ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   قسم المناسبات الدينية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=69)
-   -   دروس رمضانية السيد مراد سلامة (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30553)

ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:19 AM

الدرس التاسع عشر: يا عبد الله ماذا تقول لربك غدًا؟

السيد مراد سلامة

الحمد لله الذي جعل القرآن هدايةًً للمقبلين، وجعل تلاوته بخضوع تُهل دمع الخاشعين، وأنزل فيه من الوعيد ما يهز به أركان الظالمين، وأخبر فيه أن الموت نهايةٌ لعالمين، وأننا بعد الموت للحساب مبعوثين، وأننا سنحاسب عما كنا فاعلين، وسنقف بذل وخضوع بين يدي رب العالمين، ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾[الفجر: 23]، ﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴾ [إبراهيم: 49]، ليس هناك فرق بين ملك معظم وإنسان مهين، هذا جزاء من أخلص العمل لله رب العالمين، وهذا عطاء رب الأرباب مالك يوم الدين، سبحانه من إله عظيم أعز الحق وأخرس المبطلين، سبحانه عدد ما دعاه عباده المساكين، سبحانه عدد ما انهمرت دموع المنيبين، سبحانه جواد كريم قوي متين؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الحشر: 18، 19].
يا من تمتَّع بالدنيا وزينتها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا تنام عن اللذات عيناه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أفنيت عمرَك فيما لست تُدركه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تقول لله ماذا حين تلقاه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



أخي الحبيب، حديثنا في هذا اليوم الطيب الميمون المبارك عن المسؤولية إمام رب البرية في ذلك اليوم العصيب الرهيب الذي صوَّره الله تعالى بقوله: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ محْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا[آل عمران:30]، ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ﴾[الفرقان:25]، ﴿ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ[الفرقان:27]، ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ [الحج:2]، يوم الحاقة، يوم الطامة، يوم القارعة، يوم الصَّاخة، ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ *وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ منْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:24-37].


ذكر اليوم الآخر يطهر القلوب من الحسد والفرقة والاختلاف.


ذكره يهدد الظَّلَمَة ليَرعَووا، ويعزي المظلومين ليسكنوا، فكل سيأخذ حقه لا محالة، حتى يقاد للشاةِ الجلحاء من الشاة القرناء، فلا ظلم ولا هضم، والوزن بالقسط فلا ظلم ولا يؤخذ عبد بسوى ما عملا.


ذكر اليوم الآخر يمسح على قلوب المستضعفين والمضطهدين والمظلومين مسحة يقين، تسكن معه قلوبهم، ثم تَثبُت شماء وهي تتطلع لما أعدَّه الله للصابرين من نعيم يُنسى معه كل ضرٍّ وبلاء وسوء وعناء، وتتطلع لِما أعده الله للظالمين من بؤسٍ يُنسى معه كل هناء.
يوم القيامة لو علمت بهوله https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لفررت من أهل ومن أوطانِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يوم عبوس قمطرير أمره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فيه تشيب مفارق الولدانِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



فاستفتح بالذي هو خير، يقول مولانا في كتابه العظيم: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيب * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيد * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيد * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴾ [ق:20-28].

حال السلف ماذا تقول لربك غدًا:
روى الذهبي في تاريخ الإسلام بعد أن ذكر مشورة أبي بكر - رضي الله عنه - لكبار الصحابة في عزمه على تولية عمر بعده: (فقال قائل: ماذا تقول لربك عن استخلافك عمر وقد ترى غلظته؟ فقال أجلسوني، ثم قال: أبالله تخوفوني؟ أقول: استخلفت عليهم خير أهلك).

وعن الأحنف بن قيس قال: كنت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلقيه رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان فقد ظلمني، فرفع عمر درته وخفق بها رأس الرجل، وقال له: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم مقبل عليكم، حتى إذا شغل بأمر من أمور المسلمين أتيتموه أعدني أعدني، فانصرف الرجل غضبان آسفًا، فقال عمر: علي بالرجل، فلما عاد ناوله مخفقته، وقال له: خذْ واقتص لنفسك مني، فقال الرجل: لا والله، ولكني أدعها لله وانصرف، وعدت مع عمر إلى بيته، فصلى ركعتين ثم جلس يحاسب نفسه ويقول: ابن الخطاب، كنت وضيعًا فرفعك الله، وكنت ضالًّا فهداك الله، وكنت ذليلًا فأعزك الله، ثم حملك على رقاب الناس، فجاءك رجل يستعديك فضربته، فماذا تقول لربك غدًا إذا لقيته؟ خرج يومًا إلى السوق، فرأى إبلًا سمانًا فقال: إبل من هذه؟ قالوا: إبل عبد الله بن عمر، قال: عبد الله بن عمر! بخ, بخ, يا بن أمير المؤمنين، وأرسل في طلبه، فلما أتاه قال له: ما هذه الإبل يا عبد الله؟

فقال عبد الله: إنها إبل أنضاء اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحمى: أتاجر فيها، وأبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال عمر: ويقول الناس حين يرونها: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك، ويربو ربحك يا بن أمير المؤمنين، ثم صاح به: يا عبد الله، خذ رأس مالك، واجعل الربح في بيت مال المسلمين، يا خالق عمر، سبحانك!

وروى ابن كثير أن معاوية رضي الله عنه لما دخل على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - فسلم عليها من وراء حجاب، وذلك بعد مقتله حجرًا وأصحابه، قالت له: أين ذهب عنك حلمك يا معاوية حين قتلت حجرًا وأصحابه؟! فقال لها: فقدته حين غاب عني من قومي مثلك يا أماه، ثم قال لها: فكيف بري بك يا أمة؟ فقالت: إنك بي لبارٌّ، فقال يكفيني هذا عند الله، وغدًا لي ولحجر موقف بين يدي الله عز وجل، وروى ابن جرير أن معاوية جعل يغرغر بالصوت وهو يقول: إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل قالها ثلاث، ما أروع هذا الميزان الذي يزن المرء منا به أفعاله في كل وقت: (ما تقول لربك غدًا؟)، هذا الميزان الذي بثه الإسلام في نفوس المؤمنين، ورباهم عليه، فحققوا أعظم حضارة وكانوا به خير أمة أخرجت للناس.

ماذا تقول لربك إذا يا مضياع للصلاة:
اعلموا عباد الله أن أول ما يسأل عن العبد يوم القيامة الصلاة، فماذا أنت قائل عندما يسألك عنها؛ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ).

يا تاركًا للصلاة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس معنى أضاعوها تركوها بالكلية، ولكن أخروها عن أوقاتها، وقال سعيد بن المسيب إمام التابعين رحمه الله: هو ألا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر إلى المغرب، ولا يصلي المغرب إلى العشاء، ولا يصلي العشاء إلى الفجر، ولا يصلي الفجر إلى طلوع الشمس، فمن مات وهو مصر على هذه الحالة، ولم يتُب وعده الله بغَيٍّ، وهو واد في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه، وقال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5]؛ أي: غافلون عنها متهاونون بها، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: "هو تأخير الوقت"؛ أي: تأخير الصلاة عن وقتها سماهم مصلين، لكنهم لَما تهاونوا وأخَّروها عن وقتها، وعدهم بويل وهو شدة العذاب، وقيل: هو واد في جهنم لو سُيرت فيه جبال الدنيا، لذابت من شدة حره، وهو مسكن من يتهاون بالصلاة ويؤخرها عن وقتها، إلا أن يتوب إلى الله تعالى ويندم على ما فرَّط، وقال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9].

وقال صلى الله عليه وسلم: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة يوم القيامة، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف عن بعض السلف أنه أتى أختًا له ماتت، فسقط كيس منه فيه مال في قبرها، فلم يشعر به أحد حتى انصرف عن قبرها، ثم ذكره فرجع إلى قبرها، فنبشه بعدما انصرف الناس، فوجد القبر يشعل عليها نارًا، فرد التراب عليها ورجع إلى أمه باكيًا حزينًا، فقال: يا أُمَّاه أخبريني عن أختي وما كانت تعمل، قالت: وما سؤالك عنها، قال: يا أمي رأيت قبرها يشتعل عليها نارًا، قال: فبكت وقالت: يا ولدي كانت أختك تتهاون بالصلاة وتؤخرها عن وقتها، فهذا حال من يؤخر الصلاة عن وقتها، فكيف حال من لا يصلي، فنسأل الله تعالى أن يعيننا على المحافظة عليها في أوقاتها، إنه جواد كريم.

يا آكلًا للربا ماذا تقول لربك غدًا وأي عذر ستقدمه لربك غدًا؟
آكلَ الرِّبا مُحاربٌ لله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 278، 279]، قال ابنُ عَبَّاسٍ: (يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لآكِلِ الرِّبَا: خُذْ سِلاحَكَ لِلْحَرْبِ)؛ رواه الطبري.

توهِم نفسك وأنت واقفٌ بين يدي ملك الملوك وأنت حاربته في الدنيا بترك أمره وانتهاك نهيه، وأنت كنت في الدنيا حريصًا على جمع المال، ولم تعمل حسابًا لوقوفك بين يدي الكبير المتعال أن آكلَ الرِّبا يسبح في نهرٍ من دمٍ في البرزخ حتى تقوم الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا)؛ رواه البخاري.

أن آكلَ الرِّبا يُبعثُ يوم القيامة مجنونًا يُخنق؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275].

يا مانعًا للزكاة الم تسمع قول الله تعالى وهو يناديك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾[البقرة: 254]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ البقرة: 267].

قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 34-35].

يا من شغل بماله وولده عن ذكر الله ماذا تقول لربك غدًا؟
﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 9 - 11].

ومعنى الآية؛ أي: لا يشغلكم تدبير أموالكم والعناية بشؤون أولادكم عن القيام بحقوق ربكم وأداء فرائضه التي طلبها منكم، واجعلوا للدنيا حظًّا من اهتمامكم وللآخرة مثله، وهذا ما عناه الحديث: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [البقرة: 172].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 33].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 9 - 11].

يا من ضيَّعت عمرك ماذا تقول لربك غدًا؟
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟))[1].

والله ما خلقنا لنضيع الأعمار، فإن جُلَّ الأمة الآن يقضي جُلَّ الليل أمام التلفاز ولا حول ولا قوة إلا باللـه العلي العظيم.

يا من يمضي عمرك وأنت لا تدري، اعلَم أنك ستسأل عن هذه الساعات، ستسأل عن هذا العمر..

قيل لإبراهيم بن أدهم طيب اللـه ثراه: يا إبراهيم كيف وجدت الزهد في الدنيا؟!

فقال إبراهيم: بثلاثة أشياء، قيل: وما هي؟!

قال إبراهيم: رأيت القبر موحشًا وليس معي مؤنس، ورأيت الطريق طويلًا وليس معي زاد، ورأيت جبار السماوات والأرض قاضيًا وليس معي من يدافع عني.

وهذا أخوه هارون الرشيد الذي كان يخاطب السحابة في كبد السماء، ويقول لها: أيتها السحابة في أي مكان شئت أمطري فسوف يحمل إلي خراجك إن شاء اللـه تعالى.

لما نام على فراش الموت بكى هارون قال لإخوانه: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه!!

فحملوه إلى قبره، فنظر هارون إلى قبره وبكى ورفع رأسه إلى السماء: وقال يا مَنْ لا يزول مُلكه ارحم من زال ملكه.

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون:115-116].

قال لقمان الحكيم لولده: أي بُنَيَّ إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا، واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تُقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها.

[1] الترمذي: (4/ 529) (38) كتاب صفة القيامة (1) باب في القيامة رقم (2417).


ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:22 AM

الدرس العشرون: أسباب سوء الخاتمة

السيد مراد سلامة

الحمد لله ربِّ العالمين إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، سبحانه سبحانه بهرت عظمته قلوب العارفين، وأظهرت بدائعه لنواظر المتأملين، نصب الجبال فأرساها، وأرسل الرياح فأجراها، ورفع السماء فأعلاها، وبسط الأرض فدحاها، الملائكة من خشيته مشفقون، والرسل من هيبته خائفون، والجبابرة لعظمته خاضعون، ﴿ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ [الروم: 26].

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الأحد، القيوم الصمد، الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ، لا مغيث غير الله، ولا مجير غير الله، ولا معين غير الله، ولا ناصر غير الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى والرسول المجتبى الرحمة المهداة والنعمة المسداة، صاحب المقام المحمود والحوض المورود الشفاعة العظمى، سيد الأولين والآخرين على الله ولا فخر.

اللهم صلِّ عليه وسلم على أله وأصحابه الطيبين الأبرار الذين كانوا فيما بينهم رحماء، فرضي عنه رب الأرض والسماوات وعن التابعين وتابعين بإحسان إلي يوم الدين؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران/102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 69-71].

أما بعد، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ - فِيْمَا يَرَى النَّاسُ - عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلْ فِيْمَا يَرَى الْنَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيْمِهَا»[1].

قال ابن بطال: وفي تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا، فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء[2].

لأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ خَوْفُ الصَّالِحِيْنَ مِنْ سُوَءِ الْخَاتِمَةِ شَدِيْدًا، يَقُوْلُ أَحَدُهُمْ: خَوْفُ الصَّالِحِيْنَ مِنْ سُوَءٍ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ كُلِّ خَطرَةٍ وَحَرَكَةٍ، وَيَقُوْلُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا أَحَدٌ أَمِنَ عَلَى إِيْمَانِهِ أَلاَّ يُسْلَبَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلاَّ سُلِبَهُ، وَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ سُفْيَانَ الْثَّوْرِيَّ رحمه الله جَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَمِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: لاَ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ أُسْلَبَ الإِيْمَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ[3].

فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبين الخاتمة الحسنة؛ قال ابن القيم رحمه الله: وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى[4].

قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: ولسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسبابٌ ولها طرقٌ وأَبوابٌ، وأَعظمها الانكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها، والإِعراض عن الآخرة والإِقدام والجرأة على معاصي الله، وربما غلب على الإِنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية، وجانب من الإِعراض، ونصيب من الجرأة والإِقدام، فملك قلبه وسبى عقله، فربما جاءه الموت على ذلك، وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلَح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم ولله الحمد، وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة، أو إصرار على الكبيرة، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى نزل به الموت قبل التوبة[5]؛ اهـ.

1- فساد المعتقد والابتداع في دين الله:
فإن من أعظم أسباب سوء الخاتمة أن يعتقد العبد اعتقادًا يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أن يكون من أهل البدع والأهواء، فإن هؤلاء يتخطهم الشيطان في حياتهم وعند مماتهم؛ يقول الشيخ أحمد فريد حفظه الله: "فإن أهل البدع هم أكثر الناس شكًّا واضطرابًا عند الموت، وذلك لسوء معتقدهم وفساد قلوبهم، ومرضها بالشـبهات والشكوك، وقد يظهر لهم من معـاينة أمور الآخرة عند الموت ما يظهر فساد معتقدهم، وسوء منقلبهم فيدفعهم ذلك إلى اليأس والقنوط، فأهـل السنة هم أكثر الناس ثباتًا على أقوالهم ومعتقداتهم، فالثبات على الحق هو سيما أهل الحق، قال هرقل لأبي سفيان بن حرب سائلًا عن أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً له، قال: لا، قال كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فأهل السنة والجماعة هم أعظم الناس صبرًا وثباتًا على أقوالهم ومعتقداتهم، وأهل البدع أكثر الناس شكًّا واضطرابًا في الحياة وعند الممات؛ ا. هـ.

وتأمل قول الباري - جل جلالة - وهو يبن خيبة وخسران أهل الشرك والأهواء والعصيان، فيقول: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ [الزمر: 47].

يقول وهو يخبر عبادها بأحوال الخاسرين أعمالًا: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 103، 104]".

وتأمل أحوال أهل الاعتقاد الفساد عند الموت يخبرون بما صاروا إليه ونهاية سعيهم؛ حتى يكون عبرة، فهذا ابن الفارض - قبَّحه الله - الذي كان يعنق بالاتحاد، ويقول بحلول الله جل وعلا في مخلوقاته، وأن الرب عبد والعبد رب، عندما حضرته الوفاة يخبر بما هو صائر إليه ويعبر عن شقوته وخيبته وخسرانه، فيقول:
إن كان منزلتي في الحب عندكم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ما قد رأيت فقد ضيَّعت أيامي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أمنية ظفرت نفسي بها زمانًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
واليوم أحسبها أضغاث أحلام https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



2- ومن أسباب سوء الخاتمة مخالفة الباطن للظاهر:
ومخالفة الظاهر للباطن من أعظم وأخطر الأمور التي تؤدي إلى سوء الخاتمة، إنه النفاق الذي هو سوس الأمة، فكم من إنسان إذا رأيته حسبته من الصالحين، ويحمل بين طيات جنبه كفرًا دفينًا وحقدًا وحسدًا على المخلصين؛ لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار.

فقوله: فيما يبدو للناس يدل على أن باطنه خلاف ظاهرة، ولا يمكن أن تسوء خاتمة من صلح ظاهرة وباطنه، والله أعلم.

قال الحافظ أبن الجوزي - رحمه الله - واسم الرجل قزمان، وكان قـد تخلف عن المسلمين يوم أحد، فعيَّره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أول من رمي بسهم، ثم صار إلى السيف ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كسر جفن سيفه، وجعل يقول: أحسن من الفرار، فمر به قتادة بن النعمان، فقال له هنيئًا لك بالشهادة، فقال: والله ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حسب قومي، ثم أقلقته الجراحة، فقتل نفسه.

3- ومنها الذنوب والمعاصي:
فالمعاصي بريد الكفر؛ قال ابن القيم - رحمه الله - ومن عقوباتها - يعني الذنوب والمعاصي - أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه وميعاده، إلى أن قال: هذا وثم أمر أخوف من ذلك أدهى منه وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثير من المحتضرين أصابَهم ذلك حتى قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فقال آه آه لا أستطيع أن أقولها، وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فقال: "شاه رخ" اسم لأحجار الشطرنج، غلبتُك، ثم قَضَى، وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فقال:
يا رب قائلة يومًا وقد لغبت https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كيف الطريق إلى حمام منجاب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتنا تنتنا حتى مات.

وقيل لآخر: ذلك، فقال: ما ينفعني ما تقول ولم أدَع معصية إلا ركبتها؛ وقيل لآخر: ذلك، فقال: ما يغني عني وما أعرف أني صليت لله صلاة ولم يقلها، وقيل لآخر: ذلك، فقال: أنا كافر بما تقول ولم يلقها وقضى، وقيل لآخر: ذلك، فقال: أردت أن أقولها ولساني يمسك عنها[6].

وتلك هي سنة الله أن من عاش على شيء مات عليه؛ يقول الإمام الذهبي - رحمه الله - ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذين كان يجالسهم، فاحتضر رجل ممن كان يلعب الشطرنج فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: شاهك ثم مات، فغلب على لسانه ما كان يعتاده حال حياته في اللعب، فقال عوض كلمة التوحيد شاهك، وهذا كما جاء في إنسان آخر ممن كان يجالس شرَّاب الخمر أنه حين حضرة المـوت، فجاءه إنسان يلقنه الشهادة، فقال له: اشرب اسقيني، ثم مات ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وهذا كما جاء في حديث مروي: "يموت كل إنسان على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه"[7].

4- التسويف بالتوبة والعمل الصالح:
فإن من أسباب سوء الخاتمة والعياذ بالله أن يسوف الإنسان بالتوبة، إذا قيل له تُب عما أنت عليه، يقول سأتوب بعد حين، وإذا قيل له صلِّ، يقول سوف أصلي، فالسين وسوف جند من جند إبليس يغري بهما ما يشاء من أوليائه؛ يقول ابن رجب في كتابه القيم "لطائف المعارف": اعلم أن الإنسان ما دام يأمل الحياة، فإنه لا يقطـع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصي وغيرها، ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت وأيس الحياة، أفاق من سكراته بشهوات الدنيا، فندم حينئذ علي تفريط ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا يتوب ويعمل صالحًا، فلا يجاب إلى شيء من ذلك، فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت، وقد حذَّر الله في كتابه عباده من ذلك ليستعدوا للموت قبل نزول بالتوبة والعمل الصالح؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [الزمر: 54 - 56].

سمع بعض المحتضرين عند احتضاره يلطم على وجهه ويقول: "يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله"، وقال آخر عند موته: لا تغرنَّكم الحياة الدنيا كما غرتني، وقال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100].

وقال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [المنافقون: 10].

وقال تعالى: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ [سبأ: 54]، "وفسر طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - بأنهم طلبوا التوبة حين حال بينهم وبينها.

وقال الحسن: اتق الله، ابن آدم لا يجتمع عليك خصلتان سكرة الموت، وحسرة الفوت.

وقال ابن السماك: احذر السكرة والحسرة أن يفاجئك الموت وأنت على الغرة، فلا يصف واصف قدرَ ما تلقى ولا قدر ما ترى[8].

[1] صحيح البخاري برقم (6493)، وصحيح مسلم برقم (2651) واللفظ للبخاري.

[2] فتح الباري (11/ 330).

[3] مختصر منهاج القاصدين (ص: 391).

[4] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: 148).

[5] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: 146، 148).

[6] الداء والدواء ص 141 / 143.

[7] الكبائر للذهبي 76-77، والحديث " روي مسلم بلفظ آخر " يبعث كل عبد علي ما مات عليه.

[8] لطائف المعارف ص 353-354.



ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:24 AM

الدرس الحادي والعشرون: عقوبات أكل الميراث

السيد مراد سلامة

الحمد لله لم يزل عليًّا، ولم يزل في علاه سميًّا، قطرة من بحر جوده تملأ الأرض ريًّا، نظرة من عين رضاه تجعل الكافر وليًّا، الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًّا، والنار لمن عصاه ولو شريفًا قرشيًّا، أنزل على نبيه ومصطفاه قولًا بهيًّا، ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 63].

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثاتها بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

اللهم لا تعذِّب جمعًا التقى فيك ولك، ولا تعذب ألسنًا تُخبر عنك، ولا تعذب قلوبًا تشتاق إلى لذة النظر إلى وجهك الكريم.

أمة الإسلام، إن الأمر ليس باليسير، فبعض الناس يظنه هينًا وهو عند الله تعالى عسير، فيا آكِلَ الميراث، اسمع إن كان لك قلب تلك العقوبات التي توعَّدك بها ربُّ الأرض والسماوات.

أولًا: أنه متعدٍّ لحدود الله:
اعلم - هداني الله تعالى وإياك - أن أكلك للميراث فيه تعدٍّ لحدود الله تعالى، وانتهاك لحرماته فالله سبحانه بعد أن بين الأنصبة؛ قال: ﴿ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾، ولا تُجاوزوها، ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾؛ أي: فيها، فلم يزِد بعض الورثة، ولَم ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة، بل ترَكهم على حُكم الله وفريضته وقِسمته، ﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [النساء: 13، 14]؛ أي: لكونه غيَّر ما حكَم الله به، وضادَّ الله في حُكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسَم الله وحَكَم به، ولهذا يُجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المُقيم.

ولا شك أن من منع امرأة - أختًا كانت، أم أمًّا، أم جدة أم زوجة - ميراثها، فقد ‏تعدى حدود الله، وتعرَّض لعقوبته، والله قد قسَّم الميراث قسمة عدلٍ لا جور فيها ولا ‏حيف؛ أخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوْصَى حافَ في وصيَّته، فيُختم له بشرِّ عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيَعدل في وصيَّته، فيُختم له بخير عمله، فيدخل الجنة))، قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ عَذَابٌ مُهِينٌ[1].

ثانيًا: أنه آكل حق الضعيفين:
ونقولُ لهؤلاء الذين فرَّقوا دينهم، وطبَّقوا آية وعطَّلوا أخرى، وصلَّوا ثم ظلموا، وزكَّوا ثم بَخِلوا، وصاموا ثم تركوا، وحجُّوا ثم ختموا حياتَهم بحجة إلى الشيطان: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ)[2].

ثالثًا: أنه قاطع لأرحامه:
فالله تعالى يجازي أهل الصلة بالصلة في الدنيا والآخرة، ويجازي أهل القطيعة بالقطية في الدنيا والآخرة، والجزاء من جنس العمل؛ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا من ذَنْب أَجْدَر أَن يعجل لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخرة مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْبَغْيِ"[3].

يعني: أنه تحصُل له عقوبة في الدنيا والآخرة، فيجمع له بين العقوبة الدنيوية والأخروية؛ حيث يجعل له الله العقوبة في الدنيا مع ما يدَّخر له في الآخرة، فيجمع له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، والضرر الذي يحصل في الدنيا، والضرر الذي يحصل في الآخرة، وهذا يدل على عِظم وخطورة شأن البغي وقطيعة الرحم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن صاحبهما جدير بأن يحصل له هذا وهذا، وأن يجمع له بين هذا وهذا، وهذا يدل على خطورة أمر البغي وقطيعة الرحم.

الحجب والحرمان من دخول الجنان:
فالجنة هي صلة الله التي جعلها لأهل كرامته ولأهل طاعته، فإذا قطَع المسلم رحمه حجبه الله من جنته؛ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ»؛ يعني قاطع رحم (مسلم)، ولفظ أبي داود: ((لا يدخل الجنة قاطعُ رحمٍ)[4].

وفي معنى هذا الحديث قولان:
أنه لا يدخلها من أول وهلة؛ أي: إنه يتأخر في دخول الجنة، وأنه يدخل النار ويعذَّب بها، ولكنه إذا دخل النار لا يستمر فيها أبدًا، بل لابد أن يخرج منها، وأن يدخل الجنة ما دام أنه مرتكبٌ لكبيرة فقط، ولا يُمنع من دخول الجنة أبدًا إلا الكفار الذين هم أهل النار، فلا سبيل لهم إلى الخروج منها أبدًا.

أنه لا يدخلها أبدًا إذا كان مستحلًّا؛ لأن استحلال الذنب كفرٌ، فيكون ذلك مانعًا من دخول الجنة أبدًا؛ لأنه يكون بذلك كافرًا، والكافر لا يخرج من النار ولا يدخل الجنة أبدًا.

صلة الله للواصل وقطعه للقاطع والطرد من رحمته:
عَنْ أبِي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِن الرَّحِمَ شُجْنة من الرَّحْمَنِ، فقال الله: من وَصَلكِ وصلتُه، ومن قَطَعَكِ قطعتُه»، وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِن اللهَ خَلَقَ الخلق، حتى إِذا فَرَغَ منهم قامَتِ الرَّحِمُ، فأخذت بحَقْوِ الرحمن، فقال: مَهْ؟ قالت: هذا مقامُ العائِذ [بكَ] من القطيعة، قال: نعم، أَمَا تَرضينَ أن أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالت: بلى، قال: فذلك لكِ، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إِن شئتم: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرضِ وَتُقَطِّعُوا أرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذينَ لَعَنَهُمُ اللهُ، فَأصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ، أَمْ على قُلُوب أقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 23، 24]»[5].

فهذا وعد من الله تبارك وتعالى أنه يصل مَن وصل الرحم، فيجب على الإنسان أن يصل أقرباءه كأبيه وعمه وخاله وأخته وعمته وخالته وأبناء أخواته وأبنائه، ولا يقطع رحمه، فالإنسان الذي يرتكب الذنوب والمعاصي، ولكنه يصل رحمه، فإن الله تعالى قد يغفر له؛ لأن صلة الرحم عظيمة جدًّا؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [محمد:22 -23].

فالذين أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم، أصمَّ الله عز وجل آذانهم وأعمى أبصارهم.

رابعًا: الإفلاس يوم القيامة:
يا آكلًا للميراث، لا تظُنَّ أن ذلك فيه الغنى، كلا بل فيه الإفلاس، ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89].

توهَّم نفسك وقد بُعثر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصدور، وقد أُوتيتَ بصلاة وزكاة وصوم وحج، ولكنك قد أكلت المواريث، انظر إلى نفسك في عرصات يوم القيامة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، قال: المفلس من يأتي يوم القيامة وله حسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد شتم هذا، وأخذ مال هذا وسفك دم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنِيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طرح في النار"[6].

خامسًا: الإثم الكبير:
اعلم علَّمني الله وإياك: أن التعدي على المواريث جُرمٌ عظيم وإثم مبين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ، وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 2].

والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثمٌ عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه.

سادسًا: أكلة الميراث أكلة النار:
أيها الأحباب، الذين يأكلون الميراث هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10].

إن اليتامى مَظنة أن يُبخسوا في الميراث، فأكل مالهم هنا ظلمًا هو بخسُهم حظَّهم في الميراث، أو أكل الأوصياء أموالهم والأخذ من مال اليتيم، سماه الله تعالى أكلًا؛ لما فيه من معنى الأخذ، وأن يَقصِد به تنميةَ ماله كما ينمِّي جسمه بالأكل، ولكنها تنمية آثمة مالها البوار، "ومن نبت لحمه من حرام فالنار أَولى به"، وقال سبحانه: (ظُلْمًا) لكمال التشنيع على الأكل؛ إذ هم يظلمون ضعيفًا لا يقوى على الانتصاف منهم، وقد ذكر سبحانه إثم ذلك الأكل بقوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكلُونَ في بُطُونِهِمْ ﴾، وهذا تصويرٌ لضرر الأكل عليهم؛ لأنه يكون أكلهم كمن يأكل النار ويضعها في بطنه؛ أي: يملأ بطنه بها، فهو في ألَمٍ دائم حتى يهلك، وكذلك دائمًا من يأكلون أموال اليتامى لَا يأكلون أكلًا هنيئًا ولا مريئًا، بل هم في وسواس دائم حتى يقضى الله عليهم، وقد رأينا بيوتًا خرِبت؛ لأنها أكلت مال اليتيم، وهذا عقابهم في حاضرهم، أما العقاب الذي ينتظرهم في الآخرة، فقال: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾؛ أي ستوقد بهم نار شديدة الأوار، يستمرون في بلاء شديد منها.

قال القاسمي رحمه الله: ما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته تعالى، وكثرة عفوه وفضله؛ لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى.

سابعًا: الفضيحة يوم القيامة:
ألا فلتعلم أن ما أكلتَ من حق أختك - من مال وعقار - ستُطوقه يومَ القيامة بإذن الله، لو ظلمتها جنيهًا سيأتي عليك نارًا، ولو ظلمتها شبرًا من أرضِ، فسيأتي حول عنقك يومَ القيامة نارًا من سبع أرضين، قال الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"[7].

وهذا الحديثُ له قصةٌ عجيبة في صحيح مسلم، وذلك أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ - وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة -: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الأرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ"، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا! فَقَالَ سَعِيدُ بْن زَيْدٍ ـ رضي الله عنه ـ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً؛ فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا! قال بعض الرواة: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ)[8]؛ أخرجه مسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "َخَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ نَهْبُ مُؤْمِنٍ، أَوْ الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، أَوْ يَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ"[9].

ثامنًا: أن أكل الميراث يدخل في السبع الموبقات:
قال - صلى الله عليه وسلم -: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ"!، "قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ)[10].

روائع من تاريخ المرأة المسلمة:
ونختم خطبتنا بروائع من تاريخ أمتنا تبيِّن العدل وتُبرز الخوف من الله تعالى، وهذه القصص هي لنسوة عرفنَ الله تعالى وقالوا: ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285].

القصة الأولى: استَمِع لهذه القصة، ومُلَخَّصها أنَّ رجلًا كان ببغداد يعمل بزَّازًا - يَبيع البزَّ؛ أي: الثياب؛ يعني: قمَّاش - له ثروة، فبينا هو في حانوته، أقْبَلَت إليه صبيَّة، فالْتَمَست منه شيئًا تَشتريه، فبينما هي تُحادثه، كشَفَت وجهها في خلال ذلك، فتحيَّر، وقال: قد والله تحيَّرت مما رأيت، فقالت: ما جِئْت لأشتري شيئًا، إنما لي أيَّام أتردَّد إلى السوق؛ ليقع بقلبي رجلٌ أتزوَّجه، وقد وقَعْت أنت بقلبي ولي مالٌ، فهل لكَ في التزوُّج بي؟ فقال لها: لي ابنة عم وهي زوجتي وقد عاهَدتها ألاَّ أُغَيِّرها، ولي منها ولد، فقالت: قد رَضِيت أن تَجِئ إليّ في الأسبوع نوبتين، فرَضِي، وقام معها فعَقَد العقد، ومضى إلى منزلها، فدخَل بها، ثم ذهب إلى منزله، فقال لزوجته: إنَّ بعض أصدقائي قد سألني أن أكون الليلة عنده، ومضى فبات عندها، وكان يمضي كلَّ يوم بعد الظهر إليها، فبَقِي على هذا ثمانية أشهر، فأنْكَرَت ابنه عمه أحوالَه، فقالت لجارية لها: إذا خرَج، فانظري أين يمضي؟ فتَبِعتْه الجارية وهو لا يدري، إلى أن دخل بيت تلك المرأة، فجاءَت الجارية إلى الجيران، فسألتْهم: لِمَن هذه الدار؟ فقالوا لصبيَّة قد تزوَّجت برجلٍ تاجر بزَّاز، فعادَت إلى سيدتها، فأَخْبَرَتْها فقالت لها: إيَّاكِ أن يعلمَ بهذا أحد، ولَم تُظهر لزوجها شيئًا، فأقام الرجل تمام السنة، ثم مَرِض ومات، وخلَّف ثمانية آلاف دينار، فعَمدت المرأة التي هي ابنة عمه إلى ما يستحقُّه الولد من التركة - وهو سبعة آلاف دينار - فأفْرَدَتْها، وقَسَمت الألف الباقية نصفين، وتَرَكت النصف في كيس، وقالت للجارية: خذي هذا الكيس واذْهَبي إلى بيت المرأة، وأعْلِميها أنَّ الرجل مات وقد خلَّف ثمانية آلاف دينار، وقد أخَذ الابن سبعة آلاف بحقِّه، وبَقِيَتْ ألف، فقَسَمتُها بيني وبينك، وهذا حقُّك، وسَلِّميه إليها، فمَضَت الجارية، فطَرَقت عليها الباب ودخَلت، وأَخْبَرَتها خبرَ الرجل، وحَدَّثتها بموته، وأَعْلَمتها الحال، فبَكَت وفتَحَت صندوقها، وأخْرَجَت منه رقعة، وقالت للجارية: عودي إلى سيِّدتك، وسَلِّمي عليها عني، وأَعْلميها أنَّ الرجل طَلَّقني، وكتَب لي براءة، ورُدِّي عليها هذا المال؛ فإني ما أستحقُّ في تَرِكته شيئًا، فرَجَعت الجارية، فأَخْبَرَتها بهذا الحديث[11].

القصة الثانية: ومن ورع نساء السلف ما حكاه الحافظ ابن الجوزي رحمه الله: أن امرأة من الصالحات كانت تعجن عجينة، فبلغها - وهي تعجن - موت زوجها، فرفعت يدها منه، وقالت: هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء[12]؛ أي: إن مال الرجل إذا توفِّي انتقل وصار ملكًا لورثته الشرعيين، فلم يُصبح لها وحدها، فلذلك رفَعت يدها من العجين، وقالت: هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء.

القصة الثالثة: وأخرى كانت تستصبح بمصباح - يعني: بالزيت أو شيء من هذا - فجاءها خبرُ زوجها، فأطفأت المصباح، وقالت: هذا زيت قد صار لنا فيه شركاء[13]؛ يعني: ما يجوز لها أن تستقل بالانتفاع به.

فيا ويل من يأكلون أموال الميراث! وينفقون أموال الطفل اليتيم في السرادقات والتفاخر، وهم لا يخافون الله سبحانه وتعالى من أكل أموال اليتامى ظلمًا، ويتلفون أموالهم في أشياء حرَّم الله أن تنفق فيها كالمباهاة والفخر.

[1] أخرجه أحمد (2 /278، رقم 7728)، وابن ماجه (2 /902، رقم 2704) (ضعيف) انظر حديث رقم: 1458 في ضعيف الجامع.

[2] أخرجه ابن ماجه (2 /1213، رقم 3678)، قال البوصيري (4 /103): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. والحاكم "الصحيحة" برقم (1015).

[3] أخرجه أحمد (5 /36) والبخاري في الأدب المفرد (29)، وأبو داود (4902)، وابن ماجه (4211) والترمذي (2511) الصحيحة 915، 978.

[4] رواه البخاري 10 / 347 في الأدب، باب إثم القاطع، ومسلم رقم (2556) في البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، وأبو داود رقم (1696) في الزكاة، باب صلة الرحم.

[5] أخرجه أحمد (2 /330، رقم 8349)، والبخاري (5 /2232، رقم 5641) ، ومسلم (4 /1980، رقم 2554).

[6] أخرجه أحمد (1 /38) (3626) والبخاري في الأدب المفرد (154 و155). ومسلم (8 /30).

[7] أخرجه أحمد (6 /64، رقم 24398)، والبخاري (3 /1167، رقم 3023)، ومسلم (3 /1231، رقم 1612).

[8] أخرجه أحمد 1 /188(1633) والبخاري" 4/130 (3198) و"مسلم" 5/58 (4141).

[9] أخرجه أحمد (2 /361 رقم 8722) صحيح الترغيب والترهيب (2/ 59) (حسن لغيره).

[10] أخرجه البخاري (3 /1017، رقم 2615)، ومسلم (1 /92، رقم 89).

[11] صفة الصفوة (2/ 533).

[12] صفة الصفوة (4/ 439).

[13] صفة الصفوة (4/ 440).


ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:30 AM

الدرس الثاني والعشرون: علاج قسوة القلب:

السيد مراد سلامة

الحمد لله الذي تفرَّد بالعز والجلال، وتوحَّد بالكبرياء والكمال، وجلَّ عن الأشباه والأشكال، ودل على معرفة فزال الإشكال، وأذلَّ مَن اعتزَّ بغيره غاية الإذلال، وتفضَّل على المطيعين بلذيذ الإقبال، بيده ملكوت السماوات والأرض ومفاتيح الأقفال، لا رادَّ لأمره ولا معقِّب لحكمه وهو الخالق الفعال، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

هو الأول والآخر والظاهر والباطن الكبير المتعال، لا يحويه الفكر ولا يحدُّه الحصر، ولا يدركه الوهم والخيال، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه الذي أيَّده بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، وزينه بأشرف الخصال، ورفعه إلى المقام الأسنى، فكان قاب قوسين أو أدنى، وخلع الجمال.

أخي المسلم، بعدما رأينا أحوال السلف في التأثر بذلك المشهد مشهد الجنازة، نأتي إلى سؤال ما هو علاج تلك القسوة؟ وكيف نخرج من تلك الغلفة؟ الجواب بحول الملك الوهاب: إن رقة قلب وغزارة دمعة منةٌ وعطية نعمة من نعم الله تعالى، ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر:22].

المعرفة بالله تعالى:
اعلم أن مَن تعرَّف على الله تعالى حق المعرفة، رقَّ قلبه ودمِعت عيناه من خشية ربه ومولاه؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28].

يقول ابن كثير رحمه الله: أي: إنما يخشاه حقَّ خشيته العلماء العارفين به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كانت المعرفة به أتَمَّ والعلم به أكملَ، كانت الخشية له أعظم وأكثر؛ عن أبي حيان [التميمي] عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله، فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله عز وجل[1].

تذكر الموت وما بعده:
ومما يعين على التأثر والخشية والإنابة أن تُكثر من تذكُّر الموت وأنه أقرب إليك، فلا تدري متى يأتيك.

زيارة القبور والتفكر في حال أهلها:
واعلموا أن العبرة من زيارة القبور أخذُ العظة والعبر من المقبور، وأن يدرك المرء أنه إلى الله تعالى راجعٌ وإن هذا هو مسكنه، كان لبعض العصاة أمٌّ تعظه ولا ينثني، فمر يومًا بالمقابر، فرأى عظمًا نخرًا فمسَّه، فانفتَّ في يده، فأنِفت نفسه، فقال لنفسه: أنا غدًا هكذا، فعزم على التوبة، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: يا إلهي، اقبلني وارحمني، ثم رجع إلى أمه حزينًا، فقال: يا أماه، ما يصنع بالآبق إذا أخذه سيده، فقالت: يَغُلُّ قدميه ويديه، ويُخشن ملبسه ومطعمه، قال: يا أماه، أُريد جبة من صوف وأقراصًا من شعير، وافعلي بي ما يفعل بالعبد الآبق من مولاه، لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني، ففعلت به ما طلب، فكان إذا جن عليه الليل، أخذ في البكاء والعويل، فقالت له أمُّه ليلةً: يا بني، ارفق بنفسك، فقال: يا أماه، إن لي موقفًا طويلًا بين يدي رب جليل، فلا أدري أيؤمر بي إلى ظل ظليل، أو إلى شر مقيل، إني أخاف عناءً لا راحة بعده أبدًا، وتوبيخًا لا عفو معه، قالت: فاسترح قليلًا، فقال الراحةَ أطلُب يا أماه، كأنك بالخلائق غدًا يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فمرت به ليلة في تهجُّده هذه الآية: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[الحجر: 92، 93].

فتفكر فيها وبكى واضطرب وغُشي عليه، فجعلت أمه تناديه ولا يجيبها، فقالت له: قرة عيني، أين الملتقى، فقال بصوت ضعيف: إن لم تجديني في عرصة القيامة، فسلي مالكًا عني، ثم شهق شهقة، فمات رحمه الله، فخرجت أمه تنادي أيها الناس هلمُّوا إلى الصلاة على قتيل النار، فلم يُر أكثرُ جمعًا ولا أغزرُ دمعًا من ذلك اليوم[2].

تذكر الآخرة والتفكر في القيامة وأهوالها:
ومما يُعينك على إذابة قسوة القلب أن تتفكَّر في ذلك اليوم الرهيب الذي يفر المرء فيه من أبيه وأمه وأخيه، أن تتفكر وأن تتوهم أنك موقوف بين يدي الله تعالى، وأنه سيحاسبك على أعمالك وأقوالك، وهذا أبو الدرداء كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء، قد علِمت، فكيف عملت فيما علمت؟ وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لَما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة، ولا دخلتم بيتًا تستظلون فيه، ولخرجتُم إلى الصعدات تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم، ولوددتُ أني شجرة تُعضد ثم تؤكل.

وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع، وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد، ووددت أني لم أُخلق وعُرضت عليه النفقة، فقال: ما عندنا عنز نحلبها وحمر ننقل عليها، ومحرر يخدمنا، وفضل عباءة، وإني أخاف الحساب فيها.

عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه: ما الذي أبكاه، فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي، ما الذي أبكاك قد رعتَ أهلك، أفمن علة أم ما بك؟ قال: فقال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ [الزمر: 47]، قال فبكى أبو حازم أيضًا معه، واشتد بكاؤهما، قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتُفرج عنه، فزدتَه، قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما[3].

كان يزيد الرُّقاشي رحمه الله يقول لنفسه: ويحك يا يزيد من ذا يترضى عنك ربك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ من الموت طالبه والقبر بيته والتراب فراشه والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر يكون حاله؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيًّا عليه[4].

قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر رحمه الله: قلت ليزيد بن مرثد: ما لي أرى عينيك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي، إن الله قد توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام، لكنت حريًّا ألا تجف لي عين، قال: فقلت له: فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، فقال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي، فيعرض لي فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي ويبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكاني، ولربما أضجَرَ ذلك امرأتي، فتقول يا ويحها: ما خصصت به من طول الحزن معك في الحياة الدنيا، ما تقر لي معك عين[5].

مجاهدة النفس ومحاسبتها ومعاتبتها:
ومما يجعلك تتأثر ويجعل قبلك يلين وعينك تدمع: المحاسبة؛ أي: أن تحاسب نفسك على أعمالك وأقوالك قبل أن تحاسب عليها يوم القيامة؛ قال خويل بن محمد: "كأن خويلًا قد وُقف للحساب، فقيل له: يا خويل بن محمد، قد عمَّرناك ستين سنة فما صنعت فيها؟ فجمعت نوم ستين سنة مع قائلة النهار، وإذا قطعة من عمري نوم، وجمعت ساعات أكلي فإذا قطعة من عمري قد ذهبت في الأكل، ثم جمعت ساعات وضوئي، فإذا قطعة من عمري قد ذهبت فيها، ثم نظرت في صلاتي، فإذا صلاة منقوصة وصومٌ منخرق، فما هو إلا عفو الله أو الهلكة".

قال إبراهيم التيمي: "مثَّلت نفسي في الجنة آكُل ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثَّلتُ نفسي في النار آكُل من زقومها، وأشرَب من صديدها، وأُعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أُرَدَّ إلى الدنيا فأعمَل صالحًا فقلت: فأنت في الأمنية فاعملي"[6].

[1] تفسير ابن كثير-ط دار طيبة (6/ 544)

[2] التبصرة لابن الجوزي (1/ 18).

[3] حلية الأولياء (3/ 146).

[4] التذكرة للقرطبي ص (124).

[5] حلية الأولياء، 5/ 164.


[6] محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص: 26).

ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:33 AM

الدرس الثالث والعشرون: لماذا يتمنى الميت الصدقة؟

السيد مراد سلامة
الحمد لله الذي نوَّر بجميل هدايته قلوب أهل السعادة، وطهَّر بكريم ولايته أفئدةَ الصادقين فأسكَن فيها وُدادَه، ودعاها إلى ما سبق لها من عنايته، فأقبلت منقادة، الحميد المجيد الموصوف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، نحمَده على ما أَولى من فضل وأفاده، ونشكره معترفين بأن الشكر منه نعمة مستفادة، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، شهادة أعدَّها من أكبر نعمه وعطائه، وأعدها وسيلة إلي يوم لقائه، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، الذي أقام به منابر الإيمان ورفع عماده، وأزال به سِنان البهتان ودفع عناده.

أحبَّتي في الله، لقد كشف للميت الغطاء، ورأى عظمَ الجزاء، رأى ثمرات تورث صاحبها جنة تجري من تحتها الأنهار، هيَّا لنرى ما رأى:
أولًا: أنها تطفئ غضب الله سبحانه وتعالى؛ كما في عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم -: "الصَّدَقَةُ تطفئ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ"[1].

ثانيًا: أنها تمحو الخطيئة، وتُذهب نارها؛ كما في قوله عَنْ جَابِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَا كَعْب أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ إِنَّهَا سَتَكُونُ أُمَرَاءُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يرد عَليّ الْحَوْض وَمن لم يدْخل عَلَيْهِم وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ الصَّلاةُ قُرْبَانٌ وَالصَّوْمُ جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كَمَا يطفئ الْمَاءُ النَّارَ، وَالنَّاسُ غَادِيَانِ فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقٌ رقبته أَو موبقها، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجنَّة لحم نبت من سحت"[2].

ثالثًا: أنها وقاية من النار؛ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ، وَقَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»[3].

رابعًا: أن المتصدق في ظل صدقته يومالقيامة؛ عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "كلُّ امْرِئ فِي ظِلِّ صَدقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ"، قَالَ يَزِيدُ: فَكَانَ أبو الْخَيْرِ مَرْثَدٌ لا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إلاَّ تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَيءٍ، وَلَوْ كَعْكَة، أوْ بَصَلَةً"[4].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا فِي الْمَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ: إِنَّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ"[5].

خامسًا: أن في الصدقة دواءً للأمراض البدنية؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ"[6].

يقول ابن شقيق: (سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فاحفر بئرًا في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن تنبُع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ)[7].

سادسًا: أن الله يضاعف للمتصدق أجره؛ كما في قوله عز وجل: ﴿ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ [الحديد:18]، وقوله سبحانه: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة:245].

سابعا: أن صاحبها يُدعى من باب خاص من أبواب الجنة يقال له باب الصدقة؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ"، قَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»؛ هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.

ثامنًا: أن العبد إنما يصل حقيقة البر بالصدقة؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران:92].

تاسعًا: أنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ ﴾[البقرة:272]؛ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟»، قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا، قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا»[8].

عاشرًا: أن الله يدفع بالصدقة أنواعًا من البلاء؛ كما في وصية يحيى عليه السلام لبني إسرائيل: عن الحَارِثَ الأَشْعَرِيَّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَهُ، فقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا - وذكر منها - وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ العَدُوُّ، فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ[9].

فالصدقة لها تأثيرٌ عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض مقرون به؛ لأنهم قد جربوه.

الحادي عشر: أن المنفق يدعو له الملك كل يوم بخلاف الممسك؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا [في الصحيحين].

الثاني عشر: أن صاحب الصدقة يبارك له في ماله؛ كما أخبر النبيصلى الله عليه وسلم؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ"[10].

الثالث عشر: أنها متى ما اجتمعت مع الصيام واتباع الجنازة وعيادة المريض في يوم واحد - إلا أوجب ذلك لصاحبه الجنة؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[11].

[1] (أخرجه الترمذي "664 صحيح بمجموع طرقه وشواهده ).

[2] أخرجه أحمد (3/ 321 ، رقم 14481).

[3] أخرجه البخاري (6539)، ومسلم (1016).

[4] أخرجه أبو يعلى 3/ 300 - 301

[5] أخرجه : البخاري 2/ 138 ( 1423 ) ، ومسلم 3/ 93 ( 1031 ) ( 91 ) .

[6] صَحِيح الْجَامِع: 3358 , صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب:744

[7] السير للذهبي (8/ 407).

[8] أخرجه الترمذي (4/ 644، رقم 2470) انظر الصَّحِيحَة: 2544

[9] صَحِيح الْجَامِع: 1724, صحيح الترغيب والترهيب: 552.

[10] أخرجه مسلم 8/ 21 ( 2588 ) ( 69 ).

[11] أخرَّجه البخاري في «الأدب المفرد» (515) ومسلم (3/ 92) و(7/ 110).

ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:35 AM

الدرس الرابع والعشرون: التحذير من اللامبالاة بالكلمة وأثرها

السيد مراد سلامة


الحمد لله الذي تفرَّد بجلال ملكوته، وتوحَّد بجمال جبروته، وتعزَّز بعُلوِّ أحديته، وتقدَّس بسُموِّ صمديته، وتكبَّر في ذاته عن مضارعة كل نظيرٍ، وتنزَّه في صفائه عن كل تناهٍ وقصورٍ، له الصفات المختصة بحقِّه، والآيات الناطقة بأنه غير مشبه بخلقه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، شهادة موقن بتوحيده، مستجير بحسن تأييده.
يا واحد في ملكه أنت الأحد https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولقد علِمت بأنك الفرد الصمدُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لا أنت مولودٌ ولست بوالدٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كلا ولا لك في الورى كفوًا أحدُhttps://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه.

اعلم - علمني الله وإياك -: أن الكلمة شأنها خطير وضررها عظيم، فهي مفتاح كل خير، أو مفتاح كل شر، وبها ينال العبد الرضا والرضوان، أو ينال السخط والخيبة والخسران، فكم من كلمة رفَعت صاحبها إلى عنان السماء، ونال بها الرفعة في الدنيا والآخرة، وكم من كلمة أورثت صاحبها الذل والمهانة، ولذا قيل:
احفظ لسانك أيها الإنسان https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لا يلدغنَّك إنه ثعبان https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كم في المقابر من قتيل لسانه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كانت تهاب لقائه الشجعانُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



وهيَّا لنقف مع ابن القيم - رحمه الله - وهو يوضح لنا خطورة الكلمة يقول - رحمه الله -: وأما اللفظات فحفظُها بألا يُخرِجَ لفظةً ضائعةً، بل لا يتكلَّم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر هل فيها ربح وفائدة أم لا، فإنْ لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوته بها كلمة هي أربح منها، فلا يضيِّعها بهذه.

وإذا أردت أن تستدلَّ على ما في القلب، فاستدِلَّ عليه بحركة اللسان، فإنه يُطلِعُ ما في القلب شاء صاحبه أم أبى.

قال يحيي بن معاذ:القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر الرجل حين يتكلَّم، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه: حلو وحامض، وعذب وأجاج، وغير ذلك، ويبيِّن لك طعم قلبه اغترافُ لسانه؛ أي: كما تطعم بلسانك طعمَ ما في القدر من الطعام، فتدرك العلم بحقيقته، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه من لسانه، كما تذوق ما في القدر بلسانك، وفي حديث أنس المرفوع: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا ‌يَسْتَقِيمُ ‌إِيمَانُ ‌عَبْدٍ ‌حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»[1].

سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ النَّاسُ النَّارَ، فَقَالَ: «‌الْفَمُ ‌وَالْفَرْجُ "»[2].

وقد سأل معاذ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن العمل الذي يُدخله الجنة ويباعده من النار، فأخبره برأسه، وعموده، وذروة سنامه، ثم قال: ثُمَّ قَالَ ‌أَلَا ‌أُخْبِرُكَ ‌بِمِلَاكِ ‌ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ:» اكْفُفْ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَإِنَّا لَمَأْخُوذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»[3].

ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة، وشرب الخمر ومن النظر المحرَّم، وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجلَ يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلَّم بالكلمات من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يزِلُّ بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب! وكم ترى من رجل متورِّع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول[4].

ويقول النووي - رحمه الله -: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة والسلامة لا يَعدِلها شيء؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ ‌خَيْرًا ‌أَوْ ‌لِيَصْمُتْ»[5].

وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي ألا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة، فلا يتكلم.

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حفظ اللسان مع حفظ الفرج جوازًا إلى الجنة، ونجاة من النار، فمن ضمن اللسان والفرج ضمِن له النبي صلى الله عليه وسلم الجنة؛ عَنْ ‌سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌مَنْ ‌يَضْمَنْ ‌لِي ‌مَا ‌بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ»[6].

قال الحافظ: الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية، فأطلق الضمان وأراد لازمه وهو أداء الحق الذي عليه، فالمعنى من أدَّى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عما لا يعنيه، وأدى الحق الذي على فرْجه من وضعه في الحلال، وكفه عن الحرام، وقوله: (لحييه)، هما العظمان في جانبي الفم، والمراد بما بينهما اللسان، وما يتأتَّى به النطق، وبما بين الرجلين الفرج»[7].

وفي بيان أن اللسان قائد الأعضاء في الاستقامة والاعوجاج، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ أَعْضَاءَهُ تُكَفِّرُ لِلِّسَانِ، تَقُولُ: ‌اتَّقِ ‌اللهَ ‌فِينَا، فَإِنَّكَ إِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا»[8].

تكفير الأعضاء للسان كناية عن تنزيل اللسان منزلة الكافر بالنعم، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم اللسان أخوفَ ما يُخاف؛ عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: " قُلْ: رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ، «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا ‌أَخْوَفُ ‌مَا ‌تَخَافُ ‌عَلَيَّ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا»[9].

خوف السلف من اللامبالاة بالكلمة:
هيَّا لنقف مع الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وكيف أنهم كانوا يخافون من خطورة الكلمة واللامبالاة بها:
أبو بكر الصديق - رضي الله عنه روى عمر - رضي الله عنه- «أنه دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبِّذ لسانه، فقال له عمر: مه، غفر الله لك، قال أبو بكر هذا الذي أوردني الموارد».

عبد الله بن عباس رضي الله عنه حبر الأمة وترجمان القرآن، عن سعيد الجريري عن رجل قال: رأيت ابن عباس آخذًا بثمرة لسانه وهو يقول: «ويحك ‌قل ‌خيرًا ‌تغنَم، واسكُت عن شر تسلَم»، فقال له رجل: يا أبا عباس، ما لي أراك آخذًا بثمرة لسانك تقول: كذا وكذا؟ قال: «إنه بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيء أحنق منه على لسانه».

عبد الله بن أبي زكريا - رحمه الله - قال: «‌عالجت ‌الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة، قل أن أقدِر منه على ما أريد، قال: وكان لا يدع يغتاب في مجلسه، أحد يقول: إن ذكرتُم الله أعناكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم».

عبد الله بن وهب - رحمه الله - قال: «نذرتُ أني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا، فأجهدني، فكنت ‌أغتاب ‌وأصوم، فنويتُ أني كلما اغتبتُ إنسانًا أن أتصدَّق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة».

قال الإمام النووي - رحمه الله - في الأذكار: بلغنا أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: ‌كم ‌وجدت ‌في ‌ابن ‌آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تُحصى، والذي أحصيتُه ثمانيةُ آلاف عيب، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها سترتَ العيوبَ كلَّها، قال: ما هي: قال: حفظ اللسان».

قال سفيان الثوري - رحمه الله - لأصحابه: «قال أخبروني لو كان معكم من ‌يرفع ‌الحديث ‌إلى ‌السلطان، أكنتم تتكلمون بشيء، قالوا لا، قال: فإن معكم من يرفع الحديث إلى الله عز وجل».
‌كأن ‌رقيبًا ‌منك ‌يرعى خواطري https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وآخر يرعي ناظري ولساني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فَمَا رمقت عيناي بعدك منظرًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يسوؤك إلا قُلْت: قَدْ رقاني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا بدرت من فِي دونك لفظة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لغيرك إلا قُلْت: قَدْ سماني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا خطرت فِي السر بعدك خطرة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لغيرك إلا عرجًا بعناني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وإخوان صدق قَدْ سئمت حَدِيثهم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأمسكت عَنْهُم ناظري ولساني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَمَا الزهد أسلي عَنْهُم غَيْر أنني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وجدتُك مشهودي بكل مكان https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



‌ما ‌ظنُّك ‌بمن ‌يحصي جميع كلماتك، ويضبط كل حركاتك، ويشهد عليك بحسناتك ترفع الصحائف وهي سود وعمل المنافق مردود، يحضره الملكان لدى المعبود، يا شر العبيد ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ [ق: 17].

يضبطان على العبد ما يجري من حركاته، وما يكون من نظراته وكلماته واختلاف أموره وحالاته، لا ينقص ولا يزيد ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ [ق: 17].

قوله تعالى: ﴿ عَنِ ‌الْيَمِينِ ‌وَعَنِ ‌الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾؛ أي: ما يتكلم من كلام فيلفظه أي يرميه من فيه إلا لديه رقيب عتيد؛ أي: حافظ وهو الملك الموكل به، والعتيد الحاضر معه أينما كان.

سجعٌ على قوله تعالى: ﴿ عَنِ ‌الْيَمِينِ ‌وَعَنِ ‌الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾، يا كثير الكلام حسابك شديد، يا عظيم الإجرام عذابك جديد، يا مؤثرًا ما يضرُّه ما رأيك سديد، يا ناطقًا بما لا يجدي ولا يفيد، ﴿ مَا ‌يَلْفِظُ ‌مِنْ ‌قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18].

كلامك مكتوب وقولك محسوب، وأنت يا هذا مطلوب، ولك ذنوب وما تتوب، وشمس الحياة قد أخذت في الغروب، فما أقسى قلبك من بين القلوب، وقد أتاه ما يصدع الحديد ﴿ عَنِ ‌الْيَمِينِ ‌وَعَنِ ‌الشِّمَالِ قَعِيدٌ[10].


[1] أخرجه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (9)، وفي "مكارم الأخلاق" (342)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (887).

[2] أخرجه الترمذي "2004" في البر والصلة: باب ما جاء في حسن الخلق.

[3] أخرجه ابن ماجه (3973)، والترمذي (2616).

[4] الداء والدواء (ص 204/205)؟

[5] أخرجه البخاري في "صحيحه" (6019)، (6476).

[6] أخرجه البخاري [1609، 6422]، والترمذي [2408]، وأحمد [5/ 333].

[7] فتح الباري لابن حجر (11/ 309).

[8] أخرجه الترمذي في "الزهد" باب "6": ما جاء في حفظ اللسان.

[9] شأن الكلمة في الإسلام (ص 16-18) وأخرجه الترمذي (2410)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (7)، وابن حبان (5699)، والبيهقي في "الشعب" (4920).

[10] التبصرة (ص:617).


الساعة الآن 04:21 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009