غرور صاحب الجنتين وعدم إيمانه بالبعث
(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)
دخلها وأعظم أنواع الظلم وكل أنواع الظلم عظيمة ولكن كلها تنبت من شجرة ظلم الإنسان لنفسه وأعظم ظلم للإنسان لنفسه أن يبعدها ويصرفها عن خالقه بالشرك وعدم الإخلاص وابتعاد وإعراض عن الله سبحانه وتعالى وهو سبحانه من لا ينبغي أن يعرض عنه أحد.
(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ)
كيف ظلم نفسه؟
بدحضها وطمسها وطمس معالم الإيمان من خلال الشرك، من خلال نسب ما وصل إليه من مال ومن جنة ومن نفر من حوله لنفسه الضعيفة التي لا تملك شيئاً. ولم يتوقف الظلم عن هذا الحد، وهكذا الظلم، الإنسان حينما يبدأ سلسلة الظلم لنفسه لا يمكن أن يقف عند حلق رديء واحد ولكن كل خُلُق يُسلِمه إلى الخُلُق الأسوأ الذي يرديه أسفل سافلين.
(قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)
هل يُعقل هذه الجنة العظيمة التي أراها أمام عينيّ أن تبيد؟!
ما أظن!، انظر إلى الغرور! انظر إلى اغترار الإنسان! فتنة!
ما أظن أن أخرج في يوم من الأيام من هذا القصر الذي أمتلك، ما أظن أن هذه الحاشية في يوم من الأيام يمكن أن تتخلى عني، ما أظن، ما أظن، ما أظن!
ولكنه كذب ووهمٌ كاذب ووهم عشت فيه وأنفقت فيه حياتي وأغلى ساعات عمري! هذا صاحب الجنتين الواهم الجاهل الذي لم يكن يدرك حقيقة الدنيا ولا حقيقة الآخرة وكان يعتقد أن عطاء الجنتين أعظم من عطاء الإيمان وبئس من عطاء!
أعظم عطاء وأعظم رزق يمنحه الله سبحانه لأحدٍ من خلقه أن يُدنيك منه سبحانه بالإيمان به بأن يفتح على بصيرتك بأن ينير ويضيء جنبات نفسك وقلبك وروحك فتسمو إلى خالقها سبحانه تحميداً وتمجيداً وتسبيحاً.
(وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)
كذّب بالبعث، كذّب بخالقه سبحانه
(وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا )
غرور!
غاية التكبر وغاية الغرور!

نعمة التوحيد بالله أجل النعم وأعظمها شأنا
تأمل معي إلى الجزء الثاني من القصة،
هنا العطاء ولكن عطاء الدنيا وهنا الجانب الآخر الإنسان الفقير، المنع، نحن نرى الصورة أحياناً في كثير من الأحيان نحن كبشر أنظر إلى جزء فقط من الصورة لا أكمل الصورة لا آخذ الصورة بكمالها.
الجزء الأول من الصورة
صاحب العطاء صاحب الجنتين،
الجزء الثاني من تلك الصورة
إنسان فقير بسيط متواضع لا يمتلك من متاع الدنيا الكثير،
انظر ماذا قال له؟
(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)
نعم، منع الله عنه شيئاً من عطاء الدنيا، شيئاً من تراب الدنيا حتى وإن كان تِبراً ولكن أعطاه شيئاً آخر أعطاه نعمة لا تزول، أعطاه نعمة الإيمان والتوحيد والتعرف لخالقه سبحانه وتعالى. وتأمل معي قول الله وانظر أيهما أعزّ؟
(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا )
وتأمل كم مرة تقريباً ست مرات ترد في سورة الكهف (أحداً) الواحد الأحد، التوحيد، (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) العصمة من الفتن لا تكون إلا من قلب يؤمن ويتلفظ في كل نبضة من نبضاته بأن لا إله إلا الله وبان الدين حق وبأن الساعة قائمة وأن الدنيا إل زوال وأن الآخرة هي الباقية
(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)
هذا الرجل البسيط الفقير المتواضع صاح الإمكانيات المادية البسيطة الذي لا يملك شيئاً من متاع الدنيا، هذا الإنسان البسيط رزق نعمة الإيمان والتوحيد لله عز وجل ورزق نعمة أخرى كثير منا مع الأسف في هذه الأيام أمام فتنة الرزق يضعف أمامها
"حسن الظن بالله عز وجل"،

كيف يكون حسن الظن بالله
كم مرة أنا أسأت الظن بالله حين يمنع عني ما أريد وما أسعى إليه؟ كم مرة قلت أعطى ربي فلاناً ولم يعطني؟ كم مرة حدّثت بها نفسي؟ كم مرة قلت لماذا فلان عنده عشر أولاد وأنا ما عندي ولا ولد؟ كم مرة فكرت واعترضت على أحكام خالقي حتى ولو كان هذا الاعتراض في قلبي؟! كم مرة خطر ببالي لماذا يفتح الله عز وجل الدنيا على من كفر به ويمنعها عمن لم يكفر به ويؤمن به؟ كم مرة تصورت واهماً غير متيقن بالله غير مدرك لحكمته سبحانه وعلمه وقدرته المطلقة كم مرة قلت مع نفسي لماذا الكافر يمتلك من أسباب القوة ويقتل ويضرب ويسفك وأنا ضعيف فقير لا أستطيع أن أدفع أو أمنع عن نفسي الضر ولا أن أستجلب النفع؟ كم مرة أسأت الأدب وأسأت الظن مع الله عز وجل؟
لكن سورة الكهف تقدم لي نموذجاً من البشر يحسن بالظن بالله مهما انتكست أحواله المادية، الدنيا طلعت أو نزلت محسن الظن بالله عز وجل، مؤمن، يقول
(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)
أعطاني أو منعني، أخذ مني أم لم يأخذ مني، عطاؤه ومنعه عطاء وعطاؤه ومنعه ابتلاء وأنا في كِلا الحالتين أحتاج لتوحيده والإيمان به والاعتصام بحبله.
(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)
هو ربي سواء كنت مريضاً أو صحيح الجسم، هو ربي سواء كنت أستطيع أن أمشي على قدميّ أم كنت لا أستطيع المشي إلا على كرسي متحرك، هو ربي وحبيبي وخالقي والحنّان المنّان الغفور الرحيم سواء أعطاني أو منع عني، هو ربي سواء قُتِلت في سبيله أو أحد اعتدى عليّ أو سُلّط عليّ، هو ربي.
هذه القضية قضية محسومة في قلبي، في نفسي، هذه قضية غير خاضعة للعطاء وللمنع، المؤمن الذي يخضع إيمانه بالله للعطاء والمنع مؤمن ضعيف الإيمان يحتاج لتصحيح التوحيد وسورة الكهف تعزز هذا التوحيد وتصححه من جديد وتوقظ في نفسي نور التوحيد ليشع على قلبي من جديد.

المؤمن لا يحسد
إيمانك بالله لا ينبغي أن يتزعزع ولا يكون محط تساؤل. إ
ذا أردت إيماناً يصل بك لجنات الفردوس، إذا أردت إيماناً يصل بك إلى أحسن العمل عليك أن تدرك أن الإيمان بالله وتوحيد الله سبحانه غير قابل للخضوع إلى معادلات العطاء والمنع كما يقع البعض في هذه الفتن.
وانظر إلى قول الإنسان هذا البسيط المتواضع الذي حُرِم من متاع الدنيا وأعطي أعظم متاع
(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ)
لو أنا كنت في مكانك، انظر، هنا انتهى موضوع الحسد لأن بعض الناس حين يرى النعم المادية الظاهرة التي قد أعطيت لفلان أو فلان من الناس أول شيء يتبادر إلى قلبه هو قضية الحسد.
الله أعطى فلاناً وهو كافر ولا يصلي ومنع عني وأنا أصلي وأشهد؟!! أما إيمانك وشهادتك بالله وصلاتك فهل هي لأجل العطاء؟! إن أعطاك آمنت به وإن منع عنك كفرت به؟! هذا ليس بإيمان!
أما الحسد والنظر إلى ما في أيدي الناس، انظر إلى هذا الإنسان الفقير المتواضع، الحسد من أعظم الأعمال التي تأخذ الدين وتجتثّ جذور التوحيد من القلب، لماذا؟
لأن الحسد يتضمن الاعتراض على حكم الله وحكمته سبحانه وتعالى ومحاولة التدخل وإساءة الأدب مع الله عز وجل في الفصل بين عباده، هو رب، هو خالق، هو سيد في مملكته عز وجل يعطي ويمنع كما يريد وكما يشاء ويفعل ما يريد ونحن عبيد في مملكته سواء أعطانا أو منعنا، رضينا بذلك أم لم نرضى، هذا هو الإيمان.
معنى
(مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)
(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا )(39)الكهف
وهنا كلمة
(مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)
مفتاح لمن أراد أن يحافظ على نعمة، من أراد أن يصون نعمة منّ الله بها عليه سواء كان من مال من موهبة من علم من ولد، أي شيء، أول كلمة عليه أن يقولها وتبقى دائماً في قلبه
(مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)
وما معنى
(مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)؟
هذا العطاء هو مشيئة الله عز وجل هذا العطاء نسبته لله، أنا لا أملكه، أنا لا أستحقه، أنا لا أضع نفسي كما وضع قارون نفسه حين قال (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي (78) القصص) لا، أنا لم أؤتى هذا المال وهذا الرزق على علم، صحيح الأخذ بالأسباب مطلوب ولكني قد آخذ بكل أسباب الدنيا طولاً وعرضاً ثم لا يكون لي فيها إلا ما قدّره الله عز وجل، أنا ربما آخذ بالأسباب ولا أنجح ولا أوفّق لنجاح ولا أوفق لعطاء ولا أوفق لربح تجارة أنت قد تكون تاجراً ماهراً وتعرف كل أساليب النجاح في الشركات والمؤسسات ولكن ربما تقوم بصفقة تقوم بصفقة ثم ربي عز وجل لا يسمح لك بأن تنهي هذه الصفقة أو تكون صفقة خاسرة، من الذي أعطى ومنع؟
الله.
إذن لا يخرج الأمر عن مشيئة الله عز وجل ومقتضى إيماني وتوحيدي لله عز وجل يقتضي أن أؤمن بهذه الحقيقة وأن أستحضر هذه الحقيقة ولذا جاء –تأملوا الربط- الآيات التي في الكلام عن القصة في بداياتها في قصة أهل الكهف عندما علّم الله سبحانه وتعالى نبيه والمؤمنين أدباً رفيعاً
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ)
كل شيء بمشيئة الله عز وجل كل شيء بأمره، أنا حين أقول سأفعل ذلك بعد ساعة أو غداً من الذي يملك تلك الساعة؟ من الذي يملك أن يجعلني من أهل تلك الساعة أو من أهل ذلك اليوم؟ من الذي يملك أنفاس الحياة؟