عرض مشاركة واحدة
قديم 01-17-2026, 06:05 PM   #6

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 71الى صــ 85
الحلقة (6)





١٢ - حبل الغسيل:
أما حبْل الغسيل؛ فيطهر إِذا صَعُبَ غسْله بالشمس والريح.
«وإن كان سِلكًا يمكنه مسْحه؛ فليَفْعَل» (١).

١٣ - إِذا استحالت النجاسة في الماء ولم يبق لها أثر؛ فإِنَّ الماء طهور:
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- (٢): والصواب هو القول الأول (٣)، وأنه متى عُلم أنَّ النجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كلِّها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيِّبات وحرَّم الخبائث، والخبيث متميِّز عن الطيِّب بصفاته، فإِذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيِّب دون الخبيث؛ وجَبَ دخولُه في الحلال دون الحرام.
وأيضًا؛ فقد ثبَت من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -
قيل له: أتتوضأ من بئر بُضاعة (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض (٤) ولحوم الكلاب
والنتن)؟ فقال: «الماء طهور لا ينجِّسه شيء» (٥).

---------------------
(١) هذا مما استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.
(٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٢ - ٣٣).
(٣) وقد ذكر خمسة أقوال في المسألة، وقال في الأول: «لا ينجس».
(٤) الحِيَض: بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة -بكسر الحاء وسكون الياء: هي الخرقة التي تستعمل في دم الحيض، وانظر «تحفة الأحوذي» (١/ ٢٠٤).
(٥) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦٠) وغيرهما، وتقدَّم. وانظر «الإرواء» (١٤).


وهذا اللفظ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النجاسات.
وأمَّا إِذا تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنما حرُم استعماله؛ لأنَّ جرْم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إِذا استحالت النجاسة؛ فإِنَّ الماء طَهور، وليس هناك نجاسةٌ قائمة.
ومما يبيِّن ذلك؛ أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثمَّ شربها شارب؛ لم يكن شاربًا للخمر، ولم يجب عليه حدُّ الخمر، إِذ لم يبقَ شيء من طعْمها ولونها وريحها، ولو صُبَّ لبن امرأة في ماء، واستحال، حتى لم يبقَ له أثر، وشرب طفلٌ ذلك الماء؛ لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك.
وأيضًا؛ فإِنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإِنَّ الكلام إِنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنجاسة؛ لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه».
وبه قال الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرَّار».
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦١١): «... وعلى هذا؛ فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السقف طاهر».
"وسئل -رحمه الله- عن استحالة النجاسة؛ كرماد السِّرجين (١) والزّبل النَّجس تصيبه الريح والشمس فيستحيل ترابًا؛ فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟
فذَكَر أنَّ فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما أنَّ ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهذا القول هو الراجح.

--------------------
(١) أى: الزّبل.


وقال -رحمه الله-: فأمَّا الأرض إذا أصابها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: أنَّها تطهُر، وإن لم يقل بالاستحالة؛ ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع» (١).

رابعًا: هل الماء متعيّن في إِزالة النجاسة:
الماء متعيّن لإِزالة النجاسة؛ إلاَّ ما ورد فيه النصُّ؛ كالثوب يطهِّره المرور على أرض طاهرة، والنِّعال بالتراب ... ونحو ذلك.
قال شيخنا الألباني -حفطه الله-؛ -بعد حديث «حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر» (٢) -: يُستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة، أذكر أهمَّها:
.... أنَّ النجاسات إِنَّما تُزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتِّفاقًا، وهو مذهب الجمهور، ومذهب أبو حنيفة إِلى أنَّه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر.
قال الشوكاني: والحقُّ أنَّ الماء أصْلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتابًا وسُنَّةً مطلقًا غير مقيَّد، لكن القول بتعيُّنه وعدم إِجزاء غيره يردُّه (٣).
مسْح النعل، وفرْك المنيِّ (٤) وإماطته بإِذخِرة ...

-------------------
(١) انظر «الفتاوى» (٢١/ ٤٧٨ و٤٧٩).
(٢) تقدَّم في (باب إِزالة النجاسة).
(٣) «نيل الأوطار» (ص ٤٨ و٤٩).
(٤) ومضى الكلام حول طهارة المنيّ.



وأمثال ذلك كثير، فالإِنصاف أن يُقال: إِنَّه يطهَّر كلُّ فرد من أفراد النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النصُّ، لكنَّه إِنْ كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء؛ فلا يجوز العدول إِلى غيره؛ للمزيَّة التي اخُتصَّ بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإنْ كان ذلك الفرد غير الماء؛ جاز العدول عنه إِلى الماء لذلك، وإنْ وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإِحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللاَّزم؛ لحصول الامتثال به؛ للقَطع، وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسِّطة بين القولين، لا محيص من سلوكها».
قال شيخنا: «وهذا هو التحقيق، فشُدَّ عليه بالنَّواجذ.
وممَّا يدلُّ على أنَّ غير الماء لا يجزئ في دم الحيض: قوله - ﷺ - في الحديث الثاني:»يكفيك الماء«؛ فإِنَّ مفهومه أنَّ غير الماء لا يكفي، فتأمَّل» (١).
قال الحافظ تعليقًا على حديث عليٍّ -رحمه الله-: «كنتُ رجلًا مذَّاء»: «واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنَّ ظاهره يعيِّن الغسل، والمعيَّن لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صحَّحه النوويُّ في»شرح مسلم«» (٢).
وقال الشوكاني -رحمه الله- في «الدَّراري المضيَّة» (١/ ٣٠):

------------------
(١) «الصحيحة» فقه الحديث رقم (٣٠٠).
(٢) «الفتح» (١/ ٣٧٩).



«ويطهُرُ ما تنجَّس بغسله حتى لا يبقى عينٌ ولا لونٌ ولا ريحٌ ولا طعمٌ، والنَّعل بالمسح، والاستحالة مطهِّرة؛ لعدم وجود الوصف المحكوم عليه، وما لا يمكن غسله؛ فبالصبِّ عليه أو النَّزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر، والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مقامه؛ إلا بإِذن من الشارع».

آداب التخلِّي وقضاء الحاجة
١ - أن يبتعد عن الناس ويستتر منهم:
عن المغيرة بن شعبه -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إذا ذَهَب المذهب أبْعَدَ» (١).
وعن جابر بن عبد الله: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: كان إذا أراد البَراز (٢)؛ انطلق حتى لا يراه أحد«(٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»كان يذهب لحاجته إلى

--------------------
(١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في «الصحيحة» (١١٥٩).
(٢) البَراز بالفتح: الفضاء الواسع، فكنّوا به عن قضاء الغائط كما كنّوا عنه بالخلاء، لأنهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: المحدّثون يَروونه بالكسر وهو خطأ، لأنّه بالكسر مصدر من المبارزة في الحرب، وقال الجوهري بخلافه، وهذا لفظه: البِرَازُ المبارزة في الحرب، والبِرَاز أيضًا كناية عن ثفل الغذاء وهو الغائط، ثمَّ قال: والبَراز بالفتح: الفضاء الواسع، وتبرَّز الرجل أي: خرج إِلى البَراز للحاجة وانظر «النهاية».
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢) وغيره، وانظر «الصحيحة» (١١٥٩).



المُغمَّس«. قال نافع: المغمَّس: ميلين أو ثلاثة من مكة (١).
وعن يعلى بن مُرَّة عن أبيه -رضي الله عنه- قال:»كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال لي: «ائت تلك الأشاءتين (قال وكيع: يعني: النخل الصِّغار)، فقل لهما: إِنَّ رسول الله - ﷺ - يأمركما أن تجتمعا»، فاجتمعتا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: «ائتهما، فقل لهما: لترجعْ كلُّ واحدة منكما إِلى مكانها»، فقلتُ لهما، فرجعتا (٢).

٢ - أن لا يتخلَّى في الطُّرق والظِّلال والموارد:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «اتَّقوا اللَّعَّانَيْن» (٣). قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى (٤) في طريق الناس أو في ظلِّهم (٥)» (٦).

--------------------
(١) أخرجه السراج في «مسنده» بإسناد صحيح على شرط مسلم وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٠٧٢).
وقيل بأنَّ المغمس مكان مستورة؛ إِما بهضاب، وإِما بعضاه، والعضاه: كل شجر له شوك؛ صغُر أو كبُر، والميل: قيل: ثلث الفرسخ، وقيل: هو مدّ البصر وقيل غير ذلك.
(٢) عن «صحيح ابن ماجه» (٢٧١).
(٣) قال الإِمام الخطابي -رحمه الله-: «المراد باللَّعَّانين: الأمرين الجالِبَيْن للَّعن، الحاملَين الناس عليه، والداعِيَين إليه، وذلك أنَّ مَن فعَلهما شُتِم ولُعِن؛ يعني: عادة الناس لعْنه، َ فلما صارا سببًا لذلك؛ أضيف اللعن إِليهما».
(٤) أي: يتغوّط.
(٥) قال الخطابي وغيره: هو مُستَظلّ الناس الذي اتَّخذوه مقيلًا ومناخًا ينزلونه ويقعدون فيه.
(٦) أخرجه مسلم: ٢٦٩



وعن معاذ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اتَّقوا الملاعن الثلاث: البِراز (١) في الموارد، وقارعة الطريق (٢)، والظلّ» (٣).

٣ - أن لا يبول في الماء الراكد أو المستحم:
عن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ -: «أنَّه نهى أن يُبال في الماء الرَّاكد» (٤).
وعن عبد الله بن مُغفَّل -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه، ثم يغتسل فيه» (٥).

٤ - جواز البول في الإِناء أو الطَّست لمرض أو برد أو نحو ذلك:
عن أميمة بنت رقيقة -رضي الله عنها- قالت: «كان للنبي - ﷺ - قَدَح من عيدان؛ يبول فيه، ويضعه تحت السرير» (٦).

---------------------
(١) هو ثُفل الغذاء هنا، وتقدّم.
(٢) قارعة الطريق: أعلاه، أو جادَّته، أو وسطه، أو صدره، أو ما برز منه، فكلّها متقاربة مشتقة من القرع؛ أي: الضرب، فهي مقروعة بالقدم والحافر، وذلك من تسمية المفعول بالفاعل «فيض القدير».
(٣) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وحسنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإرواء» (٦٢).
(٤) أخرجه مسلم: ٢٨١، وهو في «صحيح ابن ماجه» (٢٧٣)، و«صحيح سنن النسائي» (٣٤)، وله لفظ مقارب عند البخاري: ٢٣٩
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (٢٢) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣٥٣).
(٦) أخرجه أبو داود والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢) وانظر «المشكاة» (٣٦٢).



وعن إِبراهيم عن الأسود؛ قال: ذكروا عند عائشة أنَّ عليًّا -رضي الله عنهما- كان وصيًّا، فقالت: «متى أوصى إِليه، وقد كنتُ مسنِدَتَه إِلى صدري -أو قالت: حَجري-، فدعا بالطَّسْت (١)، فلقد انخنث (٢) في حَجري، فما شعرتُ أنَّه قد مات، فمتى أوصى إِليه؟!» (٣).

٥ - ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته:
لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد حاجة؛ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» (٤).

٦ - أن يقول عند دخول الخلاء: «بسم اِلله، اللهمَّ إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث»:
لقوله - ﷺ -: «سَتْر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إِذا دَخَلَ الخلاء أن يقول: بسم الله» (٥).
ولحديث عبد العزيز بن صهيب؛ قال: سمعتُ أنسًا يقول: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا دخل الخلاء؛ قال:»اللهمَّ إِني أعوذ بك من الخُبُث«(٦)

------------------
(١) الإِناء.
(٢) أي: انثنى ومال لاسترخاء أعضائه عند الموت.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٤١ و٤٤٥٩ وغيره، وانظر»صحيح سنن النسائي«(٣٣).
(٤) عن»صحيح سنن أبي داود«(١١)، وانظر»الصحيحة«(١٠٧١).
(٥) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وصحّحه شيخنا في»الإرواء«(٥٠).
(٦) ويجوز إسكان الباء، وانظر»الفتح" (١/ ٢٤٣).



والخبائث (١)» (٢).

٧ - عدم استقبال القبلة:
عن أبي أيُّوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أتى أحدُكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهرَه، شرِّقوا أو غرِّبوا (٣)» (٤).
وعن سلمان -رضي الله عنه- قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء، حتى الخِراءة (٥). قال: فقال: «أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيع (٦) أو بعظم» (٧).

-----------------------
(١) الخُبْث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة؛ يريد: ذُكران الشياطين وإناثهم. قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما. «فتح».
وأصل الخبائث: المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة.
(٢) أخرجه البخاري: ١٤٢، ومسلم: ٣٧٥
(٣) وليس التشريق أو التغريب عامًّا لكل البلاد، فمن الناس من يشرِّق أو يغرِّب فيستقبل القبلة أو يستدبرها، والمراد عدم استقبال القبلة أو استدبارها؛ كما هى الإشارة في أوَّل الحديث.
(٤) أخرجه البخاري: ١٤٤
(٥) التخلِّي والقعود للحاجة؛ قال الخطابي: «وأكثر الرواة يفتحون الخاء». «النهاية».
(٦) الرَّجيع: العَذرة والرَّوث، سُمي رجيعًا؛ لأنَّه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. «النهاية».
(٧) أخرجه مسلم: ٢٦٢



قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: «ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول؛ لا في بنيان، ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء.
(ثمَّ ذكر حديث أبي أيوب -رضي الله عنه- وغيره، وذكر أيضًا من قال بذلك من السَّلَف)» (١).
وعن يحيى بن يحيى؛ قال: قلتُ لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزُّهريَّ يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أتيتُم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكنْ شرِّقوا وغرِّبوا».
قال أبو أيوب: «فقَدمْنا الشام؛ فوَجَدْنا مراحيضَ قد بُنِيَت قِبَل القِبلةِ، فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم (٢)» (٣).
وربَّما يُشْكِل على البعض حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «ارتقَيْتُ فوق بيت حفصةَ لبعض حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يقضي حاجَتَه مُسْتَدْبِرَ القِبلة مستقبِلَ الشام» (٤).
وقول مروان الأصفر: «أناخَ ابنُ عُمر بعيرَه مستقبلَ القِبلة، ثمَّ جَلَس يبولُ

-----------------------
(١) انظر»المحلّى«(مسألة ١٤٦).
(٢) جواب لقوله في البداية:»سمعتَ الزُّهري ... " إِلخ.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٩٤، ومسلم: ٢٦٤
(٤) أخرجه البخاري: ١٤٨، ومسلم: ٢٦٦



إِليها، فقلتُ (١): يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى؛ إِنَّما نُهِيَ عن هذا في الفضاء، أمَّا إِذا كان بينك وبينَ القِبلة شيءٌ يستُرُك؛ فلا بأسَ» (٢).
فالجواب عن ذلك:
«١ - إِنَّ كل النصوص المتعلِّقة بالموضوع لا تعدو أن تكون قوليَّة أو فعليَّة، سوى أثر ابن عمر، وهو موقوف، ولا يُعارَض المرفوع بالموقوف؛ كما هو معلوم.
٢ - إِذا تعارضَ قولٌ وفِعلٌ؛ قُدِّم القول على الفعل؛ كما هو مقرَّر في علم الأصول، والقول يأمر بعدم استقبال القِبّلة أو استدبارها ببولٍ أو غائط.
٣ - إِذا تعارَضَ حاظِرٌ ومُبيحٌ؛ قدِّمَ الحاظر على المُبيح.
٤ - لقد ثبتَ النَّهي عن البصقِ تجاه القبلة؛ كما في الحديث:»من تَفَلَ تجاه القِبلة؛ جاء يومَ القيامة وتفلتُه بينَ عينيه«(٣).
ومن هذا الحديث يُستَنْبَط أنَّ النَّهي عن استقبال القبلة ببول أو غائطٍ؛ إِنَّما هو مطلقٌ يشمل الصحراء والبُنيان؛ لأنَّه إِذا أفاد الحديث أنَّ البصقَ تجاه القِبلة لا يجوز مُطلقًا؛ فالبول والغائط مستقبلًا لها لا يجوز بالأولى» (٤).

----------------------
(١) أي: مروان الأصفر.
(٢) أخرجه أبو داود: ١١، «صحيح سنن أبي داود» (٨)، وغيره، وانظر «الإِرواء» (٦١).
(٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وِإسناده صحيح؛ وانظر «الصحيحة» (٢٢٢).
(٤) كذا قاله لي بمعناه شيخُنا الألباني -حفظه الله-.



٨ - التحفُّظ من البول كي لا يصيبَ البدن والثياب، والتَّغليظ في ترك غسْله إِذا أصاب البدن والثياب (١):
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»مرَّ النّبيّ - ﷺ - بحائط (٢) من حيطان المدينة -أو مكة-، فَسَمع صوت إِنسانين يعذَّبان في قبورهما، فقال النّبيّ - ﷺ -: «يُعذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير»، ثمَّ قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر (٣) من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» (٤).

٩ - عدم الاستنجاء باليمين:
وذلك لما سبق في حديث سلمان: «... نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار» (٥).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كانت يد رسول الله - ﷺ - اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وكانت اليُمنى لوضوئه ولمَطعمه» (٦).
وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا شرب أحدُكم؛ فلا يتنفَّس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء؛ فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولا

--------------------
(١) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة«.
(٢) أي: بستان.
(٣) أي: لا يستبرئ ولا يتطهَّر كما تقدَّم.
(٤) أخرجه البخاري: ٢١٦، ومسلم: ٢٦٢، وغيرهما، وتقدم مختصرًا.
(٥) تقدَّم تحت رقم (٧).
(٦) أخرجه أبو داود، وأحمد، وسنده صحيح كما قال النَّووي والعراقي، وانظر تفصيله في»الإرواء" تحت رقم (٩٣).



يتمسَّح بيمينه (١)» (٢).
وعنه أيضًا؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا دخل أحدُكم الخلاء؛ فلا يمسَّ ذَكَرَة بيمينه» (٣).

١٠ - الاستنجاء بالماء:
عن أنس بن مالك قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا خرجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٥) ....
وعنه -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتبرَّز لحاجته، فآتيهِ بالماء، فيَتَغَسَّلُ به» (٦).

١١ - إِذا استجمر بالحجارة؛ فلا يجْعَلْها أقلَّ من ثلاثة:
لحديث سلمان المتقدِّم: «نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... أو أن نستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار».
وأيضًا؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «... وكان يأمر بثلاثة

---------------------
(١) أى: لا يستنج.
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٣، ومسلم: ٢٦٧
(٣) أخرجه مسلم: ٢٦٧
(٤) هي إِناء صغيرمن جلد؛ كما تقدَّم في أول الكتاب.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٠، وهو في»صحيح مسلم" (٢٧١) نحوه، وتقدّم قريبًا.
(٦) أخرجه مسلم: ٢٧١



أحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة» (١).
ولقوله - ﷺ -: «إِذا ذهب أحدكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه» (٢).

١٢ - عدم الاستنجاء بالرَّوث أو العظم:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفضُ بها -أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث»، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتُها إِلى جنبه، وأعرَضْتُ عنه، فلما قضى؛ أتْبَعَه بهنَّ«(٣).
وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أنَّه سمع عبد الله يقول: أتى النّبيُّ - ﷺ - الغائطَ، فأمَرَني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث؛ فلم أجده، فأخذتُ روثةً، فأتيتُه بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال:»هذا رِكْس (٤) «(٥).

------------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٦)، وبعضه في مسلم: ٢٦٢، وتقدّم قريبًا والمراد بالرِّمة: العظم البالي.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود، وغيرهما، وانظر»الإِرواء«(٤٤)، وتقدّم، ويُفهم من الحديث أنَّ أقلَّ من ثلاث لا تجزئ.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٥، وتقدَّم في (باب إِزالة النجاسات).
(٤) جاء في»الفتح" (١/ ٢٥٨): الرِّكس: لغة في رجس؛ بالجيم، وقيل: الرِّكس الرَّجيع، رُدَّ من حالة الطهارة إِلى حالة النجاسة. قاله الخطابي وغيره. والأولى أن يقال: رُدَّ من حالة الطعام إِلى حالة الروث.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٦



وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتمسَّح بعظْم أو ببعْر» (١).
وعلَّل رسول الله - ﷺ - سبب نهيه عن الاستنجاء بالرَّوث والعظام، لأنَّه زاد إِخواننا من الجنِّ، كما في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ» (٢).

١٣ - عدم ردِّ السلام عند قضاء الحاجة:
عن ابن عمررضي الله عنهما-: «أنَّ رجلًا مرَّ ورسول الله - ﷺ - يبول، فسلَّم، فلم يردَّ عليه» (٣).
وعن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبىّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضَّأ، ثمَّ اعتذر إِليه، فقال: «إِنِّي كرهتُ أن أذكر الله -عز وجل- إِلا على طهر (أو قال: على طهارة)» (٤).

١٤ - أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك:
كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٦٣
(٢) أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما، وصححه شيخنا فى»الإِرواء«(٤٦)، وتقدّم.
(٣) أخرجه مسلم: ٣٧٠، وغيره.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣)، والنسائي والدارمي، وانظر»الصحيحة" (٨٣٤).






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* الوظيفة عبادة وأمانة ومسؤولية
* ليلة النصف من شعبان : تقريرات حديثيّة وفقهيّة
* ضعف تواصلنا مع القرآن
* ويلٌ للمتفقهين لغير العبادة
* زهد يهدم الدين والدنيا
* إياك أن تستكين
* تتابع العثرات

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس