عرض مشاركة واحدة
قديم 01-25-2026, 01:39 AM   #69

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 366 الى صـــ 385
الحلقة (69)






الوجه الثاني: في التعريف برواته غير ما سلف:
فاما يعقوب بن إبراهيم فهو: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الورع الحجة، روى عن أبيه وشعبة، وعنه أحمد وغيره، مات سنة ثمانٍ ومائتين بفم الصِّلْح (١).
وأما محمد بن غرير فوالده -بغين معجمة ثمَّ راء مهملة مكررة بينهما ياء مثناة تحت- وهو أبو عبد الله محمد بن غرير بن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني يعرف بالغريري.
قَالَ البخاري: هو مدني، وقال غيره. هو من أهل سمرقند، روى عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، ومطرف بن عبد الله، وعنه: البخاري وغيره.
قَالَ الكلاباذي: أخرج لَهُ البخاري في ثلاثة مواضع: هنا، وفي الزكاة، وفي بني إسرائيل ولم يخرج لَهُ باقي الكتب الستة (شيئًا) (٢) فهو من الأفراد (٣).

--------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٩٦ (٣٤٥٩). «الثقات» لابن حبان ٩/ ٢٨٤. «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣٠٨ (٧٠٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٩١ - ٤٩٣ (١٨٤)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٢.
وفم الصلح: وهو نهر كبير فوق واسط بينها وبين جبُّل، عليه عدة قرى. انظر: «معجم البلدان» ٤/ ٢٧٦.
وورد بهامش الأصل: نهر ميسان، وميسان موضع من أرض البصرة، قاله البكري.
(٢) من (ج).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٧ (٦٥١). «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٦٨ (٥٥٣٩)، «الكاشف» ٢/ ٢١٠ (٥١٠٨)، «التقريب» (٦٢٢٦).



الوجه الثالث: في الأسماء الواقعة في أثنائه:
أما موسى -صلوات الله وسلامه عليه- فهو: موسى بن عمران ابن يصهر بن قاهث بن لاوي، وقيل: عمران، وهو: عمرم بن قاهث ابن يصهر بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - صلى الله عليهم - وموسى مفعل فهو مصروف في النكرة، قاله أبو عمرو ابن العلاء.
وقال الكسائي: هو فعلى والنسبة إليه موسوي وموسي فيمن قَالَ: يمني. وكان عمر عمران حين توفي مائة وسبعة وثلاثين سنة قَالَ أهل التاريخ: لما ماتَ الريان بن الوليد فِرعون مصر الأول صاحب يوسف الذي ولاه الخزائن، وأسلم عَلَى يده ومَلَكَ قالوس صاحب يوسف الثاني، دعاه يوسف -عليه السلام- فلم يسلم.
ثمَّ هلك فمَلَكَ بعده أخوه الوليد بن مصعب، وكان أَعْتَى من أخيه، وكثر أولاد بني إسرائيل بعد يوسف، وأقاموا بمصر تحت أيدي العمالقة وهم عَلَى بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوه لهم متمسكين به، حتَّى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه ولا أطول عمرًا في الملك منه، عاش فيهم أربعمائة سنة.
ومر - ﷺ - ليلة أسري به عَلَى موسى في السماء السادسة، ووصفه فقال: «هو آدَم طُوَال جَعْد، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ» كما هو ثابت في الصحيحين (١)، وشنوءة: من الأزد سموا به؛ لأنهم تشانئوا أي:

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٢٣٩) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين، ورواه مسلم (١٦٥) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات.


تباعدوا وتباغضوا، وفي «الصحيح» أيضًا في صفته أنه ضرب من الرجال أي: جسمه ليس بالضخم ولا بالضئيل (١).
والجعد المراد به جعودة الجسم لا الشعر، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] أي: لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله قتاده (٢)، والهاء عَلَى هذا عائدة عَلَى موسى. وقال الحسن: المعنى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة: ٢٣] فأوذي وكذب ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ إنك ستلقى مثل ما لقيه من ذَلِكَ (٣).
وفي الصحيحين: «يرَحِم اللهُ أخي مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر» (٤)، والآيات التسع المذكورة في القرآن هي العصا واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، وفلق البحر، يجمعها:
عَصا يدٍ وجراد قُمَّل ودَم … طُوفان ضفدع جدبُ نَقْص تثمير
قَالَ الثعلبي (٥): وكان عمر موسى -عليه السلام- حين توفي مائة وعشرين

--------------------
(١) سيأتي برقم (٣٣٩٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾.
(٢) انظر «تفسير الطبري» ١٥/ ٢٤٩. «زاد المسير» ٦/ ٣٤٣.
(٣) انظر «زاد المسير» ٦/ ٣٤٣.
(٤) سيأتي برقم (٣١٥٠) كتاب: فرض الخمس، باب: ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، ورواه مسلم برقم (١٠٦٢) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام.
(٥) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، أبو إسحاق مفسر، مقرئ، واعظ، أديب، حدث عنه أبو الحسن الواحدي وجماعة، كان صادقا موثقا، بصيرا بالعربية. من تصانيفه: «الكشف والبيان عن تفسير القرآن»، «العرائس في قصص الأنبياء» وفيه كثير من الإسرائيليات والأخبار الواهيات والغرائب. قال ابن كثير: وكان كثير الحديث، واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير.
انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٤٣٦، «البداية والنهاية» ٦/ ٤٨٥.



سنة، ولما كبر موسى قتل القبطي، ثمَّ خرج خائفًا فلما ورد ماء مدين جرى لَهُ ما قص الله في كتابه. قَالَ بعضهم: ولم يقرب امرأة للاستمتاع من حين سمع كلام الرب -ﷻ- ومكث بعد أن كلم أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من النور.
وأما الخضر فالكلام عليه في مواضع:
أحدها: في ضبطه وهو: بفتح أوله وكسر ثانيه، ويجوز كسر أوله، وإسكان ثانيه كما في (كبد) (١).
ثانيها: في سبب تسميته بذلك وسيأتي في «صحيح البخاري» من حديث همامِ بن منبه عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرُ؛ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فرْوَةٍ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ» (٢).
والفروة: الأرض اليابسة أو الحشيش اليابس، قَالَ ابن فارس: الفروة: كل نبات مجتمع إذا يبس (٣).
وقال الخطابي: الفروة: وجه الأرض أنبتت واخضرت بعد أن كانت جرداء (٤). وفيه قول آخر؛ لأنه إِذَا جلس اخضر ما حوله قاله عكرمة، وقول آخر: أنه إِذَا صلى اخضر ما حوله (٥).
ثالثها: في اسمه وفيه خمسة أقوال:

----------------------
(١) انظر: «لسان العرب» ٢/ ١١٨٥، مادة: [خضر].
(٢) سيأتي برقم (٣٤٠٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام.
(٣) «مجمل اللغة» ٣/ ٧١٩.
(٤) «أعلام الحديث» ٣/ ١٥٥٣.
(٥) ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ١٦٨.



أحدها: بليا (١) -بباء موحدة مفتوحة ثمَّ لام ساكنة ثم مثناة تحت- بن ملكان -بفتح الميم وسكون اللام- بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح -عليه السلام-، حكاه ابن قتيبة عن وهب بن منبه (٢).
وحكاه ابن الجوزي عن وهب: إيليا بدل بليا، فهذا قول آخر، وكان أبوه من الملوك.
ثانيها: الخضر بن عاميل، قَالَه كعب الأحبار (٣).
ثالثها: أرميا (٤) بن خلقيا، قاله ابن إسحاق ووهاه الطبري بأن أرميا كان في زمن بختنصر وبين عهد موسى وبختنصر زمن طويل (٥).
رابعها: إلياس، قاله يحيى بن سلام، ووهاه ابن الجوزي (٦).
خامسها: اليسع، قاله مقاتل وسمي بذلك؛ لأن علمه وسع ست سموات وست أرضين ووهاه ابن الجوزي أيضًا (٧)، واليسع: اسم أعجمي ليس بمشتق.
وفيه قول سادس: أن اسمه أحمد حكاه القشيري ووهاه ابن دحية، بأنه لم يتسمَّ أحد قبل نبينا - ﷺ - بذلك.

------------------
(١) ورد بهامش الأصل: قال المصنف: بخط الدمياطي يليا، بياءين من تحت بينهما لام.
(٢) «المعارف» ص ٤٢.
(٣) «الإصابة» ١/ ٤٣٠.
(٤) ورد بهامش (س): قال المصنف في الهامش بخط الدمياطي: أروميا، من ولد عيص بن إسحاق.
(٥) «تاريخ الطبري» ١/ ٢٢٠.
(٦) أورده القرطبي في «التفسير» ٦/ ١٦.
(٧) ذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هو بعيد أيضًا.



وسابع: أن اسمه عامر حكاه ابن دحية في كتابه: «مرج البحرين».
وثامن: أنه (حضرون) (١) بن قابيل بن آدم حكاه هو أيضًا (٢)، وقيل: إنه أبو العباس (٣).
رابعها: في أي وقت كان؟
روى الضحاك عن ابن عباس قَالَ: الخضر بن آدم لصلبه (٤)، وقال الطبري: (قيل) (٥) إنه الرابع من أولاده (٦). وقيل: إنه من ولد عيص، حكاه ابن دحية (٧).
وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه من سبط هارون، وكذا قَالَ ابن إسحاق (٨). وروى محمد بن أيوب، عن ابن لهيعة أنه ابن فرعون موسى وهذا بعيد، ابن لهيعة، وابن أيوب مطعون فيهما (٩).
وقال عبد الله بن شوذب: إنه من ولد فارس (١٠).

-----------------
(١) في (ف) خصرون.
(٢) ذكره ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٥٨، وابن حجر «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هذا مفصل.
(٣) ذكره الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ١/ ٣٦٥.
(٤) رواه الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٦/ ٣٩٩.
وقال الحافظ ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٥٨: وهذا منقطع وغريب.
وقال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩: فيه رواد ضعيف ومقاتل متروك.
(٥) من (ف).
(٦) «تاريخ الطبري» ١/ ٢٢٠.
(٧) ذكره الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٦/ ٣٩٩.
(٨) ذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هو بعيد وأعجب.
(٩) ذكره الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ١/ ٣٦٤.
(١٠) رواه الحافظ ابن جرير الطبري في «تاريخه» ١/ ٢٢٠. قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩: أخرجه الطبري بسندٍ جيد.



وقال الطبري: كان في أيام أفريدون، قَالَ: وقيل: كان عَلَى مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم الخليل -عليه السلام- (١).
وذو القرنين عند قوم هو أفريدون. وقال بعض أهل الكتاب: إنه ابن خالة ذي القرنين ووزيره، وأنه شرب من ماء الحياة، وذكر الثعلبي أيضًا اختلافًا هل كان في زمن إبراهيم الخليل أم بعده بقليل أو بكثير؟ وذكر بعضهم أنه كان (في) (٢) زمن سليمان، وأنه المراد بقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] حكاه الداودي.
خامسها: اختلف هل كان وليًّا أو نبيًّا؟ عَلَى قولين: وبالأول جزم القشيري.
واختلف أيضًا هل كان مرسلًا أم لا؟ عَلَى قولين، وأغرب ما قيل: إنه من الملائكة، والصحيح أنه نبي، وجزم به جماعة.
وقال الثعلبي: هو نبي عَلَى جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار وصححه ابن الجوزي أيضًا في كتابه فيه (٣)، لقوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فدل عَلَى أنه نبي أوحي إليه، ولأنه أعلم من موسى -أي: في علم مخصوص- ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي، وإن كان يحتمل أن يكون أوحي إلى نبي في ذَلِكَ العصر (يأمر) (٤) الخضر بذلك.
سادسها: في حياته وقد أنكرها جماعة منهم: البخاري وإبراهيم الحربي وابن المنادى، وأفردها ابن الجوزي بالتأليف، والمختار بقاؤها.

---------------------
(١) ذكره الطبري في «التاريخ» ١/ ٢٢٠.
(٢) من (ف).
(٣) يقصد المؤلف بكتاب ابن الجوزي «عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر» كما قال الحافظ ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٨٣ ولم نقف على هذا الكتاب.
(٤) في (ف): فأمر.



قَالَ ابن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذَلِكَ، وإنما شذ بإنكارها بعض المحدثين (١).
---------------------
(١) ومن هؤلاء المحدثين البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسين بن المناوي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي، وقد انتصر لذلك وألفَّ فيه كتابًا اسماه «عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر»؛ فيحتج لهم بأشياء كثيرة:
منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فالخضر إن كان بشرًا؛ فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه إلا بدليل صحيح، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله.
ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًّا، إلا أخذ عليه الميثاق؛ لئن بعث محمد وهم أحياء؛ ليؤمنن به ولينصرنه.
فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا؛ فقد دخل في هذا الميثاق؛ فلو كان حيًّا في زمن رسول الله - ﷺ - لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، ويؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحدٌ من الأعداء إليه؛ لأنه إن كان وليًا، فالصديق أفضل منه، وإن كان نبيًّا، فموسى أفضل منه.
روى الإمام أحمد بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده؛ لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» قال الحافظ ابن كثير في «القصص» ١/ ٣٥٩: إسناد صحيح.
وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة، فإذا علم هذا -وهو معلوم عند كل مؤمن-؛ علم أنه لو كان الخضر حيًّا، لكان من جملة أمة محمد - ﷺ - وممن يقتدي بشرعه، لا يسعه إلا ذلك.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيح وغيرهما عن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - صلى ليلة العشاء، ثم قال: «أرأيتم ليلتكم هذِه؟ فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد». فهذا الحديث يقطع دابر دعوى حياة الخضر. اهـ. انظر: «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٨٣ - ٦٨٨ لابن كثير.



ونقله النووي عن الأكثرين (١)، وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن، وفي «صحيح مسلم» في حديث الدجال أنه يقتل رجلًا ثمَّ يحييه. قَالَ إبراهيم بن سفيان راوي كتاب مسلم: يقال: إنه الخضر (٢). وكذلك قَالَ معمر في «مسنده» (٣).
وأما الحر بن قيس فهو: -بحاء مهملة- بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ابن أخي عيينة، لَهُ وفادة وكان من جلساء عمر، واستأذن لعمه (٤).
وأما أبي بن كعب بن قيس، فهو أبو المنذر، أقرأ الأمة (٥).
الوجه الرابع:
فتى موسى هو: يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف كذا ذكره القتبي، وقال مقاتل: يوشع بن نون بن اليشامع بن عيهود بن عيزار بن شوتلخ بن أفرايم بن يوسف (٦).

-------------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) مسلم (٢٩٣٨) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: صفة الدجال وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه.
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ٣٩٣ (٢٠٨٢٤). وانظر قصة الخضر في: «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٥ - ١٣٦. و«قصص الأنبياء» لابن كثير ٢/ ٦٥٧ - ٦٨٩.
(٤) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢/ ٨٩٦ (٧٧٣). و«الاستيعاب» ١/ ٤٥١ - ٤٥٢ (٥٨٦). و«أسد الغابة» ١/ ٤٧١ - ٤٧٢ (١١١٨). و«الإصابة» ١/ ٣٢٤ (١٦٩٢).
(٥) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٣ - ١٥ (١). «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٣ - ٤ (١). «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٢١٤ - ٢١٩ (٧٩).
و«الاستيعاب» ١/ ١٦١ - ١٦٤ (٦). «أسد الغابة» ١/ ٦١ - ٦٣ (٣٤). «الإصابة» ١/ ١٩ - ٢٠ (٣٢).
(٦) انظر قصته في: «قصص الأنبياء» لابن كثير ٢/ ٦٣٩ - ٦٥٧.



والصخرة: هي التي دون نهر الرين بالمغرب.
الوجه الخامس:
مراد البخاري بالتبويب الرحلة والسفر في طلب العلم برَّا وبحرًا، فإن موسى - ﷺ - اتبع الخضر للتعلم منه حال ركوب السفينة ودونها.
السادس: في ألفاظه ومعانيه:
المماراة: المجادلة، يقال: ماريت الرجل أماريه مراء، وهي هنا: الاختلاف، يقال: تماريا إذا اختلفا.
وقوله: (فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسٍ) فسره بعضهم بأنه قام إليه، ويحتمل أن يكون المراد به النداء.
وقوله: (فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، قَالَ القاضي: أي: في جماعتهم (١).
وقال غيره: الملأ: الأشراف ومعناهما صحيح.
وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا). وجاء في كتاب التفسير وغيره: «فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا» فعتب الله عليه إِذ لم يردَّ العلم إلية (٢). وكذا جاء في مسلم، وفيه أيضًا: «بينا موسى في قومه يذكرهم بأيام الله -أي: (نعمائه) (٣) وبلائه- إذ قَالَ: ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني؟ فأوحى الله إليه أن في الأرض رجلًا هو أعلم منك» (٤).

----------------------
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٧٩.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢٥) باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾.
(٣) في (ج): بإنعامه.
(٤) برقم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر -عليه السلام-.



أما عَلَى رواية: «هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا» (١). فلا عتب عليه إذ أخبر عما يعلم، وأما عَلَى رواية: «أيّ الناسِ أَعْلم؟ فقال: أنا» (٢) فهو راجع إلى ما اقتضاه شهادة الحال، ودلالة النبوة، وكان منها بالمكان الأرفع والمرتبة العليا من العلم.
فالعتب إذًا إنما وقع لأجل الإطلاق وإن كان الأولى إطلاق: الله أعلم، وقد قالت الملائكة: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وقد قَالَ - ﷺ - لما سُئِلَ عن الروح وغيره: «لا أدري حتَّى أسأل الله» (٣)، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]
وقيل: المراد بقوله: (أنا) أي: بوظائف النبوة، وأمور الشريعة، وسياسة الأمة، والخضر أعلم منه بأمور أخر من علوم غيبية كما ذكر من خبره، وكان موسى أعلم عَلَى الجملة والعموم مما لا يمكن جهل الأنبياء بشيء منه، والخضر أعلم عَلَى الخصوص بما أُعْلِمَ من الغيوب وحوادث القدر مما لا يعلم الأنبياء منه إلا ما أُعلموا من غيبه.
ولهذا قَالَ لَهُ الخضر: «إنك عَلَى علم من علم الله (علمكه الله) (٤) لا أعلمه، وأنا عَلَى علم من علم الله علمنيه لا تعلمه». ألا تراه لم يعرف موسى بني إسرائيل حتَّى عرفه بنفسه إذ لم يعرفه الله به، وهذا مثل قول نبينا - ﷺ -: «إني لا أعلم إلا ما علمني ربي» (٥).

-------------------
(١) وهي رواية الباب وسيأتي برقم (٣٤٠٠) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام.
(٢) سيأتي برقم (١٢٢) كتاب: العلم، باب: ما يستحب للعالم إذا سُئِلَ: أيُّ الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله.
(٣) لم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من كتب السنة المعتبرة.
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) رواه الطبري في «تاريخه» ٢/ ١٨٤.



ومعنى قوله فيما أوردناه: «فعَتب الله عليه وآخَذَه به» وأصل العتب المؤاخذة، يقال فيه: عتب عليه، إذا واخذه وذكره لَهُ والمؤاخذة والعتب في حق الله تعالى محال، فالعتب هنا عدم رضا قوله شرعًا ودينًا (١)، وقد عتب الله عليه إذ لم يرد رد الملائكة ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
--------------------
(١) مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته يتضمن إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه وما أثبته له نبيه الكريم محمد - ﷺ - في سنته الصحيحة على الوجه اللائق به سبحانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي؛ بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه؛ لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف، والدلالة والإرشاد.
وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزه عنه حقيقة، إنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم؛ ولافتقار المحدث إلى محدِث، ولوجب وجوده بنفسه -سبحانه وتعالى-.
ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى، وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته.
انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٦/ ٥ - ٢٧.



وقيل جاء هذا؛ تنبيهًا لموسى وتعليمًا لمن بعده ودليلًا يقتدي به غيره في تزكية نفسه والعجب بحاله فيهلك، وإنما ألجئ موسى للخضر للتأديب لا للتعليم. قَالَ أُبي: أعجب موسى بعلمه فعاقبه الله بما لقي من الخضر.
السابع: في فوائده:
الأولى: الرحلة والسفر لطلب العلم برًّا وبحرًا وهو المراد بالتبويب كما سلف، وسيأتي أيضًا رحلة جابر، والمراد: التنبيه عَلَى شرف العلم حتَّى جازت المخاطرة في طلبه بركوب البحر، وركبه الأنبياء في طلبه، بخلاف ركوبه في طلب الدنيا فهو مكروه عند بعضهم واستثفله الكل.
الثانية: الازدياد في العلم وقصد طلبه، ومعرفة حق من عنده زيادة علم.
الثالثة: جواز التماري في العلم، إِذَا كان كل واحد يطلب الحقيقة غير متعنت.
الرابعة: الرجوع إلى أهل العلم عند التنازع.
الخامسة: لزوم التواضع في العلم وكل الأحوال.
السادسة: حمل الزاد وإعداده في السفر خلافًا لمن منعه، وستكون لنا عودة إلى هذا الحديث في موضع آخر من المواضع التي كرره فيها البخاري إن شاء الله تعالى ذَلِكَ وقدره (١).

---------------
(١) ورد بهامش الأصل: آخر الجزء الأول من الجزء الثاني من تجزئة المصنف.


١٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ»
٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ». [١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠ - مسلم ٢٤٧٧ - فتح: ١/ ١٦٩]
حَدَّثنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثنَا عَبْدُ الوَارِثِ، ثنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي فضائل الصحابة عن أبي معمر، ومسدد عن عبد الوارث، وعن موسى عن وهيب كلاهما عن خالد بلفظ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمة» (١) قَالَ أبو مسعود الدمشقي: هو عند القواريري عن عبد الوارث.
وأخرجه في الطهارة عن عبد الله بن محمد، ثنا هاشم بن القاسم، عن ورقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس أنه - ﷺ - دخل الخلاء فوضع لَهُ وضوءًا فقال: «اللهمَّ فقهه في الدين» (٢).
وأخرجه مسلم في (فضل) (٣) ابن عباس: ثنا زهير وأبو بكر بن أبي النضر، ثنا هاشم به، ولفظه: «اللهمَّ فقهه» (٤).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٣٧٥٦) باب: ذكر ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) سيأتي برقم (١٤٣) باب: وضع الماء عند الخلاء.
(٣) في (ج): فضائل.
(٤) مسلم (٢٤٧٧) كتاب: فضائل الصحابة.



ثانيها: في التعريف برجاله:
أما ابن عباس فقد سلف.
وأما عكرمة فهو: أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب، سمع مولاه، وابن عمر، وخلفا من الصحابة، وكان من العلماء في زمانه بالعلم والقرآن، وعنه: أيوب وخالد الحذاء وخلق، وتكلم فيه لرأيه، وأطلق نافع وغيره عليه الكذب.
وروى لَهُ مسلم مقرونًا بطاوس وسعيد بن جبير، واعتمده البخاري في أكثر ما يصح عنه من الروايات، وربما عيب عليه إخراج حديثه، ومات ابن عباس وعكرمة مملوك، فباعه علي ابنه من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار فاستقاله فأقاله وأعتقه، وكان جوالًا في (البلاد) (١).
ومات بالمدينة ودفن بها سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، ومات معه في ذَلِكَ اليوم كثير الشاعر، فقيل: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس. وقيل: مات عكرمة سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: بلغ ثمانين.
واجتمع حفاظ ابن عباس عَلَى عكرمة فيهم: عطاء وطاوس، وسعيد بن جبير، فجعلوا يسألون عكرمة عن حديث ابن عباس، فجعل يحدثهم وسعيد كلما حدث بحديث وضع إصبعيه الإبهام عَلَى السبابة أي سواء، حتَّى سألوه عن الحوت وقصة موسى فقال عكرمة: كان يسايرهما في ضحضاح من الماء. فقال سعيد: أشهد عَلَى ابن عباس أنه قَالَ: كان يحملانه في مكتل -يعني: الزنبيل- فقال أيوب:

