ابو الوليد المسلم
07-27-2026, 01:06 PM
المقامة السامرية (حديث الغربة)
عمر السنوي الخالدي
حدثنا حفص بنُ أبان قال: كنا سامرين ببغداد في مجلس أبي المعالي، وكان ذلك في إحدى الليالي، ذوات النجوم اللآلي، فاستبطأنا منه الكلام، حتى همَّ بعضُنا بالقيام، وغُلِبَ بعضُ القوم فنام، ثم ما لبث أن سمعناه يتنفس الصُّعَداء، وغاب عن مُحيَّاه سَمْتُ السعداء، وأخبرَنا عن أمره العجيب، وعن سبب حاله الغريب، فقال وهو يَسكُب الشراب:
سأُحدثكم عن أول أيام الشباب، وما عانيتُ من البعد عن الدار والأحباب، وعيش الغربة ومعاشرة الأغراب؛ مما أورثني طولَ السهر، وضَعف البصر، وبُغض السفر، ففي ليلة مثل هذه الليلة بمجلسِ سمر، اجتمعنا فيه ببعض الأدباء، وصادف أن كانوا كحالي من الغرباء، فيا لَحَظِّي قد حظيتُ بأحسن النُّدماء، مجلسهم لا تُكبح فيه جِماح الأهواء؛ لِما يَحويه من فنون الأدب العظيمةِ الإغراء، فاقتَرح أحدهم وقد هاج الشوق في صدره، أن نتبارى بشِعر الغربة قبل أن يَصير كلٌّ إلى قبره، فأنشد قائلًا من فوره:
قالتْ وقد ودَّعتُها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أتُغادِرُ الفُرُشَ النِّجادْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أتُفارقُ الأرضَ التي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
في عاتِقَيْكَ لها سِدادْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فأجبتُها مُتنهِّدًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والقلبُ مأسورٌ مُقادْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
طلبُ الأمانِ مُفرِّقٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بينَ الأحبَّةِ يا سُعادْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وما إن بدأَت رَحى الشعر في المجلس تدور، وخرَجت الألفاظ والمعاني من صدور كأنها التَّنُّور، حتى جاء الدور إليَّ، وتناثرت العبارات بين يديَّ، فقلت وقد انهال الشوق عليَّ:
يُسائلني الكثيرُ إذا التقَينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
عن الأوجاعِ هذا ما عَنينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وعينٌ منكَ قدْ ذرَفتْ دموعًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وجسمُك في نُحولٍ ما رأينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وصوتٌ منك مَبْحوحٌ ووجْهُكْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ففيه شُحوبةٌ بانَتْ إلينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أجبتُ السائلين بأنَّ ما بي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
جِراحُ القلبِ هذا ما جنَينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يُصاحبها قصورٌ فيَّ بَيْنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
سأَبقى صابرًا أمشِي الهُوينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وإن كانتْ بقلبي نارُ (شوقٍ) https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تُداينُني مِن الإسراع دَيْنَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكم تَحتاجُه نفسي ولكنْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
نتائجُه إذا جاءتْ عَلينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فقالوا اصْبِرْ وثابِرْ ثُمَّ صابِرْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فعُقبى الصبرِ محمودٌ لدَينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا تَخضَعْ لغير الرَّبِّ دَومًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكنْ مَعَهُ إذًا قلبًا وعَيْنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فإذا بالجمع قد تلألأت أعينُهم، وبريقُ الدمع لاحَ لمن يخاطبهم، فطلبوا المزيد، وأَلَحُّوا بتشديد، فنظَمت لهم معبِّرًا عن نفسي والهوى، وكلي وجدٌ وجوًى، فقلت:
كانت وما كانت * قامَت وما نامت * منذ الصِّبا رامَت
عين الهوى تَحيا
سمعي لها أرعى * عيني لها مَرعى * قلبي لها مَسعى
كي بالهوى تَحيا
كانت بذي الحالة * صنَعت لها هالة * لا ما شكَت عَالة
إذ بالهوى تَحيا
منها انتهى صبري * كفِّي على صدري * احترتُ لا أَدري
كم بالهوى أعْيَا؟!
قال حفص بن أبان - وكان عليه الطرب قد بان -: ليتني كنت قريبًا فأُواظبَ على مجلس أبي المعالي، صاحب الآداب والدُّرر الغوالي، فأنهَل مما فيه من الكلم العوالي، ولكني مررتُ بمجلسه بعد ذلك بعام، بناحية الكرخ من دار السلام، وكان في يوم عيد من الأيام، ورأيته يُنشد لنفسه وقد ازداد أمامه جمعُ الأقوام:
العيدُ عيدُ القاطنين بأرضهمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يتَّمتعون برؤيةِ الأحبابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لا عيدُ مَن حلَّ الأسى بفؤادهمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يتحرَّقون بلَوعةِ الأغْرابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
عمر السنوي الخالدي
حدثنا حفص بنُ أبان قال: كنا سامرين ببغداد في مجلس أبي المعالي، وكان ذلك في إحدى الليالي، ذوات النجوم اللآلي، فاستبطأنا منه الكلام، حتى همَّ بعضُنا بالقيام، وغُلِبَ بعضُ القوم فنام، ثم ما لبث أن سمعناه يتنفس الصُّعَداء، وغاب عن مُحيَّاه سَمْتُ السعداء، وأخبرَنا عن أمره العجيب، وعن سبب حاله الغريب، فقال وهو يَسكُب الشراب:
سأُحدثكم عن أول أيام الشباب، وما عانيتُ من البعد عن الدار والأحباب، وعيش الغربة ومعاشرة الأغراب؛ مما أورثني طولَ السهر، وضَعف البصر، وبُغض السفر، ففي ليلة مثل هذه الليلة بمجلسِ سمر، اجتمعنا فيه ببعض الأدباء، وصادف أن كانوا كحالي من الغرباء، فيا لَحَظِّي قد حظيتُ بأحسن النُّدماء، مجلسهم لا تُكبح فيه جِماح الأهواء؛ لِما يَحويه من فنون الأدب العظيمةِ الإغراء، فاقتَرح أحدهم وقد هاج الشوق في صدره، أن نتبارى بشِعر الغربة قبل أن يَصير كلٌّ إلى قبره، فأنشد قائلًا من فوره:
قالتْ وقد ودَّعتُها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أتُغادِرُ الفُرُشَ النِّجادْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أتُفارقُ الأرضَ التي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
في عاتِقَيْكَ لها سِدادْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فأجبتُها مُتنهِّدًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والقلبُ مأسورٌ مُقادْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
طلبُ الأمانِ مُفرِّقٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بينَ الأحبَّةِ يا سُعادْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وما إن بدأَت رَحى الشعر في المجلس تدور، وخرَجت الألفاظ والمعاني من صدور كأنها التَّنُّور، حتى جاء الدور إليَّ، وتناثرت العبارات بين يديَّ، فقلت وقد انهال الشوق عليَّ:
يُسائلني الكثيرُ إذا التقَينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
عن الأوجاعِ هذا ما عَنينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وعينٌ منكَ قدْ ذرَفتْ دموعًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وجسمُك في نُحولٍ ما رأينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وصوتٌ منك مَبْحوحٌ ووجْهُكْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ففيه شُحوبةٌ بانَتْ إلينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أجبتُ السائلين بأنَّ ما بي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
جِراحُ القلبِ هذا ما جنَينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يُصاحبها قصورٌ فيَّ بَيْنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
سأَبقى صابرًا أمشِي الهُوينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وإن كانتْ بقلبي نارُ (شوقٍ) https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تُداينُني مِن الإسراع دَيْنَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكم تَحتاجُه نفسي ولكنْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
نتائجُه إذا جاءتْ عَلينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فقالوا اصْبِرْ وثابِرْ ثُمَّ صابِرْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فعُقبى الصبرِ محمودٌ لدَينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا تَخضَعْ لغير الرَّبِّ دَومًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكنْ مَعَهُ إذًا قلبًا وعَيْنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فإذا بالجمع قد تلألأت أعينُهم، وبريقُ الدمع لاحَ لمن يخاطبهم، فطلبوا المزيد، وأَلَحُّوا بتشديد، فنظَمت لهم معبِّرًا عن نفسي والهوى، وكلي وجدٌ وجوًى، فقلت:
كانت وما كانت * قامَت وما نامت * منذ الصِّبا رامَت
عين الهوى تَحيا
سمعي لها أرعى * عيني لها مَرعى * قلبي لها مَسعى
كي بالهوى تَحيا
كانت بذي الحالة * صنَعت لها هالة * لا ما شكَت عَالة
إذ بالهوى تَحيا
منها انتهى صبري * كفِّي على صدري * احترتُ لا أَدري
كم بالهوى أعْيَا؟!
قال حفص بن أبان - وكان عليه الطرب قد بان -: ليتني كنت قريبًا فأُواظبَ على مجلس أبي المعالي، صاحب الآداب والدُّرر الغوالي، فأنهَل مما فيه من الكلم العوالي، ولكني مررتُ بمجلسه بعد ذلك بعام، بناحية الكرخ من دار السلام، وكان في يوم عيد من الأيام، ورأيته يُنشد لنفسه وقد ازداد أمامه جمعُ الأقوام:
العيدُ عيدُ القاطنين بأرضهمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يتَّمتعون برؤيةِ الأحبابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لا عيدُ مَن حلَّ الأسى بفؤادهمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يتحرَّقون بلَوعةِ الأغْرابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif