عرض مشاركة واحدة
قديم يوم أمس, 06:27 PM   #3
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 88

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

كلمة {جِيدِهَا} التي وردت في قوله سبحانه: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} [المسد: ٥]:

جاء في قاموس (المصباح المنير): الجِيْد هو العُنُق والجمع أجياد، وهو موضِع الزينة ولِبس الحُليِّ والمجوهرات. واستعمالها في قوله: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}. يدل على استغراق الحبل في كل عنقها حارقاً إياها، فاستبدلَ الفضة والذهب بحبلٍ من النار! وقد جمَعتْ الكلمةُ في سياقها تناسقاً في اللفظ وتناسقاً في الصورة وتناسقاً نفسياً؛ فجهنم هنا نار ذات لهب، تصلاها امرأة أبي لهب، التي تحمِل الحطَب على عُنقِها (جيدها)، وتُلقيه في طريق النبي #،
«والحطب مِمَّا يُوقِد اللهب» وهي تَحزِم الحطبَ بحبل، فعذابها إذاً في النار ذات اللهب أن تُغَلَّ بحبلٍ مِن مَسَد ليكون الجزاء من جنس العمل، وتتمُّ الصورة بهذه المحتويات: (الحطب، والحبل، والنار، واللهب) يصلَى بهذا أبو لهب وامرأته حمالة الحطب!

وعلى هذا النحو الرائق البديع من الإعجاز العُلوي، جاءت تلك الألفاظ الوحيدة في القرآن، والتي بلَغتْ (1620 كلمة) لم تتكرَّر أبداً، بلْ ذُكِرت مرةً واحدة فقط، متفرِّقة في سياقاتها البديعة عَبْرَ سُوَر القرآن وآياته

ومن تلك الكلمات التي أعجزت الفصحاءَ والبُلغاءَ كثيراً، واستوقفتْ العلماءَ والمفسِّرين طويلاً:
{فليبتكن} - {تُبْسَلَ} - {اسْتَهْوَتْهُ} - {غَمَرَاتِ} - {خَوَّلْنَاكُمْ} - {لِيُرْدُوهُمْ} - {وَلِيجَةً} - {خِفْتُم عَيْلَةً} - {يُضَاهِؤُونَ} - {لِّيُوَاطِؤُوا} - {فَثَبَّطَهُمْ} - {فَسِيحُوا} - {أنلزِمكموه} - {لِّيُوَاطِئُوا} - {الغَارِ} - {هَيْتَ لَك} - {أَلْفَيَا سَيِّدَهَا} - {مدهامّتان} - {والعاديات ضَبْحاً} - {فالـمورِيات قَدْحاً} - {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ} - {كعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} - {شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} - {غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ} - {النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} - {الْوَسْوَاسِ الْـخَنَّاسِ}... وغيرها كثير من الألفاظ التي تُلقي بظلالها الممتدَّة، وتُوحي بمدى الإعجاز الإلهي، والسموِّ المتناهي، وتحمِل من الأفكار والمعاني والشروح ما لا يُمكِن حصره بجُملٍ عديدة! وقد فتحتْ شهيَّة الأدباء والعلماء والفقهاء والبلاغيِّين والمفسرين؛ لينهلوا من موردها، ويَغرِفوا من مَعينها الرائق العذب الزلال إلى أن يَنفضَّ سُرادق الحياةِ والأحياء، وتنقلِب الشعوبُ والأُممُ جميعاً إلى المَلِك العلاَّم.

ومن الألفاظ الوحيدة في القرآن أيضاً ما قيلَ بأنَّ أصولها
(أعجميَّة)؛ لأنها وُجِدتْ في لغات أخرى، وقد نطقها العربُ القدماءُ وتداولوها مِن خلال التجارة والأسفار والرحلات إلى بلاد الشام وفارس وإفريقيا؛ فصارت بذلك عربية. والمهم أنَّ قيمتها إنما تعود إلى مكانها مِن النظْم المعجِز الأخَّاذ، ونقْلِها للمعنَى القرآني الرائق العذْب البديع.

وقد أوردها صاحب (الإتقان)[3]، منها:
(إصْر - حواريُّون - دُريٌّ - السِّجِلُّ- الصراط - القِسْط - كفليْن - مشكاة - منسأة - حصَب - غسَّاق - القِسطاس - اليم - وَزَر - كُوِّرت - مرقوم- مناص - الـمُهْل - يَحُـور - الفُـوُم - أسـفار- أوَّاب - اسـتبرق - أرائك - تنُّور - ياقوت - كافور - رهْواً - سِجِّيل - طاغوت) وغيرها من الألفاظ التي استعملها القرآنُ وحفِظها وخلَّدها، بعدما كادت أن تتلاشى وتذهب في دجى النسيان؛ بسبب اندثار لغاتها، وزوالها بلا رجعة!

