ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   قسم التراجم والأعلام (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=91)
-   -   مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=37249)

ابو الوليد المسلم 05-15-2026 09:15 PM

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

(027) آريوس



https://static.islamway.net/uploads/...0000813668.jpg
"فإن توليت فعليكم إثم الآريسيّين"
" العالم كله صرخ وتعجب ليجد نفسه آريوسيًا! "
(القديس جيروم: أول مترجم للكتاب المقدس)
"وبقي قسيسٌ واحدٌ على الحق! "
(عروة بن الزبير)
كنت قد وعدت القارئ الكريم سابقًا أنني سوف آتي لاحقًا على ذكر أعظم شخصية أمازيغية على الإطلاق، وها قد جاء وقت الوفاء بهذا الوعد، وجاء معه أيضًا وقت الإجابة على تساؤلات محيرة تركتها معلقة إلى هذه الساعة، فما هو سر إسلام أقباط مصر بسرعة غريبة بعد أن طرد عمرو بن العاص الرومان منها؟ ولماذا لم يستغرق (عقبة بن نافع) وقتًا يذكر في فتح جل الشمال الأفريقي؟

وما السبب الأساسي لفتح المسلمين للأندلس؟ ومن قصة أولئك "الأريسيّين" الذين ذكرهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في رسالته الشهيرة لهرقل؟ هل هم فعلًا فلّاحو الروم كما ورد في بعض كتب التاريخ؟ الحقيقة أن هذا ليس صحيحًا على الإطلاق، فالآرسيون طائفة مجهولة تعمدت كتب التاريخ إغفالها لسبب سوف يتضح لاحقًا، ففهم تاريخ الآريسيين يفسر لنا حديثًا جميلًا رواه الإمام مسلم في صحيحه، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال يصف حال الأرض قبل بعثته: «إن اللَّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب»!! وليتسنى لنا معرفة هوية هؤلاء "البقايا" يجب علينا أولًا أن نلقي نظرة سريعة على حال الكرة الأرضية في نهاية القرن السادس الميلادي وبداية القرن السابع الميلادي، لنرى كيف كان وضع شعوب الأرض مباشرة قبل بزوغ شمس الدعوة المحمدية:
الرومان: كان الرومان يحكمون بلدانًا شاسعة في أوروبا وآسيا وأفريقيا، يحكمونها بالنار والحديد، ويفرضون عليها الضرائب الباهظة، ولعل كثيرًا من الذين يفتخرون بالمدرجات الرومانية (الحضارية!) في بلدانهم لا يعلمون أن هذه المدرجات والمسارح قد بنيت من قبل الرومان لكي تكون مكانًا يتسلى به الرومان الهمجيون وهم يرون الأسود وهي تنهش لحوم العبيد الذين يأتون بهم من مستعمراتهم.


الفرس: أما الفرس فحدث عنهم ولا حرج! فقد كان جل الفرس من عبّاد النار الذين انتشر فيهم الانحلال الأخلاقي بشكل ما عرفته شعوب الأرض قبلهم أو بعدهم، فقد كانت (المتعة) بالجنس شكلًا يميز الفرس عن باقي شعوب الأرض، فسقط الفرس في أقذر أنواع الرذيلة الحيوانية، وشاع فيهم زنى المحارم، فكان كسرى (يزدجرد الثاني) يزني بابنته، وكان كسرى (بهرام جوبين) يزني بأمه وأخته!!! ولم تستحل أمة من الأمم القديمة هذه الرذيلة إلا أمة فارس، بل كان الإغريق والرومان يعايرونهم بذلك، وقد قسم الفرس البشر إلى سبع طبقات، فعامة الشعب في المرتبة الدنيا حيث كانوا يربطونهم كالكلاب بالسلاسل في المعارك، بينما كان كسرى في قمة الهرم الاجتماعي حيث كان يعتبر نفسه (سيدًا) صاحبَ دماءٍ مقدسة!


الهنود: عبد الهنود كل ما خطر وما لم يخطر على بال البشر! فقد عبدوا كل شيئ من الكواكب إلى الأنهار مرورًا بالحيوانات والأشجار، بل إن بعضهم عبد أعضاء التناسل!! وسوف نتطرق لتاريخ الهند الديني والإجتماعي بالتفصيل في نهاية هذا الكتاب في معرض حديثنا عن عظيم إسلامي من أمة الهنود.


الصين: برزت في الصين ثلاث ديانات رئيسية هي:
1 - ديانة لاتسو: وتدعو إلى البعد الكامل عن النساء.
2 - ديانة كلونفوشيوس: وهي مادية بحتة.
3 - ديانة بوذا: وتدعو إلى الانعزال والزهد في الحياة.


العرب: كان جل العرب يعبد الأصنام التي أشركوها في عبادتهم للَّه، فكان لكل قبيلة صنمًا أو أكثر.
ومن بين كل هذه النماذج القاتمة التي غرق فيها بنو البشر، كانت هناك بقايا من الإنسانية مزروعة في وجدان طائفة من بقايا أهل الكتاب يقال لهم "الآريسيين"، أفراد هذه المجموعة كانوا يشهدون أنه لا إله إلا اللَّه، وأن عيسى نبي اللَّه، أي أنهم كانوا على دين الإسلام، أما عن سبب تسميتهم بالآريسيين فيرجع إلى القرن الرابع الميلادي، وبالتحديد إلى عام 325 م، فقد كان المسيحيون منذ بعثة عيسى وحتى ذلك العام يؤمنون بوحدانية اللَّه عز وجل، وبنبوة عيسى عليه السلام، إلى أن ظهر رجلٌ مصري يدعى (أثناسيوس)، هذا الرجل قام بتغيير الدين الذي جاء به المسيح عليه السلام، فأدخل فيه كثيرًا من العقائد الوثنية، وسبب ذلك أن أثناسيوس لم يكن مسيحيًا في بادئ الأمر، بل كان وثنيًا على دين الفراعنة القدماء، فقام بمزج المسيحية بالديانات الوثنية التي كان يعتقد بها قبل تنصره، فأدخل لأول مرة مبدأ (الثالوث المقدس) " The Trinity" على الدين المسيحي التوحيدي، وينص هذه المبدأ على أن اللَّه ذو طبيعة ثلاثية الأبعاد، كل بعد فيه يساويه، وكل بعد فيه لا يساوي الآخر! وإن كنت لم تفهم شيئًا من هذه الأحجية، فلا تقلق كثيرًا، لأن زملائي الأوروبيين "المسيحيين" أخبروني أنهم أيضًا لا يفهمونها!! وربما كان هذا هو السبب الذي دفع الكنائس مؤخرًا لمحاولة شرح هذا المبدأ الصعب وذلك بتوزيع رسومات هندسية (مثل هذا الشكل) لتحاول عبثًا شرح فكرة الثالوث المقدس.

ومع أن مادة الرياضيات كانت مادةً مفضلة لدي عندما كنت طالبًا في المدرسة، إلا أنني أعترف أن ما قرأته عن "نظرية فيثاغورس" و"مسلمة إقليدس" و"مسألة أبولونيوس" و"منحنى ديوكلوس" لا يمكنه تفسير ذلك المبدأ! فالموضوع معقد بعض الشيء! فلو كان لك ولدٌ لم يبلغ من العمر إلّا سنياتٍ معدودةٍ، فجلبت له ثلاث تفاحات وقلت له أن كل تفاحة من التفاحات الثلاث تساوي نفس الشيء، ولكن نفس هذه التفاحات الثلاث لا تساوي الشيء نفسه! فلا أشك حينها بأن ذلك الطفل سيأخذ إحدى تلك التفاحات الثلاث من يدك، ليقضم منها قضمة صغيرة، ليقذف رأسك بعدها بنفس تلك التفاحة المقضومة، قبل أن يذهب إلى أمه ليخبرها بان أباه قد فقد عقله!

والحقيقة أن أثناسيوس لم يأتِ بهذا المبدأ من فراغ، فلقد كانت فكرة الثالوث المقدس مغروسة في كيانه قبل أن يعتنق النصرانية، فلقد كان أثناسيوس يؤمن بالثالوث المقدس للفراعنة قبل أن يعتنق المسيحية (أوزريس الأب، حورس الإبن، إزيس الأم)، بل إن فكرة الثالوث تلك كانت سائدة في أغلب الديانات الوثنية، فقد كان للهنود ثالوثهم البرهمي المقدس (برهما: الإله، فشنو: المُخلص، سيفا: الروح العظيم)، وعند الفرس الثالوث الزردشتي المقدس: (الروح الصالحة، الكلمة الصالحة، العمل الصالح)، لذلك أراد أثناسيوس نشر ذلك المبدأ الجديد في المسيحية.


عند تلك اللحظة ظهر العملاق العظيم (آريوس) الذي كان قسًا أمازيغيًا يعيش في الإسكندرية بعد أن قدم إليها من مسقط رأسه ليبيا، فوقف آريوس بالمرصاد في وجه أثناسيوس، وأدحض افتراءات المثلثين بعلمه وفصاحته، فأنكر ما جاء به أثناسيوس بحجة في غاية البساطة، ملخصها أنه لم يرد في الإنجيل كلمة واحدة تنص بأن المسيح إله، ولم يرد في الانجيل أبدًا أنه قالَ للناس اعبدوني، فنشب خلاف كبير بين (أثناسيوس) وسيده بابا الإسكندرية آنذاك (ألكساندريوس الأول) من جهة، وبين (أريوس) ومن معه من المسلمين الموحدين من جهة أخرى، فأمر الإمبراطور الروماني الذي كان يحكم مصر (قسطنطين الأول) بعقد مؤتمر يجتمع فيه كل علماء النصارى لبحث أمر هذه البدعة التي جاء جها أثناسيوس، فاجتمع العلماء في "مجمع نيقية المسكوني" في مايو 325 م، وقامت المناظرات بين آريوس وأثناسيوس، فانتصر آريوس بالضربة القاضية بعقيدة التوحيد،

إلا أن الإمبراطور قسطنطين الذي كان وقتها وثنيًا رفض رأي آريوس، فقد كان قسطنطين نفسه يؤمن بالثالوث الروماني المقدس (اللَّه، الكلمة، الروح)، فأمر الإمبراطور قسطنطين القساوسة الموحدين وعلى رأسهم آريوس بالتوقيع على عريضة تنص على ألوهية المسيح، فرفض بطلنا الإسلامي العظيم آريوس التوقيع على وثيقة تنص على الشرك باللَّه، المضحك بالأمر أن الإمبراطور قسطنطين والذي كان وثنيًا في وقتها اعتمد "وثيقة الإيمان المسيحي" التى يؤمن بها النصارى إلى يومنا هذا! أما آريوس ومن معه من المسلمبن الموحدين فقد تم نفيهم إلى "البلقان"، قبل أن يأمر الإمبراطور بحرق جميع كتب آريوس وإعدام من يحتفظ بأي نسخة منها، عندها قامت الثورات الشعبية في أنحاء الإمبراطورية تطالب باطلاق سراح القس البطل آريوس، ليستجيب الإمبراطور لهذه الضغوطات، ليعود آريوس من منفاه إلى العاصمة القسطنطينية (إسطانبول) منتصرًا، قبل أن يقوم المثلثون بتسميمه، ليستشهد بطلنا في القسطنطينية بعد حياة طويلة قضاها في الجهاد في سبيل اللَّه، دافعًا حياته ثمنًا لرفعه لراية التوحيد.

وبعد أن موت آريوس قام الموحدون بنشر الإسلام في أنحاء أوروبا، فدخلت القبائل الجرمانية في الإسلام بتعاليم آريوس، وأصبحت كل شعوب أوروبا الغربية تقريبًا آريسية مسلمة تؤمن برسالة التوحيد، وساد الإسلام أغلب دول العالم، بل إن بعض العرب كان من النصارى الآريسيين! لعل (ورقة بن نوفل) كان أشهرهم، وهذا يظهر جليًا من سرعة اتباعه لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي كان يقرأ عنه في الإنجيل، ويظهر أيضًا من شعر ورقة الذي يقول فيه:
لَا تَعْبُدُنّ إلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ ... فَإِنْ دَعَوْكمْ فَقُولُوا بَيْنَنَا جَدَدُ


أما القارة الأوروبية فقد كانت قارة مسلمة على مذهب البطل الإسلامي آريوس، بل إن الإسلام الآريوسي أو الآريسي كان دين القارة الأوروبية والشام والشمال الأفريقي لسنين عديدة، إلا أن المضحك المبكي في هذه القصة حدث عندما جاء إمبراطور وثني اسمه (يوليانوس)، هذا الإمبراطور الروماني لم يكن مسيحيًا أصلًا حتى موته، فقام بدعم المثلثين من الأرثذوكس وغيرهم على حساب المسيحيين الموحدين، فانتشرت المسيحية المحرفة بحد السيف وآلات التعذيب، بعد أن قام المثلثون بقتل ما يزيد عن 12 مليون من الآريسيين الموحدين، فأخفى من بقي من الآريسيين إسلامهم (سر تخفي قسّيسي عمورية والموصل وحرّان في قصة سلمان!)، وكان معظم أقباط مصر مسلمين آريسيين، ما يفسر اعتناق الأقباط السريع للإسلام بعد أن جاءهم الصحابي الجليل عمرو ابن العاص ليحررهم من اضطهاد المثلثين لهم، فكان عمرو بن العاص -رضي اللَّه عنه- بمثابة المحرر للمسيحيين من التعذيب والقتل والإرهاب.


أما البربر فقد كانوا موحدين مسلمين من أتباع آريوس البربري، فلما جاءت دعوة محمد الخاتمة أعلنوا اتباعهم لها بسرعة البرق لتوافقها مع عقيدة التوحيد التي يؤمنون بها أصلًا، وهذا ما يفسر السرعة الخرافية التي فتح فيها عقبة بن نافع الشمال الأفريقي، ورغم أن حاجز اللغة كان عائقًا أمام معرفتهم بقواعد الشريعة المحمدية لبعض الوقت، إلّا أنهم ما أن تعلموا العربية لغة القرآن حتى أصبحو قادة للإسلام! فإذا كنت أمازيغيًا وجاءك أحد المنصرين الأوروبيين يُذكرك بأصولك الأوروبية المسيحية فلا تكذبه، ولكن قل له أن أجدادك من البربر كانوا مسيحيين آريسيين يؤمنون بوحدانية اللَّه، وقم بعد ذلك بتذكير ذلك المنصر بأصوله المسيحية الأريسية التي دافع عنها بطل البربر آريوس، ثم ادعه أنت بدورك للإسلام!


أما الأندلس، فقد كانت آخر معقلٍ من معاقل الآريسية في أوروبا، وكان أهل الأندلس مسلمين آريسيين حتى قبل أن يُولد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلا أنه في عام 586 م قام الملك الإسباني (ريكاردو) باعتناق المذهب الكاثوليكي، ليأمر بعدها بفرضه على الشعب المسلم بحد السيف، بعد أن قتل أغلب المسلمين الآريسيين من الإسبان والبرتغاليين، ليضطر من بقي منهم لإخفاء إسلامه في انتظار فرج اللَّه، وفعلًا جاء فرج اللَّه بعدها بسنوات قليلة، والعجيب في الأمر أن المدقق لهذا التاريخ 586 م -وهو تاريخ سقوط آخر معقل من معاقل الإسلام على الكرة الأرضية- يجد أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يبلغ من العمر حينها 20 عامًا تقريبًا! فما هي إلّا سنيات قليلة حتى يشرق نور التوحيد من جديد على يديه، فيضيئ به دياجين ظلمات الشرك الحالكة، ليحمل طارق بن زياد البربري تلك الشعلة التي دافع عنها جده آريوس ليضيء بها ديار الأندلسَ من جديد، فيحرر إخوانه المسلمين الأوروبيين الآريسيين من براثن الظلم والاضطهاد التثليلثي.



ليبيا. . . . تلك الأرض التي أخرجت آريوس من قبل، أبت إلّا أن تُخرجَ من صحرائها القاحلة عملاقًا آخر من عمالقة الإسلام، ولكنه هذه المرة ليس من العنصر الأمازيغي البطل، بل من العنصر العربي القرشي، فمن تراه يكون ذلك الشيخ الليبي البطل الذي حمل السلاح وهو في السبعين من عمره، ليدوّخ به جيوش إيطاليا الفاشية في صحاري ليبيا، بعد أن دوّخ من قبل جيوش فرنسا العنصرية في أدغال أفريقيا السمراء؟ من هو ذلك الأسد الليبي الكبير الذي جعل من إيطاليا أضحوكة في أفواه الأوروبيين بعد أن عجزت جيوشها البرية والبحرية والجوية من إيجاد حل للغز هذا الشيخ العظيم؟!
يتبع. . . . . . .

__________________


ابو الوليد المسلم 05-16-2026 10:50 PM

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

(28) أسد الصحراء (عمر المختار)




الحكاية تبدأ في خيمة لإحدى القبائل البدوية التي يرجع نسبها إلى قبيلة قريش العدنانية، هناك قرر رجلٌ يدعى (المختار بن عمر) أن يصطحب زوجته (عائشة بنت محارب) لكي يحجّا معًا بيت اللَّه الحرام، ليتوفى المختار في طريقه إلى مكة تاركًا وراءه طفلًا يتيمًا اسمه عمر، ليتربى هذا الطفل في البيئة الصحراوية البدوية التي خرَّجت فرسان الصحابة من قبل، ليصبح عمر المختار فارسًا لا يشق له غبار.

وفي نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين انتقل عمر المختار إلى قلب أفريقيا ليجاهد مع إخوانه من مسلمي "تشاد" ضد الغزاة الفرنسيين، ليلقن فيها المختار جنرالات فرنسا دروسًا في فنون القتال العربي الأصيل، قبل أن يلقنهم ما تعلمه من دروس الكفاح المسلح الإسلامي ضد الغزاة! عندها ذاع صيت المختار في أرجاء إفريقيا، فانتقل بين القبائل الإفريقية ينشر الإسلام فيها، قبل أن يفرغ نفسه لكي يصبح معلمًا!

وفي يوم 29 سبتمبر من عام 1911 م أرسلت إيطاليا بارجاتها البحرية لاحتلال ليبيا، ليعود المختار من جديد إلى الجهاد المسلح، ولكن هذه المرة ضد الغزاة الطليان، فقام عمر المختار بتنظيم صفوف المجاهدين، وشن الغارات تلو الغارات ضد صفوف الغزاة، عندها تساءل عندها الطليان عن هوية ذلك الشبح المرعب الذي يباغت جنودهم من حينٍ إلى آخر، وبدأ اسم المختار يُتداول في صحف روما، فتغيرت أربع حكومات في إيطاليا نتيجة لهزائم الجيوش الإيطالية المتعاقبة على يد المختار ومن معه من المجاهدين الليبيين، فتحول عمر المختار إلى كابوسٍ يقض مضاجع الإيطاليين،

حتى أخذ (موسوليني) على عاتقه مهمة إنهاء أسطورة المختار التي باتت انتصاراته المتتابعة تسبب الإحراج لسمعة إيطاليا في أوروبا، فقرر زعيم الفاشية أن يلقي بورقته الأخيرة، فأرسل إلى ليبيا مجرم حربٍ يدعى (غرتسياني)، فقام هذا المجرم بتنفيذ خطة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، فكان أول شيءٍ قام به هذا الفاشي المجرم هو بناء أطول جدار سلكي شائك في العالم على الحدود الليبية المصرية، لتنقطع بذلك الإمدادات المصرية إلى المجاهدين في ليبيا، ثم قام مجرم الحرب هذا بإنشاء أكبر معسكر اعتقال في التاريخ، فسجن فيه ما يقرب من نصف عدد الشعب الليبي المسلم، فوضع ثمانين ألف ليبي وليبية في هذا المعسكر الذي كان يتسع أصلًا لعشرة آلاف نسمة فقط، ولم يكتفِ غرتسياني بذلك فحسب، بل وضع مواشيهم وإبلهم في ذلك المعسكر الضيق، فأصبح الناس وكأنهم في يوم الحشر، فمات الليبيون موتًا بطيئًا في محرقة حقيقية يأن لها التاريخ ويندى لها الجبين، ولم يبق من الـ 80 ألف ليبي إلّا 15 ألفًا في حالة يرثى لها من المرض والضعف، قبل أن يقوم غرتسياني بإلقاء نصف طن من القنابل على المسلمين المدنيين في مدينة "الكفرة" الليبية والتي قام فيها دعاة الحرية باغتصاب الفتيات المسلمات بالتناوب بينهم، أما كبار السن من الشيوخ والنساء المدنيين فقد كانوا يُقتادون على متن الطائرات مغلولي الأيدي والأرجل، قبل أن يقوم الطليان بإسقاطهم تباعًا من فوق الطائرات وهم يضحكون قائلين: لا تنسوا أن تطلبوا من نبيكم البدوي محمد أن يبعث لكم بالنجدة! ليتم رمي المسلمين من ارتفاع 400 متر على الصخور الصماء لتتفجر رؤوسهم أمام أعين أطفالهم، لكي يزرع الفاشيون فيهم الرعب والخوف، قبل أن يخطف دعاة حقوق الإنسان الأطفال من بين أحضان أمهاتهم، لإرسالهم إلى الفاتيكان لكي يعمِّدونهم هناك، ليصبح أولئك الأطفال الأبرياء نصاري، قبل أن يرسلهم الصليبيون مرة أخرى إلى ليبيا ليقتلوا آباءهم بأيديهم!

ونبقى الآن مع أحد الجنود الإيطاليين الشرفاء يذكر لنا في مذكراته صورًا للإرهاب الإيطالي الذي كان يراه بأم عينه: "وفي يومٍ من الأيام قام بعض الجنود بحرق حيٍ كاملٍ قرب بنك روما في مدينة طرابلس، فذهبت هناك لأجد أمامي الجثث الليبية المحترقة،
هناك وجدت شيخا ليبيًا ما زال على قيد الحياة بالرغم من أن النيران قد نالت من جسمه ما نالت، فلما رآني ذلك الشيخ، مد يده باتجاهي يطلب المساعدة مني، فوجدت راهبًا مسيحيًا يعمل في المستشفى العسكري الإيطالي، فطلبت منه المساعدة لحمل ذلك الليبي إلى المستشفى، فنظر إلى الراهب الكاثوليكي بابتسامة ساخرة وهو يقول لي: لا تقلق كثيرًا على هذا البدوي، سوف أهتم أنا بأمره، اذهب أنت إلى المركز وأبلغ القيادة بأن المهمة تمت بنجاح! فانطلقت إلى المركز لكي أوصل رسالة الكاهن الكاثوليكي وعيناي تراقبان ذلك الليبي الجريح وهو ما يزال رافعًا يده باتجاهي أنا بالذات طالبًا المساعدة، إلا أنني تركته لتنفيذ ذلك الأمر العسكري الذي تلقيته للتو، بعد أن تأكدت أن ذلك الكاهن المسيحي الطيب سوف يقوم بما يلزم لعلاجه.

وفعلًا قمت بتنفيذ الأمر العسكري، ثم ذهبت لكي أبيت تلك الليلة في المعسكر الرئيسي للقوات الإيطالية في طرابلس، ولكنني لم أستطع النوم مطلقًا! فلقد كانت صورة ذلك الشيخ الليبي تطاردني كلما أغمضت عيني للنوم، فمنظر يده المرفوعة باتجاهي طالبًا النجدة كان يلاحقني في كل مكان، فقررت حينها أن أذهب بنفسي إلى الحي المحترق في منتصف الليل لأطمئنَّ على ذلك الشيخ، وعندما وصلت هناك كدت أن أفقد عقلي! فلقد وجدت جثة ذلك العربي وقد تفحمت، ويده المتفحمة ما زالت مرفوعةُ كما تركتها، فأجهشت في البكاء بشكل هستيري، وقررت أن أرجع إلى المعسكر لأطلق النار على ذلك الكاهن الكاثوليكي المجرم، ثم أطلق النار على رأسي لأرتاح من عذاب ما أراه من فظائع يومية، إلَا أنني حين أمسكت بالمسدس بيدي تذكرت يد ذلك الليبي المسكين، فقررت أن أنقل جرائم الجيش الفاشي للعالم بأسره، فهربت من الجيش لأفضح أولئك المجرمين في الصحافة! ".

الحقيقة أن المرء يشعر بحالةٍ من الغثيان وهو يقرأ مثل هذه القصص المرعبة، ولقد كان لدي فيما وجدته من مراجع ومعلومات الكثير من صور الإرهاب البشع، إلّا أنني آثرت أن أتوقف عن ذكر المزيد منها، لكي لا يصاب القارئ بحالة من الغثيان كتلك التي انتابتني وأنا أكتب هذه الأسطر، ولكي أترك للقارئ قليلًا من الدموع التي قد تلزمه في نهاية هذا الكتاب عندما نأتي على ذكر فظائع محاكم التفتيش الرهيبة!

أما عمر المختار. . . . فقد كان في هذه الأثناء يتنقل مع بقية المجاهدين في صحراء ليبيا الحارقة ينصب فيها الكمائن للجنود الإيطاليين، ليحول ليبيا إلى كتلة من نار تحرق معسكرات إيطاليا الفاشية، موزعًا وقته بين الجهاد وقيام الليل، فكان المختار يختم القرآن مرةً كل أسبوع في نفس أيام القتال، وينام ساعتين أو ثلاث ساعاتٍ على الأكثر، حتى جاء ذلك اليوم الذي باغته فيه كمين إيطالي، ليصاب فيه فرسه، فيسقط عمر المختار على رمال الصحراء، عندها أخذ هذا الشيخ الكبير يزحف على بطنه فوق رمال الصحراء الملتهبة، ليعتقله مرتزقة الطليان، ليسرع غرتسياني ليقابل أسد الصحراء المرعب، الذي لطالما سمع عنه الأساطير، وأترككم هذه المرة مع غرتسياني نفسه يصف تلك المقابلة في كتابه "برقة المهدأة":


"وعندما حضر المختار أمام مكتبي كانت يداه مكبلتين بالسلاسل، وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال العاديين، له منظره وهيبته، رغم أنه كان يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقف أمام مكتبي أسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح: فسألته قائلًا: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشستية؟ (فأجاب الشيخ): من أجل ديني ووطني! فقلت: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟ فأجاب الشيخ: لا شيء إلا طردكم، لأنكم مغتصبون، أما الخرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند اللَّه. فسألته: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك إن تأمر الثوار البدو بأن يسلموا أسلحتهم؟
يضيف غرتسياني: ما أن سألت المختار هذا السؤال حتى نظر إلي بنظرة أرعبتني وقال لي بثقة غريمة:
"إننا لا نستسلم أبدًا. . . . نموت أو ننتصر"


ويستطرد غرتسياني حديثه "وعندما وقف ليتهيأ للانصراف كان جبينه وضاءً كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف! أنا الجنرال الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء! ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد أمام هذا الرجل! فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء".

وتمت محاكمة المختار فعلًا بمحكمةٍ قررت مسبقًا إعدامه، وفي عام 1931 م تم إعدام هذا الشيخ الذي جاوز الخامسة والسبعين من عمره، واستشهد عمر المختار رحمه اللَّه أمام أنظار شعبه، ولكنه كان قد زرع روح الجهاد في قلوب الليبيين قبل رحيله كما زرعها ابن باديس في قلوب الجزائريين قبل رحيله أيضًا، على الرغم من أن أيًا منهما لم يرَ استقلال بلاده الذي جاء نتيجة لجهاده، فرحمك اللَّه يا أسد الصحراء، يا شيخ المجاهدين، يا سيدي عمر المختار!



عمر. . . . اسمٌ ارتبط ذكراه في وجدان كل مسلم باسم ثاني أعظم رجل في أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، هذا الاسم يعشقه المسلمون عشقًا. . . . فهو الاسم الذي ألهم الشعراء وأنصف الفقراء!
إيه يا ابن الخطاب!. . . . . . . ها قد وصلنا إلى ذكرك أيها الفاروق!
يتبع. . . . . . . .

ابو الوليد المسلم 05-16-2026 10:52 PM

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني
(29) عمر بن الخطاب



https://majles.alukah.net/imgcache/2019/10/53.jpg
" كاسر ضلع كسرى" (عمر بن الخطاب)
{لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}
(اللَّه)
فكرت مَليًا وأنا أتأمل هذا الاسم العملاق، ماذا عساني اكتب عن هذا المارد الإسلامي؟!
فتذكرت صنيع عمر بن الخطاب نفسه في أول يومٍ أسلم فيه. . . . حينها قام عمر بعملٍ عجيب يرويه هو لنا بنفسه قائلًا: "لمّا أسلمتُ تلك الليلة تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، قلت: أبو جهل! فأقبلت حين أصبحت، حتى ضربت عليه بابه، فخرج إلي أبو جهل فقال: مرحبا وأهلا يا ابن أختي، ما جاء بك؟ فقلت: جئت لأخبرك أني قد آمنت باللَّه وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به! فضرب الباب في وجهي".
فكان القرار: لن أكتب شيئًا عن حياة عمر بن الخطاب في هذا الكتاب!!!


بل سيكون عمر بن الخطاب هو الوحيد من بين العظماء المائة الذي سوف أفرد له صفحة واحدة فقط! سأكتفي فيها فقط بذكر اسمه! فذكر اسم عمر بن الخطاب يكفي لكي نزلزل به كيان كل كافرٍ ومنافق! فسل أكاسرة فارس من دمر إمبراطوريتكم؟ وسل حكام إيران الحاليين لماذا تحتفلون بيوم مقتله؟ ولماذا تعتبرونه عيدًا رسميًا لدولتكم؟ سلهم لماذا يبنون ضريحًا لقاتله أبي لؤلؤة؟ سلهم من الذي جعل (يزدجرد) طريدًا كالكلب التائه في فيافي آسيا؟ لا أعتقد وقتها أنك ستسمع إجابة منهم، ولكن الشيء الذي أنا متأكد منه، أنك سترى وجوهًا وقد اسودَّت من الغيظ، حينها تذكر قول اللَّه عز وجل: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}!



وإذا كان أصغر طفلٍ مسلمٍ في أقاصي جزر الفلبين يعرف قصص الفاروق الرائعة في الزهد والبطولة، فمن منّا يعرف قصة عمِّ الفاروق الذي سيبعث يوم القيامة كأمة وحده بين محمد وعيسى؟
يتبع. . . . . .
_____________________

ابو الوليد المسلم 05-17-2026 10:08 PM

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

(30) " عملاق التوحيد" (زيد بن عمرو)




https://majles.alukah.net/imgcache/2019/10/53.jpg
قصة بطلنا الحالي تعود إلى العصر الجاهلي، وقتها كانت العرب تتخذ من الأصنام شركاءً للَّه، فصنع بعض العرب آلهتهم من الحجر، وصنعها آخرون من الخشب، ووصل الأمر ببعضهم إلى عبادة آلهةٍ مصنوعةٍ من التمر كانوا يأكلونها في وقت الجوع!
ومن بين ركام هذا الوضع الكئيب خرج رجلٌ من قبيلة قريش يقال له (زيد بن عمرو بن نفيل)، هذا الرجل نظر في حال العرب وما يعبدون من أوثان، فلم تستسغ فطرته السليمة هذا الأمر، فتوصل هذا العربي البدوي إلى نظريةٍ علميةٍ لم يتمكن فلاسفة الفرس أو علماء الإغريق من التوصل إليها، هذه النظرية العلمية التي وضعها هذا العبقري العربي من فوق رمال صحراء الجزيرة تسمى بـ "نظرية الشاة لإثبات توحيد اللَّه" وتتلخص هذه النظرية في كلمات بسيطة وجَّهها زيد بن عمرو إلى قومه قائلًا:
"الشاة خلقها اللَّه، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم تذبحونها على غير اسم اللَّه؟!"
بالرغم من بساطة هذه النظرية التي توصل إليها هذا العربي من خلال استخدام عقله فقط لتحليل عنصرٍ بسيطٍ من عناصر بيئته البدوية البسيطة، أرى أن هذه النظرية تفوق في أهميتها العلمية التجريبية كل ما كان (أفلاطون) و (أرسطو) و (سقراط) قد توصلوا إليه من نظريات تفسر سر "الوجود الإنساني"، ونحن هنا لا نتحدث عن نبي يوحى إليه بحقيقة الوحدانية، بل نتحدث عن رجلٍ عادي استخدم أهم نعمةٍ للإنسان -العقل- لاستنباط حقيقة الوجود التي شغلت البشر في كل العصور، وما زالت!


ولكي نفهم معنى التوحيد الذي توصل إليه بطلنا يجب علينا أن نطلب من بساط التاريخ أن يسافر بنا إلى أعماق الماضي في صحراء العرب، في ذلك الزمان أتى رجلٌ من "بلاد الرافدين"، وبالتحديد من مدينة "أوردا السومرية يقال له (إبراهيم بن آزر)، فدعى إبراهيم الناس إلى توحيد اللَّه، ليصبح العرب بعد ذلك موحدين، فسُمّي من كانوا على دين إبراهيم بـ "الحنيفيين"، ولكن مع مرور السنين ذهب رجلٌ من قبيلة خزاعة اسمه (عمرو بن لحي الخزاعي) في تجارة للشام، فرأى هناك أناسًا يسجدون للأصنام، فلما أنكر عليهم عبادتهم للأصنام من دون اللَّه قالوا له: إننا لا نعبد الأصنام كحجارةٍ وإنما نتقرب إلى اللَّه بأرواح الأولياء والصالحين التي تسكن بداخل هذه الأصنام، فراق لعمرو هذا التفسير، وطلب منهم أن يعطوه صنمًا، فأعطوه صنمًا يسمونه (هُبل)، فأخذه لقومه ونشر عبادة الأصنام بين العرب.


ولنا وقفة بسيطة هنا. . . . كما نرى من هذه القصة أن العرب كانوا يعرفون أن اللَّه هو الخالق، ولكن مشكلتهم كانت تتمثل في كونهم كانوا يتقربون إلى اللَّه بتلك الأصنام! وإذا كنت تستهجن على العرب القدامى عبادتهم للأصنام، فاسأل نفسك أسئلة تعرف أنت وحدك إجابتها: هل تتقرب إلى اللَّه بقبور الأولياء الصالحين كما تقرب العرب إلى اللَّه بالأوثان؟ هل تدعو (السيد البدوي) لكي يزوج لك ابنتك؟ هل تستغيث بـ (المرسي) لكي يفرج عنك الكرب؟ هل تطلب المدد من رسول اللَّه؟ هل تقول (واللَّه) أم تقول (والنبي) عند حلفانك؟!


المهم أن زيد بن عمرو أنكر على العرب عبادتهم للأصنام، وأنكر عليهم أيضًا عادة وأد البنات، فكان رحمه اللَّه يذهب إلى الرجل الذي يريد وأد ابنته فيقول له: لا تقتلها واتركها تعيش وأنا أكفيك مؤونتها! ثم بعد ذلك قرر زيد بن عمرو الرحيل إلى الشام لكي يفتش عن دين التوحيد الذي توصل إليه بعقله، وفي الشام لم يقتنع بدين اليهود، ولم يقتنع بدين النصارى أيضًا، ولكن عالمًا من اليهود وآخر من النصارى أخبراه أن دين التوحيد الذي ينشده هو دين إبراهيم الحنيف الذي لم يكن يعبد إلا اللَّه، عندها رفع زيد يديه إلى السماء وقال مناجيًا ربه: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم.

ثم رجع زيد إلى مكة، فأسند ظهره إلى الكعبة وصاح في الناس: "يا معشر قريش! واللَّه ما منكم على دين إبراهيم غيري" ثم وقف هذا العملاق الإسلامي حائرًا لا يعرف كيف يصلي للَّه، فأخذ يبكي من الحيرة وهو يقول: "اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم" فيخر ساجدًا أمام الكعبة!

وفي يومٍ من الأيام وبينما زيد بن عمرو في بلاد الشام المباركة، جاءه راهب نصراني علم بقصته، فأخبره أن نبيًا سوف يبعث قريبًا من بلاد العرب من ولد (إسماعيل ابن إبراهيم)، فرجع زيد إلى مكة يريد ذلك النبي، العجيب أن زيدًا كان يقابل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل البعثة ويخبره بأمره وما هو عليه من دين إبراهيم، ويروي العالم الفلسطيني الجليل الحافظ (ابن حجر العسقلاني) في كتابه الرائع "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" روايةً عجيبةً يرويها (عامر بن ربيعة) يقول فيها: "قال لي زيد بن عمرو: إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكانا يصليان إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقره مني السلام! قال عامر: فلما أسلمت أعلمت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بخبره قال: فرد عليه السلام وترَّحم عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: «ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا».

ثم خرج زيد بن عمرو إلى الشام مرة أخرى، فوجده أحد الرهبان النصارى وأخبره بأن نبي آخر الزمان الذي ينتظره قد ظهر بالفعل، فلم يصدق زيد ابن عمرو نفسه من شدة الفرح، فأسرع نحو مكة يريد ذلك النبي الذي عاش طيلة حياته يتمنى رؤيته وهو لا يعلم أنه هو نفسه محمد بن عبد اللَّه، ذلك الشاب الذي كان يقابله في شوارع مكة! وبينما زيد في طريقه إلى مكة فرحًا مسرورًا، حدثت المأساة!
فقد هجم عليه مجموعة من قطاع الطرق فقتلوه، فسالت الدماء منه كالشلال المتدفق، فلمّا أدرك أنه أصيب في مقتل، نظر عملاق التوحيد زيد بن عمرو بن نفيل إلى السماء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فدعى ربه دعاءً عجيبًا ما سمعت الأرض مثله من قبل، هذا الدعاء كان له أكبر الأثر في ميلاد عظيمٍ من أهم عشرة عظماء في تاريخ أمة محمد بن عبد اللَّه!
فما هو سر ذلك الدعاء العجيب؟ ومن هم أولئك العشرة الذين يُعتبرون أعظم عشرة رجال في تاريخ الإنسانية جمعاء بعد الأنبياء؟ وما هي حكاية ذلك الصحابي البطل الذي كان قائد فرسان المسلمين في معركة "أجنادين" المجيدة؟
يتبع. . . . . .

ابو الوليد المسلم 05-17-2026 10:11 PM

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني


(31) قائد سلاح الفرسان الإسلامي" (سعيد بن يزيد)



https://static.islamway.net/uploads/...653_41063.jpeg
ما عرفت إنسانًا عاديًا في تاريخ الدنيا نفع ابنًا له بدعاءٍ بمثل ما نفع به زيد بن عمرو ابنه سعيدًا! فأن يدعو لك أبوك ربَّه في أمر من أمور الدنيا أو الآخرة فهذا شيءٌ جميل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إن كان ذلك الأب يمتلك في رصيده الإيماني ما يؤهله لكي يكون مستجابَ الدعوة كزيد بن عمرو! عندها يُطرح سؤالٌ آخر: ما هو الشيء الذي تعتقد أنه سيشغل تفكيرك وأنت على فراش الموت لكي توصي به أولادك وتدعو به ربك؟ لا شك أن الشيء الذي سيدور في ذهنك وأنت تموت هو نفس الشيء الذي كان يدور في ذهنك وأنت تعيش!
فإن كنت قد عشت حياتك في جمع المال وكنزه، فلا شك أنك ستفكر بتلك الدراهم التي جمعتها طيلة حياتك، وكيف أن أولادك سينفقونها في ملذاتهم بعد دفنك أنت تحت التراب! وإن كنت مغرمًا في حياتك بالفن السابع ومشاهدة المسلسلات على الشاشة الصغيرة، فإنك حتمًا ستتذكر وقتَ موتك بطلة مسلسلك الجميلة وهي تودع حبيبها في الحلقة الأخيرة!

أما في حالة زيد بن عمرو بن نفيل رحمه اللَّه فقد كان الوضع مختلفًا تمامًا! فقد كان ما يشغل كيان هذا الرجل في حياته هو البحث عن توحيد اللَّه، لذلك رفع زيد يده إلى السماء والدماء تسيل منه داعيًا ربه:
"اللهم إن كُنتَ حرمتَني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني سعيدًا"
وفعلًا، استجاب اللَّه لدعائه، فلم يُسلم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فحسب، بل كان سعيدٌ سعيدًا بأن جعله اللَّه أحد أسعدِ عشرة سعداءٍ في تاريخ أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-! ولك أن تعلم أن أولئك العشرة هم أفضل بني البشر بعد الأنبياء مباشرة! هل علمت الآن ما صنعه دعاء زيدٍ الأب لسعيدٍ الابن؟


ولكن سعيدًا لم يكتفِ بكونه ابن عملاق التوحيد في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل، ولم يكتفِ بكونه من بين عشرة رجالٍ فيهم أبو بكر وابن عمه الخطاب وذو النورين عثمان بن عفان والبطل علي بن أبي طالب وطلحة الخير وابن عمة رسول اللَّه الزبير بن العوام وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح وخال رسول اللَّه سعد بن وقاص والبطل الإسلامي عبد الرحمن بن عوف، بل اختار رضي اللَّه عنه وأرضاه أن يكون أحد أبطال هذه الأمة الذين فتح اللَّه عز وجل عليهم ممالك الأرض وخزائنها، فكان سعيد بن زيد قائد سلاح الفرسان في معركة "أجنادين" الباسلة، أمّا في "اليرموك" فقد كان هذا البطل من بين البدريين المائة الذين فتح اللَّه عليهم بلاد الشام، ولنبقى قليلًا مع سعيد بن زيد رضي اللَّه عنه وأرضاه ليصف لنا يوم اليرموك والجيش الرومي بنفسه:


"سار الروم أمامهم الأساقفة والبطاركة والقسيسون يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات فيرددها الجيش من ورائهم وله هزيم كهزيم الرعد، فلما رآهم المسلمون على حالهم هذه هالتهم كثرتهم وخالط قلوبهم شيء من خوفهم، عندها قام أبو عبيدة بن الجراح يصيح بأعلى صوته بالمسلمين: يا عباد اللَّه. . . . إن تنصروا اللَّه ينصركم ويثبت أقدامكم، اصبروا عباد اللَّه، فإن الصبر منجاة من الكفر، ولا تتكلموا إلا بذكر اللَّه عز وجل، وارفعوا الرماح، وتترسوا بالدروع، حتى آمركم إن شاء اللَّه تعالى، عند ذلك خرج جندي من صفوف المسلمين وقال لأبي عبيدة: يا أبا عبيدة. . . . يا أبا عبيدة. . . . . إني قد أزمعت على الشهادة، فهل لك من رسالة تبعث بها إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فبكى أبو عبيدة عند سماعه ذلك وقال له والدموع تبلل لحيته: نعم. إذا لقيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأقرئه مني ومن المسلمين السلام، وقل له: يا رسول اللَّه. . . . .
جزاك اللَّه عنا كل خير، إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا


يقول سعيد بن زيد: فما إن سمعت كلامه ورأيته يمتشق حسامه ويمضي إلى لقاء أعداء اللَّه حتى قفزت من على فرسي، واقتحمت إلى الأرض، وجثوت على ركبتي، وأشرعت رمحي، وطعنت أول فارس أقبل علينا فقتلته، ثم وثبت على العدو وقد انتزع اللَّه كل ما في قلبي من الخوف، فثار الناس في وجوه الروم، وما زالوا يقاتلونهم حتى كتب اللَّه للمؤمنين النصر".


واللَّه إن الإنسان لتأخذه الرعدة وهو يستمع لمثل هذه الحكايات عن أولئك الأبطال الذين ما عرف تاريخ البشر زجالًا مثلهم أبدأ، فلقد انتصرت كتائب النور الإسلامية بفضل رجالٍ من أمثال سعيد بن زيد بن عمرو رضي اللَّه عنه وعن أبيه على إمبراطورية الروم الجبارة في كل المعارك التي خاضوها ضدهم، فجزى اللَّه سعيدًا كل خير عن المسلمين عامة وعن أهل "دمشق" خاصةُ، هذه المدينة الإسلامية العظيمة التي كان هو أول أمير إسلامي لها في تاريخها، قبل أن يعتذر هذا المجاهد العظيم لأبي عبيدة عن الإمارة، بعد أن اشتاق للجهاد مرة أخرى، ليترك هذا البطل بن البطل كرسي الإمارة ليتحول إلى جنديٍ بسيط في جيش المجاهدين العرب المسلمين، ليعلن للدنيا بان كتائب النور الإسلامية جاءت لتحرير بني الإنسان!


وإن كنا قد تحدثنا عن عمِّ وابن عمِّ عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنهم أجمعين، فقد جاء الوقت لكي نذكر أخًا للفاروق ذا حظٍ عظيم بين عظماء أمة الإسلام المائة، فمن يا ترى يكون ابن الخطاب الذي لم يكن عمرًا؟ وما هي حكاية عمليته الفدائية في "حديقة الموت" يوم "اليمامة"؟ ولماذا كان المارد العملاق عمر ابن الخطاب يجهش في البكاء كالطفل كلما تذكره؟ وكيف قتل هذا العملاقُ الإسلامي العظيم خائنًا كان أشد خطرًا على الإسلام من (مسيلمة الكذاب) نفسه؟ وما هي حكاية حروب الردة؟ وهل ارتدت العرب فقط من أجل رفضهم دفع الأموال كما تعلمنا في مدارسنا؟!
يتبع. . . . . .


ابو الوليد المسلم 05-19-2026 11:16 AM

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

(32) "صقر اليمامة" (زيد بن الخطاب)


https://static.islamway.net/uploads/...653_41063.jpeg
ما أروعها من كلمات هذه التي تخترق الصدر لتسكن سؤدد القلب!
كلمات خرجت من وجدان عملاقٍ اسمه عمر بن الخطاب، لتحوله إلى طفل صغير يجهش في البكاء طلبًا لحنان أخيه الكبير! كلمات يتذكر المرء فيها لأول مرة أن هذا المارد الضخم الذي دكَّ حصون كسرى وقيصر كان طفلًا في يومٍ من الأيام! نعم. . . . حتى عمر بن الخطاب كان طفلًا يومًا ما!! ولعل ذلك الطفل بقي حيًا أسيرًا بين ضلوعه لا يجد مكانًا له في حياة هذا العملاق، إلّا في هذه اللحظة الذي يتذكر فيها أخاه الكبير! عندها يخرج هذا الطفل من بين ضلوعه وينادي بأعلى صوته بكلمات اختلطت فيها دموع عينه بحشرجات صدره: "أين أنت يا زيد؟ أين أنت يا أخي؟ ".


وواللَّه إن المرء ليستشعر من بين أحرف تلك الكلمات البليغة أيامَ الصبا التي تحدث عنها عمر، وياللعجب! فما كنت أتخيل يومًا أنني عندما أرسم صورة في مخيلتي للمارد عمر بن الخطاب فإنني سأراه فيها طفلًا صغيرًا! ولعمري إني لأرى عمرًا وهو طفلٌ صغيرٌ يسابق أخاه زيدًا الخطى في مراعي مكة وشمس الأصيل تتهادى عليهما في الأفق، حينها كان الأخ الكبير زيدٌ يبطئ من سرعته لكي يتسنى لأخيه الصغير عمر أن يسبقه، ولعلك كنت تعلم وقتها يا عمر بحيلة أخيك تلك، كنت تعلم يا عمر في قرارة نفسك أنه كان يسبقك دائمًا، ولكنك لم تكن تعلم حينها بأنه سيسبقك إلى الإسلام، وسيسبقك إلى الشهادة!


أعلم أن المفترض لهذا الكتاب التاريخي أن يبتعد عن العاطفة في سرده للوقائع التاريخية، وأنه يتوجب على كاتبه أن يعتمد في كتابته على الحقائق التاريخية المجردة من أي شكلٍ من أشكال العواطف الإنسانية، إلا أن عظيمنا الإسلامي الذي نحن في صدد الحديث عنه ليس رجلًا كباقي الرجال، بل هو نوعٌ خاصٌ من البشر الذين لا يمكن لك أن تفصل ذكر العاطفة عنهم أبدًا، كيف لا وعمر بن الخطاب نفسه تمنى أن لو كان بمقدوره نظم الشعر لكي يرثيه به! والحق أقول أنني كنت استغرب في البداية عن سر ضعف الفاروق كلمّا جاء ذكر أخيه زيد، وربما اعتقدت حينها أنها مجرد عاطفةٍ أخ لأخيه، وهذا جزء من الحقيقة لا أنكره، ولكنني عندما قرأت ترجمة هذا الإنسان العظيم فهمت سر ضعف الفاروق، فنحن في صدد ذكر بطل نادرٍ من أبطال أمة الإسلام. . . . . إنه الفدائي البطل زيد بن الخطاب رضي اللَّه عنه وأرضاه.


البداية كانت في بيت الخطاب بن نفيل بن عمرو، في هذا البيت نشأ زيد مع أخيه عمر تنشأة عربية صلبة، ليشاء اللَّه أن يسلم زيد قبل أخيه عمر، وفي معركة أحُد رأى عمر أن درع أخيه الكبير زيد قد سقطت منه وهو يقتحم صفوف المشركين اقتحام الأسود، فخاف عليه من أسنة الرماح، فخلع درعه من على صدره وصاح بأخيه: # يا زيد. . . . يا أخي. . . . خذ درعي فقاتل بها" فنظر إليه أخوه الكبير وهو يبتسم وقال له: "اني أريد من الشهادة مثل ما تريد يا عمر" عندها رمى عمر الدرع على الأرض وصار الاثنان يقاتلان الأعداء من دون أي دروع تحمي صدورهم!
وبعد أن مات رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ارتدت كثيرٌ من القبائل العربية التي لم تكن متعودةً على الوحدة، واعتبرت أن مشروع الوحدة قد انتهى بانتهاء حياة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمنهم من ادعى النبوة، ومنهم من أراد تقليل عدد الصلوات، ومنهم من رفض دفع الزكاة، فقام الصدِّيق بإرسال الجيوش تلو الجيوش إلى أصقاع الجزيرة العربية لمحاربة جيوش المرتدين.
وهنا لنا وقفة قصيرة مع حروب الردة. . . . . فهل كانت هذه الحروب من أجل أموال الزكاة أو كما يصورها بعض المستشرقين وأتباعهم من المنافقين من أجل الضريبة المالية؟
الحقيقة أن الإسلام أصبح بعد وفاة النبي على مفترق طرق، فإما أن يرضى المسلمون بإسقاط ركن من أركان الإسلام، فيكون مقدمة للمساومة التي ستسقط فيما بعد أركان الصلاة والحج والصوم بل وحتى الشهادتين، وإمّا مقاتلة أولئك المرتدين، أما العامل الاقتصادي فلم يكن أبدًا في الحسبان، بل لقد مات أغلب الصحابة وهم فقراء، وإنما ركز المستشرقون على السبب الاقتصادي بالتحديد لكي يشوِّهوا صورة الإسلام ويصورونه على أنه دينٌ مادي بحت!


وإذا جاء ذكر المرتدين جاء ذكر عدو اللَّه (مسيلمة الكذاب)، فلقد ظهر جنون هذا الرجل مبكرًا حتى قبل وفاة الرسول محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقد بعث هذا الأبله الكذاب رسالة إلى رسول اللَّه يقول فيها: "من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه، إني قد أُشركت في الأمر معك، فلنا نصف الأرض، ولكم نصف الأرض، أو تجعل لي الأمر من بعدك، ولكني أعلم أن قريشًا قوم لا يعدلون". فرد عليه أفصح إنسانٍ عرفته البشرية برسالةٍ قصيرةٍ يقول فيها:
«مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»
فادعى مسيلمة الكذاب النبوة وتبعه نفر من قومه، ولكن الغالبية من أهل اليمامة لم تصدقه، حتى حدث أمر خطير غيَّر من موازين القوى، فلقد ظهرت شخصية خطيرة، هي شخصية المجرم (الرجَّال بن عنفوة)! والحكاية تبدأ عندما ذهب الرجَّال ذات يوم الى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- مبايعًا ومسلمًا، فلما تلقّى منه الاسلام عاد الى قومه، ولم يرجع الى المدينة الا إثر وفاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- واختيار الصدّيق خليفة على المسملين، فنقل إلى أبي بكر أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول مسيلمة، واقترح على الصديق أن يكون مبعوثه اليهم ليثبّتهم على الإسلام، فأذن له الخليفة، فتوجّه الرّجّال الى أهل اليمامة بتفويضٍ شخصي من الخليفة الإسلامي، فحدّثته نفسه الغادرة أن يحتجز له مكانا في دولة الكذّاب التي ظنّها مقبلة، وانتظر أهل اليمامة ما ستسفر عنه المفاوضات بين الرجّال رسول أبي بكر من جهة ومسيلمة الكذاب من جهة أخرى، فخرج الرجّال على أهل اليمامة وجمع الناس له ثم سار بين الناس يقول لهم إنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: أنه أشرك مسيلمة بن حبيب في الأمر! وما دام الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قد مات، فأحق الناس بحمل راية النبوّة والوحي بعده، هو مسيلمة! فارتد جُل أهل اليمامة بسبب هذا المجرم، وتم قتل من بقي من المسلمين على دينه، فكان خطر الرّجّال على الاسلام أشدّ من خطر مسيلمة ذاته، ذلك لأنه استغلّ إسلامه السابق، والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحفظه لآيات من القرآن، وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين، فزادت بذلك أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب الرّجّال هذا.

وكانت أنباء هذا الأفّاق المجرم تبلغ المدينة، فيتحرّق المسلمون غيظا من هذا المرتدّ الذي أضلَّ الناس ضلالًا بعيدًا، وكان أكثر المسلمين تغيّظا وتحرّقا للقاء الرّجّال بطل قصتنا الصحابي الجليل زيد بن الخطّاب رضي اللَّه عنه وأرضاه، فكلفه أبو بكر الصديق إمارة الجيش المتوجه إلى اليمامة، فاعتذر زيد رضي اللَّه عنه وأرضاه عن قبول الإمارة، وقال لأبي بكر أن الأمير لا ينبغي له أن يُقتل، وهذا شيءٌ لا يريده، فهو يريد الشهادة! وفعلًا توجه البطل زيد بن الخطاب رضي اللَّه عنه وأرضاه نحو اليمامة، وصورة ذلك المجرم الرجَّال لا تفارقه، حتى وصلت كتائب النور المحمدية إلى أعتاب اليمامة، فاتحد جيش (عكرمة بن أبي جهل) وجيش (شرحبيل بن حسنة) مع الجيش الإسلامي الموحد تحت إمرة القائد العام للقوات الإسلامية المجاهدة (خالد بن الوليد)،، فاختار المسلمون المارد الإسلامي العظيم زيد ابن الخطاب لتكون له مهمة حمل راية المسلمين.
وبدأت معركة اليمامة الأسطورية. . . . . .
وتجمع 100 ألفٍ من المرتدين أمام 21 ألف من المسلمين، واشتبك الطرفان، وقاتل المرتدون بشراسة، فكان أول من أصيب في المعركة الصحابي الجليل (أبو عقيلٍ الأنصاري) -رضي اللَّه عنه- بسهمٍ في كتفه شلَّ حركته، فوقف هذا الأنصاري البطل على قدميه ليسحب السهم من كتفه، فسالت دماؤه كشلال متفجر، فحمله (عبد اللَّه بن عمر) -رضي اللَّه عنهما- إلى خيمة العلاج مغشيًا عليه، وفي هذه الأثناء دارت رحى المعركة لصالح المرتدين، فارتفع نداءٌ من بين قعقعة السيوف: يا أنصار رسول اللَّه. . . . يا معاشر الأنصار. . . . اللَّه اللَّه. . . . والكرة على عدوكم. عندها فتح أبو عقيل عينيه وكأن زلزالًا أصابه، فتحامل على ساقيه يريد الوقوف والوصول إلى سيفه، فقال له الصحابي الجليل عبد اللَّه بن عمر: ماذا تريد يا أبا عقيل؟! فقال له أبو عقيل: ألم تسمع المنادي ينادي باسمي؟!! فقال عبد اللَّه: إنما يقول يا أهل الانصار ولا يعني الجرحى، فقال أبو عقيل: أنا من الانصار وأنا أجيبه واللَّه ولو حبْوًا! فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى وخرج وهو ينادي بصوت كالرعد: يا أهل الانصار كرة كيوم حُنين وجعل يصيح بهم ويضرب من رأي من الكفار بسيفه، فقطعت يده المجروحة واستشهد رحمه اللَّه.

وأصبح المسلمون قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة، عندها صاح حامل راية الإسلام زيد بن الخطاب رضي اللَّه عنه وأرضاه بالمسلمين بأعلى صوته: "أيها الناس. . . . عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قدما. . وواللَّه لا أتكلم حتى يهزمهم اللَّه، أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي" وفعلًا لم يفتح زيد فمه طيلة المعركة، بل أخذ يتلفت كالصقر يمينًا وشمالًا، باحثا عن الخائن الأعظم الرجّال بن عنفوة حتى أبصره، وهناك راح يأتيه من يمين، ومن شمال، وكلما ابتلع طوفان المعركة غريمه وأخفاه، غاص زيد وراءه حتى يدفعه الموج الى السطح من جديد، فأقدم زيدٌ عليه يسرع الخطى، فتقدم حُراسه المرتدون يحاولون صدَّ هجومه، ولم يعلم أولئك المساكين أنهم أمام ابن من أبناء الخطاب، فقام هذا المارد الخطابي بدك جماجمهم دكًا، حتى وصل إلى المطلوب الأول لدولة الخلافة الإسلامية الخائن القذر الرجّال بن عنفوة، ليضربه ضربةً بحسامه شقت رأسه إلى نصفين، فأراد زيد أن يكبر، إلا أنه عاهد اللَّه على ألّا يتكلم حتى ينتصر أو يستشهد، فكبر في قلبه، وكبر المسلمون في عنان السماء بعد رؤيتهم لعدو اللَّه وقد انفلق رأسه بضربة هذا المارد الإسلامي العظيم، ثم أخذ زيد يقاتل أعداء اللَّه، وقد دارت رحى المعركة بفضله لصالح المسلمين، هنالك وقد رأي زيد رياح النصر مقبلة، تمنّى لو يرزقه اللَّه الشهادة في يومه هذا، فهبّت رياح الجنة، فملأت نفسه شوقا، ومآقيه دموعا، فراح يضرب ضرب الباحث عن الشهادة، حتى انقضت عليه كتيبة كاملة من المرتدين بسيوفها ورماحها تمزق جسده تمزيقًا وهو لا يتأوه أو يفتح فمه بارًا بقسمه، ليسقط هذا البطل شهيدًا، فنادي خالدُ بن الوليد في الموحدين بأعلى صوته:
وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه
عندها ألقى اللَّه الرعب في قلب مسيلمة الكذاب، فهرب إلى حصن له سمي فيما بعد بـ "حديقة الموت"، فتبعته فلول المرتدين القهقرة، وأغلقوا على أنفسهم ذلك الحصن، فقام الصحابي الفدائي (البراء بن مالك) رضي اللَّه عنه وأرضاه، فقال للمسلمين المتحصنين خارج الحديقة: "يا معشر المسلمين، احملوني وألقوني عليهم في الحديقة"، وفعلًا تسلق هذا الفدائي السور وألقى بنفسه في الحديقة، فانقض عليه عشرات المرتدين يطعنونه بسيوفهم وهو يزحف والدماء تسيل منه نحو البوابة حتى فتحها، فاندفع المسلمون في حديقة الموت كالسيل الجارف يقتلون أعداء اللَّه قتلًا، ومن على بعد مسافة كبيرة، لاحظ الصحابي الجليل (وحشي بن حرب) رضي اللَّه عنه وأرضاه مسيلمة الكذاب يختبئ بين جنوده، فأراد وحشي أن يكفر عن ذنبه أيام جاهليته حينما قتل سيد الشهداء (حمزة بن عبد المطلب)، فقرر قتل أكذب كذابي الأرض مسيلمة الكذاب، فعالجه بضربة رمح ثاقبة، فثقب بها صدر مسيلمة، ليذهب ذلك الكذاب إلى مزبلة التاريخ على يد وحشي جزاه اللَّه خيرًا، لينتصر فدائيو الإسلام في هذه المعركة المجيدة.


وفي المدينة استقبلت كتائب النصر بالتكبير والتهليل، إلا أن عمر بن الخطاب كان يترقب الجنود العائدين يحاول أن يلمح ماردًا طويل القامة بين صفوفهم، ولكن دون جدوى، عندها اغرورقت عينا الفاروق بالدموع وهو يقول: "رحم اللَّه زيدًا، سبقني إلى الحسنيين، أسلم قبلي، واستشهد قبلي! ليظل زيد حيًا في قلب أخيه الصغير، وحتى بعد أن انتصر على الفرس في القادسية وعلى الروم في اليرموك فإن خيال حبيبه زيد لم يفارق فؤاده أبدًا فكان يقول دائمًا: "ما هبّت الصبا. . . . إلا وجدت منها ريح زيد! ".

الغريب في الأمر أن الناس في منطقة في "نجد" انبهروا جدًا ببطولة زيد بن الخطاب، فصاروا يأتون إلى قبره طلبًا لزيارته والترحم عليه في أول الأمر، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى التبرك بالقبر، وسنة بعد سنة أصبح الوضع خطيرًا للغاية، لدرجةٍ أن الناسَ باتوا يطوفون حول القبر ويذبحون عنده النذور ويطلبون من صاحب القبر أمور دنياهم وآخرتهم! واستمر الوضع كذلك حتى خرج من بين كثبان صحراء نجد عظيمٌ جديدٌ من عظماء هذه الأمة، ليجدد لها دينها بدعوته إلى التوحيد، ليصبح اسمه اسمًا مرعبًا لكل صاحب بدعةٍ إلى يوم الناس هذا!
يتبع. . . . . .



الساعة الآن 06:28 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009