ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الأسرة المسلمة (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=66)
-   -   الذرية أمانة.. كيف نحميها من موجات الانحراف؟ (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=43397)

ابو الوليد المسلم 07-30-2026 02:32 PM

الذرية أمانة.. كيف نحميها من موجات الانحراف؟
 
الذرية أمانة.. كيف نحميها من موجات الانحراف؟

الشيخ أحمد إبراهيم الجوني


الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الذرية زينة الحياة الدنيا، وأمر بحفظها ورعايتها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوجب علينا وقاية أنفسنا وأهلينا من نار تلظى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، والقائد للأمة نحو طريق الرشاد والوعي المستنير، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم بين يدي الله موقوفون، وعن أعمالكم ورعاياكم مسؤولون.

عباد الله: إن الأبناء في الإسلام ليسوا مجرد زينة تطلب، أو متعة تُرجى، بل هم أمانة عظيمة، ومسؤولية شرعية ثقيلة طُوقت بها أعناق الآباء والأمهات، فالله تعالى سائل كلا الوالدين عن هذه الأمانة؛ هل حفظاها، أم ضيعاها وفرطا فيها؟

يقول الله جل وعلا في محكم تنزيله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم: 6]، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته))؛ [متفق عليه].

فصلاح الأبناء واستقامتهم من أعظم نِعم الله على العبد في الدنيا والآخرة، أما إهمالهم والتفريط في تربيتهم، فإنه باب واسع من أبواب الحسرة والندامة؛ حيث يرى المفرط ثمرة فؤاده تضيع أمامه، فيتحسر يوم لا تنفع الحسرة.

عباد الله: إن أولى الخطوات في حفظ هذه الأمانة، وأعظم حقوق الأبناء على آبائهم وأمهاتهم: هو تربيتهم على العقيدة الصحيحة، وتعظيم الله تعالى في قلوبهم، ومحبته ومراقبته في السر والعلن، وغرس التوحيد في نفوسهم منذ الصغر، وهذا هو دأب الأنبياء والصالحين الذين قصَّ الله علينا قصصهم للاقتداء بهم؛ فهذا إبراهيم ويعقوب عليهما السلام يوصيان أبناءهما بالدين: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132].

وهذا لقمان الحكيم يعظ ابنه بأول وأعظم ركائز النجاة: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

إن أعظم ميراثٍ يتركه الوالدان لأبنائهم ليس مالًا يجمع، ولا عقارًا يبنى، بل هو الإيمان والتقوى، والاستقامة على دين الله، والمحافظة على الفرائض والصلاة، والالتزام بآداب الإسلام، والأخلاق الفاضلة التي تقيهم مصارع السوء والردى.

معاشر الآباء والأمهات: إننا نعيش في زمن تلاطمت فيه أمواج الفتن، وتنوعت فيه وسائل الهدم السلوكي والفكري، وإن التفريط في متابعة الأبناء، وتركهم فريسةً للمؤثرات المنحرفة، لَهُوَ عين الضياع.

إن الواجب الشرعي يحتم على الوالدين:
معرفة أصحاب أبنائهم: فالصاحب ساحب.

متابعة بيئاتهم الاجتماعية والرقمية: في وسائل التواصل الاجتماعي وهواتفهم الذكية، والتي أصبحت تفتح عليهم أبواب الشبهات والشهوات وهم في عقر دارهم.

حمايتهم من مواطن الفساد: وعدم تركهم نهبًا للغزو الفكري الذي يستهدف دينهم، وقيمهم، وأخلاقهم.

احذروا -رحمكم الله- من أصحاب السوء، فإن لهم أثرًا بالغًا وسريعًا في إفساد الدين والخلق؛ وقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بليغًا في ذلك؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك ونافخ الكير...))؛ [متفق عليه].

فاحرصوا على اختيار الصحبة الصالحة لأبنائكم، وكونوا قريبين منهم، تسمعون لخواطرهم، وتوجهون مسارهم، قبل أن يخطفهم دعاة الضلالة والانحراف.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره وسار على نهجه إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الدعاء للذرية هو هديُ الأنبياء والمرسلين؛ فهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام يرفع يديه فيقول كما أخبر الله عنه في قوله تعالى: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ [إبراهيم: 40].

وقد وصف الله عباده المؤمنين الأبرار بأنهم يلهجون دائمًا بالدعاء لأسرهم: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].

فالدعاء للأبناء بالصلاح والهداية والاستقامة هو السلاح الأقوى، والسبيل الأعظم الموصل لتوفيقهم وصلاحهم، بإذن الله تعالى.

وتأملوا ما أعظم أن يقر الله عيني الوالد برؤية ابنه صالحًا مستقيمًا في الدنيا! بل إن هذا الأثر المبارك لا ينقطع بالموت، بل يمتد نفعه للوالدين وهما في قبريهما؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))؛ [رواه مسلم].

أيها المسلمون، يا حماة الجيل: اعلموا أن العناية بالأبناء وحمايتهم من الانحراف ليست مسؤولية ملقاة على عاتق الوالدين وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة متكاملة بين الأسرة، والمدرسة، والمسجد، وسائر مؤسسات المجتمع.

إن التعاون بين هذه الجهات هو تطبيق عملي لقول الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].

فالبيت يزرع، والمدرسة تسقي، والمجتمع يحمي، وبأداء كل ذي دور دوره، ينشأ الجيل صالحًا مصلحًا، ونافعًا مباركًا.

وإن صلاح الأبناء هو الصلاح الحقيقي للأسر، والمجتمعات، والأوطان؛ فهو صمام الأمان، والوقاية الحصينة من أسباب الجريمة، والانحراف السلوكي، والتفكك الأسري، والفساد المجتمعي.

فالله الله في أبنائكم، جودوا عليهم بوقتكم، وأحيطوهم بحنانكم وتوجيهكم، واعلموا أن كل جهد تبذلونه اليوم لحمايتهم، هو ذخر لكم في دنياكم وآخرتكم، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...





ام هُمام 07-30-2026 05:58 PM

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا


الساعة الآن 12:36 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009