---------------------
0(١) في (ف): المدينة.


وأرى -والله أعلم- أن ابن عباس حدث بالخبرين جميعًا (١).
وأما الراوي عنه فهو خالد بن مهران الحذاء (ع) أبو المنازل -بضم الميم- البصري التابعي مولى آل عبد الله بن عامر القرشي.
قَالَ عبد الغني: ما كان من منازل فهو بضم الميم، إلا يوسف بن منازل (خ) (فإنه) (٢) بفتحها، وحكى غيره فيه الفتح -أعني في خالد- وكذا في سائر الباب، والضم أظهر، ولم يكن بحذاء للنعال إنما كان يجلس إليهم أو إلى صديق له حذاء، وقيل: كان يقول: أحذ عَلَى هذا النحو، فلقب به.
رأى أنسًا، ووثقه أحمد، ويحيى بن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. مات سنة إحدى وأربعين ومائة في خلافة المنصور (٣).
وأما الراوي عنه فهو أبو عبيدة عبد الوارث (ع) بن سعيد بن ذكوان التميمي البصري الحافظ المقرئ الثبت الصالح، روى عن أيوب وغيره، وعنه مسدد وغيره.
ورمي بالقدر، ونفاه عنه ولده عبد الصمد فيما حكاه عنه البخاري، مات سنة ثمانين ومائة (٤).

--------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦، ٥/ ٢٨٧ - ٢٩٣. «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٩ (٢١٨). «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٢٦٤ - ٢٩٢ (٤٠٠٩)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ١٢ - ٣٦ (٩)، «شذرات الذهب» ١/ ١٣٠.
(٢) في (ف): فهو.
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٧٣ (٥٩٢). «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٥٢ (١٥٩٣). «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٧ (١٦٥٥)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٩٠ - ١٩٣، «شذرات الذهب» ١/ ٢١٠.
(٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١١٨ (١٨٩١). «الجرح والتعديل» ٦/ ٧٥ =



وأما شيخ البخاري فهو أبو معمر (ع) عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة البصري المقعد المنقري الحافظ الحجة، روى عن عبد الوارث وغيره، وعنه البخاري وأبو داود، وهو والباقون عن رجل عنه، ورمي بالقدر أيضًا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١).
فائدة:
هذا الإسناد عَلَى شرط الأئمة الستة وكلهم بصريون خلا ابن عباس وعكرمة، وفيه رواية تابعي عن تابعي أيضًا.
الوجه الثالث: في فوائده:
الأولى: المراد بالكتاب هنا: القرآن وكذا كل موضع ذكر الله تعالى فيه الكتاب، والمراد بالحكمة أيضًا: القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وأما قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] فالمراد بها السنة وكذا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالقرآن أحكمت آياته بين حلالها وحرامها وأوامرها ونهيها، والسنة بينت المجمل وغيره، والرواية الأخرى: «اللهم فقهه» أي: فهمه الكتاب والسنة، ودعا لَهُ أيضًا أن يعلمه التأويل أي: تفسير القرآن؛ فكان فيه من الراسخين حتَّى كان يُدعى ترجمان القرآن.

---------------------
= (٣٨٦)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ١٤٠، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٧٨ (٣٥٩٥). «مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٢، «شذرات الذهب» ١/ ٢٩٣.
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٥ (٤٧٥). «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٤٢٨ (٢٢٥٨). «الجرح والتعديل» ٥/ ١١٩ (٥٤٩). «الثقات» ٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤ «تهذيب الكمال» ١٥/ ٣٥٣ (٣٤٤٩).



