ابو الوليد المسلم
05-04-2026, 08:01 PM
تاريخ النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية
مختار خَواجَة
https://islamonline.net/wp-/uploads/2024/07/tarykh-alnqabat-almhnyh-fy-al7darh-al2slamyh-489x275.jpg
تجربة ذاتية
تأصيل نبوي
مَأسسة أموية
نقلة فنية
تحوّل تاريخي
تنظير قانوني
تأطير رسمي
روابط معرفية
تنوّع لافت
تميّز مؤسسي
تنظيم محكم
مؤهلات صارمة
تقاليد رمزية
انتماء حضاري
أدوار متعددة
صلاحيات محددة
وظائف قضائية
سابقة فريدة
إسهام مجتمعي
تاريخ النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية
تاريخ النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية : الحقُّ في التنظيم والتسيير الذاتي عرفٌ عربي أقرَّه الإسلام وقوّاه، فالمجتمع الحضاري الإسلامي ليس مجتمع أفراد وفردانية وإنما مجتمع جماعة وتناصر؛ إذْ ينضوي المسلم تحت أطُرٍ ذاتية التدبير من الشبكات الاجتماعية والمعرفية والمهنية التراحمية، جذرُها القديم هو العائلة والقبيلة، وتجلياتها الحضارية لا تنتهي متعديةً العلاقات الرحمية إلى الأخويات والمذاهب والطوائف والطُّرق والحِرَف والتجمعات السياسية والتربوية.
كانت تلك الأوعية الاجتماعية تعمل شبكاتِ دعمٍ وحمايةٍ ووسطاءَ بين المجتمع والسلطة، تختلف مسمياتها من زمن إلى زمن ومن جغرافيا إلى أخرى، ولكن جوهرها واحد. ففي اللحظة التي وطئ فيها النبي ﷺ ترابَ طيبة، بل قُبيلها بأشهر؛ تحركت تلك الفعاليات الاجتماعية إلى أقصى دلالتها، فعرف المجتمع المدني مصطلح “النقيب” العشائري الذي يمثّل التجمع الأهلي أمام النبي ﷺ بوصفه “إمامَ الأمَّة والمنفردَ بالرئاسة الدينية والدنيوية” وفق تعبير الإمام الباجي (ت 474هـ/1081م) في كتابه ‘المنتقَى‘.
ثم كانت -كما سنرى- “نقابة” أهل الصُّفّة الذين هم مجموعة من الصحابة الكرام كانوا فقراء بلا عوائل أو قبائل في مجتمع المدينة، ومع جريان الزمن ظهرت النقابات المناقبية مثل “نقابة الأنصار”، بل إن بعضها كان عبارة عن تنظيمات ثورية سرية كـ”نقابة العباسيين” بصيغتها الأولى، كما عمل بعضها جماعة ضغط سياسية مثل “نقابة العلويين”. وكانت تلك النقابات المجتمعية تقوم إلى جانب ذلك بدور الرعاية والدفاع عن مصالح أعضائها، بالإضافة إلى الدور التفاوضي مع السلطات.
وفي الدولة الأموية؛ ظهرت بدايات النقابات المهنية حين انتقل مصطلح “العريف” (اجتماعيا ورسميا) من حيزه القبلي المحض ليدخل الدوائر ذات التماس بين المجتمع والسلطة، فنطالع حينها مثلا توظيفا طريفا لهذا المصطلح في قطاع كشؤون المساجد وهو “عريف المؤذنين”، وفي ميدان الأدب ظهر فعلا أيامَها كذلك “عريف الشعراء”، كما اقتُرِحت فكرة تأسيس اتحاد لكُتّاب النثر الفني العربي.
ثم تطورت الأوضاع ليأخذ دور “العريف” في هذا العصر وضعه المؤسسي الواضح، والذي سيطبع لاحقا حياة النقابات بمختلف أنواعها على النحو الشامل والمستوعِب الذي يحكيه هذا المقال، مفنِّدا الأطروحات الاستشراقية التي تربط نشأة النقابات المهنية بالحركات السرية الهدّامة.
كان من سمات النقابات والتجمعات الأخوية أنها ذات مرونة حركية ووظيفية؛ فهي عند الحاجة الشخصية وعاءٌ اجتماعي تكافلي، وهي ساعة المظالم السلطوية تجمُّعٌ احتجاجي ثوري، وهي في مواجهة الغزاة كتيبة نضالية جهادية، وفي أوقات المجاعات والأزمات جبهة إسناد وإنقاذ للمجتمع بكل فئاته.
وهي -في جميع الأوقات- معهد تعليمي لأصول وآداب المهنة، ومؤسسة رقابية وقضائية تقوّم سلوك أعضائها وتؤدب المقصِّر منهم، وقد واكبتها في كل ذلك جهود تشريعية فقهية أطّرت الممارسات المهنية بما يحفظ جودتها ومصالح منتجيها ومستهلكيها، كما نظَّرت لمنح التعاضد النقابي مكانة تضاهي التكافل القرابي إن لم تتغلب عليه، وقدم فقهاء الإسلام في ذلك أفكارا كانت سابقة لعصرها فأسست لأول مدونة قانونية نقابية ومهنية.
وإلى جانب ذلك كله؛ فقد أخذت النقابات المهنية على عاتقها مزْج روح التجمع المهني بالنوازع العاطفية والدينية، من خلال إجلال كبراء الصناعة، وتسلُّم منتسبيها أسرار النقابة بـ”السند” المهني و”الإجازة” الحِرفية، في محاكاة ذات دلالة واضحة لتقاليد الجماعات المعرفية في تلقيها “صناعات” العلوم بالأسانيد والإجازات العلمية والشرعية، وهي محاولة لترقية تلك المهن لتكون مجتمعيا في مستوى “شرعية” النقابات العلمية الفقهية والحديثية.
ولأن النقابات المهنية في أغلبها هي تجمعات من أجل المعاش والنفع العام؛ فهي لم تعرف أي تميز على أساس الدين أو الطبقة أو حتى الجنس، بل كان بابها مفتوحا للجميع انتسابا وانتخابا، وظل شرطها مهنيا خالصا يخص الصلاحية والكفاءة فقط، وهو ما يعني أن غير المسلمين كان من الشائع منحهم حق العضوية في النقابات المهنية بل ورئاسة ما كان منها ذا مكانة خطيرة ومرموقة كنقابة الأطباء؛ كما سنرى في هذا المقال الذي يروي قصة النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية وأسبقيتها لأبرز التقاليد النقابية السائدة في عصرنا.
تجربة ذاتية
جاء تطور النقابات والجماعات الحرفية في الحضارة الإسلامية ضمن سياق مركّب اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا؛ أما كونها نشأت من تأثيرات رومانية/بيزنطية أو فارسية، أو تأسست بجهود من التنظيمات السياسية الشيعية الإسماعيلية وخاصة القرامطة منها؛ فتلك دعوى ذهب إليها مستشرقون مثل لويس ماسينيون (ت 1382هـ/1962م) وبرنارد لويس (ت 1439هـ/2018م)، مفترضين ارتباط النقابات بالمرتكزات الفكرية والدينية التي تبنتها الحركة القرمطية، وأيضا بالظروف الاقتصادية المضطربة التي وظفتها لتجنيد القوى العاملة، لكنهما لم يقدما أدلة مقنعة تدعم تلك الآراء.
وقد عُرضت وجهات النظر الاستشراقية هذه بوضوح في المقالات التي نشرها الدكتور عبد العزيز الدُّوري (ت 1431هـ/2010م)، سواء تلك التي ترجمها للمستشرق برنارد لويس (أربعة مقالات بعنوان: “النقابات الإسلامية”؛ نُشرت في مجلة “الرسالة” المصرية ضمن أعداد: 355-356-357-362)؛ أو تلك التي كتبها هو ولخص فيها ما سبقه من طرح في هذا المجال (مقالان بعنوان: “الأصناف والحِرف الإسلامية”؛ نُشرا في مجلة “الرسالة” المصرية ضمن العددين: 983-984).
لقد قدّم الدوري -في مقاليْه- استدراكات عامة على تلك المقولات الاستشراقية الإطلاقية، لكنها لم تكن -رغم أهميتها- كافية في تعميق الاشتباك معها وبيان غلبة الادعاءات فيها على البينات، وهو ما سنحاول هنا تقديم مقاربة تاريخية فيه نعتقد أنها تتضمن قيمة مضافة في نقاش هذه القضية الجدلية.
فإذا كانت دعوى ماسينيون -كما ينقل عنه برنارد لويس في مقاله الأول- قائمة على أن “الحركة الإسماعيلية هي التي أوجدت الطوائف (= النقابات) الإسلامية وأعطتها ميزتها الخاصة التي حافظت عليها حتى الآن”؛ فإنه من الجلي أن علاقة بعض الحِرَفيين بالدعوة الإسماعيلية -وخاصة فرعها القرمطي- اتسمت بالفردية ولم تأخذ صيغة جماعية واضحة الملامح تؤهلها لإنشاء كيانات نقابية بالحجم والتعقيد المعروف تاريخيا، لاسيما أن هؤلاء الأفراد كانوا يعيشون في مناطق “السواد” شديدة الهامشية جنوبي من العراق.
ولعل أفضل وسيلة لدحض الفكرة الاستشراقية القائلة بالتأثير الروماني/البيزنطي أو الفارسي والأصل القرمطي أو الإسماعيلي لتعليل نشأة النقابات الحرفية والمهنية في الإسلام؛ هو وضع ظاهرة النقابات المهنية في سياقها التاريخي برصد تمظهراتها المختلفة اجتماعيا ومعرفيا وحِرَفيا، وبيان محطات تطورها المجتمعي وتنقُّلها بين القبيلة والدولة والمجتمع المدني (المعرفي والصناعي).
ذلك أن العودة إلى تطور تاريخ مصطلح “النقيب/النقابة” -وكذا نظائره المختلفة مثل العريف/العِرافة والشيخ والرئيس والمقدَّم- تظهر أن فكرة وجود رؤساء أو مشرفين على تجمعات وفئات مجتمعية -يرعون مصالحها ويسوّون نزاعاتها ويمثلونها أمام الآخرين- فكرة قديمة سبقت وجود تنظيمات الحركة الإسماعيلية الشيعية.
فقد كان معروفا مثلا في لغة العرب أن “النقباء جمع نقيب، وهو كالعريف على القوم المقدَّم عليهم، الذي يتعرّف أخبارَهم وينقِّب عن أحوالهم، أي يفتش” عنها؛ وفقا للإمام اللغوي جمال الدين ابن منظور الأنصاري (ت 711هـ/1311م) في معجمه ‘لسان العرب‘.
وتعود التطبيقات الأولى لهذه الفكرة إلى العهد المكي من تاريخ الإسلام، كما هو معروف في أحداث السيرة النبوية من قصة نقباء “بيعة العقبة” الثانية سنة 13ق.هـ/622هـ، الذين “هم اثنا عشر نقيبا رأْسُهم أسعد بن زرارة (ت 1هـ/622م)..، (فقد) نقَّب النبيُّ ﷺ أسعدَ على النقباء”؛ طبقا للذهبي (ت 748هـ/1347م) في ‘سير أعلام النبلاء‘.
تأصيل نبوي
وفي العهد المدني تلاقينا مظاهر أكثر رسوخا لفكرة النقابة المجتمعية، كما في الحديث النبوي “أن رسول الله ﷺ قال حين أذِنَ له المسلمون في عتق سَبْي هوازن: إني لا أدري مَنْ أذِنَ منكم ممن لم يأذِن؛ فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤُكم أمرَكم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤُهم فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أن الناس قد طيَّبوا (= وافقوا) وأذنوا”؛ (صحيح البخاري).
بل إن النبي ﷺ نصّب نفسه نقيبا لأخواله بني النجار الذين هم بطن من الأنصار عندما توفي نقيبهم أسعد بن زُرارة؛ فالإمام الذهبي يروي -في ‘سير أعلام النبلاء‘- أنه “جاءت [إليه] بنو النجار فقالوا: مات نقيبُنا أسعد فنقِّب علينا يا رسول الله! قال: «أنا نقيبكم»”.
وفي هذا الحديث دلالة على أن القبائل كانت ترى وجود النقيب” ركنا أصيلا في كيانها المجتمعي، ولذا وُصف أيضا الصحابي الجليل أبو هريرة (ت 59هـ/670م) بأنه “نقيب أهل الصفة” كفئة مستقلة لأنه كان “عريفهم حين هاجروا”؛ طبقا للإمام النووي (ت 677هـ/1278م) في كتابه ‘تهذيب الأسماء واللغات‘.
وخلال عصر الفتوح، وتحديدا في خلافة عمر الفاروق (ت 23هـ/645م) -رضي الله عنه- نجد ظهورا واضحا للنقباء/العرفاء في تنظيم الدولة، وخاصة المؤسسة العسكرية وتنظيمات جيوش الفتوح في العراق والشام ومصر.
وهو ما تلخصه مادة “عريف” في كتاب ‘موجز دائرة المعارف الإسلامية‘ الاستشراقية الصادرة عن مؤسسة “بريل” الهولندية؛ فتقول إن العريف “مصطلح يطلق على الذين يتولون بعض المناصب المدنية أو العسكرية، على أساس من الكفاءة في الأمور التي تستند إلى العرف، وليس إلى المعرفة بالأمور الدينية التي يتميز بها العالم”.
وأضاف المصدر أنه “كان العريف زمن الراشدين والأمويين يقوم بجمع الضرائب من القبائل ويسلمها إلى ‘المصَّدِّق‘ (= الجابي) الذي يعيِّنه الخليفة..، ومن عهد عمر -وما بعد ذلك- نجد إشارات كثيرة عن وظيفة العريف فيما يتعلق بالتنظيم الحربي للدولة والأمصار..، [فـ]ـجند الكوفة قد قسموا بعد معركة القادسية إلى وحدات (عِرافات) يرأس كل منها «عريف»”.
وفي الدولة الأموية؛ طرأ تحول جديد حين انتقل مصطلح “العريف” (اجتماعيا ورسميا) من حيزه القبلي المحض ليدخل الدوائر ذات التماس بين المجتمع والسلطة، فنطالع مثلا خلال عهد معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/681م) -رضي الله عنه- توظيفا طريفا لهذا المصطلح في قطاع كشؤون المساجد وهو “عريف المؤذنين”. وبالتالي يأخذ دور “العريف” في هذا العصر وضعه المؤسسي الواضح والذي سيطبع لاحقا حياة النقابات بمختلف أنواعها.
https://islamonline.net/wp-/uploads/2019/11/المراصد-الفلكية-في-الحضارة-الإسلامية.jpg
علم الفلك عند المسلمين
مَأسسة أموية
ويتجلى ذلك في كون “معظم التفاصيل عن مهام العريف ترجع إلى عهد معاوية فقط؛ فقد كان كل عريف يختص بعرافة ما، وكان مسؤولا عن توزيع العطاء (= المخصصات المالية) بين أفراده، ومن ثم كان عليه أن يحتفظ بسجل (ديوان) فيه أسماؤهم وعائلاتهم. وأكثر من ذلك كان مسؤولا عن الأمن في نطاق عِرافته، بجانب مسؤولياته عن جمع أموال الدعم والتحكيم في المنازعات بين أفراد ‘العرافة‘”؛ وفقا لكتاب ‘موجز دائرة المعارف الإسلامية‘.
ويؤكد المصدر ذاته أنه في العهد الأموي كان “من بين الوظائف المدنية التي يحمل صاحبها اسم ‘العريف‘.. في القرنين الأولين للهجرة (= السابع والثامن للميلاد).. موظف مخصوص مسؤول عن مصالح الأيتام والأطفال غير الشرعيين، وكذلك نقرأ عن عريف للذميين”.
ومن الواضح أن المقصود هنا ما ذكره ابن عساكر الدمشقي (ت 571هـ/1175م) -في ‘تاريخ بغداد‘- من أن قاضي مصر للأمويين عبد الرحمن بن معاوية بن حُدَيْج (ت 95هـ/715م) كان “أولَ قاضٍ نظر في أموال اليتامى وضمَّن عريفَ كل قوم أموال يتامى تلك القبيلة، وكتب بذلك كتابا فكان عنده.. وشهرها وأشهد فيها، فجرى الأمر على ذلك” بدءا من لحظة تعيينه قاضيا سنة 86هـ/706م!!
وفي المجال الأدبي أيضا ظهر “عريف الشعراء” في آخر العهد الأموي أيام خلافة مروان بن محمد (ت 132هـ/751م)؛ فقد كان له “عريف على الشعراء يَخْبُر (= يختبر) أشعارَهم فيُحسِّن لمُحْسنهم، ويرعَى مسيئَهم وينحّي لهم فاسدَه”؛ وفقا لابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘.
ومن الواضح أن هذا “العريف” كانت مسؤولياته تتطابق مع جوهر صلاحيات “النقيب” في أي جماعة وظيفية متخصصة، من صيانة مكانة الصنعة، ومكافأة المتميزين في منتجاتها، ورفع مستوى الضعفاء من منتسبيها، وتحقيق مستوى مقبول من التضامن والتكافل بينهم، وتمثيلهم جماعيا أمام السلطة وأجهزتها الرسمية.
ولا يبعد أن تكون نشأت لكُتّاب النثر الفني الأدبي نقابة بجانب “نقابة الشعراء”؛ فقد جاء في الرسالة التي وضعها عميد كتّاب العربية عبد الحميد بن يحيى الكاتب (ت 132هـ/751م) لزملائه الكتّاب لتكون دستورهم في مهنهتم التي صارت “صناعة” آنذاك:
“وتحابُّوا في الله عز وجل في صناعتكم، وتواصوا عليها فإنها شيم أهل الفضل والنبل من سلفكم، وإن نبا الزمانُ برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حالُه، فإن أقعد الكِبَرُ أحدَكم عن مَكْسبِه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا (= استعينوا) بفضل تجربته وقديم معرفته”؛ وفقا لبهاء الدين البغدادي (ت 562هـ/1167م) في ‘التذكرة الحمدونية‘.
ولذا رأى مؤرخ الآداب العربية العلامة شوقي ضيف (ت 1426هـ/2005م) -في ‘تاريخ الأدب العربي‘- أن هذا النص دليل على أن عبد الحميد “يطلب إلى الكتَّاب أن يؤلفوا بينهم ما يشبه النقابة في عصرنا، فقد حضهم على الأخذ بيد من ينبو به الزمان منهم ومساعدته حتى يعود إلى ما كان عليه من الرَّفَهِ في العيش”.
وهو استنتاج يأخذ وجاهتَه من أن عصر عبد الحميد -الذي كان كبير كتّاب آخر خلفاء بني أمية- هو الذي تأسست فيه “نقابة الشعراء”، فلا يبعد عليه أن يسعى لزملائه الكتّاب في نظيرة لها تجمعهم وترعى مصالحهم، على نحو ما نرى اليوم في نقابة الصحفيين.
وعلى كل؛ فإن نقابة الكتّاب (اتحاد الكتب) رأت النور فعلا في العصور اللاحقة تحت عنوان: “نقابة المتعمِّمين” أي حمَلَة الأقلام من كتّاب الإدارات الحكومية، وكان لهم رئيس يسمَّى “نقيب المتعممين” وفقا لما نجده في نصوص متعددة -عن أخبار هذه الوظيفة ومَنْ تولَّوها من النقباء- في مصادر تاريخ العصر المملوكي.
نقلة فنية
أما في القطاع الاقتصادي؛ فنجد في العصر الأموي الأول ظهورا لمصطلح “عريف السوق” كما سيأتي، ثم فتحت الدولة العباسية -في مطلع حكمها- البابَ أمام التشكُّل الطبيعي للنقابات الحرفية حين مَنحتْ أهلَ كل حرفة حيزا مكانيا تتجاور فيه دكاكينهم، بما يعطيهم فرصة التداول اليومي في شؤون المهنة ومصالحها وتنظيم علاقتها بالمجتمع والسلطة!
فالمؤرخ ابن عذاري المراكشي (ت 695هـ/1295م) يخبرنا -في ‘البيان المُغْرِب‘- أن والي الغرب الإسلامي للعباسيين يزيد بن حاتم المهلبي (ت 170هـ/786م) كان “حسن السيرة فقدم أفريقية (= تونس) وأصلحها، ورتب أسوار القيروان، وجعل كل صناعة في مكانها” من أسواق المدينة سنة 155هـ/773م.
ويأخذ الأمرُ هنا دلالتَه الخاصة من أن المعتاد آنذاك في التسميات الرسمية أن تُقْرَن الوظيفة الإشرافية الحكومية بلفظ “صاحب” لا بلفظ “عريف”، كما في “صاحب الشرطة” (مدير الأمن)، و”صاحب الخبر” (موظف الاستخبارات عميلا أو مديرا)، و”صاحب العذاب” (جلّاد السجن).
وعلى مستوى التنظيم المجتمعي؛ كان أول تجمع نقابي ذا هوية عربية وصريحا في نزعته النقابية بتسميته رسميا بـ”النقابة”، فظهرت -منذ القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي- كيانات مجتمعية عامة أخذت بها النقابة القبلية بُعدا أكثر مؤسسية، كما في “نقابة الأنصار” الجامعة لبطونهم.
فنحن نجد أول ذكر لهذه النقابة عند المؤرخ ابن يونس الصدفي المصري (ت 347هـ/958م)، وذلك في ترجمته للعالم والشاعر سعيد بن كثير الأنصاري (ت 226هـ/841م) الذي قال إنه “كان ممن يلي «نقابة الأنصار» والقَسْم عليهم”، أي أنه يوزّع عليهم مخصصاتهم المالية الحكومية.
وفي القرن نفسه ظهرت “نقابة الهاشميين” التي كانت بذرتها الأولى مع تأسيس مجلس “نقباء بني العباس” الذي تولى ترتيبات ثورتهم على الأمويين، لكنه سرعان ما انسلخ مِن بُعده التنظيمي السياسي الجامع ليكون مجرد رابطة اجتماعية للهاشميين، ثم انفصلت إلى فرعين منذ القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي جراء الانقسام السياسي المريع بين المكونين الكبيرين البيت الهاشمي، فأصبحت كتب التاريخ تتحدث عن “نقابة العباسيين” و”نقابة الطالبيين” أو “نقابة العلويين” أو “نقابة الأشراف”.
ورغم العداء الشديد الذي اصطبغت به العلاقة بين العباسيين وإخوانهم العلويين جراء صراعهم على عرش الخلافة؛ فإن الأمر استقر على تجاور المؤسستين منذ بدايات القرن الرابع الهجري/الـ10م، كما تفيدنا بذلك ترجمة المؤرخ ابن أيبك الصفدي (ت 764هـ/1363م) -في ‘الوافي بالوفيات‘- لمحمد بن أحمد بن عبد الصمد الهاشمي المعروف بابن طُومَار (ت 320هـ/922م)، والذي “ولي نقابة العباسيين والطالبيين جميعاً أيام المقتدر (ت 320هـ/922م)”.
ومن حينها “لم تزل نقابة الطالبيين تساهمهم الخلافة العباسية في المناصب، وتزاحمهم في كواكب المواكب بالمناكب، وتُشْرِكهم في كل عقد وحل”؛ طبقا للصفدي في ‘أعيان العصر‘. وكان لكل من النقابتين فروع في عدد من حواضر المشرق الإسلامي تتبع للنقابة المركزية في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، والتي أطلِق على من يتولى منصبها الجامع لقب “نقيب النقباء”، وكان يعينه الخليفة العباسي.
ومن أشهر من تولى هذا المنصب: محمد بن أبي تمام علي بن الحسن الزَّيْنَبي (ت 426هـ/1036م)، وكذلك ولده المحدِّث المشهور طِرَاد الزَّيْنَبي (ت 491هـ/1098م). ويبدو أن هذه النقابة اشتهرت لاحقا في دولة المماليك -وما بعدها من عهود- بـ”نقابة الأشراف”.
تحوّل تاريخي
وكان لهذه النقابة مكانة قانونية ورسمية مرموقة كإحدى المؤسسات الشرفية في الدولة الإسلامية، وهو ما عكسته مباحث كتب الفقه السياسي منذ القرن الخامس الهجري/الـ11م؛ فقد جاء في ‘الأحكام السلطانية‘ للإمام الماوردي (ت 450هـ/1059م) بسط لكيفية التعيين فيها وبيان لصلاحياتها.
وطبقا لما أورده الماوردي؛ فإنه كان من أهم مسؤوليات متوليها فيما يتعلق بعلاقتهم بالمجتمع والدولة: “أن يكفَّهم (= أبناء البيت الهاشمي) عن ارتكاب المآثم، ويمنعهم من انتهاك المحارم”، وأن “يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم”، وأن “ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة”، وأن “يقوِّم (= يعاقب) ذوي الهفوات منهم فيما سوى الحدود”، كما عليه “مراعاة وُقوفهم (= أوقافهم المالية) بحفظ أصولها وتنمية فروعها”.
ومن الواضح أننا نجد في هذه الصلاحيات تشابها واضحا مع كثير مما استقرت عليه لاحقا تقاليد النقابات المهنية من رعاية أخلاق المنتسبين، ومعاقبة الخارجين على أعراف المهنة والمخلين بما يحفظ سمعة منتسبيها، وكذا حماية مصالحهم المادية، وتمثيلهم أمام السلطات الرسمية.
ومنذ القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي؛ بدأت التنظيمات النقابية تتجاوز إطارها الاجتماعي السياسي لتصل إلى دوائر الحِرف والصناعات، التي حفزتها تطورات المجالات الاقتصادية والعمرانية على تنظيم نفسها، واعتماد أشكال من التكتل الفئوي تحفظ للصناعة أعرافها المهنية ولممارسيها حقوقهم الاقتصادية، وتؤمِّن للسلطة مستوى من الرقابة والضبط لتلك المهن والصناعات باعتبارها مرافق خدمية يؤثر أداؤها في مصالح المجتمع.
وقد كانت الصلة بين السلطة وأرباب الصنائع (القطاع الخاص) تدور بين جهازين رسميين: مؤسسة القضاء وهيئة الحسبة، مع العلم بأن الدوري يرى -في الأول من مقاليْه المذكوريْن سابقا- أن “أول إشارة لوظيفة المحتسب تعود لخلافة المعتضد (العباسي ت 289هـ/902م)” الذي حكم خلال 279-289هـ/892-902م.
ويذهب شوقي ضيف -في ‘تاريخ الأدب العربي‘- إلى أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها النصف الأول من هذا القرن كان من نتائجها أنْ “نشأت طبقات كثيرة حينئذ من الحِرَفيين أو المهنيين..، فكان لكل حرفة أصحابها الخاصُّون.. [إلى درجة تبلغ] الاختصاص الدقيق، ولا ريب في أن ذلك هو الذي أدى إلى أن تنشأ في العالم العربي من قديم فكرة النقابات للحرفيين والصناع، وإن كانت حينئذ لا تعدو دَوْرَ النشأة البسيطة”.
وهذا التحول الواضح -الذي شهده هذا العصر- هو ما جعل المستشرق ماسينيون “يعطي.. رأيا أقرب للقبول -في بحثه في ‘دائرة معارف العلوم الاجتماعية‘- فيبين أن النقابات [الحِرَفية] نشأت في البلاد الإسلامية في القرن التاسع الميلادي (= القرن الثالث الهجري)”؛ طبقا لما ينقله عنه الدوري.
وقد أيد ماسينيون في ذلك التحديد لبداية نشأة النقابات الحرفية زميلُه برنارد لويس -في مقالاته السابقة الذكر- عندما رصد في هذا القرن “تطورا ظاهرا فيما يسمي بالأصناف الإسلامية، وحينئذ نجدها من نوع لا يصح تعليله بالتأثير أو التراث البيزنطي”، وذلك لأن “هذه النقابات كانت من نوع يختلف تماما عن النقابات الموجودة قبل الفتح الإسلامي”!!
على أن الخلل الذي أصاب التحليل التاريخي لهذين الباحثين هو أنهما جعلا نشأة النقابات حادثة في نهايات هذا القرن، وذلك لكي تستقيم لهما دعوى الدور الإسماعيلي/القرمطي فيها، بينما الواضح أن التأريخ لها ببدايات القرن هو الصحيح لانسجامه مع حركة الأحداث، واتساقه مع تطور النماذج النقابية من بُعدها القَبَلي البحت إلى وضعها المؤسسي الفني الخالص.
تنظير قانوني
ومما يعزز وجهة النظر هذه أننا نجد في أواخر القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي تنظيرا فقهيا واضحا للتضامن النقابي إلى درجة تقديمه على التعاضد النَّسَبي، مثل ذلك الذي قدمه الإمام الحنفي محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ/805م) -في كتابه ‘الأصل‘- حين وسّع دائرة التضامن القبلي المتعلق بالتعويض عن تلفيات الجنايات -والمسمى فقهاً بـ”العاقِلَة” التي هي جهة تأمين عن الضرر- لتشمل أصحاب القطاع الوظيفي الواحد (الديوان/الإدارة).
بل إنه صرّح بأن العلاقة الوظيفية/المهنية هنا قد تكون مقدَّمة على العلاقة في النَّسَب والاشتراك في الموطن، ما دام المستفيد منها (الجاني) لا يعمل بين أهله وفي مدينته الأصلية. وهذا هو التضامن النقابي في أجلى صوره وأكملها كما نعرفه اليوم بين أصحاب القطاع المهني الواحد.
يقول الإمام الشيباني: “وليس يَعْقِل (= يضمن/يؤمِّن) أهلُ مصرٍ (= مدينة) عن أهل مصر، [فـ]ـلا يعقل أهل البصرة عن أهل الكوفة..؛ لأن عاقلتهم على الديوان (= الإدارة الحكومية/القطاع الوظيفي)، فالدواوين مختلفة. وأهل الكوفة يعقلون عن أهل سوادهم وقراهم (= مزارعيهم)..، ولو أن أخوين لأب وأم أحدهما ديوانه بالكوفة والآخر ديوانه بالبصرة لم يعقل أحدهما عن صاحبه، وعقل عنه أهل ديوانه. وأهل الديوان يتعاقلون على الدواوين وإن تفرقت أنسابهم.
ولو أن قوما من أهل خراسان أهل ديوان واحد مختلفين في أنسابهم… جنى بعضهم جناية عقل عنه أهل رايته (= وظيفته/مهنته) وأهل قيادته، وإن كان غيرهم أقرب إليه في النسب. فإن كان أهل رايته وقيادته قليلا ضم إليهم الإمام (= صاحب السلطة) من رأى من أهل الديوان حتى يجعلهم عاقلة واحدة…، وأهل الديوان يتعاقلون دون أهل الأنساب”.
ومنذ القرن الخامس الهجري/الـ11م على الأقل؛ حظيت النقابات في مصر الفاطمية بتنظيم أكثر وضوحا ومسؤوليات أكثر تحديدا من الحقب السابقة. فالمؤرخ المقريزي (ت 845هـ/1441م) يفيدنا -في ‘اتّعاظ الحنفا‘- بأنه “كان في كل سوق من أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف يتولى أمورهم”، وكانت جماعتهم تُدعى “عرفاء الأسواق”، ومن مسؤولياتهم إبلاغ قرارات السلطة ذات الصلة بمهنتهم إلى جميع منتسبيها.
فقد ذكر المقريزي أنه في سنة 517هـ/1123م “خرج أمر [الوزير الفاطمي] المأمون (البطائحي ت 519هـ/1125م) إلى الوالييْن بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقّائين، وإلزام المتعيِّشين (= العاملين) منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلاً ونهاراً”. وورث الأيوبيون هذا النمط عن الفاطميين فأبقوا عليه ليدخل في مصنَّفات هيئة الحِسْبة، ككتاب المحتسب الشافعي ابن نصر الشَّيْزَري (ت 590هـ/1194م): “نهاية الرتبة الظريفة في الحسبة الشريفة” الذي تناول فيه العلاقة بين المحتسب وعريف كل مهنة.
وفي العصر المملوكي تعاظم الدور الاقتصادي لمصر في المنطقة، مما أدى إلى أن “تزدهر صناعة الملابس والفرش والأثاث والجلود والحلي والمعادن والزجاج الملون، وكانت الدولة تهتم بصناعة الأسلحة وسفن الأساطيل، وكل ذلك عمِل على ازدهار الصناعات، ومما يدل على هذا الازدهار بوضوح أننا نجد لكل فئة من الصناع نقابة خاصة تنظر في شؤونهم فيما بينهم وبين أنفسهم، وكذلك فيما بينهم وبين الشعب من جهة والحكومة من جهة ثانية”؛ طبقا لشوقي ضيف في ‘تاريخ الأدب العربي‘.
تأطير رسمي
ونتج عن ذلك التطور الكبير للوضع النقابي بمصر المملوكية اعتمادُ سلطاتها التعيينَ الرسمي لرؤساء خمس نقابات مهنية وإدراجهم ضمن أصحاب الوظائف، باعتبارهم أشخاصا هامين للغاية يجري تعيينهم بقرار رسمي ذي صيغة معينة، وذلك ربما لدقة هذه المهن وأهميتها واتصالها بحياة الناس، وجسامة الأضرار الناجمة عن تولي من لا يستحقها لممارستها.
ويورد القلقشندي (ت 821هـ/1418م) -في ‘صبح الأعشى‘- طائفة من “ألقاب أرباب الوظائف من أهل الصناعات”؛ فيعدّد منها خمسة منها: “مهندس العمائر”، و”رئيس الأطباء”، و”رئيس الكحّالين (= أطباء العيون)”، و”رئيس الجرائحيين (= أطباء الجراحة والتجبير)”. ثم يوضح مهامهم على الترتيب؛ فيقول إن مهندس العمائر “يتولى ترتيب العمائر، وتقديرها، ويحكم على أرباب صناعاتها”، أما رئيس الأطباء فـ”يحكم على طائفة الأطباء، ويأذن لهم في التطبيب”، وكذلك يشبهه رئيسا الكحّالين والجرائحيين.
