قاعدة من قواعد الهزيمة
(وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ (47) الأنفال)
ما الذي يخرجني؟ ما الذي يدفع بي؟ ما الذي يقودني إلى ما أنا فيه؟ ما الذي يقودني؟ أهو الدنيا أم الآخرة ؟ أهو الباطل أم الحق؟
الله عز وجل في الآية التي تليها الآية الثامنة والأربعين يعطي نتيجة من النتائج فيقول (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ (48))
هذه قاعدة من القواعد قواعد الهزيمة في الطرف الآخر.
الطرف الآخر يزين له الشيطان يحسن له الخروج يحسِّن له القضية التي فيها فيقول لهم لا غالب لكم اليوم وهكذا فعل الشيطان مع أبي جهل ومع المشركين قال لهم لا أحد يستطيع اليوم أن يغلبكم وبالفعل قوة مادية عظيمة أمام قوة ضعيفة ثلة من المستضعفين لا عتاد لا أموال لا قتال ولا أي شيء من الذي سيغلب؟
الشيطان أقنع المشركين بأنهم هم الغلبون قال لا غالب لكم اليوم، الشيطان شياطين الجن وشياطين الإنس، من الذي يستطيع أن يغلب قوة عظمى كقوة قريش؟
لم يتخيل ولم يدر بخلد المشركين أن من سينتصر هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المستضعفون هؤلاء بإيمانهم بيقينهم بتقواهم وأن من سينتصر في كل معركة حتى قيام الساعة القوة التي تؤمن بأن الله حق، القوة التي يخرجها الحق، القوة التي تواجه الباطل ليس لأجل الدنيا ولا لمتاعها ولا لغنائم ولا لأنفال وإنما لأجل الله ولرسوله
ولذا يقول الله عز وجل في تتمة الآية
(فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) الأنفال)
تغيّرت المواقف، والموقف الذي وقفه الشيطان مع المشركين في غزوة بدر يقفه كل شياطين الإنس والجن في كل آن وزمان عندما تبدأ المعركة تدور على الآخرين على حلفائهم أول كلمة يقول إني بريء منكم. أين قوة فرعون حين كفر بآيات الله؟
فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب.
أما آن للمؤمنين أن يدركوا أن القوة الحقيقية هي قوة الله؟
أما آن لهم أن يجروا مقارنة وإن كانت مقارنة مجحفة بين هذه القوة العظيمة وبين ما يطلق عليه ويسمى قوى عظمى ولله المثل الأعلى؟!

اهميه الإعداد الروحي
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) الأنفال)
هذه هي القضية الحقيقية وليست ما يهيأ لنا اليوم،
يعني أنا أريد هنا أن أتساءل مرة أخرى تعود الآية الرابعة والخمسون
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (54) الأنفال)
الهزيمة محتومة على كل ظالم، القضية منتهية، كل ظالم مهما طالت سلامته ومهما بلغت قوته سيهزم سيهزم، وكل صاحب حق وإن لم تظهر نتيجة الحق في الدنيا سينتصر سينتصر. متى سندرك نحن المؤمنين؟ متى سندرك نحن من نؤمن بهذا الكتاب العظيم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟ متى سندرك أن التغيير الحقيقي مناط بالعودة الصادقة إلى كتاب الله؟
وأنا أهيب بكل قائد معركة وبكل مسؤول وبكل قائد في قلبه ذرة من إيمان بالله ورسوله أن يعلِّم أتباعه وأن يعلِّم نفسه أولاً هذه السورة، أن يقرأ هذه السورة العظيمة ويتدبر فيها ويعيها ويطبقها في حياته قبل أن يمسك بيديه ولا حتى قلماً ولا حتى سيفاً ولا حتى آلة من الآت القتال متى؟ متى يعي المسلمون هذه الحقيقة؟!
الله سبحانه وتعالى في الآيات التي تليها
(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ {58} وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ {59} وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ {60} الأنفال)
بعد ستين آية بالضبط بعد ستين آية من أصل خمسة وسبعين آية في سورة الأنفال ربي عز وجل يأتي لأول مرة على ذكر القوة المادية!
وأنا اقول كم أنفقت شعوب العالم اليوم المسلمة غير المسلمة لا علينا منها، المسلمة كم تنفق من ميزانيات الدول على إعداد القوة المادية شيء جيد ممتاز ولكنى أتساءل كم تنفق هذه الدول على إعداد الجيوش إعداداً روحانياً إيمانياً، كم؟
كم تؤهل جيوشها للإيمان بحق يدافعون عنه، كم؟
آيات القرآن ليست لأجل أن تحفظ وتذكر في البيوت وفي المساجد وفي دور تحفيظ القرآن فحسب وإن كانت مهمة. هذه السورة العظيمة ينبغي أن تتلى وتقرأ وتدرس ويتدبر فيها أصحابها في الكليات العسكرية في المعاهد العسكرية ينبغي أن تقرأ لا على اهميهالكليات التي تعد الجيوش.
نحن عندنا سلاح لم نحسن التعامل معه إلى اليوم، نحن عندنا قوة، قوة حقيقية للأسف وبكل مرارة لم نستطع أن نتعلم منها ولم نستطع أن ننهل من معينها. إن جنحوا يا محمد للسلم فهو سلم الأقوياء وليس سلم الضعفاء
(وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) الأنفال)
لا تخشى من مكر ولا تخشى من صفقات غائبة عنك
ولا تخشى من أي شيء يُكاد لك لماذا؟
لأنك آمنت بالسميع العليم يسمع الدسائس ويسمع المؤامرات ويعلم بها ويدافع عنك.

أواخر سورة الأنفال
(وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُو الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) الأنفال)
يريدون خداع الشعوب في كل زمان هذه حقيقة واقعة، يريدون الظلم، يحيكون الدسائس والمؤامرات، فليفعلوا ما يشاءون، أنت يا محمد ويا من يتبعك ويسير على نهجك في كل زمن وفي كل وقت حسبك الله، فإن حسبك الله. ألا أكتفي بالله حسيباً؟
ألا أكتفي بالله وكيلاً؟ متى سأعي هذه الحقيقة؟ متى سأتعلم كيف أقرأ القرآن قراءة حقيقية قراءة تنقذني وتنقذ مُلكي وتنقذ شعوبي وتنقذ من أعيش معهم ووسطهم؟ متى أقرأ القرآن هذه القراءة؟ متى أعيه؟ متى أسمع السماع الحقيقي سماع الإجابة؟ متى أقرأ القرآن لأصلح به ذاتي نفسي بيتي أبنائي أسرتي حياتي شعبي، متى؟ متى أنتظر أن يغير الله هذا الضعف بقوة وهذه الهزيمة والنكبات بنصر وأنا لا أغير ما بنفسي؟ وربي عز وجل قبل صفحة واحدة
(فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الأنفال)
الله مع الصابرين، إصبر وأبشِر النبي عليه الصلاة والسلام بشّر أصحابه قبل أن تبدأ المعركة أي نصر؟
نصر على قوة المشركين العظمى إنتصارهم بالحق إنتصارهم بالإيمان إنتصارهم بالثبات.
(وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ (71) الأنفال)
واحدة من قواعد هزيمة الأعداء أن يخونوا الله ورسوله كلما إزددنا نحن كمؤمنين حفاظاً على الأمانة بيننا وبين الله عز وجل كلما حفظني الله عز وجل من خيانة الخائنين، الخيانة من الخائنين لا أستطيع تجاوزها بكل الوسائل المادية التي يمكن أن تُمكّن لي إكتشاف المؤامرات والخيانات وإن كان هذا لا يعني إغفال هذه القضايا أو الأسباب المادية ولكن الضمان الحقيقي للتخلص من كل هذا أن أكون وأن أزداد أمانة وإيماناً وشموخاً وثباتاً على الحق الذي بين يديّ.
ثم الآيات إلى الأخير
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (72) )
ونضع مائة خط تحت في سبيل الله، ما الذي أخرج المؤمنين من مكة؟
سبيل الله.
ما الذي جعلهم يجاهدون بأموالهم وأنفسهم؟
سبيل الله.
لم يخرج لأجل مال، لم يخرج لأجل مُلْك، لم يخرج لأجل منصب، لم يخرج لأي شيء من متاع الدنيا لم يخرج إلا في سبيل الله، الإيمان غالي والوطن غالي والأرض غالية والمناصب غالية والجاه غالي والملك غالي وكل ذلك إذا كان في سبيل الله ففي سبيل الله والحق أغلى هذا هو الذي ينبغي أن يحركني.
(وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ (72) الأنفال)
ما الذي يريده الله عز وجل مني في هذه الآيات؟
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُو الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) فاطر)
ماذا يريد مني؟
يريد مني إيماناً حقيقياً، يريد أن يكون خروجي به وله، يريد أن أبذل وأضحي الغالي والنفيس في سبيل الحق الذي آمنت به هذا هو الحق هذا هو الصح هذا هو الثبات الذي تقدمه لي سورة الأنفال.
ولذلك آخر الآيات يختم بها الله عز وجل سورة الأنفال
(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) الأنفال)
طيب والغنائم؟
لم يذكر الله عز وجل في هذه الآية الغنائم ولا الأنفال لماذا؟
المكسب الحقيقي المغفرة والرزق الكريم من عند رب العالمين
(أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا (74) الأنفال)
الإيمان، الإيمان ليس ادّعاء، الإيمان ليس كلمة تنطق باللسان، الإيمان ليس أن أعيش في صلاتي عيشة معينة وفي واقعي ومؤسساتي عيشة أخرى لا تمت إلى هذا الإيمان بصلة، الإيمان الحق أفعال سلوك تصرفات قوة، إذا وصلت إلى هذا الإيمان الحقيقي
(لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) الأنفال)
وهذا هو الفوز