نعم! فقد اندثرت وتلاشت سائر اللغات القديمة: كالروميِّة، والحبشيِّة، والزنجيَّة، والآراميَّة، والسريانيَّة، ولم يَعرف الناسُ عنها شيئاً منذ ذلك العهد، ولمْ يبقَ منها شيء سوى الكلمات التي استعملها القرآنُ المجيد، وخلَّدها عبر العصور، وتخطَّى بها اليابس والماء.



وصدقَ (محمَّد إقبال) حينما قال: «مَن أراد أن يكتبَ وثيقةً ويدفنها في الأرض فيقرأها الناسُ بعد ألف جيل، فليكتبها باللغة العربيَّة، فهي لغة الخلود مِن القرآن الخالد».

بلْ إنَّ القرآنَ قد صَقَـلَ هذه الألفاظ (الأعجميَّة) وهذَّبها حتى صارت أرقَّ وأبهى مِمَّا كانت عليه، وفي هذا المعنى يقول المطرانُ (أبو داود) المتخصِّص في العربية والسوريانية: «إذا نُقِلت الألفاظُ الحسنة إلى السوريانية قبُحتْ وخسَّتْ، وإذا نُقل الكلام المختار من السوريانية إلى العربية، ازداد طلاوةً وحُسناً، وهذا ما يُخبِر به أهلُ كل لغةٍ عن لغتهم حال مقارنتها مع العربية».
ومِمَّا يؤكد هـذه الحقيقة المهمَّـة؛ أنه عندما يُنقَل القرآنُ إلى لغةٍ أخرى غير العربية، فإنَّ المعاني لا تُسـتوفَى كمـا هي مسـتوفاة بالعربيـة؛ لأنَّ البيان المعجِز الذي تحدَّى الإنسَ والجن؛ قد يَفقد كثيراً من خصائصه عند الترجمة، حتى اضطرَّ المترجِمون أن يَنقِلوا كثيراً من كلمات القرآن إلى اللغات الأخرى كما هيَ عليه دون تغييرٍ أوْ تصحيف!
ورحِمَ اللهُ أميرَ الشعراء، القائل:
إنَّ الذي وهَبَ اللغات مَحاسناً
جعلَ الجَمَالَ وسِرَّه في الضادِ!


إنَّ هذه الثروة اللفظية الهائلة التي قد بلغت أوجها مِن الجَمَال والكمال والسموِّ والرقيِّ؛ استحالت على الترجمة؛ لعدم وجود مثيلٍ أوْ شبيهٍ لها في ألفاظ اللغات الأخرى، فلا يوجد بين سائر اللغات العالمية ما يَحمِل معنى اللفظ القرآني، أوْ مستلهماً لروحه ومستوعباً لجلاله، وجميع الترجمات القرآنية الموجودة بمختلف اللغات؛ تنُم عن هذا القصور والضعف والركاكة أمام اللفظ الذي أتى به القرآنُ حاملاً معه أسراره الغزيرة وعلومه الكثيرة.
إنَّ في ذلك لحكمة إلهية، وسِراً مِن أسرار إعجاز الكتاب الخاتم؛ الذي جمع أمجاد الكُتب والرسالات السابقة؛ إذ اختير لهُ أرقَى الألسنة (العربية) لفظاً ومعنى؛ لتكون لغة خطاب اللهِ الأخير لمخاطبة البشر في النبوة الخاتمة، التي انتهت إليها أصول الرسالات السماوية.
أرأيتُم روعة ألفاظ القرآن المجيد؛ الذي ما زال آيةً كبرى على صِدق الوحي الإلهي وجلاله، ولا زال مستحيلاً على أرباب اللغة وعباقرة البيان في سَبْر أغواره، واستخراج كنوزهِ وجواهره.

[1] دليل الألفاظ الوحيدة في القرآن، د. عصام المليجي.
[2] عبقرية اللغة العربية، محمد القوصي، منشورات منظمة الإيسسكو، الرباط.
[3] الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، مكتبة مصر، القاهرة.

. محمد عبد الشافي القوصي

مجلة البيان


امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس