كنز من كنوز الجنة
لا ينبغي لي أن أنسى أو أن أغفل حتى ما أنسى أبداً ولا أغفل عن ذكر الله لأن هذا مدخل من مداخل الشيطان ومدخل من مداخل الفتن، باي شيء؟
أن أتصور أن أفعل شيئاً دون مشيئة الله سبحانه.
وقد يقول قائل نحن في خضم الانشغالات نقول سافعل ذلك غداً وأنا لا أقصدها وأوحّد الله وأعلم أن كل شيء بأمره ولكني نسيت ولذلك ربي سبحانه وتعالى قال
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) النسيان منهي عنه، ينبغي أن لا أنسى قلباً ولساناً وعملاً وسلوكاً أنه ما من عمل إلا والله سبحانه وتعالى هو المريد له هو المحرّك له هو من يمكنني من القيام بالعمل، هذا إيمان، هذه العبادة ما أصبحت كلمة ما شاء الله مجرد كلمة تقال باللسان، لا، أصبحت عبادة، أصبحت من أعظم العبادات، وكذا "إن شاء الله" لماذا؟
لأني حين أقول وأردد هذه الكلمة أستحضر وأجدد توحيدي وإيماني بأنه ما من عمل أقوم به إلا ومشيئة الله غالبة عليّ.
(لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)
تأملوا معي كنز من كنوز الجنة
"لا حول ولا قوة إلا بالله"
ما معناها؟
أنا ضعيف أبرأ من كل حول لي وقوة، إلى من؟
إلى حولك وقوتك (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) لا المال ولا الجاه ولا الحاشية ولا الجيوش ولا القصور ولا حسابات البنوك ولا أي شيء في الدنيا (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) من استقوى بالله أعانه وقوّاه ومن استقوى بغيره أضلّه وأذلّه وأضعفه وأرداه، هذه هي الحقيقة. أنت تستقوي بمن؟ بجيوش؟ بحاشية؟ بنفر كما في صاحب الجنتين؟ انظر إلى النهاية!

تربية النفس على الرضا بأقدار
دعونا قبل أن نصل إلى نهاية قصة صاحب الجنتين نكمل حوار هذا الإنسان المؤمن المتواضع صاحب الرزق البسيط الذي لم تجعل منه فتنة تقليل الرزق أو تقتير الرزق عبداً مخالفاً لربه جاحداً ساخطاً على قضاء ربه.
وأنا أتساءل كم من المرات لم ننجح في هذا الاختبار؟! كم مرة ابتلينا بقلة الرزق أو بضيق الرزق ولو لفترة محددة ولم ننجح؟ كم مرة؟! كم مرة تزعزع الإيمان وتزعزعت محبة الله عز وجل في قلوبنا ولو بيننا وبين أنفسنا لم نُبِح بذلك لأحد نتيجة لقلة الرزق نتيجة لعدم تحقق أمنية كنا نسعى إليها، نتيجة لعدم ربحنا في تجارة طالما طلبناها وسعينا إليها، كم مرة؟! كم مرة؟!
انظر إلى هذا الرجل
(إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا)
أنت ترى قلة المال والولد أما أنا فلا أرى القلة في المال والولد
(فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ)
هذه الجنة التي تغتر بها في الدنيا عسى ربي، أسأل ربي أن يؤتيني خيراً منها، الرجل المؤمن كان يتعلق قلبه بالآخرة كان ينظر إلى جنان الآخرة التي لا تفنى التي لا تزول ولا تحول لكن جنات الدنيا حتى وإن بقيت ولم تُهلك بأي نوع من أنواع العواصف أو الكوارث في النهاية ستزول
ولذا بدا ربي في بداية سورة الكهف
(وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8))
القضية منتهية، كل ما على الأرض إلى زوال والبقاء الحقيقي هو لجنان الآخرة ولذا هذا الرجل المتواضع البسيط نجح في فتنة الرزق، كيف نجح؟
أن قلة الرزق لم تجعله يصل إلى مرحلة السخط على ربه بل على العكس جعلته يرتقي وينجح ويمر ويعبر ليصل إلى مرحلة الرضى وهذا هو النجاح.
النجاح الحقيقي أني حين ابتلى بضيق في الرزق، أي شيء، يمكن ربي سبحانه وتعالى يمنع عني الأطفال لا يهبني أطفالاً أو يمنع عني زواج أو يرزقني بأولاد فيهم مشكلة، أي شيء، ملك سبحانه وتعالى!
هذا النوع من أنواع الابتلاءات والامتحانات عليك أن تحوله بدل أن يصل بك إلى مرحلة السخط على ربك وقضائه وحكمه عليك أن يصل بك إلى مرحلة الإيمان والرضى بأمر الله سبحانه وتعالى.

جزاء التكبّر والغرور
(وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا)
الرجل الفقير المؤمن الأمور كانت واضحة عنده الفتن ما كانت لتغيره لماذا؟
هذا أثر التوحيد والإيمان، هذا ما تريد سورة الكهف أن تصنعه في قلبي وقلبك.
(أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا)
يا صاحب الجنتين من الذي أجرى لك النهر؟!
من الذي أخرج لك الماء وجعله متدفقاً ولم يذهب به في جوف الأرض؟!
يا صاحب الجنتين من الذي أعطاك؟
الآية التي تليها، مباشرة جاءت الآية
(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)
هذا الرجل الذي كان قبل قليل يقول ما أظن أن تبيد هذه أبداً، أحيط بثمره، انتهت، الجنتان أصبحت قضية منتهية أصبحت ماضياً أصبحت ذكرى!
ولنا أن نتساءل كم من مغرور مغتر بجاهه وبماله وبسلطته وبملكه وبعرشه زلزل العرش من تحت قدميه؟! كم كم من مغتر بماله وحاشيه أخذ عنه كل شيء وسلب منه كل شيء؟!
(فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ)
حسرة وندامة هذا في الدنيا وليس في الآخرة
(َعلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)
ووصل إلى الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن قلب إنسان يق يريد العصمة من الفتن (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)
إذن الشرك!
ما من عمل يمكن أن يستجلب النقم والعذاب والابتلاء في الدنيا كالشرك بالله عز وجل وعدم تمحيص التوحيد
(وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)
إذن اكتشف صاحب الجنتين بعد فوات الأوان بعد انقضاء المحنة، بعد انقضاء الفتنة بعد انقضاء الامتحان اكتشف أنه كان على خطأ اكتشف أن أعظم جريمة ارتكبها في حق نفسه ظلمه لنفسه بعده عن الله سبحانه وتعالى، عدم توحيده وإشراكه.
من هو السعيد الحقيقي ؟
(وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ)
تلك العزوة، تلك الحاشية التي كان يستنصر بها ويغتر بها
(وَأَعَزُّ نَفَرًا)
انتهت
(وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43)
هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44))
انظر إلى هذه الآيات العظيمة ماذا تصنع في نفسي؟
شيء طبيعي بعد كل تدبري ووقفاتي مع هذه الآية أن أبدأ استشعر معاني النور الذي تضيئه في قلبي وفي صدري سورة الكهف العظيمة، شيء طبيعي، كثرة الرزق وفتح أبواب الدنيا لا تدل على رضى الله عز وجل ولا تدل على أن هذا الإنسان كريم عند ربه كما أن قلة الرزق أو ضيق ذات اليد لسبب أو لآخر لا تدل على أن الله لا يحبك ربك يحبك ربك قد يمنع عنك ليعطيك وقد يعطيك ليبتليك وعليك في كلتا الحالتين أن تنجح في الامتحان وأن تتعلم كيف تجيب على أسئلة تلك الامتحانات قولاً وفعلاً ورضى وعطاء وأخذاً بالأسباب مع إدراك أن قدرة الله سبحانه وتعالى مطلقة.
ولذا جاءت الآية التي تليها
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
الدنيا التي تغترون بها
(كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا)
هذه الدنيا التي قد شغلتكم وشغلتم بها أخذاً ورداً وصعوداً ونزولاً وهذا وذاك هذه الدنيا لا قيمة لها مختصرها في آية واحدة
(كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)
انتهى
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا)
إذن من السعيد فيها يا رب؟
السعيد الذي يتزود منها بأحسن العمل،
ومن الشقي؟
ليس الذي حُرم أو قُتر عليه الرزق فيها ليس الذي ظُلم ولم يستطع أن يرد الظلم، ليس هذا ولا ذاك، الشقي الحقيقي في هذه الدنيا من خرج منها وهو يعتقد أنه يحسن العمل والله قد أضل سعيه ما ستأتي الآيات الأخيرة في سورة الكهف.
السعيد الحقيقي هو الذي يأخذ الدنيا على أنها فرصة وغنيمة يغتنم منها كل ثانية وكل لحظة فلا تمر عليه ولا ترمش عينه أبداً إلا بذكر الله سبحانه في قلبه أو على لسانه أو بفعله وسلوكه، جعل الدنيا ميداناً للأعمال الصالحة سباقاً يتسابق فيه ليس لجمع الأموال ولا للزيادة من مدح وثناء الناس ولا جري ولا لهث وراء متاع الدنيا الزائل الذي لا قيمة له وإنما سعياً في الخيرات وعملاً للصالحات وإرضاء لرب يجازي بالخير خيراً وإحساناً ربّ رحمن رحيم قدرته مطلقة
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا)