![]() |
الاتجار بالبشر
الاتجار بالبشر سعيد بن محمد آل ثابت في صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلامًا لي فسمعت من خلفي صوتًا: «اعلم أبا مسعود للهُ أقدرُ عليك منك عليه» فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، هو حُرٌّ لوجه الله، فقال: «أَما لو لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ». عباد الله، لقد اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يجعل بعض عباده أغنياء وبعضهم فقراء، وقسَّم الأرزاق بين خلقه بما فيه صلاحهم، فجعل الناس أصحاب مال وأجراء، وخُدَّامًا ومخدومين، وأمرهم بأداء الحقوق وحفظها، قال تعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: 32]. أيها المسلمون، لقد ظهر عند البعض صور من ظلم الخدم والعمال، منها- يا للأسف- الضرب والاعتداء عليهم، ومن الناس من يقوم بأكل أموالهم بتأخيرها أو بخسها بغير حق. وهذا يتنافى مع ما يجب أن يكون عليه المسلم من الاتِّصاف بصفة الرحمة، قال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء»؛ [رواه الترمذي]. أيها المسلمون، إنَّ لهؤلاء الـخدم حقوقًا يجب أداؤها ومراعاتها، وحفظها وصيانتها، ومن حقوق الخدم والعمال التي يضيعها بعض الناس: الحقوق المالية للخدم، فلا يجوز منع الخادم من راتبه أو تأخيره أو الخصم منه، كما يفعل بعض الناس، مستغلين ضعف الخادم وغربته وبعده عن وطنه وأهله، وهذا من تضييع الأمانات وعدم أدائها إلى أهلها، يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58]. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره». ومن حقهم: ألا يشق عليهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم، وإن قصروا فلا تُكثِروا عليهم العتب واللوم؛ فالرِّفْق في كل الأمور مطلوب، وفيهم خاصةً مرغوب، فعن أنس بن مالك قال: «خدمت رسول الله عشر سنين، والله! ما قال لـي أفًّا قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا»؛ [أخرجه الشيخان]. وعن الـمعرور بن سويد- رحمه الله- قال: قال لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حُلَّة وعلى غلامه حُلَّة، فسألته عن ذلك، فقال: إني سابَبْتُ رجلًا فعيَّرته بأمِّه فقال لي النبي: «يا أبا ذر أعيَّرته بأُمِّه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»؛ [أخرجه الشيخان]. وليتجنَّب المسلم سبَّ الخادم والعامل، أو لعنه أو ضربه أو إهانته أو تهديده تلويحًا أو تصريحًا؛ فإن ذلك عاقبة أمره الحسرة والندامة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله»؛ [رواه مسلم]. وإن تكرَّر منه تقصير أو زَلَل، فالعفو عنه من سمات الـمؤمنين، ومن عفا عن الخلق تجاوَزَ الله عنه؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «جاء رجل إلى النبي، فقال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ فصمت عنه رسول الله، ثم قال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ فقال رسول الله: كل يوم سبعين مرةً»؛ [أخرجه أبو داود والترمذي]. روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ ولي منكم أمرًا يضُرُّ فيه أحدًا أو ينفعه فليقبل مِن مُحْسِنِهم ويتجاوز عن مسيئهم». وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا قعد بين يدي النبي فقال: «يا رسول الله، إنَّ لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم؟ قال: يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا، لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتصَّ لهم منك الفضل. قالت: فتنحَّى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله: أما تقرأ كتاب الله: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]. فقال الرجل: والله يا رسول الله! ما أجد لي ولهؤلاء شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدكم أنهم أحرار كلهم»؛ [أخرجه الترمذي وصححه الألباني]، ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40]. الخطبة الثانية وإنَّ من أعظم الأمور خطرًا على دين المسلم: أن يتعَلَّق به حقٌّ لغيره من العباد بظلم من قول أو فعل؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الشورى: 42]، وروى جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»؛ [رواه مسلم].عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلَّله منه اليوم قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه"؛ رواه البخاري. |
| الساعة الآن 10:18 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي