إنه إعجازٌ لُغويٌّ فيَّاض عظيم التدفُّق، لا يَحدُّه حدٌّ، وإنَّ التعرُّض لفيوضاتهِ وتلمُّس أسراره لا يقف عند حروف الكلمة وحدها؛ فقد شَهِد السياقُ في مُجملهِ بستاناً مُورِقاً يانع الثمار والأزهار؛ وهو ما زاد المعنَى حلاوةً في نفس القارئ أوْ السامع!
نعم! إنَّ الألفاظ الوحيدة التي وردت في القرآن لا تتوقف روعتها على عذوبتها، ودهشتِها، وجمالها وتميُّزها فحسب؛ بلْ إنها تَحمِل كثيراً من المفاهيم المُبطَّنة والدلالات البعيدة، بحيث لا تستطيع أنْ تُعبِّر عنها بغيرها؛ وهو ما يجعلكَ تحتاج إلى كثيرٍ من الألفاظٍ والجُمَل لتقريب معناها وشرح أبعادها وتفسير مرادها، وربَّما لا تصلُ إلى كُنهِها وفحواها ومراميها!
انظر وتأمَّل مَليّاً في تلك الألفاظ الفريدة، ثمَّ انظر إلى المواضع التي سِيقت فيها، ثمَّ اسأل نفسك: هل بمقدور أحدٍ أن يصيغ هذه الألفاظ البديعة بمثل هذه الصياغة العُلويَّة، أوْ يُوظِّفها بتلك البراعة الفائقة؛ التي أعجزتْ أربابَ البيان وسدنةَ اللغة، وجعلتهم يقفونَ عندها مشدوهين، ويَخِرُّونَ أمام منزلها ساجدين!
حسبُكَ أن تتوقَّفَ أمام بِضعة ألفاظ، مثل: ({ضِيزَى} - {لَنَسْفَعاً} - {وَانْحَرْ} - {جِيدِهَا})، ثمَّ تأمَّل مدى دقَّتها وعُمقها ورونقها، وما اشتملتْ عليه من وجوه الإعجاز التي استبطنته هذه الكلمات:
كلمة {ضِيزَى} التي وردت في قوله سبحانه: {تِلْكَ إذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: ٢٢]:
يقول أهل اللغة: أيْ: قِسْمة جائرة غريبة، وهيَ كلمة غريبة في لفظها وغريبة في معناها وغريبة في نطْقها وغريبة في صوتها، فجمعت أربع غرائب في أربعـة حروف! وليس في كلام العرب صفة على وزن فعلى التي هي (ضيزى)؛ فقد جاءت غريبة كالقِسْمة الغريبة التي قسمها الكفَّار بينهم وبين الله سبحانه في شأن الملائكة كما قال: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى} [النجم: 21]؛ فالقِسْمة غريبة واللفظ غريب، وهذا تناظر جميل في اللغة.
كلمة {لَنَسْفَعاً} التي وردت في قوله: {كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15]:
تقول المعاجمُ اللغوية: (السفع) هو الصدمة البالغة التي تنتاب الفلَقات الجبهية الأمامية لوجه الإنسان، فتُحدِث تلَفاً أو خَللاً يُصيب الفص الأمامي فيُغيِّر السلوك الطبيعي للإنسان، وقد يصل إلى هبوط في معايير التذكُّر والقدرة على حل المشكلات العقلية. ويقول المعجم الطبِّي الحـديث: (سفْع الناصية) هو الإصابة خلف الجبهة؛ التي هيَ مصدر اتخاذ القرار، فإذا أُصيبَ هذا الجزء من المخ الذي يقع تحت العظْمة مباشرة؛ فإنَّ صاحبه لا تكون له إرادة مستقلة؛ لأنَّ هذا الجزء هو مركز التوجيه والضبط، والمسؤول عن تصرفات الإنسان، فلا يستطيع أن يختار إذا قلتَ له: اجلس، أوْ قِف، أوْ اذهب. لأنه فاقد السيطرة على نفسه، مِثل الذي تقلَع له عينيه فلا يرى!
كلمة {وَانْحَرْ} التي وردت في قوله سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢]:
يقول اللغويُّون: (النَّحر) خاص بالإبل، و (الذَّبح) خاص بالغَنَم وغيرها.
فقد اختار القرآنُ لفظ {وَانْحَرْ} وليس (اذبح)؛ فاللهُ سبحانه قد أعطى لنبيِّه الفضلَ الكبير، والخير العميم، في قوله {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: ١]، ثمَّ أمره بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأمره بأفضل القرابين وأنْفَسها، وهي (الإبل) فقال (انحر) فجمعتْ هذه الكلمة حُسناً إلى حُسن: روعة التعبير، وجمال الفاصلة القرآنية!
يتبع