ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=34)
-   -   عبادة الإصلاح بين الناس (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=45334)

ابو الوليد المسلم 09-03-2026 09:06 PM

عبادة الإصلاح بين الناس
 
عبادة الإصلاح بين الناس

عدنان بن سلمان الدريويش

كم من زوجين افترقا بسبب كلمة، وكم من أخوين فرقت بينهما خصومة على ميراث، أو سوء فهم، أو كلمة غضب، حتى مرت السنوات، وكبر الأبناء وهم لا يعرفون أبناء عمومتهم! وكم من جارين عاشا سنوات في مودة ومحبة، ثم فرقت بينهما مشكلة صغيرة، فأصبح كل واحد منهما يعبر الطريق حتى لا يرى الآخر، بل كم من أسر كاملة انقسمت، وتوارث الأبناء والأحفاد الخصومات، حتى نسي الجميع سبب الخلاف، وبقيت القلوب متباعدة، ثم تمضي الأيام عليهم جميعًا، وكل واحد منهم يتمنى أن يعود الصفاء، ولكنه ينتظر من يمد جسر الصلح بينهما، وفي وسط هذه المشاهد المؤلمة، يظهر رجل أو امرأة يحمل قلبًا محبًّا للخير، يسعى بين الطرفين، ويهدئ النفوس، ويذكرهم بالله، حتى تعود الابتسامة، وتتصافح الأيدي، وتذرف الدموع فرحًا بعد سنوات من القطيعة، إنها عبادة الإصلاح بين الناس، عبادة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس، وهي من أجَل العبادات الخفية التي يحبها الله.

أيها الشباب، قد يظن بعض الناس أن الإصلاح بين المتخاصمين عمل اجتماعي فقط، بينما جعله الله من أجل القربات، قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، تأمل كيف ختم الله الآية بقوله: ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، إنه وعد كريم لمن جعل همه جمع القلوب لا تفريقها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين))؛ [رواه أبو داود]، إنها منزلة عظيمة؛ فالإصلاح بين الناس من أفضل الأعمال بعد الفرائض.

أيها الشاب، هل سألت نفسك: كم بيتًا أنقذه مصلح؟ فربَّ كلمة صادقة من مصلح حكيم أعادت زوجين إلى بعضهما بعد أن كانت أوراق الطلاق على الطاولة، ورب جلسة هادئة أنهت خصومة بين أخوين استمرت عشرين سنة، ورب زيارة لمريض أعادت صديقين إلى المحبة بعد قطيعة طويلة، ورب نصيحة مخلصة أوقفت نزاعًا كان سيصل إلى المحاكم، فالمصلح لا يبني جدارًا، بل يبني أسرة، ولا يجمع شخصين فقط، بل يجمع أجيالًا كاملة.

يا أخي، كان الحسن البصري رحمه الله إذا بلغه أن بين اثنين خصومة، سعى بنفسه للإصلاح، ويقول: إصلاح ذات البين من أفضل أعمال المؤمن، وكان عبدالله بن المبارك رحمه الله يبذل من ماله أحيانًا ليطفئ الخصومات، ويرى أن المال الذي ينفق لإصلاح القلوب هو من أفضل الأموال، وكان عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يوصي ولاته أن يبدؤوا بالإصلاح قبل إصدار الأحكام، لأن اجتماع القلوب أحب إلى الله من استمرار النزاعات، لقد فهم السلف الصالح أن الإصلاح ليس تدخلًا فيما لا يعني الإنسان، بل هو عبادة عظيمة إذا كانت بالحكمة والإخلاص.

أيها المبارك، ليس كل من تدخل أصلح، فالمصلح يحتاج إلى الإخلاص لله، لا حب الظهور، والعدل وعدم الميل إلى أحد الطرفين، والصبر، فقد يطول طريق الإصلاح، وحفظ الأسرار، فلا ينقل الكلام بين الناس، وحسن اختيار الوقت والكلمة، والدعاء للطرفين بالتوفيق.

أيها الشباب، إذا رأيتم خصومة بين صديقين، أو قريبين، أو زوجين، فلا تكونوا وقودًا للنزاع، ولا تنقلوا الكلام، ولا تزيدوا النار اشتعالًا، بل كونوا ممن يطفئون الحرائق قبل أن تكبر، وربما كانت رسالة صادقة، أو زيارة هادئة، أو كلمة حكيمة، سببًا في عودة أسرة كاملة إلى السعادة، واعلموا أن الناس قد ينسون كثيرًا من أعمالكم، لكنهم لن ينسوا أبدًا أنكم كنتم سببًا في عودة أخ إلى أخيه، أو زوج إلى زوجته، أو ابن إلى والديه.

فيا أولادي، ابحثوا عن القلوب المتخاصمة، قبل أن تبحثوا عن الأعمال العظيمة، فإن جمع القلوب عبادة يحبها الله، ومن أصلح بين اثنين ابتغاء وجه الله، كتب الله له أجرًا عظيمًا، وجعل على يديه من الخير ما قد يمتد أثره إلى أجيال لا يعلمها إلا هو سبحانه.




الساعة الآن 08:55 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009