ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   قسم التراجم والأعلام (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=91)
-   -   صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30543)

ابو الوليد المسلم 12-27-2025 08:58 PM

صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه عمر بن الخطاب وموافقة القرآن له (7)

فاطمة الأمير



إن الحديث عن أمير المؤمنين لا ينتهي؛ فالمواقف كثيرة والفضائل عظيمة، ولعل أبرز مواقف عمر بن الخطاب هو موافقة القرآن له.
نعم، لقد وافق الفاروق نزولُ عددٍ من آيات القرآن موافقةً لرأيه، قال ابن عمر: "ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر".
الصلاة خلف مقام إبراهيم عليه السلام:
فها هو الفاروق يحدِّثنا عن نفسه؛ فيقول: ((وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله، لو اتخذتَ من مقام إبراهيم مصلًّى؛ فنزلت: {﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾} [البقرة: 125]...))، لم يكن المسلمون يومئذٍ يصلُّون خلف المقام، فأشار عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة خلف مقام إبراهيم؛ لشدة حب عمر لسيدنا إبراهيم عليه السلام، فنزلت الآية يومئذٍ توافق رأيه، فسبحان الله! لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال عن أبي ذر رضي الله عنه: ((إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به))؛ [سنن أبي داود].
آية الحجاب:
((وقلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يَحْتَجِبْنَ؛ فإنه يُكلِّمهن البَرُّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب: {﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾} [الأحزاب: 59]))، لم يكن عمرُ غيورًا على دينه فقط، بل كان غيورًا على أمهات ونساء المسلمين، لقد علِم أن في الحجاب مصالحَ جَمَّةً وحفظًا للأعراض، وحفظًا للمرأة، فإذا كان الطعام يُوضَع عليه غطاء حتى يُحفَظ لكي لا يجتمع عليه الذباب، أفلا تُغطَّى المرأة لتُصان من أعين غير المحارم؟
ولهذا علِم عمر أن المرأة أرفع شأنًا، وأن الحجاب يزيدها طهارة وتقوى للقلب، فالحمد والمنة لله أن وافق القرآن لرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونزلت آية الحجاب.
اجتماع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغَيرة عليه:
((واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغَيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن؛ فنزلت هذه الآية: {﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾} [التحريم: 5]))، لقد رقَّ قلبُ عمرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما علِم اجتماع أمهات المؤمنين في الغَيرة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف لهم ألَّا يغاروا على مثله؟ فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق زوجاته، فغضب لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما علم بغضبه، فاستأذن في الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عما يقول الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( «لا، وإنما اعتزلتهن شهرًا، فقال له: أتأذن لي أن أخبر الناس؟ فقال له إن شئت» )).
فخرج عمر ونادى في الناس أن الرسول لم يطلق زوجاته، فنزلت الآية يومئذٍ توافق قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ختام الآية موافقة لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
وقال عمر: وافقت ربي أو وافقني ربي؛ ففي الحديث أن عمر رضي الله عنه، لما سمع قوله تعالى: {﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾} [المؤمنون: 12 - 14]، قال عمر متعجبًا: فتبارك الله أحسن الخالقين، فتبسَّم النبي لنطق عمر، فلما سأله عمر عن سر تبسمه، قال: ((إن الله ختم الآية بما نطقت))، وقد فرح عمر بذلك وقال: وافقتُ ربي، ووافقني ربي.
موافقة القرآن لرأي عمر بن الخطاب في أسرى بدر:
ومن القضايا التي نزل فيها القرآن موافقًا لرأي عمر: قضية أسرى بدر؛ « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ((ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام))، هكذا كانت رقة أبو بكر الصديق، ((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا بن الخطاب؟ فقال عمر: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمكِّننا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكِّنِّي من فلان وهو نسيب لي فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها))، وها هي شدة عمر في الحق، فهَوِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قال عمر، لكن القرآن نزل موافقا لرأي عمر» : {﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾} [الأنفال: 67، 68])).
موافقة القرآن لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تحريم الخمر:
ووافق القرآن قول عمر في مسألة تحريم الخمر؛ عن عمر رضي الله عنه قال: ((لما نزل تحريم الخمر قال عمر رضي الله عنه: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في سورة المائدة: {﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾} [المائدة: 90، 91]))، لقد علِم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قرارة نفسه أن الخمر مُذْهِبة للعقل، والعقل هو مناط التكليف، وحينما يذهب العقل يسقط التكليف، فرأى أن في الخمر يسقط التكليف بإرادة الإنسان فيُحاسَب عليه، على غير من سقط عنه التكليف بغير رضا كمن نزل به المرض أو الجنون، فلا يحاسب على ما لا إرادة له فيه؛ فكان هذا من فطنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وخوفه على المسلمين من تبعة شرب الخمر.
موافقة القرآن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدم الصلاة على زعيم المنافقين:
ووافق عدم الصلاة على زعيم المنافقين عبدالله بن أُبيِّ بن سلول؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: « ((لما تُوفِّيَ عبدالله بن أُبيٍّ، دُعِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحوَّلتُ حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أعَلَى عدو الله عبدِالله بن أبي القائل يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ يعُد أيامه قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخِّر عني يا عمر، إني قد خُيِّرتُ فاخترت، قد قيل لي» : {﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾} [التوبة: 80]، «لو أعلم أني لو زدت على السبعين غُفِرَ له، لزدتُ، قال: ثم صلى عليه ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجب لي وجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان» : { ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾} [التوبة: 84] إلى آخر الآية، قال: « فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله» ))؛ [رواه الترمذي].
وأما نزول قوله تعالى: {﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾} [البقرة: 98].
قلت: أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة وأقر بها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى (( «أن يهوديًّا لقِيَ عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدوٌّ لنا، فقال له عمر: من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين، فنزلت على لسان عمر» )).
وكل هذا من الإلهام الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((قد كان يكون في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم))؛ [رواه البخاري ومسلم].
قال ابن وهب: تفسير محدَّثون: مُلْهَمون.
وعمر رضي الله عنه هو المحدَّث الْمُلْهَم.
بقلم/ فاطمة الأمير


