![]() |
سلسلة المكر في القرآن
سلسة المكر في القرآن (1) المكر سُنَّة جارية محمد فقهاء الحمدُ لله ربِّ العالَمين القوي العزيز، له العِزَّة جميعًا، وله المكْر جميعًا، الحمدُ لله الذي أعزَّ المؤمنين، وقصَم ظهورَ الظالمين المعتدين، وصلَّى الله على رسوله الأمين الهادي البشير، والسِّراج المنير، وعلى آلِه وصحْبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يومِ الدِّين. إنَّنا نعيش في هذا الزمانِ في عالَم يمتلأ خطرًا وحقدًا مِن بني البشَر بسبب الصِّراع الدائر فيما بينهم، خصوصًا ضدَّ المسلمين مِن قِبل أعداء الإسلام، على شتَّى المجالات وعلى كافَّة الصُّعُد، وهذا العداء ليس جديدًا، فهو منذُ بعثة الرسول العظيم وجهْره بهذا الدِّين العظيم، بدأ الصِّراع الدموي والفِكري والمادي وغيره من الصِّراعات، وهذا الصِّراع بدأ منذ ذلك الوقت، وسيبقَى إلى يومِ القيامة حتى يرِث الله الأرض ومَن عليها، سيبقَى الصِّراع والحِقد مستمرًّا مِن قبل أعداء الأمَّة على الإسلام العظيم، وعلى مَن يرفعون لواءَ هذا الإسلام. وسيبقَى الأعداءُ يُخطِّطون ويمكُرون لصدِّ المسلمين بكلِّ ما أوتوا مِن قوَّة وستبقَى حقيقة المكر متأصِّلة في نفوسهم ضدَّ الإسلام، فمكر الكافرين بالمسلمين عظيم وواضِح، فهي أيَةٌ ظاهرة يقودها الباطِل ضدَّ الحق، يجتمع فيها أصنافُ الباطل ويتعاونون للقضاء على الإسلام، ففي هذه الأيام تشتدُّ هجمتهم على الإسلام، ويتجدَّد مكرُهم، وتتوحَّد قُوى الكُفر لضرْب المسلمين؛ لهذا لا عجب بأنَّنا نرى هذه الظاهرة بأعيننا في هذا الزمان، ولن نستغربَ إنِ استمرَّتْ فهي ظاهرةٌ باقية ما بقِي هناك كُفر وإيمان؛ لهذا موضوع المكر يُعدُّ من المواضيع التي تدور بها حلقاتُ الصِّراع في العالَم، وهو تحد خطير تواجِهه الأمَّة المسلمة رافعةً لواء الإسلام العظيم، يَكيدون لها ضدَّ عقيدتها وفِكْرها وأخلاقها ولُغتها وكافَّة سُبل حياتها. لهذا على الأمَّة الإسلاميَّة أن تكون أكثرَ وعيًا، وما تواجِهه من قُوى الكفر؛ لتكونَ على حذر بما تواجِهه ولتزيل كلِّ المخطَّطات التي تحاك ضدَّها ولتفشل كل مخططات وتدابير أعدائها. وبما أنَّ القرآن الكريم حي في كلِّ زمان ومكان، فقد حذَّر الأمَّة الإسلامية ونبَّهها من مكر أعدائها مبكرًا في العهد المكي؛ مِن أجل الحذَر، وللاستعداد لما ستتلقَّاه من أعدائها؛ لتكونَ على يقظة وحذر ليس فقط في ذلك الزمان وإنَّما على مدار التاريخ؛ لأنَّ القرآن هو المعجزةُ الباقية والكِتاب الخالِد، ومَن يقرأ القرآنَ يعْلَم كيف أخَذ القرآن ينبِّه الفِئة المؤمِنة مِن هذه الظاهِرة وحذَّرهم من مكْر الماكرين وبيَّن لنا صِفاتِ الماكرين، وما هي أساليبهم، وكيف لنا أن نتعامَل مع هذه الظاهِرة ومع أصحابها. نسأل الله تعالى أن يَعصمَنا من كَيد الأعداء، وأن يردَّ كيدَهم في نحورِهم ويجعَل تدبيرَهم تدميرًا عليهم، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسَّلام على الأنبياء أجْمَعين. |
سلسة المكر في القرآن (2) المكر سُنَّة جارية المكر عند أهل اللغة • قال الرَّاغب: المكر: صرف الغير عمَّا يقصده بِحِيلة، وذلك ضربان: 1 - مكر مَحمود: وذلك أن يتحرَّى بذلك فعلاً جميلاً، وعلى ذلك قال: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 54]. 2 - مكرٌ مذموم: وهو أن يُتحرَّى به فعل قبيح، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ [فاطر: 43]. وقال في الأمرين: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا ﴾ [النمل: 50][1]. • وابن فارس قال: المكر هو: الاحتيالُ والخِداع[2]. • أما ابن منظور فقال: المكر هو احتيال في خُفْية، كما قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: 50]؛ أيْ: إنَّه مَكْر غير ظاهر للممكور به[3]. • أمَّا في "المعجم الوسيط" فـ: المكر هو الخداعُ وأن تَصْرِف غيرك عن مقصده بحيلة[4]. • وقال الدامغانيُّ في "قاموس القرآن": جاءت على خمسة أوجه: تكذيب الأنبياء، فعل الشِّرك، القول، إرادة القتل، الحيلة. فوَجْه منها: المكر: تكذيب الأنبياء، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ﴾ [الأنعام: 123] يعني: يكذِّبوا الأنبياء، ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الأنعام: 123]؛ أيْ: عقوبة ذلك تعود عليهم. الثاني: المَكْر فِعْل الشِّرك، ومنه قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ [فاطر: 10]؛ يَعني يُشركون بالله تعالى. الثالث: المكر: القول، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ [يوسف: 31]، نظيرها في سورة سبأ: ﴿ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ﴾ [سبأ: 33]. الرابع: المكر: إرادة القتل، ومنه قوله تعالى في سورة غافر: ﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ﴾ [غافر: 45]؛ أيْ: ما أرادوا، كقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [الأنفال: 30]؛ أيْ: يهمُّون بقتلك، وقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾ [الأنفال: 30]؛ يعني يريدون قتْلَك، ويعصمك الله، مثلها في سورة النحل: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا ﴾ [النمل: 50] يعني أرادوا قتْلَ صالِح، ونَجَّيناه، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 54]؛ أيْ: أرادوا قتْلَ عيسى - عليه السَّلام - (ورفعه الله). الخامس: المكر: الحيلة، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ [الأعراف: 123]؛ يعني: حيلة احتَلْتُم أنتم وموسى - عليه السَّلام[5]. • وبعد هذه الجولةِ في قواميس اللُّغة، نجد أنَّ معنى المكر متقاربٌ عند أهل اللُّغة؛ فالاحتيال والخداع معناهُما مُتقارب، وذكَر أهْلُ اللغة أنَّ المكر بالمعنى السيِّئ والسلبِي هو الأكثر ورودًا عند أهل اللُّغة؛ لأنَّه هو الأكثر استعمالاً، أمَّا استعماله من الناحية الإيجابية والجيِّدة فغير شائع في الاستخدام اللُّغوي، وبالنظر في المعاني اللغوية للمكر؛ فإنَّنا نستنتج التالي: 1 - أن المؤمنين لَم يوصفوا بصفة المكر؛ لأنَّ هذه الصِّفة ليست من صفات المؤمنين. 2 - وأن أكثر استعمال القرآن للمكر كان على جهة الذمِّ، وليس على جهة المدح. 3 - وأنه مع أن المؤمنين لم يوصفوا بالمكر، إلاَّ أنه يجوز لهم أن يستخدموا المكرَ لصدِّ عدوهم؛ من أجْلِ حماية أنفسهم. 4 - وأنه يوجد فرقٌ بين مكر الله ومكر الأعداء؛ وذلك لأنَّ مكر الأعداء هو الاحتيال، ومكر الله هو ردٌّ للمكر بِخِذلانهم واستدراجهم، ثم إيقاعهم في الهلكة وهم لا يشعرون. 5 - وأنَّ مكر الله هو جزاءٌ لِما يقوم به الماكرون. 6 - وأنه ورد عن النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال في الدعاء: ((رَبِّ امْكُر لي، ولا تَمكر عليَّ))؛ صحيحٌ، رواه ابن ماجه، ومثل هذا لَم يَرِد في كتاب الله حيث إنَّ تعدِّي فعل المكر باللام يدلُّ على تدبيرٍ خفي حسَن، وتعدِّيه بحرف الجرِّ "على" يدلُّ على تدبيرٍ خفي سيِّئ. 7 - وأخيرًا نستنتج أنَّه يوجد فرقٌ بين المكر والخداع والكيد في استعمال القرآن الكريم. [1] "المفردات في غريب القرآن"، الأصفهاني، صفحة 473، المكتبة التوفيقيَّة. [2] "معجم مقاييس اللغة"، ابن فارس، 5 / 245، دار الفكر، 1399 هـ - 1979 م. [3] "لسان العرب"، ابن منظور، دار صادر بيروت، الطبعة الأولى. [4] "المعجم الوسيط"، دار الدعوة، إبراهيم مصطفى، وآخرون. [5] "قاموس القرآن"، إصلاح الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 439، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان. |
سلسة المكر في القرآن (3) محمد فقهاء المكر صفة للمجرمين وسمة واضحة لأفعالهم لقد اقتضَتْ حكمة الله تعالى أنْ جعل في هذه الدُّنيا خيرًا وشرًّا، وحقًّا وباطلاً، ولا رادَّ لحِكمته، وجعل في كلِّ زمان ومكان أناسًا يعيثون في الأرض الفساد، وينشرون الرذيلة، ويُحاربون الفضيلة، وابتلى بعض الناس ببعض؛ ليمحص الله عباده: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الأنعام: 123]. والمكرُ هو التدبير الخفيُّ الذي يقوم به أصحابه؛ لكي يمرِّروا ما خطَّطوا له من إيقاع الأذى بأهل الحقِّ، وهؤلاء الصِّنف من الناس عبَّر عنهم القرآن الكريم بلفْظِ الملأ، والمَلأُ هم أشراف القوم وقادتهم، ورؤساؤهم وساداتهم[1]، وهم البارزون في مُجتمعهم، وهم أصحاب نفوذِ مُجتمعهم، والناس يَضعونهم موضع الأشراف والسَّادة، وهم الذين استحقُّوا قيادة المجتمع حسب مفهوم المجتمع الذين يعيشون فيه، وإطلاق كلمة "الملأ" في القرآن جاء لبيان الواقع، وليس لبيان الحقيقة، أو لأنَّهم يستحقُّون هذه المنزلة وهي منزلة الرِّياسة والقيادة[2]. قال ابن الجوزي: وإنما جُعل الأكابر فُسَّاقَ كلِّ قرية؛ لأنَّهم أقرَبُ إلى الكفر بما أُعطوا من الرِّياسة والسَّعة[3]، فهؤلاء المجرمون يحبُّون التسلُّط على رقاب العباد، ويعارضون كلَّ دعوة تؤدِّي إلى سَلْبِهم مكانتَهم وجاههم، وتزيل سلطانهم على رقاب العباد. ولذا يُحاول أهل الباطل في كلِّ مكان وزمان أن يُعادوا ويقاوموا كلَّ دعوةِ حقٍّ، ويرفضون ما يَسلب ملكهم ويبدِّد حكمهم، بل يحرِّضون الناس على الدعوة، كما قال في قصَّة نوح - عليه السَّلام -: ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ﴾ [المؤمنون: 24]، فهم بِدَورهم - من أجل الحفاظ على مكانتهم - يحرِّضون الناس على نَبْذِ الدعوة والرسولِ نوح، حرَّضوا قومه عليه، وقالوا لهم: إنَّ نوحًا يريد أن يتفضل عليكم؛ من أجل صرف الناس عن نوح؛ لتبقى سيطرتُهم عليهم. وهذا مثالٌ من الرسل السابقين، أمَّا ما حصل مع خاتم الأنبياء والمرسلين ما فقد قصَّه الله عن الملأ من قريش: ﴿ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ [ص: 6]، هذا بعض ما قالَهُ الملأُ من قريش، ومعناه كما جاء في "تفسير القرطبي": ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ [ص: 6] كلمة تحذير؛ أيْ: إنَّما يريد محمدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بما يقول الانقيادَ له؛ ليعلو علينا، ونكون له أتباعًا، فيتحكَّم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه"[4]. وهذه الآية بيانٌ بأنَّ في كلِّ بلد مجرمين من الأكابر والعظماء؛ للفساد في الأرض، وهذه صفةٌ للمجرمين، وبيانٌ لديدنهم وأسلوبهم، وهذه الآية نزلت والرسول في مكَّة؛ لتبين لِحمَلة الدَّعوة أن هذا المكر هو صفةٌ للمجرمين، وفي هذا تسليةٌ لهم بما سيُلاقونه؛ ليكونوا على استعداد؛ لأنَّ مكة مرَّت بظروفٍ وأحوال صعبة على المسلمين؛ لأنَّ أكابر مكة كادوا للمسلمين بكلِّ الطُّرق والوسائل، كما هو اليوم، سواء كان كيدًا ماديًّا أم إعلاميًّا، ومن ترويج بأن الإسلام دين إجرام وقتل، وأن المسلمين أناس همَج ورعاع وقتَلة، وأنَّهم ظلَمة، وأن نساءهم مضطهَدات! قال ابن كثير بأنَّ المكر المقصود في هذه الآية هو دعوتهم إلى الضلالة من خلال زَخْرفة قولهم وأفعالهم[5]، وخصَّ القرآنُ ذِكْر الأكابر؛ لأنَّهم هم أهل الحَلِّ والعقد، وبيدهم زمام الأمور ولأنَّهم أقدر الناس على الفساد والصدِّ؛ بحكم موقعهم ومنزلتهم في قوتهم[6]. إنَّ استعلاء هؤلاء الملأ على مجتمعهم، وتسلُّم زمام الأمور لَهُو أمر غريب، وقد قدَّم المفعول الثاني لـ{جعل} كذلك ليس بأن؛ هذا الأمر عجيب؛ لأنهم ليسوا بأهلٍ للسُّؤدد، قال ابن عاشور: "وقدَّم المفعول الثّاني للاهتمام به؛ لغرابة شأنه؛ لأنَّ مصيرَ المجرمين أكابر وسادة أمر عجيب؛ إذ ليسوا بأهل للسؤدد"[7]. ومن الأمور العجيبة في الآية المذكورة سابقًا: ﴿ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ﴾ [الأنعام: 123]، فوصَف هؤلاء الأكابر بأنَّهم مجرمون وماكرون، ومعلومٌ أنَّ الجُرم هو الذَّنب، وفعلة الإجرام - وهي صفة أهل الشرِّ من المجرمين والماكرين - صفةٌ للمجرمين. قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 117 - 123] . لقد جاء الأمر الإلهيُّ إلى موسى - عليه السَّلام - لِيُلقي عصاه، فإذا هي حيَّة تسعى، تأكل كلَّ ما كانوا به يأفكون من الكذب والتمويه، وظهر الحقُّ، وتبيَّن في ذلك الموقف، وبطل سحرهم وظهر، وصاروا حقيرين في ذلك الموقف؛ لأنَّ باطلهم الذي كانوا يفتخرون به قد زال، وسحرهم الذي عملوه قد تلاشى، ولم يحصل لهم مقصودهم الذي أرادوه وجمعوا أمرهم عليه. ومن ثَمَّ لما عرف أولئك السحرة أن هذا الذي حصل ليس سحرًا أو أمرًا طبيعيًّا؛ لكونهم على معرفةٍ بالسِّحر وطرقه، فهم يعرفون ما لا يعرفه غيرهم، وعرفوا أنَّ الذي حصل آيةٌ من آيات الله، وليس من عمل موسى؛ لهذا ما كان لهم إلاَّ أن يُعلِنوا إيمانَهم. لكن الشاهد في هذه الآيات أنَّ المؤمنين هنا وصفوا بالمكر، والمكر صفة ليست للمؤمنين، وإنَّما للكافرين، وكل وصف ذُكِر فيه المكر كان صفة للمجرمين إلاَّ في هذا الموضع فقط، فبعد أن جمع فرعون الطاغيةُ السَّحرةَ، وحشد كلَّ ما لديه، وحشر الناس أمامهم، كانت النتيجة عكس ما يريد، وانقلب السِّحر على الساحر كما يُقال، وقضى الله أمرًا كان مفعولاً، فكان السَّحرة كما قال قتادة: كانوا في أول النهار كفَّارًا سحرة، وفي آخره شُهَداء برَرة[8]. ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 123]، فقول فرعون هنا يحتمل أن يكون ما قاله موافقًا لظنِّه على سبيل التهمة لهم، فهو قالها موبِّخًا إياهم، كما يحتمل أن يكون قالها تمويهًا وبهتانًا؛ من أجل صرف الناس عن اتِّباع السحرة لها[9]. وبهذا يظهر التلفيق والتزوير والكذب على حقيقته أمام العامَّة، وظهر الحق جليًّا، أمَّا فرعون فقال هذا ليرد كرامته التي سُلِبت منه في هذا المشهد، فصار يكلِّم في الناس، ويُنادي بأنَّ هؤلاء متَّفقون مع موسى، وأن هذا دبَّروه في السِّر، وادَّعى للناس بأنَّهم مستهدفون من هذا المكر، وأن موسى ومن معه من السحرة سوف يُخرجونَهم من مدينتهم، وأخذ يهدِّد ويتوعد. قال سيد: إنَّه الفزَع على العرش المهدَّد، والسلطان المهزوز: ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ [الأعراف: 123]، وفي نصٍّ آخَر: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ﴾ [طه: 71]، والمسألة واضحة المعالم، إنَّها دعوة موسى إلى "ربِّ العالمين"، هي التي تزعج وتخيف، إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطَّواغيت مع الدعوة إلى ربِّ العالَمين، وهم إنَّما يقوم ملكهم على تنحية ربوبيَّة الله للبشر بتنحية شريعته، وإقامة أنفسهم أربابًا من دون الله يشرعون للناس ما يشاؤون، ويعبِّدون الناس لما يشرِّعون! إنهما منهجان لا يجتمعان، أو هما دينان لا يجتمعان، أو هما رَبَّان لا يجتمعان، وفرعون كان يعرف، وملَؤُه كانوا يعرفون، ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى ربِّ العالمين، فأولى أن يفزعوا الآن وقد أُلقي السَّحرة ساجدين، ﴿ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ [الأعراف: 121 - 122]، والسَّحَرة من كهنة الديانة الوثنيَّة التي تؤلِّه فرعون، وتمكِّنه من رقاب الناس باسْم الدِّين[10]! أراد فرعون أن يقلب الحدث على موسى ومن آمن معه، ويقلب الحدث لصالحه، ويجمع الناس حوله، وأخذ ينادي: ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الزخرف: 51]، نادى بعد أن رأى الآيات الباهرة، فخاف أن يؤمنوا، وقال مفتخرًا متبجِّحًا: أليست بلاد مصر الواسعة الشاسعة ملكًا لي، وهذه الأنهار تجري من تحت قصوري؟! قال قتادة: كانت جنَّاتها وأنهارها تجري من تحت قصره[11]. ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ [الزخرف: 52]، مشيرًا إلى قلَّة موسى وذلَّته، وفي هذا إغراءٌ لهم بِمُلكه؛ فموسى لا ملك ولا مال، ولا جاه له ولا سلطان. ومنَ اللاَّفت للنظر أنَّ هذه السُّنة جارية في كلِّ طاغية وكلِّ ظالِم قديمًا وحديثًا، وفي عصرنا هذا ليس ببعيدٍ؛ فطُغاة هذا الزمان سلكوا مسلك سلَفِهم السابقين، فهم يتَّهمون أهل الحق بأنهم مخادعون، وأنَّهم لا يريدون إلا الوصول للحكم، وأنَّهم يُريدون السيطرة على الناس، ويروِّجون بين العامَّة بأن المسلمين إرهابيُّون! مما يسهِّل لهم بعْدُ شَحْذ الرأي العامِّ؛ للسيطرة على الشعوب، والقتل وسفك الدِّماء، وإقامة المَحاكم، وإصدار القرارات الظالمة بحقِّهم، كما وعد فرعون السابق أولئك الذين آمنوا: ﴿ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الأعراف: 124]. قال سيِّد: إنه التعذيب والتشويه والتنكيل، وسيلةُ الطَّواغيت في مواجهة الحقِّ، الذي لا يملكون دفْعَه بالحُجَّة والبرهان، وعدة الباطل في وجه الحقِّ الصريح[12]، إلا أنَّه مع كل هذا الوعيد بعد أن يرتفع الإيمان بالقلوب، وتنتصر العقيدة على الحياة، فلا ترضخ لتهديد الطُّغاة؛ فلقد تحرَّرت تلك القلوب، ورفضت الذُّل وحب البقاء[13]، فهؤلاء استعلَتْ قلوبهم بالإيمان، ولهذا خرجَت من أفواههم كلمات هي كالعبير: ﴿ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ﴾ [الأعراف: 125]. قال سيد: إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع، كما أنَّه لا يخضع ولا يخنع، الإيمان الذي يطمئنُّ إلى النهاية فيَرضاها، ويستيقن من الرجعة إلى ربِّه، فيطمئن إلى جواره[14]. ثم جاء طلب المدَد والعون من الله: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ [الأعراف: 126]، فهُم لا يطلبون السَّلامة من عدوِّهم، وإنما طلبوا من ربِّهم الصَّبر على الفتنة، وأن يختم لهم على الإسلام[15]، فهم يَعْلمون طبيعة المرحلة، وطبيعة المعركة؛ فهي معركةُ عقيدةٍ، فإمَّا كفر وإما إيمان، فالمعركة بين المؤمن وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة، وليست شيئًا آخر على الإطلاق، وأنَّ خصومهم لا ينقمون منهم إلاَّ الإيمان، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة، وأنَّها قضيَّة عقيدة، معركة عقيدة[16]. [1] "تفسير القرطبي"، ج 3، ص 234، "ابن كثير"، ج3 ص 223. [2] انظر: "أصول الدعوة"، د. عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، ص 380. [3] "زاد المسير" ج 3، ص 117. [4] "تفسير القرطبي" ج 15، ص 151 - 152. [5] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج 2، ص 172، بتصرف. [6] انظر: "الجامع لأحكام القرآن"، محمد القرطبي، ج 7، ص 79. [7] "التحرير والتنوير"، ابن عاشور، ج 8، ص 48. [8] "البحر المحيط" 4/ 364. [9] ابن عاشور، "التحرير والتنوير"، ج 9، ص 54، بتصرف. [10] "الظِّلال"، سيد قطب، ج 3، ص 1351. [11] "البحر المحيط" 8/ 22 [12] "الظلال"، سيد قطب، ج 3، ص 1351. [13] بتصرف، "معالم في الطريق"، سيد قطب، ص 179. [14] "الظلال"، سيد قطب، ج 3، ص 1351. [15] سيد قطب، "الظلال"، ج 3، ص 1351، بتصرف. [16] انظر: "معالم في الطريق"، سيد قطب، ص 191. |
سلسلة المكر في القرآن (5) المكر بآيات الله محمد فقهاء هذا نوعٌ مِن أنواع المكر التي تصدُر عن الكفَّار والمشركين، وهي المكرُ بآيات الله؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ [يونس: 21]. فهذا حالُ الناس في النِّعمة بعدَ المرض، والغِنى بعد الفقر، والأُنس بعد الوحشة، والأمن بعدَ الخوف، لا يَتذكَّرون ما أصابَهم في الماضي؛ ليشكروا الله على الرَّخاء والرَّحمة، بل يفعلون العكسَ تمامًا، يزدادون مكرًا وطغيانًا، ويَسعَون بمكرِهم مِن أجل إبطالِ آيات الله، وإبطال الحقِّ، وإطْفاء نور الله؛ قال القرطبي: "وإذا رَزَقْنا المشركين بالله فرجًا بعد كَرْب، ورخاءً بعدَ شدَّة أصابتهم، إذا لهم استهزاءٌ وتكذيب بآيات الله"[1]، وإنَّ المقصود بالكفَّار هم كفار مكة، فذَكَر أنَّ الله سلَّط عليهم الجدْبَ والقحط حتى خافوا الهلاك، فجاؤوا إلى سيِّدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليدعو لهم وقدْ وعَدوه بالإيمان، فلمَّا رحمهم الله رجَعوا إلى كُفرهم وعِنادِهم ومكرِهم بآيات الله[2]. قال ابنُ عاشور في تفسير هذه الآية: "ومعنى مكرِهم في الآيات أنَّهم يَمكُرون مكرًا يتعلَّق بها؛ وذلك أنهم يُوهِمون أنَّ آياتِ الله غيرُ دالَّة على صِدق الرسول محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وزَعموا أنَّه لو أُنزلتْ عليهم آية أُخرى لآمَنوا، وهم كاذبون في ذلك، إنَّما يكذبون عنادًا ومكابرةً وحفاظًا على دِينهم في الشِّرْك"[3]. ﴿ قَلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾ فكَما هو معلومٌ ومعروفٌ للكلِّ أنَّ المكر السيِّئ لا يَحيق إلا بأهلِه، وأنَّ مَكرَهم مَردودٌ عليهم، ومقصودهم منعكس عليهم، بل إنَّ عقوبةَ الله أسرعُ مِن مكرهم. ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ قال سيِّد قطب: "فلا شيءَ منه يخفَى ولا شيءَ منه ينسَى"[4]، ثم أعقبَ الله سبحانه هذه بقوله: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ ﴾ ليدلَّ على القُدرة الإلهيَّة العجيبة المتَّصفة بالدقَّة، وبأنَّ الأمور تقَع في مقدورِ الله وحْده، وهذا يردُّ على مَن يفسرون الأمورَ بأنَّها حوادثُ طبيعيَّة، وبأنَّ ما يحصُل ويقَع هو مِن تفكير البشَر ومِن ذكائهم، وأنَّ ما يحدُث مِن زلازل وبراكين وأعاصير، هذا مِن الطبيعة وغضبها، واختلافات الأحوال الجويَّة، وأنَّ ما يحصُل مِن أمراض وأوجاع لم تكُن في أسلافِنا ولم تقعْ على أحدٍ مِن قبل، قالوا: أخطاء وبسببِ تأثيرات فيروسيَّة! وما عَلِموا أنَّ الله هو الذي يُسيِّركم في البرِّ والبحر، وبهذا تطور المكر عما كان عليه قديمًا، فالآن يَمكُرون في آياتِ الله وكتابه بوسائلَ لم تكُن متاحةً للماكرين السابقين مِن أسلافهم، قال المبشِّر تاكلي: يجب أن نَستخدِم القرآن، وهو أمْضَى سلاح في الإسلام ضدَّ الإسلام نفْسِه، حتى نَقضي عليه تمامًا، يجب أن نبيِّن للمسلمين أنَّ الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأنَّ الجديدَ فيه ليس صحيحًا[5]، فما يقوم به المبشِّرون (المنصِّرون)، والمستشرقون وما يقوم به مِن حملات التغريب اليومَ ما هي إلا إكمال لتلك السِّلسة الماكِرة على الإسلام وآياته؛ لأنَّهم يُدرِكون تمامًا أنَّ هذا الكتاب هو سرُّ قوَّة المسلمين، قال غلادستون: ما دام هذا القرآن موجودًا، فلن تَستطيع أوروبا السيطرةَ على الشَّرْق، ولا أنْ تكونَ هي نفسها في آمانٍ كما رأينا[6]، فهُم يعلمون تمامًا أنَّ القرآن وآياته هي سرُّ تمكُّن المسلمين؛ ولهذا يَمكُرون بآياتِ الله تعالى وستبقَى هذه الحَمْلة، لكن الله أسرعُ مكرًا. [1] جامع البيان، الطبري، ج 11، ص 99. [2] انظر الظلال، ج 3، ص 1773. [3] التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 11، ص 133. [4] "الظلال"، سيِّد قطب، (3/ 1773). [5] "قادة الغرَب يقولون: دمِّروا الإسلام أَبيدوا أهلَه"؛ عبدالسلام يوسف (جلال العلم)، دار السلام، (ص: 47). [6] المصدر السابق. |
سلسلة المكر في القرآن (6) محمد فقهاء المكر إفساد في الأرض لَمَّا كان المكرُ هو الخداعَ واستخدام الاحتيال الخفي ضدَّ الحقِّ وحمَلَة الوحي على مرِّ التاريخ، نبَّه القرآنُ الكريم على أنَّ المكرَ هو حقيقةُ الماكرين، وسِمةٌ لأفعالهم، ونبَّه على أنَّ المكرَ هو الأسلوب الذي استخدَمه المجرِمون ضدَّ الدعوات وضدَّ الحق، وضدَّ منهج الله، وضدَّ المسلمين والإسلام؛ لصدِّ الناس عن هذا الدِّين، وهذا المكر لو أنَّه نجَح وتمكَّن المجرِمون مِن النجاح به، لفسدتِ الأرض؛ لأنَّ الأرضَ لا تصلُح إلا بمنهج الله، وقد ذَكَر الله لو أنَّ هؤلاء تمكَّنوا ولو أنَّ مكرهم نفَذ لفسدتِ الأرض؛ قال تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ [إبراهيم: 46]، فهؤلاء المكذبون مكَروا مكرًا كبيرًا، لكنَّ الله أحاط بما يسرُّون، ونبَّهتِ الآية على أنَّ مكرَهم لو أنَّه نفذ لزالتْ منه الجبالُ الراسياتُ مِن شِدَّة مكرِهم، قال سيِّد: "إنَّ الله محيطٌ بهم وبمكرِهم، وإنْ كان مكرُهم مِنَ القوَّة والتأثير حتى ليؤدِّي إلى زوالِ الجبال، أثْقَلِ وأصْلَبِ شيء، وأبعد عن تصوُّر التحرُّك والزوال، فإنَّ مكرَهم هذا ليس مجهولاً، وليس خافيًا، وليس بعيدًا عن متناولِ القُدرة، بل إنَّه لحاضرٌ عندَ الله يفعل به كيفما يشاء"[1]، وهذه الآية تُقرأ على وجهين: بالكَسْر؛ أي: بكسر اللام، وبفتح اللام، وكلٌّ منهما له معنى، ففي الفتْح يدلُّ على أنَّ مكرَهم بلغ مِن القوَّة بحيث لو نفَذ لزالتْ منه الجبال، وبالكسر يدلُّ على أنَّ مكرَهم ما كانت الجبال زائلةً منه، وهذا على سبيلِ الاستهزاء بهم؛ ليقول لهم: إنَّ مكركم لن يتجاوز مكرَ سلَفِكم وما هو بالذي تزولُ منه الجبال[2]. فمهما كان مَكرُهم مدبَّرًا ومخططًا له بإحكامٍ، إلاَّ أنَّ الله يُبطله؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ [فاطر: 10]، فالآيةُ تعبِّر عن أنَّ هؤلاء دبَّروا بإحكام؛ أي: إنَّ هؤلاء يدبِّرون، ووعَدهم الله بالعذاب الشديد وبأنَّ مكرَهم وتدبيرهم يبور فلا يَحيا ولا يُثمر[3]، وأنَّه ﴿ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ [فاطر: 43]، وهذه الحَملة قديمة حديثة مِن خلال تَزيينهم الباطل للعامَّة، وتحسين صورتِه للناس، وهذا ما نطَق به باكتول عندما قال: إنَّ المسلمين يُمكِنهم أن يَنشُروا حضارتَهم في العالم الآن بنَفْس السرعة التي نَشُروها سابقًا، بشرط أنْ يَرجِعوا إلى الأخلاقِ التي كانوا عليها حين قاموا بدَورِهم الأوَّل؛ لأنَّ هذا العالم الخاوي لا يَستطيع الصمودَ أمامَ رُوحِ حضارتِهم[4]! فهُم يعلمون أنَّ صلاح الأرض وعمارتها لا تكون إلاَّ بأُناس يحملون قِيَمًا وأخلاقًا لتمكنهم مِن التغيير، وإلاَّ فالفساد مُنتشرٌ لا محالة، فسلوكُ البشَر مرتبط بعقيدتهم، وأي فساد سيكون في العَقيدةِ، سيكون هناك فسادٌ في السلوك والأخلاق، وهذا هو الذي يُفسِد الأرض؛ ﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر: 43]. والمكر السيِّئ هو الخداعُ الذي يَرمونه برسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والكَيد له[5]، إلاَّ أنَّ المكرَ السيِّئ الذي دبَّروه راجِعٌ عليهم؛ {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]. [1] "الظلال"، (4/ 2113). [2] انظر: "التحرير والتنوير"، ابن عاشور (13/250). [3] انظر: "الظلال" (5/2931). [4] "قادة الغرْب يقولون: دمِّروا الإسلام أَبيدوا أهله"، جلال العالم (ص: 48). [5] البحر المحيط ، ج 7 ، ص 319 . |
| الساعة الآن 06:56 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي