وقفات رمضانية (4) انواع الصيام
(الموسم الرابع)
د. عبدالسلام حمود غالب
حديثنا اليوم عن أنواع الصيام، وحال الناس وأقسامهم مع الصيام، ما بين صحيح ومريض ومسافر.
أنواع الصوم:
الصيام الذي شرعه الله عز وجل قسمان:
1- صيام واجب:
وهو ثلاثة أنواع:
1- ما يجب للزمان نفسه؛ وهو صوم شهر رمضان.
2- ما يجب لعلة وسبب؛ وهو صوم الكفَّارات.
3- ما يجب لإيجاب الإنسان ذلك على نفسه؛ وهو صوم النَّذْرِ.
2- صيام مستحَبٌّ:
وهو صيام التطوع؛ وهو نوعان:
1- صيام التطوع المطلق؛ كصيام يوم وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ونحوهما.
2- صيام التطوع المقيَّد؛ كصيام الاثنين من كل أسبوع، وصيام أيام البِيض من كل شهر، وصيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء من كل عام، ونحو ذلك.
حكم صوم رمضان:
يجب صوم رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، مقيم، قادر على الصوم، ذكرًا كان أو أنثى، خالٍ من الموانع كالحيض والنِّفاس، وهذا خاص بالنساء.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 183 - 185]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))؛ [متفق عليه].
وعن طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه ((أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائِرَ الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطَّوَّع شيئًا، فقال: أخبرني ما فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطَّوَّع شيئًا، فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة، فقال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم شرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك، لا أتَطَوَّع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق، أو: دخل الجنة إن صدق))؛ [متفق عليه].
حكم من أفطر عمدًا:
فلا شكَّ أن الفِطْرَ في نهار رمضان بغير سبب شرعي كبيرة من الكبائر، وإثم عظيم يحرم الإقدام عليه؛ لأن تعمُّدَ الفطر انتهاك لحرمة هذا الوقت العظيم، ومخالفة لأمر الله تعالى في قوله: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [البقرة: 187].
قال الإمام الذهبي في الكبائر: وعند المؤمنين مُقرَّر أنَّ مَن تَرَكَ الصلاة والصوم أنه شرٌّ من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكُّون في إسلامه، ويظنون به الزَّندقةَ والإلحاد.
فالفطر في رمضان عمدًا من كبائر الذنوب، وعلى من وقع في ذلك أن يتوب إلى الله تعالى بالندم والعزم الصادق على عدم الإفطار مستقبلًا بغير عذر شرعي، ومن كان مستحِلًّا لذلك بالفطر، متعمِّدًا منكرًا له، فقد كفر، فيُستتاب، ومن جَهَرَ بالفطر عزَّره الإمام، وعاقبه العقوبة التي تردعه وأمثاله عن هذا الفعل العظيم؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إذا أفطر في رمضان مستحِلًّا لذلك، وهو عالم بتحريمه، استحلالًا له، وجب قتله، وإن كان فاسقًا، عُوقِب عن فطره في رمضان، بحسب ما يراه الإمام، وإن كان جاهلًا، عُرِّف بذلك"؛ [انتهى من الفتاوى الكبرى 2/ 473]، وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: "الكبيرة الأربعون والحادية والأربعون بعد المائة: ترك صوم يوم من أيام رمضان، والإفطار فيه بجِماعٍ أو غيره، بغير عذر من نحو مرض أو سفر"؛ [الزواجر 1/ 323]، وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "فِطْرُ الْمُكَلَّف في نهار رمضان من كبائر الذنوب، إذا كان بغير عذر شرعي"؛ [انتهى من فتاوى اللجنة الدائمة 10/ 357]، وقال الشيخ ابن باز: "من أفطر يومًا من رمضان بغير عذر شرعي، فقد أتى منكرًا عظيمًا، ومن تاب تاب الله عليه، فعليه التوبة إلى الله بصدق، بأن يندم على ما مضى، ويعزم ألَّا يعود، ويستغفر ربه كثيرًا، ويبادر بقضاء اليوم الذي أفطره"؛ [انتهى]، وقال ابن عثيمين حول من أفطر عمدًا: "الفطر في نهار رمضان بدون عذر من أكبر الكبائر، ويكون به الإنسان فاسقًا، ويجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره"؛ [انتهى من مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 19/ 89]، وقال ابن عبدالبر: "وأجمعت الأمة، ونقلت الكافة، فيمن لم يصُمْ رمضان عامدًا وهو مؤمن بفرضه، وإنما تركه أشَرًا وبَطَرًا، تعمَّد ذلك ثم تاب عنه، أن عليه قضاءه"؛ [انتهى من الاستذكار 1/ 77]، وفي فتاوى اللجنة الدائمة (10/143): "من ترك الصوم جحدًا لوجوبه فهو كافر إجماعًا، ومن تركه كسلًا وتهاونًا، فلا يكفُر، لكنه على خطر كبير بتركه ركنًا من أركان الإسلام، مجمعًا على وجوبه، ويستحق العقوبة والتأديب من وليِّ الأمر، بما يردعه وأمثاله، بل ذهب بعض أهل العلم إلى تكفيره، وعليه قضاء ما تركه، مع التوبة إلى الله سبحانه".
أقسام المسلمين في رمضان:
المسلمون في رمضان على ثلاثة أقسام:
قسم يجب عليه الصيام، وقسم يجب عليه الفطر، وقسم يجوز له الفطر والصوم.
الذين يجب عليهم الصيام:
وهم: كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح غير مريض، مقيم غير مسافر، والمرأة الطاهرة من الحيض والنِّفاس.
الذين يجب عليهم الفطر وعليهم القضاء:
1- الحائض والنُّفَساء:
عن معاذة قالت: ((سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريةٌ أنتِ؟ قلت: لستُ بحَرُورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك، فنُؤمَر بقضاء الصوم، ولا نُؤمَر بقضاء الصلاة))؛ [أخرجه مسلم].
2- من خَشِيَ الهلاك بصومه، فيجب عليه الفطر لإنقاذ نفسه أو غيره؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29].
الذين يجوز لهم الفطر والصوم هم:
الأول: المريض: وللمريض ثلاث حالات:
1- أن يكون مرضه يسيرًا لا يتأثر بالصوم؛ كالزُّكَام والصداع اليسير، فهذا لا يجوز له أن يُفطِر.
2- أن يزيد مرضه بالصوم، أو يتأخر بُرؤه، ويشُق عليه الصوم لكن لا يضره، فهذا يُستحَبُّ له الفطر، ويُكرَه له الصوم؛ قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].
3- أن يشق عليه الصوم، ويتسبَّب في ضرر قد يُفضي به إلى الهلاك، فهذا يجب عليه الفطر، ويحرم عليه الصوم؛ لِما فيه من تعريض نفسه للهلاك، وهو محرَّم؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29].
الثاني: المسافر: والمسافر له ثلاث حالات:
1- أن يشق عليه الصوم دون الهلاك، أو يُعِيقه عن فعل الخير، فهذا الفطر في حقِّه أولى من الصيام؛ عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البِرِّ الصومُ في السفر))؛ [متفق عليه].
وعن أنس رضي الله عنه قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، فمنا الصائم ومنا الْمُفْطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حارٍّ، أكثرنا ظِلًّا صاحب الكِساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوَّام، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب الْمُفْطِرون اليوم بالأجر))؛ [متفق عليه].
2- أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة قد تُفضي به إلى الهلاك، فهذا يجب عليه الفطر؛ حفظًا للنفس من الهلاك؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29].
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُراعَ الغَمِيم، فصام الناس، ثم دعا بقَدحٍ من ماء فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرِب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة))؛ [أخرجه مسلم].
3- ألَّا يشق عليه الصوم، ولا يعوقه عن فعل الخير، فهذا الصوم في حقه أولى من الفطر؛ قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184]، وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أجِد بي قوةً على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحَسَنٌ، ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه))؛ [متفق عليه].
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر، فقال: ((إن شئت فصُمْ، وإن شئت فأفْطِرْ))؛ [متفق عليه].
الثالث: الحامل والمرضع:
الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على الجنين، أو الرضيع، فيجوز لهما الفطر، وتُطعمان عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما.
الرابع: المريض الذي لا يُرجى بُرؤه، والشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة: فهؤلاء يُفْطِرون، ويُطعمون عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184].
حكم الحائض أو النُّفَساء إذا طهُرت:
إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل الفجر، فيجب عليها الصوم كغيرها، ويصح صومها وإن أخَّرت الغسل لما بعد الفجر.
إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء النهار، فلا يلزمها الإمساك بقية اليوم، فلها أن تأكل وتشرب.
حكم تناول حبوب تأخير الحيض لِما بعد رمضان:
الأصل أن المرأة تُخضِع نفسها للفطرة التي فُطِرَتْ عليها مثل الحيض وغيره، فلها عذر في ذلك، فتفطر وتقضي بعد رمضان، ولكن يجوز للحائض أن تستخدم ما يقطع الحيض من أجل رمضان أو الحج إذا لم يضر بها، كما يقول الفقهاء والمجامع الفقهية، وتأخذ - إذا انقطع الدم - حكم الطاهرات في الصيام، والصلاة، والطواف، والجماع، وفي كل ما يجوز للطاهرات.
المستحاضة، وهي التي لا ينقطع عنها الدم لِعِلَّةٍ ومرض؛ كالنزيف، وليس دمَ حيضٍ، ولا في وقته، فلها حكم الطاهرات في كل شيء فتصوم، وتصلي كغيرها.
----------------
وقفات رمضانيه (5) الموسم الرابع
د. عبدالسلام حمود غالب
حديثنا اليوم عن وقت فطر المسافر، وأقسام الصيام الواجب والمستحب، وبما يثبت دخول رمضان.
وقت الفطر للمسافر:
وممن يجوز له الفِطْرُ المسافرُ، إذا بدأ المسلم السفر قبل الفجر، فيجوز له الفطر؛ لأنه قد دخل في السفر.
وإن يبدأ السفر بعد الفجر، فإن الفطر يُباح له ذلك اليوم إذا فارق البلد، ولا يُفطِر قبل السفر؛ لأنه لا يجوز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من البلد، فكذلك لا يجوز أن يُفطِرَ حتى يخرج من البلد.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لا تعِبْ على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم، في السفر وأفطر))؛ [متفق عليه]، وله أن ينوِيَ الصوم وهو مسافر، ثم يبدو له أن يُفطِرَ، فيجوز له الفطر؛ لأنه من رُخَصِ السفر؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يَعِبِ الصائم على الْمُفْطِر، ولا الْمُفْطِر على الصائم))؛ [متفق عليه].
أقسام الصيام من حيث الحكم:
الصيام على أربعة أوجه:
1- الصوم الواجب:
وهو ثلاثة أنواع:
صوم شهر رمضان، والصوم الواجب بالنذر، والصوم الواجب في كفَّارة الجماع في نهار رمضان، وفي كفارة قتل الخطأ، وفي كفارة الظهار، وفي كفارة اليمين.
2- الصوم المستحب:
وهو صوم التطوع، وهو أنواع؛ منها: صوم يوم الاثنين، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة، وصوم يوم عاشوراء، ونحو ذلك.
الصوم المكروه، وهو أنواع؛ منها:
صيام أيام التشريق، وصوم المريض، وصوم المسافر الذي يشق عليه السفر، وصوم الدهر، ونحو ذلك.
الصوم المحرَّم، وهو أنواع؛ منها: صوم الحائض، وصوم النُّفَساء، وصوم يوم عيد الفطر، وصوم يوم عيد الأضحى، وصوم يوم الشكِّ، والوِصال ليوم أو يومين، ونحو ذلك.
أنواع الصيام في الكفَّارات:
1- كفارة الجماع:
في نهار رمضان هي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطْعَمَ ستين مسكينًا؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هَلَكْتُ، يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تُعتق رقبةً؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تُطعِم ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: ثم جلس، فأُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ فيه تمر، فقال: تصدق بهذا قال: أفقر منا؟ فما بين لَابَتَيها أهلُ بيت أحوج إليه منا، فضحِك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطْعِمْه أهلك))؛ [متفق عليه].
2-كفارة قتل الخطأ:
بأن يقتل مؤمنًا خطأً، فيجب عليه أن يعتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 92].
3- كفارة الظِّهار:
كأن يقول الزوج لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي؛ يريد تحريمها، فيجب عليه قبل أن يمَسَّ زوجته عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا؛ قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: 3، 4].
4- كفَّارة اليمين:
بأن يحلف المسلم على شيء فيَحنَث فيه، فيجب عليه عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد شيئًا من ذلك، فيجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام؛ قال الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 89].
5- كفَّارة جزاء الصيد:
بأن يقتل الْمُحْرِم بالحج أو العمرة صيدًا بريًّا، فيجب عليه أن يقوِّمه بدراهم، ويطعم كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ [المائدة: 95].
بِمَ يثبُت دخول رمضان:
دخول شهر رمضان يثبت بأحد أمرين:
الأول: رؤية هلال رمضان؛ ودليل ذلك قوله تعالى في آية الصيام: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته))؛ [متفق عليه].
فإذا رأى مسلم عاقل بالغ، عدل موثوق بخبره وأمانته هلالَ رمضان، فقد ثبت دخول الشهر، وتعيَّن على الناس الشروع في صيامه.
الثاني: ويثبت دخول شهر رمضان أيضًا بتمام شعبان ثلاثين يومًا؛ لأن غاية الشهر القمري أن يكون ثلاثين يومًا، ولا يكون أكثر من ذلك؛ وقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشهر هكذا وهكذا وهكذا - يعني ثلاثين يومًا - ثم قال: وهكذا وهكذا وهكذا؛ يعني تسعة وعشرين يومًا))؛ أي: أنه إما أن يكون ثلاثين أو تسعة وعشرين.
فإذا كمل شهر شعبان ثلاثين يومًا، فمعنى ذلك أن شهر رمضان قد بدأ بلا خلاف، وأيضًا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))؛ [متفق عليه].
فإذا تحرَّى الناس الهلال ولم يَرَوه، فعليهم إتمام شعبان ثلاثين يومًا، ولا يجوز - على الصحيح - صيام يوم الثلاثين على أنه من رمضان؛ لعدم ثبوت دخول الشهر، وهذا اليوم - يوم الثلاثين - يُعرَف بيوم الشك؛ والدليل على عدم جواز صيام هذا اليوم قول عمار بن ياسر رضي الله عنه: ((من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فقد عصى أبا القاسم))؛ [رواه أبو داود]، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن صوم يوم الشك؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يتقدمن أحدكم رمضان بصيام يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صيامًا فليصمه)).
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ - أي خَفِيَ - عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))، والحديث واضح الدلالة على أن بدء الصوم مُعلَّق برؤية الهلال، فإذا لم تحصل الرؤية، لزِم الناس أن يكملوا شعبان ثلاثين يومًا.
وخلاصة الأمر في هذه المسألة: أن شهر رمضان إذا ثبت بأحد الطريقين المتقدمين، وجب على الناس الصيام، وإلا لم يَجُزِ الشروع في الصيام؛ لعدم ثبوت دخول رمضان.
كيفية خروج الشهر:
ثم إن الخروج من شهر رمضان يكون أيضًا بأحد الطريقين اللذين تقدم الحديث عنهما، غير أن ثبوت هلال شوال لا يثبت إلا برؤية شاهدين، بخلاف ثبوت هلال رمضان، فإنه يثبت برؤية شاهد واحد، بالشروط المعتبرة في الشهادة، وقد علَّلوا الفرق بينهما بأن الخروج من العبادة يُحتاط فيه أكثر مما يُحتاط في الدخول فيها.
-----------------
وقفات رمضانية (6)
الموسم الرابع
د. عبدالسلام حمود غالب
حديثنا اليوم عن أحكام متعلقة بالهلال؛ حكم طلب الرؤية، والعدد المعتبر للرؤية، واستخدام الوسائل الحديثة في رؤية الهلال، واختلاف المطالع واتحادها، وحكم استخدام الحساب الفلكي.
أحكام متعلقة برؤية الهلال:
حكم طلب رؤية الهلال:
ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فرضٌ على الكفاية؛ نصَّ على ذلك الحنفية وغيرهم؛ [(فتح القدير) للكمال بن الهمام (2/ 313)، وينظر: (المسالك في شرح موطأ مالك) لابن العربي (4/ 165)، (حاشية البجيرمي على شرح المنهج)]، ومن الأدلة:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِيَ عليكم، فأكْمِلُوا عِدَّةَ شعبانَ ثلاثين)).
2- عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفَّظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمَّ عليه، عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام)).
3- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه)).
4- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كنا مع عمرَ بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلالَ، وكنت رجلًا حديدَ البصر، فرأيته وليس أحدٌ يزعم أنه رآه غيري قال: فجعلت أقول لعمر: أمَا تراه؟ فجعل لا يراه، قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلقٍ على فراشي)).
قد حرص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته على رؤية هلال رمضان، فكانوا يتراءَونه؛ قال ابن عثيمين: "ترائي الهلال: هلال رمضان، أو هلال شوال، أمر معهود في عهد الصحابة رضي الله عنهم... ولا شكَّ أن هَدْيَ الصحابة رضي الله عنهم أكملُ الهَدْيِ وأتمُّه"؛ [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (19/ 37)].
فإذا ثبت رؤية الهلال يجب صيام رمضان؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ((تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه)).
ونقل الإجماع على ذلك ابن حزم؛ قال ابن حزم: "وأجمعوا على أن الكافة إذا أخبرت برؤية الهلال، أن الصيام والإفطار بذلك واجبان"؛ [مراتب الإجماع (ص: 40)]، وقال ابن قدامة: "وجملة ذلك أنه يُستحَبُّ للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وتطلُّبه؛ ليحتاطوا بذلك لصيامهم، ويسلموا من الاختلاف، وقد روى الترمذي، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أحصوا هلالَ شعبان لرمضان))، فإذا رأوه، وجب عليهم الصيام إجماعًا"؛ [المغني (3/ 106)]، وقال الزركشي: "أي: طلب الناس الهلال، فإن رأوه وجب صيامه، وهذا إجماع"؛ [شرح الزركشي على مختصر الخرقي (2/ 550)].
العدد المعتبر في الرؤية:
يكفي في ثبوت دخول رمضان شهادة عدل واحد، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة؛ قال ابن قدامة: "وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن المبارك"؛ [المغني (3/ 164)]، وطائفة من السلف؛ [الفروع لابن مفلح (4/ 416)، وينظر: المغني لابن قدامة (3/ 164)]، وهو اختيار ابن باز؛ قال ابن باز: "والهلال يثبت بشاهد واحد في دخول رمضان، شاهد عدل، عند جمهور أهل العلم"؛ [مجموع فتاوى ابن باز (15/ 61)، وابن عثيمين، الشرح الممتع لابن عثيمين].
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه)).
وكذلك قياسًا على الأذان، فالناس يُفطِرون بأذان الواحد، ويُمسِكون بأذان الواحد؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم)).
من رأى الهلال وحده: من رأى هلال رمضان وحده، ولم يشهد برؤيته، أو شهِد ولم تُقبَل شهادته.
فائدة: من رأى هلال رمضان وحده، وهو في مكان ناءٍ ليس فيه أحد، فإنه يصوم، ويبني على رؤيته؛ [ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (25/ 117، 118)، مجموع فتاوى ابن باز (15/ 73)، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (19/ 74 - 75)]، وقد اختلف أهل العلم في صيامه على قولين:
القول الأول: يصوم بناءً على رؤيته، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول الظاهرية، وعليه أكثر أهل العلم؛ [ينظر: التمهيد لابن عبدالبر (14/ 355)، المجموع للنووي (6/ 280)، الفروع لابن مفلح (4/ 421)]؛ قال ابن عبدالبر: "لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده، فلم تُقبَل شهادته أنه يصوم؛ لأنه متعبد بنفسه لا بغيره، وعلى هذا أكثر العلماء، لا خلاف في ذلك إلا شذوذ لا يُشتغَل به"؛ [التمهيد (14/ 355)]، ودليلهم عموم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، وعموم حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا)).
أنه قد أمر بالصيام عند رؤية الهلال، ومن رآه وحده داخل في عموم الأمر بذلك؛ لأن يقين نفسه أبلغُ من الظن الحاصل بالبيِّنة.
القول الثاني: يصوم مع الناس، إذا صاموا، ولا يبني على رؤيته؛ وهذا قول لبعض السلف، ورواية عن أحمد، وقال ابن المنذر: هذا القول عن عطاء، وإسحاق؛ [الإشراف (3/ 114)، المغني لابن قدامة (3/ 163)].
قال ابن تيمية: "والثالث - أي من الأقوال - يصوم مع الناس ويُفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال"؛ [مجموع الفتاوى (25/ 114)]، قال ابن باز: "وإذا رأى الهلال شخص واحد، ولم تُقبَل شهادته لم يَصُمْ وحده، ولم يُفطِر وحده، في أصح قولي العلماء، بل عليه أن يصوم مع الناس، ويُفطِر مع الناس"؛ [مجموع فتاوى ابن باز (15/ 64)]، ودليل القول الثاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصوم يوم تصومون، والفِطْرُ يوم تُفطرون، والأضحى يوم تضحُّون))؛ لأن الهلال هو ما هلَّ واشتهر بين الناس، لا ما رُئِيَ، وأن المعتبر في الصيام أو الإفطار هو الذي يثبت عند الناس، والشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته، لا يكون هذا صومًا له، كما لم يكن للناس.
إكمال شعبان ثلاثين يومًا إذا لم تَثْبُتِ الرؤية في التاسع والعشرين:
إذا لم تثبت رؤية هلال رمضان في التاسع والعشرين من شعبان، فإننا نكمل شعبان ثلاثين يومًا، سواء كانت السماء مصحيةً أو مغيمةً؛ وهذا مذهب الجمهور من: الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد؛ [تحفة الفقهاء للسمرقندي (1/ 345)].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِيَ عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
حكم صوم يوم الثلاثين من شعبان احتياطًا لرمضان:
يحرُم صوم يوم الثلاثين من شعبان (يوم الشك)؛ خوفًا من أن يكون من رمضان، أو احتياطًا.
اتفاق المطالع واختلافها:
إذا رأى أهلُ بلدٍ الهلالَ، فقد اختلف أهل العلم في وجوب الصيام على بقية أهل البلاد الأخرى بناءً على رؤية هذا البلد، على أقوال؛ أقواها قولان:
القول الأول: إذا رأى أهل بلد الهلال، فإنه يجب الصوم على الجميع مطلقًا؛ وهو مذهب الجمهور: الحنفية، والمالكية، والحنابلة؛ [حاشية ابن عابدين (2/ 393)، وينظر: بدائع الصنائع للكاساني (2/ 83)]، ودليلهم عموم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، أن الخطاب يشمل جميع الأمة، فإذا ثبت دخول الشهر في بلد، وجب على الجميع صومه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوموا لرؤيته))؛ فدلَّ الحديث أن الصوم بمطلق الرؤية لجميع المسلمين، دون تحديد ذلك بمكان معين.
القول الثاني: إذا رأى أهل بلد الهلال، فإنه لا يجب الصوم على الجميع مع اختلاف المطالع، وإنما يجب على من رآه أو كان في حكمهم؛ وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وهو قول طائفة من السلف، واختاره الصنعاني، وابن عثيمين، ونقل ابن المنذر هذا القول عن عكرمة، وإسحاق، والقاسم، وسالم؛ [الإشراف (3/ 112)]؛ قال الصنعاني: "في المسألة أقوال ليس على أحدها دليلٌ ناهض، والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سِمَتِها"؛ [سبل السلام (2/ 151)]؛ قال ابن عثيمين: "وهذا القول هو القول الراجح، وهو الذي تدل عليه الأدلة"؛ [الشرح الممتع]، ودليلهم عموم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، أن الذين لا يوافقون في المطالع من شاهده، لا يُقال: إنهم شاهدوه حقيقةً ولا حكمًا، والله تعالى أوجب الصوم على من شاهده.
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته))، ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّل الأمر في الصوم بالرؤية، ومن يخالف مَن رآه في المطالع، لا يُقال: إنه رآه لا حقيقةً ولا حكمًا.
2- عن كريب ((أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدِمتُ الشامَ فقضيتُ حاجتها، واستهلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي - شكَّ يحيى بن يحيى أحد رواة الحديث في: نكتفي أو تكتفي - برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
فكما أن المسلمين مختلفون في الإفطار والإمساك اليومي، فلا بد أن يختلفوا كذلك في الإمساك والإفطار الشهري.
حكم الرؤية عبر الوسائل الحديثة:
أولًا: حكم الاعتماد على الأقمار الصناعية في رؤية الهلال:
لا يجوز الاعتماد على الأقمار الصناعية في رؤية الهلال؛ وهذا قول ابن عثيمين؛ وذلك لأن الأقمار الصناعية تكون مرتفعةً عن الأرض التي هي محل ترائي الهلال.
ثانيًا: حكم استعمال المراصد الفلكية لرؤية الهلال:
يجوز استعمال المراصد الفلكية لرؤية الهلال كالدربيل، وهو الْمِنْظار الْمُقَرَّب، ولكنه ليس بواجب، فلو رأى الهلال عبرها مَن يُوثَق به، فإنه يعمل بهذه الرؤية؛ وهو اختيار ابن باز وابن عثيمين، وبه صَدَرَ قرار هيئة كبار العلماء، وهو قرار مجمع الفقه الإسلامي؛ قال ابن باز: "أما الآلات فظاهر الأدلة الشرعية عدم تكليف الناس بالتماس الهلال بها، بل تكفي رؤية العين، ولكن مَن طالَعَ الهلال بها وجزم بأنه رآه بواسطتها بعد غروب الشمس وهو مسلِمٌ عَدْلٌ، فلا أعلم مانعًا من العمل برؤيته الهلال؛ لأنها من رؤية العين لا من الحساب"؛ [مجموع فتاوى ابن باز (15/ 69)]، قال ابن عثيمين: "ولا بأس أن نتوصَّل إلى رؤية الهلال بالمنظار، أو المراصد"؛ [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (19/ 62)]، وقال ابن عثيمين أيضًا: "وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لمَّا كانوا يصعَدون المنائر في ليلة الثلاثين من شعبان، أو ليلة الثلاثين من رمضان، فيتراءونه بواسطة هذا المنظار"؛ [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (19/ 36)]، وهذا أيضًا من قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثانية التي عقدت في جدة عام (1985م)، ودورته الثالثة التي عُقِدت في عمان عام (1986م)؛ [موقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي]، وذلك بجواز استخدام المراصد.
ضوابط استخدام المنظار والمراصد:
١- الاستعانة بها، لا الاعتماد عليها، وجعلها معيارًا للرؤية، فلا تثبت الرؤية إلا إذا شهِدت لها المراصد.
٢- عدم التكلف في استخدامها.
٣- تحقق الرؤية البصرية من خلالها.
٤- أن تكون بأيدي إسلامية عدلة.
٥- أن تعطي الصورة للموقع نفسه؛ إذ لو لم تكن كذلك، فقد تُعطَى صورة لموقع سابق، ودليل الجواز عموم ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا))، وأن هذه الرؤية تحصل باستعمال المراصد الفلكية.
ثالثًا: حكم استخدام الحساب الفلكي:
القول الأول:
لا يجوز العمل بالحساب الفلكي، ولا الاعتماد عليه، في إثبات دخول رمضان تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة؛ لأن رؤية الهلال أمرها عامٌّ يَتَيَسَّرُ لأكثر الناس من العامة والخاصة، في الصحاري والبنيان، بخلاف ما لو عُلِّق الحكم بالحساب، فإنه يحصُل به الحرج، ويتنافى مع مقاصد الشريعة؛ لأن أغلب الأمة لا يعرف الحساب، ودعوى زوال وصف الأُمِيَّة بعلم النجوم عن الأمة غير مُسلَّمة، ولو سلِمت، فذلك لا يُغيِّرُ حُكْمُ الله؛ لأن التشريع عام للأمة في جميع الأزمنة؛ [مجموع فتاوى ابن باز (15/ 112)].
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِيَ عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
2- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رمضان فقال: ((لا تصوموا حتى تَرَوا الهلال، ولا تُفْطِروا حتى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم، فاقدُروا له)).
ونلاحظ من الأحاديث السابقة:
1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جَعَلَ الْحُكْمَ بالهلال مُعلَّقًا على الرؤية وحدها؛ فهي الأمر الطبيعي الظاهر الذي يستطيعه عامة الناس، فلا يحصل لَبْسٌ على أحد في أمر دينه؛ كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنا أُمَّةٌ أُمِيَّة لا نكتب، ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا))؛ يعني: مرةً يكون تسعةً وعشرين، ومرةً يكون ثلاثين.
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ المسلمين إذا كان هناك غَيمٌ ليلة الثلاثين أن يُكملوا العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء الفلك، وقد جرى العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت، ولو كان قولهم هو الأصل وحده، أو أصلًا آخر مع الرؤية في إثبات الشهر، لبيَّن ذلك، فلما لم يُنقَل ذلك، بل نُقِل ما يخالفه، دلَّ على أنه لا اعتبار شرعًا لما سوى الرؤية، أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة.
3- الرؤية في الحديث متعدية إلى مفعول واحد، فكانت بصريةً لا علميةً.
4- كما أن الصحابة فهِموا أنها رؤية بالعين، وهم أعلم باللغة ومقاصد الشريعة من غيرهم.
ونقل الإجماع على ذلك الجصَّاص، وابن رشد، والقرطبي، وابن تيمية؛ قال الجصاص: "فالقائل باعتبار منازل القمر وحساب المنجِّمين خارج عن حكم الشريعة، وليس هذا القول مما يَسُوغ الاجتهاد فيه؛ لدلالة الكتاب ونص السنة، وإجماع الفقهاء بخلافه"؛ [أحكام القرآن (1/ 250)]، وقال ابن تيمية: "نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج، أو العِدَّة أو الإيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب، أنه يُرى أو لا يُرى، لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه"؛ [مجموع الفتاوى (25/ 132)]، وقال أيضًا: "ولا يُعرَف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة، زعم أنه إذا غُمَّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دلَّ على الرؤية صام، وإلا فلا، وهذا القول - وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًّا بالحاسب - فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصَّحْوِ، أو تعليق عموم الحكم العام به، فما قاله مسلم"؛ [مجموع الفتاوى (25/ 132، 133)].
قال القرطبي: "وهذا لا نعلم أحدًا قال به - أي: الأخذ بالحساب وتقدير المنازل - إلا بعض أصحاب الشافعي، أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليهم"؛ [تفسير القرطبي (2/ 293)]، وقال ابن باز: "ومن خالف في ذلك من المعاصرين، فمسبوق بإجماع من قبله، وقوله مردود؛ لأنه لا كلام لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مع إجماع السلف"؛ [مجموع فتاوى ابن باز (15/ 109)].
ما نُقِل عن المذاهب الأربعة في حكم في الاعتماد على الحساب الفلكي:
من أقوال المذهب الشافعي في الاعتماد على الحساب الفلكي:
في كتاب (أسنى المطالب شرح روض الطالب) للشيخ زكريا الأنصاري المتوفى سنة 925 ه، في مذهب الإمام الشافعي (ج1/ 410، المكتبة الإسلامية) ما نصه: "ولا عبرة بالمنجِّم - أي بقوله - فلا يجب به الصوم ولا يجوز، والمراد بآية: ﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [النحل: 16] الاهتداء في أدلة القِبلة وفي السفر".
من أقوال المذهب الحنفي في الاعتماد على الحساب الفلكي:
قال الفقيه الحنفي ابن عابدين المتوفى سنة 1252 ه في (حاشيته على الدر المختار)، وهي من أشهر كتب السادة الحنفية (ج3/ 354، دار الكتب العلمية، كتاب الصوم): "لا عبرة بقول المؤقِّتين أي في وجوب الصوم على الناس، بل في المعراج لا يعتبر قولهم بالإجماع، ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه".
من أقوال المذهب المالكي في الاعتماد على الحساب الفلكي:
في (الدر الثمين والمورد المعين) للشيخ أبي عبدالله محمد بن أحمد ميارة المالكي المتوفى سنة 1072 ه (دار الفكر، ص327) قال ما نصه: "فرع: قال الشهاب القرافي (المتوفى سنة 684 ه) عن سند (المتوفى سنة 541 ه): ولو كان إمام يرى الحساب، فأثبت به الهلال، لم يُتَّبع لإجماع السلف على خلافه".
وفي كتاب (الشرح الكبير) للشيخ أحمد الدردير المالكي الأزهري، المتوفى سنة 1201ه (ج1/ 462) في مذهب مالك ما نصه: "ولا يثبت رمضان بمنجِّم؛ أي: بقوله في حق غيره، ولا في حق نفسه".
من أقوال المذهب الحنبلي في الاعتماد على الحساب الفلكي:
قال البهوتي الحنبلي المتوفى سنة 1051ه في (كشاف القناع ج2/ 302، دار الفكر) ما نصه: "وإن نواه - أي صوم يوم الثلاثين من شعبان - بلا مستند شرعي من رؤية هلاله، أو إكمال شعبان، أو حيلولة غيم، أو قتر، ونحوه، كأن صامه لحساب ونجوم، ولو كثرت إصابتهما، أو مع صحوٍ، فبان منه، لم يُجزئه صومه؛ لعدم استناده لِما يُعوَّل عليه شرعًا".