وكلمة “يحكم” -التي يوردها القلقشندي مقرونة بكل وظيفة نقابية- تدل على أن الترخيص بممارسة المهنة وسحب الترخيص والعقوبات أمر موكول فعلا إلى رئيس الطائفة؛ وبهذا فإن رئيس النقابة في هذه الحالة يمارس صلاحياته كما يفعل رؤساء النقابات اليوم تماما تجاه أعضاء نقابته.
ولذا كان يشترط في الذي سيختبر مهارة منتسبي الصنعة أن يكون مرجعا في أصولها وتقاليدها، وعدّوا “مِن انتكاس الدهر أن يُولَّى امتحانَ الصناع مَنْ ليس بحاذق في صناعتهم”؛ طبقا للراغب الأصفهاني في ‘محاضرات الأدباء‘.
وكان هذا الترخيص مرهونا أيضا بفحص واختبار قدرات المتقدمين، وموافقة قدراته وطُرُق علاجه للأساليب المتبعة المتعارف عليها. فكان كتاب التعيين يتضمن توصية رئيس الطائفة بالنظر “في أمر طائفته ومعرفة أحوالهم”؛ وفقا للقلقشندي الذي يورد الصفات التي كانت مطلوبة في كل من يتولى إحدى تلك النقابات الخمس.
وقد رافق ذلك التنوع في المؤسسات النقابية على المستوى الاجتماعي والحِرَفي نظير لهما على الصعيد المعرفي؛ فكانت “نقابة الفقهاء” الإطار التنظيمي المعبّر عن ذلك الوعي النقابي في المشهد المذهبي، وظهر لدينا منذ القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي مصطلح “نقيب الفقهاء” الذي كان أقرب -في دلالته- إلى مفهوم “العمادة العلمية”، أو نقابة الأساتذة.
وأول من يطالعنا من حملته هو الفقيه المحدّث عمرو بن علي البغدادي (ت قبل 198هـ/814م) الذي كان “يُعرف بـ‘نقيب الفقهاء‘”؛ وفقا للخطيب البغدادي (ت 463هـ/1071م) في ‘تاريخ بغداد‘.
ثم استمر هذا اللقب بصيغته هذه مذكورا في تراجم العلماء -في غير ما بلد ومذهب فقهي- حتى القرن التاسع الهجري/الـ15م على الأقل، لكنه بدأ ينتقل بدلالته من مجرد الإشارة إلى “العمادة العلمية” ليأخذ حمولة تقرّبه من مفهوم “النقابة العلمية” على النحو المعروف اليوم في روابط الأساتذة واتحادات المدرسين.
ولذلك لاحظ عبد العزيز الدُّوري -في مقاليْه المذكورين سابقا- أن “روح التكتل والانسجام في المؤسسات العلمية الراقية أو المدارس جعل الطلبة والأساتذة يكوّنون نقابة، ولهم بعض المراسيم المشتركة مع النقابات [المهنية]، مثل: اللباس الخاص (الروب) والإجازة، وتشابه الدرجات من تلميذ إلى معيد إلى مدرس إلى أستاذ”. كما أشار برنارد لويس -في مقالاته المذكورة آنفا- إلى أنه “في العهد الفاطمي.. نشأت نقابة الأساتذة والطلاب التي تؤلف الجامعة العظيمة..: الأزهر”.
روابط معرفية
ومن النصوص التاريخية الدالة على تحوّل “نقابة الفقهاء” من نموذج العمادة العلمية إلى وضعية المؤسسية النقابية أي نقابة المعلمين أو نقابة المدرسين؛ ما أورده الإمام السخاوي (ت 902هـ/1497م) حين ترجم -في ‘الضوء اللامع‘- للفقيه عبد الغفار بن سليمان التلواني القاهري (ت بعد 852هـ/1448م) فقال إنه “عمِل نقيب الفقهاء بالقلعة”.
فلنا أن نفهم من ذكر “القلعة” -وهي مركز الحُكم في دولة المماليك- هنا أن “نقيب الفقهاء” (نقيب المعلمين) هذا كان حلقة الوصل بينهم وبين مركز السلطة، وبذلك فإن هذا المصطلح صار يحيل إلى “وظيفة” مقررة لها عملها وعائدها المادي على صاحبها الذي يتميز بها عن بقية الفقهاء.
وهو ما يؤكده المنهاجي الأسيوطي (ت 880هـ/1475م) -في كتابه ‘جواهر العقود‘- فيقول في إحدى وثائق الأوقاف المذهبية: “وشرط الواقف أن يصرف إلى كل واحد من… الْفُقَهَاء الْأَرْبَعين فِي كل شهر كَذَا، وَإِن كَانَ شَرط لَهُم أنصبة من الْخبز وَاللَّحم وَالطَّعَام وَغَيره ذكَرَهَا، ثمَّ يذكر ‘نقيب الْفُقَهَاء‘ وَمَاله من الْمَعْلُوم (= الراتب) وما عليه من تفريق الربعة وجمعها إلى صندوقها بعد الدعاء، وبسط سجادة المدرس وسجادات الطلبة ورفعها”.
وإضافة إلى النقابية الفقهائية؛ نرصد حضورا مبكرا لمفهوم “العريف” في أدبيات الصوفية منذ القرن الرابع الهجري/الـ10م، إذْ نجدهم يوظفونه في قصص لقاءات بعض مشايخهم مع “عريف الأبدال” ذي المكانة المركزية في تعاليمهم؛ حسبما يخبرنا به عن أحدهم الإمامُ المحدِّث ابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘.
ثم يتطور ذلك الحضور الرمزي إلى تقليد عملي فنجد الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) يترجم -في ‘إنباء الغُمْر‘- للحسن بن عبد الله الصيرفي المصري (ت 780هـ/1378م) فيذكر أنه “كان نقيب الفقراء (= الصوفية)”، كما ترجم للشيخ شمس الدين محمد بن عمر الميموني الشافعي (ت 841هـ/1437م) فيفيدنا بأنه “كان أبوه نقيبَ [متصوفة] الزاوية المعروفة بالخشابية” في القاهرة.
ومن الفقهاء والصوفية عَبَرَ تقليدُ النقابية إلى أوساط العلماء المشتغلين بالحديث النبوي؛ فكان منهم شرف الدين داود بن أحمد بن سُنْقُر المقدّمي (ت 690هـ/1289م) الذي وصفه الإمام المحدِّث علم الدين البِرْزالي الإشبيلي (ت 739هـ/1338م) -في كتابه المعروف بـ‘تاريخ البرزالي‘- بأنه ” الشيخ الصالح المحدِّث… وكان نقيب المحدثين”.
كما ترجم البرزالي للمحدِّث الصوفي شمس الدين خليل بن بدران الحلبي (ت 695هـ/1294م) فذكر أنه “كان نقيب المحدِّثين”. وجاء في كتاب ‘الوفيات‘ لابن رافع السَّلامي (ت 774هـ/1372م) أن جمال الدين كساب بن محمد المشهدي الحنبلي (ت 740هـ/1339م) كان “نقيب المحدثين بالجامع الحاكمي” في القاهرة.
تنوّع لافت
إن تنصيب مسؤول أسواق للفئات الحِرَفية فكرة قديمة في الحضارة الإسلامية رافقتها في خطواتها المدنية الأولى؛ ففي الكوفة -أيامَ قاضيها شُرَيْح بن الحارث الكِنْدي (ت 73هـ/693م)- يَرِد ذكر وظيفة “عريف السوق” على نحو شديد التخصص، إذْ تطالعنا -وفقا للقاضي وَكِيع بن حيّان الضَّبّي (ت 306هـ/918م) في كتابه ‘أخبار القضاة‘- ألقابٌ من قَبيل: “عريف سوق الدجاج” و”عريف سوق السنانير (= القطط)”!
وفي وقت لاحق؛ اكتسب “عريف السوق” وضعا قانونيا أكثر وضوحا، فالإمام أبو بكر الجصّاص الرازي (ت 370هـ/981م) يفيدنا -في كتابه ‘الفصول في الأصول‘- بأن مفهوم “السُّنّة” عند الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ/795م) يطابق ما يفعله “عريفُ السوق سليمان بن بلال (ت 172هـ/788م)”، وكان هذا العريف محدِّثا ثقة، ويظهر أن أفعاله كانت تجسيدا لـ”عمل أهل المدينة” النبوية وإجماعهم، وهو أصل تشريعي قوي لدى الإمام مالك.
ولئن دلت تلك النصوص على عراقة وظيفة “عريف السوق” لدى المسلمين؛ فإن أقدم عريف مهنة محددة غير مرتبطة بعالم الأسواق هو “عريف المؤذنين” في مسجد عمرو بن العاص بمصر، وسننقل لاحقا عن القاضي المؤرخ المقريزي -في ‘المواعظ والاعتبار‘- بعض أخبار هذا العريف.
ويقدم لنا الإمام الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- ما يفيد بأن “عرافة المؤذنين” في مصر استمرت عبر القرون حتى عصره هو على الأقل، لكنها أخذت لقب “رئاسة” الأكثر رسمية في دلالته؛ فقد ترجم للحسن بن وصَّاف (ت 344هـ/955م) فذكر أنه كان “رئيس المؤذِّنين بمصر.. ثمّ عرَّف (= صار عريفا) عليهم مِنْ بعده بُكَيْر بن عافية (ت بعد 344هـ/955م)”.
كما تَرجَم الذهبي أيضا لأمين الدين أحمد بن محمد بْن مرتفع (ت 693هـ/1294م) فقال إنه كان “رئيس المؤذّنين بالجامع الجديد بمصر”. والوظيفة نفسها كانت في مساجد الشام بدليل ما ورد في ترجمة المحدِّث أبي إسحق برهان الدين الواني (ت 735هـ/1334م) من أنه كان “رئيس المؤذنين بجامع بني أمية” في دمشق؛ طبقا لابن أيبك الصفدي في كتابه ‘نَكْتُ الهِمْيان‘.
ويروي الإمام الطبري (ت 310هـ/922م) -في تاريخه- خبرا يرد فيه ذكر “رئيس البنائين” في بغداد، وأن مؤسسها الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور (ت 158هـ/776م) استشكل أمرا في نفقات بناء قصر الخلافة “فبعث إلى رئيس البنائين فدعاه” وسأله عما استشكله.
ويمتد تقاليد تأسيس المرجعيات المهنية إلى بعض الدوائر الفنية داخل الجهاز الإداري لبعض الدول الإسلامية، رغم ما قد يكون في هذه الدوائر من مخالفات صريحة لتعاليم الإسلام. ومن ذلك أنه كان ضمن موظفي بلاط الخلافة العباسية “رئيس للمنجمين”.
فقد ورد في خبر أن الخليفة العباسي المعتز بالله (ت 255هـ/869م) خاطب أبا معشر البلخي المنجِّم (ت 272هـ/885م) قائلا: “جعلتك «رئيس المنجمين» في دار الخلافة”، وقرر له راتب “مئة دينار (= اليوم 20 ألف دولار أميركي تقريبا) في كل شهر”؛ حسب القاضي المحسِّن التَّنُوخي (ت 384هـ/995م) في ‘نشوار المحاضرة‘.
يتبع
مختار خَواجَة
https://islamonline.net/wp-/uploads/2024/07/tarykh-alnqabat-almhnyh-fy-al7darh-al2slamyh-489x275.jpg
تجربة ذاتية
تأصيل نبوي
مَأسسة أموية
نقلة فنية
تحوّل تاريخي
تنظير قانوني
تأطير رسمي
روابط معرفية
تنوّع لافت
تميّز مؤسسي
تنظيم محكم
مؤهلات صارمة
تقاليد رمزية
انتماء حضاري
أدوار متعددة
صلاحيات محددة
وظائف قضائية
سابقة فريدة
إسهام مجتمعي
تاريخ النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية
تاريخ النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية : الحقُّ في التنظيم والتسيير الذاتي عرفٌ عربي أقرَّه الإسلام وقوّاه، فالمجتمع الحضاري الإسلامي ليس مجتمع أفراد وفردانية وإنما مجتمع جماعة وتناصر؛ إذْ ينضوي المسلم تحت أطُرٍ ذاتية التدبير من الشبكات الاجتماعية والمعرفية والمهنية التراحمية، جذرُها القديم هو العائلة والقبيلة، وتجلياتها الحضارية لا تنتهي متعديةً العلاقات الرحمية إلى الأخويات والمذاهب والطوائف والطُّرق والحِرَف والتجمعات السياسية والتربوية.
كانت تلك الأوعية الاجتماعية تعمل شبكاتِ دعمٍ وحمايةٍ ووسطاءَ بين المجتمع والسلطة، تختلف مسمياتها من زمن إلى زمن ومن جغرافيا إلى أخرى، ولكن جوهرها واحد. ففي اللحظة التي وطئ فيها النبي ﷺ ترابَ طيبة، بل قُبيلها بأشهر؛ تحركت تلك الفعاليات الاجتماعية إلى أقصى دلالتها، فعرف المجتمع المدني مصطلح “النقيب” العشائري الذي يمثّل التجمع الأهلي أمام النبي ﷺ بوصفه “إمامَ الأمَّة والمنفردَ بالرئاسة الدينية والدنيوية” وفق تعبير الإمام الباجي (ت 474هـ/1081م) في كتابه ‘المنتقَى‘.
ثم كانت -كما سنرى- “نقابة” أهل الصُّفّة الذين هم مجموعة من الصحابة الكرام كانوا فقراء بلا عوائل أو قبائل في مجتمع المدينة، ومع جريان الزمن ظهرت النقابات المناقبية مثل “نقابة الأنصار”، بل إن بعضها كان عبارة عن تنظيمات ثورية سرية كـ”نقابة العباسيين” بصيغتها الأولى، كما عمل بعضها جماعة ضغط سياسية مثل “نقابة العلويين”. وكانت تلك النقابات المجتمعية تقوم إلى جانب ذلك بدور الرعاية والدفاع عن مصالح أعضائها، بالإضافة إلى الدور التفاوضي مع السلطات.
وفي الدولة الأموية؛ ظهرت بدايات النقابات المهنية حين انتقل مصطلح “العريف” (اجتماعيا ورسميا) من حيزه القبلي المحض ليدخل الدوائر ذات التماس بين المجتمع والسلطة، فنطالع حينها مثلا توظيفا طريفا لهذا المصطلح في قطاع كشؤون المساجد وهو “عريف المؤذنين”، وفي ميدان الأدب ظهر فعلا أيامَها كذلك “عريف الشعراء”، كما اقتُرِحت فكرة تأسيس اتحاد لكُتّاب النثر الفني العربي.
ثم تطورت الأوضاع ليأخذ دور “العريف” في هذا العصر وضعه المؤسسي الواضح، والذي سيطبع لاحقا حياة النقابات بمختلف أنواعها على النحو الشامل والمستوعِب الذي يحكيه هذا المقال، مفنِّدا الأطروحات الاستشراقية التي تربط نشأة النقابات المهنية بالحركات السرية الهدّامة.
كان من سمات النقابات والتجمعات الأخوية أنها ذات مرونة حركية ووظيفية؛ فهي عند الحاجة الشخصية وعاءٌ اجتماعي تكافلي، وهي ساعة المظالم السلطوية تجمُّعٌ احتجاجي ثوري، وهي في مواجهة الغزاة كتيبة نضالية جهادية، وفي أوقات المجاعات والأزمات جبهة إسناد وإنقاذ للمجتمع بكل فئاته.
وهي -في جميع الأوقات- معهد تعليمي لأصول وآداب المهنة، ومؤسسة رقابية وقضائية تقوّم سلوك أعضائها وتؤدب المقصِّر منهم، وقد واكبتها في كل ذلك جهود تشريعية فقهية أطّرت الممارسات المهنية بما يحفظ جودتها ومصالح منتجيها ومستهلكيها، كما نظَّرت لمنح التعاضد النقابي مكانة تضاهي التكافل القرابي إن لم تتغلب عليه، وقدم فقهاء الإسلام في ذلك أفكارا كانت سابقة لعصرها فأسست لأول مدونة قانونية نقابية ومهنية.
وإلى جانب ذلك كله؛ فقد أخذت النقابات المهنية على عاتقها مزْج روح التجمع المهني بالنوازع العاطفية والدينية، من خلال إجلال كبراء الصناعة، وتسلُّم منتسبيها أسرار النقابة بـ”السند” المهني و”الإجازة” الحِرفية، في محاكاة ذات دلالة واضحة لتقاليد الجماعات المعرفية في تلقيها “صناعات” العلوم بالأسانيد والإجازات العلمية والشرعية، وهي محاولة لترقية تلك المهن لتكون مجتمعيا في مستوى “شرعية” النقابات العلمية الفقهية والحديثية.
ولأن النقابات المهنية في أغلبها هي تجمعات من أجل المعاش والنفع العام؛ فهي لم تعرف أي تميز على أساس الدين أو الطبقة أو حتى الجنس، بل كان بابها مفتوحا للجميع انتسابا وانتخابا، وظل شرطها مهنيا خالصا يخص الصلاحية والكفاءة فقط، وهو ما يعني أن غير المسلمين كان من الشائع منحهم حق العضوية في النقابات المهنية بل ورئاسة ما كان منها ذا مكانة خطيرة ومرموقة كنقابة الأطباء؛ كما سنرى في هذا المقال الذي يروي قصة النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية وأسبقيتها لأبرز التقاليد النقابية السائدة في عصرنا.
تجربة ذاتية
جاء تطور النقابات والجماعات الحرفية في الحضارة الإسلامية ضمن سياق مركّب اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا؛ أما كونها نشأت من تأثيرات رومانية/بيزنطية أو فارسية، أو تأسست بجهود من التنظيمات السياسية الشيعية الإسماعيلية وخاصة القرامطة منها؛ فتلك دعوى ذهب إليها مستشرقون مثل لويس ماسينيون (ت 1382هـ/1962م) وبرنارد لويس (ت 1439هـ/2018م)، مفترضين ارتباط النقابات بالمرتكزات الفكرية والدينية التي تبنتها الحركة القرمطية، وأيضا بالظروف الاقتصادية المضطربة التي وظفتها لتجنيد القوى العاملة، لكنهما لم يقدما أدلة مقنعة تدعم تلك الآراء.
وقد عُرضت وجهات النظر الاستشراقية هذه بوضوح في المقالات التي نشرها الدكتور عبد العزيز الدُّوري (ت 1431هـ/2010م)، سواء تلك التي ترجمها للمستشرق برنارد لويس (أربعة مقالات بعنوان: “النقابات الإسلامية”؛ نُشرت في مجلة “الرسالة” المصرية ضمن أعداد: 355-356-357-362)؛ أو تلك التي كتبها هو ولخص فيها ما سبقه من طرح في هذا المجال (مقالان بعنوان: “الأصناف والحِرف الإسلامية”؛ نُشرا في مجلة “الرسالة” المصرية ضمن العددين: 983-984).
لقد قدّم الدوري -في مقاليْه- استدراكات عامة على تلك المقولات الاستشراقية الإطلاقية، لكنها لم تكن -رغم أهميتها- كافية في تعميق الاشتباك معها وبيان غلبة الادعاءات فيها على البينات، وهو ما سنحاول هنا تقديم مقاربة تاريخية فيه نعتقد أنها تتضمن قيمة مضافة في نقاش هذه القضية الجدلية.
فإذا كانت دعوى ماسينيون -كما ينقل عنه برنارد لويس في مقاله الأول- قائمة على أن “الحركة الإسماعيلية هي التي أوجدت الطوائف (= النقابات) الإسلامية وأعطتها ميزتها الخاصة التي حافظت عليها حتى الآن”؛ فإنه من الجلي أن علاقة بعض الحِرَفيين بالدعوة الإسماعيلية -وخاصة فرعها القرمطي- اتسمت بالفردية ولم تأخذ صيغة جماعية واضحة الملامح تؤهلها لإنشاء كيانات نقابية بالحجم والتعقيد المعروف تاريخيا، لاسيما أن هؤلاء الأفراد كانوا يعيشون في مناطق “السواد” شديدة الهامشية جنوبي من العراق.
ولعل أفضل وسيلة لدحض الفكرة الاستشراقية القائلة بالتأثير الروماني/البيزنطي أو الفارسي والأصل القرمطي أو الإسماعيلي لتعليل نشأة النقابات الحرفية والمهنية في الإسلام؛ هو وضع ظاهرة النقابات المهنية في سياقها التاريخي برصد تمظهراتها المختلفة اجتماعيا ومعرفيا وحِرَفيا، وبيان محطات تطورها المجتمعي وتنقُّلها بين القبيلة والدولة والمجتمع المدني (المعرفي والصناعي).
ذلك أن العودة إلى تطور تاريخ مصطلح “النقيب/النقابة” -وكذا نظائره المختلفة مثل العريف/العِرافة والشيخ والرئيس والمقدَّم- تظهر أن فكرة وجود رؤساء أو مشرفين على تجمعات وفئات مجتمعية -يرعون مصالحها ويسوّون نزاعاتها ويمثلونها أمام الآخرين- فكرة قديمة سبقت وجود تنظيمات الحركة الإسماعيلية الشيعية.
فقد كان معروفا مثلا في لغة العرب أن “النقباء جمع نقيب، وهو كالعريف على القوم المقدَّم عليهم، الذي يتعرّف أخبارَهم وينقِّب عن أحوالهم، أي يفتش” عنها؛ وفقا للإمام اللغوي جمال الدين ابن منظور الأنصاري (ت 711هـ/1311م) في معجمه ‘لسان العرب‘.
وتعود التطبيقات الأولى لهذه الفكرة إلى العهد المكي من تاريخ الإسلام، كما هو معروف في أحداث السيرة النبوية من قصة نقباء “بيعة العقبة” الثانية سنة 13ق.هـ/622هـ، الذين “هم اثنا عشر نقيبا رأْسُهم أسعد بن زرارة (ت 1هـ/622م)..، (فقد) نقَّب النبيُّ ﷺ أسعدَ على النقباء”؛ طبقا للذهبي (ت 748هـ/1347م) في ‘سير أعلام النبلاء‘.
تأصيل نبوي
وفي العهد المدني تلاقينا مظاهر أكثر رسوخا لفكرة النقابة المجتمعية، كما في الحديث النبوي “أن رسول الله ﷺ قال حين أذِنَ له المسلمون في عتق سَبْي هوازن: إني لا أدري مَنْ أذِنَ منكم ممن لم يأذِن؛ فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤُكم أمرَكم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤُهم فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أن الناس قد طيَّبوا (= وافقوا) وأذنوا”؛ (صحيح البخاري).
بل إن النبي ﷺ نصّب نفسه نقيبا لأخواله بني النجار الذين هم بطن من الأنصار عندما توفي نقيبهم أسعد بن زُرارة؛ فالإمام الذهبي يروي -في ‘سير أعلام النبلاء‘- أنه “جاءت [إليه] بنو النجار فقالوا: مات نقيبُنا أسعد فنقِّب علينا يا رسول الله! قال: «أنا نقيبكم»”.
وفي هذا الحديث دلالة على أن القبائل كانت ترى وجود النقيب” ركنا أصيلا في كيانها المجتمعي، ولذا وُصف أيضا الصحابي الجليل أبو هريرة (ت 59هـ/670م) بأنه “نقيب أهل الصفة” كفئة مستقلة لأنه كان “عريفهم حين هاجروا”؛ طبقا للإمام النووي (ت 677هـ/1278م) في كتابه ‘تهذيب الأسماء واللغات‘.
وخلال عصر الفتوح، وتحديدا في خلافة عمر الفاروق (ت 23هـ/645م) -رضي الله عنه- نجد ظهورا واضحا للنقباء/العرفاء في تنظيم الدولة، وخاصة المؤسسة العسكرية وتنظيمات جيوش الفتوح في العراق والشام ومصر.
وهو ما تلخصه مادة “عريف” في كتاب ‘موجز دائرة المعارف الإسلامية‘ الاستشراقية الصادرة عن مؤسسة “بريل” الهولندية؛ فتقول إن العريف “مصطلح يطلق على الذين يتولون بعض المناصب المدنية أو العسكرية، على أساس من الكفاءة في الأمور التي تستند إلى العرف، وليس إلى المعرفة بالأمور الدينية التي يتميز بها العالم”.
وأضاف المصدر أنه “كان العريف زمن الراشدين والأمويين يقوم بجمع الضرائب من القبائل ويسلمها إلى ‘المصَّدِّق‘ (= الجابي) الذي يعيِّنه الخليفة..، ومن عهد عمر -وما بعد ذلك- نجد إشارات كثيرة عن وظيفة العريف فيما يتعلق بالتنظيم الحربي للدولة والأمصار..، [فـ]ـجند الكوفة قد قسموا بعد معركة القادسية إلى وحدات (عِرافات) يرأس كل منها «عريف»”.
وفي الدولة الأموية؛ طرأ تحول جديد حين انتقل مصطلح “العريف” (اجتماعيا ورسميا) من حيزه القبلي المحض ليدخل الدوائر ذات التماس بين المجتمع والسلطة، فنطالع مثلا خلال عهد معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/681م) -رضي الله عنه- توظيفا طريفا لهذا المصطلح في قطاع كشؤون المساجد وهو “عريف المؤذنين”. وبالتالي يأخذ دور “العريف” في هذا العصر وضعه المؤسسي الواضح والذي سيطبع لاحقا حياة النقابات بمختلف أنواعها.
https://islamonline.net/wp-/uploads/2019/11/المراصد-الفلكية-في-الحضارة-الإسلامية.jpg
علم الفلك عند المسلمين
مَأسسة أموية
ويتجلى ذلك في كون “معظم التفاصيل عن مهام العريف ترجع إلى عهد معاوية فقط؛ فقد كان كل عريف يختص بعرافة ما، وكان مسؤولا عن توزيع العطاء (= المخصصات المالية) بين أفراده، ومن ثم كان عليه أن يحتفظ بسجل (ديوان) فيه أسماؤهم وعائلاتهم. وأكثر من ذلك كان مسؤولا عن الأمن في نطاق عِرافته، بجانب مسؤولياته عن جمع أموال الدعم والتحكيم في المنازعات بين أفراد ‘العرافة‘”؛ وفقا لكتاب ‘موجز دائرة المعارف الإسلامية‘.
ويؤكد المصدر ذاته أنه في العهد الأموي كان “من بين الوظائف المدنية التي يحمل صاحبها اسم ‘العريف‘.. في القرنين الأولين للهجرة (= السابع والثامن للميلاد).. موظف مخصوص مسؤول عن مصالح الأيتام والأطفال غير الشرعيين، وكذلك نقرأ عن عريف للذميين”.
ومن الواضح أن المقصود هنا ما ذكره ابن عساكر الدمشقي (ت 571هـ/1175م) -في ‘تاريخ بغداد‘- من أن قاضي مصر للأمويين عبد الرحمن بن معاوية بن حُدَيْج (ت 95هـ/715م) كان “أولَ قاضٍ نظر في أموال اليتامى وضمَّن عريفَ كل قوم أموال يتامى تلك القبيلة، وكتب بذلك كتابا فكان عنده.. وشهرها وأشهد فيها، فجرى الأمر على ذلك” بدءا من لحظة تعيينه قاضيا سنة 86هـ/706م!!
وفي المجال الأدبي أيضا ظهر “عريف الشعراء” في آخر العهد الأموي أيام خلافة مروان بن محمد (ت 132هـ/751م)؛ فقد كان له “عريف على الشعراء يَخْبُر (= يختبر) أشعارَهم فيُحسِّن لمُحْسنهم، ويرعَى مسيئَهم وينحّي لهم فاسدَه”؛ وفقا لابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘.
ومن الواضح أن هذا “العريف” كانت مسؤولياته تتطابق مع جوهر صلاحيات “النقيب” في أي جماعة وظيفية متخصصة، من صيانة مكانة الصنعة، ومكافأة المتميزين في منتجاتها، ورفع مستوى الضعفاء من منتسبيها، وتحقيق مستوى مقبول من التضامن والتكافل بينهم، وتمثيلهم جماعيا أمام السلطة وأجهزتها الرسمية.
ولا يبعد أن تكون نشأت لكُتّاب النثر الفني الأدبي نقابة بجانب “نقابة الشعراء”؛ فقد جاء في الرسالة التي وضعها عميد كتّاب العربية عبد الحميد بن يحيى الكاتب (ت 132هـ/751م) لزملائه الكتّاب لتكون دستورهم في مهنهتم التي صارت “صناعة” آنذاك:
“وتحابُّوا في الله عز وجل في صناعتكم، وتواصوا عليها فإنها شيم أهل الفضل والنبل من سلفكم، وإن نبا الزمانُ برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حالُه، فإن أقعد الكِبَرُ أحدَكم عن مَكْسبِه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا (= استعينوا) بفضل تجربته وقديم معرفته”؛ وفقا لبهاء الدين البغدادي (ت 562هـ/1167م) في ‘التذكرة الحمدونية‘.
ولذا رأى مؤرخ الآداب العربية العلامة شوقي ضيف (ت 1426هـ/2005م) -في ‘تاريخ الأدب العربي‘- أن هذا النص دليل على أن عبد الحميد “يطلب إلى الكتَّاب أن يؤلفوا بينهم ما يشبه النقابة في عصرنا، فقد حضهم على الأخذ بيد من ينبو به الزمان منهم ومساعدته حتى يعود إلى ما كان عليه من الرَّفَهِ في العيش”.
وهو استنتاج يأخذ وجاهتَه من أن عصر عبد الحميد -الذي كان كبير كتّاب آخر خلفاء بني أمية- هو الذي تأسست فيه “نقابة الشعراء”، فلا يبعد عليه أن يسعى لزملائه الكتّاب في نظيرة لها تجمعهم وترعى مصالحهم، على نحو ما نرى اليوم في نقابة الصحفيين.
وعلى كل؛ فإن نقابة الكتّاب (اتحاد الكتب) رأت النور فعلا في العصور اللاحقة تحت عنوان: “نقابة المتعمِّمين” أي حمَلَة الأقلام من كتّاب الإدارات الحكومية، وكان لهم رئيس يسمَّى “نقيب المتعممين” وفقا لما نجده في نصوص متعددة -عن أخبار هذه الوظيفة ومَنْ تولَّوها من النقباء- في مصادر تاريخ العصر المملوكي.
نقلة فنية
أما في القطاع الاقتصادي؛ فنجد في العصر الأموي الأول ظهورا لمصطلح “عريف السوق” كما سيأتي، ثم فتحت الدولة العباسية -في مطلع حكمها- البابَ أمام التشكُّل الطبيعي للنقابات الحرفية حين مَنحتْ أهلَ كل حرفة حيزا مكانيا تتجاور فيه دكاكينهم، بما يعطيهم فرصة التداول اليومي في شؤون المهنة ومصالحها وتنظيم علاقتها بالمجتمع والسلطة!
فالمؤرخ ابن عذاري المراكشي (ت 695هـ/1295م) يخبرنا -في ‘البيان المُغْرِب‘- أن والي الغرب الإسلامي للعباسيين يزيد بن حاتم المهلبي (ت 170هـ/786م) كان “حسن السيرة فقدم أفريقية (= تونس) وأصلحها، ورتب أسوار القيروان، وجعل كل صناعة في مكانها” من أسواق المدينة سنة 155هـ/773م.
ويأخذ الأمرُ هنا دلالتَه الخاصة من أن المعتاد آنذاك في التسميات الرسمية أن تُقْرَن الوظيفة الإشرافية الحكومية بلفظ “صاحب” لا بلفظ “عريف”، كما في “صاحب الشرطة” (مدير الأمن)، و”صاحب الخبر” (موظف الاستخبارات عميلا أو مديرا)، و”صاحب العذاب” (جلّاد السجن).
وعلى مستوى التنظيم المجتمعي؛ كان أول تجمع نقابي ذا هوية عربية وصريحا في نزعته النقابية بتسميته رسميا بـ”النقابة”، فظهرت -منذ القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي- كيانات مجتمعية عامة أخذت بها النقابة القبلية بُعدا أكثر مؤسسية، كما في “نقابة الأنصار” الجامعة لبطونهم.
فنحن نجد أول ذكر لهذه النقابة عند المؤرخ ابن يونس الصدفي المصري (ت 347هـ/958م)، وذلك في ترجمته للعالم والشاعر سعيد بن كثير الأنصاري (ت 226هـ/841م) الذي قال إنه “كان ممن يلي «نقابة الأنصار» والقَسْم عليهم”، أي أنه يوزّع عليهم مخصصاتهم المالية الحكومية.
وفي القرن نفسه ظهرت “نقابة الهاشميين” التي كانت بذرتها الأولى مع تأسيس مجلس “نقباء بني العباس” الذي تولى ترتيبات ثورتهم على الأمويين، لكنه سرعان ما انسلخ مِن بُعده التنظيمي السياسي الجامع ليكون مجرد رابطة اجتماعية للهاشميين، ثم انفصلت إلى فرعين منذ القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي جراء الانقسام السياسي المريع بين المكونين الكبيرين البيت الهاشمي، فأصبحت كتب التاريخ تتحدث عن “نقابة العباسيين” و”نقابة الطالبيين” أو “نقابة العلويين” أو “نقابة الأشراف”.
ورغم العداء الشديد الذي اصطبغت به العلاقة بين العباسيين وإخوانهم العلويين جراء صراعهم على عرش الخلافة؛ فإن الأمر استقر على تجاور المؤسستين منذ بدايات القرن الرابع الهجري/الـ10م، كما تفيدنا بذلك ترجمة المؤرخ ابن أيبك الصفدي (ت 764هـ/1363م) -في ‘الوافي بالوفيات‘- لمحمد بن أحمد بن عبد الصمد الهاشمي المعروف بابن طُومَار (ت 320هـ/922م)، والذي “ولي نقابة العباسيين والطالبيين جميعاً أيام المقتدر (ت 320هـ/922م)”.
ومن حينها “لم تزل نقابة الطالبيين تساهمهم الخلافة العباسية في المناصب، وتزاحمهم في كواكب المواكب بالمناكب، وتُشْرِكهم في كل عقد وحل”؛ طبقا للصفدي في ‘أعيان العصر‘. وكان لكل من النقابتين فروع في عدد من حواضر المشرق الإسلامي تتبع للنقابة المركزية في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، والتي أطلِق على من يتولى منصبها الجامع لقب “نقيب النقباء”، وكان يعينه الخليفة العباسي.
ومن أشهر من تولى هذا المنصب: محمد بن أبي تمام علي بن الحسن الزَّيْنَبي (ت 426هـ/1036م)، وكذلك ولده المحدِّث المشهور طِرَاد الزَّيْنَبي (ت 491هـ/1098م). ويبدو أن هذه النقابة اشتهرت لاحقا في دولة المماليك -وما بعدها من عهود- بـ”نقابة الأشراف”.
تحوّل تاريخي
وكان لهذه النقابة مكانة قانونية ورسمية مرموقة كإحدى المؤسسات الشرفية في الدولة الإسلامية، وهو ما عكسته مباحث كتب الفقه السياسي منذ القرن الخامس الهجري/الـ11م؛ فقد جاء في ‘الأحكام السلطانية‘ للإمام الماوردي (ت 450هـ/1059م) بسط لكيفية التعيين فيها وبيان لصلاحياتها.
وطبقا لما أورده الماوردي؛ فإنه كان من أهم مسؤوليات متوليها فيما يتعلق بعلاقتهم بالمجتمع والدولة: “أن يكفَّهم (= أبناء البيت الهاشمي) عن ارتكاب المآثم، ويمنعهم من انتهاك المحارم”، وأن “يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم”، وأن “ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة”، وأن “يقوِّم (= يعاقب) ذوي الهفوات منهم فيما سوى الحدود”، كما عليه “مراعاة وُقوفهم (= أوقافهم المالية) بحفظ أصولها وتنمية فروعها”.
ومن الواضح أننا نجد في هذه الصلاحيات تشابها واضحا مع كثير مما استقرت عليه لاحقا تقاليد النقابات المهنية من رعاية أخلاق المنتسبين، ومعاقبة الخارجين على أعراف المهنة والمخلين بما يحفظ سمعة منتسبيها، وكذا حماية مصالحهم المادية، وتمثيلهم أمام السلطات الرسمية.
ومنذ القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي؛ بدأت التنظيمات النقابية تتجاوز إطارها الاجتماعي السياسي لتصل إلى دوائر الحِرف والصناعات، التي حفزتها تطورات المجالات الاقتصادية والعمرانية على تنظيم نفسها، واعتماد أشكال من التكتل الفئوي تحفظ للصناعة أعرافها المهنية ولممارسيها حقوقهم الاقتصادية، وتؤمِّن للسلطة مستوى من الرقابة والضبط لتلك المهن والصناعات باعتبارها مرافق خدمية يؤثر أداؤها في مصالح المجتمع.
وقد كانت الصلة بين السلطة وأرباب الصنائع (القطاع الخاص) تدور بين جهازين رسميين: مؤسسة القضاء وهيئة الحسبة، مع العلم بأن الدوري يرى -في الأول من مقاليْه المذكوريْن سابقا- أن “أول إشارة لوظيفة المحتسب تعود لخلافة المعتضد (العباسي ت 289هـ/902م)” الذي حكم خلال 279-289هـ/892-902م.
ويذهب شوقي ضيف -في ‘تاريخ الأدب العربي‘- إلى أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها النصف الأول من هذا القرن كان من نتائجها أنْ “نشأت طبقات كثيرة حينئذ من الحِرَفيين أو المهنيين..، فكان لكل حرفة أصحابها الخاصُّون.. [إلى درجة تبلغ] الاختصاص الدقيق، ولا ريب في أن ذلك هو الذي أدى إلى أن تنشأ في العالم العربي من قديم فكرة النقابات للحرفيين والصناع، وإن كانت حينئذ لا تعدو دَوْرَ النشأة البسيطة”.
وهذا التحول الواضح -الذي شهده هذا العصر- هو ما جعل المستشرق ماسينيون “يعطي.. رأيا أقرب للقبول -في بحثه في ‘دائرة معارف العلوم الاجتماعية‘- فيبين أن النقابات [الحِرَفية] نشأت في البلاد الإسلامية في القرن التاسع الميلادي (= القرن الثالث الهجري)”؛ طبقا لما ينقله عنه الدوري.
وقد أيد ماسينيون في ذلك التحديد لبداية نشأة النقابات الحرفية زميلُه برنارد لويس -في مقالاته السابقة الذكر- عندما رصد في هذا القرن “تطورا ظاهرا فيما يسمي بالأصناف الإسلامية، وحينئذ نجدها من نوع لا يصح تعليله بالتأثير أو التراث البيزنطي”، وذلك لأن “هذه النقابات كانت من نوع يختلف تماما عن النقابات الموجودة قبل الفتح الإسلامي”!!
على أن الخلل الذي أصاب التحليل التاريخي لهذين الباحثين هو أنهما جعلا نشأة النقابات حادثة في نهايات هذا القرن، وذلك لكي تستقيم لهما دعوى الدور الإسماعيلي/القرمطي فيها، بينما الواضح أن التأريخ لها ببدايات القرن هو الصحيح لانسجامه مع حركة الأحداث، واتساقه مع تطور النماذج النقابية من بُعدها القَبَلي البحت إلى وضعها المؤسسي الفني الخالص.
تنظير قانوني
ومما يعزز وجهة النظر هذه أننا نجد في أواخر القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي تنظيرا فقهيا واضحا للتضامن النقابي إلى درجة تقديمه على التعاضد النَّسَبي، مثل ذلك الذي قدمه الإمام الحنفي محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ/805م) -في كتابه ‘الأصل‘- حين وسّع دائرة التضامن القبلي المتعلق بالتعويض عن تلفيات الجنايات -والمسمى فقهاً بـ”العاقِلَة” التي هي جهة تأمين عن الضرر- لتشمل أصحاب القطاع الوظيفي الواحد (الديوان/الإدارة).
بل إنه صرّح بأن العلاقة الوظيفية/المهنية هنا قد تكون مقدَّمة على العلاقة في النَّسَب والاشتراك في الموطن، ما دام المستفيد منها (الجاني) لا يعمل بين أهله وفي مدينته الأصلية. وهذا هو التضامن النقابي في أجلى صوره وأكملها كما نعرفه اليوم بين أصحاب القطاع المهني الواحد.
يقول الإمام الشيباني: “وليس يَعْقِل (= يضمن/يؤمِّن) أهلُ مصرٍ (= مدينة) عن أهل مصر، [فـ]ـلا يعقل أهل البصرة عن أهل الكوفة..؛ لأن عاقلتهم على الديوان (= الإدارة الحكومية/القطاع الوظيفي)، فالدواوين مختلفة. وأهل الكوفة يعقلون عن أهل سوادهم وقراهم (= مزارعيهم)..، ولو أن أخوين لأب وأم أحدهما ديوانه بالكوفة والآخر ديوانه بالبصرة لم يعقل أحدهما عن صاحبه، وعقل عنه أهل ديوانه. وأهل الديوان يتعاقلون على الدواوين وإن تفرقت أنسابهم.
ولو أن قوما من أهل خراسان أهل ديوان واحد مختلفين في أنسابهم… جنى بعضهم جناية عقل عنه أهل رايته (= وظيفته/مهنته) وأهل قيادته، وإن كان غيرهم أقرب إليه في النسب. فإن كان أهل رايته وقيادته قليلا ضم إليهم الإمام (= صاحب السلطة) من رأى من أهل الديوان حتى يجعلهم عاقلة واحدة…، وأهل الديوان يتعاقلون دون أهل الأنساب”.
ومنذ القرن الخامس الهجري/الـ11م على الأقل؛ حظيت النقابات في مصر الفاطمية بتنظيم أكثر وضوحا ومسؤوليات أكثر تحديدا من الحقب السابقة. فالمؤرخ المقريزي (ت 845هـ/1441م) يفيدنا -في ‘اتّعاظ الحنفا‘- بأنه “كان في كل سوق من أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف يتولى أمورهم”، وكانت جماعتهم تُدعى “عرفاء الأسواق”، ومن مسؤولياتهم إبلاغ قرارات السلطة ذات الصلة بمهنتهم إلى جميع منتسبيها.
فقد ذكر المقريزي أنه في سنة 517هـ/1123م “خرج أمر [الوزير الفاطمي] المأمون (البطائحي ت 519هـ/1125م) إلى الوالييْن بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقّائين، وإلزام المتعيِّشين (= العاملين) منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلاً ونهاراً”. وورث الأيوبيون هذا النمط عن الفاطميين فأبقوا عليه ليدخل في مصنَّفات هيئة الحِسْبة، ككتاب المحتسب الشافعي ابن نصر الشَّيْزَري (ت 590هـ/1194م): “نهاية الرتبة الظريفة في الحسبة الشريفة” الذي تناول فيه العلاقة بين المحتسب وعريف كل مهنة.
وفي العصر المملوكي تعاظم الدور الاقتصادي لمصر في المنطقة، مما أدى إلى أن “تزدهر صناعة الملابس والفرش والأثاث والجلود والحلي والمعادن والزجاج الملون، وكانت الدولة تهتم بصناعة الأسلحة وسفن الأساطيل، وكل ذلك عمِل على ازدهار الصناعات، ومما يدل على هذا الازدهار بوضوح أننا نجد لكل فئة من الصناع نقابة خاصة تنظر في شؤونهم فيما بينهم وبين أنفسهم، وكذلك فيما بينهم وبين الشعب من جهة والحكومة من جهة ثانية”؛ طبقا لشوقي ضيف في ‘تاريخ الأدب العربي‘.
تأطير رسمي
ونتج عن ذلك التطور الكبير للوضع النقابي بمصر المملوكية اعتمادُ سلطاتها التعيينَ الرسمي لرؤساء خمس نقابات مهنية وإدراجهم ضمن أصحاب الوظائف، باعتبارهم أشخاصا هامين للغاية يجري تعيينهم بقرار رسمي ذي صيغة معينة، وذلك ربما لدقة هذه المهن وأهميتها واتصالها بحياة الناس، وجسامة الأضرار الناجمة عن تولي من لا يستحقها لممارستها.
ويورد القلقشندي (ت 821هـ/1418م) -في ‘صبح الأعشى‘- طائفة من “ألقاب أرباب الوظائف من أهل الصناعات”؛ فيعدّد منها خمسة منها: “مهندس العمائر”، و”رئيس الأطباء”، و”رئيس الكحّالين (= أطباء العيون)”، و”رئيس الجرائحيين (= أطباء الجراحة والتجبير)”. ثم يوضح مهامهم على الترتيب؛ فيقول إن مهندس العمائر “يتولى ترتيب العمائر، وتقديرها، ويحكم على أرباب صناعاتها”، أما رئيس الأطباء فـ”يحكم على طائفة الأطباء، ويأذن لهم في التطبيب”، وكذلك يشبهه رئيسا الكحّالين والجرائحيين.
وكلمة “يحكم” -التي يوردها القلقشندي مقرونة بكل وظيفة نقابية- تدل على أن الترخيص بممارسة المهنة وسحب الترخيص والعقوبات أمر موكول فعلا إلى رئيس الطائفة؛ وبهذا فإن رئيس النقابة في هذه الحالة يمارس صلاحياته كما يفعل رؤساء النقابات اليوم تماما تجاه أعضاء نقابته.
ولذا كان يشترط في الذي سيختبر مهارة منتسبي الصنعة أن يكون مرجعا في أصولها وتقاليدها، وعدّوا “مِن انتكاس الدهر أن يُولَّى امتحانَ الصناع مَنْ ليس بحاذق في صناعتهم”؛ طبقا للراغب الأصفهاني في ‘محاضرات الأدباء‘.
وكان هذا الترخيص مرهونا أيضا بفحص واختبار قدرات المتقدمين، وموافقة قدراته وطُرُق علاجه للأساليب المتبعة المتعارف عليها. فكان كتاب التعيين يتضمن توصية رئيس الطائفة بالنظر “في أمر طائفته ومعرفة أحوالهم”؛ وفقا للقلقشندي الذي يورد الصفات التي كانت مطلوبة في كل من يتولى إحدى تلك النقابات الخمس.
وقد رافق ذلك التنوع في المؤسسات النقابية على المستوى الاجتماعي والحِرَفي نظير لهما على الصعيد المعرفي؛ فكانت “نقابة الفقهاء” الإطار التنظيمي المعبّر عن ذلك الوعي النقابي في المشهد المذهبي، وظهر لدينا منذ القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي مصطلح “نقيب الفقهاء” الذي كان أقرب -في دلالته- إلى مفهوم “العمادة العلمية”، أو نقابة الأساتذة.
وأول من يطالعنا من حملته هو الفقيه المحدّث عمرو بن علي البغدادي (ت قبل 198هـ/814م) الذي كان “يُعرف بـ‘نقيب الفقهاء‘”؛ وفقا للخطيب البغدادي (ت 463هـ/1071م) في ‘تاريخ بغداد‘.
ثم استمر هذا اللقب بصيغته هذه مذكورا في تراجم العلماء -في غير ما بلد ومذهب فقهي- حتى القرن التاسع الهجري/الـ15م على الأقل، لكنه بدأ ينتقل بدلالته من مجرد الإشارة إلى “العمادة العلمية” ليأخذ حمولة تقرّبه من مفهوم “النقابة العلمية” على النحو المعروف اليوم في روابط الأساتذة واتحادات المدرسين.
ولذلك لاحظ عبد العزيز الدُّوري -في مقاليْه المذكورين سابقا- أن “روح التكتل والانسجام في المؤسسات العلمية الراقية أو المدارس جعل الطلبة والأساتذة يكوّنون نقابة، ولهم بعض المراسيم المشتركة مع النقابات [المهنية]، مثل: اللباس الخاص (الروب) والإجازة، وتشابه الدرجات من تلميذ إلى معيد إلى مدرس إلى أستاذ”. كما أشار برنارد لويس -في مقالاته المذكورة آنفا- إلى أنه “في العهد الفاطمي.. نشأت نقابة الأساتذة والطلاب التي تؤلف الجامعة العظيمة..: الأزهر”.
روابط معرفية
ومن النصوص التاريخية الدالة على تحوّل “نقابة الفقهاء” من نموذج العمادة العلمية إلى وضعية المؤسسية النقابية أي نقابة المعلمين أو نقابة المدرسين؛ ما أورده الإمام السخاوي (ت 902هـ/1497م) حين ترجم -في ‘الضوء اللامع‘- للفقيه عبد الغفار بن سليمان التلواني القاهري (ت بعد 852هـ/1448م) فقال إنه “عمِل نقيب الفقهاء بالقلعة”.
فلنا أن نفهم من ذكر “القلعة” -وهي مركز الحُكم في دولة المماليك- هنا أن “نقيب الفقهاء” (نقيب المعلمين) هذا كان حلقة الوصل بينهم وبين مركز السلطة، وبذلك فإن هذا المصطلح صار يحيل إلى “وظيفة” مقررة لها عملها وعائدها المادي على صاحبها الذي يتميز بها عن بقية الفقهاء.
وهو ما يؤكده المنهاجي الأسيوطي (ت 880هـ/1475م) -في كتابه ‘جواهر العقود‘- فيقول في إحدى وثائق الأوقاف المذهبية: “وشرط الواقف أن يصرف إلى كل واحد من… الْفُقَهَاء الْأَرْبَعين فِي كل شهر كَذَا، وَإِن كَانَ شَرط لَهُم أنصبة من الْخبز وَاللَّحم وَالطَّعَام وَغَيره ذكَرَهَا، ثمَّ يذكر ‘نقيب الْفُقَهَاء‘ وَمَاله من الْمَعْلُوم (= الراتب) وما عليه من تفريق الربعة وجمعها إلى صندوقها بعد الدعاء، وبسط سجادة المدرس وسجادات الطلبة ورفعها”.
وإضافة إلى النقابية الفقهائية؛ نرصد حضورا مبكرا لمفهوم “العريف” في أدبيات الصوفية منذ القرن الرابع الهجري/الـ10م، إذْ نجدهم يوظفونه في قصص لقاءات بعض مشايخهم مع “عريف الأبدال” ذي المكانة المركزية في تعاليمهم؛ حسبما يخبرنا به عن أحدهم الإمامُ المحدِّث ابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘.
ثم يتطور ذلك الحضور الرمزي إلى تقليد عملي فنجد الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) يترجم -في ‘إنباء الغُمْر‘- للحسن بن عبد الله الصيرفي المصري (ت 780هـ/1378م) فيذكر أنه “كان نقيب الفقراء (= الصوفية)”، كما ترجم للشيخ شمس الدين محمد بن عمر الميموني الشافعي (ت 841هـ/1437م) فيفيدنا بأنه “كان أبوه نقيبَ [متصوفة] الزاوية المعروفة بالخشابية” في القاهرة.
ومن الفقهاء والصوفية عَبَرَ تقليدُ النقابية إلى أوساط العلماء المشتغلين بالحديث النبوي؛ فكان منهم شرف الدين داود بن أحمد بن سُنْقُر المقدّمي (ت 690هـ/1289م) الذي وصفه الإمام المحدِّث علم الدين البِرْزالي الإشبيلي (ت 739هـ/1338م) -في كتابه المعروف بـ‘تاريخ البرزالي‘- بأنه ” الشيخ الصالح المحدِّث… وكان نقيب المحدثين”.
كما ترجم البرزالي للمحدِّث الصوفي شمس الدين خليل بن بدران الحلبي (ت 695هـ/1294م) فذكر أنه “كان نقيب المحدِّثين”. وجاء في كتاب ‘الوفيات‘ لابن رافع السَّلامي (ت 774هـ/1372م) أن جمال الدين كساب بن محمد المشهدي الحنبلي (ت 740هـ/1339م) كان “نقيب المحدثين بالجامع الحاكمي” في القاهرة.
تنوّع لافت
إن تنصيب مسؤول أسواق للفئات الحِرَفية فكرة قديمة في الحضارة الإسلامية رافقتها في خطواتها المدنية الأولى؛ ففي الكوفة -أيامَ قاضيها شُرَيْح بن الحارث الكِنْدي (ت 73هـ/693م)- يَرِد ذكر وظيفة “عريف السوق” على نحو شديد التخصص، إذْ تطالعنا -وفقا للقاضي وَكِيع بن حيّان الضَّبّي (ت 306هـ/918م) في كتابه ‘أخبار القضاة‘- ألقابٌ من قَبيل: “عريف سوق الدجاج” و”عريف سوق السنانير (= القطط)”!
وفي وقت لاحق؛ اكتسب “عريف السوق” وضعا قانونيا أكثر وضوحا، فالإمام أبو بكر الجصّاص الرازي (ت 370هـ/981م) يفيدنا -في كتابه ‘الفصول في الأصول‘- بأن مفهوم “السُّنّة” عند الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ/795م) يطابق ما يفعله “عريفُ السوق سليمان بن بلال (ت 172هـ/788م)”، وكان هذا العريف محدِّثا ثقة، ويظهر أن أفعاله كانت تجسيدا لـ”عمل أهل المدينة” النبوية وإجماعهم، وهو أصل تشريعي قوي لدى الإمام مالك.
ولئن دلت تلك النصوص على عراقة وظيفة “عريف السوق” لدى المسلمين؛ فإن أقدم عريف مهنة محددة غير مرتبطة بعالم الأسواق هو “عريف المؤذنين” في مسجد عمرو بن العاص بمصر، وسننقل لاحقا عن القاضي المؤرخ المقريزي -في ‘المواعظ والاعتبار‘- بعض أخبار هذا العريف.
ويقدم لنا الإمام الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- ما يفيد بأن “عرافة المؤذنين” في مصر استمرت عبر القرون حتى عصره هو على الأقل، لكنها أخذت لقب “رئاسة” الأكثر رسمية في دلالته؛ فقد ترجم للحسن بن وصَّاف (ت 344هـ/955م) فذكر أنه كان “رئيس المؤذِّنين بمصر.. ثمّ عرَّف (= صار عريفا) عليهم مِنْ بعده بُكَيْر بن عافية (ت بعد 344هـ/955م)”.
كما تَرجَم الذهبي أيضا لأمين الدين أحمد بن محمد بْن مرتفع (ت 693هـ/1294م) فقال إنه كان “رئيس المؤذّنين بالجامع الجديد بمصر”. والوظيفة نفسها كانت في مساجد الشام بدليل ما ورد في ترجمة المحدِّث أبي إسحق برهان الدين الواني (ت 735هـ/1334م) من أنه كان “رئيس المؤذنين بجامع بني أمية” في دمشق؛ طبقا لابن أيبك الصفدي في كتابه ‘نَكْتُ الهِمْيان‘.
ويروي الإمام الطبري (ت 310هـ/922م) -في تاريخه- خبرا يرد فيه ذكر “رئيس البنائين” في بغداد، وأن مؤسسها الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور (ت 158هـ/776م) استشكل أمرا في نفقات بناء قصر الخلافة “فبعث إلى رئيس البنائين فدعاه” وسأله عما استشكله.
ويمتد تقاليد تأسيس المرجعيات المهنية إلى بعض الدوائر الفنية داخل الجهاز الإداري لبعض الدول الإسلامية، رغم ما قد يكون في هذه الدوائر من مخالفات صريحة لتعاليم الإسلام. ومن ذلك أنه كان ضمن موظفي بلاط الخلافة العباسية “رئيس للمنجمين”.
فقد ورد في خبر أن الخليفة العباسي المعتز بالله (ت 255هـ/869م) خاطب أبا معشر البلخي المنجِّم (ت 272هـ/885م) قائلا: “جعلتك «رئيس المنجمين» في دار الخلافة”، وقرر له راتب “مئة دينار (= اليوم 20 ألف دولار أميركي تقريبا) في كل شهر”؛ حسب القاضي المحسِّن التَّنُوخي (ت 384هـ/995م) في ‘نشوار المحاضرة‘.
يتبع