امانى يسرى محمد
05-17-2026, 10:00 PM
https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSqhWLqsgeJoRJrhkKgxFtdl4LaBrqBh _99Q4MgNljcI-WaygFc
تُمثل عشر ذي الحجة (https://awkafonline.gov.eg/friday-sermon/post/33/10592/%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%8F-%D8%B0%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A9-%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D9%84%D9%8F-%D9%88%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%A6%D8%B1) محطة إيمانية وتشريعية فذة في مسيرة المكلف نحو ربه، حيث تتضافر فيها الأدلة من محكم الكتاب (https://awkafonline.gov.eg/-sections/116/3266/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85)ومستفيض السنة (https://awkafonline.gov.eg/-sections/99/7486/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9)لتؤكد صدارتها على سائر أيام العام، مما يجعلها ميزانًا للسبق وميدانًا لتزكية النفوس وتعميق قيم العبودية؛ فما الفضل الثابت لهذه الأيام المباركة، وما السبل السلوكية (https://awkafonline.gov.eg/-sections/97/2805/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%83) والفقهية المثلى لاستيعاب أنوارها وتحقيق كمال الاتباع فيها؟
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
ما فضل العشر الأوائل من ذي الحجة في الكتاب والسنة؟
إنَّ الفضل الثابت والمكانة السامية لهذه العشر لا تنبع من محض مصادفة زمنية، بل تستند إلى أدلة قطعية من محكم الكتاب ومستفيض السنّة النبوية المطهرة، وهي الأدلة التي تضافرت وتكاملت لتؤكد صدارة هذه الأيام وفضلها على سائر أيام العام، وتجعلها ميزانًا للسبق وميدانًا للتنافس في الطاعات، ومن أبرز معالم هذا الفضل:
ما جاء في القرآن الكريم
حيث أقسم الله تعالى بها في كتابه لإعظام شأنها؛ قال تعالى: {وَٱلۡفَجۡرِ * وَلَیَالٍ عَشۡر} [الفجر: ١-٢]، وجمهور المفسرين على أنَّ هذه الليالي هي عشرُ ذي الحجة، وفي هذا التنويهِ القرآني إيذانٌ بعظم شأن المقْسَمِ به، وتوجيه لقلوب العباد لتعظيم ما عظَّمه الله، ونقل الحافظ ابن كثير الإجماع على أنها عشر ذي الحجة، فقال: "والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف" [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط. العلمية، ٨/٣٨١].
أن الله تعالى سماها بالأيام المعلومات في كتابه الكريم بقوله: {وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ} [الحج: ٢٨]، وجمهور المفسرين وعلماء الأمة على اتصالها بالأيام المعدودات قال تعالى: {وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ} [البقرة: ٢٠٣]
من السنّة النبويّة
لقد شهد النبي ﷺ لهذه الأيام العشر بأنها أعظم أيام الدنيا على الإطلاق، وأن العمل الصالح فيها على تنوعه يربو في ثوابه ومحبته عند الله تعالى على أي وقتٍ آخر؛ وفي هذا السياق يقدم لنا حديث سيدنا عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما ميزانًا دقيقًا للمفاضلة، حيث قال ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ- يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [البخاري: الصحيح ، ٩٦٩]، ولم يقتصر البيان النبوي على إبراز شرف الزمان وعظمته فحسب، بل وضع للمسلمين دستورًا سلوكيًا دقيقًا، ومنهاجًا عمليًا يسيرًا في مبناه، عميقًا في معناه، لاستيعاب هذه الأنوار؛ حيث قال حضرة سيدنا النبي ﷺ: «ما مِن أيَّامٍ أَعظَمَ عِندَ اللهِ، ولا أَحَبَّ إلَيهِ مِنَ العملِ فيهِنَّ مِن هذِه الأَيَّامِ العَشرِ؛ فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ»[الإمام أحمد: المسند،(٥٤٤٦)].
وفي طليعة هذه العشر يتجلى يوم عرفة كيوم لسكب العبرات ومغفرة الذنوب التي تكاد تبلغ عنان السماء، وفيه نزل أعظم إعلان في تاريخ البشرية:{ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ} [المائدة: ٣]، وهو اليوم الذي يدنو فيه الرب جل وعلا دنوًّا يليق بجلاله؛ ففي حديث أم المؤمنين السيدة عائشةَ رضي الله عنها أنسيدنا النبي ﷺ قال: «ما مِن يَومٍ أكثَرَ مِن أن يُعتِقَ اللهُ فيه عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفةَ، وإنَّه لَيَدنو ثُمَّ يُباهي بهِمُ المَلائِكةَ، فيَقولُ: ما أرادَ هؤلاء؟» [مسلم: الصحيح، (١٣٤٨)]، وجُعل صيام هذا اليوم لغير الحاج منحةً إلهيةً تكفر ذنوب سنتين؛ سنةٍ ماضيةٍ وسنةٍ مستقبلةٍ، لقوله ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [مسلم: الصحيح، (١١٦٢)].
وتتوج هذه النفحات بيوم النحر الذي هو أعظم الأيام قدرًا عند الله تعالى، يليه يوم القر؛ وقد جمع حضرة سيدنا النبي ﷺ فضل هذا الختام المبارك بعبارةٍ جامعةٍ فقال: «إنَّ أفضلَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ» [أبو داود: السنن، (١٧٦٥)].
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
لماذا تعتبر العشر من ذي الحجة أفضل من غيرها؟
حظيت عشر ذي الحجة بهذه المكانة الأسمى والمنزلة الرفيعة في مسيرة الطاعات؛ نظرًا لخصوصية تشريعية فذة لا تشاركها فيها أي دقيقة من دقائق الزمان، وهي اجتماع أمهات العبادة العظمى فيها قاطبةً؛ من صلاةٍ (https://awkafonline.gov.eg/-sections/111/3943/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%91%D9%8E%D9%84%D8%A7%D8%A9)، وصيامٍ (https://awkafonline.gov.eg/-sections/111/3088/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85)، وصدقةٍ، وحجٍّ (https://awkafonline.gov.eg/-sections/111/2802/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D9%91) لبيت الله الحرام، ولا يتأتى اجتماع هذه الأركان والركائز العبادية في وقتٍ واحدٍ لغيرها من الأيام، فغدت كالمصب لنهر الإيمان الفياض، وقد صاغ الحافظ ابن حجرٍ العسقلاني هذه العلة صياغةً علميةً محكمةً، حيث قال: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره" [ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، ٢ / ٤٦٠].
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
ما الأيام المعلومات والأيام المعدودات؟
فرّق المحققون من الفقهاء والمفسرين بين الوصفين الواردين في القرآن الكريم (https://awkafonline.gov.eg/-sections/116/3266/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85)لتحديد الوظائف التعبدية لكل منهما:
الأيام المعلومات: هي العشر الأوائل من ذي الحجة، المذكورة في قوله تعالى: {وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامٍ مَّعۡلُومَٰتٍ} [الحج: ٢٨]، ويُستحب فيها كثرة ذكر الله والتكبير المطلق في كل وقت ومكان تعظيمًا لشعائر الله.
الأيام المعدودات: هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر (١١، ١٢، ١٣ من ذي الحجة)، المذكورة في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: ٢٠٣]، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، ويُشرع فيها التكبير المقيد عقب الصلوات المكتوبة. [راجع: الإمام الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٣ /٥٥٦].
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
ما أحب الأعمال إلى الله في العشر الأوائل من ذي الحجة؟
يُستحب للمسلم في هذه الأيام أن يستحث ركائب همته، ويجتهد في طاعة الله ويجمع بين القربات البدنية والمالية والقلبية، ومن آكدها:
الإكثار من ذكر الله تعالى:
حيث يشرع الجهر بالتكبير في المساجد (https://awkafonline.gov.eg/-sections/113/3754/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9) والبيوت إعلانًا لعظمة الخالق، لقول حضرة سيدنا النبي ﷺ: «فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ» [الإمام أحمد: المسند، (٥٤٤٦)]، وكان الصحابة يخرجون إلى الأسواق في العشر، فيُكبرون، ويُكبر المسلمون معهم، قال الإمام البخاري: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ *النَّاسُ *بِتَكْبِيرِهِمَا" [البخاري: الصحيح، باب فضل العمل في أيام التشريق،٢/ ٢٠].
الإكثار من الدعاء في يوم عرفة:
وأفضل ما يلهج به اللسان، ويتحرك به فؤاد المؤمن في ذلك المشهد المهيب هو ما ورد عن حضرة سيدنا النبي ﷺ من حديث: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [الترمذي (٣٥٨٥)].
الصيام: يستحب صيام تسع ذي الحجة؛ لحديث بعض أزواج النبي رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ،...» [أبو داود، السنن، (٢٤٣٧)].
الحج والعمرة: هو ذروة الطاعات في هذا الموسم لمن استطاع؛ لقوله ﷺ: «والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّةُ» [البخاري، الصحيح، (١٧٧٣)].
ذبح الأضحية: ويشرع لغير الحاج تقديم القربان وتوسعة النفقة بذبح الأضحية يوم العيد؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ} [الكوثر: ٢]، ولحديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ "يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ" [البخاري: الصحيح، (٥٢٣٣)].
إضافة إلى عمارة وقته بقراءة القرآن، والاستغفار، وبث المحبة بصلة الأرحام وبر الوالدين.
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
هل العشر من ذي الحجة أفضل أم العشر الأواخر من رمضان؟
هذه المسألة من عيون المسائل الفقهية (https://awkafonline.gov.eg/-sections/111/3135/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87)والذوقية التي تجلى فيها فقه التوازن والجمع عند محققي العلماء، وقد حسموها بأبهى صياغة تُنصف شرف الزمانين، فأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، والعلة المقاصدية في هذا التفصيل البديع، أن ليالي رمضان شُرِّفت بليلة القدر، وهي ليلة لا تدانيها ليلة في الفضل، بينما أيام ذي الحجة شُرِّفت بيوم عرفة (https://awkafonline.gov.eg/events-and-seasons-articles/241/10537/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9) ويوم النحر (https://awkafonline.gov.eg/events-and-seasons-articles/241/10485/%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AD%D8%B1)، وهما أفضل أيام الدنيا نهارًا [راجع: ابن رجب: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص٢٦٧]، وبهذا الفهم المعتدل، ينعتق المسلم من المفاضلة التي تورث التكاسل، إلى المجاهدة التي تورث القبول في الموسمين.
يتبع
تُمثل عشر ذي الحجة (https://awkafonline.gov.eg/friday-sermon/post/33/10592/%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%8F-%D8%B0%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A9-%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D9%84%D9%8F-%D9%88%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%A6%D8%B1) محطة إيمانية وتشريعية فذة في مسيرة المكلف نحو ربه، حيث تتضافر فيها الأدلة من محكم الكتاب (https://awkafonline.gov.eg/-sections/116/3266/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85)ومستفيض السنة (https://awkafonline.gov.eg/-sections/99/7486/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9)لتؤكد صدارتها على سائر أيام العام، مما يجعلها ميزانًا للسبق وميدانًا لتزكية النفوس وتعميق قيم العبودية؛ فما الفضل الثابت لهذه الأيام المباركة، وما السبل السلوكية (https://awkafonline.gov.eg/-sections/97/2805/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%83) والفقهية المثلى لاستيعاب أنوارها وتحقيق كمال الاتباع فيها؟
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
ما فضل العشر الأوائل من ذي الحجة في الكتاب والسنة؟
إنَّ الفضل الثابت والمكانة السامية لهذه العشر لا تنبع من محض مصادفة زمنية، بل تستند إلى أدلة قطعية من محكم الكتاب ومستفيض السنّة النبوية المطهرة، وهي الأدلة التي تضافرت وتكاملت لتؤكد صدارة هذه الأيام وفضلها على سائر أيام العام، وتجعلها ميزانًا للسبق وميدانًا للتنافس في الطاعات، ومن أبرز معالم هذا الفضل:
ما جاء في القرآن الكريم
حيث أقسم الله تعالى بها في كتابه لإعظام شأنها؛ قال تعالى: {وَٱلۡفَجۡرِ * وَلَیَالٍ عَشۡر} [الفجر: ١-٢]، وجمهور المفسرين على أنَّ هذه الليالي هي عشرُ ذي الحجة، وفي هذا التنويهِ القرآني إيذانٌ بعظم شأن المقْسَمِ به، وتوجيه لقلوب العباد لتعظيم ما عظَّمه الله، ونقل الحافظ ابن كثير الإجماع على أنها عشر ذي الحجة، فقال: "والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف" [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط. العلمية، ٨/٣٨١].
أن الله تعالى سماها بالأيام المعلومات في كتابه الكريم بقوله: {وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ} [الحج: ٢٨]، وجمهور المفسرين وعلماء الأمة على اتصالها بالأيام المعدودات قال تعالى: {وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ} [البقرة: ٢٠٣]
من السنّة النبويّة
لقد شهد النبي ﷺ لهذه الأيام العشر بأنها أعظم أيام الدنيا على الإطلاق، وأن العمل الصالح فيها على تنوعه يربو في ثوابه ومحبته عند الله تعالى على أي وقتٍ آخر؛ وفي هذا السياق يقدم لنا حديث سيدنا عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما ميزانًا دقيقًا للمفاضلة، حيث قال ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ- يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [البخاري: الصحيح ، ٩٦٩]، ولم يقتصر البيان النبوي على إبراز شرف الزمان وعظمته فحسب، بل وضع للمسلمين دستورًا سلوكيًا دقيقًا، ومنهاجًا عمليًا يسيرًا في مبناه، عميقًا في معناه، لاستيعاب هذه الأنوار؛ حيث قال حضرة سيدنا النبي ﷺ: «ما مِن أيَّامٍ أَعظَمَ عِندَ اللهِ، ولا أَحَبَّ إلَيهِ مِنَ العملِ فيهِنَّ مِن هذِه الأَيَّامِ العَشرِ؛ فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ»[الإمام أحمد: المسند،(٥٤٤٦)].
وفي طليعة هذه العشر يتجلى يوم عرفة كيوم لسكب العبرات ومغفرة الذنوب التي تكاد تبلغ عنان السماء، وفيه نزل أعظم إعلان في تاريخ البشرية:{ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ} [المائدة: ٣]، وهو اليوم الذي يدنو فيه الرب جل وعلا دنوًّا يليق بجلاله؛ ففي حديث أم المؤمنين السيدة عائشةَ رضي الله عنها أنسيدنا النبي ﷺ قال: «ما مِن يَومٍ أكثَرَ مِن أن يُعتِقَ اللهُ فيه عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفةَ، وإنَّه لَيَدنو ثُمَّ يُباهي بهِمُ المَلائِكةَ، فيَقولُ: ما أرادَ هؤلاء؟» [مسلم: الصحيح، (١٣٤٨)]، وجُعل صيام هذا اليوم لغير الحاج منحةً إلهيةً تكفر ذنوب سنتين؛ سنةٍ ماضيةٍ وسنةٍ مستقبلةٍ، لقوله ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [مسلم: الصحيح، (١١٦٢)].
وتتوج هذه النفحات بيوم النحر الذي هو أعظم الأيام قدرًا عند الله تعالى، يليه يوم القر؛ وقد جمع حضرة سيدنا النبي ﷺ فضل هذا الختام المبارك بعبارةٍ جامعةٍ فقال: «إنَّ أفضلَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ» [أبو داود: السنن، (١٧٦٥)].
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
لماذا تعتبر العشر من ذي الحجة أفضل من غيرها؟
حظيت عشر ذي الحجة بهذه المكانة الأسمى والمنزلة الرفيعة في مسيرة الطاعات؛ نظرًا لخصوصية تشريعية فذة لا تشاركها فيها أي دقيقة من دقائق الزمان، وهي اجتماع أمهات العبادة العظمى فيها قاطبةً؛ من صلاةٍ (https://awkafonline.gov.eg/-sections/111/3943/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%91%D9%8E%D9%84%D8%A7%D8%A9)، وصيامٍ (https://awkafonline.gov.eg/-sections/111/3088/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85)، وصدقةٍ، وحجٍّ (https://awkafonline.gov.eg/-sections/111/2802/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D9%91) لبيت الله الحرام، ولا يتأتى اجتماع هذه الأركان والركائز العبادية في وقتٍ واحدٍ لغيرها من الأيام، فغدت كالمصب لنهر الإيمان الفياض، وقد صاغ الحافظ ابن حجرٍ العسقلاني هذه العلة صياغةً علميةً محكمةً، حيث قال: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره" [ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، ٢ / ٤٦٠].
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
ما الأيام المعلومات والأيام المعدودات؟
فرّق المحققون من الفقهاء والمفسرين بين الوصفين الواردين في القرآن الكريم (https://awkafonline.gov.eg/-sections/116/3266/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85)لتحديد الوظائف التعبدية لكل منهما:
الأيام المعلومات: هي العشر الأوائل من ذي الحجة، المذكورة في قوله تعالى: {وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامٍ مَّعۡلُومَٰتٍ} [الحج: ٢٨]، ويُستحب فيها كثرة ذكر الله والتكبير المطلق في كل وقت ومكان تعظيمًا لشعائر الله.
الأيام المعدودات: هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر (١١، ١٢، ١٣ من ذي الحجة)، المذكورة في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: ٢٠٣]، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، ويُشرع فيها التكبير المقيد عقب الصلوات المكتوبة. [راجع: الإمام الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٣ /٥٥٦].
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
ما أحب الأعمال إلى الله في العشر الأوائل من ذي الحجة؟
يُستحب للمسلم في هذه الأيام أن يستحث ركائب همته، ويجتهد في طاعة الله ويجمع بين القربات البدنية والمالية والقلبية، ومن آكدها:
الإكثار من ذكر الله تعالى:
حيث يشرع الجهر بالتكبير في المساجد (https://awkafonline.gov.eg/-sections/113/3754/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9) والبيوت إعلانًا لعظمة الخالق، لقول حضرة سيدنا النبي ﷺ: «فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ» [الإمام أحمد: المسند، (٥٤٤٦)]، وكان الصحابة يخرجون إلى الأسواق في العشر، فيُكبرون، ويُكبر المسلمون معهم، قال الإمام البخاري: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ *النَّاسُ *بِتَكْبِيرِهِمَا" [البخاري: الصحيح، باب فضل العمل في أيام التشريق،٢/ ٢٠].
الإكثار من الدعاء في يوم عرفة:
وأفضل ما يلهج به اللسان، ويتحرك به فؤاد المؤمن في ذلك المشهد المهيب هو ما ورد عن حضرة سيدنا النبي ﷺ من حديث: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [الترمذي (٣٥٨٥)].
الصيام: يستحب صيام تسع ذي الحجة؛ لحديث بعض أزواج النبي رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ،...» [أبو داود، السنن، (٢٤٣٧)].
الحج والعمرة: هو ذروة الطاعات في هذا الموسم لمن استطاع؛ لقوله ﷺ: «والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّةُ» [البخاري، الصحيح، (١٧٧٣)].
ذبح الأضحية: ويشرع لغير الحاج تقديم القربان وتوسعة النفقة بذبح الأضحية يوم العيد؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ} [الكوثر: ٢]، ولحديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ "يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ" [البخاري: الصحيح، (٥٢٣٣)].
إضافة إلى عمارة وقته بقراءة القرآن، والاستغفار، وبث المحبة بصلة الأرحام وبر الوالدين.
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTgz24hEePUuPhJ3sY-3kI1MUee3sPTn_TsY8JqIhlId6Ah4DUF
هل العشر من ذي الحجة أفضل أم العشر الأواخر من رمضان؟
هذه المسألة من عيون المسائل الفقهية (https://awkafonline.gov.eg/-sections/111/3135/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87)والذوقية التي تجلى فيها فقه التوازن والجمع عند محققي العلماء، وقد حسموها بأبهى صياغة تُنصف شرف الزمانين، فأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، والعلة المقاصدية في هذا التفصيل البديع، أن ليالي رمضان شُرِّفت بليلة القدر، وهي ليلة لا تدانيها ليلة في الفضل، بينما أيام ذي الحجة شُرِّفت بيوم عرفة (https://awkafonline.gov.eg/events-and-seasons-articles/241/10537/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9) ويوم النحر (https://awkafonline.gov.eg/events-and-seasons-articles/241/10485/%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AD%D8%B1)، وهما أفضل أيام الدنيا نهارًا [راجع: ابن رجب: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص٢٦٧]، وبهذا الفهم المعتدل، ينعتق المسلم من المفاضلة التي تورث التكاسل، إلى المجاهدة التي تورث القبول في الموسمين.
يتبع