![]() |
لا صلاح للأمَّة إلا بعلمٍ راسخ على منهاج النبوة وفقهٍ عميق بالواقع
النجــدي: لا صلاح للأمَّة إلا بعلمٍ راسخ على منهاج النبوة وفقهٍ عميق بالواقع
في زمنٍ كثرت فيه المتغيرات، وتشابكت فيه المفاهيم، وعلت فيه أصواتٌ لا تستند إلى علمٍ راسخ، تشتدّ الحاجة إلى بيان دور العلماء الربانيين، واستحضار مسؤوليتهم في حفظ الدين، وبناء الوعي الصحيح، وترشيد مسيرة الدعوة والتعليم، وفي هذا السياق، يأتي هذا الحوار مع فضيلة الشيخ: د. محمد الحمود النجدي، ليلقي الضوء على جملةٍ من القضايا الملحّة التي تمسّ واقع العلم والدعوة، وتُعالج إشكالات التصدر بغير علم، وتُبرز معالم المنهج الصحيح في التلقي والتعليم، وتوازن العالم بين فقه النص وفقه الواقع.
استبانةُ سبيل المجرمين ومن استبانة سبيل المجرمين، فهم مخطَّطاتهم وأهدافهم، والسُّبل التي يتَّخِذونها للوصُول إلى تلك الأهداف، وكيفية مواجهتها والردّ عليها، وسيرة النبيّ -[- العمليَّة، تدلُّ على أنّه كان واسع النّظر، عميق الفهم لأحوال العالم المُحيط به، فها هو ذا - صلى الله عليه وسلم - في العام الخامس منَ البعثة، يأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، بعيداً عن الجزيرة العربية بكاملها، وبعيدًا عن دولتَي فارس والروم؛ وذلك لأنّ بالحبشة ملكًا لا يُظلَم عنده أحدٌ، ولأن ثمة عَلاقة قُرْبٍ بين المسلمين والنصارى، بخلاف أهل الشّرك والأوثان. وفي الصحيحين: من حديث الصدِّيقة عائشةَ -رضي الله عنها-: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ألمْ تَرَي أنّ قومك لَمَّا بنوا الكعبة، اقْتصرُوا عن قواعد إبراهيم؟»، فقلت: يا رسول الله، ألا تردُّها على قواعد إبْراهيم؟ قال: «لولا حِدْثانُ قومِك بالكفْر، لفعلتُ»، فمراعاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لواقع قومه، منعَه مِنْ هدم الكعبة، وبنائها على قواعد إبراهيم. حَرب فارس والروم وحكى لنا القرآن الكريم حَرب فارس والروم، وموقف المسلمين منها؛ حيثُ تابعوها واهتمُّوا بها، وحزنوا أولًا لهزيمة الروم، ثم وعَدَهم الله بنَصر الرّوم على فارس؛ ففرِحوا بهذا النصر الذي هو مِن الله -عز وجل-، قال -تعالى-: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم)، وهذا من أدلِّ الدلائل، على اهتمام الصحابة -رضي الله عنهم- بواقع العالم المحيط بهم، وهكذا كان علماء السلف بعدهم على هذا الطريق.
الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فالدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، قال ابن جرير: وهو ما أنزله الله من الكتاب والسُنَّة، وبالموعظة الحسنة، كذكر الزواجر والعقاب الذي أنزله الله على الأمم الماضية، والتذكر بالجنة والنار ونحو ذلك، وتكون الدعوة بالمجادلة بالتي هي أحسن، لمن احتاج منهم إلى جدال ومناظرة، فيناظر بالوجه الحسن، برفقٍ ولينٍ وحسن خطاب، وقوله -تعالى-: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} أي: قد علم الله الشقي والسعيد، وكتبَ ذلك عنده في اللوح المحفوظ وفرغ منه، فادعهم إلى الله ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات؛ فإنه ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء. الاستعانة بوسائل التأثير وينبغي الاستعانة بوسائل التأثير، ومن أهم ذلك محاضرات المواعظ والدروس النافعة، فإذا سلكت هذه الطريقة في الدعوة فقد أحسنت، واحذر التشديد في الدعوة! لأنّ ذلك سببٌ في نفور المدعو، وقد قال -تعالى-: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} (آل عمران: 159)، فيسلك طريق اللين والصبر على المدعوين. فالمسلم إذا واتته فرصة إرْشاد الناس إلى الخير، وتعليمهم ممّا علّمه الله -تعالى-، لا يفوت هذه الفرصة بعقباتٍ عارضة، فالحافظ لكتاب الله -تعالى- يشتغل بتحفيظ غيره، والدارس إذا لمْ ينته من أبواب الفقه كلّها، بل درس فقط كتاب العبادات، اكتفى بتعليم أبواب العبادات للناس دون غيرها، وهكذا كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن عبداللَّهِ بنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وعَن مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: «ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا». بابٌ عظيم من أبواب الخير فالتعليم بابٌ عظيم من أبواب الخير، فلا يؤجله الطالب إلى غد، إذا فتح له بابه اليوم، فقد تعترضه عوائق غداً، فيفوته ما وعد الله به معلم الخير من عظيم الأجر ودوامه، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»، وعَنْه أيضا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». الوسائل المتاحة لإيصال الدعوة والوسائل المتاحة لإيصال الكلمة الهادفة إلى الآخرين كثيرة، فمنها: 1- المشافهة المباشرة مع الناس. 2- ومنها: المشافهة غير المباشرة، كالدعوة عن طريق الأجهزة المسموعة والمرئية، وهذه الوسيلة أكثر انتشارًا من الأولى في الوقت الحالي. 3- ومنها الكتابة، وهي الكلمة المقروءة، عن طريق التأليف للكتب والرسائل، والصحف والمجلاَّت، وهذه الوسيلة تكمل الوسيلتين الأوليين، لأنّها تبقى عند المدعوين، ويقرؤنها مرة بعد أخرى. طالب العلم يجمع بين العلم والعمل والإصلاح قال الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله تعالى-: طالبُ العلم يجمع بين العلم والدعوة، وبين العمل والإصلاح والنصيحة، فلا يقف عند حدٍّ دون آخر، بل يسير في ذلك كلِّه على قدر طاقته، دون أن يُشغله شيء عن واجبٍ عليه. فهو طالبُ علمٍ، وداعيةٌ إلى الله، وناصحٌ، ومعلّم، ومصلحٌ بين الناس، له آثارٌ طيبةٌ حيثما حلّ، وينبغي لطالب العلم - ولا سيما في كليات الشريعة وأصول الدين، أو في حلقات المشايخ - أن تكون له همّةٌ عالية، فلا يقتصر على جانبٍ دون آخر، بل يجتهد في كلِّ خيرٍ بحسب علمه وقدرته، فيكون مع المصلحين، ومع الدعاة، ومع المعلّمين، ومع الناصحين، ومع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهكذا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يُقبلون على كل ما ينفع الناس، ولا يتأخرون عن بابٍ فيه خير. اعداد: وائل رمضان |
| الساعة الآن 07:42 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي