ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   قسم أحكام التجويد (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=77)
-   -   الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=33365)

ابو الوليد المسلم 02-19-2026 01:17 PM

الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان
 


https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



المقدمة

الحمد لله الذي جعل كتابه موعظةً وشفاء لما في الصدور، والصلاة والسلام على من نزل عليه الكتاب تبيانًا لكلِّ شيء، وهدًى ورحمة وبشرى للمسلمين، أما بعد:
فإن الله تعالى حَمِدَ نَفسَه على إنزال هذا القرآن العظيم فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} (الكهف: 1، 2) ، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (الفرقان: 1) ، وجعله مُيَسَّرًا
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
للأفهام: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر: 17) ، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 195) ، وضَمَّنَه ألوان الهدايات: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9) ، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89) ، وجعله في غاية التأثير: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر: 21) ، {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} (الرعد: 31) ، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر: 23) ، ودعا عباده إلى تدبُّره: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(ص: 29)، وأنكر على من لم يرفع بذلك رأسًا: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} (النساء: 82، محمد: 24) ، {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} (المؤمنون: 68) ؛ في أربع آيات من القرآن الكريم؛ وذلك دليلٌ على عظيم
شأن التدبر، وجلالة قدره؛ إذ إنه الطريق لِتَعَقُّل معاني القرآن، والاعتبار بأمثاله وزواجره، والتأدُّب بآدابه، والامتثال لأوامره، والاتعاظ بمواعظه.
ومن هنا كانت هذه الرسالة التي أكتبها لنفسي أولًا؛ لتكون باعثةً على تحقيق هذا المطلب، ثم لإخواني المسلمين؛ تواصيًا بالحقِّ والصبر.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقد تناولتُ فيها جملةً من الجوانب المهمَّة المتعلِّقة بهذا الباب الشريف؛ من جهة بيان حقيقته، وما له من تعلُّق ببعض المعاني المُقارِبة، مع بيان أركانه، وأنواعه، وشروطه، وموانعه. ولم أقصد الاستيعاب؛ إذ بعضُ القول قد يغني اللبيبَ عن تطويل العبارة، كما حرَصت على تضمينه كثيرًا من عبارات أهل العلم؛ ليقفَ القارئ عليها ويكونَ ذلك أنفعَ لمن أراد أن يُلقيَ درسًا أو يكتب في هذا الموضوع.

بيان معنى التدبر

1 -
التدبُّر في اللغة:
التَّدَبُّر: مصدر (تَدَبَّر) ، وأصل هذه المادة: (د ب ر) يدل على آخر الشيء وخَلْفِه [1]؛
يقال: دَبَر السهمُ الهدفَ: سقط خلفه، ودَبَر فَلانٌ القوم: صار خلفهم [2].
وقد اشتقوا من (الدُّبُر) فعلًا، فقالوا: تَدَبَّر: إذا نظر في دُبُر الأمر؛ أي: في غائبه أو عاقبته [3].
فهو من الأفعال التي اشتُقَّت من الأسماء الجامدة [4].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ودُبُر كل شيء: عَقِبُه ومُؤَخَّرُه.
ومنه (الدُّبُر) خلاف القُبُل، وفي الحديث: «لا تدابروا» [5]؛ وذلك أن يترك كلُّ واحد منهما الإقبالَ على صاحبه بوجهه [6]؛ أي: لا يُوَلِّ بعضكم بعضًا دبره [7].
قال أبو عُبيد: «التدابر: المُصَارَمة والهجران؛ مأخوذ من أن يُوَلِّي الرجلُ صاحبَه دُبُرَه وقفاه، ويُعْرِض عنه بوجهه» [8].

ويُقال: أدبر القوم: مضى أمرهم إلى آخره [9].
ودَبَر القومُ يَدْبُرون دَبارًا: إذا هلكوا [10].
ودَبِرَ البعير دَبَرًا، فهو أدبر: صار بِقَرْحِه دَبِرًا؛ أي: متأخرًا [11].
ومنه: دُبُر الشهر: آخره.
ودابر الشيء: آخره.
ودُبُر الأمر: آخره.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
والدَّبَار: الهلاك الذي يقطع دابرتهم [12].
ويُقال: فلان ما يدري قِبَالَ الأمر من دِبَارِه؛ أي: أوَّلَه من آخره.
ومن ذلك: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} (ق: 40) ؛ أي: أواخر الصلوات [13].
ومنه قيل للنحل: (الدَّبْر) ؛ لأنه يُعْقِب ما يُنتفع به [14]، أو لأن سلاحها في أدبارها [15].
وهكذا قيل للمال الكثير: (الدِّبْر) ؛ لأنه يبقى للأعقاب [16].
ويُقال: دَبَّر الأمر وتَدَبَّره؛ أي: نظر وتَفَكَّر في عاقِبَتِهِ [17].
ويُقال: اسْتَدْبَرَه؛ أي: رأى في عاقبته ما لم يره في صدره [18].
ويُقال: عرف الأمر تَدَبُّرًا؛ أي: بأَخَرَة.
ومنه قول جرير:
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ولا تَتَّقُونَ الشَّرَّ حتّى يُصيبَكُم ... ولا تعرفونَ الأمرَ إلا تَدَبُّرَا [19]
قال أَكْثَمُ بنُ صَيفيٍّ لبنيه: «يا بَنِيَّ، لا تَتَدَبَّروا أعجاز أمور قد ولّت صُدُورُها» [20].
والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته [21]، فهو بمعنى التفكير في دُبُر الأمور [22]، وذلك بأن يُدَبِّر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته [23].
ولذا قيل: هو النظر في العواقب بمعرفة الخير، أو إجراء الأمور على علم العواقب [24].

------------------------------------------------
  • *كتاب الخلاصة في تدبر القرآن الكريم
  • لفضيلة الشيخ خالد بن عثمان السبت
  • (1)
    ينظر: مقاييس اللغة (مادة: دبر) ، (2/ 324) .
    (2)
    ينظر: المفردات ص: 164 (مادة: دبر) .
    (3)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) ، تفسير البغوي (1/ 566) ، تفسير الكشاف (1/ 546) .
    (4)
  • https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
  • ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (5/ 137) .
    (5)
    رواه البخاري (6065، 6076) ، ومسلم (2558، 2559) ؛ من حديث أنس - رضي الله عنه -، وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة وأبي بكر - رضي الله عنهما -.
    (6)
    ينظر: مقاييس اللغة (مادة: دبر) ، (2/ 324) .
    (7)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) ، تفسير القرطبي (5/ 290) .
    (8)
    غريب الحديث لأبي عبيد (2/ 232) .
  • (9)
    ينظر: تفسير القرطبي (5/ 290) .
    (10)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) .
    (11)
    ينظر: المفردات ص: 165 (مادة: دبر) .
    (12)
    ينظر: السابق ص: 165. (مادة: دبر) .
  • https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
  • (13)
    ينظر: السابق ص: 164. (مادة: دبر) .
    (14)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) .
    (15)
    ينظر: المفردات ص: 165 (مادة: دبر) .
    (16)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) .
  • (17)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) ، الكشاف (1/ 284) ، تفسير القرطبي (5/ 290) ، تفسير الخازن (1/ 563) ، نظم الدرر للبقاعي (5/ 340) .
    (18)
    ينظر: تاج العروس، (فصل الدال من باب الراء) (مادة: دبر) ، (11/ 266) .
    (19)
    ديوان جرير ص: 479.
    (20)
    ينظر: تفسير الرازي (10/ 196) ، تفسير النيسابوري (2/ 455) ، اللسان (4/ 273) ، تاج العروس (11/ 265) .
    (21)
    ينظر: (اللسان 4/ 273) (مادة: دبر) ، تاج العروس (11/ 265) .
    (22)
    ينظر: المفردات ص: 165.
    (23)
    ينظر: فتح القدير (1/ 781) .
    (24)
    ينظر: التعريفات ص: 56.

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 02-20-2026 12:38 PM




والتدبير: عِتق العبد عن دُبُر؛ وهو أن يقول له: أنت حرٌّ بعد موتي [1]، ويقال للعبد: مُدَبَّر.
ويقال: إن فلانًا لو استقبل في أمره ما استدبره لهُدي لوِجْهَةِ أمرِه؛ أي: لو علم في بَدْءِ أمرِه ما عَلِمَه في آخره لاسترشد لأمره [2].
ومما تقدم يُعْلَم أن أصل التدبُّر: التأمُّل والتفكُّر في أدبار الأمور وعواقبها؛ أي: فيما لا يظهر منها للمُتَأَمِّل بادئ ذي بَدْء [3].
ثم استُعمل في كل تَأَمُّل [4]، سواء كان نظرًا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه،
أو لواحقه وأعقابه [5].
2 -
التدبُّر بمعناه العام:

التدبر في الأمر: التفكر فيه [6]؛ أي: تحصيل المعرفتين لتحصيل معرفة ثالثة [7].
وهو بمعنى قول بعضهم: «إعمال النظر العقلي في دلالات الدلائل على ما نُصبت له» [8]
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
أي: تَصَرُّف القلب بالنظر في الدلائل [9]، وهذا تفسير له بالتفكر.
وبعضهم يفرق بينهما؛ باعتبار أن التدبر: تَصَرُّف القلب بالنظر في العواقب، وأما التفكر: فتَصَرُّفه بالنظر في الدليل [10].
وعبَّر عنه بعضهم بأنه: التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره [11].
وهو بمعنى قول من فَسَّره بالنظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأشياء [12].
وهما تعريفان مُتقَارِبان، والله أعلم.
3 -
معنى تدبُّر القرآن خاصَّة (المعنى الشرعي) :

هناك تعريفات متعددة لتدبر القرآن وبينها تقارب؛ فمن ذلك:
-
قال في الكشاف: «معنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتَبَصُّر ما فيه» [13].
وقال: «وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يَدْبُر ظاهرَها من
التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلوِّ لم يَحْل منه بكثير طائل، وكان مَثَلُه كمَثَل من له لِقْحَة دَرُورٌ لا يحلبها، ومُهْرَة نَثُورٌ لا يستولدها» [14].
وقال القرطبي: «هو التفكر فيه وفي معانيه» [15].

وقال الخازن: «ومعنى تدبر القرآن: تَأَمُّل معانيه، وتَفَكُّر في حِكَمِه، وتَبَصُّر ما فيه من الآيات» [16].
-
وقال أبو حيان: «هو التفكر في الآيات، والتَّأَمُّل الذي يُفْضِي بصاحبه إلى النظر في عواقب
الأشياء» [17].
-
وقال ابن القيم: «هو تَحْدِيق نَاظِر القلب إلى معانيه، وجَمْع الفكر على تَدَبُّره وتَعَقُّله» [18].
-
وقال السعدي: «هو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم
ذلك» [19].
-
وقال ابن عاشور: «هو تَعَقُّب ظواهر الألفاظ؛ لِيُعْلَم ما يَدْبُر ظواهرَها من المعاني المكنونة والتأويلات اللائقة» [20].

وقال عبدالرحمن حبنَّكة: «هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة» [21].
وقيل: هو التفكر والتَّأَمُّل لآيات القرآن من أَجْل فهمه، وإدراك معانيه، وحِكَمه، والمراد منه.

-
وقيل: هو تَفَهُّم معاني ألفاظه، والتفكر فيما تدل عليه آياته مُطَابَقَة، وما دخل في ضمنها، وما لا تتم تلك المعاني إلا به مما لم يُعَرِّج اللفظ على ذِكْره من الإشارات والتنبيهات، وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه، وخضوعه لأوامره، وأخذ العِبْرَة منه.
ويجمع ذلك: النظر إلى ما وراء الألفاظ من المعاني والعِبَر والمقاصد، الذي يثمر العلوم النافعة والأعمال الزاكية.
وإنما ذكرت هذه الجملةَ الأخيرة؛ لأنه قد ورد عن جماعة من السلف تفسير التدبر بالعمل
والامتثال وما إلى ذلك مما يقع في القلب، ويظهر على الجوارح، ولا ريب أن هذا يكون أعلى مراتب التدبر، وإلا فقد يحصل ببعض ذلك كما لا يخفى.
4 -
ذكر بعض عبارات المفسِّرين في معنى التدبر:

من عبارات المفسرين في قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} (النساء: 82، محمد: 24) ، وقوله تعالى: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} (ص: 29) :
ابن جرير: «أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله
على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويتفكرون في حُجَجِه التي بينها لهم في تنزيله؟ ! » [22].
البغوي: «أفلا يتفكرون في القرآن؟ ! » [23].
ابن الجوزي: «ليتفكروا فيها» [24].

القرطبي: «أي: يتفهمونه» [25].
-
الخازن: «يتفكرون فيه وفي مواعظه وزواجره» [26].
-
أبو حيان: «أي: فلا يتأملون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه؛ فإنه في تدبره
يظهر برهانه ويسطع نوره، ولا يظهر ذلك لمن أعرض عنه ولم يتأمله» [27].
-
البقاعي: «أي: يتأملون» [28].
-
الشوكاني: «أفلا يتفهمونه ... » [29].

-
ابن عاشور: «يتأملون دلالته ... » [30].
وبهذا نعلم أن كلامهم يدور على إعمال الفكر والنظر بالتأمل والتفهم في آي القرآن الكريم للتوصل إلى معانيه ومقاصده. والله أعلم.
-------------------------------------
(1)
ينظر: المفردات (مادة: دبر) ص: 165، التعريفات ص: 56، تاج العروس (فصل الدال من باب الراء) (مادة: دبر) ، (11/ 265) .
ينظر: اللسان (4/ 273) ، تاج العروس (11/ 266) .
(3)
ينظر: تفسير الرازي (10/ 196) ، تفسير الخازن (1/ 563) ، تفسير النيسابوري (2/
456) ، روح المعاني (5/ 92) ، التحرير والتنوير لابن عاشور (5/ 137) (18/ 87) .
(4)
ينظر: تفسير الكشاف (1/ 546) ، تفسير الخازن (1/ 563) ، فتح القدير (1/ 781) ، روح المعاني (5/ 92) .

(5)
ينظر: روح المعاني (5/ 92) .
(6)
ينظر: اللسان (4/ 273) ، مختار الصحاح ص: 101.
(7)
ينظر: تاج العروس (11/ 265) .
(8)
ينظر: التحرير والتنوير (18/ 87) .
(9)
ينظر: الكليات ص: 287.
(10)
ينظر: التعريفات ص: 56.

(11)
ينظر: تفسير الخازن (6/ 182) .
ينظر: المحرر الوجيز (2/ 612) ، التعريفات ص: 56.

(13)
الكشاف (1/ 546) .
(14)
السابق (3/ 372) .

(15)
تفسير القرطبي (5/ 290) .
(16)
تفسير الخازن (1/ 563) .
(17)
البحر المحيط (7/ 379) .
(18)
مدارج السالكين (1/ 451) .

(19)
تفسير السعدي (ص 193) .

(20)
التحرير والتنوير (3/ 252) .
(21)
قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله (ص 10) .

تفسير الطبري (21/ 215) .
(23)
تفسير البغوي (1/ 566) .
(24)
زاد المسير (2/ 144) .
(25)
تفسير القرطبي (16/ 246) .
(26)
تفسير الخازن (6/ 182) .

(27)
البحر المحيط (3/ 317) .
(28)
نظم الدرر للبقاعي (5/ 340) .

(29)
فتح القدير (5/ 46)
(30)
التحرير والتنوير (5/ 137) .


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 02-21-2026 12:08 PM



https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp
العلاقة بين التدبر وما يقاربه من الألفاظ
أولًا: علاقته بالتفسير:
إن أصل مادة (التفسير) تدور على الكشف والبيان؛ يقال: فسَّر الكلام؛ أي: أبان معناه وأظهره، فهو إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التَّجَلِّي [1].
وأما في الاصطلاح: فهو علم يُبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية [2].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وبناء على ذلك، يقال في العلاقة بين التفسير والتدبر: بأن بينهما ملازمة؛ وذلك أن التوصل إلى مراد الله تعالى من كلامه يحتاج إلى تدبر ونظر وتأمل، كما أن التدبر يتوقف على معرفة المعنى. والله أعلم.
ثانيًا: علاقته بالتأويل:
التأويل يأتي لمعنيين [3]:
الأول: بمعنى التفسير؛ ومن ذلك قوله تعالى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف: 78) ، وقوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف: 82) ، وقوله: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (آل عمران: 7) ؛ على أحد الأوجه في التفسير.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فتأويل القرآن بمعنى تفسيره، وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - في دعائه لابن عباس - رضي الله عنهما: «وعَلِّمْه التأويل» [4].
وهكذا تأويل الرؤيا يأتي بمعنى تفسيرها؛ كما في قوله تعالى: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}(يوسف: 36) ، وقوله: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 6) ، وقوله: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 21) ، وقوله: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} (يوسف: 44) ، وقوله: {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 101) ، وقوله: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} (يوسف: 45) ؛ فهذا كله بمعنى تفسير الرؤيا.
الثاني: بمعنى ما يصير إليه الشيء في ثاني حال؛ فتأويل الخبر بوقوع المُخْبَر؛ ومن ذلك قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} (الأعراف: 53) ، وقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} (يونس: 39) .
وهكذا يُعَبَّر بـ (التأويل) في الرؤيا بمعنى تحقق الوقوع، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ} (يوسف: 100) .
كما ورد بمعنى العاقبة؛ ومن ذلك قوله تعالى في موضعين من القرآن: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59، الإسراء: 35) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وهكذا يُعبر بـ (التأويل) عن امتثال المأمور، ومن ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»؛ يتأَوَّل القرآن [5].
بعد ذلك يمكن أن يُقَال بأن التأويل له تَعَلُّق بالتدبر باعتبار الإطلاقين السابقين، وبيان ذلك: أن تَعَلُّقه به من جهة إطلاقه مُرادًا به التفسير لا يخفى؛ إذ القول فيه كالقول في التفسير.
وأما وجه تَعَلُّقه بالتأويل إذا أُريد به المعنى الآخر: فإن ذلك يكون بالامتثال والعمل والتطبيق، وذلك من المعاني الداخلة تحت التدبر، إضافة إلى التفكر فيما يؤول إليه الإنسان، وما يقع في الدنيا والآخرة مما وعد الله به أهل طاعته وأهل معصيته، والله أعلم.
ثالثًا: علاقته بالبيان:
البيان: من بان الشيء: إذا اتضح وانكشف.
هذا من حيث الجملة، ويتقيَّدُ معناه بحسب مُتَعَلَّقِه، والمقصود هنا: ما يتعلق بالتدبر؛ وذلك بإطلاق البيان على ما يُشْرَح به المُجْمَل والمُبْهَم ويُكْشَف به عن المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 19) ، وقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44) [6].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
رابعًا: علاقته بالاستنباط:
ترجع مادة (الاستنباط) إلى الاستخراج [7]؛ قال ابن جرير - رحمه الله: «وكل مُسْتَخرِج شيئًا كان مُسْتترًا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له مُسْتَنْبِط» اهـ [8].
وبناء على ذلك، فإن الاستنباط من القرآن يكون بمعنى استخراج المعاني والأحكام وألوان الهدايات في العقائد والسلوك وغير ذلك، وهذا يكون نتيجة للتدبر كما لا يخفى، وهو قدر زائد على مجرد فهم اللفظ والكشف عن معناه، والله أعلم.
قال ابن القيم - رحمه الله: «وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم، ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعِلَل، ونِسْبة بعضها إلى بعض، فيُعْتَبَر ما يَصِحّ منها بصحة مِثْلِه ومُشْبِهه ونَظِيره، ويُلْغَى ما لا يَصِحّ. هذا الذي يَعْقِله الناس من الاستنباط.
قال الجوهري: «الاستنباط: كالاستخراج» [9]، ومعلوم أن ذلك قَدْر زائد على مُجَرّد فَهْم اللفظ؛ فإن ذلك ليس طَرِيْقُه الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تُنَال بالاستنباط، وإنما تُنَال به العِلَل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذَمّ من سمع ظاهرًا مُجَرَّدًا فأَذَاعَه وأَفْشَاه، وحَمِد من استنبط من أُولي العلم حقيقتَه ومعناه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ويُوَضِّحه: أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يَخْفَى على غير مُسْتَنْبِطه، ومنه: استنباط الماء من أرض البئر والعين، ومن هذا قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - وقد سئل: هل خَصَّكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس؟ فقال: «لا، والذي فَلَق الحَبّة، وبَرَأ النَّسَمَة؛ إلا فَهْمًا يُؤْتِيه الله عبدًا في كتابه» [10].
ومعلوم أن هذا الفَهْم قَدْر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه؛ فإن هذا قَدْر مُشْتَرك بين سائر من يَعْرِف لغة العرب، وإنما هذا فَهْم لَوَازِم المعنى ونظائره، ومُرَاد المُتَكَلِّم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المُرَاد، ولا يَخْرُج منها شيء من المراد ... » اهـ [11]، ثم ذكر أمثلة لذلك.
خامسًا: علاقته بالفهم:
الفهم: قيل: هو تصور المعنى من اللفظ، وقيل: هيئة للنفس يتحقق بها ما يَحْسُن [12].
وبناء على ذلك، فإن الفهم يكون نتيجة للتدبر، كما أنه يكون وسيلة لما وراء ذلك من المعاني الداخلة تحت التدبر، فإن من التدبر ما لا يكون إلا بعد الفهم، والله أعلم.
وبهذا نعلم أن بين التدبر والفهم ملازمة، ولا يخفى أن الناس يتفاوتون في الفهم تفاوتًا كبيرًا، وكلٌّ يحصل له من التدبر بحسبه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

----------------------------------------------
(1)
ينظر: مقاييس اللغة (كتاب الفاء، باب الفاء والسين وما يثلثهما) (4/ 504) ، الصحاح (مادة: فسر) (2/ 781) ، المصباح المنير (مادة: فسر) ص: 385، واللسان (مادة: فسر) (5/ 55) ، المفردات (مادة: فسر) ، ص: 38.
(2)
ينظر: قواعد التفسير (1/ 29) .
(3)
وذلك هو المعهود في القرآن، وفي كلام العرب. وللمتأخرين إطلاق ثالث لا حاجة لذكره هنا.
(4)
رواه أحمد في المسند (2397، 2422، 2879، 3032، 3102) .
والقول فيه بهذا الاعتبار كالقول في التفسير من جهة المُلازَمة بينه وبين التدبر.
(5)
رواه البخاري (817، 4968) ، ومسلم (484) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif(6)
ينظر: مقاييس اللغة (كتاب الباء، باب الياء وما يثلثهما) (1/ 328) ، والمفردات (مادة: بان) ص: 69.
(7)
ينظر: السابق (كتاب النون، باب النون والباء وما يثلثهما) (5/ 381) .
(8)
تفسير الطبري (8/ 571) .
(9)
انظر: الصحاح (باب الطاء، فصل النون) (مادة: نبط) (3/ 1162) .
(10)
أخرجه البخاري (111، 3047، 6915) .
(11)
إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 397) .
(12)
ينظر: القاموس (باب الميم، فصل الفاء) (4/ 162) ، المعجم الوسيط (مادة: فهم) (2/ 704) .

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif





ابو الوليد المسلم 02-23-2026 04:13 PM




سادسًا: علاقته بالتَّفَكُّر:
ظهر جليًّا من خلال عرض عبارات أهل العلم في التدبر بمعناه العام، أو الخاص، وما ذكره المفسرون عند تفسير الآيات المتعلقة بذلك- أن الكثيرين يُفَسِّرون التدبر بالتفكر؛ وذلك لما بينهما من المُقَاربة الشديدة، وقد فَرَّق بعضهم- كما سبق- بأن التدبر: تَصَرُّف القلب بالنظر في العواقب، وأما التفكر: فَتَصَرُّفه بالنظر في الدلائل.
والذي يظهر أنهما يرجعان إلى معنًى واحد في الأصل، وقد يَفْتَرِقان في بعض المعاني الدِّلَالية الخاصة بكل لفظة؛ وذلك أن كلمة (التدبر) تحمل معنى زائدًا، وهو (دُبُر الشيء، وعاقبته) ، ومن هنا جاء التفريق السابق بينهما.
ولا يخفى أن الواقع في الاستعمال أوسع من ذلك؛ حيث صار يُعَبَّر بكلٍّ منهما من غير مراعاة لِمُتَعَلَّق النظر في كل لفظة، والله أعلم.
فضله وشرفه
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
معلوم أن شرف الشيء بشرف مُتَعَلَّقِه، ولما كان التدبر يتعلق بكتاب الله تعالى، صار من أشرف الأمور وأَجَلِّها وأفضلها.
للتدبر من النتائج والثمرات ما هو في غاية النفع كما سيأتي.
قال الآجري - رحمه الله: «والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبُّره، أحبُّ إليَّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة، وأقوال أئمة المسلمين» [1].
التدبر شأن العَالِمِين الذين يعقلون آيات الله ويتفهمونها.
أهمية التدبر
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
يمكن أن نستبين أهمية التدبر من وجوه عدة؛ منها:
أن الله تعالى جعل ذلك مقصودًا من إنزاله؛ كما في قوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌلِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29) .
قال الشيخ محمد الأمين الشِّنقيطي - رحمه الله - تعليقًا على هذه الآية: «وأمَّا كون تَدبُّر آياته، من حِكَم إنزاله: فقد أشار إليه في بعض الآيات، بِالتَّحْضِيضِ على تَدبُّره، وتوبيخ من لم يتدبره؛ كقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24) ، وقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 82) ، وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} (المؤمنون: 68) » اهـ [2].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
أن الله تعالى أنكر على من لم يتدبره؛ كما في قوله - عز وجل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 82) ، وقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24) .
قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله - تعليقًا على هذه الآية: «ومعلوم أن كلَّ من لم يشتغل بتدبُّر آيات هذا القرآن العظيم- أي: تَصَفُّحِها وتَفَهُّمِها، وإدراك معانيها والعمل بها- فإنه مُعْرِض عنها، غير متدبِّر لها؛ فيستحق الإنكار والتوبيخ المذكور في الآيات إن كان الله أعطاه فهمًا يقدر به على التدبر، وقد شكا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن؛ كما قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: 30) .
وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتَفَهُّمَه وتَعَلُّمَه والعمل به، أمر لا بد منه للمسلمين.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المشتغلين بذلك هم خير الناس؛ كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - فِي الصحيح، من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [3]، وقال تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79) .
فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتَفَهُّمه والعمل به وبالسنة الثابتة المُبَيِّنة له، من أعظم المناكر وأشنعها، وإنْ ظن فاعلوه أنهم على هدى ... » [4].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
أنه لا سبيل إلى تحصيل المطالب العالية والكمالات إلا بالإقبال عليه وتدبره وتَفَهُّمه.
قال الحافظ ابن القيم - رحمه الله: «فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع، والعمل الصالح، وهما الهدى ودين الحقِّ، وبتكميله لغيره في هذينِ الأمرين؛ كما قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر: 1 - 3) ، أقسم سبحانه أنّ كلَّ أحد خاسر إِلا من كَمَّل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكَمَّل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه، فالحقُّ هو الإيمان والعمل، ولا يَتِمَّان إلا بالصبر عليهما، والتواصي بهما-: كان حقيقًا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره، بل أنفاسه، فيما ينالُ به المطالب العالية، ويخلص بهِ من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإِقبال على القرآن وتَفَهُّمه وتدبره، واستخراج كنوزه، وإثارة دفائنه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمة عليه، فإنه الكفيل بمصالح العباد في المَعَاش والمعاد، والمُوصِل لهم إلى سبيل الرشاد» اهـ [5].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
أنه الطريق إلى معرفة العبد لخالقه جل جلاله معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو الطريق إلى معرفة صراطه المستقيم الذي أمر العباد بسلوكه.
قال الآجري - رحمه الله: «ومن تدبر كلامه، عرف الربَّ - عز وجل -، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تَفَضُّله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فَرْضِ عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذَّره مولاه الكريم، ورغب فيما رَغَّبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وَعَزَّ بلا عشيرة، وأَنِس بما يستوحش منه غيره، وكان هَمُّه
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
عند التلاوة للسّورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلو؟ ! ولم يكن مراده: متى أختم السّورة؟ ! وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟ ! متى أزدجر؟ ! متى أعتبر؟ ! لأن تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة» اهـ [6].
أن ذلك من النصيحة لكتاب الله تعالى.
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله: «وأما النصيحة لكتاب الله، فَشِدَّة حُبِّه وتعظيم قَدْرِه؛ إذ هو كلام الخالق، وشِدَّة الرغبة في فهمه، وشِدَّة العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، أو يقوم به له بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من العباد يفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه، عُني بفهمه؛ ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب ربه؛ يُعْنَى بفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يُحِب ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه» اهـ [7].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: «فإنه قد عُلِم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فهمه وتَصَوُّر معانيه، فكيف بمنْ قرؤوا كتاب الله تعالى المُنزل إليهم الذي به هداهم الله، وبه عَرَّفَهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟ ! فمن المعلوم أن رغبتهم فِي فهمه وتصوُّرِ معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا، فإنه يرغب في فهمه؛ فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلِّغ عنه؟ ! بل من المعلوم أن رغبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه؛ فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تُحَصِّل المقصود؛ إذ اللَّفظ إنما يُرَاد للمعنى» [8].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
أن تدبر القرآن من أَجَلّ الأعمال وأفضل التَّعَبُّدَات.
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله: «ومن أعظم ما يُتَقَرَّب به إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن، وسماعه بتفكُّر وتدبر وتَفَهُّم؛ قال خَبَّاب بن الأرت لرجل: تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحبُّ إليه من كلامه» اهـ [9].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
-------------------------------------
(1)
أخلاق أهل القرآن ص: 169.
(2)
أضواء البيان (6/ 345) .
(3)
رواه البخاري (5027) .
(4)
أضواء البيان (7/ 257) .
مدارج السالكين (1/ 30) .
(6)
أخلاق أهل القرآن ص: 36 - 37.
(7)
جامع العلوم والحكم (1/ 221) .
(8)
مجموع الفتاوى (5/ 157) .
(9)
جامع العلوم والحكم (2/ 342) .
https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 02-23-2026 04:15 PM



https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp









ثمراته ونتائجه
التدبر يورث اليقين، ويزيد الإيمان.
وهو طريق إلى العمل بما في القرآن من المأمورات، والكف عن المنهيات.
وهو سبيل إلى الاعتبار والاتعاظ بأمثاله وقصصه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وأنه يحمل على محاسبة النفس ومراجعتها.
وهو الطريق إلى معرفة مَحَابّ الله ومَسَاخِطِه، وأوصاف أوليائه وصفات أعدائه.
وبه تكون معرفة الطريق إلى الله تعالى.
وهو أقوى الأسباب لترقيق القلب وتليينه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
قال ابن القيم - رحمه الله: «وبالجملة فلا شيْء أنفع للقلب من قراءَة القرآن بالتدبر والتَّفَكُّر؛ فَإنَّه جَامعٌ لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يُورث المحبة والشوق، وَالخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرِّضَا والتفويض، وَالشكر وَالصبر، وَسَائِر الأحوال الَّتِي بها حَيَاة القلب وكماله، وكذلك يزْجر عَن جميع الصِّفات والأفعال المذمومة، والتي بها فساد القلب وهلاكه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فَلَو علم النَّاس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأهُ بتفكر حتى مر بآية وهو مُحْتَاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مئَة مرّة ولو لَيْلَة، فقراءة آيَة بتفكر وتَفَهُّم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتَفَهُّم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن ... فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب ... ولهذا أنزل الله القرآن ليُتَدَبَّر ويُتَفكَّر فيه، ويُعمَلَ به، لا لمجرد الإعراض عنه» اهـ [1].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال السعدي - رحمه الله: «فَإنَّ تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف، وبه يُسْتَنْتَج كل خير، وتُسْتَخْرَج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته؛ فإنه يُعرِّف بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال، وما يُنَزَّه عنه من سمات النقص، ويُعرِّف الطريق المُوصِلة إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القُدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق المُوصِلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب» اهـ [2].
مظاهره وعلاماته
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
التأثر بما يقرأ، والخشوع عند قراءته أو سماعه.
الإقبال عليه إقبالًا تامًّا دون الاشتغال بما يصرف عن تدبره، والإنصات عند سماعه.
العمل بما يدعو إليه، والكف عما يزجر عنه.
موضوعه
القرآن الكريم.

-------------------------------------------------
(1)
مفتاح دار السعادة (1/ 187) .
(2)
تفسير السعدي ص: 193.
https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 02-24-2026 01:06 PM





https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



أنواع تدبر القرآن
(مَطالِب المُتَدَبِّرين ومقاصِدهم)
النوع الأول: تدبره لمعرفة صِدْق من جاء به، وأنه حق من عند الله تعالى:
وذلك أن الله تعالى نَعَى على المنافقين إعراضهم عن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 81 - 82) .
قال ابن جرير - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) } (النمل: 1) : «يَبِين لِمَن تَدَبَّرَه وفَكَّر فيه بفَهْم أنه من عند الله، أنزله إليك، لم تَتَخَرَّصه أنت، ولم تَتَقَوَّله ولا أحد سِوَاك من خَلْق الله؛ لأنه لا يَقْدِر أحد من الخَلْق أن يأتي بمثله، ولو تَظَاهَر عليه الجِنّ والإنس» اهـ [1].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
قال ابن القيم - رحمه الله: «ومن شهادته أيضًا ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم، واليقين الثابت، والطمأنينة بكلامه ووحيه، فإن العادة تُحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب والافتراء على رب العالمين، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته، بل ذلك يُوقِع أعظم الرَّيْب والشك، وتدفعه الفِطَر والعقول السليمة، كما تَدفع الفِطَرُ التي فُطِر عليها الحيوان الأغذية الخبيثة الضارة التي لا تُغَذِّي؛ كالأبوال والأنتان؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - فَطَر القلوب على قبولالحق، والانقياد له، والطمأنينة به، والسكون إليه، ومحبته، وفَطَرها على بُغْض الكذب والباطل، والنفور عنه، والريبة به، وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفِطَر على حالها
(1)
تفسير الطبري (18/ 5 - 6) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
لما آثرت على الحق سواه، ولما سكنت إلا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيره؛ ولهذا ندب الله - عز وجل - عباده إلى تدبر القرآن؛ فإن كل من تدبره أوجب له تدبرُهُ علمًا ضروريًّا ويقينًا جازمًا أنه حق وصدق، بل أَحَقُّ كُلّ حق، وأصدق كل صدق، وأن الذي جاء به أصدق خلق الله وأبَرُّهم وأكملهم علمًا وعملًا ومعرفة؛ كما قال تعالى:
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 82) ، وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24) ؛ فلو رُفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًّا- يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح والألم والحب والخوف- أنه من عند الله، تكلم به حقًّا، وبَلَّغه رسولُه جبريل عنه إلى رسوله محمد، فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد، وبه احتج هرقل على أبي سفيان، حيث قال له: فهل يرتد أحد منهم سَخْطَة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا! فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوتهُ بشَاشَةَ القلوب لا يَسْخَطه أحد [1].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} (العنكبوت: 49) ، وقوله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ} (الحج: 54) ، وقوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (سبأ: 6) ، وقوله: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الرعد: 19) ، وقوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} (الرعد: 27) ؛ يعني: أن الآية التي
(1)
رواه البخاري (7، وأطرافه في: 51، 2681، 2804، 2941، 2978، 3174، 4553، 5980، 6260، 7196) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
يقترحونها لا تُوجِب هداية، بل الله هو الذي يهدي ويُضِل، ثم نَبَّهَهُمْ على أعظم آية وأَجَلِّها وهي طمأنينة في قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله، فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} (الرعد: 28) ؛ أي: بكتابه وكلامه، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ؛ فطمأنينة القلوب الصحيحة والفطر السليمة به وسكونها إليه من أعظم الآيات؛ إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل» اهـ [1].
وذلك يحصل لهم بتدبره من وجوه متعددة؛ منها:
اتساق معانيه [2].
ائتلاف أحكامه [3].
«تأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق؛ فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض» [4].
قال ابن عباس - رضي الله عنهما: «أفلا يتدبرون القرآن فيتفكرون فيه، فيرون تصديق بعضه لبعض، وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي، وأن أحدًا من الخلائق لا يقدر عليه» [5].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif(1)
مدارج السالكين (3/ 471) .
(2)
تفسير ابن جرير (8/ 567) .
(3)
السابق (8/ 567) .
(4)
ما بين علامتي التنصيص من كلام ابن جرير (8/ 567) ، وينظر أيضًا: تفسير البغوي (1/ 566) ، المحرر الوجيز (2/ 612) ، تفسير الرازي (10/ 196) ، تفسير الخازن (1/ 563) ، تفسير النيسابوري (2/ 455 - 456) ، تفسير البقاعي (5/ 339 - 340) ، روح المعاني (5/ 92) ، التحرير والتنوير (1/ 67) ، (5/ 137) .
(5)
معاني القرآن للزجاج (2/ 82) ، زاد المسير (2/ 144) ، تفسير الخازن (1/ 563) .
https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 02-25-2026 01:09 PM






صِدْق ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة.
ومن ذلك: كَشْف خبايا وخفايا المنافقين وإظهار ذلك، وهم يعلمون صِدْق ما أخبر به عنهم [1].

5.
ما حواه من ألوان الأدلة والبراهين التي يخضع لها كل مُنْصِف مُريد للحق مُتجرد من الهوى [2].
6.
فصاحته وإعجازه للإنس والجن، عربهم وعجمهم؛ وهذه سِمَة لا تُفارقه من أوله إلى آخره،
فهو على كثرة سوره وآياته، وطول المدة التي نزل فيها، لا تجد فيه تفاوتًا ولا خللًا في موضع واحد، وهذا لا يتَأتَّى للبشر مهما بلغت فصاحتهم [3].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
7.
ما اشتمل عليه من أنواع الهدايات التي تشهد لصحتها العقول- فيما للعقل مجال لإدراكه-
وتوافق الفطر السليمة، فهو يدعو إلى كل معروف وخير، وينهى عن كل منكر وشر؛ فلا تجد فيه ما يُجَافي الحقيقة والفضيلة، أو يأمر بارتكاب الشر والفساد، أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة [4].
النوع الثاني: تدبره للوقوف على عظاته، والاعتبار بما فيه من القصص والأخبار، وتَعَقُّل أمثاله المضروبة، وما اشتمل عليه من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب؛ من أجل أن يرعوي العبد فيستدرك ما وقع له من تقصير، ويزداد من الإقبال والتشمير في طاعة الله
تعالى [5].
ينظر: تفسير البغوي (1/ 566) ، تفسير الرازي (10/ 196) ، تفسير الخازن (1/ 564) ، تفسير النيسابوري (2/ 455 - 456) ، نظم الدرر للبقاعي (5/ 339 - 340) ، تفسير
الألوسي (5/ 92) .
(2)
ينظر: المحرر الوجيز (2/ 612) .

(3)
ينظر: تفسير الرازي (10/ 196) ، تفسير الخازن (1/ 564) ، تفسير النيسابوري (2/ 455 - 456) ، نظم الدرر للبقاعي (5/ 340) ، روح المعاني (5/ 92) ، التحرير والتنوير (5/ 138) ، (26/ 114) .
(4)
ينظر: التحرير والتنوير (1/ 223 - 224) .
(5)
ينظر: تفسير الطبري (21/ 215) ، الوجيز للواحدي (1/ 278) ، و (2/ 1004) ، تفسيرالألوسي (26/ 74) ، التحرير والتنوير (5/ 138) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
النوع الثالث: تدبره لاستخراج الأحكام منه، سواء كان ذلك مما يتصل بالعقائد، أو الأعمال المتعلقة بالجوارح، أو السلوك؛ إذ الأحكام تشمل ذلك كله بمفهومها الأوسع.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله: «فمن تدبر القرآن وتدبر ما قبل الآية وما بعدها وعرف مقصود القرآن، تبين له المراد، وعرف الهدى والرسالة، وعرف السداد من الانحراف
والاعوجاج» اهـ [1].
وقال: «ومن تدبَّر القرآن طالبًا للهدى منه؛ تبين له طريق الحقِّ» اهـ [2].

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
النوع الرابع: تدبره للوقوف على ما حواه من العلوم والأخبار والقصص، وما ورد فيه من أوصاف هذه الدار، وما بعدها من الجنة أو النار، وما وصف الله تعالى فيه من أهوال القيامة ونهاية الحياة الدنيا، وأوصاف المؤمنين والكافرين بطوائفهم، وصفات أهل النفاق، إضافةً إلى الأوصاف المحبوبة لله تعالى، والأوصاف التي يكرهها ... إلى غير ذلك مما يلتحق بهذا المعنى.
قال مسروق: «من سَرَّه أن يَعْلَم عِلْم الأولين والآخرين، وعِلْم الدنيا والآخرة؛ فليقرأ سورة الواقعة» [3].

قال الذهبي: «هذا قاله مسروق على المُبَالَغة، لِعِظَم ما في السورة من جُمَل أمور الدَّارَين، ومعنى قوله: «فليقرأ الواقعة»؛ أي: يقرؤها بتَدَبُّر وتَفَكُّر وحضور، ولا يكن كمَثَل الحمار يَحْمِل أسفارًا» اهـ [4].
(1)
مجموع الفتاوى (15/ 94) .
(2)
العقيدة الواسطية ص: 74.

(3)
أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/ 95) .
(4)
سير أعلام النبلاء (4/ 68) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
النوع الخامس: تدبره للوقوف على وجوه فصاحته وبلاغته وإعجازه، وصُرُوف خطابه، واستخراج اللطائف اللغوية التي تُسْتَنْبَط من مضامين النص القرآني.
«فإنَّ من لم يتدبَّر ولم يتأمل ولم يساعده التوفيق الإلهي، لم يقف على هذه الأسرار العجيبة
المذكورة في هذا القرآن العظيم» [1].
النوع السادس: تدبُّره لتعَرُّفِ ضُروبِ المُحَاجَّة والجدال للمخالفين، وأساليب دعوة الناس على اختلاف أحوالهم، وطُرُق التأثير في المُخاطَبين، وسُبل الإقناع التي تضمنها القرآن
الكريم.
النوع السابع: تدبره من أجل الاستغناء به عن غيره؛ سوى السنَّة فإنها شارحة له.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
نقل ابن القيم عن الإمام البخاري قوله: «كان الصحابة إذا جلسوا، يتذاكرون كتابَ ربهم وسنَّة نبيهم، ولم يكن بينهم رأي ولا قياس، ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المتأخرين: قوم يقرؤون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم ويدرسونه، وآخرون يشتغلون في علوم أُخَر، وصَنْعَة اصطلاحية، بل كان القرآن عندهم هو العلمَ الذي يعتنون به حفظًا وفهمًا وتفقهًا» [2].
وقال ابن تيمية: «وأما في باب فهم القرآن فهو- أي: قارئ القرآن- دائم التفكر في معانيه والتدبر لألفاظه، واستغنائه بمعاني القرآن وحِكَمِه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع شيئًا
من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن؛ فإن شهد له بالتزكية قبله، وإلا ردَّه» اهـ [3].
(1)
تفسير الرازي (26/ 389) .
(2)
مختصر الصواعق المرسلة ص: 536، وعزاه للحاكم، ولعله أبو أحمد الحاكم صاحب الكنى، وترجمة البخاري ليست في المطبوع منها.

(3)
مجموع الفتاوى (16/ 50) .


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 02-26-2026 01:08 PM







النوع الثامن: تدبره من أجل تليين القلب به وترقيقه، وتحصيل الخشوع:
قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ
مِنْ هَادٍ} (الزمر: 23) .
وقال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الحشر: 21) .

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 16) .
وقال تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (الإسراء: 107 - 109) .
وأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وأخبار أصحابه مشهورة لا تخفى.
قال النووي - رحمه الله: «ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع، والتدبر، والخضوع؛ فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تحصر،
وأشهر من أن تُذكر.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة، أو معظم ليلة يتدبرها عند القراءة.
وقال ابن باديس - رحمه الله: «فوالله الذي لا إله إلّا هو، ما رأيت- وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب- أعظم إِلَانةً للقلب، واستدرارًا للدمع، وإحضارًا للخشية، وأبعث على التوبة؛ من تلاوة القرآن وسماع القرآن! » [1].

(1)
تفسير ابن باديس ص: 39.
النوع التاسع: تدبره من أجل الامتثال له، والعمل بما فيه من الأوامر، واجتناب النواهي:
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في بيان المراد بقوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} (البقرة:
121) ؛ قال: «والذي نفسي بيده، إنَّ حَقَّ تلاوته أن يُحِلَّ حلاله، ويُحرِّم حرامه، ويقرأَه كما أنزله الله» [1].
وعن عكرمة: «يَتَّبِعُونه حَقَّ اتِّباعِه باتِّبَاعِ الأمر والنهي؛ فَيُحِلُّون حلاله، ويُحَرِّمُون حرامه،
ويعملون بما تضمنه» [2].

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال الحسن: «إن هذا القرآن قد قرأه عَبيدٌ وصبيانٌ لا علم لهم بتأويله، وما تَدبُّر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده؛ حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأتُ القرآن فما أسقطتُ منه حرفًا، وقد- والله- أسقطه كله، ما يُرى القرآن له في خُلق ولا عمل؛ حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَس! والله ما هؤلاء بالقُّرَّاء ولا العلماء ولا الحُكَماء ولا الوَرَعَة، متى كان القُرَّاء مثل هذا؟ ! لا كَثَّر الله في الناس أمثالهم» [3].
(1)
رواه ابن وهب (كما في تفسير القرآن من الجامع لابن وهب ص: 23) ، وابن جرير في تفسيره (2/ 567، 569) . وينظر: تفسير ابن كثير (1/ 403) .

(2)
رواه الطبري في تفسيره (2/ 566) بنحوه مختصرًا.
رواه سعيد بن منصور (135 التفسير) ، وابن المبارك في الزهد (793) ، وعبد الرزاق في المصنف (5984) ، وأبو عبيد في فضائل القرآن (371) ، وابن نصر في قيام الليل (المختصر ص: 76 - 77) ، والفريابي في فضائل القرآن (177) ، والآجري في أخلاق
أهل القرآن (34) ، والخطيب في اقتضاء العلم العمل (180) ، والبيهقي في الشعب (2408) .
وبهذا نعلم أن تدبر القرآن يتنوع بحسب تنوع مَطَالِب المتدبرين.

كما يظهر أيضًا ما يقع للناس من التفاوت العظيم في باب التدبر، فمِن مُقِلٍّ ومُكْثِر.
ولكِنْ تأخُذُ الأذهانُ منهُ ... على قَدْرِ القَرائحِ والفُهُومِ [1]

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وفي هذا المعنى يقول الحافظ ابن القيم - رحمه الله: «والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حُكْمًا أو حُكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام، أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سِيَاقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضَمُّه إلى نصٍّ آخر مُتَعَلِّق به، فيَفهم من اقترانه به قَدْرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده.
وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر
بارتباط هذا بهذا وتعلقه به؛ وهذا كما فهم ابن عباس - رضي الله عنهما - من قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف: 15) ، مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (البقرة: 233) : أن المرأة قد تَلِد لستة أشهر» اهـ [2].
(1)
ديوان المتنبي ص: 232.
إعلام الموقعين (3/ 126) ، وأثر ابن عباس - رضي الله عنهما - رواه عبد الرزاق في
مصنفه (13446) وغيره.
وإذا عرفت ما سبق، فإن من هذه الأنواع ما يصلح لعموم الناس، ومنها ما لا يُحسِنُه إلا العلماء، وبناء على ذلك فإن من الشَّطَط أن تتوجَّه الأذهان عند الحديث عن التدبر إلى
استخراج المعاني واللطائف والنِّكات الدقيقة التي لم نُسْبَق إليها! ! فإن ذلك لا يصلح إلا للعلماء، لكنَّ المؤمن يتدبر ليُرَقِّق قلبه، ويتعرَّف مواطنَ العِبَر، ويَعْرِض نفسَه على ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم من أوصاف المؤمنين، ويحذر من الاتصاف بصفات غيرهم، إلى غير ذلك مما ينتفع به، ويمكن حصول أركان التدبر



https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 02-27-2026 03:05 PM





يقوم التدبُّر على أركان ثلاثة:
الأول: المُتَدَبِّر:
وهذا لا بد فيه من تحقق شروط وانتفاء موانع، كما يُلحَظ فيه توفر جملة من الآداب المُكَمِّلَة
المُعِينة على التدبر؛ ليكون المَحَل قابلًا.
الثاني: الكلام المُتَدَبَّر:
ولا يخفى أن القرآن الكريم بالغ التأثير في النفوس، كما أنه مُيَسَّر للفهم، ولكن إذا وُجِد المَحَل
القابل، غير أَنَّا نعلم أن القرآن يشتمل على العقائد والأحكام والقصص والأمثال والكلام على الدنيا والآخرة، وأهوال القيامة، فقد تكون بعض هذه القضايا أكثر تأثيرًا في بعض الناس، كما يكون غيرها أعمق تأثيرًا لدى آخرين بحسب مقاصدهم، وعُمْق أفهامهم، ولطافة نظرهم.
الثالث: عمليَّة التدبُّر:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وذلك يُطْلَب فيه جملة أمور تتعلق بالقَدْر المَتْلُوّ، وطريقة التلاوة، ووقتها، وما إلى ذلك؛ ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ في أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» [1].
(1)
رواه أبو داود (1394) ، والترمذي (2946 معلقًا، 2949) ، والنسائي في الكبرى (8013)
، وابن ماجه (1347) ، وأحمد (2/ 164 - 165) ، وابن حبان (758) ، والبيهقي في الصغرى (995) ، وفي الشعب (1981) ، وصححه الترمذي وابن حبان، والنووي في الأذكار (154) .
لا يخفى أن التدبر قضية نسبية يتفاوت الناس فيها، بل تتفاوت لدى الشخص الواحد في أحواله المختلفة؛ وذلك للتفاوت الحاصل في مقدماتها.
وهذا أصل ينبغي استحضاره عند الكلام على هذا المعنى الشريف.
-
ما يتوقَّف عليه التدبر إجمالًا:
لا بد- لتحصيل التدبُّر- من تحقق الشروط وانتفاء الموانع؛ فعندئذٍ يوجد السبب التام الذي
يُنَمِّي التدبر بإذن الله تعالى.
الشروط الأساسية للتدبر:
لسنا بحاجة في هذا المقام إلى الحديث عن مُتَعلَّق التدبُّر، وهو القرآن الكريم، من جهة ما
حواه من الهدايات التي تَفُوت الحصر: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9) ، {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} (الإسراء: 89) ، أو من جهة قوة تأثيره في النفوس: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31) ، {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر: 21) ، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الزمر: 23) .
وإنما المقصود بيان ما يتصل بنا -معاشر البشر- من الأوصاف التي تُطْلَب شروطًا يتوقف عليها حصول التدبُّر، وذلك بحسب النظر الكُلِّي ينحصر في ثلاثة أمور:

الأول: وجود المَحَل القَابِل (القلب الحي) .
الثاني: العمل الذي يصدر من المكلف (القراءة أو الاستماع، مع حضور القلب) .
الثالث: قَدْر من الفهم للكلام المقروء أو المسموع.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وهذه الأمور الثلاثة يحصل فيها التفاوت كما لا يخفى، ولكل واحد منها جملة من الأسباب المُعِينَة التي يقوى باستجماعها أو يضعف بِتَخَلُّفِها، وقد ينعدم.
وقد جَمَعَت هذه الشروط آيةٌ في كتاب الله تعالى، وهي قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ
قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق: 37) ، حيث صَرَّحَت بالشرطين الأولين، وأما الثالث فهي دالة عليه لزومًا؛ وذلك أن إلقاء السمع لا بد أن يكون معه الكلام مفهومًا لدى السامع، وإلا فإن الإصغاء للكلام الذي لا يفهمه أصلًا، كالأعجمي، لا يحصل به المقصود [1] [2].
(1)
تعليق إجمالي على الآية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، رحمهما الله:
(2)
ذِكْر حاصل أقوال المفسرين في الآية:

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 02-28-2026 11:21 AM






بيان شروط التدبُّر، وما يتفرع منها تفصيلًا:
الشرط الأول: وجود المَحَل القَابِل:
وهو القلب الحي؛ وذلك أن القلب إذا كان زكيًّا يَقِظًا أثمر ذلك فيه كل وصف ومعنى شريف؛
لأن «القلب إذا كان رقيقًا لينًا كان قبوله للعلم سهلًا يسيرًا، ورسخ العلم فيه وثبت وأَثَّر، وإن كان قاسيًا غليظًا كان قَبوله للعلم صعبًا عسيرًا.
ولا بد مع ذلك أن يكون زكيًّا صافيًا سليمًا؛ حتى يزكو فيه العلم ويثمر ثمرًا طيبًا، وإلا فلو
قَبِل العلم، وكان فيه كَدَر وخبث، أفسد ذلك العلم، وكان كالدَّغَل في الزرع إن لم يمنع الحبَّ من أن ينبتَ منعه من أن يزكوَ ويطيب، وهذا بَيِّن لأُولي الأبصار» [1].
ومن هنا كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتعلمون الإيمان قبل القرآن.

فعن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن فتيان حَزَاوِرَة [2]، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا» [3].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قال: «لقد عشنا بُرْهَة من دهرنا، وإن أحدنا يُؤتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فنتعلم حلالها وحرامها، وآمِرَها وزَاجِرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تَعَلَّمُون أنتم اليوم القرآن،
(1)
مجموع الفتاوى (9/ 315) .
(2)
جمع حَزْوَر، وهو الذي قارب البلوغ. النهاية (1/ 380) .

(3)
رواه ابن ماجه (61) ، والطبراني في الكبير (1678) ، والبيهقي في السنن (3/ 120) ، وفي الشعب (50) ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (52) .

ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يُؤتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فَاتِحَتِه إلى خَاتِمَتِه ما يدري ما آمِرُه ولا زَاجِرُه، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه» [1].
وعن حذيفة - رضي الله عنه: «إنَّا قوم أُوتينا الإيمان قبل أن نُؤتَى القرآن، وإنكم قوم أُوتيتم
القرآن قبل أن تُؤتوا الإيمان» [2].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقد جاء عن عثمان - رضي الله عنه: «لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله - عز وجل -» [3].
وعلى قدر حياة القلب يكون تَأَثُّره وتَدَبُّره وتَذَكُّره، فتارة يقوى، وتارة يضعف، وقد ينعدم ويتلاشى، كما يدل على ذلك ما جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى من الطبع على القلوب، والخَتْمِ عليها، وإزاغتها، فصاحب هذا القلب الأغلف أو المنكوس لا يحصل له شيء من التدبر والاعتبار والتفكر والانتفاع بما يقرأ أو يسمع من آيات الله تعالى.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - عند قوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} (ق: 37) : «كان المنافقون يجلسون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يخرجون، فيقولون: ماذا قال
آنفًا؟ ! ليس معهم قلوب» [4]؛

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
يشير إلى قوله تعالى عن المنافقين: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} (محمد: 16) .
(1)
رواه الحاكم في المستدرك (1/ 83) ، والبيهقي في السنن (3/ 120) ، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (1453) ، وابن نصر في قيام الليل (المختصر 78) .
(2)
سنن البيهقي (3/ 120) .
(3)
رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد (ص 106) ، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية
(7/ 300) .
(4)
رواه ابن مردويه؛ كما في الدر المنثور (13/ 653) .

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

سؤال وجوابه:
قد يسأل طالب العلم فيقول: أليست الآيات الأربع في الحث على التدبُّرِ: واحدة منها عامة؛ وهي آية سورة «ص»: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29) ، وأخرى في سياق الكلام على الكافرين؛ وهي آية سورة «المؤمنون»: {أَفَلَمْ
يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} (المؤمنون: 68) ، والبقية؛ وهي آية سورة النساء: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(النساء: 82) ، وسورة محمد: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24) - في سياق الحديث عن المنافقين، وهؤلاء ليسوا من أصحاب القلوب الحية! ! فما الجواب؟ !
والجواب من وجهين:
الأول: أن الآيات الثلاث مُصَدَّرة بالاستفهام الإنكاري: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} ، {أَفَلَمْ
يَدَّبَّرُوا} ؛ فهذه الآيات ينبغي أن تُفهم مع ضَمِّها إلى غيرها من الآيات التي تُخبِر عن الطبع والخَتْمِ والرَّانِ، وما نَتَجَ عن ذلك من العمى والصمم؛ ولذا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة: 6، 7) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179) ، كما أخبر عن قيلهم: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} (فصلت: 5) ، وقولهم: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} (الشعراء: 136) ، إلى غير ذلك من الآيات.
وذلك جزاؤهم جزاءً وفاقًا؛ كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}
(الأنعام: 110، 111) ؛ فجازاهم بتكذيبهم الأول.
والله يقول مُخَاطبًا أهل الإيمان: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الأنفال: 24) .

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وهكذا- أيضًا- الآيات التي تُخْبِر أن القرآن والإنذار إنما ينتفع بهما المؤمنون والمتقون؛ كقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 2) ، وقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} (يس: 11) ، وقوله: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (يس: 70) ، وقوله: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (الأنعام: 36) ؛ أي: سماع استجابة وقبول.
ومثل ذلك الآيات التي تُخْبِر أن الله لا يهدي القوم الكافرين، والفاسقين، والظالمين؛ أي: من
سبق في علمه الأزلي شقاوتهم، وبعض العلماء يُعبِّر عن المعنى بقوله: يعني المُصِرِّين على كفرهم وظلمهم وعنادهم.
ولهذا قال الله تعالى في الآية العامة في التدبر: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}
(ص: 29) ، ثم خص التذكُّر ببعضهم فقال: {وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29) .
والكلام في هذا يطول، وما ذكرته يرشد إلى غيره، والله تعالى أعلم [1].
(1)
وينظر ما سيأتي في موانع التدبر في الكلام على ما يتصل بالقلب.


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-01-2026 01:24 PM







الثاني: أشرنا سابقًا إلى التفاوت الحاصل بين القلوب من ناحية حياتها ومرضها وموتها، وقوتها وضعفها؛ فالقلب قد يكون مريضًا أو ضعيفًا، فإذا أصغى صاحبه بسمعه مع حضور القلب حال الاستماع أو القراءة، فإنه ينتفع ويعتبر، ما لم يصل إلى حال الطمس والختم على
القلب؛ ولهذا فإن من الكفار من يتأثر بسماع القرآن، وقد يكون ذلك سبب دخوله في الإسلام، كما وقع ويقع في القديم والحديث؛ وقد سمع جُبير بن مُطْعِم - رضي الله عنه - قبل إسلامه النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ قوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} (الطور: 35 - 37) ، قال: كاد قلبي أن يطير [1].
قال الخطابي: «كأنه انزعج عند سماع هذه الآية؛ لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته، ففهم
الحجة، فاستدركها بلطيف طبعه ... » اهـ [2].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الشرط الثاني: العمل الذي يصدر من المكلف (الاستماع، أو القراءة، مع حضور القلب) :
وإليك بيان هذا الشرط وما يتعلق به:

أما الاستماع: فيكفي في ذلك قول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204) .
يقول ابن سعدي - رحمه الله: «هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يُتلى، فإنه مأمور
بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث، أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه، وأما الاستماع له
(1)
رواه البخاري (4854) .
(2)
فتح الباري (8/ 479) .


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فهو أن يُلقي سمعه ويُحضِر قلبه، ويتدبر ما يستمع، فإن من لاَزَم هذين الأمرين حين يُتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا، وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًّا متجددًا، وهدًى متزايدًا، وبصيرةً في دينه؛ ولهذا رَتَّبَ الله حصول الرحمة عليها، فدل ذلك على أن من تُلي عليه الكتاب فلم يستمع له ويُنْصِت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير» اهـ [1].
وقال القرطبي - رحمه الله: «حُسْن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه، فقال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر:
18) ، وذم على خلاف هذا الوصف فقال: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الإسراء: 47) ، فمدح المُنْصِت لاستماع كلامه مع حضور العقل، وأَمَر عباده بذلك أدبًا لهم، فقال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204) ، وقال هاهنا: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} (طه: 13) ؛ لأنه بذلك ينال الفهم عن الله تعالى.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وعن وهب بن مُنَبِّه - رحمه الله - أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل؛ وذلك هو الاستماع كما يُحِب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويَحصُر عقله فلا يُحَدِّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم.
(1)
تفسير السعدي (ص 345) .
قال سفيان بن عيينة - رحمه الله: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر [1]، فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه، عليه الصلاة والسلام، بنية صادقة على ما يُحِب الله، أفهمه كما يُحِب، وجعل له في قلبه نورًا» اهـ [2].

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال أبو بكر الآجري - رحمه الله: «وإن الله وعد لمن استمع كلامه، فأحسن الأدب عند استماعه بالاعتبار الجميل، ولزوم الواجب لاتباعه، والعمل به، يبشره منه بكل خير، ووعده على ذلك أفضل الثواب» اهـ [3].
ويقول ابن تيمية - رحمه الله: «ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعقله، وتَدَبَّره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة، والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا مَنظومِه ولا منثورِه» [4].

وقال تلميذه ابن القيم - رحمه الله: «سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا وفهمًا، وتدبُّرًا، وإجابةً ... فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادًا لحجة، وتبصرة لعِبْرَة، وتذكرة لمعرفة، وفكرة في آية، ودلالة على رشد ... وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء، وعصمة ونجاة،
وكشف شبهة» [5].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(1)
رواه البيهقي في الشعب (1658) ، وروى البيهقي أيضًا في الشعب (1657) هذا الكلام بنحوه عن محمد بن النضر الحارثي.

(2)
تفسير القرطبي (11/ 176) .
(3)
أخلاق أهل القرآن للآجري ص: 7.

(4)
اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 749) .
(5)
مدارج السالكين (1/ 484 - 485) .

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-02-2026 06:33 PM



https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(12)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp

وقال ابن عاشور - رحمه الله: «فالاستماع والإنصات المأمور بهما المُؤَدِّيان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الأدلة على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المُفْضِي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر
بالاستماع مقصود به التبليغ، واستدعاء النظر، والعمل بما فيه» [1].
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
«اقرأ عليَّ القرآن»، قلت: أأقرأ عليك وعليك أُنزل؟ ! قال: «إني أُحبُّ أن أسمعَه من غيري»، قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (النساء: 41) ، قال: «حسبك»، فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان» [2].
قال ابن بطال - رحمه الله: «يحتمل أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - أَحَبَّ أن
يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سُنَّة تُحْتَذى بها، كما يحتمل أن يكون لكي يتدبَّرَه ويتفهمه؛ وذلك لأن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها» [3].
قال ابن تيمية - رحمه الله: «هذا سماع سلف الأمة، وأكابر مشايخها وأئمتها كالصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المشايخ؛ كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لأبي موسى - رضي الله عنه: ذَكِّرْنا
ربنا، فيقرأ وهم يسمعون ويبكون [4]،
وكان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن،
والباقي يستمعون» اهـ [5].
وقد قص الله تعالى علينا خبر الجن وما جرى لهم من ذلك، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ}
(الأحقاف: 29) ، وذم الكافرين فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت: 26) ؛ لأنهم يعلمون أن ذلك الصنيع يحول بينهم وبين القرآن فلا يتأثرون به.
ويحسن التنبيه هنا لأمرين:
الأول: أن ينظر المرء فيما يكون أدْعَى للتدبر بالنسبة إليه: القراءة أو الاستماع؛ فإذا كان الاستماع، فليجعل لنفسه منه حظًّا صالحًا.

الثاني: من المعلوم أن الإنسان قد يتأثر ببعض التلاوات المسموعة أكثر من غيرها، وينجذب قلبه إليها، فيحسن أن يكون سماعه لمن يكون بهذه المثابة، لاسيما إذا كانت القراءة مُسَجَّلة في صلاة؛ فإن ذلك مَظِنَّة التأثر والخشوع، وهو أمر مُشَاهَد.
وأما القراءة: فإنها الطريق إلى التدبر كالاستماع، فإذا راعى القارئ ما ينبغي له عندها، فإن ذلك يكون أدعى للتدبر والانتفاع بها؛ فمن تلك الأمور:
التهيؤ لها: وذلك من وجوه عدة؛ منها:

أ. اختيار الوقت المناسب، ولا شك أن أفضله ما كان ليلًا، وأفضل ذلك ما كان بعد نوم لمن وُفِّق له، حيث قال - سبحانه وتعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} (المزمل: 6) ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: {وَأَقْوَمُ قِيلًا} : «هو أجدر أن يفقه
القرآن» [6].
ويقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن مُدَارَسَة جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ليلة من رمضان: «المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأن الليل مَظِنَّة ذلك؛ لما
في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية» اهـ [7].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال النووي - رحمه الله: «ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة، وإنما رجحت صلاة الليل وقراءته؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشاغلات والمُلْهِيَات والتصرف في الحاجات، وأصون عن الرياء وغيره من المُحْبِطَات، مع ما جاء به الشرع من إيجاد الخيرات في الليل، فإن الإسراء بالرسول كان ليلًا» اهـ [8].
وقال الحسن [9]: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها بالنهار» [10].
وقال السَّرِي السَّقَطِي: «رأيت الفوائد تَرِد في ظلام الليل» [11]. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

(1)
التحرير والتنوير (9/ 236) .
(2)
رواه البخاري (4583، وأطرافه في: 5050، 5055) ، ومسلم (800) .

(3)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/ 277 - 278) .

(4)
رواه الدارمي (3536) ، وأبو عبيد في الفضائل ص: 163.

(5)
مجموع الفتاوى (10/ 80) ، رسالة التحفة العراقية.
(6)
رواه أبو داود (1304) .

(7)
فتح الباري (8/ 674) .
(8)
التبيان ص: 52 - 53.
(9)
في المحرر الوجيز وتفسير الثعالبي: الحسن البصري، وفي التبيان: الحسن بن علي - رضي الله عنه -.
(10)
المحرر الوجيز (1/ 39) ، والتبيان ص: 45 - 46، وتفسير الثعالبي (1/ 134) .

(11)
حلية الأولياء (10/ 119) .


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-03-2026 01:14 PM

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(13)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp

ب. اختيار الحال الأصلح له: وأنفع ذلك ما كان في حال قيام الليل، يقول الشنقيطي - رحمه الله: «لا يثبت القرآن في الصدر، ولا يُسَهِّل حفظه، ويُيَسِّر فهمه إلا القيام به في جوف الليل» اهـ [1].

وهكذا القراءة إذا كانت في صلاة فهي أفضل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام - رحمه الله:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
«الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة ... ولكن من حصل له نشاط وفهم للقراءة دون الصلاة؛ فالأفضل في حقه ما كان أنفع له» [2].
«كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة، بل يكون في الصلاة بخلاف ذلك، وليس كل ما كان أفضل يشرع لكل أحد، بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له» [3].
كما أن القراءة في حال الطهارة أفضل كما لا يخفى.
ج. تفريغ النفس من الشواغل المُشَوِّشَة للفكر والقلب.
د. الاستعاذة قبلها: وقد أورد لذلك الحافظ ابن القيم - رحمه الله - ثماني فوائد؛ منها:
«أن القرآن شفاء ما في الصدور، يُذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أثَّره فيها الشيطان، فأُمر أن يطرد مادة الداء، ويُخلي منه القلب؛ ليصادف الدواء محلًّا خاليًا، فَيَتَمَكَّن منه، ويؤثر فيه ... فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب، وقد خلا من مُزاحِم ومُضَاد له، فَيَنْجَع فيه.
ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحس بنبات الخير من القلب، سعى في إفساده وإحراقه،
فأُمر- أي: المؤمن- أن يستعيذ بالله - عز وجل - منه؛ لئلا يُفْسِد عليه ما يحصل له بالقرآن.
والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله: أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفي الوجه الثاني لأجل بقائها، وحفظها وثباتها ...

ومنها: أن الشيطان يُجْلِب على القارئ بخيله ورَجِلِه؛ حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يَحُول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأُمر عند الشروع أن يستعيذ بالله - عز وجل - منه ...
ومنها: أن الله - سبحانه وتعالى - أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنَّى ألقى الشيطان في أُمنيته [4]،

والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ... فإذا كان هذا فِعْلُه مع الرسل عليهم السلام فكيف بغيرهم؛ ولهذا يُغلِّط القارئ تارةً، ويخلط عليه القراءة، ويُشَوِّشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يُشوش عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا، أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور الاستعاذة بالله تعالى منه.
ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
عليه حينئذ ليقطعه عنه ... فهو بالرَّصَد، ولا سيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يُحارِب عدوه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله تعالى منه أولًا ثم يأخذ في السير ... » [5].
2 -
ما يُطلب مراعاته أثناء القراءة:
أ. أن ينظر فيما هو أدعى إلى تدبره: من القراءة عن ظهر قلب، أو من المصحف؛ إذ إن
الناس في ذلك يتفاوتون، فيختار كل واحد ما هو أقرب لتدبره وحضور قلبه، فإنِ اسْتَوَيَا فالقراءة في المصحف تَفْضُلُ على القراءة عن ظهر قلب.
وهذا القول أعدل الأقوال، واستحسنه النووي - رحمه الله - وقال: «والظاهر أن كلام السلف
وفعلهم محمول على هذا التفصيل» اهـ [6].
ب. أن يختار الأصلح لقلبه من الجهر والإسرار:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على فضل الجهر بالتلاوة؛ كحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» [7].
وعنه أيضًا - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَا أَذِن الله
لِشَيْءٍ مَا أَذِن لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ أَنْ يَجْهَرَ بِالقُرْآنِ» [8]، كما ثبت ذلك من فعله - صلى الله عليه وسلم - وفعل أصحابه في عدد من الأحاديث والآثار الصحيحة.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - لرجل ذكر له أنه سريع القراءة: «إن كنت لا بد فاعلًا،
فاقرأ قراءة تُسْمِعُ أذنيك، وتوعيه قلبك» [9].
وعن ابن أبي ليلى - رحمه الله - قال: «إذا قرأت فافتح أُذُنيك؛ فإن القلب عَدْلٌ بين اللسان والأُذن» [10].

وذلك أقرب إلى التدبر في الأصل، لا سيما إذا كان خاليًا، أو لم يحصل التأذي بجهره، وقد جاء في حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - مرفوعًا: «الجَاهِرُ بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرّ بالقرآن كالمسر بالصدقة» [11].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

(1)
ذكره عنه الشيخ عطية سالم - رحمه الله -. ينظر: مفاتيح تدبر القرآن ص: 50.
(2)
مجموع الفتاوى (23/ 62) .

(3)
السابق (23/ 60) .
(4)
وذلك في سورة الحج، الآية (52) .
(5)
إغاثة اللهفان (1/ 181 - 184) .
(6)
التبيان للنووي ص: 78، وينظر: الأذكار له ص: 161، وفتح الباري (8/ 708) ، والإتقان (1/ 304) ، وفيض القدير (1/ 561) .
رواه البخاري (7527) .
(8)
رواه البخاري (5023، وأطرافه في: 5024، 7482، 7544) ، ومسلم (792/ 233) .

(9)
رواه سعيد بن منصور في السنن (161 قسم التفسير) . وللتوسع في تخريجه ينظر في حاشيته.
(10)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3690) . ونحوه عن الشعبي؛ أخرجه ابن المبارك في
الزهد (1198) .
(11)
رواه أحمد (4/ 151) ، والترمذي (2919) ، وأبو داود (1333) ، والنسائي (2561) ، وابن حبان (734) ، وصححه ابن حبان وغيره، وحسنه الترمذي، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/ 701) .

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-04-2026 12:51 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم
خالد بن عثمان السبت
(14)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp
يقول النووي - رحمه الله: «جاءت آثار بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإسرار؛ قال العلماء: والجمع بينهما أن الإسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل؛ بشرط ألا يؤذي غيره من مُصَلٍّ أو نائم أو غيرهما. ودليل فضيلة الجهر أن العمل فيه أكثر؛ ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره؛ ولأنه يوقظ

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
القلب ويجمع همَّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه ... » إلى أن قال: «فمتى حضره شيء من هذه النيات، فالجهر أفضل» اهـ [1].
لكن من الناس من يكون تدبُّرُه حال الإسرار أعظم فَيُقَدَّم، والله أعلم.
ج. الترتيل والتَّرَسُّل في القراءة:
قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (المزمل: 4) ؛ قال في الكشاف: «ترتيل القراءة: التأني
والتمَهُّل، وتبيين الحروف والحركات، تشبيهًا بالثغر المُرَتَّل، وهو
المُشَبَّه بنَوْر الأُقْحُوان» [2].

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال القرطبي: «أي: لا تَعْجَل بقراءة القرآن، بل اقرأه في مَهَل وبيان مع تدبر المعاني. وقال الضحاك - رحمه الله: اقرأه حرفًا حرفًا. وقال مجاهد - رحمه الله: أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه [3].
والترتيل: التنضيد والتنسيق، وحُسْن النظام، ومنه ثغر رَتِل ورَتَل ... إذا كان حسن التنضيد.

وسمع علقمة رجلًا يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رَتَّل القرآن فداه أبي وأمي [4].
وقال أبو بكر بن طاهر - رحمه الله: تَدَبَّر في لطائف خطابه، وطَالِب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسِرَّك بالإقبال عليه» اهـ [5].

وقال ابن كثير - رحمه الله: «أي: اقرأه على تمهُّل؛ فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره» اهـ [6].

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ويقول ابن مفلح - رحمه الله: «قال القاضي: أقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة ... وأكمله أن يُرتِّل القراءة ويتوقف فيها ... والتَّفَهُّم فيه والاعتبار فيه مع قلة القراءة، فهو أفضل من إدراجه بغير فهم.
قال الإمام أحمد - رحمه الله: يُحسِّن القارئ صوته بالقرآن ويقرؤه بحزن وتدبُّر؛ وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: «ما أَذِن الله لشيء كَأَذَنِه لنبيٍّ حسن الصَّوت يتَغَنَّى بالقرآن يجهَرُ به»» [7].
وقال ابن الجوزي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ
عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} (الإسراء: 106) : «على تُؤدة وتَرَسُّل ليتدبروا معناه» اهـ [8].

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وهكذا كانت صفة قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان يقرأ السورة، فيرتلها؛ حتى تكون أطول من أطول منها» [9].
وعن أنس - رضي الله عنه - أنه سُئل عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «كانت مدًّا، يمد (بسم الله) ، ويمد (الرحمن) ، ويمد (الرحيم) » [10].
وهكذا حديث حذيفة [11] وعوف بن مالك [12] - رضي الله عنهما -، في وصف قراءته -
صلى الله عليه وسلم - في صلاة الليل.
وقال - صلى الله عليه وسلم: «لَا يَفْقَهُ -وفي رواية: لَمْ يَفْقَهْ- مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ في أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» [13].
وقد حَدَّث أبو جمرة قال: قلت لابن عباس - رضي الله عنهما: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما: «لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إليَّ من

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلًا ولا بد، فاقرأ قراءة تُسْمِعُها أُذنيك ويعيها قلبك» [14].
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه: «لا تَهُذُّوا القرآن هَذَّ الشِّعْر، ولا تَنْثُرُوه نَثْر الدَّقل، وقِفُوا
عند عجائبه، وحَرِّكُوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدِكم آخر السورة» [15].
وقال الحسن البصري - رحمه الله: «يا ابن آدم! كيف يَرِقّ قلبك، وإنما هِمَّتُك في آخر السورة؟ ! » [16].

وفي الباب آثار عن السلف - رضي الله عنهم - في الإنكار على من أسرع في القراءة:
يقول النووي - رحمه الله: «قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر وغيره ... لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب» [17].
قال القرطبي - رحمه الله: «الترتيل أفضل من الهَذّ؛ إذ لا يصح التدبر مع الهَذّ» [18].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

(1)
الأذكار (ص 162) ، وينظر: التبيان (ص 81) ، والمجموع (2/ 191) .

(2)
الكشاف (4/ 175) ، وبنحوه في تفسير القرطبي (1/ 17) ، (بتصرف يسير) . ونَوْر الأُقْحُوان: زَهْرُه، والثَّغْر: الفم، والأُقْحُوان: نَبْت زَهْرُه أصفر أو أبيض، ورقه مُحَدَّد كأسنان المنشار، ومنه: البَابُونَج، وقد كثر تشبيه الأسنان بالأبيض المُحَدَّد منه. انظر: المعجم الوسيط (الأقحوان) ، (1/ 22) .
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(3)
مختصر قيام الليل (1/ 132) ، نوادر الأصول في أحاديث الرسول (2/ 287) ، تفسير السمرقندي (3/ 509) .
(4)
رواه البيهقي في الشعب (1973) بنحوه.

(5)
تفسير القرطبي (19/ 37) .
(6)
تفسير ابن كثير (8/ 250) .
(7)
الآداب الشرعية (2/ 297) ، والحديث سبق تخريجه.
(8)
زاد المسير (5/ 97) .
(9)
رواه مسلم (733) .

(10)
رواه البخاري (5046) .
(11)
حديث حذيفة - رضي الله عنه - رواه مسلم (772) .

(12)
رواه أبو داود (873) ، والنسائي (1048) ، وأحمد (6/ 24) .
مضى تخريجه (ص 37) .
(14)
مضى تخريجه قريبًا.

(15)
أخرجه البيهقي في الشعب (1883) ، والآجري في أخلاق حملة القرآن ص: 2، وأورده البغوي في التفسير (4/ 407) .
(16)
رواه أحمد في الزهد (ص 209) .
(17)
التبيان ص: 72.
(18)
تفسير القرطبي (15/ 192) .

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-05-2026 07:48 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(15)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



وقال ابن كثير - رحمه الله -: «المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتَفَهُّمه، والخشوع والخضوع والانقياد والطاعة» (1).
ومن هنا ذهب النووي - رحمه الله - إلى أن تحديد مدة لختم القرآن يختلف بحسب
الأشخاص، فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفِكْر، اسْتُحِب له أن يقتصر على القدر الذي لا يُخِل بالمقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شُغل بالعلم أو غيره

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، يُستحب له أن يقتصر منه على القدر الذيلا يُخِل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك، فالأولى له الاستكثار ما أمكنه، من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هَذْرَمة (2).
وبناء على ذلك يَحْسُنُ أن تكون للمسلم قراءة يَتَدَبَّرُ فيها ولو قلَّت، إن لم يجعل قراءته
كلها كذلك.
فيكون له وِرْد للمراجعة أو الحفظ، وآخر للتدبر، فَإِنْ أَبَى فَوِرْدٌ للحفظ أو المراجعة، وآخَرُ للتلاوة والختم، وثالث للتدبر.


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
د. تكرار الآية أو الآيات أو السورة القصيرة:
فإذا أراد القارئ أن يَتَدَبَّر موضعًا من كتاب الله تعالى يجد فيه عِبْرة أو عِظَة لقلبه، فإنه يُكرر تلاوته ويُردِّدُه؛ حتى يحصل مقصوده، ولو اقتصر عليه في مجلسه أو ليلته
بكاملها.
قال ابن القيم - رحمه الله -: «فإذا قرأه بتفكر حتى إذا مر بآية وهو مُحتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتَفَهُّم خير من قراءة ختمة
بغير تدبر وتَفَهُّم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذَوق حلاوة القرآن» اهـ (3).
قال في الإحياء: «وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية، فليرددها» اهـ (4).


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقد قال أبو ذر - رضي الله عنه -: «قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بآية حتى أصبح، يرددها، والآية: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (المائدة: 118)» (5).
وهكذا كانت عادة السلف - رضي الله عنهم - (6).
عن عَبَّاد بن حمزة - رحمه الله - قال: «دخلتُ على أسماء - رضي الله عنها - وهي تقرأ: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} (الطور: 27)، قال: فَوَقَفَتْ عليها،
فَجَعَلَتْ تستعيذ وتدعو. قال عباد: فذهبتُ إلى السوق، فَقَضَيْتُ حاجتي، ثم رَجَعْتُ، وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو! » (7).
وقام تميم الداري - رضي الله عنه - بآية حتى أصبح؛ وهي قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (الجاثية: 21) (8)،

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فلم يزل يكرِّرها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام. وكذلك قام بها الربيع بن خُثيم (9).
وردَّدَ الحسن البصري - رحمه الله - ليلة: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} (النحل: 18)، حتى أصبح، فقيل له في ذلك، فقال: إن فيها مُعْتَبرًا، ما نرفع طَرْفًا ولا نرده إلا وقع على نعمة، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر (10).
وعن سعيد بن جبير - رحمه الله - أنه ردد قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (البقرة: 281)، بضعًا وعشرين مرة (11)، وردد قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ} (غافر: 70، 71) (12).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ورُوي عنه أنه أحرم بنافلة فاستفتح: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} (الانفطار: 1)، فلم يزل فيها حتى نادى منادي السَّحَر (13).
وعن الضحاك - رحمه الله - أنه رَدَّدَ قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} (الزمر: 16) (14).

وعن عامر بن عبد القيس - رحمه الله - أنه قرأ في ليلة سورة غافر، فلما انتهى إلى قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} (غافر: 18)، فلم يزل يرددها حتى أصبح (1).
وقال محمد بن كعب - رحمه الله -: «لأن أقرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا}، و

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
{الْقَارِعَةُ}؛ أرددهما وأتفكر فيهما، أحبُّ من أن أبيت أَهُذ القرآن» (2).
وقال زائدة - رحمه الله -: «صليت مع أبي حنيفة في مسجده عشاء الآخرة، وخرج
الناس، ولم يعلم أني في المسجد، وأردت أن أسأله مسألة من حيث لا يراني أحد، قال: فقام فقرأ، وقد افتتح الصلاة، حتى بلغ إلى هذه الآية {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} (الطور: 27)، فأقمت في المسجد أنتظر فراغه، فلم يزل يرددها حتى أَذَّن المؤذن لصلاة الفجر» (3).
وقال رجل لابن المبارك - رحمه الله -: قرأت البارحة القرآن في ركعة، فقال: «لكني أعرف رجلًا لم يزل البارحة يقرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} إلى الصبح، ما قدر أن
يجاوزها»؛ يعني: نفسه (4).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
عن عبد الرحمن بن عجلان - رحمه الله - قال: «بِتُّ عند الربيع بن خُثيم ذات ليلة فقام يصلي، فمر بهذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (الجاثية: 21)، فمكث ليلته حتى أصبح، ما جاوز هذه الآية إلى غيرها، ببكاء شديد» (15).
بل جاء عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من
التدبر فيها (16).
وقال بعضهم: لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد (17).

وقد ذُكِر عن بعضهم أنه كان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وأنه بقي في ختمة بضع عشرة سنة فمات قبل أن يختمها (18). فكانت هذه للتدبر الدقيق.

-------------------
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(1) فضائل القرآن ص: 64، ضمن المجلد الأول من تفسير ابن كثير.
(2) التبيان ص: 50. وينظر: الأذكار ص: 154
(3) مفتاح دار السعادة (1/ 553).
(4) الإحياء (1/ 282) (بتصرف يسير).
(5) رواه النسائي (271)، وابن ماجه (1350)، وأحمد (5/ 149).
(6) ينظر: الأذكار للنووي ص: 161، مفتاح دار السعادة (1/ 553 - 554).
(7) رواه ابن أبي شيبة (6092)

(8) أخرجه ابن المبارك في الزهد (94)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ص: 149، والطبراني في الكبير (1236، 1237).
(9) سيأتي قريبًا.
(10) رواه ابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (53).
(11) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (189)، وابن أبي شيبة في المصنف (36499)، وأحمد في الزهد (2165)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 272)،
والأصبهاني في سير السلف الصالح، ص 781.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(12) أخرجه وكيع في الزهد (156)، وعبدالرزاق في المصنف (4196)، وابن سعد في الطبقات (6/ 271)، وابن أبي شيبة في المصنف (8455)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 272)، والمستغفري في فضائل القرآن (59).
(13) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (189).
(14) التبيان في آداب حملة القرآن ص: 69

(15) حلية الأولياء (2/ 112).
(16) قوت القلوب (1/ 92)، وانظر: الإحياء (1/ 282).
(17) السابق.
(18) ينظر: حلية الأولياء (10/ 302)

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-06-2026 12:07 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(16)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



‌‌ذِكْرُ جملة من الأمور المُعِينة على التدبر، مما يكون مُشترَكًا بين الاستماع والتلاوة:
‌‌1 - إدراك أهمية التدبر وفائدته:
قال الحافظ ابن القيم - رحمه الله -: «فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر
والتفكر» (1).
وقد مضى الحديث عن هذا المعنى، لكن المراد هنا التنبيه على أن من لا يُدْرِك أهمية التدبر، فإنه لن يلتفت إليه.

‌‌2 - استحضار عظمة المتكلم بالقرآن:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فإذا كان الإنسان يَتَمَعَّن كثيرًا حينما يقرأ خطاب من يُعظِّمه من البشر، ويقف مع كل حرف فيه، ويتأمل في مضامينه، فإن كلام الله تعالى أولى بذلك، وأحق لدى أصحاب القلوب الحيَّة.
قال ابن قدامة - رحمه الله -: «وليعلم أن ما يقرؤه ليس كلام بشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه؛ فإن التدبر هو المقصود من القراءة» اهـ (2).

قال الحارث المحاسبي: «إذا كان كلام العالم أولى بالاستماع من كلام الجاهل، وكلام الوالدة الرَّؤُوم أحق بالاستماع من كلام غيرها، فالله أعلم العلماء وأرحم الرحماء، فكلامه أولى كلام بالاستماع، والتدبر، والفهم» اهـ (3).

وقال: «إذا عَظُم في صدرك تعظيم المتكلم بالقرآن، لم يكن عندك شيء أرفع، ولا

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
أشرف، ولا أنفع، ولا ألذ، ولا أحلى من استماع كلام الله - عز وجل -، وفهم معاني قوله تعظيمًا وحبًّا له، وإجلالًا؛ إذ كان تعالى قائله، فَحُبّ القول على قَدْر حُبّ قائله» اهـ (4).
‌‌3 - ما ينبغي أن تكون عليه تصوراتنا ونظرتنا للقرآن:
إن النظرة القاصرة، وفساد التصور تجاه القرآن الكريم، يُقْعِدان صاحبهما عن تدبر
كتاب الله تعالى، وطلب الهدى منه، وذلك حينما ينظر بعضهم إلى القرآن باعتبار أنه مجرد كتاب مُقَدَّس يُتلى لتحصيل الأُجور، وربما لمجرد تحصيل البركة، فيضع المصحف في بيته أو مركبته، أو أنه ملجأ أرباب العِلَل والأدواء فَيَسْتَرْقُون به لكشف ما ألَمَّ بهم، أو أنه إنما يُقْرأ مجرد قراءة في المآتم أو افتتاح بعض المناسبات، أو أنه نزل
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ليعالج بيئة مُتَخَلِّفة يعبد أهلها الأصنام، فدعاهم إلى تركها وعبادة الله وحده دون ما سواه، فهو يعالج تلك الحِقْبَة الغابرة، ولا تَعَلُّق له بالواقع المعاصر وتعقيداته! ! إلى غير ذلك من التصورات الضيقة.
فمن كانت هذه نظرته إلى هذا الكتاب، فلا يُظَن به أنه سَيُقْبِل عليه بتدبر وتفهم؛ ليستخرج من كنوزه وهداياته؛ إذ الناس- كما قيل- أسرى لأفكارهم ومعتقداتهم.

والله تعالى قد وصف هذا الكتاب بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89).
واتلُ بفَهمٍ كتابَ اللهِ فيهِ أتَتْ ... كلُّ العلومِ تَدَبَّرْهُ ترَ العَجَبا (5)

فينبغي النظر إليه باعتبار أنه كتاب هداية: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(الإسراء: 9)، يُحيي الله به موتى الأرواح: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} (الأنعام: 122)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: 24)، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم: 1).
وإذا أردت أن تعرف عظمة هذا القرآن، وتأثيره في النفوس والمجتمعات، فتأمل ما وصفه الله تعالى به في مواضع كثيرة، حيث وصفه بأنه كريم، وحكيم، وعظيم، ومجيد، ومبارك، وعزيز، ومُهيمِن، وعلِيّ، وهُدى، ورحمة، وشفاء، ونور، وذِكْر، وموعظة،
ورُوح، وتفصيل كل شيء، وبصائر، وأنه حق، وبرهان، إلى غير ذلك من الأوصاف.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
كما سماه بالفرقان؛ لأنه يفرق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، وبالقرآن؛ لأنه جمع ثمرة الكتب قبله.
فالواجب أن يُقبل المسلم على كتاب ربه إقبالًا يليق بهذا القرآن العظيم، «ويعرف أنه سِيق لهداية الخلق كلهم، عالِمِهم وجاهلهم، حضريهم وبدويهم ... فمن وُفِّق لذلك لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبُّرِه وتَفَهُّمه، وكثرة التفكر في ألفاظه ومعانيه، ولوازمه وما
تتضمنه ... وما يدل عليه منطوقًا ومفهومًا، فإذا بَذَلَ وُسْعَه
في ذلك فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أمورًا لا تدخل تحت كسبه» (6).

قال ابن القيم - رحمه الله -: «هو أعظم الكنوز، طَلْسَمُهُ الغوص بالفكر إلى قرار معانيه» اهـ (7).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فتَدَبَّرِ القرآنَ إن رُمْتَ الهُدى ... فالعِلمُ تحتَ تدَبُّر القرآنِ (8)
‌‌4 - استحضار أنك المُخَاطَب بهذا القرآن:
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إذا سمعت الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فأَصْغِ لها سمعك، فإنه خير تُؤمر به، أو شر تُصرف عنه» (9).

وقال الحسن: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار» (10).
وقال محمد بن كعب القرظي - رحمه الله -: «من بلغه القرآن، فكأنما كلَّمه الله»
(11)، وعَقَّبه في الإحياء بقوله: «وإذا قَدَّر ذلك لم يتخذ قراءة القرآن عَمَلَه، بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه، الذي كتبه إليه؛ ليتأمله ويعمل بمقتضاه» (12).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(1) مفتاح دار السعادة (1/ 553).
(2) مختصر منهاج القاصدين، ص: 68، وينظر: الإحياء (1/ 282).
(3) العقل وفهم القرآن، ص: 247

(4) السابق، ص: 302
(5) تفسير القرطبي (1/ 41)
(6) تفسير السعدي ص: 23 - 24.
(7) مدارج السالكين (1/ 453).
(8) النونية، رقم (736).
(9) سنن سعيد بن منصور (50، 848 التفسير).

(10) تقدم ص: 50.
(11) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1271).
(12) الإحياء (1/ 285)

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif



ابو الوليد المسلم 03-07-2026 02:37 PM

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم
خالد بن عثمان السبت
(17)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



وقال الخَوَّاص - رحمه الله -: «قلت لنفسي: يا نفس اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به، فجاءت الحلاوة» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته
وسماعه، وأَلْقِ سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه؛ فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله» اهـ (2).
«فيُقَدِّر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا قَدَّر أنه المنهيُّ
والمأمور، وإن سمع وعدًا أو وعيدًا فكذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء، علم أن

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
السَّمَر غير مقصود، وإنما المقصود أن يعتبر بها، ويأخذ من تضاعيفها ما يحتاج إليه، وإذا قُصد بالخطاب جميع الناس، فهذا القارئ الواحد مقصود، فما له ولسائر الناس، فَلْيُقَدِّر أنه المقصود؛ قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 19)» (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: «وبالجملة فمن قُرِئ عليه القرآن، فَلْيُقَدِّر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به، فإذا حصل له مع ذلك السماع به وله وفيه، ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه، وازدلفت إليه بأيهما يبدأ، فما شئت من علم
وحكمة، وتَعَرُّفٍ وبصيرة، وهداية وغَيْرَة» (4).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فإذا استجمع هذه الأمور فإن ذلك يقوده إلى ما بعدها؛ فمن ذلك:
‌‌5 - صدق الطلب والرغبة، وقوة الإقبال على كتاب الله، عز وجل:

قال القرطبي - رحمه الله -: «فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بنية صادقة على ما يُحِب الله، أفهمه كما يُحِب، وجعل في قلبه نورًا» اهـ (5).
وهذا يتطلب قدرًا من الصبر والإصرار؛ قال ثابت البُنَاني - رحمه الله -: «كَابَدتُّ القرآن عشرين سنة، ثم تنعَّمْت به عشرين سنة» (6).

‌‌6 - أن يقرأ ليمتثل:

قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} (البقرة:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
121).
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «والذي نفسي بيده: إن حق تلاوته أن يُحِل
حلاله، ويُحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله» (7).
وقال الحسن البصري - رحمه الله -: «إن هذا القرآن قد قرأه عبيدٌ وصبيانٌ لا علم لهم بتأويله ... وما تدبر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى
إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفًا، وقد- والله- أسقطه كله، ما يُرى القرآن له في خُلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَس! والله ما هؤلاء بالقراء، ولا بالعلماء، ولا الحكماء، ولا الوَرَعَة، متى كان القراء مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء» (8).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال - رحمه الله -: «أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا» (9).
وقال - رحمه الله -: «إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه، وإن لم يكن قرأه»
(10).
قال الفضيل - رحمه الله -: «إنما نزل القرآن لِيُعْمَل به، فاتخذ الناس قراءته عملًا، قيل: كيف العمل به؟ قال: لِيُحِلوا حلاله، ويُحرِّمُوا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا
عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه» (11).
وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: «أنزل عليهم القرآن ليعملوا به، فاتخذوا دَرْسه عملًا، إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يُسْقِط منه حرفًا، وقد
أسقط العمل به» (12).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقيل ليوسف بن أسباط: بأي شيء تدعو إذا خَتْمَت القرآن؟ قال: «أستغفر الله من تلاوتي؛ لأني إذا خَتَمْته وتَذَكَّرت ما فيه من الأعمال خَشِيت المَقْت، فَأَعْدِل إلى الاستغفار والتسبيح» (13).
وقرأ رجل القرآن على بعض العلماء، قال: فلما خَتَمتُه أردتُّ الرجوع من أوله فقال لي: «اتخذتَ القراءة عليّ عملًا، اذهب فاقرأه على الله تعالى في ليلك، وانظر ماذا
يُفْهِمُك منه فاعمل به» (14).
قال ابن عطية - رحمه الله -: «قال الله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51)، وقال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ
قَوْلًا ثَقِيلًا} (المزمل: 5)؛ أي: عِلْم معانيه والعمل به والقيام بحقوقه، ثقيل، فمال

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الناسُ إلى المُيَسَّر، وتركوا الثقيل، وهو المطلوب منهم! » اهـ (15).
وقد كان السلف - رضي الله عنهم - لا يتجاوزون الآيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم
والعمل؛ كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كان الرجل منا إذا تَعَلَّمَ عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (16). وجاء نحوه عن أبي عبد الرحمن السلمي (17).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ولكن إذا وقع في القلب فَرَسَخَ فيه، نَفَعَ» (18).
«فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة، يرى بها ما حسن من
فعله وما قبح فيه؛ فما حذَّره مولاه حَذِرَهُ، وما خوَّفه به من عقابه خافه، وما رغَّب فيه
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
مولاه رغب فيه ورجاه؛ فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدًا وشفيعًا، وأنيسًا وحِرْزًا؛ ومن كان هذا وَصْفه نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى
ولده كل خير في الدنيا والآخرة» (19)، «وكان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وعزَّ بلا عشيرة، وأنس مما يستوحش منه غيره، وكان همُّه عند التلاوة للسورة إذا
افتتحها: متى أتعظ بما أتلوه؟ ! ولم يكن مراده: متى أختم السورة؟ ! وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟ ! متى أزدجر، متى أعتبر؟ ! لأن تلاوة القرآن عبادة لا تكون بغفلة» (20).
فالمسلم «يتصفح القرآن ليُؤدِّب به نفسه، هِمَّتُه: متى أكون من المتقين؟ ! متى أكون

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
من الخاشعين؟ ! متى أكون من الصابرين؟ ! متى أزهد في الدنيا؟ ! متى أنهى نفسي عن الهوى؟ ! » (21).
قال يزيد بن الكُميت - رحمه الله -: «قرأ بنا علي بن الحسين المُؤَذِّن في عشاء الآخرة: {إِذَا زُلْزِلَتِ}، وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة وخرج الناس، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يُفَكِّر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، وقد طلع الفجر وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذَرَّةِ خَيرٍ خيرًا، ويا من يجزي بمثقال ذَرَّةِ شَرٍّ شرًّا، أجِرِ النعمان عبدَك من النار، وما يُقَرِّب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك.
قال: فَأَذَّنْتُ، فإذا القنديل يَزْهَر وهو قائم، فلما دخلت، قال: تريد أن تأخذ القنديل؟ قلت: قد أَذَّنْتُ لصلاة الغداة، قال: اكتم عليَّ ما رأيت» (22).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(1) سير أعلام النبلاء (8/ 180).

(2) الفوائد ص: 3.
(3) الإحياء (1/ 285).
(4) مدارج السالكين (1/ 499)

(5) تفسير القرطبي (11/ 176).
(6) الإحياء (1/ 302).
(7) رواه ابن جرير في تفسيره (2/ 567).

(8) مضى ص: 34
(9) الداء والدواء ص: 357.
(10) رواه أحمد في الزهد ص: 233، والبيهقي في الشعب (9600).

(11) أخرجه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل، رقم (116).
(12) المحرر الوجيز (1/ 39).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(13) السابق.
(14) السابق (1/ 39)
(15) السابق.
(16) رواه ابن جرير في التفسير (1/ 80).
(17) المصدر السابق (1/ 80).
(18) رواه مسلم (822)، ونحوه عند البخاري (6/ 238)

(19) أخلاق حملة القرآن ص: 25.

(20) السابق ص: 9.
(21) السابق ص: 22 بتصرف.
(22) تاريخ بغداد (15/ 487)


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-08-2026 12:53 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم
خالد بن عثمان السبت
(18)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp


قال في الإحياء: «وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك اللسان والعقل والقلب؛ فحظ اللسان: تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل: تفسير المعاني، وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار؛ فاللسان يُرتِّل، والعقل يُترجم، والقلب يتعظ» اهـ (1).

«وينبغي للتالي أن يستوضح كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك، فإذا تلا قوله تعالى:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (الأنعام: 1)، فليعلم عظمته، وَيَتَلَمَّح قدرته في كل ما يراه، وإذا تلا: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} (الواقعة: 58)، فليتفكر في نُطفة متشابهة الأجزاء كيف تنقسم إلى لحم وعظم ... وإذا تلا أحوال المكذبين، فليستشعر الخوف من السَّطْوَة إن غفل عن امتثال الأمر.
وينبغي لتالي القرآن أن يعلم أنه المقصود بخطاب القرآن ووعيده، وأن القصص لم يُرَد
بها السَّمَر بل العِبَر، فحينئذ يتلو تلاوة عبد كَاتَبَه سيده بمقصود، وليتأمل الكتاب، وليعمل بمقتضاه» (2).
ووصف السيوطي - رحمه الله - الوقوف عند المعاني بقوله: «أن ينشغل قلبه بالتفكر
في معنى ما يلفظ به، فيعرف كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك؛ فإن
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم، أو دعاء تضرع وطلب» (3).
‌‌7 - تنزيل القرآن على الواقع:
إذا تقرر ما سبق، فإنه يتعين على قارئ القرآن أن يَسْتَصْحِب الأحوال والمُلَابَسَات التي نزل فيها القرآن، وكيف كان يعالج المواقف والوقائع حتى أخرج ذلك المجتمع والجيل
الراشد الذي اهتدى بالقرآن، وحمل هداياته إلى نواحي المعمورة، وحقق انتشارًا وانتصارًا مُبْهِرَين في مدة قياسية قصيرة.
واليوم القرآن هو القرآن، والناس هم الناس، والصراع بين الحق والباطل قائم،
والمواقف متكررة وإن تغيَّرت الأسماء، فما علينا إلا أنْ نَعِيَ كتاب الله تعالى ونتدبره،
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وعندئذ سنجد فيه ما يعيد الحق إلى نصابه، والعالَم إلى صوابه، فتتحرَّك عجلة التغيير من جديد كما كانت في عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، وذلك حينما نُحرِّر نصوص القرآن من قيد الزمان والمكان، والله المستعان.
وأما حضور القلب:
فلا يخفى أن تلاوة القرآن أو سماعه لا يمكن أن يحصل معهما تدبر أو اعتبار إذا كان
القلب غائبًا؛ لأنه موضع العقل، وقد مضى قول الحافظ ابن القيم - رحمه الله -: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وأَلْق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله» اهـ (4).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال الخازن - رحمه الله -: «وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب، وجمع الهَم وقت تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصِّرْف، وخلوص النية» اهـ (5).
وما ذكرته في الشرط الأول- وهو وجود المَحَل القَابِل- له اتصال وثيق بهذا الموضع، إلا أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، فقد يكون صاحب القلب الحي مُشَوَّشًا أو مشغولًا، أو في موضع لا يتمكن معه من إحضار قلبه حال السماع أو التلاوة، فيقرأ
الآيات أو السورة ويتجاوزها وهو لا يشعر؛ لأن قلبه لم يحضر معه لعارض.
وقد لا يكون القارئ أو المستمع من أصحاب القلوب الحية، لكنه لم يُطبع على قلبه، فإذا استمع أو قرأ مع حضور القلب، فإنه ينتفع.

‌‌الشرط الثالث: وجود قدر من الفهم للكلام المقروء أو المسموع:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
من المعلوم أن الفهم قضية نسبية، يقع فيها التفاوت كثيرًا، والناس فيها على ثلاث مراتب، ومن هنا حصل التفاوت بينهم في العلم والفقه.
ونحن لا نطالب العامي أن يفهم منه ما يفهم ابن عباس - رضي الله عنهما -، وإنما المقصود هنا حصول حد أدنى من الفهم لما يقرأ أو يسمع؛ بحيث لا يكون بمنزلة من خُوطِب بلغة غير لغته لا يعرفها، فإن من خُوطِب بما لا يفهم أصلًا، لا يمكن أن يتدبر مهما كان قلبه حيًّا وأحضره حال الاستماع أو التلاوة.
ومن هنا يتعيَّن علينا أن ننظر إلى هذا الشرط بنوع اعتدال، فلا نشترط منه قدرًا لا يصدُق إلا على العلماء، ولا نُلْغيه بالكلية فنطالب من كان بمنزلة الأعجمي
أن يتدبر القرآن، وقد وصف الله تعالى كتابه بقوله: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت: 3)، وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 195)، وقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَآمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت: 44)، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف: 2)، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات، كما أخبر أنه يسَّره للذِّكر فقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر: 17)، وقد سبقت الإشارة إلى العموم الوارد في الحث على تدبره: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29)، ولم يخص ذلك بأهل العلم دون غيرهم؛ مع أن ما يحصل للعالم من ذلك لا يقاس بما يحصل لغيره.
قال ابن جرير - رحمه الله -: «وفي حَثِّ الله - عز وجل - عباده على الاعتبار بما

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
في آي القرآن من المواعظ والبينات بقوله جل ذكره لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29)، وقوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الزمر: 27، 28)، وما أشبه ذلك من آي القرآن التي أمر الله عبادَه، وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتِّعاظ بمواعظه- ما يدلُّ على أنَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويله من آيِهِ؛ لأنه محالٌ أن يُقال لمن لا يَفْهَمُ ما يُقال له ولا يعقِل تأويلَه: (اعْتَبِرْ بما لا فَهْم لك به ولا معرفةَ من القِيل والبيان والكلام) - إلا على معنى الأمر بأن يفهمَه ويفقَهَه، ثم يتدبَّره ويعتبرَ به، فأما قبلَ ذلك فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل، كما محالٌ أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلامَ العرب
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(1) الإحياء (1/ 287).
(2) مختصر منهاج القاصدين ص: 69، وينظر: الإحياء (1/ 283).
(3) الإتقان (1/ 300)
(4) مضى ص: 67
(5) تفسير الخازن (6/ 182)

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-09-2026 12:47 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم
خالد بن عثمان السبت
(19)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp

ولا يفهمونه، لو أُنشِدت قَصيدةُ شعرٍ من أشعار بعض العرب ذاتُ أمثالٍ ومواعظ وحِكم: (اعْتَبِرْ بما فيها من الأمثال، وادّكر بما فيها من المواعظ)، إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلامِ العرب ومعرفتِه، ثم الاعتبار بما نَبَّهَها عليه ما فيها من الحِكَم، فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق، فمحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعِبَر. بل سواء أمرُها بذلك وأمرُ بعض البهائم به، إلا بعدَ العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها.
فكذلك ما في آي كتاب الله من العِبَرِ والحِكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(اعْتَبِرْ بها) إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا، وبكلام العرب عارفًا؛ وإلا بمعنى الأمر- لمن كان بذلك منهُ جاهلًا- أنْ يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبَّره بعدُ، ويتعظ بحِكَمِه وصُنوف عِبَرِه.
فإذْ كان ذلك كذلك- وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبُّره وحثهم على الاعتبار بأمثاله- كان معلومًا أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدُلّ عليه آيُه جاهلًا، وإذْ لم يجز أن
يأمرهم بذلك إلا وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون، صحَّ أنهم- بتأويل ما لم يُحجَبْ عنهم علمه من آيِهِ الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه، الذي قد قدّمنا صفَته آنفًا- عارفون، وإذْ صَحَّ ذلك، فسَدَ قول من أنكر تفسيرَ المفسرين، من كتاب الله وتنزيلِه، ما لم يحجب عن خَلقه تأويله» اهـ (1).
وكان - رحمه الله - يقول: «إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يَلْتَذّ بقراءته! ! » اهـ (2).

وقال الزجاج - رحمه الله - تعليقًا على قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
قَلْبٌ} (ق: 37): «من صَرَف قلبه إلى التَّفَهُّم» اهـ (3).
وقال القرطبي - رحمه الله -: «وينبغي له أن يَتَعَلّم أحكام القرآن، فيَفْهَم عن الله مراده،
وما فرض عليه، فيَنْتَفِع بما يقرأ، ويعمل بما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ ! وما أقبح أن يُسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من هذا حاله إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا» اهـ (4).
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله -: «وتدبُّر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن؛ وكذلك قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف: 2)، وعَقْل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد
ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك» اهـ (5).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال الشنقيطي - رحمه الله -: «فإذا علمت -أيها المسلم- أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله ليُستضاء به، ويُهْتَدى بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصيرتك أنتعمى عن النور؟ ! ... يجب عليك الجد والاجتهاد في تعلم كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالوسائل النافعة المنتجة، والعمل بكل ما علمك الله منهما علمًا صحيحًا» اهـ (6).
وكلام أهل العلم في هذا المعنى كثير جدًّا، لا حاجة إلى التطويل بإيراده ونَقْلِه.
أما من أراد الغَوص في المعاني، واستخراج نفائس الجواهر واللآلئ، فإنه بحاجة إلى معرفة بعلوم العربية بأنواعها، إلى غير ذلك من العلوم المُسَاعِدَة في التفسير، مع طول
النظر في كلام السلف في التفسير، وكثرة القراءة في كتب التفسير التي تَمَيَّز مؤلفوها

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
بالتحقيق والتأصيل، والقدرة البارعة على الجمع بين الأقوال أو الترجيح، أو التوجيه: كأبي جعفر بن جرير، والحافظ ابن كثير، والشنقيطي، مع ما جُمِع من كلام الإمامين- ابن تيمية، وابن القيم- في التفسير، فإن سَاعَد مع ذلك وجود المَلَكَة، وتَوَقُّد القريحة، فذاك كنور العين مع ضوء الشمس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «لا بد في تفسير القرآن والحديث من أن
يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه؛ فمعرفة العربية التي خُوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب؛ فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما يدَّعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك» اهـ (7).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(1) تفسير الطبري (1/ 82 - 83).
(2) معجم الأدباء (6/ 2453)
(3) معاني القرآن (5/ 48).
(4) تفسير القرطبي (1/ 21).

(5) مجموع الفتاوى (13/ 332).
(6) أضواء البيان (7/ 465 - 466)

(7) مجموع الفتاوى (7/ 116)

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif






ابو الوليد المسلم 03-10-2026 11:51 AM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم
خالد بن عثمان السبت
(20)
https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp

ومما سبق يتضح لنا أمران:
الأول: أن الناس متفاوتون في التدبر (1):
قال ابن القيم - رحمه الله -: «والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص،
وأن منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه، ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى آخِر نص مُتَعَلِّق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا ينتبه

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
له إلا النادر من أهل العلم؛ فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتَعَلُّقه به، وهذا كما فهم ابن عباس - رضي الله عنهما - من قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف: 15)، مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (البقرة: 233): أن المرأة قد تَلِد لستة أشهر (2)، وكما فهم الصِّدِّيق من آية الفرائض في أول السورة وآخرها أن الكلالة مَن لا ولد له ولا والد (3)» اهـ (4).
الثاني: أن التدبر لا يختص بالعلماء:
يقول الصنعاني - رحمه الله -: «إن الله - سبحانه وتعالى - كمَّل عقول العباد، ورزقهم فهم كلامه، ثم إن فَهْم كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عند قَرْعِها
الأسماع لا يحتاج في معناها إلى علم النحو، ولا إلى علم الأصول، بل في الأفهام
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
والطباع والعقول ما
يجعلها تُسَارِع إلى معرفة المراد؛ فإن من قَرَع سمعَه قولُه تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ
مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} (البقرة: 110)، يفهم معناه دون أن يعرف أن «ما» كلمة شرط، و «تُقَدِّمُوا» مجزوم بها لأنه شرطها، و «تجدوه» مجزوم بها لأنه جزاؤها، ومثلها كثير.
ثم إنك ترى العامة يستفتون العالم ويفهمون كلامه وجوابه، وهو كلام غير مُعْرَب في الأغلب، بل تراهم يسمعون القرآن، فيفهمون معناه، ويبكون لقوارعه وما حواه، ولا يعرفون إعرابًا، ولا غيره، بل ربما كان موقع ما يسمعونه في قلوبهم أعظم من موقعه في قلوب من حقّق قواعد الاجتهاد، وبلغ الذكاء والانتقاد، ثم إن هؤلاء العامة يحضرون
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الخُطَب في الجُمَع والأعياد، ويذوقون الوعظ ويفهمونه، ويُفَتِّت منهم الأكباد، وتدمع منهم العيون، فيكثر منهم البكاء والنَّحِيب، ثم إنك تراهم يقرؤون كتبًا مُؤَلَّفة من الفروع الفقهية ويفهمون ما فيها، ويعرفون معناها، ويعتمدون عليها، ويرجعون في الفتوى والخصومات إليها.
فيا ليت شعري! ما الذي خص الكتاب والسنة بالمنع من معرفة معانيها، وفَهْم تراكيبها
ومبانيها، والإعراض عن استخراج ما فيها، حتى جُعِلَت معانيها كالمقصورات في


الخيام، قد ضُرِبَت دونها السُّجُوف (5)، ولم يبق لنا إليها إلا ترديد ألفاظها والحروف، وأن استنباط معانيها قد صار حِجْرًا محجورَا، وحَرَمًا مُحَرَّمًا محصورَا؟ ! » اهـ (6).
قال الشنقيطي - رحمه الله -: «اعلم أَنَّ قول بعض مُتأخِّري الأُصوليِّين: إِنَّ تَدبُّر هذا
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
القرآن العظيم، وتفهُّمَهُ والعمل به لا يجوز إلا للمجتهدين خاصةً ... قَولٌ لا مُسْتَنَد له من دليل شرعيٍّ أصلًا.
بل الحقُّ الذي لا شكّ فيه أنَّ كلَّ من له قدرة من المسلمين، على التعلم والتفهم، وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعَلُّمهُمَا، والعمل بما علم منهما ...
ومعلوم أن هذا الذمّ والإنكار على من لم يتدبَّر كتاب الله عام لجميع الناس، ومما يوضِّح
ذلك أن المُخَاطَبين الأوَّلين به الذين نزل فيهم هم المنافقون والكفار، ليس أحد منهم مُسْتَكْمِلًا لِشروط الاجتهاد المقرَّرة عند أهل الأصول، بل ليس عندهم شيءٌ منها أصلًا، فلو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به والاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالاصطلاح الأصوليِّ، لَما وبَّخَ الله الكفار، وأنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه، وَلَمَا أقام عليهم الحجَّة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
به حتّى يُحَصِّلُوا شروطَ الاجتهاد المقرَّرة عند متأخِّري الأصوليين، كما ترى» اهـ (7).
وأما انتفاء الموانع:
فإن ما ذُكر من الشروط الأصلية، أو ما يتفرع منها إذا تخلَّف شيء منها كان ذلك عائقًا دون التدبر، وبذلك نستطيع أن نتعرَّف كثيرًا من مُعَوِّقَات التدبر.

ولا بأس هنا أن أُشير إلى جملة منها على سبيل الإيجاز:
أولاً: عدم وجود المَحَل القَابِل، أو ضعفه:
تتنوع القلوب وتختلف أوصافها بحسب ما يقوم بها من الإيمان أو الكفر أو النفاق، أو
غير ذلك من الأدواء التي قد تَحُول دون التدبر بالكلية، وقد تُضْعِفه وتُوهِنه.https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(1) ينظر: فيض القدير (1/ 561).
(2) مضى ص: 35.

(3) رواه عبد الرزاق (19191)، والدارمي (3015)، والبيهقي (6/ 223 - 224) وغيرهم.
(4) مضى ص: 35

(5) أي: السُّتُور.
(6) إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (1/ 36 ضمن الرسائل المنيرية)
(7) أضواء البيان (7/ 258)، وينظر منه: (7/ 298، 304)

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-11-2026 11:48 AM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(21)
https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



أما ما يَصْرِفه بالكلية: فالطبع والختم وما في معناهما (1)
- كما سبق- فيصير العبد إلى الحال التي وصفها الله تعالى بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} (يونس: 42، 43)، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (الأنعام: 25) (2).
وأما ما يُضْعِفُ التدبر: فأمور عدة؛ منها:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
1) الذنوب والمعاصي:
ينبغي على المسلم أن يتخلى «عن موانع الفهم؛ ومن ذلك أن يكون مُصِرًّا على ذنب، أو مُتَّصِفًا بكِبْر، أو مُبتلًى بهوى مُطاع، فإن ذلك سبب ظُلْمَة القلب وصَدَئِه؛ فالقلب مِثْل المرآة، والشهوات مِثْل الصَّدَأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل جلاء المرآة» (3).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
قال الزركشي - رحمه الله -: «اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره، وفي قلبه بدعة أو كِبْر أو هوى أو حب دنيا، أو هو مُصِرّ على ذنب، أو غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على مفسر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله؛ وهذه كلها حُجب وموانع بعضها آكدُ من بعض» اهـ (4).
قال بعض السلف: «أذنبت ذنبًا؛ فحُرِمت فهم القرآن» (5).
وقد تكون بعض الذنوب أبلغَ تأثيرًا في القلب من بعض؛ كالغِنَاء؛ فإنه سَمَاع أهل الشهوات المُحَرَّمة، وكثير منهم يستعيض به عن سماع القرآن، والواقع «أنه يُلهي القلب، ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه؛ فإن القرآن والغِنَاء لا يجتمعان في القلب أبدًا؛ لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعِفَّة ومُجَانَبة شهوات النفوس وأسباب الغيّ ... » (6).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
قال ابن القيم في القصيدة النونية (7):
واللهِ إنَّ سماعَهُم في القلب والْـ ... إيمانِ مثلُ السُّمِّ في الأبدانِ
فالقلبُ بَيتُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالهُ ... حُبًّا وإخلاصًا مع الإحسانِ
فإذا تَعَلَّق بالسَّماع أحالَهُ ... عبدًا لكلِّ فُلانةٍ وفُلانِ

حُبُّ الكتاب وحُبُّ ألْحان الغِنا ... في قلب عَبدٍ ليس يجتَمِعانِ
2) الفضول من النظر والكلام والخُلْطة والنوم والأكل والشرب:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
قال المروزي - رحمه الله -: «قلت لأبي عبد الله- يعني: الإمام أحمد - رحمه الله -: يجد الرجل من قلبه رِقَّة وهو يشْبَع؟ قال: ما أرى! » (8).
وعن محمد بن واسع - رحمه الله - قال: «من قَلَّ طُعْمُه، فَهِم وأفهم وصَفَا ورَقّ، وإن كثرة الطعام لَيُثْقِل صاحبه عن كثير مما يريد» (9).

وعن أبي سليمان الداراني - رحمه الله - قال: «إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغير العقل» (10).
وعن قُثَم العابد - رحمه الله - قال: «كان يقال: ما قَلَّ طعام امرئ قط إلا رَقّ قلبه
ونَدِيَتْ عيناه» (11).
وعن أبي عمران الجَوْني * - رحمه الله - قال: «كان يقال: من أحب أن يُنَوَّرَ قَلْبُهُ، فَلْيُقِلَّ طُعْمَه» (12).

وعن إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - قال: «من ضَبَطَ بطنه ضَبَط دينه، ومن مَلَك جُوعَه مَلَك الأخلاق الصالحة» (13).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال الحسن بن يحيى الخُشَني - رحمه الله -: «من أراد أن يُغْزِر دموعه ويرِقّ قلبه، فليأكل وليشرب في نصف بطنه».
وقال أحمد بن أبي الحواري - رحمه الله -: «فحَدَّثْتُ بهذا أبا سليمان فقال: إنما جاء الحديث: «ثلث طعام وثلث شراب»، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سُدُسًا»
(14).
وعن الشافعي - رحمه الله - قال: «ما شَبِعْتُ منذ ستَّ عشْرةَ سنة إلا شبعة أطرحها؛ لأن الشِّبَع يُثْقِل البدن، ويُزِيل الفِطْنة، ويجلب النوم، ويُضْعِف صاحبه عن العبادة» (15).

وقالت عائشة - رضي الله عنها -: «أول بدعة حدثت بعد رسول الله: الشِّبَع؛ إن القوم لما شبعت بطونهم، جمحت نفوسهم إلى الدنيا» (16).
ثانيًا: عدم حضور القلب:
وقد مضى كلام الحافظ ابن القيم - رحمه الله - حيث ذكر أن «الناس ثلاثة: رجل قلبه ميت ... الثاني: رجل له قلب حي ... لكنه مشغول ليس بحاضر، فهذا أيضًا لا
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
تحصل له الذكرى. والثالث: رجل حي القلب مستعد، تُليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع، وأحضر القلب، ولم يشغله بغير فهم ما يسمع، فهو شاهد القلب، فهذا القِسْم هو الذي ينتفع بالآيات» (17).
وإنما يتخلف القلب عن الحضور حال التلاوة أو السماع لأسباب متعددة؛ منها:

أ- أن يكون مطلوب القارئ مُنْحَصِرًا في القراءة فقط، والإكثار منها فحسب؛ طلبًا للأجر، وقد مضى الكلام على ما يتصل بهذا المعنى عند الكلام على الشروط.
قال الحسن - رحمه الله -: «يابن آدم كيف يَرِقّ قلبك، وإنما هِمَّتُك في آخر السُّورة؟ !
» (18).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif


--------------------------
(1) ينظر على سبيل المثال: مجموع الفتاوى (9/ 307 - 319).
(2) وقد شرح الحافظ ابن القيم - رحمه الله - هذه الحُجب:

(3) مختصر منهاج القاصدين ص: 69. (مع الاختصار والتصرف). وينظر: الإحياء (1/ 284).
(4) البرهان (2/ 181)، (مع الاختصار والتصرف)

(5) طريق الهجرتين (2/ 589).
(6) إغاثة اللهفان (1/ 445)، وراجع بقية كلامه - رحمه الله -.
(7) النونية رقم: (5161 - 5165).

(8) الورع للمروزي (323)
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(9) رواه ابن أبي الدنيا في الجوع (49).
(10) السابق (87).
(11) السابق (124).

(12) السابق (142).
(13) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/ 473).
(14) رواه أبو نعيم في الحلية (8/ 318)

(15) السابق (9/ 127).
(16) رواه ابن أبي الدنيا في الجوع (22).
(17) مدارج السالكين (1/ 442).
(18) مضى تخريجه ص: 57

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-12-2026 11:55 AM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(22)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: «وقد لبَّس على قوم بكثرة التلاوة، فهم يَهُذُّون هَذًّا، من غير ترتيل ولا تَثَبُّت، وهذه حالة ليست بمحمودة، وقد روى جماعة من السلف أنهم كانوا يقرؤون القرآن في كل يوم، أو في كل ركعة، وهذا يكون نادرًا منهم، ومن داوم عليه فإنه- وإن كان جائزًا- إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (1)» اهـ (2).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ب- اشتغال القلب بمخارج الحروف، والمُبَالَغة في ذلك، والتكلف في الإتيان بالمدود؛ فإن القلب يتوجه عندئذ إلى القوالب اللفظية دون أن يتجاوزها إلى المعاني (3).
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: «ولا يجعل هِمَّتَه فيما حُجِبَ به أكثر الناس من العلوم
عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإِمالتها وَالنُّطق بالمدِّ الطَّويل والقصِير والمتوسِّط وغير ذلك؛ فَإن هذا حائلٌ للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرَّب من كلامه» اهـ (4).
جـ - قِلَّة الرغبة في تَفَهُّمِه، وتَوَفُّر الهمة في الاشتغال بغيره من العلوم، وهذا حال كثير من طلاب العلم وغيرهم، وكان شُعبة بن الحَجَّاج - رحمه الله - يقول لأصحاب الحديث: «يا قوم إنكم كلما تقدمتم في الحديث، تأخرتم في القرآن» (5).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال الشافعي - رحمه الله - عن القرآن: «حَقٌّ على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من عِلْمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك عِلْمه: نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يُدرَك خير إلا بعونه؛ فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرَت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة» اهـ (6).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله -: «وأما طلب حفظ القرآن، فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علمًا: وهو إما باطل أو قليل النفع، وهو أيضًا مُقَدَّم في التعلم في حق من يريد أن يَتَعَلَّم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن؛ فإنه أصل علوم الدين ... والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه هِمَّة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين» اهـ (7).
وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: «ولو تفكروا لَعَلِموا أن المراد حفظ القرآن، وتقويم ألفاظه، ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يُصْلِح النفس ويُطهر أخلاقها، ثم التشاغل بالمُهِم من علوم الشرع، ومن الغَبْن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم»
اهـ (8).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
د- قد يكون عدم حضور القلب لِتَفَرُّقِه لأمور عارضة من هَمٍّ بصاحبه، أو انفعال وتوتُّر، أو قلق مُزعج، أو فرح مُفْرِط، أو أَلَم يُعانيه، أو حَقْن أو حَقْب، أو غير ذلك من الأمور التي تعرض للإنسان، فينبغي أن يكون وِرْدُنا في التدبر في حالٍ تتهيأ فيها النفس، وتكون مستعدة للتدبر والتفهم.
ثالثًا: التصورات الذهنية القاصرة:

إن الإنسان- كما سبق- أَسِيرٌ لمعتقداته وتصوراته وأفكاره، فمن التصورات الفاسدة التي تَحُول دون التدبر:
1 - اعتقاد أن القرآن نزل لمعالجة أوضاع وأحوال كانت في عصر التنزيل، ولا تَعَلُّق
له بحياة الناس المعاصرة ومستجدَّاتها!
وقد مضى طرفٌ من الكلام الذي له تَعَلُّق بهذه القضية عند الكلام على شروط التدبر. وهكذا من ينظر إليه باعتبار أنه كتاب يُقرأ للبركة فحسب، أو للرقية، أو في المآتم
والأحزان.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
قال ابن القيم - رحمه الله -: «أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتَضَمُّنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خَلَوْا من قبل ولم يُعْقِبُوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولَعَمْر الله إن كان أولئك قد خَلَوْا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شرٌّ منهم أو دونهم، وتَنَاوُل القرآن لهم كتناوله لأولئك» اهـ (9).
وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله -: «وربما سمع بعضهم قول من يقول
من المفسرين: هذه نزلت في عُبَّاد الأصنام، هذه نزلت في النصارى، هذه في الصابئة، فيظن الغُمر أن ذلك مُخْتَصّ بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تَحُول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة» اهـ (10).
2 - الورع البارد:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وذلك أن بعضهم ربما ترك التدبر تورُّعًا من القول على الله بلا علم.
يقول عن ذلك ابن هُبيرة - رحمه الله -: «من مكايد الشيطان: تنفيره عِبَاد الله من
تدبر القرآن؛ لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مُخَاطَرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تَوَرُّعًا» اهـ (11).
ولذلك قال ابن القيم - رحمه الله -: «ومن قال: إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما
نتلوه متعبِّدين بألفاظه، ففي قلبه منه حرج» اهـ (12).
وقال الشِّنقيطي - رحمه الله -: «قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبُّر هذا القرآن العظيم، وتفهمه والعمل به لا يجوز إلا للمجتهدين خاصة ... قول لا مُسْتَنَد له من دليل
شرعي أصلًا.
بل الحق الذي لا شك فيه أن كل من له قدرة من المسلمين على التعلم والتفهم، وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علم منهما ...

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
مما يوضح ذلك: أن المُخَاطَبين الأولين به الذين نزل فيهم هم المنافقون والكفار، ليس أحد منهم مُسْتَكْمِلًا لشروط الاجتهاد المُقَرَّرة ... لو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به، والاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالاصطلاح الأصولي لَمَا وبَّخ الله الكفار، وأنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه، ولَمَا أقام عليهم الحجة به ...
ولْتعلمْ أن كتاب الله وسنَّة رسوله في هذا الزمان أيسر منه بكثير في القرون الأولى؛ لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك ... فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من
النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم من الصحابة والتابعين وكبار المفسرين» اهـ (13).
والله تعالى أعلم، وصلى على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

-------------------------
(1) مضى تخريجه ص: 37.
(2) تلبيس إبليس ص: 128، وسيأتي نحوه قريبًا.
(3) للاستزادة راجع: الإحياء (1/ 284).
(4) مجموع الفتاوى (16/ 50).
(5) سير أعلام النبلاء (7/ 223)

(6) الرسالة ص: 19.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
(7) مجموع الفتاوى (23/ 54 - 55).
(8) تلبيس إبليس ص: 101
(9) مدارج السالكين (1/ 343)

(10) تحفة الطالب والجليس (ص 65)، وضمن الدرر السنية (12/ 205).
(11) ذيل طبقات الحنابلة (2/ 156).
(12) التبيان ص: 343
(13) الأضواء (7/ 459 - 460). وقد مضى ص: 77، وراجع بقية كلامه - رحمه الله - فإنه مفيد
https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif



ابو الوليد المسلم 03-13-2026 01:08 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
السلف والقرآن في رمضان
  • الكاتب: إسلام ويب
(23)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



كان تعامل السلف مع القرآن عموماً وفي رمضان خصوصاً تعاملاً فريداً، بل عجيباً، فكان إذا هلَّ عليهم شهر رمضان، لم يكن لهم شُغُلٌ سوى القرآن، تلاوة وفهماً وتدبراً وتنزيلاً، ولم يلفتوا إلى ما سواه، وما نُقل عنهم وما نقلته كتب السير من أعمالهم يبيِّن حرصهم الشديد، وعِظَمَ إقبالهم عليه، ولا غرو في ذلك فالقرآن الكريم فيه حياة المؤمن، ورمضان الفضيل فيه الخير الجزيل.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقد كان السلف الصالح -كما قال ابن رجب في لطائف المعارف- يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وفي غير الصلاة، وكان بعضهم يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان الأسود النخعي يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان، وقد رويَ عن أبي حنيفة والشافعي أكثر من ذلك، وليس هذا بمستغرب على سلفنا الكرام، فقد بارك الله لهم في أوقاتهم، وبارك لهم في أعمالهم، وبارك لهم في كل شؤون حياتهم الدينية والدنيوية.
وأسوتهم في كل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلى معه حذيفة رضي الله عنه ليلة في رمضان، قال: فقرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة. رواه أحمد وغيره.
وأمر عمر رضي الله عنه أُبيَّ بن كعب، وتميماً الداري رضي الله عنهما، أن يقوما

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمئتين في ركعة، أو (بالمئين) حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.
وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. ورويَ عن الإمام أبي حنيفة أنه كان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، وفي رمضان في كل يوم مرتين، مرة في النهار ومرة في الليل. ورويَ عن الإمام مالك أنه كان إذا دخل
رمضان ترك قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقيل لأخت مالك: ما كان شغل مالك في بيته؟ قالت: المصحف، والتلاوة. والشافعي قال عنه ربيع بن سليمان: "كان يختم في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلَّا في صلاة". وكان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. وروى عبد الرزاق أن سفيان
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الثوري كان إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على تلاوة القرآن. وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن المأمون بن هارون الرشيد "تلا في رمضان ثلاثاً وثلاثين ختمة". والحافظ أبو بكر بن محمد البلاطُنُسِي كان يختم في رمضان في كل ليلة ختمتين، وأكبَّ في آخر عمره على التلاوة، فكان لا يأتيه الطلبة لقراءة الدرس إلا وجدوه يقرأ القرآن. وأبو عبد الله الحلفاوي التونسي نزيل غرناطة يعرف بـ ابن المؤذن، كان يختم في رمضان مئة ختمة. وكان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه. وعن محمد بن مسعر قال: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن.
ولم يكن مقصود السلف الإكثار من قراءة القرآن فحسب، بل كان مقصودهم الأساس التدبر والفهم والعمل، وكانوا يتخذون من شهر رمضان فرصة لمدارسة القرآن ومعرفة
أخلاقه وتدبر أحكامه؛ روى عبد الرزاق في "المصنف" عن سفيان الثوري عن سعيد
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الطائي، قال: رأيت سعيد بن جبير، وهو يؤمهم في رمضان، يردِّد هذه الآية: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون} (غافر:71) {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك} (الانفطار: 6-7) يرددها مرتين ثلاثاً. والحافظ ابن عساكر كان يختم القرآن كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، وكان كثير النوافل والأذكار، ويحاسب نفسه على كل لحظة تذهب في غير طاعة.
قال الحافظ ابن رجب: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي تُطْلَبُ فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكة شرفها الله، لمن دخلها من غير
أهلها، فيستحب فيها الإكثار من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان".
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وعن كعب قال: "ينادي يوم القيامة منادٍ بأن كل حارث يُعطى بحرثه ويزاد، غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب، ويشفعان له أيضاً عند الله عز وجل"، كما في "المسند" عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالنهار، فشفعني فيه، فيشفعان) رواه الحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
فما أحوجنا لاغتنام هذا الشهر الكريم في التعامل مع القرآن الكريم؛ تلاوة وحفظاً وفهماً وتدبراً وعملاً، فهو الكتاب الذي تصلح به أمور الناس، وتستقيم به أحوالهم في الدنيا

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
والآخرة؛ ولذلك بشر سبحانه به الناس عامة، فهو رحمة وهدى وشفاء قال جل وعلا: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} (الإسراء:82) وإنما خصَّ سبحانه المؤمنين بهذا؛ لكونهم المنتفعين من هذا القرآن، وإلا فإن القرآن رحمة لكل أحد، ففيه الهدى والنور، وفيه ترتيب شؤون حياة الناس وإقامة معادهم وإصلاح دنياهم وآخرتهم. والله ولي التوفيق والتسديد.

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-14-2026 12:44 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
رمضان وتدبر القرآن
  • الكاتب: إسلام ويب
  • (24)
https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp



العلاقة بين القرآن العظيم وشهر رمضان الكريم علاقة وطيدة وثيقة، يرشد لهذه العلاقة أن نزول القرآن كان في شهر رمضان، كما قال سبحانه: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (الدخان:3) ولنزول القرآن في هذا الشهر الكريم دلالة عظيمة؛ فشهر رمضان أفضل الشهور والقرآن الكريم خاتم كتب المرسلين والمهيمين عليها أجمعين.
وليس خاف أن المقصود الأساس من القرآن العمل بما فيه، وتنزيله على واقع الحياة،

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فالقرآن قبل كل شيء وبعد كل شيء كتاب هداية ورشاد، قال تعالى: {يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا} (الإسراء:9) فالمهمة الأساس لهذا القرآن هداية الخلق إلى الحق، وإرشاد العباد إلى سبيل الرشاد.
وطريق العمل بالقرآن وتفعيله في واقع الحياة تدبره والوقوف على مقاصده والعلم بمراميه، فلا بد لقارئ القرآن أن يجتهد وسعه ويبذل جهده ليفهم كلام ربه؛ إذ لا عملَ بلا فهم، ولا فهمَ من غير قراءة واعية للقرآن وتدبر لآياته البينات، وقد قال سبحانه:
{كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} (ص:29) ففي الآية دليل على وجوب معرفة معاني القرآن. قال الحسن البصري: "تدبر آيات الله اتباعها". وقال أيضاً: "والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل" رواه ابن أبي حاتم.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
و(التدبر) التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ازداد المتدبر تدبراً انكشفت له معان لم تكن بادية له بادئ النظر. قال الشيخ السعدي عند تفسيره لقوله تعالى:{ليدبروا آياته} : "هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحِكَمَها، فإنه بالتدبر فيه، والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود". فكلما ازداد العبد تأملاً في كتاب ربه، ازداد علماً وعملاً وبصيرة؛ لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن.
قال ابن القيم في "مدارج السالكين": "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته". وقال

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الشيخ السعدي: "على الناس أن يتلقوا معنى كلام الله كما تلقاه الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم كانوا إذا قرؤوا عشر آيات أو أقل أو أكثر لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويحققوا ما دلت عليه من الإيمان والعلم والعمل، فينزلونها على الأحوال الواقعة، يؤمنون بما احتوت عليه من العقائد والأخبار، وينقادون لأوامرها ونواهيها، ويطبقونها على جميع ما يشهدون من الحوادث والوقائع الموجودة بهم وبغيرهم، ويحاسبون أنفسهم هل هم قائمون بها أو مخلون بحقوقها ومطلوبها، وكيف الطريق إلى الثبات على هذه الأمور النافعة وتدارك ما نقص منها، وكيف التخلص من الأمور الضارة فيهتدون بعلومه ويتخلقون بأخلاقه وآدابه، ويعلمون أنه خطاب من عالم الغيب والشهادة موجه إليهم مطالبون بمعرفة معانيه والعمل بما يقتضيه، فمن سلك هذا الطريق الذي سلكوه وجد واجتهد في تدبر كلام الله انفتح له الباب الأعظم في علم التفسير وقويت معرفته واستنارت بصيرته".
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
والله جل وعلا قد وبَّخ المنافقين الذين أعرضوا عن القرآن ولم يتدبروا ما فيه من خير وبركة، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء:82) فلو تأمل المنافقون وتدبروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم، ولما بقوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام.
وقال لأولئك الذين يعرضون عن تدبر القرآن، : {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24) أي: هلا تدبروا القرآن عوض شغل بالهم في أمور لا تغني من الحق شيئاً. والمعنى: أن الله خلقهم بعقول غير منفعلة بمعاني الخير والصلاح، فلا يتدبرون القرآن مع فهمه، أو لا يفهمونه عند تلقيه وكلا الأمرين عجيب.و(الاستفهام) تعجيب من سوء علمهم بالقرآن، ومن إعراضهم عن تدبره، وفقه مراميه. وفحوى الآية الكريمة أَمْرٌ بتدبر القرآن، ونهيٌ عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، وإخبار أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
حميد، فهو حق من حق.
وشهر رمضان فرصة عظيمة للتفاعل مع هذا القرآن قراءة واستماعاً وتدبراً وعملاً؛
فوقت رمضان وقت مبارك، فالشياطين مصفَّدة فيه مقيدة، ومتاع الدنيا وزخرفها غائبة، وشواغل الحياة منصرفة، وأجواء الشهر الكريم روحانية ربانية، كل ذلك معينٌ على قراءة القرآن قراءة واعية، ومساعد على تدبر معانيه، وتأمل مراميه، والوقوف على كنوزه، مما لا يحصل لقارئ القرآن في غير هذا الشهر الكريم.
وثمة جملة من المعينات على تدبر القرآن الكريم، من المفيد الوقوف عليها، والعمل بها، وهي:

- قراءة القرآن بالتأني، وذلك بالترتيل الذي يقدم قيمة التدبر على تحقيق الإنجاز، بمعنى تقديم الكيف على الكم، وقد وجَّه سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالقراءة المتأنية، قال تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4) أي: لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه في

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
مهل وبيان مع تدبر المعاني. ووجَّهه أيضاً بقوله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} (القيامة:16) فهذا توجيه واضح من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة من بعده بالتمهل وعدم التعجل. ومن التوجيهات في هذا السياق قوله عز وجل: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما} (طه:114) وواضح هنا الربط بين التأني في قراءة القرآن وبين زيادة العلم؛ إذ العبرة من قراءة القرآن اكتساب العلم، وهذا لا يحصل إلا بالقراءة المتأنية والمتدبِّرة. ومثل ذلك يقال في قوله عز وجل: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} (الإسراء:106).
- تفعيل جهاز الوعي عند قارئ القرآن من سمع وبصر وقلب وعقل، ومعرفة العربية التي تنزَّل بها القرآن، فمعرفة العربية لها شأن كبير في إدراك مقاصد القرآن. ويدخل
في باب تفعيل جهاز الوعي الاهتمام بالتعليم التدبري للقرآن، لا بالتلقين الاستظهاري، وهذا ما كان عليه شأن الصحابة رضي الله عنهم ومن اهتدى بهديهم، وقد كان ابن
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
عباس رضي لله عنه -وهو من أصغر الصحابة سناً- عالماً متفقهاً، وقد سئل: بمَ نلت هذا العلم. فقال: بلسان سؤول، وقلب عقول.
- حضور الخشوع القلبي والتفاعل الوجداني عند قراءة القرآن، وتهيئة القلب لاستنبات هدايات القرآن المختلفة على الوجه الأمثل؛ فالقلب إذا كان مليئاً بالشبهات والشهوات،
يصير تأثير القرآن عكسيًّا، فمن الضروري تنظيف القلب من الران الذي تتركه الذنوب، والابتعاد عن الأسباب المؤدية إلى وقوع القلب في آفتي الطبع والختم، وأيضاً البعد عن الرياء وتصحيح القصد بتجديد الإخلاص، وتحلية القلب بالإخبات والخشوع، والتفاعل الوجداني مع معاني الآيات؛ فمن الضروري أن تجيش العواطف مع القرآن، وفي الوقت ذاته لا بد لهذا الجيشان من الانضباط بمقاصد وتوجيهات القرآن. والذي ينفخ في الإنسان هذه العواطف والمشاعر، ويشحذ همته ويدفعه لخوض صعاب الحياة، هو القرآن الكريم، وذلك عبر آليتي التدبر، وهما: التفهم والخشوع. والقلب يقوم عبر التفكر
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
بدور الدفة التي تقود وتوجه الإنسان؛ فالقلب يدفع والعقل يقود، وكلاهما يحصل على طاقته وزاده من القرآن، ما يؤكد على ضرورة الجمع دوماً بين التدبر والخشوع.
- الإيمان والتلقي المتجدد؛ فترسيخ الإيمان بكل أركانه في القلب، وتحقيقه في واقع الحياة هو الغاية من نزول القرآن، وهو وسيلة أساس لتحصيل هداياته في الوقت نفسه؛ فكل هدايات القرآن ورحماته وبصائره، وكل ثماره التشريعية والخلقية والتربوية، إنما هي ثمار الإيمان القلبي الراسخ، والاعتقاد القلبي الجازم، ومن غير الإيمان لا يمكن تحصيل شيء من هذه الفوائد والثمار. كما أن الإيمان بصدقية القرآن وعظمته، والسعي لتحصيل ثماره، يقتضي الشعور بأن القرآن أُنزل إليك اليوم، والشعور بأن القرآن أُنزل الآن، يجعل القرآن جديداً في حس المسلم، ويكون أقرب على التنزيل العملي.
ويدخل في هذا الباب تعظيم القرآن والتحلي بآداب التعامل معه، فتعظيم القرآن، والاحتفاء به من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها قارئ القرآن، حتى يستفيد من كنوزه

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الاستفادة المرجوة؛ لأنه سبحانه لا يفتح كنوزه إلا لمن يعظم كتابه، ويتأدب مع كلامه.
- تثوير القرآن ومدارسته أحد مفاتيح تدبر القرآن، التي يمكن من خلالها الولوج من بوابة التدبر إلى عالم الهداية القرآني، بشموله وعمومه وبركاته، وخيراته كلها، الفردية
والاجتماعية والإنسانية. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أراد العلم فليثوِّر القرآن) وفي رواية أخرى: (أثيروا القرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين) قال في "مجمع الزوائد": "رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح". قال ابن عطية: "و(تثوير القرآن) مناقشته ومدارسته والبحث فيه، وهو ما يعرف به".
- مدارسة القرآن وتلاقح الأفكار طريق من الطرق الموصلة لتدبره وفهمه، وقد ذكر ابن عاشور أن (المدراسة) في القرآن هي: القراءة بتمهل للحفظ، أو للفهم. والمدارسة
تعني المشاركة والتفاعل بين مجموعة من المسلمين في محاولة قراءة آيات القرآن والوقوف على موضوعاته، ومعرفة قضاياه وفق منهج التدبر، الذي يستهدف تحقيق
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
مقاصده، واستنباط معانيه الخفية، والبحث عن علله وأسراره.
- القراءة الكلية الجامعة؛ فمن يقرأ القرآن بتمعن وتدبر يدرك بوضوح أن منهج الإسلام يحتم الجمع بين كتاب الله المسطور، وكتاب الله المنظور، مصداق ذلك قوله عز وجل: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت:53) وقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن أول متطلبات (التدبر) هو التعرف على أحوال البشر من خلال علمي التاريخ والاجتماع.
وقد دعا القرآن نفسه إلى مداومة القراءة الكلية؛ إذ إن القرآن الكريم قد صِيغ بطريقة
تصريف الآيات، أي أنه تعالى أودع أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، وتبشيره وإنذاره، في مواضع شتى وبأساليب مختلفة، وهذا داع من دواعي الدعوة إلى القراءة الكلية للقرآن. كما أن (التصريف) يقتضي التدبر، فهو الكفيل بوضع كل معنى في مكانه
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وزمانه المناسبين؛ ولذلك علل سبحانه تصريف الآيات بأمور عقلية وقلبية مرتبطة بمنظومة التدبر، قال سبحانه: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} (الفرقان:50) وقال عز وجل: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} (الإسراء:41). فالقراءة الكلية هي من مطلوبات الفهم، وهي ركن من أركان التدبر، حيث تعين الإنسان على تدبر كلام الله سبحانه، وتدفعه لاستيعاب معانيه، وتحصيل كمال الوعي بهدايته الشاملة له في دروب هذه الحياة. وكما أن القراءة الكلية تقوم على الجمع بين آيات الكتاب وآيات الآفاق الأنفس، فهي تقوم أيضاً على الجمع بين آيات الموضوع الواحد، والجمع بين التلقي والتنزيل.
- استثمار المعينات على التدبر؛ فثمة أمور عديدة يمكن لقارئ القرآن أن يستثمرها في
تفعيل عملية التدبر لكتاب الله، تتمثل تلك الأمور في: الاستعاذة من الشيطان، قال
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} (النحل:98). ومن ذلك أيضاً الاستعانة بـ {الرحمن الرحيم}؛ فإذا كانت الاستعاذة تقوم بدور التخلية بين الشيطان والعبد، فإن الاستعانة بالرحمن تقوم بدور التحلية والربط بين العبد وخالقه، فالبسملة استعانة من العبد الضعيف بقوة مطلقة تعينه على استمداد هداية القرآن؛ ولأهمية الاستعانة بالله في أمور العبادة كلها، كان من الواجب على المسلم قراءة قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة:5) في كل صلاة.
- وثمة ظروف محددة، تتوافر فيها إمكانية التفاعل مع القرآن الكريم أكثر من غيرها، كظرف الصلاة: فقراءة القرآن في الصلاة لها طعم خاص، وقد أطلق سبحانه على
صلاة الفجر مصطلح (قرآن الفجر) كما قال سبحانه: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} (الإسراء:78) وصلاة التراويح مع جماعة المسلمين، وخلف إمام متقن للقراءة وضابطٍ لأحكام التلاوة خير معين على تدبر كتاب الله والوقوف على معانيه ومراميه. وظرف
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الزمان أيضاً يسهم في تفعيل عملية التدبر لدى قارئ القرآن؛ فالقراءة في جوف الليل -وخاصة في ليالي رمضان، وبالأخص ليالي العشر الأخير منه- وشهود صلاة الفجر لها تأثير لا يتأتى في غيرها من الأوقات؛ فأثر القرآن عظيم في هذه الأوقات، لا يدركه إلا من عاشها، وقد قال سبحانه: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} (الإسراء:79) وأمر سبحانه نبيه بقوله: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا} (المزمل:2). ويندرج في ظرف الزمان يوم الجمعة ويومي الاثنين والخميس، وأيام شهر رمضان، فكل هذه الأزمنة فيها من البركات القرآنية ما ليس في غيرها، وقد ورد في كل ذلك آثار تدل على فضلها وأثرها على العبد.
ولا يقل ظرف المكان شأناً عن ظرف الزمان؛ فالمسجد أفضل الأماكن لقراءة القرآن
وتدبره والتأثر بخطابه، لحرمته وبعده عن شواغل الحياة وصوارفها؛ ولأثره النفسي على العبد، وليس بخاف مكانة المساجد الثلاثة في هذا المقام. والأهم في هذا السياق أن
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
يستحضر العبد المقصد الأساس من قراءة القرآن الكريم، وهو الانتفاع بما فيه، فكل ظرف يساعد العبد على تحقيق هذا المقصد، فإن الإقبال عليه والاستفادة منه متعين عليه.
- تسليم مقاليد القيادة للقرآن؛ فالعمل بمقتضى القرآن هو الثمرة الغائية لقراءة القرآن
وتدبره، والوقوف على مقاصده. وفي الوقت نفسه، فإن العمل بالقرآن هو مفتاح آخر من مفاتيح التدبر. ومن أجل الوصول إلى هذه الدرجة لا بد لقارئ القرآن أن يكون قد ارتضى من حيث المبدأ القرآن دستوراً ومنهاج حياة، وأن تتضافر رغبته وإرادته على تطبيق القرآن في حياته من قبل أن يتلقاه عبر منهج التدبر، كما ينبغي لقارئ القرآن -كما يقول سيد رحمه الله- أن يرجع إليه بشعور التلقي للعمل والتنفيذ، لا بشعور الدراسة والمتاع، ويرجع إليه ليعرف ماذا يطلب منه أن يكون ليكون.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
على أن مهمة فريضة التدبر أن توضح للمسلم كيف يستسلم لأوامر الله ونواهيه في حدود شخصيته الفردية والأسرية والاجتماعية، وتبين له كيف يستسلم لأوامر الله ونواهيه في ميادين الإيمان (العلاقة مع خالقه) وميادين العمل الصالح (العلاقة مع الناس) في مجالات الحياة كلها.
ولا شك، فإن عدم تطبيق القرآن إنما هو انحراف عن الصراط المستقيم، وقد أمر سبحانه باتباع صراطه المستقيم، ونبذ غيره من الطرق، قال عز شأنه: {وأن هذا
صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام:153) فـ (الصراط المستقيم) الذي أمر سبحانه باتباعه -بحسب اكثر المفسرين- هو القرآن الكريم، فالقرآن هو الصراط ذاته، وهو الدال عليه، والهادي إليه.
https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif



ابو الوليد المسلم 03-15-2026 12:21 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
مدارسة القرآن في رمضان
  • الكاتب: إسلام ويب
  • (25)
https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp

جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين
يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه. قال ابن رجب في "لطائف المعارف": "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له".
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. فالحديث قَرَنَ بين التلاوة والمدارسة، ورتب عليهما السكينة والرحمة، وحفظَ الملائكة، وذِكْرَ الله لقارئي كتابه، ويشهد لهذا قوله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد:28).
وأصل (الدراسة): التعهد للشيء. والفعل (درس) يُطلق على عدة معان، ومن جملة ما
يطلق عليه معنى: القراءة؛ يقال: درس الكتاب درساً ودراسة: إذا قرأه، وأقبل عليه ليحفظه ويفهمه؛ ودارس الكتاب مدارسة ودراساً: درسه؛ ودارس فلاناً: قارَأه وذاكره؛ وتدارس الكتاب: درسه وتعهده بالقراءة والحفظ لئلا ينساه؛ والمِدْراس: الموضع يُدرسفيه كتاب الله؛ والمَدْرس: الموضع يُدرس فيه العلم؛ والمُدَرِّس: الكثير الدرس والتلاوة في الكتاب؛ والمدرسة: مشتقة من كل ذلك، وتجمع على مدارس.
و(المدارسة) من باب المفاعلة، بمعنى أن الفعل يكون بين اثنين أو أكثر على وجه

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الاشتراك، كالمخاصمة والمشاركة والمضاربة؛ تقول: خاصم زيد عمراً؛ وشارك الطلاب في المهرجان، وضارب الفقراء الأغنياء، كل ذلك يدل على التشارك في تلك الأفعال ونحوها، وبحسب هذه الصيغة جاء لفظ (المدارسة) بمعنى المقارأة: أي يقرأ كل واحد على الآخر؛ والتدارس على وزن التفاعل: يعني المشاركة الجماعية في القراءة وتحصيل العلم، فيقال: تدارس القوم القرآن: إذا قرؤوه وتدبروا معانيه.
و(المدارسة) سُنَّة نبوية، غفل عنها بعض المسلمين اليوم، وزهد فيها آخرون، على
الرغم مما فيها من منافع كثيرة، وفوائد جليلة.
ودلَّت لمشروعية مدارسة القرآن واستحبابها آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة؛ أما من القرآن فقوله سبحانه في وصف الربانيين من أهل العلم: {ولكن كونوا
ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (آل عمران:79). ودلَّ عليها من
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
السنة فعله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، فقد كانا يتدارسان القرآن في ليالي رمضان، وقد تقدم في حديث مسلم آنفاً.
ويشهد لمشروعية المدارسة وأهميتها: قوله صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقلها) متفق عليه. فـ (التعاهد) في الحديث بمعنى المدارسة؛ لأن المدارسة معناها: تعهد القرآن بالقراءة حتى لا يُنسى، وجاء اللفظ أيضاً على صيغة المفاعلة.
ومدارسة القرآن تشمل مدارسة ألفاظه، ومدارسة معانيه، بل هي أعظم. فينبغي أن يكون للمؤمن عناية خاصة بفهم مراد الله في خطابه لعباده، مستنيراً بالتفاسير الأثرية
المعتبرة.
ومما لا ريب فيه أن شهر رمضان فرصة عظيمة لتفعيل منهج المدارسة القرآنية، فهو شهر كريم ومبارك، تصفَّد فيه مردة الشياطين، وتتنزل فيه الرحمات، وفيه يتفرغ

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
المؤمن لعبادة ربه، والتقرب إليه، ويبتعد عن مشاغل الدنيا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبداً) رواه الطبراني، فاغتنام شهر رمضان في مدارسة القرآن سبيل ناجح لتفعيل منهج المدارسة، واستثمار القرآن الكريم، وتنزيله على واقع الحياة.
قاعدتا المدراسة القرآنية
منهج المدارسة القرآنية يقوم على قاعدتين:
القاعدة الأولى: القراءة والتدبر والتبصر؛ وتتحصل هذه القاعدة بأمرين متكاملين:

الأول: التحقق بالقرآن فهماً وإدراكاً وعلماً، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24)، وقال سبحانه: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} (سبأ:46)؛ لأن الفهم والإدراك والعلم طريق العمل،
والسبيل الهادي إليه.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الثاني: التخلق بالقرآن، وهذا يعني العمل به وتطبيقه على أرض الواقع وفي شؤون الحياة كلها، كبيرها وصغيرها، بدءاً بتطبيقه على النفس وانتهاء بتطبيقه في المجتمع، قال تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا} (هود:112).
القاعدة الثانية: أخذ القرآن بمنهج التلقي، وتعني هذا القاعدة قراءة القرآن وكأنه يتنـزل عليك، قال تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} (سورة
المزمل:19)، فالقارئ للقرآن والدارس له، ينبغي عليه أن يقرأ القرآن على هذه الكيفية، كيفية المتلقي للوحي والمسْتَقْبِلِ له، المنصاع لأوامره وتوجيهاته.
* فوائد المدارسة القرآنية

لا شك، أن لمدارسة القرآن فوائد كثيرة، ومنافع عديدة، يمكن إجمالها في ما يلي:
- مدارسة القرآن سبيل العلم والتعلم، فالعلم عموماً وعلم القرآن خصوصاً لا يمكن للمرء أن يحصله إلا بالتعاون والمشاركة مع الآخرين؛ إذ ما يحصلُّه المرء بنفسه لا

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
يُقارَن مع ما يحصله المرء مع غيره، وخاصة إذا كان هذا الغير من أهل العلم بالقرآن، قال تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}، فصفة (الربانية) إنما حصلت بالتعلم والتعليم المشترك للكتاب ومدارسته.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان له نصيب من ذلك بالتدارس مع جبريل عليه السلام؛
والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين تعلموا القرآن وفقهوه بطريق المدارسة مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمجالسة له، وقل الشيء نفسه فيمن جاء بعدهم.
- مدارسة القرآن عون لحافظ القرآن على المراجعة والاستذكار والاستيعاب والتدبر،
قال عليه الصلاة والسلام: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلِها) متفق عليه، فقد حثَّ عليه الصلاة والسلام المؤمنين على تعاهد القرآن ومدارسته، مخافة أن ينسى، و(التفلت) ليس المقصود منه التفلت من الذاكرة والحافظة فحسب، وإنما أيضاً يدخل فيه (التفلت) من تطبيقه والعمل به، فإن الإنسان
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ضعيف بنفسه قد تعتريه عوارض الفتور والكسل والتراخي .
- مدارسة القرآن طريق لتحقيق معنى الترابط والتآلف بين المسلمين، وهو مقصد أساس
حرص عليه الإسلام لتربية العقلية الجماعية والسلوك الجماعي، وهذا المقصد ملحوظ في أكثر العبادات الإسلامية، فالمعنى الجماعي فيها حاضر وبارز.
- مدارسة القرآن طريق لتزكية النفس بفضائل الخير، وتحليتها بقيم الصلاح، وهدايتها
سبل الرشاد، قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران:164)، فمن خلال (المدارسة) تزكو النفوس الطيبة، وتعرف طريق الخير من الشر، وتحصِّل كثيراً من الهدايات والمعاني القرآنية .
- مدارسة القرآن مدعاة لتنـزل الرحمة والسكينة على المؤمنين، وسبب لإحفاف الملائكة لهم حفظاً وعناية وتوفيقاً، وهذا ما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: (وما اجتمع

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
- مدارسة القرآن أمر مهم لضبط تلاوته وحُسن ترتيله، قال تعالى: {ورتل القرآن
ترتيلا} (المزمل:4)؛ فقارئ القرآن مطالب بتلاوته حق التلاوة، وترتيله حق الترتيل، والمدارسة طريق متعين لذلك؛ إذ من المقرر عند أهل العلم، أن القرآن لا يُتلقى بالقراءة الأحادية، بل لا بد فيه من المشافهة، والتلقي على أهل الضبط والإتقان وقراءته عليهم.
ومما يعين على تحصيل هذا المقصود:
أولاً: أن يتخذ للتلاوة مصحفاً على حاشيته بيان لمعاني المفردات.
ثانياً: أن يطالع في تفسير متوسط؛ ليس بالطويل الذي ينقطع القارئ دونه، ولا
بالمختصر الذي لا يسعفه بالمعنى. كتفسير "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
المنان" للشيخ السعدي، و"زبدة التفسير من فتح القدير" لـ محمد بن سليمان الأشقر.
ثالثاً: أن يعقد مع ثلة من إخوانه مجلسَ قراءة في بعض التفاسير، أو كتب علوم القرآن
مثل كتاب: "القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن" للشيخ السعدي.
رابعاً: أن يقيد ما يُشْكِلُ عليه فهمه أثناء تلاوته، أو يطرأ على باله من معنى، ثم يسعى في بحثه، والسؤال عنه.
وعلى الجملة، فإن الغاية الأساس من المدارسة القرآنية استخلاص واستخراج المنهج
القرآني، وتجميعه في برنامج عملي يضم أهم العناصر العلمية والتعليمية، التربوية والدعوية، النظرية والعملية، التي يجب العمل على تحقيقها في مجالات الحياة كافة، وهذا الشهر الكريم فيه عون كبير على تحصيل هذه المنافع {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} (الأحزاب:4).

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif



ابو الوليد المسلم 03-17-2026 10:52 AM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
علاقة القرآن بشهر رمضان
الكاتب: إسلام ويب
(26)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp

من حكمة الله ورحمته ولطفه بعباده أن هيأ لهم مواسم للطاعات، تنشرح فيها صدورهم لعمل الخيرات، واغتنام الأوقات، ووعدهم على ذلك جزيل الجزاء {وربك يخلق ما يشاء ويختار} (القصص:68)؛ فاختار من الناس محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن البقاع مكة والمدينة شرَّفهما الله، ومن الأيام يوم النحر، ومن الليالي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ومن الأشهر شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، وأودع الله في قلوب عباده المؤمنين شوقاً دفيناً لهذا الشهر الكريم، فما أن يستدير العام حتى تخفق تلك القلوب لمقدمه، وتتشوف لاستقباله، كما يستقبل الضيف الحبيب الذي طال غيابه، وكأن المؤمن قد ناء بحمل الأثقال من الخطايا والغفلات، فما أن يهلَّ الشهر ويحلَّ إلا وقد ألقاها عن كاهله، ووقف بين يدي ربه يتوب إليه ويستغفره، ثم يقبل على قلبه يجلو صدأه، ويميط الران عنه، حتى يعود صقيلاً مضيئاً، مثل السراج المنير.
روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه؛ يقول: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله
عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ) .

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وغير خافٍ أن ثمة ارتباطاً وثيقاً بين رمضان الكريم والقرآن العظيم؛ فرمضان هو الشهر الذي فضله الله عز وجل على سائر الشهور، واختصه بنزول أعظم المعجزات فيه، فشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) رواه أحمد.
فشهد شهر رمضان هذا النزول الفريد لكتاب الله، ومن يوم ذاك ارتبط القرآن بشهر رمضان، وأصبح شهر رمضان الكريم هو شهر القرآن العظيم.
وقد اجتمعت في هذا الشهر الكريم أمهات العبادات؛ وإن من أخص العبادات بشهر
رمضان ما يتعلق بالقرآن العظيم؛ تلاوةً، وتدبراً، ومدارسةً، وقياماً. كيف لا! وهو شهر القرآن الذي ابتدأ تنزله فيه، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185). وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (القدر:1). وقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (الدخان:3) فرمضان أخص الشهور بالقرآن.
وكأنه سبحانه كتب علينا الصيام في هذا الشهر شكراً له تعالى على إنزال القرآن الكريم، فالصيام من أجلِّ العبادات التي يرتقي فيها المسلم بروحه إلى السموات العلى، وكأنها معراجه الخاص ليتلقى القرآن بطريقة تختلف عن تلقيه إياه في سائر الشهور
والأيام؛ لذا نجد الصائمين يجدون في مدارسة القرآن في رمضان ما لا يجدونه في غيره.
وشهر رمضان موسم عظيم لتصويب وتفعيل العلاقة مع القرآن؛ فرمضان شهر الخيرات والبركات، يُضاعف سبحانه فيه الحسنات، ويبارك فيه في الأوقات والأعمال،
وتُصفَّد فيه الشياطين، وتُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلَّق فيه أبواب النيران، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة،يقول الصيام: أي
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه)،قال: " فيشفعان) رواه أحمد.
وإذا تأمل المرء في سر العلاقة بين رمضان والقرآن، تبيَّن له أن الصيام يهذب النفس البشرية، فتتهيأ لاستقبال القرآن؛ ففي أيام الصيام تكون النفس هادئة ساكنة بسبب ترك فضول الطعام، وذلك أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن وفهمه التقلل من الفضول؛ فضولِ الطعام والشراب، وفضول النكاح، وفضولِ مخالطة الناس، وفضولِ النظر، وفضولِ السماع، وفضول الكلام، وفضول النوم، وفضول السهر، وفضولِ تصفح المواقع والشبكات، فكلما زالت حواجز الفضول تهاوت الحجب بين القلب والقرآن؛ ولذلك كان شهر رمضان الذي تقلُّ فيه أنواع الفضول كافة، هو شهر القرآن.
ومن المعلوم أن القرآن الكريم له تأثير عظيم على القلوب، كما قال عز شأنه: {الله
نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
هاد} (الزمر:23) ومفاد هذا أننا لا نستطيع أن نصل إلى ما نسعى إليه من غير القرآن، وأعظم وأهم وقت يستفاد فيه من القرآن هو رمضان، فهو موسم القرآن الخاص؛ لذلك ينبغي للمسلم أن يكون القرآن حاضراً معه كل يوم؛ في تلاوته في الصلاة، وفي تلاوته خارج الصلاة، وفي مدارسته لبعض سوره وآياته، وفي استماعه في صلاة التراويح والتهجد، مع ملاحظة أن لا يكون همه كم ختمة سنختم في هذا الشهر، بل ينبغي أن يكون همنا الأساس كم مرة تأثر القلب، وذرفت العين، وصلح العمل، واستقام السلوك، وهذا يستلزم منا قراءة متأنية بترتيل وتدبر، وأن نُعمل العقل في فهم ما نتلو من آيات ترشدنا طريق الصواب، وتهدينا سُبل الرشاد.
وإذا تقرر أن شهر رمضان هو شهر الصيام والقرآن معاً، فليس المقصود من هذا التقرير أن قراءة القرآن وتدبره لا تكونان إلا في شهر رمضان، وإنما القصد أن الداعي
إلى قراءته وتدبره تزداد وتقوى في هذا الشهر المبارك.
وإذا تساءل المسلم عن حال المسلمين مع القرآن عموماً، وفي رمضان خصوصاً، لوجد أحوالاً متفاوتة، لكنها في الأعم الأغلب تكشف عن نوع هجر وانصراف، لا يليق بمنزلة

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
القرآن في الأمة، ومحله في قلوب المؤمنين. وإذا قارن المرء حال المسلمين اليوم مع حال السلف الصالح لوجد فارقاً كبيراً، وبوناً شاسعاً، يكشف عن سر تخلفنا وضعفنا، وتداعي الأمم علينا، جراء هذا الهجر والإعراض، ويرسم لنا في الوقت نفسه المخرج الآمن من هذه الفتن المدلهمة؛ ففي حديث علي رضي الله عنه: (ألا إنها ستكون فتنة! فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يَخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: {إنا سمعنا قرآناً عجباً} (الجن:1) من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم) رواه الترمذي والدارمي.
وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أن يطيل القراءة في قيام رمضان
بالليل أكثر من غيره، روى الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من رمضان، فقام يصلي، فلما كبر قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها، ثم ركع يقول: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد مثل ما كان قائماً، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقال: رب اغفر لي مثل ما كان قائماً، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقام، فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة) رواه أحمد.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن) قال ابن رجب: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان". وقال أيضاً: "وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً، يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} (المزمل:6). وسار السلف الصالح رحمهم الله على هديه صلى الله عليه وسلم، فكان لهم اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان، فلم يكونوا يشتغلون فيه بغيره.
ومن صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح؛ فهذه الصلاة أكثر
ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شُرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودا ًمرتلاً، ولذلك
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
اُستحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة. ومن فوائد صلاة التراويح في رمضان سماع القرآن الكريم من القراء المتقنين، ومن أصحاب الأصوات الندية، الذين يقرؤون القرآن، فتلين بقراءتهم قلوب العباد، وتقشعر بها جلودهم، وتأخذ بأيديهم لفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى سبحانه عنه.
ثم إن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن وُفِّق للجمع بين هذين الجهادين، ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما، نال أجره بغير حساب، {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}
(الزمر:10).
ولقد وصف الله سبحانه شهر الصوم بقوله: {أياما معدودات} (البقرة:184) إنها لحظة من الزمن تحتاج إلى جهد متواصل، لا مجال فيها للمسامرات غير النافعة، فمن استطاع أن يحقق انتصاراً لنفسه في هذه الأيام المعدودات، فسوف يحقق انتصاراً على
لحظات عمره، فما هذه الدنيا سوى لحظات عابرة، كما قال الشاعر:
نسير إلى الآجال في كل لحظة * * * وأيامنا تطوى وهنَّ مراحل
ولم أر مثل المـــوت حقاً كأنه * * * إذا ما تخطته الأماني بـاطل

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وما أقبح التفريط في زمن الصبا * * * فكيف به والشيب في الرأس شامل
ترحَّل عن الدنيا بزاد من التقى * * * فعمرك أيام وهنَّ قلائل
قال ابن رجب رحمه الله: "يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره، بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟".

فليحرص المسلم في هذا الشهر الفضيل على أن يجدد العلاقة مع القرآن الكريم، تلاوة وحفظاً وتدبراً وعملاً، وأن يتعرض لنفحات الرحمن في هذا الشهر المبارك، ويغتنم أيامه ولياله في قراءة كتاب ربه وتدبره، والتزود من خيراته، فهو خير كتاب يُتلى، وهو خير صديق يُتخذ، وعليه أن يشجع أبناءه على حفظه وتلاوته، وأن يجعل من رمضان فرصة لتصحيح العلاقة مع القرآن الكريم طلباً لشفاعته يوم الدين.

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif



ابو الوليد المسلم 03-17-2026 05:20 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
هكذا يتدبرون ويخشعون
الشيخ د. علي ونيس
(27)

https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp
قال النَّووي في (فصلٌ في استحباب ترديد الآية للتَّدَبُّر): "وقد قدمنا في الفصل قبله الحثَّ على التَّدَبُّر وبيان موقعه وتأثر السَّلَف، ورُوِّينا عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قام - صلى الله عليه وسلم - بآية يرددها حتى أصبح، والآية {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية، رواه النسائي وابن ماجه.
وعن تميم الدَّاري - رضي الله عنه - أنه كرر هذه الآية حتى أصبَحَ، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الجاثية: 21] الآية.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وعن عبادة بن حمزة قال: دخلت على أسماء - رضي الله عنها - وهي تقرأ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو فطال علي ذلك، فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجَعَت وهي تعيدها وتدعو. ورويت هذه القصة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها.
وردد ابن مسعود - رضي الله عنه -: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.
ورَدَّدَ سَعِيد بن جبير: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281].

وردد أيضًا: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [غافر: 70، 71] الآية.
وردد أيضًا: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6].
وكان الضَّحَّاك إذا تلا قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16] رددها إلى السحر[1].
عن حوْشب عن الحسن قال: "تفقدوا الحلاوة في ثلاث: في الصلاة، وفي القرآن، وفي الذكر؛ فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا، فإن لم تجدوها فاعلم أن بابكَ مغلق" [2].
- عن معمر مؤذن التيمي قال: "صَلَّى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة، وسمعته يقرأ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1]، قال: فلمَّا أتى على هذه الآية:
{فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27] جَعَلَ يُرَددها حتى خفَّ أهل المسجد فانصرفوا، قال: فخرجت وتركته، قال: وغدوت لأذان الفجر فنظرت فإذا هو

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
في مقامه، قال: فسمعت فإذا هو فيها لم يَجُزْها، وهو يقول: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27]" [3].
- عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال: "سمعت بعض مَن يذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي، ما الذي أبكاك قد رُعْتَ أهلك؟ أفمن علة أم ما بك؟ قال: فقال: إنه مرَّت بي آية في كتاب الله - عزَّ وجلَّ - قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]، قال: فبكى أبو حازم أيضًا معه واشتد بكاؤهما، قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بكَ لتُفَرج عنه فزدته، قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما"[4].
- عن أحمد بن أبي الحواري قال: "سمعت أبا سليمان الداراني يقول: "ما رأيت أحدًا الخوف أظهر على وجهه والخشوع منَ الحسن بن صالح بن حيي، قام ليلة بـ{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1]، فغشي عليه فلم يَختمها حتى طلع الفجر" [5].
- قال أبو يوسف الفولي: "سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: لقيت عابدًا من العُبَّاد قيل:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
إنه لا ينام الليل فقلتُ له:لم لا تنام؟ فقال لي: منعتني عجائب القرآن أن أنام"[6].
- عن عبدالله بن أبي سليم قال: "كان علي بن الحسين إذا مشى لا تجاوز يدُه فَخِذَه، ولا يخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: مالك؟ فقال: ما تدرون بين يدي مَن أقوم ومن أناجي؟!" [7].


- عن أبي نوح الأنصاري قال: "وقع حريق في بيتٍ فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله، النارَ، يا ابن رسول الله، النارَ، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألْهاك عنها؟ قال: ألْهتني عنها النارُ الأخرى"[8].
- وكان ثابت البُناني يقول: "ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل"[9].
- وعن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه: أنه كان يصلي ذات يوم فدخل رجل من أهل الشام ففزعوا، واجتمع له أهل الدار، فلما انصرفوا قالت له أم عبدالله: دخل هذا الشامي ففزع أهل الدار فلم تنصرف إليهم أو كما قالت، قال: ما شعرت".
- وقال معتمر: "وبلغني أنَّ مسلمًا كان يقول لأهله: إذا كانت لكم حاجة فتكلَّموا وأنا
أصلي".
- وعن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: "ما رأيته يصلي قط إلا ظننت أنه مريض".
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
- وعن ابن شوذب قال: "كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته في بيته: تحدثوا فلست أسمع حديثكم".
- وعن ميمون بن حيان قال: "ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتًا في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انْهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدمه، وإنه لفي المسجد في الصلاة فما التفت".

- وعن عبدالحميد بن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: "كان مسلم بن يسار إذا دخل المنزل سكتَ أهلُ البيت، فلا يسمع لهم كلام، وإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا".
- وعن غيلان بن جرير قال: "كان مسلم بن يسار إذا رُؤي، وهو يصلي كأنه ثوب ملقًى".

- وعن ابن عون قال: "كان مسلم بن يسار إذا كان في غير صلاة كأنه في صلاة".
- وعن عبدالله بن المبارك: قال سفيان عن رجل عن مسلم بن يسار أنه سجد سجدة فوقعت ثنيتاه فدخل عليه أبو إياس فأخذ يعزيه ويهون عليه، فذَكر مسلمٌ من تعظيم الله - عز وجل.
- وعن ابن عون قال: "رأيت مسلم بن يسار يصلي كأنه وتد لا يميل على قدم مرة ولا على قدم مرة ولا يتحرك له ثوب"[10].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
- قال الإمام النووي: "فصل في البكاء عند قراءة القرآن": قد تَقَدَّمَ في الفصلين المتقدمين بيان ما يحمل على البكاء في حال القراءة، وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109].
وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اقرؤوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا)).

وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته، وفي رواية: (أنه كان في صلاة العشاء)؛ فيدل ذلك على تكرره منه، وفي رواية: (أنه بكى حتَّى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف).
وعن أبي رجاء قال: "رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع".
وعن أبي صالح قال: "قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: هكذا كنا.
وعن هشام قال: "ربَّما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل وهو في الصلاة".

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
والآثار في هذا كثيرة لا يمكن حصرها، وفيما أشرنا إليه ونبهنا عليه كفاية، والله أعلم.
قال الإمام أبو حامد الغزالي: "البكاء مستحب مع القراءة وعندها، وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود،
ثم يتأمل تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب"[11].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - "التبيان في آداب حملة القرآن": 44.

[2] - "الحلية": 6 / 171.
[3] - "الحلية": 3 / 29.
[4] - "الحلية": 3 / 146، و"صفة الصفوة": 1 / 416.
[5] - "الحلية": 7 / 328.

[6] - "الحلية": 8 / 30.
[7] - "صفة الصفوة": 1 / 389.
[8] - "صفة الصفوة": 1 / 389.
[9] - "صفة الصفوة": 2 / 157.

[10] - كل ما ذكر عن مسلم بن يسار في "الحلية": 2 / 291.
[11] - "التبيان في آداب حملة القرآن": 45، ولتراجع في هذا وغيره الكتاب المذكور للإمام النووي - رحمه الله - ففيه خير كثير.

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif



ابو الوليد المسلم 03-19-2026 05:36 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
فضل قراءة القرآن
(28)
https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp
جرى في الأمثال السائرة قولهم: "شرف العلم بشرف ما تعلّق به"، فكيف إذا تعلّقت العبادة بالقرآن العظيم؟: أشرف الكتب وأكملها، وقد أعلى الله مكانه، وأيّد بالحق سلطانه، أفصح كتبه كلاماً، وأحسنها نظاماً: {وإنه لكتاب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت:41-42).
والارتباط بين شهر رمضان والقرآن العظيم ارتباطٌ محكم وثيق، ففي أيّامه المباركة ولياليه الجليلة نزل الروح الأمين بالقرآن العظيم ليكون هدى للناس وفرقاناً، قال تعالى:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:186).
وقد حثّ الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين على أن يكون لهم شأن مع القرآن الكريم،
فيردوا حياضه، ويستروحوا في رياضِهِ، ويأنسوا بكَنَفِه، فها هو يخاطبهم في محكم كتابه، فيقول عز من قائل: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4).
قال الإمام ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "اقرأه على تمهل، فإنه يكون عوناً على فهم
القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه".
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقراءة القرآن الكريم عبادةٌ عظيمة، غَفَلَ عنها المتقاعسون عن الأجور؛ ذلك لعدم استشعارهم الأجور العظيمة التي تترتّب عليها، وفي هذا المقام يأتي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: {آلم} حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف)، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وكلّما قرأ المؤمن آيات الله تضاعفت حسناته، وامتلأت صحائف أعماله، وهذه هي التجارة الحقيقيّة مع الله عز وجل:{إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} (فاطر:35).
والمقصود بـ (التالين) لكتاب الله -كما ذكر العلماء- هم الذين يداومون على قراءته، واتباع ما فيه، حتى صار ذلك سمةً لهم وعنواناً، فمثل هؤلاء قد عقدوا مع الله عز وجل صفقةً رابحة،ً لن تكسد وتفسد، بل تجارة: "هي أجلُّ التجارات، وأعلاها، وأفضلها، ألا
وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه".

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقراءة القرآن تشفع لصاحبها يوم القيامة، فقد روى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقانٌ من طير صواف، تحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، رواه مسلم. و(البطلة): هم السَحَرة، كما ذكر شرّاح الحديث.
ومن فضائل قراءة القرآن الأخرويّة: ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارْقَ، ورتّل
كما كنت ترتّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أحمد وأصحاب السنن عدا ابن ماجه.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
والناس يتفاوتون ويتباينون في قدرتهم على قراءة القرآن ومهارتهم فيه، ومن ثَمَّ كان لكل واحدٍ منهم فضلٌ وأجرٌ بحَسَبِه، مصداق ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه.
والحديث عن قراءة القرآن يقودنا إلى مسألة تدبّر آياته، والذي يعني أصالةً: تأمّل معانيه، والتفكر في حكمه، والتبصّر بما فيه من الآيات، وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}(النساء:82)، وقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} (ص:29)، وقوله سبحانه: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24).

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
يقول الإمام ابن القيم: "وأما التأمل في القرآن، فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر".
وإنّ من الغبن أن ترى من يُجهد نفسه في قراءة القرآن في رمضان وفي غيره دون أن يَجعل للتدبّر قسطاً من يومه وليله، رغبةً في الاستكثار من الحسنات الواردة في حقّ التلاوة، وقد تناسى ما يُثمره التدبّر من تزكية للروح، وتهذيب للنفس، ورقيّ في مدارج الإيمان، ناهيك عن موافقة الطريقة النبويّة في القراءة. وقد ذُكر لعائشة رضي الله عنها أن أناساً يقرؤون القرآن في الليل مرة أو مرتين، فقالت: "أولئك قرؤوا، ولم يقرؤوا، كنت أقوم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، فلا يمرّ بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله، ورغب إليه" رواه أحمد، قال محققو "المسند": صحيح لغيره.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقولها: (ليلة التمام) كأن المراد ليلة تمام الختمة والشروع في أخرى، أو المراد تمام رمضان، أو المراد تمام الليلة.
ولنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أعظم عبرةٍ، إذ يقول: (مَثَل الذي يقرأ القرآن كالأترجّة طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا
ريح لها، ومَثَل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مُرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مُرّ، ولا ريح لها) متفق عليه، فقد أومأ هذا الحديث إلى ما ينبغي أن يكون عليه حال قارئ القرآن من التدبّر، الذي يقوده إلى العمل الصالح، وهذه هي الثمرة الحقيقيّة لكل العبادات، سواءٌ ما كان منها في رمضان أو في غيره: علمٌ، وعمل، وتدبّر، تحصل منه الخشية، ويزداد المؤمن إيماناً، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان والعمل الصالح.
منقول

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-19-2026 05:38 PM

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره
الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
(29)

الحمد لله الذي أنزَل على عبده الكتاب تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعدُ:

فإنه يتأكد على المسلم الراجي رحمة ربِّه، الخائف من عذابه، أن يكثر من تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره؛ تقرُّبًا إلى الله - تعالى - وطلَبًا لمرضاته، وتعَرُّضًا لفضله وثوابه؛ فإنَّ القرآن الكريم خيرُ كتاب، أنزل على أشرف رسول، إلى خير أمة أُخرجتْ للناس، بأفضل الشرائع وأسمحها، وأسماها وأكملها.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

أنزل القرآن لكي يقرأَه المسلمُ ويتدبره، ويتفكر في معانيه، وأوامره ونواهيه، ثم يعمل به، فيكون حجة له عند ربه، وشفيعًا له يوم القيامة.
وقد تكَفَّلَ الله لمن قرأ القرآن وعمِل بما فيه ألاَّ يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، بقوله - تعالى -: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ﴾[طه: 123]، ولْيحذر المسلمُ
من الإعراض عن تلاوة كتاب الله وتدبره والعمل بما فيه، وقد توَعَّد الله المعْرضين عنه بقوله - تعالى -: ﴿ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ﴾[ طه: 100] وبقوله - تعالى -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾[ طه: 124].
وفي فضْل القرآن: قال الله - تعالى -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [ النحل: 89]، وقال - تعالى -: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15 - 16]، وقال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ يونس: 57]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))؛ رواه البخاري في صحيحه، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه))؛ رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورةُ البقرة وآل عمران، تحاجَّانِ عن صاحبهما))؛ رواه مسلم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿ ألم ﴾ حرف؛ بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وقال صلى الله عليه وسلم: ((يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها))؛ رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به، مع السفَرة الكرام
البَرَرة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقٌّ، له أجران))؛ متفق عليه.
والمراد بالسَّفَرة: الرسل من الملائكة، والبَرَرة: المطيعون لله - تعالى - ويتتعتع: يتردد في قراءته (له أجران): أجر القراءة، وأجر المشَقَّة.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا حسَد إلا في اثنتَين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به
آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار))؛ متفق عليه.
والآناء: الساعات، والمراد بالحسد هنا: الغبطة، وهي تَمَنِّي مثل ما للغَيْر.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

فاحْرِص - أيها المسلم - وفَّقك الله لما يرضيه على تعلُّم القرآن وتلاوته بنية خالصة لله
- تعالى - واحرص على تعلُّم معانيه والعمل به؛ لتنال ما وعد الله به أهل القرآن من الفضل العظيم، والثواب الجسيم، والدرجات العلا، والنعيم المقيم، فقد كان أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذا تعلَّموا عشر آيات من كتاب الله - تعالى - لَم يتجاوزوهن حتى يتعلَّموا معانيهن والعمل بهن.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن؛ كما قال - تعالى -: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة: 185]، وفي الصحيحين عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتقي هو وجبريل في رمضان في كل ليلة، فيدارسه القرآن.
فدلَّ على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرْض القرآن
على مَن هو أحفظ له منه، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان.
وفيه فضل الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا
نزلتْ عليهم السكينة، وغشيتْهم الرحمة، وحفَّتْهم الملائكة، وذَكَرهم الله فيمن عنده))؛ رواه مسلم.
وفي حديث ابن عباس المتقدم: أن المدارسة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل كانت ليلاً، فدلَّ على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإن الليل تنقطع فيه
الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر؛ كما قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾ [المزمِّل: 6].
ويستحب قراءة القرآن على أكمل الأحوال متطهرًا، مستقبل القبلة، متحريًا بها أفضل الأوقات؛ كالليل، وبعد المغرب، وبعد الفجر، وتجوز القراءة قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا،
وماشيًا وراكبًا؛ لقوله - تعالى -: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 191] والقرآن أعظم الذكر.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ثم اعلم - أيها المسلم - أنَّ تلاوة القرآن التي ينتفع بها صاحبُها هي التلاوة المصحوبة بالتدَبُّر والتفهُّم لمعانيه وأوامره ونواهيه، بحيث إذا مرَّ القارئ بآية يأمره الله فيها بأمر ائتَمَر به وامتَثَلَه، وإذا مر بآية ينهاه الله فيها عن شيء، انتهى عنه وترَكه، وإذا مرَّ بآية رحمة سأل الله ورجا رحمته، وإذا مرَّ بآية عذاب استعاذ بالله وخاف من عقابه، فهذا الذي يتدبَّر القرآن ويعمل به، يكون حجة له، أما الذي لا يعمل به، فإنه لا ينتفع به ويكون حجة عليه؛ قال الله - تعالى -: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29].
اللهم اجعلنا وجميع المسلمين من أهل القرآن، الذين هم أهلُكَ وخاصتك يا أرحم الراحمين، واجعله حجَّة لنا لا حجة علينا يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif




ابو الوليد المسلم 03-20-2026 06:35 AM

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353975.gif
القرآن كتابي: هكذا يكون التلقي
الشيخ عاطف عبدالمعز الفيومي
(30)
https://png.pngtree.com/png-vector/2..._17166007.webp
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على المبعوث رحمةً للعالَمين، نبيِّنا محمَّد صلَّى الله عليْه وآله أجمعين.
وبعد:
فهذه كلماتٌ أُبيِّن بها الطَّريق نحو منهج التلقِّي الَّذي يجب للقرآن، وأعْني هنا: التلقِّيَ الإيمانيَّ العمَليَّ، لا التلقِّي الإسناديَّ، وذلك أنَّ كثيرًا مِن النَّاس غفلوا عن هذا التلقِّي،
وتناسَوه كثيرًا، وأُجْمِلُ كلماتي في محاور مُتتالية:
1- القرآن والمكانة السَّامية:
إنَّ الوقوف على آيةٍ واحدة من كتاب الله تعالى مِن عشرات الآيات، تكفي بأن تبيِّن لنا مكانةَ هذا الكتاب المنزَّل: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

وبالنَّظر إلى هذه الآية الكريمة، تأمُّلًا وفهْمًا، تستبينُ لنا جلالة هذا الكتاب، وكتُب التَّفسير وقفتْ على شيء مِن ذلك، فقد قال شيخ المفسِّرين ابنُ جرير الطَّبري في هذه الآية: (يقول تعالى ذكْره: إنَّ هذا القرآن الذي أنزلْناه على نبيِّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم يُرشد ويُسدِّد مَن اهتَدَى به ﴿ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ يقول: للسَّبيل الَّتي هي أقوَمُ مِن غيرِها مِن السُّبُل، وذلك دِين اللهِ الَّذي بَعَث به أنبياءَه وهو الإسلام، يقول جلَّ ثناؤه: فهذا القُرآن يَهدي عبادَ اللهِ المهْتدِين به إلى قصْد السَّبيل الَّتي ضلَّ عنها سائرُ أهلِ المِلَل المكذِّبين به).
وقال ابنُ كثير رحِمه الله تعالى في هذه الآية: (يَمدح تعالى كِتابَه العزيز الَّذي أنزَله على رسولِه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وهو القُرآن، بأنَّه يَهْدي لأقْوم الطُّرُق، وأَوضَحِ السُّبُل ﴿ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ به ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ﴾ على مقتضاه ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾؛ أي: يوم القيامة).
وقال العلَّامة السَّعدي رحِمه الله تعالى: (يُخبر تعالى عن شرَف القرآن وجلالتِه، وأنَّه ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾؛ أي: أَعدَل وأعلى، مِن العقائد والأعْمال والأخلاق، فمَنِ اهتدَى بما يَدعو إليْه القرآن كان أكْمَلَ النَّاسِ وأقومَهم وأهداهم في جَميع أموره، ﴿ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ﴾ مِن الواجبات والسُّنن، ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ أَعَدَّه اللهُ لهم في دار كرامتِه، لا يَعلم وصْفه إلَّا هو).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

وقال صاحب "الظّلال" رحِمه الله تعالى: (هكذا على وجْه الإطلاق فيمَن يهديهم وفيما يهديهم، فيَشمَل الهُدى أقوامًا وأجيالًا بلا حدودٍ مِن زمانٍ أو مكان، ويَشمَل ما يَهديهم إليْه كلَّ منهج وكلَّ طريق، وكلَّ خير يهتدي إليه البشَر في كلِّ زمانٍ ومكان، يَهدي للَّتي هي أقوَم في عالَم الضَّمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة الَّتي لا تعقيد فيها ولا غموض، والَّتي تُطْلِق الرُّوحَ مِن أثقال الوهْم والخُرافة، وتُطْلق الطَّاقاتِ البشريَّة الصَّالحة للعمل والبناء، وترْبط بين نواميس الكون الطَّبيعيَّة، ونواميس الفِطرة البشريَّة في تناسُق واتِّساق.
ويَهدي للَّتي هي أقوم في التَّنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسُلوكه، وبين عقيدتِه وعملِه، فإذا هي كلُّها مشدودة إلى العُروة الوثقى الَّتي لا تنفصِم، مُتطلِّعة إلى أعلى وهي مستقرَّة على الأرض، وإذا العملُ عبادةٌ متى تَوَجَّه الإنسانُ به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعًا واستِمتاعًا بالحياة، ويهْدي للَّتي هي أقوم في عالَم العِبادة بالموازنة بين التَّكاليف والطَّاقة، فلا تَشُقُّ التَّكاليف على النَّفس حتَّى تملَّ وتيْأس مِن الوفاء، ولا تسهل وتترخَّص حتَّى تشيع في النَّفس الرخاوة والاستِهْتار، ولا تتجاوز القصْد والاعتِدال وحدود الاحتِمال.
ويهدي للَّتي هي أقوم في علاقات النَّاس بعضهم ببعض: أفرادًا وأزواجًا، وحكوماتٍ وشعوبًا، ودولًا وأجناسًا، ويُقيم هذه العلاقات على الأُسُس الوطيدة الثَّابتة الَّتي لا تتأثَّر بالرَّأي والهوى، ولا تَميل مع المودَّة والشَّنآن، ولا تصرِّفها المصالح والأغراض، الأُسس التي أقامها العليمُ الخبير لخلْقه، وهو أعْلم بِمَن خلَق، وأعرَف بما يَصلُح لهم في كلِّ أرضٍ وفي كلِّ جيل، فيهديهم للَّتي هي أقْوم في نظام الحكْم، ونظام المال، ونظام الاجتِماع، ونظام التَّعامُل الدُّوَلي اللائق بعالم الإنسان).
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

2- الخلل في منهج التلقِّي:
هذه هي منزلة القرآن ومكانته، التي جعلها الله تعالى ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم بالمحلِّ الأعلى، والمكان الأرْفع، وإذا أمعنَّا النَّظر قليلًا إلى الوراء، حيثُ تاريخ الإسلام وعهْده الأوَّل مِن جيل الصَّحابة رضِي الله عنْهم، وجدْنا أنَّ منهج الصَّحابة في تلقِّي القرآن ومنهجه، وأحكامه وشرائعه، يَختلف تمامًا عن تلقِّي كثيرٍ من المسلمين اليوم لِهذا الكتاب الرَّبَّاني، وطُرُق التَّعامُل معه، ولا أعْني هنا التلقِّي العِلْمي الإسنادي، وإنَّما عَنيتُ: التلقِّي الإيمانيَّ العمَليَّ لهذا الكتاب المنزَّل، قال سيِّد قطب رحمه الله تعالى: (هُناك عاملٌ أساسي آخَر غير اختلاف طبيعة النَّبع، ذلك هو اختلاف منهج التلقِّي عمَّا
كان عليه في ذلك الجيل الفريد... إنَّهم في الجيل الأوَّل لم يكُونوا يقرؤُون القرآنَ بقصْد الثقافة والاطِّلاع، ولا بقصْد التذوُّق والمتاع، لم يكن أحدُهم يَتلقَّى القرآنَ ليَستَكثِر به مِن زاد الثَّقافة لمجرَّد الثَّقافة، ولا لِيُضيف إلى حصيلتِه مِن القضايا العلميَّة والفقهيَّة محصولًا يملأ به جُعْبتَه، إنَّما كان يتلقَّى القرآن ليتلقَّى أمْر الله في خاصَّة شأْنه وشأن الجماعة الَّتي يعيش فيها، وشأن الحياة الَّتي يَحياها هو وجماعتُه، يَتلقَّى ذلك الأمْر لِيَعمل به فوْرَ سماعِه، كما يَتلقَّى الجندي في الميدان "الأمْر اليوميَّ" لِيعمَل به فور تلقِّيه، ومِن ثمَّ لم يكُن أحدُهم لِيَستَكثِر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنَّه كان يحسُّ أنَّه إنَّما يَستَكْثِر مِن واجبات وتكاليف يَجعلها على عاتقه، فكان يكْتَفي بعشْر آياتٍ حتَّى يَحفظَها ويَعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنْه[1].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
هذا الشعور، شعور التلقِّي للتَّنفيذ، كان يَفتح لهم مِن القرآن آفاقًا مِن المتاع، وآفاقًا مِن المعرفة، لم تكُن لتُفْتَح عليهم لو أنَّهم قَصَدوا إليْه بشعور البحث والدِّراسة والاطِّلاع، وكان يُيَسِّر لهم العمل، ويخفِّف عنهم ثقل التَّكاليف، ويخْلط القرآن بذواتِهم، ويُحوِّله في نفوسهم وفي حياتِهم إلى منهج واقعيٍّ، وإلى ثقافة متحرِّكة لا تبقَى داخلَ الأذْهان، ولا في بطون الصَّحائف، إنَّما تتحوَّل آثارًا وأحداثًا تُحَوِّل خطَّ سير الحياة)[2].
إنَّها قضيَّة كبيرة حقًّا، لِمَن كان له قلْب أو ألْقى السَّمع وهو شهيد، قضيَّة منهج التلقِّي القلْبي العقدي للقُرآن، لقد كان الواحد مِن السَّلف الصَّالح مِن أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يأخُذ القُرآنَ لنفسِه وشأنه، ولعقيدته وعبادته، ولنجاته وفوْزِه، يأخُذ القرآنَ ولسانُ حالِه يقول: القرآنُ كتابي، نَعم القرآن كتابي لا كتاب غيري مِن النَّاس، القرآن أُنْزِل لي، نعم، لي أنا، لهدايتي، لإعلاء مكانتي، لبيان عقيدتي، لتوْجيه عبادتي، لبيان شريعتِي، لسعادة قلْبي ونفْسي، إنَّه كتابي الَّذي به تُنال الدَّرجات، وباتِّباعه تنزل البركات، وبهدايتِه تُسْتَمطر الرَّحمات، وبمنهجه تُطْلَب الجَنَّات، إنَّه رسالة الله إليَّ، ونداؤُه الواضح البرهان.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
هذا فارق التلقِّي بيْننا وبين الصَّحابة رضِي الله عنهم: أنَّهم أَخذوا القرآنَ لهم لا لغَيْرِهم فحسْب، ولا يقول أحدُهم: هذه الآية تُخاطب فلانًا مِن النَّاس، لا تُخاطبني، وهذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهََ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 130]، تأمُر بترْك أكْل الرِّبا وأموال النَّاس بالباطل، إنَّني لا أفعل ذلك، إذ إنها لفلان آكلِ الرِّبا، وآكلِ الكسب الحرام.
وآية ثالثة ورابعة وخامسة تدُور بين الأمْر والنَّهي، وبين الحلال والحرام، والموعظة بالتَّرغيب والتَّرهيب، كلُّ هذه الآيات ليستْ لي أنا، إنَّما هي لفلان وفلان مِن النَّاس... إلخ.
3- آثار المخالفة:
إنَّ واقع كثيرٍ مِن المسلمين اليوم يُبَيِّن لنا خطَرَ هذا المنهج في التلقِّي للقرآن وشريعته على واقع المسلمين اليوم، وعلى عقيدتهم ومجتمعِهم، لماذا؟ لأنَّ التلقِّي بهذه الصورة المنحرفة يؤدِّي إلى عدَّة مظاهر انحرافيَّة خطيرة، منها:
1- ضَعْف الإيمان في القلوب، وضَعْف العقيدة والتَّوحيد في السلوك؛ ذلك أنَّ القرآن باب الإيمان ومدْخله.

2- ضَعْف الانتماء الصَّحيح لهذه الشَّريعة الغرَّاء؛ حيث الانفِصام بين الدِّين والحياة، وبين القول والعمل، وبين المرْء ونفسِه ومجتمعِه، انفِصامٌ خطيرٌ في الشَّخصيَّة المسْلِمة؛ لأنَّ القرآن عندئذٍ لا يكون هو مصدر التلقِّي والتَّوجيه والتَّشريع للمرْء، إنَّما له مصادر ومناهج أُخرى يَتلقَّف منها ما يشاء وما يَشتهي.
3- فقْد العلاقة بين المسلم وخالقِه؛ لأن القرآن كلام الله تعالى، ومنهجه المنزَّل، الذي جعَله الرَّابطة بين العبد وخالقِه، وذلك بتلاوته وتدبُّره، والعمل بمنهجه، والدَّعوة إليه، والاستزادة منه، فإذا ضَعُفَت علاقة العبد بِهذا المنهج والمصْدر الربَّاني، ضعفَت العلاقة
بينه وبين خالقه سبحانه وتعالى.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

إنَّ الإنسان يَضلُّ وينحرف، وتأخُذُه أمواج الفِتَن والشَّهوات والشُّبُهات، إذا لم يتَّجه بهداية القُرآن: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النور: 46]، وفي الحديث: ((أمَّا بعد، ألا أيُّها النَّاس، فإنَّما أنا بشَر يُوشك أنْ يأتيَني رسولُ ربِّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلَين: أوَّلُهما كتاب الله فيه الهدى والنُّور، فخُذوا بكتاب
الله، وتمسَّكوا به))، فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثمَّ قال: ((وأهْل بيْتي))، وفي لفظٍ: ((كتاب الله هو حبْل الله المتين، مَن اتَّبعَه كان على الهدَى، ومَن ترَكه كان على الضَّلالة))؛ رواه مسلم.
إنَّ الإنسان يقَع في الخُسران والانحِراف عن منهج الله وشريعته، إذا لَم يَعمل بالقرآن: ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 2، 3].

إنَّ الإنسان يَقع في سُبل الشَّيطان ومكايده إذا لَم يَستَقِم على صراط القرآن: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 123 - 127].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

إنَّ الإنسان تَنقَطع طُرُق الاتِّصال بينه وبين الله تعالى، كما يَفْقد معالِمَ الاهتداء، إذا لَم يَستمْسِك بحبل القرآن: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]، وفي الحديث: ((أَبْشِروا، أليْس تَشْهدون أن لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله؟)) قالوا: نعم، قال: ((فإنَّ هذا القرآنَ طَرفُه بيدِ الله وطَرفُه بأيديكم، فتمسَّكوا به، فإنَّكم لن تضلُّوا، ولن تهْلكوا بعده أبدًا))؛ رواه ابن حبَّان في صحيحِه.
إنَّ الإنسان يَفْقد أَجَلَّ خيريَّة في الإسلام إذا لم يقرأ ويتعلَّم القرآن؛ ((خيرُكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه))؛ رواه البخاري.
إنَّ الإنسان يقع في الكُفر والشِّرْك، وينجرف بعيدًا عن الفوز والفلاح، إذا لم يؤْمن بالقرآن؛ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 4، 5]. وقال تعالى: ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 2].

إنَّ الإنسان يَفْقد مَجْدَه ومكانتَه وعزَّه، إذا لم يَتَّبع هذا القرآن؛ ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: 10].
إنَّ الإنسان يقع في براثن الذُّل والهوان إذا لم يَعتصِم بالقرآن حقَّ الاعتِصام: ((إنَّ الله يَرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضَع به آخرين))؛ رواه مسلم.
إنَّ الإنسان يَفْقد ولاية الله تعالى له، وحمايته له من أعدائِه المتربِّصين إذا لم يقرأ القرآن: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾
[الإسراء: 45].
إنَّ الإنسان يقع تحت طائلة العِتاب والندم يوم القيامة، إذا لم يكُن له نصيب مِن القرآن تلاوة وفهمًا وعملًا: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

4- القرآن كتابي: هكذا يكون التلقِّي:
وهنا، وبعد هذا التِّبيان أقول: يجبُ أن نُعيد منهج التلقِّي للقرآن في نفوسِنا مِن جديد، يجب أن نتلقَّى القرآن للعِلْم والعمل معًا، نتلقَّاه لأنفُسنا، لسعادتنا وهدايتنا، لتوجيهنا وتربيتِنا، لإصلاحنا وتقْويمنا، وأن يكون شعارُنا: "القرآن كتابي"، وإنَّ مِن الواجب على أمَّة الإسلام وعلمائها، وطلَبةِ العلم والدُّعاة إلى الله، أن يكونوا القدوة الصَّالحة
لغيرهم، في الاعتناء بتحقيق وتطبيق القرآن قولًا وعملًا، وأنْ يَجعلوه منهاجَ حياةٍ واقعيًّا، كما كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قرآنًا يمشي على الأرض؛ كما ثبت في الأحاديث الصَّحيحة ذلك.
وهذه بعض جوانب العناية العمليَّة التطبيقيَّة بالنسبة للقرآن الكريم كما نتصوَّرها، والتي ينبغي أن يهتمَّ بها قارئ القرآن لتكُون له عونًا على تصحيح منهج التلقِّي لهذا الكتاب، وهي كما يلي:
1- القراءة اليوميَّة للقُرآن:

يقولُ الله سبحانَه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]، وبما أنَّنا بدون التِّلاوة الدَّائمة نفْقِد التذكُّر اللازمَ، ونفقد الحالات الإيمانيَّة العالية، فاللهُ عزَّ وجلَّ وَصَف تأثُّر المؤمنين بالقرآن بقولِه تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 23]، وقال سبحانه: ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ [مريم: 58].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

إنَّ هذه المعاني لا يُحَصِّلها الإنسانُ إلَّا بتلاوة دائمةٍ لكتابِ الله، وتذكُّر ما فيه لِيحْيا قلْبه فتَجِيش فيه هذه المعاني[3]، وقد كان للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وِرْدُه اليومي يقرؤُه في صلاة اللَّيل؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (إنْ كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لَيُوقظُه الله عزَّ وجلَّ باللَّيل، فما يجيء السَّحَر حتى يَفرغ مِن حزبِه)؛ رواه أبو داود.

وقد كانت تلاوة القرآنِ دأبَ الصَّحابة وعملَهم الدَّائم؛ فقد رَوى أبو داود، عن أوْس بن حُذَيفة: سألتُ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: كيف يحزِّبون القرآنَ؟ قالوا: (ثلاث، وخمس، وسبْع، وتسْع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصَّل وحْده).
إذًا؛ كان القرآن بالنسبة للصَّحابة محورَ كلِّ شيء عندهم، ثمَّ أصبح القرآن مَنْسِيًّا عند الكثيرين مِن مسْلمي عصرنا، فلا بدَّ لنا مِن عودة حميدة للكتاب، يصلح بها آخرُنا كما صلح بها أوَّلُنا، وانظر هذا النَّصَّ لِتُدْرِك مقدار حِرْص الصَّحابة على الاشتِغال بالقرآن
دُون سِواه؛ عن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعتُ عليًّا يقولhttps://forum.ashefaa.com/data:image...wUheQuAgwIADs="أَعْزِمُ على كلِّ مَن عنده كتاب إلَّا رجَع فمحاه؛ فإنَّما هلَك النَّاسُ حيث اتَّبعوا أحاديثَ علمائهم، وترَكوا كتابَ ربِّهم).
فلا بدَّ أن يكون لنا ورْدُنا اليومي من كتاب الله، تلاوة في المصحف لِمَن لم يحفظ أو تلاوة مِن المحفوظ، وقد ذكر العلماء أنَّ القراءة من المصحف أعظمُ أجرًا، والحدُّ المعتدل أن يختم القُرآن في الشَّهر مرَّة، فإن لم يكُن ففِي كلِّ أربعين يومًا، وفي ذلك ضمانُ حياة القلْب وضمان حياة المعاني الإسلاميَّة في أنفُسِنا[4].

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

2- التَّأمُّل والتدبُّر أثناء القراءة:
مع الوقوف على كلِّ عِبْرة ومعنى، كما أنَّه يفضَّل أن تكون القراءة في خلوة هادئة، ولاسيَّما خلوات اللَّيل، حيث يشفُّ القلب، وتنكشِف أغطية النَّفس، والله تعالى يقول: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، ويقول سبحانه: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْألْبَابِ ﴾ [ص: 29].

إنَّ هذه القراءة على هذا النَّحو سبيلٌ لفتح أغْلاق القلوب، وسُطوع أنوار القرآن في آفاق النُّفوس، وبهذا يحصُل الانتِفاع الحقيقيُّ بكتاب الله تعالى، قال ابنُ مسعود رضِي الله عنْه: (لا تهذُّوا القُرآن هذَّ الشِّعر، ولا تَنْثُروه نثر الدَّقل، وقِفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكُن همَّ أحدِكم آخرُ السورة)[5].
ولننظُر إلى حال الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم الَّذي قرأ القرآن أوَّلًا بتَرَوٍّ وتدبُّر، حتَّى إنَّه وهو في صلاته إذا مرَّ بآية عذاب تعوَّذ، وإذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بآية فيها رحمة سأل الله مِن فضله، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يبكي مِن شدَّة تأثُّره به، وتأمُّله لمعانيه، سواء مِن قراءتِه بنفسه أو سماعِه مِن غيره؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اقْرأ عليَّ)) قلتُ: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك نَزَل؟ قال: ((نعم)) فقرأتُ سورة النساء إلى هذه الآية: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ قال: ((حَسْبُكَ الآن))، فالتفتُّ إليه فإذا عيْناه تذرفان؛ رواه البخاري ومسلم.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

3- استِشعار سماع القِراءة من الله تعالى:
وينبغي أن نقرأ القرآن كأنَّما نسمعه مِن الله سبحانه وتعالى، وهذا أمْر يكاد يكون مِن البدهيَّات التي نغفل عنها، فالقرآن كلام الله، خاطبَنا به، ووجَّهه إليْنا، وأبسَط مقتضَيات هذا، أنْ نُصغي إلى هذا المتكلِّم العظيم، ونُحسِنَ الاستِماعَ إليْه؛ ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204].
والإنصاتُ إلى الله لا يكُون بالأذُن، بل بالقلب وبِوَعْيِك كلِّه، وهي منزلةٌ تقتضي مِن الإنسان مرانًا ورياضة وتدرُّجًا في مقاماتها الرَّفيعة[6]؛ ولهذا يقول ابنُ مسعود رضي الله عنْه: (إذا سمعتَ الله يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فأصْغِ لها سمعَك، فإنَّه خيرٌ تُؤمَر به، أو شرٌّ تُصرَف عنه).
4- أن يكون غرَض القراءة إعداد النفس للقاء الله عزَّ وجلَّ:

وينبغي أن نقرأ القرآن على أنَّ الغرَض الأسمى له هو: إعداد الإنسان للدَّار الآخرة، فما في القرآن مِن روح، وما جاء فيه مِن قصص الجهاد، وما ضمَّنه مِن نُظُم الاجتماع، وما أُودِعَهُ مِن القوانين والمعارف - ليس مقصودًا لذاته، أو ليس غاية تنتهي إليْها أهدافُ الإسلام، وإنَّما يُراد بها: إيقاظُ القلوب بدلالتها على الله، وإحاطتها بكلِّ وسيلة مادِّيَّة أو معنوية لتكُون في القلوب سليمة حيَّة، حتَّى يمضي بها المرء إلى غايتها الأخيرة، فعلينا أن نُلاحظ هذا المعنى في كلِّ آية، فإنَّ العبرة لا تكمل إلَّا به، وجمال التَّوجيه لا يظهر بدونه[7].
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

5- آداب تلاوة القرآن الكريم واستماعه:
لتلاوة القرآن الكريم آداب كثيرة وعديدة، ينبغي أن يُراعيها قارئُ القرآن، حسْبنا أن نشير إلى طائفة منها باختصار، فنقول:
ينبغي على قارئ القرآن أن يتأدَّب بالآداب التالية:
1- أن يَستَقبل القِبلة ما أمكنه ذلك.
2- أن يَسْتاك تطهيرًا وتعظيمًا للقرآن.
3- أن يكُون طاهرًا مِن الحدثَين.
4- أن يكون نظيف الثَّوب والبدَن.
5- أن يقرأ في خشوع وتفكُّر وتدبُّر.

6- أن يكون قلبُه حاضرًا فيتأثَّر بما يقرأ تاركًا حديثَ النَّفس وأهواءها.
7- يستحبُّ له أن يَبكِي مع القِراءة فإن لَم يبْكِ فَلْيَتَباكَ.
8- أن يزيِّن قراءتَه ويحسِّن صوتَه بها، وإن لم يكُن حسَنَ الصَّوتِ حسَّنه ما استطاع بحيث لا يخرج به إلى حدِّ التَّمطيط.
9- أن يتأدَّب عند تلاوة القرآن الكريم، فلا يَضْحك، ولا يَعْبث، ولا ينظُر إلى ما يُلْهي؛ بل يتدبَّر ويتذكَّر كما قال سبحانَه وتعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْألْبَابِ ﴾ [ص: 29]، كما أنَّ على سامع القرآن الكريم أن يُقبل عليه بقلبٍ خاشع يتفكَّر في معانيه، ويتدبَّر في آياته، ويتَّعظ بما فيه مِن حِكَم ومواعظ، وأنْ يحْسِن الاستِماع والإنصات لما يُتْلى مِن قرآن حتَّى يفرغ القارئُ مِن قراءتِه؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204].
6- العناية بالعمل التَّطبيقي للقُرآن:

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
ومن جوانب العناية بالقُرآن الكريم في حياة قارئ القرآن: العناية بالعمل به وتطْبيق أحكامه كما قال سبحانه: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: 18]، ومهْما اتَّبع الناسُ هذا الكتاب فإنَّهم وقْتذاك على الطَّريق الأهدى والأقوم والأرْحم والأحْكم والأعْلى؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9].
وقال سبحانه: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].
كما أنَّه ليس للإنسان إذا أراد الحق إلَّا هذا الطريق، ولن يكُون مستقيمًا أو على صراط مستقيم إلَّا بهذا القرآن: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾[يونس: 32]. ولا يُعرض عن القرآن، ولا يَتَنَكَّب طريقه وسبيله، ولا يَجحد به إلَّا جاهلٌ؛ إذ هو العِلم الَّذي لا جَهْل
معه: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ﴾[العنكبوت: 49].
وقد نبَّهنا اللهُ في كتابه أنَّه أنزل وحيًا وكُتبًا على أُممٍ قبلَنا، وحذَّرنا أن نقع فيما وقعوا فيه مِن إثمٍ أو تقصير، أو تحريفٍ أو انحراف، أو تهاوُن أو تواطُؤ أو تباطُؤ، أو كُفر أو ضَلال، وبيَّن سبحانه لنا أنَّ كتاب الله أُنْزل ليُحَكَّم: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105].


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
وقبول تحكيم كتاب الله، ورِضانا بحكْمه، والتِزامنا به، واعتِصامنا به - هو دليلُ الإيمان، وإلَّا فهو الكُفْر والنِّفاق؛ ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].
والمسلم كذلك لا يتَّخذ قرارًا، ولا يجزم رأيًا، ولا يَعتقِد عقيدةً، ولا يُسارع إلى أمْر، ولا يَستجيب لدعْوة، ولا ينفر إلى عمل، إلَّا بعد معرفة حكْم الله، وعندئذ يحزم أمْره على
أساس أمْر الله[8].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾[الحجرات: 1]، هكذا وبكلِّ ذلك يكُون العمل بالقُرآن حياةً واقعيَّة يُبَيِّنها ذلك الكتاب، ويقوِّم منهاجها، ويُصحِّح مَسارَها، عندئذ نكون عاملين حقًّا بالقُرآن، منفِّذين فعلًا لأحكامه، مسلمين حقًّا لله.
7- الاعتِناء بمعاني القرآن الَّتي عاشها الصَّحابة عمليًّا:
إنَّ وقوف القارئ على تعامُل الصحابة مع القرآن، واعتناءَه بالمعاني والإيحاءات الَّتي حصَّلوها مِن الحياة في ظلال القرآن - يُعَرِّفه كيف تُقْبِل القلوبُ الطَّاهرةُ على القُرآن،
وتتفاعل معه، فيسْعى ليكون واحدًا مِن هؤلاء.
روى مسلم، وأبو داود، عن أنَس بن مالك رضِي الله عنْه؛ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصلِّي نحو بيت المقدس، فنزلَت: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]، فمرَّ رجُلٌ مِن بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، قد صلَّوا ركعة، فنادى: ألا إنَّ القبلة قد حُوِّلَت، فمالوا كما هم ركوعًا إلى الكعبة.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
فهذه الرواية تدلُّنا على نظرة الصَّحابة للتَّوجيهات والتَّكاليف الرَّبَّانيَّة، وعلى قلوبهم المتبوِّئة للإيمان، وهي تتفاعل معها، وعلى الاستِجابة الفوريَّة في التنفيذ والالتزام.
8- تحرير النصوص القرآنية مِن قيود الزمان والمكان:
القرآنُ كتاب الله الخالد، صالِح لكلِّ زمان ومكان، ونصوصُه تُعْطي توجيهاتٍ لكلِّ بني الإنسان، ويتفاعل معها المؤمنون، مهْما كان مُستَواهم المادِّيُّ والثَّقافي والحضاري، وفي أيَّة بقعة في هذا العالم، وفي أيَّة فترة من فترات التَّاريخ.

أَقْبَلَ الصَّحابةُ على نصوصه فعاشوا بها، ولَم يُقيِّدوها فيهم أو يقصروها عليهم، وأقبل التَّابعون عليْها فعاشوا بها، وهكذا كلُّ طائفة مِن العلماء، فعلى قارئ القرآن أن ينظُر إلى القرآن بهذا المنظار، ولا يَجوز له أن يُقيِّد النصوص بحالة من الحالات، أو فترة من الزَّمان، إلَّا ما كان مقيَّدًا، ولا أن يقصرها على شخص أو قومٍ إلَّا ما كان مقصورًا عليه.
بل عليه أن يحرِّر النصوص مِن قيود الزَّمان والمكان، والأشخاص والأقوام؛ لتُعطي دلالاتها لكلِّ النَّاس، وتُطلق إشعاعاتِها لكلِّ جيل، وتَنشُر أضواءها على العالَمين، أمَّا قصْر النصوص على حالة أو فترة، أو شخص أو بلدة أو قرن، فإنَّه سيقيِّدُها وسيفْرغها مِن معانيها وأهدافها، وتتحوَّل إلى عبارات فارغة، وكأنَّها تتحدَّث عن فترة من التَّاريخ سابقة لأمَّة من النَّاس ماضية.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif

فمثلًا: قوله تعالى عن الحاكميَّة: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾[المائدة: 44] خاصٌّ عند هؤلاء ببني إسرائيل، وهذا خطأ؛ لأنَّها تَنطبق على كلِّ إنسان أينما كان ومهْما كان، رفَض حكمَ اللهِ طائعًا مختارًا.
وقوله تعالى أيضًا: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾[المائدة: 50]، فالجاهليَّة عند هؤلاء هي الحالة الَّتي كان عليها العرب قبل الإسلام، والمستوى المتدنِّي مِن الجهل والجهالة، وعدم العِلْم والثَّقافة والحضارة، إنَّ هذا الفهم يُقزِّم الآية ويفرغها من معانيها؛ لأنَّها بهذا تتحدَّث عن أموات مضَوا في سالف الزَّمان، مع أنَّها صالحة لكلِّ زمان، فالجاهليَّة هي كلُّ حالة أو وضْع أو تشريع أو نظام أو مجتمع أو مناهج أو توجيهات، يرفُض أصحابُها الاحتِكامَ فيها إلى شرع الله، ويَقْبَلون أن يحكموا بغيره، فهذه هي الجاهليَّة في أيِّ أناس أو أي زمان، وأهلها جاهلون مهْما بلغ رقيُّهم المادِّيُّ والعِلمي والتكنولوجي والثقافي[9].
9- الشعور بأنَّ الآية موجهة له:
وعلى القارئ البصير للقرآن أن يُوقن أنَّه هو المقصود بالآية، وأنَّها تَعْنِيه هو، وتخصُّه هو، وتُخاطبه هو، وتطالبه هو، وتحدِّثه هو... فإذا قرأها فليفْتح لها أجهزة التلقِّي والاستجابة ليلتزم بما فيها من توجيهات[10].

هذه كلِمات، وهذه توجيهات، استوقفتْني كثيرًا في حياتي مع القرآن، أردتُ بها إعلاءَ الهِمَم، وتصْحيح الطَّريق، وتذْكير الغافل، بحقِّ هذا الكتاب، ليكُون الشِّعار لكلِّ قارئ: "القرآن كتابي"، وهكذا يكُون التلقِّي للقرآن.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...ad329e0871.gif
[1] ذكره ابن كثير في مقدِّمة التفسير.
[2] معالم في الطريق.
[3] جند الله ثقافة وأخلاقًا (ص 81، 82).
[4] المصدر السابق (ص 82).
[5] زاد المعاد لابن القيم (ج 1 /ص 340).
[6] تذكرة الدُّعاة للبهي الخولي (ص 307).
[7] نفس المصدر (ص 351).
[8] جند الله (71) بتصرُّف.
[9] مفاتيح للتعامل مع القرآن، د. صلاح الخالدي.
[10] مفاتيح للتعامل مع القرآن، د. صلاح الخالدي.

https://upload.3dlat.com/uploads/13636353976.gif



__________________



الساعة الآن 03:17 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009