ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الكتب الإسلامية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=62)
-   -   شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30201)

ابو الوليد المسلم 02-17-2026 11:50 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(254)

- (باب عقد التسبيح) إلى (باب قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم)
يسُن لنا بعد الانتهاء من الصلاة عقد التسبيح باليد جبراً لما حصل من نقص في الصلاة، ولا ينبغي مسح الجبهة بعد الانتهاء منها، ويسن للإمام قعوده في مصلاه بعد التسليم في صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.
عقد التسبيح
شرح حديث عبدالله بن عمرو: ( رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب عقد التسبيح.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني والحسين بن محمد الذارع واللفظ له قالا: حدثنا عثام بن علي قال الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح)].
يقول النسائي رحمه الله: باب عقد التسبيح؛ أي: عقد التسبيح بالأصابع، وذلك بأن يسبح بأصابع يمينه كما قد جاء في بعض الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، هذا هو المقصود من هذه الترجمة، وأورد فيها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهذا يدلنا على أن السنة هو أن الإنسان يسبح بالأصابع، ولا يسبح بغير ذلك من المسابح أو غيرها، وإنما التسبيح بالأصابع.
ثم إن التسبيح بالأصابع -بالإضافة إلى أنه قد جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام- فيه فائدة؛ وهي أن أجزاء الإنسان تشهد يوم القيامة بما حصل منها من خير وشر، فالأيدي تشهد، والأرجل تشهد، والجلود تشهد؛ لأنه يحصل الختم على الأفواه، وتشهد الأيدي، والأرجل بما كان يعمل الناس، كما جاء ذلك في كتاب الله عز وجل، فالتسبيح بالأصابع فيه شهادة الأصابع والأيدي بما حصل منها من ذلك الذكر، أو عقد التسبيح بها.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن عمرو: ( رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح)
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني].ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وما خرج له البخاري ولم يخرج له أيضاً أبو داود في السنن، وإنما خرج له في كتابه القدر، والكتب التي أُلفت في هذا الباب التي هي الكمال، وتهذيب الكمال، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب، وخلاصة التذهيب، والتذهيب، كل هذه مبنية على أن التراجم إنما هي لرجال أصحاب الكتب الستة، وليست لرجال الكتب الستة فقط، وإنما لرجال أصحابها، بمعنى: أنه يذكر رجاله في غير السنن، وإن كان أصل العمل إنما هو للكتب الستة، ولكن عندما ألفوا في تراجمها، وسعوا الأمر حتى جعلوا ذلك شاملاً لرجال أصحابها في كتبهم الأخرى، مثل أبي داود في كتاب القدر، كما هنا في محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، خرج له أبو داود في كتاب القدر وما خرج له في السنن، فالرمز له (ق.د)، أي: أبو داود في كتاب القدر.
أما الكتاب الذي هو خاص برجال الكتب الستة، ولا يتعلق برجال الآخرين الذين خُرج لهم في غيرها، فذلك كتاب الكاشف للذهبي، فهو الذي اقتصر على رجال الكتب الستة، ليس رجال أصحاب الكتب الستة كما في تهذيب الكمال وفروعه، وإنما هو خاص بالكتب؛ مثل كتاب القدر لـأبي داود ، فـمحمد بن عبد الأعلى الصنعاني ما يأتي ذكره في الكاشف؛ لأنه إنما اقتصر على رجال الكتب الستة، وليس مراده رجال أصحاب الكتب، وكتاب الكاشف هو الذي اشتمل على تراجم الكتب الستة الذين جاء ذكرهم في الكتب الستة، وما جاء ذكرهم في الكتب الأخرى؛ مثل الأدب المفرد في البخاري ، والقراءة خلف الإمام وغيرها، وخلق أفعال العباد وغيرها، فالرجال الذين يأتون فيها لا يأتي لهم ذكر في الكاشف، وإنما الكاشف مختصر على رجال الكتب الستة، فهذا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني.
[والحسين بن محمد الذارع].
صدوق، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، قال النسائي: [واللفظ له]؛ لأنه لما ذكر الشيخين عين من له اللفظ منهم، وهو أن اللفظ للأخير، فقال: [واللفظ له]، أي: لـحسين بن محمد الذارع ، وليس اللفظ لـمحمد بن عبد الأعلى الصنعاني الأول، وإنما هو للثاني، والضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وهذه طريقة النسائي رحمه الله أنه يذكر من له اللفظ، أو ينص على من له اللفظ، يعني: غالباً، وكذلك الإمام مسلم كثيراً ما ينص على من له اللفظ؛ لأنه يذكر الحديث عن عدة مشايخ، ولكن يعين من له اللفظ منهم، أما البخاري رحمه الله فإنه لا يعين من له اللفظ، ولكنه إذا ذكر شيخين من شيوخه يروي عنهما، فإن اصطلاحه -والذي عرف بالاستقراء من صنيعه- أنه يكون للثاني منهما.
وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد عرف بالاستقراء من صنيع الإمام البخاري أنه إذا روى الحديث عن شيخين من مشايخه، فإن اللفظ يكون للثاني منهما، وذلك أنه يذكر حديث الأول في موضع آخر من الصحيح؛ يأتي به في باب من الأبواب ليستشهد به، أو ليستدل به، ويكون لفظه مغايراً للفظ المذكور الذي ذكر مع غيره، فاللفظ هو للثاني منهما. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الفائدة في شرح حديث جابر بن عبد الله في حديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر).. إلخ الحديث، فإنه عند الكلام على هذا الحديث ذكر ابن حجر هذه القاعدة للبخاري؛ وهو أنه عندما يروي عن شيخين، وهو ليس من عادته أن يبين من له اللفظ، لكن عرف بالاستقراء من صنيعه أن اللفظ للثاني منهما؛ أي: للشيخ الثاني من الشيخين المذكورين.
فإذاً: طريقة النسائي أنه غالباً يسمي، ولكنه أحياناً لا يسمي، لكن ليس مطرداً فهذه ليست له قاعدة بأنه يكون للأول أو يكون للثاني، فأحياناً يكون اللفظ الأول، وأحياناً يكون اللفظ للثاني، وإذا نص على من له اللفظ عرف الذي له اللفظ.
[حدثنا عثام بن علي].
صدوق، أخرج له النسائي، والأربعة.
[قال الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن السائب].
هو أبو السائب ، كنيته أبو السائب وأبوه السائب، فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، فمن أنواع علوم الحديث معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية ولم يذكر في النسب، فإن ذلك صواب وليس بتصحيف؛ لأن من لا يعرف أن كنيته أبو السائب لو جاء عطاء أبو السائب لظن أن (أبو) مصفحة عن (ابن)، لكن ليست بتصحيف، ما دام أن الكنية موافقة لاسم الأب، فسواء جاء عطاء أبو السائب أو عطاء بن السائب ، كل ذلك صواب، ولا تصحيف في ذلك.
فإذاً: فائدة معرفة هذا النوع الأمن من أن يظن التصحيف فيما لو اشتهر عند أحد بالنسب ولم يعرف الكنية، فجاء ذكره مكنى ليس منسوباً، بأن قيل: عطاء أبو السائب ، يظن أن (ابن) صحفت وتحولت إلى (أبو)، وهذا هو فائدة معرفة هذا النوع، وهو الثقفي الكوفي ، وهو صدوق اختلط كما عرفنا ذلك من قبل، والطريقة في المختلط أنه إذا عرف من حدث عنه قبل الاختلاط، فهذا تقبل روايته، ولا يضر كونه مختلطاً؛ لأنه ما دام روي عنه قبل الاختلاط، فهذا الأمر واضح، وإنما الإشكال فيما إذا عرف أنه حدث عنه بعد الاختلاط، أو جهل هل حدث قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط، فهذا لا يعول على روايته، ولكن إذا جاء ما يعضده، ويؤيده، ويساعده، فإنه يتقوى بذلك؛ إذا جاء شيء يعضده من الأحاديث، والأعمش لم أجد في ترجمة عطاء بن السائب في تهذيب التهذيب ذكر الأعمش في روايته قبل الاختلاط أو بعده، ولا أعلم الآن حالة رواية الأعمش عن عطاء بن السائب ، هل هي قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط، لكن بعض العلماء حسنوا حديثه وأثبتوه، ومنهم الألباني في كتابه صحيح السنن، فإنه ذكر من قبيل ما هو ثابت، وما هو مقبول، فيمكن أن يكون ذلك، إما أنه عرف بأنه روى عنه قبل الاختلاط، أو أنه لما يقويه ويساعده من الرواية الأخرى المتعلقة في عقد التسبيح بالأصابع، وعطاء بن السائب أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو السائب بن مالك الثقفي الكوفي ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن عمرو].
هو عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهو من الصحابة الذين رووا الكثير من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه ليس من السبعة الذين اشتهروا بالكثرة وفاقوا غيرهم في كثرة الحديث، والذين سبق أن مر ذكرهم في الدروس الماضية، فــعبد الله بن عمرو كان مكثراً، ولكنه ليس من السبعة الذين عرفوا بالكثرة الكاثرة، وقد جاء عن أبي هريرة ما يدل على إكثاره من الرواية؛ أي: عبد الله بن عمرو ، وذلك أنه كان يكتب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما يسمع أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يكتبها، أما أبو هريرة رضي الله عنه فكان اعتماده على حفظه، وليس كاتباً رضي الله تعالى عن الجميع.
وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت من اللطائف المتعلقة بــعبد الله بن عمرو مع أبيه أن عمرو بن العاص رضي الله عنه ولد له ابنه عبد الله هذا وعمره ثلاث عشرة سنة، أي: أنه احتلم مبكراً، وتزوج مبكراً، وولد له في سن مبكرة رضي الله تعالى عنه.
ترك مسح الجبهة بعد التسليم
شرح حديث أبي سعيد الخدري في ترك مسح الجبهة بعد التسليم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر وهو ابن مضر عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الذي في وسط الشهر، فإذا كان من حين يمضي عشرون ليلة، ويستقبل إحدى وعشرين، يرجع إلى مسكنه، ويرجع من كان يجاور معه، ثم أنه أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد: مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طيناً وماء)].أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب ترك مسح الجبهة بعد التسليم. ومقصوده أنه لا تمسح الجبهة، أو أنه يترك مسحها، أي: ما علق بها من تراب بسبب أثر السجود فإنه يترك ذلك بعد السلام، والحديث ليس بواضح الدلالة على الترجمة، لكنه واضح الدلالة من حيث أنه لا يمسح في داخل الصلاة، لأنه سلم وعلى وجهه أثر الماء والطين عليه الصلاة والسلام، فمعنى ذلك أنه لو كان يمسحه ما بقي، لكن كونه انصرف، وعلى وجهه أثر الماء والطين وهم يرونه لا يدل على تركه المسح، وأنه تركه ولم يمسحه، وإنما عندما انصرف ولقيهم بوجهه عليه الصلاة والسلام بعدما استقبلهم، وانصرف إليهم وانحرف إليهم، كان أثر الماء والطين على وجهه عليه الصلاة والسلام، فهذا لا يدل على ترك المسح، وإنما يدل على حصول ذلك في الصلاة، وأنه لم يسمح في الصلاة، ولكن بعد التسليم ما يدل على أنه لا يمسح، نعم يمكن أنه في الفترة التي كان متجهاً إلى القبلة، وهي مقدار ما يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. نعم ما مسحه، فبقي عليه، فإذا كان المقصود من ذلك هذه الفترة فهذا حاصل، أما إذا أريد به بعد ذلك، وأنه يتركه ولا يمسحه، فليس في ذلك دليل على الترك، إلا إذا كان في مدة مقيدة، مثل تلك المدة التي كان يبقى مستقبلاً القبلة، فالحديث ليس بواضح الدلالة على الترك مطلقاً، ولكنه واضح الدلالة على الترك في الجملة؛ من جهة أنه لما كان مستقبلاً القبلة ما مسح، والتفت إليهم وعلى وجهه أثر الماء والطين عليه الصلاة والسلام.
هذه هي الترجمة، وهذا هو استدلال النسائي رحمه الله على تلك الترجمة بهذا الحديث الطويل الذي جاء في آخره ذكر أثر الماء والطين على وجه رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف العشر الوسط الوتر من رمضان، ثم إنه صار يعتكف العشر الأواخر، وكان عليه الصلاة والسلام اعتكف العشر الوسط، ثم بعد ذلك لما كنت الليلة التي يخرج فيها؛ وهي ليلة واحد وعشرين؛ لأن العشر آخرها ليلة عشرين؛ لأن واحد وعشرين من العشر الأواخر، فلما كان في ليلة واحد وعشرين بقي ولم يخرج عليه الصلاة والسلام، وخطب الناس وقال: [إنني كنت أجاور]؛ أي: أعتكف، [وأنه بدا لي أن أعتكف في العشر الأواخر، فمن اعتكف معي فليمكث]، يعني: فليبقى على اعتكافه في العشر الأواخر، ثم كان عليه الصلاة والسلام يعتكف العشر الأواخر فقط، وكان يلتمس ليلة القدر، ثم علم بأنها في العشر الأواخر، فكان اقتصاره في الاعتكاف على العشر الأواخر، وقال عليه الصلاة والسلام: [إنني كنت أُريت هذه الليلة]، أي: ليلة القدر، والمراد بالليلة، يعني العهد؛ لأنه ما قال: ليلة القدر، ولكن هنا المراد به العهد الذهني، الليلة؛ أي: ليلة القدر؛ لأن المقصود بها شيء معهود في الأذهان؛ لأن ما تقدم لليلة القدر ذكر، فالمراد به العهد الذهني، فالألف واللام للعهد الذهني، أي: الليلة المعهودة في الأذهان وهي ليلة القدر، ويأتي العهد يكون ذكرياً فيما إذا تقدم مذكور، ثم جاءت (أل) بعدها لترجع إلى المتقدم، مثل قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً )[المزمل:15-16]، فكلمة (الرسول) ترجع إلى رسولاً التي قبلها، فهذا يقال له: عهد ذكري، يعني: يرجع إلى مذكور في الكلام، ( إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً )[المزمل:15-16]، الرسول، الألف واللام هذه للعهد الذكري، ترجع إلى رسولاً المتقدمة، وأما إذا لم يتقدم شيء، مثل هذا الموضع الذي معنا (هذه الليلة)، أي: ليلة القدر، لأنها شيء معهود في الأذهان، ليلة القدر كان يتحراها، أو يأمل أن يحصلها عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: [وقد رأيت هذه الليلة، فأنسيتها]، يعني: أخبر عنها، ثم إنه أنسيها، ثم قال: [ورأيت أنني أسجد في صبيحتها في ماء وطين]، يعني: رأى في المنام عليه الصلاة والسلام أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فحصل مطر في تلك الليلة ليلة واحد وعشرين، فوكف المسجد على مصلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فابتل، وكان يسجد، وعندما يسجد عليه الصلاة والسلام يعلق الماء والطين في جبهته، فانصرف إلى الناس من مصلاه وعلى وجهه أثر الماء والطين عليه الصلاة والسلام، فكانت تلك الليلة أو تلك السنة ليلة القدر ليلة واحد وعشرين؛ لأنها مطابقة للرؤية التي رآها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على أن ليلة القدر تتنقل، وأنها ليست ثابتة في ليلة معينة لا تتقدم ولا تتأخر، هي في العشر الأواخر، وفي الأوتار أرجى، وفي ليلة سبعة وعشرين أرجى من غيرها، لكن لا يقطع بأنها هي هذه الليلة بعينها، ثم هذا الحديث مع الأحاديث الأخرى التي تدل على أنها ترجى في كل وتر، وما جاء من أن ليلة القدر أنها أرجاها التي هي سبع وعشرين، أرجى الليالي، وأنه حصل في تلك السنة أنها في ليلة واحد وعشرين، هذا يدل على أن ليلة القدر تتنقل، ولكنها في العشر فلا تخرج عنها، لا تخرج عن العشر، ولكنها لا تكون ثابتة دائماً وأبداً على ليلة واحدة لا تتقدم عنها ولا تتأخر عنها، بل تتنقل؛ لأن هذا الحديث الذي حصل، أو هذه السنة التي وقع فيها ليلة واحد وعشرين، مع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريها في العشر الأواخر، وفي أوتار العشر الأواخر، وكذلك جاء في ليلة سبع وعشرين آثار عليها بخصوصها، لا يقطع بشيء من الليالي، ولكن بعضها يكون أرجى من بعض، ولكنها كما ذكرت تتنقل لدلالة هذا الحديث الذي معنا، وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي كان أريها، وأنه كان يسجد في صبيحتها في ماء وطين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-17-2026 11:53 PM

تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في ترك مسح الجبهة بعد التسليم
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وبلخ هي من أكبر مدن خراسان، فبغلان التي ينتسب إليها قتيبة بن سعيد هي قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته سنة مائتين وأربعين، وولادته سنة مائة وخمسين، وعمره تسعون سنة، فعمر وأدرك المتقدمين؛ لأنه ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة وولد فيها الشافعي، وهي سنة مائة وخمسين، والشافعي توفي سنة مائتين وأربع، وعاش قتيبة بعد الشافعي ستاً وثلاثين سنة، فعمره تسعون سنة، ولهذا أدرك المتقدمين، وهكذا يكون التفاوت بين الطبقات؛ يعني: وأنه أحياناً يكثر الإسناد بسبب كون الإنسان تطول حياته، فيدرك ما لم يدركه غيره، ويقل الإسناد، ويقل عدد رجاله، بسبب كونه يعمر بعضهم فيدرك المتقدمين، مثلما حصل للبخاري رحمة الله عليه توفي مائتين وست وخمسين، وقد حصل في صحيحه مقدار اثنين وعشرين حديثاً كلها ثلاثيات، بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص، صحابي وتابعي وتابع تابعي، وهذا يحصل بمثل هذا؛ يعني: شخص يكون عمره طويل فيدرك المتقدمين، ثم يعمر ويدركه من بعده، فيقل رجال الإسناد، وأحياناً يطول؛ يعني: تكثر الرواة في الإسناد حتى يبلغ عند البخاري إلى ثمانية، وإلى تسعة في بعض الأحيان؛ يتضاعف ثلاث مرات من ثلاثة إلى تسعة، وهذا إما بتعاقب الرواة وتتابعهم، وقد يكونوا في طبقة واحدة ثلاثة؛ يعني: في طبقة التابعين يكون ثلاثة أشخاص، وطبقة الصحابة يكون شخصين وهكذا، فــقتيبة بن سعيد ولد سنة مائة وخمسين، وتوفي سنة مائتين وأربعين.
[حدثنا بكر وهو ابن مضر].
كلمة (هو ابن مضر)، هذه قالها من دون قتيبة بن سعيد ؛ إما النسائي أو من دون النسائي، ولا يقولها قتيبة؛ لأن قتيبة يذكر شيخه كما يريد، ولا يحتاج إلى أن يقول: (هو)، وإنما يحتاج إليها الذي دونه عندما يأتي الإسناد، ويرى فيه شخص ذكر باسمه فقط، فيريد أن يوضحه حتى لا يلتبس بغيره، فيأتي بكلمة (هو) أو بكلمة (يعني)؛ حتى يعرف أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وهذه من عناية المحدثين ودقتهم في الرواية وفي الأمانة، وأن الواحد لا يزيد على كلام غيره، بحيث إذا ذكر التلميذ شيخه بكلمة واحدة، الذي بعده إذا أراد أن يوضح يقول: (هو ابن فلان) أو (يعني: ابن فلان)، وبكر بن مضر ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[عن ابن الهاد].
هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إبراهيم].
هو محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من أوساط التابعين، وهو الذي روى عنه البخاري أول حديث في صحيحه؛ لأن البخاري رحمه الله أول حديث في صحيحه حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وقد ذكر فيه ثلاثة من التابعين، واحد من كبارهم، وواحد من أوساطهم، وواحد من صغارهم؛ وهم: علقمة بن وقاص الليثي من كبار التابعين، ومحمد بن إبراهيم التيمي من أوساط التابعين، ويحيى بن سعيد الأنصاري من صغار التابعين، ثلاثة من طبقة واحدة وهي طبقة التابعين، واحد من كبارهم، وواحد من أوساطهم، وواحد من صغارهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث، فقيه، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه سابع الفقهاء السبعة، والفقهاء السبعة في عصر التابعين ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال، فالمتفق على عدهم في الفقهاء السبعة: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع فقيل فيه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ثلاثة أقوال في السابع، وستة لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، فإذا جاء في بعض المسائل: وهذه المسألة قال بها الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، فهؤلاء هم الفقهاء السبعة.
وابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين ذكر في أوله الذين عرفوا بالفتوى في مختلف الأقطار؛ في مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، ومصر، والشام، ذكر الذين اشتهروا بالفتوى في زمن الصحابة وزمن التابعين، وذكر جملة، ولما جاء عند المدينة وذكر جملة من فقهائها، ذكر الفقهاء السبعة، وذكر بيتين من الشعر يشتمل الثاني منهما على هؤلاء السبعة، والسابع منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على أحد الأقوال، وهو قول الشاعر:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة
هؤلاء السبعة في البيت الثاني هم الفقهاء السبعة، والسابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
[عن أبي سعيد الخدري].
هو أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، والذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم

شرح حديث: (كان رسول الله إذا صلى الفجر قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس)].
أورد النسائي قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم، وأورد فيه حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، [أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى الغداة أو صلى الصبح قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس].
فالرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا سلم من صلاته بقي مستقبلاً القبلة مقدار ما يستغفر ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى أصحابه، فإذاً: يكون المقصود من ذلك أنه ليس على الهيئة التي هو عليها وهو في الصلاة، يعني: ليس الهيئة أنه مستقبل القبلة؛ لأنه لا يقعد إلا مقدار ما يقول كذا وكذا، يعني: لا يقعد مستقبل القبلة، ثم يتجه إلى المأمومين ويستقبلهم ويستدبر القبلة؛ يستقبل المأمومين ويستدبر القبلة، فإذاً: ما جاء في الحديث من ذكر أنه لا يقعد في مصلاه إلا مقدار كذا، يعني: معناه أنه متجه إلى جهة القبلة، وهذا الحديث الذي معنا معناه أنه يكون في مصلاه، وإن كان ليس على الهيئة التي كان عليها وهو في الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا صلى الفجر قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[حدثنا أبي الأحوص].
هو سلام بن سليم الكوفي ، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، ومعرفة المشهورين بالكنى مع معرفة أسمائهم وأنسابهم هذه مهمة؛ لأن فائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه مرة، وذكر بكنيته أخرى، فقد يظن هذا غير هذا، ولكن إذا عرف أن هذه الكنية لفلان فسواء جاء باسمه أو جاء بكنيته لا يلتبس على من له علم ومعرفة بهذا الأمر، توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وهي السنة التي مات فيها الإمام مالك، وقتيبة بن سعيد ولد سنة مائة وخمسين كما عرفنا، فمعناه أنه أدرك تسعاً وعشرين من حياة أبي الأحوص ، إذ أن قتيبة عمر فأدرك المتقدمين؛ يعني: أدرك الإمام مالك ، وأدرك من قبل الإمام مالك.
[عن سماك].
هو سماك بن حرب ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جابر بن سمرة].
هو جابر بن سمرة بن جنادة ، وهو صحابي ابن صحابي، رضي الله تعالى عنه، وعن أبيه، وعن الصحابة أجمعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث جابر بن سمرة في الجلوس بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يحيى بن آدم حدثنا زهير وذكر آخر عن سماك بن حرب قلت لـجابر بن سمرة : كنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية، وينشدون الشعر ويضحكون، ويتبسم صلى الله عليه وسلم].هنا أورد النسائي حديث جابر بن سمرة من طريق أخرى، وهو أطول من الطريق الأولى، وذلك أن جابر بن سمرة رضي الله عنه قيل له: [أنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى الصبح جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، ويتحدث أصحابه وينشدون الشعر ويضحكون، ويتبسم رسول الله عليه الصلاة والسلام]، يعني: مما يحصل منهم.
وهذا يدلنا على ما ترجم له النسائي من حيث الجلوس في المصلى حتى طلوع الشمس، ويدل أيضاً على أن التحدث في المسجد في الأمور الماضية التي فيها عبر وعظات، وتحدث الصحابة فيما كان في أمور الجاهلية، وما كانوا عليه من التفرق، وما كانوا عليه من الضلال، ثم بعث الله فيهم رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، فيتذكرون ما هم فيه من الضلال، وما هم فيه من الانحراف، ثم ما من الله تعالى به عليهم من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم؛ ليخرجهم به من الظلمات إلى النور بإذنه سبحانه وتعالى، فيتذكرون نعم الله عز وجل وفضله عليهم، وتلك النعمة العظمى التي هي أعظم النعم وهي نعمة الإسلام، وأن الله تعالى أنقذهم مما كانوا فيه من أمور الجاهلية، وهداهم الله عز وجل إلى الصراط المستقيم، الذي بعث الله به رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك ينشدون الشعر، والذي فيه النصائح، وفيه العبر والعظات، وفيه الفوائد، وليس فيه أمور لا تصلح ولا تنبغي، فهذا يدلنا على جواز مثل ذلك، وعلى جواز إنشاد الشعر في المسجد، ولكنه الشعر الذي يكون فيه خير، وفيه نصح، وتوجيه وإرشاد، وفيه عبر وعظات، وفيه إرشاد إلى الخير، وفيه حكم، وأمور ترغب، ومن المعلوم أن الاشتغال في المسجد بقراءة القرآن أفضل وأحسن، ولكن مثل ذلك هذا الحديث يدل على جوازه، وأنه لا بأس به، ولكن كما هو معلوم غيره أولى منه، يعني قراءة القرآن أولى من الاشتغال بالشعر، ومن إنشاد الشعر، ولكن الحديث يدل على جواز ذلك، والشعر إذا شغل عن غيره فهو مذموم، ولو كان شيئاً محموداَ وشيئاً حسناً، ولهذا جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم وغيره: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً)، لا شك أنه ليس المقصود بالشعر هنا الشعر المذموم، أو الشعر القبيح؛ لأن الشعر القبيح لو كان بيتاً واحداً فهو قبيح ومذموم، ما هو يمتلئ جوفه، ويكون كثيراً عنده شعر كثير من هذا القبيل، البيت الواحد نفسه هو سيئ إذا كان عند الإنسان، وإذا كان يعتني به الإنسان، ويتحدث به الإنسان، ويعجب الإنسان إذا كان قبيحاً، بيت واحد من الشعر هو سيء مذموم، لكن المقصود من ذلك الذي هو غير مذموم، إذا أدى إلى الشغل عما هو خير، أو الاشتغال عما هو خير، لكن إذا حصل في بعض الأحيان لا بأس بذلك، وحسان رضي الله عنه كان ينشد الشعر في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الشعر الذي كان يدافع فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذي كان فيه يهجو المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ثم هذا الفعل الذي فعلوه وسكوت النبي عليه الصلاة والسلام عليه دل على جوازه، وهذا من قبيل الإقرار؛ لأن السنة قول، وفعل، وتقرير؛ قول رسول الله عليه الصلاة والسلام وفعله، وتقريره، وهذا مثال للتقرير؛ لأنهم كانوا يتحدثون وينشدون والرسول صلى الله عليه وسلم يراهم ويتبسم، ولم ينكر عليهم، وهو عليه الصلاة والسلام لا يسكت على باطل، ولا يقر على باطل، فهو لما أقرهم علم أنه جائز، وأنه سائغ، وأنه لا بأس به.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة في الجلوس بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو أحمد بن سليمان الرهاوي ، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا يحيى بن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي وهو ثقة، فاضل، مصنف، من كتبه كتاب الخراج، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية الكوفي وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.


ابو الوليد المسلم 02-17-2026 11:57 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(255)

- باب الانصراف من الصلاة - باب الوقت الذي ينصرف فيه النساء من الصلاة
كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته ينصرف يميناً تارة وشمالاً تارة أخرى، وعلى هذا فيسن للإمام أن ينصرف بعد الانتهاء من الصلاة يميناً أو شمالاً.
الانصراف من الصلاة
شرح حديث أنس: (أكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الانصراف من الصلاة.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن السدي قال: سألت أنس بن مالك: كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه].
فيقول النسائي رحمه الله: باب كيفية الانصراف من الصلاة. أي: الانصراف عن جهة القبلة عندما يصلي الإنسان، ثم يريد أن ينصرف، هل ينصرف على يمينه أم على شماله؟ والانصراف يطلق على السلام، ويطلق على الانصراف بعد السلام، كل هذا يقال له: انصراف، يطلق على السلام أنه انصراف؛ لأنه انصراف من الصلاة أو عن الصلاة، بحيث يكون الإنسان أنهى الصلاة، وحل له كل شيء كان حرم عليه بدخوله في الصلاة، ويطلق على الانحراف عن الجهة التي كان عليها، فالإمام إذا أراد أن ينصرف إلى المأمومين، هل ينصرف على يمينه أو على شماله؟ هذا هو المقصود بالانصراف.
أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه سئل: كيف ينصرف الإنسان من صلاته؟ أي: عن الهيئة التي كان عليها وهو في الصلاة مستقبل القبلة، عندما يريد أن يتحول أو ينصرف، هل يكون انصرافه إلى جهة يمينه أو إلى جهة شماله؟ فأجاب أنس بن مالك رضي الله عنه بقوله: [أما أنا فأكثر ما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام ينصرف عن يمينه]، يعني: يتحول من جهة القبلة عن يمينه عليه الصلاة والسلام، وقد مر أن الإمام عندما يصلي ويسلم، يبقى في مكانه الذي صلى فيه مستقبل القبلة، مقدار ما يستغفر ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ولا يبقى إلى جهة القبلة أكثر من هذه المدة التي هي مقدار ما يقول هذا الدعاء، وهذا هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وجاء في الحديث أن السدي سأل أنس بن مالك رضي الله عنه: كيف ينصرف من صلاته؟ هل عن يمينه أم عن شماله؟ فأجاب أنس رضي الله عنه بما شاهده، وعاينه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على أمرين: الأمر الأول: ما كان عليه سلف هذه الأمة من معرفة السنة، وكيف يعمل الناس في صلواتهم وفي عباداتهم، وأنهم يبحثون عن السنة التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ثم أيضاً جواب أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد أجاب بالدليل الذي هو فعله عليه الصلاة والسلام، هذا يدلنا أيضاً على أنهم كانوا يجيبون بالآثار، ويجيبون بالسنن، يعني: عندما يسأل الإنسان ما يقول: انصرف على يمينك، أو انصرف على شمالك، فأحياناً يكون جوابهم بذكر الدليل، ومن المعلوم أنه إذا أُتي بالدليل، هذا هو الغاية، وهذا هو المقصود، معناه: أنك تتبع هذا الهدي، وهذه السنة التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان من طريقة أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، أنهم إذا سئلوا عن حكم أجابوا بالدليل، وكان جوابهم ذكر الدليل، ومن المعلوم أن هذا فيه الجواب والزيادة، يعني: معناه أنه قال: انحرف عن يمينك؛ لأنني أكثر ما رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم ينحرف عن يمينه، أو ينصرف إلى جهة يمينه عليه الصلاة والسلام.
ثم إن قوله: (أكثر ما رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم)، يدل على أنه في بعض الأحيان التي هي أقل كان ينصرف عن يساره، يعني: معناه قوله: أكثر ما كان ينصرف عن يمينه، له منطوق، وله مفهوم، منطوقه أنه ينصرف عن يمينه أكثر، وينصرف عن يساره أقل، معناه: فيه انصراف من جهة اليمين وانصراف من جهة اليسار، الحديث يدل على الأمرين: الانصراف عن جهة اليمين، والانصراف عن جهة اليسار، إلا أن الأكثر الذي شاهده أنس بن مالك رضي الله عنه من فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن الأكثر أنه كان ينصرف عن يمينه إلى جهة المأمومين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا يدلنا على جواز الأمرين، على أن كلا الأمرين سائغ، سواء انصرف عن يمينه أو انصرف عن يساره، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا وهذا، وجاء في حديث أنس هذا أن الأكثر انصرافه إلى جهة اليمين.
وفي الحديث الذي بعده عن عبد الله بن مسعود : أن أكثر ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يساره، وكل منهما دال على الأمرين، لكن يظهر التعارض بينهما من جهة الأكثرية، أنس يقول: إن الانصراف إلى جهة اليمين أكثر، وعبد الله بن مسعود يقول: الانصراف إلى جهة اليسار أكثر، والتوفيق بينهما أن كلاً منهما حكى ما شاهده وعاينه، وأن الذي ظهر له، أو الذي علمه مما شاهده وعاينه، أن هذا رأى أن هذا أكثر، وهذا رأى أن هذا أكثر، يعني: على حسب مشاهدته ومعاينته، وقيل في الجمع بينهما وجوه أخرى، يعني: وأن بعضهم أراد حالته الأولى، والثاني أراد الحالة الثانية، لكن القول الأول أو الجمع الأول هو الأظهر؛ لأن كل واحد منهما أخبر عن الذي شاهده، وعن الذي علمه من فعله عليه الصلاة والسلام، وأن الرسول يفعل هذا أحياناً وهذا أحياناً، فهذا ظهر أن هذا أكثر، وهذا ظهر أن هذا أكثر، والأمر في ذلك واسع، انصرف إلى جهة اليمين، أو انصرف إلى جهة اليسار، كل ذلك فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (أكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو ابن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وقد ذكرت في درس مضى أنه من المعمرين، قد بلغ تسعين سنة، وكانت وفاته سنة مائتين وأربعين، أي: قبل وفاة الإمام أحمد بسنة واحدة، وولادته سنة مائة وخمسين، في السنة التي مات فيها أبو حنيفة وولد فيها الإمام الشافعي، فعمره تسعون سنة، ولهذا أدرك من لم يدركه غيره لطول حياته رحمة الله عليه.
[حدثنا أبو عوانة].
أبو عوانة هذه كنية اشتهر بها الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، فاشتهر بكنيته أبو عوانة، وكثيراً ما يأتي ذكره بالكنية، ويقل أو يندر أنه يأتي ذكره بالاسم، وإنما الكثير مجيئه بالكنية أبو عوانة، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو عوانة من طبقة شيوخ النسائي ، وكذلك من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، وهناك أبو عوانة متأخر، وهو صاحب المستخرج على صحيح مسلم المسمى صحيح أبي عوانة، أو مستخرج أبي عوانة، أو مسند أبي عوانة، له ثلاثة أسماء، يقال له: صحيح؛ لأنه مستخرج على الصحيح، ويقال له: مستخرج؛ لأنه مبني على صحيح مسلم، والمستخرج هو أن يروي أحاديث الكتاب بأسانيد لا يمر بها على صاحب الكتاب، وإنما يلتقي مع صاحب الكتاب بشيخه أو شيخ شيخه، يعني: معناه أنه لا يمر على مسلم في مستخرجه عندما يأتي للأسانيد، وإنما يلتقي مع مسلم بشيخه، أو شيخ شيخه، أو من فوق ذلك، وأحياناً إذا ضاق المخرج على المستخرج، لجأ إلى روايته عن صاحب الكتاب، ولهذا يأتي في الفتح كثيراً عندما يأتي الكلام على بعض الأحاديث، وأن أبا نعيم أو الإسماعيلي أو أبا عوانة ، قال: وقد ضاق مخرجه على فلان فرواه من طريق المصنف، يعني: ما وجد سبيل إلى أنه يرتفع عن المصنف، وأنه يلتقي به من فوق، فلم يجد بداً من أن يرويه عن طريق المؤلف.
[عن السدي].
هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي، وهو صدوق يهم، وقد أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهذا يقال له: السدي الكبير، وهناك شخص آخر يقال له السدي الصغير، وهو محمد بن مروان صاحب التفسير المعروف الذي يأتي ذكره في التفسير كثيراً، وذاك ضعيف متهم بالكذب، وأما هذا صدوق يهم، ولكنه يذكر في رجال أصحاب الكتب الستة، ويكتب أمامه تمييز، يعني: ذكر للتميز وإلا ليس له رواية، يعني: بدل الرموز يكتب تمييز، ومعناه أنه ذكر تمييزاً حتى لا يلتبس لمن يسمى محمد بن مروان، لأن محمد بن مروان يأتي عدة فيذكرهم، وذكر من له رواية بالرموز، ومن ليس له رواية، يذكر بدل الرموز تمييز، يعني: ليس له رواية في الكتب، ولكنه ذكر للتمييز عن غيره، ويعرف بهذا أنه ليس له رواية.
وبالمناسبة جاء عطاء بن السائب الثقفي الكوفي ، وكان بعض النسخ التي ترمز رمزوا له بـالبخاري في الأدب المفرد، وبعضها رمزت له في البخاري في الصحيح مع أصحاب السنن الأربعة، وقلت فيما مضى: أن هذه الرموز أحياناً تلتبس، ويذكر شيء مكان شيء، ويظهر فيها الغلط، لكن الفيصل في هذا قلت: الرجوع إلى تهذيب الكمال للمزي، وقلت: إن المزي رحمة الله عليه في تهذيب الكمال عندما يختم الترجمة، ترجمة الشخص الذي يذكر ترجمته، يختمها بأن يذكر من خرج له بالأسماء ليس بالرموز، ففي آخر ترجمة عطاء بن السائب قال: أخرج له البخاري حديثاً واحداً متابعة، وروى له الباقون سوى مسلم، معناه: أخرج له البخاري في الصحيح، ولكن متابعة ومقروناً بغيره، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة ولم يخرج له مسلم، يعني: ذكر هذا بالكلام بالحروف وليس بالرموز، يعني: بالأسماء، قال: أخرج له البخاري حديثاً واحداً متابعة، وأخرج له الباقون سوى مسلم، فالإنسان إذا أراد أن يعرف من خرج لينظر آخر الترجمة، نهاية كل ترجمة يذكر هذه العبارة التي فيها: خرج له الجماعة، خرج له الترمذي ، خرج له مسلم ، خرج له أصحاب الكتب كذا.. إلخ، بالحروف وليس بالرموز، فهذا هو الفيصل، وعلى هذا فالرمز الصحيح (خ) وليس الباء والخاء، والجماعة الذين ذكروا في الصحيحين وفيهم كلام أو تكلم فيهم بشيء، الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة فتح الباري عمل لهم تراجم الذين تكلم فيهم من رجال البخاري ، ترجم لهم في مقدمة الفتح على حروف الهجاء، يعني: مرتبين على حروف الهجاء، الألف ثم الباء.. إلخ، ثم يذكر، يعني: ما قيل في الشخص، ويجيب عن إخراج البخاري عنه بالجواب الذي عنده فيه، ولما جاء عند عطاء بن السائب قال: إنه مختلط، صدوق اختلط، وما روي عنه قديماً هذا صحيح، وما روي عنه بعد الاختلاط هذا غير معول عليه، وذكر الذي تحصل له من الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، ومنهم محمد بن زيد، وسفيان الثوري وجماعة، ثم قال: إن البخاري روى له حديثاً واحداً مقروناً بغيره في تفسير: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ )[الكوثر:1]، يعني: الموضع الذي ورد فيه ذكر عطاء بن السائب في صحيح البخاري في موضع واحد في الصحيح في تفسير: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ )[الكوثر:1]، تفسير ابن عباس للكوثر، وأنه الخير الكثير، وقد أورده في كتاب الرقاق، باب قول الله عز وجل: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ )[الكوثر:1]، وذكر جملة أحاديث، ومنها الحديث الذي ذكر بإسناده عطاء بن السائب مقروناً بشخص آخر، وهذا هو الموضع الوحيد الذي جاء فيه عطاء بن السائب، وقرنه بغيره؛ لأنه من رواية شخص سمع منه بعد الاختلاط، يعني: فالعمدة على غيره وليس عليه؛ لأنه المعتمد على غيره وليس عليه، فأنا أنبه كما قلت على أنها إذا التبست الرموز بين التقريب وتهذيب التهذيب، أو غيرها من النسخ الأخرى، مثل: خلاصة التذهيب أو غيرها، فالإنسان يرجع إلى نهاية الترجمة في تهذيب الكمال للمزي الذي يذكر الأسماء بدون رموز، وإذا كان الشخص متكلم فيه، وهو من رجال البخاري ، يمكن للإنسان أن يرجع إلى مقدمة فتح الباري، ويعرف اعتذار الحافظ ابن حجر عن البخاري في إخراجه للشخص المتكلم فيه.
[سألت أنس بن مالك].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، خدمه عشر سنين، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وعمره عشر سنوات، فعمره عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عشرون سنة، منذ قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو يخدمه، فخدمته إياه عشر سنوات، وكان ملازماً للنبي عليه الصلاة والسلام، وكثر حديثه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع.
وأنس بن مالك عمر وكان من المعمرين من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا أدركه وأخذ عنه من لم يدرك الكثير من الصحابة؛ لأن أنس من صغار الصحابة، وعمر فأدركه ولقيه صغار التابعين، فكثر الآخذون عنه، وكثر الرواة عنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-17-2026 11:59 PM

الأسانيد الرباعية عند النسائي
وهذا الإسناد رجاله أربعة أشخاص: قتيبة، وأبو عوانة، والسدي، وأنس، وهذا من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي أربعة أشخاص، وأنزلها عشرة أشخاص، مر بنا حديث في فضل قل هو الله أحد يرويه النسائي بإسناده، وبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أشخاص، وقد قال النسائي عقبه: وهذا أطول إسناد علمته. ومثاله في حديث آخر من رواية قتيبة ، فهو رباعي أيضاً مثل هذا، الذي فيه قتيبة عن أبي الأحوص عن سماك عن جابر بن سمرة ، أربعة أشخاص، يعني: هذان الإسنادان من الأسانيد العالية عند النسائي ، وهي أعلى ما عنده، وأصحاب الكتب الستة ينقسمون إلى قسمين: قسم أعلى ما عندهم الثلاثيات، وقسم أعلى ما عندهم الرباعيات، فـالبخاري، والترمذي، وابن ماجه ، هؤلاء عندهم ثلاثيات، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي فليس عندهم ثلاثيات، وإنما عندهم الرباعيات، فالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، يعني: بين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص، صحابي، وتابعي، وتابع تابعي، اثنان وعشرون حديثاً في الصحيح كله، وهي أعلى ما يكون عند البخاري، وأنزل ما يكون عند البخاري تسعة أشخاص، وهذا في حديث: (ويل للعرب من شر قد اقترب)، فإن رجال إسناده تسعة أشخاص بين البخاري وبين رسول الله، يعني: مثل أنزل إسناد يعتبر رجاله ضعفي الإسناد العالي عنده.
والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي فقط، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث كلها بإسناد واحد، وهو إسناد ضعيف، أما الثلاثة الباقون الذين هم: مسلم، وأبو داود، والنسائي ، فأعلى ما عندهم الرباعيات.
شرح حديث ابن مسعود: (لقد رأيت رسول الله أكثر انصرافه عن يساره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي حدثنا يحيى قال: حدثنا الأعمش عن عمارة عن الأسود قال عبد الله : لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءاً، يرى أن حتماً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر انصرافه عن يساره].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، الذي يقول فيه: [لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءاً، يرى حتماً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينصرف عن يساره].
من المعلوم أن الانصراف عن جهة اليمين وعن جهة اليسار، كل ذلك حق، لكن الإنسان إذا رأى أن الشيء المندوب يكون واجباً، فيكون هذا مخالفة للسنة، والإتيان بشيء يخالف السنة، فكونه يرى وجوباً أن ينحرف عن يمينه، ما جاءت به السنة، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما أوجب أن يكون انحراف الإنسان عن اليمين، ولا عن الشمال، فإذا رأى الإنسان أنه حتماً، ولازماً، وواجباً أن الإنسان ينصرف إلى جهة اليمين أو الشمال، معناه أتى بشيء ما جاءت به السنة، وكلام ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه هذا يدلنا على الحث على التزام السنن، وعدم الزيادة والنقصان، لا يغلو الإنسان ولا يجفو، ما يغلو الإنسان بحيث يتجاوز الحد، والشيء الذي ليس بواجب يقول: هو واجب، ولا يجفو بحيث يتساهل ويتهاون في السنن، ويستهين بها، ولا يحسب حساب للمندوبات.
فكلام ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه هذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من اتباع السنن، والحث على اتباع السنن، وأن الإنسان لا يتجاوز الحدود، ولا يأتي بشيء يخالف السنة، ولا يلزم نفسه بشيء ما جاءت به السنة بالإلزام به؛ لأنه رضي الله تعالى عنه، رأى أن كون الإنسان يرى أنه يلتزم شيئاً معيناً الرسول صلى الله عليه وسلم ما التزمه، ولا جاء عنه ما يدل على التزامه، معنى هذا أن هذا من عمل الشيطان، وأن هذا من كيد الشيطان، والشيطان له مداخل على الإنسان، إذا رأى الإنسان عنده تقصير، وعنده ضعف، أتاه من جهة الترغيب في الشهوات، وتحبيب المعاصي إليه؛ لأنه ما يرى عنده إقدام على العبادة، يرى عنده تقصير في العبادة، وخلل في العبادة، فيأتيه من الجهة التي هو متجه إليها، نفسه تميل إلى الشهوات يرغبه في الشهوات، ويجعله يترك الأمور المطلوبة منه، وإذا رأى الإنسان عنده إقبال على العبادة، أتاه من جهة اتجاهه، وأراد منه أن يزيد، وأن يتجاوز الحد، وأن يغلو، فالشيطان يأتي للإنسان من الجهة التي يميل إليها الإنسان، فإن كان عنده ميل إلى العبادة، وعنده رغبة في العبادة، ولا يستطيع أن يأتيه من جهة الشهوات، والوقوع في المعاصي، جاءه من جهة العبادة، يعني: يريد أن يزيد فيها حتى يبتدع، وحتى يخرج عن السنة، فيكون من جنوده، ويكون له نصيب منه، ولهذا قال رضي الله عنه: [لا يجعل أحدكم للشيطان جزءاً من نفسه، يرى حتماً عليه]، يعني: هذا هو معنى الذي أراد أن يبين كونه يجعل له جزء، يرى حتماً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، يعني: واجب عليه أن ينصرف إلا عن يمينه، فالذي يفعل هذا من تلقاء نفسه، وليس عنده فيه سنة، هذا من عمل الشيطان، وهذا من إغواء الشيطان للإنسان، وكما ذكرت الشيطان يأتي للإنسان من جهة العبادة، بأن يغلو الإنسان فيها إذا رغب عن الشهوات، وإذا رغب عن العبادة، وأقبل على الشهوات، أتاه من جهة الشهوات ورغبه فيها حتى يبتعد عن العبادة، وحتى يبتعد عن الطاعة، وهذا من باب الغلو، ومن باب إيجاب ما ليس بواجب.
وكما ذكرت في الحديث الماضي ابن مسعود يقول: رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينصرف عن يساره، وأنس بن مالك يقول: رأيت أكثر ما ينصرف عن يمينه، وقد عرفنا الجواب فيما يظهر بينهما من التعارض.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (لقد رأيت رسول الله أكثر انصرافه عن يساره)
قوله: [أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي].هو أبو حفص عمرو بن علي الفلاس، والفلاس لقب، واشتهر به، وهو: محدث، ناقد، متكلم في الرجال، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان ، المحدث، الناقد، ثقة، ثبت، كلامه في الرجال كثير جرحاً وتعديلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ، وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ومعرفة الألقاب نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدته ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛ لأن الإنسان الذي ما يعرف أن الأعمش لقب، وصاحب اللقب اسمه سليمان بن مهران ، لو رأى سليمان بن مهران في موضع، ثم رأى الأعمش في موضع آخر، ظن أن الأعمش شخص آخر غير سليمان بن مهران، لكن من عرف أن سليمان بن مهران شخص محدث لقبه الأعمش ، لا يلتبس عليه، كونه يأتي الأعمش أحياناً أو يأتي سليمان بن مهران أحياناً، أو سليمان بدون نسب أحياناً، لا يلتبس عليه الأمر يعرف أنه شخص واحد، سواء ذكر باسمه أو بلقبه.
يروي [عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي].
وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود].
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، فقيه، مخضرم، والمخضرم هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير النبي عليه الصلاة والسلام، أدرك زمن النبي ولكنه لم يظفر بصحبة النبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء يقال لهم: المخضرمون، قد جمعهم مسلم فبلغوا أكثر من عشرين شخصاً، منهم هذا الذي هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وكذلك شخص سيأتي قريباً، وهو مسروق بن الأجدع، وكذلك سويد بن غفلة، وكذلك المعرور بن سويد ، وكذلك أبو وائل شقيق بن سلمة، يعني: مجموعة يزيدون على عشرين هؤلاء من كبار التابعين، أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يرو النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم الصنابحي اليماني عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي الذي قدم من اليمن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما كان بالجحفة بقرب رابغ في طريقه إلى المدينة، جاء ركب من المدينة فأخبروه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، وهو في الطريق إليه، ولهذا قال بعض العلماء في ترجمته: كاد أن يكون صحابياً، كاد يعني: ما بينه وبين الصحبة إلا شيء يسير، قرب من أن يكون صحابياً، ولكنه ما تم له ذلك، وما تيسر له ذلك، وما ظفر بذلك، هؤلاء هم المخضرمون، أدركوا الجاهلية، والإسلام، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو ابن مسعود الهذلي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من المهاجرين، ومن علماء الصحابة، ومن متقدميهم، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وبعض العلماء يعده من العبادلة الأربعة، والصحيح أنه ليس منهم، وأن العبادلة كلهم من صغار الصحابة، وأما هذا فهو من كبارهم، والعبادلة الأربعة من صغار الصحابة، وهم عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهم من صغار الصحابة.
فالمسافة طويلة بينهم، وأما العبادلة فهم متقاربون، وعبد الله بن مسعود أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عائشة: (رأيت رسول الله يشرب قائماً وقاعداً... وينصرف عن يمينه وعن شماله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا بقية حدثنا الزبيدي أن مكحولاً حدثه أن مسروق بن الأجدع حدثه عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائماً وقاعداً، ويصلي حافياً ومنتعلاً، وينصرف عن يمينه وعن شماله].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يشرب قائماً، وقاعداً، ولكن أكثر فعله أنه كان يشرب قاعداً، وقليلاً ما كان يشرب قائماً، وقد جاء عنه في الشرب من ماء زمزم، وجاء عن علي رضي الله عنه الإنكار على من ينكر على من يشرب قائماً، قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قاعداً، وشرب قائماً، فالأفضل للإنسان أن يشرب قاعداً، لكنه إذا شرب في بعض الأحيان قائماً فإن ذلك جائز؛ لأنه جاء من فعله ما يدل على أن ما جاء في الإرشاد إلى الشرب جالساً، أنه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب؛ لأنه وجد ما يدل على جوازه من فعله عليه الصلاة والسلام، فدل على أن الشرب قاعداً أفضل وأولى، والشرب قائماً جائز ليس بحرام.
[ويصلي حافياً، ومنتعلاً]، أي: يصلي وعليه النعال، ويصلي ليس عليه نعال، يعني: يصلي حافياً ليس عليه نعال، ولا خفاف، ويصلي منتعلاً عليه خفاف ونعال، فكان هذا هديه عليه الصلاة والسلام، لكن مما ينبغي أن يعلم أنه إذا كانت المساجد مفروشة، ونظيفة، والدخول فيها بالنعال يترتب عليه توسيخ لها، فلا ينبغي للإنسان أن يدخل بنعاله، ويلوث الفرش بما علق بها، وإنما يصلي أحياناً فيما إذا كان فيه تراب، أو المسجد فيه تراب، أو في بر، أو ما إلى ذلك، يصلي أحياناً الإنسان منتعلاً اتباعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يفعل هذا وهذا، وعائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أخبرت عنه أنه كان يصلي حافياً، ومنتعلاً.
[وينصرف عن يمينه وشماله]، يعني: من صلاته عن يمينه وشماله، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الباب، ينصرف عن يمينه، وعن شماله، كل ذلك سائغ، فحديث عائشة يدل على جواز هذا وهذا، والحديثان المرويان يدل على جواز الأمرين، إلا أن حديث أنس يقول: إن الانصراف عن اليمين أكثر، وحديث ابن مسعود يقول: الانصراف عن اليسار أكثر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (رأيت رسول الله يشرب قائماً وقاعداً... وينصرف عن يمينه وعن شماله)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من الأوصاف العالية، والألقاب الرفيعة، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وراهويه قلت في درس مضى قريباً أن المحدثين يعبرون عنها براهويه، واللغويين يعبرون عنها براهويه، فالمحدثون يأتون بالتعبير بها براهويه، بسكون الواو وضم ما قبله، وفتح الياء التي بعد الواو والهاء ساكنة، وأما اللغويون فيجعلونها مختومة بويه، الواو مفتوحة والياء ساكنة والهاء بعدها ساكنة.
[حدثنا بقية].
هو بقية بن الوليد الدمشقي وهو صدوق، يدلس، كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا الزبيدي].
وهذه نسبة صاحبها هو محمد بن الوليد الزبيدي الحمصي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن مكحولاً].
هو الشامي ، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أن مسروق بن الأجدع].
ثقة مخضرم، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين زوجة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابيات حديثاً عنه، وهي أحد السبعة أشخاص الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، ستة رجال، وامرأة واحدة.
الوقت الذي ينصرف فيه النساء من الصلاة
شرح حديث عائشة: (كان النساء يصلين مع رسول الله الفجر، فكان إذا سلم انصرفن ... فلا يعرفن من الغلس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوقت الذي ينصرف فيه النساء من الصلاة.أخبرنا علي بن خشرم ، أخبرنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فكان إذا سلم انصرفن متلفعات بمروطهن، فلا يعرفن من الغلس].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الوقت الذي ينصرف فيه النساء من الصلاة. المراد بذلك أنهن ينصرفن بعد السلام مباشرة، النساء تنصرف والرجال يبقون، ثم بعد ذلك ينصرف الرجال بعدهن.




ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:03 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(256)

- (باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف) إلى (باب إذا قيل للرجل: صليت؟ هل يقول: لا؟)
نهى عليه الصلاة والسلام عن مسابقة الإمام في الصلاة، وقد رتب على ذلك الوعيد الشديد، ويستحب لمن صلى ألا ينصرف حتى ينصرف إمامه، ويجوز للإمام أن يتخطى رقاب الناس للحاجة، كما يجوز لمن سئل: هل صليت؟ أن يقول: ما صليت.
النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة
شرح حديث: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة.أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي، ثم قال: والذي نفسي بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، قلنا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار)].
يقول النسائي رحمه الله: باب النهي عن مبادرة الإمام في الانصراف من الصلاة. ومراد النسائي رحمه الله أن الإمام يجب الائتمام به، ومتابعته، وأنه لا يسابق في شيء من أعمال الصلاة من أولها إلى آخرها، ومن ذلك الخروج منها بالسلام، فإنه لا يسلم قبل سلام الإمام، وكما أنه لا يسابق الإمام في أي عمل من الأعمال فأيضاً لا يوافق، وإنما يتابع بعدما يفرغ الإمام من العمل الذي هو كونه يسلم، أو كونه يقول: الله أكبر، أو يقول: سمع الله لمن حمده، فإنه بعدما يفرغ من الشيء الذي عليه يتابعه المأموم، كما سبق أن مر في بعض الأحاديث، أنه قال: (إنني أسجد قبلكم وأرفع قبلكم، فهذه بتلك)، يعني: اللحظة التي سبقتكم فيها أنتم جئتم بعدي، وكذلك عند الانتهاء منها، فهم أيضاً يتأخرون تبعاً له، فتكون هذه بتلك، ومعناه: أن الفترة التي مكثوها تماثل الفترة التي مكثها الإمام، إلا أن الإمام يتقدمهم وهم يتأخرون بعده، فلا يسابقونه، ولا يوافقنه، ولا يتأخرون عنه كثيراً؛ لأن أحوال متابعة الإمام، أو الائتمام به له أربعة أحوال:
مسابقة وهي: التقدم عليه وسبقه في الأعمال. وموافقة وهي: أنه مثله تماماً، لا يتقدم عليه ولا يتأخر. ومتابعة وهي: كونه يأتي بعده مباشرة. وتأخر: وهي: أن يتخلف عنه كثيراً، فهذه الأعمال التي يؤتم بالإمام فيها، فإذا حصلت المسابقة، أو الموافقة، أو التخلف الكثير، فإن هذا لا يسوغ، وإنما الذي هو مطلوب هو المتابعة بدون موافقة وبدون تأخر.
وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [إني إمامكم]، ومعنى كونه (إمامهم): أنهم يأتمون به، وإلا فلماذا يتقدم الإمام ليصلي بالناس، يعني: لو كان الإنسان يصلي كما يشاء، أو يتقدم على الإمام، إذاً ما فائدة الإمام، ثم أيضاً هذا الذي يسابق الإمام، ماذا يستفيد من هذه المسابقة، كما قال بعض السلف: إذا علم الإنسان أنه لا يسلم قبل الإمام، ولا يخرج من الصلاة قبل الإمام، إذاً ما فائدة المسابقة، ومعناه: أنه إخلال في الصلاة وكون الإنسان لم يؤد الصلاة، مع أنه بمسابقته لم يخرج من الصلاة قبل الإمام، فلم يخرج منها ولم ينته منها قبل انتهاء الإمام.
إذاً: فلابد من المتابعة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف]، والانصراف هو السلام والخروج من الصلاة، فهو يتابع في جميع أعمال الصلاة من بدايتها إلى نهايتها حتى الانصراف منها؛ الذي هو السلام الذي يكون به الانصراف، والذي يحصل به تحليل الصلاة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، يعني: يحل للإنسان بعد التسليم ما كان محرماً عليه بعد التحريم الذي هو قول: الله أكبر؛ تكبيرة الإحرام، ويحل له ما كان محرماً عليه بعد التكبير، فيرجع الأمر إلى الحالة التي كان عليها قبل التحريم؛ يعني: قبل أن يدخل في تكبيرة الإحرام، أما بعدما أن يسلم فيعود الأمر إلى ما كان عليه، معناه: يتكلم، يشرب، يتحدث؛ لأنه خرج من الصلاة، فالصلاة بداية تحريمها هي تكبيرة الإحرام، ونهاية تحريمها التسليم.
قوله: [فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي ومن وراء ظهري]، أي: ومن خلفي، وهذا يبين أنه يطلع على ما يحصل منهم من المسابقة، وأن الله تعالى أقدره على ذلك، وأطلعه على ذلك، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، يعني: كونه يراهم من وراء ظهره كما يراهم من أمامه عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: [لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قالوا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: الجنة والنار]، فالجنة يحصل البكاء شوقاً، ورغبة، وحذراً من فواتها، وخوفاً من فواتها، والنار خوفاً منها، فالخوف من النار، وما فيها من الأهوال والأفزاع إذا تذكرها الإنسان فإنه يقل ضحكه، ويكثر بكاؤه، أو يحصل بكاؤه، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: [لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً]، لكنهم ما رأوا هذا ولا شاهدوه، والنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ما لم يطلعهم عليه، ولم يطلع الناس عليه؛ ليكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لهم؛ ليتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأن النار والجنة لو حصلت في الدنيا ورأى ذلك الناس في الدنيا لم يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا في صلاة الكسوف لما عرضت عليه الجنة، وعرضت عليه النار وهو في الصلاة، وتقدم في صلاته، ومد يده كأنه يريد أن يأخذ شيئاً، وتأخر حتى رجع القهقرى، وسأله أصحابه: لماذا حصل؟ رأيناك تقدمت حتى كأنك تتناول شيئاً، ورأيناك تأخرت، فقال عليه الصلاة والسلام: (عرضت علي الجنة فرأيت عناقيد العنب متدلية، فأرت أن آخذ منها عنقوداً فمددت يدي، ثم تركت، فلو أخذت منها لأكلتم ما بقيت الدنيا). يعني: هذا العنقود لو أخذ منه لأكل الناس إلى نهاية الدنيا، وذلك لعظم شأن نعيم الآخرة، لكن الرسول ترك ولم يأخذ منه شيئاً؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ومن يصدق ومن لا يصدق، ومن يستعد ومن لا يستعد، ومن يتهيأ ومن لا يتهيأ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بما شاهده وعاينه، وأنه لو حصل لهم ما حصل له لضحكوا قليلاً ولبكوا كثيراً؛ خوفاً من النار وخوفاً من العذاب.
ولهذا عذاب القبر الله عز وجل أخفاه على الناس، وقد أطلع الله عليه نبيه عليه الصلاة والسلام، قال في الحديث الصحيح: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، فأطلعه الله عز وجل على عذاب القبر، وأسمعه ما يجري في القبور، وأطلعه على الجنة والنار، ولم يطلع الناس، ولكنهم أخبروا بذلك؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب.
ومحل الشاهد منه قوله: [ولا بالانصراف]، هذا هو محل الشاهد للترجمة.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس السعدي المروزي، ثقة حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقد أكثر عنه مسلم في صحيحه.
[حدثنا علي بن مسهر].
ثقة يغرب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن المختار بن فلفل].
صدوق له أوهام، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أنس بن مالك].
رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد رباعي من رباعيات كتاب النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأنه علي بن حجر عن علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس؛ أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أعلى الأسانيد عند النسائي، وأطول الأسانيد عند النسائي عشرة، وقد مر بنا الحديث الذي فيه عشرة أشخاص في فضل سورة قل هو الله أحد في ما مضى من الأبواب، وكان بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عشرة أشخاص، وقال: إن هذا أطول إسناد؛ فأعلى الأسانيد عند النسائي أربعة، وأنزلها وأطولها عشرة.
وفي الدرس الماضي جاء ذكر الزبيدي الذي هو محمد بن الوليد الحمصي، وحصل كلام حول من خرج له، والذين خرجوا له هم أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وليس الجماعة، الجماعة ما خرجوا له جميعاً، فـالترمذي لم يخرج له، وإنما خرج له الستة إلا الترمذي.
ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف
شرح حديث: (... من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا بشر وهو ابن المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم كانت سادسة، فلم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب نحو من شطر الليل، قلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة، قال: ثم كانت الرابعة، فلم يقم بنا، فلما بقي ثلاث من الشهر أرسل إلى بناته ونسائه، وحشد الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، ثم لم يقم بنا شيئاً من الشهر، قال داود: قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب ثواب من قام مع الإمام حتى ينصرف، ومعناه: أنه له أجر قيام الليلة إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، وهذا في صلاة الليل، أو في صلاة التراويح، أو في التهجد في رمضان.
وأورد النسائي في هذه الترجمة حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل بهم في رمضان، أي: التهجد، أو قيام الليل حتى بقي سبع من الشهر، أي: في العشر الأواخر من رمضان بقي سبع، ففي هذه الليلة التي هي أول السبع خرج وصلى بهم إلى نحو ثلث الليل، وفي الليلة التي تليها لم يخرج ولم يصل بهم، وفي الليلة التي بعدها وهي الخامسة صلى بهم نحواً من شطر الليل، يعني: نصفه، ثم إنهم قالوا: لو نفلتنا بقية ليلتنا، يعني: واصلنا الصلاة إلى آخر الليل، فقال: [من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة]، معناه: أنه إذا صلى مع الإمام حتى ينتهي فإن الله تعالى يكتب له قيام ليلة إلى آخرها، يعني: يكتب له ثواب ذلك، ثم إنه لم يصل بعد ذلك في الليلة الرابعة، ولكن لما بقي ثلاث في الليلة الثالثة التي هي أولى الثلاث الباقية، قام وصلى، وحشد أهله، ودعا أهله، وصلى بهم، حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح، والفلاح هو السحو؛ فلا يتمكنون من أكل طعام السحور؛ لأنهم كانوا يصلون معه عليه الصلاة والسلام.
ثم إنه لم يخرج بعد ذلك، ولما راجعوه أخبرهم، قال: (خشيت أن يفرض عليكم)، والذي جاء في هذا الحديث دليل على مشروعية قيام رمضان جماعة، وأن صلاة التراويح سنة سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنها لم يكن وجودها ابتداء في عهد عمر، وإنما كان أصلها في زمنه عليه الصلاة والسلام، فصلى بهم بعض الليالي، ولكنه أفصح، وأخبر عن السبب الذي جعله لا يواصل، وأنه خشية أن يفترض عليهم؛ لأن الزمن زمن الوحي، وزمن التشريع، وهذا من نصحه، وشفقته على أمته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خشي أن يفرض عليها قيام الليل، وأن يفرض عليها قيام رمضان، فترك ذلك، ولكن لما جاء زمن الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ أي: بعد زمن أبي بكر ؛ وكان سنتين وأشهراً، ومر رمضانات في خلافته، وكان مشغولاً بقتال المرتدين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وإعادة الناس إلى ما كانوا عليه في زمن النبوة، لكن لما جاء عمر وزمن عمر رضي الله عنه أعاد الناس إلى ما فعله معهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه صلى بهم صلاة الليل، وقيام رمضان، وذلك أن الذي خشيه الرسول صلى الله عليه وسلم زال؛ لأن التشريع انتهى بوفاته عليه الصلاة والسلام فما بقي تشريع، فيكون مستحباً، ويكون مندوباً، ثابتاً من فعله عليه الصلاة والسلام، فـعمر رضي الله عنه جمع الناس، وجعلهم يصلون التراويح في رمضان، وليس هذا مما أحدث في زمن عمر.
وما جاء عنه أنه قال: نعمت البدعة هي، ليس المراد بها البدعة التي ليس لها أساس من الدين، وإنما المراد بها أنها بدعة من حيث اللغة، يعني: معناه أنها وجدت بعد زمنه عليه الصلاة والسلام، لكن من حيث الشرع مستندة إلى فعله صلى الله عليه وسلم الذي لم يستمر عليه؛ خشية أن يفرض على الناس، فالمحذور زال بوفاته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا تشريع بعد وفاته ولا وحي، بل توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أكمل الله تعالى به الدين، فعلم بهذا أن قيام رمضان سنة، وأن الاجتماع عليه مستحب، وذلك بفعله، وإعادة عمر الناس إليه لما زال المحذور الذي كان خشيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الفرض، وذلك شفقة منه على أمته صلى الله عليه وسلم.
والحديث دال على ما ترجم له المصنف من حيث أن من قام مع الإمام حتى ينصرف في رمضان، فإنه يكتب الله له قيام ليلة، وقيام رمضان، بل قيام الليل عموماً ما حد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حداً محدوداً لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه، نعم كان من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي إحدى عشر في رمضان وفي غيره، ولا ينقص عن سبع عليه الصلاة والسلام، ولكن قوله في الحديث الآخر: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، يدل على أن الأمر في ذلك واسع، وأن الاقتصار على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ليس متحكماً، وليس بلازم، والزيادة عليه جائزة، وسائغة؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، فإذا صلى الإنسان خلف إمام يصلي التراويح، إذا كان يصلي إحدى عشر يصلي معه إحدى عشر، وإذا كان يصلي عشرين يصلي عشرين، وإذا كان يصلي أربعين يصلي أربعين، ويستمر معه حتى ينصرف؛ لكي يدخل تحت هذا الثواب، أو حتى يحصل هذا الثواب الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو بقوله: [من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة].

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:06 AM

تراجم رجال إسناد حديث: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو البصري، وكنيته أبو مسعود، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وقد ذكرت مراراً أن هذا من أنواع علوم الحديث، وأن فائدته ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية بدل النسبة، فإن الكل صواب، ولا تصحيف في ذلك؛ لأنه إسماعيل بن مسعود وإسماعيل أبو مسعود، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا بشر وهو ابن المفضل].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (وهو ابن المفضل) هذه زادها النسائي، أو من دون النسائي، يعني: ما زادها إسماعيل بن مسعود ؛ لأن إسماعيل بن مسعود تلميذه، وهو يذكر شيخه كما يريد؛ ينسبه ويطول في نسبه، أو يقتصر في نسبه، وهو ذكره مختصراً؛ ذكر اسمه فقط، لكن من دونه النسائي أو من دون النسائي هو الذي أتى بهذه الزيادة، لكن لما أتى بها أتى بجملة تشعر بأنها ليست من التلميذ، بل هي ممن دون التلميذ، وهو ابن المفضل، فهذه قائلها من دون التلميذ، الذي قاله التلميذ بشر فقط، ومن دون التلميذ زاد هو ابن المفضل، وأتى بكلمة (وهو) حتى يعرف ذلك؛ لأنه لو أتى من دون التلميذ بقوله: بشر بن المفضل، فهم أن هذا الكلام من التلميذ، مع أن التلميذ ما قال إلا بشر فقط، فهم زادوها، ولم يأتوها بدون (هو)؛ حتى لا يضيفوا إلى التلميذ شيئاً ما قاله، واحتاجوا إلى أن يذكروها، فأتوا بشيء يميزها، وأن الكلام ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ، وهذا من دقة المحدثين في تلقيهم، وأدائهم، وتحريرهم، وتدوينهم، وأنهم يأتون بمثل هذه القيود التي تبين القائل، والتي يحصل بزيادتها الإيضاح، والبيان، مع السلامة من أن يقوَّل التلميذ ما لم يقله، أو يعبر عنه بعبارة ما عبر بها، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب.
[حدثنا داود بن أبي هند].
ثقة أيضاً، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الوليد بن عبد الرحمن].
هو الوليد بن عبد الرحمن الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جبير بن نفير].
ثقة، مخضرم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو من المخضرمين، وقد مر سابقاً ذكر اثنين من المخضرمين؛ وهم: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وسويد بن غفلة، والمعرور بن سويد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، والصنابحي هؤلاء مخضرمون، زاد عددهم على العشرين، وقد ذكرهم الإمام مسلم، ويقال لهم: المخضرمون؛ لأنهم أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يلقوا النبي عليه الصلاة والسلام، وهم معدودون في كبار التابعين.
[عن أبي ذر].
هو أبو ذر الغفاري هو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الرخصة للإمام في تخطي رقاب الناس
شرح حديث عقبة بن الحارث: (صليت مع النبي ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة للإمام في تخطي رقاب الناس.أخبرنا أحمد بن بكار الحراني حدثنا بشر بن السري عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين النوفلي عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة، ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً؛ حتى تعجب الناس لسرعته، فتبعه بعض أصحابه، فدخل على بعض أزواجه ثم خرج، فقال: إني ذكرت وأنا في العصر شيئاً من تبرٍ كان عندنا، فكرهت أن يبيت عندنا، فأمرت بقسمته)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تخطي الإمام رقاب الناس، يعني: عند الحاجة إلى ذلك، وذلك بأن يكون مثلاً سيذهب إلى مصلاه ولا يجد سبيلاً إليه إلا التخطي، أو اضطر إلى الخروج فإن له أن يتخطى رقاب الناس.
وقد أورد النسائي حديث عقبة بن الحارث النوفلي رضي الله تعالى عنه، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر، ولما انصرف من الصلاة قام مسرعاً يتخطى رقاب الناس حتى دخل منزله، ففزع الناس، يعني: هذا شيء غريب، خلاف العادة، فخشوا أن يكون حصل أمر مخيف، أو يخشى منه، أو أنه نزل شيء فيهم، ففزعوا، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام خرج وأخبرهم بالشيء الذي دفعه إلى ذلك، وقال: [إني تذكرت، وأنا في الصلاة تبراً كان عندنا -والتبر هو الذهب الذي لم يسبك- قال: فأمرت بقسمته]، يعني: بادر إلى الأمر بقسمته، أي: التوكيل بقسمته؛ حتى لا يبقى عنده، وهذا الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه إذا حصل شيء من ذلك في الصلاة، يعني: وجود بعض الهواجس، كونه جاء في باله هذا الأمر، ولا علاقة له بالصلاة، وليس مما يتعلق بالصلاة، فذلك لا يؤثر على الصلاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام حصل له هذا التفكير في الصلاة، وجاء على باله هذا الذهب الذي في البيت، ويريد ألا يتأخر، ويبقى دون أن يقسم، فبادر فيما ذكره وحتى لا ينساه، فبادر إلى منزله، وأمر بقسمته صلى الله عليه وسلم.
فالحديث دال على ما ترجم له المصنف من التخطي عند الحاجة، ودال أيضاً على أن مثل ذلك التفكير في الصلاة لا يؤثر، ودال على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من المبادرة إلى صرف ما يكون عنده في طرقه المشروعة، وفي سبيل الله عز وجل، فإن هذا الذي كان عنده أراد ألا يبقى وأن يبيت دون أن يقسم، وما دام على باله وعلى ذكره، أراد أن يأمر بقسمته، وأن يوكل بقسمته صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن الحارث: (صليت مع النبي ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً ...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن بكار الحراني].صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا بشر بن السري].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين النوفلي].
ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن ابن أبي مليكة].
هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عقبة بن الحارث].
هو عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف.
يقال له: النوفلي نسبة إلى جده نوفل بن عبد مناف، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مسلمة الفتح، وحديثه أخرجه مسلم، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
إذا قيل لرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟
شرح حديث جابر بن عبد الله في قول الرجل: لا، إذا سئل: هل صليت؟
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إذا قيل للرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا خالد وهو ابن الحارث عن هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: (أن عمر بن الخطاب يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالله ما صليتها، فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب إذا قيل للرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟ ومقصود النسائي من هذه الترجمة أن ذلك سائغ، وجاء عن بعض العلماء كراهيته، والبخاري نفسه أيضاً بوب بمثل هذا الباب، والمقصود من ذلك هو الإشارة إلى أن قول من قال: بأنه مكروه أنه ليس بصحيح، وأنه ليس على إطلاقه، والذي جاء عنه هو إبراهيم النخعي، وقيل: إن الذي كان كرهه إذا كان في انتظار الصلاة يقول: ما صلينا، معناه: تباطؤ أو استبطاء للصلاة؛ لأنه إذا كان ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فـالنسائي أراد أن يبين أن الكراهية مطلقاً ليست على بابها، وأنه يمكن للإنسان إذا سئل: هل صليت؟ أن يقول: لا، ما صليت، وأن مثل ذلك سائغ وجائز.
وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعدما غربت الشمس، وكان ذلك يوم الخندق، ويسب كفار قريش، ويقول: ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، قال: وأنا ما صليتها، ثم نزلوا إلى بطحان وتوضئوا، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب بعد الغروب، وقد جاء في بعض الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، يعني في الخندق، وهذا يدل على أن الوسطى هي العصر، وقد اختلف فيها العلماء، لكن جاء فيها النص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديث قصة الخندق، وهو الحديث الذي شغل فيه عن صلاة العصر، ولم يصلها حتى غربت الشمس، أو بعد الغروب.
والحديث دال على ما ترجم له المصنف، وذلك من قوله: [ما صليتها]، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [ما صليتها]، هذا هو محل الشاهد.
والحديث دال على الترتيب بين الصلوات، وأن الصلاة الفائتة تقدم على الصلاة الحاضرة، اللهم إلا أن يخشى خروج وقت الحاضرة، فإنه يؤتى بالصلاة الحاضرة إذا خشي وقتها، ولم يتسع بقية الوقت إلا للحاضرة، فإنه عند ذلك يؤتى بها؛ لأنه لو لم يأت بها خرج وقتها وصارت مقضية، وأما ما دام أن الأمر فيه سعة لأن يؤتى بالفائتة، ثم يؤتى بالحاضرة، فلابد من الترتيب، لكن إذا خشي فوات وقت الحاضرة، فإنه يترك الترتيب، ويؤتى بالصلاة الحاضرة؛ حتى لا تكون مقضية، فتكون مؤداة غير مقضية، وبعد ذلك يأتي بالفوائت التي فاتت، وإذا كان الوقت واسعاً فإنه يأتي بالصلوات المقضية الفائتة قبل الصلاة التي حضر وقتها، ما دام أن الوقت فيه سعة، وأنه يمكن أن يأتي بالأشياء الفائتة قبلها، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس، وتوضئوا صلى بهم العصر، وهي التي قد فاتت وخرج وقتها، ثم صلى بهم المغرب التي وقتها حاضر.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله في قول الرجل: لا، إذا سئل: هل صليت؟ قوله: [إسماعيل بن مسعود].قد مر ذكره قريباً.
و[محمد بن عبد الأعلى] هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا خالد وهو ابن الحارث].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو ابن الحارث) مثل ما مضى في ذكر ابن المفضل والذي زادها هو من دون التلميذ.
[عن هشام].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
ويحيى بن أبي كثير هذا هو صاحب الكلمة المأثورة المشهورة التي تدل على شأن طلب العلم، والعناية به، وحفظ الوقت، وعدم الإخلاد إلى الراحة، والتي أوردها الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إليه، وذلك في أثناء الكلام على أوقات الصلوات، عندما ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من طرق كثيرة أتى بهذا الإسناد، ثم إلى يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، معناه: أن من أراد أن يحصل شيئاً من العلم، فإنه لا يحصله بالراحة، والإخلاد إلى الراحة، وإنما يحصله بالتعب، والنصب، والمشقة، فلابد من النصب لمن يريد أن يحصل شيئاً، وهي كلمة عظيمة: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)؛ ما يحصل العلم براحة الجسم، من أراد أن يريح جسمه فلن يحصل علماً، ومن أراد أن يحصل العلم فهو الذي يتعب جسمه، وهو الذي يشغل نفسه، وهو الذي يشغل ليله، ونهاره، وتفكيره، وبصره، وقدميه في المشي إلى مجالس العلم، وإلى أهل العلم، وإلى دور العلم؛ ليحصل العلم، فـ(لا يستطاع العلم براحة الجسم) كلمة عظيمة لها شأنها، ولا شك أن الأمر كما قال رحمة الله عليه، فمن أراد أن يحصل علماً، فليبذل ما به يحصل العلم؛ يشغل وقته، يبذل ماله في سبيل تحصيل الكتب النافعة في الوصول إلى الجهات التي يحصل فيها العلم إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من الثقات، وهو ثقة، من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال في السابع، كما سبق أن مر في دروس مضت أن المدينة فيها سبعة أشخاص في عصر التابعين اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، ستة منهم متفق على عدهم في السبعة، والسابع مختلف فيه، وأحد الأقوال في السابع أنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا الذي معنا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله الأنصاري].
هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـجابر رضي الله عنه أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.



الساعة الآن 11:17 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009