01-17-2026, 08:24 AM
|
#2
|
|
مشرفة قسم القرآن
|
تفسير الربع الرابع والخامس من سورة البقرة بأسلوب بسيط
الآية 60: ﴿ وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِه ﴾: أي طلب لهم السُقيا من اللهِ تعالى بتضرع،ِ ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ بعدد قبائل بني إسرائيل الاثني عشر، ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾: أي عَلِمَت كل قبيلة منهم مَوضِع شُربِها، ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَلا تَعْثَوْا ﴾: أي وَلا تسعوا ﴿ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾).
الآية 61: (﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ﴾ وهو المَنّ والسلوى، ﴿ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا ﴾: والقِثّاء هي الثمرة المعروفة بالـ (قَتة)، ﴿ وَفُومِهَا ﴾: وهو الثوم،﴿ وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ يعني أيّ مدينة، ﴿ فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ﴾: أي فستجدون ما طلبتم في الحقول والأسواق، ولما هبطوا تبيَّن لهم أنهم دائماً يُقَدِّمون اختيارهم وشهواتهم على اختيار الله لهم، ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ ﴾: أي لزمتهم صِفَةُ الذل والهوان والصغار،فهُم أذِلاء مُحتقَرونأينما وُجِدوا، ﴿ والْمَسْكَنَةُ ﴾: وهي فقر النفوس، فلا ترى اليهوديَّ إلاوعليه الخوف والرعب مِن أهل الإيمان، ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ﴾: أي رجعوا بهذا الغضب مستحقين له، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الذي جعله الله عليهم، ﴿ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾: أي ظلمًا واعتداءً، ﴿ ذَلِكَ ﴾: أي الجرأة على قتل الأنبياء كانت ﴿ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾: أي بسبب ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله).
الآية 62: (﴿ إِنَّ الَّذِين آمَنُوا ﴾ من هذه الأمة، ﴿ وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾: أي والذين كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من الأمم السابقة من اليهود،والنصارى، والصابئين - وهم قومٌ باقون على فِطرتهم، ولا دين مُقرَّر لهم يتبعونه- ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾: هؤلاء جميعًا مَن صدَّق منهم بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا، وبيوم البعث والجزاء، ﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾، وأمابعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين والمُرسَلين إلى الناس كافة،فلا يَقبل الله مِن أحدٍ دينًاً غيرَ ما جاء به، وهو الإسلام).
الآية 63: (﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾: أي العهد المؤكَّد منكم بالإيمان بالله تعالى وإفرادِهِ بالعبادة، ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ ﴾: وهو جبل الطور بسيناء رفعه اللهُ تعالى فوق بني إسرائيل كأنه سحابة تُظِلهُم، وأيقنوا أنه واقعٌ بهم إن لم يقبلوا أحكام التوراة، وقال الله لهم: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾: أي بجدٍ واجتهاد، ﴿ واذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾: أي ولا تنسوا التوراة قولاً وعملاً ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ﴾: أي لِكَي تخافوا عقابي).
الآية 64: (﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾: أي ثم خالفتم وعصيتم مرة أخرى بعد أَخْذِ الميثاق ورَفْع الجبل، كشأنِكم دائمًا، ﴿ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾بالتوبة، والتجاوز عن خطاياكم ﴿ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾).
الآية 65:﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ - يا مَعشر اليهود - العذابَ الذي نَزَلَ بـ ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ والمقصود بهم قرية أصحاب السَّبت (وهم من اليهود)، حيثُ عَصَوا ربهم فيما عاهَدوه عليه مِن تعظيم يوم السبت وعدم الصيد فيه، فوضعوا الشِّبَاك وحَفروا البِرَك يوم السبت، ثم جاؤوا يوم الأحد، فاصطادوا السمك الذي في الشِّباك، كَحِيلةٍ للوصول إلىالمُحَرَّم ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: أي فمَسَخَهم اللهُ تعالى قِرَدةً ذليلين.
الآية 66: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: أي فجعل اللهُ هذه القرية﴿نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: أي عِبرة لمَن بحَضرتها مِن القرى، يَبلغهُم خبرُها وما حَلَّ بها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: يعني وعِبرة لمن يعمل بعدها مثل تلك الذُّنوب، ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
الآية 67:﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ أي واذكروا يا بني إسرائيل كَثرة جدال أسلافكم لموسى عليهالسلام حين قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يعني أتَسْخَر منا وتَستهزئ بنا؟ ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الذين يَسخَرونَ من الناس، ويُحَدثونهم بغير علم، استهزاءً بشأنهم.
الآية 68: (﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ ﴾: أي ليست مُسِنَّة، ﴿ وَلا بِكْرٌ ﴾: ولا صغيرة فَتِيَّة، ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾: وإنما هي متوسطة بين هذيْن السِنَّيْن،﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴾: أي فسارِعوا إلى امتثال أمر ربكم).
الآية 69:﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي شديد الصُّفْرة، ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ إليها لِبَهاء خِلقتها ولونها.
الآية 70: (﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾إلى البقرة المأمور ذبحُها).
الآية 71: (﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ ﴾: أي غير مُذللة للعمل في حراثة الأرضللزراعة، ﴿ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ﴾: أي وكذلك غير معدة - أو مذللة - للسَقي من الساقية، ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾: أي خالية من جميع العيوب، ﴿ لا شِيَةَ فِيهَا ﴾: أي ليس فيها لون إلا الأصفر،﴿ قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ﴾: أي الآن جئت بحقيقة وصف هذه البقرة، ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾: أي وقد قاربوا ألا يفعلوا بسبب كثرة الجدال).
الآية 72: (﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ﴾: أي فتنازعتم بشأنها، كلٌّ يَدفع عن نفسه تهمة القتل، ﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ مِن قَتْل القتيل).
الآية 73: ( ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾: أي فقلنا: اضربوا القتيل بجُزء من هذه البقرة المذبوحة، فإنّ الله سيَبعثه حيًا، ويُخبركم عن قاتله، فضربوه ببعضها، فأحياه اللهُ، وأخبرَ بقاتله، ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ يوم القيامة، ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ.... ﴾):أي معجزاته الدالة على كمال قدرتهتعالى، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾: أي لكي تتفكروا بعقولكم، فتمتنعوا عن معاصيه).
الآية 74: (﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾: أي ولكنكم لم تنتفعوا بتلك المعجزة، إذ بعد كل هذه المعجزات الخارقة، اشتدت قلوبكم وغلظت،فلم يَنْفُذ إليها خير، ولم تَلِنْ أمام الآيات الباهرات التي أريتُكموها،﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾: أييَسقط من أعالي الجبال مِن خشية الله تعالى وتعظيمه، ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾).
الآية 75: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المسلمون ﴿ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي يُصدِّق اليهودُ بدينكم، ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ - وهو التوراة - ﴿ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ﴾ أي: مِن بعد ما عقلوا حقيقته، ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم يحرفون كلام رب العالمين عَمْدًا وكذِبًا.
الآية 76: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴾ بدينكم وبرسولكم المُبشَّر به في التوراة، ﴿ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: بما بَيَّنَ اللهُ لكم في التوراة مِن أمر محمد ﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾.
الآية 78: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ أي جَهَلة بدينِهم، ﴿ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ أي لا يعلمون من التوراة إلا أكاذيبَ تلقَّوْهَا مِن أحبارهم،﴿ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ ظنونًا فاسدة.
الآية 79: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾أي ليأخذوا في مقابل هذا عَرَضًا زائلاً مِن الدنيا، ﴿ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾مِن المال الحرام، كالرشوة وغيرها.
الآية 80: ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ أي إلا أربعين يومًا فقط بعدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ﴾بذلك ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾.
الآية 81: ﴿ بَلَى ﴾أي ليس الأمر كما زعموا، وإنما حُكْمُ الله ثابت: ﴿ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي أنَّ مَن ارتكب الآثام حتى جَرَّتهُ إلى الكُفر ﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.
الآية 83: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى ﴾ أي وأحسِنوا إلى أقربائكم، ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ أي وقولوا للناس أطيَب الكلام، ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي ثم أَعْرَضْتم ونقضتم ذلك العهد - ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ ﴾ ثبتَ عليه - ﴿ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ أي توليتم على وجه الإعراض؛ لأنَّ المتولي قد يَتوَلى وله نِيَّة الرجوع إلى ما تولى عنه، وأما هؤلاء فليس لهم رغبة في الرجوع إلى هذه الأوامر.
الآية 84: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ أي ثم اعترفتم بذلك، وأنتم تشهدون على صحته.
الآية 85: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء ﴾: أي يا هَؤُلاء ﴿ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾: أي يَقتل بعضكم بعضًا، ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم ﴾: أي ويَتَقَوَّى كلُّ فريقٍ منكم على إخوانِهِ بالأعداء، ﴿ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: أي ظلمًا واعتداءً، ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ في يد الأعداء ﴿ تُفَادُوهُمْ ﴾: أي تسعَوْنَ في تحريرهم من الأسْر بدَفع الفِدية، ﴿ وَهُوَمُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾: أي مع أنه مُحَرَّمٌ عليكم إخراجهم من ديارهم، ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ ﴾ وهو فداء الأسير ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ وهو القتل والإخراج، ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّخِزْيٌ ﴾: أي ذُلٌّ وفضيحة ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ - وقد وقع ذلك؛ فقد سَلَّطَ اللهُ رسولَه عليهم، فقَتل منهم مَن قَتل، وأسَرَ مَن أسَر، وأجْلى مَن أجْلى، ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾.
الآية 86: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾: أي آثَرُوا الحياة الدنيا على الآخرة، ﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ، وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾.
الآية 87: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾: أي وأتبعناه برُسُلٍ من بني إسرائيل، ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ﴾: أي المعجزات الواضحات، ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾: أي وقوَّيناه بجبريل عليه السلام، ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاتَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾.
الآية 88: ﴿ وَقَالُوا ﴾ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾: أي عليها أغطية، فلا يَنْفُذ إليها قولُك، ﴿ بَلْ ﴾: أي ليس الأمر كما زعموا، ولكنْ ﴿ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾: أي طردهم اللهُ من الرحمة بسبب جحودهم، ﴿ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ ﴾: أي فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلاً لا ينفعهم.
الآية 89: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ - وهو القرآن - ﴿ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُم، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ ﴾ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: أي يستنصرون به صلى الله عليه وسلم على مُشركِي العرب، ويقولون: قَرُبَ مَبعثُ نبيِّ آخرِ الزمان، وسنتبعُهُ ونقاتلكم معه، ﴿ فَلَمَّاجَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا ﴾: يعني فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِهِ وَصِدْقَه﴿ كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾.
الآية 90: ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾: أي قَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم ﴿ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا ﴾: أي ظلمًا وحسدًا ﴿ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾القرآن ﴿ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾: أي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا يرجون أن يكون هذا النبي مِن بني إسرائيل، وليس مِن العرب، ﴿ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾: أي فرجعوا بغضبٍ من الله عليهم؛ بسبب جحودهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد غضبه الأول عليهم بسبب تحريفهم للتوراة، ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾.
الآية 91: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ - وهو القرآن - ﴿ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾: أي على أنبيائنا (الذين كانوا مِن بني إسرائيل)، ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾: أي ويجحدون بما أنزَلَ اللهُ بعدَ ذلك، ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴾ - فلو كانوا يُؤمنون بكُتُبهم حقًّا لآمَنوا بالقرآن الذي صدَّقها، ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ ﴾الذين أُرسِلوا إليكم ﴿ مِن قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾؟!
تفسير الربع السادس والسابع من سورة البقرة بأسلوب بسيط
الآية 93: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ﴾ وأطيعوا، وإلا أسقطنا عليكم الجبل،﴿ قَالُوا سَمِعْنَا ﴾ قولك ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك، ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾: أي وذلك العِصيان؛ لأنَّ عبادة العِجل قد امتزجت بقلوبهم بسبب تماديهم في الكفر، ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ ﴾: أي قَبُحَ ما يَأمُرُكُم به إيمانُكُم مِن الكُفر والضلال، ﴿ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ حقًّا بما أنزلَ اللهُ عليكم).
الآية 95: (﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾: أي ولن يتمنى اليهودُ الموتَ أبدًا؛ لِما يعرفونه مِن صِدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومِن كذبهم وافترائِهم، وبسبب ما ارتكبوه مِن الكُفر والعِصيان، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ وسيُجازيهم على ذلك)، "وفي الآيةِ دليلٌ على إعجاز القرآن الكريم، وأنه كلامُ اللهِ تعالى الذي بيدِهِ كلُّ شيء، والذي يعلمُ كلَّ شيء، فقد طلب اللهُ تعالى منهم تَمَنِّيَ الموت، حينَ زعموا أنَّ الجنة خاصة بهم مِن دون الناس، وأنهم إذا ماتوا دخلوها، فلم يتمنَّوا الموت، رغمَ قدرتِهم على تمَنِّيهِ ولو كذبًا، ورغمَ توبيخِ اللهِ لهم بأنهم لن يتمنوه".
الآية 96: (﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾: أي وأَحْرَصَ مِن الذين أشركوا، يعني تزيد رغبتهم في طول الحياة على رغبات المشركين، أيًّا كانت هذه الحياة من الذِّلَّة والمَهانة، ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾: يعني وما تعميرُهُ في الدنيا بمُزَحْزحِهِ من عذابِ الله، ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ ).
الآية 97: (﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ﴾: أي فإنَّ جبريل نزَّل القرآن على قلبك ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾).
الآية 98: ( ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾: أي وخاصةً المَلَكين جبريل ومِيكال؛ لأن اليهود زعموا أنَّ جبريل عدوهم، وأنَّ مِيكال وليُّهم، فأعلمَهُم اللهُ تعالى أنه مَن عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر وعادى اللهَ أيضًا، ومَن عادى اللهَ ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ).
الآية 99: (﴿ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾: أي آياتٍ واضحاتٍ تدلُّ على أنَّك رسولٌ مِن اللهِ صِدقًا وحقًّا، ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ ﴾).
الآية 102: (﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾: أي واتَّبعَ اليهودُ ما تُحَدِّث الشياطينُ به السَّحَرةَ على عهد مُلك سليمان، ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ وما تَعَلَّم السِّحر، ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ حين ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ إفسادًا لدينهم، ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾: أي وكذلك اتبع اليهودُ السِّحرَ الذي أُنزلَ على الملَكَين (هاروت وماروت) بأرض "بابل" في "العراق" امتحانًا وابتلاءً مِن اللهِ لعباده، ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ ﴾ - أي المَلَكَان - ﴿ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ بتعلم السِّحر وطاعة الشياطين، ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾: أي ما يُحْدِثون به الكراهية بين الزوجين حتى يتفرَّقا، ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ - أي اليهود - ﴿ لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾: أي أنَّ مَن اختار السِّحر وترك الحق ما له في الآخرة مِن نصيبٍ في الجنة، بل هو مُوجِبٌ للعقوبة، ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ ﴾: أي باعوا بهِ ﴿ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾).
الآية 103: (﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾: أي لأيقَنوا أن ثوابَ الله خيرٌ لهم مِن السِّحر، ومما اكتسبوه به ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾).
الآية 104: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا ﴾: أي راعِنا سَمْعَك، فافهَم عنا وأفهِمْنا؛ لأن اليهود كانوا يقولون هذه الكلمة للنبي صلى الله عليه وسلم - يلوون ألسنتهم بها - يقصدون سَبَّهُ ونِسبَتَهُ إلى الرُّعُونة، ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾: أي انظر إلينا وتعهَّدْنا، وهي تؤدي المعنى المطلوب، ﴿ وَاسْمَعُوا﴾ ما يُتلَى عليكم مِن كتابِ ربكم وافهموه، ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾).
الآية 105: ( ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: سواء كانَ هذا الخير قرآنًا أو عِلمًا، أو نَصرًا أو بشارَة، ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ ﴾: أي بالنبُوَّة والهداية إلى أكمل الشرائع ﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾ مِن عِباده، ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾: أي ذو العطاء الكثير الواسع).
الآية 106:﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾: أي وما نُبدِّلْ مِن آيةٍ أو نُزِلها من القلوب والأذهان إلا و﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ في التكليف والثواب، ولكلٍّ حِكمة، ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لا يُعجزُهُ شيء، إِذ مَن يَقدِرُ أن يُزِيلَ الآيات من القلوب والأذهان غير مَن يَملكُ القلوبَ والأذهانَ سبحانه تعالى؟.
الآية 107:﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ خَلقًا وتدبيرًا، فهو المالك المتصرف في السموات والأرض، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويأمر عباده وينهاهم كيفما شاء، وعليهم الطاعة والقَبول، ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلانَصِيرٍ ﴾: وليعلم مَن عَصَى أنه ليس لأحدٍ مِن دون الله مِن وَليٍّ يتولاهم وينفعهم، ولا نصير يمنعُ عنهم عذابَ الله).
الآية 108: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ ﴾: أي أن تطلبوا من رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم أشياء بقصد العِناد والمُكابَرة﴿ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ حينَ سأله بنو إسرائيل أن يُريَهُمُ اللهَ جَهرة، وغير ذلك، ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾: أي فقد خرج عن الصراط المستقيم إلى الجهل والضَّلال).
الآية 109:﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ، فَاعْفُوا ﴾: أي فتجاوزوا عمَّا كان منهم مِن إساءةٍ وخطأٍ، ﴿ وَاصْفَحُوا ﴾ عن جهلهم، ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾: أي حتى يَأْتِيَ اللَّهُ بحُكمِهِ فيهم بقتالهم (وقد جاء ووقع)، وسيعاقبهم اللهُ لسوءِ أفعالهم ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
الآية 110:﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾: أي واعلموا أنَّ كلَ خير تُقدِّمونه لأنفسكم مِن الطاعات تجدون ثوابه عند الله في الآخرة﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ يرى عَمَلكُم وَتَعَبَكُم مِن أجلِه).
الآية 111:﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾: أي تلك أوهامهم الفاسدة، ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في دَعوَاكم).
