امانى يسرى محمد
08-03-2026, 08:21 PM
https://upload.3dlat.com/uploads/12871102291.gif
فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فقد يبتلى المسلم بأصناف من الأذى امتحانًا واختبارًا من الله جل وعلا له, ومن الأذى الذي قد يبتلى به: أن يكذب عليه, ويُتهم ظلمًا وعدوانًا, فيتهم بأنه قتل إنسانًا, أو أنه سرق مالًا, أو أنه فعل فاحشةً, أو أن في جسده عيبًا, ونحو ذلك. وقد يترتب على هذا الاتهام الباطل الظالم: العقاب البدني, والأذى النفسي, وتشوية السمعة, ودخول السجن, فينبغي الصبر واحتساب الأجر من الله, وتفويض الأمر إليه, فالله جل وعلا قادر على تبرئة من اتهم ظلمُا وزورًا وكُذِب عليه بطرق ووسائل لا تخطر على بال, كما أظهر سبحانه وتعالى براءة كليمه موسى, ونبيه يوسف عليهما الصلاة والسلام, وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, ومريم ابنت عمران, قال الإمام الزمخشري رحمه الله: لقد برأ لله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ﴾[يوسف:26] وبرأ موسى من قول اليهود فيه, بالحجر الذي ذهب بثوبه, وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها ﴿ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ﴾ [مريم:30] وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز, المتلو على وجه الدهر.
إن في قراءة قصص من اتهموا ظلمًا ثم أظهر الله براءتهم, تسلية لكل مظلوم, قال العلامة العثيمين رحمه الله في قول الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:69] من فوائد الآية الكريمة عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم, حيث يضرب له الأمثال بمن سبقه من الرسل, لأجل التسلية وتهوين الأمر عليه.
وممن كُذِب عليهم, وأُتهموا ظلمًا وجورًا, فأظهر الله عز وجل براءتهم:
(1) نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام:
عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا, لا يرى من جلده شيء استحيًا منه, فآذاه من آذاه من بني إسرائيل, فقال: ما يستتر هذا التستر إلا من عيبٍ في جلده, إما برص, وإما أُدرة, وإما آفة, وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى, فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر, ثم اغتسل, فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها, وإن الحجر عدا بثوبه, فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر, فجعل يقول: ثوبي حجر, ثوبي حجر, حتى انتهى إلى ملٍأ من بني إسرائيل, فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله, وأبرأهُ مما يقولون, وقام الحجر, فأخذ بثوبه فلبسه, وطفق بالحجر ضربًا بعصاهُ, فوا لله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثُا أو أربعًا أو خمسًا, فذلك قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:69] رواه البخاري
قال العلامة السعدي رحمه الله: يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أذية رسولهم, محمد صلى الله عليه وسلم, النبي الكريم, الرؤف الرحيم...وأن لا يتشبهوا بحال الذين آذوا موسى بن عمران, كليم الرحمن, فبرأه الله مما قالوا من الأذية, أي أظهر الله لهم براءته...والأذية المشار إليها هي قول بني إسرائيل عن موسى لما رأوا شدة حيائه وتستره عنهم: " إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر " أي: كبير الخصيتين, واشتهر ذلك عندهم, فأراد أن يبرئه منهم, فاغتسل يومًا, ووضع ثوبه على حجر, ففرّ الحجر بثوبه, فأهوى موسى عليه السلام في طلبه, فمرّ به على مجالس بني إسرائيل, فرأوه أحسن خلق الله, فزال عنه ما رموه به.
(2) نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام:
قال العلامة السعدي رحمه الله: يوسف عليه الصلاة والسلام, بقي مكرمًا في بيت العزيز, وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك أن ﴿ وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ﴾...وزادت المصيبة بأن ﴿ غَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ ﴾ وصار المحل خاليًا وهما آمنان من دخول أحد عليهما وقد دعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ﴾ أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إلي ﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ ﴾ أي أعوذ بالله, أن أفعل هذا الفعل القبيح...ولما امتنع من إجابة طلبها, بعد المراودة الشديدة, وذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص ويهرب من الفتنة, فبادرت إليه, وتعلقت بثوبه, فشقت قميصه, فلما وصلا إلى الباب, في تلك الحال ألفيا سيدها أي: زوجها لدى الباب, فرأى أمرًا شق عليه, فبادرت إلى الكذب, وادعت أن المراودة قد كانت من يوسف...فبرأ نفسه مما رمته به, وقال: ﴿ قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ ﴾ فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما, ولم يعلم أيهما, ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه, قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها, فمنّ الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما, تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام, فبعث شاهدًا من أهل بيتها يشهد بقرينة من وجدت عنه فهو الصادق فقال: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ لأن ذلك يدلّ على أنه هو المقبل عليها, المراود لها وأنها أرادت أن تدفعه عنها فشقت قميصه من هذا الجانب ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ لأن ذلك يدلّ على هروبه منها, وأنها هي التي طلبته, فشقت قميصه من هذا الجانب. ﴿ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُر﴾ عرف بذلك صدق يوسف وبراءته, وأنها هي الكاذبة.
(3) أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها:
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:...فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم جلس, ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها, وقد لبث شهرًا لا يوحي إليه في شأني, فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس, ثم قال: (( أما بعد, يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا, فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله, وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه, فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه....))
[رواه البخاري ومسلم]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الصبر تحمد عاقبته, ويغبط صاحبه...وفيه أن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج, وفضل من يفوض الأمر لربه, وأن من قوى على ذلك خف عنه الهم والغم.
قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن كُنت بريئة فسيبرئك الله )) أي: بوحي ينزله بذلك قرآنا, أو غيره.
قال العلامة العثيمين رحمه الله: المصائب أحيانًا تكون سببًا للرفعة, ولو فكرت في التاريخ ما وجدت أحدًا أُصيب في ذات الله إلا كان ذلك له رفعة...قصة عائشة رضي الله عنها أُصيبت, فكانت لها رفعة.
واقرأ تاريخ العلماء من هذه الأُمة تجد أن الإنسان الذي جرى عليه ما يجرى من حبس وتنكيل وتعذيب أشهرُ عند الناس ممن لم يجرِ عليه مثل ذلك, لأن هذا من ثواب الصابرين الذين يصبرون في ذات الله, يجعل الله لهم ذكرًا حسنًا, فكلُّ إنسان أُصيب بمصيبة في ذات الله, وقابلها بالصبر والاحتساب, فإنها تكون له رفعة.
يتبع
صيد الفوائد
فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فقد يبتلى المسلم بأصناف من الأذى امتحانًا واختبارًا من الله جل وعلا له, ومن الأذى الذي قد يبتلى به: أن يكذب عليه, ويُتهم ظلمًا وعدوانًا, فيتهم بأنه قتل إنسانًا, أو أنه سرق مالًا, أو أنه فعل فاحشةً, أو أن في جسده عيبًا, ونحو ذلك. وقد يترتب على هذا الاتهام الباطل الظالم: العقاب البدني, والأذى النفسي, وتشوية السمعة, ودخول السجن, فينبغي الصبر واحتساب الأجر من الله, وتفويض الأمر إليه, فالله جل وعلا قادر على تبرئة من اتهم ظلمُا وزورًا وكُذِب عليه بطرق ووسائل لا تخطر على بال, كما أظهر سبحانه وتعالى براءة كليمه موسى, ونبيه يوسف عليهما الصلاة والسلام, وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, ومريم ابنت عمران, قال الإمام الزمخشري رحمه الله: لقد برأ لله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ﴾[يوسف:26] وبرأ موسى من قول اليهود فيه, بالحجر الذي ذهب بثوبه, وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها ﴿ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ﴾ [مريم:30] وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز, المتلو على وجه الدهر.
إن في قراءة قصص من اتهموا ظلمًا ثم أظهر الله براءتهم, تسلية لكل مظلوم, قال العلامة العثيمين رحمه الله في قول الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:69] من فوائد الآية الكريمة عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم, حيث يضرب له الأمثال بمن سبقه من الرسل, لأجل التسلية وتهوين الأمر عليه.
وممن كُذِب عليهم, وأُتهموا ظلمًا وجورًا, فأظهر الله عز وجل براءتهم:
(1) نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام:
عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا, لا يرى من جلده شيء استحيًا منه, فآذاه من آذاه من بني إسرائيل, فقال: ما يستتر هذا التستر إلا من عيبٍ في جلده, إما برص, وإما أُدرة, وإما آفة, وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى, فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر, ثم اغتسل, فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها, وإن الحجر عدا بثوبه, فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر, فجعل يقول: ثوبي حجر, ثوبي حجر, حتى انتهى إلى ملٍأ من بني إسرائيل, فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله, وأبرأهُ مما يقولون, وقام الحجر, فأخذ بثوبه فلبسه, وطفق بالحجر ضربًا بعصاهُ, فوا لله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثُا أو أربعًا أو خمسًا, فذلك قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:69] رواه البخاري
قال العلامة السعدي رحمه الله: يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أذية رسولهم, محمد صلى الله عليه وسلم, النبي الكريم, الرؤف الرحيم...وأن لا يتشبهوا بحال الذين آذوا موسى بن عمران, كليم الرحمن, فبرأه الله مما قالوا من الأذية, أي أظهر الله لهم براءته...والأذية المشار إليها هي قول بني إسرائيل عن موسى لما رأوا شدة حيائه وتستره عنهم: " إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر " أي: كبير الخصيتين, واشتهر ذلك عندهم, فأراد أن يبرئه منهم, فاغتسل يومًا, ووضع ثوبه على حجر, ففرّ الحجر بثوبه, فأهوى موسى عليه السلام في طلبه, فمرّ به على مجالس بني إسرائيل, فرأوه أحسن خلق الله, فزال عنه ما رموه به.
(2) نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام:
قال العلامة السعدي رحمه الله: يوسف عليه الصلاة والسلام, بقي مكرمًا في بيت العزيز, وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك أن ﴿ وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ﴾...وزادت المصيبة بأن ﴿ غَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ ﴾ وصار المحل خاليًا وهما آمنان من دخول أحد عليهما وقد دعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ﴾ أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إلي ﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ ﴾ أي أعوذ بالله, أن أفعل هذا الفعل القبيح...ولما امتنع من إجابة طلبها, بعد المراودة الشديدة, وذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص ويهرب من الفتنة, فبادرت إليه, وتعلقت بثوبه, فشقت قميصه, فلما وصلا إلى الباب, في تلك الحال ألفيا سيدها أي: زوجها لدى الباب, فرأى أمرًا شق عليه, فبادرت إلى الكذب, وادعت أن المراودة قد كانت من يوسف...فبرأ نفسه مما رمته به, وقال: ﴿ قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ ﴾ فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما, ولم يعلم أيهما, ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه, قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها, فمنّ الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما, تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام, فبعث شاهدًا من أهل بيتها يشهد بقرينة من وجدت عنه فهو الصادق فقال: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ لأن ذلك يدلّ على أنه هو المقبل عليها, المراود لها وأنها أرادت أن تدفعه عنها فشقت قميصه من هذا الجانب ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ لأن ذلك يدلّ على هروبه منها, وأنها هي التي طلبته, فشقت قميصه من هذا الجانب. ﴿ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُر﴾ عرف بذلك صدق يوسف وبراءته, وأنها هي الكاذبة.
(3) أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها:
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:...فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم جلس, ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها, وقد لبث شهرًا لا يوحي إليه في شأني, فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس, ثم قال: (( أما بعد, يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا, فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله, وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه, فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه....))
[رواه البخاري ومسلم]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الصبر تحمد عاقبته, ويغبط صاحبه...وفيه أن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج, وفضل من يفوض الأمر لربه, وأن من قوى على ذلك خف عنه الهم والغم.
قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن كُنت بريئة فسيبرئك الله )) أي: بوحي ينزله بذلك قرآنا, أو غيره.
قال العلامة العثيمين رحمه الله: المصائب أحيانًا تكون سببًا للرفعة, ولو فكرت في التاريخ ما وجدت أحدًا أُصيب في ذات الله إلا كان ذلك له رفعة...قصة عائشة رضي الله عنها أُصيبت, فكانت لها رفعة.
واقرأ تاريخ العلماء من هذه الأُمة تجد أن الإنسان الذي جرى عليه ما يجرى من حبس وتنكيل وتعذيب أشهرُ عند الناس ممن لم يجرِ عليه مثل ذلك, لأن هذا من ثواب الصابرين الذين يصبرون في ذات الله, يجعل الله لهم ذكرًا حسنًا, فكلُّ إنسان أُصيب بمصيبة في ذات الله, وقابلها بالصبر والاحتساب, فإنها تكون له رفعة.
يتبع
صيد الفوائد