المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيرة الغني الشاكر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه


ابو الوليد المسلم
07-31-2026, 12:26 PM
سيرة الغني الشاكر عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه

د. أمير بن محمد المدري

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعم لا تحصى، وأرسل إلينا خير الأنبياء والمرسلين.
وبعد:
أيها الأحبة، بين أيدينا اليوم قصة رجل من أعظم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الرجل الذي جمع بين الغنى والصلاح، بين الدنيا والآخرة، وكان مثالًا للغني الشاكر.

عبد الرحمن بن عوف: رجل الطاعة والإيمان
هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، أحد البدريين السابقيين، من أوائل من آمن بالله ورسوله. وكان حسن الخلق، طيب القلب، قوي البنية، رضي الله عنه.

وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، فروى البخاري في صحيحه من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، قال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أُطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: «مَهْيَمْ»؟، قال: تزوجت، قال: «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا» ؟، قال: نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب، [صحيح مسلم برقم (3780)].

من قصص إيمانه وكرمه:
لم يكن عبد الرحمن بن عوف غنيا بالصدفة، بل كان من الذين أنعم الله عليهم بمال كثير، لكنه كان يملأ قلبه بالخشية واليقين، فلم يلبث أن يبذل ماله في سبيل الله، ويُعين الفقراء والمحتاجين.

حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصّدقة، لم يتردد عبد الرحمن في تقديم نصف ماله، رغم أن الناس ترددوا وأشاعوا كلامًا في حقه، لكن الله رفع من قدره وأنزل في شأنه آيات تبرئه وتثبت صدقه.

روى الإمام أحمد في مسنده والطحاوي في مشكل الآثار: أن عبد الرحمن بن عوف باع أرضًا له من عثمان بن عفان بأربعين ألف دينار، فقسمها في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين، قال المسور: فدخلت على عائشة رضي الله عنه بنصيبها من ذلك، فقالت: من أرسل بهذا؟ قلت: عبد الرحمن، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي إِلَّا الصَّابِرُونَ»، سَقى اللَّهُ عَبْدَالرَّحْمنِ بْنَ عَوفٍ مِن سَلْسَبِيلِ الجنَّةِ [مسند الإمام أحمد من حديث أم بكر بنت المسور (41/ 247 – 248)].

درس لنا جميعًا:
عبد الرحمن بن عوف هو صورة مشرقة للغني الذي لا ينسى ربه، ولا ينسى الفقراء والمساكين، وإن غناه لم يصدّه عن طريق الله، بل جعله سببًا للخير والعطاء.

فهل نحن مثل عبد الرحمن؟ هل نعطي مما نحب ونفعل الخير دون تردد؟

فليكن في قلوبنا حافز لنقتدي بسيرته، ونحرص على الشكر، والعطاء، والتواضع، والإيمان.

وفاته:
توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عام 32 هجرية، مخلفًا إرثًا من الخير والبركة، وأوصى بما يبقى صدقة جارية حتى يوم القيامة.

نسأل الله أن يجعلنا من الذين يحبهم ويرضى عنهم، وأن يلهمنا الصدق في القول والعمل، وأن يرزقنا حسن الخاتمة.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.