الثانية: بركة دعائه - ﷺ - وإجابته.
الثالثة: فضل العلم والحض عَلَى تعلمه، وعلى حفظ القرآن والدعاء بذلك.
الرابعة: استحباب الضم وهو إجماع للطفل والقادم من سفر، ولغيرهما مكروه عند البغوي، والمختار (جوازه) (١) ومحل ذَلِكَ إِذَا لم يؤد إلى تحريك شهوة.
فائدة: معنى اللَّهُمَّ: يا الله، والميم المشددة عوض من حرف النداء، قَالَه الخليل وسيبويه، وقال الفراء: كان الأصل يا الله أمنا بخير فهي مضمنة ما يسأل بها، ونظيره قول العرلب: هلم، والأصل: هل، فضمت الميم إليها، ولو كانت الميم بدلًا عنها لما اجتمعا وقد قَالَ الشاعر:
وما عليك أن تقولي كلما … سبحت أو هللت يا اللَّهُمَا
اردد علينا شيخنا مسلما
وقد استدل الأول بهذا على أنها عوض ولا يُجمع بينهما إلا في الشعر (٢).

--------------------
(١) في (ف): جوازها.
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٢٢٠، «زاد المسير» ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.



١٨ - باب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَؤمَئِذٍ قَدْ نَاهَزتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ. [٤٩٣، ٨٦١، ١٨٥٧، ٤٤١٢ - مسلم ٥٠٤ - فتح: ١/ ١٧١]

٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي- وَأَنَا ابن خمسِ سِنِينَ- مِنْ دَلْوٍ. [١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢ - مسلم: ٣٣ سيأتي ٦٥٧ - فتح: ١/ ١٧٢]
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويْسٍ، ثنا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ.
حدثنا محَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - مجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي- وَأَنَا ابن خَمْسِ سِنِينَ- مِنْ دَلْوٍ.
ذكر البخاري رحمه الله في الباب حديث ابن عباس وحديث محمود ابن الربيع.


أما حديث ابن عباس: فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الصلاة في باب: سترة الإمام سترة لمن خلفه: عن ابن يوسف، والقعنبي عن مالك (١)، وفي الحج في باب: حج الصبيان، عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري (٢)، وفي المغازي، وحجة الوداع، وقال الليث: حَدَّثَني يونس (٣). كلهم عن ابن شهاب.
وأخرجه مسلم في الصلاة: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، وعن يحيى بن يحيى، والناقد، وإسحاق، عن ابن عيينة، وعن إسحاق وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر (٤)، خمستهم (٥) عن الزهري به.
وزاد البخاري في الحَج فيه: أقبلت أسير عَلَى أتان لي حتَّى سرت بين يدي بعض الصف، ثمَّ نزلت عنها. ولمسلم: فسار الحمار بين يدي بعض الصف.
الوجه الثاني: في التعريف برواته، وقد سلف.

--------------------
(١) سيأتي برقم (٤٩٣) عن ابن يوسف، وبرقم (٨٦١) عن القعنبي، باب: وضوء الصبيان.
(٢) سيأتي برقم (١٨٥٧).
(٣) سيأتي برقم (٤٤١٢).
(٤) رواه مسلم عنهم (٥٠٤/ ٢٥٤ - ٢٥٧) باب: سترة المصلي.
(٥) المراد جملة من رواه عن الزهري عند البخاري ومسلم معًا وهم: مالك، وابن أخي الزهري -وهو محمد بن عبد الله بن مسلم- ويونس، وابن عيينة، ومعمر.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* إجابة الدعاء أسباب وأحوال
* اللهم بلغنا رمضان
* لا تتشبث بأسباب فتنتك!
* شَعْبَانُ شَهْرُ الْقُرَّاءِ
* الطُّهُورُ بَيْنَ الغَفْلَةِ وَالبَصِيرَة
* العشر الأواخر والحرب الدائرة
* قواعد وأصول في منهج التلقي والاستدلال عند أهل السنة والجماعة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس