ابو الوليد المسلم
08-26-2026, 11:10 AM
الثبات على الحق في زمن التذبذب والتلوُّن
د. علي شومان محمد علي أبو دية
الحمد لله الذي جعل الحق واحدًا لا يتعدد، والصراط مستقيمًا لا يتشعب، وامتحن عباده بالفتن ليظهر صدق الصادقين، ويتميز الثابتون من المتلوِّنين، والمؤمنون من المنافقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً يثبت الله بها الأقدام عند الزلل، والقلوب عند الفتن. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، سيد الثابتين وإمام المهتدين، الذي قام بالحق حين اضطربت الموازين، وصبر لله حين تقلبت الأحوال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن من أجلِّ مقامات العبودية وأعظم المنن التي يمنُّ الله بها على عبده أن يرزقه الثبات على الحق عند اضطراب الموازين، والاستقامة على الهدى عند كثرة السبل، وأن يجعله ممن يعرفون الحق بدليله، لا بكثرة أتباعه، ويثبتون عليه وإن خالفهم الناس أو خذلهم القريب والبعيد.
وما من زمان إلا وفيه فتن واختبارات، غير أن بعض الأزمنة يشتد فيها اختلاط الحق بالباطل، وتتشابك الرايات، وتكثر الدعاوى، حتى يصبح الثبات على الجادة غربة، والتمسك بالوحي تهمة، والاستقامة على الدليل مخالفةً لما ألِفَه الناسُ، وهنا تظهر حقائق النفوس، وتنكشف معادن الرجال، كما يتميز الذهب الخالص حين يعرض على النار.
وقد بيَّن الله تعالى أن الفتن سُنَّة ماضية لتمييز الصادق من المدعي، فقال سبحانه: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 2، 3].
فليست العبرة بدعوى الإيمان عند الرخاء، وإنما بحقيقة الثبات عند البلاء، وعند الفتن يتميز أهل الصدق من أهل التلوُّن والتذبذُب.
وفي مثل هذه الأحوال ينقسم الناس إلى أصناف؛ فمؤمن ثابت جعل الحق إمامه، ومتربص ينتظر أين تكون الغلبة، ومتلوِّن يبدل مواقفه بتبدُّل المصالح، ويدور مع الرياح حيث دارت.
وقد وصف الله تعالى هذا الصنف وصفًا دقيقًا فقال: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: 141].
إنهم لا يبحثون عن الحق، وإنما يبحثون عن المكسب، ولا يسألون: مَن المصيب؟ وإنما يسألون: مَن الغالب؟ فإذا تبدَّلت الأحوال تبدَّلت مواقِفُهم، وإذا تغيَّرت المصالح تغيَّرت وجوهُهم.
ثم وصفهم سبحانه بقوله: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ﴾ [النساء: 143].
فلا ثبات على مبدأ، ولا رسوخ على عقيدة، ولا صدق في الانتماء، وإنما حياة من التردُّد والتقلُّب والتلوُّن.
أما المؤمن الصادق فله ميزان آخر، لا يزن به الرجال، بل يزن به الأقوال والأفعال؛ إذ الحق عنده أصل، والرجال تَبَعٌ له. فلا تغرُّه كثرةُ السالكين، ولا توحِشُه قلة الموافقين؛ لأنه يعلم أن العبرة بالدليل لا بالجمهور، وبالوحي لا بالهوى.
وقد قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك».
فقد يكون المرء وحده بين الناس، وهو أقربهم إلى الجماعة إذا كان متمسكًا بالحق، وقد تكون الجموع الغفيرة أبعد ما تكون عنها إذا انحرفت عن هدي الله؛ ولهذا كان السلف الصالح إذا اضطربت الطرق وكثرت الآراء رجعوا إلى الأصل الذي لا يتغيَّر: كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم بفهم الصحابة رضي الله عنهم.
قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: «عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول».
وقال الإمام أحمد رحمه الله: «أصُول السُّنَّة عندنا التمَسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم».
فما كان هدًى لهم فهو هدًى لمن بعدهم، وما وَسِعَهم من الحقِّ يَسَعُ مَن جاء بعدهم، ولا نجاة للأمة إلا بلزوم هذه السبيل.
ولقد ضرب سلفُ الأُمَّة أروعَ الأمثلة في الثبات عند المحن، فهذا أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه، لما اضطربت الجزيرة العربية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدت قبائل كثيرة، وخشي بعض الناس مِن قتالهم، وقفَ موقفًا تهتزُّ له الجبال ثباتًا ويقينًا، وقال كلمته الخالدة: «والله، لو منعوني عقالًا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم عليه»، فثبَت فثبَّتَ الله به الأمة، وكان في ثباته حفظٌ للدين ووحدة للمسلمين.
وكذلك الإمام أحمد رحمه الله يوم المحنة، حين أوذي وسُجِن وضُرِب، وأرادوا منه كلمةً واحدةً يوافق بها أهلَ الباطل، فأبَى وثبَت، حتى جعل الله ثباتَه سببًا في حفظ عقيدة الأمة وإظهار السُّنَّة.
إن الثبات ليس أن تكون مع المنتصر، بل أن تكون مع الحق ولو كنت وحدك. وليس الصدق أن توافق الناس، بل أن توافق الدليل ولو خالفك الناس. وليس النجاح أن تكسب التصفيق والثناء، بل أن تلقى الله بقلب سليم وموقفٍ مستقيمٍ.
ومن أعظم أسباب الانحراف في زماننا أن كثيرًا من الناس صاروا يقيسون الحق بردود الأفعال، ويَزِنون المبادئ بميزان الجماهير، ويتابعون اتجاهات الناس أكثر مما يتابعون نصوص الوحي؛ فإذا ارتفع صوت الباطل وافقوه، وإذا تغيرت الرياح ساروا معها، حتى صار بعضهم يتبدَّل في أيام معدودة تبدُّلًا يعجز عنه غيره في سنوات.
والمؤمن يعلم أن الحق لا يتغيَّر بتغيُّر الأزمنة، ولا يتبدَّل بتبدُّل الأمكنة، ولا يصبح باطلًا لأن الناس أعرضوا عنه، ولا يصير الباطل حقًّا لأن الجماهير صفقت له.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دِينك».
فإذا كان هذا دعاء سيد الثابتين وإمام المهتدين، فكيف بنا ونحن نعيش زمن الشبهات المتدفقة، والشهوات المتزيِّنة، والتقلُّبات المتسارعة؟
إن الثبات نعمة عظيمة لا ينالها العبد بقوَّتِه وحدها، وإنما بتوفيق الله ثم بلزوم العلم النافع، وصُحْبة الصالحين، والإقبال على القرآن، وصدق اللجوء إلى الله، وكثرة الدعاء، والبُعْد عن مواطن الفِتَن وأسباب الزيغ.
فالسعيد مَن ثبَت على الحقِّ حتى يلقى الله عليه، والخاسِر من باعَ دينَه عند أول فتنة أو أول مصلحة أو أول ثناء من الناس. وإن من أعظم الكرامات أن يخرج العبد من الدنيا وقلبه ثابت على الإيمان، ولسانه ثابت على الحق، وخطواته ثابتة على الصراط المستقيم.
فإذا اضطربت الموازين، وتغيَّرت الاتجاهات، وكثرت الأصوات والدعاوى، فالْزَم الوحي ولا تلتفت إلى الضجيج، واعتصم بالحق ولا تغترَّ بالكثرة، وتمسَّك بمنهج السلف الصالح، فإن النجاة في اتِّباعهم، والخير في لزوم سبيلهم، والعاقبة للمتقين.
اللهم يا مُقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينك، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم ارزقنا البصيرة في الفتن، والثبات عند المحن، والاستقامة حتى الممات. اللهم أصلح أحوال المسلمين، وفرِّج كرب المكروبين، وانصر المستضعفين، وارفع البلاء بلاد المسلمين، ورُدَّ الأمة إلى دينك ردًّا جميلًا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. علي شومان محمد علي أبو دية
الحمد لله الذي جعل الحق واحدًا لا يتعدد، والصراط مستقيمًا لا يتشعب، وامتحن عباده بالفتن ليظهر صدق الصادقين، ويتميز الثابتون من المتلوِّنين، والمؤمنون من المنافقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً يثبت الله بها الأقدام عند الزلل، والقلوب عند الفتن. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، سيد الثابتين وإمام المهتدين، الذي قام بالحق حين اضطربت الموازين، وصبر لله حين تقلبت الأحوال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن من أجلِّ مقامات العبودية وأعظم المنن التي يمنُّ الله بها على عبده أن يرزقه الثبات على الحق عند اضطراب الموازين، والاستقامة على الهدى عند كثرة السبل، وأن يجعله ممن يعرفون الحق بدليله، لا بكثرة أتباعه، ويثبتون عليه وإن خالفهم الناس أو خذلهم القريب والبعيد.
وما من زمان إلا وفيه فتن واختبارات، غير أن بعض الأزمنة يشتد فيها اختلاط الحق بالباطل، وتتشابك الرايات، وتكثر الدعاوى، حتى يصبح الثبات على الجادة غربة، والتمسك بالوحي تهمة، والاستقامة على الدليل مخالفةً لما ألِفَه الناسُ، وهنا تظهر حقائق النفوس، وتنكشف معادن الرجال، كما يتميز الذهب الخالص حين يعرض على النار.
وقد بيَّن الله تعالى أن الفتن سُنَّة ماضية لتمييز الصادق من المدعي، فقال سبحانه: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 2، 3].
فليست العبرة بدعوى الإيمان عند الرخاء، وإنما بحقيقة الثبات عند البلاء، وعند الفتن يتميز أهل الصدق من أهل التلوُّن والتذبذُب.
وفي مثل هذه الأحوال ينقسم الناس إلى أصناف؛ فمؤمن ثابت جعل الحق إمامه، ومتربص ينتظر أين تكون الغلبة، ومتلوِّن يبدل مواقفه بتبدُّل المصالح، ويدور مع الرياح حيث دارت.
وقد وصف الله تعالى هذا الصنف وصفًا دقيقًا فقال: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: 141].
إنهم لا يبحثون عن الحق، وإنما يبحثون عن المكسب، ولا يسألون: مَن المصيب؟ وإنما يسألون: مَن الغالب؟ فإذا تبدَّلت الأحوال تبدَّلت مواقِفُهم، وإذا تغيَّرت المصالح تغيَّرت وجوهُهم.
ثم وصفهم سبحانه بقوله: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ﴾ [النساء: 143].
فلا ثبات على مبدأ، ولا رسوخ على عقيدة، ولا صدق في الانتماء، وإنما حياة من التردُّد والتقلُّب والتلوُّن.
أما المؤمن الصادق فله ميزان آخر، لا يزن به الرجال، بل يزن به الأقوال والأفعال؛ إذ الحق عنده أصل، والرجال تَبَعٌ له. فلا تغرُّه كثرةُ السالكين، ولا توحِشُه قلة الموافقين؛ لأنه يعلم أن العبرة بالدليل لا بالجمهور، وبالوحي لا بالهوى.
وقد قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك».
فقد يكون المرء وحده بين الناس، وهو أقربهم إلى الجماعة إذا كان متمسكًا بالحق، وقد تكون الجموع الغفيرة أبعد ما تكون عنها إذا انحرفت عن هدي الله؛ ولهذا كان السلف الصالح إذا اضطربت الطرق وكثرت الآراء رجعوا إلى الأصل الذي لا يتغيَّر: كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم بفهم الصحابة رضي الله عنهم.
قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: «عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول».
وقال الإمام أحمد رحمه الله: «أصُول السُّنَّة عندنا التمَسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم».
فما كان هدًى لهم فهو هدًى لمن بعدهم، وما وَسِعَهم من الحقِّ يَسَعُ مَن جاء بعدهم، ولا نجاة للأمة إلا بلزوم هذه السبيل.
ولقد ضرب سلفُ الأُمَّة أروعَ الأمثلة في الثبات عند المحن، فهذا أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه، لما اضطربت الجزيرة العربية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدت قبائل كثيرة، وخشي بعض الناس مِن قتالهم، وقفَ موقفًا تهتزُّ له الجبال ثباتًا ويقينًا، وقال كلمته الخالدة: «والله، لو منعوني عقالًا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم عليه»، فثبَت فثبَّتَ الله به الأمة، وكان في ثباته حفظٌ للدين ووحدة للمسلمين.
وكذلك الإمام أحمد رحمه الله يوم المحنة، حين أوذي وسُجِن وضُرِب، وأرادوا منه كلمةً واحدةً يوافق بها أهلَ الباطل، فأبَى وثبَت، حتى جعل الله ثباتَه سببًا في حفظ عقيدة الأمة وإظهار السُّنَّة.
إن الثبات ليس أن تكون مع المنتصر، بل أن تكون مع الحق ولو كنت وحدك. وليس الصدق أن توافق الناس، بل أن توافق الدليل ولو خالفك الناس. وليس النجاح أن تكسب التصفيق والثناء، بل أن تلقى الله بقلب سليم وموقفٍ مستقيمٍ.
ومن أعظم أسباب الانحراف في زماننا أن كثيرًا من الناس صاروا يقيسون الحق بردود الأفعال، ويَزِنون المبادئ بميزان الجماهير، ويتابعون اتجاهات الناس أكثر مما يتابعون نصوص الوحي؛ فإذا ارتفع صوت الباطل وافقوه، وإذا تغيرت الرياح ساروا معها، حتى صار بعضهم يتبدَّل في أيام معدودة تبدُّلًا يعجز عنه غيره في سنوات.
والمؤمن يعلم أن الحق لا يتغيَّر بتغيُّر الأزمنة، ولا يتبدَّل بتبدُّل الأمكنة، ولا يصبح باطلًا لأن الناس أعرضوا عنه، ولا يصير الباطل حقًّا لأن الجماهير صفقت له.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دِينك».
فإذا كان هذا دعاء سيد الثابتين وإمام المهتدين، فكيف بنا ونحن نعيش زمن الشبهات المتدفقة، والشهوات المتزيِّنة، والتقلُّبات المتسارعة؟
إن الثبات نعمة عظيمة لا ينالها العبد بقوَّتِه وحدها، وإنما بتوفيق الله ثم بلزوم العلم النافع، وصُحْبة الصالحين، والإقبال على القرآن، وصدق اللجوء إلى الله، وكثرة الدعاء، والبُعْد عن مواطن الفِتَن وأسباب الزيغ.
فالسعيد مَن ثبَت على الحقِّ حتى يلقى الله عليه، والخاسِر من باعَ دينَه عند أول فتنة أو أول مصلحة أو أول ثناء من الناس. وإن من أعظم الكرامات أن يخرج العبد من الدنيا وقلبه ثابت على الإيمان، ولسانه ثابت على الحق، وخطواته ثابتة على الصراط المستقيم.
فإذا اضطربت الموازين، وتغيَّرت الاتجاهات، وكثرت الأصوات والدعاوى، فالْزَم الوحي ولا تلتفت إلى الضجيج، واعتصم بالحق ولا تغترَّ بالكثرة، وتمسَّك بمنهج السلف الصالح، فإن النجاة في اتِّباعهم، والخير في لزوم سبيلهم، والعاقبة للمتقين.
اللهم يا مُقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينك، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم ارزقنا البصيرة في الفتن، والثبات عند المحن، والاستقامة حتى الممات. اللهم أصلح أحوال المسلمين، وفرِّج كرب المكروبين، وانصر المستضعفين، وارفع البلاء بلاد المسلمين، ورُدَّ الأمة إلى دينك ردًّا جميلًا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.