملك بن مروان، ولم يكن بَلَغَهُ حديث عائشة السابق؛ فلمَّا بَلَغَهُ قال: "ودِدنا أنَّا تركناه".

وقد هَمَّ المهديُّ -ابنُ أبي جعفر المنصور- أن يُعيدَها على ما بناها ابن الزبير، واستشار الإمام مالك في ذلك، فقال: "أكره أن يتخذها الملوك لعبة؛ فهذا يرى رأي ابن الزبير، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان، وهذا يرى رأيًا آخر، فتذهب هَيبَة البيت مِن صدور الناس!" (البداية والنهاية).

فانظر كيف رَاعَى الإمامُ مالك نفس القاعدة المذكورة في حديث عائشة رضي الله عنها؛ فأفتى بأنَّ دَفعَ مَفسدة ذَهَاب هَيبَةِ الكعبةِ مِن قلوب الناس مُقدَّمٌ على مصلحة هدمِها وإعادتها على قواعد إبراهيم عليه السلام.


وللحديث بقية إن شاء الله.

ام هُمام
04-25-2026, 05:40 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا