|
مشرفة قسم القرآن
|
" يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون "
فقوله تعالى " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ " جمع - هلال - ما فائدتها وحكمتها, أو عن ذاتها.
" قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ " أي جعلها الله تعالى, بلطفه ورحمته, على هذا التدبير.
يبدو الهلال ضعيفا في أول الشهر, ثم يتزايد إلى نصفه, ثم يشرع في النقص إلى كماله, وهكذا, ليعرف الناس بذلك, مواقيت عباداتهم, من الصيام, وأوقات الزكاة, والكفارات, وأوقات الحج.
ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات, ويستغرق أوقاتا كثيرة قال: " وَالْحَجِّ " وكذلك تعرف بذلك, أوقات الديون المؤجلات, ومدة الإجارات, ومدة العدد والحمل, وغير ذلك, مما هو من حاجات الخلق.
فجعله تعالى, حسابا, يعرفه كل أحد, من صغير, وكبير, وعالم, وجاهل.
فلو كان الحساب بالسنة الشمسية, لم يعرفه إلا النادر من الناس.
" وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا " وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من العرب, إذا أحرموا, لم يدخلوا البيوت من أبوابها, تعبدا بذلك, وظنا أنه بر.
فأخبر تعالى, أنه ليس من البر, لأن الله تعالى, لم يشرعه لهم.
وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله, فهو متعبد ببدعة.
وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم, التي هي قاعدة من قواعد الشرع.
ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور, أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب, الذي قد جعل له موصلا.
فالآمر بالمعروف, والناهي عن المنكر, ينبغي أن ينظر في حالة المأمور, ويستعمل معه الرفق والسياسة, التي بها يحصل المقصود أو بعضه.
والمتعلم والمعلم, ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله, يحصل به مقصوده.
وهكذا كل من حاول أمرا من الأمور وأتاه من أبوابه, وثابر عليه, فلا بد أن يحصل له المقصود, بعون الملك المعبود.
" وَاتَّقُوا اللَّهَ " هذا هو البر, الذي أمر الله به, وهو لزوم تقواه على الدوام, بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, فإنه سبب للفلاح, الذي هو الفوز بالمطلوب, والنجاة من المرهوب.
فمن لم يتق الله تعالى, لم يكن له سبيل إلى الفلاح, ومن اتقاه, فاز بالفلاح والنجاح.  " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "
هذه الآيات, تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله, وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة, لما قوى المسلمون للقتال, أمرهم الله به, بعد ما كانوا مأمورين بكف أيديهم.
وفي تخصيص القتال " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " حث على الإخلاص, ونهى عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين.
" الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ " أي.
الذين هم مستعدون لقتالكم, وهم المكلفون الرجال, غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال.
والنهي عن الاعتداء, يشمل أنواع الاعتداء كلها, من قتل من لا يقاتل, من النساء, والمجانين والأطفال, والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى, وقتل الحيوانات, وقطع الأشجار ونحوها, لغير مصلحة تعود للمسلمين.
ومن الاعتداء, مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها, فإن ذلك لا يجوز. " واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين "
" وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ " هذا أمر بقتالهم, أينما وجدوا في كل وقت, وفي كل زمان قتال مدافعة, وقتال مهاجمة.
ثم استثنى من هذا العموم قتالهم " عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " وأنه لا يجوز إلا أن يبدأوا بالقتال, فإنهم يقاتلون, جزاء لهم على اعتدائهم. " فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم "
وهذا مستمر في كل وقت, حتي ينتهوا عن كفرهم فيسلموا, فإن الله يتوب عليهم, ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله, والشرك في المسجد الحرام, وصد الرسول والمؤمنين عنه وهذا من رحمته وكرمه بعباده. " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين "
ولما كان القتال عند المسجد الحرام, يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام, أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك, والصد عن دينه, أشد من مفسدة القتل, فليس عليكم - أيها المسلمون - حرج في قتالهم.
ويستدل من هذه الآية - على القاعدة المشهورة - وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين, لدفع أعلاهما.
ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله, وأنه ليس المقصود به, سفك دماء الكفار, وأخذ أموالهم.
ولكن المقصود به أن " وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ " تعالى, فيظهر دين الله تعالى, على سائر الأديان, ويدفع كل ما يعارضه, من الشرك وغيره, وهو المراد بالفتنة.
فإذا حصل هذا المقصود, فلا قتل ولا قتال.
" فَإِنِ انْتَهَوْا " عن قتالكم عند المسجد الحرام " فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " أي: فليس عليهم منكم اعتداء, إلا من ظلم منهم, فإنه يستحق المعاقبة, بقدر ظلمه. " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين "
يقول تعالى: " الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ " , يحتمل أن يكون المراد به, ما وقع من صد المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية, عن الدخول لمكة, وقاضوهم على دخولها من قابل, وكان الصد والقضاء في شهر حرام, وهو ذو القعدة, فيكون هذا بهذا.
فيكون فيه, تطييب لقلوب الصحابة, بتمام نسكهم, وكماله.
ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام, فقد قاتلوكم فيه, وهم المعتدون, فليس عليكم في ذلك حرج.
وعلى هذا فيكون قوله: " وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " من باب عطف العام على الخاص.
أي: كل شيء يحترم من شهر حرام, أو بلد حرام, أو إحرام, أو ما هو أعم من ذلك, جميع ما أمر الشرع باحترامه, فمن تجرأ عليها, فإنه يقتص منه.
فمن قاتل في الشهر الحرام, قوتل.
ومن هتك البلد الحرام, أخذ منه الحد, ولم يكن له حرمة.
ومن قتل مكافئا له قتل به, ومن جرحه أو قطع عضوا, منه, اقتص منه.
ومن أخذ مال غيره المحترم, أخذ منه بدله.
ولكن هل لصاحب الحق, أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا؟ خلاف بين العلماء, الراجح من ذلك, أنه, إن كان سبب الحق ظاهرا كالضيف, إذا لم يقره غيره, والزوجة, والقريب إذا امتنع من تجب عليه النفقة من الإنفاق عليه,, فإنه يجوز أخذه من ماله.
وإن كان السبب خفيا, كمن جحد دين غيره, أو خانه في وديعة, أو سرق منه ونحو ذلك, فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له, جمعا بين الأدلة, ولهذا قال تعالى, توكيدا وتقوية لما تقدم: " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ " .
هذا تفسير لصفة المقاصة, وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي.
ولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي, أمر تعالى بلزوم تقواه, التي هي الوقوف عند حدوده, وعدم تجاوزها, وأخبر تعالى أنه " مَعَ الْمُتَّقِينَ " أي: بالعون, والنصر, والتأييد, والتوفيق.
ومن كان الله معه, حصل له السعادة الأبدية.
ومن لم يلزم التقوى, تخلى عنه وليه, وخذله, فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد.

" وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين "
يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله, وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله.
وهي كل طرق الخير, من صدقة على مسكين, أو قريب, أو إنفاق على من تجب مؤنته.
وأعظم ذلك, وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله.
فإن النفقة فيه, جهاد بالمال, وهو فرض كالجهاد بالبدن.
وفيها من المصالح العظيمة, الإعانة على تقوية المسلمين, وتوهين الشرك وأهله, وعلى إقامة دين الله وإعزازه.
فالجهاد في سبيل الله, لا يقوم إلا على ساق النفقة.
فالنفقة له, كالروح, لا يمكن وجوده بدونها.
وفي ترك الإنفاق في سبيل الله, إبطال للجهاد, وتسليط للأعداء, وشدة تكالبهم.
فيكون قوله تعالى: " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " كالتعليل لذلك.
والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: لترك ما أمر به العبد, إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح.
وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح, فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة.
فمن ذلك, ترك الجهاد في سبيل الله, أو النفقة فيه, الموجب لتسلط الأعداء.
ومن ذلك, تغرير الإنسان بنفسه, في مقاتلة, أو سفر مخوف, أو محل مسبعة أو حيات, أو يصعد شجرا, أو بنيانا خطرا, أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك.
فهذا ونحوه, ممن ألقى بيده إلى التهلكة.
ومن ذلك الإقامة على معاصي الله, واليأس من التوبة.
ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض, التي في تركها هلاك للروح والدين.
ولما كانت النفقة في سبيل الله, نوعا من أنواع الإحسان, أمر بالإحسان عموما فقال: " وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان, لأنه لم يقيده بشيء دون شيء.
فيدخل فيه, الإحسان بالمال كما تقدم.
ويدخل فيه, الإحسان بالجاه, بالشفاعات ونحو ذلك.
ويدخل في ذلك, الإحسان بالأمر المعروف, والنهي عن المنكر, وتعليم العلم النافع.
ويدخل في ذلك, قضاء حوائج الناس, من تفريج كرباتهم, وإزالة شدائدهم, وعيادة مرضاهم, وتشييع جنائزهم, وإرشاد ضالهم, وإعانة من يعمل عملا, والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك, مما هو من الإحسان الذي أمر الله به.
ويدخل في الإحسان أيضا, الإحسان في عبادة الله تعالى, وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
" أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه, فإنه يراك " .
فمن اتصف بهذه الصفات, كان من الذين قال الله فيهم " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ " وكان الله معه يسدده ويرشده, ويعينه على كل أموره. " وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب "
ولما فرغ تعالى من ذكر أحكام الصيام والجهاد, ذكر أحكام الحج فقال: " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ " الآية.
يستدل بقوله " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ " على أمور: أحدها, وجوب الحج والعمرة, وفرضيتهما.
الثاني: وجوب إتمامهما, بأركانهما, وواجباتهما, التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله " خذوا عني مناسككم " .
الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة الرابع: أن الحج والعمرة, يجب إتمامهما بالشروع فيهما, ولو كانا نقلا.
الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما, وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما.
السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما " لِلَّهِ " تعالى.
السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما, بشيء من الأشياء حتى يكملهما, إلا بما استثناه الله, وهو الحصر, فلهذا قال: " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ " أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما, بمرض, أو ضلالة, أو عدو, ونحو ذلك من أنواع الحصر, الذي هو المنع.
" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ " أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي, وهو سبع بدنة, أو سبع بقرة, أو شاة يذبحها المحصر, ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, لما صدهم المشركون عام الحديبية.
فإن لم يجد الهدي, فليصم بدله, عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل.
ثم قال تعالى " وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ " .
وهذا من محظورات الإحرام, إزالة الشعر, بحلق أو غيره, لأن المعنى واحد من الرأس, أو من البدن, لأن المقصود من ذلك, حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته, وهو موجود في بقية الشعر.
وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر, تقليم الأظفار بجامع الترفه.
ويستمر المنع مما ذكر, حتى يبلغ الهدي محله, وهو يوم النحر.
والأفضل, أن يكون الحلق بعد النحر, كما تدل عليه الآية.
ويستدل بهذه الآية, على أن المتمتع إذا ساق الهدي, لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر.
فإذا طاف وسعى للعمرة, أحرم بالحج, ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي.
وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك, لما فيه من الذل والخضوع لله, والانكسار له, والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد, وليس عليه في ذلك من ضرر.
فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض, ينتفع بحلق رأسه له, أو قروح, أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه, ولكن يكون عليه فدية, من صيام ثلاثة أيام, أو إطعام ستة مساكين, أو نسك ما يجزى في أضحية, فهو مخير.
والنسك أفضل, فالصدقة, فالصيام.
ومثل هذا, كل ما كان في معنى ذلك, من تقليم الأظفار, أو تغطية الرأس, أو لبس المخيط, أو الطيب, فإنه يجوز عند الضرورة, مع وجوب الفدية المذكورة لأن القصد من الجميع, إزالة ما به يترفه.
ثم قال تعالى " فَإِذَا أَمِنْتُمْ " أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره.
" فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ " بأن توصل بها إليه, وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها.
" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ " أي: فعليه ما تيسر من الهدي, وهو ما يجزى في أضحية.
وهذا دم نسك, مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة, ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة, بعد فراغ العمرة, وقبل الشروع في الحج.
ومثلها, القرآن لحصول النسكين له.
ويدل مفهوم الآية, على أن المفرد للحج, ليس عليه هدي.
ودلت الآية, على جواز, بل فضيلة المتعة, وعلى جواز فعلها في أشهر الحج.
" فَمَنْ لَمْ يَجِدْ " أي الهدي أو ثمنه " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ " .
أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة, وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر, أيام رمي الجمار, والمبيت بـ " منى " .
ولكن الأفضل منها, أن يصوم السابع, والثامن, والتاسع.
" وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ " أي: فرغتم من أعمال الحج, فيجوز فعلها في مكة, وفي الطريق, وعند وصوله إلى أهله.
" ذَلِكَ " المذكور من وجوب الهدي على المتمتع.
" لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " بأن كان عند مسافة قصر فأكثر, أو بعيدا عند عرفات, فهذا الذي يجب عليه الهدي, لحصول النسكين له في سفر واحد.
وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام, فليس عليه هدي, لعدم الموجب لذلك.
" وَاتَّقُوا اللَّهَ " أي: في جميع أموركم, بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه.
ومن ذلك, امتثالكم, لهذه المأمورات, واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية.
" وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " أي: لمن عصاه, وهذا هو الموجب للتقوى, فإن من خاف عقاب الله, انكف عما يوجب العقاب.
كما أن من رجا ثواب الله, عمل لما يوصله إلى الثواب.
ومن لم يخف العقاب, ولم يرج الثواب, اقتحم المحارم, وتجرأ على ترك الواجبات.
" الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب "
يخبر تعالى أن " الْحَجَّ " واقع في " أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ " عند المخاطبين, مشهورات, بحيث لا تحتاج إلى تخصيص.
كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره, وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس.
وأما الحج, فقد كان من ملة إبراهيم, التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم.
والمراد بالأشهر المعلومات عند الجمهور, شوال, وذو القعدة, وعشر من ذي الحجة, فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبا.
" فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ " أي: أحرم به, لأن الشروع فيه.
يصيره فرضا, ولو كان نفلا.
واستدل بهذه الآية, الشافعي ومن تابعه, على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره.
قلت لو قيل: فيها دلالة لقول الجهور, بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره لكان قريبا.
فإن قوله " فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ " دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة وقد لا يقع فيها, وإلا لم يقيده.
وقوله " فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ " أي: يجب أن تعظموا الإحرام بالحج, وخصوصا, الواقع في أشهره, وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه, من الرفث وهو: الجماع ومقدماته الفعلية والقولية, خصوصا عند النساء, بحضرتهن.
والفسوق وهو: جميع المعاصي, ومنها محظورات الإحرام.
والجدال, وهو: المماراة والمنازعة والمخاصة, لكونها تثير الشر, وتوقع العداوة.
والمقصود من الحج, الذل والانكسار لله, والتقرب إليه بما أمكن من القربات, والتنزه عن مقارفة السيئات, فإنه بذلك, يكون مبرورا والمبرور, ليس له جزاء إلا الجنة.
وهذه الأشياء, وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان, فإنه يتغلظ المنع عنها في الحج.
واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر.
ولهذا قال تعالى " وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ " .
[أتى بـ " من " للتنصيص على العموم فكل خير وقربة وعبادة, داخل في ذلك.
أي: فإن الله به عليم, وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير, خصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة, فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها, من صلاة, وصيام, وصدقة, وطواف, وإحسان قولي وفعلي.
ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك, فإن التزود فيه, الاستغناء عن المخلوقين, والكف عن أموالهم, سؤالا واستشرافا.
وفي الإكثار منه, نفع وإعانة للمسافرين, وزيادة قربة لرب العالمين.
وهذا الزاد الذي المراد منه, إقامة البنية - بلغة ومتاع.
وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه, في دنياه, وأخراه, فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار, وهو الموصل لأكمل لذة, وأجل نعيم دائما أبدا.
ومن ترك هذا الزاد, فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر, وممنوع من الوصول إلى دار المتقين.
فهذا مدح للتقوى.
ثم أمر بها أولي الألباب فقال " وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ " .
أي: يا أهل العقول الرزينة, اتقوا ربكم, الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول, وتركها دليل على الجهل, وفساد الرأي
" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين "
لما أمر تعالى بالتقوى, أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره, ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج, وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله, لا منسوبا إلى حذق العبد, والوقوف مع السبب, ونسيان المسبب, فإن هذا هو الحرج بعينه.
وفي قوله " فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ " دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة, وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج.
فالإفاضة من عرفات, لا تكون إلا بعد الوقوف.
الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام, وهو المزدلفة, وذلك أيضا معروف, يكون ليلة النحر بائتا بها, وبعد صلاة الفجر, يقف في المزدلفة داعيا, حتى يسفر جدا, ويدخل في ذكر الله عنده, إيقاع الفرائض والنوافل فيه.
الثالث: أن الوقوف بمزدلفة, متأخر عن الوقوف بعرفة, كما تدل عليه الفاء والترتيب.
الرابع, والخامس: أن عرفات ومزدلفة, كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها, وإظهارها.
السادس: أن مزدلفة في الحرم, كما قيده بالحرام.
السابع: أن عرفة في الحل, كما هو مفهوم التقييد بـ " مزدلفة " .
" وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ " أي: اذكروا الله تعالى, كما من عليكم بالهداية بعد الضلال, وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون.
فهذه من أكبر النعم, التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان.  " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم "
" ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ " أي: ثم أفيضوا من مزدلفة, من حيث أفاض الناس, من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن.
والمقصود من هذه الإفاضة, كان معروفا عندهم, وهو رمي الجمار, وذبح الهدايا, والطواف, والسعي, والمبيت بـ " منى " ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك. " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق "
ولما كانت هذه الإفاضة, يقصد بها ما ذكر, والمذكورات آخر المناسك, أمر تعالى عند الفراغ منها, باستغفاره والإكثار من ذكره.
فالاستغفار للخلل الواقع من العبد, في أداء عبادته وتقصيره فيها.
وذكر الله, شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة.
وهكذا ينبغي للعبد, كلما فرغ من عبادة, أن يستغفر الله عن التقصير, ويشكره على التوفيق, لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة, ومن بها على ربه, وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة, فهذا حقيق بالمقت, ورد الفعل.
كما أن الأول, حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر.
ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق, وأن الجميع يسألونه مطالبهم, ويستدفعونه ما يضرهم, ولكن مقاصدهم تختلف.
فمنهم " مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا " أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته, وليس له في الآخرة من نصيب, لرغبته عنها, وقصر همته على الدنيا.
ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين, ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه.
وكل من هؤلاء وهؤلاء, لهم نصيب من كسبهم وعملهم, وسيجازيهم تعالى, على حسب أعمالهم, وهماتهم ونياتهم, جزاء دائرا بين العدل والفضل, يحمد عليه أكمل حمد وأتمه.
وفي هذه الآية, دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع, مسلما أو كافرا, أو فاسقا.
ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه, دليلا على محبته له وقربه منه, إلا في مطالب الآخرة, ومهمات الدين.
والحسنة المطلوبة في الدنيا, يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد, من رزق هني واسع حلال, وزوجة صالحة, وولد تقر به العين, وراحة, وعلم نافع, وعمل صالح, ونحو ذلك, من المطالب المحبوبة والمباحة.
وحسنة الآخرة, هي السلامة من العقوبات, في القبر, والموقف, والنار, وحصول رضا الله, والفوز بالنعيم المقيم, والقرب من الرب الرحيم.
فصار هذا الدعاء, أجمع دعاء وأكمله, وأولاه بالإيثار, ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به, والحث عليه.  " واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون "
يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات, وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد, لمزيتها وشرفها, وكون بقية المناسك تفعل بها, ولكون الناس أضيافا لله فيها, ولهذا حرم صيامها.
فللذكر فيها مزية, ليست لغيرها, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " أيام التشريق, أيام أكل وشرب, وذكر الله " .
ويدخل في ذكر الله فيها, ذكره عند رمي الجمار, وعند الذبح, والذكر المقيد عقب الفرائض.
بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق, كالعشر, وليس ببعيد.
" فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ " أي خرج من " منى " ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني.
" فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ " بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد " فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ " وهذا تخفيف من الله تعالى على عباده, في إباحة كلا, الأمرين.
ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين, فالمتأخر أفضل, لأنه أكثر عبادة.
ولما كان نفي الحرج, قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره, والحال أن الحرج منفي عن المتقدم والمتأخر فقط - قيده بقوله.
" لِمَنِ اتَّقَى " أي: اتقى الله في جميع أموره, وأحوال الحج.
فمن اتقى الله في كل شيء, حصل له نفي الحرج في كل شيء.
ومن اتقاه في شيء دون شيء, كان الجزاء من جنس العمل.
" وَاتَّقُوا اللَّهَ " بامتثال أوامره واجتناب معاصيه.
" وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " فمجازيكم بأعمالكم.
فمن اتقاه, وجد جزاء التقوى عنده, ومن لم يتقه, عاقبه أشد العقوبة.
فالعلم بالجزاء, من أعظم الدواعي لتقوى الله, فلهذا حث تعالى, على العلم بذلك.

" ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام "
لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره, وخصوصا في الأوقات الفاضلة, الذي هو خير مصلحة وبر, أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله, فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " أي: إذا تكلم, راق كلامه للسامع.
وإذا نطق, ظنته يتكلم بكلام نافع, ويؤكد ما يقول بأنه " وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ " بأن يخبر أن الله يعلم, أن ما في قلبه موافق لما نطق به, وهو كاذب في ذلك, لأنه يخالف قوله فعله.
فلو كان صادقا, لتوافق القول والفعل, كحال المؤمن غير المنافق, ولهذا قال: " وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ " أي: إذا خاصمته, وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب, وما يترتب على ذلك, ما هو من مقابح الصفات, ليس كأخلاق المؤمنين, الذين جعلوا السهولة مركبهم, والانقياد للحق وظيفتهم, والسماحة سجيتهم. " وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد "
" وَإِذَا تَوَلَّى " هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك " سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا " أي: يجتهد على أعمال المعاصي, التي هي إفساد في الأرض " وَيُهْلِكَ " بسبب ذلك " الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " فالزروع والثمار والمواشي, تتلف وتنقص, وتقل بركتها, بسبب العمل في المعاصي.
" وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ " فإذا كان لا يحب الفساد, فهو يبغض العبد المفسد في الأرض, غاية البغض, وإن قال بلسانه قولا حسنا.
ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص, ليست دليلا على صدق ولا كذب, ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها, المزكى لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود, والمحق والمبطل من الناس, ببر أعمالهم, والنظر لقرائن أحوالهم, وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم. " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد "
ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله, إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف.
" أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ " فيجمع يين العمل بالمعاصي والتكبر على الناصحين.
" فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ " التي هي دار العاصين والمتكبرين.
" وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ " أي: المستقر والمسكن, عذاب دائم, وهم لا ينقطع, ويأس مستمر, لا يخفف عنهم العذاب, ولا يرجون الثواب, جزاء لجنايتهم ومقابلة لأعمالهم.
فعياذا بالله, من أحوالهم. " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد "
معاني المفردات.
قال في الصحاح: شريت الشيء أشريه شراء: إذا بعته وإذا اشتريته أيضا, وهو من الأضداد.
قال الله تعالى " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ " أي: يبيعها.
وقال تعالى: " وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ " أي: باعوه ا هـ ومثله في القاموس.
هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان الرومي حين أراده المشركون على ترك الإسلام, كما رواه ابن عباس وأنس, وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة غيرهم.
وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة, منعه الناس أن يهاجر بماله, وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر: فعل.
فتخلص منهم وأعطاهم ماله, فأنزل الله فيه هذه الآية.
فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة, إلى طرف الحرة, فقالوا له: ربح البيع ربح البيع.
فقال: وأنتم, فلا أخسر الله تجارتكم, وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية.
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " ربح البيع صهيب " .
وحدث أبو عثمان النهدي عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب, قدمت إلينا ولا مال لك, وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبدا.
فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم.
فدفعت إليهم مالي, فخلوا عني, فحرجت حتى قدمت المدينة.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ربح صهيب ربح صهيب " مرتين.
وقال حماد بن سلمة, عن علي بن يزيد, عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم, فاتبعه نفر من قريش.
فنزل عن راحلته, ونثل ما في كنانته, ثم قال: يا معشر قريش, قد علمتم أني من أرماكم رجلا.
وأنتم - والله - لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي, ثم أضرب بسيفي, ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم.
وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة, وخليتم سبيلي, قالوا له: نعم.
فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ربح البيع " قال: ونزلت ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد.
وأما الأكثرون, فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " .
ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين, أنكر عليه بعض الناس.
فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما, وتلوا هذه الآية.
ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد ا هـ.
من تفسير ابن كثير بتصرف يسير.
|