ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الكتب الإسلامية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=62)
-   -   شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30201)

ابو الوليد المسلم 01-23-2026 01:05 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(131)

- (باب إدخال الصبيان المساجد) إلى (باب الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد)

للمساجد في الإسلام منزلة عظيمة، وقد بين الشرع الحكيم بعض الأمور الجائزة فيها، ومنها: إدخال الصبيان إليها، وربط الأسير فيها، وإنشاد الأشعار الحسنة، وإدخال البعير لحاجة.
إدخال الصبيان المساجد

شرح حديث أبي قتادة في صلاة النبي وهو يحمل أمامة على عاتقه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إدخال الصبيان المساجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن عمرو بن سليم الزرقي : أنه سمع أبا قتادة رضي الله عنه يقول: ( بينا نحن جلوس في المسجد، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صبية يحملها، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها ) ].يقول النسائي رحمه الله: إدخال الصبيان المساجد، وهذه الترجمة معقودة لبيان جواز إدخال الصبيان المساجد، والمراد بالصبيان الذين عقدت الترجمة لهم: هم الذين دون التمييز، أما المميز فهو مأمور بالصلاة حتى يتعود عليها، وحتى يكون على معرفة بها منذ صغره، وأما إذا لم يكن مميزاً وهو صغير يحمل، أو الذي فوقه بقليل، فإن هذا هو الذي عُقدت الترجمة من أجله، وقد أورد النسائي فيه حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: ( بينما نحن جلوس في المسجد، إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وهي ابنة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صبية يحملها، فصلى بهم وهي على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا قام إلى الركعة الثانية حملها، ويفعل ذلك بها في صلاته ).المقصود من الترجمة: كونه أدخل معه أمامة بنت ابنته زينب، وأبوها أبو العاص بن الربيع، ويحملها في الصلاة، فدل ذلك على جواز إدخال الصبيان في المساجد، لكن هذا الإدخال مقيد حيث لا يكون ضرر من وراء إدخالهم، أما إذا أدخلوا، وتركوا يلعبون في المسجد، ويحصل منهم أصوات، وتشويش على الناس، فمثل هذا لا يجوز، ولا يسوغ، وإدخالهم، وإحضارهم جائز، لكن مع المحافظة عليهم، ومع عدم إفلاتهم يشوشون على الناس، ويحصل منهم الصخب واللعب الذي يحصل به الأذى، والإضرار بما هو موجود في المسجد، فمن أحضرهم فإنه يؤدبهم ويعودهم على عدم حصول إضرار، وعلى عدم حصول تشويش على أحد من الناس.ومما يدل على إدخال الصبيان المساجد وهم صغار: الحديث الذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل في الصلاة وهو يريد التطويل، فيسمع بكاء الصبي -أي: الصبي الرضيع الصغير- فيخفف في صلاته شفقة على أمه)، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحديث أيضاً فيه أن مثل هذا العمل في الصلاة، أنه سائغ حيث يكون هناك حاجة إليه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ليدل على الجواز، ومن العلماء من قال: إن هذا من خصائصه، والخصائص لا تثبت بمجرد الاحتمال، بل إنما تثبت بالدليل، وأن هذا يخصه، ولا يتعداه إلى غيره، لكنه فعله صلى الله عليه وسلم ليبين أن ذلك جائز عند الحاجة، وإذا لم يكن ضرورة إليه فإن الأولى الابتعاد عنه وتركه، وليس لأن كل ما هو جائز ينبغي أن يفعل، وإنما عند الحاجة الأمر سائغ وجائز، ولا سيما إذا كان عن ضرورة، فإن الأمر في ذلك واضح، وأما إذا كان من غير ضرورة فهو جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ليبين على أنه ليس بحرام، ولكنه جائز، لكن ليس كل جائز يفعله الإنسان؛ لأن هذا ليس من الأمور المستحبة التي يتعبد الإنسان بها، وإنما هو من الأمور الجائزة التي عند الحاجة تفعل، وعند عدم الحاجة إليها لا تفعل.وقوله: [وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم] المقصود منه بيان صلتها بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقرابتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أولاً: نسبها إلى أبيها، ثم ذكر أنها ابنة ابنته، وقد أحضرها، فهو يبين صلتها بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها ابنة ابنته.ثم قوله: (وهي صبية يحملها)، قد جاء قبل ذلك: [خرج يحمل]، وقال في الآخر: [وهي صبية يحملها]، يعني: أنها تحمل عادة، يعني إنها صغيرة، المقصود بالثانية أن هذه من عادته، أو من العادة أنها تحمل؛ لأنه في الأول ذكر حملها في الحال الواقعة هذه القصة، خرج وهو يحملها، لكن في الآخر قوله: [وهي صبية يحملها]، يعني: في العادة أنها صغيرة تحمل، لم تكن تمشي على رجليها، وإنما تحمل، وهي صبية يحملها، أي: عادة.ثم قال: ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها ).
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في صلاة النبي وهو يحمل أمامة على عاتقه
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الليث ].هو الليث بن سعد المصري، الثقة، المحدث، الفقيه، محدث مصر وفقيهها، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد بن أبي سعيد ].هو المقبري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن عمرو بن سليم الزرقي ].هو عمرو بن سليم الزرقي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ سمع أبا قتادة ].هو الحارث بن ربعي الأنصاري، وهو صحابي مشهور بكنيته أبي قتادة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد رواته كلهم من رجال الكتب الستة: قتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وعمرو بن سليم الزرقي، وأبو قتادة الأنصاري، فهؤلاء خمسة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
ربط الأسير بسارية المسجد

شرح حديث أبي هريرة في ربط الأسير بسارية المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ربط الأسير بسارية المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد : أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربط بسارية من سواري المسجد ) ]، مختصر.هنا أورد النسائي ربط الأسير بسارية من سواري المسجد، والمقصود من ذلك: الدلالة على جواز مثل ذلك العمل، وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خيلاً قبل نجد فأتوا برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطه بسارية من سواري المسجد ) مختصر، قال النسائي : مختصر؛ أي: أن هذا الحديث مختصر في اللفظ، وهو مطول، قد جاء في الصحيحين وغير الصحيحين بقصة طويلة قبل ربطه وبعد ربطه.وفيه: أن الرسول كان يأتي إليه ويسأله ما عندك يا ثمامة، وبعد ذلك أطلقه الرسول فذهب واغتسل وجاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ودخل في الإسلام، ثم ذهب إلى مكة معتمراً، ولما جاء إلى أهل مكة كفار قريش جعلوا يتكلمون عليه ويقولون: إنك صبأت، هذا هو الصابئ الذي خرج عن دين قومه، واتبع دين محمد، فقال لهم: أنه اتبع دين محمد، وأنه دخل في الإسلام، وهو سيد أهل اليمامة، وكانت تأتيهم الحنطة من اليمامة، أي: تجلب عليهم إلى مكة، فقال: والله لا يأتيكم حبة حنطة إلا إذا أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: يمنع جلب الحنطة عليهم، وقد كانت تجلب عليهم، فأسلم، وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.فالمقصود من الترجمة هو ما ذكره مختصراً من أجل محل الشاهد؛ وهو أنه أتي به فربط بسارية من سواري المسجد، ثم إنه بعد ذلك أسلم، والحديث مطول في الصحيحين وفي غيرهما.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في ربط الأسير بسارية المسجد
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ حدثنا الليث ].قد مر ذكره أيضاً.[ عن سعيد بن أبي سعيد ].أيضاً قد مر في الإسناد الذي قبل هذا.[ عن أبي هريرة ].أبو هريرة رضي الله عنه، هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة الذين هم أكثر الصحابة حديثاً، بل هو أكثر السبعة حديثاً.والإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وهذا كذلك؛ لأن فيه قتيبة عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، فهم أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلى الأسانيد عند النسائي هي الرباعيات؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات، وقد ذكرت فيما مضى: أن أصحاب الكتب الستة عند ثلاثة منهم ثلاثيات، وثلاثة منهم أعلى ما عندهم الرباعيات، فالثلاثة الذين عندهم الثلاثيات: البخاري، والترمذي، وابن ماجه ؛ فـالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثيات كلها بإسناد واحد، أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فهؤلاء الثلاثة ليس عندهم ثلاثيات، بل أعلى ما عندهم الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا هو من أمثلة الأسانيد العالية التي هي أعلى ما عند النسائي، ورجاله حديثهم عند أصحاب الكتب الستة فثلاثة مروا في الإسناد الذي قبل هذا، والصحابي هنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
إدخال البعير المسجد

شرح حديث: (إن رسول الله طاف في حجة الوداع على بعير ..)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إدخال البعير المسجد.أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله إدخال البعير المسجد، والمقصود من ذلك: بيان الجواز، ولكنه أيضاً يدل على أمر آخر، وهو طهارة بول البعير وروثه، ومثله كل ما يؤكل لحمه فروثه وبوله طاهران، ولكن المقصود هنا من إيراد الحديث هو إدخال البعير المسجد، وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير يستلم الركن بمحجن )، الركن هو الحجر الأسود، وبمحجن، المحجن هو العصا المحنية الرأس، المحجن هو العصا التي هي محني رأسها، فكان على بعير لا يصل الحجر تحته، فكان يمد يده إلى الحجر بواسطة المحجن، فيستلم الحجر بالمحجن عليه الصلاة والسلام.والمقصود هنا ما عقد الترجمة له؛ وهو إدخال البعير المسجد، والرسول صلى الله عليه وسلم أدخل البعير بحاجته إلى ذلك؛ لأنه كان يريد أن يراه الناس؛ فأراد أن يكون عالياً حتى يراه الناس؛ لأنه جاء في بعض الروايات: (أن الناس غشوه)، يعني: أحاطوا به حتى لا يراه الناس الآخرون، فكان طوافه على بعير، حتى يكون عالياً يرى الناس حركاته، وسكناته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث يدل على ما ترجم له النسائي، ويدل أيضاً على طهارة أبوال الإبل وأرواثها، ووجه الدلالة: أن إدخالها المسجد مع معرفة أنها عرضة لأن يحصل منها الروث، ويحصل منها البول، فلولا أنها طاهرة لما عرض الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد لحصول النجاسة فيه، فلما أدخلها دل على طهارتها، ومما يدل على طهارتها أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في شرب أبوالها في التداوي، وهذا يدل على طهارتها وعلى عدم نجاستها، فكونه أذن بشربها، وكذلك هنا كونه أدخل البعير المسجد وهو عرضة لأن يبول، وأن يحصل منه الروث، فدل على طهارة البول، ودل أيضاً على صحة طواف الراكب عند الحاجة إلى ذلك، كما فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، أي: إذا كان راكباً أو محمولاً فطوافه صحيح.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله طاف في حجة الوداع على بعير ...)
قوله: [ حدثنا سليمان بن داود ].هو أبو الربيع المصري، ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.[ عن ابن وهب ].هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني يونس ].هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن شهاب ].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره كثيراً في سنن النسائي، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إمام جليل، معروف بالفقه والحديث، وقد مر أيضاً أنه هو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز بجمع السنة، وكتابة الحديث، وهو الذي قال فيه السيوطي :أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمر له عمروحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عبد الله ].هو ابن عتبة بن مسعود، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين بهذا اللقب في عصر التابعين؛ لأنه قد عرف في كتب الفقه، وفي شروح الحديث عندما يأتي مسألة خلافية، وتذكر أقوال العلماء فيها، فإذا كان الفقهاء السبعة اتفقوا على القول بها فإنهم يقولون: قال بها الفقهاء السبعة، فهو لقب أطلق عليهم، فإذا قيل: وقال به الفقهاء السبعة، فالمراد بهم فقهاء المدينة السبعة، وكذلك يقال: قال به الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والمراد بالأئمة الأربعة الذين هم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والفقهاء السبعة الذين هم فقهاء التابعين في المدينة المشهورين بهذا اللقب، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع منهم ففيه ثلاثة أقوال: قيل: إنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: إنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . [ عن ابن عباس ].هو عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المشهورين بالعلم والفقه من الصحابة، وقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان أعلم الناس بتفسير القرآن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوالبحر المقصود به ابن عباس، يقال له: البحر، ويقال له: الحبر.فهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو من صغار الصحابة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي وهو في البلوغ أو ناهز البلوغ؛ لأنه كما جاء في حجة الوداع، أنه كان راكباً على حمار أتان، قال: وكنت قد ناهزت الاحتلام، وكان في حجة الوداع في منى، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي بعد حجة الوداع بثلاثة أشهر تقريباً، فهو من صغار الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وهو أيضاً أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، فإذا قيل: العبادة الأربعة فهو أحدهم، وهم: ابن عباس هذا، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء من صغار الصحابة، وكانوا في سن متقارب، وقد عاشوا، واستفاد الناس من علمهم وحديثهم، ولهذا يطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة في الصحابة، وليس ابن مسعود من العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم الوفاة، وهو من كبار الصحابة، وقد توفي سنة: (32هـ)، وأما هؤلاء فقد عاشوا بعد ذلك بمدة طويلة، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود من التابعين، وأخذوا عنهم الحديث، وأخذوا العلم، فـابن عباس رضي الله عنه أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة من الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين.
النهي عن البيع والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة

شرح حديث: (أن النبي نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وعن الشراء والبيع في المسجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن البيع والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرني يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: النهي عن البيع والشراء في المسجد، وعن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وقد أورد النسائي الحديث الدال على الأمرين اللذين اشتملت عليهما الترجمة، وهما: البيع والشراء في المسجد، والتحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، والتحلق هو الجلوس حلقاً لعلم أو لغيره؛ وذلك أنه يشغل عن الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها، وكذلك أيضاً الاشتغال بذكر الله عز وجل، والاستعداد لسماع الخطبة، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة.ونهى عن البيع والشراء في المسجد؛ وذلك أن البيع والشراء هو شأن الأسواق، وليس شأن المساجد؛ لأن المساجد ما بنيت لتحصيل الدنيا، وللبحث عن الدنيا، وإنما بنيت وعمرت لتحصيل مكاسب الآخرة، والعواقب الحميدة التي تحصل في الدار الآخرة، ولم تبن كما هو شأن الأسواق للبيع والشراء، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المسجد؛ فإن ذلك لا يسوغ، ولا يجوز.فالحديث دال على الترجمة بشقيها، وهي: التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، والبيع والشراء في المسجد، فكل من هذين نهى عنه رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والنهي عن البيع والشراء في المسجد مطلقاً يوم الجمعة وغير الجمعة، فليس المقصود منه أنه يوم الجمعة، وأنه ذكر التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وقد جاء في القرآن: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، يعني: في يوم الجمعة، فليس النهي عن البيع والشراء خاصاً بيوم دون يوم، وفي وقت دون وقت، بل هو ممنوع دائماً وأبداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه مطلقاً، وليس مقيداً في وقت دون وقت، أو في يوم دون يوم، فذلك لا يسوغ ولا يجوز.

يتبع

ابو الوليد المسلم 01-23-2026 01:07 PM

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وعن الشراء والبيع في المسجد)
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه المشهور بـابن راهويه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه هذا محدث، فقيه، وهو ممن ظفر أو ممن حصل له لقب أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، ولم يحصل إلا لقليل من المحدثين ومنهم إسحاق بن إبراهيم هذا، وهذا لقب رفيع ومنزلة عالية لم تحصل للكثير من المحدثين، وإنما حصلت للنادر والقليل منهم، وهذا منهم رحمة الله عليه، وهو أيضاً معروف بالفقه والحديث، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.وكلمة (راهويه) هذا المعروف عند المحدثين بهذه الصيغة، تكون الواو ساكنة وما قبلها مضموم، وأما عند اللغويين، فتكون الواو مفتوحة والياء بعدها ساكنة، يعني: مختوم بـ(ويه) بصيغة ويه، أي: هذا عند اللغويين، وأما المحدثون فهم يقولون: راهويه، وأما اللغويون يقولون: راهويه.[ أخبرني يحيى بن سعيد ].هو القطان البصري، المحدث، الناقد، المعروف بكثرة كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن عجلان ].هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقد ذكروا في ترجمته أنه حملت به أمه ثلاث سنين أو أربع سنين.[ عن عمرو بن شعيب ].هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، خرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.يروي عن أبيه شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد وفي جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر بأنه ثبت سماعه عن جده عبد الله، وعلى هذا فيكون الذي يروي عن جده هو شعيب، وكذلك أيضاً يقال له: جد عمرو ؛ لأن جد الأب جد للإنسان، لكن الذي هنا في الإسناد المراد به الجد ليس الجد الأدنى، وإنما هو الجد الثاني؛ لأنه شعيب بن محمد بن عبد الله .فإذاً: عمرو يروي عن أبيه شعيب، وشعيب يروي عن جده عبد الله بن عمرو، فليس الضمير في جده يرجع إلى عمرو فيكون محمد الذي هو أبو شعيب ؛ لأن محمد ليس صحابياً، ويكون الإسناد مرسلاً، لو كان الرواية عن محمد، لكن الرواية هي: عن شعيب عن عبد الله الذي هو جده، فالرواية ليست عن جد عمرو الذي هو محمد، وإنما أبوه شعيب يروي عن جده عمرو، وشعيب سمع من جده عبد الله بن عمرو فيكون متصلاً، وإذا ثبت الإسناد إلى عمرو بن شعيب فحديثه من قبيل الحسن، إذا كان ما بقي إلا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهذه ما فيها إشكال، وفيها خلاف عند العلماء، ولكن المشهور والمعروف أن روايته ثابتة، وقد احتج العلماء بأحاديث كثيرة، وبمسائل عديدة جاءت من هذه الطريق التي هي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.وكما ذكرت: شعيب يروي عن جده عبد الله، وعبد الله بن عمرو هو عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين مر ذكرهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
النهي عن تناشد الأشعار في المسجد

شرح حديث: (أن النبي نهى عن تناشد الأشعار في المسجد)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن تناشد الأشعار في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تناشد الأشعار في المسجد ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، والترجمة معقودة للتناشد، ومفهومها أنها تكون من جانبين، أو من جوانب متعددة، بحيث هذا ينشد وهذا ينشد، وهذا قد يكون فيه شيء من المغالبة، وقد يكون فيه من الشيء المذموم، أي: عندما يكون فيه مقابلة، وكل يريد أن يغلب الآخر، فإن هذا يكون فيه محذور، فيكون من قبيل المذموم، وهذا هو الذي يدل عليه الحديث؛ لأن الرسول نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، والتناشد يكون من جوانب متعددة أو من جانبين ، بحيث يكون اثنان يتقابلان، فهذا ينشد وهذا يرد عليه، أو هذا يعارضه، وغالباً أن ذلك مظنة الشعر المذموم، حيث يكون كل واحد يريد يغلب الآخر.وفي الحديث الذي بعده، وهو أن حسان رضي الله تعالى عنه، كان ينشد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيجمع بين هذا والذي يأتي بعده بأن هذا فيما إذا كان مذموماً، أو كان فيه شيء من المقابلة والمعارضة، وحسان فيما إذا كان محموداً، ولم يكن فيه شيء من المغالبة التي يكون فيها شيء من تنافر النفوس، وحب الظهور، وحب الغلبة، وما إلى ذلك مما هو محذور.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى عن تناشد الأشعار في المسجد)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة قد مر ذكره.[ حدثنا الليث بن سعد ].الليث بن سعد أيضاً قد مر ذكره.[ عن ابن عجلان ].ابن عجلان قد مر ذكره في الذي قبله.[ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].هذا الإسناد مثل الذي قبله تماماً، الإسناد هو إسناد الحديث الذي قبله تماماً.
الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد

شرح حديث حسان بن ثابت في الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال: ( مر عمر بـحسان بن ثابت رضي الله عنهما وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد أنشدت وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ قال: اللهم نعم ) ].هنا أورد النسائي حديث حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: أنه كان ينشد الشعر في المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أن عمر رضي الله عنه مر وهو ينشد، فلحظه؛ يعني: نظر إليه نظرة كأنه ينكر عليه، فقال: قد كنت أنشده وفيه من هو خير منك؛ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استشهد بـأبي هريرة فشهد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له، وقال: اللهم أيده بروح القدس، والحديث دال على الترخيص في مثل ذلك، فيما إذا كان الشعر حسناً سليماً، وكان يلقى من شخص ليس فيه معارضة، وفيه مقابلة، ومنافسة، ومغالبة.ثم أيضاً ليس من قبيل ما يسمى في هذا الزمان بالأناشيد الإسلامية التي يجتمع فيه ناس، وينشدون بصوت واحد، ويكون فيها العناية بالأصوات أهم من العناية بالمعاني، فمثل هذا لا يصلح أن يكون في المسجد؛ لأن هذا فيه تلحين، وفيه اهتمام بالصوت أكثر من الاهتمام بالمعنى، وإنما الذي يسوغ مثلما كان يفعله حسان، والذب عن هذا الدين الحنيف الذي جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.إذاً: فـالنسائي لما ذكر النهي ذكر الرخصة بعد ذلك، والنهي جاء بالتناشد، والرخصة جاءت بالإنشاد، ولكن ذلك فيما إذا لم يكن مذموماً، ولم يكن فيه محذور.
تراجم رجال إسناد حديث حسان بن ثابت في الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة قد مر ذكره.[ حدثنا سفيان ].هو سفيان بن عيينة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].إذا جاء سفيان غير منسوب فالمراد به ابن عيينة ليس الثوري ؛ لأن الثوري ليس معروفاً بالرواية عنه، بل قال ابن حجر : إنه يروي عن الزهري بواسطة، وأما ابن عيينة فإنه ملازم له ومكثر من الرواية عنه، ومن المعلوم أن سفيان بن عيينة متأخر، أي: بعد الثوري، ولكنه لازم الزهري وروى عنه كثيراً، وعمر بعده كثيراً، فالزهري توفي سنة: (125 أو 124هـ)، وابن عيينة في حول المائتين، يعني: في العشر الأخيرة من المائة الثانية، فهو متأخر عن الثوري، ولكن هذا قريب منه؛ لأن ابن عيينة مكي، والزهري مدني، وهو على صلة به، وهو مكثر من الرواية عنه، وابن حجر يقول: إن الثوري روى عنه بواسطة، فعلى هذا عندما يأتي ذكر سفيان غير منسوب، فالمراد به ابن عيينة حيث يروي عن الزهري، وهذا يسمونه في علم المصطلح المهمل؛ وهو أن الشخص غير منسوب، فيحتمل شخصين أو أكثر، ويمكن معرفة أيهما بمن يكون له به علاقة، أو يكون معروفاً بالرواية عنه، أو غير ذلك من الأمور التي يترجح بها أحد الجوانب على الأخرى.[ عن سعيد بن المسيب ].سعيد بن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم قريباً، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال: مر عمر بـحسان ].حسان ؛ لأن عمر ليس من الرواة، وإنما سبب إيراد الحديث هو هذه القصة، وهي كون عمر مر وهو ينشد فلحظه، وأجاب بإضافة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فالحديث من مسند حسان وليس من مسند عمر؛ لأن عمر حصل منه ما حصل ، وسبب إيراد الحديث، وسبب ذكر الحديث، فهو عن حسان رضي الله تعالى عنه، وحسان بن ثابت هو الأنصاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة

الجمع بين حديث: (لا عدوى) وحديث: (فر من المجذوم)
السؤال: أرجو من فضيلتكم إزالة التعارض الظاهر في الأحاديث التالية، فمنها ما يثبت العدوى ومنها ما ينفيها، حديث: ( لا عدوى ولا طيرة )، أخرجه مسلم، والحديث الآخر: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، وحديث آخر يقول: ( ما يعدي شيء شيئاً )، إلى آخر ما ذكر؟الجواب: الأحاديث التي فيها ذكر نفي العدوى، والأحاديث التي فيها حصولها؛ التوفيق بينها: قيل فيها عدة أقوال في التوفيق، ولكن من أشهرها أن قوله: (لا عدوى ولا طيرة)، أي: أنها لا تعدي بطبعها، وأنه مجرد التقاء المريض بالصحيح ينتقل المرض من المريض إلى الصحيح، وهذه عقيدة جاهلية كانوا يعتقدون أنه بمجرد ما يكون فإنه يحصل، لكن هناك شيء وراء هذا اللقاء؛ وهو قضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته، فإذا كان الله قد قدر وقضى بأنه يحصل انتقال المرض انتقل، وإذا شاء الله ألا ينتقل فإنه لا ينتقل، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: ( من أعدى الأول؟ )؛ الذي أصابه المرض أول مرة من أين جاءه المرض؟ جاءه من الله، الله تعالى هو الذي أنزله فيه، فليست القضية قضية أنه مجرد عدوى، فإذا شاء الله عز وجل أنه يوجد السبب، ويتخلف المسبب تخلف، مثل كون الإنسان يتزوج ولا يأتي له ولد، فهو أخذ بالسبب، ولكن تخلف المسبب الذي يريده، فهنا وجد السبب؛ وهو الاختلاط، ولكن الله ما شاء أنه ينتقل المرض من المريض إلى الصحيح، فقوله: (لا عدوى ولا طيرة)، يعني: بطبعها، وأن مجرد الالتقاء يحصل به العدوى.وأما قوله: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، فهو محمول على عدم الأخذ بالأسباب التي فيها الاحتياط، وفيها عدم التعرض لحصول شيء ينتج، أو قد ينتج عن ذلك اللقاء، فإذاً: يحمل هذا على شيء، وهذا على شيء.
حكم الحديث في المسجد عن أمور الدنيا
السؤال: بعد صلاة الجمعة يحدث في هذا المسجد تجمع من بعض العمال يتحدثون بأصوات مرتفعة، فما هذا الحكم؟الجواب: الاجتماع في المسجد، والتحدث بأمور الدنيا، لا سيما إذا كان برفع صوت، كل ذلك غير سائغ، أما إذا صاروا خارج المسجد، فالشوارع، والسوق هذا هو محل مثل هذه الأمور، أما المساجد فهي لذكر الله عز وجل، وعبادته، وليست للغط، والأصوات، والاشتغال في أمور الدنيا.
سماع عمرو بن شعيب من جده محمد بن عبد الله بن عمرو
السؤال: هل سمع عمرو بن شعيب من جده محمد بن عبد الله ؟الجواب: لا أدري، لكن هو لو كان المقصود بالجد هو محمد لكان مرسلاً؛ لأن محمداً من التابعين، فما يضيفه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يكون منقطعاً، من قبيل المرسل، ما أدري، هل يمكن يكون في ترجمة عمرو هل سمع منه؟
حكم دخول الكافر المسجد
السؤال: لماذا لم تذكر في حديث أبي هريرة الذي مر في حديث ثمامة حكم دخول الكافر للمسجد للحاجة؟الجواب: نعم، هو يدل على ذلك، فالحديث يدل على دخوله المسجد، أو إدخال الكافر المسجد لحاجة، لا بأس بذلك؛ لأن الرسول أدخله المسجد وربطه في سارية من سواريه.
عدد الأحاديث الضعيفة في كتاب المساجد من سنن النسائي
السؤال: لماذا لم تذكر صحة الحديث ليستفيد طلابكم وغيرهم؟الجواب: كل الأحاديث هذه صحيحة؛ لأن الأحاديث التي عند النسائي الضعيفة قليلة، وكتاب المساجد الآن الذي نحن نقرأه فيه حديث واحد ضعيف، وذلك على حسب ما عمله الألباني في صحيح النسائي وضعيفه، فكتاب المساجد كله فيه حديث واحد ضعيف فقط.
حكم الأناشيد خارج المسجد
السؤال: بينتم حكم الأناشيد في المسجد، فما حكمها في خارج المسجد؟الجواب: حكمها خارج المسجد مثل داخل المسجد؛ لأن إنشاد الشعر بالطريقة التي كان يفعلها حسان هذه التي جاءت، وأما هذه الطريقة من الأناشيد التي تكون بتلحين، وأناس يجتمعون عند المسجل أو عند الميكرفون، وينشدون بأصوات واحدة، أقول: هذا غير معروف، والعناية فيه بالأصوات -كما قلت- أكثر من العناية في المعاني، فيشتغل بما هو خير منه، وبما هو أولى منه.
تفسير قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون)
السؤال: ما معنى قوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224]؟الجواب: الآية فيها عموم وفيها استثناء؛ لأنه معروف أن الشعراء، وتنافسهم، وتغالبهم، وكون كثير من الناس يتبعونهم ويعجبون بهم، وأيضاً كثير من أشعار الشعراء تكون بهجاء، وتكون بذم، وتكون في أمور غير طيبة، ولا يستثنى من ذلك: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشعراء:227]، الذين استثناهم الله عز وجل، فأهل الغواية هم الذين يتبعون الشعراء، ولكن هذا في الشعر الذي يكون فيه مجون، ويكون فيه هجاء، ويكون فيه أمور غير مرضية.أما إذا كان الشعر سليماً، وقرأه الإنسان أو حفظ منه، فإنه لا بأس، لكن مع هذا فيه انشغال عما هو أهم منه، والرسول صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً )، وهذا يدل على التحذير من الاشتغال بالشعر وإن كان سليماً، أما إذا كان مذموماً فالقليل منه يذم ويحذر منه، ولكن هذا في الشعر السليم الذي يشغل عما هو أهم منه، يكون شغله الشاغل الشعر، ثم ينشغل عن القرآن، وعن الحديث، وعن أمور دينه، وعما ينفعه، فهو مذموم إذا طغى على الإنسان، وغلب على الإنسان، وشغله عما هو أهم منه.
كيفية معرفة سفيان إذا روى عن غير الزهري
السؤال: رواية سفيان إذا كانت عن غير الزهري في الكتب الستة يحمل على من؟الجواب: هذا يحمل كما ذكرت على من يكون له باختصاص، ويكون له من أهل بلده، أو يكون في قرابة، وما إلى ذلك، وهذا يعرف بالشيوخ والتلاميذ، أي: كون فلان روى عن فلان، ولم يرو عن فلان، يعرف بهذا الطريق؛ لأن بعض الأشخاص يكون روى عن شخص دون شخص، فيعرف أحد السفيانين بالتلاميذ، وكذلك الحمادين : حماد بن زيد وحماد بن سلمة، يعرف أيهما بالشيوخ والتلاميذ، كونه هذا التلميذ ما روى إلا عن أحد السفيانين، أو عن أحد الحمادين، يعرف إذا جاء سفيان غير منسوب فهو هذا الشخص الذي عرف بالرواية عنه، فهو يرجع إلى من له به خصيصة، ومن له به علاقة، ومن يكون من أهل بلده، أو يكون من المكثرين من الرواية عنه، وما إلى ذلك من الأمور التي يميز بها المهمل.
أنزل إسناد عند النسائي
السؤال: ما هو أنزل إسناد عند النسائي ؟الجواب: الظاهر أن أنزل الأسانيد عند النسائي هي التساعيات، أو العشاريات، وما مر بنا إلى الآن حديث تساعي أو عشاري، الذي مر بنا ثماني، لكن في بالي إما التساعي وإما العشاري.وحديث فيه قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، أنه عند الإمام أحمد تساعي، وعند النسائي عشاري، وقد ذكره ابن كثير في التفسير.
تشيع النسائي
السؤال: وما هو قولكم في تشيع النسائي ؟الجواب: النسائي عرف عنه التشيع، لكن كما هو معلوم تشيعه لا يؤثر ولا يضر؛ لأنه حجة، وعمدة، واعتمد عليه أهل السنة، وسننه هي من المصادر التي اعتمد عليها أهل السنة، فتشيعه من قبيل التشيع الذي لا يؤثر ولا يضر.
الفرق بين مذهب الأشاعرة وعقيدة أهل السنة في القدر
السؤال: ما الفرق بين مذهب الأشاعرة وبين عقيدة أهل السنة في باب القدر؟الجواب: هو فيما يتعلق بالمشيئة والإرادة؛ مشيئة الله وإرادته، فأهل السنة عندهم أن الله تعالى متصف بالمشيئة والإرادة، وأن كل ما يقع في الكون فهو بمشيئة الله وإرادته، وأما الأشاعرة في مسألة المشيئة عندهم فيها فذلكة، قال عنها بعض العلماء: إن مجالات الكلام ثلاث: كسب الأشعري، وطفرة النظام، ولهم فيها كلام يخالف أهل السنة الذي هو الكسب عند الأشاعرة، أي هذا الذي هو بالنسبة لأفعال العباد وخلقها، وأهل السنة كما ذكرت عندهم كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن كل ما كان بمشيئة الله وإرادته، وأن العبد له مشيئة، ومشيئته تابعة لمشيئة الله عز وجل، وأولئك عندهم كما قلت: كسب الأشعري، ولا أتذكر تفصيله ما هو، لكنه كما قال بعض العلماء من مجالات الكلام.
مدى اعتبار المسعى من المسجد
السؤال: المسعى هل يعتبر من المسجد أو من خارج المسجد؟الجواب: هو الآن كما هو معلوم داخل المسجد، والأبواب هي خارج المسعى، والإنسان إذا أراد أن يدخل للمسجد، يدخل وهو من خارج المسعى، فالجدران محيطة بالمسعى كما هي محيطة بسائر المسجد، فهو من المسجد، ولكن طواف الحائض عند الحاجة؛ لأن المرأة قد تدخل عند الحاجة، يعني مرور أو ما إلى ذلك، فإذا كانت ما عليها إلا السعي وقد طافت، فإن لها أن تسعى وهي على حيضها؛ لأن السعي لا يشترط له الطهارة، وأما الجلوس في المسجد المرأة لا تجلس، والمسعى حكمه حكم المسجد، فهي لا تجلس فيه، ولكن كونها عندما تحتاج إلى السعي، في كونها طافت ولم يبق عليها إلا السعي، فإنها تسعى وهي حائض؛ لأن دخول المرأة المسجد للحاجة مع أمن تلويث المسجد بدمها، بحيث أنها تعمل الاحتياطات التي تمنع من حصول نزول الدم، فإنه لا بأس بذلك.
مدى منافاة حمل الصبي في الصلاة للخشوع
السؤال: ألا يقال: حمل الصبي في الصلاة منافٍ للخشوع؟الجواب: ما يقال: إنه منافٍ للخشوع، وإنما هذا عند الحاجة كما هو معلوم يفعل الإنسان، ويكون مقبلاً على صلاته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو سيد الخاشعين، وسيد المتواضعين، وسيد المتوكلين، وسيد البشر عليه الصلاة والسلام، وقد فعل هذا، فيدل على أنه عند الحاجة سائغ، ولا يقال: إنه ينافي الخشوع.



ابو الوليد المسلم 01-23-2026 01:09 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(132)


- (باب النهي عن إنشاد الضالة في المسجد) إلى (باب الاستلقاء في المسجد)

المساجد هي أطهر وأفضل البقاع وأحبها إلى الله، ولها خصوصيات تميزها عن غيرها من البقاع، ومن ذلك: أن الضالة لا تنشد في المساجد، وأما تشبيك الأصابع ووضع إحدى الرجلين على الأخرى مع الاستلقاء في المسجد ؛ لأنه قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
النهي عن إنشاد الضالة في المسجد

شرح حديث: (جاء رجل ينشد ضالة في المسجد فقال له رسول الله: لا وجدت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن إنشاد الضالة في المسجد.أخبرنا محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم حدثني زيد بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: ( جاء رجل ينشد ضالة في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وجدت ) ].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن إنشاد الضالة في المسجد.إنشاد الضالة المراد به السؤال عنها مع رفع الصوت؛ لأن نشد، وأنشد كلها تتعلق بالصوت، ورفع الصوت، فيقال: نشد ينشد فهو ناشد إذا كان يطلب الحاجة، ويسأل عنها، ويقال: أنشد ينشد فهو منشد إذا كان يعرف بها حيث وجدها، فيقول: من له ضالة فليأتِ إلي، أو من ضاع له شيء فإنه موجود عندي، فيأتي ويصفه، ويعرفه بالهيئات التي هو عليها، وكله فيه رفع الصوت، ومن ذلك ما هو معروف في اللغة، وما جاء في بعض الأحاديث: (أنشدك الله)، يعني: أسألك رافعاً نشيدتي أو صوتي.والنسائي رحمه الله عقد هذه الترجمة التي هي النهي عن إنشاد الضالة في المسجد، وأورد تحتها حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: أنه سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا وجدت )، والنفي في قوله: (لا وجدت) دعاء؛ لأن الأظهر فيه أنه دعاء عليه، وأنه لا يجد هذا الذي يسأل عنه؛ لأنه سأل عنه في مكان ليس هو محل السؤال، وليس من الأماكن التي يبحث فيها عن الدنيا، ويشتغل فيها في الدنيا الذي هو المسجد، بل ذلك شأن الأسواق، وليس شأن المساجد، والمساجد إنما بنيت لذكر الله عز وجل، وعبادته، والصلاة، والذكر، والدعاء، ولم تبنَ للبحث عن الدنيا، وإنشاد الضالة، والسؤال عن الشيء المفقود وما إلى ذلك من الأمور التي هي أمور دنيوية، وليس المسجد محلاً للبحث عنها ولطلبها.ومن العلماء من قال: إن المعنى: أن (لا) ناهية، وأن الفعل المنهي عنه محذوف دل عليه ما تقدم، وتقديره: لا تنشد، أي: لا تسأل، ثم قال: (لا، وجدت)، أي: دعاء له بأن يجد بغيته، وأن يجد حاجته، ولكن الأظهر هو الأول، وهو أنه دعاء عليه، ويكون هذا معاملة للإنسان بنقيض قصده، بأنه كان يريد هذا الذي فقد منه في المسجد، فيبحث عنه، وصار جوابه الدعاء عليه بأن لا يجد هذا الذي فقده؛ لأنه سأل عنه في مكان ليس له أن يسأل عنه.
تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل ينشد ضالة في المسجد فقال له رسول الله: لا وجدت)
قوله : [ أخبرنا محمد بن وهب ].هو الحراني، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده.[ حدثنا محمد بن سلمة ].وهو الحراني أيضاً، وهو ثقة، خرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فهؤلاء كلهم خرجوا لـمحمد بن سلمة الحراني.ويماثله في الترجمة محمد بن سلمة المرادي، إلا أنه متأخر عنه؛ لأن ذاك من شيوخ النسائي، وأما هذا فمن شيوخ شيوخه، لم يدركه النسائي، وهو من طبقة شيوخ شيوخه، والنسائي يروي عنه بواسطة؛ لأنه لم يدركه، وأما محمد بن سلمة المرادي فهذا من شيوخه وقد أدركه، وقد جاء في بعض نسخ التقريب الطبعة المصرية: أنه من الحادية عشرة، وليس كذلك، بل هو من التاسعة؛ من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، فهو من التاسعة وليس من الحادي عشرة كما جاء في تلك النسخة.[ عن أبي عبد الرحيم ].أبو عبد الرحيم، هو خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي ، وهو مشهور بكنيته، ولهذا يأتي ذكره بها ليس مذكوراً مع ذلك اسمه.[ حدثني زيد بن أبي أنيسة ].وهو زيد بن أبي أنيسة الجزري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي الزبير].أبو الزبير.هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن جابر رضي الله عنهما ].صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذين قال عنهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبييعني: عائشة.وجابر هو أحد هؤلاء السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
إظهار السلاح في المسجد

شرح حديث: (مر رجل بسهام في المسجد فقال رسول الله: خذ بنصالها)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إظهار السلاح في المسجد.أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري -بصري- ومحمد بن منصور، قالا: حدثنا سفيان قال: ( قلت لـعمرو : أسمعت جابراً يقول: مر رجل بسهام في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ بنصالها؟ قال: نعم ) ].يقول النسائي رحمه الله: إظهار السلاح في المسجد، يعني: وجوده، وبروزه، والدخول به للمسجد للحاجة.وأورد النسائي هذه الترجمة، وذكر تحتها حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، في قصة مرور رجل بسهام في المسجد، فقيل له: (خذ بنصالها)، ويقول فيه سفيان لـعمرو بن دينار : ( أسمعت جابراً يحدث أنه مر رجل بسهام، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: خذ بنصالها؟ قال: نعم )، وقد روي الحديث في البخاري، وفي غيره، وفي بعض الكتب أنه لم يقل فيه: نعم، ومثل هذا لا يؤثر عند المحققين من المحدثين، بل يكفي في ذلك سكوت الشيخ بعد أن يسأل فلا يجيب بالنفي، فإذا كان متيقظاً متنبهاً، وسئل عن مثل هذا السؤال وسكت فإن ذلك كافٍ، ولا يشترط فيه أن يقول: نعم، وقد اشترط بعض العلماء أن يقول: نعم، ولكن هذا ليس بلازم، وقد جاء في عدد من الأحاديث أن ذكر السؤال بدون ذكر نعم، واعتبره أكثر العلماء المحققين كافياً، ولا يحتاج معه، ولا يشترط أن يقول الشيخ عندما يسأل مثل هذا السؤال: نعم، وفي الحديث الذي معنا أنه قال: نعم، وإنما الخلاف فيما إذا لم يقل: نعم، وإنما سكت.وجاء في صحيح مسلم أن الرجل دخل بها في المسجد يتصدق بها، أي: يوزعها صدقة، والرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ بنصالها، وهي الجزء المحدد منها، أي: طرفه الذي يحصل منه الضرر، فأمره أن يأخذ بنصالها كما جاء في بعض الروايات؛ حتى لا تخدش مسلماً، أي: حتى لا تجرح مسلماً، فإذا كان طرفها المحدد ليس بيده، وإنما هو في جهة أخرى فقد تخدش أحداً من الناس فيحصل بذلك الضرر، وهذا من الأخذ بسد الذرائع؛ لأن كونه يأخذ بنصالها سداً لذريعة حصول الضرر؛ كون النصال بارزة، فقد تلمس أحداً فتجرحه، ويخرج منه الدم، وفي الحديث دليل على حرمة دم المسلم ولو كان قليلاً؛ لأن هذا النهي إنما هو لخدش، أو شيء يحصل سيلان الدم ولو كان يسيراً، وتحريم الدماء، والأموال، والأعراض من الأمور التي جاءت الشريعة بتأكيدها، والتحذير منها، وقد حذر من ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في حجة الوداع حيث قال بعد أن سأل عن اليوم، والشهر، والمكان، ويريد أن يقرر حرمة ذلك كما أن هذا معلوم حرمته، فقال: ( إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا )، فالحديث يدل على حرمة إيذاء المسلم، وعلى حرمة دمه، ولو كان ذلك الدم يسيراً، ولو كان من غير قصد؛ لأن هذا الرجل معلوم أنه لا يقصد، ولكن كون النصال بارزة، وقد تلمس أحداً فتجرحه فيحصل له ضرر بذلك.
تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل بسهام في المسجد فقال رسول الله: خذ بنصالها)
قوله: [ أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ].هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، وهو ابن مخرمة، وهو بصري، والنسائي رحمه الله نسب شيخه، وأطال في نسبه، وقد ذكرنا فيما مضى أن التلميذ له أن يذكر شيخه بما يريد، وله أن ينسب كما يريد، إن أراد أن يطول نسبته فعل، وإن أراد أن يقصر نسبته فعل، وهذا هو ما يفعله النسائي وغيره، فأحياناً يذكر الشخص بكلمتين؛ اسمه واسم أبيه، وأحياناً يذكره بكنيته فقط، وأحياناً يطيل في نسبه كما هنا: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري بصري، فذكر اسمه واسم أبيه وجده وجد أبيه، وذكر نسبته في النسب ونسبته في البلد، الزهري نسبة نسبية، والبصري نسبة وطنية، وأما غير التلميذ فإنه إذا أراد أن يوضح اسماً مهملاً، ويزيد شيئاً يوضحه فإنه لا يأتي به كما يريد بأن ينسبه، ويأتي بنسبه كما يريد، فإن ذلك قد يظن أنه من التلميذ، ولكن الطريقة التي عملها العلماء، وأخذ بها، وامتلأت بها كتب الحديث أنه عندما يريد أن يضيف شيئاً يقول: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، أو هو الفلاني، فيأتي بكلمة تفيد بأن الإضافة ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وأما التلميذ فلا يحتاج أن يقول: فلان هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد؛ لأن الكلام كلامه، ولكن الذي يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان دون التلميذ، ويريد أن يوضح هذا الشخص الذي أهمله التلميذ؛ لأن المهمل هو اتفاق الأسماء، أو الأسماء وأسماء الآباء، وعدم تمييز الأشخاص، فيكون مشترك يحتمل هذا ويحتمل هذا، مثل سفيان، يحتمل ابن عيينة، ويحتمل الثوري، وحماد يحتمل حماد بن زيد أو حماد بن سلمة، فكلمة (هو) يستعملها من دون التلميذ، وأما التلميذ فهو ينسب كما يريد كما فعل النسائي هنا.وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة البصري الزهري صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة؛ وقد نسبه النسائي هنا حتى وصل إلى الصحابي، الذي هو المسور بن مخرمة.و المسور، ومخرمة كلاهما من الصحابة، وهنا ذكر المسور، ولكنه ما ذكر مخرمة.[ ومحمد بن منصور ].محمد بن منصور شخصان: الطوسي، والجواز المكي، وقد عرفنا فيما مضى أن الأقرب وأن الأرجح أن يكون هو محمد بن منصور الجواز المكي ؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، وهو مكي، وعندما يكون الأمر دائراً بين شخصين يرجح من له به اختصاص، إما من حيث الوطن، أو من حيث الملازمة، وكثرة الرواية عن ذلك الشيخ.ومحمد بن منصور الجواز مكي، فهذا أقرب وأظهر؛ لأن عدم التمييز يكون أحياناً لشهرته، وعدم الحاجة إليه، وقد جاء في بعض المواضع أنه ينسبه ويقول: المكي، كما سبق أن مر بنا، محمد بن منصور المكي، ولكنه ما جاء ذكر محمد بن منصور الطوسي منسوباً، ولكن الغالب أنه يحمل على محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[ قالا: حدثنا سفيان ].وهو ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، إمام، حجة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ قلت لـ: عمرو ].سفيان يقول: قلت لـعمرو، وعمرو هو ابن دينار، وهو مكي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فـسفيان بن عيينة مكي، وعمرو بن دينار مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، فهؤلاء ثلاثة مكيون من أهل مكة.قال سفيان : قلت لـعمرو : أسمعت جابراً يقول.وجابر هو الصحابي راوي الحديث، وقد مر ذكره قريباً.
تشبيك الأصابع في المسجد

شرح حديث عبد الله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تشبيك الأصابع في المسجد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: ( دخلت أنا وعلقمة على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال لنا: أصلى هؤلاء؟ قلنا: لا، قال: قوموا فصلوا، فذهبنا لنقوم خلفه، فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فصلى بغير أذان ولا إقامة، فجعل إذا ركع شبك بين أصابعه، وجعلها بين ركبتيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ) ].وهنا أورد النسائي: تشبيك الأصابع في المسجد، ولكنه أورد تحته حديثاً منسوخاً لا يحتج بما جاء فيه التشبيك والتطبيق؛ الذي هو جعل اليدين بين الفخذين، أو بين الركبتين في حال الركوع، فإن هذا منسوخ، وثبت نسخه في أحاديث، وقد ذكر النسائي النسخ في أحاديث ستأتي في سننه في كتابه هذا السنن.أورد هذا الحديث، أعني: حديث: أن الأسود قال: دخلت أنا، وعلقمة على عبد الله بن مسعود، فقال: أصلى هؤلاء؟ فقلنا: لا، قال: قوموا فصلوا، فتقدم، وأرادوا أن يصفوا وراءه، فجعل واحداً عن يمينه وواحداً عن شماله، ثم شبك بين أصابعه، يعني: عندما أراد أن يركع، وجعلهما بين ركبتيه، أو بين فخذيه، وهذا هو التطبيق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.ومحل الشاهد من إيراد الحديث ذكر التشبيك فيه، وإضافته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا العمل الذي ذكره قد نسخ، وثبت نسخه في أحاديث عند النسائي وعند غيره، ويسمى التطبيق، وهو وضع اليدين متلاصقة، أو مع التشبيك بينهما، ووضعهما بين الفخذين أو بين الركبتين في حال الركوع، فإن ذلك نسخ، وأمر الناس بأن يجعلوا أيديهم على ركبهم، فهذا هو الحكم الناسخ، وهذا الذي جاء في الحديث هو الحكم المنسوخ، ويحمل ما جاء عن عبد الله بن مسعود على أنه لم يبلغه الناسخ الذي هو وضع اليدين على الركبتين.ولكن الحديث الذي فيه تشبيك الأصابع في المسجد، أو يصلح شاهداً للترجمة حديث ذي اليدين، الحديث المعروف بحديث ذي اليدين، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صلى بالناس الظهر أو العصر، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فشبك بين أصابعه، واستند عليها، فقال له هذا الرجل الذي هو ذو اليدين : ( يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم أنس ولم تقصر، قال: بل نسيت، فالتفتَ إلى الناس وقال: أكما يقول ذو اليدين ؟ قالوا: نعم، فقام وصلى الركعتين الباقيتين )، فالحديث فيه التشبيك، وهو ثابت، وهو الذي يدل على التشبيك، ولكنه جاء بعد الصلاة، وجاء في بعض الأحاديث النهي عن التشبيك بين الأصابع قبل الصلاة.فالحاصل: أن الحديث الذي معنا يدل على التشبيك، ولكنه منسوخ، والناسخ له عند النسائي، وعند غيره، وهو وضع الأيدي على الركب، فيكون الحديث لا حجة فيه، أو هذا الاستدلال لا وجه له؛ لأنه منسوخ، فلم يبق له عمل.ثم في الحديث: أنه جعلهما عن يمينه وعن شماله، وقد قال بعض العلماء: إن المكان كان ضيقاً، ولكن يشكل عليه أنهم كانوا أرادوا أن يصفوا خلفه، أي: معناه أن فيه مجال، فلعل ذلك مثل التطبيق منسوخ، وأن هذا كان في أول الأمر، ثم بعد ذلك جاء بيان الحكم، وهو أنه إذا زاد على الواحد فإن المأمومين يكونون وراءه، ولا يكونون عن يمينه ولا عن شماله، فالأقرب أن يكون مثل التطبيق، وأن هذا كان متقدماً كما كان التطبيق متقدماً.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم، هو ابن مخلد بن راهويه المشهور، المحدث، الفقيه، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف رفيع لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين، وهو محدث، فقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا عيسى بن يونس ].هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وجده أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، مأمون، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأعمش ].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره باسمه، وذكره بلقبه، وقد جاء في هذا الإسناد بـالأعمش، وفي الإسناد الذي يليه جاء بـسليمان، وسليمان هو الأعمش، أي أنه جاء في إسناد باسمه، وفي إسناد بلقبه.ومعرفة ألقاب المحدثين هي نوع من أنواع علوم الحديث، ولها أهمية، وتظهر أهميتها بحيث لا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فالذي لا يعرف أن هذا اسم وهذا لقب لشخص واحد يظن أن هذا شخص وهذا شخص، أي: إذا كان سليمان موجود في إسناد كما في الإسناد الذي بعد هذا، والأعمش في إسناد كما في هذا الإسناد، يظن أن سليمان غير الأعمش، وأن الأعمش غير سليمان، ولكن الذي يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان لا يلتبس عليه الأمر، فلا يظن الشخص الواحد شخصين، بل يعرف أن هذا شخص واحد ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه.وقد أوصلها ابن الصلاح إلى فوق الستين، وزاد عليه غيره، وهذا نوعٌ من أنواع هذه العلوم، وهذه العلوم -التي هي علوم الحديث- نوع من أنواع علوم الحديث. وهو ثقة مدلس، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن إبراهيم ].وإبراهيم هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ، وهو ثقة، محدث، فقيه، معروف بالحديث، وبالفقه، ويأتي ذكره كثيراً في كتب الفقه، فإذا قيل: إبراهيم في عد الفقهاء يحمل على إبراهيم النخعي .وقد ذكر ابن القيم في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد عندما جاء عند ذكر الذباب إذا وقع في الإناء، وأن الإنسان يغمسه، ثم يزيله، ويشرب الماء، قال: استدل به بعض العلماء على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، ووجه الاستدلال أن الماء قد يكون حاراً، وإذا وقع الذباب، وغمس فيه فيترتب عليه الموت، فيكون الذباب مات في ماء حار، والذباب لا نفس له سائلة، أي: ليس له دم؛ لأن الدم يقال له: نفس، فيقال: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه.قال ابن القيم : وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: (ما لا نفس له سائلة): إبراهيم النخعي ، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فهو أول من عبر بهذه العبارة عن مثل الجراد، والذباب، وغير ذلك من الحيوانات التي ليس فيها دم، فإن موتها في الشيء لا يؤثر، وإبراهيم النخعي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الأسود ].والأسود خال إبراهيم، وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية، والإسلام، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم.[قال: دخلت أنا وعلقمة ].علقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ، وهو ثقة، فقيه، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ليس من رجال الإسناد هنا، وإنما ذكره الأسود ، قال: دخلت أنا وعلقمة على ابن مسعود ، فهو ليس من رجال الإسناد، ولكن الإسناد الذي بعده هو من رجاله؛ لأن إبراهيم يقول: عن علقمة، والأسود معناه: أنه يروي عنهما، فيكون علقمة في الإسناد الثاني من رجال الإسناد، وأما في هذا الإسناد الأول فهو ليس من رجاله، وإنما الذي يسند الحديث هو الأسود ، ويحكي أنه كان معه علقمة عندما فعل، وأن ابن مسعود فعل هذا الذي ذكره.و عبد الله بن مسعود الهذلي هو أحد فقهاء الصحابة، وأحد علماء الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وليس هو من العبادلة الأربعة المشهورين؛ لأنه متقدم الوفاة عن العبادلة الأربعة الذين هم من صغار الصحابة، وقد عده بعضهم أنه من العبادلة الأربعة، ولكن الصحيح والمشهور أن المراد بهم أربعة من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير.فـعبد الله بن مسعود ليس معهم؛ لأنه متقدم الوفاة؛ لأن وفاته سنة (32هـ)، وأما أولئك فكانوا بعد الستين، أي: تأخرت وفاتهم، واستفاد الناس منهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
طريق أخرى لحديث عبدالله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر أخبرنا شعبة عن سليمان سمعت إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله فذكر نحوه ].وهنا أورد النسائي الحديث بطريق أخرى من طريق إسحاق بن إبراهيم .قوله: [ أخبرنا النضر ].النضر هو ابن شميل ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرنا شعبة ].هو شعبة بن الحجاج ، وهو الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن سليمان ].سليمان ، هو الأعمش ، فهنا ذكر باسمه، وفي الإسناد الذي قبله بلقبه، وهو سليمان بن مهران الكاهلي.[ سمعت إبراهيم عن علقمة والأسود ].في الإسناد الأول الأعمش عنعن، وهنا صرح بالسماع من إبراهيم ، والأعمش مدلس كما عرفنا، وقد صرح بالسماع في الطريق الثانية.وفي الطريق الثانية إبراهيم يروي عن علقمة، والأسود ، فـعلقمة هو من رجال الإسناد في الطريق الثانية، وليس من رجال الإسناد في الطريق الأولى.[ عن عبد الله ].أي: علقمة والأسود يرويان عن ابن مسعود ، فيكون الحديث من روايتهما جميعاً، ولكن في الطريق الأولى من رواية الأسود وحده.[ قال: فذكر نحوه ].كلمة نحوه ومثله، إذا جاءت (مثله)، معناه، أن اللفظ مطابق للمتن، فالمتن مطابق للمتن، اللفظ مثل اللفظ، هذه كلمة مثله.وأما إذا قيل: نحوه، فهو مقارب له، أي: بالمعنى وليس مطابقاً باللفظ، مثل كلمة مثله؛ لأن قول: نحوه، يشعر بالقرب، وليس بالمماثلة، بخلاف مثله، فإنه يدل بلفظه على المماثلة، فهذا هو الفرق بين مثله ونحوه إذا جاء ذكرهما في مثل هذا الموضع، حيث يُذكر حديث بلفظه دون إسناده، ومتنه، ثم يذكر الحديث بإسناد آخر، ويحال على اللفظ المتقدم بكلمة (نحوه)، فهي تختلف عن كلمة (مثله).
الاستلقاء في المسجد

شرح حديث عبدالله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الاستلقاء في المسجد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله عنه: ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد؛ واضعاً إحدى رجليه على الأخرى ) ].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله تعالى عنه (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى).والترجمة التي عقدها النسائي هي الاستلقاء في المسجد، أي: أن ذلك سائغ وجائز، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين ذلك عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه حيث قال: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد)، أي: على قفاه مستلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، وهو يدل على جواز الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى في حال الاستلقاء، ولكن هذا الوضع إذا كانت الرجلان ممدودتين فالأمر ليس فيه إشكال، ولكن لو كانت إحدى الرجلين منصوبة ثم وضع الأخرى عليها فإن هذا يشترط فيه أن لا يكون معه انكشاف العورة، والحديث يحتمل الأمرين؛ لأن وضع الرجل على الأخرى يحتمل أن تكون ممدودتين، ويحتمل أن تكون إحداهما منصوبة والأخرى عليها، ولكن الحالة الأولى الأمر فيها واضح من ناحية ستر العورة؛ لأن كون الرجلين ممدودتين، وواحدة فوق الثانية لا يؤثر شيئاً، مثلما لو كانت ممدودتين جميعاً، ولكن الإشكال فيما لو نصب إحداهما ووضع الثانية عليها فإن هذا قد يكون فيه انكشاف للعورة، فإذا أمن ذلك فمحتمل الوضع أن يكون هذا، وأن يكون هذا، وكل يطلق عليه أنه وضع إحدى الرجلين على الأخرى.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة ، وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن مالك ].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، أحد الأئمة الأربعة المشهورين الذين لهم مذاهب عني بها ودونت، وصار لهم أصحاب عنوا بجمع أقوالهم ومذاهبهم، واشتهرت بسبب ذلك.وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن شهاب ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وهو مشهور بنسبته الزهري ، وكذلك نسبته إلى جده شهاب ، فيقال: ابن شهاب ، ويقال: الزهري ، وهو ثقة، إمام، جليل، محدث، فقيه، من أوعية العلم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عباد بن تميم ].هو عباد بن تميم المازني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عمه ].عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، وهو صحابي مشهور، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو عمه لأبيه ؛ لأن هذا عباد بن تميم بن غزية المازني ، وأما هذا الصحابي عبد الله بن زيد فهو عمه لأبيه، يعني: عم عباد لأبيه؛ لأن تميم وعبد الله أخوان لأم.



ابو الوليد المسلم 01-23-2026 01:11 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(133)


- (باب النوم في المسجد) إلى (باب تخليق المساجد)

بين الشرع الحكيم جواز الاستلقاء في المسجد بشرط عدم انكشاف العورة، كما بين النهي عن البصاق فيه، وكفارتها دفنها أو دلكها وجعل شيء من الطيب مكانها.
النوم في المسجد

شرح حديث ابن عمر: (أنه كان ينام وهو شاب... في مسجد رسول الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النوم في المسجد.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم).هنا أورد النسائي رحمه الله: باب النوم في المسجد.مقصوده من ذلك بيان جوازه، وأن ذلك سائغ، وقد أورد فيه حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الذي يحكي فيه قصة نفسه: (أنه كان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عزب لا أهل له في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وما جاء عن ابن عمر في هذا الحديث واضح الدلالة بأنه يخبر عن نفسه أنه ينام في المسجد، وهو شاب عزب لا أهل له؛ يعني: لم يتزوج ولم يتأهل، وأورد فيه الحديث الذي فيه قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما حصل بينه وبين فاطمة شيء، ثم إنه غضب وخرج، ونام في المسجد، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيته يسأل عنه، وأخبرته بأنه خرج، فذهب ووجده في المسجد قد نام، وقد أثر التراب في جسده، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( قم أبا تراب )، فهذا مما يدل على ما دل عليه حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما من جواز النوم في المسجد.وقوله في الحديث: (أنه كان ينام وهو شاب عزب)، معلوم أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان من صغار الصحابة، وكان في غزوة أحد لم يبلغ، وقد جاء يطلب منه أن يكون في الجيش، وأن يكون في المجاهدين، ولكن كونه لم يبلغ الخامسة عشرة، فإنه لم يأذن له، وبعد ذلك أذن له، فهو في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمره لم يبلغ الخامسة عشرة، وعند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الخامسة والعشرين تقريباً، فهو شاب عزب، أي: لا أهل له، وكان ذلك في مسجده، وفي عهده عليه الصلاة والسلام.وقوله: (في عهده)، هذا هو الذي يفيد إضافته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن كونه فعل في عهده، ولم يمنع منه رسول الله عليه الصلاة والسلام دل على جوازه، بل قصة علي واضحة في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء إليه وهو نام في المسجد، وقد علق التراب في جسده رضي الله تعالى عنه، وقال له: ( قم أبا تراب )، وعزب هي اللغة المشهورة، وأما أعزب فقد قال ابن حجر : إنها لغة قليلة، والمشهور هو عزب، وهو الذي لم يتزوج ولم يتأهل.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (أنه كان ينام وهو شاب... في مسجد رسول الله)
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو اليشكري السرخسي ، وهو ثقة، مأمون، سني، وصف بأنه سني لأنه أظهر السنة في بلده، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي .[ حدثنا يحيى ].هو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وهو الذي قال عنه الذهبي في كتابه: ومن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، قال عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي : إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني بذلك: أنهما يصيبان الهدف، وأن كلامهما عمدة في التضعيف إذا ضعفا شخصاً وجرحاه، فإنه يعول على قولهما، وعلى جرحهما، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبيد الله ].هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: المصغر تمييزاً له عن أخيه عبد الله الذي يوصف بأنه المكبر، والمصغر هذا الذي هو عبيد الله ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني نافع ].ونافع هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن مولاه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل من المشهورين بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وهو أيضاً أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوحديث عبد الله بن عمر عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فرجال هذا الإسناد خمسة، هم: عبيد الله بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ونافع، وعبد الله بن عمر، وهؤلاء الخمسة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي: عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، فإنه خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، ولم يخرج له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه ، وإنما خرج له من أصحاب السنن الأربعة النسائي وحده.
البصاق في المسجد

شرح حديث: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب البصاق في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب البصاق في المسجد.المقصود من ذلك بيان حكمه، وأنه خطيئة، وأنه مذموم؛ لأن البصاق شيء مستقذر، فكونه يوضع في المسجد، فهذا لا يليق بالمسجد، لاسيما إذا كان بارزاً ظاهراً يراه الناس ويتقذرونه، وقد أورد فيه حديث أنس بن مالك الصحابي الجليل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها )؛ أي: ذمه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبين أنها خطيئة، وأن هذه الخطيئة إذا وجدت فإن كفارتها دفنها بحيث لا يراها أحد، وأما دفنها فهو يدل على طهارتها، ولكنها شيء مستقذر، ولو كان نجساً لأمر بغسله، ولكنها -البصاق والمخاط- من الأشياء الطاهرة لكنها مستقذرة؛ أي: النفوس تستقذر رؤيتها، وإلا فإنها طاهرة، وليست بنجسة.قال: (وكفارتها دفنها)، أي: الإنسان إذا ابتلي بهذا، فإن عليه أن يبادر إلى دفنها؛ حتى تزول ولا يراها أحد، ومن العلماء من قال: إن دفنها إخراجها، لكن هذا ليس هو ظاهر اللفظ، بل ظاهر اللفظ أن يدفنها، وذلك في المسجد الذي فيه تراب، أولاً: لا يجوز للإنسان أن يبصق، ولكنه إذا بصق فإن عليه أن يبادر إلى دفنها، حتى لا تراها الأعين، وحتى لا يستقذرها أحد عندما يراها.
تراجم رجال إسناد حديث: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا أبو عوانة ].وأبو عوانة هذه كنية اشتهر بها الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي ، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته: أبي عوانة ، ومعرفة كنى المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث؛ لأنه لو وجد في بعض الأسانيد الوضاح بن عبد الله ، ووجد في بعض الأسانيد أبو عوانة ، فمن لا يعرف أن هذه كنية للوضاح يظن أن هذا شخص وهذا شخص، لكنه إذا عرف أن الوضاح بن عبد الله اليشكري كنيته أبو عوانة ، فلا يلتبس عليه الأمر لو جاء مرة باسمه، ومرة بكنيته، وهو من طبقة شيوخ شيوخ البخاري ، وفي شيوخ النسائي أبو عوانة متأخر، وأبو عوانة الإسفراييني له كتاب له أسماء ثلاثة: يقال له: الصحيح، ويقال له: المسند، ويقال له: المستخرج؛ أي: المستخرج على صحيح مسلم، وهو متأخر، لأنه بعد مسلم. وأما الوضاح بن عبد الله فهو في طبقة متقدمة.[ عن قتادة ].هو: ابن دعامة السدوسي البصري ، وهو ثقة، مدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس ].هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أنس وعن الصحابة أجمعين، وهو ممن تشرف بخدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث خدمه عشر سنوات، وذلك منذ أن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إلى أن توفاه الله وهو يخدمه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد عمر وعاش طويلاً، ولقيه صغار التابعين، وأخذوا عنه الحديث، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أحد السبعة الذين ذكرهم السيوطي في ألفيته، والذين ذكرتهم آنفاً عند ذكر عبد الله بن عمر في الحديث الذي قبل هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهؤلاء الأربعة الذين هم رجال الإسناد، وهم: قتيبة، وأبو عوانة، وقتادة بن دعامة، وأنس بن مالك هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، والإسناد من رباعيات النسائي الذي هو أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي أربعة يكونون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد من هذه الأسانيد العالية عند النسائي .
النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد

شرح حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد.الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، فالرجال والنساء كلهم لا يتنخمون في المسجد، وبالأولى في قبلة المسجد، والتنصيص على القبلة؛ لأهمية ذلك، ولكونه الذي يراه الناس، ويكون بارزاً أمامهم، وليس للإنسان أن يتنخم في المسجد كله، ولكن التنصيص على القبلة؛ لأنها هي البارزة أمام الناس؛ أي: أن الجدار الذي يكون في الصف الأول يكون أول من يصل يراه، وكذلك الذين يلونه يرونه، فهذا هو وجه تخصيصه، وإلا فإن البصاق في المسجد أو التنخم في المسجد كله محذور، وقد مر أن البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، ولكنه نص على جهة القبلة؛ لأهميتها ولشدة الاستقذار فيما كان فيها؛ لأن من يصل إلى المسجد أولاً يراه، فالذين يكونون في أوائل الصفوف هم الذين يأتون مبكرين ويذهبون متأخرين، فيكون في ذلك استقذار أو زيادة في الاستقذار عندما يرونه في القبلة.ثم قال: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه )، وهذا يدل على أن البصاق طاهر، ولهذا حكه، والحك يتساقط وينزل، ولكنه لا يظهر ذلك المنظر، ولو كان نجساً لغسل، ولا يكفي فيه الحك، لكنه إذا حكه وسقط، فيزول ذلك المنظر الكريه المستقذر، فحكه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: ( ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه )، لعل ذكره هنا بعد أن حكه وكان في قبلة المسجد أنه قد يكون أحد بصق على الجدار وهو يصلي، يحتمل هذا، ويحتمل أن يكون البصاق بدون صلاة، ولكنه غالباً يكون في الصلاة؛ لأن المصلي يكون في الصف الأول والجدار أمامه، وقد يحصل منهم ذلك قبل أن يبين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم المنع من ذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم حكه، ونهى عن البصاق، وهذا يدل على منعه وعلى إزالته عندما يوجد، وإذا كان في تراب فإنه يدفن، وإن كان في جدار -البصاق- فإنه يزال بالحك كما فعل ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ثم قال: ( فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى )، يعني: أن المصلي يناجي الله عز وجل والله تعالى أمامه، فعليه أن يحترم تلك الجهة التي هو يناجي الله عز وجل متجهاً إليها وهي جهة القبلة، وقوله: (فإن الله عز وجل قبل وجهه)؛ أي: الله عز وجل قبل وجه الإنسان أينما توجه، كما قال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، لكن الكلام هنا جاء في الصلاة، والمصلي يناجي الله عز وجل، ويجب أن يكون بجسده وقلبه مقبلا على الله عز وجل، فيناجي الله عز وجل فيحترم تلك الجهة؛ لأن الله عز وجل هو الكبير المتعال، وهو الذي في السماوات والأرضين وما حوته، والمخلوقات كلها في قبضته سبحانه وتعالى كالخردلة في كف أحدنا ولله المثل الأعلى، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومن المعلوم أن من كان في داخل الخردلة، فإن الذي يكون خارجها فإنه يكون أمامه؛ لأن الخردلة حقيرة ليست بشيء، لكن هنا جاء التنصيص على قبل وجه المصلي لأنه متجه إلى الله عز وجل يناجيه ويدعوه، ويسأله ويرجوه، فله حالة يجب أن يحترم تلك الجهة التي هو متجه إليها، والتي الله عز وجل أمامه فيها وقبل وجهه، وألا يبصق قبل وجهه، ثم فيه المحذور الآخر -الذي مر- وهو سبب الحديث، حيث رأى الرسول نخامة في المسجد فحكها، ثم قال: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه)؛ يعني: ففيه الاستقذار، وفيه وجوب تعظيم الله تعالى؛ لأنه يناجي الله عز وجل، والله تعالى أمامه، وهو متجه إلى القبلة، وقد عرفنا أن قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، أنها من آيات الصفات، والإنسان أينما توجه فالله تعالى أمامه، ومعنى ذلك يتضح بمعرفة الأثر الذي جاء عن ابن عباس : أن السماوات والأرضين وما فيهن كالخردلة بكف واحدٍ منا ولله المثل الأعلى.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه...)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة ، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ عن مالك ].هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، وصاحب المذهب المعروف، وأحد المذاهب المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن نافع ].هو مولى ابن عمر ، وقد مر ذكره .[ عن ابن عمر ].قد مر ذكره، وهذه السلسلة التي فيها: مالك عن نافع عن ابن عمر هي التي قال عنها البخاري : إنها أصح الأسانيد .
ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته


شرح حديث أبي سعيد في نهي النبي عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة، ونهى أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه، وقال: يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته.أي: لكن عن شماله، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة )، وقال: ( يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى )، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له من النهي عن البصاق في صلاته بأن يكون أمامه أو عن يمينه، ولكن يكون عن شماله؛ حيث يكون فارغاً، أو تحت قدمه اليسرى، وفي هذا الحديث المنع من التنخم أمام الإنسان أو عن يمينه، ولكن يكون عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، وفيه تعظيم جهة القبلة حيث يكون الإنسان يصلي، ويناجي الله عز وجل، وكذلك اليمين، والبصاق يكون عن جهة الشمال أو تحت القدم اليسرى؛ لأن البصاق من الأمور المستقذرة، وهي من شأن الشمال، ولهذا يكون باليسرى، ولا يمتخط الإنسان باليد اليمنى، وإنما يكون باليد اليسرى التي تباشر مثل هذه الأمور، فاليد اليمنى للأمور التي لها شأن والأمور الحسنة، وأما اليسرى فإنها للأمور المستقذرة، وكذلك هنا منع أن يبصق عن يمينه، وكذلك بين يديه، ولكن عن شماله أو تحت قدمه اليسرى.
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في نهي النبي عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة مر ذكره.[ حدثنا سفيان ].هو: ابن عيينة ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ومشهور بالنسبة إلى جده زهرة، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، وهو إمام، جليل، ومحدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن حميد بن عبد الرحمن ].هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي سعيد الخدري ].هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، وقد مر ذكرهم في أبيات السيوطي آنفاً.

الرخصة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله

يتبع

ابو الوليد المسلم 01-24-2026 03:36 PM

الرخصة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله
شرح حديث: (إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك وابصق خلفك أو تلقاء شمالك...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن ربعي عن طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك، وابصق خلفك أو تلقاء شمالك إن كان فارغاً، وإلا فهكذا، وبزق تحت رجله ودلكه ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب الرخصة للمصلي أن أيبصق خلفه أو عن شماله.ثم أورد حديث طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبصق المصلي قبل وجهه أو عن يمينه، ولكن خلفه أو عن شماله إن كان فارغاً )؛ أي: لا أحد صاف بجواره، وإلا فعل هكذا وبصقها تحت قدمه اليسرى ودلكها، وقد مر في الحديث الذي قبل هذا أنه يبصق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، والبصق خلفه يمكن أن يكون بدون أن يستدير ويتفل وراءه، ويمكن له إذا كان اليسار خالياً ليس فيه أحد أن يبصق عن يساره.أما إذا كان هناك أحد واقف يصلي، أو أحد لا يصلي ولكنه بجواره وهو يصلي، فإنها تكون تحت قدمه اليسرى ويدلكها، أو تكون وراءه بأن يرسل النخامة عن يساره إلى وراء ظهره، وذلك بدون أن يستدير وينحرف عن جهة القبلة، وتكون القبلة وراءه، ثم يبصق ثم يرجع، وإنما يكون بتمايله وإرسال النخامة عن يساره إلى وراء ظهره.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك وابصق خلفك أو تلقاء شمالك...)
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو: اليشكري السرخسي الذي مر ذكره قريباً.[ حدثنا يحيى ].هو: القطان ، وقد مر ذكره قريباً.[ عن سفيان ].وسفيان هذا يحتمل أن يكون ابن عيينة، ويحتمل أن يكون الثوري، ولكن كونه الثوري أقرب؛ لأن منصور بن المعتمر الذي يروي عنه من أهل الكوفة، وسفيان الثوري كوفي، فهما من بلد واحد، وأيضاً كذلك يحيى بن سعيد القطان بصري، والبصرة قريبة من الكوفة.وأما سفيان بن عيينة فهو مكي، فالأقرب أو الأظهر أن يكون المراد به سفيان الثوري ؛ وإن كان سفيان بن عيينة روى عن منصور بن المعتمر ، لكن كونه من بلده، فيكون أكثر ملازمة له، فيحمل على أنه الثوري ، ولا يؤثر حتى لو لم يعلم أنه هذا أو هذا؛ فالإسناد دائر على ثقة، سواء يكون الثوري أو يكون ابن عيينة؛ لأن كل منهما ثقة.وسفيان الثوري ثقة، ثبت، إمام، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا وصف من أعلى صيغ التعديل، وأعلى صيغ التوثيق، وما حصل إلا للقليل النادر من المحدثين، وقد حصل لـسفيان الثوري كما حصل لـشعبة، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، وغيرهم ممن وصف بهذا الوصف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثني منصور ].هو ابن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ربعي ].هو ربعي بن حراش ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن طارق بن عبد الله المحاربي ].هو طارق بن عبد الله المحاربي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من مسلمة الفتح، وحديثه أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد، وأخرج أيضاً حديثه أصحاب السنن الأربعة، وفي نسخة التقريب ذات المجلدين، وكذلك نسخة تهذيب التهذيب رمز له بـأبي داود وحده، وأما المزي في تهذيب الكمال فإنه ليس من عادته أن يرمز، ولكنه يأتي بالألفاظ وبالكلمات، فقال: أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وأخرج له الباقون سوى مسلم ، فالرمز الصحيح له (عين خاء) أي البخاري في خلق أفعال العباد، ورمز أصحاب السنن الأربعة، ثم الحديث عند تخريجه ذكر كونه عند أبي داود، والترمذي، وعند ابن ماجه ، أي هو موجود عندهم، فهو من رجالهم، وليس كما جاء في نسخة تهذيب التهذيب، ونسخة تقريب التهذيب الرمز لـأبي داود فقط، والحديث عند النسائي معنا.فهو صحابي مقل؛ لأنه قيل: إن له حديثان أو ثلاثة أحاديث، فهو مقل.
بأي الرجلين يدلك بصاقه

شرح حديث عبد الله بن الشخير: (رأيت رسول الله تنخع فدلكه برجله اليسرى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب بأي الرجلين يدلك بصاقه.أخبرنا سويد بن نصر أنبأنا عبد الله عن سعيد الجريري عن أبي العلاء بن الشخير عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تنخع، فدلكه برجله اليسرى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة: باب بأي الرجلين يدلك بصاقه.وأورد فيها حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تنخع، فدلكه برجله اليسرى )، المقصود أنه يدلك برجله اليسرى، وكما مر أنه يتنخع تحت قدمه اليسرى ويدلكه، فالتنخع يكون تحت الرجل اليسرى، ويكون الدلك بالرجل اليسرى.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن الشخير: (رأيت رسول الله تنخع فدلكه برجله اليسرى)
قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر ].هو سويد بن نصر المروزي ، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي .[ أنبأنا عبد الله ].هو ابن المبارك الإمام، الثقة، الثبت، والذي وصفه ابن حجر في التقريب بقوله بعد أن ذكر جملة من صفاته الحميدة، قال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد الجريري ].هو: ابن إياس ؛ أي: سعيد بن إياس الجريري ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي العلاء بن الشخير ].هو: يزيد بن عبد الله بن الشخير ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبيه ].هو: عبد الله بن الشخير ]، وذاك مشهور بكنيته -الذي هو يزيد بن عبد الله- أبو العلاء ، وحديثه -كما ذكرت- عند أصحاب الكتب الستة.أما أبوه عبد الله بن الشخير رضي الله عنه فهو من مسلمة الفتح، وحديثه عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
تخليق المساجد

شرح حديث أنس في تخليق المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تخليق المساجد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عائذ بن حبيب حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا )! ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب تخليق المساجد.أي: تطييبها، والتخليق هو: وضع الخلوق، وهو نوع من الطيب، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه )، وهذا فيه شدة الإنكار والكراهية، والبغض لهذا العمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب واحمر وجهه من شدة الغضب لهذا الذي رآه، وهذا فيه بيان وجوب العناية بالمساجد ونظافتها، وعدم تقذيرها، أو وضع شيء فيه قذر يستقذره الناس مثل: النخام، لاسيما إذا كان في قبلة المسجد الذي يراه من يأتي إلى المسجد مبكراً، ومن يبقى في المسجد، (فقامت امرأة من الأنصار فحكتها -تلك النخامة التي في الجدار- وجعلت مكانها خلوقاً)، وهذا هو محل الشاهد أنها وضعت عليها خلوقاً الذي هو نوع من الطيب، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا)؛ لأنها أزالت الشيء المستقذر، وأتت بالشيء الطيب مكان هذا المستقذر، وجعلت مكانه ما هو مستحب ومحبوب إلى النفوس الذي هو الطيب؛ حيث أزالت القذر، ووضعت مكانه طيباً، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما أحسن هذا!)؛ لأن فيه جمع بين حسنيين؛ وهو إزالة القذر، ووضع شيء طيب مكان هذا الشيء المستقذر الذي أزيل.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في تخليق المسجد
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو: ابن مخلد بن راهويه وهو ثقة، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو فقيه، محدث، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ حدثنا عائذ بن حبيب ].هو عائذ بن حبيب ، وهو صدوق، وقد رمي بالتشيع، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد الطويل ].هو حميد بن أبي حميد الطويل، وثقوه، وهو يدلس عن أنس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن أنس بن مالك ].وقد مر ذكره قريباً، وهذا الإسناد من رباعيات النسائي ؛ لأنه فيه :إسحاق بن إبراهيم، وعائذ بن حبيب، وحميد الطويل، وأنس بن مالك، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي.
الأسئلة

حكم الصلاة خلف المبتدع
السؤال: ما حكم الصلاة خلف المبتدع ومن في عقيدته خلل؟الجواب: المبتدع الذي بدعته مكفرة لا يصلى وراءه ولا تصح صلاته، ولا صلاة لمن يصلي وراء من كانت بدعته مكفرة، وليس للإنسان أن يصلي وراءه.أما إذا كانت البدعة مفسقة وليست مكفرة، فإن مثله لا يصلح أن يكون إماماً، ولكنه إذا صلى، وصلي وراءه فالصلاة صحيحة، ولكنه لا يصلح أن يكون إماماً، وإنما يقدم في الإمامة من يكون من أهل السلامة.
حكم رفع اليدين عند الدعاء يوم الجمعة
السؤال: ما حكم رفع اليدين عندما يدعو الإمام يوم الجمعة؟الجواب: لا ترفع الأيدي في وقت خطبة الجمعة لا من الإمام ولا من المأمومين، ولا ترفع الأيدي إلا إذا حصل استسقاء فاللإمام أن يرفع، وللمأمومين أن يرفعوا.أما في غير الاستسقاء فإنها لا ترفع الأيدي في الخطبة، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث مالك بن رؤيبة : أن أحد بني أمية كان يرفع يديه، فقال: (قطع الله هاتين اليدين، ما كان صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يشير بأصبعه)، أي: في حال خطبته عند ذكر الله عز وجل، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يرفع يديه، فلا ترفع الأيدي؛ اقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
مقولة أن حدود الحرم سيصل إلى اليمن
السؤال: ما حدود الحرم؟ وهل ورد أن الحرم سوف يصل إلى اليمن؟الجواب: أي حرم -حرم مكة أو المدينة- يصل إلى اليمن؟ يعني: يختلط الحرمين، أقول: هذا كلام لا أساس له؛ فالحرم محدد، ومكة حرمها الله وحدودها معروفة، يعني: لا تزيد ولا تنقص، والمدينة حدودها أو حرمها حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ما بين عير إلى ثور، فهذا هو حدها كما حدها بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثور جبل صغير خلف أحد.
ما يلزم من توضأ بعد غسل الجنابة أو غسل الجمعة
السؤال: هل يلزم الوضوء بعد الغسل من الجنابة أو الغسل ليوم الجمعة؟الجواب: الغسل يوم الجمعة لا يغني عن الوضوء أبداً، وإنما الإنسان يتوضأ ويغتسل، وإذا اغتسل للجمعة يتوضأ وضوءه للصلاة، أما غسله للجنابة فإنه يكفي، لكن كونه يغتسل ويفيض الماء على جسده، ثم يكتفي عن الوضوء، فلا يكفي؛ لأن هذا الاغتسال لا يرفع حدثاً.أما الحدث الأكبر فإنه إذا ارتفع يرتفع معه الحدث الأصغر، أي: إذا اغتسل الإنسان وأفاض الماء على سائر جسده، وكان قبل ذلك غسل ذكره، وغسل ما يحتاج إلى غسل، فأفاض الماء على جسده، ولم يلمس ذكره وهو يغتسل، فإنه كافٍ في رفع الحدث الأكبر، وكذلك يغني عن الحدث الأصغر؛ لأن الأصغر يدخل تحت الأكبر، والأكمل والأفضل هو كون الإنسان يتوضأ أولاً ثم يغتسل، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما غسل الجمعة فإنه لا يجزئ عن الوضوء؛ لأنه ما رفع به الحدث، وأما غسل الجنابة فهو رفع فيه الحدث الأكبر.
مدى اعتبار سترة الإمام سترة للمأمومين
السؤال: هل تعتبر سترة الإمام سترة للمسبوق من المأمومين بعد سلام الإمام؟الجواب: لا، فالمأموم سترته سترة إمامه، لكن إذا انتهى الإمام من الصلاة لم تكن سترته سترة لغيره؛ لأن صلاته قد انتهت، وذاك إذا كان عنده سترة له فحسن، وإلا فيمنع من يمر بين يديه إذا كان قريباً، وإذا كان في مسافة مقدار ثلاثة أذرع من قدمه إلى جهة الأمام، فما بعد ثلاثة أذرع لا يرد أحداً؛ لأنه لا يملك الفضاء الذي أمامه وإن بعد، وإنما في حدود ثلاثة أذرع أمامه من قدمه، فيرد من يأتي في هذه المسافة، وإذا كان بعد هذه المسافة، فإنه ليس عليه بأس فيه.
كيفية التعامل مع المنتسبين لآل البيت إذا كانوا على مذهب الشيعة
السؤال: يوجد ممن يدعون بالأشراف، وينتسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرمون بالتشيع، ولا نعلم عن حال تشيعهم، فما الحكم في التعامل معهم ومخالطتهم؟الجواب: إذا لم يكن معروفاً عنهم وقوعٌ في ما وقع فيه الشيعة، وما وقع فيه الرافضة، فالأصل سلامتهم حتى يثبت شيء بخلاف ذلك، ومن المعلوم أن كون الإنسان يكون شريفاً أو ذا نسب شريف فلا يعني ذلك أن يكون ملازماً للتشيع، وأن يكون متشيعاً، ولا يوجد تلازم بين التشيع وبين كونه ذا نسب شريف، فأصحاب النسب الشريف كانوا يقدرون الصحابة، وكانوا يجلون الصحابة، وما في نفوسهم على الصحابة جميعاً شيء رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإذا كان فقط مجرد أن كونه شريف، وما عرف عنه هذا الوصف الذميم -الذي هو كونه على طريقة الشيعة- فالأفضل سلامته.
حكم رواية الأعمش عن أبي وائل أو أبي صالح السمان أو إبراهيم النخعي
السؤال: من المعلوم في علم الحديث أن شعبة بن الحجاج رحمه الله إذا روى عن الأعمش تقبل عنعنة الأعمش ؛ لما ثبت بسند صحيح عن شعبة بن الحجاج أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: أبو إسحاق السبيعي والأعمش وقتادة ، فالسؤال: إذا روى سليمان بن مهران الأعمش عن أبي وائل أو أبي صالح السمان أو إبراهيم النخعي هل تقبل عنعنته؟ وما الدليل على ذلك؟الجواب: ما أدري إذا كان هناك شيء محدد للرواية عنهم أنه إذا روى عنه فيعتبر ما ذكره العلماء عنهم، لكن الذي أعرف عن شعبة أنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما كان مسموعاً لهم ولم يكن مدلساً، ولهذا إذا كان شعبة يروي عن مدلس، فلا يضر كون المدلس معنعناً، يعني: روى بالعنعنة؛ لأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما أُمن تدليسهم، أي: إلا ما هو مسموع لهم، وليس مدلساً.
الراجح في حديث ابن لهيعة
السؤال: ما هو القول الراجح في مسألة حديث ابن لهيعة ؟الجواب: هو صدوق، واختلط بعد احتراق كتبه، والمختلط طريقة الرواية عنه: أن ما روي عنه قبل اختلاطه، فهذا مأمون ولا يؤثر، وما كان بعد الاختلاط فهذا هو الذي فيه التوقف، ويحتاج إلى مساعدة وعضد.
مدى جواز البصق في منديل تجاه القبلة
السؤال: لو بصق المصلي في منديل إلى جهة القبلة، فهل هذا الفعل يشمله النص؟الجواب: النص جهة القبلة سواء كان على منديل، أو على فراش، أو على أي مكان، فالإنسان لا يبصق إلى جهة القبلة، لكن إذا كان معه منديل فإنه يبصق ويضعه في مخبأته، ولا يبصق قدامه.
تعليق جواز البصق في الصلاة بالفريضة أو بالنافلة
السؤال: هل جواز البصق في الصلاة خاص بالفريضة أم بالنافلة أم في كليهما؟الجواب: فيهما جميعاً الفريضة والنافلة.
بيان دلك النخامة بالرجل اليسرى
السؤال: هل دلك النخامة والبصاق بالرجل اليسرى إذا كانت حافية أم أنها في كل حال وفي كل مكان؟الجواب: إذا كان حافياً فإنه يدلكها برجله، وإذا كان عليه نعل فيدلكها بنعله؛ يعني: الأمر أنه يدلكها برجله، سواء كان حافياً أو منتعلاً.
مدى صحة التنصيص على أن النهي عن البصق الذي يكون في الصلاة
السؤال: في حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته، فمن أين استنبط المصنف كون الرجل في صلاته، مع أن الحديث ليس فيه: في صلاته؟الجواب: جاء في بعض الطرق التنصيص على الصلاة، ومن المعلوم أن هذه الهيئة ينبغي للإنسان أن يفعلها دائماً، حتى في غير الصلاة، فالإنسان لا يبصق أمامه ولا عن يمينه، وإنما يبصق عن يساره.




ابو الوليد المسلم 01-24-2026 03:40 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(134)

- (باب القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه) إلى (باب صلاة الذي يمر على المسجد)

خصت المساجد بخصائص منها: أنه يستحب لمن دخلها أن يسأل الله الرحمة، وأن يسأله من فضله العظيم، واستحباب صلاة ركعتين تحية للمسجد.

القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه


شرح حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه.أخبرنا سليمان بن عبيد الله الغيلاني بصري حدثنا أبو عامر حدثنا سليمان عن ربيعة عن عبد الملك بن سعيد سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ) ].يقول النسائي رحمه الله: القول عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، أي: الذكر، والدعاء الذي يشرع للإنسان أن يقوله عندما يدخل المسجد، وعندما يخرج منه، وقد أورد فيه حديث أبي حميد، وأبي أسيد الساعديين رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ).هذا دعاء يشرع عند الدخول، ويشرع عند الخروج، وجاء في بعض الأحاديث أنه يصلى قبل ذلك ويسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم يؤتى بهذا الدعاء الذي هو عند دخول المسجد سؤال الله رحمته، وعند الخروج من المسجد يسأل الله من فضله، وإنما جاء ذكر الرحمة عند الدخول، وذكر الفضل عند الخروج؛ لأن الإنسان إذا جاء إلى المسجد جاء يرجو رحمة الله، ويرجو مغفرته، ويرجو رفع الدرجات، وحط الخطيئات فناسب أن يكون الدعاء عند الدخول أن يسأل الإنسان ربه أن يفتح له أبواب رحمته، وأما إذا خرج فإنه يطلب الفضل من الله تعالى، أي: خارج المسجد، الذي يناسب طلب الرزق، وطلب الفضل من الله عز وجل، ولهذا جاء في الدعاء عند الخروج: (اللهم إني أسألك من فضلك)، وقد جاء في سورة الجمعة: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]، أي: ابتغوا الرزق، واطلبوا الله من فضله أن يرزقكم، فجاء ذكر ابتغاء الفضل، وابتغاء الطلب، وطلب الرزق بعد الخروج من المسجد: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]، والله تعالى جعل الليل سكناً، والنهار موطناً لابتغاء الفضل وابتغاء الرزق: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص:73]، تسكنوا فيه، أي: في الليل، ولتبتغوا من فضله، يعني: في النهار، وذلك بطلب الرزق، وهذا يدل على أن الإنسان يفعل الأسباب ويتوكل على الله عز وجل، فلا يترك الأسباب، ولا يأخذ بالأسباب ويغفل عن مسبب الأسباب، وهو الله عز وجل، ولهذا جاء في الحديث: ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصاً، وتروح بطاناً )، (تغدو خماصاً)، خاوية البطون، (وتعود بطاناً)، ممتلئة البطون من الرزق الذي حصلته، فتذهب في الصباح، وتعود في الرواح، وقد أخذت حاجتها، وأخذت نصيبها من الرزق الذي كتب الله لها.ولهذا جاء الدعاء في الدخول مناسباً لما جاء الإنسان من أجله، وهو طلب مغفرة الله ورحمته، وجاء الدعاء عند الخروج لطلب الله من فضله، وذلك بتحصيل الرزق الحلال، والقوت الذي يقيته، ويقيت من يعوله، ومن تلزمه نفقته.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ...)
قوله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله].وهو الغيلاني، بصري، وهو صدوق، خرج له مسلم، والنسائي.[ حدثنا أبو عامر ].أبو عامر هو عبد الملك بن عمرو العقدي ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي عامر ، وكذلك مشهور بنسبته العقدي ، وهنا ذكره بأبي عامر فقط بالكنية، واسمه عبد الملك بن عمرو ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، ومعرفة كنى المحدثين من الأمور المهمة في مصطلح الحديث، وفائدتها كما أسلفت مراراً وتكراراً أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه أحياناً، وذكر بكنيته في بعض الأحيان، فإن من لا يعرف أن هذه كنية لهذا، يظن أن أبا عامر شخص، وأن عبد الملك بن عمرو شخص آخر، وليس كذلك وإنما هما شخص واحد، يأتي ذكره أحياناً بالكنية وأحياناً بالاسم.[ حدثنا سليمان ].سليمان هو ابن بلال المدني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ربيعة ].وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني ، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الملك بن سعيد ].عبد الملك بن سعيد ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، أي: لم يخرج له ابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري ، فهو لم يخرج له الأول والأخير؛ لأن أول أصحاب الكتب الستة البخاري ، وآخرهم من حيث الرتبة وليس من حيث الزمن ابن ماجه؛ لأن آخرهم من حيث الزمن النسائي ؛ لأن وفاته سنة (303هـ)، وأما ابن ماجه فهو قبل الثمانين، ولكن من حيث الرتبة، يعني: رتبة الكتاب؛ لأن سنن ابن ماجه رتبته آخر الكتب الستة، فأول أصحاب الكتب الستة البخاري ، وآخرهم ابن ماجه ، لم يخرجا له، أي: لـعبد الملك بن سعيد.[ سمعت أبا حميد وأبا أسيد ].هما صحابيان مشهوران بكنيتهما: أبي حميد وأبي أسيد ، وهما ساعديان أنصاريان، وأبو حميد هو المنذر بن سعد ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، فقد خرج له أصحاب الكتب الستة، وأما أبو أسيد الساعدي فهو: مالك بن ربيعة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأمر بالصلاة قبل الجلوس في المسجد

شرح حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه.أخبرنا قتيبة حدثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه، أي: في المسجد، وهي التي تسمى تحية المسجد، وأورد فيها حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس )، وهو دال على ما ترجم له المصنف؛ من جهة الأمر، ومشروعية الصلاة فيه قبل أن يجلس الداخل فيه إذا كان يريد الجلوس، فإنه لا يجلس إلا وقد صلى ركعتين، وقد جاء في بعض الروايات: ( فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )، نهياً عن الجلوس، إلا بعد أن يحصل منه أداء ركعتين، وهذا فيما إذا دخل في غير وقت إقامة الصلاة، وأما إذا كانت الصلاة مقامة فإنه يدخل في الصلاة، وهي تعتبر تحية المسجد.وقوله: (فليركع ركعتين)، لا مفهوم لهما من حيث الزيادة، فإن من أراد أن يزيد، وأن يصلي أكثر من ركعتين، يعني: يصلي ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين إذا جاء في وقت مناسب فإنه لا بأس بذلك، وإنما المقصود هنا بيان الحدِّ الأدنى للصلاة، كذلك مفهومه أنه لا يصلي أقل من ركعتين، ولا يتنفل بركعة واحدة؛ لأن النوافل أقلها ركعتان، والركعة الواحدة إنما هي في الوتر التي هي آخر صلاة الليل .ثم إن إطلاق الحديث وعمومه يدل على أن الإنسان إذا دخل المسجد فإنه يصلي مطلقاً ولو كان في أوقات النهي؛ لأن عموم الحديث شامل لجميع الأوقات؛ لأنه قال: (إذا دخل أحدكم المسجد)، يعني: في أي وقت، هذا مفهوم الحديث.وبعض العلماء قال: إن أوقات النهي لا يصلي فيها الإنسان تحية المسجد؛ أخذاً بما جاء في عموم النهي في قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس )، وقالوا: إن هذا مخصوص بهذا، والعلماء اختلفوا: منهم من أخذ بما جاء في حديث أبي قتادة هذا من أن الإنسان يصلي، فأخذ بعمومه حتى في أوقات النهي، ومن العلماء من أخذ بعموم: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، وقال: إن هذا عام في جميع الصلوات، فلا يستثنى من ذلك إلا ما دل عليه دليل يدل على استثنائه، مثل صلاة الجنازة، وغيرها من الصلوات التي ورد فيها شيء يخصها، وأما ما عدا ذلك فإنه يكون باقياً على عمومه.والذي يظهر في المسألة أن الأمر في ذلك واسع، فمن دخل وصلى لا ينكر عليه، ومن دخل وجلس لا ينكر عليه؛ لأن عموم قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد) دليل عام يشمل جميع الأوقات، وقوله: (لا صلاة بعد العصر) دليل عام يشمل جميع الصلوات، ولا يخرج من ذلك شيء إلا ما استثني، والأمر كما ذكرت واسع، فلا ينكر على من جلس، ولا ينكر على من صلى.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا مالك ].وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، وصاحب المذهب المعروف، أحد الأئمة المشهورين المعروفين بالفقه والحديث رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عامر بن عبد الله بن الزبير ].هو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن عمرو بن سليم ].هو عمرو بن سليم الأنصاري، وهو ثقة من كبار التابعين، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي قتادة ].وهو الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه لغير الصلاة

شرح حديث كعب بن مالك في الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه لغير الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة في الجلوس فيه والخروج منه لغير الصلاة.أخبرنا سليمان بن داود حدثنا ابن وهب عن يونس قال ابن شهاب: أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب قال: ( سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: وصَبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله! إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه؛ لقد أعطيت جدلاً، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب لترضى به عني ليوشك أن الله عز وجل يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، فقمت فمضيت.. ) مختصر ].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه بغير صلاة، لما ذكر الترجمة السابقة، وهي الأمر بالصلاة عند دخول المسجد عقبها بهذه الترجمة، وهي الترخيص في الجلوس والخروج منه بغير صلاة، يعني: هذه الترجمة تفيد بأن الحديث السابق الأمر فيه على الندب؛ وذلك لأن كعب بن مالك رضي الله عنه جاء ودخل وجلس، ثم خرج ومضى من المسجد، ولم يحصل منه صلاة، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في آخر الأمر، يعني: بعد غزوة تبوك، فهذا هو وجه إيراد النسائي الحديث بعد الحديث الذي قبله، وأن ذلك يكون محمولاً على الندب، ومحل الشاهد منه قوله: (فجئت حتى جلست بين يديه).وفي آخره قال: (فمضيت)، وهو محتمل لما ذكره النسائي من جهة أنه جلس ولم يصلي، ومحتمل بأن يكون صلى، ولكن احتمال أنه لم يصل أقرب، والحديث ذكره النسائي مختصراً، وهو في قصة تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك.قال عبد الله بن كعب : ( سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس ).قوله: (وصبح قادماً)، يعني: جاء في وقت الصباح قادماً من تبوك، وكان إذا جاء، أو إذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس؛ ليستقبلهم، وليسلموا عليه عند قدومه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا فيه دليل على استحباب البدء بالمسجد عند القدوم من السفر، وهذه من السنن التي هجرها الناس.

يتبع


الساعة الآن 06:27 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009