ابو الوليد المسلم
05-11-2026, 05:26 PM
الزواج ميثاق السكينة وبناء الأسر
عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل من آياته سكينة القلوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الزواج ميثاقًا غليظًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من عاش زوجًا، وأوفى من قام بحق الأهل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم نعم الله على عباده نعمة الزواج، ذلك الرباط الذي لم يجعله الله مجرد علاقة عابرة، ولا عقدًا جافًا، بل سكينةً، ومودةً، ورحمةً؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21]، فجعل الله الزواج آيةً من آياته، لا تُبنى على الشهوة وحدها، بل على السكن النفسي، والاحتواء الإنساني، والرحمة المتبادلة، ولم يكن الزواج خاصًّا بأمة دون أمة، بل هو سنة النبيين وهدي المرسلين؛ قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾ [الرعد: 38]، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم الشباب به، فقال: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ))؛ [متفق عليه]، فهو عبادة تحفظ الفطرة، وتغلق أبواب الفتن، وتبني الإنسان من الداخل قبل أن تبني الأسرة من الخارج، إنه توجيه نبوي حكيم، يجعل الزواج درعًا للعفة، وحصنًا للأخلاق، وسياجًا يحمي الدين، بل قرر أهل العلم - رحمهم الله - أن الزواج قد يبلغ حد الوجوب؛ قال الحافظ ابن حجر ناقلًا عن القرطبي: إن المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة، ولا يندفع ذلك إلا بالتزويج، لا يختلف في وجوب التزويج عليه، وقال ابن الجوزي - رحمه الله - مبينًا حكمة التشريع: إن الأصل الأكبر في النكاح وجود النسل، ويتبعه دفع آفات عظيمة من احتقان الشهوة، وما يجره من أمراض، وأفكار رديئة، ووساوس، وآفات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربط الخير الحقيقي بحسن العشرة، فقال: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي))؛ [رواه الترمذي]، فليس الزواج صراع سيطرة، ولا ميدان كمال، بل ميدان خلق، وصبر، وتراحم.
عباد الله، الزواج في الإسلام ليس التقاء جسدين، بل تلاقي روحين، ولا يخلو من تحديات، لكن الشريعة جعلت علاجه بالحكمة؛ فقال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، وقال: ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]، فاصبروا، وتفهموا، وأقيموا بيوتكم على تقوى الله؛ فإن الزواج باب صلاح إذا صلح وباب فتنة إذا أهمل، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد أيها المسلمون:
فإن مما ابتُلي به زماننا تشويه صورة الزواج، وتثقيل كاهله بالمبالغات، أو النفور منه بدعاوى زائفة، حتى أصبح بعض الشباب والفتيات بين خوف وتردد، أو عزوف وتأخير، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تعسير الزواج، فقال: ((إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))؛ [رواه الترمذي]، فتأخير الزواج، أو تعقيده، أو ربطه بالمظاهر والتكاليف، فساد لا يرى أثره سريعًا، لكنه يتراكم في القلوب والمجتمعات، واعلموا - رحمكم الله - أن أيسر الزواج أعظمه بركةً، وأن الغنى ليس في كثرة التكاليف، بل في رضا الله؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النور: 32].
أيها المؤمنون، ولا يمنعنكم الفقر من الزواج؛ فإن الزواج سبب للغنى لا للفقر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: التمسوا الغنى في النكاح، وقال عمر رضي الله عنه: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، بل جاء الوعد الصريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ... وذكر منهم: النَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ))؛ [رواه الترمذي]، واحذروا من عضل النساء أو ظلمهن بالتشدد؛ فإن ذلك باب إثم وفتنة.
أيها المسلمون، أعينوا أبناءكم وبناتكم على الزواج، وكونوا لهم سندًا لا عائقًا، وأحسنوا الظن بالله؛ فإن إعفاف الشباب حفظ للدين، وصيانة للمجتمع، وصدقة جارية.
عباد الله، إن الزواج ليس بابًا شخصيًّا يفتح ويغلق، بل قضية أمة، وصمام أمان للأخلاق، وحصن للفطرة، وسكينة للقلوب التي تعبت، متى ما يُسر سلِم المجتمع، ومتى ما عُسر تكاثرت الفتن، واهتزت القيم، فيسروا ولا تعسروا، وارحموا شبابكم وبناتكم، وقدموا الدين والخلق على المظاهر.
اللهم من أراد الزواج فسهل له، ومن تأخر زواجه فاجعل له من أمره فرجًا، ومن جمعته المودة فاحفظها، ومن ابتُلي بخلاف فألهمه الرشد والسداد.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة.
عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل من آياته سكينة القلوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الزواج ميثاقًا غليظًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من عاش زوجًا، وأوفى من قام بحق الأهل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم نعم الله على عباده نعمة الزواج، ذلك الرباط الذي لم يجعله الله مجرد علاقة عابرة، ولا عقدًا جافًا، بل سكينةً، ومودةً، ورحمةً؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21]، فجعل الله الزواج آيةً من آياته، لا تُبنى على الشهوة وحدها، بل على السكن النفسي، والاحتواء الإنساني، والرحمة المتبادلة، ولم يكن الزواج خاصًّا بأمة دون أمة، بل هو سنة النبيين وهدي المرسلين؛ قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾ [الرعد: 38]، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم الشباب به، فقال: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ))؛ [متفق عليه]، فهو عبادة تحفظ الفطرة، وتغلق أبواب الفتن، وتبني الإنسان من الداخل قبل أن تبني الأسرة من الخارج، إنه توجيه نبوي حكيم، يجعل الزواج درعًا للعفة، وحصنًا للأخلاق، وسياجًا يحمي الدين، بل قرر أهل العلم - رحمهم الله - أن الزواج قد يبلغ حد الوجوب؛ قال الحافظ ابن حجر ناقلًا عن القرطبي: إن المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة، ولا يندفع ذلك إلا بالتزويج، لا يختلف في وجوب التزويج عليه، وقال ابن الجوزي - رحمه الله - مبينًا حكمة التشريع: إن الأصل الأكبر في النكاح وجود النسل، ويتبعه دفع آفات عظيمة من احتقان الشهوة، وما يجره من أمراض، وأفكار رديئة، ووساوس، وآفات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربط الخير الحقيقي بحسن العشرة، فقال: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي))؛ [رواه الترمذي]، فليس الزواج صراع سيطرة، ولا ميدان كمال، بل ميدان خلق، وصبر، وتراحم.
عباد الله، الزواج في الإسلام ليس التقاء جسدين، بل تلاقي روحين، ولا يخلو من تحديات، لكن الشريعة جعلت علاجه بالحكمة؛ فقال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، وقال: ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]، فاصبروا، وتفهموا، وأقيموا بيوتكم على تقوى الله؛ فإن الزواج باب صلاح إذا صلح وباب فتنة إذا أهمل، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد أيها المسلمون:
فإن مما ابتُلي به زماننا تشويه صورة الزواج، وتثقيل كاهله بالمبالغات، أو النفور منه بدعاوى زائفة، حتى أصبح بعض الشباب والفتيات بين خوف وتردد، أو عزوف وتأخير، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تعسير الزواج، فقال: ((إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))؛ [رواه الترمذي]، فتأخير الزواج، أو تعقيده، أو ربطه بالمظاهر والتكاليف، فساد لا يرى أثره سريعًا، لكنه يتراكم في القلوب والمجتمعات، واعلموا - رحمكم الله - أن أيسر الزواج أعظمه بركةً، وأن الغنى ليس في كثرة التكاليف، بل في رضا الله؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النور: 32].
أيها المؤمنون، ولا يمنعنكم الفقر من الزواج؛ فإن الزواج سبب للغنى لا للفقر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: التمسوا الغنى في النكاح، وقال عمر رضي الله عنه: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، بل جاء الوعد الصريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ... وذكر منهم: النَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ))؛ [رواه الترمذي]، واحذروا من عضل النساء أو ظلمهن بالتشدد؛ فإن ذلك باب إثم وفتنة.
أيها المسلمون، أعينوا أبناءكم وبناتكم على الزواج، وكونوا لهم سندًا لا عائقًا، وأحسنوا الظن بالله؛ فإن إعفاف الشباب حفظ للدين، وصيانة للمجتمع، وصدقة جارية.
عباد الله، إن الزواج ليس بابًا شخصيًّا يفتح ويغلق، بل قضية أمة، وصمام أمان للأخلاق، وحصن للفطرة، وسكينة للقلوب التي تعبت، متى ما يُسر سلِم المجتمع، ومتى ما عُسر تكاثرت الفتن، واهتزت القيم، فيسروا ولا تعسروا، وارحموا شبابكم وبناتكم، وقدموا الدين والخلق على المظاهر.
اللهم من أراد الزواج فسهل له، ومن تأخر زواجه فاجعل له من أمره فرجًا، ومن جمعته المودة فاحفظها، ومن ابتُلي بخلاف فألهمه الرشد والسداد.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة.