09-20-2025, 08:55 PM
|
#12
|
|
مشرفة قسم القرآن
|
( باب علامات حب الله تعالى للعبد) قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران (31) ] .
----------------
في هذه الآية: وعد من الله عز وجل بالمحبة، والرحمة، وغفران الذنوب، لمن اتبع محمدا - صلى الله عليه وسلم -. قال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة (54) ] .
----------------
هذا من الكائنات التي أخبر الله بها قبل وقوعها، وقد ارتد العرب في آخر عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنو مدلج، ورئيسهم العنسي، وبنو حنيفة ورئيسهم مسيلمة، وبنو أسد ورئيسهم طليحة. وفي عهد الصديق، فزارة وغطفان، وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض تميم، قوم سجاح زوجة مسيلمة، وكندة، وبنو بكر بن وائل، وكفى الله أمرهم على يد الصديق رضي الله عنه. وفي إمرة عمر، غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشام. وقوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} ، قيل: هم أهل اليمن؛ لما روي أنه عليه السلام أشار إلى أبي موسى، وقال: «هم قوم هذا» .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه» . رواه البخاري.
----------------
معنى «آذنته» : أعلمته بأني محارب له. وقوله: «استعاذني» روي بالباء وروي بالنون. الولي: هو من تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. وفي الحديث: وعيد شديد لمن عادى وليا من أولياء الله. وفيه: أن أحب الأعمال إلى الله أداء فرائضه، وأن كثرة النوافل توجب محبة الله للعبد، وقربه، فيرتقي إلى درجة الإحسان، فيمتلأ قلبه بمعرفة الله تعالى، وعظمته، وخوفه، ورجائه، فإن نطق: نطق بالله، وإن سمع: سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش: بطش به. قال الله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل (128) ] .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أحب الله تعالى العبد، نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلانا، فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» . متفق عليه.
----------------
وفي رواية لمسلم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض» . المراد بالقبول، الحب للعبد في قلوب أهل الدين والخير، قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} [مريم (96) ] . والبغضاء: شدة البغض.
عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ {قل هو الله أحد} ، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك» ؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» . متفق عليه.
----------------
فيه: دليل على أن من أحب هذه السورة لأجل أنها صفة الله، أحبه الله. وعلى جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس والاستكثار منه، أن الجزاء يترتب بحسب النية والقصد، وجواز الجمع بين سورتين غير الفاتحة في ركعة واحدة.

( باب التحذير من إيذاء الصالحين)
قال الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب (58) ] .
----------------
في هذه الآية: التحذير من إيذاء المؤمنين بغير جناية استحقوا بها الإيذاء. وفي الحديث: قيل: يا رسول الله! ما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره» . قال: أرأيت إن كان فيه ما أقول. قال: «إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» .
قال تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر} [الضحى (9، 10) ] .
----------------
أي: لا تقهر اليتيم على ماله فتذهب بحقه لضعفه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه» . وقوله تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} ، أي: لا تنهره ولا تزجره إذا سألك. قال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا في الآخرة. وقال ابن إسحاق: {وأما السائل فلا تنهر} ، أي: فلا تكن جبارا ولا متكبرا، ولا فحاشا، ولا فظا على الضعفاء من عباد الله. وأما الأحاديث، فكثيرة منها: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الباب قبل هذا: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» . ومنها حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - السابق في باب ملاطفة اليتيم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا بكر، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك» . أي: وكلا الحديثين يدلان على تحريم إيذاء الصالحين، والضعفة، والمساكين بخصوصهم، ومثلهم سائر المؤمنين لحرمة الإيمان وشرفه.
عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاة الصبح، فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم» . رواه مسلم.
----------------
قوله: «من صلى الصبح» ، أي: في جماعة. كما في رواية أخرى لمسلم. وكأنها إنما خصت بذلك لأنها أول النهار الذي هو وقت انتشار الناس في حوائجهم. وفي الحديث: غاية التحذير عن التعريض لمن صلى الصبح المستلزم لصلاة بقية الخمس.
|
|
|
|
|