ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الكتب الإسلامية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=62)
-   -   شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30201)

ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:03 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(256)

- (باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف) إلى (باب إذا قيل للرجل: صليت؟ هل يقول: لا؟)
نهى عليه الصلاة والسلام عن مسابقة الإمام في الصلاة، وقد رتب على ذلك الوعيد الشديد، ويستحب لمن صلى ألا ينصرف حتى ينصرف إمامه، ويجوز للإمام أن يتخطى رقاب الناس للحاجة، كما يجوز لمن سئل: هل صليت؟ أن يقول: ما صليت.
النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة
شرح حديث: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة.أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي، ثم قال: والذي نفسي بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، قلنا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار)].
يقول النسائي رحمه الله: باب النهي عن مبادرة الإمام في الانصراف من الصلاة. ومراد النسائي رحمه الله أن الإمام يجب الائتمام به، ومتابعته، وأنه لا يسابق في شيء من أعمال الصلاة من أولها إلى آخرها، ومن ذلك الخروج منها بالسلام، فإنه لا يسلم قبل سلام الإمام، وكما أنه لا يسابق الإمام في أي عمل من الأعمال فأيضاً لا يوافق، وإنما يتابع بعدما يفرغ الإمام من العمل الذي هو كونه يسلم، أو كونه يقول: الله أكبر، أو يقول: سمع الله لمن حمده، فإنه بعدما يفرغ من الشيء الذي عليه يتابعه المأموم، كما سبق أن مر في بعض الأحاديث، أنه قال: (إنني أسجد قبلكم وأرفع قبلكم، فهذه بتلك)، يعني: اللحظة التي سبقتكم فيها أنتم جئتم بعدي، وكذلك عند الانتهاء منها، فهم أيضاً يتأخرون تبعاً له، فتكون هذه بتلك، ومعناه: أن الفترة التي مكثوها تماثل الفترة التي مكثها الإمام، إلا أن الإمام يتقدمهم وهم يتأخرون بعده، فلا يسابقونه، ولا يوافقنه، ولا يتأخرون عنه كثيراً؛ لأن أحوال متابعة الإمام، أو الائتمام به له أربعة أحوال:
مسابقة وهي: التقدم عليه وسبقه في الأعمال. وموافقة وهي: أنه مثله تماماً، لا يتقدم عليه ولا يتأخر. ومتابعة وهي: كونه يأتي بعده مباشرة. وتأخر: وهي: أن يتخلف عنه كثيراً، فهذه الأعمال التي يؤتم بالإمام فيها، فإذا حصلت المسابقة، أو الموافقة، أو التخلف الكثير، فإن هذا لا يسوغ، وإنما الذي هو مطلوب هو المتابعة بدون موافقة وبدون تأخر.
وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [إني إمامكم]، ومعنى كونه (إمامهم): أنهم يأتمون به، وإلا فلماذا يتقدم الإمام ليصلي بالناس، يعني: لو كان الإنسان يصلي كما يشاء، أو يتقدم على الإمام، إذاً ما فائدة الإمام، ثم أيضاً هذا الذي يسابق الإمام، ماذا يستفيد من هذه المسابقة، كما قال بعض السلف: إذا علم الإنسان أنه لا يسلم قبل الإمام، ولا يخرج من الصلاة قبل الإمام، إذاً ما فائدة المسابقة، ومعناه: أنه إخلال في الصلاة وكون الإنسان لم يؤد الصلاة، مع أنه بمسابقته لم يخرج من الصلاة قبل الإمام، فلم يخرج منها ولم ينته منها قبل انتهاء الإمام.
إذاً: فلابد من المتابعة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف]، والانصراف هو السلام والخروج من الصلاة، فهو يتابع في جميع أعمال الصلاة من بدايتها إلى نهايتها حتى الانصراف منها؛ الذي هو السلام الذي يكون به الانصراف، والذي يحصل به تحليل الصلاة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، يعني: يحل للإنسان بعد التسليم ما كان محرماً عليه بعد التحريم الذي هو قول: الله أكبر؛ تكبيرة الإحرام، ويحل له ما كان محرماً عليه بعد التكبير، فيرجع الأمر إلى الحالة التي كان عليها قبل التحريم؛ يعني: قبل أن يدخل في تكبيرة الإحرام، أما بعدما أن يسلم فيعود الأمر إلى ما كان عليه، معناه: يتكلم، يشرب، يتحدث؛ لأنه خرج من الصلاة، فالصلاة بداية تحريمها هي تكبيرة الإحرام، ونهاية تحريمها التسليم.
قوله: [فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي ومن وراء ظهري]، أي: ومن خلفي، وهذا يبين أنه يطلع على ما يحصل منهم من المسابقة، وأن الله تعالى أقدره على ذلك، وأطلعه على ذلك، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، يعني: كونه يراهم من وراء ظهره كما يراهم من أمامه عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: [لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قالوا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: الجنة والنار]، فالجنة يحصل البكاء شوقاً، ورغبة، وحذراً من فواتها، وخوفاً من فواتها، والنار خوفاً منها، فالخوف من النار، وما فيها من الأهوال والأفزاع إذا تذكرها الإنسان فإنه يقل ضحكه، ويكثر بكاؤه، أو يحصل بكاؤه، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: [لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً]، لكنهم ما رأوا هذا ولا شاهدوه، والنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ما لم يطلعهم عليه، ولم يطلع الناس عليه؛ ليكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لهم؛ ليتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأن النار والجنة لو حصلت في الدنيا ورأى ذلك الناس في الدنيا لم يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا في صلاة الكسوف لما عرضت عليه الجنة، وعرضت عليه النار وهو في الصلاة، وتقدم في صلاته، ومد يده كأنه يريد أن يأخذ شيئاً، وتأخر حتى رجع القهقرى، وسأله أصحابه: لماذا حصل؟ رأيناك تقدمت حتى كأنك تتناول شيئاً، ورأيناك تأخرت، فقال عليه الصلاة والسلام: (عرضت علي الجنة فرأيت عناقيد العنب متدلية، فأرت أن آخذ منها عنقوداً فمددت يدي، ثم تركت، فلو أخذت منها لأكلتم ما بقيت الدنيا). يعني: هذا العنقود لو أخذ منه لأكل الناس إلى نهاية الدنيا، وذلك لعظم شأن نعيم الآخرة، لكن الرسول ترك ولم يأخذ منه شيئاً؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ومن يصدق ومن لا يصدق، ومن يستعد ومن لا يستعد، ومن يتهيأ ومن لا يتهيأ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بما شاهده وعاينه، وأنه لو حصل لهم ما حصل له لضحكوا قليلاً ولبكوا كثيراً؛ خوفاً من النار وخوفاً من العذاب.
ولهذا عذاب القبر الله عز وجل أخفاه على الناس، وقد أطلع الله عليه نبيه عليه الصلاة والسلام، قال في الحديث الصحيح: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، فأطلعه الله عز وجل على عذاب القبر، وأسمعه ما يجري في القبور، وأطلعه على الجنة والنار، ولم يطلع الناس، ولكنهم أخبروا بذلك؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب.
ومحل الشاهد منه قوله: [ولا بالانصراف]، هذا هو محل الشاهد للترجمة.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس السعدي المروزي، ثقة حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقد أكثر عنه مسلم في صحيحه.
[حدثنا علي بن مسهر].
ثقة يغرب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن المختار بن فلفل].
صدوق له أوهام، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أنس بن مالك].
رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد رباعي من رباعيات كتاب النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأنه علي بن حجر عن علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس؛ أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أعلى الأسانيد عند النسائي، وأطول الأسانيد عند النسائي عشرة، وقد مر بنا الحديث الذي فيه عشرة أشخاص في فضل سورة قل هو الله أحد في ما مضى من الأبواب، وكان بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عشرة أشخاص، وقال: إن هذا أطول إسناد؛ فأعلى الأسانيد عند النسائي أربعة، وأنزلها وأطولها عشرة.
وفي الدرس الماضي جاء ذكر الزبيدي الذي هو محمد بن الوليد الحمصي، وحصل كلام حول من خرج له، والذين خرجوا له هم أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وليس الجماعة، الجماعة ما خرجوا له جميعاً، فـالترمذي لم يخرج له، وإنما خرج له الستة إلا الترمذي.
ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف
شرح حديث: (... من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا بشر وهو ابن المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم كانت سادسة، فلم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب نحو من شطر الليل، قلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة، قال: ثم كانت الرابعة، فلم يقم بنا، فلما بقي ثلاث من الشهر أرسل إلى بناته ونسائه، وحشد الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، ثم لم يقم بنا شيئاً من الشهر، قال داود: قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب ثواب من قام مع الإمام حتى ينصرف، ومعناه: أنه له أجر قيام الليلة إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، وهذا في صلاة الليل، أو في صلاة التراويح، أو في التهجد في رمضان.
وأورد النسائي في هذه الترجمة حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل بهم في رمضان، أي: التهجد، أو قيام الليل حتى بقي سبع من الشهر، أي: في العشر الأواخر من رمضان بقي سبع، ففي هذه الليلة التي هي أول السبع خرج وصلى بهم إلى نحو ثلث الليل، وفي الليلة التي تليها لم يخرج ولم يصل بهم، وفي الليلة التي بعدها وهي الخامسة صلى بهم نحواً من شطر الليل، يعني: نصفه، ثم إنهم قالوا: لو نفلتنا بقية ليلتنا، يعني: واصلنا الصلاة إلى آخر الليل، فقال: [من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة]، معناه: أنه إذا صلى مع الإمام حتى ينتهي فإن الله تعالى يكتب له قيام ليلة إلى آخرها، يعني: يكتب له ثواب ذلك، ثم إنه لم يصل بعد ذلك في الليلة الرابعة، ولكن لما بقي ثلاث في الليلة الثالثة التي هي أولى الثلاث الباقية، قام وصلى، وحشد أهله، ودعا أهله، وصلى بهم، حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح، والفلاح هو السحو؛ فلا يتمكنون من أكل طعام السحور؛ لأنهم كانوا يصلون معه عليه الصلاة والسلام.
ثم إنه لم يخرج بعد ذلك، ولما راجعوه أخبرهم، قال: (خشيت أن يفرض عليكم)، والذي جاء في هذا الحديث دليل على مشروعية قيام رمضان جماعة، وأن صلاة التراويح سنة سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنها لم يكن وجودها ابتداء في عهد عمر، وإنما كان أصلها في زمنه عليه الصلاة والسلام، فصلى بهم بعض الليالي، ولكنه أفصح، وأخبر عن السبب الذي جعله لا يواصل، وأنه خشية أن يفترض عليهم؛ لأن الزمن زمن الوحي، وزمن التشريع، وهذا من نصحه، وشفقته على أمته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خشي أن يفرض عليها قيام الليل، وأن يفرض عليها قيام رمضان، فترك ذلك، ولكن لما جاء زمن الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ أي: بعد زمن أبي بكر ؛ وكان سنتين وأشهراً، ومر رمضانات في خلافته، وكان مشغولاً بقتال المرتدين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وإعادة الناس إلى ما كانوا عليه في زمن النبوة، لكن لما جاء عمر وزمن عمر رضي الله عنه أعاد الناس إلى ما فعله معهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه صلى بهم صلاة الليل، وقيام رمضان، وذلك أن الذي خشيه الرسول صلى الله عليه وسلم زال؛ لأن التشريع انتهى بوفاته عليه الصلاة والسلام فما بقي تشريع، فيكون مستحباً، ويكون مندوباً، ثابتاً من فعله عليه الصلاة والسلام، فـعمر رضي الله عنه جمع الناس، وجعلهم يصلون التراويح في رمضان، وليس هذا مما أحدث في زمن عمر.
وما جاء عنه أنه قال: نعمت البدعة هي، ليس المراد بها البدعة التي ليس لها أساس من الدين، وإنما المراد بها أنها بدعة من حيث اللغة، يعني: معناه أنها وجدت بعد زمنه عليه الصلاة والسلام، لكن من حيث الشرع مستندة إلى فعله صلى الله عليه وسلم الذي لم يستمر عليه؛ خشية أن يفرض على الناس، فالمحذور زال بوفاته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا تشريع بعد وفاته ولا وحي، بل توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أكمل الله تعالى به الدين، فعلم بهذا أن قيام رمضان سنة، وأن الاجتماع عليه مستحب، وذلك بفعله، وإعادة عمر الناس إليه لما زال المحذور الذي كان خشيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الفرض، وذلك شفقة منه على أمته صلى الله عليه وسلم.
والحديث دال على ما ترجم له المصنف من حيث أن من قام مع الإمام حتى ينصرف في رمضان، فإنه يكتب الله له قيام ليلة، وقيام رمضان، بل قيام الليل عموماً ما حد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حداً محدوداً لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه، نعم كان من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي إحدى عشر في رمضان وفي غيره، ولا ينقص عن سبع عليه الصلاة والسلام، ولكن قوله في الحديث الآخر: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، يدل على أن الأمر في ذلك واسع، وأن الاقتصار على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ليس متحكماً، وليس بلازم، والزيادة عليه جائزة، وسائغة؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، فإذا صلى الإنسان خلف إمام يصلي التراويح، إذا كان يصلي إحدى عشر يصلي معه إحدى عشر، وإذا كان يصلي عشرين يصلي عشرين، وإذا كان يصلي أربعين يصلي أربعين، ويستمر معه حتى ينصرف؛ لكي يدخل تحت هذا الثواب، أو حتى يحصل هذا الثواب الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو بقوله: [من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة].

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:06 AM

تراجم رجال إسناد حديث: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو البصري، وكنيته أبو مسعود، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وقد ذكرت مراراً أن هذا من أنواع علوم الحديث، وأن فائدته ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية بدل النسبة، فإن الكل صواب، ولا تصحيف في ذلك؛ لأنه إسماعيل بن مسعود وإسماعيل أبو مسعود، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا بشر وهو ابن المفضل].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (وهو ابن المفضل) هذه زادها النسائي، أو من دون النسائي، يعني: ما زادها إسماعيل بن مسعود ؛ لأن إسماعيل بن مسعود تلميذه، وهو يذكر شيخه كما يريد؛ ينسبه ويطول في نسبه، أو يقتصر في نسبه، وهو ذكره مختصراً؛ ذكر اسمه فقط، لكن من دونه النسائي أو من دون النسائي هو الذي أتى بهذه الزيادة، لكن لما أتى بها أتى بجملة تشعر بأنها ليست من التلميذ، بل هي ممن دون التلميذ، وهو ابن المفضل، فهذه قائلها من دون التلميذ، الذي قاله التلميذ بشر فقط، ومن دون التلميذ زاد هو ابن المفضل، وأتى بكلمة (وهو) حتى يعرف ذلك؛ لأنه لو أتى من دون التلميذ بقوله: بشر بن المفضل، فهم أن هذا الكلام من التلميذ، مع أن التلميذ ما قال إلا بشر فقط، فهم زادوها، ولم يأتوها بدون (هو)؛ حتى لا يضيفوا إلى التلميذ شيئاً ما قاله، واحتاجوا إلى أن يذكروها، فأتوا بشيء يميزها، وأن الكلام ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ، وهذا من دقة المحدثين في تلقيهم، وأدائهم، وتحريرهم، وتدوينهم، وأنهم يأتون بمثل هذه القيود التي تبين القائل، والتي يحصل بزيادتها الإيضاح، والبيان، مع السلامة من أن يقوَّل التلميذ ما لم يقله، أو يعبر عنه بعبارة ما عبر بها، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب.
[حدثنا داود بن أبي هند].
ثقة أيضاً، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الوليد بن عبد الرحمن].
هو الوليد بن عبد الرحمن الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جبير بن نفير].
ثقة، مخضرم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو من المخضرمين، وقد مر سابقاً ذكر اثنين من المخضرمين؛ وهم: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وسويد بن غفلة، والمعرور بن سويد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، والصنابحي هؤلاء مخضرمون، زاد عددهم على العشرين، وقد ذكرهم الإمام مسلم، ويقال لهم: المخضرمون؛ لأنهم أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يلقوا النبي عليه الصلاة والسلام، وهم معدودون في كبار التابعين.
[عن أبي ذر].
هو أبو ذر الغفاري هو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الرخصة للإمام في تخطي رقاب الناس
شرح حديث عقبة بن الحارث: (صليت مع النبي ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة للإمام في تخطي رقاب الناس.أخبرنا أحمد بن بكار الحراني حدثنا بشر بن السري عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين النوفلي عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة، ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً؛ حتى تعجب الناس لسرعته، فتبعه بعض أصحابه، فدخل على بعض أزواجه ثم خرج، فقال: إني ذكرت وأنا في العصر شيئاً من تبرٍ كان عندنا، فكرهت أن يبيت عندنا، فأمرت بقسمته)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تخطي الإمام رقاب الناس، يعني: عند الحاجة إلى ذلك، وذلك بأن يكون مثلاً سيذهب إلى مصلاه ولا يجد سبيلاً إليه إلا التخطي، أو اضطر إلى الخروج فإن له أن يتخطى رقاب الناس.
وقد أورد النسائي حديث عقبة بن الحارث النوفلي رضي الله تعالى عنه، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر، ولما انصرف من الصلاة قام مسرعاً يتخطى رقاب الناس حتى دخل منزله، ففزع الناس، يعني: هذا شيء غريب، خلاف العادة، فخشوا أن يكون حصل أمر مخيف، أو يخشى منه، أو أنه نزل شيء فيهم، ففزعوا، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام خرج وأخبرهم بالشيء الذي دفعه إلى ذلك، وقال: [إني تذكرت، وأنا في الصلاة تبراً كان عندنا -والتبر هو الذهب الذي لم يسبك- قال: فأمرت بقسمته]، يعني: بادر إلى الأمر بقسمته، أي: التوكيل بقسمته؛ حتى لا يبقى عنده، وهذا الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه إذا حصل شيء من ذلك في الصلاة، يعني: وجود بعض الهواجس، كونه جاء في باله هذا الأمر، ولا علاقة له بالصلاة، وليس مما يتعلق بالصلاة، فذلك لا يؤثر على الصلاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام حصل له هذا التفكير في الصلاة، وجاء على باله هذا الذهب الذي في البيت، ويريد ألا يتأخر، ويبقى دون أن يقسم، فبادر فيما ذكره وحتى لا ينساه، فبادر إلى منزله، وأمر بقسمته صلى الله عليه وسلم.
فالحديث دال على ما ترجم له المصنف من التخطي عند الحاجة، ودال أيضاً على أن مثل ذلك التفكير في الصلاة لا يؤثر، ودال على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من المبادرة إلى صرف ما يكون عنده في طرقه المشروعة، وفي سبيل الله عز وجل، فإن هذا الذي كان عنده أراد ألا يبقى وأن يبيت دون أن يقسم، وما دام على باله وعلى ذكره، أراد أن يأمر بقسمته، وأن يوكل بقسمته صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن الحارث: (صليت مع النبي ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً ...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن بكار الحراني].صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا بشر بن السري].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين النوفلي].
ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن ابن أبي مليكة].
هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عقبة بن الحارث].
هو عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف.
يقال له: النوفلي نسبة إلى جده نوفل بن عبد مناف، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مسلمة الفتح، وحديثه أخرجه مسلم، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
إذا قيل لرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟
شرح حديث جابر بن عبد الله في قول الرجل: لا، إذا سئل: هل صليت؟
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إذا قيل للرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا خالد وهو ابن الحارث عن هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: (أن عمر بن الخطاب يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالله ما صليتها، فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب إذا قيل للرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟ ومقصود النسائي من هذه الترجمة أن ذلك سائغ، وجاء عن بعض العلماء كراهيته، والبخاري نفسه أيضاً بوب بمثل هذا الباب، والمقصود من ذلك هو الإشارة إلى أن قول من قال: بأنه مكروه أنه ليس بصحيح، وأنه ليس على إطلاقه، والذي جاء عنه هو إبراهيم النخعي، وقيل: إن الذي كان كرهه إذا كان في انتظار الصلاة يقول: ما صلينا، معناه: تباطؤ أو استبطاء للصلاة؛ لأنه إذا كان ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فـالنسائي أراد أن يبين أن الكراهية مطلقاً ليست على بابها، وأنه يمكن للإنسان إذا سئل: هل صليت؟ أن يقول: لا، ما صليت، وأن مثل ذلك سائغ وجائز.
وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعدما غربت الشمس، وكان ذلك يوم الخندق، ويسب كفار قريش، ويقول: ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، قال: وأنا ما صليتها، ثم نزلوا إلى بطحان وتوضئوا، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب بعد الغروب، وقد جاء في بعض الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، يعني في الخندق، وهذا يدل على أن الوسطى هي العصر، وقد اختلف فيها العلماء، لكن جاء فيها النص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديث قصة الخندق، وهو الحديث الذي شغل فيه عن صلاة العصر، ولم يصلها حتى غربت الشمس، أو بعد الغروب.
والحديث دال على ما ترجم له المصنف، وذلك من قوله: [ما صليتها]، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [ما صليتها]، هذا هو محل الشاهد.
والحديث دال على الترتيب بين الصلوات، وأن الصلاة الفائتة تقدم على الصلاة الحاضرة، اللهم إلا أن يخشى خروج وقت الحاضرة، فإنه يؤتى بالصلاة الحاضرة إذا خشي وقتها، ولم يتسع بقية الوقت إلا للحاضرة، فإنه عند ذلك يؤتى بها؛ لأنه لو لم يأت بها خرج وقتها وصارت مقضية، وأما ما دام أن الأمر فيه سعة لأن يؤتى بالفائتة، ثم يؤتى بالحاضرة، فلابد من الترتيب، لكن إذا خشي فوات وقت الحاضرة، فإنه يترك الترتيب، ويؤتى بالصلاة الحاضرة؛ حتى لا تكون مقضية، فتكون مؤداة غير مقضية، وبعد ذلك يأتي بالفوائت التي فاتت، وإذا كان الوقت واسعاً فإنه يأتي بالصلوات المقضية الفائتة قبل الصلاة التي حضر وقتها، ما دام أن الوقت فيه سعة، وأنه يمكن أن يأتي بالأشياء الفائتة قبلها، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس، وتوضئوا صلى بهم العصر، وهي التي قد فاتت وخرج وقتها، ثم صلى بهم المغرب التي وقتها حاضر.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله في قول الرجل: لا، إذا سئل: هل صليت؟ قوله: [إسماعيل بن مسعود].قد مر ذكره قريباً.
و[محمد بن عبد الأعلى] هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا خالد وهو ابن الحارث].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو ابن الحارث) مثل ما مضى في ذكر ابن المفضل والذي زادها هو من دون التلميذ.
[عن هشام].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
ويحيى بن أبي كثير هذا هو صاحب الكلمة المأثورة المشهورة التي تدل على شأن طلب العلم، والعناية به، وحفظ الوقت، وعدم الإخلاد إلى الراحة، والتي أوردها الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إليه، وذلك في أثناء الكلام على أوقات الصلوات، عندما ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من طرق كثيرة أتى بهذا الإسناد، ثم إلى يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، معناه: أن من أراد أن يحصل شيئاً من العلم، فإنه لا يحصله بالراحة، والإخلاد إلى الراحة، وإنما يحصله بالتعب، والنصب، والمشقة، فلابد من النصب لمن يريد أن يحصل شيئاً، وهي كلمة عظيمة: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)؛ ما يحصل العلم براحة الجسم، من أراد أن يريح جسمه فلن يحصل علماً، ومن أراد أن يحصل العلم فهو الذي يتعب جسمه، وهو الذي يشغل نفسه، وهو الذي يشغل ليله، ونهاره، وتفكيره، وبصره، وقدميه في المشي إلى مجالس العلم، وإلى أهل العلم، وإلى دور العلم؛ ليحصل العلم، فـ(لا يستطاع العلم براحة الجسم) كلمة عظيمة لها شأنها، ولا شك أن الأمر كما قال رحمة الله عليه، فمن أراد أن يحصل علماً، فليبذل ما به يحصل العلم؛ يشغل وقته، يبذل ماله في سبيل تحصيل الكتب النافعة في الوصول إلى الجهات التي يحصل فيها العلم إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من الثقات، وهو ثقة، من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال في السابع، كما سبق أن مر في دروس مضت أن المدينة فيها سبعة أشخاص في عصر التابعين اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، ستة منهم متفق على عدهم في السبعة، والسابع مختلف فيه، وأحد الأقوال في السابع أنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا الذي معنا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله الأنصاري].
هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـجابر رضي الله عنه أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:09 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(257)

- باب إيجاب الجمعة
فضائل هذه الأمة عظيمة وخصائصها كثيرة، منها أنها أسبق الأمم إلى الجنة وأكثرها ثواباً، ومنها أيضاً هداية الله لهذه الأمة ليوم الجمعة، واختلاف اليهود والنصارى عنه، فصاروا تبعاً لهذه الأمة، فأضل الله اليهود والنصارى عن هذا اليوم وعظمته وخصائصه.
كتاب الجمعة، باب إيجاب الجمعة
شرح حديث: (... وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله عز وجل له يعني: يوم الجمعة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الجمعة. باب إيجاب الجمعة.أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ح وابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله عز وجل له، يعني: يوم الجمعة، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد)].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب الجمعة. لما أورد كتاب الصلاة والكتب المتعلقة به، وهي الفرائض التي أوجبها الله عز وجل في اليوم والليلة خمس مرات، وما يتعلق بها من جماعة، وإمامة وغير ذلك، انتقل إلى هذا الفرض الذي يأتي في الأسبوع مرة وهو الجمعة، فهذا هو وجه إيراد الجمعة بعد إيراد الكتب المتعلقة بالصلاة، وما يتعلق بها من جماعة، وإمامة وغير ذلك؛ لأن الصلوات الخمس تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، والجمعة تأتي في الأسبوع مرة، وبعد ما فرغ مما يأتي، أو من الأحكام المتعلقة بالذي يأتي في اليوم والليلة خمس مرات، وهو الصلوات الخمس المفروضة، أتى بما يتعلق بيوم الجمعة، وهو أن الفرض في ذلك اليوم في وسط النهار الجمعة وليس الظهر، فتختلف عن بقية الأيام، فلهذا أورد كتاب الجمعة بعد الكتب المتعلقة بالصلاة.
ثم قال: باب إيجاب الجمعة، يعني: كونها واجبة على هذه الأمة، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أن أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه بعدهم، كتب الله عليهم الجمعة فاختلفوا فيه، فهدانا الله عز وجل إليه، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم غد، والنصارى بغد غد)]، اليهود يعني يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، هذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة.
والمقصود منه قوله: (كتب الله عز وجل عليهم)، يعني: فيه التعبير بالكتب، والكتب فيها الإيجاب، والفرض، فاختلفوا فيه، وتحولوا إلى غيره، وأبدلوه بغيره، وهذه الأمة هداها الله عز وجل إليه فقبلته، وثبتت عليه، واستقرت عليه، فصار لهذه الأمة التي هي خير الأمم، وهو خير أيام الأسبوع، وأفضل أيام الأسبوع، فجعله الله لهذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن لهذا اليوم الذي هو يوم الجمعة خصائص كثيرة، أوصلها ابن القيم إلى ما يزيد عن أربعين خصيصة، وألف أيضاً فيه بعض المؤلفات التي تدل على فضله وعلى خصائصه، وما يتعلق بذلك اليوم الذي أكرم الله تعالى به هذه الأمة، وخص به هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [(نحن الآخرون السابقون)]، أي: الآخرون من حيث الزمان والوجود، وغيرنا من الأمم تقدم علينا، فنحن آخر الأمم، ومع كوننا الآخرين، فنحن السابقون يوم القيامة، فيحشرون ويقضى بينهم قبل الناس، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو أول من ينشق عنه القبر كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع)، فتحشر هذه الأمة ويقضى بينها، وتدخل الجنة، فتكون متأخرة من حيث الزمان، ولكنها سابقة في المنزلة والدرجة، والسبق إلى الخير، والتقديم إلى الخير، [(نحن الآخرون السابقون)].
ثم إنه لما جاء ذكر السابقين قال: [(بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)]، يعني: اليهود، والنصارى، أهل الكتاب، والمراد بالكتاب الجنس، وهو التوراة، والإنجيل، كتابان وليس كتاباً واحداً، فالإفراد فيه ليس للوحدة وإنما هو للجنس، وكثيراً ما يأتي في القرآن ذكر الكتاب مراداً به الجنس، وليس مراداً به الوحدة أو الكتاب الواحد، كما في قول الله عز وجل: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )[البقرة:177]، فالكتاب المراد به: الكتب، يعني: والكتب والنبيين، فهو جنس، وكذلك قول الله عز وجل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ )[الحديد:25]، المراد بالكتاب: الكتب، لم ينزل الله على الأنبياء كتاباً واحداً، وعلى الرسل كتاباً واحداً، وإنما أرسل عليهم كتباً، وكذلك قول الله عز وجل: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ )[المائدة:48]، أي: من الكتب، أي: مصدقاً لما بين يديه من الكتب، فيأتي لفظ (الكتاب) على لفظ الإفراد محلاً بالألف واللام، وكذلك يأتي مضافاً كما في قوله عز وجل عن مريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ )[التحريم:12]، فيأتي محلاً بالألف واللام، ويأتي مضافاً، وكل منهما يراد به الجنس، ولا يراد به الوحدة أو الكتاب الواحد، فأهل الكتاب، أي: التوراة والإنجيل، وهما كتابان، فالمراد من ذلك الجنس.
(وأوتيناه)، أي: الكتاب، وهو غير الكتابين، وإنما هو القرآن الذي أنزله الله على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، يعني: أوتوا الكتاب الذي هو: التوراة والإنجيل، ونحن أوتينا القرآن، آتاه الله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فجعل نبينا خير الأنبياء، وجعل كتابه خير الكتب والمهيمن عليها، وجعل لهذه الأمة ذلك اليوم الذي هو الجمعة الذي هو خير الأيام، وأفضلها.
قوله: [(نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)]، بيد أي: مع أنهم، متقدمون في الزمان، ونحن متأخرون من حيث الزمان والوجود، إلا أننا نسبقهم يوم القيامة، ونتقدم عليهم يوم القيامة؛ لأن الله تعالى أكرم هذه الأمة بخير رسول، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، فهي الآخرة السابقة، الآخرة في هذه الدنيا، السابقة يوم القيامة، المتقدمة على غيرها يوم القيامة.
قوله: [(وهذا اليوم الذي كتبه الله عليهم)]، هذا اليوم الذي كتب الله عليهم، أي: على أهل الكتاب الذي هو الجمعة، فاختلفوا فيه، وتحولوا إلى غيره، فاليهود صار لهم السبت، والنصارى صار لهم الأحد، وهدى الله عز وجل هذه الأمة إليه.
قوله: [(فهدانا الله عز وجل)[، أي: لهذا اليوم الذي هو يوم الجمعة، فصار اليوم الذي لهذه الأمة يوم الجمعة، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فأيامهم تابعة ليومنا، وهي بعد يومنا، ونحن متأخرون عليهم في الزمان، ولكننا متقدمون عليهم في الرتبة، والمنزلة في يوم القيامة.
(فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد).
(فالناس لنا فيه تبع)، يعني: في هذا اليوم، فنحن يوم الجمعة، واليهود والنصارى بعدنا، اليهود يوم السبت الذي يلي يومنا، والنصارى يوم الأحد الذي يلي يوم النصارى.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله عز وجل له يعني: يوم الجمعة)
قوله: [سعيد بن عبد الرحمن المخزومي].ثقة، أخرج حديثه النسائي، والترمذي.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، حجة، إمام، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يدلس، ولكنه لا يدلس إلا عن الثقات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو هنا غير منسوب، ويسمى المهمل في علم المصطلح، يعني: عندما يذكر الاسم ولا يذكر النسب، ويكون محتمل لأشخاص، فهو مهمل، يعني: غير منسوب، ومعرفة تعيينه يكون بالرجوع إلى الطرق الأخرى للحديث عند الأئمة، ويكون أيضاً بالرجوع إلى التلاميذ، والشيوخ، ومن المعلوم أن سفيان بن عيينة متأخر عن سفيان الثوري مقدار سبع وثلاثين سنة تقريباً في الوفاة، فـسفيان الثوري توفي سنة مائة وواحد وستين، فهو متقدم، وأما سفيان بن عيينة فهو قريب من المائتين، مائة وسبع وتسعين، فبينهما مسافة طويلة، لكن من يكون معمراً فإنه يدرك، يعني سفيان الثوري، أو ممن كان في أوائل القرن الثالث يدرك سفيان الثوري.
وإذاً: فعلى هذا فالمسافة التي بين سفيان الثوري وبين سفيان بن عيينة، يكون في الغالب أنه إذا كان الشخص متأخر أنه ما أدرك سفيان الثوري، وهنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي توفي سنة مائتين وتسعة وأربعين، والثوري مائة وواحد وستين، أي: بين وفاة هذا وهذا تسع وثمانون سنة، فلا يدركه إلا إذا عمر فوق المائة، فهذا مما يعرف به كون الشخص مدرك أو ما يدرك، لكن قد نص على أنه سفيان بن عيينة في بعض الطرق، ومن حيث الزمان واضح أن سعيد بن عبد الرحمن لم يدرك زمن الثوري؛ لأن بين وفاتيهما تسع وثمانون سنة، يعني: مسافة طويلة جداً، وحديث سفيان بن عيينة أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزناد].
هذا لقب بلفظ الكنية، واللقب يأتي أحياناً بلفظ الكنية، ويأتي والأصل فيه أنه كنية إذا قيل: أبو فلان، أم فلان، الغالب أن هذه كنية، لكن أحياناً تأتي لقباً وليست كنية، مثل: أبي الزناد، ومثل أم المساكين زينب بنت خزيمة، يقال لها: أم المساكين لعطفها على المساكين، فهذا لقب، وأبو الزناد لقب وكنيته أبو عبد الرحمن وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، وهو: مشهور بهذا اللقب الذي بلفظ الكنية أبو الزناد، اسمه عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
هذا لقب، وصاحب اللقب هو عبد الرحمن بن هرمز المدني وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وألقاب المحدثين ومعرفتها لها أهمية، وهذه الأهمية يتضح بها أو يتبين بها أن الشخص الواحد قد يظن شخصين فيما إذا لم يعرف أن هذا اللقب لصاحب هذا الاسم، فمن لا يعرف أن عبد الرحمن بن هرمز لقبه الأعرج، يظن عبد الرحمن بن هرمز شخص والأعرج شخص، لو وجد لفظ الأعرج في إسناد، ووجد بعده في إسناد آخر عبد الرحمن بن هرمز، يظن أن عبد الرحمن بن هرمز شخص وأن الأعرج شخص آخر، لكن من عرف أن هذا لقب لهذا لا يلتبس عليه الأمر، ولهذا فإن معرفة ألقاب المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، المعروفون بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة، أكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر
أي: ابن عباس.
كالخدري وجابر وزوجة النبي
ثم هذا الإسناد الذي هو أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هذه نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وهي بإسناد واحد، ومشتملة على أحاديث كثيرة، أول الأحاديث هذا الحديث: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، وهناك نسخة أخرى يقال لها: نسخة همام بن منبه عن أبي هريرة، وأولها أيضاً حديث: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، ونسخة همام تبلغ مائة وأربعين حديثاً كلها بإسناد واحد يفصل بين كل حديث وحديث بجملة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر حديثاً، ثم يقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر حديثاً، ويقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأتي: وقال رسول الله مائة وأربعين مرة، ونسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة متقاربة مع هذه النسخة، وبداية كل من النسختين هذا الحديث الذي هو: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة).
وطريقة العلماء في الرواية من النسخ: أن جمهورهم أو أن الكثير منهم على أن المحدث يأتي بالإسناد، ثم يأتي بأي حديث من الأحاديث الكبيرة ويجعله وراء الإسناد، أي: بعد الإسناد مباشرة، وهذه طريقة البخاري وغيره، وبعض العلماء يأتي بالإسناد، ثم يأتي بأول حديث الذي هو: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) هذا، ثم يأتي بالحديث الآخر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ويأتي بالحديث الذي يريد من النسخة، سواء كان من وسطها، أو من آخرها، المهم أنه يأتي بالحديث الأول يلي الإسناد، ثم يأتي بالحديث الذي يريد، ويقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.
أما الإمام مسلم رحمة الله عليه، فإنه في صحيحه سلك مسلكاً تميز به عن غيره في الأخذ من الصحيفة، فإنه روى أحاديث كثيرة من صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وهي تتفق مع صحيفة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في كثير من الأحاديث، وفي البداية الذي هو حديث الجمعة: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، فكان من طريقته أن يسوق الإسناد، وإذا انتهى إلى آخره قال: فذكر أحاديث عن أبي هريرة، ثم يقول: فذكر أحاديث. هذه الجملة يأتي بها: فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ويأتي بالحديث الذي رقمه مائة أو مائة وعشرين، ويركبه على هذا الإسناد، لكنه أتى بهذه الجملة التي تبين أن الإسناد ما هو على هذه الطريقة، وإنما فيه أحاديث سابقة لهذا الذي قاله عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: فذكر أحاديث، منها: وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يريد أن يأتي به.
وصحيفة همام بن منبه، وصحيفة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هي صحيحة وبإسناد واحد، والإمام البخاري، ومسلم اختاروا من هذه الصحيفة أحاديث، واختار البخاري أحاديث انفرد بها عن مسلم، واختار مسلم أحاديث انفرد بها عن البخاري، وكلها من الصحيفة وهي بإسناد واحد، وكلها صحيحة، وهذا من أوضح ما يستدل به على أن البخاري، ومسلم ما قصدا استيعاب الصحيح، وجمع الأحاديث الصحيحة كلها؛ لأنهم لو كانوا أردوا ما تركوا شيئاً من الصحيفة، مع كونها بإسناد واحد، وهم يأخذون ويتركون، يأخذون منها ويتركون منها، مع أنها كلها بإسناد واحد، يعني: في الثبوت هي كلها ثابتة، إلا أن البخاري اختار منها أحاديث، ومسلم اختار أحاديث، واتفقوا على اختيار أحاديث تلاقوا عليها، وتركوا أحاديث منها، فلو كان البخاري، ومسلم قصدا استيعاب الأحاديث الصحيحة، ما تركا شيئاً من هذه الصحيفة، مع أنها بإسناد واحد، هذا من أوضح ما يستدل به على أن البخاري، ومسلم رحمة الله عليهما لم يقصدا استيعاب الأحاديث الصحيحة، لم يستوعباها، ولم يقصدا استيعابها، ولهذا فالاستدراك عليهما، أو كونه يقال: فاتهما كذا وهو صحيح، لا وجه له؛ لأنهم ما التزموا حتى يفوتهم، وأوضح دليل هذه الصحيفة، صحيفة همام بن منبه، وصحيفة أبي الزناد عن أبي هريرة، فإنها بإسناد واحد، وقد أخذوا وتركوا.
[ح وابن طاوس].
كلمة (ح) هذه للتحويل، والغالب أن الإتيان بالتحويل يؤتى به بالنسبة لأسانيد المصنف، مثلما يأتي كثيراً عند مسلم، وعند البخاري، وعند النسائي، يعني يتحول الإسناد إلى إسناد، والإسناد الثاني هو للمصنف، لكن أحياناً يأتي التحويل في أعلى الإسناد، ولا يرجع إلى المصنف، ولهذا قال: وابن طاوس، وابن طاوس يعني معطوف على أبي الزناد، يعني: سفيان بن عيينة يروي عن أبي الزناد، ويروي عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، فالملتقى هو سفيان، أي: مبدأ الإسنادين من سفيان، وليس من أول الإسناد، وإنما هو من سفيان، وابن طاوس هو: عبد الله بن طاوس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي عن أبيه طاوس بن كيسان، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
عن أبي هريرة، وهو صحابي الحديث.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:12 AM

شرح حديث: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة وعن ربعي بن حراش عن حذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله عز وجل بنا، فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة، ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق)].أورد النسائي حديث أبي هريرة، وحذيفة رضي الله عنه، وهو بمعنى الذي قبله: [(أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله عز وجل بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة، ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق)]، وهذا فيه توضيح السبق والتأخر، (فنحن الآخرون في الدنيا)، أي: وجودنا متأخر عن وجودهم، ونحن السابقون يوم القيامة، يعني: نسبقهم ونتقدم عليهم، ففيه توضيح للسبق والتأخر الذي أُجمل في الحديث المتقدم، قال: (نحن الآخرون في الدنيا السابقون يوم القيامة).
قوله: [(المقضي لهم قبل الخلائق)].
وهذا أيضاً يوضح قضية السبق، وأن يوم القيامة أنه يقضى بينهم قبل الخلائق، فالخلائق يتأخرون عنهم في القضاء بينهم، وهذه الأمة هي التي تقدم على غيرها، وإذا قضي بينها فإنها تذهب إلى مكانها من الجنة أو النار، فتتقدم على غيرها، وتسبق غيرها إلى الجنة، من كان من أهل الجنة يسبق غيره من أهل الجنة.
تراجم رجال إسناد حديث: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا...)
قوله: [واصل بن عبد الأعلى].هو واصل بن عبد الأعلى الأسدي الكوفي، ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن.
[حدثنا ابن فضيل].
هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، رمي بالتشيع، وتكلم فيه من أجل التشيع، لكن جاء عنه عبارة ذكرها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح تدل على سلامته من البلاء الذي وقع فيه من وقع من الشيعة أو المتشيعين، وتلك العبارة هي قوله: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. معلوم أن الشيعة لا يترحمون على عثمان، والرافضة لا يترحمون على عثمان، وإنما يسبونه، ويشتمونه، ويصفونه بالظلم، ويصفون بخلافته وخلافة أبي بكر، وعمر بأنها جائرة، وأنها اغتصاب، فكون محمد بن فضيل الذي وصف بالتشيع، ورمي بالتشيع، وقدح فيه من أجل التشيع، كونه يقول هذه الجملة، ويقول هذه العبارة في حق عثمان، هذا يدل على سلامته، وعلى أنه على طريقة أهل السنة، وعلى منهج أهل السنة، فيقول: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. يدعو لـعثمان ويدعو على من لا يدعو لـعثمان، فهذا يدل على سلامته مما أضيف إليه ومما رمي به.
وممن رمي بالتشيع أيضاً الفضل بن دكين أبو نعيم شيخ البخاري؛ فإن الحافظ ابن حجر أيضاً نقل في ترجمته في مقدمة الفتح أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. ومن المعلوم أن سب معاوية هذا من أسهل الأشياء عند الرافضة، مثل شرب الماء عندهم في السهولة، يسبونه ولا يترددون في سبه، ولهذا يعتبره بعض العلماء أنه هو المدخل إلى الصحابة، فالذي يسبه أو يجرؤ على سبه يجرؤ على سب الصحابة، وعلى سب غيره من الصحابة، فهو يقول: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية.
الزيدية الذين هم أقل من الرافضة، وهم كلهم من أهل البدع، يتكلمون في معاوية، ويسبونه، ولا يسبون أبا بكر وعمر، لكن يسبون معاوية، وسب معاوية يكاد أن يكون قدر مشترك بين الذين حرموا أن يكونوا من أهل السنة، كل من لم يكون من أهل السنة ممن ابتلي بهذه المذاهب الخبيثة، سب معاوية هذا من أسهل الأشياء عندهم، يكاد يكون قدراً مشتركاً بينهم، يقول به أدناهم وأبعدهم، من يكون أسهل ومن يكون أشد، كلهم يلتقون عند سب معاوية، ولهذا يقول الفضل بن دكين رحمة الله عليه: ما كتبت علي الحفظة، أي: الملائكة الذين يكتبون أقوال الإنسان، (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )[ق:18]، يقول: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية، وهذا يدل على سلامته مما رمي به ومما أضيف إليه، وهو من شيوخ البخاري، بل من كبار شيوخ البخاري.

[عن أبي مالك الأشجعي].
هو سعد بن طارق الأشجعي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي حازم].
هو سلمان الأشجعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة] رضي الله عنه.
وقد تقدم.
ثم قال: وعن ربعي بن حراش، يعني: أن هذا إسناد آخر معطوف على الذي قبله، لأن الذي قبله.. الذي يروي عن أبي حازم أبو مالك الأشجعي، فأبا مالك الأشجعي يروي من طريقين: من طريق أبي حازم عن أبي هريرة، والطريق الآخر من طريق ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، هذا طريق آخر، لكنه ما جاء بلفظ التحويل مثل الذي قبله، وهو مثله، يعني: اثنان تحويل أو التقاء إنما هو في أعلى الإسناد وليس في أوله، أي: ليس التحويل يرجع إلى أول الإسناد، وإنما إلى أعلى الإسناد أو قريب من أعلى الإسناد، وعن ربعي، يعني: أن أبا مالك الأشجعي كما أنه يروي هذا الحديث عن أبي حازم عن أبي هريرة، فهو أيضاً يرويه عن ربعي بن حراش عن حذيفة، وربعي بن حراش ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
عن حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله بمكة جمعة بجواثى ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار حدثنا المعافى عن إبراهيم بن طهمان عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، جمعة بجواثى بالبحرين قرية لعبد القيس].أورد النسائي هذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في مسجد جواثى في البحرين في قرية لعبد القيس]، يعني: هذا الحديث ذكر في بعض النسخ نسخ النسائي وفي بعضها لم يذكر، وهو موجود في السنن الكبرى، وفيه: [أن أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة].
وقد اختلف العلماء في فرض الجمعة متى كان؟ هل كان في مكة أم كان في المدينة؟ فمنهم من قال: أنه في مكة، ومنهم من قال: أنه بالمدينة، وقال الحافظ ابن حجر: أنه مشهور أنه في المدينة، وهذا يدل على أنه بمكة، إن كان محفوظاً فهو واضح الدلالة على أنه بمكة. وعبد القيس، وهم ممن تقدم إسلامهم، وكانوا يسكنون البحرين، والبحرين هي جهة الأحساء وما حولها، يعني: في الاصطلاح المعروف سابقاً، وليس ما هو معروف في هذا الزمان، فإنها تشمل تلك الجهة كلها، يعني: كل ما كان قريباً من الساحل هناك يقال له: البحرين، الأحساء، وما حولها.
وقرية لبني عبد القيس، يعني: أول جمعة جمعت بعد تجميع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في تلك القرية التي اسمها جواثى، وهي اسم لقرية لبني عبد القيس، وبني عبد القيس هم من ربيعة أخو مضر بن نزار، وقد جاء في الصحيحين: مجيئهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإخبارهم بأن قولهم: بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتي إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نأخذ به، ونبلغه من وراءنا، فقال: (آمركم بالإيمان، أتردون ما الإيمان؟) ثم بين لهم تلك الأمور التي هي من الإيمان، ونهاهم عن أشياء، يعني تتعلق بآنية الخمر، والحديث في الصحيحين وفي غيرهما، وهو مشهور بحديث وفد عبد القيس، فإسلامهم متقدم، وسبقهم إلى الإسلام متقدم، وتجميعهم، أو صلاتهم الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله بمكة جمعة بجواثى ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار].هو محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا المعافى].
هو ابن عمران الموصلي، وهو ثقة.
[عن إبراهيم بن طهمان].
ثقة، يغرب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن زياد الجمحي].
ثقة، ثبت، ربما أرسل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.
والله تعالى أعلم.
الأسئلة

رواية البخاري عن الفضل بن دكين ومحمد بن الفضل مباشرة وأحدهما بواسطة
السؤال: فضيلة الشيخ، ذكرتم من شيوخ البخاري الفضل بن دكين، وذكرت أنه من أكبر شيوخ البخاري، تقصدون الفضل بن دكين أم ابن فضيل أيضاً؟الجواب: الفضل بن دكين، هذا ابن فضيل ما أدركه البخاري، كلامنا في الشخص الثاني الذي هو: الفضل بن دكين، أما محمد بن فضيل، أنا ذكرت الثاني من أجل التشابه في الكلمتين الجميلتين التي تدل على البراءة من الرمي بالبدعة، لكن الذي هو من شيوخ البخاري هو: أبو نعيم الفضل بن دكين، وأما محمد بن فضيل فهذا ما أدركه البخاري، يعني: البخاري يروي عنه بواسطة، وهو الذي يروي عنه البخاري حديث آخر في صحيح البخاري : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقليتان في الميزان) فإنه يرويه عنه عن محمد بن فضيل بواسطة أحمد بن إشكاب؛ لأن شيخ أحمد بن إشكاب يروي عن محمد بن الفضيل هذا، فـالبخاري يروي عنه بواسطة، وأما الفضل بن دكين أبو نعيم فهو من شيوخه الكبار.
حكم قص الحواجب إذا طالت وليس فيها ضرر
السؤال: ما حكم قص الحواجب إذا طالت وأصبحت ملفتة للنظر؟الجواب: الحواجب لا يتعرض لها الإنسان في شيء، يتركها ولا يتعرض لحاجبه. لكن إذا كان الهدب نزل على العين ويترتب عليها مضرة، يزال الضرر.
كيفية معرفة اللقب إذ جاء بلفظ الكنية
السؤال: فضيلة الشيخ، عرفنا أن اللقب قد يأتي بلفظ الكنية، فكيف يعرف ذلك؟الجواب: يعرف ذلك بالتنصيص عليه؛ لأنهم ذكروا أن هذا كنيته أبو عبد الرحمن وقالوا: يعرف بـأبي الزناد، يعني: أنه لقب له وليس كنية، لأن التكنية بالكبير من الأولاد، وقد يكنى الإنسان وهو ليس له ولد، لكن قد يكون مشهوراً بلقب على صيغة الكنية كهذا.
مدى قبول الحديث الغريب
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يقبل الحديث الغريب الحسن؟الجواب: نعم، هو قد يجتمع في الحديث أن يكون صحيحاً، وأن يكون غريباً، والصحيح فيه غرائب، صحيح البخاري، ومن غرائب الصحيح التي جاءت بإسناد واحد أول حديث في البخاري، وآخر حديث البخاري، الفاتحة والخاتمة، أول حديث فيه، وآخر حديث فيه، هما حديثان غريبان، حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، يرويه عمر بن الخطاب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:15 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(258)

- باب التشديد في التخلف عن الجمعة
بيّن الشرع الحكيم خطورة من يترك صلاة الجمعة بلا عذر أو ضرورة، إذ إن من فعل ذلك فإن الله يطبع على قلبه، ومن طبع الله على قلبه فلا يكون في قلبه إلا الشر. التشديد في التخلف عن الجمعة
شرح حديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في التخلف عن الجمعة. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)]. يقول النسائي رحمه الله: التشديد في التخلف عن الجمعة. والمقصود من هذه الترجمة بيان ما ورد من الوعيد، وما دلت عليه الأحاديث التي أوردها من خطورة شأن التخلف عن الجمعة، وأن ذلك خطير، وأنه يورث عقوبة كبيرة وعظيمة من الله عز وجل، ويترتب عليها أضرار لا حد لها. وأورد النسائي فيه حديث أبي الجعد الضمري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، وهذا واضح الدلالة على ما ترجم له؛ بأن هذا تشديد وتغليظ، وبيان خطورة هذا الفعل الخطير الذي هو التخلف عن الجمعة، ثم قال: [تهاوناً]، يعني: قلة مبالاة مع عدم الاهتمام، وإن كان مقراً بها، وإن كان لا يجحدها؛ لأن من تركها جحوداً، أو ترك صلاة واحدة جحوداً، فذلك ردة، وكفر واضح لا إشكال فيه؛ لأن من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فقد كفر، فمن جحد الصلاة، وأنكرها فقد كفر، لكن من تركها تهاوناً، فهذا هو الذي فيه الخطورة. وترك الصلاة تهاوناً فيه خلاف بين العلماء في تكفير من حصل منه، أو عدم تكفيره، والحديث يدل على خطورة التخلف عن الجمعة، وأن من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه، والطبع على القلب عقوبة شديدة؛ لأنه إذا طبع على قلبه لا يكون فيه مجالاً للخير، وإنما لا يحصل فيه إلا الشر. وهذا الحديث يدلنا على أن من خطورة السيئة أن يعاقب عليها بالطبع على القلب، والختم على القلب، فلا يكون فيه خير، ولا مجال فيه للخير، وإنما هو شر. ثم إن الذنب الذي يحصل من الإنسان سيء، ولكن من العقوبة عليه أن يترتب عليه ما هو أخطر منه؛ وهو الطبع على القلب الذي يكون لا مجال فيه للخير، ولهذا جاء في القرآن: ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ))[الصف:5]، فالزيغ هو: ميل عن الحق، وإعراض عن الحق، يترتب عليه الإزاغة، فيكون الأمر في ذلك أخطر، والأمر في ذلك أشد، زيغ يترتب عليه إزاغة عن الحق والهدى، فيتيه في الضلال، ويعمى عن الحق، ويتقلب في الظلمات، ويحال بينه وبين الخير؛ لأنه طبع على قلبه، ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ))[الصف:5]، وهذه من أعظم عقوبات الذنوب؛ أن يعاقب عليها بالختم على القلب. والله عز وجل يقول: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))[النور:63]. وقد جاء عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، أنه قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، (فقوله: لعله إذا رد بعض قوله)، يعني: بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك بسبب ذلك، فالذنب يورث ما هو أخطر من الذنب، وهو الطبع على القلب، والختم عليه، فلا يدخله خير، ولا مجال فيه إلا للشر والعياذ بالله، وقوله: أتدري ما الفتنة؟ هي التي في قوله تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ))[النور:63]، يعني: العقوبة على مخالفة الأمر فتنة، فما هي الفتنة؟ قال: الفتنة الشرك، يعني: قد يصل الأمر إلى ما هو أخطر من الذنب -الذي هو المعصية- وهو الشرك، قال: وذلك أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك بسبب ذلك؛ فإذا رد بعض قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ويقول الله عز وجل: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً))[الأحزاب:36]. فمن العقوبة على السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة أن يوفق لحسنة بعدها، الحسنة تجلب الحسنة، والسيئة تجلب السيئة، بل تجلب ما هو أخطر منها وأعظم منها والعياذ بالله. فالحاصل: أن الحديث دال على ما ترجم له المصنف من التشديد في التخلف عن الجمعة، وأن ذلك أمر خطير، وأنه أمر في غاية الخطورة؛ لأن هذا الذنب -الذي هو التخلف- يورث العقوبة عليه؛ بأن يطبع على قلب صاحبه، والعياذ بالله.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو الدورقي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه كلهم مباشرة وبدون واسطة، ومثل يعقوب بن إبراهيم الدورقي، محمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فإن هؤلاء الثلاثة كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، فأصحاب الكتب الستة جميعاً رووا عن هؤلاء الثلاثة مباشرة، وبدون واسطة، فهؤلاء شيوخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو القطان، المحدث، الناقد، الثقة، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، يأتي ذكره كثيراً بأن يقال: ضعفه القطان، أو وثقه القطان، وقد ذكر الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وقال: إنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما يصيبان في قولهما، وأنه يعول على كلامهما، ويعتمد على كلامهما؛ لأنهما يصيبان الهدف فيما يقولان، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عمرو].
هو ابن وقاص الليثي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيدة بن سفيان الحضرمي].
هو عبيدة بن سفيان الحضرمي، وعبيدة بفتح العين، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي الجعد الضمري].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن اسمه: أدرع، وقيل غير ذلك، وله هذا الحديث الواحد عند أصحاب السنن الأربعة، وليس له عند البخاري، ومسلم شيء، وعند أصحاب السنن الأربعة هذا الحديث الواحد؛ وهو الذي يتعلق بالتشديد في التخلف عن صلاة الجمعة، وبيان خطورة ذلك.
شرح حديث: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن سواد أنبأنا ابن وهب انبأنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)].هنا أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وهو بمعنى الحديث الذي قبله، فقوله: [من ترك ثلاث جمع من غير ضرورة طبع الله على قلبه]، وقوله هنا: [من غير ضرورة]، يعني: يبين عدم التهاون الذي ذكر في الحديث الذي قبله؛ لأن هناك تركها تهاوناً، وهنا تركها من غير ضرورة، يعني: أنه تركها تهاوناً؛ لأن هذا يفيد أنه إذا كان هناك ضرورة فإنه معذور، فيعتبر من أهل الأعذار، فيما إذا كان هناك ضرورة تلجئه إلى ذلك، أما إذا كان من غير ضرورة، وإنما دفعه عليه التهاون، وعدم الاهتمام، وقلة المبالاة، فإنه يعاقب بهذه العقوبة العظيمة؛ وهي الطبع على قلبه، والعياذ بالله.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه) قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد].ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[أنبأنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا ابن أبي ذئب].
هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أسيد بن أبي أسيد].
هو أسيد بن أبي أسيد البراد المديني، صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن أبي قتادة].
هو عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري وأبوه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبد الله ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فهو ابن صحابي، عبد الله بن أبي قتادة، فأبوه صحابي، وهو تابعي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السبعة المكثرين، والذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـجابر هو واحد منهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهذا الحديث ذكر في بعض النسخ أو في هوامشها، وهو بمعنى الحديث الذي قبله، ودال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من جهة بيان خطورة التخلف عن صلاة الجمعة.
شرح حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن معمر حدثنا حبان حدثنا أبان حدثنا يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن زيد عن أبي سلام عن الحكم بن ميناء: أنه سمع ابن عباس وابن عمر يحدثان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، وليكونن من الغافلين)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال وهو على المنبر: [لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين]، وهذا فيه: بيان خطورة التخلف عن الجمعة، وأنه يورث الختم على القلب، وهذا دال على ما دل عليه الذي قبله؛ لأن هناك (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، وهنا [أن من لم ينته عن ترك الجمعات، ليختمن الله تعالى على قلبه، ثم ليكونن من الغافلين]، وهذا يدلنا على خطورة التخلف عن الجمعة، وأن أمره خطير، وأنه يورث أن يختم على قلبه، والختم على القلب هو الطبع على القلب، وهو من جنس الذي قبله.
ثم ينتج عن ذلك الطبع أن يكون من الغافلين عن الله عز وجل، وعن طاعته، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فيتيه في الضلال، ويعمى عن الحق والهدى، فيتخبط في الظلمات، ولا يكون له نصيب من النور الذي تكون به الحياة.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:17 AM

تراجم رجال إسناد حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن معمر].هو البصري البحراني، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حبان].
هو ابن هلال، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وحبان بفتح الحاء وفيه حِبان، يعني: هنا ذكره حبان وغير منسوب وهو حبان بن هلال، وفيه حبان بن موسى، ومثل هذا النوع يسمى المؤتلف والمختلف، يعني: يتفقان في اللفظ ويختلفان في النطق، فالحروف واحدة ولكن النطق مختلف، هذا بفتح الحاء وهذا بكسر الحاء، فيقال له: المؤتلف والمختلف، يعني: مؤتلف خطاً مختلف نطقاً؛ لأن الخط واحد، والفرق التمييز بين اللفظين بالشكل، فهذا من أنواع علوم الحديث يسمى: المؤتلف والمختلف، وهو ما يتفق الاسمان فيه خطاً، ويختلفان نطقاً، فـحبان هو بفتح الحاء وليس بكسرها.
ثم إن ذكر الاسم بدون النسب يسمى في أنواع علوم الحديث المهمل؛ وهو كونه يسمى ولا ينسب فيقال له: المهمل، بخلاف المبهم فهو الذي لا يسمى، ولكن يشار إليه بأن يقال: رجل، أو امرأة، أو شخص، أو إنسان، أو رجل آخر، أو ما إلى ذلك، فهذا يقال له: المبهم، وأما إذا ذكر اسمه ولم ينسب فإنه يقال له: المهمل.
[حدثنا أبان].
هو أبان بن يزيد العطار، وهو ثقة، له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. وأبان بن يزيد العطار هو من رجال البخاري، وتكلم فيه، ولكن الحافظ ابن حجر ذكر في ترجمته أن الإسناد إلى الذي تكلم فيه غير ثابت، فالإسناد إلى المتكلم فيه غير ثابت، وهذا يوضح لنا ويبين لنا أن العلماء اعتنوا بالأسانيد إلى الرجال، وأن كلام الرجال يروى بالأسانيد، وأنه قد يضاف إلى الرجل شيء وهو غير ثابت، وقد يضاف إلى الرجل الذي تكلم في الرجل كلام ولا يكون ثابتاً؛ لأن في الإسناد إليه من لا يعتد بحديثه، فكما أنه لا يعتد بالرجل الذي لا يحتج به إذا روى حديثاً، فكذلك لا يحتج بكلامه إذا روى خبراً عن شخص، أو أخبر عن شخص بخبر ما، بأن قال عن فلان أنه كذا وكذا، وفي الإسناد من هو ضعيف لا يعول على كلامه، فيكون ذلك الكلام الذي قيل في الشخص، والذي قدح في الشخص من أجله، لا يعتبر ثابتاً؛ لأنه ما جاء عن ثقة، وما رواه ثقة.
وهذا من عناية العلماء في الأسانيد، والرجال، والمتون، وأنه حتى كلام الرجال إذا قال فلان ثقة، أو قال فلان ضعيف يروونه بالإسناد؛ حدثني فلان، قال: حدثني فلان، أن فلان قال: فلان ثقة، أو أن فلان قال: فلان ضعيف أو أن فلان قال: فلان فيه كذا وكذا، وكثيراً ما يأتي عند الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد الكلام في الرجال يأتي بالأسانيد؛ لأنه مسند -وهو الكتاب الواسع الكبير- ذكر الأسانيد إلى الرجال في كلامهم عن الرجال؛ في توثيقهم، وتجريحهم، وما إلى ذلك.
[حدثنا يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، واليمامي نسبة إلى اليمامة، وهو صاحب الكلمة العظيمة التي رواها مسلم عنه بإسناده؛ قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان أن يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، فإسنادها إليه فقال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، ومعنى هذا: أن من أراد العلم فليتعب، ولينصب، وليبذل في سبيل حصوله النفس، والنفيس، ويحرص على شغل وقته به ليحصل منه ما يفيده، ويفيد غيره، وما ينفعه، وينفع غيره، فهذه كلمة تذكر إذا ذكر يحيى بن أبي كثير؛ لأنها كلمة عظيمة، كلمة لها وزنها ولها أهميتها، ولها دلالتها، وتدل على أهمية الاشتغال بالعلم، وعلى أن تحصيله لا يتم إلا بالعناء، والنصب، والمشقة، ويقولون في المثل: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، أي: ملء الراحة الذي هو راحة اليد -وهو كناية عن الشيء القليل- لا يدرك بالراحة، ولكن الأشياء تحصل بالتعب، والنصب، والمشقة. وقد قيل: (من جد وجد ومن زرع حصد)، (ومن سار على الدرب وصل).
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجساد
ويقول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
أي: لو أن السيادة تحصل بلا شيء أصبح الناس كلهم سادة؛ لأن السؤدد ما دام أنه يحصل بدون مقابل، وبدون تعب، وبدون نصب، ليس هناك فرق بين أحد وأحد، لكن لما كان السؤدد لا يحصل إلا بالتعب، والنصب، والمشقة، ما كل يحصل السؤدد.. لكن ما كل يصبر على المشقة، وما كل يصبر على التعب، والنصب، فما يصبر على الشيء الذي يوصله إلى ما فيه الخير، وإلى ما يعود عليه بالخير.
والحاصل أن هذه كلمة تذكر إذا ذكر يحيى بن أبي كثير رحمة الله عليه، وتدل على أهمية الاشتغال بالعلم، والعناية بالعلم، والاهتمام بالعلم، وأن الإنسان يشغل وقته فيه ليحصل شيئاً ينفعه، وينفع غيره.
[عن الحضرمي بن لاحق].
هو التميمي، لا بأس به، أخرج له أبو داود، والنسائي، وكلمة (لا بأس به) تعادل صدوق؛ لأنها في درجتها وفي معناها، وبعض العلماء عنده اصطلاح خاص في كلمة: (لا بأس به)، وهي أنه يطلقها على الثقة، وهو يحيى بن معين، فلا بأس به عند يحيى بن معين توثيق، فهي تعادل ثقة، فإذا قال في الشخص الذي هو في القمة، وفي الشخص الذي هو مشهور بالعدالة، والحفظ، والإتقان: (لا بأس به) فالمراد به أنه ثقة، فهو اصطلاح خاص به، لكن لا بأس به المشهور عند المحدثين، وعند العلماء أنها تقال عن الثقة، وأنه بمنزلة صدوق، وهو الذي يعتبر حديثه حسناً، لأنه قل ضبطه وخف عن درجة الثقة فيقال له: صدوق، ويقال: لا بأس به، أو ليس به بأس، وحديثه يعتبر من قبيل الحديث الحسن.
ثم أيضاً هذا من الأسماء التي هي على صيغة النسب؛ يعني: أحياناً تأتي الأسماء على صيغة النسب، فالحضرمي نسب ينسب به الشخص إلى حضرموت فيقال له: حضرمي، لكن هذا اسمه الحضرمي، ليست نسبة وإنما هذا اسمه، فأحياناً تأتي الاسم على صيغة النسب، مثل الحضرمي، ومثل المكي بن إبراهيم من كبار شيوخ البخاري، فاسمه على صيغة النسب، وعلى وزن النسب وعلى صفة النسب، أي: ليس نسبة إلى مكة، فهذا الذي اسمه مكي، ليس نسباً، وإنما النسب يأتي في الآخر فلان بن فلان المكي، وأما هذا اسمه مكي بن إبراهيم، وهذا اسمه الحضرمي بن لاحق، فاسمه الحضرمي بن لاحق اسم على لفظ النسب.
[عن زيد].
هو زيد بن سلام بن أبي سلام، وجده أبو سلام اسمه ممطور، ثقة يرسل، حديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جده أبي سلام].
أبو سلام ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحكم].
هو الحكم بن ميناء، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود.
[أن ابن عباس وابن عمر].
هما عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن عباس هو ابن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومثله عبد الله بن عمر؛ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعبادة الأربعة هم من صغار الصحابة؛ عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر -وهما في هذا الإسناد- وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وهذا الإسناد من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأنه تسعة أشخاص، أي: ليس عند النسائي أطول منه إلا العشاري الذي مر في فضل سورة: قل هو الله أحد، فقال: إن هذا أطول إسناد، وهذا الإسناد قريب منه؛ لأنه تساعي؛ لأن الإسناد محمد بن معمر يروي عن حبان بن هلال، وحبان بن هلال يروي عن أبان بن يزيد العطار، وأبان بن يزيد العطار يروي عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن أبي كثير يروي عن الحضرمي بن لاحق، والحضرمي بن لاحق يروي عن زيد بن سلام بن أبي سلام، وزيد بن أبي سلام يروي عن جده أبي سلام، وأبو سلام يروي عن الحكم بن ميناء، والحكم بن ميناء يروي عن شخصين، والشخصان هؤلاء يعتبرون في درجة واحدة، ما يقال: إنه عشاري؛ لأن ابن عمر، وابن عباس في رتبة واحدة وفي درجة واحدة، والحديث عنهما جميعاً، فهو يعتبر حديثين؛ لأن الحديث هو باعتبار الصحابي، فيعتبرون الحديث حديثاً باعتبار الصحابي، ولهذا هو يعتبر حديثين؛ لأنه من مسند عبد الله بن عباس، ومن مسند عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإذاً: فهو تساعي باعتبار الرواية، فلان عن فلان عن فلان، والحكم بن ميناء يروي عن اثنين في طبقة واحدة، وفي درجة واحدة، فيقال له: تساعي، وليس عشارياً، وكما قلت: هذا من أطول الأسانيد عند النسائي، وقد سبق أن مر بنا مراراً وتكراراً أن أعلى الأسانيد عنده الرباعيات، وأطولها العشاري.
الأسئلة
بيان قول القائل: (من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كفر)
السؤال: فضيلة الشيخ! أرجو توضيح هذه العبارة: (من ترك معلوماً من الدين بالضرورة كفر) مع التمثيل؟الجواب: أولاً ليس من ترك، الصحيح من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فإنه يكفر، يعني: مثل كون الإنسان ينكر كون الخمر حراماً، ويقول: لا، الخمر حلال، فهذا معلوم من الدين بالضرورة تحريمه. أو ينكر مثلاً الزكاة، ويقول: الزكاة ليست واجبة، وهي معلومة من الدين بالضرورة أنها واجبة، وأنها ركن من أركان الإسلام، فهذا هو معنى قوله: (من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، فإنه يكون كافراً).
لكن الترك قد يترك ولا يكون كافراً، قد لا يخرج الزكاة ولا يكون كافراً ما دام أنه لم يجحد، ولم ينكر، فإذا كان الإنسان لا يخرج الزكاة بخلاً وتكاسلاً، فلا يقال: إنه كافر، بل تؤخذ منه قهراً، ولا يحكم بكفره، والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث أنه قال: (ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي زكاته إلا جاء يوم القيامة صفحت له صفائح من نار -ثم قال-: حتى يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)، والكافر لا يرى سبيله إلى الجنة، وليس له سبيل إلى الجنة؛ لأن من حكم بكفره فلا سبيل له إلى الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال في حقه: (حتى يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)، فالذي يقال فيه: (إما إلى الجنة، وإما إلى النار) ما يقال: إنه كافر، لكن من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، كوجوبه أو تحريمه فإنه يكون كافراً.
حكم الثمار التي تسقى بماء المجاري
السؤال: فضيلة الشيخ! لقد قمت بشراء ثمار مزرعة في منطقة الخليلي، وهذه المزرعة تسقى من مياه المجاري أكرمكم الله، فهل يؤثر ذلك على الثمار؟ وما حكم الأكل منها؟الجواب: لا يؤثر؛ لأن قضية كونه يشرب من ماء غير نظيف لا يؤثر على الثمرة، لكن كما هو معلوم النفوس تعافه، وإلا فإنه لا يكون حراماً.
مدى اعتبار الشخص عماً من الرضاعة إذا رضع من الجدة
السؤال: فضيلة الشيخ! أرضعت جدتي لوالدي طفلاً بعد وصولها سن اليأس، فهل يكون هذا الرجل عماً لي باعتباره أخو أبي من الرضاعة؟الجواب: على كل لم يكن هناك ولادة؛ يعني: بالرضاع ينتشر الحرمة، فإذا درت المرأة وهي غير ذات لبن، وليست عن ولادة، فإنه يحصل التحريم بذلك إذا رضع الرضعات المحرمة؛ وهي خمس رضعات فأكثر.
حكم خروج المرأة أثناء عدتها لقضاء الحاجات الضرورية
السؤال: فضيلة الشيخ! امرأة مات عنها زوجها وهي ما زالت في عدتها، فهل لها أن تخرج إذا اضطرت إلى ذلك، كأن تذهب إلى المدرسة لإجراء الاختبارات؟الجواب: نعم لها ذلك، فمثل هذه الأمور الضرورية لها أن تخرج إليها.
القول بعدم تكفير الرافضة المتوسلية بآل البيت إلا بعد مماتهم
السؤال: ما حكم الإسلام في الرافضة الذين يتوسلون بآل البيت، ويطلبون منهم قضاء الحوائج، فقد قال لي شخص طالب علم: إنهم لا يحكم بكفرهم إلا إذا ماتوا على ذلك؟الجواب: هو لا شك أن العبرة بالنهاية؛ لأن الإنسان قد يكون على حالة طيبة ثم يختم له بحالة سيئة والعياذ بالله، وقد يكون العكس؛ على حالة سيئة ثم يختم له بحالة طيبة؛ والناس بالنسبة للنهايات والبدايات أربعة أقسام، يعني: من الناس من تكون بدايته طيبة ونهايته طيبة، يعني: ينشأ على خير.
ويستمر على خير، فيموت على خير، ومن الناس من يكون بخلاف ذلك؛ ينشأ على شر، ويعيش على شر، فيموت على شر.
ومن الناس من تكون بدايته سيئة ونهايته حسنة، وهذا مثل السحرة الذين قتلهم فرعون، يعني: كان عمرهم كله وهم في السحر والكفر، ثم من الله عليهم بالإسلام في آخر العمر، وقتلوا وماتوا على خير، وعلى العكس من ذلك؛ من يكون عاش على خير وعلى هدى، ثم أدركه الخذلان فارتد عن دين الإسلام، ومات على الردة، فهذه هي أحوال الناس بالنسبة للبدايات والنهايات.
والعبرة هو بما يموت عليه الإنسان، ولهذا كان من طريقة ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: أنه إذا ذكر شخصاً عنده شيء يقتضي كفره، أو كلاماً يكون في شخص كافر معروف كفره ومعلوم كفره، فإنه إذا لعنه يقيد ذلك بالنهاية والموت على ذلك.
وأذكر مثالين في البداية والنهاية: أحدهما: أن نصرانياً أنشأ قصيدة طويلة يذم فيها الإسلام، ونبي الإسلام، وأهل الإسلام، وقد أوردها ابن كثير في البداية والنهاية، وأورد قصيدة لـابن حزم أطول منها رداً على النصراني في هذه القصيدة التي يتكلم فيها في الإسلام يذم هذا النصراني ويرد عليه بقصيدة طويلة، فلما ذكر ابن كثير قصيدة النصراني قال: عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إن كان مات كافراً. فأتى بهذا القيد؛ لأنه قد يكون على كفر، ولكن يختم له بخير، هذا المثال الأول.
المثال الثاني: لما جاء في ترجمة أبي نصر الفارابي في البداية والنهاية، قال: مما جاء عنه أنه لا يقول بمعاد الأجساد، وإنما يقول: بمعاد الأرواح، أي: الأرواح تعاد والأجساد لا تعاد، فعقب عليها بقوله: فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين.


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:21 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(259)

- (تابع باب التشديد في التخلف عن الجمعة) إلى (باب إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة)

تجب صلاة الجمعة على المكلف إذا بلغ، وكفارة من ترك الجمعة بدون عذر التصدق بدينار أو بنصفه، وللجمعة فضائل وأعمال لا سيما الإكثار من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فيها.
تابع التشديد في التخلف عن الجمعة
شرح حديث: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في التخلف عن الجمعة.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا الوليد بن مسلم حدثني المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)].
هذا الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: [رواح الجمعة واجب على كل محتلم]، أورده النسائي في التشديد في التخلف عن الجمعة، وقد مر بعض الأحاديث المتعلقة بالتشديد في التخلف عن الجمعة، وهي واضحة في الترجمة من جهة أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه، وقوله: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)، وكلها واضحة الدلالة على الترجمة؛ لأن في ذلك تشديداً وفي ذلك ترهيباً، وبياناً لخطورة التخلف عن الجمعة.
وهنا أورد النسائي هذا الحديث؛ وهو: [رواح الجمعة واجب على كل محتلم]، ومعنى ذلك أن الذهاب إلى الجمعة لازم متحتم على كل محتلم، فإذا أخل في ذلك، وتخلف عن الإتيان بهذا الواجب المتحتم فإنه يأثم، ويعرض نفسه لسخط الله ومقته، ففيه وجه لما ترجم له المصنف، لكن الأحاديث السابقة هي التي أوضح في التشديد، أو أوضح في الترجمة؛ لأن فيها بيان خطورة التخلف، وأنه يترتب عليها الختم على القلب، أو الطبع على القلب.
وقوله: [واجب على كل محتلم]، المراد بالمحتلم: البالغ الذي بلغ الحلم، وهو التكليف وصار مكلفاً، ومن المعلوم أن الإنسان قد يبلغ الحلم قبل سن الخامسة عشرة، وذلك بأن يحصل له الاحتلام والإنزال، فيكون ذلك دلالة على وصوله سن البلوغ.
وقوله: [واجب على كل محتلم]، يدل على أن النساء لا تجب عليهن الجمعة، ومن المعلوم أن الجمعة والجماعة هي من خصائص الرجال من حيث الوجوب، والنساء إذا حضرت الجمعة والجماعة فإن لها أن تحضر، وتؤدي فرضها بهذا الحضور الذي حضرته، لكن ليست الجمعة ولا الجماعة واجبة عليها، وإنما الوجوب واللزوم على كل محتلم، ومفهومه أن الصغير لا تجب عليه الجمعة، ولكنه يؤمر بها كغيرها من الصلوات الأخرى التي قال عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، فالوجوب شيء، والأمر بها لكون الإنسان يعتادها ويألفها، ويكون على علم ومعرفة بها قبل أن يصل إلى سن التكليف، هذا شيء آخر، والوجوب إنما هو لمن بلغ الحلم.
وإذا بلغ الإنسان أو أكمل خمسة عشر سنة فإنه يكون بالغاً، وإذا حصل له الاحتلام قبل ذلك فإنه يكون بالغاً، وكذلك إذا حصل الإنبات في الشعر الخشن حول القبل، فإنه يكون بذلك بالغاً. فهذه من علامات البلوغ وأمارات البلوغ التي يكون بها التكليف، ويكون بها الإنسان قد خرج من كونه غير مكلف إلى كونه مكلفاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا الوليد بن مسلم].
هو الوليد بن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس والتسوية، يعني: مدلس تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني المفضل بن فضالة].
هو ابن عبيد المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عياش بن عباس].
هو عياش بن عباس المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن بكير بن الأشج].
هو بكير بن عبد الله بن الأشج ينسب إلى جده، فهنا هو منسوب إلى جده وإلا فأبوه عبد الله، وهو أيضاً مصري، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عن الجميع، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة اشتهروا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
[عن حفصة].
هي أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وبنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنها، وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
كفارة من ترك الجمعة من غير عذر
شرح حديث: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كفارة من ترك الجمعة من غير عذر.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد بن هارون حدثنا همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار)].
هنا أورد النسائي باب كفارة من ترك الجمعة من غير عذر، والمقصود من هذه الترجمة أن من تركها بعذر فهو معذور ولا شيء عليه، والحديث الذي مر قبل هذا: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)، عام في كل مكلف، إلا أنه يخص منه من كان معذوراً في ترك الجمعة، وفي التخلف عن الجمعة، وهذه الترجمة فيها بيان كفارة من ترك الجمعة من غير عذر.
وقد أورد فيه حديث سمرة بن جندب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فمن لم يجد فبنصف دينار]، فالكفارة التي دل عليها هذا الحديث هي دينار إن كان واجداً، وإن كان غير واجد للدينار فإنه يتصدق بنصف الدينار، لكن الحديث الذي فيه هذا الحكم وهو الكفارة بحق من ترك صلاة الجمعة متعمداً غير ثابت؛ لأن في إسناده قدامة بن وبرة، وهو مجهول، فهو غير ثابت.
ويضاف إلى الجهالة في الإسناد النكارة في المتن، وهو كونه ترك أمراً خطيراً، وأمراً عظيماً؛ التي هي الجمعة يكفيه أن يتصدق بدينار، أو بنصف دينار، ويكون ذلك كفارة له، فهذا فيه نكارة من حيث المعنى، بالإضافة إلى الضعف في الإسناد، وكون فيه رجلاً مجهولاً وهو قدامة بن وبرة، ففيه: النكارة في المتن، وأن الإنسان إذا أتى بالكفارة أنها تكفر ذلك العمل الخطير الذي تركه، وهو كونه ترك الجمعة من غير عذر، مثل هذا لا يكفره دينار، ولا غير دينار، فالمتن فيه نكارة، والسند فيه رجل مجهول، فالحديث غير ثابت.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا يزيد بن هارون].
ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا همام].
هو ابن يحيى بن دينار البصري، وهو ثقة، ربما وهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قدامة بن وبرة].
مجهول، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن سمرة بن جندب].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (من ترك الجمعة متعمداً فليتصدق بدينار ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا نصر بن علي أنبأنا نوح عن خالد عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك الجمعة متعمداً فعليه دينار، فإن لم يجد فنصف دينار)، وفي موضع آخر ليس فيه: متعمداً].هنا أورد النسائي حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله أن من ترك صلاة الجمعة متعمداً فيتصدق بدينار، وإن لم يجد يتصدق بنصف دينار، والحديث من الأحاديث التي وجدت في هامش بعض النسخ، وقد رواه ابن ماجه في سننه بهذا الإسناد نفسه الذي هو إسناد النسائي، وذكر الشيخ الألباني أنه ضعيف، وذكر أن فيه انقطاعاً كما قال المنذري، ولعل الانقطاع المراد به رواية الحسن عن سمرة، فإن رواية الحسن عن سمرة اختلف فيها، هل سمع الحسن من سمرة، أو أنه حديثه عنه مرسل؟ وفيه ثلاثة أقوال لأهل العلم، منهم من قال: إنه لم يسمع منه مطلقاً، ومنهم من قال: إنه سمع منه مطلقاً، ومنهم من قال: إنه سمع حديث العقيقة دون غيره، وهذا هو الذي ذكره النسائي كما سيأتي بعد بابين أو ثلاثة، فإنه قال: إن الحسن لم يسمع من سمرة بن جندب إلا حديث العقيقة، ففيه الانقطاع، وقد ذكر هذا الشيخ الألباني في التعليق على المشكاة، والحديث في سنن ابن ماجه بنفس الإسناد الذي عند النسائي هنا.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك الجمعة متعمداً فليتصدق بدينار ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا نصر بن علي].هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، يعني: اسمه واسم أبيه يوافق اسم جده وجد أبيه، يعني: اسمان مكرران، نصر بن علي بن نصر بن علي، فهو حفيد للذي قبله؛ لأن من الرواة الذين خرج لهم نصر بن علي الجهضمي وحفيده نصر بن علي، فهو نصر بن علي بن نصر بن علي اسمان مكرران، ومثله خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط، يأتي أحياناً بعض الأسماء تكرر، يعني: اسم الرجل واسم أبيه مع اسم جده وجد أبيه؛ فيتفق اسم الراوي مع اسم جده، واسم أبيه مع اسم أبي جده، نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا نوح].
هو نوح بن قيس البصري، وهو صدوق، رمي بالتشيع، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن خالد].
هو خالد بن قيس، وهو أخو نوح بن قيس فيروي عن خالد بن قيس، وهو صدوق يُغرب، وقد أخرج حديثه مسلم، والترمذي في الشمائل، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري ولا الترمذي في السنن، وإنما خرج له في كتاب الشمائل.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، المحدث، المشهور، محدث، فقيه، ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سمرة بن جندب].
قد مر ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:24 AM

ذكر فضل يوم الجمعة
شرح حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر فضل يوم الجمعة.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري حدثنا عبد الرحمن الأعرج: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل يوم الجمعة، وأورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها]، فالحديث دال على الترجمة؛ لأنه قال: [خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة]، وهذا يدل على فضله، وأنه أفضل الأيام، وهذا بالنسبة لأيام الأسبوع، وأما بالنسبة لأيام العام فأفضلها يوم عرفة، وصوم يوم عرفة لغير أهل عرفة هو آكد صيام التطوع، وأفضل صيام التطوع، وهو يكفر السنة الماضية والسنة الآتية، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا وافق يوم عرفة يوم جمعة تجتمع الفضيلتان؛ فضيلة يوم عرفة الذي هو أفضل الأيام، وفضيلة يوم الجمعة الذي هو أفضل أيام الأسبوع.
والنبي عليه الصلاة والسلام بين شيئاً من خصائصه، فقال: [فيه خلق آدم]، فإن أبا البشر آدم عليه الصلاة والسلام خلق يوم الجمعة، ودخوله في الجنة كان يوم الجمعة، وإخراجه منها كان يوم الجمعة، وقيام الساعة يكون يوم الجمعة، ففيه: بداية خلق الإنسان، ونهاية الإنسان، فإن الساعة تقوم يوم الجمعة كما جاء في بعض الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخصائص الجمعة كثيرة ذكرها ابن القيم في كتابه زاد المعاد في أوله، وقد أوصلها إلى ما يزيد على أربعين خصيصة وفضيلة، وهي كلها تتعلق في هذا اليوم، وقد أُلف فيه بعض الكتب الخاصة بفضائل يوم الجمعة، والحديث دال على فضل الجمعة؛ لأنه قال: [إنه خير يوم طلعت عليه الشمس]، ومما يجري فيه أن خلق أبي البشر كان فيه، ونهاية وجود البشر في هذه الحياة الدنيا إنما يتم يوم الجمعة وينتهي يوم الجمعة، فالساعة تقوم يوم الجمعة، فلا تقوم في أيام الأسبوع الأخرى، ولكن في أي شهر؟ وفي أي عام؟ لا يعلم ذلك إلا الله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا سئل عن الساعة، إما أن يجيب بعدم علمه بها، أو يجيب بأمارة من أماراتها، أو شيء من العلامات التي تكون قبلها، أو يصرف النظر إلى ما هو أهم من ذلك كما في الرجل الذي سأله قال: (متى الساعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وماذا أعددت لها؟ قال: أعددت لها حب الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب)، وإنما الذي جاء في يوم الجمعة أنها فيه تقوم الساعة، ففيه بداية الخلق، وفيه نهاية الخلق.
ولهذا كان من الأمور المشروعة في يوم الجمعة أنه يقرأ: ألم السجدة، وهل أتى على الإنسان في صبيحتها، وفي فجر يومها؛ وذلك لأنها مشتملة على بدء الخلق ونهاية الخلق، ففي ذلك تذكير بالمبدأ، والمعاد؛ لأن هذا اليوم كانت فيه بداية خلق البشر، وفيه نهاية البشر، فقراءة الإنسان لهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة، فيه استذكار لما حصل في يوم الجمعة، ولما يحصل في يوم الجمعة في المستقبل، لما حصل في الماضي في يوم الجمعة من خلق آدم أبي البشر، ولما يحصل في المستقبل من قيام الساعة في يوم الجمعة، كما أخبر بذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ...)
قوله: [سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، ولقبه الشاه، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك، وهو يروي هنا عن عبد الله غير منسوب، والمراد به عبد الله بن المبارك المروزي، فكلما جاء سويد بن نصر يروي عن عبد الله مهمل غير منسوب، فالمراد به عبد الله بن المبارك؛ لأنه راويته، وهما مروزيان.
وعبد الله بن المبارك المروزي ثقة، ثبت، حجة، إمام، مجاهد، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في التقريب بعدما ذكر جملة من خصاله الحميدة، قال: جمعت فيه خصال الخير، وبعض العلماء قال: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، يعني: أنه بلغ الغاية في التوثيق، يعني: ثقة قليلة في حقه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، فيلتقي نسبه مع نسب النبي عليه الصلاة والسلام بـكلاب الذي هو والد قصي.. الذي من سلالته النبي صلى الله عليه وسلم، وزهرة الذي منه الزهري، فينسب إليه يقال: الزهري، نسبة إلى جده زهرة بن كلاب.
وينسب أيضاً إلى جده شهاب الذي هو جد جده، الذي هو عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو إمام متفق على جلالته، وإمامته، وإتقانه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة.
وهو الذي قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقد قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
أي: أمره بذلك عمر بن عبد العزيز في زمن خلافته رحمة الله عليه.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز، والأعرج لقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، فأحياناً يذكر بلقبه فقط وهو الأعرج، وأحياناً باسمه ونسبته عبد الرحمن بن هرمز، وأحياناً يجمع بين اسمه ولقبه فيقال: عبد الرحمن الأعرج، وهو مدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق.
إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة
شرح حديث: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة... فأكثروا عليَّ من الصلاة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة.أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا حسين الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي: يقولون: قد بليت، قال: إن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام شرعت في مواضع؛ منها يوم الجمعة، وليلة الجمعة، ومنها بعد الأذان، ومنها عند دخول المسجد والخروج منه، وعند ذكره، فكلما يذكر صلى الله عليه وسلم يصلى ويسلم عليه، عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في بعض الأحاديث: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي)، صلى الله عليه وسلم، فيصلى ويسلم عليه صلى الله عليه وسلم دائماً وأبداً، ويكثر من الصلاة والسلام عليه، ولكن جاء في السنة في مواضع يصلي عليه فيها كما أشرت إلى بعضها.
فأورد النسائي هذه الترجمة وهي: إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وأورد فيها حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه، أنه قال: [إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء].
ومحل الشاهد هنا قوله: (فأكثروا من الصلاة علي)، وهذا يدلنا على الأمر أو الحث على إكثار الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في يوم الجمعة، وليلة الجمعة، والحديث فيه ما في الذي قبله من جهة خيريته، إلا أن هنا قال: [من أفضل أيامكم]، والحديث الأول قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس)، وهو دال على فضل يوم الجمعة، ودال أيضاً على ما دل عليه الذي قبله من جهة أنه خلق فيه آدم، وفيه قبض، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، فكل ذلك حصل يوم الجمعة، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فالنفخة التي هي النفخ الذي يكون فيه البعث، وموت من كان على قيد الحياة في ذلك الزمان، فإن الساعة تقوم يوم الجمعة، وينفخ في الصور يوم الجمعة، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )[الزمر:68].
ففيه نفخة الموت التي هي نفخة الصعق، ونفخة البعث التي هي النفخة الثانية، ففيه بداية الخلق، وفيه نهاية الخلق، وهذه من الأمور التي تحصل في يوم الجمعة التي منها ما حصل، ومنها ما لم يحصل ولكنه سيحصل في المستقبل، كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من الإيمان بالغيب؛ لأن الإخبار عن أمور ماضية، والإخبار عن أمور مستقبلة، كله من الإيمان بالغيب، والحديث دال على الإيمان بالغيب ماضياً ومستقبلاً؛ لأن الحديث هذا فيه خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، وهو قد مضى، وهو غيب لا نعلمه إلا عن طريق الوحي، وفي المستقبل فيه النفخة، وفيه الصعقة، وهذا أمر يحصل في المستقبل وهو غيب لا نعلمه إلا بالإخبار عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو دال على الإيمان بالغيب ماضياً ومستقبلاً، ففيه الاثنان.
ثم إن النبي عليه الصلاة السلام أرشد ورغب وحث على الصلاة عليه في يوم الجمعة، بل والإكثار من ذلك في يوم الجمعة وليلة الجمعة.
وقوله: [إن صلاتكم معروضة علي] يعني: أنه يبلغ إياها، وتصل إليه الصلاة والسلام، وذلك بواسطة الملائكة السياحين كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، فيصل إليه، ويبلغ الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام، وكما جاءت بذلك الأحاديث.
وقوله هنا: [فإن صلاتكم معروضة علي] يفسره الحديثان الذين أشرت إليهما، وهو إبلاغ الملائكة إياه، حيث قال: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)، والحديث الآخر: (ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
ولما قال: [فإن صلاتكم معروضة علي] وكانوا يعلمون أن الناس إذا قبروا أنهم يذهبون في التراب، وأنها تتلاشى أجسامهم، وتذهب في التراب، والله عز وجل قال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ )[ق:4]، يعني: فنحن نعلم ما يذهب من أجسادهم من ذرات تختلط بالتراب، ونحن نعلم ذلك ونعيده؛ نعيد تلك الذرات التي راحت في التراب، ونستخرجها من التراب حتى ترجع كل ذرة إلى مكانها، ويبعث في الإنسان الذي كان في الدنيا، ليس جسداً جديداً يوجد لا وجود له في الدنيا، بل الجسد الذي كان في الدنيا هو الذي يعاد، وتكون إعادته بأن ذراته التي راحت في التراب، الله تعالى يستخرجها ويعيدها حتى ترجع كل ذرة إلى مكانها، ويعود الإنسان على هيئته، فالجسم الذي كان في الدنيا هو الذي يعاد، وهو الذي ينعم، ويعذب، وليس هو جسم جديد ينعم، ويعذب، وإنما الذي ينعم ويعذب هو الجسد الذي كان في الدنيا؛ لأنه هو الذي أحسن وأساء، وقد جاء ذلك مبيناً في القرآن: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )[يس:65]، فما تشهد إلا التي كانت في الدنيا، لا يشهد جسد جديد يخلق، ويخرج من القبر مخلوقاً، لا وجود له في الدنيا، ولا يعرف شيئاً عن الدنيا، وإنما الجسد الذي يكون يوم القيامة، والذي يعاد بعثه، هو الجسد الذي كان في الدنيا، فيعاد ويثاب على إحسانه إن كان محسناً، ويعاقب على الإساءة إذا كان مسيئاً، ويصل الثواب والعقاب إلى من حصل منه الإساءة، وليس إلى جسد جديد.
قالوا: [وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟] فقد فهموا أن الإنسان إذا دفن أنه يتلاشى مع التراب، ويختلط بالتراب، ولكن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن شأن الأنبياء يختلف عن الناس، قال: [إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء]، والله تعالى يقول مبيناً البعث وقدرته عليه، قال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ )[ق:4]، يعني: فنحن نعيد ذلك.
وقصة الرجل الذي من بني إسرائيل الذي جاء في الحديث الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني في النار، واسحقوني ثم خذوا الرماد وذروه في الهواء، واجعلوا منه جزء في البحر، وجزء في البر، فإن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين، فالله عز وجل أمر البحر أن يخرج ما فيه، والبر أن يخرج ما فيه، حتى عادت كل ذرة إلى مكانها، وعاد نفس الجسد، وهذه كيفية البعث، فالجسد الذي في الدنيا هو الذي يبعث. وقصة إبراهيم حين قال: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ )[البقرة:260]؛ يأخذ أربعة من الطيور ثم يقطعهن قطعاً، ثم يخلطها مع بعض، ثم يجعل على كل جبل قطعة من هذه المجموعة، ثم الله عز وجل يأمرها بأن تخرج تلك القطع المتجمعة حتى ترجع الطيور على ما كانت على هيئتها، وعلى شكلها، وتلك القطع من اللحم التي خلطت، وجمع بعضها إلى بعض، وفرقت في أماكن متعددة، يأتي كل جزء منها حتى يركب في مكانه، ويستقر في مكانه الذي كان عليه قبل أن تذبح وتقطع، فهذه كيفية الخلق، وإعادة الخلق يوم القيامة؛ أن نفس الأجساد التي كانت في الدنيا هي التي تعاد.
وقوله: [إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء]، هذا يدل على أن أجساد الأنبياء في قبورهم كما كانوا، ولا يتأثرون، ولا تغيرهم البلاء وطول المكث، ولا يختلطون بالتراب.
وأما بالنسبة لغير الأنبياء، فإنه لم يأت نص يدل على بقاء أجسادهم بدون تأثر، وبدون تغير، والشهداء الذين أخبر الله عز وجل أنهم عند ربهم يرزقون، لا يجزم ببقاء أجسادهم على ما هي عليه دون أن تتأثر، ودون أن تتغير؛ لأنه لم يأت نص في ذلك، وهذه الأمور من أمور الغيب التي لا يتكلم فيها إلا بدليل، لكن قد وجد من بعض الشهداء بعد مدة على حاله التي دفن عليها لم يتغير، ولم يتأثر، وهو عبد الله بن حرام الأنصاري والد جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فإنه استشهد يوم أحد، ودفن في أرض أحد، ثم إن الوادي قرب من قبره، فخشي أن يجترفه السيل، وأن يحمله من مكانه الذي هو فيه، فنبشه ابنه جابر رضي الله عنه، بعد ستة أشهر، ووجده كهيئته التي دفن عليها لم يتغير جسده، ولم تأكل الأرض شيئاً من جسده رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا لا يدل على بقاء الشهداء دائماً وأبداً، وإنما يدل على أنه قد تبقى مدة كما حصل في قصة عبد الله بن حرام والد جابر، ولكن البقاء إلى يوم البعث والنشور لم يأت فيه نص يدل عليه، وإنما جاء النص في حق الأنبياء، فيثبت ما جاء في الدليل، ويسكت عما لم يأت به الدليل، والله تعالى على كل شيء قدير.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة... فأكثروا عليَّ من الصلاة ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].هو الكوسج، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
[حدثنا حسين الجعفي].
هو حسين بن علي الجعفي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي الأشعث الصنعاني].
هو شراحيل بن آده، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أوس بن أوس].
هو صحابي سكن الشام، وقد أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
الأسئلة
حكم إسقاط المرأة للجنين إذا كان الحمل يتعبها
السؤال: فضيلة الشيخ! امرأة كشفت عن نفسها بالأشعة في مستشفى خاص، حيث أنها حامل في الشهر السادس، وقال لها الطبيب بأن الجنين بدون رأس، فذهبت إلى مستشفى حكومي فكشفت فقالوا لها مثل ذلك، فهل لها أن تسقط الجنين، علماً أنها متعبة جداً من الحمل؟الجواب: على كل أقول: الله تعالى أعلم، لكن ما دام أنه حي، والحياة موجودة فهي لا تسقطه وإنما تتركه، ويمكن أن كشفهم يكون خطأ.
التوفيق بين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يسترقون) وقوله: (تداووا عباد الله)
السؤال: فضيلة الشيخ! كيف نوفق بين قوله: (لا يسترقون)، وبين قوله: (تداووا عباد الله)، وجزاكم الله خيراً؟الجواب: التداوي سائغ وجائز، وهو مباح وليس بلازم، لكن هناك بعض العلاجات التي منها الاسترقاء والاكتواء، والتي جاءت في حديث ابن عباس رضي الله عنه، في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، فالاسترقاء جائز، وكذلك الكي، ولكن إذا تركه الإنسان توكلاً على الله عز وجل، فإنه يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، لكن لا يعني هذا أن الإنسان يترك الدواء، ولا يستعمل الدواء، بل يستعمل الدواء، والرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى التداوي، وقال: (تداووا عباد الله ولا تداووا بحرام).


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:27 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(260)

- باب فضل غسل يوم الجمعة - باب الهيئة للجمعة
حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاهتمام بيوم الجمعة وذلك بالنظافة الكاملة بالغسل والتبكير والدنو من الإمام، وحث على لبس أحسن الثياب غير المحرمة شرعاً كالحرير.
فضل غسل يوم الجمعة
شرح حديث: (من غسل واغتسل وغدا وابتكر ودنا من الإمام...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل غسل يوم الجمعة.أخبرنا عمرو بن منصور وهارون بن محمد بن بكار بن بلال واللفظ له، قالا: حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن يحيى بن الحارث عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا من الإمام، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها)].
يقول النسائي رحمه الله: باب فضل غسل الجمعة. هذه الترجمة معقودة لبيان أن الاغتسال للجمعة كما أن فيه نظافة ونزاهة، ودفعاً للأذى، والقذر عن الإنسان إذا كان فيه شيء من ذلك؛ فإن فيه أيضاً الأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله عز وجل، عندما يحصل هو وغيره من أعمال أخرى رتب عليها ثواب عظيم.
وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من غسل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا من الإمام ولم يلغ، كان له بكل خطوة يخطوها عمل سنة صيامها وقيامها).
هذا ثواب عظيم من الله عز وجل لمن حصلت منه هذه الأمور المجتمعة التي هي: غسل، واغتسال، وغدو، وتبكير، وكذلك دنو من الإمام، وسماع للخطبة، وبُعد عن وجود اللغو فيها -أي: في الخطبة- فإنه يترتب على ذلك هذا الثواب.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (من غسل واغتسل).
قوله: [(غسل)]، قيل: بالتخفيف، وقيل بالتشديد: غسَّل، وفسر بتفسيرات، منها: أن المراد: غسل رأسه، واغتسل، أي: غسل جميع جسده، وخص الرأس؛ لتمييزه على غيره لما قد يحصل فيه من أوساخ تجتمع، وكذلك أيضاً ما يحصل فيه من دهن، وما يحصل فيه من أشياء تضاف إليه، فإذا أراد أن يغتسل غسل رأسه، وأزال هذه الأشياء التي علقت فيه مما كان بفعل الإنسان كالدهن ونحوه، وما لم يكن من فعله كالوسخ، وما يحصل في الرأس بسبب طول المكث عن الغسل.
ويؤيد هذا التفسير: أنه جاء في بعض روايات هذا الحديث عند أبي داود: (أنه غسل رأسه واغتسل)، فتكون تلك الرواية مفسرة لهذه الرواية، وفسر أيضاً بأن المراد بـ(غسل) أي: غسل أعضاءه، واغتسل، أي: قدم غسل الأعضاء الذي هو الوضوء، ثم أتى بعده بإفاضة الماء على سائر جسده، وهذا هو الغسل الكامل الذي فيه غسل أعضاء الوضوء أولاً، ثم غسل الجسد الذي هو إسالة الماء عليه، وإفاضة الماء على سائر الجسد، فيكون فيه تنصيص على أعضاء الوضوء، ثم بعد ذلك تعميم بإفاضة الماء على سائر الجسد.
وفسر أيضاً بأن المراد بـ[(غسل)]: أنه غسل ثيابه، واغتسل بأن كان نظيف الجسد، والثوب، فتكون الثياب أيضاً تغسل، ويزال ما علق بها من أوساخ فتكون نظيفة، ويكون نظيف الجسد، نظيف الثياب.
وفسر أيضاً بأن المراد بذلك: أنه جامع أهله، وتسبب في اغتسالهم، فيكون بذلك اغتسل، وتسبب في اغتسال غيره، ويكون بذلك اغتسل للجنابة، واغتسل أيضاً للجمعة، لكن عندما يكون على الإنسان غسل جنابة، وغسل جمعة، فإنه يتعين عليه أن ينويهما جميعاً، أو ينوي غسل الجنابة، ولا يكفي أن ينوي غسل الجمعة، وهو لم ينو غسل الجنابة إذا كان عليه جنابة، لكن إذا نواهما جميعاً، أو نوى الجنابة فإنه غسل الجنابة يكفي عن غسل الجمعة، فغسل الجنابة لا بد منه، وغسل الجمعة على خلاف فيه، هل هو واجب أو غير واجب؟ كما سبق أن تقدم.
فهذه أقوال العلماء في معنى [(غسل واغتسل)].
وقوله: [(وغدا وابتكر)]، (غدا) أي: ذهب غدواً، أي: في أول النهار، (وابتكر) قيل: إن معناه أنه بمعنى غدا: أي: بكر، وقيل: إنه معناه أنه حضر الخطبة من أولها، ولم يفته منها شيء.
قوله: [(ودنا من الإمام ولم يلغ)].
أي: أنه جاء مبكراً، وصار في الصفوف الأول، ومن المعلوم أن الإنسان عندما يأتي يبحث في أوائل الصفوف، فإذا كان الصف الأول فيه مكان، فإنه لا يتركه بغيره، ولا يجوز أن يبدأ بالصف الثاني إلا إذا امتلأ الصف الأول، الواجب هو إتمام الصفوف أولاً فأولاً، ولا يبدأ بالصف الثاني حتى يكمل الأول، ولا يبدأ بالثالث حتى يكمل الثاني، ولا يبدأ بالرابع حتى يكمل الثالث.. وهكذا، فتكمل الصفوف أولاً فأولاً؛ لأن في ذلك تحصيل الأجر، والمسابقة إلى الخيرات، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، يعني: ما يفصل بينهم إلا القرعة، كل واحد يقول: أنا السابق، يميز بينهم بالقرعة التي تميز هذا من هذا، ومن له حق الأسبقية، فالدنو من الإمام يكون بكونه يأتي مبكراً، ويصير في الصفوف الأول؛ لأنه يحصل على فضل الصفوف الأول، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها)، ويحصل أيضاً الدنو من الإمام الذي فيه التمكن من سماع الخطبة، فيكون في ذلك استفاد من سماع الخطبة وإدراكها، والعلم بها، وأيضاً: استفاد تحصيل الأجر الذي يحصل لمن يأتي مبكراً إلى الصفوف الأول، فيكون سابقاً إلى الخيرات.
قوله: [(ولم يلغ)]، يعني: لم يحصل منه لغو، واللغو مطلق، اللغو: هو رديء الكلام، ولكن بالنسبة للخطبة، حتى مجرد الكلام مع الغير، ولو كان أمراً بمعروف ونهياً عن منكر فإنه لغو، فلا يجوز لإنسان أن يقول لصاحبه: أنصت، يعني كونه يسمع أحداً يتكلم أو كذا، ثم يخاطبه ويقول: أنصت أو اسكت، فإن هذا لغو، كما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والمراد: أن الجمعة، وخطبة الجمعة لها شأن كبير، وسماعها له شأن كبير، ولا يتشاغل الإنسان عنها بشيء، فلا يشير إلى غيره، أو يتكلم مع غيره بأن يقول: أنصت، أو يقول: اسكت، وإنما يقبل على الخطبة، ويجتهد في إدراكها، كونه يعقلها، ويحيط بها، ويعرف أو يحصل هذه الفوائد العظيمة التي تكون في خطبة الجمعة، وخطبة الجمعة لها شأن عظيم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت)، (ومن مس الحصى فقد لغا)، فلا يتشاغل لا بعمل، ولا بقول، وإنما هو إنصات، واتجاه إلى سماع الخطبة، ومعرفتها، وعقلها والإحاطة بها.
قوله: [(كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها، وقيامها)]، وهذا عمل عظيم على شيء يسير، وهذا عمل يسير، وهذا هو الذي من أجله أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل غسل يوم الجمعة، وأن فيه مع غيره هذا الفضل العظيم؛ لأن هذا الفضل لا يخصه، وليس مبنياً عليه وحده بل مبني على الاغتسال، وعلى إكمال الاغتسال بحصول الغسل، إما للرأس أو للأعضاء، وكل هذه الأمور التي فسر بها معنى الغسل إذا توفرت فإن ذلك خير، وذلك فيه فائدة عظيمة.
وكذلك هذا الأجر مترتب على التبكير، والذهاب في الغدو مبكراً، ثم أيضاً مترتب على كونه يدنو من الإمام ويسمع الخطبة، ولا يلغو، فهذه هي التي رتب عليها هذا الثواب العظيم، الذي هو عمل سنة، (بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها).
تراجم رجال إسناد حديث: (من غسل واغتسل وغدا وابتكر ودنا من الإمام...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].هو عمرو بن منصور النسائي، وهو شيخ الإمام النسائي من بلد واحد، وعمرو بن منصور هذا ثقة، ثبت، أخرج له النسائي وحده.
[وهارون بن محمد بن بكار].
هو هارون بن محمد بن بكار بن هلال، وهو صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وهنا النسائي أطال في نسبة شيخه هارون، فذكر اسم أبيه، وجده، وجد أبيه، وكما ذكرت سابقاً: أن التلميذ يذكر شيخه كما يريد، وينسب شيخه كما يريد، يطيل في نسبه أو يقصر في نسبه، هذا يرجع إليه، لكن إذا كان التلميذ اختصر نسب شيخه، أو لم يذكر إلا اسمه، فغيره لا يزيد على ما ذكره التلميذ إلا مبيناً أن هذا العمل ليس من التلميذ، وذلك بأن يقول: هو ابن فلان، أو يقول: يعني ابن فلان، التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما ينسبه كما يريد.
[واللفظ له].
أي: للثاني الذي هو هارون بن محمد بن بكار بن بلال، اللفظ الذي ذكره ليس لفظ عمرو بن منصور شيخه الذي هو من أهل بلده، وإنما هو لفظ هارون بن محمد بن بكار بن بلال، قال: واللفظ له، أي: للثاني.
وقد ذكرت فيما مضى أن النسائي أحياناً ينص على من له اللفظ إذا ذكر الشيخين، وأحياناً لا ينص، وذكرت أن التنصيص على من له اللفظ طريقة مسلم، وطريقة النسائي في كثير من الأحيان، وأما البخاري فهو لا ينص على من له اللفظ، ولكن عُرف بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا ذكر الحديث عن شيخين من شيوخه، فإن اللفظ يكون للثاني منهما، قال الحافظ ابن حجر: إن هذا عرف بالاستقراء من صنيع البخاري؛ وذلك لأنه يذكر الحديثين عن شيخين، فيكون اللفظ للثاني، ويأتي لفظ الأول في حديث يورد الحديث مرة أخرى بالإسناد الأول ليس معه أحد، ويكون اللفظ مغاير للفظ الذي أورده مع شيخ آخر.
وقد ذكر ابن حجر هذه الفائدة في كتاب التيمم عند حديث جابر: (أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر...)، إلى آخر الحديث، وقد ذكر البخاري هذا الحديث عن شيخين من شيوخه، وقال: إنه للثاني منهما، وقال: إن طريقة البخاري التي عرفت بالاستقراء والتتبع: أن اللفظ يكون للثاني، بدليل أنه أحياناً يذكر الحديث مرة أخرى بإسناد الأول وليس معه أحد، ثم يختلف اللفظ، فيختلف اللفظ عن اللفظ المثبت، إذاً: هو لفظ الثاني وليس لفظ الأول، وعرف ذلك بالاستقراء، والتتبع.
وابن حجر رحمة الله عليه، أعطى صحيح البخاري عناية تامة، واستقرأ طريقة البخاري ومنهجه في صحيحه، ونص على ذلك في كتابه فتح الباري في مواضع مختلفة، لكن هذه النتيجة إنما عرفت بالتتبع والاستقراء.
[حدثنا أبو مسهر].
صاحب هذه الكنية هو عبد الأعلى بن مسهر، وكنيته توافق اسم أبيه، هو ابن مسهر، وهو أبو مسهر، وقد ذكرت فيما مضى: أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفة هذا النوع: أن لا يظن التصحيف فيما إذا ذكر بالنسب أو ذكر بالكنية، فإن من لا يعرف الكنية لو جاء (أبو) بدل (ابن)، يظن أن (ابن) صحفت إلى (أبو)، مع أنه لا تصحيف، بل هذا صواب، وهذا صواب، هو أبو مسهر وهو ابن مسهر، إن قيل: عبد الأعلى بن مسهر فهو صواب، وإن قيل: عبد الأعلى أبو مسهر فهو صواب، لا تنافي ولا تصحيف في ذلك.
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد بن عبد العزيز].
ثقة، إمام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن يحيى بن الحارث].
هو يحيى بن الحارث الذماري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي الأشعث الصنعاني].
هو شراحيل بن آدة، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أوس بن أوس].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سكن الشام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

يتبع



ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:29 AM

الهيئة للجمعة

شرح حديث: (... إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الهيئة للجمعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رأى حلة فقال: (يا رسول الله! لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها، فأعطى عمر منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله! كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أكسكها لتلبسها، فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة).
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الهيئة للجمعة، يعني: كون الإنسان يتجمل للجمعة، ويكون على هيئة حسنة، وقد مر أن الاغتسال واجب أو مستحب، وهذا من التهيؤ للجمعة، والتنظف للجمعة، فيكون الإنسان نظيف الجسد، نظيف الثياب، ذا هيئة حسنة في جسده وثيابه، وقد كان معروفاً عندهم التجمل للجمعة، وكذلك للوفود، أي: عندما يستقبل الإنسان الناس فإنه يكون على هيئة حسنة وهو يستقبلهم، كان هذا متقرر عندهم، ولهذا لما رأى عمر رضي الله عنه، حلة تباع، والذي عرضها للبيع شخص يقال له: عطارد، فقال عمر رضي الله عنه، للنبي صلى الله عليه وسلم: لو اشتريتها لتلبسها للجمعة وللوفود. فالرسول صلى الله عليه وسلم أقره على ما ذكر من حيث التجمل للجمعة والوفود، ولكن الذي أنكره، وبين أنه لا يسوغ هو كونها حريراً، والحرير لا يجوز لبسه للرجال، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة)، يعني: الحرير الذي يلبسه في الدنيا لا حظ له ولا نصيب في الآخرة، بمعنى: أنه يحرم، ويعاقب عليه؛ وأنه لا يلبس الحرير، مثلما جاء بالنسبة للذهب والفضة، كما جاء في الحديث: (أنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، يعني: الكفار، فالكفار يتمتعون، ويتنعمون بنعيم الدنيا ولذاتها ما حرم وما أبيح، والمسلمون ما تركوه لله عز وجل في الدنيا، فإنهم يحصلونه في الآخرة، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخذ ذهباً وحريراً قال: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها).
الحاصل: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أقر عمر على ما أشار إليه من التجمل، ولكنه بين أن اتخاذ مثل ذلك غير سائغ، وإنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة، (من لا خلاق له) يعني: لا نصيب ولا حظ له في الآخرة، فهذا هو المقصود بالخلاق.
وهذا يدلنا على أن لبس الحرير لا يجوز ولا يسوغ للرجال، وهو جائز وسائغ في حق النساء، والرجال لا يجوز لهم استعمال الحرير، كما أنه لا يجوز لهم استعمال الذهب في اللبس وفي أيديهم، أو التجمل به، وكذلك في الأسنان، أما كونه يخرب السن، ويؤتى بمكانه سن من ذهب، فهذا لا بأس به، وإنما البأس بمن يلبس أسنانه بذهب تجملاً، فإن هذا لا يسوغ ولا يجوز؛ لأنه ليس بضرورة، أما إذا كان مضطراً أن يجعل سناً من ذهب؛ لكونه ذهب سنه، أو حصل فيه شيء من التلف، فاستعمل الذهب فإنه لا بأس بذلك، وإنما الممنوع كونه يفعله للتجمل، سواءً كان أسناناً أو غير أسنان، كل ما يكون للتجمل فلا يسوغ، ولا يجوز لبس الذهب في حق الرجال، فلا يجوز للرجال استعمال الذهب، ولا يجوز لهم استعمال الحرير.
قوله: [(إنه رأى حلة)]. (الحلة) قيل: برود من اليمن، وكانت من الحرير، وهذه الحلة التي أشار بها عمر كانت من الحرير، فالنبي عليه الصلاة والسلام بين أن الحرير لا يجوز للرجال، قال: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة)، والحلة قيل في معناها: أنها تتكون من شيئين: من إزار، ورداء، لا تطلق إلا على مجموع الاثنين، فهي اسم لمجموع شيئين، فلا يقال للرداء: حلة، ولا يقال للإزار: حلة، وإنما الحلة تكون من مجموع الأمرين.
وفي هذا: دلالة على تحريم استعمال الحرير للرجال، وفيه: دلالة على التجمل للجمعة، وكذلك للوفود، وذلك بإقرار الرسول عليه الصلاة والسلام لـعمر فيما أشار إليه، وفيه: المشورة بما يراه الإنسان نافعاً، ومفيداً للمشار إليه؛ لأن عمر رضي الله عنه، رأى أن في ذلك مصلحة.
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام أُتي أو جاءه من هذه الحلل التي تشبه هذه الحلة، فأعطى عمر رضي الله عنه واحدة، أي: حلة من الحلل، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إنك قلت في حلة عطارد ما قلت؟! يعني: أنا عرضت أنك تشتريها وقلت: (يلبسها من لا خلاق له)، وأنت أعطيتني إياها، فكيف؟ قال صلى الله عليه وسلم: (ما أعطيتكها لتلبسها)، وإنما لتستفيد منها لا ليلبسها، يمكن أن يعطيها لمن له أن يلبسها، مثل النساء؛ النساء تلبس الحرير، فـعمر رضي الله عنه، لما سمع ما سمع أهداها، وأعطاها إلى أخ له مشرك بمكة.
وفي هذا إشكال، وهو كونه أعطاها للمشرك؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، والإنسان إذا كان وجد خمراً لا يعطيه لكافر، وإنما يريقه، ويتلفه، ولا يقول: إن الكفار يشربون الخمر، إذاً: لا يعطى الخمر إذا كان فيه خمر، وإنما الخمر تراق، ولا تعطى لمن يستعملها من الكفار؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، كما أنهم مخاطبون بالأصول، فهم مخاطبون بالفروع، لكن الفروع لا تنفعهم بدون الأصول، وفائدة خطابهم بالفروع: أنهم يؤاخذون على ترك الأصول وعلى ترك الفروع، فيعاقبون على الاثنين، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة في أصول الفقه، فالمسألة الأصولية: هل الكفار مخاطبون بالأصول والفروع، أو مخاطبون بالأصول فقط؟ قولان للعلماء، والصحيح أنهم مخاطبون بالأصول والفروع، لكن لا تنفعهم الفروع بدون الأصول، لو صلى الإنسان، أو لو صام الإنسان، أو عمل أي عمل وهو غير مؤمن بالله عز وجل، وغير داخل في الإسلام، فإنه لا ينفعه، ولكن فائدة الخطاب بالفروع أنه يؤاخذ على ترك الأصول، وعلى ترك الفروع.
ولهذا جاء في القرآن: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ )[النحل:88]، فهذا فيه دليل على أن الكفر وما يضاف إليه من الأعمال الأخرى يؤاخذ عليها الكافر وكذلك أيضاً إذا بالنسبة للحساب، والجزاء، والمعاقبة، تكون على ترك الأصول، وعلى ترك الفروع، ومن أدلة ذلك قول الله عز وجل: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا )[الكهف:49]، يعني: الصغيرة، والكبيرة كلها تحصى، فمعناه: أن كتاب الكافر فيه الصغائر، والكبائر، أي: أن فيه ترك الأصول، وترك الفروع، فكله يؤاخذ عليه، فهذا فيه: دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع، كما أنهم مخاطبون بالأصول.
ولعل عمر رضي الله عنه لم يكن يعلم بهذا، أو أنه أهداها إليه ليستعملها لا ليلبسها، وإعطاؤها للنساء، واستعمال النساء لها هو الذي لا إشكال فيه؛ لأنه مباح للنساء مسلمات وكافرات، فاستعمال الحرير للنساء مسلمات أو كافرات سائغ.
ثم قال: (يا رسول الله! لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها فأعطى عمر منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله! كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟!).
وقوله: [(كسوتنيها)] المراد به: أعطيتنيها؛ لأنه أعطاه منها حلة، وهو ما أعطاه إياه ليلبسها، وإنما ليستفيد منها، قال: إنك قلت في حلة عطارد، يعني: أنه لا يلبسها إلا من خلاق له، وقد أعطيتني إياها، وهذا فيه: ما كان يحصل من الصحابة في مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يشكل عليهم؛ لأنه قال في الحرير: (إنما يلبسها من لا خلاق له)، ومع ذلك أعطاه حلة، فبين له أنه ما أعطاه إياها ليلبسها، وإنما ليستفيد منها، بأن يكسوها لمن يستفيد منها، أو يبيعها على من يمكن أن يستفيد منها فيما يسوغ الاستفادة فيه، وذلك كاستعمالها للنساء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم أكسكها لتلبسها، فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة).
تراجم رجال إسناد حديث: (... إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].قتيبة، هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، تابعي، مشهور، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما].
صحابي ابن صحابي، من خيار الصحابة ومن علمائهم، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، قتيبة ومالك ونافع وابن عمر.
ومالك عن نافع عن ابن عمر هذه أصح الأسانيد عند البخاري، على الإطلاق، وهذه السلسلة: مالك عن نافع عن ابن عمر، ويقال لها: السلسلة الذهبية، وهي أصح الأسانيد عند الإمام البخاري رحمة الله عليه.
شرح حديث: (إن الغسل يوم الجمعة على كل محتلم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا الحسن بن سوار حدثنا الليث حدثنا خالد عن سعيد عن أبي بكر بن المنكدر: أن عمرو بن سليم أخبره عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه)].أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم، وأعاده هنا من أجل أن فيه نظافة الجسد، وذلك بالاغتسال، والذي قبله فيه نظافة الثياب، وذلك باختيار الثياب النظيفة الجميلة، فذكر في الباب حديثين: حديث يتعلق باللباس، وحديث يتعلق بنظافة الجسد، وأورد فيه حديث أبي سعيد الذي تقدم، والذي فيه: أن غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وكذلك السواك، وأن يمس من الطيب، يعني: أن فيه التهيؤ، والتجمل للجمعة، كلبس أحسن الثياب مما هو مباح، والاغتسال، وإزالة الوسخ عن الجسد، والسواك، والطيب. تراجم رجال إسناد حديث: (إن الغسل يوم الجمعة على كل محتلم ...)
قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هو هارون بن عبد الله البغدادي الحمال، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا الحسن بن سوار].
صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا الليث].
هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، محدث، فقيه، مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو فقيه مصر ومحدثها، مشهور بالفقه ومشهور بالحديث.
[حدثنا خالد].
هو ابن يزيد المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
هو سعيد بن أبي هلال المصري، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب.
[عن أبي بكر بن المنكدر].
هو أخو محمد بن المنكدر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[أن عمرو بن سليم أخبره].
ثقة، من كبار التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن أبي سعيد].
هو عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي سعيد].
هو أبو سعيد الخدري، وهو سعد بن مالك بن سنان، مشهور بكنيته ونسبته، كنيته أبو سعيد، ونسبته الخدري، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين أكثروا الحديث عنه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام والذين ذكرتهم آنفاً.
وهذا الحديث إسناده: هارون بن عبد الله البغدادي الحمال، والحسن بن سوار، والليث بن سعد، وخالد بن يزيد المصري، وسعيد بن أبي هلال المصري، وأبو بكر بن المنكدر، وعمرو بن سليم، وعبد الرحمن بن أبي سعيد، وأبو سعيد، تسعة أشخاص، فهذا من أطول الأسانيد عند النسائي، وهما إسنادان متجاوران، يعني حديثان متجاوران، أحدهما من أعلى الأسانيد، وهو الحديث الذي قبله؛ حديث عبد الله بن عمر، والحديث الثاني حديث أبي سعيد الذي هو تسعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام.
شرح حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الأشعث عن يزيد بن زريع قال حدثنا شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) قال أبو عبد الرحمن: الحسن عن سمرة كتاباً، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة].أورد النسائي حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل).
(من توضأ يوم الجمعة فبها)، أي: بهذه الخصلة التي هي: الوضوء، وهو الشيء الواجب الذي لا بد منه؛ لقوله: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، كما جاء ذلك في الحديث.
(ومن اغتسل فالغسل أفضل)، يعني: من أضاف إلى الوضوء الغسل فذلك أفضل، وهذا يدل على أن الغسل مستحب.
والحديث من رواية الحسن البصري عن سمرة، ورواية الحسن عن سمرة اختلف في سماعه منه على ثلاثة أقوال: فمن العلماء من قال: إنه سمع مطلقاً، ومنهم من قال: لم يسمع مطلقاً، ومنهم من قال: سمع حديث العقيقة دون غيرها، وحديث العقيقة هو: (الغلام مرتهن بعقيقته يذبح يوم سابعه)، فهذا الحديث هو الذي جاء أن الحسن سمعه من سمرة رضي الله تعالى عنه.
وجاء من طريق أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فالحديث ثابت، وهو دال على أن غسل يوم الجمعة متأكد، ولكنه ليس بواجب، وإنما هو مستحب، والحرص عليه لا شك أنه مطلوب، ولكن من لم يفعله فإنه لا يكون آثماً؛ لأنه لم يكن ترك واجباً، وقد جاء في بعض الأحاديث الأخرى ما يدل على ذلك، ومنها الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد..)، أيضاً توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، فاقتصر على ذكر الوضوء، وإحسانه.
وكذلك أيضاً ما جاء عن عثمان رضي الله عنه، في زمن خلافة عمر، كان عمر يخطب الناس يوم الجمعة، فدخل عثمان، وهو يخطب، فـعمر رضي الله عنه، قطع الخطبة وقال له يخاطب عثمان: أي ساعة هذه؟ معناه أنك متأخر، تأخرت عن حضور الجمعة، فقال: والله يا أمير المؤمنين! كنت في كذا وكذا، فما إن سمعت الأذان حتى توضأت، وجئت، قال: وهذه أيضاً؟ يعني: بدون غسل.
فحديث أبي سعيد من أطول الأسانيد، وأنزلها، ولا أطول منه إلا العشاري، وقد مر في فضل سورة: (قل هو الله) حديث بإسناد عشاري؛ بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أشخاص، قال النسائي بعده: وهذا هو أطول إسناد.
فإذاً: أطولها على الإطلاق العشاري، والتساعي هو الذي يليه، وهذا الباب فيه مثال لأعلى الأسانيد ولأطول الأسانيد.





ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:32 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(261)

- باب فضل المشي إلى الجمعة
بيّن الشرع فضل المشي إلى الجمعة ورتب على ذلك الكثير من الأجر والثواب، حيث يكون له بكل خطوة عمل سنة.
فضل المشي إلى الجمعة
شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وغدا وابتكر ومشى ولم يركب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل المشي إلى الجمعة.أخبرني عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير حدثنا الوليد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أنه سمع أبا الأشعث حدثه: أنه سمع أوس بن أوس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وغدا وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام وأنصت ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة)].
أورد النسائي: فضل المشي إلى الجمعة، يعني: كون الإنسان يمشي على قدميه، فهذا هو المقصود بالترجمة، أن في ذلك أجر عظيم، وثواب جزيل من الله عز وجل، وأورد فيه حديث أوس بن أوس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل)، وهذا بمعنى الذي مر قبله، في إسناد مضى من حديث أوس بن أوس في فضل غسل يوم الجمعة، مر ذكر الغسل والاغتسال.
[(وابتكر ومشى ولم يلغ)].
وابتكر، يعني: جاء مبكراً، ومشى على قدميه، ولم يركب؛ لأن في ذلك زيادة التعب، والنصب، والاجتهاد، وكثرة الخطى، وقد جاء فيه أنه بكل خطوة.. ومعنى هذا أن هذا يكون عن طريق المشي.
(ودنا من الإمام وأنصت ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة)، قوله: (بكل خطوة)، يعني: يخطوها بقدميه؛ لأن قوله: (ومشى، ولم يركب)، يدل على أن هذا الأجر يحصله من مشى، ومن جاء من مكان بعيد راكباً بمكان فاضل، فهو على خير، وفضل الله تعالى واسع، لكن الحديث فيه فضل المشي، وأنه أولى من الركوب لمن تمكن منه.
تراجم رجال إسناد حديث: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل وغدا وابتكر ومشى ولم يركب ...)
قوله: [أخبرني عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وهنا النسائي أطال في نسبة شيخه، كما ذكرت من قبل أن التلميذ يذكر شيخه كما يريد، إن أراد يطول طول، وإن أراد أن يختصر اختصر، وهنا أطال في نسبته.
[حدثنا الوليد].
هو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس، والتسوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر].
ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أنه سمع أبا الأشعث].
هو شراحيل بن آده، وهو شامي، أخرج حديثه البخاري في الأدب، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أنه سمع أوس].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة.
الأسئلة

الاستفادة من حديث أوس في التبكير إلى الجمعة مسألة الدنو من الإمام
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يؤخذ من حديث أوس بن أوس فضل الدنو من الإمام في سائر الصلوات المفروضة؟الجواب: الدنو من الإمام كما هو معلوم مطلوب؛ لأن خير صفوف الرجال أولها، يدل هذا عليه: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها).
حكم وصف الله بالعقل
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يتصف الله بالعقل؟الجواب: أقول: مثل هذا ما ورد، لا يضاف إلى الله عز وجل شيء لم يأت، يعني: الشيء الذي ما ورد لا يثبت ولا ينفى، ولكن يثبت عموماً وينفى عموماً أن الله تعالى متصف بكل كمال، ومنزه عن كل نقص، هذا يثبت وينفى عموماً، وأما التفاصيل فلا يثبت لله شيء على سبيل التنقيص إلا بدليل، ولا ينفى عنه إلا بدليل، بل يسكت عن الشيء الذي ما ورد.
مدى جواز صلاة المأموم على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكر الخطيب له وقت الخطبة
السؤال: فضيلة الشيخ! إذا ذكر الإمام وهو في الخطبة على المنبر النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يصلي عليه المأمومون أو يعتبر هذا كأنه لغو؟الجواب: نعم، يصلي عليه المأمومون؛ لأن هذا إقبال على الإمام، وإقبال على الخطبة، وإنما المحذور الانشغال عن الخطبة، وذلك بمخاطبة الناس، والكلام مع الناس، هذا هو الذي فيه اللغو، وأما الشيء الذي مع الإمام، والذي فيه اتجاه إلى الإمام، وكونه يصلي، ويؤمن، هذا فيه إقبال على الخطبة، والمقصود هو الإقبال على الخطبة، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عندما يأتي ذكره صلى الله عليه وسلم، يصلي ويسلم عليه ولا بأس.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:35 AM

الاعتداء في الدعاء على الظالم
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم دعاء المظلوم على الظالم بأن يعمي الله عين من افترى عليه؟الجواب: ليس للإنسان أن يتعدى في الدعاء، ويعتدي فيه، الإنسان يدعو على من ظلمه، لكن كونه يدعو عليه بشيء فوق أخذ حقه، أو فوق ما يكون به إصابته بالشيء الذي يكون به جزاءه، هذا من الاعتداء في الدعاء، إنسان ظلم في شيء يسير، ثم يدعو عليه ببلاء، ومصائب لا حد لها، هذا من الاعتداء في الدعاء.
حكم وضع اليدين على الصدر بعد الركوع
السؤال: فضيلة الشيخ! ما دليل وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع؟الجواب: هي سنة، وضع اليدين على الصدر قبل الركوع وبعده دل عليه الحديث الذي فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كان قائماً في الصلاة وضع اليمين على الشمال)، ومعلوم أن المصلي له حالات أربع لا خامس لها، فهو إما قائم، والقيام في حالتين: قبل الركوع وبعد الركوع، والحديث يقول: (إذا كان قائماً في الصلاة)، فهذا قائم، والركوع والسجود والجلوس له حالتان: حالة بين السجدتين، وحالة في التشهد، هذه أحوال المصلي الأربعة.
وقوله: (إذا كان قائماً في الصلاة)، يشمل هاتين الحالتين: ما قبل الركوع، وما بعد الركوع.
الإشارة في الجمعة من قبل المأموم
السؤال: فضيلة الشيخ! ما هو الدليل على عدم الإشارة في الجمعة مع أن جميع الأحاديث تقول: لا يقول، ولم يذكر، ولا يشير؟الشيخ: ولا يشير؟
مداخلة: إي نعم. وأن لا يشير يوم الجمعة ولو كان هناك مصلحة، يعني: الظاهر أنه لو أشار إلى أحد يتكلم..
الجواب: الذي ورد بالفعل مس الحصى، ومس الحصى كما هو معلوم عبث، والإشارة ما نعلم شيئاً يدل عليها؛ لأنه ما فيه شيء يفيد منعها ولا جوازها، لكن إذا كانت هذه الإشارة، ما يترتب عليها انشغال، والأمر ضرورة لا بد منه؛ لأن فيه تشويشاً، والناس لا يستطيعون أن يسمعوا الخطبة بسبب هذا التشويش، وحصل إشارة، فلا بأس بذلك إن شاء الله.
حكم لبس الحرير للرجال
السؤال: فضيلة الشيخ! قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم أتركها.....)، ومعلوم أنها حلت للرجال فلا يجوز للنساء لبسها، فيكون إعطاء الحلة لـعمر ليهديها، فيبقى الإشكال في كون المشركين مخاطبون بفروع الشريعة؟الجواب: ما فيه شيء يفيد أن هذا شيء للرجال، وأن هذا للنساء، الرجال لا يجوز لهم لبس الحرير، فلا يجوز صنعه لهم، لكن يبدو أنها صالحة للجميع، والرجال لا يجوز لهم أن يلبسوها، والنساء لهن أن يلبسنها.
أخ عمر بن الخطاب من الرضاعة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل كان لـعمر رضي الله عنه أخ؟ أرجو أن تذكر لنا اسمه؟الجواب: ذكروا أن له أخا من الرضاعة، كما ذكره المعلق. هو: زيد بن الخطاب، وهو مسلم، ممن تقدم إسلامه.
مخاطبة الإمام للمأموم في تصحيح الخطأ
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز للخطيب مخاطبة أحد في تصحيح الخطأ؟الشيخ: نعم يجوز أن يصحح الخطأ، مخاطبة الإمام ومخاطبة غيره له جائز، فلو خاطب الإمام أحداً وطلب على من يشوش أن يسكت، فلا بأس به؛ لأن مخاطبة الإمام، وكلام الإمام مع الناس، وكلام الناس مع الإمام، كل ذلك سائغ، للحديث الذي فيه جاء عثمان رضي الله عنه، متأخراً وعمر فقطع الخطبة قال له: أي ساعة هذه؟ فقال: إنني سمعت الأذان فما زدت على أن توضأت. فهذا كلام، والرجل الذي جاء والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب وقال: (هلكت الأموال وكذا وكذا، فادع الله أن يغيثنا، فدعا)، فمخاطبة المأمومين للإمام والإمام للمأمومين في الخطبة هذا جاءت به السنة.
بيان تفسير حديث: (ما زال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)
السؤال: فضيلة الشيخ! ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ما زال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)؟الجواب: الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)، يعني: يعاقبون بأن يؤخروا، عن الخيرات، وعن تحصيل الثواب، والوقوع في الإثم؛ لأن هذا من العقوبات التي تكون على المعاصي كما سبق أن مر بنا قريباً: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)، وكذلك الحديث الذي يقول: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، يعني: فالذنب يعاقب عليه بما هو أشد منه، فهذا التأخر عن الإمام، والتأخر عن وصل الصفوف، يعاقب عليه بأن يؤخره الله، لا يكون من أهل الخير، ولا يكون ممن يفوز بالخيرات.
هل في العسل زكاة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل في العسل زكاة؟الجواب: لا أدري.
حكم الاستغاثة بغير الله
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم الإسلام في الذين يستغيثون بالأولياء، ويضعون حبة البركة لدفع العين؟الجواب: الاستغاثة بالأولياء وطلب الحاجات من الأولياء، هذا شرك بالله عز وجل؛ لأن الشرك هو دعوة غير الله معه، وصرف حق الله إلى غير الله، ومن المعلوم أن الاستغاثة وطلب الحاجات إنما تكون من الله عز وجل، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )[الفاتحة:5]، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا )[الجن:18]، (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، فكون الإنسان يدعو غير الله بأن يخاطب ملائكة، ويطلب من الملائكة، يدعو الملائكة، ويدعو الجن، يدعو الأموات، يدعو الغائبين، هذا من دعوة غير الله، ومن صرف حق الله إلى غير الله، فهذا شرك بالله عز وجل.
حكم قفل الباب للمصلي إن دعت الحاجة
السؤال: فضيلة الشيخ! كيف يفعل من أراد قفل الباب خلفه وهو يصلي؟الجواب: إذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك فيمكن أن يرجع إلى القهقرى، ويقفله مثل كونه يتقدم إلى الأمام ويتأخر القهقرى، يمكن.
مدى صحة اعتبار الإمام أحمد من الجماعة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل الإمام أحمد من الجماعة؟الجواب: الإمام أحمد كما هو معلوم ليس من الستة الذين هم أصحاب الكتب الستة، لكن بعض العلماء له اصطلاح، إذا قال: الجماعة، فيجعل مع الستة الإمام أحمد، وهذا عمل المجد بن تيمية في المنتقى الذي شرحه الشوكاني في نيل الأوطار، فاصطلاح المجد بن تيمية إذا قال: متفق عليه، يقصد البخاري، ومسلم، والإمام أحمد.




ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:38 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(262)

باب التبكير إلى الجمعة - باب وقت الجمعة
حث النبي صلى الله عليه وسلم على المسارعة إلى الجمعة، ورتب على ذلك أجراً يتفاوت بتفاوت التبكير إليها، ووقت الجمعة يختلف صيفاً وشتاءً، لكنه يبدأ من أول النهار حتى بداية الخطبة؛ لأن الملائكة حينها يطوون صحفهم وينصتون إليها.
التبكير إلى الجمعة
شرح حديث: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد...)
أولها هذه الطريق، وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد يكتبون من جاء إلى الجمعة) أي: معناه يكتبون الأول فالأول.(فإذا قعد الإمام طووا الصحف وجلسوا يستمعون الذكر) ثم قال عليه الصلاة والسلام: (المهجر إلى الجمعة) أي: المبكر الذي يحصل منه التبكير كثيراً، فإنه كالمهدي بدنة، كالذي يتقرب إلى الله ببدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي شاة، ثم كالمهدي بطة، ثم كالمهدي دجاجة، ثم كالمهدي بيضة، وبعد البيضة خروج الإمام، وطي الصحف، وجلوس الملائكة لتستمع الذكر، والحديث يدل على فضل التبكير إلى المسجد يوم الجمعة، وأنه يتفاوت على حسب التبكير، وعلى مقدار التبكير، فمن بكر كثيراً فهو كالمهدي بدنة، ومن يليه كالمهدي بقرة، وهكذا حتى يصل إلى كالمهدي بيضة، ففيه تفاوت الناس في الأجر، وتفاوت الناس في الثواب، وأن ذلك بحسب تفاوتهم في التبكير والتأخر عن الجمعة.
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر أن الملائكة تقعد على أبواب المسجد، وأنهم يكتبون من يأتي إلى المسجد، وهذا فيه الإيمان بالملائكة، وأنهم خلق من خلق الله، أسند إليهم أعمالاً، ووكل إليهم أعمالاً يقومون بها، فمنهم من أعماله في السماء، ومنهم من أعماله في الأرض، ومنهم الموكل بالجبال، والموكل بالقرآن، والموكل بالقطر، والموكل بقبض الأرواح، والموكل بالأرحام، فأعمال كثيرة جاء الكتاب والسنة في بيان دلالتها على قيامهم بهذه الأعمال، وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون كما قال الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )[التحريم:6]، فهذا يدلنا على أنه لا بد من الإيمان بالملائكة، وكذلك الإيمان بما جاء به الكتاب والسنة من بيان أعمالهم التي أسندت إليهم، وأضيفت إليهم.
والإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان الستة التي بينها رسول الله عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل، وهي: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) فالإيمان بهم من أصول الإيمان، فيؤمن بهم إجمالاً، ويؤمن بهم تفصيلاً، إجمالاً: بأن يؤمن بأن لله ملائكة أسند إليهم أعمال يقومون بها، والتفصيل: بأن يسمي من سمي منهم، ويعين العمل أو الأعمال التي جاء تعيينها بالكتاب والسنة لبعضهم، وكل ما جاء به الكتاب والسنة مما يتعلق بالملائكة فإنه يجب الإيمان به والتصديق، وأنه داخل في الإيمان بالملائكة الذي هو ركن من أركان الإيمان الستة المبينة في حديث جبريل، وكذلك المبينة في القرآن، كما في قوله عز وجل: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )[البقرة:177]، وكذلك: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ )[البقرة:285]، وكذلك جاء في آيات أخرى التنصيص على الإيمان بالملائكة، والإيمان بغيرهم كما جاء مبيناً في آيات وفي أحاديث ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث يدل على شيء من أعمال الملائكة، وهي القعود على أبواب المساجد يوم الجمعة، وأنهم يكتبون الأول فالأول.
ثم بين عليه الصلاة والسلام تفاوت الناس في الأجر، والثواب، وأن من بكر كثيراً فهو كالمهدي بدنة، وهكذا حتى يصل إلى كالمهدي بيضة، وفرق شاسع بين من يهدي بدنة، ومن يهدي بيضة؛ فإن هذا قليل يسير، وهذا شيء كبير وعظيم عند الله عز وجل.
ثم إن التبكير إنما يكون من أول النهار، فالناس يتفاوتون على حسب تبكيرهم من أول النهار، ومن المعلوم أن الجمعة ساعات وأوقات، والمراد بالساعات أجزاء من الزمان، وفي لغة العرب: أن الليل والنهار ينقسمان إلى أربع وعشرين ساعة، وكل ساعة من هذه الساعات لها اسم معين، وقد ذكر هذه الساعات وأسماءها الثعالبي في كتاب فقه اللغة؛ فإنه ذكر ساعات الليل، وساعات النهار، ساعات الليل اثنا عشر، وساعات النهار اثنا عشر، وكل ساعة لها اسم معين يخصها، وهذا موجود في اللغة العربية، ولكن المقصود بالساعة هو جزء من الزمان قد يكون فيه التفاوت؛ لأنه كما هو معلوم يحصل التفاوت في النهار بين الصيف، والشتاء، ويكون هناك فرق، لكن المعتبر من أول النهار، فسواءً كان النهار طويلاً أو قصيراً، فالعبرة التبكير إليها من أول النهار، وعند ذلك يتفاوت الناس بين من هو كالمهدي بدنة، وهي أنفس شيء يهدى، وكالمهدي بيضة، وهي أقل شيء يهدى، كما جاء مبيناً في هذا الحديث وغيره من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد...)
قوله: [ أخبرنا نصر بن علي ].هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي البصري ، واسمه واسم أبيه يتفق مع اسم جده وجد أبيه، فاسمه يوافق اسم جده، واسم أبيه يوافق جد أبيه، نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن عبد الأعلى ].
هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري ، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، هذا عبد الأعلى وأبوه عبد الأعلى ، وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا معمر ].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري ، نزيل اليمن، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الصنعاني الذي يروي عنه كثيراً، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن الزهري ].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري ، ويأتي منسوباً إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب ، وهذان أو هاتان النسبتان هي التي يرد فيها ذكره في الكتب فيقال: إما ابن شهاب، وإما الزهري ، وهو ثقة، إمام، محدث، فقيه، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن الأغر أبي عبد الله ].
هو سلمان الأغر أبو عبد الله ، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، والذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، وأول هؤلاء السبعة وأكثر هؤلاء السبعة: أبو هريرة رضي الله عنه، فهو أكثرهم على الإطلاق.
شرح حديث: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة...) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن سعيد عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم، الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طويت الصحف، واستمعوا الخطبة، فالمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشاً، حتى ذكر الدجاجة، والبيضة)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الناس على حسب منازلهم، الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي كبشاً، حتى ذكر الدجاجة، والبيضة) أي: كالمهدي دجاجة، وكالمهدي بيضة، وهو دال على ما دل عليه الذي قبله من كتابة الملائكة، وأنهم يكتبون الأول فالأول على حسب التبكير، والتأخير، وأن الأمر ينتهي إلى خروج الإمام وصعوده على المنبر، وعند ذلك يطوون الصحف، ويستمعون الذكر.
وهو يدل على أن الملائكة كما أنها تحضر لتقوم بهذه المهمة التي هي كتابة الداخلين إلى المساجد أولاً فأولاً، فهم أيضاً يستمعون الذكر، ويحضرون الخطبة، ويستمعون ذكر الله عز وجل في الخطب التي يخطب بها الخطباء على الناس في يوم الجمعة.
وهو دال أيضاً على تفاوت الناس في ثوابهم، وأن ذلك يتفاوت بتفاوت تقدمهم، وتبكيرهم إلى الجمعة وعدم تبكيرهم، فمنازلهم تكون على حسب التبكير، والتأخر ما بين المهدي بدنة، والمهدي بيضة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة ...) من طريق ثانية
قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور ].هو محمد بن منصور الجواز المكي وهو ثقة. للنسائي شيخان كلٌ منهما يقال له: محمد بن منصور، أحدهما: محمد بن منصور الجواز المكي ، والثاني: محمد بن منصور الطوسي ، ويتميز أو يعرف المقصود منهما في الإسناد بذكر الشيخ ومعرفة الشيخ أو الشيوخ، وهنا الشيخ الذي يروي عنه محمد بن منصور هو سفيان ، وسفيان هنا غير منسوب، والمراد به ابن عيينة المكي ، فهما مكيان؛ محمد بن منصور الجواز وسفيان بن عيينة مكيان، فيحمل عند الإطلاق على من يكون له بشيخه خصوصية؛ إما بكثرة ملازمة، أو لكونه من بلده؛ لأن من كان من البلد يكثر الأخذ عنه والالتقاء به، بخلاف الإنسان الذي يكون في بلد آخر، لا يحصل إلا برحلة، أو بكونه يأتي في وقت من الأوقات ثم يرجع.
وسفيان بن عيينة كان بمكة، ومحمد بن منصور الجواز مكي وهو بمكة، أما محمد بن منصور الطوسي فهذا يأتي إلى مكة إما لحج أو عمرة ويلتقي بـسفيان بن عيينة ، فإذا احتمل محمد بن منصور للجواز والمكي ، فإنه يحمل على الجواز؛ لأنه من بلد شيخه سفيان بن عيينة ؛ ولكونه يتصل به كثيراً، ويأخذ عنه كثيراً، فيكون إبهام التلميذ له، أو إهمال التلميذ وعدم نسبته وتمييزه عن غيره، لكونه يروي عن سفيان ، وهما من بلد واحد، فالأقرب أن محمد بن منصور هو الجواز وليس الطوسي ، ثم أيضاً لا يؤثر، سواءً كان هذا أو هذا؛ لأن كلهم ثقات، وإنما الإشكال لو كان أحدهم ضعيفاً، والثاني ثقة، فهذا يؤثر على الإسناد، لكن مع هذا يترجح أنه الجواز المكي؛ لأن شيخه سفيان بن عيينة مكي ، وسفيان هنا غير منسوب والمراد به ابن عيينة ؛ لأن ابن عيينة هو الذي يروى عن الزهري ، وهو المعروف بالرواية عن الزهري ، بخلاف سفيان الثوري ، فإنه غير معروف بالرواية عن الزهري ، بل جاء أو ذكر الحافظ ابن حجر أنه لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، أي: الثوري ، وأما سفيان بن عيينة فهو كثير الرواية عن الزهري.
ثم هناك مسافة طويلة بين وفاتيهما، الزهري توفي سنة مائة وأربعة وعشرين، أو مائة وخمسة وعشرين ، وابن عيينة توفي سنة مائة وسبعة وتسعين، بين وفاتيهما مسافة طويلة، فـسفيان بن عيينة معمَّر أدرك الزهري ، وهو من صغار التابعين، وأخذ عنه، وهو معروف بالرواية عنه.
فالأصل أن سفيان هنا غير منسوب، فلا يؤثر إهماله وعدم نسبته.
[ حدثنا سفيان بن عيينة].
هو الهلالي المكي ، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس، لكنه معروف أنه لا يدلس إلا عن الثقات.
[ حدثنا الزهري ].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وهو ثقة، حجة، فقيه، محدث، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن سعيد ].
هو ابن المسيب ، تابعي جليل، وهو من فقهاء المدينة السبعة المعروفين في عصر التابعين، سعيد بن المسيب هو أحدهم، قد ذكرت مراراً أن ستة منهم لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، وواحد منهم فيه خلاف على ثلاثة أقوال، فالستة الذين متفق على عدهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وسعيد بن المسيب ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وعروة بن الزبير بن العوام ، وسليمان بن يسار ، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة في المدينة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وسعيد بن المسيب قيل: إنه خير التابعين، وأنه أفضل التابعين، وقيل: إن خير التابعين هو أويس القرني ، ولا شك أن أويس القرني هو خير التابعين؛ لأنه جاء فيه نص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس القرني من قرن، يأتي من اليمن، فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له) وكان عمر رضي الله عنه يسأل الذين يأتون من بلاد اليمن يذهبون إلى جهة فارس والعراق للجهاد في سبيل الله، فكان يسأل عنه حتى وجده، وأدركه، وعرفه، فهو خير التابعين بنص حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس ).
فإذاً: خير التابعين هو أويس كما أخبر بذلك رسول الله، لكن بعض العلماء قالوا: إن خيرية سعيد بن المسيب إنما هي بالعلم، وبالفقه، والحديث، وكونه معروفاً بالعلم، ومشهوراً به، وأما أويس القرني فلم يكن معروفاً بالعلم، ولكنه معروف بالفضل، وخيريته نص عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم هو ليس له رواية، وليس معروفاً بالعلم، ولكنه معروف بالزهد، ومعروف بالتواضع، هذا هو الذي عرف به.
و المزي في تهذيب الكمال يذكر أشخاصاً لا رواية لهم في الكتب الستة، ويرمز لهم؛ لأنهم ذكروا في الكتب الستة وليس لهم رواية، ومنهم أويس القرني رمز له في البخاري، ومسلم ، مع أنه ليس له رواية فيهما، وإنما له ذكر فيهما.
وسعيد بن المسيب حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه ].
وقد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:40 AM

شرح حديث: (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد...) من طريق ثالث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا الربيع بن سليمان حدثنا شعيب بن الليث أنبأنا الليث عن ابن عجلان عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم، فالناس فيه كرجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم شاة، وكرجل قدم دجاجة، وكرجل قدم عصفوراً، وكرجل قدم بيضة)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، يعني: في كون الملائكة تقعد على أبواب المسجد، وأنهم يكتبون الناس على حسب منازلهم، وأنهم يتفاوتون في الأجر، وأن الذي يبكر كثيراً يكون كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي كبشاً، ثم كالمهدي دجاجة، ثم كالمهدي عصفوراً، ثم كالمهدي بيضة.
والحديث دال على ما دل عليه الذي قبله، إلا أن هذا الحديث فيه ذكر العصفور، وقد قال الشيخ الألباني : أنه غير محفوظ، والمحفوظ هو ذكر الدجاجة كما جاء مبيناً في الأحاديث الأخرى، وليس فيه ذكر العصفور.
وإسناد الحديث فيه من تكلم في روايته في أحاديث أبي هريرة ، وهو محمد بن عجلان ، فإنه قيل: اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة.
تراجم رجال إسناد حديث: (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد...) من طريق ثالث
قوله: [ أخبرنا الربيع بن سليمان ].هو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي صاحب الشافعي، راوية كتبه، أي: كتب الشافعي ، وهو ابن عبد الجبار ، وفيه في طبقته الربيع بن سليمان بن داود الجيزي ، لكن الذي يروي عن شعيب بن الليث بن سعد هو المرادي ، وهو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي ، وراوية كتبه عنه.
وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي ، والمرادي نسبة إلى قبيلة من قبائل اليمن، وقيل أن الترمذي كان يروي عنه إجازة.
[ حدثنا شعيب ].
هو شعيب بن الليث بن سعد ، وهو ثقة، نبيل، فقيه، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[ أنبأنا الليث ].
هو الليث بن سعد المصري، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، فقيه مصر ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، فقيه، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن ابن عجلان ].
هو محمد بن عجلان المدني ، وهو صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو الذي ذكر في ترجمته أن أمه حملت به ثلاث سنوات.
[ عن سمي ].
هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي صالح ].
هو ذكوان السمان ، مشهور بكنيته، ومشهور باسمه، وكثيراً ما يأتي ذكره بالكنية أبو صالح ، يروي عن أبي هريرة ، واسمه ذكوان ولقبه السمان أو الزيات ؛ لأنه كان يبيع السمن والزيت، فيقال له: السمان، ويقال له: الزيات، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي هريرة ].
وقد تقدم ذكره.
وقت الجمعة
شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقت الجمعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: وقت الجمعة، وأورد فيها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة) أي: راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة.
(ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) وقد مر في الأحاديث السابقة أنهم يطوون الصحف، ثم يجلسون يستمعون الذكر، وقبل ذلك هم على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول.
وهذا الحديث دال على فضل التبكير إلى الجمعة، وعلى فضل الاغتسال في الجمعة، ودال أيضاً على أن الاغتسال يكون مثل غسل الجنابة؛ لأنه قال: [(غسل الجمعة)]، أي: مثل غسل الجنابة، يعني الأكمل أن يتوضأ الوضوء، ثم يفيض الماء على سائر جسده، فهذا هو غسل الجنابة الأكمل، ويحصل الغسل بأن يفيض الماء على سائر جسده، وعلى جسده كله، وإن لم يتوضأ، فإن هذا يقال له: غسل، ويطلق عليه: أنه غسل، لكن الأكمل الذي يسبقه الوضوء.
والنسائي أورد الحديث في وقت الجمعة ذكر فيه خمس ساعات، ثم يخرج بعدها الإمام، وهي تكون من أول النهار، ومعنى هذا يمضي هذا الوقت، ثم يأتي وقت الجمعة الذي هو خروج الإمام، ثم خطبته، ثم صلاته.
هذا هو وجه إيراده في وقت الجمعة من جهة أنه نص على خمس ساعات تسبق الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة...)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن مالك ].
هو ابن أنس ، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أحد المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
المقصود بالساعات الخمس لوقت الجمعة ووقت ابتدائها
السؤال: هل الساعات الخمس المذكورة في الحديث هي بمعنى ساعاتنا الموجودة الآن؟الجواب: ليست بمعنى ساعاتنا هذه، وإنما هي مقدار من الزمان تتفاوت بين الصيف والشتاء، يعني: كما هو معلوم أن وقت النهار يختلف في الصيف عن الشتاء، ومعلوم أن الزمن بعد طلوع الشمس إلى خروج الإمام في الصيف يختلف، فإن الساعات تكون أكثر في زمن الصيف، وتقل في زمن الشتاء، وليست مثل ساعاتنا هذه؛ لأن ساعاتنا هذه محددة بزمن، والساعات إذا طال الليل أخذ من النهار، وإذا طال النهار أخذ من الليل، قد تكون ساعات الليل كثيرة، وساعات النهار قليلة، وبالعكس، وأما ذاك فإن التقسيم لليل والنهار، هو الذي يقسم إلى ساعات، وجاء في الحديث الذي سيأتي من أن يوم الجمعة اثنا عشرة ساعة، لكن هذه الساعات تتفاوت من وقت إلى آخر، يعني: مقدارها، وحجمها على حسب طول النهار وقصره.
وتبدأ أول الساعات من أول النهار من طلوع الشمس.
مدى صحة توفر الشروط المترتبة على أجر عمل سنة وصيامها
السؤال: يا شيخ! حديث: (من غسل، واغتسل، وغدا، وابتكر، ودنا من الإمام، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها) يعني: لا بد من توفر الشروط التي ذكرت لينال الأجر المذكور؟الجواب: نعم؛ لأن هذا بني على هذه الأمور المذكورة التي تقدمت.
حكم الخشوع في الصلاة وكيفيته
السؤال: هل الخشوع من واجبات الصلاة؟ وكيف يخشع المصلي في صلاته؟الجواب: الخشوع كما هو معلوم من الأمور المطلوبة في الصلاة، وكون الإنسان يقبل على صلاته هذا مطلوب منه، ويقبل عليها بأقوالها، وأفعالها، وواجباتها، وأركانها، ومستحباتها، ويتأمل، ويتفكر، فهذا هو الذي يكون قد استفاد من صلاته، وكونه يحصل منه البكاء، أقول: هذا يرجع إلى التأمل، والتفكر، وإلى تفاوت الناس في ذلك، ولكن كون الإنسان يقبل على صلاته، ويجتهد في الإتيان بما هو مطلوب فيها، وأن يحرص على إبعاد الشيطان عنه بحيث لا يشغله فيها، هذا هو الذي أدى ما عليه.
حكم الحجز في الصفوف الأولى عند الذهاب للوضوء
السؤال: يا شيخ! هل يجوز الحجز في مكان الصفوف الأولى عند الذهاب للوضوء؟الجواب: نعم، ليس فيه بأس، إذا كان الإنسان جاء مبكراً، ولكنه يحتاج إلى أن يذهب يتوضأ، فهذا شيء لا بأس به؛ لأن هذا أمر لا بد منه، كونه يذهب ويتوضأ، ويأتي؛ لأنه لا بد للإنسان الذي يحتاج إلى نقض الوضوء أن يتوضأ، وأن يقضي حاجته ويتوضأ، فكونه يحجز مكاناً، وهو قد جاء مبكراً، إن اضطر إلى الخروج ما في بأس مثل هذا، وإنما الذي لا ينبغي مثل كونه يروح يأكل، ويشرب، ويبيع، ويشتري، أو يزور أحداً من الناس، أو ما إلى ذلك، هذا الذي لا يصح أنه يحجز مكاناً.
أما حضور الدرس فما ينبغي للإنسان أن يحجز مكاناً، ويحضر الدرس، وإنما يحضر الدرس ثم يذهب، ويصف حيث تنتهي به الصفوف.
كيفية الصلاة على الطفل وكيفية جمع الدعاء للرجل والطفل في الصلاة عليهما
السؤال: فضيلة الشيخ! أرجو أن توضح لنا كيفية صلاة الجنازة على الطفل، وكيف نجمع الدعاء إذا كانت الجنازة على رجل وطفل؟الجواب: صلاة الجنازة على الطفل مثل الصلاة على الكبير، هي أربع تكبيرات، التكبيرة الأولى يقرأ بعدها الفاتحة، التكبيرة الثانية يقرأ بعدها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والثالثة يدعى للميت كبيراً أو صغيراً، لكن إذا كان صغيراً يدعى بالدعاء المأثور: (اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا..) إلى آخره، وإذا كان كبيراً يدعى بالدعاء المأثور: (اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه)، وكذلك أيضاً يدعو (باللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا)، لا بأس يجمع بين هذا وهذا، وإذا كان فيه كبير، وصغير يأتي بهذا، وهذا، بل لو أتى (باللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا)، مع (اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه) ما فيه بأس؛ لأن هذا كله دعاء للميت، فإذا كان في مجال للدعاء بحيث أن الإمام لم يكبر الرابعة، وصار في مجال، فليأت بالأدعية التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك.
ولا نعلم دعاءً خاصاً للأطفال.
حكم تغيير لون الشعر بالسواد
السؤال: فضيلة الشيخ! يوجد حناء لونه أسود خالص، هل يجوز للرجال، والنساء الطلول بها؟الجواب: إذا كان أسوداً خالصاً حصل به المحظور، يعني: لا يجوز تغيير البياض بالسواد، قال صلى الله عليه وسلم: (غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد) والحناء طبعاً ليس أسود، بل يختلف لونه، ولونه معروف.
أما أن يضاف له مواد فلا، فإذا كان يوضع فيه شيء يجعله أسود فالنتيجة واحدة، وصار فيه مخالفة أو معصية لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد).
مدى صحة رواية ابن عجلان عن طريق غير أبي هريرة
السؤال: ذكرتم -حفظكم الله- أن محمد بن عجلان اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ، فهل يعني أن روايته عن طريق غير أبي هريرة صحيحة؟الجواب: طبعاً هو صدوق، وحديثه من قبيل الحسن، لكن الرواية التي جاءت من طريق أبي هريرة، هي التي وصفت بأنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ، يعني: هذا هو الذي أخذ عليه، أنه ما ضبط أحاديث أبي هريرة ، وأنها اختلطت عليه، لكن أحاديثه التي هي غير أحاديث أبي هريرة يبقى في الحسن، وأحاديث أبي هريرة إذا كان هناك شيء عن غيره يؤيده، ويعضده، فإنه يدل على أنه وفق فيما أتى به، يعني: في روايته من حديث أبي هريرة ؛ لكونه أتى بها على وجهها ما دام أن غيره رواها كما رواها، لكن الإشكال هنا فيما إذا انفرد.
الحكم على حديث ابن عجلان الذي فيه ذكر العصفور
السؤال: ذكرتم -حفظكم الله- في حديث ذكر العصفور أنه ليس بمحفوظ، والمحفوظ في حديث ذكر الدجاجة، فهل يطلق على حديث محمد بن عجلان أنه شاذ؟الجواب: هو حديث محمد بن عجلان كما هو معلوم من قبيل الحسن، إذا كان لم يخالف غيره، يعني إذا كان روى من طريق أبي هريرة لا يكون محفوظاً.
حكم الصلاة الفائتة إذا دخل وقت الحاضرة
السؤال: فضيلة الشيخ! بارك الله فيكم، شخص فاتته صلاة العشاء، فدخل المسجد النبوي وإذا صلاة الفجر قد أقيمت، فماذا يفعل: هل يصلي الحاضرة أو يقضي الفائتة؟ كذلك من فاتته المغرب حتى أقيمت العشاء، ماذا يفعل؟الجواب: الإنسان إذا كان عليه صلاة، وأدرك صلاة قائمة، فإنه يدخل مع الإمام بنية الصلاة الفائتة، وإذا فرغ من الصلاة يأتي بالصلاة الحاضرة، وسبق أن مر بنا قريباً أن إدراك الجماعة لا يسوغ اختلاف الترتيب، وإنما الذي يسوغ اختلاف الترتيب هو خوف خروج الوقت، يعني: إذا خشي خروج وقت الحاضرة؛ فإنه يؤتى بها وتقدم على غيرها من الفوائت؛ لأنه لو لم يؤت بها صارت مقضية، وهي تؤدى في وقتها.
فالحاصل: أن الإنسان إذا جاء وعليه العشاء، وأدرك صلاة الفجر، فمثلاً نسي صلاة العشاء، وهو لا يجوز أن يؤخرها عن وقتها الاختياري الذي هو نصف الليل، والاضطراري الذي هو طلوع الفجر، وإذا خرج الوقت الاضطراري الذي هو طلوع الفجر، فإنها تكون مقضية، فإذا وجد الإمام يصلي الفجر يدخل معه بنية العشاء، وإذا سلم الإمام يقوم ويأتي بركعتين، ثم يصلي الفجر وحده، أو جماعة إن وجدت جماعة أخرى يصلون الفجر.
حكم من صدم حمامة بسيارته وهو محرم بغير قصد
السؤال: شخص محرم صدم حمامة بسيارته من غير قصد، فهل عليه شيء؟الجواب: ليس عليه شيء، ما دام أنه صدمها غير قاصد.
إسقاط الدين عن المدين الفقير واعتباره من الزكاة
السؤال: شخص له دين على آخر، وهذا الآخر يسدد بانتظام، وباقي جزء من الدين، وطلب من عليه الدين أن يسامحه، هل صاحب الدين يسامحه ويعتبرها زكاة، مع أنه يستحق الزكاة؟الجواب: المسامحة طيبة، لكن لا يجوز اعتبارها من الزكاة؛ لأن هذا معناه: أن الإنسان يستوفي حقوقه من الناس بواسطة إخراج الزكاة، يعني: ما يدفع الزكاة للفقراء، لكن يستوفي بها الديون، فإذا كان الشخص مثلاً معسراً يقول: والله بدلاً من أعطاء الزكاة للفقراء، أخصمها من الدين الذي عليه، ويصير معناه أنني استوفيت، وأسقطت عنه الدين، فهذا العمل لا يجوز، وإنما إن كان فقيراً فليعطه من الزكاة؛ لأنه معسر ما استطاع أن يوفيه، فهو يستحق أن يعطى من الزكاة؛ حتى يأكل، ويستفيد هو وأهله، وأما كون الإنسان يعتبر زكاته يخصمها من دين شخص على اعتبار أن هذا فقير، وأنني بدل ما تبقى ذمته مشغولة أنا أسقط عنه فهذا غير صحيح.



ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:43 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(263)


- تابع باب وقت الجمعة - باب أذان الجمعة

من عظم شأن الصلاة ومكانتها في الإسلام أن الله جعل لكل صلاة وقتاً محدداً، ومن ذلك صلاة الجمعة التي وقتها عند زوال الشمس، وقد كان للجمعة أذان واحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كانت خلافة عثمان جعل للجمعة أذانين وإقامة، لما رأى من كثرة الناس.
تابع وقت الجمعة
شرح حديث: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن الجلاح مولى عبد العزيز : أن أبا سلمة بن عبد الرحمن ، حدثه عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)].فيقول النسائي رحمه الله، في الترجمة التي تحتها هذا الحديث، والحديث الذي قبله: وقت الجمعة، وقد مر حديث أبي هريرة الذي فيه ذكر الساعات: (من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة).
وذكر الساعات فيه: إشارة إلى الوقت، وأنه يكون عند منتصف النهار، إما بعد الزوال، وإما قبل الزوال، وقد اختلف العلماء في وقت صلاة الجمعة، فمنهم من قال: إنه لا يكون إلا بعد الزوال، الخطبة، والصلاة، ومنهم من قال: إنه يكون قبل الزوال، وبعده، فيجوز أن تكون الخطبة، والصلاة قبل الزوال، وقول ثالث قال: إن الخطبة تكون قبل الزوال، والصلاة تكون بعد الزوال، وقد جاء فيه بعض الأحاديث والآثار الدالة على جواز ذلك قبل الزوال.
وحديث أبي هريرة المتقدم فيه ذكر الساعات الخمس، وبعدها تحضر الملائكة لسماع الذكر الذي هو الخطبة، ويحتمل أن يكون ذلك بعد الزوال، وأن يكون قبله.
والحديث الثاني الذي معنا وهو حديث جابر بن عبد الله ، يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (الجمعة اثنتا عشرة ساعة) يقول في هذا الحديث: (لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، فالتمسوها في آخر ساعة بعد العصر) واللفظ كما يظهر ليس مستقيماً من حيث أنه فيه سقط، وقد جاء في السنن الكبرى.. والحديث بإسناده ومتنه في السنن الكبرى إلا أن فيه في بعض النسخ بعد قوله: (اثنتا عشرة ساعة): [(فيها ساعة لا يوجد فيها عبد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، فالتمسوها في آخر ساعة)]. يعني: في ساعة الإجابة، فيكون الضمير في (التمسوها) إلى هذا الذي هو محذوف، والذي جاء في بعض الروايات؛ لأن الحديث بهذا اللفظ مرجع الضمير ليس واضحاً، الذي هو (فالتمسوها)، (الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، فالتمسوها في آخر ساعة بعد العصر)، فالتمسوها، أي: الإجابة، أي: ساعة الإجابة بعد العصر، وعلى هذا فاللفظ الذي في بعض نسخ السنن الكبرى للنسائي بهذه الزيادة التي هي فيها ساعة، هي مرجع الضمير في قوله: (فالتمسوها)، يعني لا يوجد فيها، أي: الساعة، وليس المقصود من ذلك الاثنتا عشرة ساعة، بدليل أنه قال: (فالتمسوها في آخر ساعة بعد العصر) والمقصود من ذلك ساعة الإجابة.
وساعة الإجابة فيها أقوال عديدة ذكرها العلماء في تعيينها، وأقربها ما جاء في هذا الحديث، من أنها في آخر ساعة بعد العصر، وجاء في صحيح مسلم حديث ليس بثابت أنها تكون عندما يصعد الإمام للخطبة، ولكن الحديث غير ثابت، وأقرب شيء وأرجى شيء لهذه الساعة، هو هذا الوقت الذي جاء ذكره في هذا الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أرجى ساعة لساعة الإجابة يطلبها الإنسان في ذلك الوقت، هو آخر ساعة بعد العصر.
تراجم رجال إسناد حديث: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة ...)
قوله: [ أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو ].عمرو بن سواد مصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[ وأما الحارث بن مسكين ].
هو المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي .
ثم قوله: [ قراءة عليه وأنا أسمع ].
أي: أنه أخذه عن الحارث بن مسكين قراءة عليه، وهو يسمع، أي أن غيره يقرأ وهو يسمع، وكثيراً ما يذكر النسائي عن الحارث بن مسكين هذه العبارة، وأنه كان يأخذ عنه سماعاً، يعني قراءة عليه، وهو يسمع، يسمع قراءة القارئ عليه، وهذا الذي يسمونه العرض، وهو أن التلميذ يعرض مسموع الشيخ على الشيخ فيقره على ذلك، ويقرأ عليه أصله أو فرعاً مقابلاً عليه، وإذا أدى فيقول: قراءة عليه، أو يقول: أخبرني قراءة عليه، أو أنبأني قراءة عليه، أو حدثني قراءة عليه، لكن الغالب أن يقول: قرئ عليه، وأنا أسمع، أو أخبرنا قراءة عليه، وأنا أسمع، يعني كما هنا؛ لأنه قال: أخبرنا ثم عطف، وهذا يسمى العرض، وهي الدرجة الثانية من درجات التحمل، وأعلى منها السماع، وهو كون الشيخ يملي، أو يحدث من حديثه بلفظه، والتلاميذ يسمعون فيكتبون من إملائه، أو من قراءته عليهم وهم يسمعون، ويليها درجة العرض التي يعبر عنها بحدثنا، وأخبرنا، وغالباً ما يعبر عنها بأخبرنا بدون قراءة عليه، يعني فيما يتعلق بالقراءة الشيخ يقول: أخبرنا، ويكفي في هذا، يقول: أخبرنا، وأيضاً يقال: أخبرنا قراءة عليه، أو قرئ عليه وأنا أسمع، أو قرأت على فلان.. وهكذا.
ثم قال: [واللفظ له]، أي: للحارث بن مسكين ، يعني: هذا اللفظ موجود لشيخه الثاني الحارث بن مسكين ، وليس لشيخه الأول الذي هو عمرو بن سواد .
[ عن ابن وهب ].
هو عبد الله بن وهب المصري ، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن عمرو بن الحارث ].
هو عمرو بن الحارث المصري أيضاً، وهو ثقة، فقيه، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن الجلاح ].
هو: أيضاً مصري، وهو: مولى بني أمية مولى الأمويين، وهنا قال: مولى عبد العزيز ، وهو من بني أمية، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[ أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه ].
هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو تابعي، ثقة، وهو من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن السابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فالسابع منهم اختلف فيه على ثلاثة أقوال، وأبو سلمة هذا أحدهم على أحد الأقوال الثلاثة في السابع.
[ عن جابر ].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري ، صحابي ابن صحابي، وهو من المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع.
شرح حديث جابر بن عبد الله: (كنا نصلي مع رسول الله الجمعة ... قلت: أية ساعة؟ قال: زوال الشمس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني هارون بن عبد الله حدثني يحيى بن آدم حدثنا حسن بن عياش حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم نرجع فنريح نواضحنا، قلت: أية ساعة؟ قال: زوال الشمس)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وفيه: أنه قال: [(كنا نصلي مع الرسول صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم نرجح، ونريح نواضحنا)]، يعني: من العمل. [(قلت: أي ساعة؟ قال: زوال الشمس)]. يعني: الصلاة التي يصلون فيها زوال الشمس، فهذا فيه بيان وقت الجمعة، وأنها تكون في ذلك الوقت، وقد ذكرت أن الأقوال للعلماء فيها ثلاثة: الخطبة والصلاة بعد الزوال، الخطبة والصلاة قبل الزوال، وكذلك أيضاً تكون بعد الزوال، والخطبة قبل الزوال، والجمعة بعد الزوال.
قوله: [(كنا نصلي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام الجمعة ثم نرجع فنريح نواضحنا)] النواضح هي الإبل التي يسقون عليها، يعني: يخرجون الماء من الآبار بواسطتها، يقال لها: نواضح.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله: (كنا نصلي مع رسول الله الجمعة ... قلت: أية ساعة؟ قال: زوال الشمس)
قوله: [ أخبرني هارون بن عبد الله ].هو هارون بن عبد الله البغدادي الحمال ، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[ حدثني يحيى بن آدم ].
هو يحيى بن آدم الكوفي ، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مصنف، ومن مصنفاته: كتاب الخراج، وهو مطبوع.
[حدثنا الحسن بن عياش ].
صدوق، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.
[ حدثنا جعفر بن محمد ].
هو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، إمام من أئمة أهل السنة، وهو من أئمة أهل البيت، وأهل السنة يعرفون لأهل البيت منازلهم، وينزلونهم المنازل التي يستحقونها، فهم يثنون عليهم، ويحترمونهم، ويروون أحاديثهم، ولا يغلون، ولا يجفون، وإنما يتوسطون، فهو إمام من أئمة أهل السنة، يروون أحاديثه في كتبهم، ويعولون عليه في ذلك، بخلاف الرافضة فإنهم يصفون الأئمة الاثني عشر بأوصاف لا تجوز إلا لله من مثل قولهم كما هو موجود في كتاب الكافي، وهو من أشهر كتبهم، وأصح كتبهم، يذكرون أحاديث ينسبونها إلى بعض أئمة أهل البيت، وهي كذب وزور عليهم، وهم برآء منها، أن الأئمة يعلمون ما كان، وما سيكون، وأنهم يعلمون متى سيموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، ومنها: أنه ليس شيء من الحق إلا ما كان من عند الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، ومنها: أن الأئمة عندهم الكتب المنزلة على المرسلين كلهم، وأنهم يعرفونها بلغاتها، ومنها: الحديث الذي في الكافي الذي ينسب إلى أحد الأئمة الاثني عشر، ولعله الحسين رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (الناس ثلاثة: عالم، ومتعلم، وغثاء، فنحن العالمون، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء) فهذا من أحاديث الكافي الذي يعادل صحيح البخاري عند أهل السنة.
فالحاصل: أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب إمام من أئمة أهل السنة، وهو من أئمة أهل البيت، وأهل السنة يعرفون قدر أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويرعون فيهم وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام في أهل بيته، ولا يجفون، ولا يغلون، وإنما يتوسطون، وخير الأمور الوسط، والحق وسط بين الإفراط، والتفريط، فليسوا مفرطين ولا مفرطين، ولا جافين، ولا غالين، وإنما هم متوسطون معتدلون على الجادة، ينزلون كلاً منزلته التي يستحقها، ومن كان من أئمة أهل البيت، ومن أهل الإيمان منهم، والعلم والصلاح، فإنهم يحبونه لتقواه وإيمانه بالله، ويحبونه لقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويحبونه لإيمانه، وتقواه، ولكونه من أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وجعفر بن محمد، صدوق، فقيه، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
وبعض الرافضة يعيبون على البخاري كثيراً كونه ما أخرج له في الصحيح، ويذمونه لذلك، وهم يذمون جميع أهل السنة، لكن كونه ما خرج له في الصحيح، يذمونه لذلك، وأذكر في بيت من الأبيات أنشدها بعض الرافضة يمدح بها جعفر رحمة الله عليه، ويذم البخاري ، ويقول فيها:
قلامة من ظفر إبهامه تعدل من مثل البخاري مائة
يعني: قلامة من ظفر إبهام جعفر الصادق تعدل مائة من مثل البخاري ، فكما قلت: يتكلمون أو يعيبون البخاري لكونه ما خرج له في الصحيح.
وأما أبوه محمد بن علي الملقب الباقر ، فهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو إمام من أئمة أهل البيت، ويحب لإيمانه، وتقواه، ولقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم ذكر جابر ، والإمام مسلم رحمه الله يروي في صحيحه بهذه السلسلة أحاديث، منها حديث جابر الطويل في حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنها بهذا الإسناد الذي هو جعفر عن أبيه محمد عن جابر بن عبد الله ، الذي فيه صفة حجة الرسول عليه الصلاة والسلام مطولة، حديث طويل جداً وصف فيه جابر رضي الله عنه، صفة حجة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وكان في إسناد الحديث أنه جاءه نفر، ودخلوا عليه في منزله، فسألهم عن أسمائهم واحداً واحداً، وأخبروه بأنهم يريدون أن يحدثهم من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فطلب محمد بن علي بن الحسين وقربه إليه، وجعل يده على صدره، وجعل يحدثهم بهذا الحديث الطويل الذي هو حديث حجة الرسول صلى الله عليه وسلم.
و جابر رضي الله عنه، كما ذكرت هو أحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين هم أكثر من غيرهم رواية للحديث عنه صلى الله عليه وسلم.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:46 AM

شرح حديث: (كنا نصلي مع رسول الله ثم نرجع وليس للحيطان فيء يستظل به)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا عبد الرحمن عن يعلى بن الحارث سمعت إياس بن سلمة بن الأكوع ، يحدث عن أبيه، قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم نرجع وليس للحيطان فيء يستظل به)].أورد النسائي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، أنه قال: (كنا نصلي مع الرسول صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم نرجع وليس للحيطان فيء يستظل به) ليس للحيطان، أي: الجدران، ظل يستظل به، وهذا يدل على التبكير بالجمعة، وبصلاة الجمعة، يرجعون من الصلاة وقد فرغ منها، وليس للحيطان ظل يستظل به.
والعلماء اختلفوا في النفي في هذا الحديث، فمنهم من قال: إنه يرجع إلى القيد والمقيد، وعلى هذا قالوا: إن هذا يستدل به على أن الصلاة، والخطبة كلها تكون قبل الزوال، إذا كان النفي يرجع للقيد، والمقيد الذي هو أصل الظل، يعني ما هناك ظل أصلاً، ومنهم من قال: إن النفي يرجع إلى القيد دون المقيد، يعني معناه: فيه ظل، ولكنه لا يصل إلى أن يستظل به، بأن يمشي أحد في ظلاله، وعلى هذا يكون معناه أن الخطبة تكون قبل الزوال، وعلى هذا إذا كان ليس هناك ظل يستظل به، وهم قد رجعوا، معناه أن هناك شيء من أعمال الصلاة التي هي الخطبة، موجودة قبل الزوال، ويحتمل أن يكون بعد الزوال، لكن الأقرب أن يكون شيء من ذلك قبل الزوال؛ ثم يوجد ظل، ولكنه لا يستظل به، وهذا معناه أنه قليل جداً لكن لا يصل إلى أن الإنسان يمشي تحته فيستفيد منه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نصلي مع رسول الله ثم نرجع وليس للحيطان فيء يستظل به)
قوله : [ أخبرنا شعيب بن يوسف ].هو النسائي ، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو من بلد النسائي.
[ حدثنا عبد الرحمن ].
هو ابن مهدي البصري ، وهو ثقة، ثبت، عارف بالرجال، والعلل، وهو من المتكلمين في الرجال جرحاً، وتعديلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن يعلى بن الحارث ].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .
[ سمعت إياس بن سلمة ].
هو إياس بن سلمة بن الأكوع ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ يحدث عن سلمة بن عمرو بن الأكوع ].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأذان للجمعة
شرح حديث السائب بن يزيد: (أن الأذان كان أول حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأذان للجمعة.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني السائب بن يزيد : (أن الأذان كان أول حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فلما كان في خلافة عثمان وكثر الناس، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الأذان للجمعة، أورد فيه النسائي حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه، أنه قال: أن الأذان كان أول في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأبي بكر، وعمر ، أنه إذا جلس على المنبر حصل الأذان الأول، معناه فيه أذانان هو الأذان، والإقامة، يعني الإقامة يقال لها: الأذان، فالأذان الأول بالنسبة للإقامة هو هذا الذي يكون عند صعود الإمام على المنبر، وجلوسه عليه، يؤذن المؤذن، وإذا فرغ من الأذان بدأ بالخطبة، فكان الأمر في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام وعهد أبي بكر، وعمر ، أن الأذان الأول يكون عندما يكون النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه على المنبر، والأذان الثاني هو الإقامة، والإقامة يقال لها: أذان، وقد سبق أن مر بنا ذكر الحديث: (بين كل أذانين صلاة) أي: الأذان، والإقامة، المراد بالأذانين: الأذان، والإقامة، وكذلك حديث الصحابي الذي قال: (تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قال: قلت: كم بين الأذان، والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) المراد بالأذان: الإقامة، يعني السحور الذي هو الإمساك الذي يكون عند الأذان الثاني؛ لأنهم يتوقفون عند الأذان الثاني عن الأكل، عند الأذان الثاني بالنسبة للأول الذي يكون قبل طلوع الفجر، فهو انتهاء السحور فالأول بالنسبة للإقامة، والثاني بالنسبة للأذان الأول الذي يكون في الليل.
قال قلت: (كم كان بين الأذان والسحور)؟ معلوم أن الأذان المقصود به الإقامة هنا؛ لأن المسافة بين الإقامة، وبين الأذان قدر قراءة خمسين آية، فالإقامة يقال لها: أذان، كما جاء في هذه الأحاديث، وهنا أيضاً أطلق عليها أذان؛ لأنه قال: الأذان الأول، والأذان الثاني هو الإقامة، ثم الأذان الثالث الذي أتى به عثمان، والذي يكون قبل ذلك الوقت حتى يتهيأ الناس للجمعة، ولهذا قال: الأذان الثالث، يعني مع الأذان، والإقامة، مع الأذان الذي عند الخطبة عند صعود الخطيب على المنبر، الإمام على المنبر، والثاني الذي هو الإقامة، والثالث الذي جاء قبل ذلك في الوقت الذي أتى به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وعثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أتى بهذا الأذان لما كثر الناس، وكان هذا على الزوراء، وهي دار في السوق، وذلك حتى يتهيأ الناس للجمعة، ويغلقوا حوانيتهم ليستعدوا للجمعة، ويتهيئوا؛ لأنهم لو بقوا على هذا الوضع، واستمروا إلى الأذان الثاني تفوتهم الخطبة، لكن عثمان رضي الله عنه وأرضاه، أتى بهذا الأذان، وفيه هذه الفائدة، وثبت الأمر على ذلك، لكنه ليس متصلاً بالأذان الثاني، أو قريباً منه جداً؛ لأنه ما تحصل الفائدة من وراء ذلك، وإنما يكون قبله بفترة ووقت كاف حتى يتهيأ الناس، ويستعدوا، كما هو موجود في بعض البلاد مثل نجد، وغيرها يؤذنون قبل دخول الخطيب بساعة كاملة أو قريباً منها.
النسائي عقد الترجمة للأذان، بين ما كان عليه الأذان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر، وعمر، وأنه أذانان، الأذان الذي على المنبر، والإقامة، ثم عثمان رضي الله عنه، أتى بالأذان الثالث، ولعل من الأسباب التي جعلت عثمان بن عفان رضي الله عنه، يأتي بهذا الأذان: القصة التي حصلت له في زمن عمر ، وهو أنه كان منشغلاً في شيء، وعندما سمع الأذان الذي على المنبر، توضأ وأسرع وجاء إلى المسجد، وخاطبه عمر، وهو يخطب، فقال: أي ساعة هذه؟ فلما كان زمن خلافته أتى بأذان ينبه الناس إلى أن يستعدوا للصلاة، لما كثروا، واحتاجوا إلى التنبيه، أتى بهذا الأذان، وهو الخليفة الراشد، هذا الأذان الذي أتى به داخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور).
تراجم رجال إسناد حديث: (أن الأذان كان أول حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة...)
قوله: [ أخبرنا محمد بن سلمة ].هو محمد بن سلمة بن عبد الجبار المرادي المصري ، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[ حدثنا ابن وهب ].
هو عبد الله بن وهب المصري ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد تقدم.
[ عن يونس ].
هو يونس بن يزيد الأيلي ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن ابن شهاب ].
هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وهو ثقة، إمام، جليل، محدث، فقيه، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ أخبرني السائب بن يزيد ].
السائب بن يزيد ، هو صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وقد حج به مع رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو ابن سبع سنين، وهو من صغار الصحابة، ومعلوم أن حجة الوداع توفي بعدها الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر تقريباً، ومعنى هذا أن عُمْر السائب بن يزيد حين وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سبع سنين، وهذا يدلنا على أن الراوي يتحمل في حال صغره، ويؤدي في حال كبره؛ لأن هذا يخبر عن الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا يحتمل أن يكون من مراسيل الصحابة، لكن جاء عن بعض الصحابة، وهو في مثل سنه التصريح بالسماع، مثل النعمان بن بشير ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وعمره ثمان سنوات، وقد جاء أحاديث يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، ومنها حديث: (الحلال بين، والحرام بين) الحديث مشهور، يقول النعمان بن بشير : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، فتحمل في حال صغره، وأدى في حال كبره، والتحمل في حال الصغر، والأداء في حال الكبر سائغ، وكذلك التحمل في حال الكفر، والأداء في حال الإسلام أيضاً سائغ، وهو معروف، ومشهور عند المحدثين.
والسائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه، كان عمره سبع سنوات عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم تقريباً، وقد حج به وعمره سبع سنوات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث السائب بن يزيد: (إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب: أن السائب بن يزيد أخبره، قال: (إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير مؤذن واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام)].أورد النسائي حديث السائب بن يزيد من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله.
قوله: [(ليس فيه إلا مؤذن واحد)]، لا ينفي أن يكون له مؤذن آخر كما هو معلوم، وإنما المقصود غالباً، أي مؤذن واحد هو بلال ، وليس معنى ذلك أنه ليس هناك من يؤذن في بعض الأحيان غيره، لكن بلال هو الذي يؤذن غالباً.
والحديث هو بمعنى الذي قبله، من جهة أن الأذان كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر عندما يرقى الإمام على المنبر، وأن التأذين الثالث أتى به عثمان لما كثر أهل المدينة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة ...)
قوله: [ أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله ].هو: محمد بن يحيى بن عبد الله الزهري النيسابوري ، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[ حدثنا يعقوب ].
هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا أبي ].
هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[ عن صالح بن كيسان ].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد ].
وقد مر ذكرهما.
شرح حديث السائب بن يزيد: (كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله على المنبر يوم الجمعة..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه، عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: (كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)].أورد النسائي حديث السائب بن يزيد ، وهو بمعنى الذي قبله، إلا أنه ليس فيه زيادة الأذان الثالث، ليس فيه ذكر الأذان الثالث، وإنما فيه ذكر الأذان إذا كان على المنبر، ثم إذا انتهت الخطبة أقام، فهذان أذانان، وكان الأمر على ذلك في زمن أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما، والروايتان السابقتان فيهما أن عثمان زاد الأذان الثالث.
تراجم إسناد: (كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله على المنبر يوم الجمعة)
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ].محمد بن عبد الأعلى، هو البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[ حدثنا المعتمر ].
هو ابن سليمان بن طرخان التيمي ، وهو ثقة، أخرج حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبيه ].
سليمان بن طرخان التيمي ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ويقال: إنه ليس تيميماً، نزل فيهم فنسب إليهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ عن الزهري عن السائب ].
وقد مر ذكرهما.
الأسئلة
الأحكام المتعلقة بمن رضع من امرأة رضعتين
السؤال: فضيلة الشيخ، رجل يقول: إن ولدي الكبير رضعت معه ابنة أختي مرتين، هل أخوات هذه البنت يحللن لأولادي الآخرين أم لا؟الجواب: إذا كان رضع مرتين فقط فهو لا يؤثر، ولا يحرم، لا يحرم إلا الخمس الرضعات فأكثر، وأما الرضعتان، والثلاث، والأربع، فهذه لا تحرم، فإذا كان الأمر كذلك أنها ما رضعت إلا مرتين.. لكن ينبغي أن يعلم أن المرة الواحدة هي كون الصبي يلتقم الثدي، ثم يطلقه، فيمكن أن تكون الخمس رضعات في مجلس واحد، إذا مسك الثدي ثم رضع وأطلقه، ثم عاد، ومسكه ثم أطلقه، وهكذا، فهذه إذا حصلت ولو في مجلس واحد، يحصل به التحريم، لكن إن كان صاحب السؤال يريد بالمرتين أنه ما التقم الثدي إلا مرتين، فإنها لا تحرم، وأما إذا كان في مجلسين، والمجلس الواحد فيه عدة رضعات، يلتقم الثدي ثم يطلقه، ثم يلتقمه ويطلقه، وهو في مجلس واحد، فإن التحريم يحصل بذلك.
وهذه البنت التي رضعت هي صارت أختاً لجميع أولاد الأم المرضعة، وكذلك أختاً لجميع أولاد زوجها صاحب اللبن، أولاده من زوجات متعددات أخرى غير المرضعة، وأما أخوات تلك الراضعة، فإنه لا دخل لهن بهذا الرضاع، فإن لأولاد هذا الرجل أن يتزوجوا من أخواتها؛ لأنهن ما رضعن، ولأن تلك الرضيعة هي التي صارت أختاً لأولاد المرأة، وأولاد الرجل، وأما أخواتها اللاتي ما رضعن، فأولئك لا علاقة لهن بهذا الرضاع.
وقت سجود السهو إذا كان في الصلاة زيادة
السؤال: فضيلة الشيخ، إذا سها الإمام في الركعة الرابعة وقام إلى الخامسة، ثم سبح القوم، وجلس، هل يكون سجود السهو قبل السلام أو بعد السلام؟الجواب: إذا كان قام، وسبحوا به، وجلس، فإنه يسجد بعد السلام؛ لأن فيه زيادة.


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:48 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(264)


- (باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام) إلى (باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب)

جعل الله تعالى لعباده أوقاتاً يجتمعون فيها للذكر والموعظة ومنها يوم الجمعة، ولأهمية الخطبة حرم الكلام وتخطي الرقاب والانشغال بأي شيء عنها، فمن جاء والإمام قد خرج للخطبة أو كان يخطب بالناس فليصل ركعتين خفيفتين ليدرك الخطبة، وعلى الإمام أن يخطب قائماً؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام
شرح حديث: (إذا جاء أحدكم وقد خرج الإمام فليصل ركعتين...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء أحدكم وقد خرج الإمام فليصل ركعتين. قال شعبة: يوم الجمعة)].
يقول النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: باب الصلاة يوم الجمعة إذا خرج الإمام، والمقصود من هذه الترجمة: أن الإنسان إذا دخل وقد خرج الإمام، وصعد على المنبر، فإن الداخل لا يجلس، وإنما يصلي ركعتين قبل أن يجلس، سواءً كان الإمام قد دخل وهو على المنبر، ولم يبدأ بالخطبة، أو كان دخل، والإمام يخطب، فإن عليه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، وأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كانوا إذا دخلوا المسجد يوم الجمعة، يصلون ما أمكنهم أن يصلوا، ثم يجلسون، ولا يقومون إلا للصلاة، والذي كان موجوداً لا يقوم عندما يدخل الإمام، ويصعد على المنبر يتنفل، وإنما الذي يتنفل هو الذي يدخل بعد دخول الإمام، فإنه لا يجلس إلا وقد صلى ركعتين، أما من جاء قبل ذلك، فإنه يصلي ما أراد أن يصلي، ثم يجلس، ولا يقوم إلا للصلاة.
وهذا يدلنا على مشروعية الصلاة يوم الجمعة بعدما يدخل الإمام، أن الداخل يصلي ركعتين، ولا يزيد على الركعتين؛ لأن قوله: [(فليصل ركعتين)]، التي هي تحية المسجد، لكن لا يزيد عليها؛ لأن الزيادة عليها فيه انشغال عن الإقبال على الخطبة، والاستماع إليها، لكن تحية المسجد تتأدى بصلاة ركعتين دون أن يزيد عليها بعدما يكون الإمام قد خرج حتى يكون مستعداً لسماع الخطبة، ومتهيئاً لمتابعة الإمام، ومتابعة الخطيب في خطبته.
ثم إن لفظ الحديث: (إذا دخل أحدكم وقد خرج الإمام فليصل ركعتين)، هذا لفظ الحديث، شعبة أحد رواة الإسناد أراد أن يوضح، أو أتى بكلمة توضح المقصود فقال: يوم الجمعة، وهو معلوم، ومفهوم أن خروج الإمام، وصلاة ركعتين هو في صلاة الجمعة، أما إذا كان في الصلوات الأخرى، فالإمام إذا خرج أقيمت الصلاة، وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة كما جاء ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
فقوله: يوم الجمعة، هذه زيادة من شعبة أراد بها توضيح الوقت، وأنه يوم الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا جاء أحدكم وقد خرج الإمام فليصل ركعتين...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا خالد].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن دينار].
هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ سمعت جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن جابر وعن أبيه، فهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه، وجابر بن عبد الله الأنصاري أحد السبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء السبعة هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
مقام الإمام في الخطبة
شرح حديث: (كان رسول الله إذا خطب استند إلى جذع نخلة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مقام الإمام في الخطبة.أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود أخبرنا ابن وهب أخبرنا ابن جريج: أن أبا الزبير حدثه: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع المنبر واستوى عليه، اضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكتت)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: مقام الإمام في الخطبة، أي: المكان الذي يكون عليه الإمام، وذلك أنه كان يكون على جذع مستنداً إليه، وذلك قبل أن يصنع المنبر ويوضع له، ثم إنه بعدما صنع تحول إليه، وأما الجذع الذي كان يقوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ويستند عليه، فجعل يحن، ويسمع الناس صوته، أي: صوت حنينه لما فقد وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، فنزل عليه الصلاة والسلام، فاعتنقه فسكت ذلك الجذع الذي كان يحن لما تحول عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وهذا يدلنا على أن المخلوقات الجامدة، يخلق الله عز وجل فيها ما يخلق من ذكره، وعبادته، وكذلك ما حصل لهذا الجذع من الحنين من أجل فقده لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إن حنين الجذع، وحصول ذلك منه؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم تحول عنه فهذه من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل هذا الجذع -الذي هو جذع نخلة- يحصل منه هذا الحنين لفراق النبي عليه الصلاة والسلام، ولكونه تحول عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلى غيره.
ثم إن حصول هذا البكاء، والحنين منه وقع حقيقة، وسُمع صوته وهو يبكي، ويحن؛ لكون النبي عليه الصلاة والسلام تحول عنه، وهو يدل على كمال قدرة الله عز وجل، والله تعالى على كل شيء قدير.
وهذه مما جاءت به الأخبار، ويجب الإيمان بها، والتصديق، فهي من أمور الغيب التي نؤمن بها، ونصدق بها، ونعتقد أن ما جاء في الحديث حق، وأنه وقع على الحقيقة، والله عز وجل على كل شيء قدير.
ومثل هذا -الذي حصل من هذا الجذع- أيضاً ما جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن حجراً بمكة أعرفه كان يسلم عليّ)، أي: إذا مررت عليه يسلم علي، ويقول: السلام عليك يا محمد! حجر من الحجارة أنطقه الله عز وجل، وجعل يتكلم بهذا الكلام؛ الذي هو السلام على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وهذا يدلنا على أنه إذا أنطق الله عز وجل شيئاً من المخلوقات بالكلام، فإن الكيفية التي يكون بها الإنطاق نحن لا نعقلها، ولا نعرفها، ولكن نؤمن، ونصدق بأنه وجد الكلام من ذلك المخلوق الذي هو حجارة، وذلك الحنين الذي هو من جذوع النخل، ووجد الكلام ووجد الحنين من غير أن نعرف هذه الكيفية.
ومن المعلوم أن أهل السنة والجماعة يثبتون أن الله عز وجل يتكلم بصوت، وأنه يسمع، وكلام الله عز وجل مسموع، ولكن الكيفية لا نعقلها، كيفية كلام الله عز وجل نحن لا نعقلها، بعض المتكلمين الذين أعرضوا عن دلالة نصوص الكتاب والسنة، وعما كان عليه سلف هذه الأمة، فإنهم يقولون: إن الكلام الذي يُسمع لا يثبت لله عز وجل، قالوا: لأننا لو أثبتناه للزم أن نثبت الأمور التي نعقلها، والتي يحصل بها الكلام، وهم يقولون: لا نعقل كلاماً إلا بالهيئة التي نعرفها، وهي أن يكون هناك لسان، ولهات، وشفتان، ومخارج حروف، وحنجرة وما إلى ذلك، فلو أثبتنا الكلام لله عز وجل للزم أن نثبت هذه الأشياء، ويكون الله عز وجل مشابهاً لخلقه، هذا كلام غير صحيح، يجب إثبات الكلام، وأن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع، ولكن لا يلزم أن يكون مثلما هو معلوم للناس من كيفية كلام الإنسان، إذا كان هذا حجر حصل منه الكلام، ونطق بالكلام، ولكن ما عرف كيفية كلامه، ولم يعرف بأنه بلسان، وحنجرة ،ولهات، ما حصل بهذه الطريقة، حجر تكلم ليس له لسان، ولا لهات، ولا مخارج حروف، وإنما الله تعالى أنطقه، وإذا كان هذا مخلوق نطق بالكلام وليس بالهيئة التي يقولها المتكلمون، والتي لا يعقلون كلاماً إلا بهذه الكيفية المعروفة في كلام الإنسان، هذا يبين لنا فساد ما يقولونه، وأن ما جاء عن الله يجب إثباته له، لكن على وجه يليق بكماله وجلاله، وحصول هذا الكلام بغير الطريقة المعقولة للناس والمعروفة للناس، يدلنا دلالة واضحة على أنه لا يلزم أن يكون الكلام لا يحصل إلا بهذه الطريقة، فهذا مخلوق من مخلوقات الله تكلم، وليس بالطريقة المعروفة التي فيها لسان، ولهات، ومخارج حروف، والله عز وجل يوم القيامة يختم على الأفواه فتنطق الأيدي، والأرجل، والجلود بما كان يعمله الإنسان، أنطقها الله عز وجل الذي أنطق كل شيء، لكن ليس بالطريقة المعهودة، ولا يلزم أن يكون الكلام بما هو معلوم في كلام الإنسان، فإن صفات الباري تليق بجلاله، وكماله، وصفات المخلوق تليق بضعفه، وافتقاره، ولا يلزم من إثبات الصفة لله عز وجل أن يكون فيها مشابهاً لخلقه.
الحاصل: أن ما حصل في هذا الحديث من حنين الجذع، والحديث الآخر من سلام الحجر على النبي عليه الصلاة والسلام، أن الله تعالى أنطق ذلك الحجر، وجعل هذا الجذع يحن، ولم يكن هذا الحنين، وذلك الكلام، وفقاً لما هو معلوم للإنسان بكيفية كلامه وتكلمه، والله تعالى على كل شيء قدير.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا خطب استند إلى جذع نخلة...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد].هو المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[أخبرنا ابن وهب].
هو عبد الله المصري وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أن أبا الزبير حدثه].
هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ أنه سمع جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
قيام الإمام في الخطبة
شرح حديث كعب بن عجرة في قيام الإمام في الخطبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قيام الإمام في الخطبة.أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن كعب بن عجرة قال: (دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً، فقال: انظروا إلى هذا يخطب قاعداً، وقد قال الله عز وجل: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا )[الجمعة:11])].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: قيام الإمام في الخطبة، يعني: وهو يخطب يكون قائماً لا يكون جالساً، هذه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد كان عليه الصلاة والسلام يخطب قائماً، وأنزل الله تعالى عليه هذه الآية التي أخبر عنه أنه كان قائماً وهو يخطب، وهي قول الله عز وجل: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا )[الجمعة:11]، يعني: تركوك قائماً تخطب، ففيه: الدلالة على ما ترجم له المصنف، وهو أن الخطيب يكون قائماً حال الخطبة، لا يكون جالساً، فالخطبة تكون عن قيام، ولا تكون عن جلوس، هذه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، دل عليها فعله، ودل عليها أيضاً ما جاء في القرآن من الإخبار عن فعله، وما كان يفعله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو كونه يخطب قائماً عليه الصلاة والسلام.
فأورد النسائي حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد دخل المسجد، وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب جالساً، فقال: (انظروا إلى هذا يخطب جالساً، وقد قال الله عز وجل: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا )[الجمعة:11])، يعني: ترك السنة، وترك الهيئة والفعل الذي ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذكره الله تعالى في كتابه حاكياً فعله صلى الله عليه وسلم، وهو كونه يخطب قائماً، فدل هذا على كون الخطيب عندما يخطب، يخطب عن قيام، ولا يخطب من جلوس، بل السنة أن يكون قائماً، لكن لو حصل اضطرار إلى جلوسه، وكونه اضطر إلى ذلك، لا بأس بذلك، من أجل الضرورة، أما من غير ضرورة، فإن السنة أن يكون قائماً ولا يكون جالساً.
تراجم رجال إسناد حديث كعب بن عجرة في قيام الإمام في الخطبة
قوله: [أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم].هو أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.
[ حدثنا محمد بن جعفر].
ولقبه غندر، وهو: محمد بن جعفر البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وقد مر ذكره قريباً، وأنه وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن عمرو بن مرة].
هو عمرو بن مرة المرادي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عبيدة].
هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وقيل: إن كنيته هي اسمه وليس له اسم غير أبي عبيدة، فهي اسمه، وهي على صيغة الكنية، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن كعب بن عجرة].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:53 AM

الفضل في الدنو من الإمام
شرح حديث: (من غسل واغتسل وابتكر...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفضل في الدنو من الإمام.أخبرنا محمود بن خالد حدثني عمر بن عبد الواحد سمعت يحيى بن الحارث يحدث عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس الثقفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل واغتسل، وابتكر، وغدا ودنا من الإمام وأنصت، ثم لم يلغ، كان له بكل خطوة كأجر سنة صيامها، وقيامها)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل الدنو من الإمام، وأورد فيها حديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(من غسل واغتسل، وابتكر ودنا، وأنصت ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها)]، والحديث سبق أن مر في الاستدلال على فضل الاغتسال، وكذلك في موضع آخر، وهنا أورده من أجل: (ودنا) التي جاءت في الحديث: [(ودنا من الإمام)]، والدنو من الإمام فيه فوائد وهي: كون الإنسان يحصل أوائل الصفوف، والأمر الثاني: كونه يتمكن من سماع الخطبة، واستيعاب ما يقوله الإمام، والتمكن من تلقيه، وفهمه، وإدراكه.
والخطبة إنما شرعت ليستفيد الناس منها، فدنو الإنسان من الإمام يجعله متمكناً من استيعاب ما يقوله الإمام، وما يأتي على لسان الإمام في خطبته التي يخطب فيها الناس، فيكون الإنسان مستفيداً من الخطبة حيث سمعها، وتمكن من سماعها؛ لدنوه من الإمام، وقربه منه.
والحديث سبق أن مر في فرض الاغتسال، وكذلك في غيره، وهنا جاء من أجل ما اشتمل عليه من لفظ الدنو.
تراجم رجال إسناد حديث: (من غسل واغتسل وابتكر ...)
قوله: [أخبرنا محمود بن خالد].هو محمود بن خالد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثني عمر بن عبد الواحد].
هو الدمشقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[سمعت يحيى بن الحارث].
هو يحيى بن الحارث الشامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[ يحدث عن أبي الأشعث الصنعاني].
هو شراحيل بن آده، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أوس بن أوس الثقفي].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي سكن الشام، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة
شرح حديث: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة.أخبرنا وهب بن بيان حدثنا ابن وهب سمعت معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن عبد الله بن بسر قال: كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة، فقال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي اجلس فقد آذيت)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة. تخطي رقاب الناس، وكون الإنسان يأتي ويقفز من صف إلى صف، ويتجاوز أعناق الناس، بأن يتقدم، ثم يتخطى رقابهم، فيحصل في ذلك الإيذاء لهم، وقد جاء النهي في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، الذي هو حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه.
وقول أبي الزاهرية: (كنت جالساً إلى جنبه)، أي: جانب عبد الله بن بسر، فقال: [(إن رجلاً دخل يتخطى رقاب الناس والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال له: اجلس فقد آذيت)]، يعني: اجلس حيث ينتهي بك المجلس، ولا تتخطى الرقاب فقد آذيت الناس بتخطيك لرقابهم، وإنما على الإنسان إذا جاء متأخراً أن يصل الصفوف، ويتقدم إلى الصفوف، ولكنه لا يتخطى الرقاب، اللهم إلا أن يكون هناك فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، فإن على المؤمنين أن يتقدموا إليها، وأن يغلقوها بحيث لا يبقى مجال لأحد أن يتقدم من أجله، من أجل الفُرج التي أمام الناس، وإنما يتقدمون، وكل صف يملى، ولا ينشأ الصف الذي بعده إلا إذا امتلأ الذي قبله، فلا ينشأ الصف الثاني إلا وقد امتلأ الصف الأول، ولا ينشأ الصف الثالث إلا وقد امتلأ الصف الثاني.. وهكذا، فلا يكون هناك فُرج تبقى بين الصفوف، وإنما الناس يتقدمون، ويسدون الفرج، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لهذا الرجل: [(اجلس فقد آذيت)]، وهذا يدلنا على أن تخطي رقاب الناس غير سائغ، إلا إذا كان هناك أمر يقتضيه، كأن يكون هو الإمام وسيذهب إلى مكانه، أو يرى فرجة لا يصل إليها إلا به، فإنه في هذه الحالة له التخطي، أما إذا كان من غير أمر يقتضيه، فليس للإنسان أن يتخطى رقاب الناس.
ثم إن فيه: وصف التخطي بأنه أذى، ومن المعلوم أنه لا يسوغ لمسلم أن يؤذي مسلماً، وفيه أيضاً ما يدل على أن الإمام له أن يكلم من شاء من المأمومين، وكذلك المأمومون لهم أن يكلموا الإمام، فالكلام في وقت الخطبة لا يجوز إلا من الإمام أو من يكلمه الإمام، والنبي عليه الصلاة والسلام خاطب هذا الرجل وقال: (اجلس فقد آذيت)، قطع خطبته وقال: (اجلس فقد آذيت)، فهذا يدلنا على جواز كون الإمام يتكلم مع بعض المأمومين، وعكسه؛ وهو كون بعض المأمومين يكلم الإمام، وسيأتي في الحديث الذي بعد هذا ما يدل عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس...)
قوله: [أخبرنا وهب بن بيان].ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا ابن وهب].
هو المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد تقدم.
[سمعت معاوية بن صالح].
هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق، له أوهام، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي الزاهرية].
واسمه حدير، وهو صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وهو مشهور بكنيته أبو الزاهرية، واسمه حدير.
[عن عبد الله بن بسر].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو آخر من مات من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالشام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب
شرح حديث: (جاء رجل والنبي على المنبر يوم الجمعة فقال له: أركعت ركعتين...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب.أخبرنا إبراهيم بن الحسن ويوسف بن سعيد واللفظ له، قالا: حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة، فقال له: أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: فاركع)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب، يعني: أنه لا يجلس إلا وقد صلى ركعتين، وقد أورد النسائي فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، أن رجلاً دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: فاركع)، أي: صل ركعتين، أي: اركعهما، وهذا يدلنا على مشروعية الصلاة، أي: صلاة تحية المسجد إذا دخل الإنسان والإمام يخطب، فإنه لا يجلس إلا بعد أن يصلي ركعتين.
وفيه أيضاً: دليل على جواز الكلام من الإمام، أو من يكلمه الإمام؛ لأن الحديث فيه كلام الإمام، وكلام غيره معه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب مأموماً من المأمومين وقال: (أركعت؟) يعني: صليتَ تحية المسجد؟ قال: لا، قال: (فاركع)، ففيه: مخاطبة الإمام لغيره، وإجابة غيره له، أو مخاطبة غيره له، يعني: كونه يخاطب الإمام، فيجوز للإمام أن يكلم المأمومين، ويجوز للمأمومين أن يكلموا الإمام وهو يخطب يوم الجمعة، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنها ما دل عليه هذا الحديث الذي معنا.
تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل والنبي على المنبر يوم الجمعة فقال له: أركعت ركعتين...)
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن الحسن].هو إبراهيم بن الحسن المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[ويوسف بن سعيد].
هو يوسف بن سعيد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.
[واللفظ له].
أي: للشيخ الثاني الذي هو يوسف بن سعيد.
[حدثنا حجاج].
هو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره قريباً.
[ أخبرني عمرو بن دينار].
هو المكي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ أنه سمع جابر بن عبد الله].
وقد مر ذكره.
الأسئلة
الفرق بين الترجمتين في الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام أو جاء والإمام يخطب
السؤال: فضيلة الشيخ! ما الفرق بين هذه الترجمة، والترجمة السابقة: باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام؟الجواب: الذي يبدو كما هو واضح أن الفرق بينهما: أن خروج الإمام كما هو معلوم يعني: كونه خرج، وجلس على المنبر، لا يمنع من الإتيان بالركعتين، وخروج الإمام أوسع، وأعم من كون الإمام يخطب، يعني: ترجمة خروج الإمام أوسع من الترجمة الثانية التي هي كون الإمام يخطب؛ لأنها تشمل ما بين الخطبتين، وتشمل كونه جاء وقعد على المنبر.
الجمع بين أحاديث آخر أهل الجنة دخولاً
السؤال: فضيلة الشيخ! حفظكم الله، وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً فيها، وهو الرجل الذي يخرج يزحف على يديه، ورجليه، وورد في حديث آخر الحثيات من حثيات الله عز وجل، وهم عتقاء الرحمن الذين يخرجون من النار برحمته، فهل هؤلاء هم آخر أهل الجنة دخولاً، أو ذلك الرجل المذكور في الحديث؟الجواب: الله تعالى أعلم، لكن ظاهر الحديث نص أن ذلك الشخص هو آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وخروجاً من النار، هو هذا الذي نص عليه، وأما أولئك فيمكن والله تعالى أعلم أنهم قبله يكونون.
حكم زواج المرأة الثيب من غير ولي
السؤال: هل للمرأة الثيب أن تتزوج بغير ولي، خاصة أن الرجل من الأجانب، وهو شيخ أو كذا، وهذا النكاح هل يجوز أو لا؟الجواب: لا نكاح إلا بولي، سواءً كانت بكراً، أو ثيباً، لا بد من الولي في النكاح، وسواءً كانت المزوجة بكراً أو كانت ثيباً.
مدى صحة اعتقاد أن فتح كم الثوب من السنة
السؤال: هل فتح كم الثوب من سنته صلى الله عليه وسلم أو لا؟ وما رأيكم فيمن يقول: إنه من عادته، وجبلته، ولم يفعله صحابته الكرام؟الجواب: الأزارير هي: توضع من أجل أن يزر بها، وهي لا توضع للزينة، وإنما توضع لضربها القميص وجيب القميص، والذي جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث بحديث وكان أزراره محلولاً، يعني: في تلك اللحظة التي حصل فيها كون الصحابي سمع الحديث، كان الأزرار محلولاً، ولكن لا يعني هذا أن يكون محلول الأزرار دائماً وأبداً، وإنما هي حالة نادرة، لكن كون هذه عادته دائماً، لا يدل عليه هذا اللفظ، وإلا لماذا توضع الأزارير؟ وما هي الحكمة من وضع الأزرار؟ وهل هو للزينة؟ أبداً، لا يتزين بالأزرار، وإنما الأزرار ليزر به القميص، فكونه حصل في حالة معينة، والصحابي الذي سمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعتها شاهد النبي صلى الله عليه وسلم محلول الأزرار، هذا يدل على أنها حالة طارئة، وأنها ليست عادته صلى الله عليه وسلم.
حكم لبس الحديد في الخاتم والساعة
السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله، هل يجوز لبس الحديد، والخواتم، والساعات مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي فيه ذكر لبس الذهب: (هذا شر، هذا حلية أهل النار)، وهل لا توجد شبهة في لبسه؟الجواب: التختم بالحديد لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه حلة أهل النار)، لكن كون الإنسان يستعمل الساعة وفيها حديد ما في بأس، هو ما لبس حديداً، وإنما لبس ساعة مشتملة على حديد.
بيان معنى الدنو من الإمام وقت الخطبة خاصة في المسجد النبوي لبعد المنبر
السؤال: فضيلة الشيخ! في المسجد النبوي لم يحصل الدنو من الإمام في الصفوف الأولى؛ لبعد المنبر عن الصف الأول؟الجواب: الصفوف الأول الذي يكون فيها هو دان من الإمام، وقريب من الإمام، ما هو معناه دنوه من الإمام أن يكون تحت المنبر، يعني وإنما يكون قريباً منه بحيث أنه يسمع صوته، ومن المعلوم أن الآن بواسطة مكبرات الصوت والكل يسمع الصوت، لكن لو انقطعت الكهرباء، فإن الذين يكونون قريباً من الإمام يسمعونه، ومن المعلوم أن الصف الأول هو قريب من الإمام، وفي المسجد النبوي هو قريب من الإمام في الصفوف الأول التي أمامه.
نبذة عن ثلاثيات البخاري في صحيحه
السؤال: فضيلة الشيخ! لو تذكر لنا نبذة عن ثلاثيات البخاري وطرقها؟الجواب: ثلاثيات البخاري ما أتذكر طرقها، لكن عددها اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً بالتكرار، وهي ستة عشر بدون تكرار، وبين البخاري، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثلاثة أشخاص، أما طرقها ما أتذكرها، لكن من شيوخه فيها أبو عاصم النبيل، ومكي بن إبراهيم.
معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)
السؤال: فضيلة الشيخ! ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)؟الجواب: معنى هذا أن من كان في المدينة، وما يشبهها، وما يسامتها، يعني: يكون عن مكة شمالاً، فإنه إذا اجتهد في القبلة، ثم تبين أنه انحرف عنها يسيراً، ولكنه ما صلى، وهو بين الشرق والغرب فهي قبلة؛ لأن إصابة عين الكعبة إنما يكون من يكون عندها أو الذي يستقبل رأسها، أما من يكون عندها فهو يستقبل جهتها، وما بين المشرق والمغرب قبلة، يعني: الأمر في ذلك واسع، ومعناه: لو أن إنساناً صلى ثم تبين له أنه انحرف شيئاً يسيراً عن جهة القبلة فما يؤثر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، فهذا في حق من يكون شمالاً، وكذلك من يكون جنوباً، فما بين المشرق والمغرب قبلة له، ومن يكون في الغرب فما بين الجنوب والشمال له قبلة، ومن يكون في الشرق فما بين الجنوب، والشمال قبلة له كذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا في حق أهل المدينة الذين قبلتهم بين الشرق والغرب إلى جهة الجنوب.
حكم الزيادة على أربع ركعات قبل العصر
السؤال: هل يجوز الزيادة على أربع قبل العصر، مثل ثمان ركعات؟الجواب: الإنسان إذا دخل وأراد أن يصلي ما شاء فله ذلك، والذي جاء في الحديث: (رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً).
شرح حديث: (اللهم اجعل في قلبي نوراً)
السؤال: فضيلة الشيخ! لو تشرحوا لنا حديث: (اللهم اجعل في قلبي نوراً)؟الجواب: كما هو معلوم هذا دعاء يسأل الإنسان ربه أن يجعل في أعضائه نوراً؛ التي هي قلبه، وسمعه، وبصره، ويمينه، وأمامه، وعن شماله وخلفه كما جاء في الحديث، والحديث سبق أن مر بنا، وهو واضح في لفظه وفي معناه؛ لأنه كما هو معلوم المقصود بذلك، النور المعنوي، وهو أن يكون موفق في عبادته وفي سلوكه إلى الله عز وجل، بحيث يكون على نور، وعلى هدى، وعلى بصيرة، وعلى صراط مستقيم؛ لأن هذا هو النور الحقيقي، يعني نور الهدى، ونور العلم، ونور البصيرة في الدين، ونور كون الإنسان يعبد الله على صراط مستقيم، هذا هو المقصود بهذا الدعاء: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وأمامي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً..) إلى آخر الحديث.
المقصود بالطبقات في علم المصطلح
السؤال: فضيلة الشيخ! ما المراد بالطبقات في علم المصطلح؟الجواب: الطبقة هم جماعة اشتركوا في السن ولقيا المشايخ، يعني: جماعة تقاربوا في السن ولقاء المشايخ، هؤلاء يقال لهم: طبقة، يعني: موجودين في وقت واحد يأخذون عن شيوخ شيوخهم.




ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:58 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(265)

- (باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة) إلى (باب كيفية الخطبة)
مما ينبغي مراعاته يوم الجمعة الإنصات للخطبة، ومن لم ينصت فلا جمعة له؛ لذلك فقد بين الشرع فضل الإنصات وما يحصل له من الأجر والفضل، وبين كيفية خطبة الحاجة، ويدخل في ذلك خطبة الجمعة.
الإنصات للخطبة يوم الجمعة
شرح حديث: (من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغا)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الإنصات والإمام يخطب يوم الجمعة. وأورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغا]، وهذا مطابق لما ترجم له المصنف من جهة أن الإنصات مطلوب، بل متعين، وذلك أنه مطلوب من الإنسان أن يقبل على الخطبة، وأن يتأملها، وأن يستفيد من هذه الخطبة؛ لأن شأنها عظيم.
ومن شروط الجمعة: أن يتقدمها خطبتان، والخطبتان مطلوب من المصلي أن ينصت فيهما، وأن يقبل على الخطبة، وأن يستوعبها، وأن يستفيد من هذه الخطبة.
وفيه: التحذير من التكلم بأي كلمة والإمام يخطب، فلا يخاطب غيره من الناس، ولا يتحدث مع أحد، بل لو حصل من صاحبه، أو ممن هو حوله شيء من الكلام، أو الحديث لا يتكلم معه ويقول له: أنصت، وإنما عليه أن يمسك عن ذلك، ويكون مقبلاً على خطبته، وهذا بخلاف الخطيب؛ فإنه يجوز أن يكلم الناس، وأن يكلمه الناس، وأن يتكلم هو مع الناس، وقد مر بنا بعض الأحاديث الدالة على هذا؛ مثل قصة الرجل الذي قال: (دخل والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب، فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركع)، فحصل الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، ومن ذلك الشخص الذي هو أحد الحاضرين، فالكلام مع الإمام، ومن المأمومين مع الخطيب ومن الخطيب لا بأس به، وأما الكلام من الناس بعضهم مع بعض فإن ذلك لا يسوغ ولا يجوز، وفيه هذا التحذير والترهيب، وأن من حصل منه ذلك فقد لغا.
وقد جاء في بعض الروايات: (ومن لغا فلا جمعة له)، ومعنى هذا: أنه يفوته أجر الجمعة، وأجر فضيلة الجمعة، وإن كان حصل منه أداء الفرض، ولا يقال: إنه يعيد الصلاة، أو أن صلاته ليست بصحيحة، أو أنه ما أدى الصلاة المكتوبة، بل يقال: أدى الصلاة، ولكن فاته فضيلة الجمعة، وثوابها العظيم، وأجرها الجزيل الذي جاء بيانه في أحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ثم الحديث فيه شيئان: التحذير من اللغو في يوم الجمعة والإمام يخطب، فإذا كان في غير يوم الجمعة فليس لها قيم خطبة الجمعة، ولا يقال: إن من حصل منه الكلام في غير خطبة الجمعة أنه مثل الجمعة، بل يختلف الأمر.
وفيه: أن الأمر مقيد بكون الإمام يخطب، فلو كان بين الخطبتين، أو كان قبل أن يبدأ بالخطبة، فإن ذلك لا يُمنع منه، ولا يمنع الكلام، وإنما الكلام في حال خطبة الإمام، والمقصود من ذلك الإنصات، والإقبال على الخطبة، وكون الإنسان يستوعبها، ويستفيد منها؛ لأن شأن خطبة الجمعة عظيم.
تراجم رجال إسناد حديث: (من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغا)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا الليث].
هو ابن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، إمام، مشهور، وهو فقيه مصر ومحدثها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عقيل].
هو عقيل بن خالد بن عقيل الأيلي المصري، واسمه عُقيل بالتصغير، واسم جده عَقيل، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وعَقيل، وعُقيل مثل هذا يعتبر من المؤتلف، والمختلف، وهو ما تتفق الألفاظ من حيث الكتابة، ولكنها تختلف من حيث النطق؛ لأن عَقيل وعُقيل لفظها واحد من حيث الرسم والكتابة، لكن الفرق بينها بالشكل، الحروف هي الحروف، والفرق بينها بالشكل: عَقيل، وعُقيل، فاسمه مصغر عُقيل، واسم جده عَقيل بفتح العين، وكسر القاف. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، مشهور من صغار التابعين، كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، في زمن خلافته بجمع السنة، وقال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن المسيب].
ثقة، فقيه، من ثقات التابعين، ومن فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وهو محدث، فقيه، وإمام، مشهور، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة؛ وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السابعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وقد عرف سبعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة الحديث عنه، وأكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، فهؤلاء السبعة اشتهروا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
شرح حديث: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد حدثني أبي عن جدي حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ وعن سعيد بن المسيب: أنهما حدثاه: أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب؛ فقد لغوت)].هنا أورد النسائي هذا الحديث من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله، يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: [إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغوت]، وهو بمعنى الذي قبله، وفيه تحذير من الكلام حال الخطبة يوم الجمعة، ولو كان الأمر بمثل هذه الكلمة التي هي كلمة (أنصت) فيما إذا كان سمع أحد يتكلم، فإنه لا يلتفت إليه، ولا يقول له: أنصت؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بين أن هذا لغو، ففيه تحذير من هذا العمل.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث].ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وهو مصري.
[ حدثني أبي ].
هو شعيب بن الليث، وهو ثقة، نبيل، فقيه، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، يعني الذين خرجوا له هم الذين خرجوا لابنه عبد الملك، فـ عبد الملك وأبوه كل منهما خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن جدي].
هو الليث بن سعد، وهو ثقة، ثبت، فقيه، إمام، مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد من رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد؛ ففيها الراوي يروي عن أبيه، وأبوه يروي عن جده، وقد يكون الجد هو جد الراوي نفسه كما هنا، فإن عبد الملك يروي عن شعيب، وشعيب يروي عن الليث، والليث هو جد عبد الملك، وقد يكون الجد هو جد الأب، مثل رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فإن الصحيح فيها أن الجد هو جد شعيب، وهو جد عمرو، ولكنه ليس جده المباشر؛ لأنه عمرو بن شعيب بن محمد بن عمرو، فالرواية يعني: رواية الابن عن الأب، والأب عن جده، أي: جد الأب وليس جد الابن، فهذه من رواية الأبناء عن الآباء، وقد تكون الابن يروي عن أبيه، والأب يروي عن أبيه، مثلما هنا، وقد يكون رواية ابن عن أب عن جد، ولكن الجد ليس هو الجد المباشر، وإنما هو جد الأب، مثل رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
[عن عُقيل].
قد مر ذكره قريباً.
[عن الزهري].
قد مر ذكره.
[عن عمر بن عبد العزيز].
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي الخليفة، يعد من الخلفاء الراشدين، وهو مشهور بفضله، وزهده، وورعه، وأيضاً هو محدث، وفقيه، يأتي ذكره في مسائل الفقه، يقال: قال فيها عمر بن عبد العزيز، ويأتي ذكره في الأسانيد يقال: حدثني عمر بن عبد العزيز كما هنا، وقد ألف بعض العلماء مؤلفاً في مسند عمر بن عبد العزيز، يعني الأحاديث التي يرويها عمر بن عبد العزيز أُلف فيها جزء يقال له: مسند عمر بن عبد العزيز.
وهذا الرجل الذي اشتهر بالعلم فقهاً، وحديثاً، وتولى الخلافة سنتين ونصف، وكان فيها على سيرة حسنة، وعلى طريقة سليمة، ومشهور بالعدل، والفضل، والنبل، وعُمره لما توفي أربعون سنة، وهو ليس من المعمرين، فعمره قصير، ولكن مع ذلك بلغ ما بلغ من العلم، والفضل، وولي الخلافة، وصار مشهوراً بفضله، وفي عدله، وفي قيامه بالخلافة على وجه مرضي، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ].
يقال فيه أيضاً: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، يعني: بالقلب، وقال الحافظ ابن حجر: منهم من اعتبرهما اثنين، يعني: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ شخص، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ شخص، وإنما هو شخص واحد، الاسم فيه تقديم وتأخير، فيقال: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، ويقال: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، كما ورد في تهذيب الكمال، وهو المعتمد.
[ وسعيد بن المسيب].
قد مر ذكره قريباً.
[ أن أبا هريرة].
قد مر ذكره قريباً.
فضل الإنصات وترك اللغو يوم الجمعة

شرح حديث: (ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر... وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الإنصات وترك اللغو يوم الجمعة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن منصور عن أبي معشر زياد بن كليب عن إبراهيم عن علقمة عن القرثع الضبي -وكان من القراء الأولين- عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر، ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، وينصت حتى يقضي صلاته؛ إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة)].
أورد النسائي باب فضل الإنصات وترك اللغو يوم الجمعة، يعني: والإمام يخطب، وأورد فيه حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر ]، يعني: إما أن يتوضأ، ويتم وضوءه، وهذا هو الأمر الذي لا بد منه، أو مع ذلك يغتسل، وهو إما واجب أو مستحب على خلاف بين العلماء في ذلك، والذي ينبغي للإنسان المحافظة عليه، ولكنه إذا تركه -أي: الغسل- لا يأثم، فقوله: [كما أمر]، إما يحتمل أن يكون المراد به الوضوء الذي لا بد منه، أو يراد به الوضوء مع الغسل الذي هو مندوب متأكد، أو واجب على خلاف بين العلماء في ذلك.
وقوله: [إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة]، يعني: من هذه الجمعة إلى الجمعة التي قبلها، يكفِّر هذا العمل الذي عمله، وقد جاء في حديث آخر: (الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر)، والمقصود بذلك تكفير الصغائر، وأما الكبائر فإنها تحتاج إلى توبة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: (ما اجتنبت الكبائر)، فيكون ذلك كفارة للصغائر، والحسنات تذهب السيئات، والسيئات التي تذهبها الحسنات هي الصغائر، وأما الكبائر فإنها تذهبها التوبة النصوح الصادقة التي تجب ما قبلها، وتقضي على ما قبلها، وكأن الإنسان لم يحصل منه ذنب بعد أن يتوب توبة نصوحاً تجُب ما قبلها.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 01:01 AM

تراجم رجال إسناد حديث: (ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر... وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، إمام، مجتهد، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو مشهور بالفقه كما أنه مشهور في الحديث، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، والنسائي يروي عن شيوخ عدة كل منهم يقال له: إسحاق بن إبراهيم، ويمكن معرفة الشخص -كما ذكرت من قبل- بالرجوع إلى طرق الحديث، إذا كان له طرق، فقد يكون يسمى في بعض الطرق، فيكون إهماله في بعض الطرق يتبين المراد من الطرق الأخرى التي صار فيها إيضاحه، وبيان نسبته، أو أنه يُنظر في الشيوخ الذين روى عنهم إسحاق بن إبراهيم، وهنا جرير بن عبد الحميد، وفي ترجمة جرير بن عبد الحميد في تهذيب الكمال: ما روى عنه من يسمى إسحاق بن إبراهيم إلا ابن راهويه، فيكون هذه من الطرق التي يميز بها الشخص عن غيره، ويعرف بها، وذلك بمعرفة الشيخ الذي روى عنه، فينظر من روى عنه الذين يسمون بهذا الاسم إسحاق بن إبراهيم، فتبين من تهذيب الكمال أن الذي روى عنه، هو: ابن راهويه ولم يذكر غيره روى عنه ممن يوافقه بهذا الاسم الذي هو: إسحاق بن إبراهيم.
[ حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، صحيح الكتاب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهناك جرير شخص آخر وهو: جرير بن حازم، وهو فوقه، أقدم منه في الطبقة، وأعلى منه، وذاك الذي هو من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة هو جرير بن عبد الحميد.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، من طبقة الأعمش، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي معشر زياد بن كليب].
ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن إبراهيم ].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي اشتهر عنه في مسائل الفقه التعبير عن الحيوانات التي لا دم فيها قوله: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وقد ذكر ابن القيم في كتاب زاد المعاد أن أول من عرف عنه أنه عبر بهذه العبارة، وقال: ما لا نفس له سائلة؛ هو إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح أن هذه الجملة حديث، قال: وفي الحديث: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه)، هذا في كتاب الروح، وأما في كتاب زاد المعاد فقد قال: إن أول من عرف عنه أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة هو إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وهذا يبين عدم صحة كون هذا حديث كما ذكره في الروح، ولعل هذا مما يوضح أن كتاب الروح كان متقدماً، وكان فيه أشياء مثل هذا، يعني ليست محققة، كما هو موجود في كتبه المتأخرة التي فيها التحقيق، وفيها التقعيد، فتأليفه كتاب الروح لعله متقدم، ولهذا صار فيه مثل هذا الخطأ، وصار فيه أيضاً أمور أخرى، مثل حكاية المنامات، والإكثار من ذكر المنامات، وما إلى ذلك من ما هو غير معهود في كتب ابن القيم، فهذا يشعر بأنه متقدم، وأن كلمة: (ما لا نفس له سائلة)، التعبير عنها جديد، ولم يكن من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.
[عن علقمة].
هو علقمة بن قيس بن يزيد النخعي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن القرثع الضبي].
هو القرثع الضبي الكوفي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه.
[عن سلمان].
هو سلمان الفارسي صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وسلمان من فارس، ولكن رفعه الإسلام، ورفع من شأنه الإسلام بصحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول الشاعر:
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ووضع الشرك النسيب أبا لهب
فـ أبو لهب نسبه شريف، وهو عم الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لما لم يوفق للإسلام، ولم يكن من أهل الإسلام، ما نفعه نسبه، بل الشرك وضعه، وأما سلمان الفارسي فقد رفعه الإسلام.
والرسول عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يقول: كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)، يعني: الذي يؤخره عمله عن دخول الجنة، ليس نسبه هو الذي يسرع به إليها، فالعبرة بالأعمال، والعبرة بالتقوى، كما قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )[الحجرات:13].
كيفية الخطبة

شرح حديث ابن مسعود: (علمنا خطبة الحاجة: الحمد لله، نستعينه ونستغفره ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيفية الخطبة.أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت أبا إسحاق يحدث عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (علمنا خطبة الحاجة: الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يقرأ ثلاث آيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا )[الأحزاب:70]). قال أبو عبد الرحمن: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً، ولا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ولا عبد الجبار بن وائل بن حجر].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: كيفية الخطبة؛ أي: كيف تكون الخطبة في بدايتها، ومطلعها، وأورد فيها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: [علمنا خطبة الحاجة]؛ يعني: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة، والحاجة فسرت بأنها أي حاجة، يعني: يريد الإنسان أن يجعل بين يديها خطبة، فإن هذه هي الخطبة.
ومنهم من قال: إن المراد بالحاجة النكاح، فتكون خطبة الحاجة هي خطبة النكاح التي تكون بين يدي عقد النكاح.
والنسائي أورد هذه الترجمة في أبواب الجمعة للإشارة إلى أنها إما أن تكون الحاجة مطلقاً، ويدخل فيها الجمعة، أو يكون الحديث دال على خطبة الحاجة، ولكن خطبة الجمعة تماثلها وتشبهها، ويبدأ بها كما يبدأ بخطبة الحاجة.
وخطبة الحاجة جاءت في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث؛ وهي: [الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يقرأ الثلاث آيات؛ آية من سورة آل عمران وهي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102]، ومطلع سورة النساء، والآية في آخر سورة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا )[الأحزاب:70] ]، يقرأ هذه الثلاث الآيات.
والحديث من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وقد قال النسائي عقب ذلك: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً، وعلى هذا فهو منقطع؛ يعني: مرسل، فروايته عن أبيه مرسلة؛ لأنه لم يسمع منه، لكن الحديث جاء من طرق أخرى عن عبد الله بن مسعود، وعن صحابة آخرين، وهو صحيح بمجموع تلك الطرق، والشيخ الألباني ألف فيه رسالة خاصة جمع فيها طرق الحديث، وما قيل في تلك الطرق، وهي بمجموعها يكون الحديث بها صحيحاً، وأما الحديث من هذه الطريق وحدها فهو لا يصح؛ لأنه منقطع، لكنه بمجموع الطرق الأخرى يكون صحيحاً، وتكون خطبة الحاجة ثابتة بالطرق المختلفة عن عبد الله بن مسعود، وعن غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والنسائي قال في آخر الحديث: قال أبو عبد الرحمن. كلمة: (قال أبو عبد الرحمن) هذه يحتمل أن تكون هي من النسائي نفسه، يقول عن نفسه: قال أبو عبد الرحمن، فيذكر نفسه بالكنية، ويحتمل أن يكون غيره هو الذي قال: قال أبو عبد الرحمن، لكن الغالب أنه هو الذي قالها، وهذه الطريقة مشهورة عند المغاربة؛ أنه عندما يريد الإنسان أن يتكلم كلاماً يعلق فيه على شيء، أو ينبه فيه على شيء، أو يأتي بكلام من عنده يميزه عن غيره، يقول: قال أبو فلان، وهذا مشهور عند المغاربة كثيراً، وأيضاً يوجد عند المشارقة، مثل: الترمذي كثيراً ما يقول: قال أبو عيسى عندما يريد أن يتكلم على بعض الأحاديث، وكذلك النسائي يقول: قال أبو عبد الرحمن، لكن الغالب على المشارقة أنهم يقولون: قلت، وفيهم من يقول: قال أبو فلان، كما هو موجود في صنيع الترمذي: قال أبو عيسى، وكما هو موجود في صحيح أبي عبد الرحمن النسائي حيث يقول: قال أبو عبد الرحمن.
ثم إنه لما ذكر هذه الفائدة؛ وهي: أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، أضاف إليها بالمناسبة فائدتين؛ وهي: أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه أيضاً، وعبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه وائل بن حجر، وقد مر بنا هذا، وأن الصحيح، والأرجح أنه لم يسمع من أبيه، بخلاف أخيه علقمة فإنه سمع من أبيه، فـالنسائي بمناسبة رواية أبي عبيدة عن أبيه، وذكر الفائدة، أضاف إليها أيضاً فائدتين؛ وهي أن عبد الرحمن أيضاً لم يسمع من أبيه الذي هو أخوه، وأيضاً عبد الجبار بن وائل بن حجر.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (علمنا خطبة الحاجة: الحمد لله، نستعينه ونستغفره...)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى]. هو العنزي أبو موسى الملقب الزمن، وهو بصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ ومحمد بن بشار].
هو الملقب بندار، وهو بصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وهذان الشيخان محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار شيخان لأصحاب الكتب الستة، وأصحاب الكتب الستة رووا عنهما مباشرة، وبدون واسطة، وكانت وفاتهما سنة اثنتين وخمسين ومائتين قبل وفاة البخاري بأربع سنوات. وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن المثنى: وكان هو وبندار كفرسي رهان. يعني مثل فرسي الرهان، يعني: متساويين؛ لأنهم في وقت واحد، وفي بلد واحد، وهم في الغالب متفقون في الشيوخ وفي التلاميذ، فهما كفرسي رهان؛ يعني: متساويان ما أحد يسبق الثاني لتقاربهما.
[ حدثنا محمد بن جعفر].
هو غندر، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، لقب بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ سمعت أبا إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، والسبيعي جزء من همدان، فيُنسب إلى همدن وإلى سبيع، إلى همدان نسبة عامة وإلى سبيع نسبة خاصة؛ لأن سبيع أخص من همدان؛ لأنهم جزء من همدان، وهو مشهور بالسبيعي، وهو كوفي، ثقة، يرسل، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أبي عبيدة].
أبو عبيدة هو: ابن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو ابن مسعود الهذلي ، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن علماء الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وليس من العبادلة الأربعة في الصحابة؛ لأن العبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، وعبد الله بن مسعود من المتقدمين ومن السابقين، ووفاته سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.
الأسئلة


حكم الرواية بعد الاختلاط إن وجد ما يعضدها
السؤال: فضيلة الشيخ! ما روي بعد الاختلاط إذا كان له ما يعضده فهل يقبل؟الجواب: نعم، إذا وجد ما يعضده فإن حديث المختلط يعتضد بغيره؛ لأنه هو الإشكال لكونه ما ضبطه، ما ضبطه لأنه اختلط، لكن إذا كان هناك شيء يعضده ويؤيده فإنه يعتضد.
الجمع بين عدم قبول الشاذ وقبول زيادة الثقة
السؤال: كيف نجمع بين القول بعدم قبول الشاذ، والقول بأن الزيادة من الثقة مقبولة؟الجواب: الشاذ كما هو معلوم هو المخالفة للثقات في شيء لا يمكن التوفيق بينه وبين غيره، مثل ما جاء في صحيح مسلم في صلاة الكسوف؛ فإن الشمس انكسفت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم، والأحاديث كلها تتحدث عن الكسوف، وصلاة الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم، وأكثر الرواة في الصحيحين رووا أن كل ركعة بركوعين، وبعض الثقات في صحيح مسلم روى كل ركعة بثلاث ركوعات، فالثلاث الركوعات هذه شاذة؛ لأن رواية الذين قالوا ركوعين مقدمة على تلك الرواية الشاذة.
وكذلك أيضاً ما جاء في صحيح مسلم في بعض الروايات حديث السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب؛ فإن أكثر الروايات في الصحيحين: (لا يسترقون، ولا يكتوون)، وفي صحيح مسلم في بعض الروايات عن بعض الثقات: (لا يرقون، ولا يكتوون)، فكلمة (يرقون) هذه غير محفوظة شاذة؛ لأن الأحاديث جاءت (يسترقون)، ثم أيضاً فيها نكارة من حيث المتن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رقي ورقى، رقاه جبريل، وهو يرقي غيره، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر كان يرقي غيره، فكيف يكون وصف هؤلاء أنهم لا يرقون.



الساعة الآن 12:51 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009