مشاهدة النسخة كاملة : التحذير من التكفير واقوال العلماء
ابو عبد الرحمن
05-19-2012, 12:21 AM
:1:
التحذير من التكفير
ولخطورة القول بكفر المسلم وما يتبعه من أحكام في الحال والمآل، فإن القرآن والسنة يحذران من إطلاق هذا الحكم من غير تبينٍ ولا تثبت.
قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدّنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم مّن قبل فمنّ الله عليكم فتبيّنوا إنّ الله كان بما تعملون خبيراً} (النساء: 94).
قال القرطبي: " معنى قوله: {فتبينوا} أي الأمر المشكل، أو تثبتوا ولا تعجلوا، المعنيان سواء، فإن قتله أحد فقد أتى منهياً عنه ". والنبي - صلى الله عليه وسلم - حذر من التكفير أشد التحذير فقال: ((إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)). ويروي أبو ذر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك)). قال ابن عبد البر: " فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة: يا كافر". ويقول ابن دقيق العيد: "وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم ". وفي بيان معنى الحديث قال الحافظ ابن حجر: " والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم ... وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره ... فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفَّر نفسه لكونه كفَّر من هو مثله ... وقال القرطبي: .. والحاصل أن المقول له إن كان كافراً كفراً شرعياً، فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرَّة ذلك القول وإثمه". وفي حديث آخر يشبه النبي - صلى الله عليه وسلم - تكفير المسلم بأعظم ذنب بعد الشرك بالله، وهو تعمد قتل المؤمن، فيقول: ((ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله)). ورمي المسلمين بالكفر باب لشرور عظيمة، لعل أهونها أنه من التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه، قال تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} (الحجرات: 11).
قال ابن عبد البر: "هو قول الرجل لأخيه: يا كافر يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث [الحديث السابق]، فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره [إلا] ببيان لا إشكال فيه".
والتكفير استباحة لما حرمه الله من عرض المسلم، الذي أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - على حرمته في خطبته العظيمة في حِجة الوداع، فقال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب)). ) والقول بكفر المسلم من أعظم ما يقدح في عرضه، وهو مستتبع لهتك ماله ودمه.
قال العز بن عبد السلام: " الأصل [في المسلم] براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، وبراءته من الانتساب إلى شخصٍ معين، ومن الأقوال كلها، والأفعال بأسرها".
ولما رأى ابن الوزير تتابع النصوص في النهي عن تكفير المسلم قال: " وفي مجموع ذلك ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن، وإخراجه من الإسلام مع شهادته بالتوحيد والنبوات، وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام، وتجنبه للكبائر، وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلط في بدعة، لعل المكفر له لا يسلم من مثلها أو قريب منها، فإن العصمة مرتفعة، وحسن ظن الإنسان بنفسه لا يستلزم السلامة من ذلك عقلاً ولا شرعاً، بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم والاستحسان لبدعتهم " ولغلظ أمر التكفير وشدة خطورته كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يمتنعون عن إطلاق التكفير والتفسيق على أهل القبلة، روى ابن عبد البر عن أبي سفيان قال: "قلت لجابر: أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة: كافر؟ قال: لا. قلت: فمشرك؟ قال: معاذ الله. وفزع".
ولما سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فروا. فقيل: أمنافقون؟ قال: لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل: له فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا".
ومما سبق ثبت يتضح أن الأصل في المسلم براءة الذمة، وأن الاعتداء عليه بتكفيره من أعظم ما توعد الله فاعله بوعيده، فقد توعده بالإثم العظيم أو الكفر، جزاء إقدامه على الولوغ في عرض أخيه المسلم.
أقوال العلماء في التحذير من التكفير
أدرك علماء الإسلام فداحة القول بكفر المسلم فأطبقوا على منع التكفير إلا بدليل ساطع، لا مدافع له، إذ الشهادة بالكفر على الموحد من أعظم الزور والظلم والبهتان.
قال الشوكاني: " اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن ((من قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما)) ... ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير".
وأما ابن حزم فإنه يرى أن البرهان المطلوب للحكم بكفر المسلم ينبغي أن يكافئ ما ثبت به إسلامه، فلا يرفع عنه اسم الإسلام إلا بنص أو إجماع: "والحق هو أن كل من ثبت له عقد الإسلام، فإنه لا يزول عنه إلا بنفي أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا . .. فوجب أن لا يكفر أحد بقول قاله إلا بأن يخالف ما قد صح عنده أن الله تعالى قاله، أو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله، فيستجيز خلاف الله تعالى وخلاف رسوله عليه الصلاة والسلام، وسواء كان ذلك في عقد دين أو في نحلة أو في فتيا، وسواء كان ما صح من ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منقولاً نقل إجماع تواتراً أو نقل آحاد".
وبمثله قال الباقلاني: "ولا يكفر بقول ولا رأي إلا إذا أجمع المسلمون على أنه لايوجد إلا من كافر، ويقوم دليل على ذلك، فيكفر". ويقول ابن تيمية: "فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزُل ذلك عنه بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة". ومثله في الاحتياط وطلب السلامة من هذه البلية قول ابن عبد البر: "ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفَّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة".
ويروي ابن نجيم عن الطحاوي وغيره من علماء الحنفية قولهم بأن المسلم لا يخرج من الإسلام إلا بأمر يتيقن كفر صاحبه: " ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها، إذ الإسلام الثابت لا يزول بشك، مع أن الإسلام يعلو، وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام".
ولما كان المكفرون لا يملكون - غالباً - الدليل المتيقن على كفر المخالف، فإنهم يعتمدون القياس في استدلالهم، وهو دليل لا يراه ابن الوزير كافياً في تكفير المشبهة والمجبرة، فإن كثيراً من العلماء لم يكفروهم، ونقل عن الشيخ مختار في كتابه "المجتبى" قوله: "لأن حجة من كفرهم القياس على المشركين المصرحين، وهما [أي أبو الحسين والرازي] قد قدحا في صحة هذا القياس، دع عنك كونه قطعياً، وذلك القدح هو بوجود الفارق الذي يمنع مثله من صحة القياس، وهو إيمان هؤلاء بجميع كتب الله تعالى وجميع رسله بأعيانهم وأسمائهم إلا من جهلوه، وإنما يخالفون حين يدعون عدم العلم، ثم ظهر عليهم ما يصدق من ذلك من إقامة أركان الإسلام وتحمل المشاق العظيمة بسبب تصديق الأنبياء عليهم السلام، ولأن القياس عند المحققين من علماء المعقولات لا يكون قاطعاً، لأن الأمرين إن استويا في جميع الوجوه لم يكن قياساً، وإن وجد بينهما فارق جاز أن يكون مؤثراً في عدم استوائهما في الحكم ".
وعليه فإن ابن الوزير يرى "أن في الحكم بتكفير المختلف في كفرهم مفسدة بينة تخالف الاحتياط ... أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، نعوذ بالله من الخطأ في الجميع، ونسأله الإصابة والسلامة والتوفيق والهداية".
ويدعو الشوكاني إلى تلمس المعاذير للمسلمين والإحجام قبل المسارعة إلى تكفيرهم "فحينئذ تنجو من معرَّة الخطر، وتسلم من الوقوع في المحنة، فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح على دينه، ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة، فكيف إذا كان يخشى على نفسه إذا أخطأ أن يكون في عداد من سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كافراً، فهذا يقود إليه العقل فضلاً عن الشرع ..
فحتم على كل مسلم أن لا يطلق كلمة الكفر إلا على من شرح بالكفر صدراً، ويقصر ما ورد مما تقدم على موارده، وهذا الحق ليس به خفاء، فدعني من بُنيات الطريق
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح".
ويقول الزركشي: "فلينتبه لهذا، وليحذر ممن يبادر إلى التكفير .. فيخاف عليه أن يكفر، لأنه كفّر مسلماً".
ويقول عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام، أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين". ويقول: "فما تنازع العلماء في كونه كفراً فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام، ما لم يكن في المسألة نص صريح". أما من تجرأ على التكفير من غير أن يملك مثل ذلك الدليل الساطع فإنه مستحق للعقوبة الغليظة بما اجترأ عليه، يقول ابن تيمية في سياق الحديث عن خلاف المسلمين في بعض مسائل التوسل: "بل المكفّر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لا سيما مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) ".
وينبه ابن الوزير إلى مفسدة أخرى للتكفير، وهي التسبب في الفرقة بين المسلمين، وما تؤدي إليه من توهين أمر المسلمين، وهذه المفسدة حري دفعها بمزيد من العذر والتثبت والاحتياط، يقول: " وكم بين إخراج عوام فرق الإسلام أجمعين، وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية، وتكثير العدد بهم، وبين إدخالهم في الإسلام ونصرته بهم وتكثير أهله، وتقوية أمره، فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارَضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة، ويقوي الإسلام، ويحقن الدماء، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق، وتجتمع عليه الكلمة، وتحقق إليه الضرورة".
وقال الغزالي: "والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأِ في سفك محجمة من دم مسلم ".
ويقول رحمه الله: "الوصية: أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، غير مناقضين لها ... فإن التكفير فيه خطر، والسكوت لا خطر فيه".
وينقل ابن نجيم عن أهل العلم حرصهم على إعذار المسلم، وتوقفهم عن المبادرة إلى تكفيره مهما وهنت شبهته التي دفعت به إلى ارتكاب المكفِّر، فيقول: "وفي الفتاوى الصغرى: الكفر شيء عظيم، فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية أنه لا يكفر".
ويقول: " وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسالة وجوه توجب التكفير، ووجه واحد يمنع التكفير، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير، تحسيناً للظن بالمسلم".
ثم يقرر رحمه الله خلاصة رأيه فيقول: "والذي تحرر أنه لا يفتى بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف، ولو رواية ضعيفة، فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بالتكفير بها، ولقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها".
وينقل المليباري اتفاق العلماء قديماً وحديثاً على الاحتياط والتريث في هذه المسألة: "ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظم خطره وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديماً وحديثاً".
لقد أطبق علماء الإسلام زرافاتٍ ووِحداناً على خطورة القول بكفر المسلم، ورأوا أن الخطأ في نسبته إلى الكفر من أعظم الظلم والغبن له، فالأصل فيه السلامة، والإسلام ثبت له بيقين، فلا يرفع إلا بيقين مثله، وما دون هذا اليقين ندفعه بإحسان الظن وتلمس الأعذار والاستتار دون تكفيره بضعيف الروايات احتياطاً للدين وصوناً لأعراض ودماء المسلمين.
:2:
Abujebreel
05-19-2012, 07:37 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا أخي ابو عبد الرحمن
ما شاء الله كلام ذهب .. أذهب الله عنك كل سوء و شر و جعلك من أهل الفردوس الأعلى
ابو عبد الرحمن
05-20-2012, 10:51 PM
واياكم اخي المجاهد وبارك الله فيك وجزاك خيرا على المرور والكلمات الطيبة جعلها الله في ميزان حسناتك
ام هُمام
09-24-2018, 04:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا
ابوعمارياسر
05-18-2019, 05:16 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوع مهم وواجب معرفته على كل مسلم
بارك الله بكم
السليماني
07-31-2023, 11:56 AM
بارك الله فيك ...
بيان هيئة كبار العلماء حول خطورة التسرع في التكفير والقيام بالتفجير وما ينشأ عنهما من سفك للدماء وتخريب للمنشآت .
الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه , أما بعد :
فقد درس مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والأربعين المنعقدة بالطائف ابتداء من تاريخ 2\4\1419هـ ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها من التكفير والتفجير , وما ينشأ عنه من سفك الدماء , وتخريب المنشآت , ونظرا إلى خطورة هذا الأمر , وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة , وإتلاف أموال معصومة , وإخافة للناس , وزعزعة لأمنهم واستقرارهم , فقد رأى المجلس إصدار بيان يوضح فيه حكم ذلك نصحا لله ولعباده , وإبراء للذمة وإزالة للبس في المفاهيم لدى من اشتبه عليهم الأمر في ذلك , فنقول وبالله التوفيق :
أولا : التكفير حكم شرعي , مرده إلى الله ورسوله , فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله , فكذلك التكفير , وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل , يكون كفرا أكبر مخرجا عن الملة .
ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله ؛ لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة , فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن , لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة , وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات , مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير , فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ؛ ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر , فقال : " أيما امرىء قال لأخيه : يا كافر , فقد باء بها أحدهما , إن كان كما قال وإلا رجعت عليه " . وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول أو العمل أو الإعتقاد كفر , ولا يكفر من اتصف به , لوجود مانع يمنع من كفره .
وهذا الحكم كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها , وانتفاء موانعها كما في الإرث , سببه القرابة - مثلا - وقد لا يرث بها لوجود مانع كاختلاف الدين , وهكذا الكفر يكره عليه المؤمن فلا يكفر به .
وقد ينطق المسلم بكلمة بالكفر لغلبة فرح أو غضب أو نحوهما فلا يكفر بها لعدم القصد , كما في قصة الذي قال :" اللهم أنت عبدي وأنا ربك " . أخطأ من شدة الفرح .
والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة من استحلال الدم والمال , ومنع التوارث , وفسخ النكاح , وغيرها مما يترتب على الردة , فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة .
وإذا كان هذا في ولاة الأمور كان أشد ؛ لما يترتب عليه من التمرد عليهم وحمل السلاح عليهم , وإشاعة الفوضى , وسفك الدماء , وفساد العباد والبلاد , ولهذا منع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من منابذتهم , فقال :" إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان " . فأفاد قوله :" إلا أن تروا " , أنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة . وأفاد قوله :" كفر " أنه لا يكفي الفسوق ولو كبُرَ , كالظلم وشرب الخمر ولعب القمار , والإستئثار المحرم . وأفاد قوله : " بواحا " أنه لا يكفي الكفر الذي ليس ببواح أي صريح ظاهر , وأفاد قوله : " عندكم فيه من الله برهان " . أنه لابد من دليل صريح , بحيث يكون صحيح الثبوت , صريح الدلالة , فلا يكفي الدليل ضعيف السند , ولا غامض الدلالة . وأفاد قوله : " من الله " أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء مهما بلغت منزلته في العلم والأمانة إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وهذه القيود تدل على خطورة الأمر .
وجملة القول : أن التسرع في التكفير له خطره العظيم ؛ لقول الله عز وجل : (( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به , سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )) - الأعراف 33 - .
ثانيا : ما نجم عن هذا الإعتقاد الخاطىء من استباحة الدماء وانتهاك الأعراض , وسلب الأموال الخاصة والعامة , وتفجير المساكن والمركبات , وتخريب المنشآت , فهذه الأعمال وأمثالها محرمة شرعا بإجماع المسلمين ؛ لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة , وهتك لحرمة الأموال , وهتك لحرمات الأمن والإستقرار , وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم , وغدوهم ورواحهم , وهتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها .
وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم , وحرم انتهاكها , وشدد في ذلك , وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا , في شهركم هذا , في بلدكم هذا " . ثم قال صلى الله عليه وسلم :" ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد " . متفق عليه . وقال صلى الله عليه وسلم :" كل المسلم على المسلم حرام , دمه وماله وعرضه " . وقال عليه الصلاة والسلام :" اتقوا الظلم , فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " .
وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد , فقال سبحانه في حق المؤمن : (( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما )) - النساء 93 - .
وقال سبحانه في حق الكافر الذي له ذمة في حكم قتل الخطأ ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة )) - النساء 92 -
فإذا كان الكافر الذي له أمان إذا قتل خطأ فيه الدية والكفارة , فكيف إذا قتل عمدا , فإن الجريمة تكون أعظم , والإثم يكون أكبر . وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة " .
ثالثا : إن المجلس إذ يبين حكم تكفير الناس بغير برهان من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وخطورة إطلاق ذلك , لما يترتب عليه من شرور وآثام , فإنه يعلن للعالم أن الإسلام بريء من هذا المعتقد الخاطىء , وأن ما يجري في بعض البلدان من سفك للدماء البريئة , وتفجير للمساكن والمركبات والمرافق العامة والخاصة , وتخريب للمنشآت هو عمل إجرامي , والإسلام بريء منه , وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه , وإنما هو تصرف من صاحب فكر منحرف , وعقيدة ضالة , فهو يحمل إثمه وجرمه , فلا يحتسب عمله على الإسلام , ولا على المسلمين المهتدين بهدي الإسلام , المعتصمين بالكتاب والسنة , المستمسكين بحبل الله المتين , وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة ؛ ولهذا جاءت نصوص الشريعة قاطعة بتحريمه محذرة من مصاحبة أهله .
قال الله تعالى : (( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام , وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد , وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد )) . - البقرة 204 - 206 - .
والواجب على جميع المسلمين في كل مكان التواصي بالحق , والتناصح والتعاون على البر والتقوى , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة , والجدال بالتي هي أحسن , كما قال الله سبحانه وتعالى : (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) - المائدة 2 -
وقال سبحانه : (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم )) - التوبة 71 - , وقال عز وجل : (( والعصر , إن الإنسان لفي خسر , إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .)) - سورة العصر -
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة " . قيل : لمن يا رسول الله ؟ قال: " لله , ولكتابه , ولرسوله , ولأئمة المسلمين وعامتهم " , وقال عليه الصلاة والسلام :" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " , والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .
ونسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يكف البأس عن جميع المسلمين , وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد وقمع الفساد والمفسدين , وأن ينصر بهم دينه , ويعلي بهم كلمته , وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان , وأن ينصر بهم الحق , إنه ولي ذلك والقادر عليه , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
رئيس المجلس : عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى .
السليماني
08-16-2023, 12:55 PM
حوادث التفجيرات وترويع الآمنين في عصرنا الحاضر امتداد للمدرسة المشؤومة .
الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وآله وصحبه ومن والاه ، وبعد : فلابد للأمة من العلم والعلماء لأن الله سبحانه بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .
قال تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) .
والهدى هو العلم النافع ودين الحق هو العمل الصالح ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث بالعلم والعمل
وإذا رفع العلم بقبض العلماء ( اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً ؛ فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) ؛ كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
والعلم لا يحصل إلا بالتعلم والتلقي عن العلماء . قال الله تعالى : ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .
لا يؤخذ العلم من مجرد الكتب من دون قراءتها على العلماء وتلقي شرحها وبيانها منهم ، ولا يؤخذ العلم عن المتعالمين الذين يأخذون علمهم عن الأوراق ويشرحونها من أفكارهم وأفهامهم .
فالتعالم معناه ادعاء العلم نتيجة للاقتصار على مطالعة الكتب ، ومثل هذا يقال له : الجاهل المركب ، وهو الذي يجهل ولا يدري أنه جاهل بل يظن أنه هو العالم ، وكم جنت هذه الطريقة على الأمة - قديمًا وحديثًا - من الويلات ،
فأول خريجي مدرسة التعالم هم الخوارج ؛ الذين كفروا الصحابة وقاتلوهم ، وقتلوا عثمان ، وعليًا ، وطلحة ، والزبير ، وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - .
ولا تزال أفواج خريجي هذه المدرسة يتوالى خروجها على الأمة ، وما حادث الحرم ، وحوادث التفجيرات وترويع الآمنين في عصرنا الحاضر إلا امتدادًا لهذه المدرسة المشؤومة ؛
كما أنه لا يزال يتخرج من هذه المدرسة من يكفرون أو يبدعون المسلمين ، ويتخرج منها من يفتون بغير علم فيحلون ما حرم الله ، أو يحرمون ما أحل الله ،
ومازالت الأمة الإسلامية تعاني من أضرار هؤلاء الذين يحتقرون العلماء ويصفونهم بأنهم : علماء سلطة ، وأنهم مداهنون ، وأصحاب كراسي وغير ذلك . وينفرون من تلقي العلم عنهم .
والواجب على شباب الأمة الحذر من هؤلاء المتعالمين ، والحرص على تلقي العلم عن العلماء والرجوع إليهم في حل مشكلاتهم ؛ فإن العلماء ورثة الأنبياء ،
وقد ميزهم الله عن غيرهم بالعلم ؛ فقال تعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) .
كما أنه يجب ألا يمكن من التدريس والافتاء إلا من عرف بالعلم ، وعرف أين تلقى العلم .
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
السليماني
10-10-2023, 04:29 PM
هل من كلمة توجِّهونها لطلبة العلم ؟ .
جـ / نحثّ طلبة العلم على القيام بالنصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، كما أمرهم بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكما أخذ الله عليهم الميثاق بقوله - تعالى - :
{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ } (1) .
وأن يتبعوا في النصيحة والبيان منهج الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة .
وأن يحذروا منهج الخوارج والمعتزلة، الذين يتّبعون في أسلوب النصيحة والبيان الخروج على أئمة المسلمين،
والتشهير، والعنف، والتنفير،
قال - صلى الله عليه وسلم -: (( يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا ))
هذا ما نوصي به طلبة العلم ولا سيّما الدعاة .هذا وبالله التوفيق .
الأجوبَةُ المُفِيدَة عَنْ أَسئِلَةِ المْنَاهِجِ الجَْدِيدَة للشيخ الفوزان حفظه الله
السليماني
11-12-2023, 06:04 AM
إن الأسباب التي أدت إلى الإنحراف طوائف وأفراد من هذه الأمة في (باب التكفير)
ومن ثم تكفير أهل القبلة متنوعة وكثيرة, لكن يمكن ذكر أبرزها تأثيرآ على عامة المنحرفين في هذا الباب وهي:
1- الجهل بالدين:
فالجهل بدين الله هو من أعظم الأسباب الحاملة لأهل التكفير على تكفير المسلمين بغير دليل ولا برهان شرعي, فإنه لا يقدم على هذا إلا جاهل, وذلك لكثرة النصوص المحذرة من تكفير المسلمين وما تضمنته من الوعيد الشديد, والزجر العظيم عن تكفير من لم يكن مستحقآ للتكفير, بحيث لا تخفى هذه النصوص إلا على جاهل مغرق في الجهل, ولهذا كان العلماء يحتاطون أعظم الإحتياط في الحكم على المخالفين للشرع بكفر حتى يتبين لهم بالدليل أن قوله أو فعله كفر, بل ولا يحكمون على معين بكفر, وإن قام به حتى يتحقق فيه شروط التكفير, وتنتفي موانعه على ما سيأتي تقريره
ولهذا ذكر العلماء أن من سمات أهل البدع أنهم جمعوا بين الجهل والظلم في تكفير مخالفيهم, في حين أن أهل السنة هم أهل العلم والعدل في موقفهم من مخالفيهم.
يقول شيخ الإسلام في سياق رده على البكري: ( وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقة أهل البدع, الذين يجمعون بين الجهل والظلم, فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة, ويكفرون من خالفهم في بدعتهم...
وأئمة السنة والجماعة, وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة, فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة, سالمين من البدعة, ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم )
"الرد على البكري2/487-490"
2- اتباع الهوى والإعراض عن النصوص:
فالتكفيريون لا يرجعون في أحكامهم على من كفروهم إلى دليل صحيح, ولا يتجردون في هذا للحق, ولهذا يكفرون عموم مخالفيهم وليس لهم في هذا مستند شرعي, وإنما يحملهم على هذا الهوى,
ومن هنا كان تكفير المخالف من علامات أهل الأهواء والبدع, فالتكفير بغير مستند شرعي واتباع الهوى متلازمان, كما أن العدل مع المخالف يتضمن التجرد من الهوى, ولذا أمر الله رسله بالعدل عند الحكم وحذرهم من اتباع الهوى,
قال تعالى: (( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ))"ص-26", وقال تعالى: (( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ))"المائدة-49"
3- التأويل الفاسد:
التأويل الفاسد للنصوص هو السبب الحقيقي الباعث لأهل التكفير على تكفير المسلمين بغير الحق, وذلك أنه ما من رجل من أهل الإسلام يعتقد كفر غيره, إلا ويزعم أن الدليل قد دل على كفر من كفره, وإنما وسيلته في ذلك تأويل النصوص على ما أعتقد وإلا فالنصوص لا تعينه على معتقده الفاسد بل ترده
ولهذا عد العلماء التأويل سبب كل شر وفتنه وقعت في الأمة.
يقول الإمام ابن القيم: ( وبالجملة, فافتراق أهل الكتابين, وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة, إنما أوجبه التأويل........ ,وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية من باب التأويل, فما امتحن الإسلام بمحنة قط إلا وسببها التأويل...)"إعلام الموقعين4-251"
كما ذكر العلماء أن سبب فتنة الخوارج فيما اعتقدوه من تكفير المسلمين إنما هو بسبب التأويل, فعن الضحاك أنه قال: (..... أهل نهروان تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة, وإنما أنزلت في أهل الكتاب, جهلوا علمها فسفكوا الدماء وانتهبوا الأموال وشهدوا علينا بالضلالة )"تفسير البغوي1/256-257"
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( والخوارج إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه,وجعلوا من خالف ذلك كافرآ ) "مجموع الفتاوي20/164,وانظر:درء تعارض العقل والنقل1/276"
4- تلبيس الشيطان:
وهذا من الأسباب الخفية, الباعثة لأهل التكفير على تكفير المسلمين ظلمآ وعدوانآ, فإن الشيطان بكيده ومكره قد لبس عليهم في هذا الأمر, وزينه في قلوبهم, فظفر منهم بما أراد من تعريضهم لعقوبة الله وسخطه, وتحمل مظالم العباد من سفك للدماء واعتداء على المحارم, واستباحة لإموال المسلمين بغير الحق, ولذا, قال علي للخوارج بعد قتلهم - على ما تقدم -:
( بؤسآ لكم, لقد ضركم من غركم, فقالوا: يا أمير المؤمنين! ومن غرهم؟ قال: الشيطان, وأنفس بالسوء أمارة غرتهم بالأماني ....)
"البداية والنهاية لابن كثير10/588"
كما ذكر ابن الجوزي في ( كتاب تلبيس إبليس ), تلبيس الشيطان على الخوارج, فقال بعد ذكر شئ من أخبارهم: ( و‘نما المقصود النظر في حيل إبليس وتلبيسه على هؤلاء الحمقى الذين عملوا بواقعاتهم, واعتقدوا أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على الخطأ, ومن معه من المهاجرين والأنصار على الخطأ, وأنهم على الصواب, واستحلوا دماء الأطفال, ولم يستحلوا أكل ثمرة بغير ثمنها )"تلبيس إبليس ص:131"
فهذه أهم الأسباب المؤثرة في انحراف من انحرف في هذا الباب, وتكاد تكون مشتركه بين عامة التكفيريين كما لا يخفى على من سبر أحوالهم.
منقول
السليماني
01-24-2024, 01:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سارة بنت فراج العقلا
المسائل والقضايا المتعلقة بالإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائلُ عظيمة جدًا،
فإن الله علّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم بعد خلافهم هذا ظهرت بقية الفرق وصارت الأمة شيعًا وأحزابًا[ 1 ].
وكان من الفوائد التي أخذت من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)[ 2 ] الزجرُ عن التكفير، والتحذيرُ منه، والوعيدُ الشديد لمن تلبس به[ 3 ].
فالتكفير من الأحكام الشرعية التي مردّها إلى الكتاب والسنة، فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يُكفّر ولا يُفسّق إلا من دلّ الكتاب والسنة على كفره أو فسقه،
والأصل في المسلمِ الظاهرِ العدالةِ: بقاءُ إسلامِه، وبقاءُ عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي[ 4 ].
فلا يُصار إلى التكفير بمجرد الظن والهوى، فهو من أعظم القول على الله بلا علم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[الأعراف: 33].
فالحكم على إنسان ما بالكفر حكم شرعي، مضبوط بضوابط معلومة من الكتاب والسنة، فلا يُصار إليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة عليه بالكفر، فإنه من أعظم البغي أن يُشهد على معين أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه، بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت[ 5 ]، ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب: "باب النهي عن البغي" وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدُهما يُذنب، والآخرُ مجتهدٌ في العبادة، فكان لا يزال المجتهدُ يرى الآخر على الذنب فيقول: أَقْصِر، [أي كُفَّ عن الذنب، وتوقف عن فعله] فوجده يومًا على ذنب فقال له: أَقْصِر، فقال: خلّني وربي، أَبُعِثْتَ عليّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًاً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار) قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته[ 6 ].
وقال القاضي عياض في مطلع فصل المُكفّرات القولية: "اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه"[ 7 ].
وقال ابن تيمية مؤكداً على هذا: "الكفر: حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأً في العقل يكون كفرًا في الشرع"[ 8 ].
وقال ابن الوزير: "إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه، وإن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيًا قطعيًا، ولا نزاع في ذلك"[ 9 ].
فلا يُتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، ولا يُخرج إنسان من الإسلام بمجرد الفهم واستحسان العقل، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه أعظم أمور الدين، وما تنازع العلماء في كونه كفراً، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ما لم يكن في المسألة نصّ صريح من الكتاب أو السنة[ 10 ]، فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر عظيم، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد[ 11 ].
ولما أنْ كان التكفير حكماً شرعياً فقد كان أهل العلم والسنة لا يُكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفّرهم! فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً، ومن ممادح أهل العلم أنهم يُخَطئون ولا يكفرون، فالكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، فكما لا يجوز للإنسان أن يكذب على من كذب عليه، أو يزني بأهل من زنى بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، فكذلك التكفير حق الله تعالى، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله[ 12 ].
ومن الآثار المترتبة على التكفير والدالّة على خطورته: ما ذكره الفقهاء من الأحكام الخاصة بالمرتد مثل: قتله لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)[ 13 ]، وكون ماله يصير فيئًا لا يرث ولا يُورث، وعدم صحة تزويجه لأنه لا ولاية له، وتحريم ذبيحته، وترك الصلاة عليه، وما إلى ذلك من أحكام[ 14 ]،
بل إنّ عقوبة الكافر المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه، منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعتمد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي، ومنها: أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء، ومنها: أن المرتد لا يُزوّج ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي، فهو -أي المرتد- شرّ من اليهود والنصارى[ 15 ].
ثم مما يبيّن خطورة التكفير والحكم على شخص بأنه كافر مستحق للقتل: خطورة القتل، روى الترمذي من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ورأسه وناصيته بيده، وأوداجه تشخب دمًا، يقول: يا رب سلْ هذا فيم قتلني؟) وقال: حديث حسن[ 16 ].
وفيه أيضاً عن نافع قال: "نظر عبد الله يومًا إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك، وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك"[ 17 ].
وفي صحيح البخاري: (ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة كف من دم أهراقه فليفعل)[ 18 ].
وفي صحيحه أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)[ 19 ].
وفيه: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)[ 20 ]، فإذا كانت هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن الذي صحّ أن الله يعادي من يؤذيه ويؤذنه بالحرب[ 21 ].
فإذا كان للتكفير هذه الآثار والتي من أعظمها القتل،
فإنه لا يحكم به إلا القضاةُ الذين يتولّون الفصل والقضاء في سائر الحدود، فمن باب أولى ألا يحكم بارتداد المرتد غيرهم.
ويؤخذ من قول الفقهاء وعامة أهل العلم: أن قتل المرتد إلى الإمام حرًا كان أو عبدًا، أن الإمام أو نائبه هو الذي يتولى إقامة حد القتل[ 22 ].
المصدر: مجلة البحوث الإسلامية، (83 / 156- 163)، جزء من بحث بعنوان: "الكفر مفهومه وأنواعه والغلاة فيه"
--------------------------------------
1 - جامع العلوم والحكم لابن رجب، (1/ 114)
2 - رواه مسلم (60)
3 - شرح النووي (2/ 49)، وفتح الباري لابن حجر (10/466)
4 - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لابن عثيمين، (1/237)
5 - ينظر شرح الطحاوية لابن أبي العز (2/485)
6 - حديث رقم (4901)
7 - الشفاء (2/ 604)
8 - درء تعارض العقل والنقل (1/ 442)
9 - العواصم والقاصم (4/ 178-179)
10 - رسالة في حكم من يكفر غيره من (5 /522)
11 - الشفا للقاضي عياض، (2/595)
12 - ينظر الرد على البكري لابن تيمية ص (257)
13 - البخاري (6878) ومسلم (1676)
14 - المغني (12/264)
15 - ينظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/234) ومجموع الرسائل والمسائل (4/43)
16 - حديث رقم (3029)
17 - أخرجه الترمذي (2032) موقوفا على ابن عمر، وأخرجه ابن ماجه (3932) مرفوعاً بإسناد فيه مقال كما قال البوصيري في زوائد ابن ماجه (1/245)
18 - حديث رقم (7152)
19 - حديث رقم (6862)
20 - حديث رقم (3166)
21 - العواصم والقاصم لابن الوزير (9/34)
22 - المغني لابن قدامة (12/ 272)
السليماني
03-06-2024, 02:23 PM
السؤال : أحسن الله إليكم صاحب الفضيلة ،يقول السائل :يوجد بعض الشباب يتهمون الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ ابن عثيمين بأنهم من مرجئة العصر وأنهم من أضل الأمة ،فما نصيحتكم لهؤلاء ؟
الجواب :
على كل حال هذا ليس بغريب فالذي لا يوافقهم على هواهم يحكمون عليه بالإرجاء أو بغيره من المذاهب ،
حكموا على ابن باز وعلى ابن عثيمين بالإرجاء لأنهما لم يخرجا على ولي الأمر ،ولم يكفرا المسلمين وهم يريدون منهما ذلك ،
لكن لما عجزوا عن حصول موافقتهما لهم حكموا عليهما بالإرجاء ،هذا كلام بالهوى ــ والعياذ بالله ــ
واتهامهم لهذين الإمامين بما ليس فيهما ، ما عرفنا عنهما إلا الخير والاستقامة والاعتدال ،والحث على لزوم الكتاب والسنة ومنهج السـلف هذا الذي تعلمناه منهما وعرفــناه منهما - رحمهما الله - ،
لكن لما لم يوافقا هؤلاء على نزاعاتهم ونزغاتهم رموهما بالإرجاء، لأن الذي لا يكفر المسلمين مرجئ عندهم ))
( الإجابات المهمة في المشاكل المدلمهة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان الجزء الأول ص33)
السليماني
08-28-2024, 06:00 AM
جريمة الغلو في التكفير والاستهانة بالدماء
لئن حارَ كثيرٌ من الناس في معرفة السببِ الباعثِ على ما يرَون من انحرافِ بعضِ الخلقِ عن الجادَّة، وحيدَتهم عن صراطِ الله المُستقيم إلى اتباع السُّبُل التي تفرَّقَت بهم عن سبيلِه، وحملَتهم على مخالفة الهُدى البيِّن، والحقِّ الصُّراح المُتبدِّي في منهَج أهل السنة والجماعة، وطريق سلَف الأمة أهل القرون المُفضَّلة التي شهِد لها رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – بالخيريَّة في الحديث الذي أخرجه الشيخان في “صحيحيهما” عن عبد الله بن مسعودٍ – رضي الله عنه -، أن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلُونَهم، ثم الذين يلُونَهم .. الحديث».
فإن الذين أوتوا العلمَ والإيمان من مُحقِّقي العلماء والراسِخين في العلم منهم، يقِفُون عند هذه القضيَّة موقِفَ البصيرِ بها، المُهتدِي إلى حقيقتها، العالِم بوجهِ الصوابِ فيها، الدالِّ على أسبابها والبواعِثِ عليها.
فكان أن بيَّنوا لنا البيانَ الشافي الذي يشفِي كلَّ علَّة، ويقطعُ كلَّ عُذر، ويدفعُ كلَّ شُبهَة.
وحاصِلُه – يا عباد الله -: أن أقوَى أسباب الانحِراف الذي أورَثَ أهلَه خطيئتَين عظيمتَين، هما:
الأولى:الجُرأةُ على الدم الحرام، والاستهانةُ به، وقلَّةُ أو عدمُ الاكتِراث بما وردَ فيه من الوعيد عن الله تعالى وعن رسولِه – صلى الله عليه وسلم -.
والثانية: هي الولَعُ بتكفيرِ المسلمين، والولوغُ في ذلك الإثمِ المُبين، والمُسارعةُ إليه بغير بيِّنةٍ ولا فقهٍ ولا خشيةٍ من الله، ولا مُراقبةٍ له، ولا نزولٍ عند حُكمه، ولا تركٍ لأهواء النفوسِ وشهَواتها لمُراده – سبحانه -.
إن أقوَى وأظهرَ أسباب هذا الانحِراف في قولِ أهل التحقيقِ من العلماء: مُشاقَّةُ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -، واتباعُ غير سبيلِ المؤمنين في فهمِ كتابِ الله تعالى وسنَّة رسولِه – صلى الله عليه وسلم -. وذلك هو الذي نهى عنه وحذَّر منه، وتوعَّد مُجترِحَه بأن يُصلِيَه نارَ جهنَّم، فقال -سبحانه-:وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا[النساء: 115].
وهو بيانٌ ربَّانيٌّ ومنشورٌ إلهيٌّ، يُنادِي بأن من خالفَ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -، وعاداه وحادَّه من بعد ما عرَف أنه رسولُ الله حقًّا، وأن ما جاء به هو الهُدى من عند الله.
ثم هو مع ذلك خارِجٌ على جماعة المسلمين، مُتَّبِعٌ غيرَ سبيلِهم، فهو الشقيُّ الخاسِرُ خُسرانًا مُبينًا؛ إذ كان عاقبته في الدنيا أن يخذلَه الله ويدَعَه لكفره وضلالِه، احتِقارًا له، واستِصغارًا لشأنِه، وكان عاقبته في الآخرة أن يصلَى نارَ جهنَّم التي جعلَها الله مصيرًا له، وساءَت مصيرًا.
والذي يستوقِفُ اللَّبيبَ ويسترعِي انتِباهَه – يا عباد الله – هو – كما يقولُ أهلُ التحقيق من العلماء -: أن الله لم يقتصِر فيها – في هذه الآية – على ذكرِ مُشاقَّة الرسولِ – صلواتُ الله وسلامُه عليه -؛ بل قرَنَ إليها اتباعَ غير سبيلِ المؤمنين؛ ليدلَّ بذلك على أن اتباعَ سبيلِ المؤمنين أو ضدَّه، وهو عدمُ اتباع سبيلِهم أمرٌ قد بلَغَ الغايةَ من الأهمية إيجابًا وسلبًا.
ومُؤدَّاه – يا عباد الله – أن من اتَّبعَ سبيلَ المؤمنين فهو الناجِي عند الله يوم القيامة.
وعلى العكسِ منه: من خالفَ سبيلَ المؤمنين، فإن له نارَ جهنَّم يصلاها مذمومًا مدحورًا.
إن هذا هو منشؤُ ضلال طوائِف كثيرةٍ جدًّا في ماضِي الأيام وحاضِرِها، وفي قديمِ الدهرِ وحديثِه؛ وذلك أنهم لم يلتزِمُوا باتباع سبيلِ المؤمنين في فهمِ الكتابِ والسنَّة، وإنما ركِبُوا عقولَهم، واتَّبَعوا أهواءَهم، وزُيِّنَت لهم آراؤُهم، وأعجبَتْهم أنفسُهم، فأوبقَهم ذلك في أدهَى المصائِب، وأدَّى بهم إلى أخطر العواقِب.
فكان هذا العقابُ الأليمُ الذي تضمَّنَته هذه الآيةُ الكريمةُ جزاءً وفاقًا على خروجهم على ما كان عليه سلَفُ الأمة وخيارُها.
وفي الطَّليعة منهم: صحابةُ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -، الذين عدَّلهم القرآن الحكيم وزكَّاهم، وشهِدَ لهم نبيُّ الله – صلى الله عليه وسلم – بالخيريَّة والأفضليَّة والمنزلةِ الرفيعةِ، التي لا مطمعَ لأحدٍ بعدَهم في أن يبلُغَها؛ فقال – صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبُّوا أصحابِي، فوالذي نفسي بيدِه؛ لو أن أحدَكم أنفقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا لم يبلُغ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه»؛ أخرجه الشيخان في “صحيحيهما”،وأبو داود في “سننه”، والترمذي في “جامعه” من حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ – رضي الله عنه -.
وأما الأحاديثُ الدالَّةُ على ما دلَّت عليه هذه الآيةُ الكريمة؛ فمنها: حديثُ عوف بن مالكٍ – رضي الله عنه -، أن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «افترَقَت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، وافترَقَت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، والذي نفسُ محمدٍ بيدِه؛ لتفترِقَنَّ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «الجماعة»؛ أخرجه ابن ماجه في “سننه” بإسنادٍ صحيحٍ.
ومنها: حديثُ عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما -، .. فذكر الحديثَ بنحوه، وفيه: قال – عليه الصلاة والسلام – لما سُئِل عن الفرقة الناجية، قال: «ما أنا عليه وأصحابي»؛ وإسنادُه حسنٌ بمجموع شواهِده.
فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكتَفِ في هذا الحديث بقوله: «ما أنا عليه»، ولكنه – عليه الصلاة والسلام – وهو الرؤوفُ الرحيمُ بالمؤمنين، كما وصفَه به ربُّه – عز وجل – أوضحَ لهم أن علامةَ الفرقة الناجية: أن تكون على ما كان عليه الرسولُ – صلى الله عليه وسلم -، وعلى ما كان عليه أصحابُه من بعدِه.
وعليه؛ فإنه لا يجوزُ أن يُقتصَرَ في فهم الكتاب والسنة على تلك الوسائل والعلوم، التي اشترطَ العلماءُ العلمَ بها لمن صدَّى لبيان معاني الكتاب والسنة، مثل: معرفة اللغة والتمكُّن من أصولها وقواعدها، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.
بل لا بُدَّ من الرجوع في كل ذلك إلى ما كان عليه أصحابُ النبي – صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم كانوا أخلصَ الأمة لله بعد نبيِّها – صلى الله عليه وسلم -، في العبادة، وأفقَهَ الخلق.
كانوا – رضي الله عنهم – أفقهَ الخلق في معاني الكتاب والسنَّة، وأعلمَ العباد بمعاني التنزيل.
وفي ذلك يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: “للصحابة فهمٌ في القرآن يخفَى على أكثر المتأخرين، كما أن لهم معرفةً بأمورٍ من السنَّة وأحوال الرسولِ – صلى الله عليه وسلم -، لا يعرِفُها أكثرُ المتأخرين. فإنهم – أي الصحابة – رضي الله عنهم – شهِدُوا الرسولَ – صلى الله عليه وسلم – والتنزيل – يعني: القرآن -، وعايَنُوا الرسولَ – عليه الصلاة والسلام – أي: رأَوه عيانًا وعاصَرُوه -، وعرفُوا من أقواله وأفعاله ما يستدلُّون به على مُرادهم مما لم يعرِفه أكثرُ المتأخرين”. اهـ كلامُه.
وصدقَ – رحمه الله -؛ فما أكثر ما خفِيَ على أكثر المتأخرين من معانِي القرآن والسنة، بشُؤم الإعراض عن هذا الفهم الصائِب والمرجعيَّة المُؤصَّلة المُسدَّدة.
فاتقوا الله – عباد الله -، واعلَموا أنه لا مندُوحة عن اتباع سبيل المؤمنين في فهمِ الكتاب والسنة لمن أرادَ النجاة من الفتن التي أصابَت كلَّ من ركِبَ عقلَه، واتَّبعَ هواه، وخرجَ عن سبيلِ المؤمنين من الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسانٍ من أهل القرون المُفضَّلة، والأزمِنةِ المُقدَّمة في الدينِ والإيمانِ والإحسان.
قال بعضُ أهل العلم بالحديث: “إن حديثَ الوصيَّة بسُنَّة الخلفاء الراشِدين المهديين”.
وهو حديثُ العِرباض بن سارِية – رضي الله عنه -، أنه قال: وعَظَنا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – موعِظةً وجِلَت منها القلوب،وذرَفَت منها العيون، فقلنا: كأنها موعِظةُ مودِّع،فأوصِنا يا رسول الله. قال: «أُوصِيكم بالسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ، وإنه من يعِش منكم فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومُحدثات الأمور؛ فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة»؛ أخرجه الإمام أحمد في “المسند”، وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو حديثٌ صحيحٌ بمجموع طُرقه.
“هذا الحديثُ مُشابِهٌ كل المُشابَهة لحديث افتِراق الأمة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، والشاهدُ منه: أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – حضَّ أمَّتَه في أشخاصِ أصحابِه أن يتمسَّكُوا بسُنَّته، ثم لم يقتصِر – صلواتُ الله وسلامُه عليه – على ذلك؛ بل قال: «وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
فإذا أردنا أن نفهمَ عقيدتَنا، أو أن نفهمَ عباداتِنا، وأن نفهمَ أخلاقَنا وسُلوكَنا فلا بُدَّ لنا من أن نعودَ إلى سلَفنا الصالح، لفهم هذه الأمور التي يتحقَّقُ فيمن فهِمَها وعمِلَ بمُقتضاها أنه من الفرقة الناجِية.
ومن هنا؛ ضلَّت طوائِفُ قديمة وحديثة حين لم يلتفِتُوا وإلى حديثِ سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، فكان أمرًا طبيعيًّا جدًّا أن ينحرِفُوا كما انحرَفَ من سبَقَهم عن كتابِ الله وسُنَّة رسولهِ – صلى الله عليه وسلم -، ومنهَج السلَف الصالِح، ومن هؤلاء: الخوارِجُ قديمًا وحديثًا”. اهـ كلامُه – يرحمه الله -.
واعلَموا أن السلامةَ من الفتن والشُّرور كافَّةً، ومن فتنةِ التكفير واستِباحةِ الدم الحرام خاصَّةً هي باتباع سبيلِ المؤمنين فقط في فهم معاني الكتاب والسُّنَّة، وبالحَذَر التامِّ من مُشاقَّة الرسولِ – صلواتُ الله وسلامُه عليه -، ومن اتباع غير سبيلِ المؤمنين.
إذ بهما – أي: بالمُشاقَّة وباتباع غير سبيلِ المؤمنين – تحصُلُ أخطر العواقِب، وتدهَى به أعظمُ المصائِب.
لفضيلة الشيخ الدكتور : أســـامـــه خــيـــاط
السليماني
12-18-2024, 08:53 AM
مفهوم الغلو في الدين
السؤال:
ما معنى الغلو في الدين؟
الجواب:
الغلو في الدين الزيادة، يقال غلت القدر إذا زادت، الغلو معناه الزيادة والنبي عليه الصلاة والسلام قال: إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين والله يقول سبحانه: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171] يعني لا تزيدوا يعني لا يزيد على ما شرع الله.
مثل محبة الأنبياء حق ومحبة الصالحين حق فإذا زاد في هذا حتى يدعوهم مع الله وحتى يستغيث بهم حتى ينذر لهم هذا ظلم، يحبهم ويطيع الله جل وعلا .. ويسير على نهجهم لكن لا نزيد حتى نعبدهم لا.
حب الأنبياء وحب الصالحين لكن لا نزيد لا نغلو حتى نجعلهم آلهة مع الله لا، ولكن نتبع الرسل رسولنا ﷺ وننقاد لما جاؤوا به من دون غلو من دون زيادة، فإن العبادة حق الله وحده ، فلا نغلو في قبورهم لا نبني عليها المساجد، ولا نحط عليها القباب ولا ندعو أهلها بالمدد هذا غلو، ولكن نقبرهم كما قبر المسلمون في عهد النبي ﷺ وبعده في الأرض ولا نرفع قبورهم ولا نبني عليها هذا هو الحق، هذا هو الشرع، فإذا زاد على هذا صار غلوًا.
والغلو تارة يكون بدعة، وتارة يكون شركًا، الغلو بعض الأحيان يكون بدعة، الذي يبني على القبور وبناء المساجد عليها وبناء القباب عليها هذه بدع، ودعاؤهم من دون الله والاستغاثة بهم والنذر لهم هذا شرك، نسأل الله العافية.
https://binbaz.org.sa/fatwas/1506/%D...AF%D9%8A%D9%86
السليماني
03-27-2025, 11:09 AM
هل التفجيرات من الجهاد ؟ الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
https://www.youtube.com/watch?v=4QA9iImnByk
السليماني
04-04-2025, 10:06 PM
إنه زمن الاستهانة بالدماء
الحمد لله أوضح مِنهاج الحق، ووهب عليه في كل شيء دليلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بين يدي الساعة، فبلغ وحذر أمته الفتن عموماً صلى الله عليه وعلى آله الكرام البررة وأصحابه الخيرة،
عاشت البشرية عصراً حجرياً ثم تقدّمت عبر التاريخ والحضارات المتعددة، نالت منها الكوارث والحروب رغبةً في السيطرة حتى وصلنا إلى عصرٍ حاضرٍ يسمّونه متقدّماً تميّز بانتشار العلوم والثقافات وكثرةِ الاختراعات وتنظيمٍ للدولِ والحدودِ ووضعٍ للأنظمةِ التي يريدون بها حماية البشرية خلال قرنٍ من الزمان مضى سبقته قرون طويلة يسمونها مظلمة!! ولكن هل حمى هذا العصر الإنسان ودمه وكرامته؟!
الغريبُ في الأمر -أيُّها الأحبة- أنه خلال قرنٍ مضى من الزمن، ورغم تطور هذا العصر التقني والثقافة المزعومة والعلم والحرية الموهومة، ووضع الأنظمة والحدود؛ فإن أعداد القتل وإراقة الدماء وانتهاكِ الحقوق في هذا القرن أكثر بكثيرٍ من جميعِ ضحايا القرون السابقة من حروبٍ وكوارث منذ بداية الإحصاءِ بالتاريخ،
فالضحايا فقط من حربين عالميتين حوالي مائة مليون إنسان، أضف إليها تصفيات لينين وستالين وحروب الأفغان والبلقان، والحروب العرقية بإفريقيا والعنصرية؛ كلُّهم يزعمون إصلاح العالم وتطهيره..
وهذا الذبح وإراقة الدماء لا يستثنى منه أحد، فالرئيس الطاغية يقتل مواطنيه، ويلقي عليهم البراميل المحرقة بعد سنين حكمه التي تميزت بالقمع والسجن.. والقائد العسكري يقود جيشه لحروبٍ هوجاءٍ.. ومذهبٌ فارسيٌ مجوسيٌ أصبح القتلُ لديهِ على الهويةِ والاسمِ والطائفية ويقتلوننا باسم الحسين -رضي الله عنه- وهو من فعلهم براء..
ثم جاءنا من باسم الإسلام يَجزُّ الرقاب، ويحرق الإنسان حياً، ويُفجّر ويكفّر ويهدّد الأصدقاء والعلماء، ويقتل الأهل والأقارب، ثم ينسبُ فعله لخلافةٍ شوهاء ليسَ لها إنجازٌ إلا إثارة الفتن وإراقة الدماء!! وأخبار القتل والدماء تتصدر العناوين اليوم.. ونصيب المسلمين منها مؤخراً يزداد حتى صرت تتساءل أين عقول البشر؟!
لقد استحقَّ هذا العصر فعلاً أن يسمَّى زمان القتل وإراقة الدماء مع ظهورٍ للفتن، وهنا تأتي أهمية اللجوء لنصوص الشرع والعودةِ للكتابِ والسنة وفهمها، والحديث بوضوحٍ وبلا مجاملة (وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام: 153].
ونحن لا نستغرب تحذيره -صلى الله عليه وسلم- حين يقول: "بين يدي الساعة يكثر الهرج،
قالوا وما الهرج يا رسول الله؟ قال القتل، لا يدري القاتل لِمَ قَتل ولا المقتول فِيمَ قُتل، قالوا: أكثر مِمَّا نقتله الآن؟
قال: ليس قتلكم للكفار، ولكن قتل بعضكم لبعض، أن يقتل الجارُ جَارَه، وأن يقتل الأخُ أخاه وابن عمه. قالوا: يا رسول الله ومعنا عقولنا يومئذٍ؟ فقال"-صلى الله عليه وسلم-: "إن هؤلاء القوم ذهبت عقولهم، فظنُّوا أنهم على شيء،
وليسوا على شيء" (رواه أحمد وابن ماجه).
فتعالوا لنناقش الأمر ونتحدث بالشرع عن الفتنةِ لنحذر منها، فهذا زمنٌ يدع الحليم حيرانَ.. ترى أُناساً يفرّطون في نعمةِ الأمن في الأوطان بممارساتِ الإرهاب والتفجيرِ والتكفير.. وغيرهم يُسرف في النعم ويبذر وإخوانه المسلمين في حاجة شديدة والبعض يُشغل المجتمع بقضايا تافهةٍ كالعصبية للقبائل والأندية .
لكن اللافت في هذا الزمن هو رُخص الدماءِ والاستهانةِ بها التي تُدمي قلوبنا كلَّ يومٍ، وكأن دمَ الإنسان الذي أكرمه ربه وفضَّله لا يساوي شيئاً عندهم يُراقُ ظلماً وعدواناً، يأتي أسامة بن زيد للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الحبيب إليه فيقول إن رجلاً بالمعركة شهر عليه السيف، فقال: لا إله إلا الله، فقتله، فأنكر عليه -صلى الله عليه وسلم- أشد الإنكار، وقال: "أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟" فقال: إنما قالها خوفاً من السيف؟ فقال: "هلا شققت عن قلبه؟! فماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة"؟! يقول أسامة فتمنيت أني أسلمت يومئذ" (رواه الطبراني).
ويبعث -صلى الله عليه وسلم- خالدَ بن الوليد إلى قومٍ يدعوهم للإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ثم قتل الأسرى، فلما أُخبر -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين" (رواه البخاري).
هذا هو الشرع في الجهاد والتعامل مع الغير، ومن نيته الإصلاح ونصرة الدين فليأخذ الدين بكماله وليعمل نصوص الشرع بعضها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة: 208].
لقد كان منهجه -صلى الله عليه وسلم- واضحًا في التعامل مع أعداء الدين، فلم يلجأ عليه الصلاة والسلام في يوم من الأيام إلى قتل بعض المسلمين من أجل قتل المشركين، وكان جهاد الصحابة والسلف -رضي الله عنهم- بضوابط لا يُسوِّغُ أن يُحرّفها هؤلاء الغلاة لمصالح استخباراتية لمن أسّسهم!!
وليعلم المشارك في هذه الأحداث والفتن والتساهل بإزهاق الأرواح، وتأييد ذلك -عافانا الله وإياكم وشبابنا منها- أنه قد أقدم على أمر عظيم في دين الله -عز وجل-.. أمر لا يسوغ عنه اعتذار ولا تبرير وضرره أكبر من نفعه
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: 93]،
فليت شعري! من يسمع هذا الوعيد كيف يجرؤ على قتل نفسه أو قتل نفسٍ حرَّمها الله تعالى؟!
وكيف ترخص النفس المسلمة والنبي -صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة ويقول:
"ما أعظمك! وما أطيب ريحك! والذي نفسي بيده لدم المسلم أعظم وأطيب عند الله منك"!!
إن ضوابط الشريعة تمنعنا من التجاوز والتعدي، قد يتجاوز هؤلاء الكفرة والطغاة والمجوس بالقتل؛ لأن دينهم قام على معاداة الغير، ولكن إذا تجاوز المسلم فإنه يُنبَّه ويُنصَح وإن خرج على الدين وجماعة المسلمين وإمامهم فإنه يُعاقَب..
تتدمر بلدان المسلمين اليوم بالثورات والتفجير والتكفير وإراقة الدماء بلا عقلٍ ولا رويّة، وبتعجلٍ وهمجيةٍ، وإضعافٍ للأمة، وتشويهٍ للجهاد، وتعطيلٍ لنصوص الشرع وتأويلٍ وغلوٍّ واستهانةٍ بالدماء، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال المرء في فُسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا" (رواه البخاري).
وديننا جاء بمراعاة المصالح والمفاسد في الجهاد والعمل لنصرة هذا الدين، بناء لمصالح وقواعد (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 108]،
انتهج ذلك -صلى الله عليه وسلم- في سيرته الزكية، فترك قتلَ المنافقين الذين كفروا بعد إيمانهم، والقرآن يتنزل بخيانتهم وأفعالهم حتى قبيل موته ورأى في دين الله فسحة بترك قتلهم خشية من مفسدة أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه..
وكان -صلى الله عليه وسلم- يُفرِّق بين من نصره وحماه من المشركين، وبين من عاداه وآذاه وآذى أصحابه، وعامةُ الأمة عملت عبر التاريخ بهذا المنهج النبوي.. هذا هو الجهاد المبني على الشرع والعقل والمصلحة، وليس عبث متعجلين براياتهم السوداء أو جنون السفهاء، فالأمة ترى جهاداً حقيقيّاً في فلسطين لتحرير المسجد الأقصى ومقاومة الغاصبين، وترى المرجعية للعلماء ولولاة الأمر في إقامة الجهاد في أي بلدٍ لا أن تقوده العاطفة وتحكمه العجلة، وتشوهه التصرفات الهوجاء بالقتل بآراء تكفيرية غالية أو بالتسرّع في تطبيق أحكام الإسلام وحدوده حسب آرائهم بلا تدرّجٍ، وبطريقةٍ تُنفّر منها الناس وتبغضهم إياها، ودفعٍ بالشباب لمواقع الفتن والسفر إليها ليكونوا في براثن الغلو والانحراف والأسر والمذلة باسم الجهاد..
وارتكاب الكبائر المتُوعَّدُ عليها في القرآن بالوعيد الشديد بالقتل أو الخطف، وسرعةٍ للاختلاف والتفرّق فيما بينهم.. وغسلٍ للأدمغةِ عبر وسائل التواصل ليحّولوهم جنوداً لخلافتهم لا يفكرون بعقل ويتسلطون على أهلهم وأقاربهم مع نزع الرحمة من قلوبهم عياذاً بالله..
فإذا كان -صلى الله عليه وسلم- قد قال: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا" (أخرجه البخاري)،
فكيف إذاً بدم المسلم والقريب، وبالحديث "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه" (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ).
ولما أجارت أم هانئ -رضي الله عنها- وهي امرأةٌ رجلاً مشركًا عام الفتح، وأراد أحد الصحابة قتله أخبرته -صلى الله عليه وسلم- فقال: "قد أجرنا مَن أجرتِ يا أم هانئ" (متفقٌ عليه).
والله نستغرب كل يوم كيف يوجد مَن يتعاطف مع مثل هذا الفكر رغم غلوّه وخطره ومجانبته للشرع من صغار العقول التي تتلقفه وتنفذ أوامره بلا تفكير، وكأنه لا يوجد ببلادنا علماء ولا نظام، ويأخذون من وسائل التواصل هذه دينهم وجهادهم ولا حول ولا قوة إلا بالله!!
وهنا تأتي أهمية حاجتنا للبرامج العلاجية المهمة لمثل هذه الفتن والاستهانة بالدماء والتكفير يقوم بها التعليم والإعلام والدولة والمساجد والعلماء..
أما دور الأسرة فيبقى أساسيّاً في الانتباه والحرص داخل البيت، فهذه الأجهزة التي يجلس أولادنا عندها بالساعات جعلت العالم كله قريةً واحدة، مفتوحة بالفكر من خير وشر وهنا تأتي أهمية تقوية الإيمان وزرع مراقبة الله،
والمحافظة على الصلاة، والرفقة الطيبة الصالحة والرعاية الأسرية فهي حمايةٌ للأسرة من كل شر..
والإهمالُ والغفلةُ أو القسوةُ غيرُ المبرّرة سببٌ للشرور كلّها..
إننا ندعو شبابنا للعقل والرويّة، والحذر من وسائل اتصالٍ خارجية وليشاوروا أهلَ العلم.. وإذا رأيت ما يُشكلُ عليك ويُطرحُ في وسائل التواصل فاسأل عنه وابحث عن المعلومة ولا تُسلم نفسك لمن يُوجِّهك بلا علمٍ..
ثم لنعلم أيها الإخوة أن تلك التصرفات تحاربها مناهج التعليم لدينا، ولا يرضاها العلماء الشرعيون الربانيون، ويحاربها مجتمعُنا ككلّ.. والمناهجُ الدينيّة لدينا مبنيَّة على قولِ الله ورسوله الحقّ، والحقُّ خيرٌ كلّه للبشرية، ولا يترتّب عليه باطل، وإذا شذَّ في الفكر شاذّ فشذوذه على نفسه (وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) [النساء: 111].
وما يمارسه البعض بإلصاق هذا التطرف والغلو بمناهجنا القائمة أو لحلقات التحفيظ فإنه ظلمٌ يجانب الحقيقة بالاتهام والتأليب كذباً وبهتاناً على الدولة التي أقامت برامج التحفيظ ومراكزها،
وكلامهم تجاوز يستحق العقوبة؛ لأنهم يساهمون بزيادة الغلو والتطرف، وفعلهم إرهابٌ مماثل..
اللهم اكفنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن،
منقول
السليماني
04-23-2025, 01:27 PM
التحذير من التكفير بغير بيِّنة .
كفّرني صهري ، بناءً على فهم محدد عنده : أن كل جاهل مرتكب للشرك لا يمكن أن يكون مسلماً ، على أني شخصياً لا أرتكب الشرك - والعياذ بالله - لكني أعذر الآخرين بالجهل ، وهو أمر لا نقاش فيه بالنسبة له ، فكل جاهل- حسب وجهة نظره - يمكنه التعلم ، وبالتالي لا عذر له. ويقول بما أني لا أكفّرهم ففي توحيدي دخن ، وعليه فإني خارج دائرة الإسلام . فهل هذا صحيح ؟
الجواب
الحمد لله.
أولا :
لا يجوز التساهل في تكفير المسلم أو تفسيقه ؛ لما في ذلك من الافتراء على الله ، والافتراء على عباده المسلمين ، ولا يجوز تكفير المسلم أو تفسيقه إلا إذا جاء بما يوجب ذلك قولا أو فعلا بدلالة الكتاب والسنة .
وكذا لا يجوز تكفيره أو تفسيقه ، إلا بعد استيفاء شروط التكفير أو التفسيق ، وانتفاء موانعه .
ومن الشروط : أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافراً أو فاسقاً .
ومن الموانع : أن يكون متأولا ، أو عنده بعض الشُّبَه التي يظنها أدلة ، أو كان بحيث لا يستطيع فهم الحجة الشرعية على وجهها ، فالتكفير لا يكون إلا بتحقق تعمد المخالفة وارتفاع الجهالة .
انظر جواب السؤال رقم : (85102) لمعرفة ضوابط التكفير .
ثانياً :
الصواب في مسألة العذر بالجهل : أن المسلم الذي ثبت إسلامه ، لا يزول عنه إسلامه بمجرد الشبهة ، بل لا يزول عنه إلا بيقين ، وبتحقق قيام الحجة عليه ، وانقطاع عذره بها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ صَاحِبِهِ وَيُقَالُ مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ ، لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي قَالَهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا " انتهى من " مجموع الفتاوى " (23/ 345) .
ومن موانع التكفير ، وأعذار المخالف ، أيا ما كانت مخالفته : فرعية أو شرعية ، فقهية أو عقدية : الجهل ؛ فمن عمل عملا ، وهو يجهل أن الله حرم ذلك العمل عليه : لم يؤاخذ بما عمله ، ولم تترتب عليه آثار ذلك العمل ، حتى يُعَرَّف ، وتقام عليه الحجة ، وتتبين له المحجة . قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) التوبة/115 .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي : أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى وَعَاصِيًا أُخْرَى وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا : وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ . وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ " انتهى من " مجموع الفتاوى " (3/229) .
وقال أيضا :
" وَإِذَا عُرِفَ هَذَا ، فَتَكْفِيرُ " الْمُعَيَّنِ " مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ - بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ - لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا كُفْرٌ. وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ " الْمُعَيَّنِينَ " مَعَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ وَبَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ . وَمَنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ ." انتهى من " مجموع الفتاوى " (12/501) .
وقال أيضا ، في شأن بعض ما يقع فيه الجهال من أمور شرك العبادة :
" وهذا الشركُ إذا قامت على الإنسان الحجةُ فيه ولم يَنتهِ، وَجَبَ قتلُه كقتلِ أمثالِه من المشركين، ولم يُدفَنْ في مقابرِ المسلمين، ولم يُصَلَّ عليه . وإمَّا إذا كان جاهلاً لم يَبلُغْه العلمُ، ولم يَعرِف حقيقةَ الشرك الذي قاتلَ عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المشركين، فإنه لا يُحكَم بكُفْرِه، ولاسِيَّما وقد كَثُر هذا الشركُ في المنتسبين إلى الإسلام، ومن اعتقدَ مثلَ هذا قُربةً وطاعةً فإنه ضَالٌّ باتفاقِ المسلمين، وهو بعد قيامِ الحجة كافر." انتهى من " جامع المسائل " (3/151) .
ونصوص شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا السياق : كثيرة جدا ، لا يستع المقام لجمعها .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :
" وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم ، الذي على عبد القادر ، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي ، وأمثالهما ، لأجل جهلهم ، وعدم من ينبههم ، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ، أو لم يكفر ويقاتل ؟ (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ )" انتهى من " الدرر السنية " (1/104) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" إذا قلنا : هذا كفر : فلا نحكم على كل فاعل أن يكون كافراً ؛ لأنه قد يكون معذوراً ، أو يشتبه عليه الحق ، أو يكون مضطراً ارتكب هذا للضرورة ، فنصبر حتى نتبين حال هذا المرء ، فإذا تبين حاله وأن الرجل عنده علم ، ولكنه تجرأ على ما يصل به إلى الكفر ؛ كفَّرناه " انتهى من " لقاء الباب المفتوح " (6/ 37) [بترقيم الشاملة ] .
والقول بأن كل جاهل يمكنه التعلم قول غير صحيح ، لأن الجهل أصناف ، فهذا جاهل لا يعلم ، ولا يتمكن من العلم بسبب كبر سنه أو ضعف عقله ، وهذا جاهل بسبب تأويل عرض له ، وهذا جاهل بسبب شبهة ، وهذا جاهل بسبب حديث سمعه ، وهذا جاهل بسبب فهم فاسد ، وهذا جاهل بسبب شيخ جاهل يثق به ، إلى غير ذلك ، وعامة هؤلاء جهلة معذورن ، بخلاف الجاهل المعاند فإنه لا يعذر .
وينظر للفائدة : جواب السؤال رقم : (215338) ، ورقم : (111362 ) ، ورقم : (192564) .
ومن الدراسات الجيدة النافعة في هذه المسألة المهمة ، كتاب : " إشكالية العذر بالجهل في البحث العقدي " ، للشيخ الفاضل سلطان العميري ، وهو مطبوع متداول ، ومتاح على شبكة الإنترنت أيضا .
ثانيا :
قول من قال : " من لم يكفر الكافر ، فهو كافر " ؛ ليس على إطلاقه ، وليس هذا نصا لكتاب الله ، ولا سنة رسوله ، ولا إجماعا ثابتا للمسلمين ، واجب العصمة .
ولا شك أن إطلاقه ، على ما جاء في السؤال : باطل ، لا يشك في بطلانه من كانت له أدنى معرفة بالشرع المطهر .
وما زال العلماء يخلتفون في شأن الساحر : هل هو كافر ، أو ليس بكافر ، ولم نسمع أحدا من أهل العلم والدين ، ممن يقول بكفر الساحر ، قال : إن من لم يكفر الساحر ، فهو كافر !!
وما زال الناس يختلفون في " تارك الصلاة كسلا " ، ولم نرَ ولم نسمعْ أحدا ممن قال بكفر تارك الصلاة ، قديما أو حديثا ، يقول : إن من لم يكفر تارك الصلاة فهو كافر.
وهكذا الشأن في أمر عذر الجاهل ، فمن قال : إن الجاهل معذور بجهله ، لا يقول إن ما فعله صواب ، مقبول ، بل يقول إنه فعله خطأ ، أو كفر ، بحسب حاله ، وإن كان نفس الفاعل لا يحكم عليه بتكفير أو تفسيق إلا بعد البيان ، وقيام الحجة الرسالية عليه .
وأما مراد أهل العلم ، أو من أطلق نحوا من هذه العبارة منهم ؛ إنما مرادهم بذلك : من لم يكفر الكافر الأصلي الذي يدين بغير ملة الإسلام ، أو من صحح مذهب أهل الضلال المخالفين لما هو معلوم من الدين بالضرورة ، الواقعين في كفر لا اختلاف فيه ، من غير تأويل ، أو جهل يعذورن فيه ، على ما سبق بيانه من حكم الجاهل .
وهذه طائفة من أقوال العلم ، يتضح بها ما قررناه هنا :
قال القاضي عياض رحمه الله :
" ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة الإسلام من الملل ، أو وقف فيهم ، أو شك أو صحح مذهبهم ، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده ، واعتقد إبطال كل مذهب سواه : فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك " انتهى من " الشفا " (851) ط . دبي .
وقد قال قبل ذلك ـ أيضا ـ في إبطال قول من لم يكفر العوام والبله من اليهود والنصارى ، ونحوهم ؛ قال :
" وقائل هذا كله كافر ، بالإجماع على كفر من لم يكفر أحداً من النصارى واليهود ، وكل من فارق دين المسلمين ، أو وقف في تكفيرهم ، أو شك .
قال القاضي أبو بكر لأن التوقيف ، والإجماع : اتفقا على كفرهم ؛ فمن وقف في ذلك فقد كذب النص ، والتوقيف أو شك فيه ؛ والتكذيب ، أو الشك فيه : لا يقع إلا من كافر " انتهى من " الشفا " (846) .
فقد بين أن مناط التكفير هنا : هو من لم يكفر المشركين ، ومن دان بغير ملة الإسلام ، ممن دل " التوقيف " ـ يعني : النص ـ أو الإجماع على كفره .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يَكُونَ مُسْلِمٌ إلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَلَيْسَ بِمُسْلِمِ ، وَمَنْ لَمْ يُحَرِّمْ التَّدَيُّنَ - بَعْدَ مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ؛ بَلْ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ وَيُبْغِضْهُمْ ، فَلَيْسَ بِمُسْلِمِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ." انتهى من " مجموع الفتاوى " (27/464) .
وقال أيضا عن زنادقة " الحلولية " و" الاتحادية " :
" وَأَقْوَالُ هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ أَقْوَالِ النَّصَارَى وَفِيهَا مِنْ التَّنَاقُضِ مِنْ جِنْسِ مَا فِي أَقْوَالِ النَّصَارَى؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ تَارَةً وَبِالِاتِّحَادِ أُخْرَى وَبِالْوَحْدَةِ تَارَةً فَإِنَّهُ مَذْهَبٌ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا يَلْبِسُونَ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ .
فَهَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِإِجْمَاعِ كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِ هَؤُلَاءِ ، بَعْدَ مَعْرِفَةِ قَوْلِهِمْ ، وَمَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ : فَهُوَ كَافِر، كَمَنْ يَشُكُّ فِي كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ" . انتهى من " الفتاوى " (2/368) ، وينظر أيضا قوله في " الدروز " وعقيدتهم وحكمهم : (35/162) .
وقال الشيخ منصور البهوتي ، رحمه الله :
" (أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ) أَيْ تَدَيَّنَ (بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ كَالنَّصَارَى) وَالْيَهُودِ (أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ) فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ آل عمران/ 85 " انتهى من " كشاف القناع " (6/170) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :
" ومن لم يكفر الكافر : فهو مثله ، إذا أقيمت عليه الحجة ، وأبين له الدليل ، فأصر على عدم التكفير، كمن لا يكفر اليهود أوالنصارى أو الشيوعيين أو نحوهم ممن كفره لا يلتبس على من له أدنى بصيرة وعلم" انتهى من " مجموع فتاوى ابن باز " (7/415) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" من كفِّره الله : يجب علينا أن نُكفره ، ومن لم يكفره الله : حرم علينا أن نكفره .
ومن ظننا أن فعله كفر : فإنه لا يحل أن نكفره بمجرد الظن ، حتى يقوم دليلٌ واضح على كفره " انتهى من " فتاوى نور على الدرب " (8/ 2) [ بترقيم الشاملة ] .
وقد نبه على نحو مما ذكرناه هنا أيضا : جمع من أهل العلم ، كالشيخ عبد العزيز الراجحي ، حفظه الله ، في " شرح تطهير الاعتقاد " للصنعاني ، والشيخ صالح آل الشيخ ، والشيخ ناصر العقل ، كلاهما في " شرح الطحاوية " .
وينظر في بيان التأويل الذي يعذر به صاحبه : جواب السؤال رقم : (192564 ) .
والله تعالى أعلم .
https://islamqa.info/ar/answers/220526/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B0%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86%D8%A9
السليماني
08-11-2025, 01:09 PM
لارتكابه جرائم إرهابية.. تنفيذ حكم القتل تعزيرًا في مواطن بالمنطقة الشرقية
أصدرت وزارة الداخلية، اليوم، بيانًا بشأن تنفيذ حكم القتل تعزيرًا في مواطِن لارتكابه جرائم إرهابية، فيما يلي نصه:
قال الله تعالى (وَلَا تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)، وقال تعالى (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، وقال تعالى (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَاد)، وقال تعالى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
أقدم / ناصر بن محمد بن منصور الركيبي ـ سعودي الجنسية ـ على ارتكاب جرائم إرهابية تمثلت في المشاركة في عملية إرهابية نتج عنها مقتل خمسة أشخاص والتستر على منفذيها، وتمويل الأعمال الإرهابية، والإخلال بأمن المجتمع واستقراره.
وبفضل من الله تمكنت الجهات الأمنية من القبض على المذكور، وأسفر التحقيق معه عن توجيه الاتهام إليه بارتكاب تلك الجرائم، وبإحالته إلى المحكمة المختصة صدر بحقه حُكم يقضي بثبوت ما نسب إليه وقتله تعزيرًا، وأصبح الحُكم نهائيًا بعد تأييده من مرجعه، وصدر أمر ملكي بإنفاذ ما تقرر شرعًا. وتم تنفيذ حُكم القتل تعزيرًا بحق/ ناصر بن محمد بن منصور الركيبي ـ سعودي الجنسية ـ يوم الاثنين 17/ 02/ 1447هـ الموافق 11/ 08/ 2025م بالمنطقة الشرقية.
ووزارة الداخلية إذ تعلن عن ذلك لتؤكد للجميع حرص حكومة المملكة العربية السعودية على استتباب الأمن وتحقيق العدل وتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية في كل من يتعدى على الآمنين أو يسفك دماءهم، وينتهك حقهم في الحياة والأمن، وتحذر في الوقت نفسه كل من تسول له نفسه الإقدام على مثل ذلك بأن العقاب الشرعي سيكون مصيره.
السليماني
09-24-2025, 08:55 PM
ضوابط التكفير
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الحكم بالتكفير والتفسيق: منهج الكتاب والسنة
الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا، بل هو إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة،
فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يكفر ولا يفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه.
خطر التساهل في تكفير المسلم وآثاره
والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته، حتى يَتَحَقَّقَ زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي. ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
الثاني: الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالماً منه.
ففي صحيحي البخاري (6104) ومسلم (60) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا وفي رواية: إِن كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيهِ .
ضوابط التكفير
وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:
أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.
الثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين، بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه، وتنتفي الموانع.
شروط التكفير
ومن أهم الشروط:
أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافراً أو فاسقاً؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) النساء/115.
وقوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ التوبة/115.
ولهذا قال أهل العلم: لا يكفر جاحد الفرائض إذا كان حديث عهد بإسلام حتى يُبَيَّنَ له.
ومن الموانع أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه، ولذلك صور:
منها: أن يكره على ذلك، فيفعله لداعي الإكراه، لا اطمئناناً به، فلا يكفر حينئذ؛ لقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ النحل/106.
ومنها: أن يُغلَقَ عليه فِكرُهُ، فلا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو خوف أو نحو ذلك.
ودليله ما ثبت في صحيح مسلم (2744) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ .
ومن الموانع أن يكون متأولا: يعني أن تكون عنده بعض الشبه التي يتمسك بها ويظنها أدلة حقيقية، أو يكون لم يستطع فهم الحجة الشرعية على وجهها، فالتكفير لا يكون إلا بتحقق تعمد المخالفة وارتفاع الجهالة.
قال تعالى: ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً الأحزاب/5
يقول ابن تيمية رحمه الله "مجموع الفتاوى" (23/349):
" فالإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ترحم عليهم (يعني الخلفاء الذين تأثروا بمقالة الجهمية الذين زعموا القول بخلق القرآن، ونصروه)
واستغفر لهم، لعلمه بأنه لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال ذلك لهم " انتهى.
ويقول رحمه الله "مجموع الفتاوى" (12/180):
" وأما التكفير فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقاً. وقد يكون له حسنات ترجح على سيئاته " انتهى.
وقال رحمه الله (3/229):
" هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية... "
وذكر أمثلة ثم قال:
" وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين.. "
إلى أن قال: " والتكفير هو من الوعيد؛ فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.
وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين. ففعلوا به ذلك، فقال الله: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له.
فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك.
والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا " انتهى.
(مستفاد من خاتمة القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين رحمه الله مع بعض الزيادات).
وإذا كان أمر التكفير بهذه المثابة، والخطر والخطأ فيه شديد؛ فالواجب على طالب العلم، خاصة إذا كان مبتدئا، أن يتوقى الخوض في ذلك، وأن ينشغل بتحصيل العلم النافع الذي يصلح به أمر معاشه ومعاده.
أهمية الرجوع إلى أهل العلم
قبل أن نشير عليك بشيء من الكتب، فإننا ننصحك بأن تستعين في تعلمك بأهل العلم من أهل السنة؛ فإن ذلك هو الطريق الأسهل والأكثر أمنا، لكن شريطة أن يكون ذلك الذي تأخذ عنه من الموثوق في علمه ودينه، واتباعه للسنة، وبعده عن الأهواء والبدع.
قال مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رحمه الله: (إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ) رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
فإن لم يتيسر لك، في مكانك أن تحضر دروس أهل العلم، فيمكنك أن تستعين بأشرطتهم، وقد أصبح الحصول عليها عن طريق الأقراص، أو المواقع الإسلامية أكثر سهولة، والحمد لله. ثم يمكنك أيضا أن تنتفع ببعض طلاب العلم، الذين يحرصون على العلم الشرعي، واتباع السنة، وقلما يخلو منهم مكان، إن شاء الله.
كتب مقترحة للقراءة
من الكتب التي ينبغي أن تعتني باقتنائها، والنظر والدراسة فيها:
التفسير: تفسير الشيخ ابن سعدي، وتفسير ابن كثير.
الحديث: الأربعين النووية، مع أحد شروحها، والاهتمام بجامع العلوم والحكم لابن رجب، ثم رياض الصالحين، مع زيادة العناية بهذا الكتاب المبارك، ويمكنك الاستعانة بشرح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله له.
العقيدة: تهتم بكتاب التوحيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، مع شرح ميسر له، والعقيدة الواسطية، لشيخ الإسلام ابن تيمية. مع بعض الرسائل النافعة في هذا الباب، مثل: تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب، والتحفة العراقية في الأعمال القلبية لابن تيمية.
-الاستعانة بزاد المعاد لابن القيم رحمه الله، وكثير من كتبه، مثل: الوابل الصيب، والداء والدواء.
وهذه مجموعة مبدئية، ومع المطالعة، لا سيما إن وجدت من يعينك على القراءة والفهم، فسوف تزداد معرفتك بالكتب النافعة والمهمة لك، شيئا فشيئا، إن شاء الله.
للحصول على شرح موسع، راجع الإجابات التالية: (212566، 219786، 92785، 218441، 178080، 225270، 220526).
والله أعلم.
المراجع
المصدر:
الإسلام سؤال وجواب
السليماني
11-27-2025, 07:41 PM
المَبْحَثُ الأوَّلُ: من قواعد وضوابط التَّكفير عند أهل السُّنَّة: يَحرُمُ تكفيرُ المُسلِمِ بغَيرِ حَقٍّ
عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه سَمِعَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((لا يَرمي رجُلٌ رجُلًا بالفُسوقِ، ولا يَرميه بالكُفرِ، إلَّا ارتَدَّتْ عليه، إنْ لم يكنْ صاحِبُه كذلك )) .
وفي لَفظٍ: ((ومَنْ دعا رجُلًا بالكُفرِ -أو قال: عَدُوُّ اللهِ- وليس كذلك، إلَّا حار عليهـ)) .
قال ابنُ هُبَيرةَ: (فيه شِدَّةُ الحَظرِ على من رمى أخاه المُسْلِمَ بالكُفْرِ، فإنَّه بهذا الحديثِ على يقينٍ من ارتدادِها إليه إن لم يكُنْ أخوه كما ادَّعاه؛ فلْيحذَرْ أن يقولَها أبدًا لِمن هو من أمْرِه في شَكٍّ، وكذلك أن يرميَه بالفِسْقِ فإنَّه على سبيلِه في ارتدادِه عليه إنْ لم يكُنْ كما ذَكَره بيَقينٍ) .
2- وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّما امرِئٍ قال لأخيه: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحَدُهما؛ إن كان كما قال، وإلَّا رجَعَت عليهـ)) .
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (المعنى فيه عند أهلِ الفِقهِ والأثَرِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: النَّهيُ عن أن يُكَفِّرَ المسلِمُ أخاه المسلِمَ بذَنبٍ، أو بتأويلٍ لا يُخرِجُه من الإسلامِ عند الجميعِ؛ فورد النَّهيُ عن تكفيرِ المسلِمِ في هذا الحديثِ وغيرِه بلَفظِ الخَبَرِ دونَ لَفظِ النهيِّ، وهذا موجودٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ، ومعروفٌ في لسانِ العَرَبِ... وهذا غايةٌ في التحذيرِ مِن هذا القَولِ، والنَّهيِ عن أن يقالَ لأحدٍ مِن أهلِ القِبلةِ: يا كافِرُ) .
وقال المناوي: («قال لأخيه» أي: في الإسلامِ «كافِرٌ، فقد باء بها أحَدُهما» أي: رجع بها أحَدُهما «فإن كان كما قال» أي: كان في الباطِنِ كافِرًا «وإلا» أي: وإن لم يكُنْ كذلك «رجَعَت عليه» أي: فيَكفُرُ) .
وقال ابنُ عاشور: (قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((من قال لأخيه يا كافِرُ، فقد باء هو بها ))؛ لأنَّه إذا نَسَب أخاه في الدِّينِ إلى الكُفرِ فقد أخذ في أسبابِ التفريقِ بين المسلِمين وتوليدِ سَبَبِ التقاتُلِ، فرجَعَ هو بإثمِ الكُفرِ؛ لأنَّه المتسَبِّبُ فيما يتسَبَّبُ على الكُفرِ، ولأنَّه إذا كان يرى بعضَ أحوالِ الإيمانِ كُفرًا، فقد صار هو كافِرًا؛ لأنَّه جعل الإيمانَ كُفرًا) .
3- وعن ثابتِ بنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللهُ عنه عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ومَنْ رمى مُؤمِنًا بكُفرٍ، فهو كقَتلِه )) .
قال ابنُ بطال: (معنى قَولِه: «من رمى مُؤمِنًا بكُفرِ فهو كقَتْلِه» يعني في تحريمِ ذلك عليه، واللهُ أعلَمُ) .
وقال ابنُ القَيِّم: (من الكبائِرِ تكفيرُ مَنْ لم يُكَفِّرْه اللهُ ورَسولُهـ)
-----------------------------
(1) أخرجه البخاري (6045) واللَّفظُ له، ومسلم (61) بنحوه.
(2) أخرجه البخاري (6045) بنحوه ، ومسلم (61) واللَّفظُ له.
(3) يُنظر: ((الإفصاح)) (2/ 170).
(4) أخرجه البخاري (6104) مختصرا، ومسلم (60) واللَّفظُ له.
(5) يُنظر: ((التمهيد)) (17/14-22).
(6) يُنظر: ((فيض القدير)) (3/ 136).
(7) يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/ 12).
(8) أخرجه البخاري (6105) مُطَوَّلًا.
(9) يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) (6/ 104).
(10) يُنظر: ((إعلام الموقعين)) (6/577).
السليماني
11-29-2025, 08:48 PM
المَبْحَثُ الثَّاني: من قواعِدِ وضَوابِطِ التَّكفيرِ عند أهلِ السُّنَّةِ: عدَمُ التَّكفيرِ بكُلِّ ذَنبٍ
من عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة أنَّهم لا يُكَفِّرون أحدًا من أهلِ القِبلةِ بكُلِّ ذَنبٍ ما لم يستحِلَّه، ويقصِدون الذَّنبَ الذي لا يَكفُرُ صاحِبُه.
قال ابنُ أبي العِزِّ: (امتنع كثيرٌ من الأئمَّةِ عن إطلاقِ القَوْلِ بأنَّا لا نُكَفِّرُ أحدًا بذَنبٍ، بل يقال: لا نكُفِّرُهم بكُلِّ ذَنبٍ، كما تفعَلُه الخوارجُ، وفَرْقٌ بين النَّفيِ العامِّ، ونَفْيِ العُمومِ) .
فالنفيُ العامُّ قد يُفهَمُ منه عدمُ تكفيرِ المعَيَّنِ مُطلقًا مهما عَمِلَ من الذُّنوبِ، ولو عَمِلَ ناقِضًا من نَواقِض الإسلامِ، أمَّا نفيُ العمومِ، فيُفهَمُ منه أنَّهم يُكَفِّرون ببعضِ الذُّنوبِ، ولا يكَفِّرون ببَعْضِها.
قال ابنُ تيميَّةَ عن عقيدةِ السَّلَفِ: (وهم مع ذلك لا يُكَفِّرون أهلَ القِبلةِ بمُطلَقِ المعاصي والكبائِرِ، كما يفعَلُه الخوارجُ، بل الأُخُوَّةُ الإيمانيَّةُ ثابتةٌ مع المعاصي، كما قال سُبحانَه وتعالى في آيةِ القِصاصِ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 178] ،
وقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9] ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10] ) .
وقال الهرَّاسُ شارحًا كلامَ ابنِ تيميَّةَ: (ومع أنَّ الإيمانَ المُطلَقَ مركَّبٌ من الأقوالِ والأعمالِ والاعتقاداتِ؛ فهي ليست كُلُّها بدرجةٍ واحدةٍ، بل العقائِدُ أصلٌ في الإيمانِ، فمَنْ أنكر شيئًا مما يجِبُ اعتقادُه في اللهِ أو ملائِكَتِه أو كُتُبِه أو رُسُلِه أو اليومِ الآخِرِ أو ممَّا هو معلومٌ من الدِّينِ بالضَّرورةِ؛ كوُجوبِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، وحُرمةِ الزِّنا والقَتْلِ… إلخ؛ فهو كافِرٌ، قد خرجَ من الإيمانِ بهذا الإنكارِ) .
وقال ابنُ عثيمين في شَرْحِه لكلامِ ابنِ تيميَّةَ أيضًا: (فالمُسْلِمُ عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ لا يكفُرُ بمُطلَقِ المعاصي والكبائِرِ... والفَرْقُ بين الشَّيءِ المطلَقِ ومُطلَقِ الشَّيءِ: أنَّ الشَّيءَ المُطلَقَ يعني الكمالَ، ومُطلَقُ الشَّيءِ يعني: أصلَ الشَّيءِ.
فالمُؤمِنُ الفاعِلُ للكبيرةِ عِندَه مُطلَقُ الإيمانِ؛ فأصلُ الإيمانِ موجودٌ عنده، لكِنْ كمالُه مفقودٌ. فكلامُ المؤلِّفِ رحمه الله دقيقٌ جِدًّا...
آيةُ القِصاصِ هي قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: 178] والمراد بـ «أخيه» هو المقتولُ.
ووجهُ الدَّلالةِ من هذه الآيةِ على أنَّ فاعِلَ الكبيرةِ لا يَكفُرُ: أنَّ اللهَ سَمَّى المقتولَ أخًا للقاتِلِ، مع أنَّ قَتْلَ المُؤمِنِ كبيرةٌ من كبائِرِ الذُّنوبِ.
وقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9] ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10] ) .
------------------------
(1) يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 433).
(2) يُنظر: ((العقيدة الواسطية)) (ص: 113).
(3) يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) للهراس (ص: 234).
(4) يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (2/ 237-239).
https://dorar.net/aqeeda/2735/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%8A%D8%B1-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A3%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D8%B9%D8%AF%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D9%83%D9%84-%D8%B0%D9%86%D8%A8
السليماني
11-30-2025, 09:28 AM
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: من قواعِدِ وضَوابِطِ التَّكفيرِ عندَ أهلِ السُّنَّةِ: مَنْ ثَبَت إسلامُه بيَقينٍ فلا يجوزُ تَكفيرُه إلَّا بيَقينٍ
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (كُلُّ مَنْ ثَبَت له عَقْدُ الإسلامِ في وَقتٍ بإجماعٍ مِنْ المُسلِمينَ، ثمَّ أذنَبَ ذَنبًا أو تأوَّلَ تأويلًا، فاختَلَفوا بعدُ في خُروجِه من الإسلامِ؛ لم يكنْ لاختِلافِهم بعدَ إجماعِهم معنًى يُوجِبُ حُجَّةً، ولا يُخرَجُ مِنْ الإسلامِ المُتَّفَقِ عليه إلَّا باتِّفاقٍ آخَرَ، أو سُنَّةٍ ثابتةٍ لا مُعارِضَ لها) .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (مَنْ ثَبَت إسلامُه بيَقينٍ لم يَزُلْ ذلك عنه بالشَّكِّ، بل لا يزولُ إلَّا بعد إقامةِ الحُجَّةِ، وإزالةِ الشُّبهةِ).
وقال ابنُ نجيم: (وفي جامِعِ الفُصُولَينِ روى الطَّحاوي عن أصحابِنا: لا يُخْرِجُ الرَّجلَ من الإيمانِ إلَّا جُحودُ ما أدخله فيه، ما تُيُقِّنَ أنَّه رِدَّةٌ، يُحكَمُ بها، وما يُشَكُّ أنَّه رِدَّةٌ لا يُحكَمُ بها؛ إذ الإسلامُ الثَّابتُ لا يزولُ بشَكٍّ، مع أنَّ الإسلامَ يعلو، وينبغي للعالمِ إذا رُفِعَ إليه هذا ألَّا يبادِرَ بتكفيرِ أهلِ الإسلامِ... وفي الفتاوى الصُّغرى: الكُفرُ شَيءٌ عَظيمٌ، فلا أجعَلُ المؤمِنَ كافِرًا متى وُجِدَت روايةٌ أنَّه لا يَكْفُرُ اهـ... وفي التَّتارخانيَّة: لا يُكَفَّرُ بالمحتَمَلِ؛ لأنَّ الكُفرَ نهايةٌ في العقوبةِ، فيَستدعي نهايةً في الجِنايةِ، ومع الاحتمالِ لا نهايةَ اهـ.... والذي تحرَّر أنَّه لا يُفتى بتكفيرِ مُسلمٍ أمكَنَ حَملُ كلامِه على مَحمَلٍ حَسَنٍ، أو كان في كُفْرِه اختلافٌ ولو روايةً ضعيفةً) .
وقال مُحمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّاب: (مَنْ أظهَرَ الإسلامَ وظَنَنَّا أنَّه أتى بناقضٍ، لا نُكَفِّرُه بالظَّنِّ؛ لأنَّ اليَقينَ لا يَرفَعُه الظَّنُّ).
وقال ابنُ عُثَيمين: (الأصلُ فيمن يَنتَسِبُ للإسلامِ بَقاءُ إسلامِه حتى يُتحَقَّقَ زوالُ ذلك عنه بمُقتضى الدَّليلِ الشَّرعيِّ، ولا يجوزُ التَّساهُلُ في تكفيرِهـ)
-------------------
(1) يُنظر: ((التمهيد)) (17/21).
(2) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/466).
(3) يُنظر: ((البحر الرائق)) (5/134).
(4) يُنظر: ((الدرر السنية)) (10/112).
(5) يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين)) (2/133).
https://dorar.net/aqeeda/2737/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D9%85%D9%86-%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%8A%D8%B1-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A3%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AB%D8%A8%D8%AA-%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%87-%D8%A8%D9%8A%D9%82%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%AC%D9%88%D8%B2-%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%8A%D8%B1%D9%87-%D8%A5%D9%84%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%82%D9%8A%D9%86
السليماني
12-06-2025, 04:01 PM
المَبْحَثُ الرَّابعُ: من قواعِدِ وضَوابِطِ التَّكفيرِ عند أهلِ السُّنَّةِ: الحُكمُ بالظَّاهِرِ
قال النووي: (القاعِدةُ المعروفةُ في الفِقهِ والأصولِ: أنَّ الأحكامَ يُعمَلُ فيها بالظَّاهِرِ، واللهُ يتولَّى السَّرائِرَ) .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ الإيمانَ الذي عُلِّقَت به أحكامُ الدُّنْيا، هو الإيمانُ الظَّاهِرُ، وهو الإسلامُ، فالمسَمَّى واحِدٌ في الأحكامِ الظَّاهرةِ) .
وقال أيضًا: (الإيمانُ الظَّاهِرُ الذي تجري عليه الأحكامُ في الدُّنْيا لا يستلزِمُ الإيمانَ في الباطِنِ الذي يكونُ صاحِبُه من أهلِ السَّعادةِ في الآخِرةِ) .
وقال الشَّاطبي: (إنَّ أصلَ الحُكمِ بالظَّاهِرِ مَقطوعٌ به في الأحكامِ خُصوصًا، وبالنِّسبةِ إلى الاعتقادِ في الغيرِ عُمومًا؛ فإنَّ سَيِّدَ البَشَرِ مع إعلامِه بالوَحْيِ يُجري الأمورَ على ظواهِرِها في المنافِقين وغيرِهم، وإن عَلِمَ بواطِنَ أحوالِهم، ولم يكُنْ ذلك بمُخْرِجِه عن جَرَيانِ الظَّواهِرِ على ما جَرَت عليهـ) .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (كُلُّهم أجمعوا على أنَّ أحكامَ الدُّنْيا على الظَّاهِرِ، واللهُ يتوَلَّى السَّرائِرَ) .
وأدِلَّةُ هذه القاعِدةِ كثيرةٌ؛ منها:
أولًا: قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء: 94] .
قال الشوكاني: (أي: لا تقولوا لِمن ألقى إليكم التَّسليمَ، فقال: السَّلامُ عليكم: لستَ مُؤمِنًا، والمرادُ نهيُ المُسْلِمين عن أن يُهمِلوا ما جاء به الكافِرُ ممَّا يُستدَلُّ به على إسلامِه، ويقولوا: إنَّه إنَّما جاء بذلك تعوُّذًا وتَقِيَّةً) .
ثانيًا: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ )) .
قال القَسطَلانيُّ: (فإن قلتَ: لم خَصَّ الثَّلاثةَ بالذِّكرِ من بين الأركانِ وواجباتِ الدِّينِ؟ أُجيبَ بأنَّها أظهَرُ وأعظَمُ وأسرَعُ عِلمًا؛ لأنَّ في اليومِ تُعرَفُ صلاةُ الشَّخصِ وطعامُه غالبًا؛ بخلافِ الصَّومِ والحَجِّ كما لا يخفى) .
وقال محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ: (إنَّ مَنْ أظهَرَ التَّوحيدَ والإسلامَ وَجَب الكَفُّ عنه إلى أن يتبيَّنَ منه ما يُناقِضُ ذلك) .
ثالثًا: عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أُمِرتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، ويقيموا الصَّلاةَ، ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلوا ذلك عَصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحَقِّ الإسلامِ، وحِسابُهم على اللهِ )) .
قال البَغَويُّ: (في الحديثِ دليلٌ على أنَّ أمورَ النَّاسِ في مُعامَلةِ بَعضِهم بعضًا إنَّما تجري على الظَّاهِرِ مِن أحوالِهم دوَن باطِنِها، وأنَّ من أظهَرَ شِعارَ الدِّينِ أُجري عليه حُكمُه، ولم يُكشَفْ عن باطِنِ أمْرِه، ولو وُجِد مختونٌ فيما بين قتلى غُلفٍ، عُزِلَ عنهم في المدفَنِ، ولو وُجِدَ لقيطٌ في بلد المُسْلِمين حُكِمَ بإسلامِهـ) .
وقال ابنُ حَجَر: (فيه دليلٌ على قَبولِ الأعمالِ الظَّاهِرةِ، والحُكمِ بما يقتضيه الظَّاهِرُ) .
رابعًا: عن أُسامةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: بعَثَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَرِيًّةٍ فصَبَّحْنا الحُرُقاتِ مِن جُهَينةَ ، فأدركتُ رجلًا فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فطعَنْتُه، فوقع في نفسي من ذلك، فذكَرْتُه للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أقال: لا إله إلَّا اللهُ وقتَلْتَه؟! )) قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنَّما قالها خوفًا من السِّلاحِ! قال: ((أفلا شَقَقْتَ عن قَلْبِه حتى تعلَمَ أقالها أم لا؟! )) فما زال يُكَرِّرُها عليَّ حتى تمنَّيتُ أني أسلَمْتُ يومَئذٍ .
قال النووي:
(قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أفلا شَقَقْتَ عن قَلْبِه حتى تعلَمَ أقالَها أم لا))؟ الفاعِلُ في قوله: ((أقالَها)) هو القَلْبُ، ومعناه: أنَّك إنَّما كُلِّفْتَ بالعَمَلِ بالظَّاهِرِ، وما ينطِقُ به اللِّسانُ، وأمَّا القَلْبُ فليس لك طريقٌ إلى معرفةِ ما فيه. فأنكَرَ عليه امتناعَه من العَمَل بما ظَهَر باللِّسانِ، وقال: أفلا شقَقْتَ عن قَلْبِه لتنظُرَ: هل قالها القَلْبُ واعتقَدَها وكانت فيه أم لم تكُنْ فيه بل جَرَت على اللِّسانِ فحَسْبُ؟ يعني: وأنت لستَ بقادِرٍ على هذا، فاقتَصِرْ على اللِّسانِ فحَسْبُ) .
----------------------------
(1) يُنظر: ((شرح مسلم)) (2/107).
(2) يُنظر: ((الإيمان)) (ص: 325).
(3) يُنظر: ((الإيمان)) (ص: 166).
(4) يُنظر: ((الموافقات)) (2/467).
(5) يُنظر: ((فتح الباري)) (12/273).
(6) يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (1/579).
(7) أخرجه البخاري (391).
(8) يُنظر: ((إرشاد الساري)) (1/411).
(9) يُنظر: ((كشف الشبهات)) (ص: 48).
(10) أخرجه البخاري (25) واللَّفظُ له، ومسلم (22).
(11) يُنظر: ((شرح السنة)) (1/70).
(12) يُنظر: ((فتح الباري)) (1/77)، ((شرح النووي)) (1/212)، ((جامع العلوم والحكم)) (225).
(13) الحُرُقات من جُهَينة: قومٌ من قبيلةِ جُهينةَ.
(14) أخرجه البخاري (6872)، ومسلم (96) واللَّفظُ له.
(15) يُنظر: ((شرح مسلم)) (2/104).
السليماني
12-13-2025, 09:35 PM
المَبْحَثُ الخامِسُ: من قواعِدِ وضوابِطِ التَّكفيرِ عند أهلِ السُّنَّةِ: التَّثَبُّتُ مِنْ خَبَرِ وُقوعِ المُسْلِمِ في الكُفرِ
قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: 6] .
قال الشوكاني: (المرادُ من التَّبيُّنِ التَّعرُّفُ والتَّفحُّصُ، ومن التَّثبُّتِ: الأناةُ وعَدَمُ العَجَلةِ، والتَّبصُّرُ في الأمرِ الواقِعِ، والخبرِ الواردِ حتى يتَّضِحَ ويَظهَرَ) .
وقال اللهُ سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء: 94] .
قال ابنُ جرير:
(يعني جَلَّ ثناؤه بقَولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا أيُّها الذين صَدَّقوا اللهَ وصَدَّقوا رسولَه، فيما جاءَهم به من عندِ رَبِّهم إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقولُ: إذا سِرْتُم مسَيرًا لله في جهادِ أعدائِكم فَتَبَيَّنُوا يقولُ: فتأنوَّا في قَتْلِ من أشكَلَ عليكم أمْرُه، فلم تَعلَموا حقيقةَ إسلامِه ولا كُفْرِه، ولا تَعجَلوا فتَقْتُلوا من التَبَسَ عليكم أمرُه، ولا تتقَدَّموا على قَتْلِ أحَدٍ إلَّا على قَتْلِ من عَلِمتُموه يقينًا حَربًا لكم وللهِ ولِرَسولِه.
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ يقولُ: ولا تقولوا لِمن استسلم لكم فلم يقاتِلْكم، مُظهِرًا لكم أنَّه من أهلِ مِلَّتِكم ودَعوتِكم لَسْتَ مُؤمِنًا فتَقْتُلوه ابتغاءَ عَرَضِ الحياة الدُّنْيا، يقولُ: طَلَبَ متاعِ الحياةِ الدُّنْيا) .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عنْهمَا أنَّه قال في قوله تعالى: وَلَا تَقُولوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا: (كانَ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ له فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ: السَّلَامُ علَيْكُم، فَقَتَلُوهُ وأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فأنْزَلَ اللَّه في ذلكَ إلى قَوْلِهِ: عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا تِلكَ الغُنَيْمَةُ) .
قال محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ: (لا نُكَفِّرُ مَنْ لا نَعرِفُ منه الكُفرَ؛ بسبَبِ ناقضٍ ذُكِرَ عنه، ونحنُ لم نتحَقَّقْهـ) .
--------------------
(1) يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (5/ 71).
(2) يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/ 351).
(3) أخرجه البخاري (4591) واللفظ له، ومسلم (3025).
(4) يُنظر: ((الدرر السنية)) (10/112).
السليماني
12-25-2025, 07:54 AM
الفَصلُ الثَّالِثُ: تكفيرُ المُعَيَّنِ والفَرْقُ بينه وبين التَّكفيرِ المُطلَقِ
المَطْلَبُ الأوَّلُ: النُّصوصُ المُحَذِّرةُ من إطلاقِ التَّكفيرِ على المُعَيَّنِ دونَ بَيِّنةٍ
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((كان رجُلانِ في بني إسرائيلَ متواخِيَينِ، فكان أحَدُهما يُذنِبُ، والآخَرُ مُجتَهِدٌ في العبادةِ، فكان لا يزالُ المجتَهِدُ يرى الآخَرَ على الذَّنبِ فيقولُ: أقصِرْ، فوجَدَه يومًا على ذنبٍ، فقال له: أقصِرْ، فقال: خَلِّنِي ورَبِّي، أبُعِثْتَ عَليَّ رقيبًا؟! فقال: واللهِ لا يَغفِرُ اللهُ لك -أو لا يُدخِلُك اللهُ الجنَّةَ- فقبَضَ أرواحَهما، فاجتمعا عند ربِّ العالَمين، فقال لهذا المجتَهِدِ: أكنتَ بي عالِمًا؟ أو كنتَ على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمُذنِبِ: اذهَبْ فادخُلِ الجنَّةَ برحمتي. وقال للآخَرِ: اذهَبوا به إلى النَّارِ ))، قال أبو هُرَيرةَ: والذي نفسي بيده، لتكَلَّمَ بكَلِمة أوبَقَت دُنياه وآخِرَتَه .
قال الطِّيبي: (إدخالُه النَّارَ؛ لمجازاتِه على قَسَمِه بأنَّ الله تعالى لا يغفِرُ للمُذنِبِ؛ لأنَّ هذا حُكمٌ على اللهِ تعالى، وجعل النَّاس آيسًا من رحمته، وحُكمٌ بكونِ اللهِ غيرَ غَفورٍ) .
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (إنَّ الأقوالَ الباطِلةَ المبتَدَعةَ المحَرَّمةَ المتضَمِّنةَ نَفيَ ما أثبته الرَّسولُ، أو إثباتَ ما نفاه، أو الأمرَ بما نهى عنه، أو النَّهيَ عمَّا أمر به؛ يقالُ فيها الحَقُّ، ويُثبَتُ لها الوعيدُ الذي دَلَّت عليه النُّصوصُ، ويُبَيَّنُ أنَّها كُفرٌ، ويقالُ: من قالها فهو كافِرٌ، ونحوُ ذلك، كما يُذكَرُ من الوعيدِ في الظُّلمِ في النفوسِ والأموالِ، وكما قد قال كثيرٌ من أهلِ السُّنَّةِ المشاهيرِ بتكفيرِ من قال بخَلْقِ القُرآنِ، وأنَّ اللهَ لا يُرى في الآخِرةِ، ولا يَعلَمُ الأشياءَ قبل وُقوعِها... أمَّا الشَّخصُ المُعَيَّنُ، إذا قيل: هل تشهدون أنَّه من أهلِ الوعيدِ وأنَّه كافِر؟ فهذا لا نشهَدُ عليه إلَّا بأمرٍ تجوزُ معه الشَّهادةُ؛ فإنَّه من أعظَمِ البَغيِ أن يُشهَدَ على مُعَيَّنٍ أنَّ اللهَ لا يَغفِرُ له ولا يرحمُه، بل يُخَلِّدُه في النَّارِ، فإنَّ هذا حُكمُ الكافِرِ بعد الموت... ولأنَّ الشَّخصَ المُعَيَّنَ يمكِنُ أن يكونَ مجتَهِدًا مخطئًا مغفورًا له، أو يمكِنُ أن يكونَ ممَّن لم يبلُغْه ما وراء ذلك من النُّصوصِ، ويمكِنُ أن يكونَ له إيمانٌ عظيمٌ وحسَناتٌ أوجَبَت له رحمةَ اللهِ) .
2- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أيُّما رجُلٍ قال لأخيه: يا كافِرُ، فقد باء بها أحَدُهما )) .
قال ابنُ حَجَرٍ: (... التَّحقيقُ أنَّ الحديثَ سِيقَ لزَجرِ المُسْلِمِ مِن أن يقولَ ذلك لأخيه المُسْلِمِ،... وقيل: معناه: رجَعَت عليه نقيصتُه لأخيه ومعصيةُ تكفيرِه،... فمعنى الحديثِ: فقد رجع عليه تكفيرُه، فالرَّاجِعُ التَّكفيرُ لا الكُفْرُ، فكأنَّه كَفَّر نَفْسَه؛ لكونِه كَفَّر من هو مِثْلُهـ) .
وقال القرطبي: (نعني بهذا أنَّ المقولَ له: كافِرٌ إن كان كافِرًا كُفرًا شَرعيًّا، فقد صدق القائِلُ له ذلك، وذهب بها المقولُ له، وإن لم يكُنْ كذلك، رجَعَت للقائلِ مَعَرَّةُ ذلك القَوْلِ وإثمُهـ) .
قال ابنُ تيميَّةَ: (التَّكفيرُ العامُّ كالوعيدِ العامِّ يَجِبُ القَوْلُ بإطلاقِه وعُمومِه، وأمَّا الحُكمُ على المُعَيَّنِ بأنَّه كافِرٌ أو مشهودٌ له بالنَّارِ، فهذا يَقِفُ على الدَّليلِ المُعَيَّنِ؛ فإنَّ الحُكمَ يَقِفُ على ثبوتِ شُروطِه، وانتفاءِ مَوانِعِهـ) .
وقال أيضًا: (والتَّكفيرُ هو من الوعيدِ) .
فنصوصُ الوَعيدِ مِن القرآنِ والسُّنَّةِ؛ مِثلُ قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10] .
ومِثلُ حديثِ أبي جُحَيفةَ وَهبِ بنِ عبدِ اللهِ السُّوائيِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ، والواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ والمُصَوِّرَ )) .
فهذه الأدِلَّةُ ونَحوُها ينبغي القَوْلُ بموجِبِها على وَجهِ العُمومِ والإطلاقِ مِن غيرِ تَعيينِ شَخصٍ والحُكمِ عليه بأنَّه ملعونٌ أو مُستَحِقٌّ للنَّارِ؛ لإمكانِ التَّوبةِ، أو الحَسَناتِ الماحيةِ، أو بأحَدِ مُكَفِّراتِ الذُّنوبِ، أو بشفاعةِ مَقبولةٍ، فإذا كان ذلك التَّعميمُ واجِبًا في نصوصِ الوعيدِ على ما دون الكُفْرِ فهو أولى وأوجَبُ في النُّصوصِ التي أطلَقَت الحُكمَ بالكُفْرِ على قَولٍ أو فِعلٍ أو اعتقادٍ .
قال ابنُ تيميَّةَ: (كان أهلُ العِلمِ والسُّنَّةِ لا يُكَفِّرونَ من خالفَهم، وإن كان ذلك المخالِفُ يكَفِّرُهم؛ لأنَّ الكُفْرَ حُكمٌ شَرعيٌّ، فليس للإنسانِ أن يعاقِبَ بمثلِه، كمن كَذَب عليك، وزَنى بأهلك، ليس لك أن تكذِبَ عليه، وتزنيَ بأهْلِه؛ لأنَّ الكَذِبَ والزِّنا حرامٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، وكذلك التَّكفيرُ حَقٌّ لله، فلا يُكَفَّرُ إلَّا من كَفَّره اللهُ ورَسولُه، وأيضًا فإنَّ تكفيرَ الشَّخصِ المُعَيَّن وجوازَ قَتْلِه موقوفٌ على أن تبلُغَه الحُجَّةُ النبويَّةُ التي يكفُرُ من خالفها، وإلَّا فليس كُلُّ من جَهِلَ شيئًا من الدِّينِ يَكفُرُ) .
وقال أيضًا: (إنِّي من أعظَمِ النَّاسِ نهيًا عن أن يُنسَبَ مُعَيَّنٌ إلى تكفيرٍ وتفسيقٍ ومعصيةٍ، إلَّا إذا عُلِمَ أنَّه قد قامت عليه الحُجَّةُ الرِّساليَّةُ التي من خالفها كان كافِرًا تارةً، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى) .
وقال محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ تعليقًا على هذا الكلامِ: (هذه صِفةُ كلامِه في المسألةِ في كُلِّ مَوضِعٍ وقَفْنا عليه من كلامِه، لا يذكُرُ عَدَمَ تكفيرِه المُعَيَّنِ إلَّا ويَصِلُه بما يزيلُ الإشكالَ أنَّ المرادَ بالتَّوقُّفِ عن تكفيرِه قبل أن تبلُغَه الحُجَّةُ، وأمَّا إذا بلغَتْه حُكِمَ عليه بما تقتضيه تلك المسألةُ من تكفيرٍ أو تفسيقٍ أو معصيةٍ) .
وكلامُ ابنِ تيميَّةَ في عَدَمِ تكفيرِ المُعَيَّن، وعُذرِ الجاهِلِ المتأوِّلِ: كثيرٌ جِدًّا، ومن ذلك قَولُه:
(ولهذا كنتُ أقولُ للجَهميَّةِ من الحُلوليَّةِ والنُّفاةِ الذين نفوا أنَّ اللهَ تعالى فوق العَرْشِ لَما وقَعَت محنتُهم: أنا لو وافقْتُكم كنتُ كافِرًا؛ لأنِّي أعلَمُ أنَّ قَولَكم كُفرٌ، وأنتم عندي لا تكفرون لأنَّكم جُهَّالٌ، وكان هذا خطابًا لعُلَمائِهم وقُضاتِهم وشُيوخِهم وأمرائِهم) .
وقال أيضًا:
(مذاهِبُ الأئمَّةِ مبنيَّةٌ على هذا التَّفصيلِ بين النَّوعِ والعَينِ؛ ولهذا حكى طائفةٌ عنهم الخِلافَ في ذلك، ولم يفهَموا غورَ قَولِهم، فطائفةٌ تحكي عن أحمدَ في تكفيِر أهلِ البِدَعِ روايتينِ مُطلَقًا، حتى تجعَلَ الخلافَ في تكفيرِ المرجِئةِ والشِّيعةِ المفَضِّلةِ لعليٍّ، وربَّما رجَّحَت التَّكفيرَ والتَّخليدَ في النَّارِ، وليس هذا مذهَبَ أحمد، ولا غيرِه من أئمَّةِ الإسلامِ، بل لا يختَلِفُ قَولُه أنَّه لا يُكَفِّرُ المرجِئةَ الذين يقولون: الإيمانُ قَولٌ بلا عَمَلٍ، ولا يكَفِّرُ من يفَضِّلُ عليًّا على عثمانَ، بل نصوصُه صريحةٌ بالامتناعِ من تكفيرِ الخوارجِ والقَدَريَّة وغيرِهم. وإنَّما كان يُكَفِّرُ الجهميَّةَ المنكِرين لأسماءِ اللهِ وصِفاتِه؛ لأنَّ مُناقضةَ أقوالهم لِما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ظاهِرةٌ بَيِّنةٌ، ولأنَّ حقيقةَ قَولهِم تعطيلُ الخالِقِ، وكان قد ابتُلِيَ بهم حتى عرف حقيقةَ أمْرِهم، وأنَّه يدورُ على التَّعطيلِ، وتكفيرُ الجَهميَّةِ مشهورٌ عن السَّلَفِ والأئِمَّةِ، لكِنْ ما كان يُكَفِّرُ أعيانَهم، فإنَّ الذي يدعو إلى القَوْلِ أعظَمُ من الذي يقولُ به، والذي يعاقِبُ مخالِفَه أعظَمُ من الذي يدعو فقط، والذي يُكَفِّرُ مخالِفَه أعظَمُ من الذي يعاقِبُه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاةِ الأمورِ يقولون بقَولِ الجهميَّةِ: إنَّ القُرآنَ مخلوقٌ، وإنَّ اللهَ لا يُرى في الآخرةِ، وغيرَ ذلك، ويَدْعون النَّاسَ إلى ذلك ويمتَحِنونهم ويعاقِبونَهم إذا لم يجيبوهم، ويُكَفِّرون من لم يُجِبْهم، حتى إنَّهم كانوا إذا أمسكوا الأسيرَ لم يُطلِقوه حتى يُقِرَّ بقَولِ الجَهميَّة: إنَّ القُرآنَ مخلوقٌ، وغير ذلك. ولا يُوَلُّون متوَلِّيًا، ولا يعطون رزقًا من بيتِ المالِ، إلَّا لمن يقولُ ذلك، ومع هذا فالإمامُ أحمد رحمه الله تعالى ترحَّم عليهم، واستغفر لهم؛ لعِلْمِه بأنَّهم لم يتبينْ لهم أنَّهم مُكَذِّبون للرَّسولِ، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأوَّلوا فأخطؤوا، وقَلَّدوا من قال لهم ذلك.
وكذلك الشَّافعيُّ لَمَّا قال لحَفصٍ الفردِ حين قال: القرآنُ مخلوقٌ: كَفَرْتَ باللهِ العَظيمِ. بَيَّن له أنَّ هذا القَوْلَ كُفرٌ، ولم يحكُمْ برِدَّةِ حَفصٍ بمجَرَّدِ ذلك؛ لأنَّه لم يتبيَّنْ له الحُجَّةُ التي يكفُرُ بها، ولو اعتقد أنَّه مرتدٌّ لسعى في قَتْلِه، وقد صَرَّح في كُتُبِه بقَبولِ شَهادةِ أهلِ الأهواءِ، والصَّلاةِ خَلْفَهم)
-----------------
(1) أخرجه أبو داود (4901) واللَّفظُ له، وأحمد (8749). صَحَّحه ابن حبان في ((صحيحهـ)) (5712)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4901)، وحَسَّنه الوادعي في ((الصَّحيح المسند)) (1318)، وصَحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (16/127)، وحَسَّنه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (4901) وقال: متنُه غريبٌ. وجَوَّده العراقي في ((تخريج الإحياء)) (4/187).
(2) يُنظر: ((شرح المشكاة)) (6/ 1851).
(3) يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/436).
(4) أخرجه البخاري (6104) واللَّفظُ له، ومسلم (60).
(5) يُنظر: ((فتح الباري)) (10/466).
(6) يُنظر: ((المفهم)) (1/253).
(7) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/498).
(8) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/231).
(9) أخرجه البخاري (5962) مطولاً.
(10) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (3/230) (10/330) (23/345).
(11) يُنظر: ((الرد على البكري)) (2/492).
(12) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/229).
(13) يُنظر: ((مفيد المستفيد)) (ص: 10).
(14) يُنظر: ((الرد على البكري)) (2/494)، ولكِنْ حَكَم ابن تيميَّةَ بكُفرِ من لا شُبهةَ في كُفْرِه، كالباطنيَّةِ ومن قامت عليه الحُجَّةُ.
(15) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (23/348). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/488).
https://dorar.net/aqeeda/2752/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%B0%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%8A%D8%B1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%8A%D9%86-%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86%D8%A9
السليماني
02-05-2026, 11:16 AM
المَطْلَب الأوَّلُ: قيامُ الحُجَّة
الصَّحيحُ مِن أقوالِ أهلِ العِلمِ أنَّه لا يُكَفَّرُ أحدٌ مِمَّن تَلَبَّسَ بالشِّركِ أو الكُفرِ قَبلَ بُلوغِ الحُجَّةِ التي يَكفُرُ تارِكُها، وقد يكونُ بُلوغُ الحُجَّةِ بالبَيانِ، وقد يكونُ بالحالِ في المَسائِلِ الظَّاهِرةِ الجَلِيَّةِ.
ومِنَ الأدِلَّةِ التي استدَلَّ بها أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ التكفيرَ وإيقاعَ العُقوبةِ في الدُّنيا، والعذابَ في الآخِرةِ، لا يكونُ إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ:
قَولُه تعالى: وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وما كُنَّا مُهلِكي قومٍ إلَّا بعد الإعذارِ إليهم بالرُّسُلِ، وإقامةِ الحُجَّةِ عليهم بالآياتِ التي تَقطَعُ عُذْرَهم) .
وقال ابنُ كثير: (قَولُه تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا إخبارٌ عن عَدْلِه تعالى، وأنَّه لا يُعَذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليه بإرسالِ الرَّسولِ إليه، كما قال تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك: 8، 9]، كذا قَولُه تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر: 71]، وقال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: 37] ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ الدَّالَّةِ على أنَّ اللهَ تعالى لا يُدخِلُ أحدًا النَّارَ إلَّا بعد إرسالِ الرَّسولِ إليهـ) .
وقال الشنقيطيُّ: (ظاهِرُ هذه الآيةِ الكريمةِ: أنَّ اللهَ جَلَّ وعلا لا يعَذِّبُ أحَدًا من خَلْقِه لا في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، حتى يبعَثَ إليه رسولًا يُنذِرُه ويُحَذِّرُه، فيَعصِي ذلك الرَّسولَ، ويستمِرُّ على الكُفرِ والمعصيَّةِ بعد الإنذارِ والإعذارِ، وقد أوضَحَ جَلَّ وعلا هذا المعنى في آياتٍ كثيرةٍ) .
وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] .
قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي: يُبشِّرون من أطاع اللهَ واتَّبَع رِضوانَه بالخيراتِ، ويُنذِرون من خالف أمْرَه وكَذَّب رسُلَه بالعقابِ والعذابِ. وقَولُه: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، أي: أنَّه تعالى أنزل كُتُبَه وأرسل رُسُلَه بالبِشارة والنِّذارةِ، وبين ما يحِبُّه ويرضاه ممَّا يكرَهُه ويأباه؛ لئلَّا يبقى لمعتَذِرٍ عُذرٌ، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: 134] ، وكذا قَولُه تعالى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين [القصص: 47] .
وقد ثبت في الصَّحيحينِ عن ابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا أحَدَ أغيَرُ من اللهِ؛ من أجْلِ ذلك حَرَّم الفواحِشَ ما ظهر منها وما بطن، ولا أحَدَ أحَبُّ إليه المدحُ من اللهِ؛ من أجْلِ ذلك مَدَح نفسَه، ولا أحَدَ أحَبُّ إليه العذرُ من الله؛ من أجْلِ ذلك بعث النبيِّينَ مُبَشِّرين ومُنذِرين )) .
وقال اللهُ تعالى: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ [الملك: 8-9] .
قال ابنُ كثيرٍ: (يذكُرُ تعالى عَدْلَه في خَلْقِه، وأنَّه لا يعَذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليه وإرسالِ الرَّسولِ إليه، كما قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] ) .
وقال اللهُ سُبحانَه: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأنعام: 130] .
قال الشوكاني: (هذا إقرارٌ منهم بأنَّ حُجَّةَ اللهِ لازمةٌ لهم بإرسالِ رُسُلِه إليهم) .
وقال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: 59] .
قال ابنُ عَطِيَّةَ: (معنى الآية: أنَّ اللهَ تعالى يُقيمُ الحُجَّةَ على عِبادِه بالرُّسُلِ، فلا يُعَذِّبُ إلَّا بعد نذارةٍ، وبعد أن يتمادى أهلُ القُرى في ظُلمٍ وطُغيانٍ) .
وقال السَّعديُّ: (من حِكمتِه ورَحمتِه ألَّا يُعَذِّبَ الأُمَمَ بمجَرَّدِ كُفرِهم قبل إقامةِ الحُجَّةِ عليهم، بإرسالِ الرُّسُلِ إليهم؛ ولهذا قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى أي: بكُفْرِهم وظُلْمِهم حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا أي: في القريةِ والمدينةِ التي إليها يَرجِعونَ، ونحوَها يتردَّدون، وكُلُّ ما حولَها ينتَجِعُها، ولا تخفى عليه أخبارُها.
رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا الدَّالَّةَ على صِحَّةِ ما جاء به، وصِدْقِ ما دعاهم إليه، فيَبلُغُ قَولُه قاصِيَهم ودانِيَهم، بخلافِ بَعْثِ الرُّسُلِ في القُرى البعيدةِ، والأطرافِ النائيةِ؛ فإنَّ ذلك مَظِنَّةُ الخَفاءِ والجَفاءِ، والمُدُنُ الأمَّهاتُ مَظِنَّةُ الظُّهورِ والانتشارِ، وفي الغالِبِ أنَّهم أقلُّ جفاءً مِن غَيرِهم.
وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُها ظَالِمُونَ بالكُفرِ والمعاصي، مستحِقُّون للعقوبةِ. والحاصِلُ: أنَّ اللهَ لا يعذِّبُ أحدًا إلَّا بظُلْمِه، وإقامةِ الحُجَّةِ عليهـ) .
وقال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة: 115] .
قال البغويُّ: (معناه: ما كان اللهُ ليَحكُمَ عليكم بالضَّلالةِ بتركِ الأوامِرِ وباستغفارِكم للمُشرِكين، حتى يبيِّنَ لهم ما يتَّقون، يريدُ: حتى يتقَدَّمَ إليكم بالنَّهيِ، فإذا بَيَّن ولم تأخُذوا به، فعند ذلك تستحِقُّون الضَّلالَ) .
وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: 37] .
ويختَلِفُ قيامُ الحُجَّةِ بحَسَبِ الأمكِنَةِ والأزمِنَةِ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (إنَّ الأمكِنةَ والأزمِنةَ التي تَفتُرُ فيها النُّبوَّةُ، لا يكونُ حُكمُ مَن خَفِيَت عليه آثارُ النبُوَّةِ حتى أنكر ما جاءت به خطأً: كما يكونُ حُكمُه في الأمكِنةِ والأزمِنةِ التي ظهَرَت فيها آثارُ النبوَّةِ) .
وقال أيضًا: (فإنَّا بعدَ مَعرِفةِ ما جاء به الرَّسولُ نعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّه لم يَشرَعْ لأمَّتِه أن يدعوَ أحدًا من الأمواتِ لا الأنبياءَ ولا الصَّالحينَ ولا غيرَهم، لا بلَفظِ الاستغاثةِ ولا بغَيْرِها، ولا بلَفظِ الاستعاذةِ ولا بغيرِها، كما أنَّه لم يَشرَعْ لأمَّتِه السُّجودَ لِمَيِّتٍ ولا لغيْرِ ميِّتٍ ونحو ذلك، بل نعلَمُ أنَّه نهى عن كُلِّ هذه الأمورِ، وأنَّ ذلك من الشِّركِ الذي حَرَّمه اللهُ ورَسولُه. لكِنْ لغلَبةِ الجَهلِ وقِلَّةِ العِلمِ بآثارِ الرِّسالةِ في كثيرٍ من المتأخِّرين؛ لم يمكِنْ تكفيرُهم بذلك حتى يتبيَّن لهم ما جاء به الرَّسولُ ممَّا يخالِفُهـ) .
وقال أيضًا: (في أوقاتِ الفَتَراتِ وأمكِنةِ الفَتَراتِ: يثابُ الرَّجُلُ على ما معه من الإيمانِ القليلِ، ويغفِرُ اللهُ فيه لمن لم تَقُمِ الحُجَّةُ عليه ما لا يَغفِرُ به لِمن قامت الحُجَّةُ عليه، كما في الحديثِ المعروفِ: ((يأتي على النَّاسِ زَمانٌ لا يَعرِفونَ فيه صلاةً ولا صيامًا ولا حَجًّا ولا عُمرةً إلَّا الشَّيخُ الكبيُر، والعجوزُ الكبيرةُ. ويقولون: أدرَكْنا آباءَنا وهم يقولون: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فقيل لحُذَيفةَ بن ِاليمانِ: ما تغني عنهم لا إله إلَّا اللهُ؟ فقال: تنَجِّيهم من النَّارِ )) . وأصلُ ذلك أنَّ المقالةَ التي هي كُفرٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ يقالُ: هي كفرٌ، قَولًا يُطلَقُ كما دَلَّ على ذلك الدَّلائلُ الشَّرعيَّةُ؛ فإنَّ الإيمانَ من الأحكامِ المتلَقَّاةِ عن اللهِ ورَسولِه؛ ليس ذلك ممَّا يحكُمُ فيه النَّاسُ بظُنونِهم وأهوائِهم، ولا يجِبُ أن يحكُمَ في كُلِّ شَخصٍ قال ذلك بأنَّه كافِرٌ حتى يثبُتَ في حَقِّه شروطُ التكفيرِ وتنتفي موانِعُه؛ مِثلُ من قال: إنَّ الخَمرَ أو الرِّبا حَلالٌ؛ لقُربِ عَهْدِه بالإسلامِ، أو لنُشوئِه في باديةٍ بعيدةٍ أو سَمِعَ كلامًا أنكره ولم يعتَقِدْ أنَّه من القرآنِ ولا أنَّه من أحاديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كما كان بَعضُ السَّلَف يُنكِرُ أشياءَ حتى يَثبُتَ عنده أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالها، وكما كان الصَّحابةُ يشكُّون في أشياءَ مِثلِ رؤيةِ اللهِ وغيرِ ذلك) .
وقال الذهبيُّ: (لا يأثَمُ أحدٌ إلَّا بعد العِلمِ، وبعد قيامِ الحُجَّةِ عليه، واللهُ لَطيفٌ بعبادِه رَؤوفٌ بهم؛ قال اللهُ تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وقد كان سادةُ الصَّحابةِ بالحَبَشةِ، وينزِلُ الواجِبُ والتَّحريمُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلا يَبلُغُهم تحريمُه إلَّا بعد أشهُرٍ، فهم في تلك الأشهُرِ معذورونَ بالجَهْلِ حتَّى يَبلُغَهم النَّصُّ) .
وقال ابنُ القيم: (قيامُ الحُجَّةِ يختَلِفُ باختلافِ الأزمِنةِ والأمكِنةِ والأشخاصِ؛ فقد تقومُ حُجَّةُ اللهِ على الكُفَّارِ في زمانٍ دونَ زمانٍ، وفي بقعةٍ وناحيةٍ دون أُخرى، كما أنَّها تقومُ على شَخصٍ دون آخَرَ؛ إمَّا لعَدَمِ عَقْلِه وتمييزِه؛ كالصَّغيرِ والمجنونِ، وإمَّا لعَدَمِ فَهْمِه؛ كالذي لا يفهَمُ الخِطابَ، ولم يحضُرْ تَرجمانٌ يُترجِمُ له. فهذا بمنزلةِ الأصَمِّ الذي لا يسمَعُ شيئًا ولا يتمكَّنُ من الفَهمِ) .
ومن أقوالِ العُلَماءِ في عَدِمِ تكفيرِ الجاهِلِ قبل قيامِ الحُجَّةِ عليه ما يلي:
1- قال الشَّافعيُّ: (للهِ أسماءٌ وصِفاتٌ لا يَسَعُ أحدًا قامت عليه الحُجَّةُ ردُّها، فإن خالفَ بَعْدَ ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه، فهو كافِرٌ، فأمَّا قبل ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه فمعذورٌ بالجَهلِ؛ لأنَّ عِلمَ ذلك لا يُدرَكُ بالعَقلِ، ولا بالرَّوِيَّةِ والفِكرِ، ويُثبتُ هذه الصِّفاتِ وينفي عنها التشبيهَ، كما نفى عن نَفْسِه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير [الشورى: 11] ) .
2- قال ابنُ تيميَّةَ: (ليس لأحَدٍ أن يُكَفِّرَ أحدًا مِنَ المسلِمينَ وإن أخطَأَ وغَلِطَ، حتَّى تُقامَ عليه الحُجَّةُ، وتُبَيَّنَ له المحَجَّةُ، ومَن ثَبَت إسلامُه بيقينٍ لم يَزُلْ ذلك عنه بالشَّكِّ، بل لا يَزولُ إلَّا بَعْدَ إقامةِ الحُجَّةِ، وإزالةِ الشُّبهةِ) .
وقال أيضًا: (الشِّركُ إذا قامت على الإنسانِ الحُجَّةُ فيه ولم يَنْتَهِ، وَجَب قَتْلُه، كقَتْلِ أمثالِه مِنَ المُشرِكينَ، ولم يُدفَنْ في مقابِرِ المُسلِمينَ، ولم يُصَلَّ عليه، وأمَّا إذا كان جاهِلًا لم يَبلُغْه العِلمُ، ولم يَعرِفْ حقيقةَ الشِّركِ الذي قاتَلَ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المشركينَ، فإنَّه لا يُحكَمُ بكُفرِه، ولا سِيَّما وقد كَثُر هذا الشِّركُ في المنتَسِبينَ إلى الإسلامِ، ومن اعتَقَد مِثلَ هذا قُربةً وطاعةً فإنَّه ضالٌّ باتِّفاقِ المُسلِمينَ، وهو بَعْدَ قيامِ الحُجَّةِ كافِرٌ) .
وقال أيضًا: (الكتابُ والسُّنَّةُ قد دلَّا على أنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ أحدًا إلَّا بعد إبلاغِ الرِّسالةِ، فمن لم تبلُغْه جملةً لم يُعَذِّبْه رأسًا، ومن بلغَتْه جملةً دون بعضِ التفصيلِ لم يُعَذِّبْه إلَّا على إنكارِ ما قامت عليه الحُجَّةُ الرِّساليَّةُ). ثم ذكر عددًا من الأدِلَّةِ... إلى أن قال: (فمن كان قد آمَنَ باللهِ ورَسولِه، ولم يعلَمْ بعضَ ما جاء به الرَّسولُ، فلم يؤمِنْ به تفصيلًا، إمَّا أنَّه لم يسمَعْه، أو سَمِعَه من طريقٍ لا يجِبُ التصديقُ بها، أو اعتقد معنًى آخَرَ لنوعٍ من التأويلِ الذي يُعذَرُ به، فهذا قد جعل فيه من الإيمانِ باللهِ ورَسولِه ما يوجِبُ أن يُثيبَه اللهُ عليه، وما لم يؤمِنْ به لم تقُمْ عليه به الحُجَّةُ التي يَكفُرُ مخالِفُها) .
وقال أيضًا: (حُكمُ الوعيدِ على الكُفرِ لا يَثبُتُ في حَقِّ الشَّخصِ المعَيَّنِ، حتى تقومَ عليه حُجَّةُ اللهِ التي بعث بها رسُلَهـ) .
3- قال محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ: (وأمَّا الكَذِبُ والبُهتانُ، فمِثلُ قَولِهم: إنَّا نُكَفِّرُ بالعمومِ، ونُوجِبُ الهِجرةَ إلينا على مَن قَدَر على إظهارِ دينِه، وإنَّا نُكَفِّرُ مَن لم يُكَفِّرْ، ومَن لم يقاتِلْ، ومِثلُ هذا وأضعافُ أضعافِه، فكُلُّ هذا من الكَذِبِ والبُهتانِ الذي يَصُدُّونَ به النَّاسَ عن دينِ اللهِ ورَسولِه.
وإذا كنَّا لا نُكَفِّرُ من عَبَد الصَّنَمَ الذي على عبدِ القادِرِ، والصَّنَمَ الذي على قبرِ أحمد البدوي، وأمثالَهما؛ لأجْلِ جَهْلِهم، وعَدَمِ مَن يُنَبِّهُهم، فكيف نكَفِّرُ من لم يُشرِكْ باللهِ إذا لم يُهاجِرْ إلينا، أو لم يُكَفِّرْ ويُقاتِلْ؟ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [ النور: 16] ) .
وقال أيضًا: (إنَّ الذي لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ هو الذي حديثُ عَهدٍ بالإسلامِ، أو الذي نَشَأ بباديةٍ بَعيدةٍ، أو يكونُ ذلك في مَسائِلَ خَفِيَّةٍ، مِثلُ الصَّرفِ والعَطفِ، فلا يُكَفَّرُ حتَّى يُعَرَّفَ) .
وقال أيضًا: (لكِنَّ الشَّخصَ المعَيَّنَ إذا قال ذلك ما يُوجِبُ الكُفرَ فإنَّه لا يُحكَمُ بكُفرِه حتى تقومَ عليه الحُجَّةُ التي يَكفُرُ تارِكُها، وهذا في المَسائِلِ الخَفِيَّةِ التي قد يخفى دليلُها على بَعضِ النَّاسِ،... وأمَّا ما يقَعُ منهم في المَسائِلِ الظَّاهِرةِ الجَليَّةِ، أو ما يُعلَمُ مِنَ الدِّينِ بالضَّرورةِ، فهذا لا يُتوقَّفُ في كُفرِ قائِلِهـ) .
وقال عبدُ اللَّطيفِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: (كان شيخُنا محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ يُقَرِّرُ في مجالِسِه ورسائِلِه أنَّه لا يُكَفِّرُ إلَّا من قامت عليه الحُجَّةُ الرِّساليَّةُ، وإلَّا من عَرَف دينَ الرَّسولِ، وبَعْدَ مَعرفتِه تبيَّن في عداوتِه ومَسَبَّتِه، وتارةً يقولُ: وإذا كُنَّا لا نُكَفِّرُ مَن يَعبُدُ الكوازَ ونحوَه ونُقاتِلُهم، حتى نُبَيِّنَ لهم وندعوَهم، فكيف نُكَفِّرُ من لم يُهاجِرْ إلينا؟) .
وقال أيضًا عنه: (لا يُكَفِّرُ إلَّا بما أجمع المسلِمونَ على تكفيرِ فاعِلِه مِنَ الشِّركِ الأكبَرِ، والكُفرِ بآياتِ اللهِ ورسُلِه، أو بشَيءٍ منها، بعد قيامِ الحُجَّةِ، وبُلوغِها المعتَبَرِ)
وقال أيضًا: (شَيخُنا رحمه الله قد قرَّر هذا وبَيَّنَه وِفاقًا لعُلَماءِ الأُمَّةِ، واقتداءً بهم، ولم يكفِّرْ إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ وظُهورِ الدَّليلِ، حتى إنَّه رحمه الله توقَّف في تكفيرِ الجاهِلِ مِن عُبَّادِ القُبورِ إذا لم يتيسَّر له مَن ينبِّهُه، وهذا هو المرادُ بقول الشَّيخُ ابنُ تيميَّةَ رحمه الله تعالى: «حتى يتبَيَّنَ لهم ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا حَصَل البيانُ الذي يَفهَمُه المخاطَبُ ويَعقِلُه فقد تبيَّنَ له»، وليس بين «بيَّن» و«تبيَّن» فرقٌ بهذا الاعتبارِ؛ لأنَّ كُلَّ من بُيِّن له ما جاء به الرَّسولُ، وأصَرَّ وعانَدَ، فهو غيرُ مُستجيبٍ، والحُجَّةُ قائِمةٌ عليهـ) .
وقال سُلَيمانُ بن سحمانَ: (الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ رحمه الله من أعظَمِ النَّاسِ توقُّفًا وإحجامًا عن إطلاقِ الكُفرِ، حتَّى إنَّه لم يَجزِمْ بتكفيرِ الجاهِلِ الذي يدعو غيرَ اللهِ مِن أهلِ القُبورِ أو غيرِهم، إذا لم يتيسَّرْ له من يَنصَحُه، ويُبَلِّغُه الحُجَّةَ التي يَكفُرُ تارِكُها. قال في بعضِ رَسائِلِه: وإنْ كُنَّا لا نُكَفِّرُ مَن عَبَد قُبَّةَ الكوازِ؛ لجَهْلِهم وعدَمِ مَن يُنَبِّهُهم، فكيف من لم يهاجِرْ إلينا؟ وقال -وقد سُئِلَ عن مِثلِ هؤلاء الجُهَّالِ- فقَرَّر أنَّ من قامت عليه الحُجَّةُ، وتأهَّل لمعرفتهِا، يَكفُرُ بعِبادةِ القُبورِ) .
4- قال عَبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن: (بَقِيَ مسألةٌ حَدَثَت، تكَلَّم بها شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ، وهو: عدمُ تكفيرِ المعَيَّنِ ابتداءً؛ لسَبَبٍ ذَكَره رحمه اللهُ تعالى، أوجَبَ له التوقُّفَ في تكفيرِه قبلَ إقامةِ الحُجَّةِ عليه. قال رحمه اللهُ تعالى: ونحن نَعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّ النَّبيَّ لم يَشرَعْ لأحدٍ أن يدعوَ أحدًا مِن الأمواتِ؛ لا الأنبياءَ ولا الصَّالحينَ ولا غيرَهم، لا بلَفظِ الاستغاثةِ، ولا بغَيرِها، كما أنَّه لم يَشرَعْ لأمَّتِه السُّجودَ لِمَيِّتٍ، ولا إلى مَيِّتٍ، ونحو ذلك، بل نَعلَمُ أنَّه نهى عن هذه الأمورِ كُلِّها، وأنَّ ذلك مِنَ الشِّركِ الذي حَرَّمه اللهُ ورَسولُه، ولكِنْ لغَلَبةِ الجَهْلِ، وقِلَّةِ العِلمِ بآثارِ الرِّسالةِ في كثيرٍ مِن المتأخِّرينَ، لم يُمكِنْ تكفيرُهم بذلك حتى يُبَيَّنَ ما جاء به الرَّسولُ ممَّا يخالِفُه. انتهى. قُلتُ: فذكر رحمه الله تعالى ما أوجب له عَدَمَ إطلاقِ الكُفرِ عليهم، على التعيينِ خاصَّةً، إلَّا بعد البيانِ والإصرارِ؛ فإنَّه قد صار أمَّةً وَحْدَه؛ لأنَّ من العُلَماءِ من كَفَّره، بنهيه لهم عن الشِّركِ في العبادةِ، فلا يمكِنُ أن يعامِلَهم بمثلِ ما قال، كما جرى لشيخِنا محمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ رحمه الله تعالى، في ابتداءِ دَعوتِه؛ فإنَّه إذا سمعهم يدعون زيدً بنَ الخَطَّابِ، قال: اللهُ خيرٌ من زيدٍ، تمرَّينا لهم على نَفْيِ الشِّركِ، بلينِ الكلامِ، نظرًا إلى المصلحةِ، وعَدَمِ النُّفرةِ) .
5- قال سُلَيمانُ بنُ سحمانَ: (لا تقومُ الحُجَّةُ إلَّا بمن يُحسِنُ إقامتَها، وأمَّا من لا يُحسِنُ إقامتَها، كالجاهِلِ الذي لا يَعرِفُ أحكامَ دينِه، ولا ما ذَكَره العُلَماءُ في ذلك، فإنَّه لا تقومُ به الحُجَّةُ فيما أعلَمُ. واللهُ أعلَمُ) .
6- جاء في فتوى اللَّجنةِ الدَّائِمةِ للبُحوثِ العِلميَّةِ والإفتاءِ: (يختَلِفُ الحُكمُ على الإنسانِ بأنَّه يُعذَرُ بالجَهْلِ في المَسائِلِ الدِّينيَّةِ، أو لا يُعذَرُ؛ باختِلافِ البلاغِ وعَدَمِه، وباختِلافِ المسألةِ نَفْسِها وُضوحًا وخَفاءً، وتَفاوُتِ مَدارِكِ النَّاسِ قُوَّةً وضَعفًا) .
7- سُئِلَ عبدُ الرَّزَّاق عفيفي عن القُبوريِّينَ الذين يَعتَقِدونَ في الموتى، ويَطلُبونَ منهم، فقال: (هم مرتدُّونَ عن الإسلامِ إذا أُقيمَت عليهم الحُجَّةُ، وإلَّا فهم معذورونَ بجَهْلِهم) .
8- قال ابنُ عثيمين: (الجَهْلُ بالمكَفِّرِ على نوعينِ: الأوَّلُ: أن يكونَ مِن شَخصٍ يَدِينُ بغَيرِ الإسلامِ...النَّوعُ الثَّاني: أن يكونَ مِن شَخصٍ يَدِينُ بالإسلامِ ولكِنَّه عاش على هذا المكَفِّرِ، ولم يكُنْ يخطُرُ ببالِه أنَّه مخالِفٌ للإسلامِ، ولا نبَّهَه أحَدٌ على ذلك، فهذا تجري عليه أحكامُ الإسلامِ ظاهِرًا، أمَّا في الآخرةِ فأمْرُه إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ، وقد دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ، وأقوالُ أهلِ العِلمِ)
------------------
(1) يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/526).
(2) يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/ 52).
(3) ينظر: ((أضواء البيان)) (3/ 65).
(4) أخرجه البخاري (4637)، ومسلم (2760) باختلاف يسير. وأخرجه البخاري (7416)، ومسلم (1499) باختلاف يسير من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(5) ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/475).
(6) ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 178).
(7) ينظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/ 185).
(8) ينظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/ 293).
(9) ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 621).
(10) يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/ 396).
(11) يُنظر: ((بغية المرتاد)) (ص: 311).
(12) يُنظر: ((الاستغاثة في الرد على البكري)) (ص: 411).
(13) أخرجه ابن ماجه (4049)، والحاكم (8636)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (2028) باختلافٍ يسيرٍ من حديثِ حُذَيفةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عنه. صَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجهـ)) (4049)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (303)، وصَحَّح إسنادَه البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (2/307)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((سير أعلام النبلاء)) (12/321) وقال: على شَرطِ مُسلمٍ، وقوَّاه ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/19)، وجَوَّده ابن باز في ((الفوائد العلمية)) (2/569).
(14) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (35/ 165).
(15) يُنظر: ((الكبائر)) (ص: 110).
(16) يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 414).
(17) يُنظر: ((مختصر العلو)) (ص: 177).
(18) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/ 466).
(19) يُنظر: ((جامع المسائل)) (3/151)
(20) أي: تفصيلًا.
(21) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/493)، (17/308).
(22) يُنظر: ((بغية المرتاد)) (ص: 311).
(23) يُنظر: ((الدرر السنية)) (1/104). وردت هذه العبارة في ((منهاج التأسيس)) لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ص: 89) بلفظ: (وإنَّا لا نُكَفِّرُ إلَّا مَن كَفَّره اللهُ ورَسولُه مِن المشركينَ عُبَّادِ الأصنامِ، كالذين يَعبُدونَ الصَّنَمَ الذي على قَبرِ عبد القادِرِ، والصَّنمَ الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالَهما) لكِنَّها خطأٌ مِنَ النَّاسِخِ، والصَّوابُ ما أثبتناه، بدلالةِ أنَّ كُلَّ مَن نَقَلها من تلاميذِه وأتباعِه نَقَلها بهذا اللَّفظِ. انظر: ((تاريخ ابن غنام)) (1/455) وهو من تلاميذه، ((صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان)) للسهسواني (408)، ((مناهج أهل الحق والاتِّباع)) لسليمان بن سحمان (ص: 74)، ((لقاء الباب المفتوح)) لابن عثيمين (98/15)، وأكَّد هذا اللَّفظَ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في كتابه الآخر ((مصباح الظلام)) (ص: 84) بقوله: (فإذا كان هذا كلامَ الشَّيخِ رحمه الله فيمن عَبَد الصَّنَمَ الذي على القُبورِ إذا لم يتيسَّرْ له من يُعَلِّمُه ويُبَلِّغُه الحُجَّةَ، فكيف يُطلِقُ على الحَرَمينِ: إنَّها بلادُ كُفرٍ؟! والشَّيخُ على منهاجٍ نَبويٍّ وصِراطٍ مُستقيمٍ، يُعطي كُلَّ مَقامٍ ما يُناسِبُه من الإجمالِ والتَّفصيلِ).
(24) يُنظر: ((الدرر السنية)) (10/93).
(25) يُنظر: ((الدرر السنية)) (10/433).
(26) يُنظر: ((منهاج التأسيس)) (ص: 222).
(27) يُنظر: ((الدرر السنية)) (1/467).
(28) يُنظر: ((مصباح الظلام)) (ص 499).
(29) يُنظر: ((الضياء الشارق)) (ص: 372).
(30) يُنظر: ((الدرر السنية)) (2/210).
(31) يُنظر: ((منهاج أهل الحق)) (85).
(32) يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (2/147).
(33) يُنظر: ((فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي)) (ص: 371).
(34) يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (2/130).
https://dorar.net/aqeeda/2759/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%82%D9%8A%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A9
السليماني
06-02-2026, 08:45 AM
المَطْلَب الثَّاني: فَهمُ الحُجَّةِ
لا بُدَّ أن يكونَ بُلوغُ الحُجَّةِ مُعتَبَرًا ، بأن يَفهَمَه المخاطَبُ ويَعقِلَه .
قال اللهُ تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النحل: 82] .
قال ابنُ جرير: (يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإن أدبر هؤلاء المشركونَ -يا محمَّدُ- عمَّا أرسَلْتُك به إليهم من الحَقِّ، فلم يستجيبوا لك وأعرَضوا عنه، فما عليك من لومٍ ولا عَذلٍ؛ لأنَّك قد أدَّيت ما عليك في ذلك؛ إنَّه ليس عليك إلَّا بلاغُهم ما أُرسِلْتَ به، ويعني بقَولِه: الْمُبِينُ الذي يُبِينُ لِمن سَمِعَه حتى يَفْهَمَه) .
وقال ابنُ حزمٍ: (كُلُّ ما قُلْنا فيه: إنَّه يَفسُقُ فاعِلُه أو يَكفُرُ بعد قيام الحُجَّةِ عليه، فهو ما لم تَقُمِ الحُجَّةُ عليه معذورٌ مأجورٌ، وإن كان مخطِئًا، وصِفةُ قيامِ الحُجَّةِ عليه أن تبلُغَه، فلا يكونُ عندَه شيءٌ يقاوِمُها، وباللهِ التوفيقُ) .
وقال ابنُ القيم: (العذابُ يُستحَقُّ بسببينِ؛ أحَدُهما: الإعراضُ عن الحُجَّةِ وعَدَمُ إرادةِ العِلمِ بها وبموجِبِها. الثَّاني: العنادُ لها بعد قيامِها، وتَرْكُ إرادةِ مُوجِبِها. فالأوَّلُ: كُفرُ إعراضٍ، والثَّاني: كُفرُ عنادٍ. وأمَّا كُفرُ الجَهلِ مع عَدَمِ قيامِ الحُجَّةِ وعدَمِ التمكُّنِ من معرفتِها، فهذا الذى نفى اللهُ التعذيبَ عنه حتى تقومَ حُجَّةُ الرُّسُلِ) .
وقال أبو السُّعودِ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة: 6] : (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ويتدبَّرَه ويطَّلِعَ على حقيقةِ ما تدعو إليه، والاقتصارُ على ذِكْرِ السَّماعِ لعَدَمِ الحاجةِ إلى شيءٍ آخرَ في الفَهمِ؛ لكَونِهم من أهلِ اللَّسَنِ والفَصاحةِ) .
وقال حمد بن معمر: (كُلُّ من بلَغَه القرآنُ فليس بمعذورٍ؛ فإنَّ الأصولَ الكِبارَ -التي هي أصلُ دينِ الإسلامِ- قد بَيَّنها اللهُ في كتابِه، ووضَّحَها وأقام بها الحُجَّةَ على عبادِه، وليس المرادُ بقيامِ الحُجَّةِ أن يفهَمَها الإنسانُ فَهمًا جَلِيًّا كما يفهَمُها من هَداه الله، ووَفَّقه وانقاد لأمْرِه) .
وعَلَّق عليه محمد رشيد رضا قائلًا: (هذا القَيدُ الذي قَيَّد الشَّيخُ به الفَهمَ هنا قد أزال اللَّبسَ الذي يتبادَرُ إلى الذِّهنِ من بعضِ إطلاقاتِه في مواضِعَ أُخرى، واتَّبَعه فيه بعضُ عُلَماءِ نَجدٍ؛ فصار بعضُهم يقول بأنَّ الحُجَّةَ تقوم على النَّاسِ ببُلوغِ القرآنِ، وإن لم يفهَمْه من بلَغَه مُطلقًا. وهذا لا يُعقَلُ، ولا يتَّفِقُ مع قَولِه تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [النساء: 115] الآية. الذي بنى عليه المحقِّقون قَولهم: إنَّ فَهمَ الدَّعوةِ بدليلِها شرطٌ لقيامِ الحُجَّةِ، وقد عَلِمْنا من هذا القيدِ أنَّ الفَهمَ الذي لا يشترِطُه الشَّيخُ، هو فِقهُ نُصوصِ القُرآنِ المؤثِّرُ في النَّفسِ، الحامِلُ لها على تَرْكِ الباطِلِ، كما يفقَهُها من اهتدى بها. ففَهْمُ التفَقُّهِ في الحقيقةِ أخصُّ من فَهمِ المعنى اللُّغَويِّ، كما يدُلُّ عليه استعمالُ القُرآنِ، وحديثُ ((من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْه في الدِّيِن )) متَّفَق عليه ،
وفي روايةٍ حَسَنةٍ زيادةُ "ويُلهِمه رُشْدَه" . والمشركون الَّذين شَبَّههم اللهُ بالصُّمِّ البُكمِ المختومِ على قلوبِهم، والمطبوعِ عليها، والمجعولِ عليها الأكِنَّةُ: كُلُّهم قد فهموا مدلولَ آياتِ القُرآنِ في التوحيدِ والبعثِ والرِّسالةِ؛ لأنَّهم أهلُ اللُّغةِ، وقد أُنزِلَت بأفصَحِ أساليبِها) .
وقال سُلَيمانُ بنُ سَحمانَ: (الذي يظهَرُ لي -واللهُ أعلَمُ- أنَّها لا تقومُ الحُجَّةُ إلَّا بمن يُحسِنُ إقامَتَها، وأمَّا من لا يحسِنُ إقامتَها كالجاهِلِ الذي لا يَعرِفُ أحكامَ دينِه، ولا ما ذكَرَه العُلَماءُ في ذلك، فإنَّه لا تقومُ به الحُجَّةُ) .
وقال محمَّدُ رشيد رضا: (من لم يفهَمِ الدَّعوةَ لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ) .
وقال ابنُ عثيمين: (الحُجَّةُ لا تقومُ إلَّا إذا بَلَغت المكَلَّفَ على وَجهٍ يَفهَمُها... وأمَّا من بلَغَه النَّصُّ ولكِنَّه لم يَعرِفْ منه معنًى أصلًا، كرجُلٍ أعجَميٍّ بلَغَه النَّصُّ باللُّغةِ العَرَبيَّةِ، ولكِنْ لا يدري ما معنى هذا النَّصِّ، فهذا لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ بلا شَكٍّ، ودليلُ هذا قَولُ اللهِ تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: 4]
أي: بعد البَيانِ بهذا اللِّسانِ الذي يَفهَمونَه يُضِلُّ اللهُ من يَشاءُ، فلا يَقبَلُ، ويَهْدي من يَشاءُ فيَقبَلُ. وأيُّ فائدةٍ لرجُلٍ أعجَميٍّ يُقرَأُ عليه القُرآنُ مِن لسانٍ عَربيٍّ، وهو لا يدري ما هو؟ ... فالذي نرى: أنَّه لا بدَّ مِن بُلوغِ الحُجَّةِ، وفَهمِ مَعناها على وَجهٍ يتبَيَّنُ له الحَقُّ) .
------------------------
(1) عَبَّرَ عن ذلك عبدُ اللطيفِ بنُ حَسَن بقَولِه: (بعد قيامِ الحُجَّةِ، وبُلوغِها المعتَبَرِ). ((الدرر السنية)) (1/467).
(2) يُنظر: ((الدرر السنية)) (1/467)، ((مصباح الظلام)) لعبد اللطيف بن حسن (ص 499)، ((تفسير ابن عثيمين - الزخرف)) (ص: 390).
(3) يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/324).
(4) يُنظر: ((الإحكام)) (1/74).
(5) يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 414).
(6) يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/ 44).
(7) يُنظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)) (5/638).
(8) أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037) مطولًا من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
(9) أخرجها الطبراني (19/340) (786) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
(10) يُنظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)) (5/638).
(11) يُنظر: ((منهاج أهل الحق والاتباع)) (ص: 85).
(12) يُنظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)) (5/514).
(13) يُنظر: ((لقاء الباب المفتوح)) (رقم اللقاء: 98).
https://dorar.net/aqeeda/2761/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A9
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir