عرض مشاركة واحدة
قديم 02-28-2026, 11:52 PM   #3

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

موسى عليه السلام (7)

الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد



نُتابِعُ في هذا الفصل إيرادَ ما ذكره الله عز وجل في سورة "طه" عمَّا دار بين موسى وفرعون، عند قيام موسى بدعوة فرعون إلى الله حيث يقول عز وجل في سياق ما استدلَّ به موسى عليه السلام على أن الله وحدَه هو رب كل شيء وسيده ومليكه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى * وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴾ [طه: 55 - 59].

وقال عز وجل في سورة الشعراء: ﴿ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 18 - 37].

ويقول تعالى في سورة النمل: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [النمل: 13، 14].

ويقول عز وجل في سورة القصص: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 36 - 39].

وقال تعالى في سورة غافر: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: 23 - 27].

وعندما أَظْهَر موسى هذا الالتجاءَ العظيم إلى الله وحده، سخَّر الله عز وجل له رجلًا مؤمنًا من آل فرعون يكتُم إيمانه، فبدأ في الدفاع عن موسى عليه السلام، وأخذ ينصح فرعون وملأه بضرورة المسارعة إلى طاعة موسى عليه السلام والدخول في دينه قبل أن يسلِّطَ اللهُ على المكذِّبين عقوبته التي ينزلها بالمكذبين، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 28 - 38].

وعندما وصل فرعون إلى هذه الدرجة من البغي والطغيان صرَّح الرجل وأعلنَ إيمانه: ﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 38 - 45].

وقال تعالى في سورة الزخرف: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ [الزخرف: 47].

وقال تعالى في سورة الدخان: ﴿ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾ [الدخان: 18 - 21].

وقال تعالى في سورة الذاريات: ﴿ وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ [الذاريات: 38، 39].

وقال تعالى في سورة النازعات: ﴿ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 20 - 24].

-------------

موسى عليه السلام (8)

الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد







جَمَع فرعونُ مهرةَ السحرة من جميع مدائن مصر، وقد كان السِّحْر يومَها هو أهم أهداف التعليم في بلادهم، وقد كانوا بلغوا فيه مبلغًا لم يصِلْه أحدٌ من قبلهم، ولم يُعرف أنه وصل إليه أحدٌ من بعدهم، وقد جرَت السُّنَّة الإلهية في أن يبعث الله كلَّ نبيٍّ بمعجزة تفوق أعلى درجات العلم الذي برع فيه قومه؛ ليكون أظهر للحق، ويعرفوا أنه من عند الله، وأنه لا يقدر على مثله البشر؛ ولذلك أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وجعله معجزته الكبرى؛ لأنَّ قوم محمد صلى الله عليه وسلم قد برعوا في الفصاحة والبيان والبلاغة حتى أقاموا للخطباء والشعراء منابرَ في أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز.

وكما أرسل عيسى عليه السلام بإبراءِ الأكمَه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله؛ لأن قومه قد بلغوا في الطبِّ شأوًا لم يسبقوا إليه، وقد وصف الله تبارك وتعالى ما كان من موسى والسحرة ومن فرعون وملئه، وكيف سارع السحرةُ إلى الإيمان بموسى عليه السلام عندما ألقوا حبالهم وعصيَّهم، وخُيِّل إلى موسى عليه السلام أنها تَسعى، وأنه أوجس وأحسَّ في نفسه بالخوف، فطمأنَه الله عز وجل وأمره أن يُلقي عصاه، فانقلبت حيَّةً هائلة، وابتلعت جميع ما صنعوا، فأيقن السحرة أنَّ هذا لا يقدر عليه إلا الذي خلق القُوى والقدرة، فخرُّوا لله ساجدين معلِنين إيمانهم بالله ورسله، صابرين على كل بلاء يصيبهم في مرضاة الله عز وجل، وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف:
﴿ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ [الأعراف: 113 - 126].

وقال تعالى في سورة يونس: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [يونس: 80 - 82].

ويقول تعالى في سورة طه: ﴿ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى * قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 60 - 73].

وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 38 - 51].

وفي قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ﴾ [الأعراف: 115]، وقوله تعالى في سورة طه: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴾ [طه: 65]، إشعارٌ بأن الله إذا أراد إظهار حجته هيَّأ أسباب هذا الإظهار، ووفق موسى عليه السلام إلى أن يطلب منهم أن يكونوا هم البادئين بالإلقاء، حتى جاؤوا بهذا السِّحر العظيم الذي خوَّف الناس حتى موسى عليه السلام، ثم ألقى موسى عصاه وهي واحدة فانقلبت حيَّة هائلة تبتلع وتلقف جميعَ حبالهم وعصيهم التي انقلبت حيات تجري هنا وهناك، ليكون ذلك أتمَّ في باب إظهار هذه المعجزة القاضية على إفكهم وسحرهم وباطلهم.

وفي قوله تعالى: ﴿ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ﴾ [الأعراف: 119] إشعارٌ بما لَحِق فرعون وقومه من المهانة والذِّلَّة والصَّغَار عند ظهور هذه المعجزة.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ [الشعراء: 46] إشعار بأنَّ هؤلاء السَّحرة قد سارعت إلى قلوبهم أنوارُ الحق، فلم يتردَّدوا في الانقياد لله، والإذعان لدينه والإيمان برسله، وقد خالطت بشاشةُ الحق شغافَ قلوبهم؛ لأنهم أعرف القوم بأن ما جاء به موسى ليس سحرًا.

وفي قوله تعالى: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾ [الأعراف: 123] إشعار بأنَّ فرعون أيقن أن ما جاء به موسى هو الحق من عند الله، غير أن شقوته جعلته يحاول الإبقاءَ على بعض سلطانه حتى في إيمان من يشرح الله صدره للإسلام.

وفي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ [الأعراف: 123]، وفي قوله: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ﴾ [طه: 71] إشعار بتخبُّط فرعون في إلصاقِ التُّهم بهؤلاء المؤمنين لتضليل قومه ومحاولة صرفهم عن هذا الحقِّ الأبلج، وما كيد فرعون إلَّا في ضلال.

-------------
موسى عليه السلام (9)

الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد




أشرتُ في ختام الفصل السابق إلى أن فرعونَ عندما رأى عصا موسى انقلبت حية وابتلعت ما قدمه السَّحَرة من السحر العظيم، وآمن السحرة بربِّ العالمين رب موسى وهارون ولم تؤثِّرْ فيهم تهديدات فرعون بقطع أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ، وصَلْبِهم في جذوع النخل، وثباتهم على الحق وسؤالهم الله عز وجل أن يفرغ عليهم صبرًا؛ ليتحملوا كلَّ ألوان العذاب من فرعون في سبيل إيمانهم بالله - أيقن فرعون أن ما جاء به موسى عليه السلام حقٌّ لا مرية فيه، واستيقن هو وملؤه أن موسى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقد أثر ذلك في نفس فرعون خوفًا من أن يصيب موسى بأذى، واكتفى بتهديد موسى ووعيده، ويظهر ذلك جليًّا في قوله: ﴿ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴾ [غافر: 26]، فهل كان مربوطًا بحبل لا يتمكَّن بسببه من قتل موسى؟ لكنه التهديد الأجوف الدالُّ على أنه يحس أن موسى رسول الله، غير أنه وقومه أصروا على تشديد العذاب على بني إسرائيل، وازدادوا في تقتيل أبنائهم واستحياء نسائهم، وصان الله موسى عليه السلام من أن تناله يدُ فرعون، كما صان محمدًا صلى الله عليه وسلم من أبي جهل ومَن معه من أن تنال أيديهم رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقد أوحى الله عز وجل إلى موسى وهارون أن يتبوَّأا لقومهما بمصر بيوتًا، وأن يجعلوا بيوتَهم قبلة، وأن يقيموا الصلاة، وأن يستمرَّ موسى عليه السلام في بشارة المؤمنين بنصر الله وتأييده، ولما أخذ فرعون يعلن عن تشديد العذاب المهين على بني إسرائيل وأنه لا بد من قهرهم، ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، وقال قوم موسى له: أوذينا من قبل مجيئك بالرسالة ومن بعد مجيئك بها، قال لهم: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129].

ولقد بدأت بشائرُ نصر الله لموسى ومن معه مَن المؤمنين فسلَّط الله على آل فرعون الجَدْبَ والقحط ونقص الثَّمرات لعلهم يُفيقون من غَيِّهم وضلالهم، لكنهم بدل ذلك صاروا يزعمون أن هذا الذي أصابهم هو بسبب مجيء موسى لهم واطَّيروا به وبمن معه، وأجابهم موسى عليه السلام بأن سبب بلائهم هو كفرهم وتكذيبهم رسل الله، وزعموا مرة أخرى أن هذا الجَدْبَ والقحط من سحر موسى، وأنهم لن يؤمنوا به أبدًا، فسلَّط الله عليهم الطوفانَ، فغرقت مزارعهم وهلكت ثمارهم، ولما انتهى الطوفان وبدأت الأرض تؤتي ثمارها سلَّط عليهم الجراد، فأباد زروعهم وثمارهم، ثمَّ سلَّط عليهم القُمَّل وهو صغار الذر، والدَّبى الذي لا أجنحة له، أو شيء صغير بجناح أحمر، وشيء خبيث الرائحة، فصار هذا القُمَّلُ يخالطهم في جميع أحوالهم لا يلمسون شيئًا إلا وجدوه فيه، ثم سلط الله عليهم الضفادع، فملأت بيوتهم وطعامهم وشرابهم، ثم سلط الله عليهم الدم، فصاروا لا يتناولون شيئًا إلا وجدوه مغيَّرًا بالدم، وقد امتزجت به مياههم ومطاعمهم.

وقد كان من آيات الله عز وجل أن صان بني إسرائيل من كلِّ هذه العقوبات، ولما اشتدَّ هذا البلاء بفرعون وملئه: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [الأعراف: 134]، لكنهم كانوا كلما كشف الله عنهم الضرَّ إذا هم ينكثون، ومع يقينهم بأن هذه آيات مفصلات من الله عز وجل جحدوا بها وضحكوا منها.

وقال فرعون لموسى: ﴿ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ﴾ [الإسراء: 101]، فقال له موسى: لقد علمت أن هذه الآيات التسع؛ وهي العصا واليد وما جاء بعدهما من السنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدم كلها من الله عز وجل لعلكم تهتدون ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ [الإسراء: 102]؛ أي: هالكًا بسبب كفرك وضلالك، ودعا موسى عليه السلام على فرعون وقومه فقال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ [يونس: 88]، فبدل أن يشكروك عليها استعملوها في الصدِّ عن سبيلك، ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾؛ أي: أهلكها، ﴿ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾؛ أي: اطبع عليها ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: 88]، وقد بلغ موسى عليه السلام هذه الحال في الوقت الذي رأى فرعون أنه لا بد من إعلان الحرب على موسى، وأرسل فرعون في المدائن حاشرين، يجمعون العُدَّة والسلاح والرجالَ للقضاء على موسى وهارون ومن معهما من بني إسرائيل من المؤمنين باذلًا كلَّ ألوان الإغراء بهم.

وقد أوحى الله عز وجل إلى موسى أن يخرج من مصر ليلًا ببني إسرائيل مسرعين إلى سيناء، وأعلمه أن فرعون وجنوده سيتبعونهم، فسارع موسى عليه السلام إلى امتثال أمر ربه، فسرى ببني إسرائيل، ولما اجتمع جندُ فرعون سارعوا إلى اللحاق بموسى عليه السلام يقودهم فرعون عليه لعنة الله، فأتبعوهم مشرقين، أي: وقت شروق الشمس، وقد كان موسى عليه السلام ومن معه وصلوا إلى مكان عسير؛ فالبحر أمامهم والعدوُّ خلفهم والجبال عن يمينهم وشمالهم، ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾ جَمْع موسى وجَمْع فرعون ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ [الشعراء: 61]، أي: سيكون هلاكنا على يد فرعون وجنده هنا؛ لأنه لا مفرَّ لنا، فأجابهم موسى عليه السلام وقال لهم: كلا لن يدركونا، ولن يصلوا إلينا؛ لأن الله وعدني بذلك، وأراد موسى عليه السلام بذلك وعد الله له حيث أجابه عندما قال موسى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ [طه: 45، 46]؛ ولذلك لما قال له أصحابه: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ [الشعراء: 61] أجابهم بقوله: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 62].

فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك البحر، فضربَ موسى البحر بعصاه فانفلقَ، فكان كلُّ فِرق كالطَّود العظيم، أي: كالجبل العظيم، فجعل الله لهم بذلك طريقًا في البحر يبسًا لا يخاف دركًا ولا يخشى، وصار موسى ومن معه يمشون على أرض صلبة يابسة، على كلِّ جانب من جوانب طريقهم جدار من الماء كأنه صخرٌ منحوت، وعندما خرج موسى ومن معه من البحر أمره الله عز وجل أن يترك البحر ساكنًا حتى يدخل فيه فرعون وجنوده، فلما صار فرعون وجنوده في اليَم غشيهم من اليمِّ ما غشيهم، وأضل فرعون قومه وما هدى، ولما أدركَه الغرق قال: ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 90]، فلم ينفعْه هذا الإيمان، ولم يخلصه من عذاب الله، ورمى البحر بجثته ليراها من بقي من قومه؛ ليعرفوا قدرة الله عليه، وكان ذلك في يوم عاشوراء.

وإلى الفصل القادم إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الطُّهُورُ بَيْنَ الغَفْلَةِ وَالبَصِيرَة
* 6 أخطاء ابعد عنها عشان تحتفظ بحب وتقدير أولادك.. ابعد عن المثالية الزايدة
* رسالة إلى القادرين على التغيير
* حقوق الزوجة على زوجها
* 4 قواعد مهمة لتربية طفل واثق من نفسه ويتعامل بدون خوف
* السلوك العدواني عند الأطفال
* تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا...}

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس