| ابو الوليد المسلم |
07-06-2026 11:43 AM |
الدلالة الصرفية لـ«المحيض» وطبيعة الاعتزال بين الزوجين
الدلالة الصرفية لـ«المحيض» وطبيعة الاعتزال بين الزوجين
د. رمضان فوزي
اتفق علماء الصرف على أن صيغة «مَفعِل» بكسر العين مشتركة بين المصدر واسم الزمان واسم المكان، وبناءً على ذلك، يمكن لكلمة «المحيض» أن تكون مصدراً أو اسم مكان أو اسم زمان، والسياق هو الذي يحدد المراد بها.
يشرح ابن عادل الحنبلي هذه القاعدة بقوله: «الْمَحِيضِ: فعل من الحيضِ، ويُرادُ به المصدرُ، والزمانُ، والمكانُ، تقولُ: حاضِت المرأَةُ تحيضُ، حَيضًا ومَحِيضًا، ومَحاضًا؛ فَبَنَوْه على مَفْعلٍ ومَفْعَل بالكَسرِ والفتحِ» (اللباب في علوم الكتاب، 1/ 717).
وقد ذكر علماء الصرف ثلاثة مذاهب بخصوص «مَفْعِل» من الفعل المكسور العين «يَفْعِل»: الأول أن تفتح عينُه للمصدر وتُكسَر للزمان والمكان، والثاني التخيير بين الفتح والكسر في المصدر خاصة كما جاء في «المَحيضُ والمحَاضُ»، والثالث الاقتصار على السماع. (ينظر: اللباب في علوم الكتاب، 1/ 717).
خلاف العلماء في دلالة «المحيض» في آية اعتزال النساء
تكررت كلمة «المحيض» في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النّسَاء فِي الْمَحِيضِ) (البقرة: 222)، وقد تناول العلماء الكلمة الأولى والثانية في الآية باختلاف في الدلالة.
دلالة «المحيض» الأولى (المسؤول عنها)
أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن المراد بـ«المحيض» في الجملة الأول من الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) هو المصدر؛ أي: عن الحيض، وبه فسره الزمخشري، وابن عطية، ومثله المقيل من: قال يقيل. (البحر المحيط، 2/ 421).
كما روي عن ابن المسيب القول بأن المحيض مصدر، بينما قال ابن عباس، ومحمد بن الحسن: هو موضع الدم، أي اسم مكان. (البحر المحيط، 2/ 421).
دلالة «المحيض» الثانية (موضع الاعتزال)
لكن العلماء اختلفوا في دلالة «المحيض» في الموضع الثاني من الآية وهي قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النّسَاء فِي الْمَحِيضِ) على ثلاثة آراء:
- الأول: القول بأنه المصدر (أي الحيض): يفهم من كلام سيبويه أن «المحيض» هنا مصدر؛ حيث فسرها قائلاً: «أي في الحيض» (الكتاب: 4/ 87)، وكذلك قال به ابن السراج (الأصول: 3/ 141)، وممن قال به أيضاً الطاهر بن عاشور، معللاً بأن المجرور بـ«في» هو وقت محذوف، والتقدير: «في زمن المحيض»، وهو من باب إنابة المصدر عن ظرف الزمان. (التحرير والتنوير، 2/ 366).
- الثاني: القول بأنه اسم المكان (أي موضع الدم/الفرج): وهو قول مشهور عند المذاهب الفقهية الأربعة وجمهور المفسرين، وقد دافع عنه ابن قدامة (الحنبلي) بقوله: «وهو اسم لمكان الحيض كـ: المقيل والمبيت؛ فتخصيصه موضع الدم بالمنع يدل على إباحته فيما عداه» (المغني، 1/ 384)، واستدل بأن لو أراد الحيض (المصدر) لكان أمراً باعتزال النساء بالكلية، ولا قائل به، ولأن سبب النزول يدل على إباحة كل شيء غير النكاح. (الشرح الكبير على متن المقنع، 1/ 316، 317).
واستدل به القرافي (المالكي) بما جاء في سياق الآية: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) (البقرة: 222)، فدل ذلك على أن الممنوع هو الوطء. (الذخيرة، 1/ 376)، وقال به من الأحناف الزيلعي مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا ما شئتم إلا الجماع» (تبين الحقائق شرح كنز الدقائق، 1/ 57)، وكذلك اختاره الكيا الهراسي (الشافعي) وعلله بأن الاعتزال في المحيض لا يتحقق له معنى إذا أراد به نفس الدم. (أحكام القرآن للهراسي، 1/ 103).
وقال به ابن منظور (اللغوي) حيث ذكر أن «المَحِيضَ في هذه الآية المَأْتَى من المرأَة؛ لأَنه موضع الحَيْضِ» (لسان العرب، 7/ 142).
- الثالث: القول بأنه اسم الزمان (أي وقت الحيض): وهو أحد التأويلات التي ذكرها الماوردي (الشافعي) ليعم زمان جريان الدم وما يتخلله من أوقات انقطاعه. (الحاوي الكبير، 1/ 757)، وفي هذه الحالة يأخذ حكم كونه مصدراً في المعنى الفقهي، وهو اعتزال الوطء في زمن المحيض.
ويرى الماوردي أن «المحيض» في الآية موضع الشاهد يحتمل أن يكون مصدراً أو اسم مكان أو اسم زمان، لكن يُفهم من كلامه ترجيحه أن يكون اسم مكان؛ حيث نسبه لأزواج الرسول وجمهور المفسرين. (الحاوي الكبير، 1/ 757).
الأثر الفقهي لاختلاف الدلالة وتحديد محل الاعتزال
أثر هذا الخلاف يظهر في تحديد محل الاعتزال الواجب:
- فإذا اعتبرناه اسم مكان؛ كان المقصود اعتزال موضع الحيض فقط، والاستمتاع بباقي الجسد، كما هو مذهب ابن حزم والصحيح من قول الشافعي، وهو ما ذهبت إليه عائشة، والشعبي، وغيرهم.
- أما إذا اعتبرناه مصدراً أو اسم زمان: كان التقدير: فاعتزلوا وطء النساء في زمن الحيض، واختُلف في هذا الاعتزال؛ فذهب ابن عباس، ومالك، وأبو حنيفة، وجماعة إلى أنه يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار. (من السرة إلى الركبة).
وروي عن ابن عباس، وعبيدة، السلماني أنه يجب اعتزال الرجل فراش زوجته إذا حاضت، وهو قول شاذ. (البحر المحيط، 2/ 422).
ترجيح دلالة اسم المكان
الرأي الراجح هو أن كلمة «المحيض» الثانية اسم مكان (الفرج)، وذلك لما يلي:
- موافقة السنة النبوية: يتوافق هذا التفسير مباشرة مع ما ورد في السُّنة النبوية من إباحة كل شيء عدا الجماع، كقوله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء غير النكاح» (الشرح الكبير على متن المقنع، 1/ 317)، دون الحاجة إلى تقدير أو تأويل.
- تغاير المعنيين: تحتمل اللغة أن تكون الكلمة مصدراً أو اسم مكان، وعليه فيمكن أن تكون كلمة «المحيض» الأولى المسؤول عنها مصدراً، والثانية المأمور باعتزالها اسم مكان، خاصة أن تكرار اللفظ ربما يوحي بالمغايرة في المعنى؛ فلو كان المعنى متحداً لجاز أن يقول تعالى: «يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فيه، أو خلاله..»؛ فلما كرر اللفظ مرة أخرى احتمل أن المعنيين متغايران، والأولى في هذه الحالة أن يكون الأول مصدراً، والثاني اسم مكان.
وبهذا الترجيح اللغوي المدعوم بالسُّنة، تنحسر الاحتمالات الأخرى التي كانت تقتضي تأويلات وحذوفات غير ضرورية (مثل اعتبارها مصدراً يحتاج لتقدير زمن محذوف)، وبدل أن يكون «المحيض» سبباً لهجر شامل للزوجة؛ أصبح ضابطًا دقيقًا يحدد بوضوح تام ما هو ممنوع (الوطء) وما هو مباح (الاستمتاع بما عداه).
إن هذه الحالة تؤكد أن قواعد اللغة ليست مجرد قواعد صرفية أو نحوية جامدة؛ بل هي الأدوات المنهجية التي تضمن دقة التشريع ويسره، وتحول النص من احتمال غامض إلى حكم فقهي عملي واضح وموافق لمقاصد الشريعة في التيسير ودرء الحرج.
|