ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   قسم المناسبات الدينية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=69)
-   -   دروس رمضانية السيد مراد سلامة (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30553)

ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:38 AM

الدرس الخامس والعشرون: موانع قبول العمل العشر

السيد مراد سلامة


الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مقدِّر الأقدار، مصرِّف الأمور مكوِّر الليل على النهار، تبصرة لأولى القلوب والأبصار، الذي أيقظ من خلقه مَن اصطفاه، فأدخله في جملة الأخيار، ووفَّق من اختار من عبيده، فجعله من الأبرار، وبصَّر مَن أحبَّه للحقائق فزهِدوا في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهب لدار القرار، واجتناب ما يسخطه والحذر من عذاب النار.

وأشهد أن لا إله إلا الله إقرارًا بوحدانيته، واعترافًا بما يجب على الخلق كافة من الإذعان لربوبيته.

يا رب إن ذنوبي في الورى كثُرت https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وليس لي عمل في الحشر ينجيني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقد أتيتك بالتوحيد يصحبه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
حبُّ النبي وذاك القدر يكفيني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه....

أما بعد: فحياكم الله أيها الأخوة الأفاضل، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوَّأتم جميعًا من الجنة منزلًا، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

حديثنا اليوم عن أمر خطير ألا وهو موانع قبول الأعمال، فهناك موانع كثيرة أذكر منها في هذا اليوم عشرة، فأعيروني القلوب والأسماع.

المانع الأول: ألا يكون صاحب العمل مؤمنًا بالله عز وجل:
معاشر الموحدين، هذا هو المانع الذي يقبل لصاحبه عمل، فلو تقرب العبد إلى الله عز وجل بقربات كثيرة من صلاة وصيام وغيرها، وهو مشرك بالله عز وجل الشرك الأكبر، وذلك بصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، فإنه بذلك لا ينتفع بأي عمل صالح عند الله عز وجل؛ لأن توحيد الله عز وجل والبراءة من الشرك وأهله، يُعَدُّ الشرطَ الأعظم في الانتفاع من بقية الأعمال والأقوال، وبدون ذلك تُحبط جميع الأعمال؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 65]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام:88].

قال: محمد رشيد- رحمه الله -: أَيْ وَلَوْ فُرِضَ أَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ أُولَئِكَ الْمَهْدِيُّونَ الْمُجْتَبَوْنَ، لَحَبِطَ - أَيْ بَطَلَ - وَسَقَطَ عَنْهُمْ ثَوَابُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ بِزَوَالِ أَفْضَلِ آثَارِ أَعْمَالِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمُ الَّذِي هُوَ الْأَسَاسُ لِمَا رُفِعَ مِنْ دَرَجَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللهِ تَعَالَى لَمَّا كَانَ مُنْتَهَى الْكَمَالِ الْمُزَكِّي لِلْأَنْفُسِ، كَانَ ضِدُّهُ وَهُوَ الشِّرْكُ مُنْتَهَى النَّقْصِ وَالْفَسَادِ الْمُدَسِّي لَهَا، وَالْمُفْسِدِ لِفِطْرَتِهَا، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ تَأْثِيرٌ نَافِعٌ لِعَمَلٍ آخَرَ فِيهَا - يُمْكِنُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَجَاتُهَا وَفَلَاحُهَا[1].

وقوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ [الأنبياء:94].

إن الشرك بالله تعالى من أخطر الأعمال التي تُقصي العبد عن رحمة الكبير المتعال، وتجعل الأعمال كسراب يحسبه الظمآن ماءً؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [النور: 39].

المانع الثاني: إرادة العبد بعمله الدنيا وليس الآخرة:
أمة الإسلام، قد يكون العبد مؤمنًا بالله تعالى، ولكنه يقع في الشرك الخفي، ألا وهو الرياء من حيث لا يشعر، والنبي صلى الله عليه وسلم حذرنا منه، وأخبرنا أنه أخفى من دبيب النمل؛ كما في حديث أبي علي - رجلٍ من بني كاهلٍ - قال: خطبَنا أبو موسى الأشعريُّ، فقال: يا أيها الناسُ، اتَّقوا هذا الشركَ، فإنه أخفى من دبيبِ النملِ، فقام إليه عبدُ الله بن حَزَن وقيسُ بن المُضارِب فقالا: والله لَتخْرُجَنَّ مما قلتَ، أو لنأتينَّ عُمَرَ مأذونًا لنا أو غيرَ مأذونٍ، فقال: بل أخرجُ مما قُلتُ، خطبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ، فقال: "يا أيها الناسُ، اتّقُوا هذا الشركَ، فإنه أخفى من دبيبِ النَّملِ"، فقال له من شاءَ اللهُ أن يقولَ: وكيف نَتَّقيه وهو أخفى من دبيبِ النملِ يا رسول الله، قال: "قولوا: اللهمَّ إنّا نَعوذُ بك من أنْ نُشركَ بك شيئًا نَعلمُه، ونستغفرُكَ لما لا نعلمُه"[2].

ذلك هو محض الرياء والسعي وراء الشهرة والأنا، وهذا مانع كبير يحول بين العبد وبين أن ينتفع بعمله يوم القيامة، وهذا يكثُر في عمل المرائين والمريدين بأعمالهم شهرة أو منصبًا أو مالًا، أو أي عرض من أعراض الدنيا الفانية، فهؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة من تلك الأعمال الملوَّثة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴾ [هود: 15].

قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يُظلمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا، صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله: أُوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين.

وهكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد.

وقال أنس بن مالك، والحسن: نزلت في اليهود والنصارى. وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء.

وقال قتادة: من كانت الدنيا همه وَسَدَمه[3]، وطَلِبَته ونيته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها جزاءً، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة، وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا[4].

وها هم بين يدي الله تعالى؛ ليحاسبهم على أعمالهم وليجازيهم على نياتهم؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ لَهُ نَاتِلٌ الشَّامِيُّ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "‌إِنَّ ‌أَوَّلَ ‌النَّاسِ ‌يُقْضَى ‌فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى قُتِلْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ فِيكَ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ هُوَ عَالِمٌ، فَقَدْ قِيلَ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَّادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ"[5].

عبدِ الله بنِ عمرٍو قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: ((إنْ قاتلت صابرًا محتسبًا، بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإنْ قاتلتَ مُرائيًا مُكاثرًا، بعثَك الله مُرائيًا مُكاثرًا، على أيِّ حالٍ قَاتَلْتَ أو قُتِلْتَ، بعثكَ الله على تِيك الحالِ))[6].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (يقولُ الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشِّرك، مَنْ عَمِل عملًا أشركَ فيه معي غيري، تركته وشريكَه)[7]، وخرَّجه ابنُ ماجه، ولفظه: ((فأنا منه بريءٌ، وهوَ للَّذي أشركَ))[8].

وخرَّج الإمام أحمد عن شدَّاد بن أوسٍ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ صَلَّى يُرائِي، فقد أشرَكَ، ومنْ صَامَ يُرائِي فقد أشرَكَ، ومن تَصدَّقَ يُرائِي فقد أشرك، وإنَّ الله - عز وجل - يقولُ: أنا خيرُ قسيمٍ لِمَنْ أشرَكَ بي شيئًا، فإنَّ جُدَّةَ عَمَلِهِ قليله وكثيره لشريكِهِ الذي أشركَ به، أنا عنه غنيٌّ))[9].

المانع الثالث: أن يكون سعيه وعمله مخالفًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم:
أحبيتي في الله، اعلموا أن من شروط الانتفاع بالسعي والعمل أن يكون موافقًا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير مبتدع ولا مبدِّلٍ، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لآية الإسراء؛ حيث قال: ﴿ ‌وَسَعَى ‌لَهَا سَعْيَهَا ﴾ [الإسراء: 19]؛ أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أوضح الأدلة في أن تخلف المتابعة عن العمل يمنع من الانتفاع به عند الله عز وجل؛ عن عَائِشَةَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "‌مَنْ ‌عَمِلَ ‌عَمَلًا ‌لَيْسَ ‌عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَأَمْرُهُ رَدٌّ"[10].

ومن هنا وجب الحذر من الابتداع والتعبد لله عز وجل بما لم يأذَن به سبحانه، أو يُشرِّعه رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن التفريط في ذلك يضيِّع على العبد سعيه وعمله، ولو كان صاحبه مخلصًا لله فيه مريدًا منه الدار الآخرة؛ لأن قبول العمل عند الله عز وجل مقيد بالشروط السالفة الذكر مجتمعةً كلها في العمل، فلو تخلف واحدٌ منها بطل العمل وحِيلَ بين صاحبه وبين الانتفاع منه.

المانع الرابع: حقوق العباد ومظالِمُهم:
من موانع الانتفاع بالأعمال مظالم الناس والتعدي على حقوقهم وأعراضهم؛ يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ [الزمر:30-31]، والخصومة تكون فيما بين العباد من مظالم؛ فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: لما أُنزلت هذه الآية قال: أيْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم! أيكرَّر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: «نعم ليُكررنَّ عليكم حتى يؤدَّى إلى كل ذي حقٍّ حقَّه»[11]، قال الزبير: والله إن الأمر شديد.

ومن الأحاديث المشهورة في ذلك حديث المفلس وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟))، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)[12].

المانع الخامس: النفاق:
أيها الكرام، إن من موانع قبول الأعمال النفاق، والنفاق مأخوذ من النفق، وهو السرب في الأرض الذي يُستَتَر فيه، سُمِّي النفاق بذلك؛ لأنَّ المنافق يستر كفرَه، وبهذا قال أبو عبيد.


النفاق شرعًا: هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر.


وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بهذا المعنى الخاص، وإن كان أصله الذي أُخذ منه في اللغة معروفًا.


العبادات لا تقبل من المنافقين:
بيَّن الله لنا أن من موانع قبول الأعمال النفاق، وأن أعمالهم مردودة عليهم في عليهم حسرة يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء:142]، الآية قد أخبر الله فيها عن المنافقين أنهم يُصلون ويزكون، وأنه لا يقبل ذلك منهم، ومثلها قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة:54].

إن من أوصاف المنافقين أنهم ارتضوا الخداع والكسل عند الصلاة والمراءاة بها، وهذه أوصاف مشينة، وفيه تحذيرٌ للمؤمن من هذه الأوصاف، فلا ينبغي للمؤمن أن يخادع، بل يجب أن يكون أمره واضحًا، وكذلك على المؤمن أن يقوم إلى الصلاة برغبة ولا يقوم بكسلٍ وتثاقل، وكذلك يحذر المؤمن من الرياء، ويُخلص عمله لله، فإن الرياء من صفات المنافقين، وعدم ذكر الله عز وجل كثيرًا من صفاتهم أيضًا، فهذه أربعة أوصاف من أوصاف المنافقين: الخداع، والكسل عند إقامة الصلاة، والرياء، وقلة ذكر الله.

سبب عدم قبول عبادات المنافقين:
بيَّن الله سبحانه وتعالى أن المنافقين لا تُقبل منهم نفقاتهم، ولا تُقبل صلاتهم، وبين العلة، وهي كفرهم بالله ورسوله، فقال تعالى: ﴿ مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 54].

[1] تفسير المنار، (7 / 492).

[2] مسند أحمد، 4/408، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (716) «صحيح الترغيب والترهيب» (1/ 121): «حسن لغيره»

[3] السَّدَم: اللَّهَجُ والوُلوعُ بالشيء (في الدر النثير: قال الفارسي: هو همّ في ندم) النهاية في غريب الأثر (2/ 899).

[4] تفسير ابن كثير - (4 / 310).

[5] أخرجه أحمد ح 8260 رواه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار ورقم (1905).

[6] أخرجه أبو داود ح (2519)، وأخرجه أيضًا الحاكم 2/ 85 و112، والبيهقي 9 /168 من حديث عبد الله بن عمرو به، وإسناده ضعيف؛ فإنَّ العلاء بن عبد الله مقبول حيث يتابع ولم يتابع.

[7] أخرجه مسلم، ح 2985.

[8] أخرجه ابن ماجه ح (4202)، وأخرجه الطيالسي (2559)، وأحمد 2/301 و435، وأبو يعلى (6552).

[9] أخرجه أحمد 4/126، وأخرجه الطيالسي (1120)، والطبراني في " الكبير " (7139)، والحاكم 4/329.

[10] رواه مسلم، ح/3243.

[11] الترمذي، 9/11، وقال حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد، 1/ 167.

[12] خرجه أحمد ح 8016 مسلم، كتاب البر والصلة، ح/ 2581.

ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:40 AM

الدرس السادس والعشرون: تابع موانع قبول الأعمال

السيد مراد سلامة

الحمد لله البعيد في قُربه، القريب في بعده، المتعالي في رفيع مجده، عن الشيء وضده، الذي أوجد بقدرته الوجود بعد أن كان عَدمًا، وأودع كل موجود حكمًا، وجعل العقل بينهما حَكَمًا، ليميز بين الشيء وضدِّه، وألْهَمه بما علَّمه فعلم مُرَّ مذاق مصابه من حلاوة شهده، فمن فكر بصحيح قصده، ونظر بتوفيق رُشده، علم أن كل مخلوق موثوق في قبضتي شقائه وسعده، مرزوقٌ من خزائن نعمه ورفده.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه.
صلوا على هذا النبي الكريم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تَحْظَوْا من الله بالأجر العظيم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وتظفَروا بالفوز من ربكم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وجنة فيها نعيم مقيم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
طوبى لعبد مخلص في الورى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
صلى على ذاك الجناب الكريم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، وتمسَّك بسنته، واقتدى بهديه، واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين ونحن معهم يا أرحم الراحمين.

المانع السادس: معصية الله في الخلوات:
اعلم علمني الله وإياك أن من أسباب عدم الانتفاع بالأعمال، وردِّها على صاحبها انتهاك محارم الله تعالى في الخلوات؛ في سنن ابن ماجه بسند جيد من حديث عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «‌لَأَعْلَمَنَّ ‌أَقْوَامًا ‌مِنْ ‌أُمَّتِي ‌يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»[1].

قال محذرًا بلال بن سعد رحمه الله: "لا تكن وليًّا لله في العلانية وعدوًّا له في السر"؛ ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ [العلق: 14].
إذا ما خلوتَ الدهر يومًا فلا تقل https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
خلوت ولكن قل عليَّ رقيبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ [النساء: 108].

إذا خلو بالمعاصي بين الحيطان والجدران ارتكبوها وفعلوها، ولا يبالون بنظر الله عز وجل لهم، ولا باطلاع الله تبارك وتعالى إليهم.

لخص أحد علماء السلف رحمهم الله نتيجة ذنوب الخلوات في جملة وكأنها معادلة حسابية، فقال رحمه الله (ذنوب الخلوات.... انتكاسات، وطاعات الخلوات.... ثبات).

المانع السابع: الـمَنٌّ الأعمال:
اعلم زادك الله علمًا أن من موانع قبول الأعمال المنَّ بها، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264].

يأيها المؤمنون، لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، فيكون مثلكم كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء، لا من أجل رضا الله، وإن مثل هذا المنافق في انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياءً وحبًّا للظهور مثل حجر أملس لا ينبت شيئًا، ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه منتج، فنزل المطر الشديد فأزال ما عليه من تراب، فانكشف حقيقته وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا يصلح لإِنبات أي شيء عليه؛ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: ‌خَابُوا ‌وَخَسِرُوا، ‌مَنْ ‌هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»[2].

قال الخطابي في المعالم: المنان يتأول على وجهين:
أحدهما: من المنة وهي إن وقعت في الصدقة أبطلت الأجر، وإن كانت في المعروف كدرت الصنيعة وأفسدتها.

والوجه الآخر: أن يراد بالمن النقص يريد النقص من الحق والخيانة في الوزن والكيل، ونحوهما، ومن هذا قال الله سبحانه: ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ [القلم: 3]؛ أي: غير منقوص، قالوا ومن ذلك يسمى الموت منونًا؛ لأنه ينقص الأعداد ويقطع الأعمار انتهى[3].

المانع الثامن: مولاة غير المسلمين:
اعلم علمني الله وإياك أن من موانع قبول الأعمال وذهابها هباءً منثورًا، موالاة غير المسلمين من اليهود والنصارى والكفرة الملحدين المعاندين المعادين لله رب العالمين، ولنبيه - صلى الله عليه وسلم - الأمين، يقول أحكم الحاكمين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ﴾ [المائدة: 51 - 53].

قال في تيسير الكريم الرحمن: "وأما من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر، وهو مع ذلك موادٌّ لأعداء الله، مُحب لمن نبذ الإيمان وراء ظهره، فإن هذا الإيمان زعمي لا حقيقة له، فإن كل أمر لا بد له من برهان يصدِّقه، فمجرد الدعوى لا تفيد شيئًا ولا يصدق صاحبها"[4].

والولاء والبراء أصل عظيم من أصول الدين؛ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "لا يستقيم للإنسان إسلام ولو وحَّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين, والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء"[5].

المانع التاسع: الشحناء والعداوة والبغضاء:
أخي المسلم، مما يمنع من قبول الأعمال العداوة والشحناء التي توغر الصدور، وتشعل بين الطرفين الحقد والحسد، فلا يُرفع للمتخاصِمَين عملٌ حتى يصطلحا؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ ‌حَتَّى ‌يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا"[6].

عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ مَرَّةً، قَالَ: "تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلَّ يَوْمٍ إِثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْركُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ‌اتْرُكُوا ‌هَذَيْنِ ‌حَتَّى ‌يَصْطَلِحَا، ‌اتْرُكُوا ‌هَذَيْنِ ‌حَتَّى ‌يَصْطَلِحَا"[7].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، ‌فَمَنْ ‌هَجَرَ ‌فَوْقَ ‌ثَلَاثٍ ‌فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ»[8].

عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً، ‌فَهُوَ ‌كَسَفْكِ ‌دَمِهِ"[9].

المانع العاشر: كراهية ما أنزل الله:
من محبطات الأعمال أن تكره النفس ما شرَعه الكبير المتعال وسنه سيد الرجال - صلى الله عليه وسلم - ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا ‌رِضْوَانَهُ ‌فَأَحْبَطَ ‌أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد: 28]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ ‌وَمَا ‌مَنَعَهُمْ ‌أَنْ ‌تُقْبَلَ ‌مِنْهُمْ ‌نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 54].

واعلموا عباد الله أن من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفَر))، وهذا باتفاق العلماء كما نقل ذلك صاحب "الإقناع" وغيره.

وبغض شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم - سواء كان من الأقوال أو الأفعال - نوع من أنواع النفاق الاعتقادي الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار، فمن أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أمرًا كان أو نهيًا، فهو على خطر عظيمٍ.

فمن ذلك ما يتفوَّه به كثيرٌ من الكتَّاب الملحدين الذين تغذَّوْا بألبان الإفرنج، وخلعوا ربقة الإسلام من رقابهم من كراهيتهم لتعدُّد الزوجات، فهم يحاربون تعدُّد الزوجات بشتى الوسائل، وما يعلم هؤلاء أنهم يحاربون الله ورسوله، وأنهم يردون على الله أمره.

ومثل هؤلاء في الكفر والبغض لما جاء به الرسول مَن يكره كون المرأة ليست بمنزلة الرجل؛ ككرههم أن تكون دية المرأة نصف دية الرجل، وأن شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، وغير ذلك، فهم مبغضون لقول النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، لِكَثْرَةِ اللَّعْنِ وَكُفْرِ الْعَشِيرِ، ‌مَا ‌رَأَيْتُ ‌مِنْ ‌نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: "أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ لَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ"[10].

فلذلك تجدهم يَمدون ألسنتهم نحو هذا الحديث العظيم: إما بصرفه عن ظاهره، وإما بتضعيفه، بحجة أن العقل يخالفه، وإما بمخالفته للواقع، وغير ذلك مما هو دال ومؤكِّد لبُغضهم لما جاء به الرسول.

قال الله تعالى حاكمًا بكفر مَن كَرِهَ ما أنزل على رسوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا ‌رِضْوَانَهُ ‌فَأَحْبَطَ ‌أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد: 28]، فالله - جل وعلا - أحبط أعمالهم، وجعلها هباءً منثورًا؛ بسبب كراهيتهم ما أنزل على رسوله من القرآن الذي جعله الله فوزًا وفلاحًا للمتمسكين به، المؤتمرين بأمره، المنتهين عن نهيه.

[1] أخرجه ابن ماجه (4245)، وقال الألباني: (صحيح)؛ انظر حديث رقم: 7174 في صحيح الجامع.

[2] أخرجه أحمد ح 21442 ومسلم ح 106.

[3] عون المعبود - (9 / 120).

[4] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ص787.

[5] الدرر السنية 8 / 331.

[6] أخرجه مسلم ح 4652.

[7] أخرجه مسلم ح 4653.

[8] أبو داود (4914) وقال الألباني (3/ 928): صحيح والإرواء أيضا، المشكاة (5035).

[9] أبو داود (4915)، وقال الألباني (3/ 928): صحيح- الصحيحة (3/ 925).

[10] أخرجه مسلم (79) (132)، وابن ماجه (4003).

ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:42 AM

الدرس السابع والعشرون:

موجبات النجاة العشرة من أهوال يوم القيامة

السيد مراد سلامة

الحمد لله العفو الكريم، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، جعل الحياة الدنيا دارًا للابتلاء والاختبار، ومحلًّا للعمل والاعتبار، وجعل الآخرة دارين، دارًا لأهل كرامته وقربه من المتقين الأبرار، ودارًا لأهل غضبه وسخطه من الكفار والفجار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المختار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الأخيار، ومن تبِعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار؛ أما بعد:
يا أيها الناس، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: 33].

العنصر الأول: حتمية الرجوع إلى الله:
أمة الإسلام، أخرجنا الله تعالى إلى هذه الدار وجعلها دار ابتلاء وامتحان، وأخبرنا أننا إليه راجعون، وأن الدنيا ممرٌّ لا مقر، فقال الله تعالى وهو يحدثنا عن حتمية الرجوع إليه - عَزَّ وَجَلَّ – ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281].

"ترقَّبوا وخافوا يومًا يَردُّكم الله سبحانه وتعالى إليه، فلا تملكون من أموركم شيئًا فيه، فإذا ملكتم المال في الدنيا، ففي هذا اليوم لَا تملكون شيئًا، وإذا ملكتم المنح والمنع اليوم ففي اليوم الآخر لَا تملكون شيئًا، وفي هذا اليوم ﴿ تُوَفَّى كلُّ نَفْسٍ ما كسَبَتْ ﴾؛أي: جزاء ما كسبت إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وكأن ما توفاه عين ما كسبت للمماثلة بين الجزاء والعمل، ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾؛أي لَا ينقصون شيئًا من ثواب ما عملوا، ولا يعاقبون على ما لم يعملوا[1].

وقال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [يونس: 4]، ستأتي ربك وستجرع إليه، ولكن على أية حال ترى أنت من السعداء أم أنك من الأشقياء؟ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾ [طه: 74 - 76].

العنصر الثاني: التعريف بيوم القيامة:
الشمس كورت، لُفَّت وذهب ضوؤها، النجوم انكدرت وتناثرت، الجبال نُسفت وسيِّرت، فأصبحت كالقطن المنفوش، العشار عطِّلت، الأموال تُركت، التجارات والعقارات والأسهم نُسيت، السماء كُشطت ومُسحت وأُزيلت، البحار سُجِّرت، وإلى كُتَلٍ من الجحيم تحوَّلت، الجحيم سُعِّرت وأُوقدت، والجنة أُزلفت وقُرِّبت.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1، 2].

إنه يوم القيامة، يومُ الصاخةِ والقارعةِ والطامةِ، ويومُ الزلزلةِ والآزفةِ والحاقة، يومَ يقومُ الناس لرب العالمين، يومٌ عظيم وخَطْبٌ جَسِيم، يوم مقداره خمسون ألف سنة، يجمع الله فيه الخلائق أجمعين، من لدُن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة؛ ليفصل بينهم ويحاسبَهم.

وتدنو الشمس من الخلائق مقدارَ مِيل، ويفيضُ العرقُ منهم بحسب أعمالهم، فمنهم من يبلغ عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حِقْوَيه، ومنهم يبلغ إلى مَنْكِبَيه، ومنهم من يُلْجِمه العرق إلجامًا، وتبقى طائفة في ظل الله جل جلاله، يوم لا ظل إلا ظله.

لقد صور الله تعالى لنا يوم القيامة في كتابه بأبدع تصوير وأبلغ تعبيرٍ، حتى إن الذي يقرأ تلك الآيات ليرى القيامة كأنها رأي العين، وتأمل الحديث الذي أخرجه الترمذي عن ابْن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "‌مَنْ ‌سَرَّهُ ‌أَنْ ‌يَنْظُرَ ‌إِلَى ‌يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَحْسَبُ أَنَّهُ قَالَ: سُورَةَ هُودٍ"[2].

العنصر الثالث: الوقاية من أهوال يوم القيامة:
الأول: كن من المتقين تكن من الفائزين:
اعلموا عباد الله أن من أعظم أسباب السلامة من أهوال يوم القيامة - أن ترجع إلى الله وأنت في قافلة المتقين، تأملوا أيها الأحباب إلى تلك القافلة وهي تزف في عرصات يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ [مريم: 85، 86].

يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا، واتَّبعوا رسله، وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما زجروهم أنه يحشرهم يوم القيامة، وفدًا إليه، والوفد هم القادمون ركبانًا ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفًا إلى النار ﴿ وِرْدًا ﴾عطاشًا، وقال ابن أبي حاتم عن ابن مرزوق ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا، قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلاّ أن الله قد طيَّب ريحك وحسَّن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني فيركبه، فذلك قوله: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا، قال ابن عباس: ركبانًا، وقال أبو هريرة ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا ﴾، قال: على الإبل، وقال الثوري: على الإبل النوق، وقال قتادة: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا ﴾ قال: إلى الجنة، عن ابن النعمان بن سعيد قال: كنا جلوسًا عند علي رضي الله عنه، فقرأ هذه الآية ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا، قال: لا والله ما على أرجلهم يُحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ترَ الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة.

ثانيًا: كن من أهل العدل تكن على منابر من نور:
عباد الله، أما العادلون ففي مقام رفيع، يجلسون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين عن زُهَيْرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «‌إِنَّ ‌الْمُقْسِطِينَ ‌عِنْدَ ‌اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»[3].

ثالثًا: كن من المتحابين في ذات الله: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ: ‌‌«‌أَيْنَ ‌الْمُتَحَابُّونَ ‌بِجَلَالِي؟ ‌الْيَوْمُ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي»[4].

عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ [المائدة: 101]، قَالُوا: فَنَحْنُ نَسْأَلُهُ إِذًا، قَالَ: «‌إِنَّ ‌لِلَّهِ ‌عِبَادًا ‌لَيْسُوا ‌بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ بِقُرْبِهِمْ وَمَقْعدِهِمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: وَفِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ أَعْرَابِيُّ، فَقَامَ فَحَثَى عَلَى وَجْهِهِ وَرَمَى بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: حَدِّثْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْهُمْ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبْشَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ عِبَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى، وَقَبَائِلَ شَتَّى مِنْ شُعُوبِ الْقَبَائِلِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ يَتَوَاصَلُونَ بِهَا، وَلَا دُنْيَا يَتَبَاذَلُونَ بِهَا، يَتَحَابُّونَ بِرُوحِ اللَّهِ، يَجْعَلُ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ نُورًا، وَيَجْعَلُ لَهُمْ مَنَابِرَ مِنْ لُؤْلُؤٍ قُدَّامَ الرَّحْمَنِ، يَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يَفْزَعُونَ، وَيَخَافُ النَّاسُ وَلَا يَخَافُونَ»[5].

رابعًا: جاهد نفسك لتكون من أولياء الرحمن:
فهم أهل الأمن والسلامة من أهوال يوم القيامة فمعهم حصانة ربانية، فهم لا يفزعون إذا فزع الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ولا يعطشون إذا عطش الناس، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ‌سَبَقَتْ ‌لَهُمْ ‌مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 101-103].

يقول أبو السعود رحمه الله ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر، بيان لنجاتهم من الأفزاع بالكلية بعد بيان نجاتِهم من النار؛ لأنهم إذا لم يُحزُنْهم أكبرُ الأفزاع لا يحزنهم ما عداه بالضرورة؛ عن الحسن رضيَ الله عنه أنَّه الانصرافُ إلى النار، وعن الضحاك حتى يطبَقَ على النار، وقيل: حين يُذبح الموتُ في صُورةِ كبشٍ أملحَ، وقيل: النفخةُ الأخيرة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [النمل: 87]، وليس بذاك فإن الآمنَ من ذلك الفزع من استثناه الله تعالى بقوله: ﴿ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ [النمل: 87]، لا جميعُ المؤمنين الموصوفين بالأعمال الصالحة، على أن الأكثرين على أن ذلك في النفخة الأولى دون الأخيرة؛ كما سيأتي في سورة النمل: ﴿ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ [الأنبياء: 103]؛ أي: تستقبلهم مهنِّئين لهم، ﴿ هذا يَوْمُكُمُ ﴾ على إرادةِ القولِ؛ أيْ: قائلين هذا اليومُ يومُكم، ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 103] في الدنيا، وتبشرون بما فيه من فنون المَثوبات على الإيمان والطاعات، وهذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بالذين[6].

خامسًا: احذر ذنوب الخلوات فإنها أصل الانتكاسات:
وإذا أردت أخي المسلم أن تقي نفسك من أهوال يوم القيامة، فاحذر ذنوب الخلوات، فإنها أصل الانتكاسات، توهَّم نفسك الآن واقف في عرصات يوم القيامة، وبينما أنت كذلك إذا رأيت رجلًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم معه أعمال كأمثال الجبال من الحسنات، فهذا قيام ليل وهذا صيام رمضان، وهذه صدقات وتلك قراءة للقرآن، وفجأة يجعلها الله تعالى هباءً منثورًا، ترى ما الذي ضيعها، اسمع إلى كلام نبيك صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «‌لَأُلْفِيَّنَ ‌أَقْوَامًا ‌مِنْ ‌أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا», فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا لِكَيْ لَا نَكُونُ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»[7].

إذا أغلقت دونك الباب، واسْدِلت على نافذتك الستائر، وغابت عنك أعينُ البشر، فتذكر مَنْ لا تخفى عليه خافية، تذكر من يرى ويسمع دبيبَ النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، جل شأنه وتقدس سلطانه، أخشى بارك الله فيك أن تَزِلَّ بك القدم بعد ثوبتها، وأن تنحرف عن الطريق بعد أن ذقتَ حلاوته، واشرأبَّ قلبك بلذته؛ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "أجمع العارفون بالله بأن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن عبادات الخفاء هي أعظم أسباب الثبات".

فهل يفرط موفَّقٌ بصيد اقتنصه، وكنز نادر حَصَّله؟ احذر سلمك الله، فقد تكون تلك الهفوات المخفية سببًا لتعلُّق القلب بها؛ حتى لا يقوى على مفارقتها، فيُختمَ له بها، فيندمَ ولات ساعة مندمٍ؛ يقول ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله: "خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس".

خامسًا: احذر الغدر فإنه فضيحة يوم القيامة:
أخي في الله، إذا أردت أن تقي نفسك نارًا حرُّها شديد وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد، يوم أن ترجع إلى الله تعالى، فاحذر الغدر فإنه فضيحة على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ‌يُرْفَعُ ‌لِكُلِّ ‌غَادِرٍ ‌لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ"[8].

والغادر: الذي يواعد على أمر ولا يفي به، واللواء: الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحبُ جيش الحرب، أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعًا له، فالغادر تُرفع له راية تسجل عليها غدرته، فيُفضَح بذلك يوم القيامة، وتجعل هذه الراية عند مؤخرته؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ ‌عِنْدَ ‌اسْتِهِ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ»[9].

وكلما كانت الغدرة كبيرة عظيمة، ارتفعت الراية التي يُفضَح بها في يوم الموقف العظيم؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا ‌غَادِرَ ‌أَعْظَمُ ‌غَدْرًا ‌مِنْ ‌أَمِيرِ عَامَّةٍ»[10].

[1] زهرة التفاسير (2/ 1062).

[2] أخرجه أحمد (2/ 27) (4806) و(2/ 36) (4934) و(2/ 100) (5755) قال: حدثنا عبد الرزاق. وفي (2/ 37) (4941). والترمذي (3333) انظر: الصحيحة (1081)

[3] رواه مسلم (1827)، وابن منده في «الرد على الجهمية» رقم (73).

[4] أخرجه الدارمي (2757)، ومسلم (2566)، وابن حبان (574)، والبيهقي في "الشعب" (8990)، والبغوي (3462).

[5] أخرجه أحمد (5/ 343، رقم 22957) والطبراني (3/ 290، رقم 3433) قال الهيثمي (10/ 276): رجاله وُثِّقوا.

[6] إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (6/ 87).

[7] أخرجه ابن ماجه (2/ 1418، رقم 4245)، قال البوصيري (4/ 246): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، والروياني (1/ 425، رقم 651)، وأخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (5/ 46، رقم 4632).

[8] أخرجه البخاري (5/ 2285، رقم 5823)، ومسلم (3/ 1359، رقم 1735).

[9] أخرجه مسلم (3/ 1361، رقم 1738)، وأبو يعلى (2/ 441، رقم 1245).

[10] أخرجه مسلم (3/ 1361، رقم 1738)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (2/ 419، رقم 1213).



ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:45 AM

الدرس الثامن العشرون: تابع موجبات النجاة العشرة من أهوال يوم القيامة

السيد مراد سلامة

الحمد لله الحي الذي أضاء نوره الآفاق، ورزق المؤمنين حسن الأخلاق، وتجلَّت رحمته بهم إذا بلغت أرواحهم التراق، نحمَده تبارك وتعالى ونستعينه على الصعاب والمشاق، ونعوذ بنور وجهه الكريم من ظلمات الشك والشرك والشقاق، ونسأله السلامة من النفاق وسوء الأخلاق.

وأشهد أن لا إله إلا الله القوي الرزاق، الحكم العدل يوم التلاق، خلق الخلق فهم في مُلكه أسرى مشدودو الوثاق، أنذِر الكافرين بصيحة واحدة ما لها من فواق، وبشر الطائعين بسلام الملائكة عليهم إذا التفَّت الساق بالساق، أرسل الرسل وأنزل الكتب؛ ليعلم الناس أن إليه يومئذ المساق.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المتمم لمكارم الأخلاق، لم يكن لعانًا ولا سبابًا، ولا صخابًا في الأسواق.

سابعًا: لا تظلم أحد لأنك إلى الله تعالى راجع:
أحبتي في الله، إذا علمنا أننا إلى الله تعالى راجعون، وأننا عن أعمالنا مسؤولون، وجب علينا أن نتحلل من المظالم قبل أن نرجع إلى الله تعالى، فالظلم ظلمات يوم القيامة.

فتوهَّم نفسك عبد الله وأنت واقف بين يدي الله، انظر إلى هؤلاء الذين شخصت أبصارُهم، وصارت أفئدتهم هواءً، يسألون الرجعة فلا يجابون، ترهَق وجوههم الذلة.

أيها الموحِّدون، تدبَّروا معي هذا المشهد الذي يخلع القلب، تدبَّروا الحديث، عيشوا مع هذا الحديث الذي يكاد يخلع القلب إن تدبرناه ووعيناه، تصوَّر معي هذا المشهد في أرض المحشر، ها هو الظالم في أرض المحشر يقف بين يدي الله في ذلٍّ وخشوع وانكسارٍ، لا يرتد إليه طرفه، شخص ببصره، لا يلتفت أعلى ولا أسفل ولا يَمنة ولا يَسرة، لا يرتد إليه طرفه، وقفز قلبه من جوفه! الشمس فوق الرؤوس، تكاد حرارتها تصهَر العظام، والزحام يكاد يخنق الأنفاس، والعرق يكاد يغرق الناس، وجيء بجهنم ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها! تزفر وتُزمجر غضبًا لغضب الجبار جل وعلا، فإن الله قد غضب في هذا اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، في هذه اللحظات ومع هذا الهول يرى الظالم نفسه وقد أحيط بمجموعة من الناس، من أنتم؟! من هؤلاء؟! هؤلاء هم الذين ظلمهم في الدنيا! ظلم من ظلم ونسِي! فيتعلق المظلومون بالظالم، يتعلق كلُّ مَن ظلمته بك يوم القيامة، يجرونه جرًّا ليوقفوه بين يدي الله جل وعلا، هذا يتعلق به من يده، وهذا يجره من ظهره، وهذا يَجُرُّه من لحيته، يتعلقون به ليوقفوه بين يدي الملك جل جلاله، فإذا ما وقف بين يدي الله تبارك وتعالى، وأذن الله لدواوين المظالم أن تُنْصَبَ، وللقصاص أن يبدأ، يقول هذا: يا رب، هذا شتمني، والآخر يقول: يا رب، ظلمني، والآخر يقول: يا رب، اغتابني، والآخر يقول: يا رب، غشَّني في البيع والشراء، والآخر يقول: يا رب، وجدني مظلومًا وكان قادرًا على دفع الظلم، فجامل ونافق الظالم وتركني، والآخر يقول: يا رب، جاورني فأساء جواري، سترى كل من عاملته في الدنيا - نسيته أو تذكَّرته - قد تعلق بك بين يدي الله جل وعلا، كلٌّ يطالب بحقه، وأنت واقف يا مسكين! ما أشد حسرتك في هذه اللحظات، وأنت واقف على بِساط العدل بين يدي رب الأرض والسماوات، إذا شوفِهت بخطاب السيئات، وأنت مفلس عاجز فقير مهين، لا تملك درهمًا ولا دينارًا، لا تستطيع أن ترد حقًّا، ولا تملك أن تبدي عذرًا، فيقال: خذوا من حسناته إلى من ظلمهم في الدنيا، تنظر إلى صحيفتك التي بين يديك، فتراها قد خلت من حسنات تعِبتَ في تحصيلها طول عمرك، فتصرخ وتقول: أين حسناتي؟! أين صلاتي؟! أين زكاتي؟! أين دعوتي؟! أين علمي؟! أين قرآني؟! أين بري؟! أين عملي الصالح؟! أين طاعاتي؟! فيقال: نقلت إلى صحائف خصومك الذين ظلمتهم في الدنيا! وقد تفنى حسناتك ويبقى أهل الحقوق ينادون الله جل وعلا أن يعطيهم حقَّهم من الظالم، فيأمر الحق سبحانه أن يؤخذ من سيئات من ظلمتهم في دنياك لتُطرح عليك، فتصرخ وتقول: يا رب، هذه سيئات والله ما قاربتها، والله ما عملتها، فيقال لك: نعم، إنها سيئات من ظلمتهم في الدنيا، فتمد عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعلك تنجو في هذه اللحظات ولست بناجٍ؛ لأن الله قد حرم الظلم على نفسه، وحرَّم الظلم على العباد، فيقرع النداء سمعك ويخلع قلبك؛ قال الله جل وعلا: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [إبراهيم:42-52].


ثامنًا: احذر أن تُطرَد من حوض صاحب الشفاعة صلى الله عليه وسلم:
يا من يعلم أنه إلى الله راجع، احذر كل الحذر أن تُطرد من حوض صاحب الشفاعة - صلى الله عليه وسلم - توهَّم نفسك الآن وأنت واقف على حوض صاحب الحوض، والناس قد لهثت ألسنتهم من شدة العطش، والحبيب - صلى الله عليه وسلم - يسقي أصحابه، وبينما هو كذلك إذا رأيت الملائكة تَطرُد أقوامًا من على الحوض؛ ينظر النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة إليهم وهم يطردون، تُرى ما الخطأ أو الذنب الذي وقع فيه هؤلاء؟ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ‌سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا، لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ‌ثُمَّ ‌يُحَالُ ‌بَيْنِي ‌وَبَيْنَهُمْ»)[1].

تاسعًا: الخوف من الله:
معاشر الموحدين، إن الخوف من الله تعالى ومن سخطه، يحمل الإنسان منا على طاعة الله تعالى، والمسارعة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، فالخوف سوطٌ تُساق به النفوس الشاردة عن بابه - سبحانه وتعالى - وهو شرط الإيمان؛ كما أخبر بذلك الملك الديان: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175].

فهيَّا إخوة الإسلام لنرى كيف سيكون الخوف من الله تعالى سبيلًا من سبل النجاة، فالخوف من الله يرفع الخوف عن الخائف يوم القيامة؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا قَالَ: "‌وَعِزَّتِي ‌لَا ‌أَجْمَعُ ‌عَلَى ‌عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أخفته يوم القيامة"[2].

عاشرًا: كن من أهل سورتي البقرة وآل عمران:
في ذلك اليوم العظيم العصيب الشديد، والقرآن ظل لأصحابه، بل سورة البقرة وآل عمران تظلان صاحبهما يوم القيامة؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‌اقْرَؤُوا ‌الزَّهْرَاوَيْنِ: ‌الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ أَهْلِهِمَا"، ثُمَّ قَالَ: "اقْرَؤُوا الْبَقَرَةَ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ"[3]؛ أي: تظلان من قرأهما وحفِظهما، وعقَل معناهما وعمل بهما، فلك من أجر الظل في البقرة وآل عمران بقدر ما معك من مصاحبتهما.


[1] أخرجه البخاري (7050) و(7051) وأخرجه مسلم (2290) و(2291).

[2] أخرجه أيضًا: ابن حبان (2/406، رقم 640)، والدارقطني في العلل (8/38، رقم 1396).

[3] صحيح مسلم (1/ 553 رقم 804).

ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:48 AM

الدرس التاسع والعشرون: ثمرات الإيمان بالله في الحياة الدنيا

السيد مراد سلامة

الحمد لله الحكيم الرؤوف الرحيم، الذي لا تخيب لديه الآمال، يعلَم ما أضمَر العبد من السر وما أخفى منه ما لم يخطر ببالٍ، ويسمع همسَ الأصوات، وحسَّ دهس الخطوات في وعس الرمال، ويرى حركة الذرِّ في جانب البر وما درَج في البحر عند تلاطُم الأمواج وتراكم الأهوال، أفلا يستحيي العبد الحقير من مبارزة الملك الكبير بقبيح الأفعال، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير.

الكل تحت قهره ونظره في جميع الأحوال، فتبارك مَن وفَّق من شاء لخدمته، فشتان ما بين رجال ورجال.

عبد الله، يا مسكين:
يا غافلًا والجليل يحرسُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
من كل سوء يَدِبُّ في الظلم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كيف تنام العيون عن ملك https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تأتيه منه فوائدُ النعم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، أما بعد: فحيَّاكم الله أيها الأخوة الأفاضل، وطبتُم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعًا من الجنة منزلًا، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعيش اليوم مع الإيمان بالملك الديان لنتعرف على ثمراته على الفرد والمجتمع في الدنيا، في زمان هاجت فيه رياح الشبهات، وتلاطمت فيه أمواج الفتن التي تموج موج البحار العاتية، في زمان أضحى أهل الحق بحاجة ماسة إلى التعرف على دينهم والرجوع إلى مصدر عزهم ومجدهم.

هيَّا هيَّا عباد الله لنشنف الآذان بثمرات الإيمان، للإيمان ثمار يانعة، ونتائج طيبة، يجنيها المؤمن في الحياة الدنيا، ومن أهم هذه الثمار:
الثمرة الأولى الهداية للحق:
إخوة الإيمان، في وسط ظلمة الإلحاد والعلمنة التي تبثها الشبكات والفضائيات، تلك السموم القاتلة، يحتاج المسلم أن يسلك سبيل المؤمنين، فلا يجد ذلك السبيل إلا في الركوب في سفينة الإيمان، فهي العاصم من القواصم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الحج: 54]، فأهل الإيمان هم أحق الناس بهداية الله - عز وجل - وهذه الثمرة (أعني الهداية) من أعظم وأجل الثمار التي يجنيها المؤمن في هذه الحياة، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ﴾ [يونس: 9]، وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّـهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11].

ذكر الشوكاني - رحمه الله - في تفسيره: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم"[1].

الثمرة الثانية الحياة الطيبة:
إخوة الإيمان، الحياة الطيبة التي طابت بذكره - سبحانه وتعالى - فما طابت الحياة إلا بذكره، والتي طابت بشكره - جل في علاه - الحياة الطيبة يجدها الإنسان حتى ولو كان في أحلك الظروف وأصعبها، الحياة طيبة وإن كان المسلم فقيرًا محتاجًّا؛ قال الله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل:97}، ففي الآية شرط وجواب، فشرط الحياة الطيبة لكل ذكر وأنثى هو الإيمان والعمل الصالح.
إن السعادة أن تعيشَ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لفكرة الحق التليدِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لعقيدة كبرى تَحل https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
قضيةَ الكون العتيدِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
هذي العقيدة للسعيد https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
هي الأساس هي العمودُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
من عاش يحملها ويَهتف https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
باسمها فهو السعيدُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا"[2].

وجدها بلال بن رباح - رضي الله عنه - وهو تحت وطأة العذاب، ومن قبله وجدتها امرأة فرعون وهي تحت أشعة الشمس المحرقة.

الحياة الطيبة تحرير للنَّفس من قيود المادَّة وأغلال الشهوات، ثم تسبيحها في ملكوت الأرض والسماوات.

الحياة الطيبة سموُّ الإنسان عن حاجات جسده الفاني دون أن يهملها، والاستجابة لحاجات نفسه الخالدة دون أن ينسى حقوقَ الآخرين.

الحياة الطيبة لا تتراجع بتراجُع صحَّة الجسد، ولكنها تتزايد بتزايد إقبال النفس على ربها.

الحياة الطيبة لا تنتهي بموت بل تبلغ أوجهًا به.

الحياة الطيبة لا تضمنها أعراضٌ زائلة كالمال والسلطان، ولكن يَضمنها ربٌّ كريم، ومن بيده مقاليد السماوات والأرض والناس أجمعين[3].

قال أحد الصالحين: والله أنا في سعادة لو علمها أبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف!

عن أشعث بن شعبة المصيصي قال: قدم الرشيد الرقة، فانجفل الناس خلف ابن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد للخليفة، فقالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان..[4].

قال ابن القيم - يصف حال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يتنقل في أصناف من البلاء والاختبار -: قال لي مرة - يعني: شيخ الإسلام -: ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبْسي خلوة، وقتْلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة".

وكان يقول في محبسه في القلعة: "لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة"، أو قال: "ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير "، ونحو هذا، وكان يقول في سجوده وهو محبوس: "اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله، وقال لي مرة: "المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه"، ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه، وقال: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: 13][5].

قيل لأعرابي كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتقل كلُّ شيء ظله، فقال: وهل العيش إلا ذاك يمشى أحدنا ميلًا فيرفض عرقًا كأنه الجمان، ثم ينصب عصاه ويلقى عليها كساءه، وتميل عليه الريح من كل جانب، فكأنه في إيوان كسرى[6].

الثمرة الثالثة الولاية:
أحبتي في الله، من ثمرات الإيمان بالملك الديان الولاية الخاصة، وهي ولاية النصر والتمكين؛ قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة:256]، وقال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [المائدة:56].

وتلك الولاية لها أثرها في حياة الفرد والمجتمع، فالولاية منبعها الإيمان بالله تعالى، وتأملوا آثار تلك الولاية:
الإخراج من الظلمات إلى النور؛ قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 257]، اجتماع القلب والثبات على الصراط المستقيم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 153].

محبة الله تعالى لأوليائه: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ[7].

عدم الخوف والحزن؛ قال الله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة ﴾ [يُونُسَ: 62 – 64].

عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مِنْ عِبَادِ الله عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ"، قِيلَ: مَنْ هُمْ؟، لَعَلَّنا نُحِبُّهُمْ، قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِنُورِ الله مِنْ غَيْرِ أَرْحَامٍ وَلاَ أَنْسَابٍ، وُجُوهُهُمْ نُورٌ، عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، لاَ يَخَافُونَ إذَا خَافَ النَّاسُ، وَلا، يَحْزَنُونَ إذَا حَزِنَ النَّاسُ. ثُمَّ قَرأ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: 62]»[8].

الثمرة الرابعة: الرزق الطيب:
في زمان يشتكي كثيرٌ من الناس الغلاء وارتفاع الأسعار وقلة البركة، ولو تأملنا ما نحن فيه لوجدنا أن ذلك بسبب ذنوبنا، وأننا ابتعدنا عن شجرة الإيمان؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَو أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف:96]؛ يقول الإمام الشوكاني - رحمه الله تعالى -: ﴿ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾؛ أي: يسَّرنا لهم خير السماء والأرض، كما يحصُل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها، قيل المراد بخير السماء: المطر، وخير الأرض النبات، والأولى حملُ ما في الآية على ما هو أعم من ذلك..."[9].

الثمرة الخامسة: العزة:
معاشر الموحدين: إن من ثمرات الإيمان بالله تعالى أنه يورث العبد العزة والرفعة في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون:8].

الاعتقاد الجازم والإيمان اليقينيُّ بأنَّ الله تعالى هو العزيز الذي لا يَغْلِبه شيء، وأنَّه هو مصدر العِزَّة وواهبها. قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26]، فلا نصر إلَّا به، ولا استئناس إلَّا معه، ولا نجاح إلَّا بتوفيقه.

قال ابن القيِّم: (العِزَّة والعُلُوُّ إنَّما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو عِلمٌ وعملٌ وحالٌ؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، فللعبد من العُلُوِّ بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]، فله من العِزَّة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظٌّ من العُلُوِّ والعِزَّة، ففي مُقَابَلة ما فاته من حقائق الإيمان، علمًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا)[10].

عن طارق بن شهاب رضي الله عنه، قال: "خرج عمرُ بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة له، فنزل عنها وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا؛ تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرُّني أن أهل البلد استشرفوك، فقال عمر: أَوَّهْ، لو يقول ذا غيرُك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنا كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلُب العز بغير ما أعزَّنا الله به، أذلنا الله"[11].

دخَل إبراهيم باشا بن محمد علي حاكم مصر المسجدَ الأموي في وقت كان فيه عالم الشام الشيخ سعيد الحلبي يُلقي درسًا في المصلين، ومرَّ إبراهيم باشا من جانب الشيخ، وكان مادًّا رِجله، فلم يحرِّكها، ولم يُبدل جلسته، فاستاء إبراهيم باشا، واغتاظ غيظًا شديدًا، وخرج من المسجد، وقد أضمر في نفسه شرًّا بالشيخ، وما أن وصل قصره حتى حف به المنافقون من كل جانب، يزيِّنون له الفتك بالشيخ الذي تحدى جبروتَه وسلطانه، وما زالوا يؤلِّبونه حتى أمر بإحضار الشيخ مكبَّلًا بالسلاسل، وما كاد الجند يتحركون لجلب الشيخ حتى عاد إبراهيم باشا فغيَّر رأيه، فقد كان يعلم أن أي إساءة للشيخ ستفتح له أبوابًا من المشاكل لا قِبَل له بإغلاقها، وهداه تفكيره إلى طريقة أخرى ينتقم بها من الشيخ طريقة الإغراء بالمال، فإذا قبِله الشيخ ضمن ولاءه، وسقطت هيبته في نفوس المسلمين، فلا يبقى له تأثيرٌ عليهم، وأسرع إبراهيم باشا فأرسل إلى الشيخ ألف ليرة ذهبية، وهو مبلغ يسيل له اللعاب في تلك الأيام، وطلب مِن وزيره أن يعطيَ المال للشيخ على مرأى ومسمع مِن تلامذته ومريديه، وانطلق الوزير بالمال إلى المسجد، واقترب مِن الشيخ وهو يلقي درسه، فألقى السلام، وقال للشيخ بصوت عالٍ سمعه كل مَن حول الشيخ: هذه ألف ليرة ذهبية يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك، ونظر الشيخ نظرة إشفاق نحو الوزير، وقال له بهدوء وسكينة: يا بني، عُدْ بنقود سيدك ورُدَّها إليه، وقل له: (إن الذي يمد رِجْله، لا يمد يدَه)[12].

[1] [فتح القدير للشوكاني، ج: 5/231].

[2] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1/112 ، رقم 300).

[3] رابط الموضوع: ما هي الحياة الطيبة؟

[4] تاريخ الإسلام للإمام الذهبي (12/ 232).

[5] الوابل الصيب (ص: 67).

[6] قطوف وكلمات (ص: 16).

[7] أخرجه البخاري "6502" في الرقاق: باب التواضع.

[8] إسناده صحيح، وهو في صحيح ابن حبان برقم (573).

[9] تفسير فتح القدير ـ (2/ 228).

[10] إغاثة اللهفان (2/ 181)

[11] الحاكم في المستدرك (1: 62) وصححه ووافقه الذهبي.

[12] موسوعة القصص المنبرية للشيخ السيد مراد سلامة.


ابو الوليد المسلم 12-28-2025 05:50 AM

الدرس الثلاثون: تابع ثمرات الإيمان في الدنيا

السيد مراد سلامة

الحمد لله منشئ الموجودات، وباعث الأموات، وسامع الأصوات، ومجيب الدعوات، وكاشف الكربات، عالم الأسرار، وغافر الأوزار، ومنجي الأبرار، ومهلك الفجار، ورافع الدرجات، الذي علم وألْهَم، وأنعم وأكرَم، وحكم وأحكَم، وأوجب وألزم، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ [الشورى: 25].

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، وتمسك بسنته واقتدى بهديه، واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين.

الثمرة السادسة: النصر على الأعداء:
هلا سألتم أنفسكم عباد الله عن سبب هزيمتنا وتسلُّط الأعداء علينا؟
الجواب في أبسط عبارة: أننا لم نحقق الإيمان، لم نحقِّق شرط النصر والتمكين، لهثنا خلف الغرب ومغرياته، وخذلنا الحق وأوليائه، فسلَّط الله عينا كلاب الأرض.

إننا لَمَّا حققنا الإيمان سخَّر الله لنا السِّباع، ولَمًا ضعُف إيماننا خُفنا من الجِرذان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ قال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم:47].

فالنصر على الأعداء والظفر بهم من أهم ثمرات الإيمان في الدنيا، فما أهم هذه الثمرة وأحوجنا إليها اليوم ونحن نعيش في مرحلة من الهزيمة والذل لم تعهَدها أمة الإسلام، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا النصر والظفر وعدٌ من الذي لا يخلف الميعاد؛ كما قال الشوكاني - رحمه الله -: "هذا إخبار من الله سبحانه بأن نَصره لعباده المؤمنين حقٌّ عليه، وهو صادق الوعد لا يُخلف الميعاد، وفيه تشريفٌ للمؤمنين، ومزيدُ تَكرمة لعباده الصالحين"[1].

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد ﴾ [غافر:51] فهي بشارة لأهل الإيمان بالنصر على الأعداء، وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد:7].
ملكنا هذه الدنيا قرونًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأخضعها جدودٌ خالدونَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وسطَّرنا صحائفَ من ضياء https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فما نسِي الزمان ولا نسينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
حمَلناها سيوفًا لامعاتٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
غداةُ الروع تأبى أن تلينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا خرجت من الأغماد يومًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
رأيت الهولَ والفتح المبينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكنا حينَ يأخذنا وليٌّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بطغيان نَدوس له الجبينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكنا حينَ يَرمينا أناسٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
نؤدبهم أُباةً صابرينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وما فتئ الزمان يدور حتى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مضى بالمجد قوم آخرونا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأصبح لا يُرى في الركب قومي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقد عاشوا أئمتُه سنينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



يقول ابن الأثير: "فلما استوثقت الروم لنقفور، كتب إلى الرشيد: "من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كانت حقيقًا بحمل أضعافها إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهنَّ، فإذا قرأت كتابي هذا فاردُد ما حصل لك من أموالها، وافتدِ نفسك به من المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك، فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرَّق جلساؤه، فدعا بداوة، وكتب على ظهر الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم"، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، لقد قرأت كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام"، ثم سار من يومه حتى نزل هرقلة، ففتح وغنم وأحرق وخرَّب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما قفل راجعًا بلغه أن نقفور نقض العهد، فكر الرشيد راجعًا إليه وأقام في بلاده حتى شفى نفسه منهم، ولم يبرح حتى رضي وبلغ ما أراد[2].

الثمرة السابعة: الفوز برضا الله، قال الله عز وجل:
إخوة الإسلام، من عظيم ثمرات الإيمان بالله تعال أن ينال المسلم رضا الله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 71، 72]، فنالوا رضوان الله ورحمته، والفوز بهذه المساكن الطيبة، بإيمانهم الذي كمَّلوا به أنفسهم، وكمَّلوا غيرهم بقيامهم بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحصلوا على أعظم الفوز والفلاح.

الثمرة الثامنة: أن الله يدافع عن الذين آمنوا جميع المكاره، وينجيهم من الشدائد:
اعلم بارك الله فيك أن من عظيم ثمرات الإيمان أن الله تعالى يحفَظهم ويدفع عنهم جميع المكاره؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [سورة الحج: 38]؛ أي: يدافع عنهم كل مكروه، وشرَّ شياطين الإنس والجنِّ، ويدافع عنهم الأعداء، ويدافع عنهم المكاره قبل نزولها، ويرفعها أو يخفِّفها بعد نزولها؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سورة الأنبياء: 87 - 88].

وقال - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سورة يونس: 103].

وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [سورة الصافات: 171 - 173].

وقال - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّه مَخْرَجًا ﴾ [سورة الطلاق: 2]؛ أي من كل ما ضاق على الناس، ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [سورة الطلاق: 4]، فالمؤمن المتقي يُيسِّر الله له أموره، ويُيسِّره لليُسرَى، ويجنِّبه العُسْرَى، ويُسهِّل عليه الصعاب، ويجعل له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ويرزُقه من حيث لا يحتسب، وشواهد هذا كثيرة من الكتاب والسنة.

الثمرة التاسعة: أنه شرط صحة للأعمال الصالحة:
أخي المسلم، لابد أن تعلم أن جميع الأعمال والأقوال إنما تصح وتكمُل بحسب ما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والإخلاص؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ [سورة الإسراء: 19]؛ أي: لا يُجحَد سعيُه، ولا يضيع عمله، بل يُضاعف بحسب قوة إيمانه، وقال - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ [سورة يونس: 9]، والسعي للآخرة هو العمل بكل ما يقرِّب إليها من الأعمال التي شرعها الله على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم.

عاشرًا: الانتفاع بالمواعظ من ثمرات الإيمان:
إخوة الإسلام، قال الله عز وجل: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سورة الذاريات: 55]، وهذا لأن الإيمان يحمل صاحبه على التزام الحق واتباعه علمًا وعملًا، ومعه الآلة العظيمة، والاستعداد لتلقِّي المواعظ النافعة، وليس عنده مانع يَمنعه من قبول الحق، ولا من العمل به.

الحادي عشر: الإيمان بالله - عز وجل - ملجأ المؤمنين في كل ما يلمُّ بهم:
من سرور، وحزن، وخوفٍ، وأمنٍ، وطاعة، ومعصية، وغير ذلك من الأمور التي لابدّ لكل أحد منها، فعند المحابِّ والسرور يلجؤون إلى الإيمان، فيحمدون الله، ويُثنون عليه، ويستعملون النعم فيما يحبُّ، وعند المكاره والأحزان يلجؤون إلى الإيمان من جهات عديدة، يتسلَّون بإيمانهم وحلاوته، ويتسلَّون بما يترتَّب على ذلك من الثواب، ويقابلون الأحزان والقلق براحة القلب، والرجوع إلى الحياة الطيبة المقاومة للأحزان، ويلجؤون إلى الإيمان عند الخوف، فيطمئنون إليه ويزيدهم إيمانًا وثباتًا وقوةً وشجاعة، ويضمحلُّ الخوف الذي أصابهم؛ كما قال الله تعالى عن الصحابة - رضي الله عنهم -: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ الله وَالله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [سورة آل عمران: 173 - 174].

[1] تفسير فتح القدير، (4/ 230).

[2] العبر في خبر من غبر (ص: 55) تاريخ الطبري (6/ 501) الكامل في التاريخ (25/ 57).




الساعة الآن 02:31 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009