المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصفقة الرابحة


امانى يسرى محمد
07-06-2026, 01:58 AM
(http://digg.com/submit?phase=2&url=www.a-quran.com/showthread.php?p=144490)https://2img.net/h/www.ashefaa.com/picup/uploads/1e5f572182.gif
الصفقة الرابحة

كتبه/ سعيد السواح.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

ما من يوم يمر إلا ونحن نبيع ونشتري مع فلان أو فلان، فهلا فكرت يوماً أن تبيع وتشتري مع ربك؟
لعلك تقول وكيف السبيل إلى ذلك؟
نقول هذا سهل وميسور فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111)

ولكن انتبه!
إن المؤمن الذي باع، واشترى مع ربه -سبحانه- له أوصاف وصفات ذكرها الله -تعالى-، فلا يتبقى منك إن كنت صادقاً في إرادة عقد هذه الصفقة مع ربك إلا أن تسعى في تحقيق هذه الصفات التي بينها الله لنا في قوله -سبحانه-: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة:112)

ولتعلم أن هذه الصفقة لا تعقد إلا مع رجال لم ينشغلوا بالدنيا عن آخرتهم، ولم ينشغلوا بدنياهم عن ربهم خالقهم ورازقهم (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) (النور:36-37 )


https://sl.glitter-graphics.net/pub/2536/2536701vit4s41bg2.gif


إن كنت تسعى حقاً في إنقاذ رقبتك من النيران. وإن كنت تسعى جاداً أن تسكن الجنة.
فعليك أن تبادر إلى عقد هذه الصفقة كما دلنا عليها الملك الديَّان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الصف:10-11 )

أتدري ما الثمرة المرجوة من هذه الصفقة؟
(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف:12-13)

ولقد كانت الصحابة -رضي الله عنهم- يبايعون النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمثال هذه الصفقات، فهذا عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- يقول إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) فبايعناه على ذلك. البخاري/ كتاب الإيمان.


وانظر إلى هذا الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- في مبايعته للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال بايعت رسول -صلى الله عليه وسلم- على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. رواه مسلم.
وانظر كيف وفى بهذه البيعة التي عقدها مع النبي -صلى الله عليه وسلم-


قال الإمام النووي -رحمه الله-: أن جريراً أمر مولاه أن يشتري له فرساً فاشترى له فرساً بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه ليقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال ذلك إليك يا أبا عبد الله. فقال: فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة درهم؟ ثم لم يزل يزيده مائة مائة وصاحبه يرضى وجرير يقول: فرسك خير من ذلك إلى أن بلغ ثمانمائة درهم فاشتراه بها، فقيل له في ذلك فقال: إني بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم.
فانظر كيف كانوا يصدقون ربهم في بيعهم وعهدهم، فوالله ما غرتهم الدنيا بزينتها فإنهم واله ما غفلوا عن طلب الآخرة فباعوا الدنيا رخيصة، ولم يرضوا بالجنة بديلاً.
ولقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مبيناً لنا حال الإنسان: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه مسلم.
فما منا من أحد إلا وهو يحمل نفسه لكي يقوم بطرحها للبيع، فما هي بضاعتك التي تلقى بها ربها ربك غداً.


هذه بضاعتنا التي نلقي بها ربنا: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (فاطر:29)


أتدري ما هي ثمرة هذه الصفقة؟
قال -تعالى-: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر:30)
فلتسارع ولتبادر ولا تسبق فلا يسبقك أحد إلى ذلك.
https://sl.glitter-graphics.net/pub/2536/2536701vit4s41bg2.gif


ختاماً أقول لك:


أتدري ما معنى أنك بعت مع ربك؟
أي أنك قدمت النفس والمال في مقابل هذه الربحية المرصودة، ألا وهي الجنة.
ثم نقول أتدري ما معنى أنك عقدت صفقة مع ربك على أن تبذل له مالك؟
أي تكتسبه من طيب وتنفقه في طيب.
أو تدري ما معنى أنك عقدت صفقة مع ربك على أن تبذل له نفسك؟
أن كل أوقاتك ملك لربك فلا تصرفها إلا في محابة ومرضاته.
وبعد أيها الحبيب:
فلتتقدم لهذه الصفقة ولا تتخاذل ولا تتقاعس، وكن مع هذه الطائفة التي قال عنها ربك: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)(الأحزاب: من الآية23).

صوت السلف

http://sl.glitter-graphics.net/pub/4/4367md4he6iq1w.gif

امانى يسرى محمد
08-14-2026, 12:28 AM
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ


الفوائد التربوية:

1- قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) اعلَمْ أنَّ اللهَ تعالى إذا صَدَّرَ الكلامَ بقَولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا فإنَّه ينبغي لك أنْ تَستَمِعَ إلى هذا النِّداءِ الموجَّهِ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ إليك؛ لأنَّه إذا ناداك فإمَّا خيرٌ تُؤمَرُ به، وإمَّا شَرٌّ تُنهى عنه، وإمَّا خيرٌ تنتَفِعُ به
. عن ابنِ مسعود رضيَ الله عنه، قال: (إذا سَمِعتَ اللهَ يقولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا فأَرْعِها سَمْعَك؛ فإنَّه خيرٌ يأمرُ به، أو شرٌّ ينهى عنه) .
2- في قَولِه تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ أنَّه ليس لنا طريقٌ إلى هذه التِّجارةِ إلَّا الطَّريق الذي شَرَعه اللهُ عزَّ وجلَّ، فهو الدَّالُّ على ذلك .
3- في قَولِه تعالى: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ دليلٌ على أنَّ الطَّاعةَ تُثمِرُ للمَرءِ مَحابَّ الدُّنيا والآخِرةِ، وأنَّ طَلَبَ الأرباحِ في الدُّنيا والآخِرةِ بالطَّاعةِ أسرَعُ إدراكًا لطالِبِه منه بغَيرِها
https://sl.glitter-graphics.net/pub/2536/2536701vit4s41bg2.gif

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ جُعِل ذلك بمنزلةِ التِّجارةِ؛ لأنَّهم يَربَحونَ فيها رِضا اللهِ، ونَيلَ جَنَّتِه، والنَّجاةَ مِن النَّارِ
.
2- في قَولِه تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ دليلٌ على أنَّ التِّجارةَ اسمٌ واقِعٌ على طَلَبِ الأرباحِ، ونَماءِ الأموالِ، ومَحَابِّ النُّفوسِ معًا .
3- قَولُ اللهِ تعالى: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فيه سؤالٌ: الأمرُ بالإيمانِ كيف هو بَعْدَ قَولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا؟
الجوابُ: أنَّ الخِطابَ إذا كان للمؤمنينَ الخُلَّصِ فالمرادُ: تَثبُتون وتَدومون على الإيمانِ، أو تَجمَعون بيْن الإيمانِ والجهادِ، أي: بيْن تكميلِ النَّفْسِ وتكميلِ الغيرِ، وإن كان للمؤمنينَ ظاهرًا فالمرادُ: تُخلِصون الإيمانَ .
ويُمكِنُ أن يكونَ الخِطابُ لأهلِ الكِتابِ، وهم اليَهودُ والنَّصارى؛ فإنَّهم آمَنوا بالكُتُبِ المتقَدِّمةِ، فكأنَّه قال: يا أيُّها الَّذين آمَنوا بالكُتُبِ المتقَدِّمةِ آمِنوا باللهِ وبمُحَمَّدٍ رَسولِ اللهِ .
4- قَولُ اللهِ تعالى: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فيه أنَّ الإيمانَ باللهِ والجِهادَ في سَبيلِه مُكَفِّرانِ للذُّنوبِ ولو كانت كبائِرَ .
5- قُطْبُ هذه السُّورةِ الكريمةِ يَدورُ على أمرِ الجِهادِ، ألَا ترَى كيفَ أُعيدَ قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ إلى قَولِه تعالى: وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، وخُتِمَت بقَولِه تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ، وفيه دليلٌ ظاهِرٌ على عُلُوِّ شَأنِ الجِهادِ ورِفعةِ مَنزِلتِه عندَ اللهِ تعالى؛ لأنَّه ذُرْوةُ سَنامِ الأمرِ .
6- في قَولِه تعالى: وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ تقديمُ المالِ على النَّفْسِ في الجِهادِ، وكذا في غالبِ المواضِعِ، وهذا دليلٌ على وُجوبِ الجِهادِ بالمالِ كما يجِبُ بالنَّفْسِ، فإذا دَهَمَ العَدُوُّ وَجَبَ على القادرِ الخروجُ بنَفْسِه؛ فإنْ كان عاجزًا وَجَبَ عليه أنْ يَكتريَ بمالِه، فتقديمُ المالِ في الذِّكْرِ مُشْعِرٌ بإنكارِ وَهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ العاجِزَ بنَفْسِه إذا كان قادِرًا على أنْ يَغْزُوَ بمالِه لا يَجِبُ عليه شيءٌ.
وفائدةٌ ثانيةٌ على تقديرِ عدمِ الوُجوبِ، وهي: أنَّ المالَ محبوبُ النَّفْسِ ومَعشوقُها الَّتي تَبذُلُ ذاتَها في تَحصيلِه، وتَرتَكِبُ الأخطارَ وتتعَرَّضُ للمَوتِ في طَلَبِه؛ فنَدَبَ اللهُ تعالى مُحِبِّيه المجاهِدينَ في سَبيلِه إلى بَذْلِ مَعشوقِهم ومَحبوبِهم في مَرْضاتِه، فإنَّ المقصودَ أنْ يكونَ اللهُ هو أَحَبَّ شَيءٍ إليهم، ولا يكونَ في الوُجودِ شيءٌ أحبَّ إليهم منه، فإذا بَذَلوا محبوبَهم في حُبِّه نَقَلَهم إلى مَرتبةٍ أُخرى أَكْمَلَ منها، وهي بَذْلُ نُفوسِهم له، فهذا غايةُ الحُبِّ .
7- في قَولِه تعالى: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الخَيريَّةَ قد تكونُ في الواجِباتِ، بل قد تكونُ في أصلِ الإيمانِ؛ فالإشارةُ في قولِه: ذَلِكُمْ إلى الإيمانِ باللهِ ورَسولِه، والجهادِ في سبيلِه، وهذا أصلُ الإيمانِ، وقال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة: 9] ، ومعلومٌ أنَّ الذَّهابَ إلى صَلاةِ الجُمُعةِ بعدَ الأذانِ الثَّاني واجِبٌ، وقال اللهُ فيه: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، فالخيريَّةُ لا تَختَصُّ بما كان نافِلةً، بل تكونُ بما كان نافِلةً، وبما كان فَريضةً، وتكونُ حتَّى في أصلِ الإيمانِ .
8- عَمَلُ الإنسانِ لا يُنجِيه مِن النَّارِ، ولا يُدْخِلُه الجنَّةَ، وإنمَّا يَحصُلُ ذلك كلُّه بمَغفِرةِ اللهِ ورَحمتِه، وقد دلَّ القرآنُ العزيزُ على هذا المعنَى في مواضعَ كثيرةٍ، منها قَولُه تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وقولُه: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [التوبة: 21] ، فقَرَن بيْنَ دُخولِ الجنَّةِ والنَّجاةِ مِن النَّارِ وبينَ المَغفِرةِ والرَّحمةِ؛ فدلَّ على أنَّه لا يُنالُ شَيءٌ مِن ذلك بدُونِ مَغفِرةِ اللهِ ورَحمتِه، والعملُ وإنْ كان سببًا لدُخولِ الجنَّةِ، فإنَّما هو مِن فضلِ الله ورحمتِه .
9- قَولُ اللهِ تعالى: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ هذه الآيةُ مِن مُعجِزاتِ القُرآنِ الرَّاجِعةِ إلى الإخبارِ بالغَيبِ . وذلك على أنَّ المرادَ نصْرُ فتْحِ مكَّةَ؛ فإنَّه كان نصرًا على أشدِّ أعدائِهم.
10- الإيمانُ إذا ذُكِرَ وَحْدَه دَخَلَ فيه الإسلامُ؛ لِقَولِه تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بعدَ أنْ ذَكَرَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، وأمَّا إذا ذُكِرا جَميعًا فيَفتَرِقانِ، ويكونُ الإسلامُ بالأعمالِ الظَّاهرةِ مِن أقوالِ اللِّسانِ وعَمَلِ الجَوارحِ، والإيمانُ بالأعمالِ الباطِنةِ مِنِ اعتِقاداتِ القُلوبِ وأعمالِها .
11- تَظاهَرَت آياتُ الكِتابِ وتواتَرت نُصوصُ السُّنَّةِ على التَّرغيبِ في الجِهادِ والحَضِّ عليه، ومَدْحِ أهْلِه، والإخبارِ عَمَّا لهم عندَ رَبِّهم مِن أنواعِ الكَراماتِ والعَطايا الجَزيلاتِ، ويَكْفي في ذلك قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، فتشَوَّفت النُّفوسُ إلى هذه التِّجارةِ الرَّابحةِ الدَّالِّ عليها رَبُّ العالَمينَ العَليمُ الحكيمُ، فقال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، فكأنَّ النُّفوسَ ضَنَّت بحَياتِها وبَقائِها، فقال: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: أنَّ الجِهادَ خَيرٌ لكم مِن قُعودِكم للحياةِ والسَّلامةِ، فكأنَّها قالت: فما لَنا في الجهادِ مِنَ الحَظِّ؟ فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، مع المغفرةِ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، فكأنَّها قالت: هذا في الآخرةِ، فما لَنا في الدُّنيا؟ فقال: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. فلِلَّه ما أحلى هذه الألفاظَ، وما ألصَقَها بالقُلوبِ! وما أعظَمَها جذبًا لها، وتَسييرًا إلى رَبِّها! وما ألطَفَ مَوقِعَها مِن قَلبِ كُلِّ مُحبٍّ! وما أعظَمَ غِنى القَلبِ وأطيَبَ عَيْشَه حينَ تُباشِرُه معانيها !

الدرر السنية