إلى كل مؤمن مهموم، وكل مبتلًى مغموم، إلى كل مكروب ضاقت السُّبُل عليه، إلى الراضين بالقضاء والقَدَر، إلى الصابرين المحتسبين عند الله الأجر.
ضرورة الصبر
الصبر من أهم الأخلاق الإسلامية، وهو من أصعب الأمور، وأشقها على النفس، ولا يستطيعها إلا من أعانه الله، وهي ضرورة دنيوية ودينية يحتاج إليها الإنسان في جميع أحواله في العبادات، والمعاملات، وفي الابتلاءات.
الصبر ضرورة دنيوية:
فلا نجاح في الدنيا إلا بالصبر، فلولا صبرُ الزارع على زرعِهِ ما حصد، ولولا صبرُ الطالب على درسِهِ ما فلح، فكُلُّ الناجحين في الدنيا إنما حققوا آمالهم بالصبر والجهد والعَرَق.
لا تحسبن المجد تمرًا أنت آكِلُه
لن تبلغ المجد حتى تلعَق الصبرا
والصبر ضرورة دينية:
ففيالعبادات: بأن يصب رعلى طاعة الله ومشقتها، ويحسنأداءها، ويخلصه الله تعالى، ويبتعد عنك لما ينقصها، وأن يصبر عن المعاصي؛ خوفًا من الله تعالى.
وفيالمعاملات:بأن يعامل الناس بالأخلاق الحسنة، ويرفقبهم، ويؤدي حقوقهم، ويصبر على إيذائهم، ولا ينظر إلى ما في أيديهم.
وفي الابتلاءات:بالرضا والصبر، واحتساب الأجر، وعدم السخط والجزع منها.
وبلاء الدنيا ونكبات الأيام لا يخلو منها إنسان، وهذا راجع إلى طبيعة الدنيا، فلا يوجد أحد سلمَ من إيذاء الناس -من زوجٍ أو زوجةٍ أو أبناءٍ أو إخوةٍ أو أقاربٍ أو زملاءٍ أو جيرانٍ- أو الإصابة بالأمراض، أو موت الأحِبَّة، أو خسران المال أو الجاهِ أو السلطان، أو ضيق العيش أو مفاجآت الدهر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وعن أنس رضي الله عنه قال: قالرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله تعالى إذا أحَبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"[1]. أقدار الله جارية، وحُكْمه تعالى نافذ، صبر العبد أو لم يصبر، والسعيد من رُزِقَ صبرًا يصل به من ألم الحزن إلى رحمةِ الفرج، ومن مرارة العُسْر إلى حلاوة اليسر، ومن ضيق الكرب إلى سعة الفرج والانشراح.
قَال ابْنُ الجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: (وَلَوْلَا أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ ابْتِلَاءٍ لَمْ يَضِقِ العَيْشُ فِيهَا عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالأَخْيَارِ، فَآدَمُ يُعَانِي الـمِحَنَ إلى أَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمُ يُكَابِدُ النَّارَ وَذَبْحَ الوَلَدِ، وَيَعْقُوبُ يَبْكي حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَمُوسَى يُقَاسِي فِرْعَونَ وَيَلْقَى مِنْ قَوْمِهِ الـمِحَنَ، وَعِيسَى لَا مَأَوْى لَهُ إِلَّا البَرَارِي فِي العَيْشِ الضَّنْكِ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم يُصَابِرُ الفَقْرَ، وَقَتْلَ عَمِّهِ حَمْزَةَ، وَنُفُورَ قَوْمِهِ عَنْهُ)[2]. (اتُّهِمَتْ عائشةُ في عِرضها، وابتُليت أسماء بنت أبي بكر بفَقد بصرها وقَتل ولدها، وقُتل عُمر وعُثمان وعَلي والحُسين وسعيد بن الجُبير، وعُذِّب بلال وعَمَّار وسُمية وطَلحة وصُهيب وخُبيب وابن المُسيب ومَالك، وصُلب ابن الزُّبير، وجُلد الإمَامُ أحمد، وتَسلَّط الوشاة على عامر بن عبدالله، وطُرد الإمَامُ البُخَاري، وابتُلي ابن الجوزي بفقد ولدِه، وسُجن ابن تيمية، ولم يَحج صفي الدين الهندي لفقره)[3]. قال ابنُ تَيميةُ رَحِمَهُ اللهُ: (المحن كالحر والبرد، فإذا علم العبد أنه لا بُدَّ منها لم يغضب لورودها، ولم يغتم لذلك ولم يحزن)[4]، وقال ابنُ القَيم رحمه الله: (من خَلَقَهُ الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره)[5]، وقال أيضًا: (من رحمة الله أن نَغَّصَ على عِباده دنياهم وكدرها لئلا يسكنوا إليها، ويطمئنوا إليها، ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره، فسَاقَهم إلى ذلك بسِياط الابتِلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم)[6]، وقال عطاء بن مسلم الخرساني رَحِمَهُ اللهُ: (إن الجنة حظرت بالصبر والمكاره، فلا تؤتى إلا من بَابِ صبر أو مكروه، وإن جَهنم شُعبت بالشهوات واللذات فلا تؤتى إلا من باب شهوة أو لذة)[7](الجنة إذن لا بُدَّ لها من ثمن، وهي سلعة غالية، ولا مفر من الثمن، وهذا هو ثمن الجنة: الصبر على البأساء تصيب الأموال، والضراء تصيب الأبدان، والزلزلة تصيب النفوس، ولا بُدَّ أن يبلغ الزلزال النفسي من الشدة إلى حد يقول عنده المؤمنون متى نصر الله؟ يستبطئونه فقد طال انتظارهم له، وطالت فترة المحنة والأذى وشماتة الأعداء، فمتى يأتي النصر؟)[8]، ألا إن النصر مع الصبر، ألا إن نصر الله قريب، قَالَ شُرَيحٌ رَحِمَهُ اللهُ: (إِنِّي لَأُصَابُ بِالـمُصِيبَةِ، فَأَحْمَدُ اللهَ عَلَيْهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، أَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَكُنْ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَأَحْمَدُ إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْرَ عَلَيهَا، وَأَحْمَدُ إِذْ وَفَّقَنِي لِلِاسْتِرْجَاعِ لِمَا أَرْجُو مِنَ الثَّوَابِ، وَأَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهَا فِي دِينِي)، وكان محمد بن شبرمة رَحِمَهُ اللهُ إذا نزل به بلاء قال:(سحابة صيف ثم تنقشع، لكن قبل أن تنقشع لا بُدَّ من الصبر والثقة واليقين برب العالمين)، قالبعضُالسَّلف:(أفْضل العبادة انتظار الفرج من الذي بيده مفاتيح الفرج)[9]. من ثمـرات الصـبـر
عن جابر رضي الله عنهما، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يود أهل العافية يوم القيامة، حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض"[10]. وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ
لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ
1- الجنة: قال تعالى:﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23، 24]، وقال تعالى:﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: 75]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 12]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:سمعت رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إناللهجل جلاله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوَّضته منهما الجنة" يريد عينيه"[11]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُاللهتَعَالَى: مَالِعَبْدِيالمُؤْمِنعِنْدِيجَزَاءٌإذاقَبَضْتُ صَفيَّهُمِنأَهْلِالدُّنْيَاثُمَّاحْتَسَبهُإلاالجَنَّة"[12]، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إذِامَاَتوَلَدُالعَبْدِقَالَاللهلملَائكِتهِ: قَبضَتُم وَلَدَعَبْدِي؟فَيَقُولُونَ:نَعَمْفَيَقُولُ:قَبَضْتُمثَمرَةَفُؤَادِهِ؟فَيَقُولُونَ: نَعَمْ،فَيَقُولُ:مَاذَاقَالَعَبْدِي؟فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرجعَ،فَيَقُولُالله:ابْنُوالِعَبْديبَيْتًافِيالجَنَّةِ،وَسَمُّوهُبيْتَ الحمد"[13]،وعن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه، قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشَّف فادْعُ الله لي، قال:(إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشَّف فادْعُ اللهَ لي ألَّا أتكشَّف، فدعا لها)[14]. 2- رفع المنزلة في الجنة: عن محمد بن خالد عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: سمعتُ رَسُولَاللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "إن العبد إذا سبقت له من الله جل جلاله منزلةٌ فلم يبلغها بعمل، ابتلاهُ الله في جسده أو ماله أو ولده، ثم صبرهُ على ذلك حتى يبلغ المنزلة التي سبقت له من اللهِ تعالى"[15]. 3- لهم المغفرة والأجر العظيم: قال تعالى:﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 11]، قال تعالى:﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
4- مضاعفة الأجر والثواب: قال تعالى:﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالى:﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: 54]، وقال تعالى:﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80]، قال سليمان بن القاسم: (كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر كالماء المنهمر)، وقال الأوزاعي: (ليس يُوزَن لهم ولا يُكال لهم، وإنما يغرف لهم غرفًا)[16]. 5- الجزاء لهم بأحسن أعمالهم: قال تعالى:﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 96].
6- سلام وترحيب الملائكة بهم: قال تعالى:﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23، 24].
7- الصبر من أسباب ملاقاة النبيصلى الله عليه وسلم على الحوض وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم للأنصار: "إنكم ستجدون أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوني وموعدكم الحوض"[17]. 8- معية الله: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال تعالى:﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46] معهم يؤيدهم ويثبتهم ويقويهم ويؤنسهم ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم، ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة وقوتهم الضعيفة، إنما يمدهم حين ينفد زادهم، ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق.
9- محبة الله: قال تعالى:﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
10- صلوات الله ورحمته وهدايته: قال تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155 - 157] قال بعض السلف وقد عُزِّي على مصيبةٍ نالته فقال: (ما لي لا أصبر، وقد وعدني الله بثلاث خصال، كل خصلة فيها خير من الدنيا وما عليها)[18]. 11- لهم البُشرى من الله تعالى: قال تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
12- نيل ثناء الله:قال تعالى:﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].
13- العوض عما فات، والإخلاف عما فقد: قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 41]، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعتُرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "مَا مِنْ مُسْلمِ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ الله: إنَّا لله وَإنَّا إلِيِه راجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصيبَتي، وَأَخْلِف لِي خَيْرًا مِنْهَا؛ إلا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنهْا""، قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟أول بيت هاجر إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم[19]، وقال عمر بن عبدالعزيز رَحِمَهُ اللهُ: (ما أنعم الله على عبدٍ نعمة، فانتزعها منه، فعاضه مكان ما انتزع منه الصبر، إلا عوَّضه الله خيرًا مما انتزع منه)[20]. 14- النجاة من كيد الأعداء وتدبيرهم: قال تعالى:﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120].
15- أعداؤهم يتحولون إلى أصدقاء: قال تعالى:﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34، 35].
16- النصر لا يكون إلا مع الصبر: قال تعالى:﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 125، 126]، وقال تعالى:﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137].
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "واعلمأنَّالصَّبرَعلىماتكرهخيرٌكثيرٌ،وأنَّالنَّصرَمعالصَّبرِ،وأنَّالفرجَمعالكربِ،وأنَّمعَالعسرِيسرًا"[21]، يقولالشافعي رحمه الله: (أصل الصبر الحزم، وثمرته الظفر)[22]. 17- وصفهم الله بالصدق والتقوى: قال تعالى:﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
18- الفلاح يأتي بالصبر والتقوى: قال تعالى:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].
19- العاقبة لأهل الصبر والتقوى: قال تعالى:﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49].
20- الصبر من أفضل الإيمان:عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أفضلُ الإيمانِالصبرُ والسماحةُ"[23]، وعن جابر رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الإيمان:الصبرُ والسماحةُ"[24]، وقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (أَلَا إِنَّ الصَبْرَ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ بَادَ الجَسَدُ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ: أَلَا إِنَّهُ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ) [25]، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله)[26]. 21- الناس في خسران إلا أهل الصبر والإيمان: قال تعالى:﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1 - 3].
22- بالصبر واليقين تنال الأمامة في الدين: قال تعالى:﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
23- من يتعظ وينتفع بآيات الله هم أهل الصبر والشكر: قال تعالى:﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5]، قال تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: 31]، وقال تعالى:﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: 19].
24- أفضل ما يهب الله للإنسان نعمة الصبر: قال تعالى:﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80]، وعن المقداد رضي الله عنه، قال: قالرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنالسعيدلمنجُنِّبَالفتن،ولمنابتُلِيَ فصبر"[27]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما رزق عبد خيرًا له ولا أوسع من الصبر"[28]، وعن أبي سعيد الخُدْريرضي الله عنه قال: إن ناسًا من الأنصار سألوا رَسُولاللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفذ ما عنده، قال: "ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني غنه الله،ومن يتصبري صبره الله، وماأعطى الله أحدًا عطاءً هو خير وأوسع من الصبر"[29]، وقال الحسنُ البَصرِي رحمه الله: (الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عليه)[30]. 25- الصبر خير لأهله: قال تعالى:﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]، وقال تعالى:﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: 25]، وعن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمرِ المؤمن، إنَّ أمره كلُّه خير، وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سرَّاء شكر الله فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له"[31]. 26- الصبر ضياء:عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قالرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياءٌ، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"[32]، قال النووي رحمه الله: ومعناه: (أن الصابر ما زال مستضيئًا مستمرًّا على الصواب)[33]. 27- الصابرون هم أصحاب العزائم: قال تعالى:﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]، قال تعالى:﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186].
28- الصبر صفة من صفات الأنبياء والصالحين: قال تعالى:﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: 85] وقال تعالى:﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وعن عبدالله رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ في القسمة، قال رجل: والله، إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته فأخبرته، فقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر"[34]. 29- الصابر المحتسب له أجر شهيد:عن عائشةرضي الله عنها أنها سألت رَسُولَاللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها: "أنَّه كانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّه علَى مَن يَشَاءُ، فَجَعَلَه اللَّه رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فليسَ مِن عَبْدٍ يَقَع الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ في بَلَدِهِ صَابِرًا [محتسبًا[، يَعْلَمُ أنَّه لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ له، إلَّا كانَ له مِثْلُ أجْرِ الشَّهِيدِ"[35]. 30- الصبر في زمن الفتنة له أجر خمسين من الصحابة:عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "......فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبضِ على الجمر، للعامل فيهن مثلُ أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله"[36]، وزاد أبو داود: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: "بل أجر خمسين منكم". 31- من يصبر يصبره الله:فمن صبر وتحمَّل ألم الصبر في البداية يقوِّه الله، فيصبح الصبر عندهُ عادةً وسهلًا عليه؛ فعن أبي سعيد الخُدْريرضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ومن يستعفف يعفه الله، ومنيستغنيغنهالله،ومنيتصبريصبرهالله، وماأعطى الله أحدًا عطاءً هو خير وأوسع من الصبر"[37].
يتبع