الأثر السادس عشر :أنها تمد العبد بقوة روحية وبقوة بدنية
فالصَّلاة تمدّ المؤمن بقُوة روحية تعينه على مُواجهة المشقات والمكاره فِي الحياة الدنيا، قَالَ تَعَالَى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45] وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153]
- والصَّلاة غذاء روحي للمؤمنِ يُعينه على مقاومة الجزع والهلع عنْد مَسّه الضّر، والمَنْع عنْد الْخَيْر والتغلب على جوانِب الضعف الإنساني، قال تعالَى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج: 19 - 23]
الأثر السابع عشر : الشعور بوحدة الأمة ونبذ العصبية بكل ألوانها
عندما يتجه المصلون في أنحاء الدنيا إلى القبلة، يشعر المسلم بالتآلف والوحدة، ونبذ الفرقة، فلا مكان للون أو جنس أو طبقية، فكلنا عبيد لله، إلهنا واحد، وديننا واحد، وقبلتنا واحدة، لا فرق بين غني وفقير، وعظيم وحقير، يعيش آلام إخوانه المسلمين وآمالهم، فيصبح عنصرا فعالا في مجتمعه، لبنة صالحة في بناء أمته.(114)
الأثر الثامن عشر : أنها تعود المسلم النظام ودقة المواعيد
في الصلاة تدريب للمسلم على النظام وتعويد له على الطاعة ويظهر هذا واضحا في:
- ارتباط الصلوات المفروضات بمواقيت محددة شرعا (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: 103]
- صلاة الجماعة إذ يقف المسلمون في صفوف مستقيمة متلاصقة فلا عوج ولا فرج المنكب إلى المنكب والقدم إلى القدم فإذا كبر الإمام كبروا وإذا قرأ أنصتوا، وإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا سلم سلموا، من خرج على هذا النظام فكأنما خرج على الإنسانية وانحط إلى مستوى الحيوانية(115)، فعن أَبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ).(116)
تعوده الصلاة على الدقة في الموعد، والحرص على الوقت، تنظم له أوقاته، فيتعود النظام في جميع أمور حياته
الأثر التاسع عشر: أنها سبب للإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة
قال الشنقيطي: العبد إذا قام بين يدي ربَّه يناجيه، ويتلو كتابه هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند الله ورهبة منه، فيتباعد عن كل ما لا يرضي الله فيرزقه الله ويهديه.(117)
فمن أعظم الآثار الإيمانية للصلاة، الإعراض بالقلب عن الدنيا والإقبال على الآخرة ويتحقق ذلك في الصلاة من عدة جهات:
- التوجه إلى القبلة بالوجه وإلى الله بالقلب وترك الدنيا خلف الظهر (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238]
- دعاء الاستفتاح الذي يقوله المصلي بعد تكبيرة الإحرام: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ).(118)
- بتكبيرة الإحرام يمتنع المصلى من الطعام والشراب والكلام وكل ما يتعلق بأمور الدنيا، ويقبل على الآخرة بقلبه وجوارحه، (إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ).(119)
- وكذلك وردَ النهي عن الالتفات في الصلاة، عَنْ الْحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (إِنَّ اللهَ أَمْرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا نَصَبْتُمْ وُجُوهَكُمْ فلَا تَلْتَفِتُوا).(120)
مشاهد الصلاة التي تؤتي ثمارها وتترتب عليها آثارها
قال ابن القيم: وممَّا يَنْبغِي أن يُعلم أن الصَّلاة التِي تقر بها العين ويستريح بها القلب هيَ التِي تجمع سِتَّة مشاهد
المشهد الأول الْإِخْلَاص: وَهُوَ أَن يكون الْحَامِل عَلَيْهَا والداعي إِلَيْهَا رَغْبَة العَبْد فِي الله ومحبته لَهُ وَطلب مرضاته.
المشهد الثانِي مشهد الصدْق والنصح وَهُوَ أَن يفرغ قلبه لله فِيهَا ويستفرغ جهده فِي إقباله فِيهَا على الله وَجمع قلبه عَلَيْهَا وإيقاعها على أحسن الْوُجُوه وأكملها ظَاهرا وَبَاطنا فَإِن الصَّلَاة لَهَا ظَاهر وباطن فظاهرها الْأَفْعَال الْمُشَاهدَة والأقوال المسموعة وباطنها الْخُشُوع والمراقبة وتفريغ الْقلب لله والإقبال بكليته على الله
المشهد الثَّالِث: مشهد الْمُتَابَعَة والاقتداء
وَهُوَ أَن يحرص كل الْحِرْص على الِاقْتِدَاء فِي صلَاته بِالنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَيُصلي كَمَا كَانَ يُصَلِّي
المشهد الرَّابِع: مشهد الْإِحْسَان
وَهُوَ مشْهد المراقبة وَهُوَ أَن يعبد الله كَأَنَّهُ يرَاهُ وَهَذَا المشهد إِنَّمَا ينشأ من كَمَال الْإِيمَان بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته
ومشهد الْإِحْسَان أصل أَعمال الْقُلُوب كلهَا فَإِنَّهُ يُوجب الْحيَاء والإجلال والتعظيم والخشية وَيجمع الْقلب والهم على الله....فحظ العَبْد من الْقرب من الله على قدر حَظه من مقَام الْإِحْسَان
المشهد الْخَامِس: مشهد الْمِنة
وَهُوَ أَن يشْهد أَن الْمِنَّة لله سُبْحَانَهُ كَونه أَقَامَهُ فِي هَذَا الْمقَام وَأَهله لَهُ ووفقه لقِيَام قلبه وبدنه فِي خدمته فلولا الله سُبْحَانَهُ لم يكن شَيْء من ذَلِك كَمَا كَانَ الصَّحَابَة يحدون بَين يَدي النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- فَيَقُولُونَ
وَالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا...وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا
وَفِيه من الْفَوَائِد أَنه يحول بَين الْقلب وَبَين الْعجب بِالْعَمَلِ ورؤيته
المشهد السَّادِس: مشْهد التَّقْصِير
وَأَن العَبْد لَو اجْتهد فِي الْقيام بِالْأَمر غَايَة الِاجْتِهَاد وبذل وَسعه فَهُوَ مقصر وَحقّ الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ أعظم وَالَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَن يُقَابل بِهِ من الطَّاعَة والعبودية والخدمة فَوق ذَلِك بِكَثِير وَأَن عَظمته وجلاله سُبْحَانَهُ يَقْتَضِي من الْعُبُودِيَّة مَا يَلِيق بهَا
وملاك هَذا الشأن أَربَعة أمور
نِيَّة صَحِيحَة وَقُوَّة عالية يقارنهما رَغْبَة وَرَهْبَة
فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة هِيَ قَوَاعِد هَذَا الشَّأْن وَمهما دخل على العَبْد من النَّقْص فِي إيمَانه وأحواله وَظَاهره وباطنه فَهُوَ من نُقْصَان هَذِه الْأَرْبَعَة أَو نُقْصَان بَعْضهَا.(121)
زاد الواعظين
|