ابو الوليد المسلم 12-27-2025 09:01 PM

صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه ليس كل البيوت تُبنى على الحب (8)

فاطمة الأمير




"إني لا أحبها"؛ هكذا عبَّر الرجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن نور الحب قد انطفأ بينه وبين زوجته ويريد أن يطلقها، ولَمَّا استوضحه عن السبب قال: "إنِّي لا أحبُّها"، فقال عمر: "ويحَكَ، أوَ لَمْ تُبْنَ البيوتُ إلا على الحبِّ؟ فأين الرِّعاية والذمم؟".
كلمات قليلة تدفَّقت من ثَغْرِ الفارق ليس إلى قلب الرجل فحسب، وإنما كانت منهجًا ينير بيوت المسلمين رجالًا ونساءً، علَّمنا بها الفاروق كيف تُبنى البيوت، وكأنه يعطي للأجيال القادمة درسًا في تعلم فن إدارة الحياة الزوجية، وكيف أنه في بداية الزواج يكون كل زوج وزوجة محبًّا للآخر، بينهما لهفة شديدة يريدان بناء أسرة سليمة مملوءة بالسعادة، ولكن كما هو الحال في أي علاقة قد يتسلل الفُتُور إليها، وأحيانًا لا يعرف الزوجين سبيلًا إلى مداواة تلك الحالة؛ فيزداد البعد ويتسرَّب الحب من حياتهما شيئًا فشيئًا.
ولكن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يتبع نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينا درسًا أن البيوت تُبنى على التقوى والعشرة بالمعروف، فإن ذَهَبَ الحبُّ، تبقى حسن العشرة.
يقول الله عز وجل: {﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾} [النساء: 19]، هذه الآية الكريمة تقول: عليك بالصبر، فكم من زوج كرِه زوجته، وهدم البيت بسبب تلك المشاعر، ولو أنه تريث قليلًا، وبحث عن صفات وأخلاق زوجته، لارتضى منها غيرَ الذي يكرهه فيها!
فتأمل نهاية الآية جيدًا: {﴿ وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾} [النساء: 19]، ليس خيرًا فقط بل "كثيرًا"، لا تُطِعْ مشاعر الكراهية التي شعرت بها فتفقد أشياء أخرى جميلة، كان مقدَّرًا لك الخير بين طيَّاتها؛ لعلها زوجه صالحة تعينك على أمور دينك ودنياك، فعَلَام التفريط فيها؟
نصائح الفاروق كانت لكل زوجة تبحث عن سراب المثالية، فليس كل البيوت تُبنى على الحب، فإذا أبغضتِ خُلُقًا من زوجك، فابحثي عن خُلُقٍ آخر، قد تجدين نفسكِ فجأة تبغضينه، قد تجدين بعد الزواج عالمًا آخرَ غيرَ الذي رسمتِهِ في خيالكِ، قد تجدين زوجكِ عقلانيًّا وأنتِ عاطفية، فالعقلاني لا يحب الإفصاح عن مشاعره، فتكونان مثل الأقطاب المتنافرة، كل هذا ليس معناه أن زوجكِ لا يحبكِ، أو أنه سبب لهدم البيت وطلب الطلاق، وتشريد الأبناء، وإنما قد تجدين صفاته وأخلاقه طيبة، قد يكون حَسَنَ الْمَعْشَرِ، أو أبًا حنونًا، أو أنه يعينكِ على أمور دينكِ، فلا تُهَرْولي وراء سراب المثالية.
وهناك أزواج وزوجات يسترِقون النظر إلى حياة غيرهم ممن حولهم، قد تجدين زوجًا يغدِق على زوجته بكلمات الحب، تظهر حياتهم كأنها بلا مشاكل، ولكن ما خَفِيَ كان أعظم؛ فقد يكون زوجها سيئ الخُلُق، أو تاركًا للصلاة، أو يعاملها في الخفاء بقسوة، أو يكون بخيلًا في الإنفاق عليها، أو بخيلًا في معاملتها بلطف ولين، فاحمَدي الله على زوجكِ، وارتضي منه ما هو حسن وطيب.
قد تجد صديقًا يمدح في أهل بيته، وقد تدخل بيتًا تشعر فيه بالدفء، تلك هي الصورة الظاهرة، ولكن ما خفي كان أعظم.
ولأن الحب لا يكتمل إلا بالوفاء والعشرة الطيبة، فقليل من يجمع بينهما، فإن انطفأت شعلة الحب، أنيروا حياتكم بحسن العشرة، فليس كل البيوت تُبنى على الحب، رحِمَك الله يا عمر، أحسنت قولًا، وأرحت قلوبًا، وحَميتَ بيوتًا من الهدم بتلك المقولة العظيمة.
وإذا كان الإسلام أباح الكذب في التعبير عن المشاعر حتى تستمر الحياة بين كل زوج وزوجة، أليس هذا أدعى أن نتغاضى عن بعض الصفات التي لا نريدها في شريك حياتنا؟ لقد جاء في الأثر عنه رضي الله عنه في رواية أخرى أن امرأة سألها زوجها: هل تبغضه؟ وناشدها بالله أن تصدُقَه، فقالت له: أما إنك ناشدتني الله، فلا أحبك، فهمَّ الزوج بطلاقها، وشكاها إلى عمر بن الخطاب، فأرسل عمر في طلبها، وأنَّبها على ما بدر منها لزوجها، فقالت له: يا أمير المؤمنين أتريد مني أن أكذب عليه؟ فقال لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "فَلْتَكذب إحداكن ولتتجمل، فليس كل البيوت تُبنى على الحب، ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام"، ولأن الحقيقة تكسِر لبَّ القلب؛ فقد أباح الشرع الكذب للزوجة والتجمل في القول لزوجها حفاظًا على الحياة الزوجية، والمراد إظهار الود والمحبة واللين في القول؛ مما يساعد على استقرار العلاقة الزوجية، ومن المعلوم كما ورد في الحديث عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: «لم أسمَعْ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يرخَّصُ في شيءٍ مِمَّا يقولُ النَّاسُ: إنَّه كذِبٌ، إلَّا في ثلاثٍ: الرَّجلُ يُصلِحُ بينَ النَّاسِ، والرَّجُلُ يكذِبُ لامرأتِهِ، والكذِبُ في الحَربِ» [صحيح الجامع].
بعض الحب يُصاغ ويتجلى في كلمة أو اثنتين بطريقة عذبة، فليس الحب شعارًا وكلماتٍ مُزيَّنة بلا روح، الحب فيض ومعاملات متعددة الأقدار، فأحيانًا تُبنى الحياة الزوجية بطريقة خاصة، طريقة غير اعتيادية تشتمل على فن التعامل؛ فها هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرشدنا مرة أخرى إلى فن التعامل مع الزوجة، وهو بداخل بيته ينادي زوجته أم كلثوم بنت السيدة فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، يقول لها: "يا بنت الأكرمين"؛ فهلَّا ناديتَ زوجتك بأحب الأسماء والألقاب إلى قلبها، أم تخجل أن تُظهر لها شيئًا بسيطًا من المعاملة الطيبة؟
ليس عمر بن الخطاب فقط هو من كان ينادي زوجته هكذا، وإنما عمر هو صحابي سار على خُطى الحبيب صلى الله عليه وسلم، أليس رسولنا الكريم كان ينادي السيدة عائشة رضي الله عنها بـ"عائش"؟
فالحياة كاحلة، وإذا لم نعالجها بأبسط الأشياء من حسن العشرة، والمعاملة الحسنة، والكلمة الطيبة اللينة، سيصيبنا داء الفتور، فتتفتت البيوت دون أن نشعر.
الآن باتت أنفسنا تفهم معاني أخرى للحب، بعد أن كاد الفتور يغزو القلوب، فليس الحب رموزًا يصعب فكُّها، الحب هو فن التعامل، فإذا ما أعدتَ صياغته، نِلْتَ عبقرية الحب وحسن المعاشرة معًا.
فيا ليت كل الأزواج تتعلم أن ليس كل البيوت تُبنى على الحب.

بقلم/ فاطمة الأمير





ابو الوليد المسلم 12-27-2025 09:03 PM

صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه: مناقب الفاروق (9)

فاطمة الأمير




لقد كان للفاروق رضي الله عنه مناقبُ كثيرةٌ في الإسلام؛ لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان من بعدي نبيٌّ، لكان عمر بن الخطاب» [رواه الترمذي]؛ ومن هذه المناقب:
بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالجنة:
لقد بشَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة؛ فعن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( «دخلت الجنة فرأيت فيها دارًا أو قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخل، فذكرت غَيرتك، فبكى عمر، وقال: أَيْ رسول الله، أو عليك يُغار؟» ))؛ [صحيح البخاري].
وقيل: كان له خطان أسودان من البكاء، وإذا ذُكِرَ الزهد والإيثار، قيل: لم يكن يأكل حتى يشبع المسلمون، وإذا ذُكِرَت الشدة في الحق، قيل: هو الذي كان إبليس يفرَق من ظلِّه، والشياطين تسلك فجًّا غير فجِّه.
موقفه وحسن تصرفه يوم مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للخلافة:
ومن مناقب الفاروق التي تدل على حسن تصرفه وحكمته، أنه بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه؛ فلما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤمَّ الناس؟ فأيُّكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟
فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر؛ [رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وهناد بن السري، عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة به، السيرة النبوية لابن كثير (4 / 490)].
فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
وما زالت فضائل الفاروق رضي الله عنه تتابع؛ فمن أكثر أعماله رضي الله عنه أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا وأُحَدًا، والمشاهد كلها، وهو أول خليفة دُعِيَ بأمير المؤمنين، وأول من اقترح أن الهجرة تكون بداية التاريخ الهجري للمسلمين، وأول من جمع القرآن في المصحف، فدخل على أبي بكر بعد عامين من خلافته، فقال: إن أصحاب رسول الله يتهافتون في المعارك تهافُتَ الفَراش على النار، وإني أخشى أن تأتي عليهم وهم حَمَلَة القرآن، ويضيع منه كثير، فلو جمعته؟! وأمر أبو بكر زيد بن ثابت أن يكتب القرآن، فكتب، وبقِيَ عند أبي بكر، ثم عمر، ثم حفصة بنت عمر.
وهو أول من جمع الناس على صلاة التراويح، وأول من طاف بالليل يتفقد أحوال المسلمين، حمل الدِّرَّة فأدَّب بها، وفتح الفتوح، ووضع الخراج، ومصَّر الأمصار، ودوَّن الديوان، وفرض الأُعْطِيَة، واستقضى القضاة فعمر رضي الله عنه سنَّ سُنَنًا للقضاء صارت دستورًا: منها أن القاضي لا يحكم بعلمه، ولا يقبل هدية، ولا يعمل بالتجارة.
وعمر مؤسس ديوان الوقف الخيري؛ أنشأ عمر بيت الدقيق لإغاثة الجياع الذين لا يجدون الطعام، وأصاب قبل خلافته أرضًا بخيبر، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فاستحسن له أن يحبس أصلها، ويتصدق برَيعها، فجعلها عمرُ صدقةً، لا تُباع ولا تُوهَب ولا تُورَث، ويُنفَق منها على الفقراء والغُزاة.
مرتبته من أعلى مراتب الصحابة:
لقد كانت مرتبته من أعلى مراتب الصحابة؛ ولذلك لما سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( «أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال عمرو بن العاص: فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب، فعدَّ رجالًا» ))؛ [رواه البخاري ومسلم].
مهما خطَّ القلم ومهما تحدثنا عن عمر بن الخطاب، فلن تُعطِيَ الحروف والكلمات حقَّه، فمن حُسْنِ سيرته في الإسلام تحدَّث عنه الصحابة رضوان الله عليهم، وهذه بعض أقوال الصحابة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
قال حذيفة رضي الله عنه: "لما أسلم عمرُ، كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربًا، فلما قُتِل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بُعْدًا".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "ما زِلْنا أعزَّة منذ أسلم عمر".
ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: "كان إسلام عمر فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمامته رحمة، ولقد رأيتُنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا".
وعن صهيب قال: "لما أسلم عمر رضي الله عنه، أظهر الإسلام ودعا إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقات، وطُفْنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعضًا مما يأتي به، وكان عُمْرُه رضي الله عنه حينذاك سبعًا وعشرين سنة، وقيل: ستًّا وعشرين سنة.
وقال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «(بينما أنا نائم أُوتيتُ بقَدَحٍ من لبن، فشربت منه حتى إني لَأرَى الرِّيَّ يجري في أظفاري، ثم أعطيتُ فضلي عمرَ، قالوا: فما أوَّلت ذلك؟ قال: العلم» .
رحِمَ الله عمرَ، جُمِعت له الدنيا فأعرض عنها، وكان شديد الزهد فيها، قال معاوية: "أما أبو بكر فلم يُرِدِ الدنيا ولم تُرِدْه، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يُرِدْها"، قال قتادة: "كان عمر يلبَس وهو خليفة جبةً من صوف مرقوعًا بعضها".
يقول عنه العقاد: "ونَدَرَ في الدولة الإسلامية من نظام، لم تكن له أولية فيه، فافتتح تاريخًا، واستهل حضارة، وأنشأ حكومة، ورتَّب لها الدواوين، ونظَّم فيها أصول القضاء والإدارة، واتخذ لها بيت مال، ووصل بين أجزائها بالبريد، وحمى ثغورها بالمرابطين، وصنع كل شيء في الوقت الذي ينبغي أن يُصنَع فيه، وعلى الوجه الذي يحسُن به الابتداء".
بقلم/ فاطمة الأمير


ابو الوليد المسلم 12-27-2025 09:05 PM

صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه وداعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه (10)

فاطمة الأمير




بقلم/ فاطمة الأمير
وها نحن نصل إلى ختام رحلتنا، فقد عِشْنا مع الفاروق مقتطفاتٍ يسيرةً من سِيرته العَطِرة، وكما هو حال الدنيا، فالأيام تمضي والأعمار تنتقص، والمؤمن الصادق يُختَم له بحسن الخاتمة، فكم تمنَّاها سيدنا عمر بن الخطاب ودعا ربه أن ينال الشهادة وحسن الخاتمة! فحجَّ في العام الذي قُتِلَ فيه، وسأل الله في حجَّتِه حسن الختام؛ فعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: "أن عمر لما أفاض من مِنًى، أناخ بالأبْطَحِ، فكوَّم كومةً من بطحاء، وطرح عليها طرف ثوبه، ثم استلقى عليها، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم كبِرَت سِنِّي، وضعُفت قوتي، وانتشرت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير مُضيِّعٍ ولا مُفرِّطٍ، قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى طُعِن"؛ [حلية الأولياء (1/ 54)].
فلما كان فجر يوم الأربعاء، قبل نهاية شهر ذي الحجة بأربعة أيام كَمَنَ أبو لؤلؤة المجوسي في المسجد، ومعه سكين ذات طرفين مسمومة، فوقف عمر يعدل الصفوف للصلاة، فلما كبَّر يصلي بالناس، طعنه العبد في كتفه وفي خاصرته؛ فقال عمر: {﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾} [الأحزاب: 38]؛ [الطبقات (3/ 265)، والفتح (7/ 78)].
بكاء الصحابة وهم ينعَون عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
توقفتُ عند هذه الكارثة وأنا أقرأ في سيرته، فتألمت بشدة، فلقد كان مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاجعةً ليست ككل الفواجع؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان حصن الإسلام، ودرع الأمة، وبابًا وسدًّا منيعًا ضد الفتن، لكنه كُسِر بقتله؛ فخرجت الفتن على أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هكذا كنت أبكي وأنا أقرأ كلمات الصحابة وهي تَنْعَى عمر بن الخطاب ببكاء مرير، وكيف لا نبكي على صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كيف لا نبكي على رجل اتصف بالعدل والرحمة واللين والشدة؟ كيف لا نبكي على من سار مهتديًا ومقتديًا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبه؟
لقد بكى سعيد بن زيد رضي الله عنه وقال: "على الإسلام أبكي، إن موت عمر ثَلَمَ الإسلام ثُلْمَةً لا تُرْتَقُ إلى يوم القيامة".
وقالت أم أيمن رضي الله عنها يوم أُصيب عمر: "اليوم وَهَى الإسلام".
وقال زيد بن وهب رحمه الله تعالى: "أتينا ابن مسعود، فذكر عمر، فبكى حتى ابتلَّ الحصى من دموعه، وقال: إن كان عمر حصنًا حصينًا للإسلام، يدخلون فيه ولا يخرجون منه، فلما مات عمر انْثَلَم الحصن؛ فالناس يخرجون من الإسلام".
وقال حذيفة رضي الله عنه أمينُ سرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما كان مَثَلُ الإسلام أيام عمر مثل امرئ مُقْبِل، لم يَزَلْ في إقبال، فلما قُتِلَ أدْبَرَ، فلم يَزَلْ في إدبار".
وقال أنس رضي الله عنه: "ما من أهل بيت من العرب حاضر وبادٍ، إلا قد دخل عليهم بقتل عمر نقص".
يستأذن عمر بن الخطاب عائشة رضي الله عنها أن يُدفَنَ مع صاحبيه:
أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه عبدالله إلى عائشة رضي الله عنها، قال: "انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليكِ عمرُ السلامَ، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدفَن مع صاحبيه".
ما أعظم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم! فإنما قال ذلك لئلا تفهم عائشة أنه أمر، وهو الإمام وخليفة المسلمين، والإمام طاعته تكون واجبة، فترك لها الخيار، وطلب منها على سبيل الرجاء، وليس على سبيل الأمر.
فسلَّم عبدالله بن عمر واستأذن على عائشة، فوجدها قاعدةً تبكي، فقال: "يقرأ عليكِ عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يُدفَن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأُوثِرَنَّه به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبدالله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده ابن عباس إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذِنَتْ، قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم إليَّ من ذلك، فإذا أنا قضيتُ فاحملوني، ثم سلِّم فقُل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذِنت لي فأدخلوني، وإن ردَّتني ردُّوني إلى مقابر المسلمين".
هكذا كانت لحظاته الأخيرة التي تمنَّى فيها أن يجمعه الله بصاحبيه في الآخرة، كما كانوا معًا في الدنيا.
الآن بعد أن قرأنا قبسًا يسيرًا من سيرة الفاروق رضي الله عنه، أعتقد أن كلنا لدينا نفس السؤال، ماذا لو كان بيننا اليوم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ كيف ستكون حال الدولة الإسلامية الآن وهو خليفة المسلمين؟!
فهل عجزت الأمة أن تُنجب لنا رجلًا على شاكلته؟!
إن الحديث عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ماتعٌ شيِّق كالمطر الذي نزل على أرض جدباء، فأصبحت جنة خضراء، ولو طال بنا الحديث أكثر عن الفاروق ما شعرنا بملل أبدًا، فالحديث عنه يزيدنا رغبة في معرفته أكثر، يزيدنا رغبة أن ننعم بقربه.
فوالله كلما قرأنا سيرته، تمنَّينا أن يكون لكل أم وأب ابن بطل ورجل مثل عمر؛ فاللهم أعزَّ الإسلام بمن هم مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
بقلم/ فاطمة الأمير



ابو الوليد المسلم 12-27-2025 09:07 PM

صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه. ماذا لو كان بيننا اليوم؟ (11)

فاطمة الأمير






بعد أن خطَّ قلمي القليلَ من سيرة الفاروق رضي الله عنه، وتعلَّقت به قلوبنا، لا أعلم، لماذا يراودني هذا السؤال كثيرًا: ماذا لو كان بيننا اليوم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟
سؤال يتردد صداه كل يوم بداخلي، فكلما رأيت ظلمًا أو عدوانًا أو منكرًا، أتخيل عمر بن الخطاب وهو بيننا يدفع تلك الآهات عن قلوب نَحَرَ الظلم عُنُقَها، ويُعيد الحق لصاحبه مهما كانت ديانته.
أتخيل الرخاء الذي سيعم بيوت المسلمين، فلن ينام مسلمًا جائعًا، ولن يصرخ طفل من قلة الطعام، ولن يكون هناك محتاج.
أتخيله وهو يخوض الحروب يدافع عن كل مسلم ومسلمة في مشارق الأرض ومغاربها.
أتخيل العدل الذي كان سيملأ الأرض، وضربة سيفه في وجه العدو، وكثرة فتوحاته وإنجازاته.
أتخيل المساجد وهي تتزاحم بالمصلين، يقفون خلف صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُنْصِتون لصوته العذب في ترتيل آيات الله، يستمعون إلى خطبته قبل الصلاة.
واليوم مع شدة الأحداث التي توالت على بلاد المسلمين في شتى بقاع الأرض، أتساءل: هل كان سيسمح بصرخات الأطفال في فلسطين وسوريا والسودان، وبكاء الثَّكالى من الأمهات على أبنائهم؟
هل كان سيسمح بهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، وهدم المساجد والتعدي على المصلين فيها؟
هل كان سيسمح باغتصاب أراضي المسلمين وإخراجهم منها؟
هل كان سيسمح بكل بتلك المجازر وبذاك الحصار من الجوع والعطش، والموت الذي خيَّم على كثير من بيوت المسلمين في شتى بُلدان العالم؟
هل كان سيسمح أن يُهان المسلم في عُقْرِ داره؟
هل كان سيسمح لقادة العرب بالذل والهوان، وطأطأة رؤوسهم، واكتفائهم بالصمت والمشاهدة على إيذاء المسلمين دون أدنى ردِّ فعل منهم؟
لا والله ما كان سيسمح بكل هذا، بل كانت ستقوم الدنيا وتشتعل بداخله نار الغَيرة والحَمِيَّة على الإسلام والمسلمين، بل ستتزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائه، يبُثُّ فيهم الخوف والرعب، فلا يتجرأ أحد على المسلمين ما دام عمرُ حيًّا يُرزق.
ولهذا أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن نقتدي بصاحبيه؛ لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللَّذَين من بعدي: أبي بكر وعمر» [رواه أحمد والترمذي].
فهل اقتدينا بقوة عمر، وشدة عمر، وحزم عمر، وعدل عمر، ورحمة عمر، وتواضع عمر؟
فرحمك الله يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بقلم/ فاطمة الأمير




الساعة الآن 04:33 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009