الآية 112: ﴿ بَلَى ﴾: أي ليس الأمر كما زعموا أنَّ الجنة تختص بطائفةٍ دونَ غيرها، وإنما يَدخلُ الجنَّة ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾: أي أخلصَ عبادته لله وحده لا شريك له، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾: أي وهو مُتبعٌ للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأعماله، ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.
الآية 113:﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ﴾مِن الدِّين الصحيح، ﴿ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴾: أي مع أنهم يقرؤون التوراة والإنجيل، وفيهما وجوب الإيمان بالأنبياء جميعًا، ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ مِن مُشركِي العرب وغيرهم ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾: أي إنهم قالوا لكل ذي دِين: لستَ على شيء، ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾.
الآية 114: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾: أي ومَن أشدُّ ظلمًا﴿ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾ ﴿ أولئك ﴾ الظالمون ﴿ مَا كَانَ ﴾ ينبغي ﴿ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا ﴾ أي المساجد ﴿ إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾: أي إلا على خوف وَوَجَل من عقوبة الله،﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.
الآية 115: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾: أي وللهِ جهتا شروق الشمس وغروبها وما بينهما، ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا ﴾: يعني فأيَّ جهةٍ توجهتم إليها في الصلاة، بأمر الله لكم - فقد أمَرَكُم باستقبال الكعبة، بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس - فأينما توجهتم في الصلاة ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾: أي فهناكَ اللهُ تعالى؛ إذ إنَّ الله - عَزَّ وَجَلَّ - مُحِيطٌ بخلقِهِ، والكائناتُ كلها بين يديه، وكيف لا يكونُ ذلك وقد أخبرَ تعالى - عن نفسِهِ - أنَّ الأرضَ جميعًا قبضتهُ يومَ القيامة، والسمواتُ مطوياتٌ بيمينِه، (وفي الآية إثباتُ الوَجْه للهِ تعالى، على الوجه الذي يليقُ بهِ سُبحانه، وأنَّ لهُ وَجْهًا لا تُشبهُهُ الوُجوه، وهذا هو مَنهجُ أهل السُّنَّة (الإثبات مع التنزيه)، بمعنى أنهم يُثبِتون الصفة للهِ - تباركَ تعالى - كما أخبرَ بها عن نفسِهِ، وكما أخبرَ بها عنهُ نبيهُ محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنْ مع الاعتقاد أنه تعالى ليسَ كمِثلِهِ شيء، فلا يُشبِهُ أحدًا مِن خَلقِه، فكُلُّ ما دارَ ببالِكَ فاللهُ بخِلافِ ذلك، ﴿ إنَّ اللهَ وَاسِعٌ ﴾الرحمة بعباده، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأفعالهم).
الآية 116:﴿ وَقَالُوا ﴾ أي اليهود والنصارى والمشركون: ﴿ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ﴾: أي تنزَّهَ اللهُ تعالى عن ذلك، فإنه ليس مُحتاجًا إلى ولدٍ كما يحتاجُ البشر، فإنَّ البشر يحتاجون إلى ولدٍ يَخدمهم ويرعاهم في كِبَرهم، وعند مرضهم، وحالَ ضَعفِهم، أما اللهُ تعالى فهو - سبحانهُ - القوي الغني الذي لا يحتاجُ إلى شيءٍ مما يحتاجُه البشر، ﴿ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ فهُم مِلكُهُ وعَبيدُه، ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾: أي وهم جميعًا خاضعون له، مُسَخَّرون تحتَ تدبيره).
الآية 117: ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾: أي خالِقهُما على غير مِثالٍ سابق،﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾.
الآية 118:﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾وهم الجَهَلة مِن أهل الكتاب وغيرهم، ﴿ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ في الكفر والضَّلال، ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾: أي قد أوضحنا الآيات للذين يصدِّقون تصديقًا جازمًا).
الآية 119:﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾: أي بالدين الحق المُؤَيد بالحُجَج والمعجزات، ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيم ﴾:أي ولستَ - بعد البلاغ - مسؤولاً عن كُفر مَن كَفَر).
الآية 120:﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾: أي إنَّ دينَ الإسلام هو الدين الصحيح،﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلانَصِيرٍ ﴾.
الآية 121:﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾: أي الذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى يقرؤونه القراءة الصحيحة، وَيَتَّبعُونه حق الاتباع، ويؤمنون بما جاء فيه من الإيمان برسل الله، ومنهم خاتمهم نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يُحَرفون ولا يبدِّلون ما جاء فيه (أي تِلاوة وإيمانًا واتِّباعًا وتعظيمًا)، ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾: أي هؤلاء هم الذين يؤمنون بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه، ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ﴾.
|
|
|
|
|